أوصاف وجودك لتحمل على رفرف جوده الى قاب قوسين أوصاف وجوده لشهود جماله وجلاله وهذا هو سر التشهد بعد السجود ثم قال وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ يعنى كما لا تجدون القربة وأنتم سكارى من الغفلات ايضا لا تجدونها مع جنابة استحقاق البعد وهى ملابسة الدنيا الدنية الا على طريق العبور بقدم ظاهر الشرع فى سبيل الأوامر والنواهي كعبور طريق الاعتداد بالمطعم والمشرب لسد الرمق وحفظ القوة والاكتساء لدفع الحر والبرد وستر العورة والمباشرة لحفظ النسل حَتَّى تَغْتَسِلُوا بماء القربة والانابة وصدق الطلب وحسن الارادة وخلوص النية من جنابة ملابسة الدنيا وشهواتها وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى بانحراف مزاج القلب فى طلب الحق أَوْ عَلى سَفَرٍ التردد بين طلب الدنيا وطلب العقبى والمولى أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ من غائط تتبع الهوى أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ اى لابستم الاشغال الدنيوية فاجنبتم وتباعدتم عن الله بعد ما كنتم مجاورى حظائر القدس ووقعتم فى رياض الانس فَلَمْ تَجِدُوا ماءً صدق الانابة والرجوع الى الحق بالاعراض والانقطاع عن الخلق فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً وهو تراب أقدام الرجال الطيبين من سوء الأخلاق والأعمال فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ تراب أقدامهم وتمسكوا وَأَيْدِيكُمْ أذيال كرمهم مستسلمين بصدق الارادة لاحكامهم إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا يعفو عنكم التعصب وعدم الانقطاع اليه بالكلية ولعله يعفو عنكم التلوث بالدنيا الدنية بهذه الخصلة مرضية غَفُوراً لكم آثار الشقوة من غبار الشهوة فانهم يسعد بهم لانهم قوم لا يشقى بهم جليسهم
كليد كنج سعادت قبول اهل دلست ... مباد كس كه درين نكته شك وريب كند
شبان وادئ ايمن كهى رسد بمراد ... كه چند سال بجان خدمت شعيب كند
أَلَمْ تَرَ الخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية من المؤمنين والرؤية بصرية لشهرة شنائع الموصوفين حتى انتظمت فى سلك الأمور المشاهدة إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً حظا كائنا مِنَ الْكِتابِ من علم الكتاب وهو التوراة والمراد بهم أحبار اليهود اى ألم تنظر إليهم فانهم أحقاء بان تشاهدهم وتتعجب من أحوالهم. نزلت فى حبرين من أحبار اليهود كانا يأتيان رئيس المنافقين عبد الله بن ابى ورهطه يثبطانهم عن الإسلام يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ كأنه قيل ماذا يصنعون حتى ينظر إليهم فقيل يأخذون الضلالة ويتركون ما أوتوه من الهداية وَيُرِيدُونَ اى لا يكتفون بضلالة أنفسهم بل يريدون بما فعلوا من كتمان نعوته ﷺ أَنْ تَضِلُّوا أنتم ايضا ايها المؤمنون السَّبِيلَ المستقيم الموصل الى الحق وانما أرادوا ذلك ليكون الناس كلهم على دينهم فتكون لهم الرياسة على الكل وأخذ المرافق من الكل وَاللَّهُ أَعْلَمُ اى منكم بِأَعْدائِكُمْ جميعا ومن جملتهم هؤلاء وقد أخبركم بعداوتهم لكم وما يريدون لكم لتكونوا على حذر منهم ومن مخالطتهم او هو اعلم بحالهم ومآل أمرهم وَكَفى بِاللَّهِ الباء مزيدة وَلِيًّا متكفلا فى جميع أموركم ومصالحكم او محبا لكم وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً فى كل المواطن فثقوا به واكتفوا بولايته ونصرته ولا تتولوا غيره او لا تبالوا بهم وبما يسومونكم من السوء فانه تعالى معين يكفيكم مكرهم وشرهم ففيه وعد
стр. 667
ووعيد. والاشارة ان من رزق شيأ من علم الكتاب ظاهرا ولم يرزق أسراره وحقائقه وهم علماء السوء المداهنون فى دين الله حرصا على الدنيا وطمعا فى المال والجاه وحبا للرياسة والقبول يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وهى المداهنة واتباع الهوى فيبيعون الدين بالدنيا وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ يا معشر العلماء الأتقياء وورثة الأنبياء وطلاب الحق من بين الخلق عن سبيل الحق بما يحسدونكم وينكرون عليكم ويلومونكم ويؤذونكم بطريق النصح واظهار المحبة وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ فلا تقبلوا نصيحتهم فيما يقطعون عليكم طريق الحق ويردونكم عنه ويصدونكم عن الله بالتحريض على طلب غير الله ورعاية حق غير الله وأطيعوا امر الله تعالى فيما أمركم به.
واعلم انك لا ترى حالا أسوأ ولا أقبح ممن جمع بين هذين الامرين اعنى الضلال والإضلال واكثر ما يكونان فى العلماء يطمعون فيما فى أيدي الخلق فيداهنون فيضلون فسبب زوال المداهنة قطع الطمع- روى- عن بعض المشايخ انه كان له سنور وكان يأخذ من قصاب فى جواره كل يوم شيأ من الغدد لسنوره فرأى على القصاب منكرا فدخل واخرج السنور او لاثم جاء واحتسب على القصاب فقال له القصاب لا أعطيك بعد اليوم لسنورك شيأ فقال ما احتسب عليك الا بعد إخراج السنور وقطع الطمع منك فهو كما قال فمن طمع فى ان تكون قلوب الناس عليه طيبة لم يتيسر له الحسبة. فعلى العاقل ان يزكى نفسه عن الأخلاق الرديئة ويطهرها من الخصال الذميمة
چون طهارت نبود كعبه وبتخانه يكيست ... نبود خير در آن خانه كه عصمت نبود
مِنَ الَّذِينَ هادُوا خبر مبتدأ محذوف اى من الذين هادوا قوم يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ الكلم اسم جنس ولذا ذكر الضمير فى مواضع وجمع المواضع لتكرره فى التوراة فى مواضع بحسب الجنس اى يزيلون لانهم لما غيروه ووضعوا مكانه غيره فقد أزالوه عن مواضعه التي وضعه الله فيها وأمالوه عنها. والتحريف نوعان. أحدهما صرف الكلام الى غير المراد بضرب من التأويل الباطل كما يفعل اهل البدعة فى زماننا هذا بالآيات المخالفة لمذاهبهم. والثاني تبديل الكلمة بأخرى وكانوا يفعلون ذلك نحو تحريفهم فى نعت النبي ﷺ أسمر ربعة عن موضعه فى التوراة بوضعهم آدم طوال مكانه ونحو تحريفهم الرجم بوضعهم الحد بدله وَيَقُولُونَ فى كل امر مخالف لاهوائهم الفاسدة سواء كان بمحضر النبي ﵇ أم لا بلسان المقال والحال سَمِعْنا قولك وَعَصَيْنا أمرك عنادا وتحقيقا للمخالفة وَاسْمَعْ اى قولنا غَيْرَ مُسْمَعٍ حال من المخاطب وهو كلام ذو وجهين. أحدهما المدح بان يحمل على معنى اسمع غير مسمع مكروها. والثاني الذم بان يحمل على معنى اسمع حال كونك غير مسمع كلاما أصلا بصمم او موت اى مدعوا عليك بلا سمعت لانه لو أجيبت دعوتهم عليه لم يسمع فكان أصم غير مسمع فكأنهم قالوا ذلك تمنيا لاجابة دعوتهم عليه كانوا يخاطبون به النبي ﵇ مظهرين له ارادة المعنى الاول وهم مضمرون فى أنفسهم المعنى الأخير مطمئنون به وَراعِنا كلمة ذات جهتين ايضا. محتملة للخير بحملها على معنى ارقبنا وانتظرنا واصرف سمعك الى كلامنا نكلمك. وللشر بحملها على السب بالرعونة اى الحمق
стр. 668
او باجرائها مجرى شبهها من كلمة عبرانية او سريانية كانوا يتسابون بها وهى راعنا كانوا يخاطبون به النبي ﷺ ينوون الشتيمة والاهانة ويظهرون التوقير والاحترام. فان قلت كيف جاؤا بالقول المحتمل ذى الوجهين بعد ما صرحوا وقالوا سمعنا وعصينا. قلت جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان ولا يواجهونه بالسب ودعاء السوء حشمة منه ﵇ وخوفا من بطش المؤمنين لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ انتصابه على العلية اى يقولون ذلك للفتل بها ولصرف الكلام عن نهجه الى نسبة السب حيث وضعوا غير مسمع موضع لا استمعت مكروها واجروا راعنا المشابهة لراعينا مجرى انظرنا او فتلابها وضما لما يظهرون من الدعاء والتوقير الى ما يضمرون من السب والتحقير وَطَعْناً فِي الدِّينِ اى قدحا فيه بالاستهزاء والسخرية وَلَوْ أَنَّهُمْ عند ما سمعوا شيأ من أوامر الله ونواهيه قالُوا بلسان المقال او بلسان الحال مكان قولهم سمعنا وعصينا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وبدل قولهم واسمع غير مسمع وَاسْمَعْ ولا يلحقون به غير مسمع وبدل قولهم راعنا وَانْظُرْنا ولم يدسوا تحت كلامهم شرا وفسادا اى لو ثبت انهم قالوا هذا مكان ما قالوا من الأقوال لَكانَ قولهم ذلك خَيْراً لَهُمْ مما قالوا وَأَقْوَمَ اى اعدل واسد فى نفسه وأصوب من القيم اى المستقيم قالوا لما لم يكن فى الذي اختاروه خير أصلا لم جعل هذا خيرا من ذلك وجوابه انه كذلك على زعمهم فخوطبوا على ذلك وهو كقوله آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ اى ولكن قالوا ذلك واستمروا على كفرهم فخذلهم الله وابعدهم عن الهدى بسبب كفرهم ذلك فَلا يُؤْمِنُونَ بعد ذلك إِلَّا قَلِيلًا استثناء من ضمير المفعول فى لعنهم اى ولكن لعنهم الله الا فريقا قليلا فانه تعالى لم يلعنهم فلم ينسد عليه باب الايمان وقد آمن بعد ذلك
فريق من الأحبار كعبد الله بن سلام وكعب واضرابهما وهو استثناء من ضمير لا يؤمنون اى لا يؤمنون الا ايمانا قليلا وهو ايمانهم بموسى وكفرهم بمحمد ﵉. والاشارة ان العلماء السوء من هذه الامة يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ بالفعال لا بالمقال كما كان اهل الكتاب يحرفونه بالمقال وَيَقُولُونَ سَمِعْنا بالمقال فيما امر الله به من ترك الدنيا وزينتها واتباع الهوى ومن إيثار الآخرة على الاولى والانقطاع عن الخلق فى طلب المولى وَعَصَيْنا بالفعال إذ لا يشمون روائح هذه المعاملات ولا يدورون حول هذه المقامات وينكرون على اهل هذه الكرامات ويستهزؤن بانواع المقالات فلا يؤمنون بالقلوب السليمة الا قليلا منهم بان يكفروا بهوى نفوسهم ويؤمنوا بالايمان الحقيقي الذي هو من نتائج الارادة والصدق فى طلب الحق والإخلاص فى العمل لله وترك الدنيا وزخارفها بل بذل الوجود فى طلب المعبود: قال العطار قدس سره
مشو مغرور اين نطق مزور ... بنادانى مكن خود را تو سرور
اگر علم همه عالم بخوانى ... چوبي عشقى ازو حروفى ندانى
قال رسول الله ﷺ (من تعلم علما لا يبتغى به وجه الله تعالى لا يتعلمه الا ليصيب به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة) اى ريحها. قال الشيخ الشاذلى العلم النافع هو الذي يستعان به على طاعة الله ويلزمك المخافة من الله والوقوف على حدود الله وهو علم المعرفة
стр. 669
بالله. قال الشيخ ابو الحسن رضى الله عنه العلوم كالدنانير والدراهم ان شاء نفعك بها وان شاء اضرك معها والعلم ان قارنته الخشية فلك اجره وثوابه وحصول النفع به والا فعليك وزره وعقابه وقيام الحجة به وعلامة خشية الله ترك الدنيا والخلق ومحاربة النفس والشيطان: قال الشيخ السعدي قدس سره
دعوى كنى كه بر ترم از ديكران بعلم ... چون كبر كردى از همه دونان فرو ترى
شاخ درخت علم ندانم بجز عمل ... تا علم با عمل نكنى شاخ بي برى
علم آدميتست وجوانمردى وادب ... ور نه بدى بصورت انسان برابرى
ترك هواست كشتئ درياى معرفت ... عارف بذات شو نه بدين قلندرى
هر علم را كه كار نه بندى چهـ فائده ... چشم از براى آن بود آخر كه بنگرى
يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ اى التوراة آمِنُوا بِما نَزَّلْنا من القرآن حال كونه مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ من التوراة ومعنى تصديقه إياها نزوله حسبما نعت لهم فيها او كونه موافقا لها فى القصص والمواعيد والدعوة الى التوحيد والعدل بين الناس والنهى عن المعاصي والفواحش واما ما يتراءى من مخالفته لها فى جزئيات الاحكام بسبب تفاوت الأمم بالاعصار فليست بمخالفة فى الحقيقة بل هى عين الموافقة من حيث ان كلامنهما حق بالاضافة الى عصره متضمن للحكمة التي عليها يدور فلك التشريع حتى لو تأخر نزول المتقدم لنزل على وفق المتأخر ولو تقدم نزول المتأخر لوافق المتقدم قطعا ولذلك قال ﷺ (لو كان موسى حيا لما وسعه الا اتباعى) مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً الطمس محو الآثار وازالة الاعلام اى آمنوا من قبل ان نمحو تخطيط صورها ونزيل آثارها من عين وحاجب وانف وفم فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها فنجعلنا على هيئة إدبارها وهى الاقفاء مطموسة مثلها وهذا معنى قول ابن عباس رضى الله عنهما نجعلها كخف البعير وحافر الدابة فتكون الفاء للتسبيب اى بان نردها على أدبارها او ننكسها بعد الطمس فنردها الى موضع الاقفاء والاقفاء الى موضعها على انهم توعدوا بعقابين أحدهما عقيب الآخر طمسها ثم ردها على أدبارها أَوْ نَلْعَنَهُمْ او نخزى اصحاب الوجوه بالمسخ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ مسخناهم قردة وخنازير ووقوع الوعيد مشروط بالايمان ومعلق به وجودا وعدما بمعنى ان وجد منهم الايمان لم يقع والا وقع وقد وجد الايمان منهم حيث آمن ناس منهم فلم يقع الوعيد وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ اى عذابه مَفْعُولًا كائنا لا محالة وهذا وعيد شديد لهم يعنى أنتم تعلمون انه كان تهديد الله فى الأمم السالفة واقعا لا محالة فكونوا على حذر من هذا الوعيد وارجعوا عن الكفر الى الايمان والإقرار بالتوبة والاستغفار. اعلم ان المسخ قد وقع فى هذه الامة ايضا.
ومنه ما روى عن ابى علقمة انه قال كنت فى قافلة عظيمة فامرنا رجلا نرتحل بامره وننزل بامره فنزلنا منزلا وهو يشتم أبا بكر وعمر فقلنا له فى ذلك فلم يجب إلينا بشىء فلما أصبحنا واوقرنا وأصلحنا الراحلة لم يناد مناديه فجئناه ننظر ما حاله وما يصنع فاذا هو متربع وقد غطى رجليه بكساء له فكشفنا عنهما فاذا هو قد صار رجلاه كرجلى الخنازير فهيأنا راحلته وحملناه
стр. 670
إليها فوثب من راحلته وقام برجليه وصاح ثلاث مرات صيحة الخنازير واختلط بالخنازير وصار خنزيرا حتى لا يعرفه منا أحد كذا فى روضة العلماء- وروى- ان واحدا من رواة الأحاديث تحول رأسه رأس حمار لانكار وقوع مضمون حديث صحيح ورد فى حق المقتدى بالإمام الرافع رأسه قبله او واضعه وحاصل الحديث ان من رفع رأسه قبل الامام او وضعه كيف لا يخاف من ان يصير رأسه رأس حمار فوقع فيما وقع وهذا هو مسخ الصورة ومسخ المعنى أشد وأصعب منه فان أعمى الصورة مثلا يمكن ان يكون فى الآخرة بصيرا ولكن من كان فى هذه أعمى يعنى بالقلب فهو فى الآخرة أعمى وأضل سبيلا وفضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة. فعلى السالك ان يجتهد حتى لا يرد وجهه الناطق الى الله تعالى على الدنيا واتباع الهوى ولا يمسخ صفاته الانسانية بالسبعية والشيطانية: قال الشيخ السعدي
با تو ترسم نشود شاهد روحانى دوست ... كالتماس تو بجز عالم جسمانى نيست
سعى كن تا ز مقام حيوان در كذرى ... كاهنست آينه مادامكه نورانى نيست
خفتكانرا چهـ خبر زمزمه مرغ سحر ... حيوانرا خبر از عالم انسانى نيست
قال الامام فى تفسير الآية وتحقيق القول فيها ان الإنسان فى مبدأ خلقته الف هذا العالم المحسوس ثم انه عند الفكر والعبودية كأنه يسافر من عالم المحسوسات الى عالم المعقولات فقدامه عالم المعقولات ووراء عالم المحسوسات فالمخذول هو الذي يرد من قدامه الى خلفه كما قال تعالى فى وصفهم ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ انتهى فنعوذ بالله من الحور بعد الكور ومن الشر بعد الخير.
