الرب يقرئك السلام ويقول من تاب قبل موته بجمعة قبلت توبته قال ﷺ (الجمعة كثيرة) فذهب ثم رجع وقال قال الله تعالى من تاب قبل موته بساعة قبلت توبته فقال (الساعة كثيرة) فذهب ثم رجع وقال ان الله يقرئك السلام ويقول ان كان هذا كثيرا فلو بلغ روحه الخلق ولم يمكنه الاعتذار بلسانه واستحيى منى وندم بقلبه غفرت له ولا أبالي قال ﷺ (ان الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر) اى لم يبلغ روحه الحلقوم وعند ذلك يعاين ما يصير اليه من رحمة او هوان ولا ينفع حينئذ توبة ولا ايمان قال تعالى فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا فالتوبة مبسوطة للعبد يعاين قابض الأرواح وذلك عند غرغرته بالروح وانما يغرغر به إذا قطع الوتين فشخص من الصدر الى الحلقوم فعندها المعاينة وعندها حضور الموت فيجب على الإنسان ان يتوب قبل المعاينة والغرغرة وهو معنى قوله تعالى ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ وانما صحت منه التوبة فى هذا الوقت لان
الرجاء باق ويصح الندم والعزم على ترك الفعل: قال السعدي قدس سره
طريق بدست آر وصلحى بجوى ... شفيعى برانگيز وعذرى بگوى
كه يك لحظه صورت نبندد امان ... چو پيمانه پر شد بدور وزمان
والتوبة فرض على المؤمنين ولها شروط اربعة. الندم بالقلب. وترك المعصية فى الحال. والعزم على ان لا يعود الى مثلها. وان يكون ذلك حياء من الله تعالى وخوفا منه لا من غيره قال الحسن البصري استغفارنا يحتاج الى استغفار. قال القرطبي فى تذكرته هذا يقوله فى زمانه فكيف فى زماننا هذا الذي يرى فيه الإنسان مكبا على الظلم حريصا عليه لا يقلع والسبحة فى يده زاعما انه يستغفر من ذنبه وذلك استهزاء منه واستخفاف ومن اظلم ممن اتخذ آيات الله هزؤا فيلزم حقيقة الندم- روى- ان الملائكة تعرج الى السماء بسيآت العبد فاذا عرضوها على اللوح المحفوظ يجدون مكانها حسنات فيخرون على وجوههم ويقولون ربنا انك تعلم انا ما كتبنا عليه الا ما عمل فيقول الله تعالى صدقتم ولكن عبدى ندم على خطيئته واستشفع الىّ بدمعه فغفرت ذنبه وجدت عليه بالكرم وانا أكرم الأكرمين: قال مولانا جلال الدين قدس سره
از پى هر گريه آخر خنده ايست ... مرد آخر بين مبارك بنده ايست «١»
هر كجا آب روان سبزه بود ... هر كجا أشك روان رحمت شود
تا نگريد ابركى خندد چمن ... تا نگريد طفل كى جوشد لبن «٢»
قال احمد بن عبد الله المقدسي سألت ابراهيم بن أدهم عن بده حاله فقال نظرت من شباك قصرى فرأيت فقيرا بفناء القصر قد أكل الخبز بالماء والملح ثم نام فدعوته وقلت له قد شبعت وتهيأت للنوم قال نعم فتبت الى الله ولبست الليلة مسوحا وقلنسوة من صوف وخرجت حافيا الى مكة واعلم ان الله إذا أراد بعبد خيرا اصطفاه لنفسه وجعل فى قلبه سراجا يفرق بين الحق الباطل ويبصر عيوب نفسه حتى يترك الدنيا وحطامها ويلقى عليها زمامها: قال جلال الدين رومى قدس سره
стр. 632
ملك بر هم زن تو ادهم وار زود ... تا بيابى همچواو ملك خلود
اين جهان خود حبس جانهاى شماست ... هين رويد آن سو كه صحراى شماست
قال العطار قدس سره
نقاب از روى چون خورشيد بردار ... اگر هستى ز روى خود خبر دار
ز كوه قاف جسمانى گذر كن ... بدار الملك روحانى سفر كن
مشو مغرور اين ملك مزور ... نه عزت ماند ونه مال ونه زر
اگر رنگت فرو شويند ز رخسار ... خريدارت بنامش كس ببازار
عصمنا الله وإياكم من الركون الى الدنيا وموت القلب بالإصرار على الهوى فى الصبح والمساء وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ اى الذنوب حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ اى وقع فى سكرات الموت وشاهد ملك الموت سوى علاماته فان التوبة تقبل فيها قالَ عند النزع ومشاهدة ما فيه إِنِّي تُبْتُ الْآنَ من ذنوبى يعنى لا يقبل التوبة منه ثمة لانها حالة الاضطرار دون حالة الاختيار وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ عطف على الذين يعملون السيئات اى ليست التوبة للذين ماتوا وَهُمْ كُفَّارٌ مصرون على كفرهم إذا تابوا عند قرب الموت او عند معاينة العذاب فى الآخرة أُولئِكَ اى الفريقان أَعْتَدْنا أصله أعددنا أبدلت الدال الاولى تاء لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً اى هيأنا لهم عذابا وجيعا دائما. اعلم ان الله تعالى سوى بين من سوف التوبة وآخرها الى حضور الموت من الفسقة وبين من مات على الكفر فى نفى التوبة للمبالغة فى عدم الاعتداد بها فى تلك الحالة كأنه قال توبة هؤلاء وعدم توبة هؤلاء سواء فى انه لا توبة لهم لان حضرة الموت أول احوال الآخرة فكما ان الميت على الكفر قد فاتته التوبة على اليقين فكذلك المسوف الى حضرة الموت لعدم محلها وتلك التسوية لكيلا يهمل المذنب فى امر التوبة ولا يتأهل العاقل فى المسارعة الى طلب المغفرة: قال جلال الدين رومى قدس سره
كرسيه كردى تو نامه عمر خويش ... توبه كن زانها كه كردستى تو پيش «١»
توبه آرند وخدا توبه پذير ... امر او گيرند واو نعم الأمير «٢»
وإذا هب من الله رياح العناية تجد العبد يسرع الى التوبة ويمد نفسه الى أسبابها ويتأثر بشىء يسير فيتوب عن قبح معاملته. قال ابو سليمان الداراني اختلفت الى مجلس قاص فأثر فى قلبى كلامه فلما قمت لم يبق فى قلبى شىء فعدت ثانيا فبقى اثر كلامه فى قلبى حتى رجعت الى منزلى وكسرت آلة المخالفات ولزمت الطريق فحكى هذه الحكاية ليحيى بن معاذ فقال عصفور اصطاد كركيا أراد بالعصفور ذلك القاص وبالكركي أبا سليمان
مرد بايد گيرد اندر گوش ... ور نوشته اسد پند بر ديوار
قال تعالى وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فمسارعة المذنب بالتوبة وترك الإصرار والرجوع الى باب الملك الغفار ومسارعة المطيع بالاجتناب عن السيئات وزيادة الخيرات والحسنات قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (صاحب اليمين أمين على صاحب الشمال فاذا عمل العبد حسنة يكتب له صاحب اليمين عشرا)
стр. 633
نكوكارى از مردم نيك رأى ... يكى را بده مى نويسد خداى
(وإذا عمل سيئة وأراد صاحب الشمال ان يكتب قال صاحب اليمين امسك فيمسك ست ساعات او سبع ساعات فان استغفر فيها لم يكتب عليه وان لم يستغفر كتب سيئة واحدة) فالواجب على كل مسلم ان يتوب الى الله حين يصبح وحين يمسى ولا يؤخرها. قال ابو بكر الواسطي قدس سره التأنى فى كل شىء حسن الا فى ثلاث خصال عند وقت الصلاة وعند دفن الميت والتوبة عند المعصية وكان فى الأمم الماضية إذا أذنبوا حرم عليهم حلال وإذا أذنب واحد منهم ذنبا وجد على بابه او على جبهته مكتوبا ان فلان ابن فلان قد أذنب كذا وتوبته كذا فسهل الله الأمر على هذه الامة فقال وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
- روى- ان الله لما لعن إبليس سأله النظرة فانظره اى أمهله الى قيام الساعة فقال انظر ماذا ترى فقال وعزتك لا اخرج من صدر عبدك حتى تخرج نفسه فقال الرب وعزتى وجلالى لا أحجب التوبة عن عبدى حتى تخرج نفسه فانظر الى رحمة الله ورأفته على عباده انه سماهم مؤمنين بعد ما أذنبوا فقال وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ وأحبهم بعد التوبة فقال وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ: قال الحافظ قدس سره
بمهلتى كه سپهرت دهد ز راه مرو ... ترا كه گفت كه اين زال ترك دستان گفت
فينبغى ان لا يغتر الإنسان بشىء من الأشياء فى حال من الأحوال فانه وان كان يمهل ولكن لا يهمل فان الموت يجيئ البتة إذا فنى العمر وامتلأ الإناء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً مصدر فى موضع الحال من النساء كان الرجل إذا مات قريبه يلقى ثوبه على امرأته او على خبائها ويقول ارث امرأته كما ارث ماله فيصير بذلك أحق بها من كل أحد ثم ان شاء تزوجها بصداقها الاول وان شاء زوجها غيره وأخذ صداقها ولم يعطها منه شيأ وان شاء عضلها اى حبسها وضيق عليها لتفتدى بما ورثت من زوجها وان ذهبت المرأة الى أهلها قبل إلقاء الثوب فهى أحق بنفسها فنهوا عن ذلك وقيل لهم لا يحل لكم ان تأخذوهن بطريق الإرث على زعمكم كما تحاز المواريث وهن كارهات لذلك وَلا تَعْضُلُوهُنَّ عطف على ترثوا ولا لتأكيد النفي والخطاب للازواج. والعضل الحبس والتضييق وداء عضال ممتنع عسر العلاج وكان الرجل إذا تزوج امرأة ولم تكن من حاجته حبسها مع سوء العشرة والقهر وضيق عليها لتفتدى منه بمالها وتخلع فقيل لهم ولا تعضلوهن اى لا تضيقوا عليهن لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ اى من الصداق بان يدفعن إليكم بعضه اضطرارا فتأخذوه منهن إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ من بين بمعنى تبين اى القبح من النشوز وشكاسة الخلق وإيذاء الزوج واهله بالبذاء اى الفحش والسلاطة اى حدة اللسان او الفاحشة الزنى وهو استثناء من أعم الأحوال او أعم الأوقات او أعم العلل ولا يحل لكم عضلهن فى حال من الأحوال او فى وقت من الأوقات او لعلة من العلل الا فى حال إتيانهن بفاحشة او الا فى وقت إتيانهن بها او الا لاتيانهن بها فان السبب حينئذ يكون من جهتهن وأنتم معذورون فى طلب الخلع وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ خطاب للذين يسيئون العشرة معهن. والمعروف ما لا ينكره
стр. 634
