Полный текст (5 110 стр.). Показаны 5076–5110 · переход к 5081.
стр. 5076
ابو حنيفة ﵀ يرميهم اى الله او الطير لانه اسم جمع تأنيثه باعتبار المعنى والحجارة جمع حجر بالتحريك بمعنى الصخرة والمعنى بالفارسية مى افكندند بدان لشكر بسنكها.
يقال رمى الشيء وبه ألقاه مِنْ سِجِّيلٍ من طين متحجر وهو الآجر معرب. سنك گل. وقال بعضهم متحجر من هذين الجنسين وهما سنج الذي هو الحجر وجيل الذي هو الطين او هو علم للديوان الذي كتب فيه عذاب الكفار كما ان سجينا علم للديوان الذي كتب فيه عذاب الكفار كما ان سجينا علم للديوان الذي تكتب فيه أعمالهم كأنه قيل بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدون واشتقاقه من الاسجال وهو الإرسال فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ كورق زرع وقع فيه الاكال وهو أن يأكله الدود وسمى ورق الزرع بالعصف لان شأنه ان يقطع فتعصفه الرياح اى تذهب به الى هنا وهنا شبههم به فى فنائهم وذهابهم بالكلية او من حيث انه حدثت فيهم بسبب رميهم منافذ وشقوق كالزرع الذي أكله الدود ويجوز أن يكون المعنى كورق زرع أكل حبه فبقى صفرا منه فيكون من حذف المضاف واقامة المضاف اليه مقامه اى كعصف مأكول الحب شبههم بزرع أكل حبه فى ذهاب أرواحهم وبقاء أجسادهم او كتبن أكلته الدواب وألقته روثا فيبس وتفرقت اجزاؤه شبه تقطع أوصالهم بتفرق اجزاء الروث وفيه تشويه لحالهم ومبالغة حسنة وهو أنه لم يكتف بجعلهم أهون شىء فى الزرع وهو التبن الذي لا يجدى طائلا حتى جعلهم رجيعا الا انه عبر عن الرجيع بالمأكول او أشير اليه بأول حاله على طريق الكناية مراعاة لحسن الأدب واستهجانا لذكر الروث كما كنى بالأكل فى قوله تعالى كانا يأكلان الطعام عما يلزم الاكل من التبول والتغوط لذلك فدأب القرءان هو العدول عن الظاهر فى مثل هذا المقام قال بعض العارفين من كان اعتماده على غير الله أهلكه الله بأضعف خلقه الا ترى ان اصحاب الفيل لما اعتمدوا على الفيل من حيث انه أقوى خلق الله اهلكهم الله بأضعف خلق من خلقه وهو الطير. وكفته اند اگر پيل نتوانى بود بارى از پشه كم مباش كه بر صورت پيل است پشه كويد كه اگر من بقوت پيل نيستم كه بارى كشم بارى بصورت پيلم كه بار خويش بر كس نيفكم. وفيه اشارة الى ابرهة النفس المتصفة بصفة الغضب والحقد المجبولة على خلقة الفيل كالسبعية فى السبع والكبر فى النمر فارسل الله عليها طير الأرواح حاملين أحجار الاذكار والأوراد فأكلتها أكل الاكلة وعصفت مزروعاتهم السيئة وبطل قليس طبيعتها الجسمانية التي كانت تدعو القوى إليها لان هذه الدعوة كانت بتزيين الشيطان فلا تقاوم دعوة الروح الى كعبة القلب التي كانت من الرحمن
هر كه بر شمع خدا آرد تفو ... شمع كى ميرد بسوزد پوز او
چون تو خفاشان بسى بينند خواب ... كين جهان ماند يتيم از آفتاب
قوله مأكول يوقف عليه ثم يكبر ولا يوصل حذرا من الإيهام تمت سورة الفيل فى يوم الخميس سابع جمادى الاولى من سنة سبع عشرة ومائة وألف
стр. 5077
تفسير سورة الإيلاف
اربع آيات مكية بسم الله الرحمن الرحيم
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ متعلق بقوله تعالى فليعبدوا وهو قول الزجاج والفاء لما فى الكلام من معنى الشرط إذ المعنى ان نعم الله عليهم غير محصورة فان لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه النعمة الجليلة فالايلاف تعدية الألف مصدر من المبنى للمفعول مضاف الى مفعوله الاول مطلقا عن المفعول الثاني الذي هو الرحلة كما قيد به فى الإيلاف الثاني يقال الفت الشيء بالقصر وآلفته بالمد بمعنى لزمته ودمت عليه وما تركته فيكون كل من الألف والإيلاف لازما ويقال ايضا آلفته غيرى بالمد اى ألزمته إياه وجعلته يألفه فيكون متعديا قال فى تاج المصادر الإيلاف الف دادن والف كرفتن. وضد الإيلاف والإيناس هو الايحاش وقيل متعلق بما قبله من قوله فجعلهم كعصف مأكول ويؤيده انهما فى مصحف ابى رضى الله عنه سورة واحدة بلا فصل فيكون الإيلاف بمعنى الالف اللازم فالمعنى أهلك الله من قصدهم من الحبشة لان يألفوا هاتين الرحلتين ويجمعوا بينهما ويلزموا إياهما ويثبتوا عليهما متصلالا منقطعا بحيث إذ فرغوا من ذه أخذوا فى ذه وبالعكس وذلك لان الناس إذا تسامعوا بذلك الإهلاك تهببوا لهم زيادة تهبب واحترموهم فضل احترام فلا يجترئ عليهم أحد فينتظم لهم الا من فى رحلتيهم وكان لقريش رحلتان يرحلون فى الشتاء الى اليمن وفى الصيف الى الشام فيمتارون ويتجرون وكانوا فى رحلتيهم آمنين لانهم أهل حرم الله وولاة بيته العزيز فلا يتعرض لهم والناس بين متخطف ومنهوب وذلك ان قريشا إذا أصاب واحدا منهم مخمصة خرج هو وعياله الى موضع وضربوا على أنفسهم خباء حتى يموتوا وكانوا على ذلك الى ان جاء هاشم بن عبد مناف وكان سيد قومه فقام خطيبا فى قريش فقال انكم أحدثتم حدثا تقلون فيه وتذلون وأنتم أهل حرم الله واشرف ولد آدم والناس لكم تبع قالوا نحن تبع لك فليس عليك منا خلاف فجمع كل بنى اب على الرحلتين فى الشتاء الى اليمن وفى الصيف الى الشام لان بلاد اليمن حامية حارة وبلاد الشام مرتفعة باردة ليتجروا فيما بدا لهم من التجارات فما ربح الغنى قسم بينه وبين فقرائهم حتى كان فقيرهم كغنيهم فجاء الإسلام وهم على ذلك فلم يكن فى العرب بنوا اب اكثر مالا ولا أعز من قريش وكان هاشم أول من حمل السمراء من الشام وقريش ولد النضر بن كنانة ومن لم يلده فليس بقرشي سموا بتصغير القرش وهو دابة عظيمة فى البحر تعبث بالسفن وتقلبها وتضربها فتكسرها ولا تطاق الا بالنار فشبهوا بها لانها تأكل ولا تؤكل وتعلو ولا تعلى والتصغير للتعظيم فكانه قيل قريش عظيم وقال بعضهم الاوجه ان التصغير على حقيقته لانه إذا كان القرش دابة عظيمة والقرش مع صغر حجمه جعل قرشا فهو لا محالة قريش وفيه ان جعل قريش قريشا لم يكن لمناسبة الحجم بل كان لوصف الآكلية وعدم المأكولية ووصف الغلبة وعدم المغلوبية وهذان الوصفان يوجد ان فى تلك الدابة على وجه الكمال
стр. 5078
فلا معنى للتصغير الا التعظيم قال الزمخشري سمعت بعض التجار بمكة ونحن قعود عند باب بنى شيبة يصف لى القرش فقال هو مدور الخلقة كما بين مقامنا هذا الى الكعبة ومن شأنه ان يتعرض للسفن الكبار فلا يرده شىء الا ان يأخذ أهلها المشاعل فيمر على وجهه كالبرق وكل شىء عنده قليل الى النار وبه سميت قريش قال الشاعر
وقريش هى التي تسكن البحر ... بها سميت قريش قريشا
تأكل الغث والسمين ولا ... تترك فيه لذى جناحين ريشا
هكذا فى البلاد حتى قريش ... يأكلون البلاد أكلا كميشا
ولهم آخر الزمان نبى ... يكثر القتل فيهموا والخموشا
الخموش الخدوش وأكلا كميشا اى سريعا وفى القاموس قرشه يقرشه ويقرشه قطعه وجمعه من هاهنا وهاهنا وضم بعضه الى بعض ومنه قريش لتجمعهم الى الحرم أو لأنهم كانوا يتقرشون البيعات فيشترونها أو لأن النضر ابن كنانة اجتمع فى ثوبه يوما فقالوا تقرش أو لأنه جاء الى قومه فقالوا كأنه جمل قريش اى شديد أو لأن قصيا كان يقال له القريشي أو لأنهم كانوا يفتشون الحاج فيسدون خلتها او سميت بمصغر القرش وهو دابة بحرية يخافها دواب البحر كلها او سميت بقريش بن يخلد بن غالب بن فهر وكان صاحب غيرهم فكانوا يقولون قدمت عير قريش وخرجت عير قريش والنسبة قرشى وقريشى انتهى إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ بدل من الاول ورحلة مفعول به لايلافهم وهى بالكسر الارتحال وبالضم الجهة التي يرحل إليها واصل الرحلة السير على الراحلة وهى الناقة القوية ثم استعمل فى كل سير وارتحال وافرادها مع انه أراد رحلتى الشتاء والصيف لأمن الإلباس مع تناول اسم الجنس للواحد والكثير وفى اطلاق الإيلاف عن المفعول اولا ثم ابدال المقيد منه تفخيم لامره وتذكير لعظيم النعمة فيه والشتاء الفصل المقابل للصيف وفى القاموس الشتاء أحد أرباع الازمنة والموضع المشتى والصيف القيظ او بعد الربيع والقيظ صميم الصيف من طلوع الثريا الى طلوع سهيل فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ بسبب تينك الرحلتين اللتين تمكنوا منهما بواسطة كونهم من جيرانه وسكان حرمه وقيل بدعوة إبراهيم ﵇ يجيى اليه ثمرات كل شىء مِنْ جُوعٍ شديد كانوا فيه قبلهما وكان الجوع يصيبهم الى ان جمعهم عمرو العلى وهو هاشم المذكور على الرحلتين قال ابو حيان من هاهنا للتعليل اى لاجل الجوع وقال سعدى المفتى الجوع لا يجامع الإطعام والظاهر انها للبدلية. يقول الفقير الظاهر ان مآل المعنى نجاهم من الجوع بسبب الإطعام والترزيق وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ عظيم لا يقادر قدره وهو خوف اصحاب الفيل او خوف التخطف فى بلدهم ومسايرهم وقال صاحب الكشاف الفرق بين عن ومن ان عن يقتضى حصول جوع قد زال بالاطعام ومن يقتضى المنع من لحاق الجوع والمعنى أطعمهم فلم يلحقهم جوع وآمنهم فلم يلحقهم خوف فيكون من لابتداء الغاية والمعنى أطعمهم فى بدء جوعهم قبل
стр. 5079
لحاقه إياهم وآمنهم فى بدء خوفهم قبل اللحاق ومن بدع التفاسير وآمنهم من خوف من ان تكون الخلافة فى غيرهم كما فى الكشاف وعن أم هانئ بنت ابى طالب رضى الله عنها قالت ان رسول الله ﷺ فضل قريشا اى ذكر تفضيلهم بسبع خصال لم يعطها أحد قبلهم ولا يعطاها أحد بعدهم النبوة فيهم والخلافة فيهم والحجابة للبيت فيهم والسقاية فيهم ونصروا على الفيل اى على أصحابه وعبدوا الله سبع سنين وفى لفظ عشر سنين لم يعبده أحد غيرهم ونزلت فيهم سورة من القرآن لم يذكر فيها أحد غيرهم لايلاف قريش وتسمة لايلاف قريش سورة يرد ما قيل ان سورة الفيل ولايلاف قريش سورة واحدة فلينظر ما معنى عبادتهم لله دون غيرهم فى تلك المدة. يقول الفقير أشار بقريش الى النفس المشركة وقواها الظالمة الخاطئة الساكنة فى البلد الإنساني الذي هو مكة الوجود وبالشتاء الى القهر والجلال وبالصيف الى اللطف والجمال واعنى بالقهر والجلال العجز والضعف لان المقهور عاجز ضعيف وباللطف والجمال القدرة والقوة لان الملطوف به صاحب التمكين فاما عجز النفس وضعفها فعند عدم مساعدة هواها واما قوتها وقدرتها فعند وجود المساعدة فهى وصفاتها ترتحل عند العجز والضعف الى بمن المعقولات لانها فى جانب يمين القلب وعند القوة والقدرة ترتحل الى شأم المحسوسات لانها فى جانب شمال القلب الذي يلى الصدر فهى تتقلب بين نعم المعقولات ونعم المحسوسا ولا تشكرها بأن تقر بوحدة الوجود ورسالة رسول القلب كالفلاسفة المتوغلة فى المعقولات والفراعنة المنهمكة فى المحسوسات ولذا قال تعالى فليعبدوا رب هذا البيت اى بيت القلب الذي هو الكعبة الحقيقية لانها مطاف الواردات والإلهامات ومن ضرورة العبادة له الإقرار برسالة رسول الهدى الذي هو القلب فالبيت معظم مشرف مطلقا لاضافة الرب اليه فما ظنك بعظمة الرب وجلاله وهيبته ورب القلب هو الاسم
لجامع المحيط بجميع الأسماء والصفات وهو الاسم الأعظم الذي نيط به جميع التأثيرات العقلية والروحانية والعلمية والغيبية أمروا بأن يكونوا تحت هذا الاسم لا تحت الأسماء الجزئية ليتخلصوا من الشرك ويتحققوا بسر وحدة الوجود فان الأسماء الجزئية تعطى التقييد والاسم الكلى يعطى الإطلاق ومن ثمة بعث النبي ﵇ فى أم البلاد اشارة الى كليته وجمعيته وهذا الرب الجليل المفيض المعطى أزال عنهم جوع العلوم والفيوض وأطعمهم بها وآمنهم من خوف الهلاك من الجوع لان نفس الجاهل كالميت ولا شك ان الاحياء يخافون من الموت هكذا ورد بطريق الإلهام من الله العلام
تفسير سورة الماعون
سبع او ست آيات مكية بسم الله الرحمن الرحيم
أَرَأَيْتَ يا محمد اى هل عرفت الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ اى بالجزاء او بالإسلام يعنى آيا ديدى ودانستى آنكس را كه تكذيب ميكند بروز جزا ويا دين الإسلام وباور نميكند.
