تعظيم الحق بانه أعظم من كل شىء في قلب العبد طلبا ومحبة وعظما وعزة ومقارنة النية مع التكبير اشارة الى ان صدق النية في الطلب ينبغى ان يكون مقرونا بتكبير الحق وتعظيمه فى الطلب عن غيره فلا تطلب منه الا هو فان من طلب غيره فقد كبر وعظم ذلك المطلوب لا الله تعالى فلا تجوز صلاته حقيقة كما لا تجوز صلاته صورة الا بتكبير الله فان قال الدنيا اكبر او العقبى اكبر لا يجوز حتى يقول الله اكبر فكذلك في الحقيقة وفي وضع اليمنى على اليسرى ووضعهما على الصدر اشارة الى اقامة رسم العبودية بين يدى مالكه وحفظ القلب عن محبة ما سواه وفي افتتاح القراءة بوجهت اشارة الى توجهه للحق خالصا عن شرك طلبه غير الحق وفي وجوب الفاتحة وقراءتها وعدم جواز الصلاة بدونها اشارة الى حقيقة تعرض العبد في الطلب لنفحات الطاف الربوبية بالحمد والثناء والشكر لرب العالمين وطلب الهداية وهي الجذبات الالهية التي توازى كل جذبة منها عمل الثقلين وتقرب العبد بنصف الصلاة المقسومة بين العبد والرب نصفين والقيام والركوع والسجود اشارة الى رجوعه الى عالم الأرواح ومسكن الغيب كما جاء منه فاول تعلقه بهذا العالم كان بالنباتية ثم بالحيوانية ثم بالانسانية فالقيام من خصائص الإنسان والركوع من خصائص الحيوان والسجود من خصائص النبات كما قال تعالى وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ فللعبد في كل مرتبة من هذه المراتب ربح وخسران والحكمة في تعلق الروح العلوي النورانى بالجسد السفلى الظلماني كان هذا الربح لقوله تعالى على لسان نبيه ﵇ (خلقت الخلق ليربحوا على لا لأربح عليهم) ليربح الروح في كل مرتبة من مراتب السفليات فائدة لم توجد في مراتب العلويات وان كان قد ابتلى اولا ببلاء الخسران كما قال تعالى وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا الآية فبنور الايمان والعمل الصالح يتخلص العبد من بلاء خسران المراتب السفلية ويفوز بربحها فبالقيام في الصلاة بالتذلل وتواضع العبودية يتخلص من خسران التكبر والتجبر الذي من خاصته ان يتكامل في الإنسان ويظهر منه انا ربكم الأعلى ويفوز بربح علو الهمة الانسانية التي إذا كملت في الإنسان لا يلتفت الى الكون في طلب المكون كما كان حال النبي ﵇ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى فاذا تخلص من التكبر الإنساني يرجع من القيام الإنساني الى الركوع الحيواني بالانكسار والخضوع فبالركوع يتخلص من خسران الصفة الحيوانية ويفوز بربح تحمل الأذى والحلم ثم يرجع من الركوع الحيواني الى السجود النباتي فبالسجود يتخلص من خسران الذلة النباتية والدناءة السفلية ويفوز بربح الخشوع الذي يتضمن الفلاح الابدى والفوز العظيم السرمدي كما قال تعالى قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ فالخشوع أكمل آلات العروج في العبودية وقد حصل في تعلقه بالجسد النيرانى وليس لاحد من العالمين هذا الخشوع
وبهذا السر أبت الملائكة وغيرهم ان يحملن الامانة فاشفقن منها لان الإباء ضد الخشوع وحملها الإنسان باستعداد الخشوع وكمل خشوعه بالسجود إذ هو غاية التذلل في صورة الإنسان وهيئة الصلاة ونهاية قطع تعلق الروح من العالم السفلى وعروجه الى العالم الروحاني العلوي برجوعه من مراتب الانسانية
стр. 37
والحيوانية والنباتية وكمال التعرض لنفحات ألطاف الحق وبذل المجهود وانفاق الموجود من انانية الوجود الذي هو من شرط المصلين كقوله تعالى وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ الرزق في اللغة العطاء وفي العرف ما ينتفع به الحيوان وهو تناول الحلال والحرام عند اهل السنة والقرينة تخصصه هاهنا بالحلال لان المقام مقام المدح وتقديم المفعول للاهتمام به والمحافظة على رؤس الآي وإدخال من التبعيضية عليه للكف عن الإسراف المنهي عنه وصيغة الجمع في رزقنا مع انه تعالى واحد لا شريك له لانه خطاب الملوك والله تعالى مالك الملك وملك الملوك والمعهود من كلام الملوك اربعة أوجه الاخبار على لفظ الواحد نحو فعلت كذا وعلى لفظ الجمع فعلنا كذا وعلى ما لم يسم فاعله رسم لكم كذا واضافة الفعل الى اسمه على وجه المغايبة أمركم سلطانكم بكذا والقرآن نزل بلغة العرب فجمع الله فيه هذه الوجوه كلها فيما اخبر به عن نفسه فقال تعالى ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً على صيغة الواحد وقال تعالى إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ على صيغة الجمع وقال فيما لم يسم فاعله كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ وأمثاله وقال في المغايبة اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وأمثاله كذا في التيسير ويقول الفقير جامع هذه اللطائف سمعت من شيخى العلامة أبقاه الله بالسلامة ان الافراد بالنظر الى الذات والجمع بالنظر الى الأسماء والصفات ولا ينافى كثرة الأسماء والصفات وحدة الذات إذ كل منها راجع إليها والانفاق والانفاد اخوان خلا ان في الثاني معنى الاذهاب بالكلية دون الاول والمراد بهذا الانفاق الصرف الى سبيل الخير فرضا كان او نفلا ومن فسره بالزكاة ذكر أفضل أنواعه والأصل فيه او خصصه بها لاقترانه بما هي شقيقتها وأختها وهي الصلاة وقد جوز ان يراد به الانفاق من جميع المعادن التي منحهم الله إياها من النعم الظاهرة والباطنة ويؤيده قوله ﷺ (ان علما لا ينال به ككنز لا ينفق منه) واليه ذهب من قال في تفسير الآية ومما خصصناهم من أنوار المعرفة يفيضون والأظهر ان يقال المراد من النفقة هي الزكاة وزكاة كل شىء من جنسه كما روى عن انس بن مالك (زكاة الدار ان يتخذ فيها بيت للضيافة) كما في الرسالة القشيرية قالوا انفاق اهل الشريعة من حيث الأموال وانفاق ارباب الحقيقة من حيث الأحوال: قال المولى جلال الدين قدس سره
آن درم دادن سخى را لايق است ... جان سپردن خود سخاى عاشق است
وانفاق الأغنياء من أموالهم لا يدخرونها عن اهل الحاجة وانفاق العابدين من نفوسهم لا يدخرونها عن وظائف الخدمة وانفاق العارفين من قلوبهم لا يدخرونها عن حقائق المراقبة وانفاق المحبين من أرواحهم لا يدخرونها عن مجارى الاقضية والأقصر ان يقال انفاق الأغنياء إخراج المال من الجيب وانفاق الفقراء إخراج الأغيار من القلب ثم ذكر في الآية الايمان وهو بالقلب ثم الصلاة وهي بالبدن ثم الانفاق وهو بالمال وهو مجموع كل العبادات ففى الايمان النجاة وفي الصلاة المناجاة وفي الانفاق الدرجات وفي الايمان البشارة وفي الصلاة الكفارة وفي الانفاق الطهارة وفي الايمان العزة وفي الصلاة القربة وفي الانفاق الزيادة وقيل ذكر في هذه الآية اربعة أشياء التقوى والايمان بالغيب واقامة الصلاة والانفاق وهى
стр. 38
صفة الخلفاء الراشدين الاربعة ففى الآية بيان فضلهم التقوى لابى بكر الصديق رضى الله تعالى عنه قال الله تعالى فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى والايمان بالغيب لعمر الفاروق رضى الله عنه قال الله تعالى حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ واقامة الصلاة لعثمان ذى النورين رضى الله تعالى عنه قال الله تعالى أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً الآية والانفاق لعلى المرتضى رضى الله تعالى عنه قال الله تعالى الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ الآية وعند القوم اى الصوفية السخاء هو الرتبة الاولى ثم الجود بعده ثم الإيثار فمن اعطى البعض وأبقى البعض فهو
صاحب سخاء ومن بذل الأكثر وأبقى لنفسه شيأ فهو صاحب جود والذي قاسى الضرورة وآثر غيره بالبلغة فهو صاحب إيثار وبالجملة فى الانفاق فضائل كثيرة وروى عن ابى عبد الله الحارث الرازي انه قال اوحى الله الى بعض أنبيائه (انى قضيت عمر فلان نصفه بالفقر ونصفه بالغنى فخيره حتى اقدم له أيهما شاء) فدعا نبى الله ﵇ الرجل وأخبره فقال حتى أشاور زوجتى فقالت زوجته اختر الغنى حتى يكون هو الاول فقال لها ان الفقر بعد الغنى صعب شديد والغنى بعد الفقر طيب لذيذ فقالت لا بل أطعني في هذا فرجع الى النبي ﵇ فقال اختار نصف عمرى الذي قضى لى فيه بالغنى ان يقدم فوسع الله عليه الدنيا وفتح عليه باب الغنى فقالت له امرأته ان أردت ان تبقى هذه النعمة فاستعمل السخاء مع خلق ربك فكان إذا اتخذ لنفسه ثوبا اتخذ لفقير ثوبا مثله فلما تم نصف عمره الذي قضى له فيه بالغنى اوحى الله تعالى الى نبى ذلك الزمان (انى كنت قضيت نصف عمره بالفقر ونصفه بالغنى لكنى وجدته شاكرا لنعمائى والشكر يستوجب المزيد فبشره انى قضيت باقى عمره بالغنى) : قال المولى جلال الدين قدس سره
هر كه كارد كردد انبارش تهى ... ليكش اندر مزرعه باشد بهى
وانكه در أنبار ماند وصرفه كرد ... اسپش وموش حوادثهاش خورد
قال الحافظ
احوال كنج قارون كايام داد بر باد ... با غنچهـ باز كوييد تا زر نهان ندارد
وفي التأويلات النجمية وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ اى من أوصاف الوجود يبذلون بحق النصف المقسوم من الصلاة بين العبد والرب فاذا بلغ السيل زباه والتعرض منتهاه أدركته العناية الازلية بنفحات ألطافه وهداه الى درجات قرباته فكما كان جذبة الحق للنبى ﵇ فى صورة خطاب (ادن) فجذبة الحق للمؤمن تكون في صورة خطاب وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ففى التشهد بعد السجود اشارة الى الخلاص من حجب الانانية والوصول الى شهود جمال الحق بجذبات الربانية ثم بالتحيات يراقب رسوم العباد في الرجوع الى حضرة الملوك بمراسم تحفة الثناء والتحنن الى اللقاء وفي التسليم عن اليمين وعن الشمال اشارة الى السلام على الدارين وعلى كل داع جاهل يدعوه عن اليمين الى نعيم الجنابة او عن الشمال الى اللذات والشهوات وهو فى مقامات الإجابات والمناجاة ودرجات القربات مستغرق في بحر الكرامات مقيد بقيد الجذبات كما قال تعالى وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً فاهل الصورة بالسلام يخرجون من اقامة
стр. 39
الصلاة واهل الحقيقة بالسلام يدخلون في ادامة الصلاة كقوله الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ فقوم يقيمون الصلاة والصلاة تحفظهم كما قال تعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ فهم الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ بما لهم في الغيب معد بقوله (اعددت لعبادى الصالحين مالا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) فعلموا ان ما هو المعد لهم لا تدركه الابصار ولا الآذان ولا القلوب التي رزقهم الله وليس بينهم وبين ما هو المعد لهم حجاب الا وجودهم فاشتاقوا الى نار تحرق عليهم حجاب وجودهم فآنسوا من جانب طور صلاتهم نارا لان صلاتهم بمثابة الطور لهم للمناجاة فلما أتاها نودى ان بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين فجعلوا ما رزقهم الله من أوصاف الوجود حطب نار الصلاة ينفقونه عليها ويقيمون الصلاة حتى نودوا انكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ومن لم يكن له نار تحرق في نار جهنم الصلاة حطب وجوده ووجود كل من يعبد من دون الله فلا بدله من الحرقة بنار جهنم الآخرة فالفرق بين النارين ان نار الصلاة تحرق لب وجودهم الذي هم به محجوبون عن الله تعالى ويبقى جلد وجودهم وهو الصورة والحجاب من لب الوجود لا من جلده وهذا سر عظيم لا يطلع عليه الا أولوا الألباب المحترقة ونار جهنم تحرق جلودهم ويبقى لب وجودهم لا جرم لا ترفع الحجب عنهم كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون لان اللب باق والجلد وان احترق بقي اللب كما قال تعالى كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها فمن أنفق لب الوجود وما تبدى منه له الوجود من المال والجاه في سبيل نار الصلاة والقربة الى الله فينفق الله عليه وجود نار الصلاة كما قال لحبيبه ﵇ (أنفق عليك) فبقى بنار الصلاة بلا انانية الوجود فتكون صلاته دائمة بنور نار الصلاة يؤمن بما انزل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ نزلت في مؤمنى اهل الكتاب وما قبله الى قوله تعالى وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ نزلت في مؤمنى العرب بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ هو القرآن باسره والشريعة عن آخرها والتعبير عن انزاله بالماضي مع كون بعضه مترقبا حينئذ لتغليب المحقق على المقدر او لتنزيل ما في شرف الوقوع لتحققه منزلة الواقع كما في قوله تعالى إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مع ان الجن ما كانوا سمعوا الكتاب جميعا ولا كان الجمع إذ ذاك نازلا وفي الكواشي لان القرآن شىء واحد في الحكم ولان المؤمن ببعضه مؤمن بكله انتهى ثم معنى ما انزل إليك هو القرآن الذي يتلى والوحى الذي لا يتلى فالمتلو هو هذه الصور والآيات وغير المتلو ما بين النبي ﵇ من اعداد الركعات ونصب الزكوات وحدود الجنايات قال تعالى وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى والانزال في هذا لآية بمعنى الوحى ويكون بمعنى الاعلاء وهو النقل من الأسفل الى الأعلى وان حمل على الانزال الذي هو من العلو الى السفل فمعناه إنزال جبريل لتبليغه كما قال تعالى نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ يعنى ان الانزال نقل الشيء من أعلى الى أسفل وهو انما يلحق المعاني بتوسط لحقوقه الذوات الحاملة لها فنزول ما عدا الصحف من الكتب الإلهية الى الرسل ﵈ والله اعلم بان يتلقاها الملك من جنابه تلقيا روحانيا او يحفظها من اللوح
стр. 40
المحفوظ فينزل بها الى الرسل فيلقيها عليهم وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ التوراة والإنجيل وسائر الكتب السالفة والايمان بالكل جملة فرض عين وبالقرآن تفصيلا من حيث انا متعبدون بتفاصيله فرض كفاية فان في وجوبه على الكل عينا حرجا بينا واخلالا بامر المعاش قال في التيسير الايمان بكل الكتب مع تنافى أحكامها على وجهين أحدهما التصديق ان كلها من عند الله والثاني الايمان بما لم ينسخ من أحكامها وَبِالْآخِرَةِ تأنيث الآخر الذي يقابل الاول وهو في المعدودات اسم للفرد اللاحق وهي صفة الدار بدليل قوله تعالى تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ وهي من الصفات الغالبة وكذا الدنيا والآخرة بفتح الخاء الذي يلى الاول وسميت الدنيا دنيا لدنوها من الآخرة وسميت الآخرة آخرة لتأخرها وكونها بعد الدنيا هُمْ يُوقِنُونَ الإيقان إتقان العلم بالشيء بنفي الشك والشبهة عنه نظرا واستدلالا
ولذلك لا يسمى علمه تعالى يقينا وكذا العلوم الضرورية اى يعلمون علما قطعيا مزيحا لما كان اهل الكتاب عليه من الشكوك والأوهام التي من جملتها زعمهم ان الجنة لا يدخلها الا من كان هودا او نصارى وان النار لم تمسهم الا أياما معدودات واختلافهم فى ان نعيم الجنة هل هو من قبيل نعيم الدنيا او لا وهل هو دائم او لا فقال فرقة منهم يجرى حالهم في التلذذ بالمطاعم والمشارب والمناكح على حسب مجراها في الدنيا وقال آخرون ان ذلك انما احتيج اليه في هذه الدار من أجل نماء الأجسام ولمكان التوالد والتناسل واهل الجنة مستغنون عنه فلا يتلذذون الا بالنسيم والأرواح العبقة والسماع اللذيذ والفرح والسرور وبناء يوقنون على الضمير تعريض بمن عداهم من اهل الكتاب وبما كانوا عليه من اثبات امر الآخرة على خلاف حقيقته فان اعتقادهم في امور الآخرة بمعزل من الصحة فضلا عن الوصول الى مرتبة اليقين فدل التقديم على التخصيص بان ايقان من آمن بما انزل إليك وما انزل من قبلك مقصور على الآخرة الحقيقية لا يتجاوز الى ما أثبته الكفار بالإقرار من اهل الكتاب قال ابو الليث ﵀ في تفسيره اليقين على ثلاثة أوجه يقين عيان ويقين خبر ويقين دلالة فاما يقين العيان فهو انه إذا رأى شيأ زال الشك عنه في ذلك الشيء واما يقين الدلالة فهوان يرى الرجل دخانا ارتفع من موضع يعلم باليقين ان هناك نارا وان لم يرها واما يقين الخبر فهو ان الرجل يعلم باليقين ان في الدنيا مدينة يقال لها بغداد وان لم ينته إليها فههنا يقين خبر ويقين دلالة لان الآخرة حق ولان الخبر يصير معاينة عند الرؤية انتهى كلامه ويقال علم اليقين ظاهر الشريعة وعين اليقين الإخلاص فيها وحق اليقين المشاهدة فيها والعلم اليقين هو العلم الحاصل بالإدراك الباطني بالفكر الصائب والاستدلال وهذا للعلماء الذين يوقنون بالغيب ولا تزيد هذه المرتبة العلمية الا بمناسبة الأرواح القدسية فاذا يكون العلم عينا ولا مرتبة للعين الا اليقين الحاصل من مشاهدة المعلوم ولا تزيد هذه المرتبة الا بزوال حجاب الاثنينية فاذا يكون العين حقا وزيادة هذه المرتبة اى حق اليقين عدم ورود الحجاب بعده وعينه للاولياء وحقه للانبياء وهذه الدرجات والمراتب لا تحصل الا بالمجاهدة مثل دوام الوضوء وقلة الاكل والذكر او السكوت بالفكر في ملكوت السموات والأرض