الشرع والمروءة والمراد هاهنا النصفة فى المبيت والنفقة والإجمال فى القول ونحو ذلك فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ وسئمتم صحبتهن بمقتضى الطبيعة من غير ان يكون من قبلهن ما يوجب ذلك من الأمور المذكورة فلا تفارقوهن بمجرد كراهة النفس واصبروا على معاشرتهن فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً والمراد بالخير الكثير هاهنا الولد الصالح او المحبة والألفة والصلاح فى الدين وهو علة للجزاء أقيمت مقامه للايذان بقوة استلزامها إياه كأنه قيل فان كرهتموهن فاصبروا عليهن مع الكراهة فلعل لكم فيما تكرهونه خيرا كثيرا ليس فيما تحبونه. وعسى تامة رافعة لما بعدها مستغنية عن تقدير الخبر اى فقد قربت كراهتك شيأ وجعل الله فيه خيرا كثيرا فان النفس ربما تكره ما هو أصلح فى الدين واحمد عاقبة وادنى الى الخير وتحب ما هو بخلافه فليكن نظركم الى ما فيه خير وصلاح دون ما تهوى أنفسكم
. اعلم ان معاشرتهن بالمعروف والصبر عليهن فيما لا يخالف رضى الله تعالى وإلا فالرد من مواضع الغيرة واجب فان الغيرة من اخلاق الله واخلاق الأنبياء والأولياء قال ﵇ (أتعجبون من غيرة سعد وانا أغير منه والله أغير منى ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن) اى ما كان من اعمال الظاهر وهو ظاهر واحوال الباطن وهو الركون الى غير الله والطريق المنبئ عن الغيرة ان لا يدخل عليها الرجال ولا تخرج هى الى الأسواق دون الحمام قال الامام قاضى خان دخول الحمام مشروع للرجال والنساء خلافا لما قاله البعض- روى- ان رسول الله ﷺ دخل الحمام وتنوّر وخالد بن وليد دخل حمام حمص لكن انما يباح إذا لم يكن فيه انسان يكشف العورة انتهى والناس فى زماننا لا يمتنعون عن كشف العورة أعاليهم وأسافلهم فالمتقى يجتنب عن الدخول فى الحمام من غير عذر والحاصل ان المرأة إذا برئت من مواقع الخلل واتصفت بالعفة فعلى الزوج ان يعاشرها بالمعروف ويصبر على سائر أوضاعها وسوء خلقها بخلاف ما إذا كانت غير ذلك: قال الشيخ السعدي
چومستور باشد زن خوبروى ... بديدار او در بهشت است شوى
اگر پارسا باشد وخوش سخن ... نگه در نكويى وزشتى مكن
چوزن راه بازار گيرد بزن ... وگرنه تو در خانه بنشين چوزن
ز بيگانگان چشم زن كور باد ... چوبيرون شد از خانه در كور باد
شكوهى نماند دران خاندان ... كه بانگ خروش آيد از ماكيان
گريز از كفش در دهان نهنگ ... كه مردن به از زندگانى به ننگ
ثم اعلم ان معاملة النساء أصعب من معاملة الرجال لا نهن ارق دينا وأضعف عقلا وأضيق خلقا فحسن معاشرتهن والصبر عليهن مما يحسن الأخلاق فلا جرم يعد الصابر من المجاهدين فى سبيل الله وكان ﵇ يحسن المعاشرة مع أزواجه المطهرة- روى- ان بعض المتعبدين كان يحسن القيام على زوجته الى ان ماتت وعرض عليه التزوج فامتنع وقال الوحدة أروح لقلبى قال فرأيت فى المنام بعد جمعة من وفاتها كأن أبواب السماء قد فتحت وكأن رجالا ينزلون ويسيرون فى الهواء يتبع بعضهم بعضا وكلما نظر الى واحد منهم يقول لمن وراءه هذا هو
стр. 635
المشئوم فيقول الآخر نعم ويقول الثالث كذلك فخفت ان اسألهم الى ان مرّبى آخرهم فقلت له من هذا المشئوم قال أنت قال فقلت ولم قال كنا نرفع عملك مع اعمال المجاهدين فى سبيل الله فمنذ جمعة أمرنا ان نضع عملك مع الخالقين فلا ندرى ما أحدثت فقال لاخوانه زوجونى فلم يكن يفارقه زوجتان او ثلاث وكثرة النساء ليست من الدنيا لان الزهاد والعباد كانوا يتزوجون ثلاثا وأربعا قال ﷺ (حبب الى من دنياكم ثلاث النساء والطيب وقرة عينى فى الصلاة) . قال بعض ارباب الأحوال كنت بمجلس بعض القصّاص فقال ما سلم أحد من الهوى ولا فلان وسمى بمن لا يليق ذكره فى هذا المقام لعظم الشأن فقلت اتق الله فقال ألم يقل (حبب الى) فقلت ويحك انما قال حبب ولم يقل أحببت قال ثم خرجت بالهم فرأيت النبي ﵇ فقال لا تهتم فقد قتلناه قال فخرج ذلك القاص الى بعض القرى فقتله بعض قطاع الطريق. فقال بعض العلماء إكثاره ﵇ فى امر النكاح بفعل بواطن الشريعة.
قال الحكيم الترمذي فى نوادر الأصول الأنبياء زيدوا فى القوة بفضل نبوتهم وذلك ان النور إذا امتلأت منه الصدور ففاض فى العروق التذت النفس والعروق فاثار الشهوة وقواها واما الطيب فانه يزكى الفؤاد ويقوى القلب واصل الطيب انما خرج من الجنة بهبوط آدم منها بورقة تستر بها فتركت عليه. واما الصلاة فهى مناجاة الله كما قال ﵇ (المصلى يناجى ربه) فاذا عرفت حقيقة الحال فاياك والإنكار فان كل عمل عند الأخيار له سر من الاسرار ولكن عقول العوام لا تحيط به وان عاشوا الف عام: قال مولانا جلال الدين قدس سره
از محقق تا مقلد فرقهاست ... كين چوداودست وآن ديگر صداست «١»
كار درويشى وراى فهم تست ... سوى درويشان بمنكر سست سست «٢»
وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ اى تزوج امرأة ترغبون فيها مَكانَ زَوْجٍ ترغبون عنها بان تطلقوها وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ اى احدى الزوجات فالمراد بالزوج هو الجنس قِنْطاراً اى مالا كثيرا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ اى ذلك القنطار شَيْئاً يسيرا فضلا عن الكثير أَتَأْخُذُونَهُ اى شيأ منه بُهْتاناً باهتين او مفعول له اى للبهتان والظلم العظيم فان أحدهم كان إذا تزوج امرأة فاعجبه غيرها وأراد ان يتزوجها بهت التي تحته بفاحشة حتى يلجئها الى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه الى تزويج الجديدة فنهوا عن ذلك. والبهتان فى اللغة الكذب الذي يواجه الإنسان به صاحبه على جهة المكابرة وأصله من بهت الرجل إذا تحير فالبهتان الكذب الذي يبهت المكذوب عليه ويدهشه وقد يستعمل فى الفعل الباطن ولذلك فسر هاهنا بالظلم وَإِثْماً مُبِيناً اى آثمين عيانا او للذنب الظاهر وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ اى لأى وجه ومعنى تفعلون هذا وَقَدْ والحال انه قد أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ قد جرى بينكم وبينهن احوال منافية له من الخلوة وتقرر المهر وثبوت حق خدمتهن لكم وغير ذلك وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً عطف على ما قبله داخل فى حكمه اى أخذن منكم عهدا وثيقا وهو حق الصحبة والممازجة والمعاشرة او ما أوثق الله عليكم فى شأنهن بقوله تعالى فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ او ما أشار اليه النبي ﵇ بقوله (أخذتموهن بامانة
стр. 636
الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله) . اعلم ان هذه المعاملات من تضييق النساء ومنعهن من الأزواج وأخذ ما فى أيديهن ظلما بعد ما أخذن ميثاقا غليظا فى رعاية حقوقهن كلها وأمثالها ليست من امارة الايمان ونتائجه وثمراته لان المؤمن أخ المؤمن لا يظلمه ولا يشتمه قال ﵇ (المؤمن للمؤمن كالبينات يشد بعضه بعضا) وقال (الدين النصيحة) وقد صرح بنفي الايمان عمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه قال ﷺ (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير)
هر آنكه تخم بدى كشت و چشم نيكى داشت ... دماغ بيهده پخت وخيال باطل بست
ز گوش پنبه برون آر وداد خلق بده ... اگر تو مى ندهى داد روز دادى هست
فعلى المرء ان ينصف فى جميع أحواله للاجانب خصوصا الأقارب والأزواج فان تحرى العدل لهم من الواجبات. واعلم ان الآية لا دلالة فيها على جواز المغالاة فى المهر لان قوله تعالى وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً لا يدل على جواز إيتاء القنطار كما ان قوله لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا لا يدل على حصول الالهة. والحاصل انه لا يلزم من جعل الشيء شرطا لشىء آخر كون ذلك الشرط فى نفسه جائز الوقوع كذا قال الامام فى تفسيره ويؤيد ما قيل فى مرشد المتأهلين ان المرأة التي يراد نكاحها يراعى فيها خفة المهور قال ﷺ (خير نسائكم أحسنهن وجوها واخفهن مهورا) وتزوج رسول الله ﷺ نساءه على عشرة دراهم وأثاث البيت وكان رحى وجرة ووسادة من أديم حشوها ليف وفى الخبر (من بركة المرأة سرعة تزوجها وسرعة رحمها الى الولادة ويسر مهرها) ولا بد للرجل ان يوفيها صداقها كملا او ينوى ذلك فمن نوى ان يذهب بصداقها جاء يوم القيامة زانيا كما ان من استدان دينا وهو ينوى ان لا يقضيه يصير سارقا ولا يماطل مهرها الا ان يكون فقيرا او تؤجله المرأة طوعا ويعلمها احكام الطهارة والحيض والصلاة وغير ذلك بقدر ما تؤدى به الواجب ويلقنها اعتقاد اهل السنة ويردها عن اعتقاد اهل البدعة وان لم يعلم فليسأل ولينقل إليها جواب المفتى وان لم يسأل فلا بد لها من الخروج للسؤال ومتى علمها الفرائض فليس لها الخروج الى تعلم او مجلس ذكر الا برضاه فمهما أهمل المرء حكما من احكام الدين ولم يؤدبها ولم يعلمها او منعها عن التعلم شاركها فى الإثم وفى الحديث (أشد الناس عذابا يوم القيامة من أجهل اهله) قال ﵇ (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ ذكر مادون من لانه أريد به الصفة. وقوله من النساء بيان لما نكح واسم الآباء ينتظم الأجداد مجازا كان اهل الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم فنهوا عن ذلك اى لا تنكحوا التي نكحها آباؤكم إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ استثناء مما نكح مفيد للمبالغة فى التحريم بإخراج الكلام مخرج التعليق بالمحال اى لا تنكحوا حلائل آبائكم الا من ماتت منهن والمقصود سد طريق الإباحة بالكلية ونظيره قوله تعالى حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ إِنَّهُ اى نكاحهن كانَ فاحِشَةً اى فعلة قبيحة ومعصية شديدة عند الله ما رخص فيه لأمة من الأمم وَمَقْتاً ممقوتا
стр. 637