ان لم تعرفه او ان أردت ان تعرفه فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ اى يدفعه دفعا عنيفا ويزجره زجرا
стр. 5080
قبيحا فهو جواب شرط محذوف على ان ذلك مبتدأ والموصول خبره وهو ابو جهل كان وصيا ليتيم فجاءه عريانا يسأله من مال نفسه فدفعه دفعا شنيعا فأيس الصبى فقال له أكابر قريش قل لمحمد يشفع لك وكان غرضهم الاستهزاء به وهو ﵇ ما كان يرد محتاجا فذهب معه الى ابى جهل فقام ابو جهل وبذل المال لليتيم فعيره قريش وقالوا أصبوت فقال لا والله ما صبوت ولكن رأيت عن يمينه وعن يساره حربة خفت ان لم أجبه يطعنها فى فالذى للعهد ويحتمل الجنس فيكون عاما لكل من كان مكذبا بالدين ومن شأنه اذية الضعيف ودفعه بعنف وخشنونة لاستيلاء النفس السبعية عليه وَلا يَحُضُّ اى لا يحث اهله وغيرهم من الموسرين عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ اى على بذل طعام له يعنى بر طعام دادن درويش ومحتاج ويمنع المعروف عن المستحق لاستيلاء النفس البهيمة ومحبة المال واستحكام رذيلة البخل فانه إذا ترك حث غيره فكيف يفعل هو نفسه فعلم ان كلا من ترك الحث وترك الفعل من امارات التكذيب وفى العدول من الإطعام الى الطعام وإضافته الى المسكين دلالة على ان للمساكين شركة وحقا فى مال الأغنياء وانه انما منع المسكين مما هو حقه وذلك نهاية البخل وقساوة القلب وخساسة الطبع فان قلت قد لا يحض المرء فى كثير من الأحوال ولا يعد ذلك اثما فكيف يذم به قلت اما لان عدم حضه لعدم اعتقاده بالجزاء واما لان ترك الحض كناية عن البخل ومنع المعروف عن المساكين ولا شبهة فى كونه محل الذم والتوبيخ كما ان منع الغير من الإحسان كذلك
چون ز كرم سفله بود در كران ... منع كند از كرم ديكران
سفله نخواهد دكرى را بكام ... خس نكذارد مكسى را بجام
فَوَيْلٌ الفاء لربط ما بعدها بشرط محذوف كأنه قيل إذا كان ما ذكر من عدم المبالاة باليتيم والمسكين من دلائل التكذيب بالدين وموجبات الذم والتوبيخ فويل اى شدة العذاب لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ السهو خطأ عن غفلة وذلك ضربان أحدهما ان لا يكون من الإنسان جوالبه ومولداته كمجنون سب إنسانا والثاني ان يكون منه مولداته كمن شرب خمرا ثم ظهر منه منكر لا عن قصد الى فعله فالاول معفو عنه والثاني مأخوذ به ومنه ما ذم الله فى الآية والمعنى ساهون عن صلاتهم سهو ترك لها وقلة التفات إليها وعدم مبالاة بها وذلك فعل المنافقين او الفسقة من المؤمنين وهو معنى عن ولذا قال انس رضى الله عنه الحمد لله على ان لم يقل فى صلاتهم وذلك انه لو قال فى صلاتهم لكان المعنى ان السهو يعتريهم وهم فيها اما بوسوسة شيطان او بحديث نفس وذلك لا يكاد يخلو منه مسلم والخلوص منه عسير ولما نزلت هذه الآية قال ﵇ هذه خير لكم من ان يعطى كل واحد منكم مثل جميع الدنيا فان قلت هل صدر عن النبي ﵇ سهو قلت نعم كما قال (شغلونا عن صلاة العصر) اى يوم الخندق (ملأ الله قلوبهم نارا) وايضا سها عن صلاة الفجر ليلة التعريس وايضا صلى الظهر ركعتين ثم سلم فقال له أبو بكر رضى الله عنه صليت ركعتين
стр. 5081
فقام وأضاف إليهما ركعتين لكن سهوه ﵇ فيما ذكر وفى غيره ليس كسهو سائر الخلق وأيهم مثله ﵇ وهو فى الاستغراق والانجذاب دائما وقد قال تنام عيناى ولا ينام قلبى وفيه اشاره الى السهو عن شهود لطائف الصلاة والغفلة عن اسرارها وعلومها وقرأ ابن مسعود رضى الله عنه لاهون مكان ساهون فعلى العاقل ان تفوته الصلاة التي هى من باب المعراج والمناجاة ولا يعبث فيها باللحية والثياب ولا يكثر والتثاؤب والالتفات ونحوهما ومن المصلين من لا يدرى عن كم انصرف ولا ما قرأ من السورة الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ اى يرون الناس أعمالهم ليروهم الثناء عليها فان قلت فحينئذ يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز لان الثناء لا يتعلق به الرؤية البصرية قلت هو محمول على عموم المجاز او على جعل الإراءة من الرؤية بمعنى المعرفة قال فى الكشاف والعمل الصالح ان كان فريضة فمن حق الفرائض الإعلان بها وتشهيرها لقوله ﵇ ولا غمة فى فرآئض الله لانها اعلام الإسلام وشعائر الدين ولان تاركها يستحق الذم والمقت فوجب اماطة التهمة بالإظهار وان كان تطوعا فحقه ان يخفى لانه مما لا يلام بتركه ولا تهمة فيه وان أظهره قاصدا للاقتدآء فيه كان جميلا وانما الرياء ان يقصد ان تراه الأعين فتثنى عليه بالصلاح واجتناب الرياء صعب لانه أخفى من دبيب النملة السوداء فى الليلة المظلمة على المسح الأسود
كليد در دوزخست آن نماز ... كه در چشم مردم كزارى دراز
والفرق بين المرائى والمنافق ان المنافق يبطن الكفر ويظهر الايمان والمرائى يظهر زيادة الخشوع وآثار الصلاح ليعتقد من يراه انه من أهل الصلاح وحقيقة الرياء طلب ما فى الدنيا بالعبادة وفيه اشارة الى ان من يضيف اعماله وأحواله الى نفسه الظلمانية فهو مرآئ وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ من المعن وهو الشيء القليل وسميت الزكاة ماعونا لانه يؤخذ من المال ربع العشر وهو قليل من كثير وقال ابو الليث الماعون بلغة الحبشة المال وفى برهان القرآن قوله الذين هم ثم بعده الذين هم كرر ولم يقتصر على مرة واحدة لامتناع عطف الفعل على الاسم ولم يقل الذين هم يمنعون لانه فعل فحسن العطف على الفعل وهذه دقيقة انتهى والمعنى ويمنعون الزكاة كما دل عليه ذكره عقيب الصلاة او ما يتعاور عادة فان عدم المبالاة باليتيم والمسكين حيث كان من عدم الاعتقاد بالجزاء موجب للذم والتوبيخ فعدم المبالاة بالصلاة التي هى عماد الدين والرياء الذي هو شعبة من الكفر ومنع الزكاة التي هى قنطرة الإسلام وسوء المعاملة مع الخلق أحق بذلك وكم ترى من المتسمين بالإسلام بل من العلماء منهم من هو على هذه الصفة فيا مصيبتاه والمراد بما يتعاوره عادة اى يتداوله الناس بالعارية ويعين بعضهم بعضا باعارته هو مثل الفاس والقدر والدلو والابرة والقصعة والغربال والقدوم والمقدحة والنار والماء والملح ومن ذلك ان يلتمس جارك ان يخبز فى تنورك او يضع متاعه عندك يوما او نصف يوم عن عائشة رضى الله عنها انها قالت يا رسول الله ما الذي لا يحل منعه قال الماء والنار والملح فقالت يا رسول الله هذا الماء فما بال النار والملح قال لها يا حميراء من اعطى نارا فكأنما
стр. 5082
تصدق بجميع ما طبخ بتلك النار ومن اعطى ملحا فكأنما تصدق بجميع ما طيب بذلك الملح ومن سقى شربة من الماء حيث لا يوجد الماء فكانما احيى نفسا كما فى كشف الاسرار وقد يكون منع هذه الأشياء محظورا فى الشريعة إذا استعيرت عن اضطرار وقبيحا فى المروءة فى غير حال الضرورة وفى عين المعاني فلما منعوا من الكوثر ففى الآية الزجر عن البخل الذي هو صفة المنافقين تمت سورة الماعون يوم عيد المؤمنين
تفسير سورة الكوثر
ثلاث آيات مكية او مدنية بسم الله الرحمن الرحيم
إِنَّا ان جار مجرى القسم فى تأكيد الجملة أَعْطَيْناكَ بصيغة الماضي مع ان العطايا الاخروية واكثر ما يكون فى الدنيا لم تحصل بعد تحقيقا لوقوعها الْكَوْثَرَ اى الخير المفرط الكثرة من العلم والعمل وشرف الدارين فوعل من الكثرة كنوفل من النفل وجوهر من الجهر قيل لاعرابية آب ابنها من السفر بم آب ابنك قالت آب بكوثر اى بالعدد الكثير من الخير قال فى القاموس الكوثر الكثير من كل شىء وفى المفردات وقد يقال للرجل السخي كوثر ويقال تكوثر الشيء كثر كثرة متناهية وروى عنه ﵇ انه قرأها فقال أتدرون ما لكوثر انه بهم فى الجنة وعدنيه ربى فيه خير كثيرأ حلى من العسل وأشد بياضا من اللبن وأبرد من الثلج وألين من الزبد حافتاه الزبرجد وأوانيه من فضة عدد نجوم السماء لا يظمأ من شرب منه ابدا أول وارديه فقراء المهاجرين لدنسوا الثياب الشعث الرؤوس الذين لا يزوحون المنعمات ولا تفتح لهم أبواب السدد ويموت أحدهم وحاجته تتلجلج فى صدره لو أقسم على الله لائبره وعن ابن عباس رضى الله عنهما انه فسر الكوثر بالخير الكثير فقال له سعيد بن جبير ان ناسا يقولون هو نهر فى الجنة فقال هو من الخير الكثير وعن عائشة رضى الله عنها من أراد ان يسمع خرير الكوثر فليدخل إصبعيه فى اذنيه وقال عطاء هو حوضه لكثرة وارديه وفى الحديث حوضى ما بين صنعاء الى ايلة على احدى زواياه ابو بكر وعلى الثانية عمرو على الثالثة عثمان وعلى الرابعة على فمن ابغض واحدا منهم لم يسقه الآخر فيكون الحوض فى المحشر والأظهر ان جميع نعم الله داخلة فى الكوثر ظاهرة او باطنة فمن الظاهرة خيرات الدنيا والآخرة ومن الباطنة العلوم اللدنية الحاصلة بالفيض الإلهي بغير اكتساب بواسطة القوى الظاهرة والباطنة. صاحب تأويلات فرموده كه كوثر معرفت كثرتست بوحدت وشهود وحدت در عين كثرت واين نهريست در بستان معرفت هر كه ازو سيراب شد ابد از تشنگئ جهالت ايمن است واين معنى خاصه حضرت رسالت ﵇ وكمل اولياء امت او فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ اى وانحر له فحذف اكتفاء بما قبله والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها فان إعطاءه تعالى إياه ﵇ ما ذكر من العطية التي لم يعطها ولن يعط بها أحدا من العالين مستوجب للمأمور به اى استيجاب والنحر فى للبة كالذبح فى الحلق
стр. 5083
والمعنى فدم على الصلاة لربك الذي أفاض عليك هذه النعمة الجليلة التي لا تضاهيها نعمة خالصا لوجهه كما دل عليه اللام الاختصاصية خلافا للساهين عنها المرائين فيها أداء لحقوق شكرها فان الصلاة جامعة لجميع اقسام الشكر وهى ثلاثة الشكر بالقلب وهو أن يعلم ان تلك النعم منه لا من عيره والشكر باللسان وهو أن بمدح المنعم ويثنى عليه والشكر بالجوارح وهو ان يخدمه ويتواضع له والصلاة جامعة لهذه الاقسام وانحر البدن التي هى خيار اموال العرب بأسمه تعالى يعنى وشتر قربان كن براى وى. وتصدق على المحاويج خلافا لمن يدعهم وبمنع منهم الماعون فالسورة كالمقابلة للسورة المتقدمة وقد فسرت الصلاة بصلاة العيد والنحر بالتضحية وهذا يناسب كون السورة مدنية وعن عطية هى صلاة الفجر بجمع والنحر بمنى.
مصطفى را ﵇ پرسيدند كه اگر كسى درويش بود وطاقت قربان ندارد چكونه كند تا ثواب قربان او را حاصل شود كفت چهار ركعت نماز كند در هر ركعتى يكبار الحمد خواند ويازده بار انا أعطيناك الكوثر الله تعالى او را ثواب شصت قربان در ديوان وى ثبت كند كما فى كشف الاسرار وعن على رضى الله عنه النحر هاهنا وضع اليدين فى الصلاة على النحر وعن سليمان التيمي ارفع يديك بالدعاء الى نحرك وفى التأويلات النجمية وانحر بدن انانيتك وانيتك بوضع يدك اليمنى الروحانية على يدك اليسرى الجسمانية على نحرك المشروح بسيف نص ألم نشرح لك صدرك إِنَّ شانِئَكَ يقال شنأه كمنعه وسمعه شنأ أبغضه اى مبغضك هُوَ للفصل الْأَبْتَرُ لبغضه لك لان نسبة امر الى المشتق تفيد علية المأخذ والبغض ضد الحب والبتر يستعمل فى قطع الذنب ثم اجرى قطع العقب مجراه فقيل فلان ابتر إذا لم يكن له عقب يخلفه والمعنى هو الذي لا عقب له حيث لا يبقى له نسل ولا حسن ذكر واما أنت فتبقى ذريتك وحسن صيتك وآثار فضلك الى يوم القيامة
آثار اقتدار تو تا حشر متصل ... خصم سياه روى تو بي حاصل وخجل
ولك فى الآخرة ما لا يندرج تحت البيان وذلك انهم زعموا حين مات ابنه ﵇ القاسم وعبد الله بمكة ابراهيم بالمدينة ان محمدا ﷺ ينقطع ذكره إذا انقطع عمره لفقدان نسله فنبه الله ان الذي ينقطع ذكره هو الذي يشنأه فاما هو فكما وصفه الله تعالى ورفعنا لك ذكرك وذلك انه أعطاه نسلا يبقون على مر الزمان فانظر كم قتل من أهل البيت ثم العالم ممتلئ منهم وجعله أبا للمؤمنين فهم أعقابه وأولاده الا يوم القيامة وقيض له من يراعيه ويراعى دينه الحق والى هذا المعنى أشار امير المؤمنين رضى الله عنه العلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة وآثارهم فى القلوب موجودة هذا فى العلماء الذين هم اتباعه ﵇ فكيف هو وقد رفع الله ذكره وجعله خاتم الأنبياء ﵈ وفى التأويلات النجمية ان شانئك هو الأبتر وهو حمار النفس المبتور ذنب نسله وعقبه فان أولاد الأعمال الصالحة والأحوال الصادقة والأخلاق الروحانية والأوصاف الربانية أولادك يا رسول القلب واتباعك واشياعك وأعوانك. يقول الفقير أيده الله القدير وردت على سورة الكوثر وقت الضحى بعد القيلولة
стр. 5084
والاشارة فيها انا بجميع اسمائنا اللطيفة الجمالية الاكرامية أعطيناك يا محمد القلب ورسول الهدى المبعوث الى جميع القوى بالخير والهدى الكوثر وهو العلم الكثير الفائض من منبع الاسم الرحمن فانا رحمناك بهذه الرحمة العامة الشاملة لجميع الرحمات فلذا صرت مظهر الرحمة الكلية فى جميع المواطن فلك علم الاحكام وعلم الحقائق فصل فى مسجد الفناء والتسليم وهو المسجد الابراهيمى لربك اى لشكر ربك ولادامة شهوده وابقاء حضوره معك فى جميع الحالات وانحر بدنة البدن فى طريق الخدمة وبدنة الطبيعة فى طريق العفة وبدنة النفس فى طريق الفتوة ان شانئك اى مبغضك من القوى الشريرة الانفسية والآفاقية هو الأبتر المقطوع أعقابه وآخره كما قال تعالى فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين الذي ربى أولياءه فجعل لهم الوصل كما جعل لاعدائهم القطع ثم ان قوله هو الأبتر يوقف عليه ثم يقال الله اكبر ولا يوصل بالتكبير حذرا من الإيهام
تفسير سورة الكافرين
ست آيات مكية او مدنية بسم الله الرحمن الرحيم
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ قالوا فى مناداتهم بهذا الوصف الذي يسترذلونه فى بلدتهم ومحل عزهم وشوكتهم إيذان بأنه ﵇ محروس منهم ففيها علم من اعلام النبوة وفى التعبير بالجمع الصحيح دلالة على قلتهم او حقارتهم وذلتهم وهم كفرة مخصوصة كالوليد بن المغيرة وابى جهل والعاص بن وائل وامية بن خلف والأسود بن عبد يغوث والحارث بن قيس ونحوهم قد علم الله انه لا يأتى ولا يتأتى منهم الايمان ابدا على ما هو مضمون السورة فالخطاب للرسول ﵇ بالنسبة الى قوم مخصوصين فلا يردان مقتضى هذا الأمر ان يقول كل مسلم ذلك لكل جماعة من الكفار مع ان الشرع ليس حاكما به روى ان رهطا من عتاة قريش قالوا لرسول الله ﷺ هلم فاتبع ديننا ونتبع دينك بعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة فقال معاذ الله ان أشرك بالله غيره فقالوا استلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك فنزلت فغدا الى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش فقام على رؤوسهم فقرأها عليهم فأيسوا منه عند ذلك وآذوه وأصحابه وفيه اشارة الى الذين ستروا نور استعدادهم الأصلي بظلمة صفات النفوس وآثار الطبيعة فحجبوا عن الحق بالغير لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ اى فيما يستقبل لان لا لا تدخل غالبا الأعلى مضارع فى معنى الاستقبال كما ان ما لا تدخل الأعلى مضارع فى معنى الحال الا ترى ان لن تأكيد فيما ينفيه لا قال الخليل فى لن أصله لا والمعنى لا افعل فى المستقبل ما تطلبونه منى من عبادة آلهتكم وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ اى ولا أنتم فاعلون فى المستقبل ما اطلب منكم من عبادة الهى والمراد ولا أنتم عابدون عبادة يعتد بها إذا العبادة مع اشراك الانداد لا تكون فى حيز الاعتداد وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ اى وما كنت عابدا فيما سلف ما عبدتم فيه اى لم يعهد منى عبادة صنم فى الجاهلية فكيف يرجى منى فى الإسلام وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ اى وما عبدتم فى وقت من الأوقات ما انا على عبادته وهو الله تعالى فليس فى
стр. 5085