стр. 41
وبأداء السنن والفرائض وترك ما سوى الحق والغرض وتقليل المنام والعرض وأكل الحلال وصدق المقال والمراقبة بقلبه الى الله تعالى فهذه مفاتيح المعاينة والمشاهدة كذا في شرح النصوص المسمى باسرار السرور بالوصول الى عين النور ثم ثمرة اليقين بالآخرة الاستعداد لها فقد قيل عشرة من المغرورين من أيقن ان الله خالقه ولا يعبده ومن أيقن ان الله رازقه ولا يطمئن به ومن أيقن ان الدنيا زائلة ويعتمد عليها ومن أيقن ان الورثة اعداؤه ويجمع لهم
تو با خود ببر توشه خويشتن ... كه شفقت نيايد ز فرزند وزن
ومن أيقن ان الموت آت فلا يستعد له ومن أيقن ان القبر منزله فلا يعمره ومن أيقن ان الديان يحاسبه فلا يصحح حجته ومن أيقن ان الصراط ممره فلا يخفف ثقله ومن أيقن ان النار دار الفجار فلا يهرب منها ومن أيقن ان الجنة دار الأبرار فلا يعمل لها كما في التيسير قال ذو النون المصري اليقين داع الى قصر الأمل وقصر الأمل يدعو الى الزهد والزهد يورث الحكمة والحكمة تورث النظر في العواقب قال ابو على الدقاق ﵀ في قول النبي ﵇ فى عيسى ابن مريم ﵉ (لو لم يزدد يقينا ما مشى في الهواء) أشار بهذا الحديث الى حال نفسه ﷺ ليلة المعراج لان في لطائف المعراج انه قال رأيت البراق قد بقي ومشيت وقال ابو تراب رأيت غلاما في البادية يمشى بلا زاد فقلت ان لم يكن معه يقين فقد هلك فقلت يا غلام أتمشي في مثل هذا الموضع بلا زاد فقال يا شيخ ارفع رأسك هل ترى غير الله تعالى فقلت الآن فاذهب حيث شئت قال ابراهيم الخواص طلبت المعاش لا كل الحلال فاصطدت السمك فيوما وقع فى الشبكة سمكة فاخرجتها وطرحت الشبكة فى الماء فوقعت اخرى فيها ثم عدت فهتف بي هاتف لم تجد معاشا الا ان تأتى الى من يذكر الله فتقتلهم فكسرت القصبة وتركت كذا في الرسالة القشيرية وذكر في التأويلات النجمية ان من تخلص من ذل الحجاب الوجودي يجد عزة الإيقان بالأمور الاخروية وكان مؤمنا بها من وراء الحجاب فصار موقنا بها بعد رفع الحجاب كما قال امير المؤمنين على كرم الله وجه لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا لان من كشف عنه غطاء الوجود لا يحجبه غطاء المحسوسات الدنيوية عن الأمور الاخروية فبكشف الحجب يتخلصون من مرتبة الايمان الى مرتبة الإيقان كما قال تعالى وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ولكن هذا خاص اى يوقنون بالآخرة دون ما انزل على الأنبياء من الكتب فانهم لا يتخلصون من مرتبة الايمان بالله وكتبه ابدا وهذا سر عظيم وما رأيت أحدا فرق بين هاتين المرتبتين وذلك لانه لا يمكن للانسان ان يشاهد الأمور الاخروية كلها بطريق الكشف في الدنيا واما بطريق المشاهدة في العقبى فيصير موقنا بها بعد ما كان مؤمنا كما قال تعالى فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ فاما ما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته فلا يمكن لاحد ان يشاهده بالكلية لانه منزه عن الكل والجزء فأرباب المشاهدة وان فازوا بشهادة شهود صفات جماله وجلاله عين اليقين بل حق اليقين ولكن لم يتخلصوا من مرتبة الايمان بما لم يشاهدوا بعد ولا يحيطون به علما الى أبد الآباد بل ولا يحيطون بشئ من علمه الا بما شاء أُولئِكَ الجملة فى محل الرفع ان جعل أحد الموصولين مفصولا
стр. 42
عن المتقين خبر له وكأنه لما قيل هدى للمتقين قيل ما بالهم خصوا بذلك أجيب بقوله الذين يؤمنون الى آخر الآيات والا فاستئناف لا محل لها فكانه نتيجة الاحكام السابقة والصفات المتقدمة وأولاء جمع لا واحد له من لفظه بنى على الكسر وكافه للخطاب كالكاف في ذلك اى المذكورون قبله وهم المتقون الموصوفون بالايمان بالغيب وسائر الأوصاف المذكورة بعده وفيه دلالة على انهم متميزون بذلك أكمل تميز منتظمون بسببه في سلك الأمور المشاهدة وما فيه من معنى البعد للاشعار بعلو درجتهم وبعد منزلتهم في الفضل وهو مبتدأ وقوله عَلى هُدىً خبره وما فيه من الإبهام المفهوم من التنكير لكمال تفخيمه كانه قيل على هدى أي هدى لا يبلغ كنهه ولا يقادر قدره كما تقول لو أبصرت فلانا لابصرت رجلا وإيراد كلمة الاستعلاء بناء على تمثيل حالهم في ملابستهم بالهدى
بحال من يقبل الشيء ويستولى عليه بحيث يتصرف فيه كيفما يريد وذلك انما يحصل باستفراغ الفكر وادامة النظر فيما نصب من الحجج والمواظبة على محاسبة النفس في العمل يعنى أكرمهم الله في الدنيا حيث هداهم وبين لهم طريق الفلاح قبل الموت مِنْ رَبِّهِمْ متعلق بمحذوف وقع صفة له مبينة لفخامته الاضافية اثر بيان فخامته الذاتية مؤكدة لها اى على هدى كائن من عنده تعالى وهو شامل لجميع انواع هدايته تعالى وفنون توفيقه والتعرض لعنوان الربوبية مع الاضافة الى ضمير هم لغاية تفخيم الموصوف والمضاف إليهم وتشريفهما ثم في هذه الآية ذكر الهدى للموصوفين بكل هذه الصفات وفي قوله قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا الى قوله تعالى فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ذكر لهم الهداية بالإقرار والاعتقاد بدون سائر الطاعات بيانا لشرف الايمان وجلال قدره وعلو امره فانه إذا قوى لم يبطله نفس المخالفات بل هو الذي يغلب فيرد الى التوبة بعد التمادي في البطالات وكما هدى اليوم الى الايمان يهدى غدا الى الجنان قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ وذلك ان المطيعين يسعى نورهم بين أيديهم وبايمانهم وهم على مراكب طاعاتهم والملائكة تتلقاهم قال تعالى يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً وتتلقاهم الملائكة وتبقى العصاة منفردين منقطعين فى متاهات القيامة ليس لهم نور الطاعات ولا في حقهم استقبال الملائكة فلا يهتدون السبيل ولا يهديهم دليل فيقول الله لهم عبادى إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ ان اهل الجنة من حسن الثواب لا يتفرغون لكم واهل النار من شدة العقاب لا يرحمونكم معاشر المساكين سلام عليكم كيف أنتم ان كان أشكالكم سبقوكم ولم يهدوكم فانا هاديكم ان عاملتكم بما تستوجبون فاين الكرم كذا في التيسير: قال السعدي نه يوسف كه چندان بلا ديد وبند چوحكمش روان كشت وقدرش بلند كنه عفو كرد آل يعقوبرا كه معنى بود صورت خوبرا بكردار بدشان مقيد نكرد بضاعات مزجاتشان رد نكرد ز لطف همى چشم داريم نيز برين بي بضاعت ببخش اى عزيز بضاعت نياوردم الا اميد خدايا ز عفوم مكن نااميد
стр. 43
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ تكرير أولئك للدلالة على ان كل واحد من الحكمين مستبد فى تميزهم به عن غيرهم فكيف بهما وتوسط العطف بينهما تنبيه على تغايرهما في الحقيقة وفائدة الفصل بين المبتدأ والخبر الدلالة على ان ما بعده خبر لا صفة وان المسند ثابت للمسند اليه دون غيره فصفة الفلاح مقصورة عليهم لا تتجاوز الى من عداهم من اليهود والنصارى ولا يلزم من هذا ان لا يكون للمتقين صفة اخرى غير الفلاح فالقصر قصر الصفة على الموصوف لا العكس حتى يلزم ذلك والمفلح الفائز بالبغية كانه الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه والتركيب دال على معنى الشق والفتح والقطع ومنه سمى الزارع فلاحا لانه يشق الأرض وفي المثل الحديد بالحديد يفلح اى يقطع والمعنى هم الفائزون بالجنة والناجون من النار يوم القيامة والمقطوع لهم بالخير في الدنيا والآخرة وحاصل الفلاح يرجع الى ثلاثة أشياء أحدها الظفر على النفس فلم يتابعوا هواها والدنيا فلم يطغوا بزخارفها والشيطان فلم يفتنوا بوساوسه وقرناء السوء فلم يبتلوا بمكروهاتهم والثاني النجاة من الكفر والضلالة والبدعة والجهالة وغرور النفس ووسوسة الشيطان وزوال الايمان وفقد الامان ووحشة القبور واهوال النشور وزلة الصراط وتسليط الزبانية الشداد الغلاظ وحرمان الجنان ونداء القطيعة والهجران والثالث البقاء في الملك الابدى والنعيم السرمدي ووجدان ملك لا زوال له ونعيم لا انتقال له وسرور لا حزن معه وشباب لا هرم معه وراحة لا شدة معها وصحة لا علة معها ونيل نعيم لا حساب معه ولقاء لا حجاب له كذا في تفسير التيسير وقد تشبثت الوعيدية بالآية في خلود الفساق من اهل القبلة في العذاب ورد بان المراد بالمفلحين الكاملون فى الفلاح ويلزمه عدم كمال الفلاح لمن ليس على صفتهم لا عدم الفلاح لهم رأسا كما في تفسير البيضاوي قال الشيخ نجم الدين دايه قدس سره ذكر هدى بالنكرة اى على كشف من كشوف ربهم ونور من أنواره وسر من أسراره ولطف من ألطافه وحقيقة من حقائقه فان جميع ما أنعم الله به على أنبيائه وأوليائه بالنسبة الى ما عنده من كمال ذاته وصفاته وانعامه وإحسانه قطرة من بحر محيط لا يعتريه القصور من الانفاق ابدا كما قال النبي ﷺ (يمين الله ملأى لا ينقصها نفقة سخاء الليل والنهار) وفيه اشارة لطيفة وهي انهم بذلك الهدى آمنوا بما انزل إليك وما انزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون وأولئك هم المفلحون الذين تخلصوا من حجب الوجود بنور نار الصلاة وشاهدوا الآخرة وجذبتهم العناية بالهداية الى مقامات القربة وسرادقات العزة فما نزلوا بمنزل دون لقائه وما حطوا رحالهم الا بفنائه فازوا بالسعادة العظمى والمملكة الكبرى ونالوا الدرجة العليا وحققوا قول الحق إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى
انتهى كلام الشيخ في تأويلاته: قال المولى جلال الدين قدس سره كر همى خواهى كه بفروزى چوروز هستى همچون شب خود را بسوز هستيت در هست آن هستى نواز همچومس در كيميا اندر كداز إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لما ذكر خاصة عباده وخالصة أوليائه بصفاتهم التي اهلتهم للهدى والفلاح عقبهم أضدادهم العتاة المردة الذين لا ينفع فيهم الهدى ولا يغنى عنهم الآيات
стр. 44
والنذر وتعريف الموصول اما للعهد والمراد به ناس بأعيانهم كابى لهب وابى جهل والوليد ابن المغيرة وأحبار اليهود او للجنس منتاولا كل من صمم على كفره تصميما لا يرعوى بعده وغيرهم فخص منهم غير المصرين بما أسند اليه والكفر لغة الستر والتغطية وفي الشريعة انكار ما علم بالضرورة مجيئ الرسول ﷺ به وانما عد لباس الغيار وشد الزنار بغير اضطرار ونظائرهما كفرا لدلالته على التكذيب فان من صدق النبي ﷺ لا يكاد يجترئ على أمثال ذلك إذ لا داعى اليه كالزنى وشرب الخمر لا لانه كفر في نفسه والكافر فى القرآن على اربعة أوجه أحدها نقيض المؤمن قال الله تعالى الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والثاني الجاحد قال تعالى وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ اى جحد وجوب الحج والثالث نقيض الشاكر قال تعالى وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ
والرابع المتبرى قال تعالى يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ اى يتبرأ بعضكم من بعض كذا في التيسير وقال في البغوي الكفر على اربعة أوجه كفر الإنكار وهوان لا يعرف الله أصلا ولا يعترف به وكفر الجحود وهو ان يعرف الله بقلبه ولا يقر بلسانه ككفر إبليس قال الله تعالى فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ وكفر العناد وهو ان يعرف بقلبه ولا يعترف بلسانه ولا يدين به ككفر ابى طالب حيث يقول
ولقد علمت بان دين محمد ... من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة او حذار مسبة ... لوجدتنى سمحا بذاك مبينا
وكفر النفاق وهو ان يقر باللسان ولا يعتقد بالقلب وجميع هذه الأنواع سواء في ان من لقى الله بواحد منها لا يغفر له انتهى كلام البغوي لكن الكلام في ابى طالب سيجئ عند قوله تعالى وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ سَواءٌ عَلَيْهِمْ اى عندهم وهو اسم بمعنى الاستواء نعت به كما ينعت بالمصادر مبالغة قال الله تعالى تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ وارتفاعه على انه خبر لان وقوله تعالى أَنْذَرْتَهُمْ يا محمد أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ مرتفع على الفاعلية لان الهمزة وأم مجردتان عن معنى الاستفهام لتحقيق معنى الاستواء بين مدخوليهما كما جرد الأمر والنهى لذلك عن معنييهما في قوله اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وحرف النداء في قولك اللهم اغفر لنا أيتها العصابة وعن معنى الطلب لمجرد التخصيص كانه قيل ان الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه كقولك ان زيدا مختصم اخوه وابن عمه واصل الانذار الاعلام بامر مخوف وكل منذر معلم وليس كل معلم منذرا كما في تفسير ابى الليث والمراد هاهنا التخويف من عذاب الله وعقابه على المعاصي وانما اقتصر عليه لما انهم ليسوا باهل للبشارة أصلا ولان الانذار أوقع في القلوب وأشد تأثيرا في النفوس فان دفع المضار أهم من جلب المنافع فحيث لم يتأثروا به فلأن لا يرفعوا للبشارة رأسا اولى وانما لم يقل سواء عليك كما قال لعبدة الأصنام سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ لان إنذارك وترك إنذارك ليسا سواء في حقك لانك تثاب على الانذار وان لم يؤمنوا فاما في حقهم فهما سواء لانهم لا يؤمنون فى الحالين وهو نظير الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فانه يثاب به الآمر وان لم يعمل به المأمور وكان هؤلاء القوم كقوم هود الذين قالوا لهود ﵇ سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ
стр. 45
أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ
وقال تعالى في حق هؤلاء سَواءٌ عَلَيْهِمْ إلخ ويقال لهم في القيامة اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ واخبر عنهم انهم يقولون سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ فلما كان الوعظ وتركه سواء كان صبرهم في النار وتركه سواء وجزعهم فيها وتركه سواء وأنت إذا كان عصيانك في الشباب والشيب سواء وتماديك في الصحة والمرض سواء واعراضك في النعمة والمحنة سواء وقسوتك على القريب والبعيد سواء وزيغك في السر والعلانية سواء اما تخشى ان تكون توبتك عند الموت واصرارك عند النزع وسكوتك سواء وزيارة الصالحين لك وامتناعهم سواء وقيام الشفعاء بامرك وتركهم سواء كذا في تفسير التيسير لا يُؤْمِنُونَ جملة مستقلة مؤكدة لما قبلها مبينة لما فيه من إجمال ما فيه الاستواء فلا محل لها من الاعراب ثم هذا تخفيف للنبى ﵇ وتفريغ لقلبه حيث أخبره عن هؤلاء بما اخبر به نوحا صلوات الله عليه وعلى سائر الأنبياء في الانتهاء فانه قال تعالى لنوح ﵇ بعد طول الزمان ومقاساة الشدائد والأحزان أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فدعا بهلاكهم بعد ذلك وكذلك سائر الأنبياء وفي الآية الكريمة اخبار بالغيب على ما هو به ان أريد بالموصول اشخاص بأعيانهم فهى من المعجزات الباهرة وفي الآية اثبات فعل العباد فانه قال لا يؤمنون وفيه اثبات الاختيار ونفى الإكراه والإجبار فانه لم يقل لا يستطيعون بل قال لا يؤمنون فان قلت لما علم الله انهم لا يؤمنون فلم امر النبي ﵇ بدعائهم قلت فائدة الانذار بعد العلم بانه لا ينجع الزام الحجة كما ان الله تعالى بعث موسى الى فرعون ليدعوه الى الإسلام وعلم انه لا يؤمن قال الله تعالى رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وقال وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ فان قلت لما اخبر الله رسوله انهم لا يؤمنون فهلا اهلكهم كما أهلك قوم نوح بعد ما اخبر انهم لا يؤمنون قلت لان النبي ﵇ كان رحمة للعالمين كما ورد به الكتاب وقد قال الله تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ثم ان الاخبار
بوقوع الشيء او عدمه لا ينفى القدرة عليه كاخباره تعالى عما يفعله هو او العبد باختياره فلا يلزم جواز تكليف ما لا يطاق قال الامام القشيري من كان في غطاء صفته محجوبا عن شهود حقه فسيان عنده قول من دله على الحق وقول من أعانه على استجلاب الحظ بل هو الى داعى الغفلة أميل وفي الإصغاء اليه ارغب وكما ان الكافر لا يرعوى عن ضلالته لما سبق من شقاوته فكذلك المربوط باغلال نفسه محجوب عن شهود غيبه وحقه فهو لا يبصر رشده ولا يسلك قصده وقال ايضا ان الذي بقي في ظلمات دعاويه سواء عنده نصح الراشدين وتسويلات المبطلين لان الله تعالى نزع من أحواله بركات الانصاف فلا يصغى الى داعى الرشاد كما قيل
وعلى النصوح نصيحتى ... وعلى عصيان النصوح
وفي التأويلات النجمية إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اى جحدوا ربوبيتى بعد إقرارهم في عهد الست بربكم بإجابة بلى وستروا صفاء قلوبهم برين ما كسبوا من أعمالهم الطبيعية النفسانية وأفسدوا حسن استعدادهم من فطرة الله التي فطر الناس عليها باكتساب الصفات
стр. 46