عند ذوى المروءات والمقت أشد البغض وَساءَ سَبِيلًا نصب على التمييز اى بئس السبيل سبيل من يراه ويفعله فانه يؤدى صاحبه الى النار. قيل مراتب القبح ثلاث. القبح العقلي واليه أشير بقوله إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً. والقبح الشرعي واليه أشير بقوله مَقْتاً. والقبح العادي واليه الاشارة بقوله وَساءَ سَبِيلًا ومتى اجتمعت فيه هذه المراتب فقد بلغ أقصى مراتب القبح. والاشارة فى الآية ان الآباء هى العلويات والأمهات هى السفليات وبازدواجهما خلق الله تعالى المتولدات منهما فيما بينهما ففى قوله تعالى وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ اشارة الى نهى التعلق والتصرف فى السفليات التي هى الأمهات المتصرفة فيها آباؤكم العلوية إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ من التدبير الإلهي فى ازدواج الأرواح والأشباح فالحاجات الضرورية للانسان مسيسة به إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا يعنى التصرف فى السفليات والتعلق به او الركون إليها مما يلوث الجوهر الروحاني بلوث الصفات الحيوانية ويجعله سفلى الطبع بعيدا عن الحضرة محبا للدنيا ناسيا للعرب ممقوتا للحق وساء سبيلا الى الهداية بالضلالة: قال حافظ
غلام همت آنم كه زير چرخ كبود ... ز هر چهـ رنگ تعلق پذيرد آزاد است
قال مولانا الجامى
اى كه در شرع خداوندان حال ... ميكنى از سنت وفرضم سؤال
سنت آمد دل ز دنيا تافتن ... فرض راه قرب مولا يافتن
قال رسول الله ﷺ (ان اقرب الناس مجلسا الى الله يوم القيامة من طال حزنه وجوعه فى الدنيا افترش الناس الفراش وافترش الأرض فالراغب من رغبت فى مثل ما رغبوا والخاسر من خالفهم أكلوا الشعير ولبسوا الخرق وخرجوا من الدنيا سالمين) : قال مولانا جلال الدين
هر كه محجوبست او خود كودكيست ... مرد آن باشد كه بيرون از شكيست «١»
اى خنك آنكه جهادى ميكند ... بر بدن زجرى ودادى ميكند «٢»
اى بسا كارا كه أول صعب كشت ... بعد از ان بگشاده شد سختى گذشت «٣»
اندرين ره مى تراش ومى خراش ... تا دمى آخر دمى فارغ مباش «٤»
قال ابو على الدقاق ﵀ من زين ظاهره بالمجاهدة حسن الله سريرته بالمشاهدة قال الله تعالى وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا. واعلم ان من لم يكن فى بدايته صاحب مجاهدة لم يجد من هذه الطريقة شمة. قال ابو الحسن الوراق كان أجل أحكامنا فى مبادى أمرنا فى مسجد ابى عثمان الإيثار حتى يفتح علينا وان لا نبيت على معلوم ومن استقبلنا بمكروه لا ننتقم لا نفسنا بل نعتذر اليه ونتواضع له وإذا وقع فى قلوبنا حقارة لأحد فمنا فى خدمته والإحسان اليه حتى يزول. قال ابو حفص ما اسرع هلاك من لا يعرف عيبه فان المعاصي بريد الكفر.
عيب رندان مكن اى زاهد پاكيزه سرشت ... كه گناه دگران بر تو نخواهند نوشت
стр. 638
من اگر نيكم وگر بد تو برو خود را باش ... هر كسى آن درود عاقبت كار كه كشت
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ اى نكاحهن لان المفهوم فى العرف من حرمة كل شىء ما هو الغرض المقصود منه فيفهم من تحريم النساء تحريم نكاحهن كما يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها ومن تحريم لحم الخنزير تحريم أكله. والأمهات تعم الجدات وان غلون من الأب والام او من قبل أحدهما وَبَناتُكُمْ الصلبية وبنات الأولاد وان سفلن وَأَخَواتُكُمْ من قبل الأب والام او من قبل أحدهما فيتضمن الأخوات من الجهات الثلاث. واعلم ان حرمة الأمهات والبنات كانت ثابتة من زمن آدم ﵇ الى هذا الزمان ولم يثبت حل نكاحهن فى شىء من الأديان الالهية بل ان زرادشت رسول المجوس قال بحله الا ان اكثر المسلمين اتفقوا على انه كان كذابا اما نكاح الأخوات فقد نقل ان ذلك كان مباحا فى زمن آدم ﵇ وانما حكم الله بإباحة ذلك على سبيل الضرورة. وذكر العلماء ان السبب لهذا التحريم ان الوطء إذلال واهانة فان الإنسان يستحيى من ذكره ولا يقدم عليه الا فى الموضع الخالي واكثر انواع الشتم لا يكون الا بذكره وإذا كان الأمر كذلك وجب صون الأمهات عنه لان انعام الام على الولد أعظم وجوه الانعام فوجب صونها عن هذا الاذلال والبنت جزؤ من الإنسان وبعض منه فيجب صونها عن هذا الاذلال لان المباشرة معها تجرى مجرى الاذلال وكذا القول فى البقية ذكره الامام فى تفسيره وَعَمَّاتُكُمْ العمة كل أنثى ولدها من ولد والدك قريبا او بعيدا وَخالاتُكُمْ الخالة كل أنثى ولدها من ولد والدتك قريبا او بعيدا يعنى العمات تعم أخوات الآباء والأجداد وكذا الخالات تعم أخوات الأمهات والجدات سواء كن من قبل الأب والام او من قبل أحدهما وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ من كل جهة ونوافلهما وان بعدت. واعلم ان الله تعالى نص على تحريم اربعة عشر صنفا من النسوان سبع منهن من جهة النسب وهن هذه المذكورات وسبع اخرى من جهة السبب والى تعدادها شرع فقال وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ اى حرم نكاح الأمهات والأخوات كلتاهما من الرضاعة كما حرمتا من النسب نزل الله الرضاعة منزلة النسب حتى سمى المرضعة اما للرضيع والمراضعة أختا وكذلك زوج المرضعة أبوه وأبواه جداه وأخته عمته وكل ولد ولد له من غير المرضعة قبل الرضاع وبعده فهم اخوته وأخواته لأبيه وأم المرضعة جدته وأختها خالته وكل من ولد لها من هذا الزوج فهم اخوته وأخواته لأبيه وامه ومن ولد لها من غيره فهم اخوته وأخواته لأمه ومنه قوله ﷺ (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) وهو حكم كلى جار على عمومه واما أم أخيه لأب واخت ابنه لأم وأم أم ابنه وأم عمه وأم خاله لأب فليست حرمتهن من جهة النسب حتى تحل بعمومه ضرورة حلهن فى صور الرضاع بل من جهة المصاهرة ألا يرى ان الاولى موطوءة أبيه والثانية بنت موطوءته والثالثة أم موطوءته والرابعة موطوءة جده الصحيح والخامسة موطوءة جده الفاسدة وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ المراد بالنساء المنكوحات على الإطلاق سواء كن مدخولا بهن أم لا وعليه
стр. 639
جمهور العلماء وقد روى عن النبي ﵇ انه قال فى رجل تزوج امرأة ثم طلقها قبل الدخول بها (انه لا بأس بان يتزوج ابنتها ولا يحل له ان يتزوج أمها) ويلحق بهن الموطوءات بوجه من الوجوه المعدودات فيما سبق آنفا والممسوسات ونظائرهن وأمهات تعم المرضعات كما تعم الجدات وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ اى حرم نكاح الربائب جمع ربيبة والربيب ولد المرأة من آخر سمى به لانه يربه كما يرب ولده فى غالب الأمر فعيل بمعنى مفعول والتاء للنقل الى الاسمية. قال الامام والحجور جمع حجر وفيه لغتان قال ابن السكيت حجر الإنسان وحجره بالفتح والكسر هو ما يجمع على فخذيه من ثوبه والمراد بقوله فى حجوركم اى فى تربيتكم يقال فلان فى حجر فلان إذا كان فى تربيته والسبب فى هذه الاستعارة ان كل من ربى طفلا أجلسه فى حجره فصار الحجر عبارة عن التربية كما يقال فلان فى حضانة فلان وأصله من الحضن الذي هو
الإبط ثم ان كون التربية فى حجر الرابّ ليس بشرط للحرمة عند جمهور العلماء والوصف فى الآية خرج على الأغلب لانهن كن لا يتزوجن غالبا إذا كانت لهن أولاد كبار ويتزوجن مع الأولاد الصغار ليستعن بالأزواج على تربية الأولاد فخرج الكلام مخرج الغالب لا على الاشتراط كما فى قوله تعالى وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ والمباشرة فى غير المساجد حالة الاعتكاف حرام ايضا مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ اى كائنة تلك الربائب من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فمن متعلقة بمحذوف وقع حالا من ربائبكم ومعنى الدخول بهن ادخالهن الستر والباء للتعدية وهى كناية عن الجماع كقولهم بنى عليها وضرب عليها الحجاب وفى حكم الدخول اللمس ونظائره فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا اى فيما قبل دَخَلْتُمْ بِهِنَّ أصلا فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ اى فى نكاح الربائب إذا فارقتموهن اى أمهاتهن او متنّ وهو تصريح بما أشعر به ما قبله وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ اى وحرم عليكم زوجات أبنائكم سميت الزوجة حليلة لحلها للزوج او لحلولها فى محله وقيل لحل كل منهما إزار صاحبه وفى حكمهن من نياتهم ومن يجرى مجراهن من الممسوسات ونظائرهن الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ لاخراج الأدعياء دون أبناء الأولاد والأبناء من الرضاع فانهم وان سفلوا فى حكم الأبناء الصلبية فالمبتنى إذا فارق امرأته يجوز للمتبنى نكاحها وقد تزوج النبي ﵇ زينب ابنة جحش الاسدية بنت عمته امينة ابنة عبد المطلب حين فارقها زيد حارثة وكان قد تبناه وادعاه ابنا فعيره المشركون بذلك لان المتبنى فى ذلك الوقت كان بمنزلة الابن فانزل الله تعالى ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وقوله تعالى وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ اى وحرم عليكم الجمع بين الأختين فى النكاح لا فى ملك اليمين واما جمعهما فى الوطء بملك اليمين فيلحق به بطريق الدلالة لا تحادهما فى المدار إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ استثناء منقطع اى لكن ما قد مضى لا تؤاخذون به إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً لمن فعل ذلك فى الجاهلية رَحِيماً لمن تاب من ذنوبه وأطاع لامر ربه فى الإسلام- تمت الجزء الرابع-
стр. 640