السورة تكرار وقيل هاتان الجملتان لنفى العبادة حالا كما ان الأوليين لنفيها استقبالا وانما لم يقل ما عبدت ليوافق ما عبدتم لانهم كانوا موسومين قبل البعثة بعبادة الأصنام وهو ﵇ لم يكن حينئذ موسوما بعبادة الله ومشتهرا بكونه عابدا لله على سبيل الامتثال لامره يعنى على ما يقتضيه جعل العبادة صلة للموصول ثم عدم الموسومية بشئ لا يقتضى عدم ذلك الشيء فلا يلزم ان لا يكون ﵇ عابدا لله قبل البعثة بل يكون ما وقع منه قبلها من قبيل الجري على العادة المستمرة القديمة وفى القاموس كان ﵇ على دين قومه على ما بقي فيهم من ارث ابراهيم وإسماعيل ﵉ فى حجهم ومناكحهم وبيوعهم وأساليبهم واما التوحيد فانهم كانوا بذلوه والنبي ﵇ لم يكن الا عليه انتهى وإيثار ما فى اعبد على من لان المراد هو الوصف كأنه قيل ما اعبد من المعبود العظيم الشان الذي لا يقادر قدر عظمته لَكُمْ دِينُكُمْ تقرير لقوله تعالى لا اعبد ما تعبدون وقوله تعالى ولا انا عابد ما عبدتم وَلِيَ بفتح ياء المتكلم دِينِ بحذف الياء إذ أصله دينى وهو تقرير لقوله تعالى ولا أنتم عابدون ما اعبد والمعنى ان دينكم الذي هو الإشراك مقصور على الحصول لكم لا يتجاوزه الى الحصول لى ايضا كما تطمعون فلا تعلقوا به أمانيكم الفارغة فان ذلك من المحال وان دينى الذي هو التوحيد مقصور على الحصول لى لا يتجاوز الى الحصول لكم ايضا لانكم علقتموه بالمحال الذي هو عبادتى لآلهتكم او استلامي إياها ولان ما وعدتموه عين الإشراك وحيث كان مبنى قولهم تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة على شركة الفريقين فى كلتا العبادتين كان القصر المستفاد من تقديم المسند قصر افراد حتما وفى عين المعاني ونحوه هو منسوخ بآية السيف وقال ابو الليث وفيها دليل على ان الرجل إذا رأى منكرا او سمع قولا منكرا فانكره ولم يقبلوا منه لا يجب عليه اكثر من ذلك وانما عليه مذهبه وطريقه وتركهم على مذهبهم وطريقهم. يقول الفقير وردت على هذه السورة وكانى اقرأها فى صلاة العصر بصوت جهورى حتى اسمعتها جميع ما فى الكون واشارتها قل يا محمد القلب يا ايها الكافرون اى القوى النفسانية الساترة للتوحيد بالشرك والطاعة بالمعصية والوحدة بالكثرة والوجود الحقيقي بالوجود المجازى ونور الحقيقة الوجوبية بظلمة الحقيقة الامكانية لا اعبد ما تعبدون من الأصنام التي يعبر عنها بما سوى الله فانى مأمور بالايمان بالله والكفر بالطاغوت وكل ما سوى الله من قبيل الطاغوت والإله المجعول المقيد فلا يستحق العبادة الا الله المطلق عن الإطلاق والتقييد ولا أنتم عابدون ما اعبد وهو الله الواحد القهار الذي قهر بوحدته جميع الكثرات ولكن لا يقف عليه الا أهل الوحدة والشهود وأنتم أهل الكثرة والاحتجاب فانى لكم هذا الوقوف ولا انا عابد ما عبدتم من التلوينات والتقلبات فى الكثرات الاسمائية والصفاتية ولا أنتم عابدون ما اعبد من التمكين والتحقيق وكذا من التلوين فى التمكين فانه من مقتضيات ظهور حقائق جميع الأسماء وليس فيه ميل وانحراف عن الحق أصلا بل فيه بقاء مع الحق فى كل طور لكم دينكم الذي هو الايمان بالطاغوت والكفر بالله وهو الدين يجب التبري منه ولى دين الذي
стр. 5086
هو الايمان بالله والكفر بالطاغوت وهو الدين الذي يجب التعلق باحكامه والتخلق بأخلاقه والتحقق بحقائقه هذا فحقائق القرآن ليست بمنسوخة ابدا بل العمل بها باق. ابن عباس رضى الله عنهما فرموده در قرآن سوره نيست بر شيطان سخت تر ازين سوره زيرا كه توحيد محض است ودرو برائت از شرك فمن قرأها برئ من الشرك وتباعد عنه مردة الشياطين وأمن من الفزع الأكبر وهى تعدل ربع القرآن وفى الحديث مروا صبيانكم فليقرأوها عند المنام فلا يعرض لهم شىء ومن خرج مسافرا فقرأ هذه السور الخمس قل يا ايها الكافرون إذا جاء نصر الله قل هو الله أحد قل أعوذ برب الفلق قل أعوذ برب الناس رجع سالما غانما تمت سورة الكافرين بعون ناصر المؤمنين
تفسير سورة النصر
ثلاث آيات مدنية بسم الله الرحمن الرحيم
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ اى اعانته تعالى وإظهاره إياك على أعدائك فان قلت لا شك ان ما وقع من الفتوح كان بنصرة المؤمنين فما وجه اضافتها الى الله قلت لان أفعالهم مستندة الى دواعى قلوبهم وهى امور حادثة لا بد لها من محدث وهو الله تعالى فالعبد هو المبدأ الأقرب والله هو المبدأ الاول والخالق للدواعى وما يبتنى عليها من الافعال والعامل فى إذا هو سبح اى فسبح إذا جاء نصر الله ولا يمنع الفاء عن العمل على قول الأكثرين او فعل الشرط وليس إذا مضافا اليه على مذهب المحققين وإذا لما يستقبل والاعلام بذلك قبل كونه من اعلام النبوة لما روى ان السورة نزلت قبل فتح مكة كما عليه الأكثر وَالْفَتْحُ اى فتح مكة على ان الاضافة واللام للعهد وهو الفتح الذي تطمح اليه الابصار ولذلك سمى فتح الفتوح ووقع الوعد به فى أول سورة الفتح وقد سبقت قصة الفتح فى تلك السورة وقيل جنس نصر الله ومطلق الفتح على ان الاضافة واللام للاستغراق فان فتح مكة لما كان مفتاح الفتوح ومناطها كما ان نفسها أم القرى وامامها جعل مجيئه بمنزلة مجيئ سائر الفتوح وعلق به امره ﵇ وانهما على جناح الوصول اليه عن قريب ويمكن ان يقال التعبير للاشارة الى حصول نصر الله بمجىء جند بهم النصر وقيل نزلت السورة فى ايام التشريق بمنى فى حجة الوداع وعاش ﵇ بعدها ثمانين يوما او نحوها فكلمة إذا حينئذ باعتبار أن بعض ما فى حيزها اعنى رؤيته دخول الناس إلخ غير منقض بعد وقال سعدى المفتى وعلى هذه الرواية فكلمة إذا تكون خارجة عن معنى الاستقبال فانها قد تخرج عنه كما قيل فى قوله تعالى وإذا رأوا تجارة الآية وفى المصطلحات ان الفتوح كل ما يفتح على العبد من الله تعالى بعد ما كان مغلقا عليه من النعم الظاهرة والباطنة كالارزاق والعبادات والعلوم والمعارف والمكاشفات وغير ذلك والفتح القريب هو ما انفتح على العبد من مقام القلب وظهور صفاته وكمالاته عند قطع منازل النفس وهو المشار اليه بقوله نصر من الله
стр. 5087
وفتح قريب والفتح المبين هو ما يفتح على العبد من مقام الولاية وتجليات أنوار الأسماء الالهية المفنية لصفات القلب وكمالاته المشار اليه بقوله انا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر يعنى من الصفات النفسانية والقلبية والفتح المطلق هو أعلى الفتوحات وأكملها وهو ما انفتح على العبد من تجلى الذات الاحدية والاستغراق فى عين الجمع بفناء الرسوم الخلقية كلها وهو المشار اليه بقوله إذا جاء نصر الله والفتح انتهى وقد سبق بعبارة اخرى فى سورة الفتح وعلى هذا فالمراد بالنصر هو المدد الملكوتي والتأييد القدسي بتجليات الأسماء والصفات وبالفتح هو الفتح المطلق الذي لا فتح وراءه وهو فتح باب الحضرة الالهية الاحدية والكشف الذاتي ولا شك ان الفتح الاول هو فتح ملكوت الافعال فى مقام القلب بكشف حجاب حس النفس بالفناء افعالها فى افعال الحق والثاني هو فتح جبروت الصفات فى مقام الروح بكشف حجاب خيالها بافناء صفاتها فى صفاته والثالث هو فتح لاهوت الذات فى مقام السر بكشف حجاب وهمها بافناء ذاتها فى ذاته ومن حصل له هذا النصر والفتح الباطني حصل له النصر والفتح الظاهري ايضا لان النصر والفتح من باب الرحمة وعند الوصول الى نهاية النهايات لا يبقى من السخط اثر أصلا ويستوعب الظاهر والباطن اثر الرحمة مطلقا ومن ثمة تفاوت احوال الكمل بداية ونهاية فظهر من هذا ان كلا من النصر والفتح فى الآية ينبغى ان يحمل على ما هو المطلق لكنى اقتفيت اثر أهل التفسير فى تقديم ما هو المقيد لكنه قول مرجوح تسامح الله عن قائله وَرَأَيْتَ النَّاسَ أبصرتهم او علمتهم يعنى العرب واللام للعهد او الاستغراق العرفي جعلوه خطابا للنبى ﵇ يحتمل الخطاب العام لكل مؤمن وحينئذ يظهر جواب آخر عن امر النبي ﵇ بالاستغفار مع انه لا تقصير له إذ الخطاب لا يخصه فالامر بالاستغفار لمن سواه وإدخاله فى الأمر تغليب يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ اى ملة الإسلام التي لا دين يضاف اليه تعالى غيرها والجملة على تقدير الرؤية البصرية حال وعلى تقدير الرؤية القلبية مفعول ثان وقال بعضهم ومما يختلج فى القلب ان المناسب لقوله يدخلون إلخ ان يحمل قوله والفتح على فتح باب الدين عليهم أَفْواجاً حال من فاعل يدخلون اى يدخلون فيه جماعات كثيرة كأهل مكة والطائف واليمن وهو ازن وسائر قبائل العرب وكانوا قبل ذلك يدخلون فيه واحدا واحدا واثنين اثنين روى انه ﵇ لما فتح مكة أقبلت العرب بعضها على بعض فقالوا إذا ظفر بأهل الحرم فلن يقاومه أحد وقد كان الله اجارهم من اصحاب الفيل ومن كل من أرادهم فكانوا يدخلون فى دين الإسلام أفواجا من غير قتال (قال الكاشفى) در سال نزول اين سوره تتابع وفود بود چون بنى اسد وبنى مرة وبنى كلب وبنى كنانة وبنى هلال وغير ايشان از أكناف وأطراف بخدمت آن حضرت آمده بشرف اسلام مشرف ميشدند. قال ابو عمر ابن عبد البر لم يمت رسول الله ﵇ وفى العرب رجل كافر بل دخل الكل وفى الإسلام بعد حنين منهم من قدم ومنهم من قدم وافده وقال ابن عطية والمراد والله اعلم العرب عبدة الأوثان واما نصارى بنى تغلب
стр. 5088
فما اسلموا فى حياته ﵇ ولكن اعطوا الجزية وفى عين المعاني الناس أهل البحر قال ﵇ الايمان يمانى والحكمة يمانية وقال وجدت نفس ربكم من جانب اليمن اى تنفيسه من الكرب وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه انه بكى ذات يوم فقيل له فى ذلك فقال سمعت رسول الله ﵇ يقول دخل الناس فى دين الله أفواجا وسيخرجون منه أفواجا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ التسبيح مجاز عن التعجب بعلاقة السببية فان من رأى أمرا عجيبا يقول سبحان الله قال ابن الشيخ لعل الوجه فى اطلاق هذه الكلمة عند التعجب كما ورد فى الاذكار ولكل اعجوبة سبحان الله هو أن الإنسان عند مشاهدة الأمر العجيب الخارج عن حد أمثاله يستبعد وقوعه وتنفعل نفسه منه كانه استقصر قدرة الله فلذلك خطر على قلبه ان يقول من قدر عليه وأوجده ثم انه فى هذا الزعم مخطئ فقال سبحان الله تنزيها لله عن العجز عن خلق امر عجيب يستبعد وقوعه لتيقنه بأن الله على كل شىء قدير قال الامام السهيلي ﵀ سر اقتران الحمد بالتسبيح ابدا نحو سبح بحمد ربك وان من شىء الا يسبح بحمده ان معرفة الله تنقسم قسمين معرفة ذاته ومعرفة أسمائه وصفاته ولا سبيل الى إثبات أحد القسمين دون الآخر واثبات وجود الذات من مقتضى العقل واثبات الأسماء والصفات من مقتضى الشرع فبالعقل عرف المسمى وبالشرع عرفت الأسماء ولا يتصور فى العقل اثبات الذات إلا مع نفى سمات الحدوث عنها وذلك هو التسبيح ومقتضى العقل مقدم على مقتضى الشرع وانما جاء الشرع المنقول بعد حصول النظر والعقول فنبه العقول على النظر فعرفت ثم علمها ما لم تكن تعلم من الأسماء فانضاف لها التسبيح والحمد والثناء فما أمرنا تسبيحه الا بحمده انتهى ومعنى الآية فقل سبحان الله حال كونك ملتبسا بحمده اى فتعجب لتيسير الله ما لم يخطر ببال أحد من ان يغلب أحد على أهل حرمه المحترم واحمده على جميع صنعه هذا على الرواية الاولى ظاهر واما على الثانية فلعله امر بأن يداوم على ذلك استعظاما لنعمته لا باحداث التعجب لما ذكر فانه انما يناسب حالة الفتح وقال بعضهم والأشبه ان يراد نزهه عن العجز فى تأخير ظهور الفتح واحمده على التأخير وصفه بأن توقيت الأمور من عنده ليس الا بحكم لا يعرفها الا هو انتهى او فاذكره مسبحا حامدا وزد فى عبادته والثناء عليه لزيادة انعامه عليك او فصل له حامدا على نعمه فالتسبيح مجاز عن الصلاة بعلاقة الجزئية لانها تشتمل عليه فى الأكثر روى انه ﵇ لما فتح باب الكعبة صلى صلاة الضحى ثمانى ركعات وحملها بعضهم على صلاة الشكر لا على صلاة الضحى وبعضهم على ان أربعا منها للشكر وأربعا للضحى او فنزهه عما يقول الظلمة حامدا له على ان صدق وعده او فأثن على الله بصفات الجلال يعنى الصفات السلبية حامدا له على صفات الإكرام يعنى الصفات الثبوتية اى على آثارها او على تنزيلها منزلة الأوصاف الاختيارية لكفاية الذات المقدس فى الاتصاف بها فان المحمود عليه يجب ان يكون امرا اختياريا وقال القاشاني نزه ذاتك عن الاحتجاب بمقام القلب الذي هو معدن النبوة بقطع علاقة البدن والترقي الى مقام حق اليقين الذي هو معدن الولاية حامدا له بإظهار كمالاته
стр. 5089
وأوصافه التامة عند التجريد بالحمد الفعلى وَاسْتَغْفِرْهُ هضما لنفسك واستقصارا لعملك واستعظاما لحقوق الله واستدراكا لما فرط منك من ترك الاولى او استغفره لذنبك وللمؤمنين وهو المناسب لما فى سورة محمد وتقديم التسبيح ثم الحمد على الاستغفار على طريقة النزول من الخالق الى الخلق حيث لم تشتغل على رؤية الناس باستغفارهم اولا مع ان رؤيتهم تستدعى ذلك بل اشتغل اولا بتسبيح الله وحمده لانه رأى الله قبل رؤية الناس كما قيل ما رأيت شيأ الا ورأيت الله قبله وذلك لان الناس مرءاة العارف وصاحب المرآة يتوجه اولا الى المرئي وبرؤية المرئي تلتفت نفسه الى المرآة ولك ان تقول ان فى التقديم المذكور تعليم ادب الدعاء وهو ان لا يسأل فجأة من غير تقديم الثناء على المسئول عنه عن عائشة رضى الله عنها انه كان ﵇ يكثر قبل موته ان يقول سبحانك اللهم وبحمدك استغفرك وأتوب إليك وعنه عليك السلام انى لاستغفر الله فى اليوم والليلة مائة مرة ومنه يعلم ان ورد الاستغفار لا
يسقط ابدا لانه لا يخلو الإنسان عن الغين والتلوين وروى انه لما قرأها النبي ﵇ على أصحابه استبشروا وبكى العباس فقال ﵇ ما يبكيك يا عم قال نعيت إليك نفسك اى ألقى إليك خبر موت نفسك والنعي ألقاء خبر الموت قال ﵇ انها لكما تقول فلم ير ﵇ بعد ذلك ضاحكا مستبشرا وقيل ان ابن عباس رضى الله عنهما هو الذي قال ذلك فقال ﵇ لقد اوتى هذا الغلام علما كثيرا ولذلك كان عمر يدنيه ويأذن له مع اهل يدر ولعل ذلك للدلالة على تمام امر الدعوة وتكامل امر الدين كقوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم والكمال دليل الزوال كما قيل. توقع زوالا إذا قيل تم. او لان الأمر بالاستغفار تنبيه على قرب الاجل كأنه قال قرب الوقت ودنا الرحيل فتأهب للامر ونبه به على ان العاقل إذا قرب اجله ينبغى ان يستكثر من التوبة وروى انها لما نزلت خطب رسول الله ﷺ فقال ان عبدا خيره الله بين الدنيا وبين لقائه فاختار لقاء الله فعلم ابو بكر رضى الله عنه فقال فديناك بانفسنا وأموالنا وآبائنا وأولادنا وعنه ﵇ انه دعا فاطمة رضى الله عنها فقال يا بنتاه انه نعيت الى نفسى يعنى خبر وفات من دهند
نامه رسيد از ان جهان بهر مراجعت برم ... عزم رجوع ميكنم رخت بچرخ ميبرم
فبكت فقال لا تبكى فانك أول أهلي لحوقا بي فضحكت وعن ابن مسعود ان هذه السورة تسمى سورة التوديع لما فيها من الدلالة على توديع الدنيا قال على رضى الله عنه لما نزلت هذه السورة مرض رسول الله ﵇ فخرج الى الناس فخطبهم وودعهم ثم دخل المنزل فتوفى بعد ايام قال الحسن ﵀ أعلم انه قد اقترب اجله فامر بالتسبيح والتوبة ليختم له بالعمل الصالح وفيه تنبيه لكل عاقل إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً مبالغا فى قبول توبتهم منذ خلق المكلفين فليكن كل تائب مستغفر متوقعا للقبول وذلك ان قبول التوبة من الصفات الاضافية ولا منازعة فى حدوثها فاندفع ما يرد ان المفهوم من الآية انه تعالى تواب فى الماضي
стр. 5090
وكونه تواباى الماضي كيف يكون علة للاستغفار فى الحال والمستقبل وفى اختيار انه كان توابا على غفارا مع انه الذي يستدعيه قوله واستغفر حتى قيل وتب مضمر بعده وإلا لقال غفارا تنبيه على ان الاستغفار انما ينفع إذا كان مع التوبة والندم والعزم على عدم العود ثم ان من أضمر وتب يحتمل انه جعل الآية من الاحتباك حيث دل بالأمر بالاستغفار على التعليل بأنه كان غفارا وبالتعليل بأنه كان توابا على الأمر بالتوبة اى استغفره وتب.
