← Тафсир

Тафсир · id 23612

روح البيان

إسماعيل حقي

Полный текст (5 110 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الجزء الاول من تفسير روح البيان بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الذي اظهر من نسخة حقائقه الذاتية الكمالية نقوش العوالم والاعلام واخرج من نون الجمع الذاتي انواع الحروف والكلمات والكلام انزل من مقام الجمع والتنزيه قرآنا عربيا غير ذى عوج وجعله معجزة باقية على وجه كل زمان ساطعة البراهين والحجج والصلاة والسلام على من هو فاتح باب الحضرة في العلم والعين واليقين سيدنا محمد الذي كان نبينا وآدم بين الماء والطين وعلى آله وأصحابه المتخلقين بخلق القرآن ومن تبعهم بإحسان الى آخر الزمان وبعد: فيقول العبد الفقير سمى الذبيح الشيخ إسماعيل حقى الناصح المهاجر كلأه الله من فتن الغدايا والعشايا والهواجر لما أشار الى شيخى الامام العلامه وأستاذي الجهبذ الفهامة سلطان وقته ونادرة زمانه حجة الله على الخلق بعلمه وعرفانه مطلع أنوار العناية والتوفيق وارث اسرار الخليفى على التحقيق المشهود له بسر التجديد في رأس العقد الثاني من الالف الثاني معدن الإلهام الرباني السيد الثاني الشيخ الحسيب النسيب سمى ابن عفان نزيل قسطنطينيه امده الله وأمدنا به في السر والعلانية بالنقل الى برج الأولياء مدينة بروسا صينت عن تطاول يد الضراء والبؤسى في العشر السادس من العشر العاشر من العقد الاول من الالف الثاني ولم أجد بدا من الوعظ والتذكير في الجامع الكبير والمعبد المنير الشهير وقد كان منى حين انتواء الاقامة ببعض ديار الروم بعض صحائف ملتقطة من صفحات التفاسير وأدوات العلوم مشتملة على ما يزيد على آل عمران من سور القرآن لكنها مع الاطناب الواقع فيها كانت متفرقة كايادى سبا جزء منها حوته الدبور وجزء منها حوته الصبا أردت ان ألخص ما فرط من الالتقاط وأخلص الأوراق المتفرقة من مسامحات الألفاظ والحروف والنقاط واضم إليها نبذا مما سنح لى من المعارف واجعله في سمط ما انظمه من اللطائف واسرد بانملة البراعة

стр. 2

وان كنت قليل البضاعة قصير الباعه ما يليه الى آخر النظم الكريم ان أمهلني الله العظيم الى قضاء هذا الوطر الجسيم وابيض للناس قدر ما حررته بين الأسابيع والشهور وافرزته بالتسويد أثناء السطور ليكون ذخرا للآخرة يوم لا ينفع مال ولا بنون وشفيعا لى حين لا يجدى نفعا غير الصاد والنون واسأل الله تعالى ان يجعله من صالحات الأعمال وخالصات الآثار وباقيات الحسنات الى آخر الأعمار فانه إذا أراد بعبد خيرا حسن عمله في الناس واهله لخيرات هي بمنزلة العين من الراس وهو الفياض اعوذ بالله من الشيطان الرجيم اعلم ان الحكمة في التعوذ الاستئذان وقرع الباب لان من اتى باب ملك من الملوك لا يدخل الا باذنه كذلك من أراد قراءة القرآن انما يريد الدخول في المناجاة مع الحبيب فيحتاج الى طهارة اللسان لانه قد تنجس بفضول الكلام والبهتان فيطهره بالتعوذ قال اهل المعرفة هذه الكلمة وسيلة المتقربين واعتصام الخائفين وعتبى المجرمين ورجعى الهالكين ومباسطة المحبين وهو امتثال قول رب العالمين في سورة النحل فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ فالاستعاذة مقدمة على القراءة عند عامة المسلمين وقولهم الجزاء متأخر عن الشرط فيلزم ان يؤخر الاستعاذة قلنا المعنى إذا أردت القراءة وهو تأويل شائع جار مجرى الحقيقة العرفية ثم المختار قول الجمهور وهو أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وهو اثبت رواية وفي الحديث (هكذا أقرأنيه جبريل عن القلم عن اللوح المحفوظ) وان كان أستعيذ بالله أوفق دراية لمطابقة المأمور به في قوله فاستعذ وأول ما نزل به جبريل ﵇ على محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الاستعاذة والبسملة وقوله تعالى اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اعوذ بمعنى التجئ «پناه ميخواهم» او أستعصم «نكاه داشت ميخواهم» او أستجير «أمان ميخواهم» او أستعين «يارى ميخواهم» او أستغيث «فرياد ومدد ميخواهم» والعوذ والعياذ مصدران كاللوذ واللياذ والصوم والصيام وقول القائل أعوذ اخبار عن فعله وهو في التقدير سؤال الله من فضله اى أعذنى يا رب وفي العدول الى لفظ الخبر فائدة التفأل بالوقوع كانه وقع الاعاذة فيخبر عن مطاوعه وسره ما في التفسير الكبير ان بين الرب وعبده عهدا قال الله أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ فكانه يقول انا مع نقص البشرية وفيت بعهد عبوديتى وقلت أعوذ بالله او استغفر الله فانت مع كمال الكرم والفضل اولى ان تفى بعهد الربوبية وتعيذنى بالله مذهب اهل الحقائق فيه عدم الاشتقاق لانه لا سبيل الى كنه معرفته ولذا قال السعد التفتازانيّ في حواشى الكشاف اعلم انه كما تحيرت الأوهام في ذاته وصفاته فكذا في اللفظ الدال عليه من انه اسم او صفة مشتق او غير مشتق علم او غير علم الى غير ذلك: قال مولانا جلال الدين قدس سره در تصور ذات او را گنج گو ... تا در آيد در تصور مثل او واعلم ان كلمات الاستعاذة ثلاث صفاتية وأفعالية وذاتية كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم (أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك) فاختير اسم الجلالة الجامع لتتناول عبارة الاستعاذة انواع الاستعاذة قال في التفسير الكبير الشرور اما من الاعتقاديات ويدخل فيها جميع المذاهب الباطلة وعقائد فرق الضلال الاثنتين والسبعين فرقة واما من الأعمال البدنية فمنها ما

стр. 3

يضر في الدين وهو منهيات التكاليف وضبطها كالمتعذر ومنها ما ضرره لا في الدين كالامراض والآلام والحرق والغرق والفقر والعمى والزمانة وغيرها من البلايا والنوازل ويقرب ان لا يتناهى فاعوذ بالله يتناول الاستعاذة من كلها فعلى العاقل إذا أراد الاستعاذة ان يستحضر هذه الأجناس الثلاثة وأنواعها المتناولة فاذا عرف عدم تناهيها عرف ان قدرة الخلق لا تفى بدفعها فحمله عقله ان يقول أعوذ بالله القادر على كل المقدورات من جميع المخاوف والآفات قيل كل العلوم في الكتب الاربعة وعلومها في القرآن وعلومه في الفاتحة وعلومها في البسملة وعلومها فى الباء ففى التفسير الكبير لان المقصود من العلوم وصول العبد الى الرب فباء الإلصاق في بالله تلصقه اليه وسيجئ اسرار الباء في البسملة ان شاء الله تعالى من الشيطان اى المبعد من رحمة الله تعالى عن ابن عباس رضى الله عنهما لما عصى لعن وصار شيطانا فدل على انه انما سمى بهذا الاسم بعد لعن الله له واما قبله فاسمه عزازيل او نائل وانما لم يقيد المستعاذ منه بشئ من قبائحه ومضاره كالهمز واللمز واللمس والوسوسة والنزغة وغيرها لتذهب الهمة كل مذهب ليستعاذ من شره عموما قال في روضة الأخيار الشياطين ذكور وإناث يتوالدون ولا يموتون بل يخلدون والجن ذكور وإناث يتوالدون ويموتون والملائكة ليسوا بذكور ولا إناث ولا يتوالدون ولا يأكلون ولا يشربون فثبت بهذا ان للشيطان والجن حقيقة ووجودا ولم ينكر الجن إلا شرذمة قليلة من جهال الفلاسفة والأطباء ونحوهم- حكى- ان الامام الغزالي محيى السنة كان مفتى الثقلين فسألهم يوما عن الحوادث قالوا ان الزمخشري صنف كتابا في التفسير وبلغ الى النصف فطلب منهم ان يأتوا به فاتوه فكتب جميع ما ألفه ثم وضعوا النسخة في مكانها فلما جاء الزمخشري اليه أراه إياه فتعجب الزمخشري وتحير وقال ان قلت هولى وانا خبأته وما اطلع عليه أحد غيرى فمن اين جاء هذا وان هو لغيرى فالتوارد في اللفظ والمعنى والوضع والترتيب في هذا القدر من الكتاب لا يقبله العقل قال الامام هو لك وقد وصل إلينا من أيدي الجن وكان الزمخشري ينكر الجن فاعترف في مجلسه ولا يلزم من هذا علم الجن بالغيب كما لا يخفى قال تعالى تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ ثم حقيقتهم عند من لم يقل بالمجردات هي أجسام هوائية وقيل نارية قادرة على التشكل باشكال مختلفة كصور الحيات والعقارب والكلاب والإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير والطير وبنى آدم لها عقول وإفهام تقدر على الأعمال الشاقة كما كانوا يعملون لسليمان ﵇ المحاريب والتماثيل والجفان والقدور وعند من قال بها مجردات ارضية سفلية وذلك لان المجردات اعنى الموجودات الغير المتحيزة ولا الحالة في المتحيز اما عالية مقدسة عن تدبير الأجسام وهم الملائكة المقربون ويسميها المشائيون عقولا والإشراقيون أنوارا عالية قاهرة او متعلقة بتدبيرها ويسميها المشائيون نفوسا سماوية والإشراقيون أنوارا مدبرة وأشرفها حملة العرش وهم الآن اربعة ويوم القيامة ثمانية ثم الحافون حوله ثم ملائكة الكرسي ثم ملائكة السموات طبقة طبقة ثم ملائكة كرة الأثير والهواء الذي في طبع النسيم ثم ملائكة كرة الزمهرير ثم ملائكة البحار ثم الجبال ثم الأرواح السفلية المتصرفة في الأجسام النباتية والحيوانية وهذه قد تكون مشرقة

стр. 4

الهية خيرة وهي المسماة بصالحى الجن وقد تكون كدرة شريرة وهي الشياطين كذا في تفسير الفاتحة للفنارى والظاهر ان المراد بالشيطان إبليس وأعوانه وقيل عام في كل متمرد عات مضل عن الجادة المستقيمة من جن وانس كما قال الله تعالى شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ الرجيم اى المرمى من السموات بإلقاء الملائكة حين لعن او المرمى بشهب السماء إذا قصدها وهذه صفة مذمومة للشيطان وله في القرآن اسماء مشئومة وصفات مذمومة فاجمع مساويه هو الرجيم لانه جامع لجميع ما يقع عليه من العقوبات فلذلك خص به الابتداء من بين تلك الأسماء والصفات يقال ظهور حقيقة الاستعاذة لا يمكن بمجرد القول بل لا بد من حضور القلب وموافقة القول بالحال والفعل وان لا يقول لسانك أعوذ بالله وفعلك وحالك أعوذ بالشيطان وذلك بمشاركة النفس مع الشيطان في ارتكاب المعاصي والطغيان واستعاذة العارف من رؤية غير الله تعالى وحجاب الكثرة فان الشيطان يهرب من نور العارف- حكى- ان أبا سعيد الخراز قدس سره رأى إبليس في المنام فاراد ان يضربه بالعصا فقال يا أبا سعيد انا لا أخاف من العصا وانما أخاف من شعاع شمس المعرفة إذا طلعت من سماء قلب العارف قالوا فى الاستعاذة من الشيطان اظهار الخوف من غير الله وهو يخل بالعبودية قلنا اتخاذ العدو عدوا تحقيق للمحبة والفرار من غير الله الى الله تتميم للعبودية والامتثال لامر الله تقديم للطاعة والخوف ممن لا يخاف الله اظهار للمسكنة كما قيل أخاف من الله اى من عذابه وغضبه وأخاف ممن يخاف الله اى من سوء دعائه وأخاف ممن لا يخاف اى من سوء أفعاله: قال المولى جلال الدين قدس سره آدمي را دشمن پنهان بسيست ... آدمىء با حذر عاقل كسيست وفي التفسير الكبير ان أعوذ بالله رجوع من الخلق الى الخالق ومن الحاجة التامة لنفسه الى الغنى التام بالحق في تحصيل كل الخيرات ودفع كل الآفات ففيه سر فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ وفيه دلالة ان لا وسيلة الى القرب من حضرة الرب الا بالعجز والعجز منتهى المقامات قال الحسن من استعاذ بالله على وجه الحقيقة وهو ما يكون بحضور القلب جعل الله بينه وبين الشيطان ثلاثمائة حجاب كل حجاب كما بين السماء والأرض وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال خرج النبي ﵊ ذات يوم من المسجد فاذا هو بإبليس فقال له النبي (ما الذي جاء بك الى باب مسجدى) قال يا محمد جاء بي الله قال (فلم ذا) قال لتسألنى عما شئت فقال ابن عباس رضى الله عنهما فكان أول شىء سأله الصلاة فقال له (يا ملعون لم تمنع أمتي عن الصلاة بالجماعة) قال يا محمد إذا خرجت أمتك الى الصلاة تأخذنى الحمى الحارة فلا تندفع حتى يتفرقوا وقال ﵇ (لم تمنع أمتي عن العلم والدعاء) قال عند دعائهم يأخذنى الصمم والعمى فلا يندفع حتى يتفرقوا وقال ﵇ (لم تمنع أمتي عن القرآن) قال عند قرائتهم اذوب كالرصاص قال (لم تمنع أمتي عن الجهاد) قال إذا خرجوا الى الجهاد يوضع على قدمى قيد حتى يرجعوا وإذا خرجوا الى الحج اسلسل واغلل حتى يرجعوا وإذا هموا بالصدقة توضع على رأسى المناشير فتنشرنى كما ينشر الخشب والشيطان مسلط على طبيعة بنى آدم

стр. 5

بالأكل والشرب فاذا تركهما الإنسان فقد اجتهد في قطع شهوة البطن وشهوة الفرج فلا يكون إذا مداخلة للشيطان أصلا واما النفس فسبب إصلاحها هو الصلوات الخمس لان فرضيتها لاصلاح النفس لان فيها تذللا بثلاث طبقات بعقد اليد. بين يدى الملك الأعظم وبالركوع له وبالسجود فالنفس تصلح بالخضوع والخشوع والتذلل قال وهب بن منبه لما خرج نوح من السفينة جاء إبليس عليه اللعنة فقال نوح يا عدو الله أي اخلاق بنى آدم أعون لك ولجنودك على ضلالتهم وهلاكهم قال إبليس إذا وجدنا من بنى آدم شحيحا حريصا حسودا جبارا عجولا تلقفناه تلقف الا كرة فان اجتمعت فيه هذه الأخلاق سميناه شيطانا مريدا لان هذه الأخلاق من اخلاق رؤس الشياطين وفي الخبر ان إبليس عليه اللعنة يرفع الدنيا كل يوم في يديه فيقول من يشترى ما يضره ولا ينفعه ويهمه ولا يسره فتقول اصحاب الدنيا نحن فيقول لا تعجلوا فانها معيوبة فيقولون لا بأس بها فيقول ثمنها ليس بدراهم ولا دنانير انما ثمنها نصيبكم من الجنة وانى اشتريتها باربعة أشياء بلعنة الله وغضبه وعذابه وقطيعته وبعت الجنة بها فيقولون يجوز لنا ذلك فيقول أريد ان تربحونى على ذلك وهو بان توطنوا قلوبكم على ان لا تدعوها ابدا فيقولون نعم فيأخذونها فيقول الشيطان بئست التجارة: قال الحافظ قدس سره مجو درستى عهد از جهان سست نهاد كه اين عجوزه عروس هزار دامادست قال الشيخ سعدى قدس الله سره بر مرد هوشيار دنيا خسست كه هر مدتى جاى ديكر كسست منه بر جهان دل كه بيكانه ايست كه مطرب كه هر روز در خانه ايست نه لايق بود عشق با دلبرى چوهر بامدادش بود شوهرى وسئل النبي ﵇ عن وسوسة الشيطان فقال ﵇ (السارق لا يدخل بيتا ليس فيه شىء فذلك من محض الايمان) وقال على بن ابى طالب رضى الله عنه الفرق بين صلاتنا وصلاة اهل الكتاب وسوسة الشيطان لانه فرغ من عمل الكفار لانهم وافقوه والمؤمنون يخالفونه ويحاربونه والمحاربة تكون مع المخالفة- حكى- ان رجلا من اهل خراسان خرج نحو العراق وكان يتردد الى عالم من علمائها حتى علمه اربعة آلاف حديث من الحكمة فلما أراد الانصراف الى وطنه استأذن من استاذه فقال له الأستاذ أعلمك كلمة خير لك من أحاديثك قال وما هي قال هل يكون في خراسان إبليس قال نعم قال وهل يوسوسكم قال نعم قال وما تصنعون في وسوسته قال نرده قال ان وسوس ثانيا قال نرده قال إذا اذاكم عدو الله وشغلكم عن الطاعة فلا تشتغلوا برد وسوسته ولكن كونوا معه كالغريب مع كلب الراعي واستعيذوا بالله وانه كلب من الكلاب عصمنا الله وإياكم من كيده وشره. سورة فاتحة الكتاب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الأصح المقبول عند متأخرى الحنفية ان البسملة آية فذة ليست جزأ من سورة أنزلت للفصل والتبرك بالابتداء كما بدئ بذكرها في كل أمر ذى بال وهي مفتاح القرآن وأول ما جرى به القلم في اللوح المحفوظ وأول ما نزل على آدم ﵇ وحكمة تأخرها عن الاستعاذة تقدم التخلية بالمعجمة على التحلية والاعراض عما سوى الله على الإقبال والتوجه اليه بِسْمِ اللَّهِ