الجزء الخامس من الاجزاء الثلاثين وَالْمُحْصَناتُ هن ذوات الأزواج احصنهن التزوج او الأزواج او الأولياء اى عفهن عن الوقوع فى الحرام. وقد ورد الإحصان فى القرآن بإزاء اربعة معان. الاول التزوج كما فى هذه الآية. والثاني العفة كما فى قوله مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ. والثالث الحرية كما فى قوله وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ. والرابع الإسلام كما فى قوله فَإِذا أُحْصِنَّ قيل فى تفسيره اى اسلمن وهى معطوفة على المحرمات السابقة اى وحرم عليكم ذوات الأزواج كائنات مِنَ النِّساءِ وفائدته تأكيد عمومها لا دفع توهم شمولها للرجال بناء على كونها صفة للانفس كما توهم إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يريد ما ملكت ايمانكم من اللاتي سبين ولهن الأزواج فى دار الكفر فهن حلال لغزاة المسلمين ان كن محصنات قال نجم الدين الكبرى قدس سره ان الله تعالى حرم المحصنات من النساء على الرجال عفة للحضانة وصحة للنسب ونزاهة لعرض الرجال عن خسة الاشتراك فى الفراش علوا للهمة فان الله يحب معالى الأمور ويبغض سفسافها وقال إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعنى ملكتم بالقوة والغلبة على أزواجهن من الكفار واقتطاعهن من حيز الاشتراك وإفساد نسب الأولاد وتخليطه ولهذا أوجب الشرع فيها الاستبراء بحيضة كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ مصدر مؤكد اى كتب الله عليكم تحريم هؤلاء كتابا وفرضه فرضا وَأُحِلَّ لَكُمْ عطف على حرمت عليكم وتوسيط قوله كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بينهما للمبالغة فى الحمل على المحافظة على المحرمات المذكورة ما وَراءَ ذلِكُمْ اشارة الى ما ذكر من المحرمات المعدودة اى أحل لكم نكاح ما سواهن انفرادا وجمعا وخص منه بالسنة ما فى معنى المذكورات كسائر محرمات الرضاع والجمع بين المرأة وعمتها وخالتها أَنْ تَبْتَغُوا متعلق بالفعلين المذكورين اى حرمت وأحل على انه مفعول له لكن لا باعتبار بيانهما وإظهارهما اى بين لكم تحريم المحرمات المعدودة وإحلال ما سواهن ارادة ان تبتغوا النساء اى تطلبوهن بِأَمْوالِكُمْ بصرفها الى مهورهن او أثمانهن مُحْصِنِينَ حال من فاعل تبتغون والإحصان العفة وتحصين النفس عن الوقوع فيما يوجب اللوم والعقاب غَيْرَ مُسافِحِينَ حال ثانية منه والسفاح الزنى والفجور من السفح الذي هو صب المنى سمى به لانه الغرض منه ومفعول الفعلين محذوف اى محصنين فروجكم غير مسافحين الزواني وهى فى الحقيقة حال مؤكدة لان المحصن غير مسافح البتة والمعنى لا تضيعوا أموالكم فى الزنى لئلا يذهب دينكم ودنياكم ولكن تزوجوا بالنساء فهو خير لكم وذكر الأموال يدل على ان غير المال لا يصلح مهرا وان القليل لا يكفى مهرا فان الدرهم ونحوه لا يسمى مالا ثم هو عندنا لا يكون اقل من عشرة دراهم قال ﷺ (لا مهر اقل من عشرة) فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ
стр. 641
اى فالذى انتفعتم به من النساء بالنكاح الصحيح من جماع او خلوة صحيحة او غير ذلك فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مهورهن فان المهر فى مقابلة الاستمتاع فَرِيضَةً حال من الأجور بمعنى مفروضة وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ اى فى ان تراضيتم بعد النكاح على زيادة المهر من جانب الزوج او على الحط من المهر من جانب الزوجة وان تهب لزوجها جميع مهرها مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ اى بعد المفروضة للزوجة إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بمصالح العباد حَكِيماً فيما شرع لهم من الاحكام ولذلك شرع لكم هذه الاحكام اللائقة بحالكم. اعلم ان المحرم عندنا من حرم نكاحه على التأبيد بنسب او مصاهرة او رضاع ولو بوطء حرام فخرج بالأول ولد العمومة والخئولة وبالثاني اخت الزوجة وعمتها وخالتها وشمل أم المزني بها وبنتها وأبا الزاني وابنه وأحكامه تحريم النكاح وجواز النظر والخلوة والمسافرة الا المحرم من الرضاع فان الخلوة بها مكروهة وكذا بالصهرة الشابة وحرمة النكاح على التأبيد لا مشاركة للمحرم فيها فان الملاعنة تحل إذا كذب نفسه او خرج من اهلية الشهادة والمجوسية تحل بالإسلام او بتهودها او تنصرها والمطلقة ثلاثا بدخول الثاني وانقضاء عدته ومنكوحة الغير بطلاقها وانقضاء عدتها ومعتدة الغير بانقضائها وكذا لا مشاركة للمحرم فى جواز النظر والخلوة والسفر واما عبدها فكالأجنبى على المعتمد لكن الزوج يشارك المحرم فى هذه الثلاثة والنساء الثقات لا يقمن مقام المحرم والزوج فى السفر. ويختص المحرم النسيب باحكام. منها عتقه على قريبه لو ملكه ولا يختص بالأصل
والفرع. ومنها وجوب نفقة الفقير العاجز على قريبه الغنى فلا بد من كونه رحما من جهة القرابة فابن العم والأخ من الرضاع لا يعتق ولا تجب نفقته ويغسل المحرم قريبه. ومنها انه لا يجوز التفريق بين الصغير ومحرم ببيع او هبة الا فى عشر مسائل. ومنها ان المحرمية مانعة من الرجوع فى الهبة. وتختص الأصول والفروع من بين سائر المحارم باحكام. منها انه لا يقطع أحدهما بسرقة مال الآخر. ومنها لا يقضى ولا يشهد أحدهما للآخر. ومنها تحريم موطوءة كل منهما على الآخر ولو بزنى. ومنها تحريم منكوحة كل منهما على الآخر بمجرد العقد. ومنها لا يدخلون فى الوصية للاقارب. وتختص الأصول باحكام. منها لا يجوز له قتل أصله الحربي الا دفعا عن نفسه وان خاف رجوعه ضيق عليه والجأه ليقتله غيره وله قتل فرعه الحربي كمحرمه. ومنها لا يقتل الأصل بفرعه ويقتل الفرع بأصله.
ومنها لا يحد الأصل بقذف فرعه ويحد الفرع بقذف أصله. ومنها لا تجوز مسافرة الفرع الا بإذن أصله دون عكسه. ومنها لو ادعى الأصل ولد جارية ابنه ثبت نسبه والجد اب الأب كالاب عند عدمه بخلاف الفرع إذا ادعى ولد جارية أصله لم يصح الا بتصديق الأصل. ومنها لا يجوز الجهاد الا بإذنهم بخلاف الأصول لا يتوقف جهادهم على اذن الفروع. ومنها لا تجوز المسافرة الا بإذنهم ان كان الطريق مخوفا وإلا فإن لم يكن ملتحيا فكذلك والا فلا. ومنها إذا دعا أحد أبويه فى الصلاة وجبت اجابته الا ان يكون عالما بكونه فيها ولم أر حكم الأجداد والجدات وينبغى الإلحاق- ومنها كراهة حجه بدون اذن من كرهه من أبويه ان احتاج الى خدمته. ومنها جواز تأديب الأصل فرعه والظاهر عدم الاختصاص بالأب فالأم والأجداد والجدات
стр. 642
كذلك. ومنها تبعية الفرع للاصل فى الإسلام. ومنها لا يحبسون بدين الفرع والأجداد والجدات كذلك واختصت الأصول الذكور بوجوب الإعفاف. واختص الأب والجد لأب باحكام. منها ولاية المال فلا ولاية للام فى مال الصغير الا الحفظ وشراء ما لا بد منه للصغير. ومنها تولى طرفى العقد فلو باع الأب ماله من ابنه او اشترى وليس فيه غبن فاحش انعقد بكلام واحد. ومنها عدم خيار البلوغ فى تجويز الأب والجد فقط واما ولاية الانكاح فلا تختص بهما فتثبت لكل ولى سواء كان عصبة او من ذوى الأرحام. وكذا الصلاة فى الجنازة لا تختص بهما. وفى الملتقط من النكاح لو ضرب المعلم الولد بإذن الأب فهلك لم يغرم الا ان يصربه ضربا لا يضرب مثله ولو ضرب بإذن الأم غرم الدية إذا هلك والجد كالأب عند فقده الا فى ثنتى عشرة مسألة [فائدة] يترتب على النسب اثنا عشر حكما توريث المال والولاء وعدم صحة الوصية عند المزاحمة ويلحق بها الإقرار بالدين فى مرض موته وتحمل الدية وولاية التزويج وولاية غسل الميت والصلاة عليه وولاية المال وولاية الحضانة وطلب الحد وسقوط القصاص هذا كله من الأشباه والنظائر نقلته هاهنا الفوائده الكثيرة وملاءمته المحل على ما لا يخفى وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ من لم يستطع اى من لم يجد كما يقول الرجل لا أستطيع ان أحج اى لا أجد ما أحج به. ومنكم حال من فاعل يستطيع اى حال كونه منكم. والطول القدرة وانتصابه على انه مفعول يستطيع وان ينكح فى موضع النصب على انه مفعول القدرة والمراد بالمحصنات الحرائر بدليل مقابلتهن بالمملوكات فان حريتهن احصنتهن عن ذل الرق والابتذال وغيرهما من صفات القصور والنقصان والمعنى ومن لم يجد طول حرة اى ما يتزوج به الحرة المسلمة فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فلينكح امرأة او امة من النوع الذي ملكته ايمانكم مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ حال من الضمير المقدر فى ملكت الراجع الى ما اى من إمائكم المسلمات. والفتاة أصلها الشابة والفتاء بالمد الشباب والفتى الشاب والامة تسمى فتاة والعبد يسمى فتى وان كانا كبيرين فى السن لانهما لا يوقران للرق توقير الكبار ويعاملان معاملة الصغار وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ تأنيس بنكاح الإماء وازالة الاستنكاف منه اى اعلم بتفاضل ما بينكم وبين ارقائكم فى الايمان فربما كان ايمان الامة أرجح من الايمان الحرة وايمان المرأة من ايمان الرجل. فلا ينبغى للمؤمن ان يطلب الفضل والرجحان الا باعتبار الايمان والإسلام لا بالاحساب والأنساب بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ أنتم وارقاؤكم متناسبون نسبكم من آدم ودينكم الإسلام كما قيل
الناس من جهة التمثال اكفاء ... ابو همو آدم والام حواء