عن عبد الله بن احمد المؤذن قال كنت أطوف حول البيت وإذا انا برجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول اللهم أخرجني من الدنيا مسلما لا يزيد على ذلك شيأ فقلت له لم لا تزيد على هذا الدعاء فقال لو علمت قصتى كنت تعذرنى فقلت وما قصتك قال كان لى اخوان وكان الأكبر منهما مؤذنا اذن أربعين سنة احتسابا فلما حضره الموت دعا بالمصحف فظننا ان يتبرك به فاخذه بيده واشهد على نفسه من حضرانه بريئ مما فيه ثم تحول الى دين النصرانية فمات نصرانيا فلما دفن اذن الآخر ثلاثين سنة فلما حضره الموت فعل كما فعل الآخر فمات على النصرانية وانى أخاف على نفسى ان أصير مثلهما فادعو الله تعالى ان يحفظ على دينى فقلت ما كان ديدنهما فقال كانا يتتبعان عورات النساء وينظران الى المردان فهذا من آثار الرد واللعن والمسخ فنسأل الله تعالى ان يوفقنا لتزكية النفس وإصلاحها ويختم عاقبتنا بالخير
خدايا بحب بنى فاطمه ... كه بر قول ايمان كنم خاتمه
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ اى لا يغفر الكفر ممن اتصف به بلا توبة وايمان لان الحكمة التشريعة مقتضية لسد باب الكفر وجواز مغفرته بلا ايمان مما يؤدى الى فتحه ولان ظلمات الكفر والمعاصي انما يسترها نور الايمان فمن لم يكن له ايمان لم يغفر له شىء من الكفر والمعاصي وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ اى ويغفر ما دون الشرك فى القبح من المعاصي صغيرة كانت او كبيرة تفضلا من لدنه وإحسانا من غير توبة عنها لكن لا لكل أحد بل لِمَنْ يَشاءُ ان يغفر له ممن اتصف به فقط اى لا بما فوقه. قال شيخنا السيد الثاني سمى جامع القرآن وهم المؤمنون
стр. 671
الذين اتقوا من الإشراك بالله تعالى فيغفر لهم ما دون الإشراك من الصغائر والكبائر لعدم اشراكهم به ولا يغفر للمشركين ما دون الإشراك ايضا لاشراكهم به فكما ان اشراكهم لا يغفر فكذلك ما دون اشراكهم لا يغفر بخلاف المؤمنين فانه تعالى كما وقاهم من عذاب الإشراك بحفظهم عنه كذلك وقاهم من عذاب ما دونه بمغفرته لهم وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً اى من افترى واختلق مرتكبا اثما لا يقادر قدره ويستحقر دونه جميع الآثام فلا تتعلق به المغفرة قطعا. وهذه الآية من أجل الآيات التي كانت خيرا لهذه الامة مما طلعت عليه الشمس وما غربت وأعظمها لانها تؤذن بان مادون الشرك من الذنب مغفور بحسب المشيئة والوعد المعلق بالمشيئة من الكريم محقق الإنجاز خصوصا لعباده الموحدين المخلصين من المحمديين كما قال لهم إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً- روى- ان وحشيا قاتل حمزة عم النبي ﵇ كتب الى رسول الله ﷺ انى أريد ان اسلم ولكن يمنعنى من الإسلام آية فى القرآن نزلت عليك وهو قوله تعالى وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وانى قد فعلت هذه الأشياء الثلاثة فهل لى من توبة فنزلت هذه الآية إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ فكتب ان فى الآية شرطا وهو العمل الصالح فلا أدرى انا اقدر على العمل الصالح أم لا فنزل قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ فكتب بذلك الى وحشي فكتب اليه ان فى الآية شرطا فلا أدرى أيشاء ان يغفر لى أم لا فنزل قوله تعالى قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً فكتب الى وحشي فلم يجد الشرط فقدم المدينة واسلم قال رسول الله ﷺ (من مات ولم يشرك بالله شيأ دخل الجنة) ورأى ابو العباس شريح فى مرض موته كأن القيامة قد قامت وإذا الجبار يقول اين العلماء فجاؤا فقال ماذا عملتم فيما علمتم فقلنا يا رب قصرنا واسأنا فاعاد السؤال فكأنه لم يرض به وأراد جوابا آخر فقلت اما انا فليس فى صحيفتى شرك وقد وعدت ان تغفر ما دونه فقال الله تعالى اذهبوا فقد غفرت لكم ومات شريح بعده بثلاث ليال وهذا من حسن الظن بالله تعالى
كنونت كه چشمست اشكى ببار ... زبان در دهانست عذرى بيار
كنون بايدت عذر تقصير كفت ... نه چون نفس ناطق ز كفتن بخفت
غنيمت شمار اين كرامى نفس ... كه بي مرغ قيمت ندارد قفس
واعلم ان للشرك مراتب وللمغفرة مراتب. فمراتب الشرك ثلاث الجلى والخفي والأخفى.
وكذلك مراتب المغفرة. فالشرك الجلى بالأعيان وهو للعوام وذلك بان يعبد شىء من دون الله تعالى كالاصنام والكواكب وغيرها فلا يغفر الا بالتوحيد وهو اظهار العبودية فى اثبات الربوبية مصدقا بالسر والعلانية. والشرك الخفي بالأوصاف وهو للخواص وذلك شوب العبودية بالالتفات الى غير الربوبية فى العبادة كالدنيا والهوى وما سوى المولى فلا يغفر الا بالوحدانية وهى افراد الواحد للواحد بالواحد. والشرك الأخفى وهو للاخص وذلك رؤية الأغيار والانانية فلا يغفر الا بالوحدة وهى فناء الناسوتية فى بقاء اللاهوية ليبقى بالهوية
стр. 672
دون الأنانية فان الله لا يغفر بمراتب المغفرة ان يشرك به بمراتب الشرك ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء اى لمن يشاء المغفرة فيستغفر الله تعالى من مراتب الشرك فيغفر له بمراتب المغفرة ومن يشرك بالله بمراتب الشرك فقد افترى اثما عظيما اى جعل بينه وبين الله حجابا من اثبات وجود الأشياء وانانيته وهى أعظم الحجب كما قيل وجودك ذنب لا يقاس به ذنب
نيستى جولانكه اهل دلست ... شاهراه عاشقان كاملست
چون وجودت محو كردى از ميان ... نور وحدت چشم دل را شد عيان
شرك رهزن باشد اى دل در طريق ... ذكر توحيد خدا را كن رفيق
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ خطاب للنبى ﵇ على وجه التعجيب اى ألم تنظر الى اليهود الذين يطهرون نفوسهم من الذنوب وألسنتهم ولم يزكوها حقيقة بقولهم نحن أبناء الله واحباؤه وبقولهم نحن كالاولاد الصغار فهل عليهم ذنب اى انظر إليهم وتعجب من حالهم وادعائهم انهم أزكياء عند الله مع ما هم عليه من الكفر والإثم العظيم واللفظ عام يشتمل كل من زكى نفسه ووصفها بزيادة التقوى والطاعة والزلفى عند الله ففيه تحذير من إعجاب المرء بعمله بَلِ اللَّهُ يعنى هم لا يزكونها فى الحقيقة لكذبهم وبطلان اعتقادهم بل الله يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ تزكيته ممن يستأهلها من المرتضين من عباده المؤمنين فانه العالم بما ينطوى عليه الإنسان من حسن وقبيح وقد وصفهم بما هم متصفون به من القبائح وَلا يُظْلَمُونَ اى يعاقبون بتلك الفعلة القبيحة ولا يظلمون فى ذلك العقاب فَتِيلًا اى ادنى ظلم وأصغره وهو الخيط الذي فى شق النواة يضرب به المثل فى القلة والحقارة والظلم فى حق المعاقب الزيادة على حقه وفى حق المثاب النقصان منه انْظُرْ كَيْفَ اى فى أي حال او على أي حال يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ فى زعمهم انهم أبناء الله وأزكياء عنده والتصريح بالكذب مع ان الافتراء لا يكون الا كذبا للمبالغة فى تقبيح حالهم وَكَفى بِهِ بافترائهم هذا من حيث هو افتراء عليه تعالى مع قطع النظر عن مقارنته لتزكية أنفسهم وسائر آثامهم العظام إِثْماً مُبِيناً ظاهرا بينا كونه اثما والمعنى كفى بذلك وحده فى كونهم أشد اثما من كل كفار اثيم ولو لم يكن لهم من الذنوب الا هذا الافتراء لكان اثما عظيما ونصب اثما مبينا على التمييز. قال الامام ابو منصور ﵀ قول الرجل انا مؤمن ليس بتزكية النفس بل اخبار عن شىء أكرم به وانما التزكية ان يرى نفسه تقيا صالحا ويمدح به. قال السرى قدس سره من تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين الله تعالى. فيجب على العبد المؤمن ان يمتنع عن مدح نفسه ألا يرى الى قوله ﵇ (انا سيد ولد آدم) كيف عقبه بقوله (ولا فخر) اى لست أقول هذا تفاخرا كما يقصده الناس بالثناء على أنفسهم لان افتخاره ﵇ كان بالله وتقربه من الله لا بكونه مقدما على أولاد آدم كما ان المقبول عند الملك قبولا عظيما انما يكون بقبوله إياه وبه يفرح لا بتقديمه على بعض رعاياه
اگر مردى از مردئ خود مكوى ... نه هر شهسوارى بدر برد كوى
стр. 673
كنهكار انديشناك از خدا ... بسى بهتر از عابد خود نما
اگر مشك خالص ندارى مكوى ... وكر هست خود فاش كردد ببوى
ونعم ما قيل
جوز خالى در ميان جوزها ... مى نمايد خويشتن را از صدا
والاشارة فى الآيتين ان الذين يزكون أنفسهم من اهل العلوم الظاهرة بالعلم ويباهون به العلماء ويمارون به السفهاء لا تزكى أنفسهم بمجرد تعلم العلم بل تزيد صفاتهم المذمومة مثل المباهاة والمماراة والمجادلة والمفاخرة والكبر والعجب والحسد والرياء وحب الجاه والرياسة وطلب الاستيلاء والغلبة على الاقران والأمثال بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ التزكية ويتهيأ لها بتسليم النفس الى ارباب التزكية وهم العلماء الراسخون والمشايخ المحققون كما يسلم الجلد الى الدباغ ليجعله أديما فمن يسلم نفسه للتزكية الى المزكى ويصبر على تصرفاته كالميت فى يد الغسال ويصغ الى إشاراته ولا يعترض على معاملاته ويقاس شدائد اعمال التزكية فقد أفلح بما تزكى والمزكى هو النبي ﵇ فى ايام حياته كما قال تعالى هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ الآية وبعدهم العلماء الذين أخذوا التزكية ممن أخذوا منه قرنا بعد قرن من الصحابة والذين اتبعوهم بإحسان الى يومنا هذا ولعمرى انهم فى هذا الزمان أعز من الكبريت الأحمر: قال الشيخ الحسيني
در طريقت رهبر دانا كزين ... زانكه ره دورست ورهزن در كمين
رهبرى بايد بمعنى سر بلند ... از شريعت وز طريقت بهره مند
اصل وفرع وجزء وكل آموخته ... شمع از نور علم افروخته
ظاهرش از علم كسبى با خدا ... باطنش ميراث دار مصطفا
هر كه از دست عنايت بر كرفت ... روز أول دامن رهبر كرفت
هر كه در زندان خود رأيى فتاد ... بند او را سالها نتوان كشاد
اى سليم القلب دشوارست كار ... تا نپندارى كه پندارست كار
فعلى السالك ان يتمسك بذيل المرشد ويتشبث به الى الوقوف على علم التوحيد ثم الفناء عن نفسه لان مجرد العرفان غير منج مالم يحصل التحقق بحقيقة الحال ولذا قال ﵇ (شر الناس من قامت عليه القيامة وهو حى) اى وقف على علم التوحيد ونفسه لم تمت بالفناء حتى يحيى بالله فانه حينئذ زنديق قائل بالاباحة فى الأشياء عصمنا الله وإياكم من المعاصي والفحشاء أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ الى اليهود الذين أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ حظا من علم التوراة اى انظر يا محمد وتعجب من حالهم فكأنه قيل ماذا يفعلون حتى ينظر إليهم فقيل يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ فى الأصل اسم صنم فاستعمل فى كل ما عبد من دون الله وَالطَّاغُوتِ الشيطان ويطلق لكل باطل من معبود او غيره- روى- ان حيى بن اخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا الى مكة فى سبعين راكبا من اليهود ليخالفوا قريشا على محاربة رسول الله ﷺ وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه ﵇ فقالوا أنتم اهل كتاب
стр. 674
وأنتم اقرب الى محمد منكم إلينا فلا نأمن مكركم فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم ففعلوا فهذا ايمانهم بالجبت والطاغوت لانهم سجدوا للاصنام وأطاعوا إبليس فيما فعلوا وقال ابو سفيان لكعب انك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم فأينا اهدى طريقا نحن أم محمد فقال ماذا يقول محمد قال يأمر بعبادة الله تعالى وحده وينهى عن الشرك قال وما دينكم قالوا نحن ولاة البيت نسقى الحاج ونقرى الضيف ونفك العاني وذكروا أفعالهم قال أنتم اهدى سبيلا وذلك قوله تعالى وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا اى لاجلهم وفى حقهم هؤُلاءِ اشارة الى الذين كفروا أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا اى أقوم دينا وارشد طريقة أُولئِكَ اشارة الى القائلين الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ اى ابعدهم عن رحمته وطردهم وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ اى يعبده عن رحمته تعالى فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً يدفع عنه العذاب دنيويا كان او أخرويا لا بشفاعة ولا بغيرها. وفيه تنصيص على حرمانهم مما طلبوا من قريش أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ أم منقطعة ومعنى الهمزة انكار ان يكون لهم نصيب من الملك وجحد لما زعمت اليهود من ان ملك الدنيا سيصير إليهم فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً اى لو كان لهم نصيب من الملك فاذن لا يؤتون أحدا مقدار نقير وهو النقرة فى ظهر النواة يضرب به المثل فى القلة والحقارة وهذا هو البيان الكاشف عن كل حالهم فانهم إذا بخلوا بالنقير وهم ملوك فما ظنك بهم إذا كانوا أذلاء متفاقدين أَمْ يَحْسُدُونَ منقطعة ايضا النَّاسَ بل أيحسدون رسول الله ﷺ وأصحابه عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يعنى النبوة والكتاب وازدياد العز والنصر يوما فيوما فَقَدْ آتَيْنا يعنى ان حسدهم المذكور فى غاية القبح والبطلان فانا قد آتينا من قبل هذا آلَ إِبْراهِيمَ الذين هم أسلاف محمد ﷺ وأبناء أعمامه الْكِتابَ المنزل من السماء وَالْحِكْمَةَ اى النبوة والعلم وَآتَيْناهُمْ مع ذلك مُلْكاً عَظِيماً لا يقادر قدره فكيف يستبعدون نبوته ﷺ ويحسدونه على ايتائها قال ابن عباس رضى الله عنهما الملك فى آل ابراهيم ملك يوسف وداود وسليمان ﵈ فَمِنْهُمْ من اليهود مَنْ آمَنَ بِهِ بمحمد ﵇ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ اى اعرض عنه ولم يؤمن به وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً نارا مسعورة اى موقدة يعذبون بها اى ان لم يعجلوا بالعقوبة فقد كفاهم ما أعد لهم من سعير جهنم. واعلم ان الله تعالى وصف اليهود فى الآية المتقدمة بالجهل الشديد وهو اعتقادهم ان عبادة الأوثان أفضل من عبادة الله تعالى ثم وصفهم بالبخل والحسد. فالبخل هو ان لا يدفع الى أحد شيأ مما آتاه الله من النعمة. والحسد هو ان يتمنى ان لا يعطى الله غيره شيأ من النعم فالبخل والحسد يشتركان فى من يريد منع النعمة عن الغير. فاما البخيل فيمنع نعمة نفسه عن غيره. واما الحاسد فيريد ان يمنع نعمة الله عن عباده فهما شر الرذائل وسببهما الجهل. اما البخل فلأن بذل المال سبب لطهارة النفس ولحصول سعادة الآخرة وحبس المال سبب لحصول مال الدنيا فى يده فالبخل يدعوك الى الدنيا ويمنعك عن الآخرة والجود يدعوك الى الآخرة ويمنعك عن الدنيا ولا شك ان ترجيح الدنيا على الآخرة لا يكون إلا من محض الجهل. واما الحسد
стр. 675
فلأن الالهية عبارة عن إيصال النعم والإحسان الى العبيد فمن كره ذلك فكأنه أراد عزل الإله عن الالهية وذلك محض الجهل ثم ان الحسد لا يحصل الا عند الفضيلة فكلما كانت فضيلة الإنسان أتم وأكمل كان حسد الحاسدين عليه أعظم: قال السعدي قدس سره
شور بختان بآرزو خواهد ... مقبلانرا زوال نعمت وجاه
گر نبيند بروز شبپره چشم ... چشمه آفتاب را چهـ كناه
راست خواهى هزار چشم چنان ... كور بهتر كه آفتاب سياه
ولا يسود الحسود والبخيل فى جميع الزمان ألا ترى ان الله تعالى جعل بخل اليهود كالمانع من حصول الملك لهم فهما لا يجتمعان وذلك لان الانقياد للغير امر مكروه لذاته والإنسان لا يتحمل المكروه الا إذا وجد فى مقابلته امرا مطلوبا مرغوبا فيه وجهات الحاجات محيطة بالناس فاذا صدر من انسان احسان الى غيره صارت رغبة المحسن اليه فى ذلك المال سببا لصيروته منقادا مطيعا له فلهذا قيل بالبر يستعبد الحر فاما إذا لم يوجد هذا بقيت النفرة الطبيعية عن الانقياد للغير خالصا من المعارض فلا يحصل الانقياد البتة: قال السعدي
خورش ده بگنجشك وكبك وحمام ... كه يك روزت افتنده يابى بدام
زر از بهر خوردن بود اى پسر ... ز بهر نهادن چهـ سنك و چهـ زر