البهيمية والسبعية والشيطانية كما قال تعالى كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ وذلك بان أرواحهم النفيسة لما نظروا بروزنة الحواس الخمس الى عالم الصورة الخسيسة حجبت عن مألوفاتها ومحابها ثم ابتليت بصحبة النفوس الحيوانية واستأنست بها ولهذا يسمى الإنسان إنسانا لانه أنيس فبمجاورة النفس الخسيسة صار الروح النفيس خسيسا فاستحسن ما استحسنت النفس واستلذ به ما استلذ به النفس واستمتع من المراتع الحيوانية فانقطع عنه الاغذية الروحانية ونسى حظائر القدس وجوار الحق في رياض الانس ولهذا سمى الناس ناسا لانه ناس فتاه في اودية الخسران واستهوته الشياطين في الأرض حيران ولما نسوا الله بالكفران نسيهم بالخذلان حتى غلب عليهم الهوى وأوقعهم في مهالك الردى فاصبحوا بنفوس احياء وقلوب موتى سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ بالوعد والوعيد وخوفتهم بالعذاب الشديد أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ بما أخبرتهم ودعوتهم اليه وأنذرتهم عليه لان روزنة قلوبهم الى عالم الغيب منسدة بقساوة حلاوة الدنيا وقلوبهم مغلوقة بحب الدنيا وشهواتها مقفول عليها بمتابعة الهوى كما قال تعالى أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها فما تنسموا روائح الانس من رياض القدس بل هب عليهم صرصر الشقاوة من مهب حكم السابقة وأدركهم بالختم على أقفا لها كما قال تعالى خَتَمَ اللَّهُ الآية انتهى ما في التأويلات ومن أمثال الإنجيل قلوبكم كالحصاة لا تنضجها النار ولا يلينها الماء ولا تنسفها الريح: قال السعدي
چون بود اصل جوهرى قابل ... تربيت را در او اثر باشد
هيچ صيقل نكو نداند كرد ... آهنى را كه بد كهر باشد
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ لما ذكر هؤلاء الكفار بصفاتهم وحالاتهم الحق به ذكر عقوباتهم فهو تعليل للحكم السابق وبيان ما يقتضيه والختم الكتم سمى به الاشتيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه لانه كتم له وبلوغ آخره ومنه ختم القرآن نظرا الى انه آخر فعل يفعل فى إحرازه ولا ختم على الحقيقة وانما المراد به ان يحدث في نفوسهم هيئة تمرنهم على استحباب الكفر والمعاصي واستقباح الايمان والطاعات بسبب غيهم وانهماكهم في التقليد واعراضهم عن النظر الصحيح فتجعل قلوبهم بحيث لا يؤثر فيها الانذار ولا ينفذ فيها الحق أصلا وسمى هذه الهيئة على الاستعارة ختما وقد عبر عن احداث هذه الهيئة بالطبع في قوله تعالى أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وبالاغفال في قوله وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وبالإقساء في قوله وجعلنا قلوبهم قاسية وهي من حيث ان الممكنات بأسرها مسندة الى الله تعالى واقعة بقدرته أسندت اليه تعالى ومن حيث انها مسببة مما اقترفوه بدليل قوله تعالى بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ وقوله ذلك بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ وردت الآية الكريمة ناعية عليهم شناعة صفتهم ووخامة عاقبتهم فالختم مجازاة لكفرهم والله تعالى قد يسر عليهم السبل فلو جاهدوا لوفقهم فسقط الاعتراض بانه إذا ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم فمنعهم عن الهدى فكيف يستحقون العقوبة قال الشيخ في تفسيره واسناد الختم الى الله للتنبيه على ان آباءهم عن قبول الحق كالشئ الخلقي غير العرضي انتهى وقال في التيسير حاصل الختم
стр. 47
عند اهل الحق عقوبة من الله تعالى لا تمنع العبد من الايمان جبرا ولا تحمله على الكفر كرها بل هي زيادة عقوبة له على سوء اختياره وتماديه في الكفر وإصراره يحرم بها من اللطف الذي سهل به فعل الايمان وترك العصيان يدل عليه انهم بقوا مخاطبين بالايمان بقوله تعالى آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وملومين على الامتناع عنه لقوله تعالى فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ولو صاروا مجبورين وعن الايمان عاجزين لزال الخطاب وسقط اللوم والعتاب كما في الختم على الأفواه يوم الحساب لما عجزوا به حقيقة عن الكلام لم يبق الخطاب بالكلام وتحقيق المذهب اثبات فعل العبد وتخليق الله تعالى والقلوب جمع قلب وهو الفؤاد سمى قلبا لتقلبه في الأمور ولتصرفه فى الأعضاء وفي تفسير الشيخ القلب قطعة لحم مشكل بالشكل الصنوبري معلق بالوتين مقلوبا والوتين عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه ويقال له الأبهر وفي تفسير الكواشي القلب قطعة سوداء في الفؤاد وزعم بعضهم انه الشكل الصنوبري المعلق بالوتين مقلوبا وفي تعريفات السيد القلب لطيفة ربانية لها بهذا القلب الجسماني الصنوبري الشكل المودع فى الجانب الأيسر من الصدر تعلق وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان: قال المولى الجامى
نيست اين پيكر مخروطى دل ... بلكه هست اين قفص طوطى دل
گر تو طوطى ز قفس نشناسى ... بخدا ناس نه نشناسى
والمراد بالقلب في الآية محل القوة العاقلة من الفؤاد وقد يطلق ويراد به المعرفة والعقل كما قال إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ وَختم الله عَلى سَمْعِهِمْ اى على آذانهم فجعلها بحيث تعاف استماع الحق ولا تصغى الى خير ولا تعيه ولا تقبله كأنها مستوثق منها بالختم عقوبة لهم على سوء اختيارهم وميلهم الى الباطل وإيثارهم والسمع هو ادراك القوة السامعة وقد يطلق عليها وعلى العضو الحامل لها وهو المراد هاهنا لانه أشد مناسبة للختم وهو المختوم عليه أصالة وفي توحيد السمع وجوه أحدها انه في الأصل مصدر والمصادر لا تجمع لصلاحيتها للواحد والاثنين والجماعة قال تعالى إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً فان قالوا فلم جمع الابصار والواحد بصر وهو كالسمع قلنا انه اسم للعين فكان اسما لا مصدرا فجمع لذلك والثاني ان فيه إضمارا اى على مواضع سمعهم وحواسه كما في قوله تعالى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ اى أهلها وثبت هذا الإضمار دلالة ان السمع فعل ولا يختم على الفعل وانما يختم على محله والثالث انه أراد سمع كل واحد منهم والاضافة الى الجماعة تغنى عن الجماعة وفي التوحيد أمن اللبس كما في قوله كلوا في بعض بطنكم اى بطونكم إذا لبطن لا يشترك فيه والرابع قول سيبويه انه توسط جمعين فدل على الجمع وان وحد كما في قوله يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ دل على الأنوار ذكر الظلمات وتقديم ختم قلوبهم للايذان بانها الأصل في عدم الايمان وتقديم حال السمع على حال أبصارهم للاشتراك بينه وبين قلوبهم في تلك الحال قالوا السمع أفضل من البصر لانه تعالى حيث ذكرهما قدم السمع على البصر ولان السمع شرط النبوة ولذلك ما بعث الله تعالى رسولا أصم ولان السمع وسيلة الى استكمال العقل بالمعارف التي تتلقف من أصحابها وَعَلى أَبْصارِهِمْ جمع بصر وهو ادراك العين وقد يطلق مجازا على
стр. 48
القوة الباصرة وعلى العضوين وهو المراد هاهنا لانه أشد مناسبة للتغطية غِشاوَةٌ اى غطاء ولا تغشية على الحقيقة وانما المراد بها احداث حالة تجعل أبصارهم بسبب كفرهم لا تجتلى الآيات المنصوبة في الأنفس والآفاق كما تجتليها أعين المستبصرين وتصير كأنها غطى عليها وحيل بينها وبين الابصار ومعنى التنكير ان على أبصارهم ضربا من الغشاوة خارجا مما يتعارفه الناس وهي غشاوة التعامي عن الآيات قوله غشاوة مبتدأ مؤخر خبره المقدم قوله وعلى أبصارهم ولما اشترك السمع والقلب في الإدراك من جميع الجوانب جعل ما يمنعهما من خاص فعلهما الختم الذي يمنع من جميع الجهات وادراك الابصار مما اختص بجهة المقابلة جعل المانع لها عن فعلها الغشاوة المختصة بتلك الجهة قال في التيسير انما ذكر في الآية القلوب والسمع والابصار لان الخطاب كان باستعمال هذه الثلاثة في الحق كما قال تعالى أَفَلا تَعْقِلُونَ أَفَلا تُبْصِرُونَ أَفَلا تَسْمَعُونَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ اى عقوبة شديدة القوة ومنه العظم والعذاب كالنكال بناء ومعنى يقال أعذب عن الشيء إذا امسك عنه وسمى العذاب عذابا لانه يمنع عن الجناية إذا تأمل فيها العاقل ومنه الماء العذب لما انه يقمع العطش ويردعه بخلاف الملح فانه يزيده ويدل عليه تسميتهم إياه نقاخا لانه ينقخ العطش اى يكسره وفراتا لانه يرفته على القلب يعنى الفرات وهو الماء العذب مأخوذ من الرفث وهو قلبه وقيل انما سمى به لانه جزاء ما استعذبه المرء بطبعه اى استطابه ولذلك قال فذوقوا عذابى وانما يذاق الطيب على معنى انه جزاء ما استطابه واستحلاه بهواه في الدنيا والعظيم نقيض الحقير والكبير نقيض الصغير فكان العظيم فوق الكبير كما ان الحقير دون الصغير قال في التيسير عظيم اى كبير او كثير او دائم وهو التعذيب بالنار ابدا ثم عظمه باهواله وبشدة أحواله وكثيرة سلاسله واغلاله فتكون هذه الآية وعيدا وبيانا لما يستحقونه في الآخرة وقيل هو القتل والاسر في الدنيا والتحريق بالنار في العقبى ومعنى التوصيف بالعظيم انه إذا قيس سائر ما يجانسه قصر عنه جميعه ومعنى التنكير ان لهم من الآلام نوعا عظيما لا يعلم كنهه الا الله فعلى العاقل ان يجتنب عما يؤدى الى العذاب
الأليم والعقاب العظيم وهو الإصرار على الذنوب والإكباب على اقتراف الخطيئات والعيوب قيل في سبب الحفظ من هذه العقوبة التي هي الختم على الكيس فلا يمنعه عن حق ووضع الختم على اللسان فلا يطلقه في باطل قال السعدي
بگمراه گفتن نكو ميروى ... گناه بزرگست وجور قوى
مگو شهد شيرين شكر فايقست ... كسى را كه سقمونيا لايقست
قال النبي ﷺ (ان هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد) قيل وما جلاؤها قال (تلاوة القرآن وكثرة ذكر الله وكثرة ذكر الموت) وأمهات الخطايا ثلاث الحرص والحسد والكبر فحصل من هؤلاء ست فصارت تسعا الشبع والنوم والراحة وحب المال وحب الجاه وحب الرياسة فحب المال والرياسة من أعظم ما يجر صاحبه الى الكفر والهلاك- حكى- ان ملكا شابا قال انى لا أجد في الملك لذة فلا أدرى أكذلك يجدة الناس أم انا أجده
стр. 49
فقالوا له كذلك يجده الناس قال فماذا يقيمه قالوا يقيمه لك ان تطيع الله فلا تعصيه فدعا من كان في بلده من العلماء والصلحاء فقال لهم كونوا بحضرتي ومجلسى فما رأيتم من طاعة الله فاثمرونى وما رأيتم من المعصية فازجرونى عنها ففعل ذلك فاستقام له الملك اربعمائة سنة ثم ان إبليس أتاه يوما على صورة رجل وقال له من أنت قال الملك رجل من بنى آدم قال لو كنت من بنى آدم لمت كما تموت بنوا آدم ولكنك اله فادع الناس الى عبادتك فدخل في قلبه شىء ثم صعد المنبر فقال ايها الناس انى أخفيت عليكم امرا حان إظهاره وهو انى ملككم منذ كذا سنة ولو كنت من بنى آدم لمت ولكنى اله فاعبدونى فاوحى الله الى نبى زمانه وقال أخبره انى استقمت له ما استقام لى فتحول من طاعتى الى معصيتى فبعزتى وجلالى لا سلطن عليه بخت نصر ولم يتحول عن ذلك فسلطه عليه فضرب عنقه وأوقر من خزينته سبعين سفينة من ذهب: قال المولى جلال الدين قدس سره
جز عنايت كه گشايد چشم را ... جز محبت كه نشاند خشم را
جهد بى توفيق خود كس را مباد ... در جهان والله اعلم بالرشاد
وفي التأويلات النجمية في الختم اشارة الى بداية سوابق احكام القدر بالسعادة والشقاوة على وفق الحكمة والارادة الازلية للخليقة كما قال تعالى فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ مع حسن استعداد جميعهم بقبول الايمان والكفر ولهذا لما خاطب الحق ذراتهم بخطاب الست بربكم قالوا بلى جميعا ثم أودع الله الذرات في القلوب والقلوب في الأجساد والأجساد في الدنيا في ظلمات ثلاث وكانت روزنة القلوب كلها مفتوحة الى عالم الغيب بواسطة الذرات المودعات التي سمعت خطاب الحق وشاهدت كمال الحق الى وقت ولادة كل انسان كما قال ﵇ (كل مولود يولد على فطرة الإسلام فابواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه وفيه اشارة الى ان الله يكل الأشقياء الى تربية الوالدين في معنى الدين حتى يلقنوهم تقليد ما الفوا عليه آباءهم من الضلالة فيضلوهم كما قال تعالى أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ فكانت تلك الشقاوة المقدرة مضمرة فى ضلالة التقليد والصفات النفسانية الظلمانية والهوى والطبيعة ثم جعل تأثيرها وظلمتها ورينها يندرج الى القلوب فيقسيها ويسودها ويغطيها ويسد روزنتها الى الذرات فيعميها ويصمها حتى لا يبصر اهل الشقاوة ببصر الذرات من الحق ما كانوا يبصرون ولا يسمع بسمع الذرات من الحق ما كانوا يسمعون فينكرون على الأنبياء ويكفرون بهم وبما يدعونهم اليه فيختم الله شقاوتهم بكفرهم هذا ويطبع به على قلوبهم كقوله تعالى بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فسر القدر مستور لا يطلع عليه أحد الا الله فيظهر آثار السعادة بإقرار السعداء ويظهر آثار الشقاوة بانكار الأشقياء وكفرهم من القدر كالبذر في الأرض مستور فتظهر الشجرة منه وهو في الشجرة مستور فيخرج مع الاغصان من الشجرة وهو في الاغصان مستور حتى يخرج مع الثمرة من الاغصان وهو في الثمرة مستور حتى يظهر من الثمرة فيختم ظهور البذر بالثمرة فكذلك سر القدر وهو بذر السعادة او الشقاوة مستور في علم الله تعالى فتظهر شجرة وجود الإنسان منه والسعادة والشقاوة مستورة فيها فتخرج مع أغصان
стр. 50
الأخلاق وهي مستورة فيها فتخرج مع ثمرة الأعمال وهي الإقرار والإنكار والايمان والكفر فيختم ظهور سر القدر وهو السعادة او الشقاوة بثمرة الايمان او الكفر فيظهر سر القدر عند الختم بالسعادة او الشقاوة فالذين خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ انما ختم بخاتم كفرهم وان كان نقش خاتمهم هو الاحكام الازلية وسر القدر حتى حرموا من دولة الوصال وبه ختم عَلى سَمْعِهِمْ حتى لم يسمعوا خطاب الملك ذى الجلال وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ من العمى والضلال فلم يشاهدوا ذلك الجمال والكمال فلهم حرمان مقيم وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ لانهم منعوا من مرادهم وهو العلى العظيم فعظم العذاب يكون على قدر عظمة المراد الممنوع منه انتهى ما في التأويلات وَمِنَ النَّاسِ لما افتتح كتابه بشرح حاله وساق لبيانه ذكر الذين أخلصوا دينهم لله وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم وثنى باضدادهم الذين محضوا الكفر ظاهرا وباطنا ثلث بالقسم الثالث المذبذب بين القسمين وهم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم تكميلا للتقسيم وهم اى المنافقون أخبث الكفرة وابغضهم الى الله لانهم موهوا الكفر وخلطوا به خداعا واستهزاء ولذلك طول فى بيان خبثهم قال القاشاني الاقتصار في وصف الكفار المصرين المطبوع على قلوبهم على آيتين والاطناب في وصف المنافقين في ثلاث عشرة آية للاضراب عن أولئك صفحا إذ لا ينجع فيهم الكلام ولا يجدى عليهم الخطاب واما المنافقون فقد ينجع فيهم التوبيخ والتعبير وعسى ان يرتدوا بالتشنيع عليهم وتفظيع شأنهم وسيرتهم وتهجير عادتهم وخبث نيتهم وسريرتهم وينتهوا بقبيح صورة حالهم وتفضيحهم بالتمثيل بهم وبطريقيتهم فتلين قلوبهم وتنقاد نفوسهم وتزكى بواطنهم وتضمحل رذائلهم فيرجعون عماهم عليه ويصيرون من المستثنى في قوله تعالى إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً والناس اسم جمع للانسان سمى به لانه عهد اليه فنسى قال تعالى وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ولذلك جاء في تفسير قوله تعالى إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ اى نساء للنعم ذكار للمحن وقيل لظهوره من آنس اى ابصر لانهم ظاهرون مبصرون ولذلك سموا بشرا كما سمى الجن جنا لاجتنانهم اى استتارهم عن أعين الناس وقيل هو من الانس الذي هو ضد الوحشة لانهم يستأنسون بامثالهم او يستأنس أرواحهم بأبدانهم وأبدانهم بأرواحهم واللام فيه للجنس ومن في قوله مَنْ يَقُولُ موصوفة إذ لا عهد فكانه قال ومن الناس ناس يقولون اى يقرون باللسان والقول هو التلفظ بما يفيد ويقال بمعنى المقول وللمعنى المتصور في النفس المعبر عنه باللفظ وللرأى وللمذهب مجازا ووحد الضمير في يقول باعتبار لفظ من وجمعه في قوله آمَنَّا وقوله وَما هُمْ باعتبار معناها لان كلمة من تصلح للواحد والجمع او اللام فيه للعهد والمعهود هم الذين كفروا ومن موصولة مراد بها عبد الله بن ابى بن سلول وأصحابه ونظراؤه من المنافقين حيث أظهروا كلمة الإسلام ليسلموا من النبي ﵇ وأصحابه واعتقدوا خلافها وأكثرهم من اليهود فانهم من حيث انهم صمموا على النفاق دخلوا في عداد الكفار المختوم على قلوبهم واختصاصهم
стр. 51