стр. 6

كانت الكفار يبدؤن بأسماء آلهتهم فيقولون باسم اللات والعزى فوجب ان يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله بالابتداء وذلك بتقديمه وتأخير الفعل فلذلك قدر المحذوف متأخرا اى باسم الله اقرأ او اتلو أو غير ذلك مما جعلت التسمية مبدأ له قالوا وأودع جميع العلوم فى الباء اى بي كان ما كان وبي يكون ما يكون فوجود العوالم بي وليس لغيرى وجود حقيقى الا بالاسم والمجاز وهو معنى قولهم ما نظرت شيأ الا ورأيت الله فيه او قبله ومعنى قوله ﵇ (لا تسبوا الدهر فان الدهر هو الله) فان قلت ما الحكمة والسر في ان الله تعالى جعل افتتاح كتابه بحرف الباء واختارها على سائر الحروف لا سيما على الالف فانه أسقط الالف من الاسم واثبت مكانه الباء في بسم فالجواب ان الحكمة في افتتاح الله بالباء عشرة معان أحدها ان في الالف ترفعا وتكبرا وتطاولا وفي الباء انكسارا وتواضعا وتساقطا فمن تواضع لله رفعه الله وثانيها ان الباء مخصوصة بالإلصاق بخلاف اكثر الحروف خصوصا الالف من حروف القطع وثالثها ان الباء مكسورة ابدا فلما كانت فيها كسرة وانكسار في الصورة والمعنى وجدت شرف العندية من الله تعالى كما قال الله تعالى (انا عند المنكسرة قلوبهم من اجلى) ورابعها ان في الباء تساقطا وتكسرا في الظاهر ولكن رفعة درجة وعلو همة في الحقيقة وهي من صفات الصديقين وفي الالف ضدها اما رفعة درجتها فبانها أعطيت نقطة وليست للالف هذه الدرجة واما علو الهمة فانه لما عرضت عليها النقط ما قبلت الا واحدة ليكون حالها كحال محب لا يقبل الا محبوبا واحدا وخامسها ان في الباء صدقا في طلب قربة الحق لانها لما وجدت درجة حصول النقطة وضعتها تحت قدمها وما تفاخرت بها ولا يناقضه الجيم والياء لان نقطهما في وضع الحروف ليست تحتهما بل في وسطهما وانما موضع النقط تحتهما عند اتصالهما بحرف آخر لئلا يشتبها بالخاء والتاء بخلاف الباء فان نقطتها موضوعة تحتها سواء كانت مفردة او متصلة بحرف آخر وسادسها ان الالف حرف علة بخلاف الباء وسابعها ان الباء حرف تام متبوع في المعنى وان كان تابعا صورة من حيث ان موضعه بعد الالف في وضع الحروف وذلك لان الالف في لفظ الباء يتبعه بخلاف لفظ الالف فان الباء لا يتبعه والمتبوع في المعنى أقوى وثامنها ان الباء حرف عامل ومتصرف في غيره فظهر لها من هذا الوجه قدر وقدرة فصلحت للابتداء بخلاف الالف فانه ليس بعامل وتاسعها ان الباء حرف كامل في صفات نفسه بانه للالصاق والاستعانة والاضافة مكمل لغيره بان يخفض الاسم التابع له ويجعله مكسورا متصفا بصفات نفسه وله علو وقدرة في تكميل الغير بالتوحيد والإرشاد كما أشار اليه سيدنا على رضى الله عنه بقوله [انا النقطة تحت الباء] فالباء له مرتبة الإرشاد والدلالة على التوحيد وعاشرها ان الباء حرف شفوى تنفتح الشفة به ما لا تنفتح بغيره من الحروف الشفوية ولذلك كان أول انفتاح فم الذرة الانسانية في عهد الست بربكم بالباء في جواب بلى فلما كان الباء أول حرف نطق به الإنسان وفتح به فمه وكان مخصوصا بهذه المعاني اقتضت الحكمة الإلهية اختياره من سائر الحروف فاختارها ورفع قدرها واظهر برهانها وجعلها مفتاح كتابه ومبدأ كلامه وخطابه تعالى وتقدس كذا في التأويلات النجمية واسم الله ما يصح

стр. 7

ان يطلق عليه بالنظر الى ذاته او باعتبار صفة من صفاته السلبية كالقدوس او الثبوتية كالعليم او باعتبار فعل من أفعاله كالخالق ولكنها توقيفية عند بعض العلماء كما في الشرح المشارق لابن الملك ثم المختار ان كلمة الله هو الاسم الأعظم فان سأل سائل وقال ان من شرط الاسم الأعظم انه ان دعى الله به أجاب وإذا سئل به اعطى فنحن ندعو به ونسأل فلم نر الاجابة في اكثر الأوقات قلنا ان للدعاء آدابا وشرائط لا يستجاب الدعاء الا بها كما ان للصلاة كذلك فاول شرائطه إصلاح الباطن باللقمة الحلال وقدقيل (الدعاء مفتاح السماء وأسنانه لقمة الحلال) وآخر شرائطه الإخلاص وحضور القلب كما قال الله تعالى فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فان حركة الإنسان باللسان وصياحه من غير حضور القلب ولولة الواقف على الباب وصوت الحارث على السطح اما إذا كان حاضرا فالقلب الحاضر في الحضرة شفيع له قال الشيخ مؤيد الدين الجندي قدس سره ان للاسم الأعظم الذي اشتهر ذكره وطاب خبره ووجب طيه وحرم نشره من عالم الحقائق والمعاني حقيقة ومعنى ومن عالم الصور والألفاظ صورة ولفظا اما حقيقته فهى احدية جمع جميع الحقائق الجمعية الكمالية كلها واما معناه فهو الإنسان الكامل فى كل عصر وهو قطب الاقطاب حامل الامانة الإلهية خليفة الله واما صورته فهى صورة كامل ذلك العصر وعلمه كان محرما على سائر الأمم لما لم تكن الحقيقة الانسانية ظهرت بعد في أكمل صورته بل كانت في ظهورها بحسب قابلية كامل ذلك العصر فحسب فلما وجد معنى الاسم الأعظم وصورته بوجود الرسول ﷺ أباح الله العلم به كرامة له الرَّحْمنِ الرحمة في اللغة رقة القلب والانعطاف ومنه الرحم لانعطافها على ما فيها والمراد بها هاهنا هو التفضل والإحسان او ارادتهما بطريق اطلاق اسم السبب بالنسبة إلينا على مسببه البعيد او القريب فان اسماء الله تؤخذ باعتبار الغايات التي هي افعال دون المبادي التي هي انفعالات فالمعنى العاطف على خلقه بالرزق لهم ودفع الآفات عنهم لا يزيد في رزق المتقى لقبل تقواه ولا ينقص من رزق الفاجر لقبل فجوره بل يرزق الكل بما يشاء الرَّحِيمِ المترحم إذا سئل اعطى وإذا لم يسأل غضب وبنى آدم حين يسأل بغضب واعلم ان الرحمة من صفات الذات وهو إرادته إيصال الخير ودفع الشر والارادة صفة الذات لان الله تعالى لو لم يكن موصوفا بهذه الصفة لما خلق الموجودات فلما خلق الخلق علمنا ان رحمته صفة ذاتية لان الخلق إيصال خير الوجود الى المخلوق ودفع شر العدم عنهم فان الوجود خير كله قال الشيخ القيصري اعلم ان الرحمة صفة من الصفات الإلهية وهي حقيقة واحدة لكنها تنقسم بالذاتية والصفاتية اى تقتضيها اسماء الذات واسماء الصفات وكل منهما عامة وخاصة فصارت أربعا ويتفرع منها الى ان يصير المجموع مائة رحمة وإليها أشار رسول الله ﷺ بقوله (ان لله مائة رحمة اعطى واحدة منها لاهل الدنيا كلها وادخر تسعا وتسعين الى الآخرة يرحم بها عباده) فالرحمة العامة والخاصة الذاتيتان ما جاء في البسملة من الرحمن الرحيم والرحمة الرحمانية عامة لشمول الذات جميع الأشياء علما وعينا والرحيمية خاصة لانها تفصيل تلك الرحمة العامة الموجب لتعيين كل من الأعيان بالاستعداد الخاص بالفيض الأقدس والصفاتية ما ذكره في الفاتحة من الرحمن

стр. 8

الرحيم الاولى عامة الحكم لترتبها على ما أفاض الوجود العام العلمي من الرحمة العامة الذاتية والثانية خاصة وتخصيصها بحسب استعداد الأصلي الذي لكل عين من الأعيان وهما نتيجتان للرحمتين الذاتيتين العامة والخاصة انتهى كلامه قالوا لله تعالى ثلاثة آلاف اسم الف عرفها الملائكة لا غير والف عرفها الأنبياء لا غير وثلاثمائة في التوراة وثلاثمائة في الإنجيل وثلاثمائة فى الزبور وتسعة وتسعون في القرآن وواحد استأثر الله به ثم معنى هذه الثلاثة آلاف في هذه الأسماء الثلاثة فمن علمها وقالها فكأنما ذكر الله تعالى بكل أسمائه وفي الخبر ان النبي ﵇ قال (ليلة اسرى بي الى السماء عرض على جميع الجنان فرأيت فيها اربعة أنهارا نهرا من ماء ونهرا من لبن ونهرا من خمر ونهرا من عسل فقلت يا جبريل من اين تجىء هذه الأنهار والى اين تذهب قال تذهب الى حوض الكوثر ولا أدرى من اين تجئ فادع الله تعالى ليعلمك او يريك فدعا ربه فجاء ملك فسلم على النبي ﵇ ثم قال يا محمد غمض عينيك قال فغمضت عينى ثم قال افتح عينيك ففتحت فاذا انا عند شجرة ورأيت قبة من درة بيضاء ولها باب من ذهب احمر وقفل لو أن جميع ما في الدنيا من الجن والانس وضعوا على تلك القبة لكانوا مثل طائر جالس على جبل فرأيت هذه الأنهار الاربعة تخرج من تحت هذه القبة فلما أردت ان ارجع قال لى ذلك الملك لم لا تدخل القبة قلت كيف ادخل وعلى بابها قفل لا مفتاح له عندى قال مفتاحه بسم الله الرّحمن الرّحيم فلما دنوت من القفل وقلت بسم الله الرّحمن الرّحيم انفتح القفل فدخلت في القبة فرأيت هذه الأنهار تجرى من اربعة اركان القبة ورأيت مكتوبا على اربعة اركان القبة بسم الله الرّحمن الرّحيم ورأيت نهر الماء يخرج من ميم بسم الله ورأيت نهر اللبن يخرج من هاء الله ونهر الخمر يخرج من ميم الرحمن ونهر العسل من ميم الرحيم فعلمت ان اصل هذه الأنهار الاربعة من البسملة فقال الله يا محمد من ذكرنى بهذه الأسماء من أمتك بقلب خالص من رياء وقال بسم الله الرّحمن الرّحيم سقيته من هذه الأنهار) وفي الحديث (لا يرد دعاء اوله بسم الله الرّحمن الرّحيم) وفي الحديث ايضا (من رفع قرطاسا من الأرض مكتوبا عليه بسم الله الرّحمن الرّحيم إجلالا له ولاسمه عن ان يدنس كان عند الله من الصديقين وخفف عن والديه وان كانا مشركين) وذكر الشيخ احمد البونى في لطائف الإشارات ان شجرة الوجود تفرعت عن بسم الله الرّحمن الرّحيم وان العالم كله قائم بها جملة وتفصيلا فلذلك من اكثر من ذكرها رزق الهيبة عند العالم العلوي والسفلى وكتب قيصر ملك الروم الى عمر رضى الله عنه ان بي صداعا لا يسكن فابعث الى دواء ان كان عندك فان الأطباء عجزوا عن المعالجة فبعث عمر رضى الله عنه قلنسوة فكان إذا وضعها على رأسه سكن صداعه وإذا رفعها عن رأسه عاد صداعه فتعجب منه ففتش في القلنسوة فاذا فيها كاغد مكتوب عليه بسم الله الرّحمن الرّحيم قال الشيخ الأكبر في الفتوحات إذا قرأت فاتحة الكتاب فصل بسملتها معها في نفس واحد من غير قطع وعن محمد المصطفى ﷺ حالفا عن جبريل ﵇ حالفا عن ميكائيل ﵇ حالفا عن اسرافيل ﵇ قال الله تعالى (يا اسرافيل بعزتي وجلالى وجودى وكرمى من قرأ بسم الله الرّحمن الرّحيم متصلة بفاتحة

стр. 9

الكتاب مرة واحدة فاشهدوا على انى قد غفرت له وقبلت منه الحسنات وتجاوزت له عن السيئات ولا احرق لسانه بالنار وأجيره من عذاب القبر وعذاب النار وعذاب يوم القيامة والفزع الأكبر وتلقانى قبل الأنبياء والأولياء أجمعين) وجه التسمية بفاتحة الكتاب اما لافتتاح المصاحف والتعليم وقراءة القرآن والصلاة بها واما لان الحمد فاتحة كل كلام واما لانها أول سورة نزلت واما لانها أول ما كتب في اللوح المحفوظ واما لانها فاتحة أبواب المقاصد في الدنيا وأبواب الجنان في العقبى واما لان انفتاح أبواب خزائن اسرار الكتاب بها لانها مفتاح كنوز لطائف الخطاب بانجلائها ينكشف جميع القرآن لاهل البيان لان من عرف معانيها يفتح بها أقفال المتشابهات ويقتبس بسناها أنوار الآيات وسميت بام القرآن وأم الشيء أصله لان المقصود من كل القرآن تقرير امور اربعة اقرار بالالوهية والنبوة واثبات القضاء والقدر لله تعالى فقوله الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يدل على الالوهية وقوله مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يدل على المعاد وقوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ على نفى الجبر والقدر وعلى اثبات ان الكل بقضاء الله تعالى وسميت بالسبع المثاني لانها سبع آيات او لان كل آية منها تقوم مقام سبع من القرآن فمن قرأها اعطى ثواب قراءة الكل او لان من فتح فاه بقراءة آياتها السبع غلقت عنه أبواب النيران السبعة هذه وجوه التسمية بالسبع واما بالمثاني فلانها تثنى في كل صلاة او في كل ركعة بالنسبة الى الاخرى او المراد تشفع فى كل ركعة سورة حقيقة او حكما أو لأن نزولها مرتين مرة في مكة ومرة في المدينة وسميت بسورة الصلاة وسورة الشفاء والشافية وأساس القرآن والكافية والوافية وسورة الحمد وسورة السؤال وسورة الشكر وسورة الدعاء لاشتمالها عليها وسورة الكنز لما يروى ان الله تعالى قال (فاتحة الكتاب كنز من كنوز عرشى) الْحَمْدُ لِلَّهِ لامه للعهد اى الحمد الكامل وهو حمد الله لله أو حمد الرسل او كمل اهل الولاء او للعموم والاستغراق اى جميع المحامد والاثنية للمحمود أصلا والممدوح عدلا والمعبود حقا عينية كانت تلك المحامد او عرضية من الملك او من البشر او من غيرهما كما قال تعالى وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ والحمد عند الصوفية اظهار كمال المحمود وكماله تعالى صفاته وأفعاله وآثاره قال الشيخ داود القيصري الحمد قولى وفعلى وحالى اما القولى فحمد اللسان وثناؤه عليه بما اثنى به الحق على نفسه على لسان أنبيائه ﵈ واما الفعلى فهو الإتيان بالأعمال البدنية من العبادات والخيرات ابتغاء لوجه الله تعالى وتوجها الى جنابه الكريم لان الحمد كما يجب على الإنسان باللسان كذلك يجب عليه بحسب كل عضو بل على كل عضو كالشكر وعند كل حال من الأحوال كما قال النبي ﵇ (الحمد لله على كل حال) وذلك لا يمكن الا باستعمال كل عضو فيما خلق لاجله على الوجه المشروع عبادة للحق تعالى وانقيادا لامره لا طلبا لحظوظ النفس ومرضاتها واما الحالي فهو الذي يكون بحسب الروح والقلب كالاتصاف بالكمالات العلمية والعملية والتخلق بالأخلاق الإلهية لان الناس مأمورون بالتخلق بأخلاق الله تعالى بلسان الأنبياء عليهم السلام

стр. 10

لتصير الكمالات ملكة نفوسهم وذواتهم وفي الحقيقة هذا حمد الحق ايضا نفسه في مقامه التفصيلي المسمى بالمظاهر من حيث عدم مغايرتها له واما حمده ذاته في مقامه الجمعى الإلهي قولا فهو ما نطق به في كتبه وصحفه من تعريفاته نفسه بالصفات الكمالية وفعلا فهو اظهار كمالاته الجمالية والجلالية من غيبه الى شهادته ومن باطنه الى ظاهره ومن علمه الى عينه في مجالى صفاته ومحال ولاية أسمائه وخالا فهو تجلياته في ذاته بالفيض الأقدس الاولى وظهور النور الأزلي فهو الحامد والمحمود جمعا وتفصيلا كما قيل لقد كنت دهرا قبل ان يكشف الغطا ... إخالك انى ذاكر لك شاكر فلما أضاء الليل أصبحت شاهدا ... بانك مذكور وذكر وذاكر وكل حامد بالحمد القولى يعرف محموده بإسناد صفات الكمال اليه فهو يستلزم التعريف انتهى كلامه والحمد شامل للثناء والشكر والمدح ولذلك صدر كتابه بان حمد نفسه بالثناء في لله والشكر في رب العالمين والمدح في الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ثم ليس للعبد ان يحمده بهذه الوجوه الثلاثة حقيقة بل تقليدا ومجازا اما الاول فلان الثناء والمدح بوجه يليق بذاته او بصفاته فرع معرفة كنههما وقد قال الله تعالى وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ واما الثاني فكما ان النبي ﵇ لما خوطب ليلة المعراج بان أثن على قال (لا احصى ثناء عليك) وعلم ان لا بد من امتثال الأمر واظهار العبودية (فقال أنت كما أثنيت على نفسك) فهو ثناء بالتقليد وقد أمرنا ايضا ان نحمده بالتقليد بقوله قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ كما قال فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ كذا في التأويلات النجمية: قال السعدي قدس سره عطاييست هر موى ازو بر تنم ... چهـ كونه بهر موى شكرى كنم وذكر الشيخ الامام حجة الإسلام الغزالي ﵀ في منهاج العابدين ان الحمد والشكر آخر العقبات السبع التي لا بد للسالك من عبورها ليظفر بمبتغاه فاول ما يتحرك العبد لسلوك طريق العبادة يكون بخطرة سماوية وتوفيق خاص الهى وهو الذي أشار اليه صاحب الشرع ﷺ بقوله (ان النور إذا دخل قلب العبد انفتح وانشرح) فقيل يا رسول الله هل لذلك من علامة يعرف بها فقال (التجافي عن دار الغرور والانابة الى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله) فاذا خطر بقلب العبد أول كل شىء ان له منعما بضروب من النعم وقال انه يطالبنى بشكره وخدمته فلعله ان غفلت يزيل نعمته ويذيقنى نقمته وقد بعث الى رسولا بالمعجزات وأخبرني بان لى ربا عالما قادرا على ان يثيب بطاعته ويعاقب بمعصيته وقد امر ونهى فيخاف على نفسه عنده فلم يجد في طريق الخلاص من هذا النزاع سبيلا سوى الاستدلال بالصنعة على الصانع فيحصل له اليقين بوجود ربه الموصوف بما ذكره فهذه عقبة العلم والمعرفة استقبلته فى أول الطريق ليكون في قطعها على بصيرة بالتعلم والسؤال من علماء الآخرة فاذا حصل له اليقين بوجود ربه بعثته المعرفة على التشمر للخدمة ولكنه لا يدرى كيف يعبده فيتعلم ما يلزمه من الفرائض الشرعية ظاهرا وباطنا فلما استكمل العلم والمعرفة بالفرائض انبعث للعبادة فنظر فاذا هو صاحب ذنوب كما هو حال اكثر الناس فيقول كيف اقبل على الطاعة