وقد شبه بعض الحكماء ابن آدم فى حرصه على الجمع ووخامة عاقبته بدود القز الذي يكاد ينسج على نفسه بجهله حتى لا يكون له مخلص فيقتل نفسه ويصير القز لغيره فاللائق بشأن المؤمن القناعة بما رزقه الودود وترك الحرص والبذل من الموجود. وقيل لما عرج النبي ﵇ اطلع على النار فرأى حظيرة فيها رجل لا تمسه النار فقال ﵇ (ما بال هذا الرجل فى هذه الحظيرة لا تمسه النار) فقال جبريل ﵇ هذا حاتم طى صرف الله عنه عذاب جهنم بسخائه وجوده فالجود صارف عن المرء عذاب الدنيا والعقبى وباعث لوصول الملك فى الاولى والاخرى. ثم ان الملك على ثلاثة اقسام. ملك على الظواهر فقط وهذا هو ملك الملوك. وملك على البواطن فقط فهذا هو ملك العلماء. وملك على الظواهر والبواطن معا وهذا هو ملك الأنبياء ﵈ فاذا كان الجود من لوازم الملك وجب فى الأنبياء ان يكونوا فى غاية الجود والكرم والرحمة والشفقة ليصير كل واحد من هذه الأخلاق سببا لانقياد الخلق لهم وامتثالهم لأوامرهم وكمال هذه الصفات كان حاصلا لمحمد ﵇ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا القرآن وسائر المعجزات سَوْفَ كلمة تذكر للتهديد والوعيد يقال سوف افعل وتذكر للوعد ايضا فتفيد التأكيد نُصْلِيهِمْ ناراً ندخلهم نارا عظيمة هائلة كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ اى احترقت بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها غير يذكر ويراد به الضد تقول الليل غير النهار وايضا يقال للمثل المتبدل تقول للماء الحار إذا برد هذا غيره وهو المراد هنا اى أعطيناهم مكان كل جلد محترق عند احتراقه جلدا جديدا مغايرا للمحترق صورة وان كان عينه مادة. والحاصل انه يعاد ذلك الجلد بعينه على صورة اخرى كقولك صغت من خاتمى خاتما غيره فالخاتم الثاني هو الاول
стр. 676
وانما الصياغة اختلفت. فان قلت الجلود العاصية إذا احترقت فلو خلق الله تعالى مكانها جلودا اخرى وعذبها كان ذلك تعذيبا لمن لم يعص وهو غير جائز. قلت العذاب للجلدة الحساسة وهى التي عصت لا للجلد مطلقا والذات واحدة فالعذاب لم يصل الا الى العاصي لِيَذُوقُوا الْعَذابَ اى ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز أعزك الله اى ادامك على عزك وزادك فيه. قال الحسن تأكلهم النار فى كل يوم سبعين مرة كلما أكلتهم قيل لهم عودوا فيعودون كما كانوا- وروى- مرفوعا ان جلد الكافر أربعون ذراعا وضرسه مثل أحد وشفته العليا تضرب سرته وبين لحمه وجلده ديدان كحمر الوحش تركض بين جلده ولحمه وحيات كأعناق البخت وعقارب كالبغال وهذا ليس بزيادة تحلق وتعذب من غير معصية لكن إذا زيد ذلك ثقلة على العبد ويكون نفس الثقل عقوبة عليه كسائر عقوبات جهنم من السلاسل والاغلال والعقارب والحيات. فان قلت انما يقال فلان ذاق العذاب إذا أدرك شيأ قليلا منه والله تعالى قد وصف انهم كانوا فى أشد العذاب فكيف يحسن ان يذكر بعد ذلك انهم ذاقوا العذاب. قلت المقصود من ذكر الذوق الاخبار بان احساسهم بالعذاب فى كل مرة كاحساس الذائق بالمذوق من حيث انه لا يدخله نقصان ولا زوال بسبب ذلك الاحتراق ودوام الملابسة ولعل السر فى تبديل الجلود مع قدرته تعالى على بقاء ادراك العذاب وذوقه بحاله مع الاحتراق او مع ابقاء أبدانهم على حالها مصونة عن الاحتراق ان النفس ربما تتوهم زوال الإدراك بالاحتراق إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً لا يمتنع عليه شىء مما يريده بالمجرمين حَكِيماً يعاقب من يعاقب على حكمته. اعلم ان هذا العذاب والتبديل الذي فى الآخرة كان حاصلا له فى الدنيا ولكن لم يكن يذوقه كالنائم يجرح نفسه بحديدة فى يده فتكون الجراحة حاصلة له فى الدنيا ولكن لم يذق ألمها حتى ينتبه فالناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا. فعلى العبد ان يعمل على وفق الشرع وخلاف النفس والهوى حتى يجعل الله تعالى باكسير الشرع نحاس الصفات الظلمانية النفسانية فضة الصفات النورانية الروحانية فاذا تخلص فى الدنيا من شوب المعصية بإصلاح النفس والجريان على وفق الشرع لم يحتج فى الآخرة الى التهذيب والتنقيح بالنار- روى- ان اصحاب الكبائر من موحدى الأمم كلها الذين ماتوا على كبائرهم غير تائبين ولا نادمين منهم من دخل النار فى الباب الاول فى جهنم حتى لا تزرق أعينهم ولا تسود وجوههم ولا
يقرنون مع الشياطين ولا يغلون بالسلاسل ولا يجرعون الحميم ولا يلبسون القطران فى النار حرم الله تعالى أجسادهم ووجوههم على النار من أجل السجود فمنهم من تأخذه النار الى قدميه ومنهم من تأخذه الى ركبتيه ومنهم من تأخذه الى عنقه قدر ذنوبهم وأعمالهم ثم ان منهم من يمكث فيها شهرا ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج منها وأطولهم فيها مكثا كقدر الدنيا منذ خلقت الى يوم تفنى. وكان ابن السماك يقول فيما يعاتب نفسه يا نفس تقولين قول الزاهدين وتعملين عمل المنافقين وفى الجنة تطمعين ان تدخلين هيهات هيهات ان للجنة قوما آخرين ولها اعمال غير ما تعملين ويحك أخذت بزىّ كسرى وقيصر والفراعنة وتريدين ان ترافقى
стр. 677
رسول الله ﷺ فى دار الجلال فاعرض نفسك على كتاب الله فيما وصف أولياءه وأعداءه فانظر من أي الصنفين أنت
برادر ز كار بدان شرم دار ... كه در روى نيكان شوى شرمسار
نريزد خدا آب روى كسى ... كه ريزد كناه آب چشمش بسى
وذكر عن يزيد بن مرثد انه كان لا تنقطع دموع عينيه ساعة ولا يزال باكيا فسئل عن ذلك فقال لو ان الله تعالى او عدنى بانى لو أذنبت لحبسنى فى الحمام ابدا لكان حقيقا علىّ ان لا تنقطع دموعى فكيف وقد أوعدني ان يحبسنى فى نار أوقد عليها ثلاثة آلاف سنة أوقد عليها الف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها الف سنة حتى ابيضت ثم أوقد عليها الف سنة حتى اسودت فهى سوداء كالليل المظلم. قال ابو هريرة رضى الله عنه لا تغبطن فاجرا بنعمته فان وراءه طالبا حثيثا وهى جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا: قال الحافظ قدس سره
قلندران حقيقت به نيم جو نخرند ... قباى اطلس آنكس كه از هنر عاريست
قال رسول الله ﷺ (من كانت همته الآخرة جمع الله شمله وجعل غناه فى قلبه وأتته الدنيا وهى راغمة ومن كانت همته الدنيا فرق الله عليه امره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا الا ما كتب الله له) : قال السعدي قدس سره
آنكس از دزد بپرسد كه متاعى دارد ... عارفان جمع نكردند و پريشانى نيست
هر كرا خيمه بصحراى قناعت زده اند ... گر جهان لرزه بگيرد غم ويرانى نيست
وَالَّذِينَ آمَنُوا بالله وبمحمد والقرآن وسائر الآيات والمعجزات وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ التي امر الله بها سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً اى مقيمين فيها لا يخرجون منها ولا يموتون لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ اى مما نساء الدنيا عليه من الأحوال المستقذرة البدنية والأدناس الطبيعية كالحيض والنفاس والحقد والحسد وغير ذلك وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا فينانا لا جوب فيه ودائما لا تنسخه الشمس اى لا تزيله وسجسجا وهو من الزمان ما لا حر فيه ولا برد ومن المكان مالا سهولة فيه ولا حزونة. والظليل صفة مشتقة من لفظ الظل لتأكيد معناه كما يقال ليل أليل ويوم أيوم وما أشبه ذلك.
فان قلت إذا لم يكن فى الجنة شمس تؤذى بحرها فما فائدة وصفها بالظل الظليل وايضا يرى فى الدنيا ان المواضع التي يدوم الظل فيها ولا يصل نور الشمس إليها يكون هواؤها عفنا فاسدا مؤذيا فما معنى وصف هواء الجنة بذلك. قلت ان بلاد العرب كانت فى غاية الحرارة فكان الظل عندهم من أعظم اسباب الراحة وهذا المعنى جعلوه كناية عن الراحة قال ﵇ (السلطان ظل الله فى الأرض) فاذا كان الظل عبارة عن الراحة كان الظل الظليل كناية عن المبالغة العظيمة فى الراحة. قال الامام فى تفسيره هذا ما يميل اليه خاطرى قال رسول الله ﷺ (ان فى الجنة شجرة يسير الراكب فى ظلها مائة سنة ما يقطعها اقرأوا ان شئتم وظل ممدود وفى الجنة مالا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر اقرأوا ان شئتم فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين فموضع سوط من الجنة خير من الدنيا وما فيها اقرأوا ان شئتم
стр. 678
فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز) قال رسول الله ﷺ (اهل الجنة شباب جعد جرد مرد ليس لهم شعر الا فى الرأس والحاجبين وأشفار العينين) يعنى ليس لهم شعر عانة ولا شعر من الإبط (على طول آدم ﵇ ستون ذراعا وعلى مولد عيسى ﵇ ثلاث وثلاثون سنة بيض الألوان خضر الثياب يوضع لأحدهم مائدة بين يديه فيقبل الطائر فيقول يا ولى الله اما انى قد شربت من عين السلسبيل ورعيت من رياض الجنة تحت العرش وأكلت من ثمار كذا فاطعم منى فيطعم فيكون أحد جانبيه مطبوخا والآخر مشويا فيأكل منهما ما شاء الله وعليه سبعون حلة ليس فيها حلة على لون آخر) . قال الفقيه ابو الليث من أراد ان ينال هذه الكرامة فعليه ان يداوم على خمسة أشياء. الاول ان يمنع نفسه من جميع المعاصي
ونهى النفس بفرمود الله ... بايدت ترك هواى ترك كناه
والثاني ان يرضى باليسير من الدنيا لان ثمن الجنة ترك الدنيا
اين زن زانيه شوى كش دنيا را ... گر على وار طلاقش ندهم نامردم
والثالث ان يكون حريصا على الطاعات فيتعلق بكل طاعة فلعل تلك الطاعة تكون سبب المغفرة ودخول الجنة
عمل بايد اندر طريقت نه دم ... كه سودى ندارد دم بي قدم
والرابع ان يحب الصالحين واهل الخير ويخالطهم ويجالسهم
نخست موعظه پير مجلس اين حرفست ... كه از مصاحب ناجنس احتراز كنيد
فلزم ان يكون مصاحب الإنسان اهل خير لان الصحبة مؤثرة وان واحدا من الصلحاء إذا غفر الله له يشفع لاخوانه وأصحابه
اميدست از آنان كه طاعت كنند ... كه بي طاعتانرا شفاعت كنند
والخامس ان يكثر الدعاء ويسأل الله تعالى ان يرزقه الجنة وان يجعل خاتمته فى الخير
غنيمت شمارند مردان دعا ... كه جوشن بود پيش تير بلا
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها نزلت فى عثمان بن عبد الدار الحجبي وكان سادن الكعبة وذلك ان رسول الله ﷺ حين دخل مكة يوم الفتح اغلق عثمان باب الكعبة وصعد السطح وابى ان يدفع المفتاح اليه وقال لو علمت انه رسول الله لم امنعه فلوى على بن ابى طالب كرم الله وجهه يده واخذه منه وفتح ودخل رسول الله ﷺ وصلى ركعتين فلما خرج سأله العباس ان يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة فنزلت فامر عليا ان يرده الى عثمان ويعتذر اليه فقال عثمان لعلى أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق فقال لقد انزل الله تعالى فى شأنك قرآنا وقرأ عليه فقال عثمان اشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله فهبط جبريل فاخبر رسول الله ﷺ ان السدانة فى أولاد عثمان ابدا ثم ان عثمان هاجر ودفع المفتاح الى ابنه شيبة فهو فى ولده الى اليوم وَإِذا حَكَمْتُمْ اى ويأمركم إذا قضيتم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ والانصاف والتسوية
стр. 679
إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ اى نعم شيأ ينصحكم به تأدية الامانة والحكم بالعدل فما نكرة بمعنى شىء ويعظكم به صفته والمخصوص بالمدح محذوف إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً لما بقوله الخزنة بَصِيراً بما تعمله الأمناء اى اعملوا بأمر الله ووعظه فانه اعلم بالمسموعات والمبصرات يجازيكم على ما يصدر منكم. اعلم ان الامانة عبارة عما إذا وجب لغيرك عليك حق فاديت ذلك الحق اليه. والحكم بالحق عبارة عما إذا وجب للانسان على غيره حق فامرت من وجب عليه ذلك الحق بان يدفع الى من له ذلك الحق ولما كان الترتيب الصحيح ان يبذل الإنسان نفسه فى جلب المنافع ودفع المضار ثم يشتغل بحال غيره لا جرم انه تعالى ذكر الأمر بالامانة اولا ثم بعده ذكر الأمر بالحكم بالحق ونزول هذه الآية عند القصة المذكورة لا يوجب كونها مخصوصة بهذه القصة بل يدخل فيه جميع انواع الأمانات. فاعلم ان معاملة الإنسان اما ان تكون مع ربه او مع سائر العباد او مع نفسه ولا بد من رعاية الامانة فى جميع هذه الاقسام الثلاثة. اما رعاية الامانة مع الرب فهى فعل المأمورات وترك المنهيات وهذا بحر لا ساحل له قال ابن مسعود الامانة فى كل شىء لازمة فى الوضوء والجنابة والصلاة والزكاة والصوم وغير ذلك. مثلا ان امانة اللسان ان لا يستعمله فى الكذب والغيبة
والنميمة والكفر والبدعة والفحش وغيرها. وامانة العينين ان لا يستعملها فى النظر الى الحرام. وامانة السمع ان لا يستعمله فى سماع الملاهي والمناهي واستماع الفحش والأكاذيب وغيرها وكذا القول فى جميع الأعضاء: قال السعدي قدس سره
زبان از بهر شكر وسپاش ... بغيبت نكرداندش حق شناس
كذركاه قرآن و پندست كوش ... به بهتان وباطل شنيدن مكوش
دو چشم از پى صنع بارى نكوست ... نه عيب برادر بود گير دوست
واما القسم الثاني وهو رعاية الامانة مع سائر الخلق فيدخل فيه رد الودائع ويدخل فيه ترك التطفيف فى الكيل والوزن ويدخل فيه ان لا يفشى على الناس عيوبهم ويدخل فيه عدل الأمراء مع رعيتهم وعد العلماء مع العوام بان يرشدوهم الى اعتقادات واعمال تنفعهم فى دنياهم وأخراهم ويدخل فيه امانة الزوجة للزوج فى حفظ فرجها وفى ان لا تلحق بالزوج ولدا تولد من غيره وفى اخبارها عن انقضاء عدتها. واما القسم الثالث وهو امانة الإنسان مع نفسه وهو ان لا يفعل الا ما هو الانفع والأصلح له فى الدين والدنيا وان لا يقدم بسبب الشهوة والغضب على ما يضره فى الآخرة ولهذا قال ﷺ (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) قال ﵇ (لا ايمان لمن لا امانة له ولا دين لمن لا عهد له) فعلى العبد المؤمن ان يؤدى الأمانات كلها ما استطاع ويتعظ بمواعظ الحق فى كل زمان فان الوعظ نافع جدا
امروز قدر پند عزيزان شناختم ... يا رب روان ناصح ما از تو شاد باد
قاله الحافظ: وقال فى موضع
پند حكيم محض صوابست ومحض خير ... فروخنده بخت آنكه بسمع رضا شنيد
стр. 680
ثم ان من كان حاكما وجب عليه ان يحكم بالعدل ويؤدى الأمانات الى أهلها. قال الحسن ان الله أخذ على الحكام ثلاثا ان لا يتبعوا الهوى وان يخشوه ولا يخشوه الناس وان لا يشتروا بآياته ثمنا قليلا قال ﷺ (ينادى مناد يوم القيامة اين الظلمة واين أعوان الظلمة فيجمعون كلهم حتى من برى لهم قلما او لاق لهم دواة فيجمعون ويلقون فى النار) :
قال السعدي قدس سره
جهان نماند وآثار معدلت ماند ... بخير كوش وصلاح وبعدل كوش وكرم
كه ملك ودولت ضحاك مردمان آزار ... نماند وتا بقيامت برو بماند رقم
قال ﵇ (من دل سلطانا على الجور كان مع هامان وكان هو والسلطان من أشد اهل النار عذابا) فمقتضى الايمان هو العدل والسببية للصلاح ونظام العالم واجراء الشرع والاحتراز عن الرشوة فان من أخذها لا يسامح فى الشرع. وغضب الإسكندر يوما على بعض شعرائه فاقضاه وفرق ماله فى أصحابه فقيل له فى ذلك فقال اما اقضائى له فلجرمه واما تفريقى ماله فى أصحابه فلئلا يشفعوا فيه فانظر كيف كان أخذ المال سببا لعدم الشفاعة لانهم لو استشفعوا فى حقه فشفعوا لزم الاسترداد فلما طعموا تركوا الشفاعة
از تو كر انصاف آيد در وجود ... به كه عمرى در ركوع ودر سجود
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ وهم أمراء الحق وولاة العدل كالخلفاء الراشدين ومن يقتدى بهم من المهتدين واما أمراء الجور فبمعزل من استحقاق العطف على الله والرسول فى وجوب الطاعة فانهم اللصوص المتغلبة لاخذهم اموال الناس بالقهر والغلبة وانما أفرد بالذكر طاعة الله ثم جمع طاعة الرسول مع طاعة اولى الأمر حيث قال تعالى أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ولم يقل وأطيعوا اولى الأمر منكم تعليما للادب وهو ان لا يجمعوا فى الذكر بين اسمه سبحانه وبين اسم غيره واما إذا آل الأمر الى المخلوقين فيجوز فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ اصل النزع الجذب لان المتنازعين يجذب كل واحد منهما الى غير جهة صاحبه اى ان اختلفتم أنتم وأولوا الأمر منكم فى امر من امور الدين فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ فارجعوا فيه الى كتاب الله وَالرَّسُولِ اى الى سنته ﷺ . وتعلق اصحاب الظواهر بظاهر هذه الآية فى ان الاجتهاد والقياس لا يجوز لان الله تعالى امر بالرجوع الى الكتاب والسنة ولا يوجد فى كل حادثة نص ظاهر فعلم انه امر بالنظر فى مودوعاته والعمل على مدلولاته ومقتضياته ولكن الآية فى الحقيقة دليل على حجة القياس كيف لا ورد المختلف فيه الى المنصوص عليه انما يكون بالتمثيل والبناء عليه وهو المعنى بالقياس ويؤيده الأمر به بعد الأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ فانه يدل على ان الاحكام ثلاثة ثابت بالكتاب وثابت بالسنة وثابت بالرد إليهما بالقياس إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فان الايمان بهما يوجب ذلك اما الايمان بالله فظاهر واما الايمان باليوم الآخر فلما فيه من العقاب على المخالفة ذلِكَ اى الرد الى الكتاب والسنة خَيْرٌ لكم
стр. 681