زيادة زادوها على الكفر لا يأبى دخولهم تحت هذا الجنس فان الأجناس انما تتنوع بزيادات يختلف فيها أبعاضها فعلى هذا تكون الآية تقسيما للقسم الثاني آمَنَّا بِاللَّهِ اى صدقنا بالله وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ والمراد باليوم الآخر من وقت الحشر الى ما لا يتناهى اى الوقت الدائم الذي هو آخر الأوقات المنقضية والمراد به البعث او الى ان يدخل اهل الجنة الجنة واهل النار النار لانه آخر الأيام المحدودة إذ لا حد وراءه وسمى بالآخر لتأخره عن الدنيا وتخصيصهم للايمان بهما بالذكر له ادعاء انهم قد حازوا الايمان من قطريه واحاطوا به من طرفيه وإيذان بانهم منافقون فيما يظنون فيه فكيف بما يقصدون به النفاق لان القوم كانوا يهودا وكانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر ايمانا كلا ايمان لاعتقادهم التشبيه واتخاذ الولد وان الجنة لا يدخلها غيرهم وان النار لن تمسهم إلا أياما معدودة وغيرها ويرون المؤمنين انهم آمنوا مثل ايمانهم وحكاية عبارتهم لبيان كمال خبثهم فان ما قالوه لو صدر عنهم لا على وجه الخداع والنفاق
وعقيدتهم عقيدتهم لم يكن ذلك ايمانا فكيف وهم يقولونه تمويها على المسلمين واستهزاء بهم فكان خبثا الى خبث وكفرا الى كفر وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ما نائبة عن ليس ولهذا عقب بالباء اى ليسوا بمصدقين لانهم يضمرون خلاف ما يظهرون بل هم منافقون وفي الحكم عليهم بانهم ليسوا بمؤمنين نفى ما ادعوه على سبيل البت والقطع لانه نفى اصل الايمان منهم بإدخال الباء في خبر ما ولذا لم يقل وما هم من المؤمنين فان الاول ابلغ من الثاني دلت الآية على ان الدعوى مردودة إذا لم يقم عليها دلائل الصحة قال قائلهم من تحلى بغير ما فيه فضح الامتحان ما يدعيه فان من مدح نفسه ذم ومن ذم نفسه مدح قال فرعون عليه لعنات الله وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فقيل وكنت من المفسدين وقال يونس ﵇ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فقيل له فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ: قال الحافظ قدس سره
خوش بود گر محك تجربه آيد بميان ... تا سيه روى شود هر كه دروغش باشد
- حكى- ان شيخا كان له تلميذ يدعى انه أمين والشيخ يعلم منه خلاف ذلك وهو يرد على الشيخ في ذلك ويدعى الامانة ويطلب منه ان يكشف له سرا من اسرار الله تعالى فاخذ الشيخ يوما تلميذا من أصحابه وخبأه في بيت وعمد الى كبش فذبحه وألقاه في عدل ودخل ذلك التلميذ المدعى فرأى الشيخ ملطخا بالدماء والعدل امامه والسكين في يده فقال له يا سيدى ما شأنك فقال له غاظنى فلان يعنى ذلك التلميذ فقتلته يعنى التلميذ يعنى بقتله مخالفة هواه حتى لا يكذب الشيخ فتخيل التلميذ انه في العدل فقال الشيخ هذه امانة فاستر على وادفن معى هذا المذبوح الذي في هذا العدل فدفنه معه في الدار وقصد الشيخ نكاية ذلك التلميذ وان يفعل معه ما يخرجه وجاء ابو ذلك المخبوء يطلب ابنه فقال له الشيخ هو عندى فمضى الرجل فلما كبر على الرجل نكاية الشيخ مشى الى والد ذلك المخبوء وأخبره ان الشيخ قتله ودفنه معه ورفع ذلك الى السلطان فتوقف السلطان في ذلك الأمر لما يعرفه من جلالة الشيخ وبعث اليه بالقاضي والفقهاء وأخذ ذلك التلميذ يسب الشيخ ووقف الشهود حتى حضروا الى العدل فعاينوا الكبش وخرج التلميذ المخبوء وافتضح وندم حيث لا ينفعه الندم
стр. 52
كذا في الرسالة المسماة بالأمر المحكم المربوط فيما يلزم اهل طريق الله من الشروط للشيخ الأكبر قدس سره الأطهر فظهر من هذا ان الاسرار لا توهب الا للامناء والأنوار لا تفيض الا على الأدباء: قال الحافظ قدس سره
حديث دوست نگويم مگر بحضرت دوست ... كه آشنا سخن آشنا نگه دارد
وفي التأويلات النجمية وَمِنَ النَّاسِ هم الذين نسوا الله ومعاهدته يوم الميثاق فمنهم مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم فان الايمان الحقيقي ما يكون من نور الله الذي يقذفه الله في قلوب خواصه وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ اى بنور الله يشاهد الآخرة فيؤمن به فمن لم ينظر بنور الله فلا يكون مشاهدا لعالم الغيب فلا يعلم الغيب فلا يكون مؤمنا بالله وباليوم الآخر ولهذا قال وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ اى بالذين يؤمنون من نور الله تعالى وفيه معنى آخر وما هم بمستعدين للهداية الى الايمان الحقيقي لانهم في غاية الغفلة والخذلان انتهى يُخادِعُونَ اللَّهَ بيان ليقول في الآية السابقة وتوبيخ لما هو غرضهم مما يقولون او استئناف وقع جوابا عن سؤال ينساق اليه الذهن كانه قيل ما لهم يقولون ذلك وهم غير مؤمنين فقيل يخادعون إلخ اى يخدعون وانما اخرج في زنة فاعل للمبالغة وخداعهم مع الله سبحانه ليس على ظاهره لانه لا تخفى عليه خافية ولانهم لم يقصدوا خديعته بل المراد اما مخادعة رسوله على حذف المضاف او على ان معاملة الرسول معاملة الله من حيث انه خليفته في ارضه والناطق عنه باوامره ونواهيه مع عباده ففيه رفع درجة النبي ﷺ حيث جعل خداعه خداعه واما ان صورة صنعهم مع الله من اظهار الايمان واستبطان الكفر وصنع الله معهم من اجراء احكام المسلمين عليهم وهم عنده تعالى أخبث الكفار واهل الدرك الأسفل من النار استدراجا لهم وامتثال الرسول والمؤمنين امر الله تعالى في إخفاء حالهم واجراء حكم الإسلام عليهم مجازاة لهم بمثل صنيعهم صورة صنع المخادعين فتكون المخادعة بين الاثنين والخدع ان يوهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه ليوقعه فيه من حيث لا يحتسب او يوهمه المساعدة على ما يريد هو به ليغتر بذلك فينجو منه بسهولة من قولهم ضب خادع وخدع وهو الذي إذا امر الحارش يده على باب حجره يوهمه الإقبال عليه فيخرج من بابه الآخر وكلا المعنيين مناسب للمقام فانهم كانوا يريدون بما صنعوا ان يطلعوا على اسرار المؤمنين فيذيعوها الى منابذيهم اى يشيعوها الى مخالفيهم وأعدائهم وان يدفعوا عن أنفسهم ما يصيب سائر الكفرة من القتل والنهب والاسر وان ينالوا به نظم مصالح الدنيا جميعا كأن يفعل بهم ما يفعل بالمؤمنين من الإعطاء وَالَّذِينَ آمَنُوا اى يخادعون المؤمنين بقولهم إذا رأوهم آمنا وهم غير مؤمنين وهو عطف على الاول ويجوز حمله على الحقيقة في حقهم فانه وسعهم كذا في التيسير وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ النفس ذات الشيء حقيقته وقد يقال للروح لان نفس الحي به وللقلب لانه محل الروح او متعلقه وللدم لان قوامها به وللماء ايضا لشدة حاجتها اليه والمراد هنا هو المعنى الاول لان المقصود بيان ان ضرر مخادعتهم راجع إليهم لا يتخطاهم الى غيرهم اى يفعلون ما يفعلون والحال انهم ما يضرون بذلك الا أنفسهم فان
стр. 53
دائرة فعلهم مقصورة عليهم ومن حافظ على الصيغة قال وما يعاملون تلك المعاملة الشبيهة بمعاملة المخادعين الا أنفسهم لان ضررها لا يحيق الا بهم ووبال خداعهم راجع إليهم لان الله تعالى يطلع نبيه ﷺ على نفاقهم فيفضحون في الدنيا ويستوجبون العقاب فى العقبى: قال المولى جلال الدين قدس سره
بازئ خود ديدى اى شطرنج باز ... بازئ خصمت ببين دور ودراز
وقيل يعاملهم على وفق ما عاملوا وذلك فيما جاء انهم إذا القوا في النيران وعذبوا فيها طويلا من الزمان استغاثوا بالرحمن قيل لهم هذه الأبواب قد فتحت فاخرجوا فيتبادرون الى الأبواب فاذا انتهوا إليها أغلقت دونهم وأعيدوا الى الآبار والتوابيت مع الشياطين والطواغيت قال تعالى إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً وفي الحديث (يؤمر بنفر من الناس يوم القيامة الى الجنة حتى إذا دنوا منها واستنشقوا رايحتها ونظروا الى قصورها والى ما أعد الله تعالى لاهلها نودوا ان اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها فيرجعون بحسرة وندامة ما رجع الأولون والآخرون بمثلها
فيقولون يا ربنا لو ادخلتنا النار قبل ان ترينا ما أريتنا من ثواب ما اعددت لاوليائك فيقول ذلك أردت بكم كنتم إذا خلوتم بي بارزتمونى بالعظائم فاذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين تراؤن الناس وتظهرون خلاف ما تنطوى قلوبكم عليه هبتم الدنيا ولم تهابونى اجللتم الناس ولم تجلونى وتركتم للناس ولم تتركوا لى) يعنى لاجل الناس فاليوم اذيقكم أليم عذابى مع ما حرمتكم يعنى من جزيل ثوابى كذا في روضة العلماء وتنبيه الغافلين وَما يَشْعُرُونَ حال من ضمير ما يخدعون اى يقتصرون على خدع أنفسهم والحال انهم ما يحسون بذلك لتماديهم في الغفلة والغواية جعل طوق وبال الخداع ورجوع ضرره إليهم فى الظهور كالمحسوس الذي لا يخفى الا على مؤوف الحواس وهذا تنزيل لهم منزله الجمادات وحط من مرتبة البهائم حيث سلب منهم الحس الحيواني فهم ممن قيل في حقهم بل هم أضل فلا يشعرون ابلغ وانسب من لا يعلمون والشعور الاحساس اى علم الشيء علم حس ومشاعر الإنسان حواسه سميت به لكون كل حاسة محلا للشعور والعظة فيه ان المنافق عمل ما عمل وهو لا يعلم بوبال ما عمل والمؤمن يعلم به فما عذره عند ربه ثم في هذه الآية نفى العلم عنهم وفي قوله وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ اثبات العلم لهم والتوفيق بينهما انهم علموا به حقيقة ولكن لم يعملوا بما علموا فكأنهم لم يعلموا وهو كقوله صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فكانوا ناطقين سامعين ناظرين حقيقة لكن لم ينتفعوا بذلك فكانوا كأنهم صم بكم عمى فذو الآلة إذا لم ينتفع بها فهو وعادم الآلة سواء والعالم الذي لا يعمل بعلمه فهو والجاهل سواء والغنى الذي لا ينتفع بماله فهو والفقير سواء فاثبات العلم للكفار الزام الحجة وذكر الجهل اثبات المنقصة بخلاف المؤمنين فان اثبات العلم لهم اثبات الكرامة وذكر الجهل تلقين عذر المعصية كذا في التيسير فعلى المؤمن ان يتحلى بالعلم والعمل ويجتنب عن الخطأ والزلل ويطيع ربه خالصا لوجهه الكريم ويعبده بقلب سليم وفي الحديث (ان أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر) قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله قال (الرياء يقول الله تعالى يوم يجازى العباد
стр. 54
بأعمالهم اذهبوا الى الذين كنتم تراؤن لهم في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم خيرا) وانما يقال لهم ذلك لان عملهم في الدنيا كان على وجه الخداع فيعاملون في الآخرة على وجه الخداع كذا في تنبيه الغافلين: قال السعدي
چهـ قدر آورد بنده نزد رئيس ... كه زير قبا دارد أندام پيس
وفي التأويلات النجمية الاشارة ان الله تعالى لما قدر لبعض الناس الشقاوة في الأزل اثمر بذر سر القدر المستور في اعماله ثمرة مخادعة الله في الظاهر ولا يشعر ان المخادعة نتيجة بذر سر القدر بطريق تزيين الدنيا في نظره وحب شهواتها في قلبه كما قال تعالى زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ الآية فانخدع بزينة الدنيا وطلب شهواتها عن الله وطلب السعادة الاخروية فعلى الحقيقة هو المخادع الممكور كما قال تعالى يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ
فعلى هذا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ حقيقة في صورة مخادعتهم الله والذين آمنوا لانهم كانوا قبل مخادعتهم الله مستوجبين النار بكفرهم مع إمكان ظهور الايمان منهم فلما شرعوا في اظهار النفاق بطريق المخادعة نزلوا بقدم النفاق الدرك الأسفل من النار فابطلوا استعداد قبول الايمان وإمكانه عن أنفسهم فكانت مفسدة خداعهم ومكرهم راجعة الى أنفسهم وَما يَشْعُرُونَ اى ليس لهم الشعور بسر القدر الأزلي وان معاملتهم في المكر والخداع من نتايجه لان في قلوبهم مرضا ومرض القلب ما يفهم من شعور سر القدر فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً زاد يجيئ متعديا كما فى هذه الآية ولازما كما في قوله تعالى وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ والمرض حقيقة فيما يعرض للبدن فيخرجه عن الاعتدال اللائق به ويوجب الخلل في أفاعيله ويؤدى الى الموت ومجاز في الاعراض النفسانية التي تخل بكمالها كالجهل وسوء العقيدة والحسد والضغينة وحب المعاصي وغير ذلك من فنون الكفر المؤدى الى الهلاك الروحاني لانها مانعة عن نيل الفضائل او مؤدية الى زوال الحياة الحقيقة الابدية والآية الكريمة تحتملها فان قلوبهم كانت متألمة تحرقا على ما فات عنهم من الرياسة وحسدا على ما يرون من ثبات امر الرسول ﵇ واستعلاء شأنه يوما فيوما فزاد الله غمهم بما زاد في إعلاء امره ورفع قدره وان نفوسهم كانت مؤوفة بالكفر وسوء الاعتقاد ومعاداة النبي ﵇ ونحوها فزاد الله ذلك بان طبع على قلوبهم لعلمه تعالى بانه لا يؤثر فيها التذكير والانذار وبازدياد التكاليف الشرعية وتكرير الوحى وتضاعف النصر لانهم كلما ازداد التكاليف بنزول الوحى يزدادون كفرا وقد كان يشق عليهم التكلم بالشهادة فكيف وقد لحقتهم الزيادات وهي وظائف الطاعات ثم العقوبة على الجنايات فازدادوا بذلك اضطرابا على اضطراب وارتيابا على ارتياب ويزدادون بذلك في الآخرة عذابا على عذاب قال تعالى زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ والمؤمنون لهم في الدنيا ما قال وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وفي العقبى ما قال وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ قال القطب العلامة امراض القلب اما متعلقة بالدين وهو سوء الاعتقاد والكفر او بالأخلاق وهي اما رذائل فعلية كالغل والحسد واما رذائل انفعالية كالضعف والجبن فحمل المرض اولا على الكفر ثم على الهيآت الفعلية ثم على الهيآت الانفعالية ويحتمل ان يكون قوله تعالى
стр. 55
فَزادَهُمُ اللَّهُ دعاء عليهم فان قلت فكيف يحمل على الدعاء والدعاء للعاجز عرفا والله تعالى منزه عن العجز قلت هذا تعليم من الله عباده انه يجوز الدعاء على المنافقين والطرد لهم لانهم شر خلق الله لانه أعد لهم يوم القيامة الدرك الأسفل من النار وهذا كقوله تعالى قاتَلَهُمُ اللَّهُ ولَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ فى الآخرة عَذابٌ أَلِيمٌ يصل ألمه الى القلوب وهو بمعنى المؤلم بفتح اللام على انه اسم مفعول من الإيلام وصف به العذاب للمبالغة وهو في الحقيقة صفة المعذب بفتح الذال المعجمة كما ان الجد للجاد في قولهم جدجده وجه المبالغة إفادة ان الألم بلغ الغاية حتى سرى المعذب الى العذاب المتعلق به بِما كانُوا يَكْذِبُونَ الباء للسببية او للمقابلة وما مصدرية داخلة في الحقيقة على يكذبون وكلمة كانوا مقحمة لافادة دوام كذبهم وتجدده اى بسبب كذبهم المتجدد المستمر الذي هو قولهم آمنا إلخ وفيه رمز الى قبح الكذب وسماجته وتخييل ان العذاب الأليم لاحق بهم من أجل كذبهم نظرا الى ظاهر العبارة المتخيلة لانفراده بالسببية مع احاطة علم السامع بان لحوق العذاب بهم من جهات شتى وان الاقتصار عليه
للاشعار بنهاية قبحه والتنفير عنه والكذب الاخبار بالشيء على خلاف ما هو به وهو قبيح كله واما ما روى ان ابراهيم ﵇ (كذب ثلاث كذبات) فالمراد به التعريض لكن لما شابه الكذب في صورته سمى به واحدي الكذبات قوله إِنِّي سَقِيمٌ اى ذاهب الى السقم او الى الموت او سيسقم لما يجد من الغيظ في اتخاذهم النجوم آلهة قاله ليتركوه من الذهاب معهم الى عيد لهم حتى يخلوا سبيله فيكسر أصنامهم والثانية قوله بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا على الفرض والتقدير على سبيل الإلزام كانه قال لو كان الها معبودا وجب ان يكون قادرا على ان يفعله فاذا لم يكن قادرا عليه يكون عاجزا والعاجز بمعزل عن الالوهية واستحقاق العبادة فكيف حالكم في العكوف عليه فهذا القول تهكم بعقولهم وثالثتها قوله في حق زوجته سارة رضى الله عنها هذه اختى والمراد منه الاخوة في الدين وغرضه منه تخليصها من يد الظالم لان من دين ذلك الملك الذي يتدين به فى الاحكام المتعلقة بالسياسة لا يتعرض الا لذوات الأزواج لان من دينه ان المرأة إذا اختارت الزوج فالسلطان أحق بها من زوجها واما اللاتي لا ازواج لهن فلا سبيل عليهن الا إذا رضين واما قوله هذا رَبِّي فهو من باب الاستدراج وهو إرخاء العنان مع الخصم وهو نوع من التعريض لان الغرض منه حكاية قولهم كذا في حواشى ابن تمجيد واعلم ان الكذب من قبايح الذنوب وفواحش العيوب ورأس كل معصية بها يتكدر القلوب وابغض الأخلاق انه مجانب للايمان يعنى الايمان في جانب والكذب في جانب آخر مقابل له وهذا كناية عن كمال البعد بينهما وفي الحديث (مالى أراكم تتهافتون في الكذب تهافت الفراش في النار كل الكذب مكتوب كذبا لا محالة الا ان يكذب الرجل في الحرب فان الحرب خدعة او يكون بين رجلين شحناء فيصلح بينهما او يحدث امرأته ليرضيها) مثل ان يقول لا أحد أحب الى منك وكذا من جانب المرأة فهذه الثلاث ورد فيها صريح الاستثناء وفي معناها ما أداها إذا ارتبط بمقصود صحيح له او لغيره كما قيل بالفارسية «دروغ مصلحت آميز به از راست فتنه انگيز» لكن هذا في حق الغير واما في حق نفسه فالصدق اولى وان لزم الضرر: كما قال السعدي