ذكر البرهان الرشيدي ان صفات الله تعالى التي على صيغة المبالغة كلها مجاز لانها موضوعة للمبالغة ولا مبالغة فيها لان المبالغة ان يثبت للشئ اكبر اكثر مما له وصفاته تعالى منزهة عن ذلك واستحسنه الشيخ تقى الدين السبكى ﵀ وقال الزركشي فى البرهان التحقيق ان صيغة المبالغة قسمان أحدهما ما تحصل المبالغة فية بحسب زيادة الفعل والثاني بحسب تعدد المفعولات ولا شك ان تعددها لا يوجب للفعل زيادة إذ الفعل الواحد قد يقع على جماعة متعددين وعلى هذا القسم تنزل صفاته ويرفع الاشكال ولهذا قال بعضهم فى حكيم معنى المبالغة فيه تكرار حكمه بالنسبة الى الشرائع وقال فى الكشاف المبالغة فى التواب للدلالة على كثرة من يتوب عليه او لانه بليغ فى قبول التوبة بحيث ينزل صاحبها منزلة من لم يذنب قط لسعة كرمه (تمت سورة النصر بعون من اقسم بالعصر بعد ظهر يوم السبت)
تفسير سورة المسد
خمس آيات مكية بسم الله الرحمن الرحيم
تَبَّتْ اى أهلكت فان التباب الهلاك ومنه قولهم أشابة أم تابة اى هالكة من الهرم والعجز او خسرت فان التباب ايضا خسران يؤدى الى الهلاك يَدا أَبِي لَهَبٍ تثنية يد واللهب واللهيب اشتعال النار إذا خلص من الدخان او لهبها لسانها ولهيبها حرها ابو لهب وتسكن الهاء كنية عبد العز بن عبد المطلب لجماله او لماله كما فى القاموس يعنى ان التكنى لاشراق وجنتيه وتلهبهما والا فليس له ابن يسمى باللهب وإيثار التباب على الهلاك واسناده الى يديه لما روى انه لما نزل وأنذر عشيرتك الأقربين رقى رسول الله ﵇ الصفاء وجمع أقاربه فأنذرهم فقال فقال يا بنى عبد المطلب يا بنى فهر ان أخبرتكم ان بسفح هذا الجبل خيلا أكنتم مصدقى قالوا نعم يعنى اگر من شما را خبر كنم بآنكه در پاى اين كوه جمعى آمده اند بداعيه آنكه بر شما شبيخون كرده دست بقتل وغارت بگشايند مرا در ان تصديق ميكنيد يا نه كفتند چرا نكنيم وتو پيش ما بدروغ متهم نشده. قال فانى نذير لكم بين يدى الساعة فقال عمه ابو لهب تبا لك يعنى هلاكت باد.
ألهذا دعوتنا وأخذ حجرا بيده ليرميه ﵇ به فمنعه الله من ذلك حيث لم يستطع ان يرميه فلا كناية فى ذكر اليدين ووجه وصف يديه بالهلاك ظاهر واما
стр. 5091
وصفهما بالخسران فلرد ما اعتقده من نفعه وربحه فى اذية رسول الله ﵇ ورميه بالحجر وذكر فى التأويلات الماتريدية انه كان كثير الإحسان الى رسول الله ﵇ وكان يقول ان كان الأمر لمحمد فيكون لى عنده يدوان كان لقريش فلى عندها يد فاخبر أنها خسرت يده التي كانت عند محمد ﵇ بعناده له ويده التي عند قريش ايضا لخسران قريش وهلاكهم فى يد محمد وَتَبَّ اى وهلك كله فهو اخبار بعد اخبار والتعبير بالماضي لتحقق وقوعه وقيل المراد بالأولى هلاك جملته كقوله تعالى ولا تلقوا بايديكم الى التهلكة على ان ذكر اليد كناية عن النفس والجملة ومعنى وتب وكان ذلك وحصل ويؤيده قراءة من قرأ وقد تب فان كلمة قد لا تدخل على الدعاء وقيل كلاهما دعاء عليه بالهلاك والمراد بيان استحقاقه لان يدعى عليه بالهلاك فان حقيقة الدعاء شأن العاجز وانما كناه والتكنية تكرمة لاشتهاره بكنيته فليست للتكريم او لكراهة ذكر اسمه القبيح إذ فيه اضافة الى الصنم او للتعريض يكونه جهنميا لانه سيصلى نارا ذات لهب يعنى ان أبا لهب باعتبار معناه الإضافي يصلح ان بكون كناية عن حاله وهى كونه جهنميا لان معناه باعتبار إضافته ملابس اللهب كما ان معنى ابو الخير وأخو الحرب بذلك الاعتبار ملابس الخير والحرب واللهب الحقيقي لهب جهنم وهذا المعنى يلزمه انه جهنمى ففيه انتقال من الملزوم الى اللازم فهى كنية تفيد الذم فاندفع ما يقال هذا يخالف قولهم ولا يكنى كافر فاسق ومبتدع إلا لخوف فتنة او تعريف لان ذلك خاص بالكنية التي تفيد المدح لا الذم ولم يشتهر بها صاحبها قال فى الإتقان ليس فى القرآن من الكنى غير انى لهب ولم يذكر اسمه وهو عبد العزى اى الصنم لانه حرام شرعا انتهى وفيه ان الحرام وضع ذلك لا استعماله وفى كلام بعضهم ما يفيدان الاستعمال حرام ايضا الا ان يشهر بذلك كما فى الأوصاف المنقصة كالاعمش وكان بعد نزول هذه السورة لا يشك المؤمن انه من أهل النار بخلاف غيره ولم يقل فى هذه السورة قل تبت إلخ لئلا يكون مشافها لعمه بالشتم والتغليظ وان شتمه عمه لان للعم حرمة كحرمة الأب لانه مبعوث رحمة للعالمين وله خلق عظيم فاجاب الله عنه وقرئ ابو لهب بالواو كما قيل على بن ابو طالب ومعاوية بن ابو سفيان مع ان القياس الياء لكونه مضافا اليه كيلا يغير منه شىء فيشكل على السامع والحاصل ان الكنية بمنزلة العلم والاعلام لا تتغير فى شىء من الأحوال وكان لبعض أمراء مكة ابنان أحدهما عبد الله بالجر والآخر عبد الله بالفتح ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ اى لم يغن عنه حين حل به التبات ولم ينفعه أصلا على ان ما نافية او أي شىء اغنى عنه على انها استفهامية فى معنى الإنكار منصوبة بما بعدها على انها مفعول به او أي إغناء اغنى عنه على انها مفعول مطلق اصل ماله وما كسبه به من الأرباح والنتائج والمنافع والوجاهة والاتباع ولا أحد اكثر مالا من قارون وما دفع عنه الموت والعذاب ولا أعظم ملكا من سليمان ﵇ وقد قيل فيه
نه بر باد رفتى سحرگاه وشام ... سرير سليمان ﵇
بآخر نديديكه بر باد رفت ... خنك آنكه با دانش وداد رفت
او ماله الموروث من أبيه والذي كسبه بنفسه او عمله الخبيث الذي هو كيده فى عداوة النبي
стр. 5092
عليه السلام او عمله الذي ظن انه منه على شىء كقوله تعالى وقدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا وقال بعضهم ما كسب منفعة وعن ابن عباس رضى الله عنهما ما كسب ولده (وروى) انه كان يقول ان كان ما يقول ابن أخي حقا فانا افتدى منه نفسى بمالى وولدي فاستخلص منه وقد خاب رجاه وما حصل ما تمناه فافترس ولده عتبة اسد فى طريق الشام وذلك ان عتبة بن ابى لهب وكان تحته ابنة رسول الله ﵇ أراد الخروج الى الشام فقال لآتين محمدا فلأوذينه فأتاه فقال يا محمد هو كافر بالنجم إذا هوى وبالذي دنا فتدلى ثم تفل فى وجه رسول الله ﷺ ورد عليه ابنته وطلقها فقال ﵇ اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فرجع عتبة الى أبيه فأخبره ثم خرجوا الى الشام فنزلوا منزلا فأشرف عليهم راهب من الدير فقال ان هذه ارض مسبعة فقال ابو لهب أعينوني يا معشر قريش هذه الليلة فانى أخاف على ابني دعوة محمد فجمعوا جمالهم وأناخوها حولهم وأحدقوا بعتبة فجاء الأسد يتخللهم ويتشمم وجوههم حتى ضرب عتبة فقتله وهلك ابو لهب بالعدسة بعد وقعة بدر لسبع ليال والعدسة بثرة تخرج فى البدن تشبه العدسة وهى من جنس الطاعون تقتل غالبا فاجتنبه أهله مخافة العدوى وكانت قريش تتقيها كالطاعون فبقى ثلاثا حتى أنتن ثم استأجروا بعض السودان واحتملوه ودفنوه فكان الأمر كما اخبر به القرآن وفى انسان العيون لم يحفروا له حفيرة ولكن أسندوه الى حائط وقذفوا عليه الحجارة خلف الحائط حتى واروه وفى رواية حفروا له ثم دفعوه بعود فى حفرته وقذفوه بالحجارة من بعيد حتى واروه وعن عائشة رضى الله عنها انها كانت إذا مرت بموضعه ذلك غطت وجهها والقبر الذي يرجم خارج باب الشبيكة الآن ليس بقبر ابى لهب وانما هو قبر رجلين لطخا الكعبة بالعذرة وذلك فى دولة بنى العباس فان الناس أصبحوا يوما فوجدوا الكعبة ملطخة بالعذرة فرصدوا للفاعل فأمسكوهما بعد ايام فصلبا فى ذلك الموضع فصارا يرجمان الى الآن سَيَصْلى اى ما ذكر من العذاب مآل امره فى النشأة الاولى وفى النشأة الآخرة سيدخل لا محالة ناراً ذاتَ لَهَبٍ نارا عظيمة ذات اشتعال وتوقد وهى نار جهنم وليس هذا نصا فى انه لا يؤمن ابدا حتى يلزم من تكليفه الايمان بالقرءان ان يكون مكلفا بأن يؤمن بأنه لا يؤمن ابدا فيكون مأمورا بالجمع بين النقيضين كما هو المشهور فان صلى النار غير مختص بالكفار فيجوز أن يفهم ابو لهب من هذا ان دخوله النار لفسقه ومعاصيه لا لكفره فلا اضطرار الى الجواب المشهور من ان ما كلفه هو الايمان بجميع ما جاء به النبي ﵇ اجمالا لا الايمان بتفاصيل ما نطق به القرآن حتى يلزم ان يكلف الايمان بعدم إيمانه المستمر وَامْرَأَتُهُ عطف على المستكن فى سيصلى لكون الفصل بالمفعول يعنى زن او نيز با او درآيد وداخل نار شود وهى أم جميل بنت حرب بن امية اخت ابى سفيان عمة معاوية رضى الله عنه واسمها العوراء وآن در همسايكئ حضرت ﵇ خانه داشت وكانت تحمل حزمة من الشوك والحسك والسعدان فتنشرها بالليل فى طريق النبي ﵇ تا خارى نعوذ بالله در دامنش آويزد يا در پايش خلد وكان ﵇ يطأه كما يطأ الحرير وفى تفسير أبى الليث حتى صار النبي ﵇ وأصحابه فى شدة
стр. 5093
وعناء وفى تفسير الكاشفى وآن حضرت كه بنماز بيرون آمدى آنها بر سر راه بر كرفتى وبطريق ملايمت كفتى اين چهـ نوع همسايكيست كه با من ميكنيد
ميريختند در ره تو خار با همه ... چون كل شكفته بود رخ كلستان تو
حَمَّالَةَ الْحَطَبِ الحطب ما أعد من الشجر شبوبا كما فى القاموس ونصب حمالة على الشتم والذم اى أذم حمالة الحطب قال الزمخشري وانا استحب هذه القراءة وقد توسل الى رسول الله ﵇ بجميل من أحب شتم أم جميل انتهى وقيل على الحالية بناء على ان الاضافة غير حقيقية إذا المراد انها تحمل يوم القيامة حزمة حطب كالزقوم والضريع وفى جيدها سلاسل النار كما يعذب كل مجرم بما يناسب حاله فى جرمه وعن قتادة انها مع كثرة مالها تحمل الحطب على ظهرها لشدة بخلها فعيرت بالبخل فالنصب حينئذ على الشتم حتما وقيل كانت تمشى بالنميمة وتفسد بين الناس تحمل الحطب بينهم اى توقد بينهم النائرة وتورث الشر. پس هيزم كشى عبارتست از سخن چينى كه آتش خصومت ميان دو كس بر مى افروزد
ميان دو كس جنك چون آتش است ... سخن چين بدبخت هيزم كش است
كنند اين وآن خوش دكر باره دل ... وى اندر ميان كور بخت وخجل
ميان دو كس آتش افروختن ... نه عقلست خود در ميان سوختن
فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ جملة من خبر مقدم ومبتدأ مؤخر والجملة حالية والجيد بالكسر العنق ومقلده او مقدمه كما فى القاموس والمسد ما يفتل من الحبال فتلا شديدا من ليف كان او جلدا وغيرهما يقال دابة ممسودة شديدة الاسر والمعنى فى عنقها حبل مما مسد من الحبال وانها تحمل تلك الحزمة من الشوك وتربطها فى جيدها كما يفعل الحطابون تخسيسا لحالها وتصوير الها بصورة بعض الحطابات من المواهن لتغضب من ذلك ويشق عليها ويغضب بعلها ايضا وهما فى بيت العز والشرف وفى منصب الثروة والجدة قال مرة الهمداني كانت أم جميل تأتى كل يوم بابالة من حسك فتطرحها على طريق المسلمين فبينما هى ذات ليلة حاملة حزمة أعيت فقعدت على حجر لتستريح فجذبها الملك من خلفها فاختنقت بحيلها حتى هلكت وبدوزخ رفت وفى ينبوع الحياة انها لما بلغها سورة تبت يدا ابى لهب جاءت الى أخيها ابى سفيان فى بيته وهى متحرقة غضبى فقالت له ويحك يا احمس اى يا شجاع اما تغضب ان هجانى محمد فقال ساكفيك إياه ثم أخذ بسيفه وخرج ثم عاد سريعا فقالت له هل قتلته فقال لها يا أختي أيسرك ان رأس أخيك فى فم ثعبان قالت لا والله قال فقد كاد ذلك يكون الساعة اى فانه رأى ثعبانا لوقرب منه ﷺ لا لتقم رأسه ثم كان من امر ابى سفيان الإسلام ومن امر أخته الموت على الكفر والكل من حكم الله السابق (قال فى كشف الاسرار) سك اصحاب الكهف رنك كفر داشت ولباس بلعام باعور طراز دين داشت ليكن شقاوت وسعادت ازلى از هر دو جانب در كمين بود چون دولت روى نمود پوست ان سك از روى
стр. 5094
صورت در بلعام پوشانيدند كفتند (فمثله كمثل الكلب) ومرقع بلعام دران سك پوشيدند كفتند ثلاثة رابعهم كلبهم قوله من مسد بالوقف يعنى يوقف عليه ثم يجاء بالتكبير لما مر تمت سورة المسد فى عاشر جمادى الاولى من سنة سبع عشرة ومائة وألف
تفسير سورة الإخلاص
اربع أو خمس آيات مكية او مدنية بسم الله الرحمن الرحيم