стр. 11

وانا مصر متلطخ بالمعاصي فيجب ان أتوب اليه ليخلصنى من أسرها وأتطهر من اقذارها فاصلح للخدمة فيستقبله هاهنا عقبة التوبة فلما حصلت له اقامة التوبة الصادقة بحقوقها وشرائطها نظر للسلوك فاذا حوله عوائق من العبادة محدقة به فتأمل فاذا هي اربع الدنيا والخلق والشيطان والنفس فاستقبلته عقبة العوائق فيحتاج الى قطعها باربعة امور التجرد عن الدنيا والتفرد عن الخلق والمحاربة مع الشيطان والنفس وهي أشدها إذ لا يمكنه التجرد عنها ولا ان يقهرها بمرة كالشيطان إذ هي المطية والآلة ولا مطمع ايضا في موافقتها على الإقبال على العبادة إذ هي مجبولة على ضد الخير كالهوى واتباعها له نمى تازد اين نفس سركش چنان ... كه عقلش تواند كرفتن عنان كه با نفس وشيطان بر آيد بزور ... مصاف پلنگان نيايد ز مور فاحتاج الى ان يلجمها بلجام التقوى لتنقاد فيستعملها في المراشد ويمنعها عن المفاسد فلما فرع من قطعها وجد عوارض تعترضه وتشغله عن الإقبال على العبادة فنظر فاذا هي اربعة رزق تطلبه النفس ولا بد واخطار من كل شىء يخافه او يرجوه او يريده او يكرهه ولا يدرى إصلاحه في ذلك أم فساده والثالث الشدائد والمصائب تنصب عليه من كل جانب لا سميا وقد انتصب لمخالفة الخلق ومحاربة الشيطان ومضارة النفس والرابع انواع القضاء فاستقبلته هاهنا عقبة العوارض الاربعة فاحتاج الى قطعها باربعة بالتوكل على الله في الرزق والتفويض اليه في موضع الخطر والصبر عند الشدائد والرضى بالقضاء فاذا قطعها نظر فاذا النفس فاترة كسلى لا تنشط ولا تنبعث لخير كما يحق وينبغى وانما ميلها الى غفلة ودعة وبطالة بل الى سرف وفضول فاحتاج الى سائق يسوقها الى الطاعة وزاجر يزجرها عند المعصية وهما الرجاء والخوف فالرجاء في حسن ما وعد من الكرامات والخوف من صعوبة ما أوعد من العقوبات والاهانات فهذه عقبة البواعث استقبلته فاحتاج الى قطعها بهذين المذكورين فلما فرغ منها لم ير عائقا ولا شاغلا ووجد باعثا وداعيا فعانق العبادة بلزام الشوق فنظر فاذا تبدو بعد كل ذلك آفتان عظيمتان هما الرياء والعجب فتارة يرائى بطاعته الناس وتارة يستعظم ذلك ويكرم نفسه فاستقبلته هاهنا عقبة القوادح فاحتاج الى قطعها بالإخلاص وذكر المنة فاذا قطعها بحسن عصمة الجبار وتأييده حصلت العبادة له كما يحق وينبغى ولكنه نظر فاذا هو غريق في بحور نعم الله من امداد التوفيق والعصمة فخاف ان يكون منه اغفال للشكر فيقع في الكفران وينحط عن تلك المرتبة الرفيعة التي هي مرتبة اغذية الخالصين فاستقبلته هاهنا عقبة الحمد والشكر فقطعها بتكثيرهما فلما فرغ منها فاذا هو بمقصوده ومبتغاه فيتنعم في طيب هذه الحالة بقية عمره بشخص في الدنيا وقلب في العقبى ينتظر البريد يوما فيوما ويستقذر الدنيا فاستكمل الشوق الى الملأ الأعلى فاذا هو برسول رب العالمين يبشره بالرضوان من عند رب غير غضبان فينقلونه في طيبة النفس وتمام البشر والانس من هذه الدنيا الفانية الى الحضرة الالهية ومستقر رياض الجنة فيرى لنفسه الفقيرة نعيما وملكا عظيما: قال الشيخ سعدى قدس سره عروسى بود نوبت ماتمت ... كرت نيك روزى بود خاتمت

стр. 12

قال خسرو عند وفاته ز دنيا ميرود خسرو بزير لب همى گويد ... دلم بگرفت از غربت تمناى وطن دارم رَبِّ الْعالَمِينَ لما نبه على استحقاقه الذاتي بجميع المحامد بمقابلة الحمد باسم الذات اردفه بأسماء الصفات جمعا بين الاستحقاقين وهو أي رب العالمين كالبرهان على استحقاقه جميع المحامد الذاتي والصفاتى والدنيوي والأخروي والرب بمعنى التربية والإصلاح اما في حق العالمين فير بينهم باغذيتهم وسائر اسباب بقاء وجودهم وفي حق الإنسان فيربى الظواهر بالنعمة وهي النفس ويربى البواطن بالرحمة وهي القلوب ويربى نفوس العابدين باحكام الشريعة ويربى قلوب المشتاقين بآداب الطريقة ويربى اسرار المحبين بانوار الحقيقة ويربى الإنسان تارة باطواره وفيض قوى أنواره في أعضائه فسبحان من اسمع بعظم وبصر بشحم وانطق بلحم واخرى بترتيب غذائه في النبات بحبوبه وثماره وفي الحيوان بلحومه وشحومه وفي الأراضي باشجاره وأنهاره وفي الافلاك بكواكبه وأنواره وفي الزمان بسكونك وتسكين الحشرات والحركات المؤذية في الليالى وحفظك وتمكينك من ابتغاء فضله بالنهار فياهذا يربيك كانه ليس له عبد سواك وأنت لا تخدمه او تخدمه كأن لك ربا غيره والعالمين جمع عالم والعالم جمع لا واحد له من لفظه قال وهب لله ثمانية عشر الف عالم الدنيا عالم منها وما العمران في الخراب الا كفسطاط في صحراء وقال الضحاك ثلاثمائة وستون ثلاثمائة منهم حفاة عراة لا يعرفون خالقهم وهم حشو جهنم وستون عالما يلبسون الثياب مر بهم ذو القرنين وكلمهم وقال كعب الأحبار لا يحصى لقوله تعالى وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وعن ابى هريرة رضى الله عنه ان الله تعالى خلق الخلق اربعة اصناف الملائكة والشياطين والجن والانس ثم جعل هؤلاء عشرة اجزاء تسعة منهم الملائكة وواحد الثلاثة الباقية ثم جعل هذه الثلاثة عشرة اجزاء تسعة منهم الشياطين وجزء واحد الجن والانس ثم جعلهما عشرة اجزاء فتسعة منهم الجن وواحد الانس ثم جعل الانس مائة وخمسة وعشرين جزأ فجعل مائة جزء في بلاد الهند منهم ساطوح وهم أناس رؤسهم مثل رؤس الكلاب ومالوخ وهم أناس أعينهم على صدورهم وماسوخ وهم أناس آذانهم كآذان الفيلة ومالوف وهم أناس لا يطاوعهم أرجلهم يسمون دوال ياى ومصير كلهم الى النار وجعل اثنى عشر جزأ منهم في بلاد الروم النسطورية والملكانية والاسرائيلية كل من الثلاث اربع طوائف ومصيرهم الى النار جميعا وجعل ستة اجزاء منهم في المشرق يأجوج ومأجوج وترك وخاقان وترك حد خلخ وترك خزر وترك جرجير وجعل ستة اجزاء في المغرب الزنج والزط والحبشة والنوبة وبربر وسائر كفار العرب ومصيرهم الى النار وبقي من الانس من اهل التوحيد جزء واحد فجزأهم ثلاثا وسبعين فرقة اثنتان وسبعون على خطر وهم اهل البدع والضلالات وفرقة ناجية وهم اهل السنة والجماعة وحسابهم على الله تعالى يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وفي الحديث (ان بنى إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين فرقة وتفرق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار الا فرقة واحدة) قالوا من هي يا رسول الله قال (من هم على ما انا عليه وأصحابي) يعنى ما انا عليه وأصحابي من الاعتقاد والفعل والقول فهو حق وطريق موصل الى الجنة والفوز والفلاح وما عداه باطل وطريق الى النار ان كانوا اباحيين فهم خلود والا فلا الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فى التكرار وجوه أحدها ما سبق

стр. 13

من ان رحمتى البسملة ذاتيتان ورحمتى الفاتحة صفاتيتان كماليتان والثاني ليعلم ان التسمية ليست من الفاتحة ولو كانت منها لما أعادهما لخلو الاعادة عن الفائدة والثالث انه ندب العباد الى كثرة الذكر فان من علامة حب الله حب ذكر الله وفي الحديث (من أحب شيأ اكثر ذكره) والرابع انه ذكر رب العالمين فبين ان رب العالمين هو الرحمن الذي يرزقهم في الدنيا الرحيم الذي يغفر لهم فى العقبى ولذلك ذكر بعده مالك يوم الدين يعنى ان الربوبية اما بالرحمانية وهي رزق الدنيا واما بالرحيمية وهي المغفرة في العقبى والخامس انه ذكر الحمد وبالحمد تنال الرحمة فان أول من حمد الله تعالى من البشر آدم عطس فقال الحمد لله وأجيب للحال يرحمك ربك ولذلك خلقك فعلم خلقه الحمد وبين انهم ينالون رحمته بالحمد والسادس ان التكرار للتعليل لان ترتيب الحمد على هذه الأوصاف امارة علية مأخذها فالرحمانية والرحيمية من جملتها لدلالتهما على انه مختار في الإحسان لا موجب وفي ذلك استيفاء اسباب استحقاق الحمد من فيض الذات برب العالمين وفيض الكمالات بالرحمن الرحيم ولا خارج عنهما في الدنيا وفيض الاثوبة لطفا والاجزية عدلا في الآخرة ومن هذا يفهم وجه ترتيب الأوصاف الثلاثة والفرق بين الرحمن والرحيم اما باختصاص الحق بالأول او بعمومه او بجلائل النعم فعلى الاول هو الرحمن بما لا يصدر جنسه من العباد والرحيم بما يتصور صدوره منهم فذا كما روى عن ذى النون قدس سره وقعت ولولة في قلبى فخرجت الى شط النيل فرأيت عقربا يعد وفتبعته فوصل الى ضفدع على الشط فركب ظهره وعبر به النيل فركبت السفينة واتبعته فنزل وعدا الى شاب نائم وإذا أفعى بقربه تقصده فتواثبا وتلادغا وماتا وسلم النائم- ويحكى- ان ولد الغراب إذا خرج من القشر يكون كلحم احمر ويفر الغراب منه فيجتمع عليه البعوض فيلتقمه الى ان ينبت ريشه فعند ذلك تعود الام اليه ولهذا قيل يا رازق النعاب في عشه واما على ان الرحمن عام فقيل كيف ذلك وقلما يخلو أحد بل حالة له عن نوع بلوى قلنا الحوادث منها ما يظن انه رحمة ويكون نقمة وبالعكس قال الله تعالى فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً الآية فالاول كما قال ان الشباب والفراغ والجده ... مفسدة للمرء أي مفسده وكل منها في الظاهر نعمة والثاني كحبس الولد في المكتب وحمله على التعلم بالضرب وكقطع اليد المتأكلة فالابله يعتبر بالظواهر والعاقل ينظر الى السرائر فما من بلية ومحنة الا وتحتها رحمة ومنحة وترك الخير الكثير للشر القليل شر كبير فالتكاليف لتطهير الأرواح عن العلائق الجسدانية وخلق النار لصرف الأشرار الى اعمال الأبرار وخلق الشيطان لتميز المخلصين من العباد فشأن المحقق ان يبنى على الحقائق كالخضر ﵇ في قصة موسى ﵇ معه فكل ما يكره الطبع فتحته اسرار خفية وحكمة بالغة فلولا الرحمة وسبقها للغضب لم يكن وجود الكون ولما ظهر للاسم المنعم عين واما على ان الرحمن لجلائل النعم فانما اتبعه بالرحيم لدفع توهم ان يكون طلب العبد الشيء اليسير سوء ادب كما قيل لبعضهم جئتك لحاجة يسيرة قال اطلب لها رجلا يسيرا فكأن الله يقول لو اقتصرت على الرحمن لاحتشمت عنى ولكنى رحيم فاطلب منى حتى شراك نعلك وملح قدرك: قال الشيخ السعدي قدس سره العزيز محالست اگر سر برين در نهى ... كه باز آيدت دست حاجت تهى

стр. 14

قال اهل الحقيقة الحضرات الكلية المختصة بالرحمن ثلاث حضرة الظهور وحضرة البطون وحضرة الجمع وكل موجود فله هذه المراتب ولا يخلو عن حكمها وعلى هذه المراتب تنقسم احكام الرحمة فى السعداء والأشقياء والمتنعمين بنفوسهم دون أبدانهم كالارواح المجردة وبالعكس والجامعين بين الامرين وكذا من اهل الجنة منهم سعداء من حيث نفوسهم بعلومهم دون صورهم لكونهم لم يقدموا في الجنة الأعمال ما يستوجبون به النعيم الصوري وان كان فنزر يسير بالنسبة الى من سواهم وعكس ذلك كالزهاد والعباد الذين لا علم لهم فان أرواحهم قليلة الحظ من النعيم الروحاني لعدم المناسبة بينهم وبين الحضرات العلمية الإلهية ولهذا لم تتعلق هممهم زمان العمل بما وراء العمل بل ظنوه الغاية فوقفوا عنده واقتصروا عليه رغبة فيما وعدوا به ورهبة مما حذروا منه واما الجامعون بين النعيمين تماما فهم الفائزون بالحظ الكامل في العلم والعمل كالرسل عليهم الصلاة والسلام ومن كملت وراثته منهم اعنى الكمل من الأولياء: قال المولى جلال الدين قدس سره هر كبوتر مى پرد در مذهبى ... وين كبوتر جانب بى جانبى مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ اليوم في العرف عبارة عما بين طلوع الشمس وغروبها من الزمان وفي الشرع عما بين طلوع الفجر الثاني وغروب الشمس والمراد هاهنا مطلق الوقت لعدم الشمس ثم اى مالك الأمر كله في يوم الجزاء فاضافة اليوم الى الدين لادنى ملابسة كاضافة سائر الظروف الى ما وقع فيها من الحوادث كيوم الأحزاب ويوم الفتح وتخصيصه اما لتعظيمه وتهويله او لبيان تفرده بإجراء الأمر فيه وانقطاع العلائق بين الملاك والاملاك حينئذ بالكلية ففى ذلك اليوم لا يكون مالك ولا فاض ولا مجاز غيره واصل الملك والملك الربط والشد والقوة فلله في الحقيقة القوة الكاملة والولاية النافذة والحكم الجاري والتصرف الماضي وهو للعباد مجاز إذ لملكهم بداية ونهاية وعلى البعض لا الكل وعلى الجسم لا العرض وعلى النفس لا النفس وعلى الظاهر لا الباطن وعلى الحي لا الميت بخلاف المعبود الحق إذ ليس لملكه زوال ولا لملكه انتقال وقراءة مالك بالألف اكثر ثوابا من ملك لزيادة حرف فيه- يحكى- عن ابى عبد الله محمد بن شجاع الثلجى رحمه الله تعالى انه قال كان من عادتى قراءة مالك فسمعت من بعض الأدباء ان ملك ابلغ فتركت عادتى وقرأت ملك فرأيت في المنام قائلا يقول لم نقصت من حسناتك عشرا اما سمعت قول النبي ﷺ (من قرأ القرآن كتب له بكل حرف عشر حسنات ومحيت عنه عشر سيآت ورفعت له عشر درجات) فانتبهت فلم اترك عادتى حتى رأيت ثانيا في المنام انه قيل لى لم لا تترك هذه العادة اما سمعت قول النبي ﷺ (اقرأوا القرآن فخما مفخما) اى عظيما معظما فاتيت قطربا وكان اماما في اللغة فسألته ما بين المالك والملك فقال بينهما فرق كثير اما المالك فهو الذي ملك شيأ من الدنيا واما الملك فهو الذي يملك الملوك قال في تفسير الإرشاد قرأ أهل الحرمين المحترمين ملك من الملك الذي هو عبارة عن السلطان القاهر والاستيلاء الباهر والغلبة التامة والقدرة على التصرف الكلى في امور العامة بالأمر والنهى وهو الأنسب بمقام الاضافة الى يوم الدين انتهى ولكل وجوه ترجيح ذكرت في التفاسير فلتطالع ثمة والوجه في سرد الصفات الخمس كانه يقول خلقتك فانا اله ثم ربيتك بالنعم فانا رب ثم عصيت فسترت عليك فانا رحمن ثم تبت فغفرت فانا رحيم

стр. 15

ثم لا بد من الجزاء فانا مالك يوم الدين وفي التأويلات النجمية الاشارة فى مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ان الدين فى الحقيقة الإسلام يدل عليه قوله تعالى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ والإسلام على نوعين اسلام بالظاهر واسلام بالباطن فاسلام الظاهر بإقرار اللسان وعمل الأركان فهذا الإسلام جسدانى والجسداني ظلمانى ويعبر عن الليل بالظلمة واما اسلام الباطن فبانشراح القلب والصدر بنور الله تعالى فهذا الإسلام الروحاني نورانى ويعبر عن اليوم بالنور فالاسلام الجسداني يقتضى اسلام الجسد لاوامر الله ونواهيه والإسلام الروحاني يقتضى استسلام القلوب والروح لاحكام الأزلي وقضائه وقدره فمن كان موقوفا عند الإسلام الجسداني ولم يبلغ مرتبة الإسلام الروحاني وهو بعد في سير ليلة الدين متردد ومتحير فيرى ملوكا وملاكا كثيرة كما كان حال الخليل ﵇ فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربى ومن تنفس صبح سعادته وطلعت شمس الإسلام الروحاني من وراء جبل نفسه من مشرق القلب فهو على نور من ربه واضح في كشف يوم الدين فيكون ورد وقته أصبحنا وأصبح الملك لله فيشاهد بعين اليقين بل يكاشف حق اليقين ان الملك لله ولا مالك الا مالك يوم الدين فاذا تجلى له النهار وكشف بالمالك جهارا يخاطبه وجاها ويناجيه شفاها إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ومن لطائف مالك يوم الدين ان مخالفة الملك تأول الى خراب العالم وفناء الخلق فكيف مخالفة ملك الملوك كما قال الله تعالى في سورة مريم تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ والطاعة سبب المصالح كما قال تعالى نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى فعلى الرعية مطاوعة الملوك وعلى الملوك مطاوعة ملك الملوك لينتظم مصالح العالم ومن لطائفه ايضا ان مالك يوم الدين يبين ان كمال ملكه بعد له حيث قال وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً فالملك المجازى ان كان عادلا كان حقا فدرت الضروع ونمت الزروع وان كان جائرا كان باطلا فارتفع الخير- يحكى- ان انوشروان انقطع فى الصيد عن القوم فانتهى الى بستان فقال لصبى فيه أعطني رمانة فاعطاه فاستخرج من حبها ماء كثيرا سكن به عطشه فاعجبه وأضمر أخذ البستان من مالكه فسأله اخرى فكانت عفصة قليلة الماء فسأل الصبى عنه فقال لعل الملك عزم على الظلم فتاب قلبه وسأله اخرى فوجدها أطيب من الاولى فقال الصبى لعل الملك تاب فتنبه انوشروان وتاب بالكلية عن الظلم فبقى اسمه مخلدا بالعدل حتى روى عن رسول الله ﷺ انه تفاخر فقال (ولدت في زمن الملك العادل) قال الفنارى في تفسير الفاتحة بل لعله تفاخر بزمنه النورانى حتى ولد فيه مثله وذكر انوشروان دليلا على نورانية زمانه حيث لا يتصور في الكافر المسلط احسن حالا من العدل انتهى قال الامام السخاوي في المقاصد الحسنة حديث (ولدت في زمن الملك العادل) لا اصل له ولا صحة وان صح فاطلاق العادل عليه لتعريفه بالاسم الذي كان يدعى به لا الوصفية بالعدل والشهادة له بذلك او وصفه بذلك على اعتقاد المعتقدين فيه انه كان عادلا كما قال الله تعالى فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ اى ما كان عندهم آلهة ولا يجوز ان يسمى رسول الله ﷺ من يحكم بغير حكم الله عادلا انتهى كلام المقاصد قال رسول الله ﷺ (يجاء بالوالي يوم القيامة فينبذ به على جسر جهنم فيرتج به الجسر ارتجاجة لا يبقى منه مفصل إلا زال عن مكانه فان كان مطيعا لله في عمله مضى فيه وان كان عاصيا لله انخرق به الجسر فيهوى في جهنم مقدار خمسين عاما) كذا في تذكرة الموتى للامام القرطبي