стр. 56
تا نيك ندانى كه سخن عين صوابست ... بايد كه بگفتن دهن از هم نگشايى
گر راست سخن گويى ودر بند بمانى ... به ز انكه دروغت دهد از بند رهايى
واعلم ان المراد بالكذب في الحقيقة الكذب في العبودية والقيام بحقوق الربوبية كما للمنافقين ومن يحذو حذوهم ولا يصح الاقتداء بأرباب الكذب مطلقا ولا يعتمد عليهم فانهم يجرون الى الهلاك والفراق عن مالك الاملاك: قال في المثنوى
صبح كاذب كاروانها را زده است ... كه ببوى روز بيرون آمده است
صبح كاذب خلق را رهبر مباد ... كو دهد بس كاروانها را بباد
قال القاشاني في تأويل الآية في قلوبهم حجاب من حجب الرذائل النفسانية الشيطانية والصفات البشرية عن تجليات الصفات الحقانية وفي التأويلات النجمية فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وهو التفات الى غير الله فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً اى زاد مرض الالتفات على مرض خداعهم فحرموا من الوصول والوصال وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ من حرمان الوصول الى الله تعالى بِما كانُوا يَكْذِبُونَ بقولهم انا آمنا بالله فانهم ليسوا بمؤمنين حقيقة والايمان الحقيقي نور إذا دخل القلب يظهر على المؤمن حقيقته كما كان لجارثة لما سأله رسول الله ﷺ (كيف أصبحت يا حارثة) قال أصبحت مؤمنا حقا قال (يا حارثة ان لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك) قال أعرضت نفسى عن الدنيا اى زهدت وانصرفت فاظمأ نهارها واسهر ليلها واستوى عندى حجرها وذهبها وكأنى انظر الى اهل الجنة يتزاورون والى اهل النار ينصاعون وكأنى انظر الى عرش ربى بارزا فقال رسول الله ﷺ (أصبت فالزم) : قال في المثنوى
اهل صيقل رسته اند از بو ورنگ ... هر دمى بينند خوبى بي درنگ
نقش وقشر علم را بگذاشتند ... رايت عين اليقين افراشتند
برترند از عرش وكرسى وخلا ... ساكنان مقعد صدق خدا
علم كان نبود ز هو بي واسطه ... آن نپايد همچورنك ماشطه «٣»
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ اى قال المسلمون لهؤلاء المنافقين لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ اسناد قيل الى لا تفسدوا اسناد له الى لفظه كانه قيل وإذا قيل لهم هذا القول كقولك الف ضرب من ثلاثة أحرف والفساد خروج الشيء عن الاعتدال والصلاح ضده وكلاهما يعمان كل ضار ونافع والفساد في الأرض تهيج الحروب والفتن المستتبعة لزوال الاستقامة عن احوال العباد واختلال امر المعاش والمعاد والمراد بما نهوا عنه ما يؤدى الى ذلك من افشاء اسرار المؤمنين الى الكفار وإغرائهم عليه وغير ذلك من فنون الشرور فلما كان ذلك من صنيعهم مؤديا الى الفساد قيل لا تفسدوا كما يقول الرجل لا تقتل نفسك بيدك ولا تلق نفسك في النار إذا اقدم على ما هذه عاقبته وكانت الأرض قبل البعثة يعلن فيها بالمعاصي فلما بعث الله النبي ﷺ ارتفع الفساد وصلحت الأرض فاذا أعلنوا بالمعاصي فقد أفسدوا فى الأرض بعد إصلاحها كما في تفسير ابى الليث قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ جواب لاذا ورد للناصح على سبيل المبالغة والمعنى انه لا يصلح مخاطبتنا بذلك فان شائنا ليس الا الإصلاح وان حالنا
стр. 57
متمحضة عن شوائب الفساد وانما قالوا ذلك لانهم تصوروا الفساد بصورة الصلاح لما في قلوبهم من المرض كما قال الله تعالى أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فانكروا كون ذلك فسادا وادعوا كونه إصلاحا محضا وهو من قصر الموصوف على الصفة مثل انما زيد منطلق قال ابن التمجيد ان المسلمين لما قالوا لهم لا تفسدوا توهموا ان المسلمين أرادوا بذلك انهم يخلطون الإفساد بالإصلاح فاجابوا بانهم مقصورون على الإصلاح لا يتجاوزون منه الى صفة الإفساد فيلزم منه عدم الخلط فهو من باب قصر الافراد حيث توهموا ان المؤمنين اعتقدوا الشركة فاجابهم الله تعالى بعد ذلك بما يدل على القصر القلبي وهو قوله تعالى أَلا ايها المؤمنون اعلموا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ فانهم لما اثبتوا لانفسهم احدى الصفتين ونفوا الاخرى واعتقدوا ذلك قلب الله اعتقادهم هذا بان اثبت لهم ما نفوه ونفى عنهم ما اثبتوا والمعنى هم مقصورون على إفساد أنفسهم بالكفر والناس بالتعويق عن الايمان لا يتخطون منه الى صفة الإصلاح من باب قصر الشيء على الحكم فهم لا يعدون صفة الفساد والإفساد ولا يلزم منه ان لا يكون غيرهم مفسدين ثم استدرك بقوله تعالى وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ انهم مفسدون للايذان بان كونهم مفسدين من الأمور المحسوسة لكن لا حس لهم حتى يدركوه قال الشيخ فى تفسيره ذكر الشعور بإزاء الفساد أوفق لانه كالمحسوس عادة ثم فيه بيان شرف المؤمنين حيث تولى الله جواب المنافقين عما قالوه للمؤمنين كما كان في حق المصطفى ﷺ فان الوليد بن المغيرة قال له انه مجنون فنفاه الله عنه بقوله ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ثم قال فى ذم ذلك اللعين وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ اى حلاف حقير عياب يمشى بين الناس بالنميمة بخيل للمال ظالم فاجر غليظ القلب جاف ومع ذلك الوصف المذكور هو ولد الزنى وذلك لانه ﷺ اتخذ ربه وكيلا على أموره بمقتضى قوله فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا فهو تعالى يكفى مؤونته كما قال اهل الحقائق ان خوارق العادات فلما تصدر من الاقطاب والخلفاء بل من وزرائهم وخلفائهم لقيامهم بالعبودية التامة واتصافهم بالفقر الكلى فلا يتصرفون لانفسهم في شىء ومن جملة كمالات الاقطاب ومنن الله عليهم ان لا يبتليهم بصحبة الجهلاء بل يرزقهم صحبة العلماء الأدباء الأمناء يحملون عنهم اثقالهم وينفذون أحكامهم وأقوالهم وذلك كما كان الكامل آصف بن برخيا وزير سليمان ﵊ الذي كان قطب وقته ومتصرفا وخليفة على العالم فظهر منه ما ظهر من إتيان عرش بلقيس كما حكاه الله تعالى في القرآن وفي التأويلات النجمية وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ الاشارة في تحقيق الآيتين ان الإنسان وان خلق مستعدا لخلافة الأرض ولكنه فى بداية الخلقة مغلوب الهوى والصفات النفسانية فيكون مائلا الى الفساد كما أخبرت عنه الملائكة وقالوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها الآية فبأوامر الشريعة ونواهيها يتخلص جوهر الخلافة عن معدن نفس الإنسان فاهل السعادة وهم المؤمنون ينقادون للداعى الى الحق ويقبلون الأوامر والنواهي واهل الشقاوة وهم الكافرون المنافقون يمرقون من الدين ويتبعون الهوى وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض اى لا تسعوا في إفساد حسن استعدادكم وصلاحيتكم
стр. 58
للخلافة في الأرض باتباعكم الهوى وحرصكم على الدنيا قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ لا يقبلون النصيحة غافلين عن حقيقتها: كما قال السعدي
كسى را كه پند ار در سر بود ... مپندار هرگز كه حق بشنود
ز علمش ملال آيد از وعظ ننك ... شقايق بباران نرويد ز سنگ
فكذبهم الله تعالى بقوله أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ يفسدون صلاح آخرتهم بإصلاح دنياهم وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ اى لا شعور لهم بإفساد حالهم وسوء أعمالهم وعظم وبالهم من خسار حسن صنيعهم وادعائهم بالصلاح على أنفسهم كما قال الله تعالى قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الآية: قال المولى جلال الدين قدس سره
اى كه خود را شير يزدان خوانده ... سالها شد با سكى درماندة
چون كند آن سك براى تو شكار ... چون شكار سك شدستى آشكار
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ من طرف المؤمنين بطريق الأمر بالمعروف اثر نهيهم عن المنكر إتماما للنصح وإكمالا للارشاد فان كمال الايمان بمجموع الامرين الاعراض عما لا ينبغى وهو المقصود بقوله تعالى لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ والإتيان بما ينبغى وهو المطلوب بقوله تعالى آمِنُوا حذف المؤمن به لظهوره اى آمنوا بالله وباليوم الآخر او أريد افعلوا الايمان كَما آمَنَ النَّاسُ الكاف في محل النصب على انه نعت لمصدر مؤكد محذوف اى آمنوا ايمانا مماثلا لايمانهم فما مصدرية او كافة اى حققوا ايمانكم كما تحقق ايمانهم واللام في الناس للجنس والمراد به الكاملون في الانسانية العاملون بقضية العقل او للعهد والمراد به الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ومن معه او من آمن من اهل بلدتهم اى من اهل ضيعتهم كابن سلام وأصحابه والمعنى آمنوا ايمانا مقرونا بالإخلاص متمحضا من شوائب النفاق مماثلا لايمانهم قالُوا مقابلين للامر بالمعروف بالإنكار المنكر واصفين للمراجيح الرزان بضد اوصافهم الحسان أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ الهمزة فيه للانكار واللام مشار بها الى الناس الكاملين او المعهودين او الى الجنس باسره وهم مندرجون فيه على زعمهم الفاسد والسفه خفة عقل وسخافة رأى يورثهما قصور العقل ويقابله الحلم والاناة وانما نسبوهم اليه مع انهم في الغاية القاصية من الرشد والرزانة والوقار لكمال انهماك أنفسهم في السفاهة وتماديهم في الغواية وكونهم ممن زين له سوء عمله فرآه حسنا فمن حسب الضلال هدى يسمى الهدى لا محالة ضلالا او لتحقير شأنهم فان كثيرا من المؤمنين كانوا فقراء ومنهم موالى كصهيب وبلال او للتجلد وعدم المبالاة بمن آمن منهم على تقدير كون المراد بالناس عبد الله بن سلام وأمثاله فان قيل كيف يصح النفاق مع المجاهرة بقوله أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ قلنا فيه اقوال الاول ان المنافقين لعنهم الله كانوا يتكلمون بهذا الكلام في أنفسهم دون ان ينطقوا به بألسنتهم لكن هتك الله تعالى استارهم واظهر أسرارهم عقوبة على عداوتهم وهذا كما اظهر ما أضمره اهل الإخلاص من الكلام الحسن وان لم يتكلموا به بالألسن تحقيقا لولايتهم قال الله تعالى يُوفُونَ بِالنَّذْرِ الى ان قال إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ وكان هذا في قلوبهم فاظهره الله
стр. 59
تعالى تشريفا لهم وتشهيرا لحالهم هذا قول صاحب التيسير والثاني ان المنافقين كانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم لا عند المؤمنين فاخبر الله تعالى نبيه ﷺ والمؤمنين بذلك هذا قول البغوي والثالث قول ابى السعود في الإرشاد حيث قال هذا القول وان صدر عنهم بمحضر من المؤمنين الناصحين لهم جوابا عن نصيحتهم لكن لا يقتضى كونهم مجاهرين لا منافقين فانه ضرب من الكفر أنيق وفن فى النفاق عريق لانه محتمل للشر كما ذكر في تفسيره وللخير بان يحمل على ادعاء الايمان كأيمان الناس وانكار ما اهتموا به من النفاق على معنى أنؤمن كما آمن السفهاء والمجانين الذين لا اعتداد بايمانهم لو آمنوا ولا نؤمن كايمان الناس حتى تأمرون بذلك قد خاطبوا به الناصحين استهزاء بهم مرائين لارادة المعنى الأخير وهم يقولون على الاول فرد عليهم ذلك بقوله أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ انهم هم السفهاء ولا يحيطون بما عليهم من داء السفه والمؤمنون بايمانهم وإخلاصهم هربوا من السفه وغبوا في العلم والحق وهم العلماء على الحقيقة والمستقيمون على الطريقة وهذا رد ومبالغة في تجهيلهم فان الجاهل بجهله الجازم على خلاف ما هو الواقع أعظم ضلالة وأتم جهالة من المتوقف المعترف بجهله فانه ربما يعذر وتنفعه الآيات والنذر واعلم ان قوله تعالى لا يَشْعُرُونَ فى الآية الاولى نفى الاحساس عنهم وفي الثانية نفى الفطنة لان معرفة الصلاح والفساد يدرك بالفطنة وفي الآية الثالثة نفى العلم وفي نفيها على هذه الوجوه تنبيه لطيف ومعنى دقيق وذلك انه بين في الاول ان في استعمالهم الخديعة نهاية الجهل الدال على عدم الحس وفي الثاني انهم لا يفطنون تنبيها على ان ذلك لازم لهم لان من لا حس له لا فطنة له وفي الثالث انهم لا يعلمون تنبيها على ان ذلك ايضا لازم لهم لان من لا فطنة له لا علم له فان العلم تابع للعقل- كما حكى- ان الله تعالى لما خلق آدم
﵇ اتى اليه جبرائيل بثلاث تحف العلم والحياء والعقل فقال يا آدم اختر من هذه الثلاث ما تريد فاختار العقل فاشار جبريل الى العلم والحياء بالرجوع الى مقرهما فقالا انا كنا في عالم الأرواح مجتمعين فلا نرضى ان يفترق بعضنا عن بعض في فى الأشباح ايضا فنتبع العقل حيث كان فقال جبريل ﵇ استقرا فاستقر العقل في الدماغ والعلم في القلب والحياء في العين: قال المولى جلال الدين قدس سره جمله حيوانرا پى انسان بكش جمله انسان را بكش از بهر هش هش چهـ باشد عقل كل اى هوشمند عقل جز وى هش بود اما نژند لطف او عاقل كند مر نيل را قهر او ابله كند قابيل را [٢] فليسارع العاقل الى تحصيل العلم والمعرفة حتى يصل الى توحيد الفعل والصفة قال الامام القشيري ﵀ للعقل نجوم وهي للشيطان رجوم وللعلوم أقمار هي للقلوب أنوار واستبصار وللمعارف شموس ولها على اسرار العارفين طلوع والعلم اللدني هو الذي ينفتح في بيت القلب من غير سبب مألوف من الخارج وللقلب بابان باب الى الخارج يأخذ العلم من الحواس وباب الى الداخل يأخذ العلم بالإلهام فمثل القلب كمثل الحوض الذي يجرى فيه انهار خمسة فلا يخلو ماؤه عن كدرة مادام يحصل ماؤه من الأنهار الخمسة بخلاف ما إذا خرج ماؤه من
стр. 60
قعره حيث يكون ماؤه أصفى واجلى فكذا القلب إذا حصل له العلم من طريق الحواس الخمس الظاهرة لا يخلو عن كدرة وشك وشبهة بخلاف ما إذا ظهر من صميم القلب بطريق الفيض فانه أصفى واولى وقال الشيخ زين الدين الحافى ﵀ والعجب ممن دخل في هذه الطريقة وأراد ان يصل الى الحقيقة وقد حصل من الاصطلاحات ما يستخرج بها المعاني من كتاب الله وأحاديث رسوله ﷺ ثم لا يشتغل بذكر الله وبمراقبته والاعراض عما سواه لتنصب الى قلبه العلوم اللدنية التي لو عاش الف سنة في تدريس الاصطلاحات وتصنيفها لا يشم منها رائحة ولا يشاهد من آثارها وأنوارها لمعة فالعلم بلا عمل عقيم والعمل بلا علم سقيم والعمل بالعلم صراط مستقيم: قال في المثنوى
آنكه بي همت چهـ با همت شده ... وآنكه با همت چهـ با نعمت شده
وفي التأويلات النجمية وَإِذا قِيلَ لَهُمْ اى لاهل الغفلة والنسيان آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ اى بعض الناسين منكم الذين تفكروا في آلاء الله تعالى وتدبروا آياته بعد نسيان عهد الست بربكم ومعاهدة الله تعالى على التوحيد والعبودية فتذكروا تلك العهود والمواثيق فآمنوا بمحمد ﷺ وبما جاء به قالُوا اى اهل الشقاوة منهم أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ فكذلك احوال اصحاب الغفلات مدعى الإسلام إذا دعوا عن الايمان التقليدى الذي وجدوه بالميراث الى الايمان الحقيقي المكتسب بصدق الطلب وترك محبة الدنيا واتباع الهوى والرجوع الى الخلق والتمادي في الباطل ينسبون ارباب القلوب واصحاب الكرامات العالية الى السفه والجنون وينظرون إليهم بنظر العجز والذلة والقلة والمسكنة ويقولون أن ترك الدنيا كما ترك هؤلاء السفهاء من الفقراء لنكون محتاجين الى الخلق كما هم محتاجون ولا يعلمون انهم هم السفهاء لقوله تعالى أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ فهم السفهاء بمعنيين أحدهما انهم يبيعون الدين بالدنيا والباقي بالفاني لسفاهتهم وعدم رشدهم والثاني انهم سفهوا أنفسهم ولم يعرفوا حسن استعدادهم للدرجات العلى والقربة والزلفى فرضوا بالحياة الدنيا ورغبوا عن مراتب اهل التقى ومشارب اهل النهى كما قال الله تعالى وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ فانه من عرف نفسه فقد عرف ربه ومن عرف ربه ترك غيره وعرف اهل الله وخاصته فلا يرغب عنهم ولا ينسبهم الى السفه وينظر إليهم بالعزة فان الفقراء الكبراء هم الملوك تحت الاطمار ووجوههم المصفرة عند الله كالشموس والأقمار ولكن تحت قباب العزة مستورون وعن نظر الأغيار محجوبون: قال فى المثنوى
مهر پاكان در ميان جان نشان ... دل مده الا بمهر دلخوشان [١]
گر تو سنگ صخره ومرمر شوى ... چون بصاحب دل رسى جوهر شوى
انهم تحت قبابى كامنون ... جز كه يزدانشان نداند ز آزمون [٢]
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا بيان لمعاملتهم مع المؤمنين والكفار وما صدرت به القصة فمساقه لبيان مذهبهم وتمهيد نفاقهم فليس بتكرير اى هؤلاء المنافقون إذا عاينوا وصادقوا
стр. 61