فبينكم وبين ارقائكم المواخاة الايمانية والجنسية الدينية لا يفضل حر عبدا الا برجحان فى الايمان وقدم فى الدين فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ اى وإذ قد وقفتم على جلية الأمر فانكحوهن بإذن مواليهن ولا تترفعوا عنهن وفى اشتراط اذن الموالي دون مباشرتهم للعقد اشعار بجواز مباشرتهن له وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ اى أدوا إليهن مهورهن بغير مطل وضرار والجاء الى الافتداء واللز اى المضايقة والإلحاح مُحْصَناتٍ حال من مفعول فانكحوهن اى حال كونهن عفائف عن الزنى غَيْرَ مُسافِحاتٍ حال مؤكدة اى غير مجاهرات به
стр. 643
والمسافح الزاني من السفح وهو صب المنى لان غرضه مجرد صب الماء وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ جمع خدن وهو الصديق سرا والجمع للقابلة بالانقسام على معنى ان لا يكون لواحدة منهن خدن لا على معنى ان لا يكون لها اخدان اى غير مجاهرات بالزنى ولا مسرات له وكان زناهن فى الجاهلية من وجهين السفاح وهو بالأجر من الراغبين فيها والمخادنة وهى مع صديق لها على الخصوص وكان الاول يقع اعلانا والثاني سرا وكانوا لا يحكمون على ذات الحد بكونها زانية ولذا أفرد الله كل واحد من هذين القسمين بالذكر ونص على حرمتهما معا فَإِذا أُحْصِنَّ اى بالتزويج فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ اى فعلن فاحشة وهى الزنى فَعَلَيْهِنَّ فثابت عليهن شرعا نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ اى الحرائر الابكار مِنَ الْعَذابِ من الحد الذي هو جلد مائة فنصفه خمسون كما هو كذلك قبل الإحصان فالمراد بيان عدم تفاوت حدهن بالاحصان كتفاوت حد الحرائر
ولا رجم عليهن لان الرجم لا يتنصف وجعلوا حد العبد مقيسا على الامة والجامع بينهما الرق والإحصان عبارة عن بلوغ مع عقل وحرية ودخول فى نكاح صحيح واسلام خلافا للشافعى فى الإسلام ذلِكَ اى نكاح المملوكات عند عدم الطول لمن خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ اى خاف الزنى وهو فى الأصل انكسار العظم بعد الجبر فاستعير لكل مشقة وضرر أعظم من موافقة الاسم بأفحش القبائح وانما سمى الزنى به لانه سبب المشقة بالحد فى الدنيا والعقوبة فى العقبى وَأَنْ تَصْبِرُوا اى عن نكاحهن متعففين كافين أنفسكم عما تشتهيه من المعاصي خَيْرٌ لَكُمْ من نكاحهن وان سبقت كلمة الرخصة فيه لما فيه من تعريض الولد للرق ولان حق المولى فيها فلا تخلص للزوج خلوص الحرائر ولان المولى يقدر على استخدامها كيف ما يريد فى السفر والحضر وعلى بيعها للحاضر والبادي. وفيه من اختلال حال الزوج وأولاده ما لا مزيد عليه ولانها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة وذلك كله ذل ومهانة سارية الى الناكح والعزة هى اللائقة بالمؤمنين ولان مهرها لمولاها فلا تقدر على التمتع به ولا على هبته للزوج فلا ينتظم امر المنزل وقد قال ﷺ (الحرائر صلاح البيت والإماء هلاك البيت) وَاللَّهُ غَفُورٌ لمن لم يصبر رَحِيمٌ بالرخصة والتوسعة فنكاح الامة عند الطول والقدرة على نكاح الحرة لا يحل عند الشافعي وعند الحنفية يحل ما لم يكن عنده امرأة حرة ومحصله ان الشافعي أخذ بظاهر الآية وقال لا يجوز نكاح الامة الا بثلاثة شرائط اثنان فى الناكح عدم طول الحرة وخشية العنت والثالث فى المنكوحة وهى ان تكون امة مؤمنة لا كافرة كتابية وعند ابى حنيفة شىء من ذلك ليس بشرط فهو حمل عدم استطاعة الطول على عدم ملك فراش الحرة بان لا يكون تحته حرة فحينئذ يجوز نكاح الامة وحمل النكاح على الوطء وحمل قوله مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ على الأفضل اى نكاح الامة المؤمنة أفضل من نكاح الكتابية فجعله على الندب واستدل عليه بوصف الحرائر مع كونه ليس بشرط. قال فى التيسر واما قوله مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ ففيه اباحة المؤمنات وليس فيه تحريم الكتابيات فالغنى والفقير سواء فى جواز نكاح الامة سواء كانت مؤمنة او يهودية او نصرانية. اعلم ان النكاح من سنن المرسلين وشرعة المخلصين الا ان الحال يختلف فيه
стр. 644
باختلاف احوال الناس فهو واجب بالنسبة الى صاحب التوقان ومستحب بالنسبة الى من كان فى حد الاعتدال ومكروه بالنسبة الى من عجز عن الوقاع والانفاق. قال فى الشرعة وشرحها ويختار للتزوج المرأة ذات الدين فان المرأة الصالحة خير متاع الدنيا فان بها يحصل تفريغ القلب عن تدبير المنزل والتكلف بشغل الطبخ والكنس والفرش وتنظيف الأوانى وتهيئة اسباب المعيشة فان الإنسان لو لم يكن له شهوة الوقاع لتعسر عليه العيش فى منزله وحده إذ لو تكفل بجميع أشغال المنزل لضاعت اكثر أوقاته ولم يتفرغ للعلم والعمل فالمرأة الصالحة المصلحة للمنزل معنية على الدين بهذا الطريق واختلال هذه الأسباب شواغل ومشوشات للقلب ومنغصات للعيش ولذلك قال ابو سليمان الدراني الزوجة الصالحة ليست من الدنيا فانها تفرّغك للآخرة: قال الشيخ السعدي قدس سره
زن خوب فرمان بر پارسا ... كند مرد درويش را پادشاه
سفر عيد باشد بران كتخداى ... كه يارى زشتش بود در سراى
ثم ان بعضهم اختاروا البكر وقالوا انها تكون لك فاما الثيب فان لم يكن لها ولد فنصفها لك وان كان لها ولد فكلها لغيرك تأكل رزقك وتحب غيرك والحاصل ان اختيار نكاح المملوكات رخصة والصبر عنه عزيمة ولا ريب ان العزيمة اولى لانه بالصبر يترقى العبد الى الدرجات العلى وفى الخبر (يؤتى باشكر اهل الأرض فيجزيه الله تعالى جزاء الشاكرين ويؤتى باصبر اهل الأرض فيقال له أترضى ان نجزيك جزاء الشاكرين فيقول نعم يا رب فيقول الله كلا أنعمت عليك فشكرت وابتليتك فصبرت لأضعفن لك الاجر عليه فيعطى أضعاف جزاء الشاكرين) وقد يجمع العبد فضيلتى الصبر والشكر بان يصبر على مقتضى النفس زمانا ثم بعد النيل والفوز يشكر على نعمه الجزيلة حققنا الله وإياكم بحقائق الصبر والشكر
نعمت حق شمار وشكر گذار ... نعمتش را اگر چهـ نيست شمار
شكر باشد كليد گنج مزيد ... گنج خواهى منه ز دست كليد
وقيل فى حق الصبر
چون بمانى بسته در بند حرج ... صبر كن كه الصبر مفتاح الفرج
صبر كن حافظ بسختى روز شب ... عاقبت روزى بيابى كام را
ثم ان رحمته لعباده أوسع من ان تذكر ولذلك قال وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ومن جملة رحمته بيان طرائق من سلف وتقدم من اهل الرشاد ليسلكوا مناهجهم وينالوا الى المراد وقال ﵇ (يا كريم العفو) فقال جبريل أتدري ما معنى كريم العفو هو ان يعفو عن السيئات برحمته ثم يبدلها بحسنات بكرمه: قال جلال الدين الرومي قدس سره
توبه آرند وخدا توبه پذير ... امر او گيرند او نعم الأمير «١»
سيآتت را مبدل كرد حق ... تا همه طاعت شود آن ما سبق «٢»
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ اللام مزيدة لتأكيد معنى الاستقبال اللازم للارادة ومفعول يبين محذوف اى يريد الله ان يبين لكم ما هو مخفى عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم او ما
стр. 645
تعبدكم به من الحلال والحرام وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ اى يدلكم على مناهج من تقدمكم من الأنبياء والصالحين لتقتدوا بهم وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ يرجع بكم عن معصيته الى طاعته بالتوفيق للتوبة مما كنتم عليه من الخلاف وليس الخطاب لجميع المكلفين حتى يتخلف مراده عن إرادته فيمن لم يتب منهم بل لطائفة معينة حصلت لهم هذه التوبة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بكم حَكِيمٌ فيما يريده لكم وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ بيان لكمال منفعة اراده الله تعالى وكمال مضرة ما يريد الفجرة بخلاف الاول فانه بيان إرادته تعالى لتوبته عليهم فلا تكرار وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ يعنى الفجرة فان اتباع الشهوات الائتمار لها واما المتعاطى لما سوغه الشرغ من المشتهيات دون غيره فهو متبع له لا لها. وقيل المجوس حيث كانوا يحلون الأخوات من الأب وبنات الأخ وبنات الاخت فلما حرمهن الله تعالى قالوا فانكم تحلون بنت الخالة وبنت العمة مع ان العمة والخالة عليكم حرام فانكحوا بنات الأخ والاخت فنزلت أَنْ تَمِيلُوا عن القصد والحق بموافقتهم على اتباع الشهوات واستحلال المحرمات وتكونوا زناة مثلهم مَيْلًا عَظِيماً اى بالنسبة الى ميل من اقترف خطيئة على ندرة بلا استحلال يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ما فى عهدتكم من مشاق التكاليف فلذلك شرع لكم الشرعة الحنيفية السمحة السهلة ورخص لكم فى المضايق كاحلال نكاح الامة وغيره من الرخص وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً عاجزا عن مخالفة هواه غير قادر على مقابلة دواعيه وقواه حيث لا يصبر عن اتباع الشهوات ولا يستخدم قواه فى مشاق الطاعات. قال الكلبي اى لا يصبر عن النساء. قال سعيد بن المسيب ما ايس الشيطان من ابن آدم الا أتاه من قبل النساء وقد اتى علىّ ثمانون سنة وذهبت احدى عينى وانا اعشو بالأخرى وان أخوف ما أخاف على نفسى فتنة النساء. وقال ابو هريرة رضى الله عنه اللهم انى أعوذ بك من ان ازنى واسرق فقيل له كبر سنك وأنت صاحب رسول الله ﷺ أتخاف على نفسك من الزنى والسرقة قال كيف آمن على نفسى وإبليس حى: قال الحافظ
چهـ جاى من كه بلغزد سپهر شعبده باز ... ازين حيل كه در انبانه بهانه تست
والاشارة فى تحقيق الآيات ان الله تعالى أنعم على هذه الامة بارادة اربعة أشياء. أولها التبيين وهو ان يبين لهم صراط المستقيم الى الله. وثانيا الهداية وهو ان يهديهم الى الصراط المستقيم بالعيان بعد البيان. وثالثها التوبة عليهم وهى ان يرجع بهم الى حضرته على صراط الله. ورابعها التخفيف عنهم وهو ان يوصلهم الى حضرته بالمعونة ويخفف عنهم المئونة.