من التنازع وأصلح وَأَحْسَنُ فى نفسه تَأْوِيلًا اى عاقبة ومآلا. ودلت الآية على ان طاعة الأمراء واجبة إذا وافقوا الحق فاذا خالفوه فلا طاعة لهم قال ﷺ (لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق) وقال ﷺ (من عامل الناس فلم يظلمهم ومن حدثهم فلم يكذبهم ومن وعدهم فلم يخلفهم فهو من كملت مروءته وظهرت عدالته ووجبت اخوته) ولا بد للامراء من خوف الله وخشيته بإجراء الشرائع والاحكام واتباع سنن النبي ﵇ حتى يملأ الله قلوب الناظرين إليهم رعبا وهيبة فحينئذ لا يحتاجون الى محافظة الصورة والهيئة الظاهرة- روى- ان كلب الروم أرسل الى عمر رضى الله عنه هدايا من الثياب والجبة فلما دخل الرسول الى المدينة قال اين دار الخليفة وبناؤه فقيل ليس له دار عظيم كما توهمت انما له بيت صغير فدلوه عليه فاتاه فوجد له بيتا صغيرا حقيرا قد اسود بابه لطول الزمان فطلبه فلم يصادفه وقيل انه خرج الى السوق لحاجته وحوائج المسلمين اى للاحتساب فخرج الرسول الى طلبه فوجده نائما تحت ظل حائط قد توسد بالدرة فلما رآه قال عدلت فامنت فنمت حيث شئت وامراؤنا ظلموا فاحتاجوا الى الحصون والجيوش: قال السعدي قدس سره
پادشاهى كه طرح ظلم افكند ... پاى ديوار ملك خويش بكند
نكند جور پيشه سلطانى ... كه نيايد ز گرگ چوبانى
ومن كلام أردشير الدين أساس الملك والعدل حارسه فما لم يكن له أس فمهدوم وما لم يكن له حارس فضائع- وروى- اى أنوشيروان كان له عامل على ناحية فكتب اليه يعلمه بجودة الريع ويستأذنه فى الزيادة على الرسوم فامسك عن اجابته فعاوده العامل فى ذلك فكتب اليه قد كان فى ترك إجابتك ما حسبتك تنزجر به عن تكليف ما لم تؤمر به فاذن قد أبيت الا تماديا فى سوء الأدب فاقطع احدى أذنيك واكفف عما ليس من شأنك فقطع العامل اذنه وسكت عن ذلك الأمر وبالجملة فالظلم عار وجزاؤه نار والاجتناب منه واجب على كل عاقل وإذا كان نية المؤمن العدل فليجانب اهل الظلم وليجتنب عن اطاعتهم فان الاطاعة لاهل الحق لا لغيرهم قال ﵇ (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصانى فقد عصى الله ومن يطع الأمير العادل فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصانى) . واعلم ان الولاة انما يكونون على حسب اعمال الرعايا وأحوالهم صلاحا وفسادا- روى- انه قيل للحجاج بن يوسف لم لا تعدل مثل عمر وأنت قد أدركت خلافته أفلم تر عدله وصلاحه فقال فى جوابهم تباذروا اى كونوا كأبى ذر فى الزهد والتقوى أتعمر لكم اى أعاملكم معاملة عمر فى العدل والانصاف وفى الحديث (كما تكونون يولى عليكم أحدكم) يعنى ان تكونوا صالحين فيجعل وليكم رجلا صالحا وان تكونوا طالحين فيجعل وليكم رجلا طالحا- وروى- ان موسى ﵇ ناجى ربه فقال يا رب ما علامة رضاك من سخطك فاوحى اليه [إذا استعملت على الناس خيارهم فهو علامة رضايى وإذا استعملت شرارهم فهو علامة سخطى] . ثم اعلم بان المراد باولى الأمر فى الحقيقة المشايخ الواصلون ومن بيده امر التربية فان اولى امر المريد شيخه فى التربية فينبغى للمريد فى كل وارد حق يدق باب قلبه او اشارة او الهام او واقعة تنبئ عن اعمال او احوال فى حقه ان يضرب على محك نظر شيخه فما يرى فيه الشيخ من المصالح ويشير اليه او يحكم عليه يكون
стр. 682
منقادا لاوامره ونواهيه لانه أولوا امره. واما الشيخ فاولوا امره الكتاب والسنة فينبغى له ان ما سنح له من الغيب بوارد الحق من الكشوف والشواهد والاسرار والحقائق يضرب على محك الكتاب والسنة فما صدقاه ويحكمان عليه فيقبله والا فلا لان الطريقة مقيدة بالكتاب والسنة كذا ذكره الشيخ الكامل نجم الدين الكبرى فى تأويلاته أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ اى يدعون والمراد بالزعم هنا الكذب لان الآية نزلت فى المنافقين أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ اى بالقرآن وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ اى بالتوراة وغيرها من الكتب المنزلة وكأنه قيل ماذا يفعلون فقيل يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ عن ابن عباس ان منافقا خاصم يهوديا فدعاه اليهودي الى النبي ﵇ لانه كان يقضى بالحق ولا يلتفت الى الرشوة ودعاه المنافق الى كعب بن الأشرف لانه كان شديد الرغبة الى الرشوة واليهودي كان محقا والمنافق كان مبطلا ثم أصر اليهودي على قوله فاحتكما الى رسول الله ﷺ فحكم لليهودى فلم يرض المنافق وقال نتحاكم الى عمر فقال اليهودي لعمر قضى لى رسول الله فلم يرض بقضائه وخاصم إليك فقال عمر للمنافق أكذلك فقال نعم فقال مكانكما حتى اخرج اليكما فدخل فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى مات وقال هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله فنزلت فهبط جبرائيل ﵇ وقال ان عمر فرق بين الحق والباطل فسمى الفاروق فالطاغوت كعب بن الأشرف سمى به لا فراطه فى الطغيان وعداوة الرسول وفى معناه ومن يحكم بالباطل ويؤثر لاجله وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ اى والحال انهم قد أمروا ان يتبرأ ومن الطاغوت وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ اى كعب بن الأشرف او حقيقة الشيطان عطف على يريدون أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً اى اضلالا بعيدا لا غاية له فلا يهتدون وَإِذا قِيلَ لَهُمْ اى للمنافقين تَعالَوْا اى جيئوا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ اى الى ما امره فى كتابه وَإِلَى الرَّسُولِ والى ما امره رسوله رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ اظهار المنافقين فى مقام الإضمار للتسجيل عليهم بالنفاق وذمهم به والاشعار بعلة الحكم والرؤية بصرية يَصُدُّونَ عَنْكَ حال من المنافقين صُدُوداً اى يعرضون عنك إعراضا وأي اعراض فَكَيْفَ يكون حالهم وكيف يصنعون يعنى انهم يعجزون عند ذلك فلا يصدرون امرا ولا يوردونه إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ اى وقت إصابة المصيبة إياهم بافتضاحهم بظهور نفاقهم بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ بسبب ما عملوا من الجنايات التي من جملتها التحاكم الى الطاغوت وعدم الرضى بحكم الرسول ثُمَّ جاؤُكَ للاعتذار عما صنعوا من القبائح وهو عطف على أصابتهم يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ حال من فاعل جاؤك إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً اى ما أردنا بتحاكمنا الى غيرك الا الفصل بالوجه الحسن والتوفيق بين الخصمين ولم نرد مخالفة لك ولا سخطا لحكمك فلا تؤاخذنا بما فعلنا وهذا وعيد لهم على ما فعلوا وانهم سيندمون عليه حين لا ينفعهم الندم ولا يغنى عنهم الاعتذار أُولئِكَ اى المنافقون الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ من النفاق فلا يغنى عنهم الكتمان والحلف الكاذب من العقاب فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ اى لا تقبل اعتذارهم ولا تفرج عنهم بدعائك وَعِظْهُمْ اى ازجرهم عن النفاق والكيد وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ اى فى حق أنفسهم الخبيثة وقلوبهم
стр. 683
المطوية على الشرور التي يعلمها الله تعالى او فى أنفسهم خاليا بهم ليس معهم غيرهم مسارا بالنصيحة لانها فى السر أنجع قَوْلًا بَلِيغاً مؤثرا واصلا الى كنه المراد مطابقا لما سيق له المقصود والقول البليغ بان يقول ان الله يعلم سركم وما فى قلوبكم فلا يغنى عنكم اخفاؤه فاصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم من رذيلة الكفر وداووها من مرض النفاق والا انزل الله بكم ما انزل بالمجاهرين بالشرك وشرا من ذلك واغلظ عسى ان تنجع فيهم الموعظة وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ اى وما أرسلنا رسولا من الرسل لشىء من الأشياء الا ليطاع بسبب اذنه تعالى فى طاعته وامره المبعوث إليهم بان يطيعوه ويتبعوه لانه مؤد عنه تعالى وطاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وعرضوها للعذاب بترك طاعتك والتحاكم الى غيرك جاؤُكَ تائبين من النفاق فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ بالتوبة والإخلاص وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ بان يسأل الله ان يغفر لهم عند توبتهم. فان قلت لو تابوا على وجه صحيح لقبلت توبتهم فما الفائدة فى ضم استغفار الرسول الى استغفارهم. قلت التحاكم الى الطاغوت كان مخالفة لحكم الله وكان ايضا اساءة الى الرسول ﵇ وادخالا للغم الى قلبه ﵇ ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الغير لَوَجَدُوا اللَّهَ لصادفوه حال كونه تعالى تَوَّاباً مبالغا فى قبول التوبة رَحِيماً مبالغا فى التفضيل عليهم بالرحمة بدل من توابا فَلا اى ليس الأمر كما يزعمون انهم آمنوا وهم يخالفون حكمك ثم استأنف القسم فقال وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ اى يجعلونك حكما يا محمد ويترافعوا إليك فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ اى فيما اختلف بينهم من الأمور واختلط ومنه الشجر لتداخل أغصانه ثُمَّ لا يَجِدُوا عطف على مقدر ينساق اليه الكلام اى فتقضى بينهم ثم لا يجدوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً ضيقا مِمَّا قَضَيْتَ اى مما قضيت به يعنى يرضون بقضائك ولا تضيق صدورهم من حكمك وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً وينقادوا لك انقيادا بظاهرهم وباطنهم. وفى هذه الآيات دلائل على ان من رد شيأ من أوامر الله وأوامر الرسول ﷺ فهو خارج عن الإسلام سواء رده من جهة الشك او من جهة التمرد وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة اليه من الحكم بارتداد مانعى الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم فاتباع الرسول ﵇ فرض عين فى الفرائض العينية وفرض كفاية فى الفروض على سبيل الكفاية وواجب فى الواجبات وسنة فى السنن وهكذا ومخالفته تزيل نعمة الإسلام
خلاف پيمبر كسى ره كزيد ... كه هركز بمنزل نخواهد رسيد
فالنبى ﷺ هو الدليل فى طريق الحق ومخالفة الدليل ضلالة: قال الحافظ
بكوى عشق منه بي دليل راه قدم ... كه من بخويش نمودم صد اهتمام ونشد
قال رسول الله ﷺ (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تابعا لما جئت به) وقال ﵇ (من ضيع سنتى) اى جعلها ضائعة بعدم اتباعها (حرمت عليه شفاعتى) وقال ﷺ (من حفظ سنتى أكرمه الله تعالى بأربع خصال.
المحبة فى قلوب البررة. والهيبة فى قلوب الفجرة. والسعة فى الرزق. والثقة فى الدين) فانما أمته من اتبعه ولا يتبعه إلا من اعرض عن الدنيا فانه ﵇ ما دعا الا الى الله تعالى
стр. 684
واليوم الآخر وما صرف إلا عن الدنيا والحظوظ العاجلة فبقدر ما أعرضت عنها وأقبلت على الله وصرفت الأوقات لاعمال الآخرة فقد سلكت سبيله الذي سلكه وبقدر ذلك اتبعته وبقدر ما اتبعته صرت من أمته ولو انصفنا لعلمنا اننا من حين نمسى الى حين نصبح لا نسعى الا فى الحظوظ العاجلة ولا نتحرك الا لاجل الدنيا الفانية ثم نطمع فى ان نكون غدا من أمته واتباعه- روى- عن رسول الله ﷺ انه قال (ليأتى على الناس زمان تخلق سنتى فيه وتتجدد فيه البدعة فمن اتبع سنتى يومئذ صار غريبا وبقي وحيدا ومن اتبع بدع الناس وجد خمسين صاحبا او اكثر) فقال الصحابة يا رسول الله عليك السلام هل بعدنا أحد أفضل منا قال (بلى) قالوا أفيرونك يا رسول الله قال (لا) قالوا فكيف يكونون فيها قال (كالملح فى الماء تذوب قلوبهم كما يذوب الملح فى الماء) قالوا فكيف يعيشون فى ذلك الزمان قال (كالدود فى الخل) قالوا فكيف يحفظون دينهم يا رسول الله قال (كالفحم فى اليد ان وضعته طفئ وان أمسكته او عصرته احرق اليد) وعن ابى بحيج العرباض بن سارية رضى الله عنه قال وعظنا رسول الله موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودّع فاوصنا قال (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وان تأمّر عليكم عبد وانه من يعيش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهتدين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فان كل بدعة ضلالة) فعلى المؤمن ان يتبع سنة الرسول ويجتنب عن كل ما هو بدعة وضلالة ويصلح ظاهره بالشريعة وباطنه بالطريقة حتى ينال شفاعته ﷺ يوم القيامة ويتخلص من عذاب النار ويدخل الجنة مع الأبرار. فالمؤمن فى الآخرة فى الجنات كشجرة مثمرة لا تنفك عن البستان. والمنافق فى الدركات كشجرة غير مثمرة تقلع من البستان وتوقد بها النار: قال الفردوسى
درختى كه شيرين بود بار او ... نكردد كسى كرد إزار او
وكر زانك شيرين نباشد برش ... ز پاى اندر آرند نا كه سرش
بماند بباغ آن ودر آتش اين ... تو خواهى چنان باش وخواهى چنين
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ اى أوجبنا او فرضنا على هؤلاء المنافقين أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ كما أوجبناه على بنى إسرائيل حين طلبوا التوبة من ذنوبهم ما فَعَلُوهُ اى المكتوب المدلول عليه بكتبنا إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ الأناس قليل منهم وهم المخلصون وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ من متابعة الرسول وطاعته والمشي تحت رايته والانقياط لما يراه ويحكم به ظاهرا وباطنا وسميت أوامر الله ونواهيه مواعظ لاقترانها بالوعد والوعيد والترغيب والترهيب لَكانَ اى فعلهم ذلك خَيْراً لَهُمْ اى احمد عاقبة فى الدارين وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً لهم على الايمان وابعد من الاضطراب فيه وَإِذاً كأنه قيل وماذا يكون لهم بعد التثبيت فقيل وإذا لو ثبتوا لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا من عندنا أَجْراً عَظِيماً ثوابا كثيرا فى الآخرة لا ينقطع وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً يصلون بسلوكه الى عالم القدس ويفتح لهم أبواب الغيب قال ﷺ (من عمل بما علم ورثه الله علم
стр. 685
ما لم يعلم) . واعلم ان قتل النفس فى الحقيقة قمع هواها التي هى حياتها وإفناء صفاتها والخروج من الديار خروج من المقامات التي سكنت القلوب بها وألفتها من الصبر والتوكل والرضى والتسليم وأمثالها لكونها حاجبة عن التوحيد والفناء فى الذات كما قال الحسين بن منصور لابراهيم بن أدهم حين سأله عن حاله واجابه بقوله أدور فى الصحارى وأطوف فى البراري بحيث لاماء ولا شجر ولا روض ولا مطر هل حالى حال التوكل اولا فقال إذا فنيت عمرك فى عمران باطنك فاين الفناء فى التوحيد
جان عارف دوست را طالب شده ... نور حق با هستيش غالب شده
پرتو ذات از حجاب كبريا ... كرده او را غره بحر فنا
وعن ابراهيم بن أدهم قال دخلت جبل لبنان فاذا انا بشاب قائم وهو يقول يا من شوقى اليه وقلبى محب له ونفسى له خادم وكلى فناء فى إرادتك ومشيئتك فانت ولا غيرك متى تنجينى من هذه العذرة قلت رحمك الله ما علامة حب الله قال اشتهاء لقائه قلت فما علامة المشتاق قال لاله قرار ولا سكون فى ليل ولا نهار من شوقه الى ربه قلت فما علامة الفاني قال لا يعرف الصديق من العدو ولا الحلو من المر من فنائه عن رسمه ونفسه وجسمه قلت فما علامة الخادم قال انه يرفع قلبه وجوارحه وطمعه من ثواب الله: قال الحافظ قدس سره
تو بندگى چوكدايان بشرط مزد مكن ... كه دوست خود روش بنده پرورى داند
قال رسول الله ﷺ (لا يكونن أحدكم كالعبد السوء ان خاف عمل ولا كالاجير السوء ان لم يعط لم يعمل) وبالجملة انه لا بد للسالك من اقامة وظائف العبادات والأوراد فان الله أودع أنوار الملكوت فى اصناف الطاعات فان من فاته صنف او أعوزه من الموافقات جنس فقد من النور بمقدار ذلك وليس للوصول سبيل ولا الى الفناء دليل غير العبودية وترك ما سوى الحق
بشب حلاج را ديدند در خواب ... بريده سر بكف بر جام جلاب
بدو كفتند چونى سر بريده ... بگو تا چيست اين جام كزيده
چنين گفت او كه سلطان نكونام ... بدست سر بريده ميدهد جام
كسى اين جام معنى ميكند نوش ... كه كرد أول سر خود را فراموش
كما قيل من لم يركب الأهوال لم ينل الأموال فيا ايها العبد الذي لا يفعل ما يوعظ به ولا يخاف من ربه كيف تركت ما هو خير لك وأعرضت عما ينفعك فليس لك الآن الا التوبة عما يوقعك فى المعاصي والمنهيات والرجوع الى الله بالطاعات والعبادات والفناء عن الذات بالاصغاء الى المرشد الرشيد الواصل الى سر التفريد وقبول امره وعظته وتسليم النفس الى تربيته ودوام المراقبة فى الطريق ومن الله التوفيق وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ والمراد بالطاعة هو الانقياد التام والامتثال الكامل بجميع الأوامر والنواهي- روى- ان ثوبان مولى رسول الله أتاه يوما وقد تغير وجهه ونحل جسمه فسأله عن حاله فقال ما بي من وجع غير انى إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة على لقائك ثم ذكرت الآخرة فخفت ان لا أراك هناك لانى