стр. 16

قال السعدي قدس سره مها زورمندى مكن بر جهان ... كه بر يك نمط مى نماند جهان نماند ستمكار بد روزكار ... بماند برو لعنت پايدار إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ بنى الله سبحانه أول الكلام على ما هو مبادى حال العارف من الذكر والفكر والتأمل في أسمائه والنظر في آلائه والاستدلال بصنائعه على عظيم شانه وتأثير سلطانه ثم قفى بما هو منتهى امره وهو ان يخوض لجة الوصول ويصير من اهل المشاهدة فيراه عيانا ويناجيه شفاها اللهم اجعلنا من الواصلين الى العين دون السامعين للاثر وفيه اشارة ايضا الى ان العابد ينبغى ان يكون نظره الى المعبود اولا وبالذات ومنه الى العبادة لا من حيث انها عبادة صدرت منه بل من حيث انها نسبة شريفة ووصلة بينه وبين الحق فان العارف انما يحق وصوله إذا استغرق في ملاحظة جناب القدس وغاب عما عداه حتى انه لا يلاحظ نفسه ولا حالا من أحوالها الا من حيث انها ملاحظة له ومنتسب اليه ولذلك فضل ما حكى عن حبيبه حين قال (لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا) على ما حكاه عن كليمه حيث قال إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ وتقديم المفعول لقصد الاختصاص اى نخصك بالعبادة لا نعبد غيرك والعبادة غاية الخضوع والتذلل وعن عكرمة جميع ما ذكر في القرآن من العبادة التوحيد ومن التسبيح الصلاة ومن القنوت الطاعة وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان جبريل ﵇ قال للنبى ﷺ قل يا محمد (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) اى إياك نؤمل ونرجو لا غيرك والضمير المستكن فى (نَعْبُدُ) وكذا فى نَسْتَعِينُ للقارئ ومن معه من الحفظة وحاضرى صلاة الجماعة اوله ولسائر الموحدين أدرج عبادته في تضاعيف عبادتهم وخلط حاجته بحاجتهم لعلها تقبل ببركتها وتجاب ولهذا شرعت الجماعة قال الشيخ الأكبر والمسك الأذفر قدسنا الله بسره الأطهر في كتاب العظمة إذا كنى العبد عن نفسه بنون نفعل فليست بنون التعظيم وإذا كنى عن الحق تعالى بضمير الافراد فان ذلك لغلبة سلطان التوحيد في قلب هذا العبد وتحققه به حتى سرى في كليته فظهر ذلك في نطقه لفظا كما كان عقدا وعلما ومشاهدة وعينا وهذه النون نون الجمع فان العبد وان كان فردانى اللطيفة وحداني الحقيقة فانه غير وحداني ولا فردانى من حيث لطيفته ومركبها وهيكلها وقالبها وما من جزء في الإنسان الا والحق تعالى قد طالب الحقيقة الربانية التي فيه ان تلقى على هذه الاجزاء ما يليق بها من العبادات وهي في الجملة وان كانت المدبرة فلها تكليف يخصها ويناسب ذاتها فلهذه الجمعية يقول العبد لله تعالى نصلى ونسجد وإليك نسعى ونحفد وإياك نعبد وأمثال هذا الخطاب ولقد سألنى سائل من علماء الرسوم عن هذه المسألة وكان قد حار فيها فاجبته باجوبة منها هذا فشفى غليله والحمد لله انتهى كلام الشيخ قدس سره وانما خصص العبادة به تعالى لان العبادة نهاية التعظيم فلا تليق الا بالمنعم في الغاية وهو المنعم بخلق المنتفع وبإعطاء الحياة الممكنة من الانتفاع كما قال تعالى وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ الآية خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ولان احوال العبد ماض وحاضر ومستقبل ففى الماضي نقله من العدم والموت والعجز والجهل الى الوجود والحياة والقدرة والعلم بقدرته الازلية وفي الحاضر انفتحت عليه أبواب الحاجات ولزمته اسباب الضروريات فهو رب الرحمن الرحيم وفي المستقبل مالك يوم الدين يجازيه بأعماله

стр. 17

فمصالحه في الأحوال الثلاثة لا تستتب الا بالله فلا مستحق للعبادة الا الله تعالى ثم قوله نَعْبُدُ يحتمل ان يكون من العبادة ومن العبودة والعبادة هي العابدية والعبودة هي العبدية فمن العبادة الصلاة بلا غفلة والصوم بلا غيبة والصدقة بلا منة والحج بلا اراءة والغز وبلا سمعة والعتق بلا اذية والذكر بلا ملالة وسائر الطاعات بلا آفة ومن العبودة الرضى بلا خصومة والصبر بلا شكاية واليقين بلا شبهة والشهود بلا غيبة والإقبال بلا رجعة والإيصال بلا قطيعة واقسام العبادة على ما ذكره حجة الإسلام في كتابه المسمى بالأربعين عشرة كما ان الاعتقادات التي قبلها عشرة فالمعتقدات الذات الازلية الابدية المنعوتة بصفات الجلال والإكرام الذي هو الاول والآخر والظاهر والباطن اى الاول بوجوده والآخر بصفاته وأفعاله والظاهر بشهادته ومكوناته والباطن بغيبه ومعلوماته ثم التقديس عما لا يليق بكماله او يشين بجماله من النقائص والرذائل ثم القدرة الشاملة للممكنات ثم العلم المحيط بجميع المعلومات حتى بدبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء وما هو أخفى منه كهواجس الضمائر وحركات الخواطر وخفيات السرائر ثم الارادة بجميع الكائنات فلا يجرى في الملك والملكوت قليل او كثير الا بقضائه ومشيئته مريد في الأزل لوجود الأشياء في أوقاتها المعينة فوجدت كما أرادها ثم السمع والبصر لا يحجب سمعه بعد ولا رؤيته ظلام فيسمع من غير اصمخة وآذان ويبصر من غير حدقة وأجفان ثم الكلام الأزلي القائم بذاته لا بصوت ككلام الخلق وان القرآن مقروء ومكتوب ومحفوظ ومع ذلك قديم قائم بذات الله تعالى وان موسى سمع كلام الله بغير صوت ولا حرف كما يرى الأبرار ذات الله من غير شكل ولا لون ثم الافعال الموصوفة بالعدل المحض فلا موجود الا وهو حادث بفعله وفائض من عدله إذ لا يضاف لغيره ملكا ليكون تصرفه فيه ظلما فلا يتصور منه ظلم ولا يجب عليه فعل فكل نعمة من فضله وكل نقمة من عدله ثم اليوم الآخر والعاشر النبوة المشتملة على إرسال الملائكة وإنزال الكتب واما العبادات العشرة فالصلاة والزكاة والصوم والحج وقراءة القرآن وذكر الله في كل حال وطلب الحلال والقيام بحقوق المسلمين وحقوق الصحبة والتاسع الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والعاشر اتباع السنة وهو مفتاح السعادة وامارة محبة الله كما قال تعالى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ: قال المولى الجامى قدس سره يا نبى الله السلام عليك ... انما الفوز والفلاح لديك كر نرفتم طريق سنت تو ... هستم از عاصيان امت تو مانده ام زير بار عصيان پست ... افتم از پاى اگر نگيرى دست وجاء في بيان مراتب العباد المتوجهين الى الله ان الإنسان إذا فعل برا ان قصد به امرا ما غير الحق كان من الأحرار لا من العبيد وان لم يقصد امرا بعينه بل يفعله لكونه خيرا فقط او لكونه مأمورا به لا مطلقا بل من حيث الحضور منه مع الآمر فهو الرجل فان ارتقى بحيث لا يقصد بعمله غير الحق كان تاما في الرجولية فان كان بحيث لا يفعل شيأ الا بالحق كما ورد في قرب النوافل صار تاما في المعرفة والرجولية وان انضم الى ما سبق حضوره مع الحق في فعله بحيث يشهده بعين الحق لا بنفسه من حيث اضافة الشهود الى الله والفعل والاضافة اليه لا الى نفسه فهو العبد المخلص المخلص عمله

стр. 18

فان ظهرت عليه غلبة احكام هذا المقام والذي قبله وهو مقام فبى يسمع غير متقيد بشئ منها ولا بمجموعها مع سريان حكم شهوده الاحدى في كل مرتبة ونسبة دون الثبات على امر بعينه بل ثابتا في سعته وقبوله كل وصف وحكم عن علم صحيح منه بما اتصف به وما انسلخ عنه في كل وقت وحال دون غفلة وحجاب فهو الكامل في العبودية والخلافة والإحاطة والإطلاق كذا فى تفسير الفاتحة للصدر القنوى قدس سره قال في التأويلات النجمية في قوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ رجع الى الخطاب من الغيبة لانه ليس بين المملوك ومالكه الا حجاب ملك نفس المملوك فاذا عبر من حجاب ملك النفس وصل الى مشاهدة مالك النفس كما قال ابو يزيد في بعض مكاشفاته الهى كيف السبيل إليك قال له ربه دع نفسك وتعال فللنفس اربع صفات امارة ولوامة وملهمة ومطمئنة فامر العبد المملوك بان يذكر مالكه بأربع صفات بالصفة الإلهية والربوبية والرحمانية والرحيمية فيعبر بعد مدح الالهية وشكر الربوبية وثناء الرحمانية وتمجيد الرحيمية بقوة جذبات هذه الصفات الأربع من حجاب ممالك الصفات الأربع للنفس فيتخلص من ظلمات ليلة رين نفسه بطلوع صبح صادق مالك يوم الدين فيبقى العبد عبدا مملوكا لا يقدر على شىء فيرحمه مالكه ويذكره بلسان كرمه على قضية وعده فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ويناديه ويخاطب نفسه يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ثم يجذبه من غيبة نفسه الى شهود مالكية ربه بجذبة ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ فيشاهد جمال مالكه ويناديه نداء عبد خاضع خاشع ذليل عاجز كما قرأ بعضهم مالك يوم الدين نصبا على نداء إياك نعبد واعلم ان النفس دنيوية تعبد هواها الدنيوي لقوله تعالى أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ والقلب اخروى يعبد الجنة لقوله تعالى وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى والروح قربى يعبد القربة والعندية لقوله تعالى فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ والسر حضرتى يعبد الحق تبارك لقوله تعالى على لسان نبيه ﵇ (الإخلاص سر بينى وبين عبدى لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبى مرسل) فلما أنعم الله على عبده بنعمة الصلاة قسمها بينه وبين عبده كما قال تعالى على لسان نبيه ﵇ (قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين فنصفها لى ونصفها لعبدى ولعبدى ما سأل) فتقرب العبد بنصفه الى حضرة كماله بالحمد والثناء والشكر على صفات جماله وجلاله وتقرب الرب على مقتضى كرمه وانعامه كما قال (من تقرب الى شبرا تقربت اليه ذراعا) بنصفه الى خلاص عبده من رق عبودية الأغيار بإخراجه من ظلمات بعضها فوق بعض من هوى الناس ومراد القلب وتعلق الروح بغير الحق الى نور وحدانيته وشهود فردانيته فاشرقت ارض النفس وسموات القلب وعرش الروح وكرسى السر بنور ربها فآمنوا كلهم أجمعون بالله الذي خلقهم وهو مالكهم وملكهم وكفروا بطواغيتهم التي يعبدونها واستمسكوا بالعروة الوثقى وجعلوا كلهم واحدا وقالوا إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ كرر إياك للتنصيص على اختصاصه تعالى بالاستعانة ايضا والاستعانة طلب العون ويعدى بالباء وبنفسه اى نطلب العون على عبادتك او على ما لا طاقة لنا به او على محاربة الشيطان المانع من عبادتك او في أمورنا بما يصلحنا في دنيانا وديننا والجامع للاقاويل نسألك ان تعيننا على أداء الحق واقامة الفروض وتحمل المكاره وطلب المصالح وتقديم العبادة على الاستعانة ليوافق رؤوس الآي وليعلم منه ان تقديم الوسيلة على طلب الحاجة

стр. 19

ادعى الى الاجابة وإياك نعبد لما أورثه العجب اردف إياك نستعين ازالة له وإفناء للنخوة ففى الجمع بينهما افتخار وافتقار فالافتخار بكونه عبدا عابدا والافتقار الى معونته وتوفيقه وعصمته وفيه ايضا تحقيق لمذهب اهل السنة والجماعة إذ فيه اثبات الفعل من العبد والتوفيق من الله كالخلق ففيه رد الجبرية النافين للفعل من العبد بقوله إياك نعبد ورد المعتزلة النافين للتوفيق والخلق من الله بقوله إياك نستعين ثم تحقيقهما من العبد ان لا يخدم غير الله ولا يسأل إلا من الله- حكى- عن سفيان الثوري ﵀ انه أم قوما في صلاة المغرب فلما قال إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ خر مغشيا عليه فلما أفاق قيل له في ذلك فقال خفت ان يقال فلم تذهب الى أبواب الأطباء والسلاطين وفي تخصيص الاستعانة بالتقديم اقتداء بالخليل ﵇ في قيد النمرود حيث قال له جبريل ﵇ هل لك من حاجة فقال اما إليك فلا فقال سله قال حسبى من سؤالى علمه بحالي بل ردت عليه فان الخليل قيد رجلاه ويداه لا غير فاما انا فقيدت الرجلين فلا أسير واليدين فلا احركهما وعينى فلا انظر بهما واذنى فلا اسمع بهما ولسانى فلا أتكلم به وانا مشرف على نار جهنم فكما لم يرض الخليل بغيرك معينا لا أريد الا عونك فاياك نستعين وكانه تعالى يقول فنحن ايضا نزيد حيث قلنا ثمة يا نار كونى بردا وسلاما على ابراهيم واما أنت فقد نجيناك من النار واوصلناك الى الجنة وزدنا سماع الكلام القديم وأمرنا نار جهنم تقول لك جزيا مؤمن فقد اطفأ نورك لهبى: قال المولى جلال الدين قدس سره ز آتش مؤمن از ين رو اى صفى ... ميشود دوزخ ضعيف ومنطفى كويدش بگذر سبك اى محتشم ... ور نه ز آتشهاى تو مرد آتشم اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ بيان المعونة المطلوبة كانه قيل كيف أعينك فقالوا اهدنا الصراط المستقيم وايضا ان التعقيب بالدعاء بعد تمام العبادة قاعدة شرعية قال في التيسير إِيَّاكَ نَعْبُدُ اظهار التوحيد وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ طلب العون عليه وقوله اهْدِنَا لسؤال الثبات على دينه وهو تحقيق عبادته واستعانته وذلك لان الثبات على الهداية أهم الحاجات إذ هو الذي سأله الأنبياء والأولياء كما قال يوسف ﵇ توفنى مسلما وسحرة فرعون توفنا مسلمين والصحابة وتوفنا مع الأبرار وذلك لانه لا ينبغى ان يعتمد على ظاهر الحال فقد يتغير في المآل كما لابليس وبرصيصا وبلعم بن باعورا: قال المولى جلال الدين قدس سره صد هزار إبليس وبلعم در جهان ... همچنين بودست پيدا ونهان اين دو را مشهور كردانيد اله ... تا كه باشند اين دو بر باقى كواه اين دو دزد آويخت بردار بلند ... ور نه اندر قهر بس دزدان بدند وفي تفسير القاضي إذا قاله العارف الواصل الى الله عنى به أرشدنا طريق السير فيك لتمحو عنا ظلمات أحوالنا وتميط غواشى أبداننا لنستضىء بنور قدسك فنراك بنورك قال المولى الفنارى ومبناه ان السير في الله غير متناه كما قال قطب المحققين ولا نهاية للمعلومات والمقدورات فما دام معلوم او مقدور فالشوق للعبد لا يسكن ولا يزول واصل الهداية ان يعدى باللام او الى فعومل معاملة اختار في قوله تعالى وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ والصراط المستقيم استعارة عن ملة

стр. 20

الإسلام والدين الحق تشبيها لوسيلة المقصود بوسيلة المقصد او لمحل التوجه الروحاني بمحل التوجه الجسماني وانما سمى الدين صراطا لان الله سبحانه وان كان متعاليا عن الامكنة لكن العبد الطالب لا بدله من قطع المسافات ومس الآفات وتحمل المجافاة ليكرم لوصول والموافاة ثم في قوله اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ مع انه مهتد وجوه الاول ان لا بد بعد معرفة الله تعالى والاهتداء بها من معرفة الخط المتوسط بين الافراط والتفريط في الأعمال الشهوية والغضبية وانفاق المال والمطلوب ان يهديه الى الوسط والثاني انه وان عرف الله بدليل فهناك ادلة اخرى فمعنى اهدنا عرفنا ما في كل شىء من كيفية دلالته على ذاتك وصفاتك وافعالك والثالث ان معناه بموجب قوله تعالى وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً طلب الاعراض عما سوى الله وان كان نفسه والإقبال بالكلية عليه حتى لو امر بذبح ولده كابراهيم ﵇ او بان ينقاد للذبح كاسمعيل ﵇ او بان يرمى نفسه في البحر كيونس ﵇ او بان يتلمذ مع بلوغه أعلى درجات الغايات كموسى ﵇ او ان يصير في الأمر بالمعروف على القتل والشق بنصفين كيحيى وزكريا ﵉ فعل وهذا مقام هائل الا ان في قوله صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ دون ان يقول صراط الذين ضربوا وقتلوا تيسير اما وترغيبا الى مقام الأنبياء والأولياء من حيث إنعامهم ثم الاستقامة الاعتدالية ثم الثبات عليها امر صعب ولذا قال النبي ﷺ (شيبتنى هود وأخواتها) حيث ورد فيها فاستقم كما أمرت فان الإنسان من حيث نشأته وقواه الظاهرة والباطنة مشتمل على صفات واخلاق طبيعية وروحانية ولكل منها طرفا افراط وتفريط والواجب معرفة الوسط من كل ذلك والبقاء عليه وبذلك وردت الأوامر ونطقت الآيات كقوله تعالى وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً الآية حرضه على الوسط بين البخل والإسراف وكقوله ﷺ لمن سأله مستشيرا فى الترهب وصيام الدهر وقيام الليل كله بعد زجره إياه (ان لنفسك عليك حقا ولزوجك عليك حقا ولزورك عليك حقا فصم وأفطر وقم ونم) وهكذا في الأحوال كلها نحو قوله تعالى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ولما رأى ﷺ عمر رضى الله عنه يقرأ رافعا صوته سأله فقال او قظ الوسنان واطرد الشيطان فقال ﵇ (اخفض من صوتك قليلا) واتى أبا بكر رضى الله عنه فوجده يقرأ خافضا صوته فسأله فقال قد أسمعت من ناجيت فقال ﵇ (ارفع من صوتك قليلا) وهكذا الأمر في باقى الأخلاق فان الشجاعة صفة متوسطة بين الهور والجبن والبلاغة بين الإيجاز المجحف والاطناب المفرط وشريعتنا قد تكفلت ببيان ميزان الاعتدال في كل ترغيب وترهيب وحال وحكم وصفة وخلق حتى عينت للمذمومة مصارف إذا استعملت فيها كانت محمودة كالمنع لله والبغض لله والمستقيم على اقسام منها مستقيم بقوله وفعله وقلبه ومستقيم بقلبه وفعله دون قوله اى لم يعلم أحدا ولهذين الفوز والاول أعلى ومستقيم بفعله وقوله دون قلبه وهذا يرجى له النفع بغيره ومنها مستقيم بقوله وقلبه دون فعله ومستقيم بقوله دون فعله وقلبه ومستقيم بقلبه دون قوله وفعله ومستقيم بفعله دون قوله وقلبه وهؤلاء الاربعة عليهم لا لهم وان كان بعضهم فوق بعض وليس المراد بالاستقامة بالقول ترك الغيبة والنميمة وشبههما فان الفعل يشمل ذلك