وهذا مما اختص به نبينا ﵇ وأمته لوجهين. أحدهما ان الله اخبر عن ذهاب ابراهيم ﵇ الى حضرته باجتهاده وهو المئونة بقوله إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ واخبر عن موسى ﵇ بمجيئه وهو ايضا المئونة وقال وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا واخبر عن حال نبينا ﵇ بقوله سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا وهو المعونة فخفف عنه المئونة واخبر عن حال هذه الامة بقوله سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ وهو ايضا بالمعونة وهى جذبات العناية. والوجه الثاني ان النبي
стр. 646
عليه السلام وأمته مخصوصون بالوصول والوصال مخفف عنهم كلفة الفراق والانقطاع فاما النبي ﵇ فقد خص بالوصول الى مقام قاب قوسين او ادنى وبالوصال بقوله ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى وانقطع سائر الأنبياء ﵈ فى السموات السبع كما رأى ليلة المعراج آدم فى سماء الدنيا الى ان رأى ابراهيم ﵇ فى السماء السابعة فعبر عنهم جميعا الى كمال القرب والوصول. واما الامة فقال فى حقهم (من تقرب الىّ شبرا تقربت اليه ذراعا) فهذا هو حقيقة الوصول والوصال ولكن الفرق بين النبي والولي فى ذلك ان النبي مستقل بنفسه فى السير الى الله والوصول ويكون حظه من كل مقام بحسب استعداده الكامل والولي لا يمكنه السير الا فى متابعة النبي وتسليكه فى سبيل الله قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ويكون حظه من المقامات بحسب استعداده فينبغى ان يسارع العبد الى تكميل المراتب والدرجات برعاية السنة وحسن المتابعة لسيد الكائنات. قال جنيد البغدادي قدس سره مذهبنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة. قال على كرم الله وجهه الطرق كلها مسدودة على الخلق الا من اقتفى اثر رسول الله ﷺ
كرت بايد كه بينى روى ايمان ... رخ از آيينه امرش مكردان
ز شرعش سر مپيچ از هيچ رويى ... كه همچون شانه ميكردى بمويى
قال الشيخ السعدي قدس سره
خلاف پيمبر كسى ره كزيد ... كه هركز بمنزل نخواهد رسيد
محالست سعدى كه راه صفا ... توان رفت جز بربي مصطفا
ثم فى قوله تعالى وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً اشارة الى ان الإنسان لا يصبر عن الله لحظة لضعفه مهما يكون على الفطرة الانسانية فطرة الله التي فطر الناس عليها فانه يحبهم ويحبونه وهو ممدوح بهذا الضعف فان من عداه يصبرون عن الله لعدم اضطرارهم فى المحبة والإنسان مخصوص بالمحبة. واعلم ان هذا الضعف سبب لكمال الإنسان وسعادته وسبب لنقصانه وشقاوته لانه يتغير لضعفه من حال الى حال ومن صفة الى اخرى فيكون ساعة بصفة بهيمة يأكل ويشرب ويجامع ويكون ساعة اخرى بصفة ملك يسبح بحمد ربه ويقدس له ويفعل ما يؤمر ولا يعصى فيما نهاه عنه وهذه التغيرات من نتائج ضعفه وليس هذا الاستعداد لغيره حتى الملك لا يقدر ان يتصف بصفات البهيمة والبهيمة لا تقدر ان تتصف بصفة الملك لعدم ضعف الانسانية وانما خص الإنسان بهذا الضعف لاستكماله بالتخلق بأخلاق الله واتصافه بصفات الله كما جاء فى الحديث الرباني (انا ملك حى لا أموت ابدا عبدى أطعني أجعلك ملكا حيا لا يموت ابدا) فعند هذا الكمال يكون خير البرية وعند اتصافه بالصفات البهيمية يصير شر البرية
كى شوى انسان كامل ... اى دل ناقص عقل
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا اى لا تأخذوا وعبر عن الاخذ بالأكل لان المقصود الأعظم من الأموال الاكل فكما ان الاكل محرم فكذلك سائر وجوه التصرفات أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ اى بوجه
стр. 647
غير شرعى كالغصب والسرقة والخيانة والقمار وعقود الربا والرشوة واليمين الكاذبة وشهادة الزور والعقود الفاسدة ونحوها إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ استثناء منقطع وعن متعلقة بمحذوف وقع صفة لتجارة اى الا ان تكون التجارة تجارة عن تراض او الا ان تكون الأموال اموال تجارة وتلحق بها اسباب الملك المشروعة كالهبة والصدقة والإرث والعقود الجائزة لخروجها عن الباطل وانما خص التجارة بالذكر لكونها اغلب اسباب المكاسب وقوعا وأوفقها لذوى المروءات والمراد بالتراضي مراضاة المتابعين بما تعاقدا عليه فى حال المبايعة وقت الإيجاب والقبول عندنا وعند الشافعي حالة الافتراق عن مجلس العقد وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ بالبخع كما يفعله جهلة الهند او بإلقاء النفس الى الهلكة. ويؤيده ما روى ان عمرا بن العاص رضى الله عنه تأوله فى التيمم لخوف البرد فلم ينكر عليه النبي ﷺ او بارتكاب المعاصي المؤدية الى هلاكها فى الدنيا والآخرة او باقتراف ما يذللها ويرديها فانه القتل الحقيقي للنفس وقيل المراد بالنفس من كان من جنسهم من المؤمنين فان كلهم كنفس واحدة إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً اى امر بما امر ونهى عما نهى لفرط رحمته عليكم معناه ان كان بكم يا امة محمد رحيما حيث امر بنى إسرائيل بقتل الأنفس ونهاكم عنه وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اى القتل او إياه وسائر المحرمات المذكورة فيما قبل عُدْواناً وَظُلْماً افراطا فى التجاوز عن الحد واتيانا بمالا يستحقه وقيل أريد بالعدوان التعدي على الغير وبالظلم الظلم على النفس لتعريضها للعقاب ومحلهما النصب على الحالية اى متعديا وظالما فَسَوْفَ نُصْلِيهِ اى ندخله ناراً اى نارا مخصوصة هائلة شديدة العذاب وَكانَ ذلِكَ اى اصلاء النار عَلَى اللَّهِ يَسِيراً لتحقق الداعي وعدم الصارف. قال الامام واعلم ان الممكنات بالنسبة الى قدرة الله على السوية وحينئذ يمتنع ان يقال ان بعض الافعال أيسر عليه من بعض بل هذا الخطاب نزل على القول المتعارف بيننا او يكون معناه المبالغة فى التهديد وهو ان أحدا لا يقدر على الهرب منه ولا على الامتناع عليه. فعلى العاقل ان يتجنب عن الوقوع فى المهالك ويبالغ فى حفظ الحقوق وقد جمع الله فى التوصية بين حفظ النفس وحفظ المال لانه شقيقها من حيث انه سبب لقوامها وتحصيل كمالاتها واستيفاء فضائلها ولذلك قيل
توانكرانرا وقفست وبذل ومهانى ... زكاة وفطره واعتاق وهدى وقربانى
تو كى بدولت ايشان رسى كه نتوانى ... جز اين دو ركعت وآن هم بصد پريشانى
فان وفقت للمال فاشكر له والا فلا تتعب نفسك ولا تقتلها كما يفعله بعض من يفتقر بعد الغنى لغاية ألمه واضطرابه من الفقر قال رسول الله ﷺ (من قتل نفسه بشىء فى الدنيا عذب به يوم القيامة) وقال ﷺ (كان فيمن قبلكم جرح برجل ارابه فجزع منه فاخرج سكينا فجزبها يده فمارقأ الدم حتى مات فقال الله تعالى بارزني عبدى بنفسه فحرمت عليه الجنة) كذا فى تفسير البغوي. وكذلك حكم من قتل نفسه لفقر او لغير ذلك من الأسباب.
واعلم ان أكل المال بالباطل مما يفسد دين الرجل ودنياه بل يضر بنفسه ويكون سببا لهلاكه فان بعض الأعمال يظهر اثره فى الدنيا- روى- ان رجلا ظالما غصب سمكة من فقير فطبخها
стр. 648
فلما أراد أكلها عضت يده فاشار اليه الطبيب بالقطع فلم يزل يقطع من كل مفصل حتى وصل الى الإبط فجاء الى ظل شجرة فاخذت عيناه فقيل له لا تتخلص من هذا الا بإرضاء صاحبها المظلوم فلما أرضاه سكن وجعه ثم انه تاب واقلع عما فعل فرد الله اليه يده فاوحى الله تعالى الى موسى ﵇ [وعزتى لولا انه ارضى المظلوم لعذبته طول حياته] . قال العلماء حرمة مال المسلم كحرمة دمه قال ﵇ (كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله) وقال ﵇ (لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيبة نفس منه) فالظلم حرام شرعا وعقلا:
قال الجامى قدس سره
هزار كونه خصومت كنى بخلق جهان ... ز بس كه در هوس سيم وآرزوى زرى
تراست دوست زر وسيم خصم صاحب آن ... كه گيرى از كفش آنرا بظلم وحيله كرى
نه مقتضاى خرد باشد ونتيجه عقل ... كه دوست را بگذارى وخصم را ببرى
فعلى السالك ان يجتنب عن الحرام ويأكل من الحلال الطيب ولبعض الكبار دقة عظيمة واهتمام تام فى هذا الباب- حكى- ان بعض الملوك أرسل الى الشيخ ركن الدين علاء الدولة غزالا وقال انها حلال فقال الشيخ كنت بمشهد طوس فجاء الى بعض الأمراء بارنب قال كل منها فانى رميتها بيدي فقلت الأرنب حرام على قول الامام جعفر الصادق رضى الله عنه.