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ الضمير للشأن كقولك هو زيد منطلق وارتفاعه بالابتداء وخبره الجملة ولا حاجة الى العائد لانها عين الشان الذي عبر عنه بالضمير اى الله أحد هو الشأن هذا او هو أن الله أحد والسر فى تصدير الجملة به التنبيه من أول الأمر على فخامة مضمونها مع ان فى الإبهام ثم التفسير مزيد تقرير او الضمير لما سئل عنه اى الذي سألتم عنه هو الله إذ روى ان المشركين قالوا للنبى ﵇ صف لنا ربك الذي تدعونا اليه وانسبه اى بين نسبه واذكره فنزلت يعنى بين الله نسبه بتنزيهه عن النسب حيث نفى عنه الوالدية والمولودية والكفاءة فالضمير حينئذ مبتدأ ولله خبره واحد بدل منه وابدال النكرة المحضة من المعرفة يجوز عند حصول الفائدة على ما ذهب اليه ابو على وهو المختار والله علم دال على الإله الحق دلالة جامعة لمعانى الأسماء الحسنى كلها وقال القاشاني هو عندنا اسم الذات الالهية من حيث هى هى اى المطلقة الصادق عليها مع جميعها او بعضها او لا مع واحد منها كقوله تعالى قل هو الله أحد انتهى وعبد الله هو العبد الذي تحلى بجميع أسمائه فلا يكون فى عباده ارفع مقاما وأعلى شأنا منه لتحققه بالاسم الأعظم واتصافه بجميع صفاته ولهذا خص نبينا ﵇ بهذا الاسم فى قوله وانه لما قام عبد الله يدعوه فلم يكن هذا الاسم بالحقيقة إلا له وللاقطاب من ورثته بتبعيته وان اطلق على غيره مجازا لاتصاف كل اسم من أسمائه بجميعها بحكم الواحدية واحدية جميع الأسماء والأحد اسم لمن لا يشاركه شىء فى ذاته كما ان الواحد اسم لمن لا يشاركه شىء فى صفاته يعنى ان الأحد هو الذات وحدها بلا اعتبار كثرة فيها فأثبت له الاحدية التي هى الغنى عن كل ما عداه وذلك من حيث عينه وذاته من غير اعتبار امر آخر والواحد هو الذات مع اعتبار كثرة الصفات وهى الحضرة الاسمائية ولذا قال تعالى ان إلهكم لواحد ولم يقل لأحد لان الواحدية من اسماء التقييد فبينها وبين الخلق ارتباط اى من حيث الالهة والمألوهية بخلاف الاحدية إذ لا يصح ارتباطها بشئ فقولهم العلم الإلهي هو العلم بالحق من حيث الارتباط بينه وبين الخلق وانتشاء العالم منه بقدر الطاقة البشرية إذ منه ما لا تفيه الطاقة البشرية وهو ما وقع به الكمل فى ورطة الحيرة وأقروا بالعجز عن حق المعرفة ومنه يعلم ان توحيد الذات مختص فى الحقيقة بالله تعالى وعبد الأحد هو وحيد الوقت صاحب الزمان الذي له القطبية الكبرى والقيام بالاحدية الاولى وعبد الواحد هو الذي بلغه الله الحضرة الواحدية وكشف له عن احدية جميع أسمائه فيدرك ما يدرك ويفعل ما يفعل بأسمائه ويشاهد وجوه أسمائه الحسنى قال
стр. 5095
ابن الشيخ فى حواشيه قوله هو الله أحد ثلاثة ألفاظ كل واحد منها اشارة الى مقام من مقامات السائرين الى الله تعالى فالمقام الاول مقام المقربين وهم الذين نظروا الى ماهيات الأشياء وحقائقها من حيث هى هى فلا جرم ما رأوا موجودا سوى الله لان الحق هو الذي لذاته يجب وجوده واما ما عداه فممكن والممكن إذا نظر اليه من حيث هو هو كان معدوما فهؤلاء لم يروا موجودا سوى الحق تعالى وكلمة هو وان كانت للاشارة المطلقة مفتقرة فى تعين المراد بها الى سبق الذكر بأحد الوجوه او الى ان يعقبها ما يفسرها الا انهم يشيرون بها الى الحق ولا يفتقرون فى تلك الاشارة الا ما يميز المراد بها من غيره لان الافتقار الى المميز انما يحصل حيث وقع الإبهام بأن يتعدد ما يصلح لان يشار اليه وقد بينا انهم لا يشاهدون بعيون عقولهم الا الواحد فقط فلهذا السبب كانت لفظة هو كافية فى حصول العرفان التام لهؤلاء والمقام الثاني مقام اصحاب اليمين وهو دون المقام الاول وذلك لانهم شاهدوا الحق موجودا وشاهدوا الخلق ايضا موجودا فحصلت الكثرة فى الموجودات فلا جرم لم تكن لفظة هو كافية فى الاشارة الى الحق بل لا بد هناك من مميز به يتميز الحق من الخلق فهؤلاء مفتقرون الى ان يقرن لفظة الله بلفظة هو فقيل لاجلهم هو الله لان لفظة الله اسم للموجود الذي يفتقر اليه ما عداه ويستغنى هو عن كل ما عداه فتتميز به الذات المرادة عما عداه والمقام الثالث مقام اصحاب الشمال وهو أخس المقامات وهم الذين يجوزون ان يكون واجب الوجود اكثر من واحد فقرن لفظة الأحد بما تقدم ردا على هؤلاء وابطالا لمقالهم فقيل قل هو الله أحد انتهى كلامه ومنه يعلم صحة ما اعتاده الصوفية من الذكر بالاسم هو وذلك لان اهل البداية منهم وهم المحجوبون تابعون لاهل النهاية منهم وهم المكاشفون فكأنهم كلهم ما شاهدوا فى الوجود الا الله فالله عندهم بهويته المطلقة السارية متعين لا حاجة الى التعيين أصلا فضمير هو راجع اليه لا الى غيره كما ان الضمير فى أنزلناه راجع الى القرآن لتعينه وحضوره فى الذهن فقول الطاعن انه ضمير ليس له مرجع متعين فكيف يكون ذكر الله تعالى مردود على ان الضمائر اسماء وكل الأسماء ذكر لا فرق بينها بالمظهرية والمضمرية فعلى هذا يجوز ان يدخل اللام فى كلمة هو فى اصطلاح الصوفية لانها اشارة الى الهوية ولا مناقشة فى الاصطلاح ثم قوله قل امر من عين الجمع وارد على مظهر التفصيل وفى اشارة الى سر قوله تعالى شهد الله انه لا اله الا هو والملائكة وأولوا العلم فكأنه يقول انا شهدت بوحدة الهوية فى مقام الجمع فاشهد أنت ايضا بتلك الوحدة فى مقام الفرق ليظهر سر الاحدية واللاحدية ويحصل التطابق بينهما جمعا وتفصيلا هكذا لاح بالبال والله اعلم بحقيقة الحال وقرئ هو الله بلا قل وكذا فى المعوذتين لانه توحيد والأخريان تعوذ فيناسب ان يدعو بهما وان يؤمر بتبليغهما وقد سبق فى سورة الأعلى ما يغنى عن تكراره هاهنا وقال بعضهم انما اثبت فى المصحف قل والتزم فى التلاوة مع انه ليس من دأب المأمور بقل ان يتلفظ فى مقام الائتمار الا بالمقول لان المأمور ليس المخاطب به فقط بل كل واحد ابتلى بما ابتلى به المأمور فاثبت ليبقى على مر الدهور منا على العباد اللَّهُ الصَّمَدُ
стр. 5096
مبتدأ وخبر فعل بمعنى مفعول كقبض بمعنى مقبوض من صمد اليه من باب نصر إذا قصده اى هو السيد المصمود اليه فى الحوائج المستغنى بذاته وكل ما عداه محتاج اليه فى جميع جهاته فلا صمد فى الوجود سوى الله فهو مثل زيد الأمير يفيد قصر الجنس على زيد فاذا كان هو الصمد فمن انتفت الصمدية عنه لا يستحق الالوهية وتعريفه لعلمهم بصمديته بخلاف أحديته وتكرير الاسم الجليل للاشعار بان من يتصف به فهو بمعزل عن استحقاق الالوهية كما أشير اليه آنفا وتعرية الجملة عن العاطف لانها كالنتيجة للاولى وبين اولا ألوهيته المستتبعة لكافة نعوت الكمال ثم أحديته الموجبة لتنزهه عن شائبة التعدد والتركب بوجه من الوجوه وتوهم المشاركة فى الحقيقة وخواصها ثم صمديته المقتضية لاستغنائه الذاتي عما سواه وافتقار جميع المخلوقات اليه فى وجودها وبقائها وسائر أحوالها تحقيقا للحق وإرشادا لهم الى سننه الواضح فاثبات الصمدية له سبحانه انما هو باعتبار
استنادنا اليه فى الوجود والكمالات التابعة للوجود باعتبار احدية ذاته فهو غنى عن هذه الصفة والحاصل ان الصمدية تقتضى اعتبار كثرة الأسماء والصفات فى الله دون الاحدية وعبد الصمد هو مظهر الصمدية الذي يصمد اليه اى يقصد لدفع البليات وإيصال امداد الخيرات ويستشفع به الى الله ادفع العذاب وإعطاء الثواب وهو محل نظر الله الى العالم فى ربوبيته له. يقول الفقير جرى على لسان الباطن بلا اختيار منى وذلك بعد الاشراق ان أقول ازلى أبدى احدى صمدى اى أنت يا رب ازلى احدى وأبدى صمدى فالازلية ناظرة الى الاحدية كما ان الابدية ناظرة الى الصمدية وذلك باعتبار التحليل والتعقيد فان الاحدية لا تتجلى الا بازالة الكثرات فعند الانتهاء الى مقام الغنى الذي هو الغيب المطلق تزول الكثرة ويكون الزوال ازلا وهذا تحليل وفناء وعبور عن المنازل وعروج الى المرصد الأعلى والمقصد الأقصى عينا وعلما واما الصمدية فباعتبار الابدية التي هى البقاء وذلك يقتضى التعقيد بعد التحليل فهى بالنزول الى مقام العين بالمهملة اى العين الخارجي والعالم الشهادى الذي أسفل منارله عالم الناسوت والحاصل ان الاحدية جمع والصمدية فرق فمقام الاحدية هى النقطة الغير المنقسمة التي انبسطت منها جملة التراكيب الواحدية فاول تعيناتها هى مرتبة آدم ثم حواء لان حواء انما ظهرت بعد الهولء المنبعث من تعين آدم الحقيقي ولذا انقلبت الهاء حاء فصار الهولء حواء وخاصية الاسم الأحد ظهور عالم القدرة وآثارها حتى لو ذكره ألفا فى خلوة على طهارة ظهرت له العجائب بحسب قوته وضعفه وخاصية الاسم الصمد حصول الخير والصلاح فمن قرأه عند السحر مائة وخمسا وعشرين مرة ظهرت عليه آثار الصدق والصديقية وفى اللمعة ذاكره لا يحس بألم الجوع ما دام ملتبسا بذكره والقراءة وصلا أحد الله الصمد منونا مكسور الالتقاء الساكنين وكان ابو عمر وفى اكثر الروايات يسكت عند هو الله أحد وزعم ان العرب لاتصل مثل هذا وروى عنه انه قال وصلها قراءة محدثة وروى عنه قال أدركت القراء كذلك يقرأونها قل هو الله أحد وان وصلت نونت وروى عنه انه قال أحب الى إذا كان رأس آية ان يسكت عندها وذلك لان الآية منقطعة عما بعدها مكتفية بمعناها فهى فاصلة وبها سميت آية واما وقفهم كلهم
стр. 5097
فيسكتون على الدال ثم صرح ببعض احكام جزئية مندرجة تحت الاحكام السابقة فقيل لَمْ يَلِدْ نزاد كسى را. تنصيصا على ابطال زعم المفترين فى حق الملائكة والمسيح ولذلك ورد النفي على صيغة الماضي من غير ان يقال لن يلد اولا يلد اى لم يصدر عنه ولد لانه لا يجانسه شىء ليمكن ان يكون له من جنسه صاحبة فيتوالد اولا يفتقر الى ما يعينه او يخلفه لاستحالة الحاجة والفناء عليه سبحانه فان قلت لم قال فى هذه السورة لم يلد وفى سورة بنى إسرائيل لم يتخذ ولدا أجيب بأن النصارى فريقان منهم من قال عيسى ولد الله حقيقة فقوله لم يلد اشارة الى الرد عليه ومنهم من قال اتخذه ولدا تشريفا كما اتخذ ابراهيم خليلا تشريفا فقوله لم يتخذ ولدا اشارة الى الرد عليه وَلَمْ يُولَدْ ونزاده شد از كسى.
اى لم يصدر عن شىء لاستحالة نسبة العدم اليه سابقا اولا حقا وقال بعضهم الوالدية والمولودية لا تكونان الا بالمثلية فان المولود لا بد ان يكون مثل الوالد ولا مثلية بين هويته الواجبة وهوياتنا الممكنة انتهى وقال البقلى لم يلد ولم يولد اى لم يكن هو محل الحوادث ولا الحوادث محله والتصريح بأنه لم يولد مع كونهم معترفين بمضمونه لتقرير ما قبله وتحقيقه بالاشارة الى انهما متلا زمان إذ المعهود ان ما يلد يولد وما لا فلا ومن قضية الاعتراف بأنه لم يولد الاعتراف بأنه لا يلد وفى كشف الاسرار قدم ذكر لم يلد لان من الكفار من ادعى ان له ولدا ولم يدع أحد انه مولود (وفى التفسير الفارسي) لم يلد رد يهود است كه كفتند عزير پسر اوست ولم يولد رد نصارى است كه كويند عيسى خدا است. قال ابو الليث لم يلد يعنى لم يكن له ولد يرثه ولم يولد يعنى لم يكن له ولد يرث ملكه وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ يقال هذا كفاؤه وكفؤه مثله وكافأ فلانا ماثله وله صلة لكفؤا قدمت عليه مع ان حقها التأخر عنه للاهتمام بها لان المقصود نفى المكافأة عن ذاته تعالى اى لم يكافئه أحد ولم يماثله ولم يشاكله بل هو خالق الأكفاء ويجوز ان يكون من الكفاءة فى النكاح نفيا للصاحبة وأما تأخير اسم كان فلمراعاة الفواصل ولعل ربط الجمل الثلاث بالعاطف لان المراد منها نفى اقسام الأمثال فهى جملة واحدة منبه عليها بالجمل قال القاشاني ما كانت هويته الاحدية غير قابلة للكثرة والانقسام ولم تكن مقارنة الوحدة الذاتية لغيرها إذ ما عدا الوجود المطلق ليس الا العدم المحض فلا يكافئه أحد إذ لا يكافئ العدم الصرف الوجود المحض (وقال الكاشفى) رد مجوس ومشركان عربست كه كفتند او را كفو هست نعوذ بالله وكفته اند هر آيتي ازين سوره تفسير آيت پيش است چون كويند من هو تو كويى أحد چون كويند أحد كيست تو كويى صمد چون گويند صمد كيست تو كويى الذي لم يلد ولم يولد چون كويند لم يلد ولم يولد كيست تو كويى الذي لم يكن له كفؤا أحد.