стр. 21

انما المراد بها ارشاد الغير الى الصراط المستقيم وقد يكون عريا مما يرشد اليه مثال اجتماعها رجل تفقه فى امر صلاته وحققها ثم علمها غيره فهذا مستقيم في قوله ثم حضر وقتها فاداها على ما علمها محافظا على أركانها الظاهرة فهذا مستقيم في فعله ثم علم ان مراد الله منه من تلك الصلاة حضور قلبه معه فاحضره فهذا مستقيم بقلبه وقس على ذلك بقية الاقسام وفي التأويلات النجمية ان اقسام الهداية ثلاثة الاولى هداية العامة اى عامة الحيوانات الى جلب منافعها وسلب مضارها واليه أشار بقوله تعالى أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى وقوله وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ والثانية هداية الخاصة اى للمؤمنين الى الجنة واليه الاشارة بقوله تعالى يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ الآية والثالثة هداية الأخص وهي هداية الحقيقة الى الله بالله واليه الاشارة بقوله تعالى قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وقوله إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ وقوله اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ وقوله وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى اى كنت ضالا فى تيه وجودك فطلبتك بجودي ووجدتك بفضلي ولطفى وهديتك بجذبات عنايتى ونور هدايتى الى وجعلتك نورا فاهدى بك الى من أشاء من عبادى فمن اتبعك وطلب رضاك فنخرجهم من ظلمات الوجود البشرى الى نور الوجود الروحاني ونهديهم الى صراط مستقيم كما قال تعالى قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ والصراط المستقيم هو الدين القويم وهو ما يدل عليه القرآن العظيم وهو خلق سيد المرسلين ﷺ فيما قال تعالى وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ثم هو اما الى الجنة وذلك لاصحاب اليمين كما قال تعالى وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ الآية واما الى الله تعالى وهذا للسابقين المتقربين كما قال تعالى إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ صِراطِ اللَّهِ وكل ما يكون لاصحاب اليمين يحصل للسابقين وهم سابقون على اصحاب اليمين بما لهم من شهود الجمال وكشف الجلال وهذا خاصة لسيد المرسلين ومتابعيه كما قال تعالى قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي: قال الشيخ سعدى قدس سره اگر جز بحق مى رود جاده ات ... در آتش فشانند سجاده ات صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ بدل من الاول بدل الكل والانعام إيصال النعمة وهي في الأصل الحالة التي يستلذها الإنسان فاطلقت على ما يستلذه من نعمة الدين الحق قال ابو العباس ابن عطاء هؤلاء المنعم عليهم هم طبقات فالعارفون أنعم الله عليهم بالمعرفة والأولياء أنعم الله عليهم بالصدق والرضى واليقين والصفوة والأبرار أنعم الله عليهم بالحلم والرأفة والمريدون أنعم الله عليهم بحلاوة الطاعة والمؤمنون أنعم الله عليهم بالاستقامة وقيل هم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون كما قال تعالى فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وأضيف الصراط هنا الى العباد وفي قوله وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً الى ذاته تعالى كما أضيف الدين والهدى تارة الى الله تعالى نحو أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ وإِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ وتارة الى العباد نحو الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وفَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ وسره من وجوه الاول بيان ان ذلك كله له شرعا ولنا نفعا كما قال تعالى شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ والثاني انه له ارتضاء واختيارا ولنا سلوكا وائتمارا والثالث انه اضافه الى نفسه قطعا لعجب العبد والى العبد تسلية لقلبه والرابع انه اضافه

стр. 22

الى العبد تشريفا له وتقريبا والى نفسه قطعا لطمع إبليس عنه كما قيل لما نزل قوله تعالى وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ قال الشيطان ان لم اقدر على سلب عزة الله ورسوله أسلب عزة المؤمنين فقال الله تعالى فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً فقطع طمعه كذا في التيسير وتكرار الصراط اشارة الى ان الصراط الحقيقي صراطان من العبد الى الرب ومن الرب الى العبد فالذى من العبد الى الرب طريق مخوف كم قطع فيه القوافل وانقطع به الرواحل ونادى منادى العزة لاهل العزة الطلب رد والسبيل سد وقاطع الطريق يقطع على هذا الفريق لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ الآية والذي من الرب الى العبد طريق آمن وبالأمان كائن قد سلم فيه القوافل وبالنعم محفوف المنازل يسير فيه سيارته ويقاد بالدلائل قادته مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ الآية اى أنعم الله على أسرارهم بانوار العناية وعلى أرواحهم باسرار الهداية وعلى قلوبهم بآثار الولاية وعلى نفوسهم فى قمع الهوى وقهر الطبع وحفظ الشرع بالتوفيق والرعاية وفي مكايد الشيطان بالمراقبة والكلاية والنعم اما ظاهرة كارسال الرسل وإنزال الكتب وتوفيق قبول دعوة الرسل واتباع السنة واجتناب البدعة وانقياد النفس للاوامر والنواهي والثبات على قدم الصدق ولزوم العبودية واما باطنة وهي ما أنعم على أرواحهم في بداية الفطرة باصابة رشاش نوره كما قال ﵇ (ان الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن اخطأه فقد ضل) فكان فتح باب صراط الله الى العبد من رشاش ذلك النور وأول الغيث رش ثم ينسكب فالمؤمنون ينظرون بذلك النور المرشوش الى مشاهدة المغيث وينتظرون الغيث ويستعينون اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ بجذبات الطافك وفتحت عليهم أبواب فضلك ليهتدوا بك إليك فأصابوا بما أصابهم بك منك كذا في التأويلات النجمية قال الشيخ صدر الدين القنوى قدس سره في الفكوك في تأويل الحديث المذكور لا شك ان الوجود المحض يتعقل فى مقابلته العدم المضاد له فان للعدم تعينا فى التعقل لا محالة وله الظلمة كما ان الوجود له النورانية ولهذا يوصف الممكن بالظلمة فانه يتنور بالوجود فيظهر فظلمته من أحد وجهيه الذي يلى العدم وكل نقص يلحق الممكن ويوصف به انما ذلك من احكام النسبة العدمية واليه الاشارة بقول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (ان الله خلق الخلق في ظلمه ثم رش عليه من نوره فظهر) وخلق هاهنا بمعنى التقدير فان التقدير سابق على الإيجاد ورش النور كناية عن افاضة الوجود على الممكنات فاعلم ذلك انتهى كلام الشيخ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ بدل من الذين على معنى ان المنعم عليهم هم الذين سلموا من الغضب والضلال وكلمة غير على ثلاثة أوجه الاول بمعنى المغايرة وفارسيته «جز» قال الله تعالى لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ والثاني بمعنى لا وفارسيته «نا» قال تعالى فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ والثالث بمعنى الا وفارسيته «مكر» قال تعالى فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وصرفها هاهنا على هذه الوجوه محتمل غير ان معنى الاستثناء مخصوص بقراءة النصب والغضب ثوران النفس عند ارادة الانتقام يعنى انه حالة نفسانية تحصل عند غليان النفس ودم القلب لشهوة الانتقام وهنا نقيض الرضى او ارادة الانتقام او تحقيق الوعيد او الاخذ الأليم او البطش الشديد او هتك الأستار

стр. 23

والتعذيب بالنار لان القاعدة التفسيرية ان الافعال التي لها أوائل بدايات واواخر غايات إذا لم يمكن إسنادها الى الله باعتبار البدايات يراد بها حين الاسناد غاياتها كالغضب والحياء والتكبر والاستهزاء والغم والفرح والضحك والبشاشة وغيرها والضلال العدول عن الطريق السوي عمدا او خطأ والمراد بالمغضوب عليهم العصاة وبالضالين الجاهلون بالله لان المنعم عليهم هم الجامعون بين العلم والعمل فكان المقابل لهم من اختل احدى قوتيه العاقلة والعاملة والمخل بالعمل فاسق مغضوب عليه لقوله تعالى في القاتل عمدا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ والمخل بالعلم جاهل ضال كقوله تعالى فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ او المغضوب عليهم هم اليهود لقوله تعالى فى حقهم مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ والضالون النصارى لقوله تعالى في حقهم قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وليس المراد تخصيص نسبة الغضب باليهود ونسبة الضلال بالنصارى لان الغضب قد نسب ايضا الى النصارى وكذا الضلال قد نسب الى اليهود في القرآن بل المراد انهما إذا تقابلا فالتعبير بالغضب الذي هو ارادة الانتقام لا محالة باليهود أليق لغاية تمردهم فى كفرهم من اعتدائهم وقتلهم الأنبياء. وقولهم إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ وغير ذلك فان قلت من المعلوم ان المنعم عليهم غير الفريقين فما الفائدة فى ذكرهما بعدهم قلت فائدته وصف ايمانهم بكمال الخوف من حال الطائفتين بعد وصفه بكمال الرجاء في قوله الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ قال ﵇ (لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا) واعلم ان حكم الغضب الإلهي تكميل مرتبة قبضة الشمال فانه وان كان كلتا يديه المقدستين يمينا مباركة لكن حكم كل واحدة يخالف الاخرى فالارض جميعا قبضته والسموات مطويات بيمينه فلليد الواحدة المضاف إليها عموم السعداء الرحمة والحنان وللاخرى القهر والغضب ولوازمهما فسر حكم الغضب هو التكميل المشار اليه في الجمع بين حكم اليدين والوقاية ولصاحب الاكلة إذا ظهرت في عضو واحد وقدر أن يكون الطبيب والده او صديقه او شقيقه فانه مع فرط محبته يبادر لقطع العضو المعتل لما لم يكن فيه قابلية الصلاح والسر الثالث التطهير كالذهب الممزوج بالرصاص والنحاس إذا قصد تمييزه لا بد وان يجعل في النار الشديدة والضلال هو الحيرة فمنها ما هي مذمومة ومنها ما هي محمودة ولها ثلاث مراتب حيرة اهل البدايات وحيرة المتوسطين من اهل الكشف والحجاب وحيرة أكابر المحققين وأول مزيل للحيرة الاولى تعين المطلب المرجح كرضى الله والتقرب اليه والشهود الذاتي ثم معرفة الطريق الموصل كملازمة شريعة الكمل ثم السبب المحصل كالمرشد ثم ما يمكن الاستعانة به في تحصيل الغرض من الذكر والفكر وغيرهما ثم معرفة العوائق وكيفية إزالتها كالنفس والشيطان فاذا تعينت هذه الأمور الخمسة حينئذ تزول هذه الحيرة وحيرة الأكابر محمودة لا تظنن ان هذه الحيرة سببها قصور في الإدراك ونقص مانع من كمال الجلاء هنا والاستجلاء لما هناك بل هذه حيرة يظهر حكمها بعد كمال التحقق بالمعرفة والشهود ومعاينة سر كل وجود والاطلاع التام على احدية الوجود وفي تفسير النجم غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ هم الذين اخطأهم ذلك النور فضلوا فى تيه هوى النفس وتاهوا في ظلمات الطبع والتقليد فغضب الله عليهم مثل اليهود ولعنهم

стр. 24

بالطرد والتبعيد حتى لم يهتدوا الى الشرع القويم ووقعوا عن الصراط المستقيم اى عن المرتبة الانسانية التي خلق فيها الإنسان في احسن تقويم ومسخوا قردة وخنازير صورة او معنى او لما وقعوا عن الصراط المستقيم في سد البشرية نسوا ألطاف الربوبية وضلوا عن صراط التوحيد فاخذهم الشيطان بشرك الشرك كالنصارى فاتخذوا الهوى الها والدنيا الها وقالوا ثالِثُ ثَلاثَةٍ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ هذا بحسب أول الحال وفيه وجه آخر معتبر فيه عارض المآل وهو ان يراد غير المغضوب عليهم بالغيبة بعد الحضور والمحنة بعد السرور والظلمة غب النور نعوذ بالله من الحور بعد الكور اى من الرجوع الى النقصان بعد الزيادة ولا الضالين بغلبة الفسق والفجور وانقلاب السرور بالشرور ووجه ثالث يعبر في السلوك الى ملك الملوك وهو غير المغضوب عليهم بالاحتباس في المنازل والانقطاع عن القوافل ولا الضالين بالصدود عن المقصود آمِّينَ اسم فعل بمعنى استجب معناه يا الله استجب دعاءنا او افعل يا رب بنى على الفتح كأين وكيف لالتقاء الساكنين وليست من القرآن اتفاقا لانها لم تكتب في الامام ولم ينقل أحد من الصحابة والتابعين ومن بعدهم رضى الله تعالى عنهم انها قرآن لكن يسن ان يقول القارئ بعد الفاتحة آمين مفصولة عنها لقوله ﵇ (علمنى جبريل آمين عند فراغى من قراءة الفاتحة وقال انه كالختم على الكتاب) وزاده على رضى الله عنه توضيحا فقال [آمين خاتم رب العالمين ختم به دعاء عبده] فسره ان الخاتم كما يمنع عن المختوم الاطلاع عليه والتصرف فيه يمنع آمين عن دعاء العبد الخيبة وقال وهب يخلق بكل حرف منه ملك يقول اللهم اغفر لمن قال آمين وفي الحديث (الداعي والمؤمن شريكان) يعنى به قوله تعالى قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما قال ﵇ (إذا قال الامام ولا الضالين فقولوا آمين فان الملائكة تقولها فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) وسره ما مر فى كلام وهب اما لموافقة فقيل في الزمان وقيل في الإخلاص والتوجه الاحدى واختلف في هؤلاء الملائكة قيل هم الحفظة وقيل غيرهم ويعضده ما روى انه ﵇ قال (فان من وافق قوله قول اهل السماء) ويمكن ان يجمع بين القولين بان يقولها الحفظة واهل السماء ايضا قال المولى الفنارى في تفسير الفاتحة ان الفاتحة نسخة الكمال لمن اخرج للاستكمال من ظلمة العدم والاستهلاك في نور القدم الى أنوار الروحانية ثم بواسطة النفخ الى عالم الجسمانية ليكمل مرتبة الانسانية التي لجمعيتها مظنة الانانية فاحتاج الى طلب الهداية الى منهاج العناية التي منها جاء ليرجع من الوجود الى العدم بل من الحدوث الى القدم فيفقد الموجود فقد انا لا يجده ليجد المفقود وجدانا لا يفقده ولما حصل لهم رتبة الكمال بقبول هذا السؤال كما قال ولعبدى ما سأل فاضافه الى نفسه بلام التمليك ثم ختم أكرم الأكرمين نسخة حالهم بخاتم آمين اشارة الى ان عباده المخلصين ليس لاحد من العالمين ان يتصرف فيهم بان يفك خاتم رب العالمين ولهذا ايس إبليس فقال إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ وعدد آيات سورة الفاتحة سبع في قول الجمهور على ان احداها ما آخرها أنعمت عليهم لا التسمية او بالعكس وعدد كلماتها ففى التيسير انها خمس وعشرون وحروفها مائة وثلاثة وعشرون وفي عين المعاني كلماتها سبع وعشرون وحروفها مائة واثنان وأربعون وسبب

стр. 25

الاختلاف بعد عدم اعتبار البسملة اعتبار الكلمات المنفصلة كتابة او المستقلة تلفظا واعتبار الحروف الملفوظة او المكتوبة او غيرهما وسئل عطاء أي وقت أنزلت فاتحة الكتاب قال أنزلت بمكة يوم الجمعة كرامة أكرم الله بها محمدا ﵇ وكان معها سبعة آلاف ملك حين نزل بها جبريل على محمد ﵉ روى ان عيرا قدمت من الشام لابى جهل بمال عظيم وهي سبع فرق ورسول الله وأصحابه ينظرون إليها واكثر الصحابة بهم جوع وعرى فخطر ببال النبي ﷺ شىء لحاجة أصحابه فنزل قوله تعالى وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي اى مكان سبع قوافل لابى جهل لا ينظر الى ما أعطيناك مع جلالة هذه العطية فلم تنظر الى ما أعطيته من متاع الدنيا الدنية ولما علم الله ان تمنيه لم يكن لنفسه بل لاصحابه قال وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وامره بما يزيد نفعه على نفع المال فقال وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ فان تواضعك أطيب لقلوبهم من ظفرهم بمحبوبهم ومن فضائلها ايضا قوله ﵇ (لو كانت في التوراة لما تهود قوم موسى ولو كانت في الإنجيل لما تنصر قوم عيسى ولو كانت فى الزبور لما مسخ قوم داود ﵈ وأيما مسلم قرأها أعطاه الله من الاجر كانما قرأ القرآن كله وكأنما تصدق على كل مؤمن ومؤمنة) ومن فضائلها ايضا ان الحروف المعجمة فيها اثنان وعشرون وأعوان النبي ﷺ بعد الوحى اثنان وعشرون وان ليست فيها سبعة أحرف ثاء الثبور وجيم الجحيم وخاء الخوف وزاى الزقوم وشين الشقاوة وظاء الظلمة وفاء الفراق فمعتقد هذه السورة وقارئها على التعظم والحرمة آمن من هذه الأشياء السبعة وعن حذيفة رضى الله عنه انه ﵇ قال (ان القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتما مقضيا فيقرأ صبى من صبيانهم في المكتب الحمد لله رب العالمين فيسمعه ويرفع عنهم بسببه العذاب أربعين سنة) وقد مر ما روى من إيداع علوم جميع الكتب في القرآن ثم في الفاتحة فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسير الكل ومن قرأها فكأنما قرأ الكل قال تفسير الكبير والسبب ان المقصود من جميع الكتب علم الأصول والفروع والمكاشفات وقد علم اشتمالها عليها قال الفنارى وذلك لما علم ان أولها الى قوله تعالى مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ اشارة الى العقائد المبدئية المتعلقة بالآلهيات ذاتا وصفة وفعلا لان حصر الحمد يقتضى حصر الكمالات الذاتية والوصفية والفعلية ثم بالنبوات والولايات لانهما اجلاء النعم او اخصاؤها ثم الى العقائد المعادية لكونه مالكا للامر كله يوم المعاد وأوسطها من قوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ الى اقسام الاحكام الرابطة بين الحق والعبد من العبادات وذلك ظاهر من المعاملات والمزاجر لان الاستعانة الشرعية اما لجلب المنافع او لدفع المضار وآخرها الى طلب المؤمنين وجوه الهداية المرتبة على الايمان المشار اليه في القسم الاول والإسلام المشار اليه في القسم الثاني وهي وجوه الإحسان اعنى المراتب الثلاث من الأخلاق الروحانية المحمودة ثم المراقبات المعهودة في قوله ﵇ (ان تعبد الله كأنك تراه) ثم الكمالات المشهودة عند الاستغراق فى مطالع الجلال الرافع لكاف التشبيه الذي في ذلك الخبر والدافع لغضب تنزيه الجبر وضلال نسبة القدر وهذه هي المسماة بعلوم المكاشفات والله اعلم باسرار كلية المبطنات