واستقبلوا الذين آمنوا بالحق وهم المهاجرون والأنصار قالُوا كذبا آمَنَّا كأيمانكم وتصديقكم روى ان عبد الله بن ابى المنافق وأصحابه خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من الصحابة رضى الله عنهم فقال ابن ابى انظروا كيف أرد هذه السفهاء عنكم فلما دنوا منهم أخذ بيد ابى بكر رضى الله عنه فقال مرحبا بالصديق سيد بنى تميم وشيخ الإسلام وثانى رسول الله ﷺ في الغار الباذل نفسه وماله لرسول الله ﷺ ثم أخذ بيد عمر رضى الله عنه فقال مرحبا بسيد بنى عدى الفاروق القوى في دينه الباذل نفسه وماله لرسول الله ﷺ ثم أخذ بيد على رضى الله عنه فقال مرحبا بابن عم رسول الله وختنه وسيد بنى هاشم ما خلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له على رضى الله عنه يا عبد الله اتق الله ولا تنافق فان المنافقين شر خلق الله فقال له مهلا يا أبا الحسن أنى تقول هذا والله ان أيماننا كأيمانكم وتصديقنا كتصديقكم ثم افترقوا فقال ابن ابى لاصحابه كيف رأيتمونى فعلت فاذا رأيتموهم فافعلوا ما فعلت فأثنوا عليه خيرا وقالوا ما نزال بخير ما عشت فينا فرجع المسلمون الى رسول الله ﷺ واخبروه بذلك فنزلت الآية وَإِذا خَلَوْا اى مضوا أو اجتمعوا على الخلوة والى بمعنى مع او انفردوا والى بمعنى الباء او مع تقول خلوت بفلان واليه إذا انفردت معه إِلى شَياطِينِهِمْ أصحابهم المماثلين للشيطان فى التمرد والعناد المظهرين لكفرهم واضافتهم اليه للمشاركة في الكفر او كبار المنافقين والقائلون صغارهم وكل عات متمرد فهو شيطان وقال الضحاك المراد بشياطينهم كهنتهم وهم في بنى قريظة كعب بن الأشرف وفي بنى اسلم ابو بردة وفي جهينة عبد الدار وفي بنى اسد عوف بن عامر وفي الشام عبد الله بن سوداء وكانت العرب تعتقد فيهم انهم مطلعون على الغيب ويعرفون الاسرار ويداوون المرضى وليس من كاهن الا وعند العرب ان معه شيطانا يلقى اليه كهانته وسموا شياطين لبعدهم عن الحق فان الشطون هو البعد كذا في التيسير قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ انا مصاحبوكم وموافقوكم على دينكم واعتقادكم لا نفارقكم في حال من الأحوال وكأنه قيل لهم عند قوله إِنَّا مَعَكُمْ فما بالكم توافقون المؤمنين في الإتيان بكلمة الشهادة وتشهدون مشاهدهم وتدخلون مساجدهم وتحجون وتغزون معهم فقالوا إِنَّما نَحْنُ اى في اظهار الايمان عند المؤمنين مُسْتَهْزِؤُنَ بهم من غير ان يخطر ببالنا الايمان حقيقة فنريهم انا نوافقهم على دينهم ظاهرا وباطنا وانما نكون معهم ظاهرا لنشاركهم في غنائمهم وننكح بناتهم ونطلع على أسرارهم ونحفظ أموالنا وأولادنا ونساءنا من أيديهم والاستهزاء التجهيل والسخرية والاستخفاف والمعنى انا نجهل محمدا وأصحابه ونسخر بهم باظهارنا الإسلام فرد الله عليهم بقوله اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ اى يجازيهم على استهزائهم او يرجع وبال الاستهزاء عليهم فيكون كالمستهزئ بهم او ينزل بهم الحقارة والهوان الذي هو لازم الاستهزاء والغرض منه او يعاملهم معاملة المستهزئ بهم اما في الدنيا فباجراء احكام المسلمين عليهم واستدراجهم بالامهال والزيادة في النعمة على التمادي في الطغيان واما في الآخرة فما يروى انه يفتح لهم باب الى الجنة وهم في جهنم فيسرعون نحوه فاذا وصلوا اليه سد عليهم الباب
стр. 62
وردوا الى جهنم والمؤمنون على الأرائك في الجنة ينظرون إليهم فيضحكون منهم كما ضحكوا من المؤمنين في الدنيا فذلك بمقابلة هذا ويفعل بهم ذلك مرة بعد مرة وَيَمُدُّهُمْ اى يزيدهم ويقويهم من مد الجيش وأمده إذا زاده وقواه لا من المد في العمر فانه يعدى باللام كأملى لهم ويدل عليه قراءة ابن كثير ويمدهم فِي طُغْيانِهِمْ متعلق بيمدهم والطغيان مجاوزة الحد في كل امر والمراد افراطهم في العتو وغلوهم في الكفر وفي إضافته إليهم إيذان باختصاصه بهم وتأييد لما أشير اليه من ترتب المد على سوء اختيارهم يَعْمَهُونَ اى يترددون فى الضلالة متحيرين عقوبة لهم في الدنيا لاستهزائهم وهو حال من الضمير المنصوب او المجرور لكون المضاف مصدرا فهو مرفوع حكما والعمه في البصيرة كالعمى في البصر وهو التحير والتردد بحيث لا يدرى اين يتوجه وفي الآيتين إشارات الاولى في قوله
تعالى إِنَّا مَعَكُمْ وهي ان من رام ان يجمع بين طريق الارادة وما عليه اهل العادة لا يلتئم له ذلك والضدان لا يجتمعان ومن كان له من كل ناحية خليط ومن كل زاوية من قلبه ربيط كان نهبا للطوارق ومنقسما بين العلائق فهذا حال المنافق يذبذب بين ذلك وذلك يعنى ان المنافقين لما أرادوا ان يجمعوا بين غبرة الكفار وصحبة المسلمين وان يجمعوا بين مفاسد الكفر ومصالح الايمان وكان الجمع بين الضدين غير جائز فبقوا بين الباب والدار كقوله تعالى مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وكذلك حال المتمنين الذين يدعون الارادة ولا يخرجون عن العادة ويريدون الجمع بين مقاصد الدارين يتمنون أعلى مراتب الدين ويرتعون في أسفل مراتع الدنيا فلا يلتئم لهم ذلك قال ﵇ (ليس الدين بالتمني) وقال (بعثت لرفع العادات ودفع الشهوات) وقال (الدنيا والآخرة ضرتان فمن يدع الجمع بينهما فممكور ومغرور) فمن رام مع متابعة الهوى البلوغ الى الدرجات العلى فهو كالمستهزئ بطريق هذا الفريق فكم في هذا البحر من أمثاله غريق فالله تعالى يمهلهم في طغيان النفس بالحرص على الدنيا حتى يتجاوزوا في طلبها حد الاحتياج إليها ويفتح أبواب المقاصد الدنيوية عليهم ليستغنوا بها وبقدر الاستغناء يزيد طغيانهم كما قال الله تعالى إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى فكان جزاء سيئة تلونهم في الطلب الاستهزاء وجزاء سيئة الاستهزاء الخذلان والامهال الى ان طغوا وجزاء سيئة الطغيان العمه فيترددون فى الضلال متحيرين لا سبيل لهم الى الخروج من الباطل والرجوع الى الحق والاشارة الثانية في قوله تعالى اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وهي ان ذلك يدل على شرف المؤمنين ومنزلتهم عند الله حيث ان الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاما للمؤمنين ولا يحوج المؤمنين الى ان يعارضوهم باستهزاء مثله فناب الله عنهم واستهزأ بهم الاستهزاء الا بلغ الذي ليس استهزاؤهم عنده من باب الاستهزاء حيث ينزل بهم من النكال ويحل عليهم من الذل والهوان ما لا يوصف به ودلت الآية على قبح الاستهزاء بالناس وقد قال لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ وقال في قصة موسى ﵇ قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ فاخبر انه فعل الجاهلين وإذا كان الاستهزاء بالناس قبيحا فما جزاء الاستهزاء بالله وهو فيما قال النبي ﷺ (المستغفر من الذنب وهو مصر عليه كالمستهزئ بربه) والاشارة الثالثة في قوله تعالى وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
стр. 63
وهي ان العبد ينبغى له ان لا يغتر بطول العمر وامتداده ولا بكثرة أمواله وأولاده والله تعالى يقول في أعدائه في حق المعمر ويمدهم وفي حق المال والبنين يحسبون انما نمدهم به من مال وبنين وكان طول العمر لهم خذلانا وكثرة الأموال والأولاد لهم حرمانا ولهم فى مقابلة هذا المد مد قال الله تعالى وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا وقد جعل الله لعدوه في الدنيا مالا ممدودا ولوليه في الآخره ظلا ممدودا وقال الله ﷻ لمحمد ﷺ ليلة المعراج (ان من نعمتى على أمتك انى قصرت أعمارهم كيلا تكثر ذنوبهم وأقللت أموالهم كيلا يشتد فى القيامة حسابهم وأخرت زمانهم كيلا يطول في القبور حبسهم) وروى ان الله تعالى قال لحبيبه ليلة المعراج (يا احمد لا تتزين بلين اللباس وطيب الطعام ولين الوطاء فان النفس مأوى كل شر وهى رفيق سوء كلما تجرها الى طاعة تجرك الى معصية وتخالفك في الطاعة وتطيع لك في المعصية وتطغى إذا شبعت وتتكبر إذا استغنت وتنسى إذا ذكرت وتغفل إذا امنت وهي قرينة للشيطان) كذا في مشكاة الأنوار أُولئِكَ المنافقون المتصفون بما ذكر من الصفات الشنيعة المميزة لهم عمن عداهم أكمل تمييز بحيث صاروا كأنهم حضار مشاهدون على ما هم عليه وما فيه من معنى البعد للايذان ببعد منزلتهم في الشر وسوء الحال ومحله الرفع على الابتداء وخبره قوله الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى اصل الاشتراء بذل الثمن لتحصيل ما يطلب من الأشياء ثم استعير للاعراض عما في يده محصلا به غيره ثم اتسع فيه فاستعمل للرغبة عن الشيء طمعا في غيره وهو هاهنا عبارة عن معاملتهم السابقة المحكية واشتروا الضلالة وهي الكفر والعدول عن الحق والصواب بالهدى وهو الايمان والسلوك في الطريق المستقيم والاستقامة عليه مستعار لاخذها بدلا منه أخذا متصفا بالرغبة فيها والاعراض عنه اى اختاروها عليه واستبدلوها به وأخذوها مكانه وجعل الهدى كأنه في أيديهم لتمكنهم منه وهو الاستعداد به فبميلهم الى الضلالة عطلوه وتركوه والباء تصحب المتروك في باب المعاوضة وهذا دليل على ان الحكم يثبت بالتعاطى من غير تكلم بالإيجاب والقبول فان هؤلاء سموا مشترين بترك الهدى وأخذ الضلال من غير التكلم بهذه المبادلة كما في التيسير فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ ترشيح للمجاز اى ما ربحوا فيها فان الربح مسند الى ارباب التجارة في الحقيقة فاسناده الى التجارة نفسها على الاتساع لتلبسها بالفاعل او لمشابهتها إياه من حيث انها سبب الربح والخسران ودخلت الفاء لتضمن الكلام معنى الشرط تقديره وإذا اشتروا فما ربحوا كما في الكواشي والتجارة صناعة التجار وهو التصدي بالبيع والشراء لتحصيل الربح وهو الفضل على رأس المال وَما كانُوا مُهْتَدِينَ اى الى طريق التجارة فان المقصد منها سلامة رأس المال مع حصول الربح ولئن فات الربح في صفقة فربما يتدارك في صفقة اخرى لبقاء الأصل واما إتلاف الكل بالمرة فليس من باب التجارة قطعا وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين لان رأس مالهم كان الفطرة السليمة والعقل الصرف فلما اعتقدوا هذه الضلالات بطل استعدادهم واختل عقلهم ولم يبق لهم رأس مال يتوسلون به الى درك الحق ونيل الكمال فبقوا خاسرين آيسين من الربح فاقدين الأصل نائين عن طريق التجارة بألف منزل واعلم ان المهتدى
стр. 64
هو الذي ترك الدنيا والعادة ثم اشتغل بوظائف الطاعة والعبادة لا من اتبع كل ما يهواه وخلط هواه بهداه- حكى- انه كان للشيخ الأستاذ ابى على الدقاق رضى الله عنه مريد تاجر متمول فمرض يوما فعاده الشيخ وسأل منه سبب علته فقال التاجر قمت هذه الليلة لمصلحة التهجد فلما أردت الوضوء بدا لي من ظهرى حرارة فاشتد امرى حتى صرت محموما فقال الشيخ لا تفعل فعلا فضوليا ولا ينفعك التهجد ما دمت لم تهجر دنياك وتخرج محبتها من قلبك فاللائق لك اولا هوذا ثم الاشتغال بوظائف النوافل فمن كان به أذى من رأسه من صداع لا يسكن ألمه بالطلاء على الرجل ومن تنجست يده لا يجد الطهارة بغسل ذيله وكمه قال بعض المشايخ من علامة اتباع الهوى المسارعة الى نوافل الخيرات والتكاسل عن القيام بحقوق الواجبات وهذا غالب في الخلق الا من عصمه الله ترى الواحد منهم يقوم بالاوراد الكثيرة والنوافل العديدة الثقيلة
ولا يقوم بفرض واحد على وجهه فعلى العاقل تحصيل رأس المال ثم تحصيل الربح المترتب عليه وذلك بالاختيار لا بالاضطرار وقد أوجب الله على العباد وجود طاعته لما علم من قلة نهوضهم الى معاملته إذ ليس لهم ما يردهم اليه بلا علة وهذا حال اكثر الخلق بخلاف اهل المروءة والصفاء: قال في المثنوى
اختيار آمد عبادت را نمك ... ور نه ميگردد بنا خواه اين فلك
گردش او را نه اجر ونه عقاب ... كاختيار آمد هنر وقت حساب [١]
ائتيا كرها مهار عاقلان ... ائتيا طوعا مهار بيدلان [٢]
اين محب دايه ليك از بهر شير ... وان دگر دل داده بهر آن ستير [٣]
فاوجب الله عليك وجود طاعته وما أوجب عليك بالحقيقة الا دخول جنته إذ الأمر آيل إليها والأسباب عدمية فان تعللت النفس عن التشمير بما هي عليه من الاستغراق في كل دنى وحقير فاعلم ان من استغرب ان ينقذه الله من شهوته التي اعتقلته عن الخيرات وان يخرجه من وجود غفلته التي شملته في جميع الحالات فقد استعجز القدرة الالهية وقد قال الله تعالى وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً فابان سبحانه ان قدرته شاملة صالحة لكل شىء وهذا من الأشياء وان أردت الاستعانة على تقوية رجائك في ذلك فانظر لحال من كان مثلك ثم أنقذه الله وخصه بعنايته كابراهيم بن أدهم وفضيل بن عياض وابن المبارك وذى النون المصري ومالك بن دينار وغيرهم من مجرمى البداية كذا في شرح الحكم العطائية: قال الحافظ قدس سره
عاشق كه شد كه يار بحالش نظر نكرد ... اى خواجه درد نيست وگر نه طبيب هست
قال القاشاني فى تأويل الآية الهدى النور الثاني في قوله تعالى نُورٌ عَلى نُورٍ وهو النور الفطري الأزلي المراد من قول المحققين هو الاستعداد من فيضه الأقدس والضلالة ظلمة النشأة الحاجبة له بسلوك طريق المطالب الطبيعية الفاسدة والمقاصد الهيولانية الفاسقة بهوى النفس وتتبع خطوات الشيطان والربح هو النور الاول المقدس الكمالي المكتسب بالتوجه الى الحق والاتصال بعالم القدس والانقطاع والتبتل الى الله من الغير والتبري بحوله وقوته من كل حول وقوة حتى يخلص روح المشاهدة من أعباء المكابدة بطلوع الوجه الباقي وإحراق سبحانه كل
стр. 65
ما في بقعة الإمكان من الرسم الفاني وخسر انهم باضاعة الامرين هو الحجاب الكلى عن الحق بالرين كما قال تعالى كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ وفي التأويلات النجمية الاشارة في الآية ان من نتيجة طغيانهم وعمههم ان رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها وأشربوا في قلوبهم الضلالة وتمكنت فكانت هذه الحال من نتيجة معاملتهم فلهذا أضاف الفعل إليهم وقال أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وانما قال بلفظ الاشتراء لانهم اخرجوا استعداد قبول الهداية عن قدرتهم وتصرفهم فلا يملكون الرجوع اليه فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ لان خسران من رضى بالدنيا من العقبى ظاهر ومن اثر الدنيا والعقبى على المولى فهو أشد خسرانا وأعظم حرمانا فاذا كان المصاب بفوات النعيم ممتحنا بنار الجحيم فما ظنك بالمصاب بفقد المطلوب وبعد المحبوب ضاعت منه الأوقات وبقي في أسر الشهوات لا الى قلبه رسول ولا لروحه وصول لا من الحبيب اليه وفود ولا لسره معه شهود فهذا هو المصاب الحقيقي وَما كانُوا مُهْتَدِينَ لابطالهم حسن استعداد قبول الهداية مَثَلُهُمْ المثل في الأصل بمعنى النظير ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده اى المضروب كما ورد من غير تغيير ولا يضرب الا بما فيه غرابة ولذلك حوفظ عليه من التغيير ثم استعير لكل حال او قصة او صفة لها شأن عجيب وفيها غرابة كقوله تعالى مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ وقوله تعالى وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى اى الوصف الذي له شأن من العظمة والجلال ولما جاء الله بحقيقة حال المنافقين عقبها بضر المثل زيادة في التوضيح والتقرير فان التمثيل ألطف ذريعة الى تسخير الوهم للعقل وأقوى وسيلة الى تفهيم الجاهل الغبي وقمع سورة الجامح الآبي كيف لا يلطف وهو إبداء للمنكر في صورة المعروف واظهار للوحشى في هيئة المألوف واراءة للخيل محققا والمعقول محسوسا وتصوير للمعانى بصورة الاشخاص ومن ثمة كان الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي والغائب بالشاهد ولامر ما اكثر الله في كتبه الأمثال وفي الإنجيل سورة تسمى سورة الأمثال وفي القرآن الف آية من الأمثال والعبر وهي في كلام الأنبياء ﵈ والعلماء والحكماء كثيرة لا تحصى ذكر السيوطي في الإتقان من أعظم علم القرآن أمثاله والناس في غفلة عنه والمعنى حالهم العجيبة الشان كَمَثَلِ الَّذِي اى كحال الذين من باب وضع واحد الموصول موضع الجمع منه تخفيفا لكونه مستطالا بصلته كقوله وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا والقرينة ما قبله وما بعده خلا انه وحد الضمير في قوله تعالى اسْتَوْقَدَ ناراً نظرا الى الصورة وجمع في الافعال الآتية نظرا الى المعنى والاستيقاد طلب الوقود والسعى في تحصيله وهو سطوع النار وارتفاع لهبها والنار جوهر لطيف مضيئ محرق حار والنور ضوءها وضوء كل نير وهو نقيض الظلمة اى أوقد في مفازة في ليلة مظلمة نارا عظيمة خوفا من السباع وغيرها فَلَمَّا أَضاءَتْ الاضاءة فرط الانارة كما يعرب عنه قوله تعالى هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً اى أنارت النار ما حَوْلَهُ اى ما حول المستوقد من الأماكن والأشياء على ان ما مفعول أضاءت ان جعلته متعديا وحول نصب على الظرفية وان جعلته لازما فهو مسند الى ما والتأنيث لان ما حوله أشياء
стр. 66