وقال بعضهم كاشف الوالهين بقوله هو وكاشف الموحدين بقوله الله وكاشف العارفين بقوله أحد والعلماء بقوله الصمد والعقلاء بقوله لم يلد إلخ وهو اى لم يلد اشارة الى توحيد العوام لانهم يستدلون على الصانع بالشواهد والدلائل وقال بعض الكبار ان سورة الإخلاص اشارة الى حال النزول وهو حال المجذوب فأولا يقول هو الله أحد الله الصمد إلخ وحال
стр. 5098
الصعود يعتبر من الآخر الى جانب هو فيقول اولا لم يكن له كفؤا أحد ثم يترقى الى ان يقول هو لكن لا ينبغى للسالك ان يكتفى بوجدان هو فى القرآن بل ينبغى له ان يترقى الى القرآن الفعلى فيشاهد هو فى القرآن وهو محيط بالعوالم كلها وهو أول ما ينكشف للسالك ولاشتمال هذه السورة مع قصرها على جميع معارف الالهية والرد على من الحد فيها جاء فى الحديث انها تعدل ثلث القرآن فان مقاصده منحصرة فى بيان العقائد والاحكام والقصص ومن عدلها بكله اعتبر المقصود بالذات منه وهو علم المبدأ وصفاته إذ ما عداه ذرآئع اليه وقال ﵇ أسست السموات السبع والأرضون السبع على قل هو الله أحد اى ما خلقت الا لتكون دلائل على توحيد الله ومعرفة صفاته التي نطقت بها هذه السورة وعنه ﵇ سمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد فقال وجبت فقيل وما وجبت يا رسول الله قال وجبت له الجنة وعن سهيل ابن سعد رضى الله عنه جاء رجل الى النبي ﵇ وشكا اليه الفقر فقال إذا دخلت بيتك فسلم ان كان فيه أحد وان لم يكن فيه أحد فسلم على نفسك واقرأ قل هو الله أحد مرة واحدة ففعل الرجل ذلك فأدر الله عليه رزقا حتى أفاض على جيرانه وعن على رضى الله عنه انه قال من قرأ قل هو الله أحد بعد صلاة الفجر احدى عشرة مرة لم يلحقه ذنب يومئذ ولو اجتهد الشيطان وفى الحديث أيعجز أحدكم ان يقرأ القرآن فى ليلة واحدة فقيل يا رسول الله من يطيق ذلك قال ان يقرأ قل هو الله أحد ثلاث مرات وروى انه نزل جبريل ﵇ بتبوك فقال يا رسول الله ان معاوية بن المزني رضى الله عنه مات فى المدينة أتحب ان أطوي لك الأرض فتصلى عليه قال نعم فضرب بجناحه على الأرض فرفع له سريره وصلى عليه وخلفه صفان من الملائكة كل صف سبعون الف ملك ثم رجع فقال ﵇ بم أدرك هذا قال بحبه قل هو الله أحد وقراءته إياها جائيا وذاهبا وقائما وقاعدا وعلى كل حال رواه الطبراني وصحب سورة الإخلاص حين نزلت سبعون ألف ملك كلما مروا بأهل سماء سألوهم عما معهم فقالوا نسبة الرب سبحانه ولهذا سميت هذه السورة نسب الرب كما فى كشف الاسرار وسميت سورة الإخلاص لاخلاص الله من الشرك او للخلاص من العذاب او خالصة فى التوحيد قال الامام الغزالي رحمه الله تعالى (عفو ربى وثيقتي بالخلاص. واعتصامي بسورة الإخلاص) او لانها سورة خالصة لله ليس فيها ذكر شىء من الدنيا والآخرة وقال الحنفي لانها تخلص قارئها من شدائد الآخرة وسكرات الموت وظلمات القبر واهوال القيامة وقال القاشاني لان الإخلاص تمحيض الحقيقة الاحدية عن شائبة الكثرة تمت سورة الإخلاص يوم الاثنين الحادي عشر من جمادى الاولى من شهور سنة سبع عشرة ومائة وألف
стр. 5099
تفسير سورة الفلق
خمس آيات مدينة بسم الله الرحمن الرحيم
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ الفلق الصبح لانه يفلق عنه الليل ويفرق فهو من باب الحذف والإيصال فعل بمعنى مفعول كالصمد والقبض بمعنى المصمود اليه والمقبوض كمامر فان كل واحد من المفلوق والمفلوق عنه مفعول وذلك انما يتحقق بأن يكون الشيء مستورا ومحجوبا بآخر ثم يشقق الحجاب الساتر عن وجه المستور ويزول فيظهر ذلك المستور وينكشف بسبب زواله وذلك الحجاب المشقق مفلوق والمحجوب المنكشف بزواله مفلوق عنه والصبح صار مفلوقا عنه بازالة ما عليه من ظلمة الليل يقال فى المثل هو أبين من فلق الصبح والفلق ايضا الخلق لان الممكنات بأسرها كانت أعيانا ثابتة فى علم الله مستورة تحت ظلمة العدم فالله تعالى فلق تلك الظلمات بنور التكوين والإيجاد فاظهر ما فى علمه من المكونات فصارت مفلوقا عنها وفى تعليق العياذ باسم الرب المضاف الى الفلق المنبئ عن النور عقيب الظلمة والسعة بعد الضيق والفتق بعد الرتق عدة كريمة باعادة العائد مما يعوذ منه وانجائه منه وتقوية لرجائه لتذكير بعض نظائره ومزيد ترغيب له فى الجد والاعتناء بقرع باب الالتجاء اليه والاعاذة بربه قالوا إذا طلع الصبح تتبدل الثقلة بالخفة والغم بالسرور روى ان يوسف ﵇ لما ألقى فى الجب وجعت ركبته وجعا شديدا فبات ليلته ساهرا فلما قرب طلوع الصبح نزل جبريل بإذن الله تعالى يسأله ويأمره بان يدعو ربه فقال يا جبريل ادع أنت وأؤمن فدعا جبريل وأمن يوسف ﵉ فكشف الله تعالى ما كان به من الضر فلما طاب وقت يوسف قال با جبريل وانا ادعو ايضا وتؤمن أنت فسأل يوسف ربه ان يكشف الضر عن جميع أهل البلاء فى ذلك الوقت فلا جرم ما من مريض إلا ويجد نوع خفة فى آخر الليل وعن بعض الصحابة رضى الله عنهم انه قدم الشام فرأى دور أهل الذمة وما هم فيه من خفض العيش وما وسع عليهم به من دنياهم فقال لا أبالى أليس من ورائهم الفلق فقيل وما الفلق قال بيت فى جهنم إذا فتح صاح جميع أهل النار مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ اى من شر ما خلقه من الثقلين وغيرهم كائنا ما كان من ذوات الطبائع والاختيار وبالفارسية از بدى آنچهـ آفريد است از مؤذيات انس وجن وسباع وهوام.
فيشمل جميع الشرور والمضار بدنية كانت او غيرها من ضرب وقتل وشتم وعض ولدغ وسحر ونحوها واضافة الشر اليه لاختصاصه بعالم الخلق المؤسس على امتزاج المواد المتباينة وتفاعل كيفياتها المتضادة المستنبعة للكون والفساد واما عالم الأمر فهو خير محض منزه عن شوآئب الشر بالكلية وقرأ بعض المعتزلة القائلين بأن الله لم يخلق الشر من شر بالتنوين ما خلق على النفي وهى قراء مردودة مبنية على مذهب باطل الله خالق كل شىء وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ تخصيص لبعض الشرور بالذكر مع اندراجه فيما قبله لزيادة مساس الحاجة الى الاستعاذة منه لكثرة وقوعه ولان تعيين المستعاذ ادل على الاعتناء بالاستعاذة
стр. 5100
وادعى الى الاعاذة اى ومن شر ليل مختلط ظلامه متستد وذلك بعد غيبوبة الشفق من قوله تعالى الى غسق الليل اى اجتماع ظلمته وفى القاموس الغسق محركة ظلمة أول الليل وغسق الليل غسقا ويحرك اشتدت ظلمته فالغاسق الليل المظلم كما فى المفردات واصل الغسق الامتلاء يقال غسقت العين إذا امتلأت دمعا او هو السيلان وغسق العين سيلان دمعها واضافة الشر الى الليل لملابسته له بحدوثه فيه وتنكيره لعدم شمول الشر لجميع افراده ولا لكل اجزائه إِذا وَقَبَ الوقب النقرة فى الشيء كالنقرة فى الصخرة يجتمع فيها الماء ووقب إذا دخل فى وقب ومته وقبت الشمس إذا غابت ووقب الظلام دخل والمعنى إذا دخل ظلامه فى كل شىء وتقييده به لان حدوث الشر فيه اكثر والتحرز منه أصعب وأعسر ولذلك قيل الليل أخفى للويل وقيل اغدر الليل لانه إذا اظلم كثر فيه الغدر والغوث يقل فى الليل ولذا لو شهر انسان بالليل سلاحا فقتله المشهر عليه لا يلزمه قصاص ولو كان نهارا يلزمه لانه يوجد فيه الغوث والحاصل انه ينبعث اهل الحرب فى الليل وتخرج عفاريت الجن والهوام والمؤذيات ونهى رسول الله ﵇ عن السير فى أول الليل وامر بتغطية الأواني وإغلاق الأبواب وإيكاء الاسقية وضم الصبيان وكل ذلك للحذر من الشر والبلاء وقيل الغاسق القمر إذا امتلأ ووقوبه دخوله فى الخسوف واسوداده لما روى عن عائشة رضى الله عنها انها قالت أخذ رسول الله ﵇ بيدي فاشار الى القمر فقال تعوذى بالله من شر هذا فانه الغاسق إذا وقب وشره الذي يتقى ما يكون فى الأبدان كآفات التي تحدث بسببه ويكون فى الأديان كالفتنة التي بها افتتن من عبده وعبد الشمس وقيل التعبير عن القمر بالغاسق لان جرمه مظلم وانما يستنير بضوء الشمس ووقوبه المحاق فى آخر الشهر والمنجمون يعدونه نحسا ولذلك لا تشتغل السحرة بالسحر المورث للتمريض الا فى ذلك قيل وهو المناسب لسبب النزول وقيل الغاسق الثريا ووقوبها سقوطها لانها إذا سقطت كثرت الأمراض والطواعين وإذا طلعت قلت الأمراض والآلام وقيل هو كل شر يعترى الإنسان ووقوبه هجومه ويجوز أن يراد بالغاسق الأسود من الحيات ووقبه ضربه ولسبه وفى القاموس هو الذكر إذا وقام هو منقول عن ابن عباس رضى الله عنهما وجماعة وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ واز شر دمندگان. من النفث وهو شبه النفخ يكون فى الرقية ولا ريق معه فان كان معه ريق فهو التفل يقال منه نفث الراقي ينفث وينفث بالضم والكسر والنفاثات بالتشديد يراد منها تكرار الفعل والاحتراف به والنفاثات تكون للدفعة الواحدة من الفعل ولتكراره ايضا فِي الْعُقَدِ جمع عقدة وهى ما يعقده الساحر على وتر أو حبل او شعر وهو ينفث ويرقى وأصله من العزيمة ولذلك يقال لها عزيمة كما يقال لها عقدة ومنه قيل للساحر معقد والمعنى ومن شر النفوس او النساء السواحر اللاتي يعقدن عقدا فى خيوط وينفثن عليها وتعريفها اما للعهد او للايذان بشمول الشر لجميع افرادهن وتمحضهن فيه وتخصيصه بالذكر لما روى ابن عباس رضى الله عنهما وعائشة رضى الله عنها انه كان غلام من اليهود يخدم النبي ﵇ وكان عنده أسنان من مشطه ﵇ فاعطاها اليهود فسحروه ﵇ فيها ولذا ينبغى ان يقطع الظفر بعد التقليم وكذا الشعر
стр. 5101
إذا أسقط من اللحية والرأس نصفين او اكثر لئلا يسحر به أحد وتولاه لبيد بن اعصم اليهودي وبناته وهن النفاثات فى العقد فدفها فى بئر اريس وفى عين المعاني فى بئر لبنى زريق تسمى ذروان فمرض النبي ﵇ روى انه لبث فيه ستة أشهر فنزل جبرائيل بالمعوذتين بكسر الواو كما فى القاموس وأخبره بموضع السحر وبمن سحره وبم سحره فارسل ﵇ عليا والزبير وعمارا رضى الله عنهم فنزحوا ماء البئر فكأنه نقاعة الحناء ثم رفعوا راعونة البئر وهى الصخرة التي توضع فى أسفل البئر فأخرجوا من تحتها الأسنان ومعها وترقد عقد فيه احدى عشرة عقدة مغرزة بالابر فجاؤا بها النبي ﵇ فجعل يقرأ المعوذتين عليها فكان كلما قرأ آية انحلت عقدة ووجد
﵇ خفة حتى انحلت العقدة الاخيرة عند تمام السورتين فقام ﵇ كأنما انشط من عقال وجعل جبرائيل يقول بسم الله أرقيك والله يشفيك من كل شىء يؤذيك من عين وحاسد فلذا جوز الاسترقاء بما كان من كلام الله وكلام رسوله لا بما كان بالعبرية والسريانية والهندية فانه لا يحل اعتقاده فقالوا يا رسول الله أفلا نقتل الخبيث فقال ﵇ اما انا فقد عافانى الله واكره ان اثير على الناس شرا قالت عائشة رضى الله عنها ما غضب النبي ﵇ غضبا ينتقم لنفسه قط الا ان يكون شيأ هو الله فيغضب الله وينتقم وقيل المراد بالنفث فى العقد ابطال عزائم الرجال بالحيل مستعار من تليين العقدة بنفث الريق ليسهل حلها فعلى هذا فالنفاثات هى جنس النساء اللاتي شأنهن ان يغلبن على الرجال ويحولنهم عن آرائهم بانواع المكر والحيلة فمعنى الآية ان النساء لاجل استقرار حبهن فى قلوب الرجال يتصرفن فيهم ويحولنهم من رأى الى رأى فامر الله تعالى له رسوله بالتعوذ من شرهن. اعلم ان السحر تخييل لا اصل له عند المعتزلة وعند الشافعي تمريض بما يتصل به كما يخرج من فم المتثائب ويؤثر فى المقابل وعندنا سرعة الحركة ولطافة الفعل فيما خفى فهمه وقيل طلسم يبنى على تأثير خصائص الكواكب كتأثير الشمس فى زئبق عصى سحرة فرعون والمعتزلة أنكروا صحة الرواية المذكورة وتأثير السحر فيه ﵇ وقالوا كيف يمكن القول بصحتها والله تعالى يقول والله يعصمك من الناس وقال ولا يفلح الساحر حيث اتى ولان تجويزه يفضى الى القدح فى النبوة ولان الكفار كانوا يعيرونه بانه مسحور فلو وقعت هذه الواقعة لكان الكفار صادقين فى تلك الدعوى ولحصل فيه ﵇ ذكر العيب ومعلوم ان ذلك غير جائز وقال اهل السنة صحة القصة لا تستلزم صدق الكفرة فى قولهم انه مسحور وذلك لانهم كانوا يريدون بكونه مسحورا انه مجنون ازيل عقله بسبب السحر فلذلك ترك دين آبائه فاما ان يكون مسحورا بالم يجده فى بدنه فذلك مما لا ينكره أحد وبالجملة فالله تعالى ما كان يسلط عليه لا شيطانا ولا إنسيا وجنيا يؤذيه فيما يتعلق بنبوته وعقله واما الإضرار به من حيث بشريته وبدنه فلا بعد فيه وتأثير السحر فيه ﵇ لم يكن من حيث انه نبى وانما كان فى بدنه من حيث انه انسان وبشر فانه ﵇ يعرض له من حيث بشريته ما يعرض لسائر البشر من الصحة والمرض والموت والاكل والشرب ودفع الفضلات وتأثير السحر فيه من حيث بشريته لا يقدح فى نبوته وانما يكون
стр. 5102