стр. 26

سورة البقرة مدنية وآياتها مائتان وسبع وثمانون ان قلت أي سورة أطول وآيها اقصر وأي آية أطول وآيها اقصر قلت قال اهل التفسير أطول سورة في القرآن البقرة وأقصرها الكوثر وأطول آية آية الدين وأقصرها آية والضحى والفجر وأطول كلمة فيه كلمة فَأَسْقَيْناكُمُوهُ فان قلت ما الحكمة فى ان سورة البقرة أعظم السور ما عدا الفاتحة الجواب لانها فصلت فيها الاحكام وضربت الأمثال وأقيمت الحجج إذ لم تشتمل سورة على ما اشتملت عليه ولذلك سميت فسطاط القرآن قال ابن العربي في احكام القرآن سمعت بعض أشياخي يقول فيها الف امر والف نهى والف حكم والف خبر ولعظم فقهها اقام ابن عمر رضى الله عنهما ثمانى سنين على تعلمها كذا في اسئلة الحكم قال الامام في التفسير الكبير اعلم انه مر على لسانى في بعض الأوقات ان هذه السورة الكريمة يمكن ان يستنبط من فوائدها ونفائسها عشرة آلاف مسألة فاستبعد هذا بعض الحساد وقوم من اهل الجهل والغى والعناد وحملوا ذلك على ما الفوه من أنفسهم من التصلفات الفارغة عن المعاني والكلمات الخالية عن تحقيق المعاقد والمبانى فلما شرعت في تصنيف هذا الكتاب قدمت هذه المقدمة لتصير كالتنبيه على ان ما ذكرنا امر ممكن الحصول قريب الوصول انتهى وانما سورت السور طوالا واوساطا وقصارا تنبيها على ان الطول ليس من شرط الاعجاز فهذه سورة الكوثر ثلاث آيات وهي معجزة اعجاز سورة البقرة ثم ظهرت لذلك التسوير حكمة في التعليم وتدريج الأطفال من السور القصار الى ما فوقها تيسيرا من الله تعالى على عباده وفي ذلك ايضا ترغيب وتوسيع في الفضيلة في الصلاة وغيرها كسورة الإخلاص من القصار تعدل ثلث القرآن فمن فهم ذلك فاز بسر التسوير فان قلت ما الحكمة في تعدد مواطن نزول القرآن وتكرر مشاهده مكيا مدنيا ليليا نهاريا سفريا حضريا صيفيا شتائيا نوميا برزخيا يعنى بين الليل والنهار ارضيا سماويا غاريا ما نزل في الغار يعنى تحت الأرض برزخيا ما نزل بين مكة والمدينة عرشيا معراجيا ما نزل ليلة المعراج آخر سورة البقرة الجواب الحكمة في ذلك تشريف مواطن الكون كلها بنزول الوحى الإلهي فيها وحضور الحضرة المحمدية عندها كما قيل سر المعراج والاسراء به وسير المصطفى في مواطن الكون كلها كأن الكون والعرش والجنان يسأل كل موطن بلسان الحال ان يشرفه الله تعالى بقدوم قدم حبيبه وتكتحل أعين الأعيان والكبار بغبار نعال قدم سيد السادات ومفخر موجودات الولاة ما شم الكون رايحة الوجود وما بدا من حضرة الكمون لمعة الشهود كما ورد بلسان القدس (لولاك لولاك لما خلقت الافلاك) بسم الله الرّحمن الرّحيم الم ان قلت ما الحكمة في ابتداء البقرة بالم والفاتحة بالحرف الظاهر المحكم الجواب قال السيوطي ﵀ في الإتقان أقول فى مناسبة ابتداء البقرة بالم انه لما ابتدئت الفاتحة بالحرف المحكم الظاهر لكل أحد بحيث لا يعذر في فهمه ابتدئت البقرة بمقابله وهو الحرف المتشابه البعيد التأويل ليعلم مراتبه للعقلاء والحكماء ليعجزهم بذلك ليعتبروا ويدبروا آياته

стр. 27

كذا في خواتم الحكم وحل الرموز وكشف الكنوز للعارف بالله الشيخ المعروف بعلى دده واعلم انهم تكلموا في شأن هذه الفواتح الكريمة وما أريد بها فقيل انها من العلوم المستورة والاسرار المحجوبة اى من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه وهي سر القرآن فنحن نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها الى الله تعالى وفائدة ذكرها طلب الايمان بها والالف الله واللام لطيف والميم مجيد اى انا الله اللطيف المجيد كما ان قوله تعالى الر انا الله ارى وكهيعص انا الله الكريم الهادي الحكيم العليم الصادق وكذا قوله تعالى ق اشارة الى انه القادر القاهر ون اشارة الى انه النور الناصر فهى حروف مقطعة كل منها مأخوذ من اسم من أسمائه تعالى والاكتفاء ببعض الكلمة معهود في العربية كما قال الشاعر قلت لها قفى فقالت ق اى وقفت وقيل ان هذه الحروف ذكرت في أوائل بعض السور لتدل على ان القرآن مؤلف من الحروف التي هى «اب ت ث» فجاء بعضها مقطعا وبعضها مؤلفا ليكون ايقاظا لمن تحدى بالقرآن وتنبيها لهم على انه منتظم من عين ما ينظمون منه كلامهم فلولا انه خارج عن طوق البشر نازل من عند خلاق القوى والقدر لأتوا بمثله هذا ما جنح اليه اهل التحقيق ولكن فيه نظر لانه يفهم من هذا القول ان لا يكون لتلك الحروف معان واسرار والنبي ﵇ اوتى علم الأولين والآخرين فيحتمل ان يكون الم وسائر الحروف المقطعة من قبيل المواضعات المعميات بالحروف بين المحبين لا يطلع عليها غيرهما وقد واضعها الله تعالى مع نبيه ﵇ في وقت لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبى مرسل ليتكلم بها معه على لسان جبريل ﵇ باسرار وحقائق لا يطلع عليها جبريل ولا غيره يدل على هذا ما روى فى الاخبار ان جبريل ﵇ لما نزل بقوله تعالى كهيعص فلما قال «كاف» قال النبي ﵇ (علمت) فقال «ها» فقال (علمت) فقال «يا» فقال (علمت) فقال «عين» فقال (علمت) فقال «صاد» فقال (علمت) فقال جبريل ﵇ كيف علمت ما لم اعلم وقال الشيخ الأكبر قدس سره في أول تفسير الم ذلِكَ الْكِتابُ واما الحروف المجهولة التي أنزلها الله تعالى في أوائل السور فسبب ذلك من أجل لغو العرب عند نزول القرآن فانزلها سبحانه حكمة منه حتى تتوفر دواعيهم لما انزل الله إذا سمعوا مثل هذا الذي ما عهدوه والنفوس من طبعها ان تميل الى كل امر غريب غير معتاد فينصتون عن اللغو ويقبلون عليها ويصغون إليها فيحصل المقصود فيما يسمعونه مما يأتى بعد هذه الحروف النازلة من عند الله تعالى وتتوفر دواعيهم للنظر في الأمر المناسب بين حروف الهجاء التي جاء بها مقطعة وبين ما يجاورها من الكلم وأبهم الأمر عليهم من عدم اطلاعهم عليها فرد الله بذلك شرا كبيرا من عنادهم وعتوهم ولغوهم كان يظهر منهم فذاك رحمة للمؤمنين وحكمة منه سبحانه انتهى كلامه قال بعض العارفين كل ما قيل في شرحها بطريق النظر والاعتبار فتخمين النظر من قائله لا حقيقة الا لمن كشف الله له عن قصده تعالى بها يقول الفقير جامع هذه المعارف واللطائف شكر الله مساعيه وبسط اليه من عنده أياديه قال شيخى الأكمل في هامش كتاب اللائحات البرقيات له بعد ما ذكر بعض خواص

стр. 28

الم على طريق الحقيقة زلق في أمثال هذا المتشابه أقدام الزائغين عن العلم وتحير عقول الراسخين فى العلم وبعضهم توقف تأدبا مع الله تعالى ولم يتعرض بل قالوا آمنا به كل من عندر ربنا وبعضهم تأولوا لكن بوجوه بعيدة عن المرام والمقام بعدا بعيدا الا انها مستحسنة شرعا مقبولة دينا وعقلا وما يذكر اى بالمقصود والمرام على ما هو عليه في نفسه في الواقع الا أولوا الباب لكن بتذكير الله تعالى والهامه واطلاعه تخصيصا لهم وتمييزا لهم عما عداهم اختصاصا إليها أزليا لهم من عند الله لا بتفكر أنفسهم ونظر عقولهم بل بمحض فيض الله والهامه انتهى كلامه الشريف قدس سره اللطيف وقال عبد الرحمن البسطامي قدس سره مؤلف الفوائح المسكية في بحر الوقوف ثم ان بعض الأنبياء علموا اسرار الحروف بالوحى الرباني والإلقاء الصمداني وبعض الأولياء بالكشف الجلى النورانى والفيض العلى الروحاني وبعض العلماء بالنقل الصحيح والعقل الرجيح وكل منهم قد اخبر أصحابه ببعض اسرارها اما بطريق الكشف والشهود او بطريق الرسم والحدود والصحيح ان الله تعالى طوى علم اسرار الحروف عن اكثر هذه الامة لما فيها من الحكم الالهية والمصالح الربانية ولم يأذن للاكابر ان يعرفوا منه الا بعض أسراره التي يشتمل عليها تركيبها الخاص المنتج انواع التسخيرات والتأثيرات في العوالم العلويات والسفليات الى غير ذلك انتهى كلام بحر الوقوف وفي التأويلات النجمية هيئة الصلاة التي ذكرت في القرآن ثلاث القيام لقوله تعالى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ والركوع لقوله تعالى «واركعوا مع الراكعين» والسجود لقوله تعالى «واسجد واقترب» فالالف في الم اشارة الى القيام واللام اشارة الى الركوع والميم اشارة الى السجود يعنى من قرأ سورة الفاتحة التي هي مناجاة العبد مع الله في الصلاة التي هي معراج المؤمنين يجيبه الله تعالى بالهداية التي طلبها منه بقوله اهدنا ثم اعلم ان المتشابه كالمحكم من جهة اجر التلاوة لما ورد عن ابن مسعود رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ (من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف بل الف حرف ولام حرف وميم حرف) ففى الم تسع حسنات ذلِكَ الْكِتابُ الم مبتدأ على انه اسم القرآن على أحد الوجوه وذلك خبره اشارة الى الكتاب فيكون الكتاب صفة والمراد به الكتاب الكامل الموعود انزاله في الكتب المتقدمة وانما أشار بذلك الى ما ليس ببعيد لان الكتاب من حيث كونه موعودا فى حكم البعيد قالوا لما انزل الله تعالى على موسى التوراة وهي الف سورة كل سورة الف آية قال موسى ﵇ يا رب ومن يطيق قراءة هذا الكتاب وحفظه فقال تعالى انى انزل كتابا أعظم من هذا قال على من يا رب قال على خاتم النبيين قال وكيف تقرؤه أمته ولهم أعمار قصيرة قال انى أيسره عليهم حتى يقرؤه صبيانهم قال يا رب وكيف تفعل قال انى أنزلت من السماء الى الأرض مائة وثلاثة كتب خمسين على شيث وثلاثين على إدريس وعشرين على ابراهيم والتوراة عليك والزبور على داود والإنجيل على عيسى وذكرت الكائنات في هذه الكتب فأذكر جميع معانى هذه الكتب فى كتاب محمد واجمع ذلك كله فى مائة واربع عشرة سورة واجعل هذه السور في ثلاثين حزأ والاجزاء في سبعة اسباع ومعنى هذه الأسباع في سبع آيات الفاتحة ثم معانيها في سبعة أحرف وهي بسم الله ثم ذلك كله

стр. 29

فى الالف من الم ثم افتتح سورة البقرة فاقول الم ولما وعد الله ذلك في التوراة وأنزله على محمد ﵇ جحدت اليهود لعنهم الله ان يكون هذا ذلك فقال تعالى ذلك الكتاب كما في تفسير التيسير ولهذه الآية وجوه اخر من الاعراب ذكرت في التفاسير فلتطلب ثمة لا رَيْبَ كائن فِيهِ فقوله ريب اسم لا وفيه خبرها وهو في الأصل من رابنى الشيء إذا حصل فيك الريبة وهي قلق النفس واضطرابها سمى به الشك لانه يقلق النفس ويزيل الطمأنينة وفي الحديث (دع ما يريبك الى ما لا يريبك) فان الشك ريبة والصدق طمأنينة ومنه ريب الزمان لنوائبه وفي التفسير المسمى بالتيسير الريب شك فيه خوف وهو أخص من الشك فكل ريب شك وليس كل شك ريبا والشك هو التردد بين النقيضين لا ترجيح لاحدهما على الآخر عند الشاك ولم يقدم الظرف على الريب لئلا يذهب الفهم الى ان كتابا آخر فيه الريب لا فيه فان قلت الكفار شكوا فيه فلم يقروا بكتاب الله تعالى والمبتدعون ممن اهل القبلة شكوا في معانى متشابهه فاجروها على ظاهرها وضلوا بها والعلماء شكوا فى وجوهه فلم يقطعوا القول على وجه منها والعوام شكوا فيه فلم يفهموا معانيه فما معنى نفى الريب عنه فالجواب ان هذا نفى الريب عن الكتاب لا عن الناس والكتاب موصوف بانه لا يتمكن فيه ريب فهو حق صدق معلوم ومفهوم شك فيه الناس او لم يشكوا كالصدق صدق فى نفسه وان وصفه الناس بالكذب والكذب كذب وان وصفه الناس بالصدق فكذا الكتاب ليس مما يلحقه ريب او يتمكن فيه عيب ويجوز ان يكون خبرا في معنى الأمر ومعناه لا ترتابوا كقوله تعالى فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ المعنى لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا كما في الوسيط والعيون هُدىً اى هو رشد وبيان لِلْمُتَّقِينَ اى للضالين المشارفين التقوى الصائرين إليها ومثله حديث (من قتل قتيلا فله سلبه) وفي تفسير الإرشاد أي المتصفين بالتقوى حالا او مآلا وتخصيص الهدى بهم لما انهم المقتبسون من أنواره المنتفعون بآثاره وان كان ذلك شاملا لكل ناظر من مؤمن وكافر وبذلك الاعتبار قال تعالى هُدىً لِلنَّاسِ اى كلهم بيانا وهدى للمتقين على الخصوص إرشادا قال في التيسير وكذلك يقال فى كل من انتفع بشئ دون غيره انه لك على الخصوص اى أنت المنتفع به وحدك وليس في كون بعض الناس لم يهتدوا ما يخرجه من ان يكون هدى فالشمس شمس وان لم يرها الضرير والعسل عسل وان لم يجد طعمه الممرور والمسك مسك وان لم يدرك طيبه المأنوف فالخيبة كل الخيبة لمن عطش والبحر زاخر وبقي في الظلمة والبدر زاهر وخبث والطيب حاضر وذوى والروض ناظر والحسرة كل الحسرة لمن عصى وفسق والقرآن ناه آمر وفارق الرغبة والرهبة والوعد متواتر والوعيد متظاهر ولذلك قال تعالى وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ والمتقى اسم فاعل من باب الافتعال من الوقاية وهي فرط الصيانة قال البغوي هو مأخوذ من الاتقاء وأصله الحاجز بين الشيئين ومنه يقال اتقى بترسه اى جعله حاجزا بين نفسه وبين ما يقصده وفي الحديث كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله ﷺ اى إذا اشتد الحرب جعلناه حاجزا بيننا وبين العدو فكان المتقى يجعل امتثال امر الله والاجتناب عما نهاه حاجزا بينه وبين العذاب والتقوى في عرف الشرع عبارة عن كمال التوقي عما يضره في الآخرة وله ثلاث مراتب الاولى

стр. 30

التوقي عن العذاب المخلد بالتبري من الكفر وعليه قوله تعالى وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى والثانية التجنب عن كل ما يؤثم من فعل او ترك حتى الصغائر عند قوم وهو المتعارف بالتقوى فى الشرع وهو المعنى بقوله تعالى وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا والثالثة ان يتنزه عما يشغل سره عن الحق ويتبتل اليه بكليته وهو التقوى الحقيقية المأمور بها في قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وأقصى مراتب هذا النوع من التقوى ما انتهى اليه همم الأنبياء ﵈ حيث جمعوا رياستى النبوة والولاية وما عاقهم التعلق بعالم الأشباح عن العروج الى عالم الأرواح ولم تصدهم الملابسة بمصالح الخلق عن الاستغراق في شؤن الحق لكمال استعداد نفوسهم الزكية المؤيدة بالقوة القدسية وهداية الكتاب المبين شاملة لارباب هذه المراتب أجمعين فهداية العام بالإسلام وهداية الخاص بالإيقان والإحسان وهداية الأخص بكشف الحجب ومشاهدة العيان وفي التأويلات النجمية المتقون هم الذين أوفوا بعهد الله من بعد ميثاقه ووصلوا به ما امر الله ان يوصل به من مأمورات الشرع ظاهرا وباطنا يدل على هذا قوله تعالى وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ الى قوله وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ اى إذا أنتم أقررتم بربوبيتي بقولكم بلى يوم الميثاق أوفوا بعهدي الذي عاهدتمونى عليه وهو العبودية الخالصة لى أوف بعهدكم الذي عاهدتكم عليه وهو الهداية الى وفي الرسالة القشيرية والمتقى مثل ابن سيرين كان له أربعون حباسمنا فاخرج غلامه فأرة من حب فسأله من أي حب أخرجتها فقال لا أدرى فصبها كلها ومثل ابى يزيد البسطامي اشترى بهمذان جانبا من حب القرطم فلما رجع الى بسطام رأى فيه نملتين فرجع الى همذان ووضع النملتين- وحكى- ان أبا حنيفة ﵀ كان لا يجلس في ظل شجرة غريمه ويقول فى الخبر (كل قرض جر نفعا فهو ربا) وقيل ان أبا يزيد غسل ثوبه في الصحراء مع صاحب له فقال له نعلق الثوب في جدار الكروم فقال لا نضرب الوتد في جدار الناس فقال نعلقه في الشجر فقال انه يكسر الاغصان فقال نبسطه على الأرض فقال انه علف الدواب لا نستره عنها فولى ظهره حتى جف جانب ثم قلبه حتى جف الجانب الآخر الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ الجملة صفة مقيدة للمتقين ان فسر التقوى بترك ما لا ينبغى مترتبة عليه ترتب التحلية على التخلية والتصوير على التصقيل وموضحة ان فسر بما يعم فعل الطاعة وترك المعصية لاشتماله على ما هو اصل الأعمال وأساس الحسنات من الايمان والصلاة والصدقة فانها أمهات الأعمال النفسانية والعبادات البدنية والمالية المستتبعة لسائر الطاعات والتجنب عن المعاصي غالبا ألا يرى قوله تعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وقوله ﵇ (الصلاة عماد الدين والزكاة قنطرة الإسلام) والايمان هو التصديق بالقلب لان المصدق يؤمن المصدق اى يجعله آمنا من التكذيب او يؤمن نفسه من العذاب بفعله والله تعالى مؤمن لانه يؤمن عباده من عذابه بفضله واستعماله بالباء هاهنا لتضمنه معنى الاعتراف وقد يطلق على الوثوق فان الواثق يصير ذا أمن وطمانينة قال في الكواشي الايمان في الشريعة هو الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالأركان والإسلام الخضوع والانقياد فكل ايمان اسلام وليس كل اسلام ايمانا إذا