стр. 686
عرفت انك ترفع مع النبيين وان ادخلت الجنة كنت فى منزل دون منزلتك وان لم ادخل فذاك حين لا أراك ابدا فنزلت فقال ﷺ (والذي نفسى بيده لا يؤمن عبد حتى أكون أحب اليه من نفسه وأبويه واهله وولده والناس أجمعين) فَأُولئِكَ اشارة الى المطيعين مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ اى أتم الله عليهم النعمة وهذا ترغيب للمؤمنين فى الطاعة حيث وعدوا مرافقة اقرب عباد الى الله وأرفعهم درجات عنده مِنَ النَّبِيِّينَ بيان للمنعم عليهم وهم الفائزون بكمال العلم والعمل المتجاوزون حد الكمال الى درجة التكميل وَالصِّدِّيقِينَ المبالغين فى الصدق والإخلاص فى الأقوال والافعال الذين صعدت نفوسهم تارة بمراقى النظر فى الحجج والآيات واخرى بمعارج التصفية والرياضات الى اوج العرفان حتى اطلعوا على الأشياء وأخبروا عنها على ما هى عليها وَالشُّهَداءِ الذين ادى بهم الحرص على الطاعة والجد فى اظهار الحق حتى بذلوا مهجهم فى إعلاء كلمة الله وَالصَّالِحِينَ الذين صرفوا أعمارهم فى طاعته وأموالهم فى مرضاته وليس المراد بالمعية الاتحاد فى الدرجة لان التساوي بين الفاضل والمفضول لا يجوز ولا مطلق الاشتراك فى دخول الجنة بل كونهم فيها بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وزيارته متى أراد وان بعد ما بينهما من المسافة وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً فى معنى التعجب كأنه قيل وما احسن أولئك رفيقا اى النبيين ومن بعدهم ورفيقا تمييز وافراده لما انه كالصديق والخليط والرسول يستوى فيه الواحد والمتعدد والرفيق الصاحب مأخوذ من الرفق وهو لين الجانب واللطافة فى المعاشرة قولا وفعلا ذلِكَ الْفَضْلُ مبتدأ والفضل صفته وهو اشارة الى ما للمطيعين من عظيم الاجر ومزيد الهداية ومرافقة هؤلاء المنعم عليهم مِنَ اللَّهِ خبره اى لا من غيره وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً بجزاء من أطاعه وبمقادير الفضل واستحقاق اهله. وهذه الآية عامة فى جميع المكلفين إذ خصوص السبب لا يقدح فى عموم اللفظ فكل من أطاع الله وأطاع الرسول فقد فاز بالدرجات والمراتب الشريفة عند الله تعالى- روى- عن بعض الصالحين انه قال أخذتني ذات ليلة سنة فنمت فرأيت فى منامى كأن القيامة قد قامت وكأن الناس يحاسبون فقوم يمضى بهم الى الجنة وقوم يمضى بهم الى النار قال فاتيت الجنة فناديت يا اهل الجنة بماذا نلتم سكنى الجنان فى محل الرضوان فقالوا لى بطاعة الرحمان ومخالفة الشيطان ثم أتيت باب النار فناديت يا اهل النار بماذا نلتم النار قالوا بطاعة الشيطان ومخالفة الرحمان
كجا سر بر آريم ازين عار وننك ... كه با او بصلحيم وبا حق بجنگ
نظر دوست تا در كند سوى تو ... چودر روى دشمن بود روى تو
قال رسول الله ﷺ (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من ابى) قيل ومن ابى قال (من أطاعني دخل الجنة ومن عصانى فقد ابى) فعلى المرء ان يتبع الرسول ويتبع اولياء الله فان الأنبياء لهم وحي الهى والأولياء لهم الهام ربانى والاتباع لهم لا يخلو عن الاتباع للرسول قال ﵇ (المرء مع من أحب) فان أحب الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين كان معهم فى الجنة. وفى الآية تنبيه على انه ينبغى للعبد ان لا يتأخر من مرتبة الصلاح بل يسعى فى تكميل الصلاح ثم يترقى الى مرتبة الشهادة ثم الى الصديقة وليس بين النبوة وبين الصديقية
стр. 687
واسطة رزقنا الله وإياكم الفوز بهذا النعيم قال رسول الله ﷺ (لا يزال العبد يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا ولا يزال يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا) واقل الصدق استواء السر والعلانية والصادق من صدق فى أقواله والصديق من صدق فى جميع أقواله وأفعاله وأحواله. وكان جعفر الخواص يقول الصادق لا تراه الا فى فرض يؤديه او فضل يعمل فيه وثمرات الصدق كثيرة فمن بركاته فى الدنيا انه حكى عن ابى عمر الزجاجي انه قال ماتت أمي فورثت دارا فبعتها بخمسين دينارا وخرجت الى الحج فلما بلغت بابل استقبلني واحد من القافلة وقال أي شىء معك فقلت من نفسى الصدق خير ثم قلت خمسون دينارا فقال ناولنيها فناولته الصرة فحلها فاذا هى خمسون وقال لى خذها فلقد أخذني صدقك ثم نزل عن الدابة وقال اركبها فقلت لا أريد فقال لا وألح فركبتها فقال وانا على اثرك فلما كان العام القابل لحق بي ولا زمنى حتى مات: قال الحافظ قدس سره
بصدق كوش كه خورشيد زايد از نفست ... كه از دروغ سيه روى كشت صبح نخست
يعنى ان الصبح الكاذب تعقبه الظلمة والصبح الصادق يعقبه النور فمن صدق فقد بهر منه النور يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ اى تيقظوا واحترزوا من العدو ولا تمكنوه من أنفسكم يقال أخذ حذره إذا تيقظ واحترز من المخوف كأنه جعل الحذر آلته التي يقى بها نفسه ويعصم بها روحه فَانْفِرُوا فاخرجوا الى جهاد العدو ثُباتٍ جماعات متفرقة سرية بعد سرية الى جهات شتى وذلك إذا لم يخرج النبي ﵇. جمع ثبة وهى جماعة من الرجال فوق العشرة ومحلها النصب على الحالية أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً مجتمعين كوكبة واحدة ولا تتخاذلوا فتلقوا بانفسكم الى التهلكة وذلك إذا خرج النبي ﵇ وَإِنَّ مِنْكُمْ خطاب لعسكر رسول الله ﷺ كلهم المؤمنين والمنافقين لَمَنْ الذي اقسم بالله لَيُبَطِّئَنَّ ليتأخرن عن الغزو ويتخلفن تثاقلا من بطأ لازم بمعنى ابطأ او ليبطئن غيره ويثبطه عن الجهاد وكان هذا ديدن المنافق عبد الله بن ابى وهو الذي يثبط الناس يوم أحد والاول انسب لما بعده وهو قوله تعالى حكاية يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ وبالجملة المراد بالمبطئين المنافقون من العسكر لانهم كانوا يغزون نفاقا فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ نالتكم نكبة من الأعداء كقتل وهزيمة قالَ اى المبطئ فرحا بصنعه وحامدا لربه قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ اى بالقعود والتخلف عن القتال إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً اى حاضرا فى المعركة فيصيبنى ما أصابهم وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ كائن مِنَ اللَّهِ كفتح وغنيمة لَيَقُولَنَّ ندامة على تثبيطه وقعوده وتهالكا على حطام الدنيا وتحسرا على فواته كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ اعتراض وسط بين الفعل ومفعوله الذي هو يا قوم لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فى تلك الغزوة فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً اى آخذ حظا وافرا من الغنيمة وانما وسعه بينهما لئلا يفهم من مطلع كلامه ان تمنيه معية المؤمنين لنصرتهم ومظاهرتهم حسبما يقتضيه ما فى البين من المودة بل هو للحرص على المال كما ينطق به آخره وليس اثبات المودة فى البين بطريق التحقيق بل بطريق التهكم فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ اى يبيعونها بها ويأخذون الآخرة بدلها
стр. 688
وهم المؤمنون فالفاء جواب شرط مقدر اى ان بطأ هؤلاء عن القتال فليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم فى طلب الذين يشترونها ويختارونها على الآخرة وهم المبطئون فالفاء للتعقيب اى ليتركوا ما كانوا عليه من التثبيط والنفاق والقعود عن القتال فى سبيل الله وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً لا يقادر قدره وعدله الاجر العظيم غلب او غلب ترغيبا فى القتال او تكذيبا لقولهم قد أنعم الله على إذ لم أكن معهم شهيدا وانما قال فيقتل او يغلب تنبيها على ان المجاهد ينبغى ان يثبت فى المعركة حتى يعز نفسه بالشهادة او الدين بالظفر والغلبة ولا يخطر بباله القسم الثالث أصلا وان لا يكون قصده بالذات الى القتل بل الى إعلاء الحق وإعزاز الدين قال رسول الله ﷺ (تكفل الله لمن جاهد فى سبيله لا يخرجه إلا جهاد فى سبيله وتصديق كلمته ان يدخله الجنة او يرجعه الى مسكنه
الذي خرج منه) مع ما نال من اجر وغنيمة قال رسول الله ﷺ (جاهدوا المشركين باموالكم وأنفسكم وألسنتكم) وذلك بان تدعوا عليهم بالخذلان والهزيمة وللمسلمين بالنصر والغنيمة وتحرضوا القادرين على الغزو وفى الحديث (من جهز غازيا فى سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيا فى سبيل الله بخير فقد غزا) اى كان خلفا لاهل بيته فى اقامة حوائجهم
وتتميم مصالحهم وفضائل الجهاد لا تكاد تضبط ... فعلى المؤمن ان يكون فى طاعة ربه بأى وجه
كان من الوجوه التعبدية فان الآية الاولى وهى قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ الآية وان نزلت فى الحرب لكن يقتضى اطلاق لفظها وجوب المبادرة الى الحيرات كلها كيفما أمكن قبل الفوات
مكن عمر ضايع بافسوس وحيف ... كه فرصت عزيزست والوقت سيف
قال رسول الله ﷺ (بادروا بالأعمال قبل ان تجيئ فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسى كافرا او يمسى مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا) وعن الزبير بن عدى قال اتينا انس بن مالك فشكونا اليه ما نلقى من الحجاج فقال اصبروا فانه لا يأتى زمان الا والذي بعده أشد منه شرا حتى تتقوا ربكم سمعته من نبيكم ﷺ :
قال الحافظ قدس سره
روزى اگر غمى رسدت تنگ دل مباش ... روشگر كن مباد كه از بد بتر شود
واعلم ان العدة والسلاح فى جهاد النفس والشيطان يعنى آلة قتالهما ذكر الله وبه يتخلص الإنسان من كونه أسير الهوى النفساني قال رسول الله ﷺ (لا يقعد قوم يذكرون الله الا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده) وعن ابى واقد الحارث بن عوف رضى الله عنه ان رسول الله ﷺ بينما هو جالس فى المسجد والناس معه إذا قبل ثلاثة نفر فاقبل اثنان الى رسول الله ﷺ وذهب واحد فوقف على رسول الله ﷺ . فاما أحدهما فرأى فرجة فى الحلقة فجلس فيها. واما الآخر فجلس خلفهم. واما الثالث فادبر ذاهبا فلما فرغ
стр. 689
رسول الله ﷺ قال (ألا أخبركم عن النفر الثلاثة اما أحدهم فاوى الى الله فآواه الله واما الآخر فاستحيى فاستحيى الله منه واما الآخر فاعرض فاعرض الله عنه)
بذكرش هر چهـ بينى در خروشست ... دلى داند درين معنى كه كوشست
نه بلبل بر گلش تسبيح خوانيست ... كه هر خارى بتوحيدش زبانيست
وَما لَكُمْ اى أي شىء حصل لكم من العلل ايها المؤمنون حال كونكم لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اى تاركين القتال يعنى لا عذر لكم فى ترك المقاتلة وهذا استفهام بمعنى التوبيخ ولا يقال ذلك الا عند سبق التفريط وَالْمُسْتَضْعَفِينَ عطف على السبيل بحذف المضاف لا على اسم الله وان كان اقرب لان خلاص المستضعفين سبيل الله لا سبيلهم والمعنى فى سبيل الله وفى خلاص الذين استضعفهم الكفار بالتعذيب والاسر وهم الذين اسلموا بمكة وصدهم المشركون عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم مستذلين مستضعفين يلقون منهم الأذى الشديد وانما خصهم بالذكر مع ان سبيل الله عام فى كل خير لان تخليص ضعفة المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخير واخصه مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ بيان للمستضعفين والولدان الصبيان جمع ولد وانما ذكرهم معهم تسجيلا بافراط ظلمهم حيث بلغ إذا هم الولدان غير المكلفين إرغاما لآبائهم وأمهاتهم ومبغضة لهم لمكانهم ولان المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم فى دعائهم استنزالا لرحمة الله بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا كما فعل قوم يونس وكما وردت السنة بإخراجهم فى الاستسقاء ودلت الآية على ان استنقاذ الأسارى من المسلمين من أيدي الكفار واجب بما قدروا عليه من القتال وإعطاء المال الَّذِينَ صفة للمستضعفين يَقُولُونَ يعنى لا حيلة لهؤلاء المستضعفين ولا ملجأ الا الله فيقولون داعين رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ مكة الظَّالِمِ أَهْلُها بالشرك الذي هو ظلم عظيم وباذية المسلمين وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا اى ول علينا واليا من المؤمنين يوالينا ويقوم بمصالحنا يحفظ علينا ديننا وشرعنا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً ينصرنا على أعدائنا ولقد استجاب الله دعاءهم حيث يسر لبعضهم الخروج الى المدينة قبل الفتح وجعل لمن بقي منهم الى الفتح خير ولى وأعز ناصر ففتح مكة على يدى نبيه ﷺ فتولاهم أي تولية ونصرهم أي نصرة ثم استعمل عليهم عتاب بن أسيد فجعل يضعف قدر الضعيف للحق ويعز العزيز بالحق فرأوا منه الولاية والنصرة كما أرادوا حتى صاروا أعز أهلها الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اى المؤمنون انما يقاتلون فى دين الله الحق الموصل لهم الى الله فى إعلاء كلمته فهو وليهم وناصرهم لا محالة وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ اى فيما يوصلهم الى الشيطان فلا ناصر لهم سواه فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ كأنه قيل إذا كان الأمر كذلك فقاتلوا يا اولياء الله اولياء الشيطان إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ الكيد السعى فى فساد الحال على جهة الاحتيال كانَ ضَعِيفاً اى ان كيده للمؤمنين بالاضافة الى كيد الله بالكافرين ضعيف لا يؤبه به فلا تخافوا أولياءه فان اعتمادهم على أضعف شىء وأوهنه وهذا كما يقال للحق دولة وللباطل جولة قالوا إدخال كان فى أمثال هذه المواقع لتأكيد بيان انه منذ كان كان كذلك
стр. 690
فالمعنى ان كيد الشيطان منذ كان كان موصوفا بالضعف قال الامام فى تفسيره إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً لان الله ينصر أولياءه والشيطان ينصر أوليائه ولا شك ان نصرة الشيطان لاوليائه أضعف من نصرة الله لاوليائه ألا ترى ان اهل الخير والدين يبقى ذكرهم الجميل على وجه الدهر وان كانوا حال حياتهم فى غاية الفقر والذلة. واما الملوك والجبابرة فاذا ماتوا انقرضوا ولا يبقى فى الدنيا رسمهم ولا طللهم. قيل النار حفت بالشهوات وان فى كل نفس شيطانا يوسوس إليها وملكا يلهمها الخير فلا يزال الشيطان يزين ويخدع ولا يزال الملك يمنعها ويلهمها الخير فايهما كانت النفس معه كان هو الغالب. قيل ان كيد الشيطان والنفس بمثابة الكلب ان قاومته مزق الإهاب وقطع الثياب وان رجعت الى ربه صرفه عنك برفق فالله تعالى جعل الشيطان عدوا للعباد ليوحشهم به اليه وحرك عليهم النفس ليدوم إقبالهم عليه فكلما تسلطا عليهم رجعوا اليه بالافتقار
وقاموا بين يديه على نعت اللجأ والاضطرار ... قال احمد بن سهل اعداؤك اربعة. الدنيا
وسلاحها لقاء الخلق وسجنها العزلة. والشيطان وسلاحه الشبع وسجنه الجوع. والنفس وسلاحها النوم وسجنها السهر. والهوى وسلاحه الكلام وسجنه الصمت واعلم ان كيد الشيطان ضعيف فى الحقيقة فان الله ناصر لاوليائه كل حين ويظهر ذلك الامداد فى نفوسهم بسبب تزكيتهم النفس وتخلية القلب عن الشواغل
الدنيوية وامتلاء أسرارهم بنور التوحيد فان الشيطان ظلمانى يهرب من النورانى لا محالة- روى- ان عمر بن الخطاب رضى الله عنه استأذن يوما على النبي ﵇ وعنده نساء من قريش يسألنه عالية أصواتهن على صوته فلما دخل ابتدرن الحجاب فجعل ﷺ يضحك فقال ما اضحكك يا رسول الله بابى أنت وأمي فقال ﷺ (عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندى فلما سمعن صوتك بادرن الحجاب) فقال عمر أنت أحق ان يهبن يا رسول الله ثم اقبل عليهن فقال اى عدوات انفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ فقلن أنت أفظ واغلظ من رسول الله فقال ﵇ (يا ابن الخطاب فو الذي نفسى بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك) - وروى- عن وهب بن منبه انه قال كان عابد فى بنى إسرائيل أراد الشيطان ان يضله فلم يستطع من أي جهة اراده من الشهوة والغضب وغير ذلك فاراده من قبل الخوف وجعل يدلى الصخرة من الجبل فاذا بلغه ذكر الله تباعد عنه ثم تمثل بالحية وهو يصلى فجعل يلتوى على رجليه وجسده حتى يبلغ رأسه وكان إذا أراد السجود التوى فى موضع رأسه فجعل ينحيه بيده حتى يتمكن من السجود فلما فرغ من صلاته وذهب جاء اليه الشيطان فقال له فعلت لك كذا وكذا فلم أستطع منك على شىء فاريد ان أصادقك اى ان أكون صديقا لك فانى لا أريد ضلالتك بعد اليوم فقال العابد مالى حاجة فى مصادقتك فقال الشيطان ألا تسألنى بأى شىء أضل به بنى آدم قال نعم قال بالشح والحدة والسكر فان الإنسان إذا كان شحيحا قللنا ماله فى عينه فيمنعه من حقوقه ويرغب فى اموال الناس