قادحا فيها لو وجد للسحر تأثير فى امر يرجع الى النبوة ولم يوجد ذلك كيف والله تعالى يعصمه من ان يضره أحد فيما يرجع إليها كما لم يقدح كسر رباعيته يوم أحد فيما ضمن الله له من عصمته فى قوله والله يعصمك من الناس وفى كشف الاسرار فان قيل ما الحكمة فى نفوذ السحر وغلبته فى النبي ﵇ ولماذا لم يرد الله كيد الكائد الى نحره بابطال مكره وسحره قلنا الحكمة فيه الدلالة على صدق رسول الله ﵇ وصحة معجزاته وكذب من نسبه الى السحر والكهانة لان سحر الساحر عمل فيه حتى التبس عليه بعض الأمر واعتراه نواع من الوجع ولم يعلم النبي ﵇ بذلك حتى دعا ربه ثم دعا فاجابه الله وبين له امره ولو كان ما يظهر من المعجزات الخارقة للعادات من باب السحر على ما زعم أعداؤوه لم يشتبه عليه ما عمل من السحر فيه ولتوصل الى دفعه من عنده وهذا بحمد الله من أقوى البراهين على نبوته وانما اخبر النبي ﵇ عائشة رضى الله عنها من بين نسائه بما كشف الله تعالى له من امر السحر لانه ﵇ كان مأخوذا عن عائشة رضى الله عنها فى هذا السحر على ما روى يحيى بن يعمر قال حبس رسول الله ﵇ عن عائشة فبينما هو نائم او بين النوم واليقظة إذ أتاه ملكان جلس أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه فهذا يقول للذى عند رأسه ما شكواه قال السحر قال من فعل به قال لبيد بن اعصم اليهودي قال فاين صنع السحر قال فى بئر كذا قال فما دوآؤه قال ينبعث الى تلك البئر فينزح ماءها فانه ينتهى الى صخرة فاذا رآها فليقلعها فان تحتها كوبة وهر كوز سقط عنقها وفى الكوبة وترفيه احدى عشرة عقدة مغروزة بالابر فيحرقها بالنار فيبرأ ان شاء الله تعالى فاستيقظ ﵇ وقد فهم ما قالا فبعث عليا رضى الله عنه الى آخر ما سبق وعن عائشة رضى الله عنها قالت كان رسول الله ﵇ إذا اشتكى شيأ من جسده قرأ قل هو الله أحد والمعوذتين فى كفه اليمنى ومسح بها المكان الذي يشتكى وفيه اشارة الى الهواجس النفسانية والخواطر الشيطانية النفاثات الساحرات فى عقد عقائد القلوب الصافية الظاهرة اخباث السيئات العقلية وألواث الشكوك الوهمية والعياذ بالله منها وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ بالوقف ثم يكبر لان الوصل لا يخلو من الإيهام اى إذا اظهر ما فى نفسه من الحسد وعمل بمقتضاه ترتيب مقدمات الشر ومبادى الإضرار بالمحسود قولا او فعلا والتقييد بذلك لما ان ضرر الحسد قبله انما يحيق بالحاسد لا غير وفى الكشاف فان قلت فلم عرف بعض المستعاذ منه ونكر بعضه قلت عرف النفاثات لان كل نفاثة شريرة ونكر غاسق لان كل غاسق لا يكون فيه الشر انما يكون فى بعض دون بعض وكذلك كل حاسد لا يضر ورب حسد محمود وهو الحسد فى الخيرات ويجوز ان يراد بالحاسد قابيل لانه حسد أخاه هابيل والحسد الأسف على الخير عند الغير وفى فتح الرحمن تمنى زوال النعمة عن مستحقها سوآء كانت نعمة دين او دنيا وفى الحديث المؤمن يغبط والمنافق يحسد وعنه ﵇ الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب وأول ذنب عصى الله به فى السماء حسد إبليس لآدم فأخرجه من الجنة فطرد وصار شيطانا رجيما وفى الأرض قابيل لاخيه هابيل
стр. 5103
فقتله قال الحسين بن الفضل ﵀ ذكر الله الشرور فى هذه السورة ثم ختمها بالحسد ليظهر انه أخبث الطبائع كما قال ابن عباس رضى الله عنهما
اگر در عالم از حسد بدتر بودى ... ختم اين سوره بدان كردى
حسد آتشى دان كه چون بر فروخت ... حسود لعين را همان لحظه سوخت
كرفتم بصورت همه دين شوى ... حسد كى گذارد كه حق بين شوى
وفيه اشارة الى حسد النفس الامارة إذا حسدت القلب وأرادت ان تطفئ نوره وتوقعه فى التلوين وكفران النعمة الذي هو سبب لزوالها وفى الحديث ان النبي ﵇ قال لعتبة بن عامر رضى الله عنه ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس قوله ألم تر كلمة تعجب وما بعدها بيان لسبب التعجب يعنى لم يوجد آيات كلهن تعويذ غير هاتين السورتين وهما قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس وفى الحديث دليل على انهما من القرآن ورد على من نسب الى ابن مسعود رضى الله عنه انهما ليستامنه وفى عين المعاني الصحيح انهما من القرآن الا انهما لم تثبتا فى مصحفه للأمن من نستانهما لانهما تجريان على لسان كل انسان انتهى. اعلم ان مصحف عبد الله بن مسعود رضى الله عنه حذف منه أم الكتاب والمعوذتان ومصحف ابى بن كعب رضى الله عنه زيد فيه سورة القنوت ومصحف زيد بن ثابت رضى الله عنه كان سليما من ذلك فكان كل من مصحفى ابن مسعود وابى منسوخا ومصحف زيد معمولا به وذلك لانه ﵇ كان يعرض القرآن على جبريل ﵇ فى كل شهر رمضان مرة واحدة فلما كان العام الذي قبض فيه عرضه مرتين وكان قراءة زيد من آخر العرض دون قراءة ابى وابن مسعود رضى الله عنهما وتوفى ﵇ وهو يقرأ على ما فى مصحف زيد ويصلى به قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه جميع سور القرآن مائة واثنتا عشرة سورة قال الفقيه فى البستان انما قال انها مائة واثنتا عشرة سورة لانه كان لا يعد المعوذتين من القرآن وكان لا يكتبهما فى مصحفه ويقول انهما منزلتان من السماء وهما من كلام رب العالمين ولكن النبي ﵇ كان يرقى ويعوذ بهما فاشتبه عليه انهما من القرآن او ليستا منه فلم يكتبهما فى المصحف وقال مجاهد جميع سور القرآن مائة وثلاث عشرة سورة وانما قال ذلك لانه كان يعد الأنفال والتوبة سورة واحدة وقال ابى بن كعب رضى الله عنه جميع سور القرآن مائة وست عشرة سورة وانما قال ذلك لانه كان يعد القنوت سورتين إحداهما من قوله اللهم انا نستعينك الى قوله من يفجرك والثانية من قوله اللهم إياك نعبد الى قوله ملحق وقال زيد بن ثابت رضى الله عنه جميع سور القرآن مائة واربع عشرة سورة وهذا قول عامة الصحابة رضى الله عنهم وهكذا فى مصحف الامام عثمان بن عفان رضى الله عنه وفى مصاحف اهل الأمصار قالمعوذتان سورتان من القرآن روى ابو معاوية عن عثمان بن واقد قال أرسلني ابى الى محمد بن المنكدر وسأله عن المعوذتين أهما من كتاب الله قال من
стр. 5104
لم يزعم انهما من كتاب الله فعلية لعنة الله والملائكة والناس أجمعين وفى نصاب الاحتساب لو أنكر آية من القرآن سوى المعوذتين يكفر انتهى وفى الأكمل عن سفيان بن سختان من قال ان المعوذتين ليستا من القرآن لم يكفر لتأويل ابن مسعود رضى الله عنه كما فى المغرب للمطرزى وقال فى هدية المهديين وفى انكار قرآنية المعوذتين اختلاف المشايخ والصحيح انه كفر انتهى تمت سورة الفلق من القرآن بعون الله الملك المنان
تفسير سورة الناس
ست آيات مدينة بسم الله الرحمن الرحيم
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ اى مالك أمورهم ومربيهم بافاضة ما يصلحهم ودفع ما يضرهم قال القاشاني رب الناس هو الذات مع جميع الصفات لان الإنسان هو الكون الجامع الحاصر لجميع مراتب الوجود فربه الذي أوجده وأفاض عليه كما له هو الذات باعتبار جميع الأسماء الجمالية والجلالية تعوذ بوجهه بعد ما تعوذ بصفاته ولهذا تأخرت هذه الصورة عن المعوذة الاولى إذ فيها تعوذ فى مقام الصفات باسمه الهادي فهداه الى ذاته وفى الحديث (أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك) ابتدأ بالتعوذ بالرضى الذي هو من الصفات لقرب الصفات من الذات ثم استعاذ بالمعافاة التي هى من صفات الافعال ثم لما ازداد يقينا ترك الصفات فقال وأعوذ بك منك قاصرا نظره على الذات وابتدأ بعض العلماء فى ذكر هذا الحديث بتقديم الاستعاذة بالمعافاة على التعوذ بالرضى للترقى من الأدنى الذي هو من صفات الافعال الى الأعلى الذي هو صفات الذات قال بعضهم من بقي له التفات الى غير الله استعاذ بافعال الله وصفاته فاما من توغل فى بحر التوحيد بحيث لا يرى فى الوجود الا الله لم يستعذ الا بالله ولم يلتجئ الا الى الله والنبي ﵇ لما ترقى عن هذا المقام وهو المقام الاول قال أعوذ بك منك. يقول الفقير ففى الالتجاء الى الله فى هذه السورة دلالة على ختم الأمر فان الله تعالى هو الاول الآخر واليه يرجع الأمر كله وان الى ربك المنتهى وفيه اشارة الى نسيان العهد السابق الواقع يوم الميثاق فان الإنسان لو لم ينسه لما احتاج الى العود والرجوع بل كان فى كنف الله تعالى دائما مَلِكِ النَّاسِ عطف بيان جيئ به لبيان ان تربيته تعالى إياهم ليست بطريق تربية سائر الملاك لما تحت أيديهم من مماليكهم بل بطريق الملك الكامل والتصرف الشامل والسلطان القاهر فما ذكروه فى ترجيح المالك على الملك من ان المالك مالك العبد وانه مطلق التصرف فيه بخلاف الملك فانه انما يملك بقهر وسياسة ومن بعض الوجوه فقياس لا يصح ولا يطرد الا فى المخلوقين لا فى الحق فانه من البين انه مطلق التصرف وانه يملك من جميع الوجوه فلا يقاس ملكية غيره عليه ولا تضاف النعوت والأسماء اليه الا من حيث أكمل مفهوماته ومن وجوه ترجيح الملك على المالك ان الأحاديث النبوية مبينات لاسرار القرآن ومنبهات عليها وقد ورد فى الحديث فى بعض الادعية النبوية
стр. 5105
لك الحمد لا اله الا أنت رب كل شىء ومليكه ولم يرد ومالكه وايضا فالاسماء المستقلة لها تقدم على الأسماء المضافة واسم الملك ورد مستقلا بخلاف المالك ومما يؤيد ذلك ان الأسماء المضافة لم تنقل فى إحصاء الأسماء الثابتة بالنقل مثل قوله فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا وذى المعارج وشبهها وايضا فان الحق يقول فى آخر الأمر عند ظهور غلبة الاحدية على الكثرة فى القيامة الكبرى والقيامات الصغرى الحاصلة للسالكين عند التحقق بالوصول عقيب انتهاء السير وحال الانسلاخ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار والحاكم على الملك هو الملك فدل انه أرجح وقد جوزوا القراءة بمالك وملك فى سورة الفاتحة لا فى هذه السورة حذرا من التكرار فان أحد معانى الاسم الرب فى اللسان المالك ولا ترد الفاتحة فان الراجح فيها عند المحققين هو الملك لا المالك إِلهِ النَّاسِ هو لبيان ان ملكه تعالى ليس بمجرد الاستيلاء عليهم والقيام بتدبير امور سياستهم والتولي لترتيب مبادى حفظهم وحمايتهم كما هو قصارى امر الملوك بل هو بطريق المعبودية المؤسسة على الالوهية المقتضية للقدرة التامة على التصرف الكلى فيهم احياء واماتة وإيجادا واعداما وايضا ان ملك الناس اشارة الى حال الفناء فى الله كما أشرنا اليه واله الناس لبيان حال البقاء بالله لان الا له هو المعبود المطلق وذلك هو الذات مع جميع الصفات فلما فنى العبد فى الله ظهر كونه ملكا ثم رده الله الى الوجود لمقام العبودية فثم استعاذته من شر الوسواس لان الوسوسة تقتضى محلا وجوديا ولا وجود فى حال الفناء ولا صدر ولا وسوسة ولا موسوس بل ان ظهر هناك تلوين بوجود الانانية يقول أعوذ بك منك فلما صار معبودا بوجود العابد ظهر الشيطان بظهور العابد كما كان اولا موجودا بوجوده وايضا مقام الربوبية المقيدة بالناس هو لحضرة الامام الذي على باب عالم الملكوت وفيها يشهد وهى موضع نظره فانها ثلاث حضرات اختصت بثلاثة اسماء نالها ثلاثة رجال وهى حضرة الرب والملك والإله فرجالها الامامان والقطب والامامان وزيران للقطب صاحب الوقت وينفرد القطب بالكشف الذاتي المطلق كما ينفرد الامام الذي على يسار القطب بباب عالم الشهادة الذي لا سبيل للامام الثاني الذي يمينه اليه وانما أضيف امام الربوبية للناس وهو مع الملكوتيات لانه لا بد له عند موت الامام الثاني المسمى بالملك ان يرث مقامه بخلاف غير وفى الإرشاد تخصيص الاضافة بالناس مع انتظام جميع العالمين فى سلك ربوبيته تعالى وملكوته وألوهيته لان المستعاذ منه شر الشيطان المعروف بعداوتهم ففى التنصيص على انتظامهم فى سلك عبوديته تعالى وملكوته رمز الى انجائهم من هلكة الشيطان وتسلطه عليهم حسبما ينطق به قوله تعالى ان عبادى ليس لك عليهم سلطان وتكرير المضاف اليه لمزيد الكشف والتقرير بالاضافة فان مالا شرف فيه لا يعبأبه ولا يعاد ذكره بل يترك ويهمل وقد قال من قال
أعد ذكر نعمان لنا ان ذكره ... هو المسك ما كررته يتضوع
والتضوع بوى خوش دميدن فلولا ان الناس اشرف مخلوقاته لما ختم كتابه بذكرهم مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ هو اسم بمعنى الوسوسة وهو الصوت
стр. 5106
الخفي الذي لا يحس فيحتزر منه كالزلزال بمعنى الزلزلة واما المصدر فبالكسر والفرق بين المصدر واسم المصدر هو أن الحدث ان اعتبر صدوره عن الفاعل ووقوعه على المفعول سمى مصدرا وإذا لم يعتبر بهذه الحيثية سمى اسم المصدر ولما كانت الوسوسة كلاما يكرره الموسوس ويؤكده عند من يلقيه اليه كرر لفظها بإزاء تكرير معناها والمراد بالوسواس الشيطان لانه يدعو الى المعصية بكلام خفى يفهمه القلب من غير ان يسمع صوته وذلك بالاغرار بسعة رحمة الله او بتخييل أن له فى عمره سعة وان وقت التوبة باق بعد سمى بفعله مبالغة كأنه نفس الوسوسة لدوام وسوسته فقد أوقع الاستعاذة من شر الشيطان الموصوف بأنه الوسواس إلخ ولم يقل من شر وسوسته لتعم الاستعاذة شره جميعه وانما وصفه بأعظم صفاته وأشدها شرا وأقواها تأثيرا وأعمها فسادا وانما استعاذ منه بالإله دون بعض أسمائه كما فى السورة الاولى لان الشيطان هو الذي يقابل الرحمن ويستولى على الصورة الجمعية الانسانية ويظهر فى صور جميع الأسماء ويتمثل بها الا بالله والرحمن فلم تكف الاستعاذة منه بالهادي والعليم والقدير وغير ذلك فلهذا لما
تعوذ من الاحتجاب والضلالة تعوذ برب الفلق وهاهنا تعوذ برب الناس ومن هذا يفهم معنى قوله ﵇ من رآنى فقد رآنى فان الشيطان لا يتمثل بي وكذا لا يتمثل بصور الكمل من أمته لانهم مظاهر الهداية المطلقة قال بعض الكبار الإلقاء اما صحيح او فاسد. فالصحيح الهى ربانى متعلق بالعلوم والمعارف او ملكى روحانى وهو الباعث على الطاعة وعلى كل ما فيه صلاح ويسمى إلهاما. والفاسد نفسانى وهو ما فيه حظ النفس ويسمى هاجسا او شيطانى وهو ما يدعو الى معصية ويسمى وسواسا وفى آكام المرجان وينحصر ما يدعو الشيطان اليه ابن آدم فى ست مراتب المرتبة الاولى الكفر والشرك ومعاداة الله ورسوله فاذا ظفر بذلك من ابن آدم بردأنينه واستراح من تعبه معه وهذا أول ما يريده من العبد والمرتبة الثانية البدعة وهى أحب الى إبليس من المعصية لان المعصية يتاب منها فتكون كالعدم والبدعة يظن صاحبها انها صحيحة فلا يتوب منها فاذا عجز عن ذلك انتقل الى المرتبة الثالثة وهى الكبائر على اختلاف أنواعها فاذا عجز عن ذلك انتقل الى المرتبة الرابعة وهى الصغائر التي إذا اجتمعت أهلكت صاحبها كالنار الموقدة من الحطب الصغار فاذا عجز عن ذلك انتقل الى المرتبة الخامسة وهى اشتغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب بل عقابها فوات الثواب الذي فات عليه باشتغاله بها فاذا عجز عن ذلك انتقل الى المرتبة السادسة وهى ان يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه ليفوته ثواب العمل الفاضل ومن الشياطين شيطان الوضوء ويقال له الولهان بفتحين وهو شيطان يولع الناس بكثرة استعمال الماء قال ﵇ تعوذوا بالله من وسوسة الوضوء ومنهم شيطان يقال له خنزب وهو المليس على المصلى فى صلاته وقراءته قال ابو عمر والبخاري رحمهما الله اصل الوسوسة ونتيجتها من عشرة أشياء أولها الحرص فقابله بالتوكيل والقناعة والثاني الأمل فاكسره بمفاجأة الاجل والثالث التمتع بشهوات الدنيا فقابله بزوال النعمة وطول الحساب والرابع الحسد