وأماكن واصل الحول الدوران ومنه الحول للعام لانه يدور وجواب لما قوله تعالى ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ اى أذهبه بالكلية واطفأ نارهم التي هي مدار نورهم وانما علق الاذهاب بالنور دون نفس النار لانه المقصود بالاستيقاد واسناد الاذهاب الى الله تعالى اما لان الكل بخلقه تعالى واما لان الانطفاء حصل بسبب خفى أو أمر سماوى كريح او مطر واما للمبالغة كما يوذن به تعدية الفعل بالباء دون الهمزة لما فيه من معنى الاستصحاب والإمساك يقال ذهب السلطان بماله إذا اخذه وما اخذه الله تعالى فامسكه فلا مرسل له من بعده ولذلك عدل عن الضوء الذي هو مقتضى الظاهر الى النور لان ذهاب الضوء قد يجامع بقاء النور في الجملة لعدم استلزام عدم القوى لعدم الضعيف والمراد إزالته بالكلية كما يفصح عنه قوله تعالى وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ فان الظلمة هي عدم النور وانطماسه بالمرة لا سيما إذا كانت متضاعفة متراكمة متراكبا بعضها على بعض كما يفيده الجمع والتنكير التفخيمى وما بعده من قوله لا يُبْصِرُونَ لا يتحقق الا بعد ان لا يبقى من النور عين ولا اثر وترك في الأصل بمعنى طرح وخلى وله مفعول واحد فضمن معنى التصيير فجرى مجرى افعال القلوب اى صيرهم فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ما حولهم فعلى هذا يكون قوله فِي ظُلُماتٍ وقوله لا يُبْصِرُونَ مفعولين لصير بعد المفعول الاول على سنن الاخبار المتتابعة للمخبر عنه الواحد وان حمل معناه على الأصل يكونان حالين من المفعول مترادفين او متداخلين والمعنى ان حالهم العجيبة التي هي اشتراؤهم الضلالة التي هي عبارة عن ظلمتى الكفر والنفاق المستتبعين لظلمة سخط الله تعالى وظلمة يوم القيامة يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ وظلمة العقاب السرمدي بالهدى الذي هو الفطري النوري المؤيد بما شاهدوه من دلائل الحق كحال من استوقد نارا عظيمة حتى كاد ينتفع بها فاطفأها الله تعالى وتركه في ظلمات هائلة لا يتسنى فيها الابصار وفي التيسير والعيون ان المنافقين أظهروا كلمة الايمان فاستناروا بنورها واستعزوا بعزها وأمنوا بسببها فناكحوا المسلمين ووارثوهم وقاسموهم الغنائم وأمنوا على أموالهم وأولادهم فاذا بلغوا الى آخر العمر كل لسانهم عنها وبقوا في ظلمة كفرهم أبد الأبد وعادوا الى الخوف والظلمة صُمٌّ اى هم صم عن الحق لا يقبلونه وإذا لم يقبلوا فكانهم لم يسمعوا والصم انسداد خروق المسامع بحيث لا يكاد يصل إليها هواء يحصل الصوت بتموجه بُكْمٌ خرس عن الحق لا يقولونه لما ابطنوا خلاف ما أظهروا فكانهم لم ينطقوا وهو آفة في اللسان لا يتمكن بها ان يعتمد مواضع الحروف عُمْيٌ اى فاقدوا الابصار عن النظر الموصل الى العبرة التي تؤديهم الى الهدى وفاقدوا البصيرة ايضا لان من لا بصيرة له كمن لا بصر له فالعمى مستعمل هاهنا في عدم البصر والبصيرة جمعيا وهذه صفاتهم في الدنيا ولذلك عوقبوا فى الآخرة بجنسها قال تعالى وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا فلا يسمعون سلام الله ولا يخاطبون الله ولا يرونه والمسلمون كانوا سامعين للحق قائلين بالحق ناظرين الى الحق فيكرمون يوم القيامة بخطابه ولقائه وسلامه فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ اى هم بسبب اتصافهم بالصفات المذكورة لا يعودون عن الضلالة الى الهدى الذي تركوه والآية
стр. 67
فذلكة التمثيل ونتيجته وأفادت انهم كانوا يستطيعون الرجوع باستطاعة سلامة الآلات حيث استحقوا الذم بتركه وان قوله تعالى صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ليس بنفي الآلات بل هو نفى تركهم استعمالها: قال السعدي قدس سره
زبان آمد از بهر شكر وسپاس ... بغيبت نگرداندش حق شناس
گذرگاه قرآن و پندست كوش ... به بهتان باطل شنيدن مكوش
دو چشم از پى صنع بارى نكوست ... ز عيب بردار فرو گير ودوست
ثم ان الله تعالى ندب الخلق الى الرجوع بالائتمار بامره والانتهاء بنهيه بقوله تعالى وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ فمن لم يرجع اليه اختيارا رجعوا اليه بالموت والبعث كما قال تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ ومن رجع اليه في الدنيا بفعله وحقق ذلك بقوله إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ كان رجوعه اليه بالكرامة ويخاطب بقوله يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً- حكى- ان جبارا عاتيا في الزمن الاول بنى قصرا وشيده وزخرفه ثم آلى بيمينه ان لا يدنو من قصره هذا أحد فمن وقع بصره عليه قتله فكان يفعل ذلك ويقتل حتى جاءه رجل من اهل قريته فوعظه فى ذلك فلم يلتفت الى تحذيره ولم يعبأ بقوله فخرج ذلك الرجل الصالح من قريته وبنى كوخا وهو بيت من قصب بلا كوة وجعل يعبد الله فيه فبينما هذا الجبار في قصره وأصحابه قيام بين يديه إذ تمثل له ملك الموت على صورة رجل شاب حسن الهيئة فجعل يطوف حول هذا القصر ويرفع رأسه اليه فقال بعض ندمائه ايها الملك انا نرى رجلا يطوف حول القصر وينظر اليه فتعالى الملك على منظر له فابصره فقال هذا مجنون او غريب عابر سبيل ولكن انزل اليه فأرحه من نفسه فنزل اليه الرجل فلما أراد ان يرفع اليه السيف قبض روحه فخر ميتا فقيل للملك ان هذا قد قتل صاحبك فقال للآخر انزل اليه فاقتله فلما نزل وأراد ان يقتله قبض روحه فخر ميتا فرفع ذلك الى الملك فامتلأ غضا وأخذ السيف ونزل اليه بنفسه فقال من أنت اما رضيت ان دنوت من قصرى حتى قتلت رجلين من أصحابي فقال أو ما تعرفنى انا ملك الموت فارتعد الملك من هيبته حتى سقط السيف من يده قال فعرفتك الآن وأراد ان ينصرف فقال له ملك الموت الى اين انى أمرت بقبض روحك فقال حتى اوصى أهلي وأودعهم فقال له لم لم تفعل في طول عمرك قبل هذا فقبض روحه فخر الملك ميتا ثم جاء ملك الموت الى ذلك الرجل الصالح في كوخه فقال له ايها الرجل الصالح ابشر فانى ملك الموت وقد قبضت روح الملك الجبار فاعلم ذلك وأراد ان يرجع فاوحى الله تعالى الى ملك الموت ان اقبض روح الرجل الصالح فقال له ملك الموت انى أمرت بقبض روحك قال فهل لك يا ملك الموت ان ادخل القرية فاحدث باهلى عهدا وأودعهم فاوحى الله تعالى اليه ان أمهله يا ملك الموت فقال ان شئت فرفع الرجل الصالح قدميه ليدخل القرية فتفكر ثم ندم فقال يا ملك الموت انى أخاف ان رأيت أهلي ان يتغير قلبى فاقبض روحى فالله تعالى خير لهم منى فقبض روحه على المكان قال بعض العارفين والعجب كل العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له عنه وهو
стр. 68
مولاه الذي من عليه بكل خير وأولاه ويطلب ما لا بقاء له معه وهو ما يوافق النفس من شهوته وهواه وآخرته ودنياه فانها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور واسباب عمى البصيرة ثلاثة إرساله الجوارح في معاصى الله والتصنع بطاعة الله والطمع في خلق الله فعند عماها يتوجه العبد للخلق ويعرض عن الحق وفي التأويلات النجمية الاشارة في تحقيق الآيتين ان مثل المريد الذي له بداية جميلة يسلك طريق الارادة مدة ويتعنى بمقاساة شدائد الصحبة برهة حتى تنور بنور الارادة فاستوقد نار الطلب فاضاءت ما حوله فرأى اسباب السعادة والشقاوة فتمسك بحبل الصحبة فلازم الخدمة والخلوة وعرفت نفسه عن الدنيا واقبل على قمع الهوى فشرقت له من صفاء القلب شوارق الشوق وبرقت له من أنوار الروح بوارق الذوق فامن مكر الله وانخدع بخداع النفس فطرقته الهواجس وأزعجته الوساوس ثم رجع القهقرى الى ما كان من حضيض الدنيا فغابت شمسه واظلمت نفسه وانقطع حبل وصاله قبل وصوله واخرج من جنة نواله بعدد دخوله فبقدمى سأمه وملاله عاد الى أسوأ حاله كما قال تعالى وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ صُمٌّ يعنى بآذان قلوبهم التي سمعوا بها خطاب الله تعالى يوم الميثاق بُكْمٌ بتلك الالسنة التي أجابوا ربهم بها بقولهم بلى عُمْيٌ بالأبصار التي شاهدوا بها جمال ربوبيته فعرفوه فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ الى منازل حظائر القدس بل الى ما كانوا فيه من رياض الانس وذلك لانهم سدوا روزنة قلوبهم التي كانت مفتوحة الى عالم الغيب يوم الميثاق بتتبع الشهوات واستيفاء اللذات والخدعة والنفاق فما هبت عليهم من جناب القدس الرياح وما تنسموا نفحات الأرواح فمرضت قلوبهم ثم أرسل إليهم الطبيب الذي انزل الداء فانزل معه الدواء كما قال تعالى وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الذين يصدقون الأطباء ويقبلون الدواء فلم يصدقوهم ولم يقبلوا الدواء ظلما على أنفسهم فصار الدواء داء والشفاء وباء كما قال تعالى وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً فلما لم يكونوا اهل الرحمة أدركتهم اللعنة الموجبة للصمم والعمى لقوله تعالى أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ أَوْ مثل المنافقين كَصَيِّبٍ اى كحال اصحاب صيب اى مطر يصوب اى ينزل ويقع من الصوب وهو النزول أصله صيوب والكاف مرفوع المحل عطف على الكاف في قوله كَمَثَلِ الَّذِي وأو للتخيير والتساوي اى كيفية قصة المنافقين شبيهة بكيفية هاتين القصتين والقصتان سواء في استقلال كل واحدة منهما بوجه التمثيل فبأيتهما مثلتها فانت مصيب وان مثلتها بهما جميعا فكذلك مِنَ السَّماءِ متعلق بصيب والسماء سقف الدنيا وتعريفها للايذان بان انبعاث الصيب ليس من أفق واحد فان كل أفق من آفاقها اى كل ما يحيط به كل أفق منها سماء على حدة والمعنى انه صيب عام نازل من غمام مطبق آخذ بآفاق السماء وفيه ان السحاب من السماء ينحدر ومنها يأخذ ماءه لا كزعم من يزعم انه يأخذه من البحر قال الامام من الناس من قال المطر انما يتحصل من ارتفاع ابخرة رطبة من الأرض الى الهواء فينعقد هناك من شدة برد الهواء ثم ينزل مرة اخرى وأبطل الله ذلك المذهب هنا بان بين ان ذلك الصيب نزل من السماء وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان تحت العرش بحرا ينزل منه أرزاق الحيوانات يوحى اليه فيمطر ما شاء من سماء الى سماء حتى ينتهى الى سماء
стр. 69
الدنيا ويوحى الى السحاب ان غربله فيغربله فليس من قطرة تقطر الا ومعها ملك يضعها موضعها ولا ينزل من السماء قطرة الا بكيل معلوم ووزن معلوم الا ما كان من يوم الطوفان من ماء فانه نزل بلا كيل ولا وزن كذا في تفسير التيسير فِيهِ اى في الصيب ظُلُماتٌ انواع منها وهي ظلمة تكاثفه وانتساجه بتتابع القطر وظلمة اظلال ما يلزمه من الغمام المطبق الآخذ بالآفاق مع ظلمة الليل وليس في الآية ما يدل على ظلمة الليل لكن يمكن ان يؤخذ ظلمة الليل من سياق الآية حيث قال تعالى بعد هذه الآية يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ وبعده وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا فان خطف البرق البصر انما يكون غالبا في ظلمة الليالى وكذا وقوف الماشي عن المشي انما يكون إذا اشتد ظلمة الليل بحيث يحجب الابصار عن أبصار ما هو امام الماشي من الطريق
وغيره وظلمة سحمة السحاب وتكاثفه في النهار لا يوجب وقوف الماشي عن المشي كذا في حواشى ابن التمجيد وجعل المطر محلا للظلمات مع ان بعضها لغيره كظلمة الغمام والليل لما انهما جعلتا من توابع ظلمته مبالغة في شدته وتهويلا لامره وإيذانا بانه من الشدة والهول بحيث تغمر ظلمته ظلمات الليل والغمام ورفع ظلمات بالظرف على الاتفاق لاعتماده على موصوف لان الجملة في محل الجر صفة لصيب على وجه وَرَعْدٌ هو صوت قاصف يسمع من السحاب وَبَرْقٌ هو ما يلمع من السحاب إذا تحاكت اجزاؤه وكونهما في الصيب مع ان مكانهما السحاب باعتبار كونها في أعلاه ومنصبه وملتبسين في الجملة به ووصول أثرهما اليه فهما فيه والمشهور بين الحكماء ان الرعد يحدث من اصطكاك اجرام السحاب بعضها ببعض او من إقلاع بعضها عن بعض عند اضطرابها بسوق الرياح إياها سوقا عنيفا والصحيح الذي عليه التعويل ما روى عن الترمذي عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال أقبلت يهود الى رسول الله ﷺ فقالوا أخبرنا عن الرعد ما هو قال ﵇ (ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوقه بها حيث شاء الله) فقالوا فما هذا الصور الذي يسمع قال (زجره حتى ينتهى الى حيث امر) فقالوا صدقت فالمراد بالرعد في الآية صوت ذلك الملك لا عينه كما في بعض الروايات من (ان الرعد ملك موكل بالسحاب يصرفه الى حيث يؤمر وانه يجوز الماء في نقرة إبهامه وانه يسبح الله فاذا سبح الله لا يبقى ملك في السماء إلا رفع صوته بالتسبيح فعندها ينزل القطر) انتهى والمراد بالبرق ضربه السحاب بتلك المخاريق وهي جمع مخراق وهو في الأصل ثوب يلف ويضرب به الصبيان بعضهم بعضا أريد انها آلة تزجر بها الملائكة السحاب قال مرجع الطريقة الجلوتية بالجيم الشيخ الشهير بافتاده افندى البروسوى التوفيق بين قول الحكماء وبين قوله ﷺ (ان الرعد صوت ملك على شكل النحل) هو انه يصيح من خارج هذا العالم ولكن يدخل فيه ويؤثر في داخله فنحن نسمع من داخله كما ان واحدا إذا أكل شيأ نفاخا يحصل في داخله رياح ذات أصوات فمنشأها من الخارج وظهورها في الداخل فكلام النبي ﷺ ناظر الى مبدئها وكلام الحكماء ناظر الى مظهرها يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ الضمائر للمضاف المحذوف لان التقدير او كاصحاب صيب كما سبق ولا محل لقوله يجعلون لكونه مستأنفا لانه لما ذكر الرعد والبرق على ما يوذن
стр. 70
بالشدة والهول فكأن قائلا قال كيف حالهم مع مثل ذلك الرعد فقيل يجعلون أصابعهم في آذانهم والمراد أناملهم وفيه من المبالغة ما ليس في ذكر الأنامل كأنهم يدخلون من شدة الحيرة أصابعهم كلها في آذانهم لا أناملها فحسب كما هو المعتاد ويجوز ان يكون هذا ايماء الى كمال حيرتهم وفرط دهشتهم وبلوغهم الى حيث لا يهتدون الى استعمال الجوارح على النهج المعتاد وكذا الحال في عدم تعيين الإصبع المعتاد اعنى السبابة وقيل لرعاية الأدب لانها فعالة من السب فكان اجتنابها اولى بآداب القرآن ألا ترى انهم قد استبشعوها فكنوا عنها بالمسبحة والمهللة وغيرهما ولم يذكر من أمثال هذه الكنايات لانها ألفاظ مستحدثة لم يتعارفها الناس في ذلك العهد مِنَ الصَّواعِقِ متعلق بيجعلون اى من أجل خوف الصواعق المقارنة للرعد وهي جمع صاعقة وهي قصفة رعد هائل تنقض معها شعلة نار لا تمر بشئ الا أتت عليه لكنها مع حدتها سريعة الخمود للطافتها- حكى- انها سقطت على نخلة فاحرقت نحو النصف ثم طفئت قالوا بين السماء وبين الكلة الرقيقة التي لا يرى أديم السماء إلا من ورائها نار منها تكون الصواعق تخرج النار فتفتق الكلة ويكون الصوت منها كما في روضة العلماء وقيل تنقدح من السحاب إذا اصطكت اجرامه او جرم ثقيل مذاب مفرغ من الاجزاء اللطيفة الارضية الصاعدة المسماة دخانا والمائية المسماة بخارا حار حاد في غاية الحدة والحرارة لا يقع على شىء إلا ثقب واحرق ونفذ فى الأرض حتى بلغ الماء فانطفأ ووقف قالوا إذا أشرقت الشمس على ارض يابسة تحللت منها اجزاء نارية يخالطها اجزاء ارضية يسمى المركب منهما دخانا ويخلط بالبخار ويتصاعدان معا الى الطبقة الباردة فينعقد البخار سحابا وينحبس الدخان فيه ويطلب الصعود ان بقي على طبيعته والنزول ان ثقل وكيف كان يمزق السحاب تمزيقا عنيفا فيحدث منه الرعد ثم قد يحدث شدة حركة ومحاكة فيحدث منه البرق ان كان لطيفا والصاعقة ان كان غليظا قال ابن عباس رضى الله عنهما من سمع صوت الرعد فقال سبحان الذى يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فان أصابته صاعقة فعلى ديته وكان ﷺ يقول إذا سمع الرعد وصواعقه (اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك) كذا فى تفسير الشيخ وشرح الشرعة حَذَرَ الْمَوْتِ منصوب بيجعلون على العلة اى لاجل مخافة الهلاك والموت فساد بنية الحيوان وَاللَّهُ مُحِيطٌ اصل الإحاطة الاحداق بالشيء من جميع جهاته وهو مجاز في حقه تعالى اى محدق بعلمه وقدرته بِالْكافِرِينَ اى لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط حقيقة فيحشرهم يوم القيامة ويعذبهم والجملة اعتراضية منبهة على ان ما صنعوا من سد الآذان بالأصابع لا يغنى عنهم شيأ فان القدر لا يدافعه الحذر والحيل لا ترد بأس الله وفائدة وضع الكافرين موضع الضمير الراجع الى اصحاب الصيب الإيذان بان مادهمهم من الأمور الهائلة المحكية بسبب كفرهم يَكادُ الْبَرْقُ
اى يقرب استئناف آخر وقع جوابا عن سؤال مقدر كانه قيل فكيف حالهم مع ذلك البرق فقيل يكاد ذلك يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ اى يختلسها ويستلبها بسرعة من شدة ضوئه كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ كلما ظرف والعامل فيه جوابها وهو مشوا وأضاء متعد اى أنار البرق الطريق في الليلة المظلمة