كريمانرا بدست اندر درم نيست ... خداوندان نعمت را كرم نيست
وقيل فى بعض الاشعار
стр. 691
باشد چوابر بي مطر وبحر بي گهر ... آنرا كه با جمال نكو جود بار نيست
وإذا كان الرجل حديدا ادرناه بيننا كما يدير الصبيان الاكرة ولو كان يحيى الموتى لم نبال به
اگر آيد ز دوستى گنهى ... بگناهى نشايد آزردن
ور زبانرا بعذر بگشايد ... بايدت خشم را فرو خوردن
زانكه نزديك عاقلان بترست ... عفو ناكردن از گنه كردن
واما إذا سكر قدناه الى كل شىء كما تقاد العنز بإذنها
مى مزيل عقل شد اى نا خلف ... تا بچندى ميخورى در روزگار
آدمي را عقل بايد در بدن ... ور نه جان در كالبد دارد حمار
فعلى العاقل ان يجاهد فى سبيل الله فان المجاهدة على حقيقتها تقوى الروح الضعيف الذي استضعفه النفس بالاستيلاء عليه ويتضرع الى الله بالصدق والثبات حتى يخرج من قرية البدن الظالم أهلها وهو النفس الامارة بالسوء ويتشرف بولاية الله تعالى فى مقام الروح رزقنا الله وإياكم فتح باب الفتوح آمين يا ميسر كل عسير أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ- روى- ان ناسا أتوا النبي ﷺ بمكة قبل ان يهاجر الى المدينة وشكوا اليه ما يلقون من أذى المشركين قالوا كنا فى عز فى حالة الجاهلية والآن صرنا اذلة فلو أذنت لنا قتلنا هؤلاء المشركين على فرشهم فقال ﷺ (كفوا ايديكم) اى أمسكوا (عن القتال) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ واشتغلوا بما أمرتم به فانى لم أومر بقتالهم وكانوا فى مدة إقامتهم بمكة مستمرين على تلك الحالة فلما هاجروا مع رسول الله ﷺ الى المدينة وأمروا بالقتال فى وقت بدر كرهه بعضهم وشق ذلك عليه لكن لا شكا فى الدين ولا رغبة عنه بل نفورا من الاخطار بالأرواح وخوفا من الموت بموجب الجبلة البشرية لان حب الحياة والنفرة من القتل من لوازم الطباع وذلك قوله تعالى فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ اى فرض عليهم الجهاد إِذا فَرِيقٌ إذا للمفاجأة وفريق مبتدأ مِنْهُمْ صفة يَخْشَوْنَ النَّاسَ خبره والجملة جواب لما اى فاجأ فريق منهم ان يخشوا الكفار أن يقتلوهم كَخَشْيَةِ اللَّهِ مصدر مضاف الى المفعول محله النصب على انه حال من فاعل يخشون اى يخشونهم متشبهين باهل خشية الله تعالى أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً عطف عليه بمعنى او أشد خشية من اهل خشية الله وكلمة او للتنويع على معنى ان خشية بعضهم كخشية الله او خشية بعضهم أشد منها وَقالُوا عطف على جواب لما اى فلما كتب عليهم القتال فاجأ فريق منهم خشية الناس وقالوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ فى هذا الوقت لا على وجه الاعتراض على حكمه تعالى والإنكار لا يجابه بل على طريقة تمنى التخفيف لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ اى هلا أمهلتنا وتركتنا الى الموت حتى نموت بآجالنا على الفراش وهذا استزادة فى مدة الكف واستمهال الى وقت آخر حذرا من الموت وحبا للحياة قُلْ اى تزهيدا لهم فيما يؤملونه بالقعود من المتاع الفاني وترغيبا فيما ينالونه بالقتال من النعيم الباقي مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ اى ما يتمتع وينتفع به فى الدنيا سريع النقض وشيك الانصرام وان
стр. 692
أخرتم الى ذلك الاجل ولو استشهدتم فى القتال صرتم احياء فتتصل الحياة الفانية بالحياة الباقية وَالْآخِرَةُ اى ثوابها الذي من جملته الثواب المنوط بالقتال خَيْرٌ لكم من ذلك المتاع القليل لكثرته وعدم انقطاعه وصفائه عن الكدورات وانما قيل لِمَنِ اتَّقى حثالهم على اتقاء العصيان والإخلاص بمواجب التكليف وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا عطف على مقدر اى تجزون ولا تنقصون ادنى شىء من أجور أعمالكم التي من جملتها مسعاتكم فى شأن القتال فلا ترغبوا عنه اعلم ان الآخرة خير من الدنيا لان نعم الدنيا قليلة ونعم الآخرة كثيرة ونعم الدنيا منقطعة ونعم الآخرة مؤبدة ونعم الدنيا مشوبة بالهموم والغموم والمكاره ونعم الآخرة صافية عن الكدورات ونعم الدنيا مشكوكة فان أعظم الناس تنعما لا يعرف انه كيف تكون عاقبته فى اليوم الثاني ونعم الآخرة يقينية فعلى العاقل ان يختار ما هو خير من كل وجه وهو الآخرة على ما هو شر من كل جهة وهو الدنيا: قال السعدي فى بعض قصائده
عمارت با سراى ديگر انداز ... كه دنيا را اساسى نيست محكم
فريدون را سرآمد پادشاهى ... سليمانرا برفت از دست خاتم
وفادارى مجوى از دهر خونخوار ... محالست انگبين در كام أرقم
مثال عمر سر بر كرده شمعيست ... كه كوته باز مى باشد دمادم
ويا برفى گدازان بر سر كوه ... كزو هر لحظه جزئى ميشود كم
- روى- ان رجلا اشترى دارا فقال لعلى رضى الله عنه اكتب القبالة فكتب [بسم الله الرحمن الرحيم اما بعد فقد اشترى مغرور من مغرور دارا دخل فيها فى سكة الغافلين لا بقاء لصاحبها فيها الحد الاول ينتهى الى الموت والثاني الى القبر والثالث الى الحشر والرابع الى الجنة او الى النار والسلام] فقرأ على الرجل فرد الدار وتصدق بالدنانير كلها وتزهد فى الدنيا فهذا هو حال العارفين حقيقة الحال قال القشيري ﵀ مكنك من الدنيا ثم قللها فلم يعدها لك شيأ ثم لو تصدقت منها بشق تمرة استكثر منك وهذا غاية الكرم وشرط المحبة وهو استقلال الكثير من نفسه واستكثار القليل من حبيبه وإذا كان قيمة الدنيا قليلة فاخس من الخسيس من رضى بالخسيس بدلا من النفس وقال ان الله تعالى اختطف المؤمن من الكون بالتدريج فقال اولا قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ فاختطفهم من الدنيا بالعقبى ثم استلبهم عن الكونين بقوله وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى فلا بد للسالك ان يترقى الى أعلى المنازل ويسعى من غير فتور وكلال: قال مولانا جلال الدين قدس سره
اى برادر بي نهايت در كهيست ... هر كجا كه مى رسى بالله مايست
وثمرة المجاهدة لا تضيع البتة بل تجزى كل نفس بما عملت قال بعض المشايخ انما جعل الدار الآخرة محلا لجزاء عباده المؤمنين لان هذه الدار لا تسع ما يريد ان يعطيهم ظاهرا وباطنا وكل ما فى الجنة لا يوافق ما فى الدنيا الا من حيث التسمية ولانه تعالى أجل أقدارهم عن ان يجازيهم فى دار لا بقاء لها قال تعالى وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى ثم الجزاء فى تلك الدار له علامة فى هذه الدار وهى انه من وجد ثمرة عمله عاجلا وهى الحلاوة فيه والتوفيق لغيره والشكر عليه
стр. 693
فهو دليل على وجود القبول لان الجزاء على ذلك مقصور قال ابراهيم بن أدهم لو يعلم الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف وقال بعضهم ليس شىء من البر الا ودونه عقبة يحتاج الى الصبر فيها فمن صبر على شدتها افضى الى الراحة والسهولة وانما هى مجاهدة النفس ثم مخالفة الهوى ثم المكابدة فى ترك الدنيا ثم اللذة والتنعم وانما يطيع العبد ربه على قدر منزلته منه فمن سره ان يعوف منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله فى قلبه وقيل لبعضهم هل تعرف الله فغضب وقال ترانى اعبد من لا اعرف فقال له السائل او تعصى من تعرف: قال السعدي قدس سره
عمرى كه ميرود بهمه حال سعى كن ... تا در رضاى خالق بيچون بسر برى
وقال ايضا
پير بودى وره ندانستى ... تو نه پيرى كه طفل كتابى
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ المقدر بالأجل او العذاب وفى لفظ الإدراك اشعار بانهم فى الهرب منه وهو مجد فى طلبهم وهو كلام مبتدأ لا محل له من الاعراب وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
اى وان كنتم فى قصور عالية الى السماء محكمة بالشيد وهو الجص لا يصعد إليها بنوا آدم قال مجاهد فى هذه الآية كان فيمن قبلكم امرأة وكان لها أجير فولدت جارية فقالت لا جيرها اقتبس لنا نارا فخرج فوجد بالباب رجلا فقال له الرجل ما ولدت هذه المرأة قال جارية قال اما هذه الجارية لا تموت حتى تزنى بمائة ويتزوجها أجيرها ويكون موتها بالعنكبوت فقال الأجير فى نفسه فانا أريد هذه بعد ان تفجر بمائة لا قتلنها فاخذ شفرة فدخل فشق بطن الصغيرة وخرج على وجهه وركب البحر وخيط بطن الصبية فعولجت وبرئت وشبت فكانت تزنى فاتت ساحلا من ساحل البحر فاقامت عليه تزنى ولبث الرجل ما شاء الله ثم قدم ذلك الساحل ومعه مال كثير فقال لامرأة من اهل الساحل اطلعى لى امرأة من أجمل النساء أتزوجها فقالت هاهنا امرأة من أجمل النساء ولكنها تفجر فقال ائتيني بها فاتتها فقالت قد قدم رجل له مال كثير وقال لى كذا وكذا فقالت انى تركت الفجور ولكن ان أراد ان يتزوجنى تزوجته قال فتزوجها فوقعت منه موقعا فبينما هو يوما عندها إذا خبرها بامره فقالت انا تلك الجارية وارته الشق فى بطنها وقد كنت افجر فما أدرى بمائة او اقل او اكثر فقال زوجها فى نفسه ان الرجل الذي كان خارج الباب قال يكون موتها بالعنكبوت ثم أخبرها بذلك قال فبنى لها برجا فى الصحراء وشيده فبينما هى يوما فى ذلك البرج إذا عنكبوت فى السقف فقالت هذا يقتلنى لا قتلنه إذ لا يقتله أحد غيرى فحركته فسقط فاتته فوضعت إبهام رجلها عليه فشدخته فساح سمه بين ظفرها واللحم فاسودت رجلها فماتت وفى ذلك نزلت هذه الآية أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وأجمعت الامة على ان الموت ليس له سن معلوم ولا أجل معلوم ولا مرض معلوم وذلك ليكون المرء على اهبة من ذلك مستعدا لذلك قال ﵇ (أكثروا ذكر هاذم اللذات) يعنى الموت وهو كلام مختصر وجيز قد جمع التذكرة وابلغ فى الموعظة فان من ذكر الموت حقيقة ذكره نغض عليه اللذة الحاضرة ومنعه من تمنيها فى المستقبل وزهده فيما كان منها يؤمل ولكن النفوس
стр. 694
الراكدة والقلوب الغافلة تحتاج الى تطويل الوعاظ وتزويق الألفاظ والا ففى قوله ﵇ (أكثروا ذكر هاذم اللذات) مع قوله تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ما يكفى السامع ويشغل الناظر فيه: قال الحافظ قدس سره
سپهر پر شده پرويز نست خون افشان ... كه ريزه اش سر كسرى وتاج پرويزست
قال السعدي قدس سره
جهان اى پسر ملك جاويد نيست ... ز دنيا وفادارى اميد نيست
نه بر باد رفتى سحرگاه وشام ... سرير سليمان ﵇
بآخر نديدى كه بر باد رفت ... خنك آنكه با دانش ودار رفت
والاشارة فى الآية ان يا اهل البطالة فى زى الطلبة الذين غلب عليكم الهوى وجب إليكم الدنيا فاقعدكم عن طلب المولى ثم رضيتم بالحياة الدنيا واطمأننتم بها أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ اضطرارا ان لم تموتوا قبل ان تموتوا اختيارا وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ اى أجساد مجسمة قوية أمزجتها أوصلنا الله وإياكم الى حقيقة الفناء والبقاء آمين وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ اى نعمة كخصب يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ نسبوها الى الله وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بلية كقحط يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ أضافوها إليك يا محمد وقالوا ان هى الا بشؤمك كما قالت اليهود منذ دخل محمد المدينة نقضت ثمارها وغلت أسعارها قُلْ كُلٌّ من الحسنة والسيئة مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يبسط ويقبض حسب إرادته فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ اى أي شىء حصل لليهود والمنافقين من العلل حال كونهم لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً اى لا يقربون من فهم حديث عن الله تعالى كالبهائم ولو فهموا لعلموا ان الكل من عند الله والفقه هو الفهم ثم اختص من جهة العرف بعلم الفتوى ما أَصابَكَ يا انسان مِنْ حَسَنَةٍ من خير ونعمة فَمِنَ اللَّهِ تفضلا منه فان كل ما يفعله الإنسان من الطاعة لا يكافئ نعمة الوجود فكيف يقتضى غيره ولذلك قال ﵇ (ما أحد يدخل الجنة الا برحمة الله) قيل ولا أنت قال (ولا انا الا ان يتغمدنى الله برحمته) وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ من بلية وشىء تكرهه فَمِنْ نَفْسِكَ لانها السبب فيها لاستجلابها المعاصي وهو لا ينافى قوله كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فان الكل منه إيجادا وإيصالا غير ان الحسنة احسان وامتنان والسيئة مجازاة وانتقام كما قالت عائشة رضى الله عنها ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها وحتى انقطاع شسع نعله الا بذنب وما يغفر الله اكثر واعلم ان للاعمال اربع مراتب. منها مرتبتان لله تعالى وليس للعبد فيهما مدخل وهما التقدير والخلق. ومنها مرتبتان للعبد هما الكسب والفعل فان الله تعالى منزه عن الكسب وفعل السيئة وانهما يتعلقان بالعبد ولكن العبد وكسبه مخلوق خلقه الله تعالى كما قال وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ فهذا تحقيق قوله قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ اى خلقا وتقديرا لا كسبا وفعلا فافهم واعتقد فانه مذهب اهل الحق وارباب الحقيقة كذا فى التأويلات النجمية قال الضحاك ما حفظ الرجل القرآن ثم نسيه الا بذنب ثم قرأ وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
стр. 695
قال فنسيان القرآن من أعظم المصائب وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا اى رسولا للناس جميعا لست برسول للعرب وحدهم بل أنت رسول العرب والعجم كقوله تعالى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ فرسولا حال قصد بها تعميم الرسالة والجار متعلق بها قدم عليها للاختصاص وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً على رسالتك بنصب المعجزات وفى التأويلات النجمية يشير بقوله تعالى وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا اى الناس الذين قد نسوا الله ونسوا ما شاهدوا منه وما عاهدوا عليه الله وأرسلناك إليهم لتبلغهم كلامنا وتذكرهم أيامنا وتجدد لهم عهودنا وترغبهم فى شهودنا وتدعوهم إلينا وتهديهم الى صراطنا وتكون لهم سراجا منيرا يهتدون بهداك ويتبعون خطاك الى ان توصلهم الى الدرجات العلى وتنزلهم فى المقصد الأعلى وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً اى شاهدا لاحبائه وأوليائه لئلا يكتفوا براحة دون لقائه انتهى: قال الحافظ قدس سره
يوسف عزيزم رفت اى برادر آن ز چمن ... كز غمش عجب ديدم حال پير كنعان
وفى الآية تعليم الأدب ورؤية التأثير من الله تعالى- روى- ان أبا بكر رضى الله عنه ابتلى بوجع السن سبع سنين فاعلمه جبريل رسول الله ﷺ وسأل ﵇ عن حاله فقال (لم لم تذكر يا أبا بكر) فقال كيف أشكو مما جاء من الحبيب فلا بد من التخلق بالأخلاق الحسنة لان الكل من عند الله وانما أرسل الله رسوله لاخراج الناس من الظلمات الى النور فاذا تأدبوا بالآداب النبوية وصلوا الى الحقيقة المحمدية: قال الشيخ العطار
دعوتش فرمود بهر خاص وعام ... نعمت خود را برو كرده تمام
مبعث او سر نكونئ بتان ... امت او بهترين امتان
بر ميان دو كتف خورشيدوار ... داشته مهر نبوت آشكار
وكان خاتم النبوة بين كتفيه ﷺ اشارة الى عصمته من وسوسة الشيطان لان الخناس يجيئ من بين الكتفين فيدخل خرطومه قبل قلب الإنسان فيوسوس اليه فاذا ذكر الله خنس وراءه وكان حول خاتم النبوة شعرات مائلة الى الحضرة مكتوب عليه [محمد نبى أمين] وقيل غير ذلك والتوفيق بين الروايات بتعدد الخطوط وتنوعها بحسب الحالات والتجليات او بالنسبة الى انظار الناظرين. ثم انه قد اتفق اهل العلم على افضلية شهر رمضان لانه انزل فيه القرآن ثم شهر ربيع الاول لانه مولد حبيب الرحمن. واما أفضل الليالى فقيل ليلة القدر لنزول القرآن فيها وقيل ليلة المولد المحمدي لو لاه ما انزل القرآن ولا تعينت ليلة القدر فعلى الامة تعظيم شهر المولد وليلته كى ينالوا منه شفاعته ويصلوا الى جواره مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ لانه فى الحقيقة مبلغ والآمر هو الله تعالى- روى- انه ﵇ قال (من أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله) فقال المنافقون لقد قارف الشرك وهو ينهى عنه ما يريد الا ان نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى فنزلت وَمَنْ تَوَلَّى اى اعرض عن طاعته فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها انما عليك البلاغ وعلينا الحساب. قوله حفيظا حال من كاف أرسلناك
стр. 696