стр. 31

لم يكن معه تصديق فقد يكون الرجل مسلما ظاهرا غير مصدق باطنا ولا يكون مصدقا باطنا غير منقاد ظاهرا قال المولى ابو السعود ﵀ في تفسيره هو في الشرع لا يتحقق بدون التصديق بما علم ضرورة انه من دين نبينا ﷺ كالتوحيد والنبوة والبعث والجزاء ونظائرها وهل هو كاف في ذلك او لا بد من انضمام الإقرار اليه للتمكن منه الاول رأى الشيخ الأشعري ومن تابعه والثاني مذهب ابى حنيفة ﵀ ومن تابعه وهو الحق فانه جعلهما جزئين له خلا ان الإقرار ركن محتمل للسقوط بعذر كما عند الإكراه وهو مجموع ثلاثة امور اعتقاد الحق والإقرار به والعمل بموجبه عند جمهور المحدثين والمعتزلة والخوارج فمن اخل بالاعتقاد وحده فهو منافق ومن اخل بالإقرار فهو كافر ومن اخل بالعمل فهو فاسق اتفاقا عندنا وكافر عند الخوارج وخارج عن الايمان غير داخل في الكفر عند المعتزلة والغيب مصدر سمى به الغائب توسعا كقولهم للزآئر زور وهو ما غاب عن الحس والعقل غيبة كاملة بحيث لا يدرك بواحد منهما ابتداء بطريق البداهة وهو قسمان قسم لا دليل عليه وهو الذي أريد بقوله سبحانه وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وقسم نصب عليه دليل كالصانع وصفاته والنبوات وما يتعلق بها من الاحكام والشرائع واليوم الآخر وأحواله من البعث والنشور والحساب والجاء وهو المراد هاهنا فالباء صلة الايمان اما بتضمينه معنى الاعتراف او بجعله مجازا عن الوثوق وهو واقع موقع المفعول به وان جعلت الغيب مصدرا على حاله كالغيبة فالباء متعلقة بمحذوف وقع حالا من الفاعل اى يؤمنون ملتبسين بالغيبة اما عن المؤمن به اى غائبين عن النبي ﷺ غير مشاهدين لما فيه من شواهد النبوة ويدل عليه انه قال حارث بن نغير لعبد الله بن مسعود رضى الله عنه نحن نحتسب لكم يا اصحاب محمد ما سبقتمونا به من رؤية محمد ﷺ وصحبته فقال عبد الله ونحن نحتسب لكم ايمانكم به ولم تروه وان أفضل الايمان ايمان بالغيب ثم قرأ عبد الله الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ كذا في تفسير ابى الليث واما عن الناس اى غائبين عن المؤمنين لا كالمنافقين الذين وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ وقيل المراد بالغيب القلب لانه مستور والمعنى يؤمنون بقلوبهم لا كالذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم فالباء حينئذ للآلة وعن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه قال بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذا قبل رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر ما يرى عليه اثر السفر ولا يعرفه أحد منا فاقبل حتى جلس بين يدى رسول الله ﵇ وركبته تمس ركبته فقال يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال النبي ﷺ (ان تشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ان استطعت اليه سبيلا) فقال صدقت فتعجبنا من سؤاله وتصديقه ثم قال فما الايمان قال (ان تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والجنة والنار وبالقدر خيره وشره) فقال صدقت ثم قال فما الإحسان قال (ان تعبد الله كانك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك) قال صدقت ثم قال فاخبرنى عن الساعة فقال (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) قال صدقت قال فاخبرنى عن اماراتها قال (ان تلد

стр. 32

الامة ربتها وان ترى العراة الحفاة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان) قال صدقت ثم انطلق فلما كان بعد ثالثة قال لى رسول الله ﷺ (يا عمر هل تدرى من الرجل) قلت الله ورسوله اعلم قال (ذاك جبريل أتاكم يعلمكم امر دينكم وما أتاني في صورة الا عرفته فيها الا في صورته هذه) وفي التأويلات النجمية يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ اى بنور عيبى من الله فى قلوبهم نظروا في قول محمد ﷺ فشاهدوا صدق قوله فآمنوا به كما قال ﵇ (المؤمن ينظر بنور الله) واعلم ان الغيب غيبان غيب غاب عنك وغيب غبت عنه فالذى غاب عنك عالم الأرواح فانه قد كان حاضرا حين كنت فيه بالروح وكذرة وجودك فى عهد الست بربكم واستماع خطاب الحق ومطالعة آثار الربوبية وشهود الملائكة وتعارف الأرواح من الأنبياء والأولياء وغيرهم فغاب عنك إذ تعلقت بالقالب ونظرت بالحواس الخمس اى بالمحسوسات من عالم الأجسام واما الغيب الذي غبت عنه فغيب الغيب وهو حضرة الربوبية قد غبت عنه بالوجود وما غاب عنك بالوجود وهو معكم أينما كنتم أنت بعيد منه وهو قريب منك كما قال وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ انتهى كلام الشيخ نجم الدين قدس سره قال الشيخ سعدى دوست نزديكتر از من بمنست ... وين عجبتر كه من از وى دورم چهـ كنم با كه توان كفت كه او ... در كنار من ومن مهجورم وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ الصلاة اسم للدعاء كما في قوله تعالى وَصَلِّ عَلَيْهِمْ اى ادع لهم والثناء كما في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ والقراءة كما في قوله تعالى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ اى بقراءتك والرحمة كما في قوله تعالى أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ والصلاة المشروعة المخصوصة بافعال واذكار سميت بها لما في قيامها من القراءة وفي قعودها من الثناء والدعاء ولفاعلها من الرحمة والصلاة في هذه الآية اسم جنس أريد بها الصلوات الخمس وإقامتها عبارة عن المواظبة عليها من قامت السوق إذا نفقت او عن التشمر لادائها من غير فتور ولا توان من قولهم قام بالأمر واقامه إذا جد فيه وتجلد وضده قعد عن الأمر وتقاعد او عن أدائها فان قول المؤذن قد قامت الصلاة معناه أخذوا في أدائها عبر عن أدائها بالإقامة لاشتمالها على القيام كما عبر عنها بالقنوت والركوع والسجود والتسبيح او عن تعديل أركانها وحفظها من ان يقع في شىء من فرائضها وسننها وأدائها زيغ من اقام العود إذا قومه وعدله وهو الأظهر لانه أشهر والى الحقيقة اقرب وافيد لتضمنه التنبيه على ان الحقيق بالمدح من راعى حدودها الظاهرة من الفرائض والسنن وحقوقها الباطنة من الخشوع والإقبال بقلبه على الله تعالى لا المصلون الذين هم عن صلاتهم ساهون قال ابراهيم النخعي إذا رأيت رجلا يخفف الركوع والسجود فترحم على عياله يعنى من ضيق المعيشة وذكر ان حاتما الزاهد دخل على عاصم بن يوسف فقال له عاصم يا حاتم هل تحسن ان تصلى فقال نعم قال كيف تصلى قال إذا تقارب وقت الصلاة أسبغ الوضوء ثم استوى في الموضع الذي أصلي فيه حتى يستقر كل عضو منى وارى الكعبة بين حاجبى والمقام بحيال صدرى والله فوقى يعلم ما في قلبى وكأن قدمى

стр. 33

على الصراط والجنة عن يمينى والنار عن شمالى وملك الموت خلفى وأظن انها آخر الصلاة ثم اكبر تكبيرا بإحسان واقرأ قراءة بتفكر واركع ركوعا بالتواضع واسجد سجودا بالتضرع ثم اجلس على التمام وأتشهد على الرجاء واسلم على السنة ثم أسلمها للاخلاص وأقوم بين الخوف والرجاء ثم العاهد على الصبر قال عاصم يا حاتم أهكذا صلاتك قال كذا صلاتى منذ ثلاثين سنة فبكى عاصم وقال ما صليت من صلاتى مثل هذا قط كذا في تنبيه الغافلين: قال السعدي كه داند چودر بند حق نيستى ... اگر بي وضو در نماز ايستى قال في تفسير التيسير المذكور في الآية اقامة الصلاة والله تعالى امر في الصلاة بأشياء بإقامتها بقوله وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وبالمحافظة عليها وادامتها بقوله الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ وبأدائها في أوقاتها بقوله كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً وبأدائها في جماعة بقوله وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ وبالخشوع فيهابقوله الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ وبعد هذه الأوامر صارت الناس على طبقات طبقة لم يقبلوها ورأسهم ابو جهل لعنه الله قال الله تعالى في حقه فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وذكر مصيرهم فقال ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ الى قوله وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ وطبقة قبلوها ولم يؤدوها وهم اهل الكتاب قال الله تعالى فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وهم اهل الكتاب أَضاعُوا الصَّلاةَ وذكر مصيرهم فقال فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا وهي دركة في جهنم هي اهيب موضع فيها تستغيث الناس منها كل يوم كذا وكذا مرة ثم قال الله إِلَّا مَنْ تابَ اى من اليهودية والنصرانية وَآمَنَ اى بمحمد وَعَمِلَ صالِحاً اى حافظ على الصلاة وطبقة أدوا بعضا ولم يؤدا بعضا متكاسلين وهم المنافقون قال الله تعالى إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى وذكران مصيرهم ويل وهو واد في جهنم لو جعلت فيه جبال الدنيا لماعت اى سالت قال النبي ﷺ (من ترك صلاة حتى مضى وقتها عذب في النار حقبا) والحقب ثمانون سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما كل يوم الف سنة مما تعدون قالوا وتأخير الصلاة عن وقتها كبيرة وأصغر الكبيرة ما قيل انه يكون كانه زنا بامه سبعين مرة كما في روضة العلماء وطبقة قبلوها وهم يراعونها في مواقيتها بشرائطها ورأسهم المصطفى ﷺ قال تعالى إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وقال تعالى قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الآية وأصحابه كذلك فذكرهم الله تعالى بقوله قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ وذكر مصيرهم فقال أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ وهو ارفع موضع في الجنة وأبهاه ينال المؤمن فيه مناه وينظر الى مولاه قال الحكماء كن نجما فان لم تستطع فكن قمرا فان لم تستطع فكن شمسا اى مصليا جميع الليل كالنجم يشرق جميع الليل او كالقمر يضيئ بعض الليل او كالشمس تضيئ بالنهار معناه فصل بالنهار ان لم تستطع بالليل كذا في زهرة الرياض واعلم ان الجماعة من فروض الكفاية وفيها فضل وليست بفرض عند عامة العماء حتى إذا صلى

стр. 34

وحده جاز وان فاته فضل الجماعة وقال احمد بن حنبل ان الجماعة فرض وليست بنافلة حتى إذا صلى وحده لم تجز صلاته غير انها وان لم تكن فريضة عندنا فالواجب على المسلم ان يتعاهدها ويحفظها قال تعالى يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ قال بعضهم المراد من الداعي المؤذنون الذين يدعون الى الجماعة في الصلوات الخمس وتارك الجماعة شر من شارب الخمر وقاتل النفس بغير حق ومن القتات ومن العاق لوالديه ومن الكاهن والساحر ومن المغتاب وهو ملعون فى التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وهو ملعون على لسان الملائكة لا يعاد إذا مرض ولا تشهد جنازته إذا مات قال النبي ﵊ (تارك الجماعة ليس منى ولا انا منه ولا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا) اى نافلة وفريضة فان ماتوا على حالهم فالنار اولى بهم كذا في روضة العلماء وقال في نصاب الاحتساب قال ﵇ (لقد هممت ان آمر رجلا يصلى بالناس وانظر الى أقوام يتخلفون عن الجماعة فاحرق بيوتهم) وهذا يدل على جواز إحراق بيت الذي يتخلف عن الجماعة لان ألهم بالمعصية لا يجوز من الرسول ﵇ لانه معصية فاذا علم جواز إحراق البيت على ترك السنة المؤكدة فما ظنك فى إحراق البيت على ترك الواجب والفرض وما ظنك في إحراق آلات المعصية انتهى كلام النصاب هذا وعن ابن عباس رضى الله عنهما بعث الله نبيه ﵇ بشهادة ان لا اله الا الله فلما صدق زاد الصلاة فلما صدق زاد الزكاة فلما صدق زاد الصيام فلما صدق زاد الحج ثم الجهاد ثم أكمل لهم الدين قال مقاتل كان النبي ﵇ يصلى بمكة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشاء فلما عرج به الى السماء امر بالصلوات الخمس كما في روضة الأخيار وانما فرضت الصلاة ليلة المعراج لان المعراج أفضل الأوقات واشرف الحالات وأعز المناجاة والصلاة بعد الايمان أفضل الطاعات وفي التعبد احسن الهيآت ففرض أفضل العبادات في أفضل الأوقات وهو وصول العبد الى ربه وقربه منه واما الحكمة في فرضيتها فلانه ﷺ لما اسرى به شاهد ملكوت السموات بأسرها وعبادات سكانها من الملائكة فاستكثرها ﵇ غبطة وطلب ذلك لامته فجمع الله له في الصلوات الخمس عبادات الملائكة كلها لان منهم من هو قائم ومنهم من هو راكع ومنهم من هو ساجد وحامد ومسبح الى غير ذلك فاعطى الله تعالى أجور عبادات اهل السموات لامته إذا قاموا الصلوات الخمس واما الحكمة في ان جعلها الله تعالى مثنى وثلاث ورباع فلانه ﵇ شاهد هياكل الملائكة تلك الليلة اى ليلة الاسراء اولى اجنحة مثنى وثلاث ورباع فجمع الله ذلك في صور أنوار الصلوات عند عروج ملائكة الأعمال بأرواح العبادات لان كل عبادة تتمثل فى الهيا كل النورانية وصورها كما وردت الإشارات في ذلك بل يخلق الملائكة من الأعمال الصالحة كما ورد في الأحاديث الصحيحة وكذلك جعل الله اجنحة الملائكة على ثلاث مراتب فجعل أجنحتك التي تطير بها الى الله موافقة لاجنحتهم ليستغفروا لك واما الحكمة فى كونها خمس صلوات فلانه ﵇ بعد سؤاله التخفيف ومراجعته قال له الله تعالى (يا محمد انهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر حسنات فتلك خمسون صلاة وكانت خمسين على من قبلنا) فحطت ليلة المعراج الى خمس تخفيفا وثبت جزاء الخمسين

стр. 35

تضعيفا وحكمة اخرى في كونها خمس صلوات انها كانت متفرقة في الأمم السالفة فجمعها سبحانه لنبيه وأمته لانه ﵇ مجمع الفضائل كلها دنيا وآخرة وأمته بين الأمم كذلك فاول من صلى الفجر آدم والظهر ابراهيم والعصر يونس والمغرب عيسى والعشاء موسى ﵈ فهذا سر القرار على خمس صلوات وقيل صلى آدم ﵇ الصلوات الخمس كلها ثم تفرقت بعده بين الأنبياء ﵈ وأول من صلى الوتر رسول الله ﷺ ليلة المعراج لذلك قال (زادنى ربى صلاة) اى الوتر على الخمس او صلاة الليل فافهم وأول من بادر الى السجود جبريل ﵇ ولذلك صار رفيق الأنبياء وخادمهم وأول من قال سبحان الله جبريل والحمد لله آدم ولا اله الا الله نوح والله اكبر ابراهيم ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كل ذلك في كشف الكنوز وحل الرموز وذكر في الحكم الشاذلية وشرحها انه لما علم الحق منك وجود الملل لون لك الطاعات لتستريح من نوع الى نوع وعلم ما فيك من وجود الشره المؤدى الى الملل القاطع عن بلوغ الأمل فحجرها عليك فى الأوقات إذ جعل في اليوم خمسا وفي السنة شهرا وفي المائتين خمسة وفي العمر زورة ولكل واحدة في تفاصيلها وقت لا تصح في غيره كل ذلك رحمة بك وتيسيرا للعبودية عليك وقد قيد الله الطاعات بأعيان الأوقات كيلا ينفك عنها وجود التسويف ووسع الوقت عليك كى تبقى صفة الاختيار: قال المولى جلال الدين قدس سره كر نباشد فعل خلق اندر ميان ... پس مكو كس را چرا كردى چنان يك مثال اى دل پى فرقى بيار ... تا بدانى جبر را از اختيار دست كان لرزان بود از ارتعاش ... وانكه دستى را تو لرزانى ز جاش هر دو جنبش آفريده حق شناس ... ليك نتوان كرد اين با آن قياس وفي التأويلات النجمية بداية الصلاة اقامة ثم ادامة فاقامتها بالمحافظة عليها بمواقيتها وإتمام ركوعها وسجودها وحدودها ظاهرا وباطنا وادامتها بدوام المراقبة وجمع الهمة في التعرض لنفحات الطاف الربوبية التي هي مودعة فيها لقوله ﵇ (ان الله في ايام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها) فصورة الصلاة صورة التعرض والأمر بها صورة جذبة الحق بان يجذب صورتك عن الاستعمال لغير العبودية وسر الصلاة حقيقه التعرض ففى كل شرط من شرائط صورتها وركن من أركانها وسنة من سننها وأدب من آدابها وهيئة من هيآتها سر يشير الى حقيقة التعرض لها ومن شرائط الصلاة الوضوء ففى كل ادب وسنة وفرض منه سر يشير الى طهارة يستعد بها لاقامة الصلاة ففى غسل اليدين اشارة الى تطهير نفسك عن تلوث المعاصي وتطهير قلبك عن تلطخ الصفات الذميمة الحيوانية والسبعية والشيطانية كما قال تعالى لحبيبه ﵇ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ جاء في التفسير اى قلبك فطهر وغسل الوجه اشارة الى طهارة وجه همتك من دنس ظلمة حب الدنيا فانه رأس كل خطيئة ومن شرائط الصلاة استقبال القبلة وفيه اشارة الى الاعراض عما سوى طلب الحق والتوجه الى حضرة الربوبية لطلب القربة والمناجاة ورفع اليدين اشارة الى رفع يد الهمة عن الدنيا والآخرة والتكبير