قال فى حياة الحيوان يحل أكل الأرنب عند العلماء كافة الا ما حكى عن عبد الله بن عمرو بن العاص وابن ابى ليلى انهما كرها أكلها ثم انه جاء يوم بغزال فقال كل منها فانى رميتها بسهم عملته بيدي على فرس ورثتها عن ابى فقلت خطر ببالي ان واحدا من الأمراء جاء الى مولانا الجمال باوزتين وقال كل منهما فانى قد أخذتهما ببازى فقال مولانا ليس الكلام فى الاوزتين وانما الكلام فى قوت البازي من دجاجة أية عجوز أكل حتى قوى للاصطياد فالغزال التي رميتها على فرسك وان كانت من الصيد لكن قوت الفرس من شعير أي مظلوم حصل فلم يأكل منها- حكى- ان خياطا قال لبعض الكبار هل أكون معينا للظلمة بخياطة ثيابهم فقال ليس الكلام فيك وانما الكلام فى الحداد الذي يعمل الابرة. والحاصل ان لا بد من الاهتمام فى طلب الحلال وان كان فى زماننا هذا نادرا والوصول اليه عزيزا: قال الجامى قدس سره
خواهى كه شوى حلال روزى ... همخانه مكن عيال بسيار
دانى كه درين سراچهـ تنك ... حاصل نشود حلال بسيار
رزقنا الله وإياكم من فضله انه الجواد إِنْ تَجْتَنِبُوا الاجتناب التباعد ومنه الأجنبي كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ كبائر الذنوب التي نهاكم الله ورسوله عنها نُكَفِّرْ عَنْكُمْ التكفير اماطة المستحق من العقاب بثواب أزيد او بتوبة والإحباط نقيضه وهو اماطة الثواب المستحق بعقاب أزيد او بندم على الطاعة والمعنى نغفر لكم سَيِّئاتِكُمْ صغائركم ونمحها عنكم وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا بضم الميم اسم مكان هو الجنة كَرِيماً اى حسنا مرضيا او مصدر ميمى اى ادخالا مع كرامة. قال المفسرون الصلاة الى الصلاة والجمعة الى الجمعة ورمضان الى رمضان مكفرات لما بينهن من الصغائر إذا اجتنب الكبائر. واختلف
стр. 649
فى الكبائر والأقرب ان الكبيرة كل ذنب رتب الشارع عليه الحد او صرح بالوعيد فيه. قال انس بن مالك رضى الله عنه انكم تعملون اليوم أعمالا هى فى أعينكم أدق من الشعر كنانعدها على رسول الله ﷺ من الكبائر. وقال القشيري الكبائر على لسان اهل الاشارة الشرك الخفي ومن جملة ذلك ملاحظة الخلق واستجلاب قلوبهم والتودد إليهم والإغماض عن حق الله بعينهم. واعلم ان اجتناب الكبائر يوجب تكفير الصغائر وعند انتفاء الصغائر والكبائر يمكن الدخول فى المدخول الكريم وهو حضرة أكرم الأكرمين قال ﵇ (ان الله طيب لا يقبل الا الطيب) . وجملة الكبائر مندرجة فى ثلاثة أشياء أحدها اتباع الهوى والهوى ميلان النفس الى ما يستلذبه من الشهوات فقد يقع الإنسان به فى جملة من الكبائر مثلا البدعة والضلالة والارتداد والشبهة وطلب الشهوات واللذات والتنعمات وحظوظ النفس بترك الصلاة والطاعات كلها وعقوق الوالدين وقطع الرحم وقذف المحصنات وأمثال ذلك ولهذا قال تعالى وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وقال ﵇ (ما عبد اله ابغض على الله من الهوى)
غبار هوا چشم عقلت بدوخت ... سموم هوس كشت عمرت بسوخت
بكن سرمه غفلت از چشم پاك ... كه فردا شوى سرمه در چشم خاك
وثانيها حب الدنيا فانه مطية كثير من الكبائر مثل القتل والظلم والغصب والنهب والسرقة والربا وأكل مال اليتيم ومنع الزكاة وشهادة الزور وكتمانها واليمين الغموس والحيف فى الوصية وغيرها واستحلال الحرام ونقض العهد وأمثاله ولهذا قال تعالى وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ وقال ﵇ (حب الدنيا رأس كل خطيئة) وعنه ﷺ (أتاني جبريل وقال ان الله تعالى قال وعزتى وجلالى انه ليس من الكبائر كبيرة هى أعظم عندى من حب الدنيا)
عاقلان ميل بسويت نكند اى دنيا ... هم اميد كرم ولطف تو جاهل دارد
هر كه خواهد بكند از تو مرادى حاصل ... حاصل آنست كه انديشه باطل دارد
وثالثها رؤية الغير فان منها ينشأ الشرك والنفاق والرياء وأمثاله ولهذا قال تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وقال ﵇ (اليسير من الرياء شرك) .
وقال بعض المشايخ وجودك ذنب لا يقاس به ذنب آخر فمن تخلص من ذنب وجوده فلا يرى غير الله فلا ينتشئ منه الشرك ولا حب الدنيا وتخلص من الهوى فيتحقق له الوصول واللقاء قال تعالى فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً لعمرى ان هذا لهو المدخل الكريم والفوز العظيم والنعيم المقيم. فعلى العاقل ان يتخلص من الأغيار ويشاهد فى المجالى أنوار الواحد القهار
گرچهـ زندانست بر صاحب دلان ... هر كجا بويى ز وصل يار نيست
هيچ زندان عاشق محتاج را ... تنك تر از صحبت اغيار نيست
ولذا قيل الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر وما سوى الحق اغيار. قال ابراهيم عليه السلام
стр. 650
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ فلا بد للسالك ان يجتهد فى سلوكه ويتخلص من رق الغير كى يصل الى المراد والعاشق الصادق لا يكون فى عبودية غير معشوقه ولا يتسلى عن الدنيا والآخرة إلا بوصاله فليس له مطلب سواه
عاشق كه ز هجر دوست دادى خواهد ... يا بر در وصلش ايستادى خواهد
نا كس ترا زو كس نبود در عالم ... كز دوست بجز دوست مرادى خواهد
وهذا مقام شريف ومطلب عزيز أوصلنا الله تعالى وإياكم وَلا تَتَمَنَّوْا التمني عبارة عن ارادة ما يعلم او يظن انه لا يكون ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ اى عليكم ان لا تتمنوا ما أعطاه الله بعضكم من الأمور الدنيوية كالجاه والمال وغير ذلك مما يجرى فيه التنافس دونكم فان ذلك قسمة من الله تعالى صادرة عن تدبير لائق بأحوال العباد مترتب على الإحاطة بجلائل شؤونهم ودقائقها. فعلى كل أحد من المفضل عليهم ان يرضى بما قسم له ولا يتمنى حظ المفضل ولا يحسده عليه لما انه معارضة لحكمة القدر فالانصباء كالاشكال وكما ان اختلاف الاشكال مقتضى حكمة الهية لم يطلع على سرها أحد فكذلك الاقسام. وقيل لما جعل الله تعالى فى الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين قالت النساء نحن أحوج ان يكون لنا سهمان وللرجال سهم واحد لانا ضعفاء وهم أقوياء واقدر على طلب المعاش منا فنزلت وهذا هو الأنسب بتعليل النهى بقوله تعالى لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ فانه صريح فى جريان التمني بين فريقى الرجال والنساء والمعنى لكل من الفريقين فى الميراث نصيب معين المقدار مما أصابه بحسب استعداده وقد عبر عنه بالاكتساب على طريقة الاستعارة التبعية المبنية على تشبيه اقتضاء حاله لنصيبه باكتسابه إياه تأكيدا لاستحقاق كل منهما لنصيبه وتقوية لاختصاصه به بحيث لا يتخطاه الى غيره فان ذلك مما يوجب الانتهاء عن التمني المذكور وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ اى لا تتمنوا ما يختص بغيركم من نصيبه المكتسب له واسألوا الله تعالى ما تريدون من خزائن نعمه التي لا نفادلها فانه يعطيكموه إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً فهو يعلم ما يستحقه كل انسان ففضله عن علم وحكمة وتبيان وفى الحديث (لن يزال الناس بخير ما تباينوا) اى تفاوتوا (فاذا تساووا هلكوا) وذلك لاختلال النظام المرتبط بذلك. وقد يقال معناه انه لا يغتم لتفاوت الناس فى المراتب والصنائع بان يكون مثلا بعضهم أميرا وبعضهم سلطانا وبعضهم وزيرا وبعضهم رئيسا وبعضهم اهل الصنائع لتوقف النظام عليه. واعلم ان مراتب السعادات اما نفسانية كالذكاء التام والحدس الكامل والمعارف الزائدة على معارف الغير بالكمية والكيفية وكالعفة والشجاعة وغير ذلك واما بدنية كالصحة والجمال والعمر الطويل فى ذلك مع اللذة والبهجة واما خارجية ككثرة الأولاد الصلحاء وكثرة العشائر وكثرة الأصدقاء والأعوان والرياسة التامة ونفاذ القول وكونه محبوبا لقلوب الناس حسن الذكر فيهم فهى مجامع السعادات والإنسان إذا شاهد انواع الفضائل حاصلة لانسان ووجد نفسه خاليا عن جملتها او عن أكثرها فحينئذ يتألم قلبه ويتشوش خاطره ثم يعرض هاهنا حالتان إحداهما ان يتمنى زوال تلك السعادات عن ذلك الإنسان والاخرى ان لا يتمنى ذلك بل يتمنى حصول مثلها له والاول هو الحسد المذموم لان المقصود
стр. 651
الاول لمدبر العالم وخالقه الإحسان الى عبيده والجود إليهم وافاضة انواع الكرم عليهم فمن تمنى زوال ذلك فكأنه اعترض على الله فيما هو المقصود بالقصد الاول من خلق العالم وإيجاد المكلفين وايضا ربما اعتقد فى نفسه انه أحق بتلك النعم من ذلك الإنسان فيكون هذا اعتراضا على الله وقدحا فى حكمته وكل ذلك مما يلقيه فى الكفر وظلمات البدعة ويزيل عن قلبه نور الايمان وكما ان الحسد سبب الفساد فى الدين فكذلك هو سبب الفساد فى الدنيا فانه يقطع المودة والمحبة والموالاة وينقلب كل ذلك الى أضدادها فلهذا السبب نهى الله عباده عنه بقوله وَلا تَتَمَنَّوْا الآية فلا بد لكل عاقل من الرضى بقضاء الله تعالى. - حكى- الرسول ﷺ عن رب العزة انه قال (من استسلم لقضائى وصبر على بلائي وشكر لنعمائى كتبته صديقا وبعثته يوم القيامة مع الصديقين ومن لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر لنعمائى فليطلب ربا سواى)
حاشا كه من از جور وجفاى تو بنالم ... بيداد لطفيان همه لطفست وكرامت
فهذا هو الكلام فيما إذا تمنى زوال تلك النعمة عن ذلك الإنسان. ومما يؤكد ذلك ما روى ابن سيرين عن ابى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ (لا يخطب الرجل على خطبة أخيه
ولا يسوم على سوم أخيه ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتقوم مقامها فان الله هو رازقها) والمقصود من كل ذلك المبالغة فى المنع من الحسد اما إذا لم يتمن ذلك بل تمنى حصول مثلها له فمن الناس من جوز ذلك الا ان المحققين قالوا هذا ايضا لا يجوز لان تلك النعمة ربما كانت مفسدة فى حقه فى الدين ومضرة عليه فى الدنيا فلهذا السبب قال المحققون انه لا يجوز للانسان ان يقول اللهم أعطني دارا مثل دار فلان وزوجة مثل زوجة فلان بل ينبغى ان يقول اللهم أعطني ما يكون صلاحا فى دينى ودنياى ومعادى ومعاشى وإذا تأمل الإنسان كثيرا لم يجد احسن مما ذكره الله فى القرآن تعليما لعباده وهو قوله رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً.