стр. 5107
فاكسره برؤية العدل والخامس البلاء فاكسره برؤية المنة والعوافي والسادس الكبر فاكسره بالتواضع والسابع الاستخفاف بحرمة المؤمنين فاكسره بتعظيمهم واحترامهم والثامن حب الدنيا والمحمدة فاكسره بالإخلاص والتاسع طلب العلو والرفعة فاكسره بالخشوع والذلة والعاشر المنع والبخل فاكسره بالجود والسخاء الْخَنَّاسِ الذي عادته ان يخنس اى يتأخر إذا ذكر الإنسان ربه (حكى) ان بعض الأولياء سأل الله تعالى ان يريه كيف يأتى الشيطان ويوسوس فأراه الحق تعالى هيكل الإنسان فى صورة بلور وبين كتفيه خال اسود كالعش والوكر فجاء الخناس يتحسس من جميع جوانبه وهو فى صورة خنزير له خرطوم كخرطوم الفيل فجاء بين الكتفين فادخل خرطومه قبل قلبه فوسوس اليه فذكر الله فخنس وراءه ولذلك سمى بالخناس لانه ينكص على عقبيه مهما حصل نور الذكر فى القلب ولهذا السر الإلهي كان ﵇ يحتجم بين كتفيه ويأمر بذلك ووصاه جبرائيل بذلك لتضعيف مادة الشيطان وتضييق مرصده لانه يجرى وسوسته مجرى الدم ولذلك كان خاتم النبوة بين كتفيه ﵇ اشارة الى عصمته من وسوسته لقوله أعانني الله عليه فأسلم اى بالختم الإلهي وشرح الصدر أيده وبالعصمة الكلية خصه فأسلم قربنه وما اسلم قرين آدم ﵇ فوسوس اليه لذلك ويجوز ان يدخل الشيطان فى الأجسام لانه جسم لطيف وهو وان كان مخلوقا فى الأصل من نار لكنه ليس بمحرق لانه لما امتزج النار بالهواء صار تركيبه مزاجا مخصوصا كتركيب الإنسان وفى الوسواس اشارة الى الوسواس الحاصل من القوة الحسية والخيالية وفى الخناس الى القوة الوهمية المتأخرة عن مرتبتى القوتين فانها تساعد العقل فى المقدمات فاذا آل الأمر الى النتيجة خنست وتأخرت توسوسه وتشككه كما يحكم الوهم بالخوف من الموتى مع انه يوافق العقل فى ان الميت جماد والجماد لا يخاف منه المنتج لقولنا الميت لا يخاف منه فاذا وصل العقل والوهم الى النتيجة نكص الوهم وأنكرها الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ إذا غفلوا عن ذكره تعالى ولذا قال فى التأويلات النجمية اى الناسي ذكر الله بالقلب والسر والروح كما قال تعالى يوم يدعو الداع بحذف الياء انتهى ومحل الموصول الجر على الوصف فلا وقف على الخناس او النصب او الرفع على الذم فيحسن الوقف عليه ذكر وسوسته اولا ثم ذكر محلها وهو صدور الناس تأمل السر فى قوله يوسوس فى صدور الناس ولم يقل فى قلوبهم والصدر هو ساحة القلب وبيته فمنه تدخل الواردات عليه فتجتمع فى الصدر ثم تلج فى القلب فهو بمنزلة الدهليز وهو بالكسر ما بين الباب والدار ومن القلب تخرج الإرادات والأوامر الى الصدر ثم تتفرق على الجنود فالشيطان يدخل ساحة القلب وبيته فيلقى ما يريد إلقاءه الى القلب فهو يوسوس فى الصدور ووسوسته واصلة الى القلوب قال بعض ارباب الحقائق للقلب أمراء خمسة ملكية يسمون الحواس كحاسة البصر وحاسة السمع وحاسة الشم وحاسة الذوق وحاسة اللمس وأمراء خمسة ملكوتية يسمون أرواحا كالروح الحيواني والروح الخيالى والروح الفكرى والروح العقلي والروح القدسي فاذا نفذ الأمر الإلهي الى أحد
стр. 5108
هؤلاء الأمراء من القلب بادر لامتثال ما ورد عليه على حسب حقيقته وقس عليه الخواطر والوساوس فان عزم الإنسان يخرج كلا منها الى الخارج ويجريها من طرق الحواس والقوى وقوله فى صدور الناس يدل على انه لا يوسوس فى صدور الجن قال فى آكام المرجان لم يرد دليل على ان الجنى يوسوس فى صدور الجنى ويدخل فيه كما يدخل فى الانسى ويجرى منه مجراه من الانسى مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ الجنة بالكسر جماعة الجن ومن بيان للذى يوسوس على انه ضربان جنى وانسى كما قال تعالى شياطين الانس والجن والموسوس اليه نوع واحد وهو الانس فكما ار شيطان الجن قد يوسوس تارة ويخنس اخرى فشيطان الانس يكون كذلك وذلك لانه يلقى الأباطيل ويرى نفسه فى صورة الناصح المشفق فان زجره السامع يخنس ويترك الوسوسة وان قبل السامع كلامه بالغ فيه قال فى الاسئلة المقحمة من دعا غيره الى الباطل فان تصوره فى قلبه كان ذلك وسوسة وقد قال تعالى ونعلم ما توسوس به نفسه فاذا جاز أن توسوس نفسه جاز أن يوسوسه غيره فان حقيقة الوسواس لا تختلف باختلاف الاشخاص ويجوز أن تكون من متعلقة بيوسوس فتكون لابتداء الغاية اى يوسوس فى صدورهم من جهة الجن انهم يعلمون الغيب ويضرون وينفعون ومن جهة الناس كالكهان والمنجمين كذلك وفى الجنة اشارة الى القوى الباطنة المستجنة المستورة إذ سمى الجن بالجن لاستجنانه وفى الناس الى القوى الظاهرة إذ الناس من الإيناس وهو الظهور كما قال آنست نارا وفى هذا المقام لطيفة بالغة وهى ان المستعاذ به فى السورة الاولى مذكور بصفة واحدة وهى انه رب الفلق والمستعاذ منه ثلاثة انواع من الآفات وهى الغاسق والنفاثات والحاسد واما فى هذه السورة فالمستعاذ به مذكور بثلاثة أوصاف وهى الرب والملك والإله والمستعاذ منه آفة واحدة وهى الوسوسة ومن المعلوم ان المطلوب كلما كان أهم والرعبة فيه أتم واكثر كان ثناء الطالب قبل طلبه اكثر وأوفر والمطلوب فى السورة المتقدمة هو سلامة البدن من الآفات المذكورة وفى هذه السورة سلامة الدين من وسوسة الشيطان فظهر بهذا ان فى نظم السورتين الكريمتين تنبيها على ان سلامة الدين من وسوسة الشيطان وان كانت امرا واحدا الا انها أعظم مراد وأهم مطلوب وان سلامة البدن من تلك الآفات وان كانت أمورا متعددة ليست بتلك المثابة فى الاهتمام وفى آكام المرجان سورة الناس مشتملة على الاستعاذة من الشر الذي هو سبب الذنوب والمعاصي كلها وهو الشر الداخل فى الإنسان الذي هو منشأ العقوبات فى الدنيا والآخرة وسورة الفلق تضمنت الاستعاذة من الشر الذي هو سبب ظلم العبد نفسه وهو شر من خارج فالشر الاول لا يدخل تحت التكليف ولا يطلب منه الكف عنه لانه ليس من كسبه والشر الثاني يدخل تحت التكليف ويتعلق به النهى وعن عائشة رضى الله عنها قالت كان رسول الله ﷺ إذا أوى الى فراشه كل ليلة جمع كفيه فنفث فيهما وقرأ قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ثم مسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما رأسه ووجهه وما اقبل من جسده يصنع
стр. 5109
ذلك ثلاث مرات وفى قوت القلوب للشيخ ابى طالب المكي قدس سره وليجعل العبد مفتاح درسه ان يقول أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب ان يحضرون وليقرأ قل أعوذ برب الناس وسورة الحمد وليقل عند فراغه من كل سورة صدق الله تعالى وبلغ رسوله ﷺ اللهم انفعنا وبارك لنا فيه الحمد لله رب العالمين واستغفر الله الحي القيوم. وفى اسئلة عبد الله بن سلام أخبرني يا محمد ما ابتداء القرآن وما ختمه قال ابتداؤه بسم الله الرحمن الرحيم وختمه صدق الله العظيم قال صدقت وفى خريدة العجائب يعنى ينبغى ان يقول القارئ ذلك عند الختم والا فختم القرآن سورة الناس وفى الابتداء بالباء والاختتام بالسين اشارة الى لفظ بس. يعنى حسب اى حسبك من الكونين ما أعطيناك بين الحرفين كما قال الحكيم سنانى ﵀
أول وآخر قرآن ز چهـ با آمد وسين ... يعنى اندر ره دين رهبر تو قرآن بس
يقول
الفقير أيده الله القدير ان الله تعالى انما بدأ القرآن ببسم الله وختمه بالناس اشارة الى ان الإنسان آخر المراتب الكونية كما ان الكلام آخر المراتب الإلهية وذلك لان ابتداء المراتب الكونية هو العقل الاول وانتهاؤها الإنسان ومجموعها عدد حروف التهجي وأول المراتب الإلهية هو الحياة وآخرها الكلام ولذا كان أول ما يظهر من المولود الحياة وهو جنين وآخر ما يظهر منه الكلام وهو موضوع لان الله تعالى خلق آدم على صورته فكان أول الكلام القرآني اسم الله لانه المبدأ الاول وآخره الناس لان الانس هو المظهر الآخر والمبتدئ يعرج تعلما الى ان ينتهى الى المبدأ الاول واسمه العالي والمنتهى ينزل تلاوة الى ان ينتهى الى ذكر الانس السافل وحقيقته أن الله تعالى هو المبدأ جلاء والمنتهى استجلاء وهو الاول بلا بداية والآخر بلا نهاية (روى) عن ابن كثير ﵀ انه كان إذا انتهى فى آخر الختمة الى قل أعوذ برب الناس قرأ سورة الحمد لله رب العالمين وخمس آيات من أول سورة البقرة على عدد الكوفي وهو الى وأولئك هم المفلحون لان هذا يسمى حال المرتحل ومعناه انه حل فى قراءته آخرا لختمة وارتحل الى ختمة اخرى إرغاما للشيطان وصار العمل على هذا فى أمصار المسلمين فى قراءة ابن كثير وغيرها وورد النص عن الامام احمد بن حنبل ﵀ ان من قرأ سورة الناس يدعو عقب ذلك فلم يستحب ان يصل ختمه بقراءة شىء وروى عنه قول آخر بالاستحباب واستحسن مشايخ العراق قراءة سورة الإخلاص ثلاثا عند ختم القرآن الا ان يكون الختم فى المكتوبة فلا يكررها وفى الحديث من شهد خاتمة القرآن كان كمن شهد المغانم حين تقسيم ومن شهد فاتحة القرآن كان كمن شهد فتحا فى سبيل الله تعالى وعن الامام البخاري ﵀ انه قال عند كل ختمة دعوة مستجابة وإذا ختم الرجل القرآن قبل الملك بين عينيه ومن شك فى غفرانه عند الختم فليس له غفران ونص الامام احمد على استحباب الدعاء عند الختم وكذا جماعة من السلف فيدعو بما أحب مستقبل القبلة رافعا يديه خاضعا لله موقنا بالاجابة ولا يتكلف السجع فى الدعاء بل يجتنبه ويثنى على الله تعالى قبل الدعاء وبعده ويصلى على النبي ﵇ ويمسح وجهه بيديه بعد فراغه من الدعاء
стр. 5110
وعنه ﵇ انه امر على بن ابى طالب رضى الله عنه ان يدعو عند ختم القرآن بهذا الدعاء وهو اللهم انى اسألك إخبات المخبتين واخلاص الموقنين ومرافقة الأبرار واستحقاق حقائق الايمان والغنيمة من كل برو السلامة من كل اثم ورجوب رحمتك وعزائم مغفرتك والفوز بالجنة والخلاص من النار وفى شرح الجزري لابن المصنف ينبغى ان يلح فى الدعاء وان يدعو بالأمور المهمة والكلمات الجامعة وان يكون معظم ذلك او كله فى امور الآخرة وامور المسلمين وصلاح سلاطينهم وسائر ولاة أمورهم فى توفيقهم للطاعات وعصمتهم من المخالفات وتعاونهم على البر والتقوى وقيامهم بالحق عليه وظهورهم على اعداء الدين وسائر المخالفين وبما كان يقول النبي ﵇ عند ختم القرآن اللهم ارحمني بالقرءان العظيم واجعله لى اماما ونورا وهدى ورحمة اللهم ذكرنى منه ما نسيت وعلمنى منه ما جهلت وارزقني تلاوته آناء الليل وأطراف النهار واجعله حجة لى يا رب العالمين وكان ابو القاسم الشاطبي ﵀ يدعو بهذا الدعاء عند ختم القرآن اللهم انا عبيدك وأبناء عبيدك وأبناء أماتك ماض فينا حكمك عدل فينا قضاؤك نسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك او علمته أحدا من خلقك او نزلته فى شىء من كتابك او استأثرت به فى علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلوبنا وشفاء صدورنا وجلاء احزاننا وهمومنا وسائقنا وقائدنا إليك والى جناتك جنات النعيم ودارك دار السلام مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين برحمتك يا ارحم الراحمين. يقول الفقير رافعا يديه الى الرب القدير اللهم انى أعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بك منك لا احصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك فقد أنجزت لى ما وعدتني انك لا تخلف الميعاد وجعلت رؤياى حقا وأحسنت بي إذ
أخرجتنى من سجن اللهم وخاطبتنى عند ذلك بقولك سل تعط فجعلت منتهى سؤلى رضاك وبشرتنى بقبول خدمتى هذه حيث قلت فتقبلها ربها بقبول حسن وكنت أدعوك بإتمام النعمة وإكمال المنة فلم أكن بدعائك رب شقيا فأنعم على فيما بقي من عمرى القليل بأضعاف ما عودتنى به قبل هذا من انواع آلائك واصناف نعمائك واختم لى بخير وهدى ونور. وبكل بر وسعادة وسرور.
وصل على نبيك النبيه الذي هو مفتاح الخيرات. ومصباح السائرين الى منازل القربات فى جنح الأوقات. وعلى آله وأصحابه القادة. ومن تبعهم من السادة. هذا وقد تم تحرير روح البيان. فى تفسير القرآن. فى مدة الوحى تقريبا لما ان قسى الاقدار رمتنى الى أقاصي أقطار الأرض. وأيدي الاسفار النائية تداولتنى من طول الى عرض. حتى أقامني الله مقام الإتمام. فجاء بإذن الله التمام. يوم الخميس الرابع عشر من جمادى الاولى المنتظم فى سلك شهور
سنة سبع عشرة ومائة ألف ... من هجرة من يرى من قدام وخلف
وقلت فى تاريخه نظما
ان من من جناب ذى المنن ... ختم تفسير الكتاب المستطاب
قال فى تاريخه حقى الفقير ... حامدا لله قد تم الكتاب
وقلت بحساب الحروف المنقوطة وقع الختم بجود الباري ١١١٧ واخر دعواهم ان الحمد لله رب العالمين ١١١٧