стр. 71
وهو استئناف ثالث كانه قيل كيف يصنعون في تارتى خفوق البرق وخفيته أيفعلون بأبصارهم ما يفعلون بآذانهم أم لا فقيل كلما نور البرق لهم ممشى ومسلكا مَشَوْا فِيهِ اى في ذلك المسلك اى في مطرح نوره خطوات يسيرة مع خوف ان يخطف أبصارهم وإيثار المشي على ما فوقه من السعى والعدو للاشعار بعدم استطاعتهم لهما لكمال دهشتهم وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ اى خفى البرق واستتر فصار الطريق مظلما قامُوا اى وقفوا في أماكنهم على ما كانوا عليه من الهيئة متحيرين مترصدين لحظة اخرى عسى يتسنى لهم الوصول الى المقصد او الالتجاء الى ملجأ يعصمهم وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مفعوله محذوف اى لو أراد ان يذهب الاسماع التي في الرأس والابصار التي في العين كما ذهب بسمع قلوبهم وابصارها لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ بصوت الرعد ونور البرق عقوبة لهم لانه لا يعجز عن ذلك إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ اى على كل موجود بالإمكان والله تعالى وان كان يطلق عليه الشيء لكنه موجود بالوجوب
دون الإمكان فلا يشك العاقل ان المراد من الشيء في أمثال هذا ما سواه تعالى فالله تعالى مستثنى فى الآية مما يتناوله لفظ الشيء بدلالة العقل فالمعنى على كل شىء سواه قدير كما يقال فلان أمين على معنى أمين على من سواه من الناس ولا يدخل فيه نفسه وان كان من جملتهم كما في حواشى ابن التمجيد قَدِيرٌ اى فاعل له على قدر ما تقتضيه حكمته لا ناقصا ولا زائدا ثم ان هذا التمثيل كشف بعد كشف وإيضاح بعد إيضاح ابلغ من الاول شبه الله حال المنافقين في حيرتهم وما خبطوا فيه من الضلالة وشدة الأمر عليهم وخزيهم وافتضاحهم بحال من أخذته السماء فى ليلة مظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق والموت هذا إذا كان التمثيل مركبا وهو الذي يقتضيه جزالة التنزيل فانك تتصور في المركب الهيئة الحاصلة من تفاوت تلك الصور وكيفياتها المتضامة فيحصل في النفس منه ما لا يحصل من المفردات كما إذا تصورت من مجموع الآية مكابدة من أدركه الوبل الهطل مع تكاثف ظلمة الليل وهيئة انتساج السحاب بتتابع القطر وصوت الرعد الهائل والبرق الخاطف والصاعقة المحرقة ولهم من خوف هذه الشدائد حركات من تحذر الموت حصل لك منه امر عجيب وخطب هائل بخلاف ما إذا تكلفت لواحد واحد مشبها به يعنى ان حمل التمثيل على التشبيه المفرق فشبه القرآن وما فيه من العلوم والمعارف التي هي مدار الحياة الابدية بالصيب الذي هو سبب الحياة الارضية وما عرض لهم بنزوله من الغموم والأحزان وانكساف البال بالظلمات وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق وتصاممهم عما يقرع أسماعهم من الوعيد بحال من يهوله الرعد والبرق فيخاف صواعقه فيسد اذنه ولاخلاص له منها واهتزازهم لما يلمع لهم من رشد يدركونه او رفد يحرزونه بمشيهم فى مطرح ضوء البرق كلما أضاء لهم وتحيرهم في أمرهم حين عنّ لهم مصيبة بوقوفهم إذا اظلم عليهم فهذه حال المنافقين قصارى عمرهم الحيرة والدهشة فعلى العاقل ان يتمسك بحبل الشرع القويم والصراط المستقيم كى يتخلص من الغوائل والقيود ومهالك الوجود وغاية الأمر خفية لا يدرى بم يختم قال رجل للحسن البصري كيف أصبحت قال بخير قال كيف حالك فتبسم الحسن ثم قال لا تسأل عن حالى ما ظنك بناس ركبوا سفينة حتى توسطوا البحر فانكسرت
стр. 72
سفينتهم فتعلق كل انسان منهم بخشبة على أي حال هم قال الرجل على حال شديد قال الحسن حالى أشد من حالهم فالموت بحرى والحياة سفينتى والذنوب خشبتى فكيف يكون حال من وصفه هذا يا بنى فلا بد من ترك الذنوب والفرار الى علام الغيوب وفي الحديث (من كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله ومن كانت هجرته الى دنيا يصيبها او امرأة يتزوجها فهجرته الى ما هاجر اليه) تأمل كيف كان جزاء كل مؤمل ما امل واعتبر كيف لم يكرر ذكر الدنيا اشعارا بعدم اعتبارها لخساستها ولان وجودها لعب ولهو فكانه كلا وجود كما قيل
بر مرد هشيار دنيا خسست ... كه هر مدتى جاى ديگر كسست
وانظر الى قوله ﵇ (فهجرته الى ما هاجر اليه) وما تضمن من ابعاد ما سواه تعالى وتدبر ذكر الدنيا والمرأة مع انها منها إذ يشعر بان المراد كل شىء في الدنيا من شهوة او مال واليه يرجع الأكوان وان المراد بالحديث الخروج عن الدنيا بل وعن كل شىء لله تعالى: قال الحافظ
غلام همت آنم كه زير چرخ كبود ... ز هر چهـ رنگ تعلق پذيرد آزادست
يعنى عن كل شىء يقبل التعلق من المال والمنال والأولاد والعيال فلا بد من التعلق بمحبة الملك المتعال وفي التأويلات النجمية أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ الاشارة في تحقيق الآيتين ان الله تعالى شبه حال متمنى هذا الحديث واشتغالهم بالذكر وتتبع القرآن في البداية وتجلدهم في الطلب وما يفتح لهم من الغيب الى ان تظهر النفس الملالة وتقع في آفة الفترة والوقفة بحال من يكون فى المفازة سائرا في ظلمة الليل والمطر وشبه الذكر والقرآن بالمطر لانه ينبت الايمان والحكمة فى القلب كما ينبت الماء البقلة فِيهِ ظُلُماتٌ اى مشكلات ومتشابهات تظهر لسالك الذكر في أثناء السلوك ومعان دقيقة لا يمكن حلها وفهمها والخروج عن عهدة آفاتها الا لمن كان له عقل
منور بنور الايمان مؤيد بتأييد الرحمن كما قال تعالى الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ فكما ان السير لا يمكن في الظلمات الا بنور السراج كذلك لا يمكن السير في حقائق القرآن ودقائقه ولا في ظلمات البشرية الا بنور هداية الربوبية ولهذا قال تعالى كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ يعنى نور الهداية وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا يعنى ظلمة البشرية وَرَعْدٌ اى خوف وخشية ورهبة تتطرق الى القلوب من هيبة جلال الذكر والقرآن كما قال تعالى لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَبَرْقٌ وهو تلألؤ أنوار الذكر والقرآن يهتدى الى القلوب فتلين جلودهم وقلوبهم الى ذكر الله فيظهر فيها حقيقة القرآن والدين فيعرفها القلوب لقوله تعالى وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ
الآية ولما لاح لهم أنوار السعادة خرجوا من ظلمات الطبيعة وتمسكوا بحبل الارادة لينالوا درجات الفائزين ولكن يجعلون أصابعهم اى أصابع آمالهم الفاسدة وأمانيهم الباطلة فِي آذانِهِمْ الواعية مِنَ الصَّواعِقِ ودواعى الحق حَذَرَ من الْمَوْتِ موت النفس لان النفس سمكة حياتها بحر الدنيا وماء الهوى لو أخرجت لماتت في الحال وهذا تحقيق قوله ﵇ (موتوا قبل ان تموتوا) وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ فيه اشارة الى ان الكافر الذي له حياة طبيعية حيوانية لو مات بالارادة من مألوفات الطبيعة لكان احياء الله تعالى بانوار الشريعة كما قال تعالى أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ
стр. 73
فلما لم يمت بالارادة فالله محيط بالكافرين اى مهلكهم ومميتهم في الدنيا بموت الصورة وموت القلب وفي الآخرة بموت العذاب فلا يموت فيها ولا يحيى يَكادُ الْبَرْقُ اى نور الذكر والقرآن يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ اى أبصار نفوسهم الامارة بالسوء كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ نور الهدى مَشَوْا فِيهِ سلكوا طريق الحق بقدم الصدق وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ ظلمات صفات النفس وغلب عليهم الهوى ومالوا الى الدنيا قامُوا اى وقفوا عن السير وتحيروا وترددوا وتطرقت إليهم الآفات واعترتهم الفترات واستولى عليهم الشيطان وسولت لهم أنفسهم الشهوات حتى وقعوا في ورطة الهلاك وَلَوْ شاءَ اللَّهُ اى لو كانت إرادته ان يهديهم لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ اى بسمع نفوسهم التي تصغى الى وساوس الشيطان وغروره وَأَبْصارِهِمْ اى أبصار نفوسهم التي بها تنظر الى زينة الدنيا وزخارفها كقوله تعالى وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اى قادر على سلب أسماعهم وأبصارهم حتى لا يسمعوا الوساوس الشيطانية والهواجس النفسانية ولا يبصروا المزخرفات الدنيوية والمستلذات الحيوانية لكيلا يغتروا بها ويبيعوا الدين بالدنيا ولكن الله يفعل بحكمته ما يشاء ويحكم بعزته ما يريد انتهى يا أَيُّهَا النَّاسُ الآية مسوقة لاثبات التوحيد وتحقيق نبوة محمد ﵊ اللذين هما اصل الايمان والناس يصلح اسما للمؤمنين والكافرين والمنافقين والنداء تنبيه الغافلين او إحضار الغائبين وتحريك الساكنين وتعريف الجاهلين وتفريغ المشغولين وتوجيه المعرضين وتهييج المحبين وتشويق المريدين قال بعض العارفين اقبل عليهم بالخطاب جبرا لما في العبادة من الكلفة بلذة الخطاب اى يا مؤنس لا تنس انسك بي قبل الولادة او يا ابن النسيان تنبه ولا تنس حيث كنت نسيا منسيا ولم تك شيأ مذكورا فخلقتك وخمرتك طينا ثم نطفة ثم دما ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ولحوما وعروقا وجلودا واعصابا ثم جنينا ثم طفلا ثم صبيا ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا وأنت فيما بين ذلك تتمرغ في نعمتى وتسعى في خدمة غيرى تعبد النفس والهوى وتبيع الدين بالدنيا لا تنس من خلقك وجعلك من لا شىء شيأ مذكورا كريما مشكورا علمك وقواك وأكرمك واعطاك ما اعطاك فهذا خطاب للنفس والبدن قال في اليسير وإذا كان الإنسان من النسيان ففيه عتاب وتلقين اما العتاب فكانه يقول ايها الناس قابلتم نعمنا بالكفران وأوامرنا بالعصيان واما التلقين للعدر فكانه يقول ايها المخالف لنا ناسيا لا عامدا وساهيا لا قاصدا عذرناك لنسيانك وعفونا عنك لايمانك اعْبُدُوا رَبَّكُمُ يقول للكفار وحدوا ربكم ويقول للعاصعين أطيعوا ربكم ويقول للمنافقين أخلصوا بالتوحيد معرفة ربكم ويقول للمطيعين اثبتوا على طاعة ربكم واللفظ يحتمل لهذه الوجوه كلها وهو من جوامع الكلم كما في تفسير ابى الليث والعبادة استفراغ الطاقة في استكمال الطاعة واستشعار الخشية في استبعاد المعصية الَّذِي خَلَقَكُمْ صفة جرت عنه للتعظيم والتعليل معناه أطيعوا ربكم الذي خلقكم لخلقكم ولم تكونوا شيأ والحلق اختراع الشيء على غير مثال سبق وَخلق الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ اى من زمن قبل زمانكم من الأمم فمن ابتدائية متعلقة بمحذوف وفي الوصف به ايماء الى سبب وجوب عبادته تعالى فان خلق
стр. 74
أصولهم من موجبات العبادة كخلق أنفسهم وفيه دلالة على شمول القدرة وتنبيه من سنة الغفلة اى انهم كانوا فمضوا وجاؤا وانقضوا فلا تنسوا مصيركم ولا تستجيزوا تقصيركم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ حال من ضمير اعبدوا اى راجين ان تدخلوا في سلك المتقين الفائزين بالهدى والفلاح المستوجبين لجوار الله تعالى ولعل للترجى والاطماع وهي من الله تعالى واجب لان الكريم لا يطمع الا فيما يفعل والأولون والآخرون مخاطبون بالأمر بالتقوى وخص المخاطبين بالذكر تغليبا لهم على الغائبين كما في الكواشي وفيه تنبيه على ان التقوى منتهى درجة السالكين وهو التبري من كل شىء سوى الله تعالى وان العابد ينبغى ان لا يغتر بعبادته ويكون ذا خوف ورجاء كما قال تعالى يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ قال السعدي قدس سره
اگر مردى از مردئ خود مكوى ... نه هر شهسوارى بدر برد كوى
يعنى ليس كل عابد يخلص إيمانه بسبب عبادته الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ صفة ثانية لربكم قال اهل اللغة الأرض بساط العالم وبسيطها من حيث يحيط بها البحر الذي هو البحر المحيط اربعة وعشرون الف فرسخ كل فرسخ ثلاثة أميال وهو اثنا عشر الف ذراع بالذراع المرسلة وكل ذراع ست وثلاثون إصبعا كل إصبع ست حبات شعير مصفوفة بطون بعضها الى بعض فللسودان اثنا عشر الف فرسخ وللبيضان ثمانية وللفرس ثلاثة وللعرب الف كذا فى كتاب الملكوت وسمت وسط الأرض المسكونة حضرة الكعبة واما وسط الأرض كلها عامرها وخرابها فهو الموضع الذي يسمى قبة الأرض وهو مكان يعتدل فيه الأزمان في الحر والبرد ويستوى الليل والنهار ابدا لا يزيد أحدهما على الآخر كما في الملكوت وروى عن على كرم الله وجهه انه قال انما سميت الأرض أرضا لانها تتأرض ما في بطنها يعنى تأكل ما فيها وقال بعضهم لانها تتأرض بالحوافر والاقدام فِراشاً ومعنى جعلها فراشا جعل بعضها بارزا من الماء مع اقتضاء طبعها الرسوب وجعلها متوسطة بين الصلابة واللين صالحة للقعود عليها والنوم فيها كالبساط المفروش وليس من ضرورة ذلك كونها سطحا حقيقيا وهو الذي له طول وعرض فان كرية شكلها مع عظم جرمها مصححة لافتراشها وَجعل السَّماءَ وهو ما علاك واظلك بِناءً قبة مضروبة عليكم وكل سماء مطبقة على الاخرى مثل القبة والسماء الدنيا ملتزقة أطرافها على الأرض كما في تفسير ابى الليث وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً اى مطرا ينحدر منها على السحاب ومنه على الأرض وهو رد لزعم انه يأخذه من البحر فَأَخْرَجَ بِهِ اى أنبت الله بسبب الماء الذي انزل من السماء مِنَ الثَّمَراتِ
هى هاهنا المأكولات كلها من الحبوب والفواكه وغيرها مما يخرج من الأرض والشجر كما فى التيسير رِزْقاً لَكُمْ وذلك بان أودع في الماء قوة فاعلية وفي الأرض قوة منفعلة فتولد من تفاعلهما اصناف الثمار فبين المظلة والمقلة شبه عقد النكاح بانزال الماء منها عليها والإخراج به من بطنها أشباه النسل المنتج من الحيوان من ألوان الثمار رزقا لبنى آدم ومن للبيان ورزقا اى طعاما وعلفا لكم ولدوابكم والمعنى ان الله تعالى أنعم عليكم بذلك كله لتعرفوه بالخالقية
стр. 75
والرازقية فتوحدوه فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً جمع ند وهو المثل اى أمثالا تعبدونهم كعبادة الله يعنى لا تقولوا له شركاء تعبد معه وعن ابن عباس رضى الله عنهما لا تقولوا لولا فلان لاصابنى كذا ولولا كلبنا يصيح على الباب لسرق متاعنا وعن النبي ﷺ انه قال (إياكم ولو فانه من كلام المنافقين قالوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا) : قال السعدي
اگر عز وجاهست اگر ذل وقيد ... من از حق شناسم نه از عمرو وزيد
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ان الله هو الذي خلقكم ومن قبلكم وخلق السماء والأرض وخلق الأرزاق دون الأصنام فانها لا تضر ولا تنفع والوعظ الكلى انه قال في الآية جَعَلَ لَكُمُ وقال رِزْقاً لَكُمْ فلو قال لك في القيامة فعلت كذا كله لكم فما فعلتم لى فما تقول وعن الشبلي ﵀ انه وعظ يوما الناس فابكاهم لما ذكر من القيامة وأهوالها فمر بهم ابو الحسين النوري قال لا تفزعهم فان حساب يومئذ ليس بهذا الطول انما هو كلمتان «من ترا بودم تو
كرا بودى» وأفادت الآية انه ينبغى الإخلاص في العبادة بترك ملاحظة الأغيار وبشهود خالق الليل والنهار: قال السعدي
كرت بيخ اخلاص در بوم نيست ... درين در كسى چون تو محروم نيست
وفي توصية رسول الله ﷺ لمعاذ (يا معاذ انى محدثك بحديث ان أنت حفظته نفعك وان أنت ضيعته انقطعت حجتك عند الله تعالى يا معاذ ان الله ﵎ خلق سبعة املاك قبل ان يخلق السموات والأرض فجعل لكل سماء من السبعة ملكا بوابا فيصعد عليه الحفظة بعمل العبد من حين أصبح الى حين امسى له نور كنور الشمس حتى إذا طلعت به الملائكة الى السماء الدنيا زكته وكثرته فيقول الملك الموكل للحفظة قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه انا صاحب الغيبة أمرني ربى ان لا ادع عمل من اغتاب الناس يتجاوزنى انه كان يغتاب الناس)
زبان آمد از بهر شكر وسپاس ... بغيبت نگرداندش حق شناس
قال ﵇ (ثم يأتى الحفظة بعمل صالح من اعمال العبد فتزكيه وتكثره حتى تبلغ به الى السماء الثانية فيقول لهم الملك الموكل بالسماء الثانية قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه انا ملك الفخر انه أراد بعمله هذا عرض الدنيا أمرني ربى ان ادع عمله يتجاوز الى غيرى انه كان يفتخر على الناس في مجالسهم)
چهـ زنار مغ در ميانت چهـ دلق ... كه در پوشى از بهر پندار خلق
قال ﵇ (ويصعد الحفظة بعمل عبد يبتهج نورا من صدقة وصيام وصلاة قد اعجب الحفظة فيتجاوزون به الى السماء الثالثة فيقول لهم الملك الموكل بها قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه انا ملك الكبر أمرني ربى ان لا ادع عمله يجاوزنى انه كان يتكبر على الناس في مجالسهم)
فروتن بود هوشمند كزين ... نهد شاخ پر ميوه سر بر زمين
قال ﵇ (ويصعد الحفظة بعمل عبد يزهو كما يزهو الكوكب الدري من صلاة وتسبيح وحج وعمرة حتى يجاوزون به الى الرابعة فيقول لهم الملك الموكل بها قفوا