وعليهم متعلق بحفيظا وَيَقُولُونَ إذا امرتهم بأمر طاعَةٌ اى أمرنا وشأننا طاعة فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ اى خرجوا بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ اى زورت خلاف ما قلت لها يا محمد فالضمير للخطاب او ما قالت لك من ضمان الطاعة فالضمير للغيبة واشتقاق البيت من البيتوتة ولما كان غالب الافكار التي يستقصى فيها الإنسان واقعا فى الليل إذ هناك يكون الخاطر أصفى والشواغل اقل سمى الفكر المستقصى مبيتا وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ يثبته فى صحائف أعمالهم للمجازاة فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ قلل المبالاة بهم وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فى الأمور كلها سيما فى شأنهم وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا يكفيك معرتهم وينتقم لك منهم إذا قوى امر الإسلام وعز أنصاره. والوكيل هو العالم بما يفوض اليه من التدبير أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ يتأملون فى معانيه ويتبصرون ما فيه واصل التدبير النظر فى ادبار الشيء وما يؤول اليه فى عاقبته ومنتهاه ثم استعمل فى كل تأمل وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ اى ولو كان من كلام البشر كما زعم الكفار لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً من تناقض المعنى وتفاوت النظم وكان بعضه فصيحا وبعضه ركيكا وبعضه يصعب معارضته وبعضه يسهل ومطابقة بعض اخبار المستقبلة للواقع دون بعض وموافقة العقل لبعض أحكامه دون بعض على ما دل عليه الاستقراء لنقصان القوة البشرية. وهل يجوز ان يقال بعض كلام الله ابلغ من بعض. قال الامام السيوطي فى الإتقان جوزه قوم لقصور نظرهم فينبغى ان يعلم ان معنى قول القائل هذا الكلام ابلغ من هذا الكلام ان هذا فى موضعه له حسن ولطف وبلاغة وذاك فى موضعه له حسن ولطف وهذا الحسن فى موضعه أكمل وابلغ من ذلك فى موضعه فلا ينبغى ان يقال ان قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ابلغ من تَبَّتْ بل ينبغى ان يقال تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ دعاء عليه بالخسران فهل توجد عبارة للدعاء بالخسران احسن من هذه وكذلك فى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ لا توجد عبارة تدل على وحدانيته ابلغ منها فالعالم إذا انظر الى تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ فى باب الدعاء بالخسران ونظر الى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فى باب التوحيد لا يمكنه ان يقول أحدهما ابلغ من الآخر. وقال بعض المحققين كلام الله فى الله أفضل من كلامه فى غيره ف قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أفضل من تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ لان فيه فضيلة الذكر وهو كلام الله وفضيلة المذكور وهو اسم ذاته وتوحيده وصفاته الايجابية والسلبية وسورة تبت فيها فضيلة الذكر فقط وهو كلام الله تعالى. قال الغزالي فى جوهر القرآن ومن توقف فى تفضيل الآيات أول قوله ﵇ (أفضل سورة وأعظم سورة) بانه أراد فى الاجر والثواب لا ان بعض القرآن أفضل من بعض فالكل فى فضل الكلام واحد والتفاوت فى الاجر لا فى كلام الله تعالى من حيث هو كلام الله القديم القائم بذاته تعالى انتهى. يقول الفقير جامع هذه المجالس النفيسة قولهم ان هذه الآية فى غاية الفصاحة كما قال القاضي عند قوله تعالى وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ الآية يشعر بجواز القول التفاوت فى طبقات الفصاحة كما عليه علماء البلاغة ومن هنا: قال من قال
در بيان ودر فصاحت كى بود يكسان سخن ... گر چهـ گوينده بود چون جاحظ و چون أصمعي
стр. 697
در كلام ايزد بيچون كه وحي منزلست ... كى بود تبت يدا مانند يا ارض ابلعي
قال العلماء القرآن يدل على صدقه ﵇ من ثلاثة أوجه. أحدها اطراد ألفاظه فى الفصاحة. وثانيها اشتماله على الاخبار عن الغيوب. والثالث سلامته من الاختلاف وسبب سلامته منه على ما ذهب اليه اكثر المتكلمين ان القرآن كتاب كبير مشتمل على انواع كثيرة من العلوم فلو كان ذلك من عند غير الله لوقع فيه انواع من الكلمات المتناقضة لان الكتاب الكبير الطويل لا ينفك عن ذلك ولما لم يوجد فيه ذلك علمنا انه ليس من عند غير الله وانما هو وحي اوحى اليه ﵇ من عند الله بوساطة جبرائيل فمن أطاعه فيه فقد أطاع الله والاطاعة سبب لنيل المطالب الدنيوية والاخروية ويرشدك على شرف الاطاعة ان كلب اصحاب الكهف لما تبعهم فى طاعة الله وعدله دخول الجنة: كما قال السعدي
سگ اصحاب كهف روزى چند ... پى مردم گرفت ومردم شد
فاذا كان من تبع المطيعين كذلك فما ظنك
بالمطيعين وكما ان من صلى ولم يؤد الزكاة لم تقبل منه الصلاة ومن شكر الله فى نعمائه ولم يشكر الوالدين لا يقبل منه فكذلك من أطاع الله ولم يطع الرسول لا يقبل منه. والاشارة ان الرسول ﷺ كان لوصفه بالفناء فانيا فى الله باقيا بالله قائما مع الله فكان خليفة الله على الحقيقة فيما يعامل الخلق حتى قال وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وكان الله خليفته فيما يعامله الخلق حتى قال إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ ولهذا كان يقول ﷺ (الله خليفتى على أمتي) وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً فانك لست لك حافظا فكيف لهم فانهم تولوا عنى لا عنك فانما على حسابهم لا عليك وفى قوله تعالى وَيَقُولُونَ طاعَةٌ اشارة الى احوال اكثر مريدى هذا الزمان إذا كانوا حاضرين فى الصحبة ينعكس تلألؤ أشعة أنوار الولاية فى مرآة قلوبهم فيزدادون ايمانا مع ايمانهم وارادة مع إرادتهم فيصغون بآذانهم الواعية الى الحكم والمواعظ الحسنة ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ويقولون السمع والطاعة فيما يسمعون ويخاطبون به فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ وهب لهم رياح الهوى وشهوة الحرص وتمايلت قلوبهم عن مجازات القرار على الولاية وعاد المشئوم الى طبعه بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ اى يغير عليهم ما يغيرون على أنفسهم لان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ فاصفح عنهم واصبر معهم وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ لعل الله يصلح بالهم ولا يجعل التغيير وبالهم ويحسن عاقبتهم ومآلهم وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا للمتوكلين عليه والملتجئين اليه ثم اخبر عن الدواء كما اخبر عن الداء بقوله أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ والاشارة ان العباد لو كانوا يتدبرون القرآن ويتفكرون فى آثار معجزاته وأنوار هداياته ونظم آياته وكمال فصاحته وجمال بلاغته وجزالة ألفاظه ورزانة معانيه ومتانة مبانيه وفى أسراره وحقائقه ودقة إشاراته ولطائفه وانواع معالجاته لامراض القلوب من إصابة ضرر الذنوب لوجدوا فيه لكل داء دواء ولكل مرض شفاء ولكل عين قرة ولكل وجه غرة ولرأوا كأسه موصوفا بالصفاء محفوظا من القذى بحرا لا تنقضى عجائبه وبرا لا تنتفى غرائبه روحا لا تباغض فيه ولا خلاف وجثة لا تناقض فيها ولا اختلاف
стр. 698
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ولم يجدوا فيه نقيرا ولا قطميرا انتخبته من التأويلات النجمية: وفى المثنوى
چون تو در قرآن حق بگريختى ... با روان انبيا آميختى
هست قرآن حالهاى انبيا ... ماهيان بحر پاك كبريا
ور بخوانى ونه قرآن پذير ... انبيا وأوليا را ديده گير
وَإِذا جاءَهُمْ اى بلغ ضعفة المسلمين أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ اى خبر من السرايا الذين بعثهم رسول الله ﷺ من ظفر وغنيمة او نكبة وهزيمة أَذاعُوا بِهِ اى أفشوا ذلك الخبر وأظهروه لعدم خبرتهم بالأحوال واستنباطهم للامور وكانت إذا عتهم مفسدة يقال أذاع السرور أذاع به والباء مزيدة وَلَوْ رَدُّوهُ اى ذلك الخبر إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ بترك التعرض له وجعله بمنزلة غير المسموع وتفويض امره الى رأى الرسول ﷺ ورأى كبار أصحابه كالخلفاء الاربعة او رأى أمراء السرايا فكبار الصحابة أولوا امر على معنى انهم البصراء بالأمور وان لم يكن لهم امر على الناس والأمراء أولوا امر على الناس مع كونهم بصراء بالأمور لَعَلِمَهُ اى لعلم تدبير ما أخبروا به على أي وجه يذكرونه الَّذِينَ اى الرسول وأولوا الأمر الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ اى يستخرجون تدبيره بتجاربهم وانظارهم الصحيحة ومعرفتهم بامور الحرب ومكايدها. واصل الاستنباط إخراج النبط وهو الماء يخرج من البئر أول ما تحفر يقال انبط الحفار إذا بلغ الماء وسمى القوم الذين ينزلون بالبطائح بين العراقين نبطا لاستناطهم الماء من الأرض وقيل كانوا يقفون من رسول الله ﷺ واولى الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء او على خوف واستشعار فيذيعونه فينشر فيبلغ الأعداء فتعود اذاعتهم مفسدة ولوردوه الى الرسول والى اولى الأمر منهم وفوضوه إليهم وكانوا كأن لم يسمعوا لعلمه الذين يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون منه فالمراد بالمستنبطين منهم على كلا الوجهين الرسول وأولوا الأمر. ومن فى قوله يستنبطونه منهم اما تبعيضية واما بيانية تجريدية. وفى الآية نهى عن افشاء السر قيل لبعض الأدباء كيف حفظك للسر قال انا قبره ومن هذا قيل صدور الأبرار قبور الاسرار وفى المثنوى
ور بگوئى با يكى دو الوداع ... كل سر جاوز الاثنين شاع «١»
نكته كان جست تا كه از زبان ... همچوتيرى دان كه جست آن از كمان «٢»
وا نگردد از ره آن تير اى پسر ... بند بايد كرد سيلى را ز سر
وفى الآية اشارة الى ارباب السلوك إذا فتح لهم باب من الانس او الهيبة او الحضور او الغيبة من آثار صفات الجمال والجلال اشاعوه الى الأغيار ولو كان رجوعهم فى حل هذه المشكلات الى سنن الرسول ﷺ والى سير اولى الأمر منهم وهم المشايخ البالغون الواصلون ومن كان له شيخ كامل فهو ولى امره لعلمه الذين يستنبطونه منهم وهم ارباب الكشوف بحقائق الأشياء فهم الغواصون فى بحار أوصاف البشرية المستخرجون من أصداف
стр. 699
العلوم درر حقائق المعرفة وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ بإرسال الرسول وإنزال الكتاب لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ بالكفر والضلال إِلَّا قَلِيلًا اى الا قليلا منكم فان من خصه الله بعقل راجح وقلب غير متكدر بالانهماك فى اتباع الشهوات يهتدى الى الحق والصواب ولا يتبع الشيطان ولا يكفر بالله وان فرض عدم إنزال القرآن وبعثة سيدنا محمد ﷺ كزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وغيرهما ممن كان على دين المسيح قبل بعثته. وقال الشيخ نجم الدين قدس سره فى تأويلاته لعل الاستثناء راجع الى الصديق رضى الله عنه فانه كان قبل مبعث النبي ﵇ يوافقه فى طلب الحق قالت عائشة رضى الله عنها لم اعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم الا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفى النهار بكرة وعشيا- وروى- عن النبي ﵇ كنت وابو بكر كفرسى رهان سبقته فتبعنى ولو سبقنى لتبعته وفى الحقيقة كان النبي ﵇ فضل الله ورحمته يدل عليه قوله تعالى هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا الى قوله ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وقوله تعالى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ فلولا وجود النبي ﵇ وبعثته لبقوا فى تيه الضلالة تائهين كما قال تعالى وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعنى قبل بعثته وكانوا قد اتبعوا الشيطان الى شفا حفرة من النار وكان ﵇ فضلا ورحمة عليهم فانقذهم منها كما قال تعالى وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها: قال الشيخ العطار قدس سره
خويشتن را خواجه عرصات گفت ... انما انا رحمة مهدات گفت
: وقال حضرة الهدايى قدس سره
سرمايه سعادت عالم محمد است ... مقصود ازين طينت آدم محمد است
در صورت آدم آمد اگر چهـ مقدما ... در معنى پيشوا ومقدم محمد است
گر چهـ هدايى رسالت مكرم است ... محبوب حق محمد وخاتم محمد است
قال بعض الحكماء ان الله تعالى خلق محمدا ﷺ فجعل رأسه من البركة وعينيه من الحياء واذنيه من العبرة ولسانه من الذكر وشفتيه من التسبيح ووجهه من الرضى وصدره من الإخلاص وقلبه من الرحمة وفؤاده من الشفقة وكفيه من السخاوة وشعره من نبات الجنة وريقه من عسل الجنة فلما أكمله بهذه الصفة أرسله الى هذه الامة فقال هذا هديتى إليكم فاعرفوا قدر هديتى وعظموه كذا فى زهرة الرياض. وقيل فى وجه عدم ارتحال جسده الشريف النظيف من الدنيا مع ان عيسى ﵇ قد عرج الى السماء بجسده انه انما بقي جسمه الطاهر هنا لاصلاح عالم الأجساد وانتظامه فانه مظهر الذات وطلسم الكائنات فجميع الانتظام بوجوده الشريف كذا فى الواقعات المحمودية نقلا عن حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس الله سره آمين آمين يا رب العالمين فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الفاء جزائية والجملة جواب لشرط مقدر اى ان تثبط المنافقون وقصر الآخرون وتركوك وحدك فقاتل أنت يا محمد وحدك فى الطريق الموصل الى رضى الله وهو الجهاد ولا تبال بما فعلوا لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ مفعول
стр. 700
ثان للفعل المخاطب المجهول اى إلا فعل نفسك لا يضرك لمخالفتهم وتقاعدهم فتقدم الى الجهاد وان لم يساعدك أحد فان الله ناصرك لا الجنود. والتكلف اسم لما يفعل بمشقة او بتصنع فالمحمود منه ما فعل بمشقة حتى الف ففعل بمحبة كالعبادات والمذموم منه ما يتعاطى تصنعا ورياء وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ على القتال اى رغبهم فيه بذكر الثواب والعقاب او بوعد النصرة والغنيمة وما عليك فى شأنهم الا التحريض فحسب لا التعنيف بهم- روى- ان رسول الله ﷺ وأعد أبا سفيان بعد حرب أحد موسم بدر الصغرى فى ذى القعدة وهى سوق من المدينة على ثمانية أميال ويقال لها حمراء الأسد ايضا فلما بلغ الميعاد دعا الناس الى الخروج فكرهه بعضهم فانزل الله هذه الآية فخرج ﷺ فى سبعين راكبا فكفاهم الله القتال كما قال عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ اى يمنع بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا البأس فى الأصل المكروه ثم وضع موضع الحرب والقتال قال تعالى لا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا وعسى من الله واجب لانه فى اللغة الاطماع والكريم إذا أطمع أنجز وقد فعل حيث القى فى قلوب الكفرة الرعب حتى رجعوا من مر الظهران- ويروى- ان رسول الله ﷺ وافى بجيشه بدرا وقام بها ثمانى ليال وكان معهم تجارات فباعوها وأصابوا خيرا كثيرا وقد مر فى سورة آل عمران وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً اى من قريش وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا اى تعذيبا وعقوبة ينكل من يشاهدها عن مباشرة ما يؤدى إليها ويجوز ان يكونا جميعا فى الدنيا وان يكون أحدهما فى الدنيا والآخر فى العقبى. ثم له ثلاثة أوجه. أحدها ان معناه ان عذاب الله تعالى أشد من جميع ما ينالكم بقتالهم لان مكروههم ينقطع ثم تصيرون الى الجنة وما يصل الى الكفار والمنافقين من عذاب الله يدوم ولا ينقطع. والثاني لما كان عذاب الله أشد فهو اولى ان يخاف ولا يجرى فى امره بالقتال منكم خلاف وهذا وعيد. والثالث لما كان عذاب الله أشد فهو يدفعهم عنكم ويكفيكم أمرهم وهذا وعد وانما جبن المتقاعدون لشدة بأس الكفار وصولتهم ولكن الله قاهر فوق عباده وقوة اليقين رأس مال الدين والموت تحفة المؤمن الكامل خصوصا إذا كان فى طريق الجهاد والدنيا سريعة الزوال ولا تبقى على كل حال وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه كثيرا ما ينشد هذه الأبيات
لا شىء مما نرى تبقى بشاشته ... يبقى الا له ويردى المال والولد
لم تغن عن هرمز يوما خزائنه ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تجرى الرياح له ... والانس والجن فيما بينها ترد
اين الملوك التي كانت لعزتها ... من كل أوب إليها وافد يفد
حوض هنالك مورود بلا كذب ... لا بد من ورده يوما كما وردوا
وفى التأويلات النجمية فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ المعنى فجاهد فى طلب الحق نفسك فان فى طلب الحق لا تكلف نفسا اخرى الا نفسك وفيه معنى آخر لا تكلف نفس اخرى بالجهاد لاجل نفسك لان حجابك من نفسك لا من نفس اخرى فدع نفسك وتعال فانك صاحب يوم لا تملك نفس لنفس شيأ وذلك لانه ﷺ اختص بهذا المقام