стр. 36

تعظيم الحق بانه أعظم من كل شىء في قلب العبد طلبا ومحبة وعظما وعزة ومقارنة النية مع التكبير اشارة الى ان صدق النية في الطلب ينبغى ان يكون مقرونا بتكبير الحق وتعظيمه فى الطلب عن غيره فلا تطلب منه الا هو فان من طلب غيره فقد كبر وعظم ذلك المطلوب لا الله تعالى فلا تجوز صلاته حقيقة كما لا تجوز صلاته صورة الا بتكبير الله فان قال الدنيا اكبر او العقبى اكبر لا يجوز حتى يقول الله اكبر فكذلك في الحقيقة وفي وضع اليمنى على اليسرى ووضعهما على الصدر اشارة الى اقامة رسم العبودية بين يدى مالكه وحفظ القلب عن محبة ما سواه وفي افتتاح القراءة بوجهت اشارة الى توجهه للحق خالصا عن شرك طلبه غير الحق وفي وجوب الفاتحة وقراءتها وعدم جواز الصلاة بدونها اشارة الى حقيقة تعرض العبد في الطلب لنفحات الطاف الربوبية بالحمد والثناء والشكر لرب العالمين وطلب الهداية وهي الجذبات الالهية التي توازى كل جذبة منها عمل الثقلين وتقرب العبد بنصف الصلاة المقسومة بين العبد والرب نصفين والقيام والركوع والسجود اشارة الى رجوعه الى عالم الأرواح ومسكن الغيب كما جاء منه فاول تعلقه بهذا العالم كان بالنباتية ثم بالحيوانية ثم بالانسانية فالقيام من خصائص الإنسان والركوع من خصائص الحيوان والسجود من خصائص النبات كما قال تعالى وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ فللعبد في كل مرتبة من هذه المراتب ربح وخسران والحكمة في تعلق الروح العلوي النورانى بالجسد السفلى الظلماني كان هذا الربح لقوله تعالى على لسان نبيه ﵇ (خلقت الخلق ليربحوا على لا لأربح عليهم) ليربح الروح في كل مرتبة من مراتب السفليات فائدة لم توجد في مراتب العلويات وان كان قد ابتلى اولا ببلاء الخسران كما قال تعالى وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا الآية فبنور الايمان والعمل الصالح يتخلص العبد من بلاء خسران المراتب السفلية ويفوز بربحها فبالقيام في الصلاة بالتذلل وتواضع العبودية يتخلص من خسران التكبر والتجبر الذي من خاصته ان يتكامل في الإنسان ويظهر منه انا ربكم الأعلى ويفوز بربح علو الهمة الانسانية التي إذا كملت في الإنسان لا يلتفت الى الكون في طلب المكون كما كان حال النبي ﵇ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى فاذا تخلص من التكبر الإنساني يرجع من القيام الإنساني الى الركوع الحيواني بالانكسار والخضوع فبالركوع يتخلص من خسران الصفة الحيوانية ويفوز بربح تحمل الأذى والحلم ثم يرجع من الركوع الحيواني الى السجود النباتي فبالسجود يتخلص من خسران الذلة النباتية والدناءة السفلية ويفوز بربح الخشوع الذي يتضمن الفلاح الابدى والفوز العظيم السرمدي كما قال تعالى قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ فالخشوع أكمل آلات العروج في العبودية وقد حصل في تعلقه بالجسد النيرانى وليس لاحد من العالمين هذا الخشوع وبهذا السر أبت الملائكة وغيرهم ان يحملن الامانة فاشفقن منها لان الإباء ضد الخشوع وحملها الإنسان باستعداد الخشوع وكمل خشوعه بالسجود إذ هو غاية التذلل في صورة الإنسان وهيئة الصلاة ونهاية قطع تعلق الروح من العالم السفلى وعروجه الى العالم الروحاني العلوي برجوعه من مراتب الانسانية

стр. 37

والحيوانية والنباتية وكمال التعرض لنفحات ألطاف الحق وبذل المجهود وانفاق الموجود من انانية الوجود الذي هو من شرط المصلين كقوله تعالى وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ الرزق في اللغة العطاء وفي العرف ما ينتفع به الحيوان وهو تناول الحلال والحرام عند اهل السنة والقرينة تخصصه هاهنا بالحلال لان المقام مقام المدح وتقديم المفعول للاهتمام به والمحافظة على رؤس الآي وإدخال من التبعيضية عليه للكف عن الإسراف المنهي عنه وصيغة الجمع في رزقنا مع انه تعالى واحد لا شريك له لانه خطاب الملوك والله تعالى مالك الملك وملك الملوك والمعهود من كلام الملوك اربعة أوجه الاخبار على لفظ الواحد نحو فعلت كذا وعلى لفظ الجمع فعلنا كذا وعلى ما لم يسم فاعله رسم لكم كذا واضافة الفعل الى اسمه على وجه المغايبة أمركم سلطانكم بكذا والقرآن نزل بلغة العرب فجمع الله فيه هذه الوجوه كلها فيما اخبر به عن نفسه فقال تعالى ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً على صيغة الواحد وقال تعالى إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ على صيغة الجمع وقال فيما لم يسم فاعله كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ وأمثاله وقال في المغايبة اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وأمثاله كذا في التيسير ويقول الفقير جامع هذه اللطائف سمعت من شيخى العلامة أبقاه الله بالسلامة ان الافراد بالنظر الى الذات والجمع بالنظر الى الأسماء والصفات ولا ينافى كثرة الأسماء والصفات وحدة الذات إذ كل منها راجع إليها والانفاق والانفاد اخوان خلا ان في الثاني معنى الاذهاب بالكلية دون الاول والمراد بهذا الانفاق الصرف الى سبيل الخير فرضا كان او نفلا ومن فسره بالزكاة ذكر أفضل أنواعه والأصل فيه او خصصه بها لاقترانه بما هي شقيقتها وأختها وهي الصلاة وقد جوز ان يراد به الانفاق من جميع المعادن التي منحهم الله إياها من النعم الظاهرة والباطنة ويؤيده قوله ﷺ (ان علما لا ينال به ككنز لا ينفق منه) واليه ذهب من قال في تفسير الآية ومما خصصناهم من أنوار المعرفة يفيضون والأظهر ان يقال المراد من النفقة هي الزكاة وزكاة كل شىء من جنسه كما روى عن انس بن مالك (زكاة الدار ان يتخذ فيها بيت للضيافة) كما في الرسالة القشيرية قالوا انفاق اهل الشريعة من حيث الأموال وانفاق ارباب الحقيقة من حيث الأحوال: قال المولى جلال الدين قدس سره آن درم دادن سخى را لايق است ... جان سپردن خود سخاى عاشق است وانفاق الأغنياء من أموالهم لا يدخرونها عن اهل الحاجة وانفاق العابدين من نفوسهم لا يدخرونها عن وظائف الخدمة وانفاق العارفين من قلوبهم لا يدخرونها عن حقائق المراقبة وانفاق المحبين من أرواحهم لا يدخرونها عن مجارى الاقضية والأقصر ان يقال انفاق الأغنياء إخراج المال من الجيب وانفاق الفقراء إخراج الأغيار من القلب ثم ذكر في الآية الايمان وهو بالقلب ثم الصلاة وهي بالبدن ثم الانفاق وهو بالمال وهو مجموع كل العبادات ففى الايمان النجاة وفي الصلاة المناجاة وفي الانفاق الدرجات وفي الايمان البشارة وفي الصلاة الكفارة وفي الانفاق الطهارة وفي الايمان العزة وفي الصلاة القربة وفي الانفاق الزيادة وقيل ذكر في هذه الآية اربعة أشياء التقوى والايمان بالغيب واقامة الصلاة والانفاق وهى

стр. 38

صفة الخلفاء الراشدين الاربعة ففى الآية بيان فضلهم التقوى لابى بكر الصديق رضى الله تعالى عنه قال الله تعالى فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى والايمان بالغيب لعمر الفاروق رضى الله عنه قال الله تعالى حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ واقامة الصلاة لعثمان ذى النورين رضى الله تعالى عنه قال الله تعالى أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً الآية والانفاق لعلى المرتضى رضى الله تعالى عنه قال الله تعالى الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ الآية وعند القوم اى الصوفية السخاء هو الرتبة الاولى ثم الجود بعده ثم الإيثار فمن اعطى البعض وأبقى البعض فهو صاحب سخاء ومن بذل الأكثر وأبقى لنفسه شيأ فهو صاحب جود والذي قاسى الضرورة وآثر غيره بالبلغة فهو صاحب إيثار وبالجملة فى الانفاق فضائل كثيرة وروى عن ابى عبد الله الحارث الرازي انه قال اوحى الله الى بعض أنبيائه (انى قضيت عمر فلان نصفه بالفقر ونصفه بالغنى فخيره حتى اقدم له أيهما شاء) فدعا نبى الله ﵇ الرجل وأخبره فقال حتى أشاور زوجتى فقالت زوجته اختر الغنى حتى يكون هو الاول فقال لها ان الفقر بعد الغنى صعب شديد والغنى بعد الفقر طيب لذيذ فقالت لا بل أطعني في هذا فرجع الى النبي ﵇ فقال اختار نصف عمرى الذي قضى لى فيه بالغنى ان يقدم فوسع الله عليه الدنيا وفتح عليه باب الغنى فقالت له امرأته ان أردت ان تبقى هذه النعمة فاستعمل السخاء مع خلق ربك فكان إذا اتخذ لنفسه ثوبا اتخذ لفقير ثوبا مثله فلما تم نصف عمره الذي قضى له فيه بالغنى اوحى الله تعالى الى نبى ذلك الزمان (انى كنت قضيت نصف عمره بالفقر ونصفه بالغنى لكنى وجدته شاكرا لنعمائى والشكر يستوجب المزيد فبشره انى قضيت باقى عمره بالغنى) : قال المولى جلال الدين قدس سره هر كه كارد كردد انبارش تهى ... ليكش اندر مزرعه باشد بهى وانكه در أنبار ماند وصرفه كرد ... اسپش وموش حوادثهاش خورد قال الحافظ احوال كنج قارون كايام داد بر باد ... با غنچهـ باز كوييد تا زر نهان ندارد وفي التأويلات النجمية وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ اى من أوصاف الوجود يبذلون بحق النصف المقسوم من الصلاة بين العبد والرب فاذا بلغ السيل زباه والتعرض منتهاه أدركته العناية الازلية بنفحات ألطافه وهداه الى درجات قرباته فكما كان جذبة الحق للنبى ﵇ فى صورة خطاب (ادن) فجذبة الحق للمؤمن تكون في صورة خطاب وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ففى التشهد بعد السجود اشارة الى الخلاص من حجب الانانية والوصول الى شهود جمال الحق بجذبات الربانية ثم بالتحيات يراقب رسوم العباد في الرجوع الى حضرة الملوك بمراسم تحفة الثناء والتحنن الى اللقاء وفي التسليم عن اليمين وعن الشمال اشارة الى السلام على الدارين وعلى كل داع جاهل يدعوه عن اليمين الى نعيم الجنابة او عن الشمال الى اللذات والشهوات وهو فى مقامات الإجابات والمناجاة ودرجات القربات مستغرق في بحر الكرامات مقيد بقيد الجذبات كما قال تعالى وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً فاهل الصورة بالسلام يخرجون من اقامة

стр. 39

الصلاة واهل الحقيقة بالسلام يدخلون في ادامة الصلاة كقوله الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ فقوم يقيمون الصلاة والصلاة تحفظهم كما قال تعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ فهم الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ بما لهم في الغيب معد بقوله (اعددت لعبادى الصالحين مالا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) فعلموا ان ما هو المعد لهم لا تدركه الابصار ولا الآذان ولا القلوب التي رزقهم الله وليس بينهم وبين ما هو المعد لهم حجاب الا وجودهم فاشتاقوا الى نار تحرق عليهم حجاب وجودهم فآنسوا من جانب طور صلاتهم نارا لان صلاتهم بمثابة الطور لهم للمناجاة فلما أتاها نودى ان بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين فجعلوا ما رزقهم الله من أوصاف الوجود حطب نار الصلاة ينفقونه عليها ويقيمون الصلاة حتى نودوا انكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ومن لم يكن له نار تحرق في نار جهنم الصلاة حطب وجوده ووجود كل من يعبد من دون الله فلا بدله من الحرقة بنار جهنم الآخرة فالفرق بين النارين ان نار الصلاة تحرق لب وجودهم الذي هم به محجوبون عن الله تعالى ويبقى جلد وجودهم وهو الصورة والحجاب من لب الوجود لا من جلده وهذا سر عظيم لا يطلع عليه الا أولوا الألباب المحترقة ونار جهنم تحرق جلودهم ويبقى لب وجودهم لا جرم لا ترفع الحجب عنهم كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون لان اللب باق والجلد وان احترق بقي اللب كما قال تعالى كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها فمن أنفق لب الوجود وما تبدى منه له الوجود من المال والجاه في سبيل نار الصلاة والقربة الى الله فينفق الله عليه وجود نار الصلاة كما قال لحبيبه ﵇ (أنفق عليك) فبقى بنار الصلاة بلا انانية الوجود فتكون صلاته دائمة بنور نار الصلاة يؤمن بما انزل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ نزلت في مؤمنى اهل الكتاب وما قبله الى قوله تعالى وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ نزلت في مؤمنى العرب بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ هو القرآن باسره والشريعة عن آخرها والتعبير عن انزاله بالماضي مع كون بعضه مترقبا حينئذ لتغليب المحقق على المقدر او لتنزيل ما في شرف الوقوع لتحققه منزلة الواقع كما في قوله تعالى إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مع ان الجن ما كانوا سمعوا الكتاب جميعا ولا كان الجمع إذ ذاك نازلا وفي الكواشي لان القرآن شىء واحد في الحكم ولان المؤمن ببعضه مؤمن بكله انتهى ثم معنى ما انزل إليك هو القرآن الذي يتلى والوحى الذي لا يتلى فالمتلو هو هذه الصور والآيات وغير المتلو ما بين النبي ﵇ من اعداد الركعات ونصب الزكوات وحدود الجنايات قال تعالى وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى والانزال في هذا لآية بمعنى الوحى ويكون بمعنى الاعلاء وهو النقل من الأسفل الى الأعلى وان حمل على الانزال الذي هو من العلو الى السفل فمعناه إنزال جبريل لتبليغه كما قال تعالى نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ يعنى ان الانزال نقل الشيء من أعلى الى أسفل وهو انما يلحق المعاني بتوسط لحقوقه الذوات الحاملة لها فنزول ما عدا الصحف من الكتب الإلهية الى الرسل ﵈ والله اعلم بان يتلقاها الملك من جنابه تلقيا روحانيا او يحفظها من اللوح

стр. 40

المحفوظ فينزل بها الى الرسل فيلقيها عليهم وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ التوراة والإنجيل وسائر الكتب السالفة والايمان بالكل جملة فرض عين وبالقرآن تفصيلا من حيث انا متعبدون بتفاصيله فرض كفاية فان في وجوبه على الكل عينا حرجا بينا واخلالا بامر المعاش قال في التيسير الايمان بكل الكتب مع تنافى أحكامها على وجهين أحدهما التصديق ان كلها من عند الله والثاني الايمان بما لم ينسخ من أحكامها وَبِالْآخِرَةِ تأنيث الآخر الذي يقابل الاول وهو في المعدودات اسم للفرد اللاحق وهي صفة الدار بدليل قوله تعالى تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ وهي من الصفات الغالبة وكذا الدنيا والآخرة بفتح الخاء الذي يلى الاول وسميت الدنيا دنيا لدنوها من الآخرة وسميت الآخرة آخرة لتأخرها وكونها بعد الدنيا هُمْ يُوقِنُونَ الإيقان إتقان العلم بالشيء بنفي الشك والشبهة عنه نظرا واستدلالا ولذلك لا يسمى علمه تعالى يقينا وكذا العلوم الضرورية اى يعلمون علما قطعيا مزيحا لما كان اهل الكتاب عليه من الشكوك والأوهام التي من جملتها زعمهم ان الجنة لا يدخلها الا من كان هودا او نصارى وان النار لم تمسهم الا أياما معدودات واختلافهم فى ان نعيم الجنة هل هو من قبيل نعيم الدنيا او لا وهل هو دائم او لا فقال فرقة منهم يجرى حالهم في التلذذ بالمطاعم والمشارب والمناكح على حسب مجراها في الدنيا وقال آخرون ان ذلك انما احتيج اليه في هذه الدار من أجل نماء الأجسام ولمكان التوالد والتناسل واهل الجنة مستغنون عنه فلا يتلذذون الا بالنسيم والأرواح العبقة والسماع اللذيذ والفرح والسرور وبناء يوقنون على الضمير تعريض بمن عداهم من اهل الكتاب وبما كانوا عليه من اثبات امر الآخرة على خلاف حقيقته فان اعتقادهم في امور الآخرة بمعزل من الصحة فضلا عن الوصول الى مرتبة اليقين فدل التقديم على التخصيص بان ايقان من آمن بما انزل إليك وما انزل من قبلك مقصور على الآخرة الحقيقية لا يتجاوز الى ما أثبته الكفار بالإقرار من اهل الكتاب قال ابو الليث ﵀ في تفسيره اليقين على ثلاثة أوجه يقين عيان ويقين خبر ويقين دلالة فاما يقين العيان فهو انه إذا رأى شيأ زال الشك عنه في ذلك الشيء واما يقين الدلالة فهوان يرى الرجل دخانا ارتفع من موضع يعلم باليقين ان هناك نارا وان لم يرها واما يقين الخبر فهو ان الرجل يعلم باليقين ان في الدنيا مدينة يقال لها بغداد وان لم ينته إليها فههنا يقين خبر ويقين دلالة لان الآخرة حق ولان الخبر يصير معاينة عند الرؤية انتهى كلامه ويقال علم اليقين ظاهر الشريعة وعين اليقين الإخلاص فيها وحق اليقين المشاهدة فيها والعلم اليقين هو العلم الحاصل بالإدراك الباطني بالفكر الصائب والاستدلال وهذا للعلماء الذين يوقنون بالغيب ولا تزيد هذه المرتبة العلمية الا بمناسبة الأرواح القدسية فاذا يكون العلم عينا ولا مرتبة للعين الا اليقين الحاصل من مشاهدة المعلوم ولا تزيد هذه المرتبة الا بزوال حجاب الاثنينية فاذا يكون العين حقا وزيادة هذه المرتبة اى حق اليقين عدم ورود الحجاب بعده وعينه للاولياء وحقه للانبياء وهذه الدرجات والمراتب لا تحصل الا بالمجاهدة مثل دوام الوضوء وقلة الاكل والذكر او السكوت بالفكر في ملكوت السموات والأرض
следующие страницы →