стр. 701
من جميع الأنبياء والمرسلين وان يكون فانى النفس والذي يدل عليه ان الأنبياء يوم القيامة يقولون لبقاء نفوسهم نفسى نفسى ويقول النبي ﵇ لفناء نفسه أمتي أمتي فافهم جدا ثم قال وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ على القتال يعنى فى الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ظاهرا وباطنا فالظاهر الكفار والباطن النفس وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا فى استيلاء سطوات صفات قهره عند تجلى صفة جلاله للنفس من بأس الكافر عليها انتهى: وفى المثنوى
اندرين ره مى تراش ومى خراش ... تا دم آخر دمى فارغ مباش «١»
اى شهان كشتيم ما خصمى برون ... ماند خصمى زوان بتر در اندرون «٢»
كشتن اين كار عقل وهوش نيست ... شير باطن سخره خرگوش نيست
سهل شيرى دانكه صفها بشكند ... شير آنست آنكه خود را بشكند
مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وهو ثواب الشفاعة والتسبب الى الخير الواقع بها والشفاعة الحسنة هى التي روعى بها حق مسلم ودفع بها عنه شر او جلب اليه خير وابتغى بها وجه الله تعالى ولم تؤخذ عليها رشوة وكانت فى امر جائز لا فى حد من حدود الله ولا فى حق من الحقوق وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً وهى ما كانت بخلاف الحسنة يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها اى نصيب من وزرها مساولها فى المقدار من غير ان ينقص منه شىء. وعن مسروق انه شفع شفاعة فاهدى اليه المشفوع له جارية فغضب وردها وقال لو علمت ما فى قلبك لما تكلمت فى حاجتك لا أتكلم فيما بقي منها. ومن بلاغات الزمخشري شيآن شينان فى الإسلام الشفاعة فى الحدود والرشوة فى الاحكام والحدود عقوبة مقدرة يجب على الامام إقامتها حقا لله تعالى لئلا يتضرر العباد فالتعزير ليس بحد إذ ليس له قدر معين فان أكثره تسعة وثلاثون سوطا واقله ثلاثة وكذا القصاص لا يسمى حدا لانه حق العبد وهو ولى القصاص ولهذا سقط بالعفو والاعتياض فحد الزنى لغير المحصن مائة جلدة وللعبد نصفها وحد شرب الخمر ثمانون سوطا للحر وأربعون للعبد مفرقا على بدنه كما فى حد الزنى وحد القذف كحد الشرب فمن قذف محصنا او محصنة بصريح الزنى حد بطلب المقذوف المحصن لان فيه حق العبد من حيث دفع العار عنه وكذا طلب المسروق منه شرط القطع فى السرقة فهذه حدود لا يجرى فيها الشفاعة إذ الحق علم القاضي بالواقعة ولهذا قال فى ترجمة وصايا الفتوحات المكية [ونزديك حاكم در حدود الله شفاعت مكن از ابن عباس رضى الله عنهما درخواست كردند در باب دزدى شفاعت كند ابن عباس رضى الله عنهما گفت هر كه شفاعت كند وهر كه قبول كند هر دو در لعنت اندر اگر پيش از آنكه بحاكم معلوم نشود ميگفتيد مى شد] انتهى ولما كانت الشفاعة فى القصاص غير الشفاعة فى الحدود قال ﷺ (ما من صدقة أفضل من صدقة اللسان) قيل وكيف ذلك قال (الشفاعة يحقن بها الدم ويجر بها المنفعة الى آخر ويدفع بها المكروه عن آخر) ذكره الامام الغزالي ﵀. وافصح الحديث عن ان الشفاعة هى التوسط بالقول فى وصول شخص الى منفعة من المنافع الدنيوية او الاخروية وخلاصه من مضرة ما كذلك وإذا كانت
стр. 702
فى امر غير مشروع لا تكون صدقة بل سيئة. وذكر فى ترجمة الوصايا ايضا [چون براى كسى شفاعت كنى وكار او ساخته شود زنهار هديه او قبول مكن كه رسول الله ﷺ اثرا جمله ربا نهاده است شيخ اكبر قدس سره الأطهر فرمود كه در بعض بلاد عرب يكى از اعيان مرا بخانه خود دعوت كرد وترتيبى كرده بود وكرامتى مهيا داشته چون طعام إحضار كردند او را بسلطان بلند حاجتى بود از من طلب شفاعت كرد وسخن من نزد سلطان در غايت قبول بود شيخ فرمود كه او را گفتم نعم وبرخاستم وطعام نخوردم وهدايا قبول نكردم وحاجت او پيش سلطان گزاردم واملاك وى بوى بازگشت ومرا هنوز حديث نبوى وقوف نبود ولكن مروءت من چنين تقاضا كرد واستنكاف كردم كه كسى را بمن حاجتى باشد واز وى بمن نفعى عائد شود ودر حقيقت آن عنايت وعصمت حق بود] انتهى. وبالجملة ينبغى للمؤمن ان يشفع للجانى الى المجنىّ عليه بل ومن حقوق الإسلام ان يشفع لكل من له حاجة من المسلمين الى من له عنده منزلة ويسعى فى قضاء حاجته بما يقدر عليه: قال السعدي قدس سره
گر از حق نه توفيق خيرى رسد ... كى از بنده خيرى بغيري رسد
اميد است از آنانكه طاعت كنند ... كه بي طاعتانرا شفاعت كنند
ومن الشفاعة الحسنة الدعاء للمسلم فانه شفاعة الى الله تعالى وعن النبي ﵇ (من دعا لاخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك ولك مثل ذلك) وهذا بيان لمقدار النصيب الموعود والدعوة على المسلم بضد ذلك وانما يستجاب الدعاء بظهر الغيب لعبده عن شائبة الطمع والرياء بخلاف دعاء الحاضر للحاضر لانه قلما يسلم من ذلك فالغائب لا يدعو للغائب الا لله خالصا فيكون مقبولا والصلاة على النبي ﷺ فى الصلاة وغيرها دعاء من العبد المصلى لمحمد ﷺ عن ظهر الغيب فشرع ذلك رسول الله وامر الله به فى قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ليعود هذا الخير من الملك على المصلى ولهذا جوز الحنفية قراءة الفاتحة لروحه المطهر ﵇ ومنعها الشافعية لان الدعاء بالترحم يوهم التقصير ولذا لا يقال عند ذكر الأنبياء رحمة الله عليهم بل ﵈ والجواب ان نفع القراءة يعود على القارئ فأى ضرر فى ذلك وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً اى مقتدرا مجازيا بالحسنة والسيئة من اقات على الشيء إذا اقتدر عليه او شهيدا حفيظا. قال الامام الغزالي فى شرح الأسماء الحسنى معنى المقيت خالق الأقوات وموصلها الى الأبدان وهى الاطعمة والى القلوب وهى المعرفة فيكون بمعنى الرازق الا انه أخص منه إذ الرزق يتناول القوت وغير القوت والقوت ما يكتفى به فى قوام البدن او يكون معناه المستولى على الشيء القادر عليه والاستيلاء يتم بالقدرة والعلم وعليه يدل قوله تعالى وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً اى مطلعا قادرا فيكون معناه راجعا الى العلم والقدرة فوصفه بالمقيت أتم من وصفه بالقادر وحده وبالعالم وحده لانه دال على اجتماع المعنيين وبذلك يخرج هذا الاسم من الترادف. والاشارة فى الآية مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً لا يصال نوع من الخيرات الى الغير يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها فانها من
стр. 703
خصوصيتها ان يكون له نصيب منها اى له نصيب من هذه الحسنة فمن تلك الخصوصية قد يشفع شفاعة حسنة وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ اى فى جبلته كِفْلٌ مِنْها يعنى من تلك السيئة التي هى إيصال نوع من الشر فيها قد يشفع شفاعة سيئة كما قال تعالى وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً وَكانَ اللَّهُ فى الأزل عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً شهيدا فى إيجاد المحسن والمسيئ مقتدرا عليما حفيظا يعطيهما استعداد شفاعة حسنة وسيئة لا يقدران اليوم على تبديل استعدادهما لقابلية الخير والشر فافهم جدا: قال الحافظ قدس سره
نقش مستورى ومستى نه بدست من وتست ... آنچهـ استاد ازل گفت بكن آن كردم
وقال السعدي قدس سره
گرت صورت حال بد يا نكوست ... نگاريده دست تقدير اوست
وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ التحية مصدر من حيى كالتسمية من سمى أصلها تحيية كتفعلة واصل الأصل تحييى بثلاث يا آت فحذفت الاخيرة وعوض عنها تاء التأنيث وأدغمت الاولى فى الثانية بعد نقل حركتها الى الحاء واصل التحية الدعاء بالحياة وطولها ثم استعملت فى كل دعاء لان الدعاء بالخير لا يخلو شىء منه عن الدعاء بنفس الحياة او بما هو السبب المؤدى الى قوتها وكمالها او بما هو الغاية المطلوبة منها وكانت العرب إذ القى بعضهم بعضا يقول حياك الله اى جعل الله لك حياة وأطال حياتك ويقول بعضهم عش الف سنة. ثم استعملها الشرع فى السلام وهى تحية الإسلام قال تعالى فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ قيل تحية النصارى وضع اليد على الفم وتحية اليهود الاشارة بالأصابع وتحية المجوس الانحناء. وفى السلام مزية على تحية العرب وهى حياك الله لما انه دعاء بالسلامة من الآفات الدينية والدنيوية فانه إذا قال الإنسان لغيره السلام عليك فقد دعا فى حقه بالسلامة منها ويتضمن الوعد بسلامة ذلك الغير وامانه منه كأنه قال أنت سليم منى فاجعلنى سليما منك والسلامة مستلزمة لطول الحياة وليس فى الدعاء بطول الحياة ذلك ولان السلام من أسمائه تعالى فالبداية بذكره مما لا ريب فى فضله ومزيته ومعنى الآية إذا سلم عليكم من جهة المؤمنين فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها اى بتحية احسن منها بان تقولوا وعليكم السلام ورحمة الله ان اقتصر المسلم على الاول وبان تزيدوا وبركاته ان جمعهما المسلم وهو ان يقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته منتهى الأمر فى السلام لكونه مستجمعا لجميع فنون المطالب التي هى السلامة من المضار ونيل المنافع ودوامها ونمائها ولهذا اقتصر على هذا القدر فى التشهد- روى- عنه ﵇ انه قال (من قال السلام عليكم كتب له عشر حسنات ومن قال السلام عليكم ورحمة الله كتب له عشرون حسنة ومن قال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتب له ثلاثون حسنة) والمبتدئ بالسلام ان شاء يقول السلام عليكم وان شاء يقول سلام عليكم لان كل واحد من التعريف والتنكير وارد فى ألفاظ القرآن قال الله تعالى وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى. وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى لكن التنكير اكثر والكل جائز. واما التحليل من الصلاة فلا بد فيه من الالف واللام
стр. 704
بالاتفاق ومعنى الجمع فى السلام عليكم الخطاب الى الرجل والملكين الحافظين معه فانهما يردان السلام ومن سلم عليه الملك فقد سلم من عذاب الله تعالى أَوْ رُدُّوها اى ردوا مثلها وأجيبوا به لان رد عينها محال فحذف المضاف نحو وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ. قال فى الكشاف رد السلام ورجعه جوابه بمثله لان المجيب يرد قول المسلم ويكرر- وروى- ان رجلا قال لرسول الله ﷺ السلام عليك فقال (وعليك السلام ورحمة الله) وقال الآخر السلام عليك ورحمة الله فقال (وعليك السلام ورحمة الله وبركاته) وقال الآخر السلام عليك ورحمة الله وبركاته فقال (وعليك) فقال الرجل نقصتنى فأين ما قال الله وتلا الآية اى أين رد الأحسن المذكور فى الآية فقال ﵇ (انك لم تترك لى فضلا فرددت عليك مثله) فيكون قوله ﵇ وعليك اى وعليك السلام ورحمة الله وبركاته من قبيل رد المثل وجواب التسليم واجب وانما التخيير بين الزيادة وتركها. قال ابو يوسف من قال لآخر اقرئ فلانا منى
السلام وجب عليه ان يفعل وإذا ورد سلام فى كتاب فجوابه واجب بالكتاب للآية إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً الحسيب بمعنى المحاسب على العمل كالجليس بمعنى المجالس اى انه تعالى كان على كل شىء من أعمالكم سيما رد السلام بمثله او بأحسن منه محاسبا مجازيا فحافظوا على مراعاة التحية حسبما أمرتم به. فالجمهور على ان الآية فى السلام فالسنة ان يسلم الراكب على الماشي وراكب الفرس على راكب الحمار والصغير على الكبير والقليل على الكثير ويسلم على الصبيان وهو أفضل من تركه. قال فى البستان وبه نأخذ ويسلم على اهل بيته حين يدخله فان دخل بيتا ليس فيه أحد فليقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فان الملائكة ترد ﵇ ويسلم على القوم حين يدخل عليهم وحين يفارقهم ايضا فمن فعل ذلك شاركهم فى كل خير عملوه بعده. قال القرطبي ولا يسلم على النساء الشابات الأجانب خوف الفتنة من مكالمتهن بنزغة شيطان او خائنة عين. واما السلام على المحارم والعجائز فحسن ويسلم على اهل الإسلام من عرف منهم ومن لم يعرف. ولا يسلم على لاعب النرد والشطرنج والمغني والقاعد لحاجته ومطير الحمام والعاري فى الحمام وغيره. قال ابن الشيخ فى حواشيه ومن دخل الحمام ورأى الناس متزرين يسلم عليهم وان لم يكونوا متزرين لا يسلم عليهم لانه لا يسلم على المشتغل بمعصية انتهى لكن قال الام الغزالي فى الاحياء لا يسلم عند الدخول اى فى الحمام وان سلم عليه لم يجب بلفظ السلام بل يسكت ان أجاب غيره وان أحب ان يجيب قال عافاك الله ولا بأس ان يفتتح الداخل ويقول عافاك الله لابتداء الكلام انتهى ولا يرد فى الخطبة وتلاوة القرآن جهرا ورواية الحديث وعند دراسة العلم والاذان والاقامة وكذا لا يرد القاضي إذا سلم عليه الخصمان وكذا لا يسلم القاضي على الخصوم إذا جلس للحكم لتبقى الهيبة وتكثر الحشمة وبهذا جرى الرسم بان الولاة والأمراء لا بأس بان لا يسلموا إذا دخلوا فالمحتسب لا يسلم على اهل السوق فى طوافه للحسبة ليبقى على الهيبة. وقال بعضهم لا يسع القاضي والوالي والأمير ترك السلام إذا دخلوا لانه سنة فلا يسعهم ترك السنة بسبب تقلد العمل وكذا المتصدق إذا سلم عليه السائل او ان سؤاله لا يرد وكذا من له ورد من القرآن والدعوات فسلم عليه أحد فى حال ورده لا يرد وكذا
стр. 705
إذا جلس فى المسجد للتسبيح او للقراءة او لانتظار الصلاة وإذا دخل الزائر فى المسجد فسلم عليه أحد من الداخلين فى المسجد يجوز وإذا لم يكن فى المسجد أحد إلا من يصلى ينبغى ان يقول الداخل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ولا يسلم فانه تكليف جواب فى غير محله حتى لا يرده قبل الفراغ وبعده وهو الصحيح. ولا يبادر بالسلام على الذمي الا لضرورة او حاجة له عنده ولا بأس بالدعاء للكافر والذمي بما يصلحه فى دنياه. قال ابن الملك الدعاء لاهل الكتاب بمقابلة إحسانهم غير ممنوع لما روى ان يهوديا حلب للنبى ﵇ لقحة فقال ﵇ (اللهم جمله) فبقى سواد شعره الى قريب من سبعين سنة. قال النووي الصواب ان ابتداء اهل الكتاب بالسلام حرام لانه إعزاز ولا يجوز إعزاز الكفار. وقال الطيبي المختار ان المبتدع لا يبدأ بالسلام ولو سلم على من لا يعرفه فظهر ذميا او مبدعا يقول استرجعت سلامى تحقيرا له. واما الاكل مع الكافر فان كان مرة او مرتين لتأليف قلبه على الإسلام فلا بأس فانه ﷺ أكل مع كافر مرة فحملناه على انه كان لتأليف قلبه على الإسلام ولكن تكره المداومة عليه كما فى نصاب الاحتساب. وفيه ايضا هل يحتسب على المسلم إذا شارك ذميا الجواب نعم اما فى المفاوضة فلأنها غير جائزة بين المسلم والذمي فكان الاحتساب عليه لدفع التصرف الفاسد. واما فى العنان فلأنها مكروهة بين المسلم والذمي من شرح الطحاوي فكان الاحتساب لدفع المكروه وإذا سلم الذمي فقل عليك بلا واو وهو الرواية من الثقات او عليك مثله. قال فى الكشف ولا يقال لاهل الذمة وعليكم بالواو لانها للجمع وقال ﵇ (إذا سلم عليكم أحد من اليهود فانما يقول السلام عليكم فقل عليك) اى عليك
مثله- روى- انه ﵇ أتاه ناس من اليهود فقالوا السام عليكم يا أبا القاسم فقال (عليكم) فقالت عائشة بل عليكم السام والزام فقال ﵇ (يا عائشة ان الله لا يحب الفحش والتفحش) قالت فقلت اما سمعت ما قالوا قال (أو ليس قد رددت عليهم فيستجاب لى فيهم ولا يستجاب لهم فى) والسنة الجهر فى السلام لقوله ﵇ (أفشوا السلام) وعن ابى حنيفة رحمة الله عليه لا يجهر بالرد يعنى الجهر الكثير- وحكى- ان سياحا دخل على عالم فسلم عليه فرد ﵇ وخافت ثم دخل عليه غنى فسلم فرد عليه الجواب وجهر فصاح السياح وقال رحمك الله ما تقول فى السلام أعلى نوعين أم على ثلاثة انواع فقال لا بل على نوع واحد فقال أيد الله الفقيه ارى السلام هاهنا على نوعين فتحير الفقيه وخجل فى نفسه فقال أيد الله الفقيه اسألك مسألة ما تقول فيمن حلف لا يدخل الدار التي بنيت بغير سنة فدخل دارك هذه أيحنث أم لا فسكت الفقيه فلم يجبه فقال تلاميذ الفقيه للسياح اخرج فانك شغلتنا فقال ايها الشبان ما مثله ومثلكم الا كمثل ضال ضل طريقه فجعل يسترشد من ضال مثله أرشده أم لا فهذا أستاذكم ضل طريق الآخرة وأنتم جئتم تطلبون منه ان يرشدكم فأنى يرشدكم ثم خرج كذا فى روضة العلماء: قال الصائب
ز بى دردان علاج درد خود جستن بان ماند ... كه خار از پابرون آرد كسى با نيش عقربها
الى هنا كلام الاحياء فاذا بلغ المقابر ومر بها قال وعليكم السلام اهل الديار من المسلمين والمؤمنين رحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين منا أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع وانا ان شاء الله بكم