وعن الحسن لا يتمنى أحد المال فلعل هلاكه فى ذلك المال كما فى حق ثعلبة وهذا هو المراد من قوله وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ. قال الشيخ كمال الدين القاشاني وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ من الكمالات المترتبة بحسب استعداد الاولية فان كل استعداد يقتضى بهويته فى الأزل كمالا وسعادة تناسبه وتختص به وحصول ذلك الكمال الخاص لغيره محال ولذلك ذكر طلبه بلفظ التمني الذي هو طلب ما يمتنع حصوله للطالب لامتناع سببه لِلرِّجالِ اى الافراد الواصلين نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا بنور استعدادهم الأصلي وَلِلنِّساءِ اى الناقصين القاصرين عن الوصول نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ بقدر استعدادهم وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ اى اطلبوا منه افاضة كمال يقتضيه استعدادكم بالتزكية والتصفية حتى لا يحول بينكم وبينه فتحتجبوا وتعذبوا بنيران الحرمان منه إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ مما يخفى عليكم كامنا فى استعدادكم بالقوة عَلِيماً فيجيبكم بما يليق بكم كما قال تعالى وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ اى بلسان الاستعداد الذي ما دعاه أحد به الا أجاب كما قال تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ انتهى وعلى هذا التأويل يكون قوله وَلا تَتَمَنَّوْا نهيا ومنعا عن طلب المحال الذي فوق الاستعداد الأزلي ويكون قوله وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ امرا وحثا على طلب الممكن
стр. 652
الذي هو قدر استعدادكم كى لا تضيع فضيلة الانسانية فان بعض المقدورات قد يكون معلقا على الكسب. فينبغى ان لا يتكاسل العبد فى العبادات وكسب الفضائل لينال الكمالات الكامنة فى خزانة الاستعداد ويسأل الله تعالى دائما من فضله فانه مجيب الدعوات وولى الهداية والرشاد فمن طلب شيأ وجدّ وجد ومن قرع بابا ولجّ ولج: قال مولانا جلال الدين قدس سره
چون در معنى زنى بازت كنند ... پرّ فكرت زن كه شهبازت كنند «١»
چون طلب كردى بجد آيد نظر ... جد خطا نكند چنين آمد خبر «٢»
چون ز چاهى ميكنى هر روز خاك ... عاقبت اندر رسى در آب پاك «٣»
گفت پيغمبر كه چون كوبى درى ... عاقبت زان در برون آيد سرى
در طلب زن دائما تو هر دو دست ... كه طلب در راه نيكو رهبرست «٤»
وَلِكُلٍّ اى لكل تركة ومال جَعَلْنا مَوالِيَ جمع مولى اى ورثة متفاوتة فى الدرجة يلونها ويحرزون منها أنصباءهم بحسب استحقاقهم المنوط بما بينهم وبين المورث مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ بيان لكل مع الفصل بالمعامل وهو جعلنا لان لكل مفعول ثان له قدم عليه لتأكيد الشمول ودفع توهم تعلق الجعل بالبعض دون البعض. والموالي هم اصحاب الفرائض والعصبات وغيرهما من الوارث ويجوز ان يكون المعنى ولكل قوم جعلناهم موالى اى وراثا نصيب معين مغاير لنصيب قوم آخرين مما ترك الوالدان والأقربون على ان جعلنا موالى صفة لكل والضمير الراجع اليه محذوف والكلام مبتدأ وخبر على طريقة قولك لكل من خلقه الله إنسانا نصيب من رزق اى حظ منه وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ هم موالى الموالاة كان الحليف يورث السدس من مال حليفه فنسخ بقوله تعالى وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ وعند ابى حنيفة إذا اسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على ان يرثه ويعقل عنه صح وعليه عقله وله إرثه ان لم يكن له وارث أصلا فهو مؤخر عن ذوى الأرحام واسناد العقد الى الايمان لان المعتاد المماسكة بها عند العقد والمعنى عقدت ايمانكم عهودهم حذف العهود وأقيم المضاف اليه مقامه ثم حذف وهو مبتدأ متضمن لمعنى الشرط ولذلك صدر الخبر اعنى قوله تعالى فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ بالفاء اى حظهم من الميراث إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الأشياء التي من جملتها الإيتاء والمنع شَهِيداً اى شاهدا ففيه ترغيب فى الإعطاء وتهديد على منع نصيبهم. قال بعضهم المراد من الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ الحلفاء والمراد بقوله فَآتُوهُمْ النصرة والنصيحة والمصافاة فى العشرة والمخالصة فى المخالصة. فعلى كل أحد ان ينصر أخاه المؤمن ويخالطه على وجه الخلوص والنصيحة لا على النفاق والعداوة قال ﷺ (مثل المؤمنين فى توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)
بنى آدم اعضاى يكديكرند ... كه در آفرينش ز يك جوهرند
چوعضوى بدرد آورد روزكار ... دكر عضوها را نماند قرار
تو كز محنت ديكران بي غمى ... نشايد كه نامت نهند آدمي
стр. 653
فالواجب ان يجب المرء للناس ما يجب لنفسه من الخير وينصح لهم فى ظاهر الأمر فان النصيحة عماد الدين ويزيل ما يوجب التأذى عن ظاهرهم وأعمالهم بالموعظة والزجر اى المنع عما لا يليق ويعاملهم بالرحمة والشفقة ولا يذكر أحدا بما يكره فان ملكا وكل بالعبد يرد عليه ما يقول لصاحبه ولا يستبشر بمكروه أحد كائنا من كان
مكن شادمانى بمرك كسى ... كه دهرت نماند پس از وى بسى
ويتودد الى الناس بالإحسان الى برهم وفاجرهم والى من هو اهل الإحسان والى سن ليس باهل له ويتحمل الأذى منهم وبه يظهر جوهر الإنسان
تحمل چوزهرت نمايد نخست ... ولى شهد كردد چودر طبع رست
ويجعل من شتمه او جفاه او آذاه إيذاء فى حل منه ولا يطمع فى السلامة من اذاهم فانه محال فان الله لم يقطع لسان الخلق عن نفسه فكيف يسلم مخلوق من مخلوق- روى- ان موسى ﵇ قال الهى اسألك ان لا يقال لى ما ليس فى فاوحى الله اليه ما فعلت ذلك لنفسى فكيف افعل لك ويقوم بحاجات الناس ومهماتهم ففى الحديث (من سعى فى حاجة لأخيه المسلم لله وله فيها صلاح فكأنما خدم الله ألف سنة وييسر على المعسر تيسيرا ويفرج عن الغموم فان الله تعالى فى عون العبد ما دام العبد فى عون أخيه المسلم) وفى الحديث (ان من موجبات المغفرة إدخال السرور على قلب أخيك المسلم) . قال الشيخ نجم الدين الكبرى فى قوله تعالى وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ يعنى الذين جرى بينكم وبينهم عقد الاخوة فى الله بان أخذتم بايمانكم ايمانهم بالارادة وصدق الالتجاء وتابوا على ايديكم فَآتُوهُمْ بالنصح وحسن التربية والاهتمام بهم والقيام بمصالحهم على شرائط الشيخوخة والتسليك بهم نَصِيبَهُمْ الذي أودع الله تعالى لهم عندكم بعلمه وحكمته إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الودائع أينما أودعه ولمن أودعه شَهِيداً يشهد عليهم يوم القيامة ان يخونوا فى إعطاء ودائهم بالخيانة ويسألكم عنها ويشهد لكم بالامانة ويجازيكم عليها خير الجزاء انتهى فالكاملون لا يخونون فى الأمانات بل يسلمون الودائع الى الأرباب بحسب الاستعدادات ولا يفشون السر الى من ليس له اهلية فى هذا الباب والا يلزم الخيانة فى اسرار رب الأرباب: قال مولانا جلال الدين الرومي قدس سره
عارفانكه جام حق نوشيده اند ... رازها دانسته و پوشيده اند «١»
هر كرا اسرار كار آموختند ... مهر كردند ودهانش دوختند «٢»
بر لبش قفلست ودر دل رازها ... لب خموش ودل پر از آوازها
كوش آن كس نوشد اسرار جلال ... كو چوسوسن صد زبان افتاد ولال
تا نكوئى سر سلطانرا بكس ... تا نريزى قند را پيش مكس
در خور دريا نشد جز مرغ آب ... فهم كن والله اعلم بالصواب «٣»
الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ قائمون بالأمر بالمصالح والنهى عن الفضائح قيام الولاة على الرعية مسلطون على تأديبهن وعلل ذلك بامرين وهبى وكسبى فقال بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ الضمير البارز لكلا الفريقين تغليبا اى بسبب تفضيله الرجال على النساء بالحزم
стр. 654
والعزم والقوة والفتوة والمير والرمي والحماسة والسماحة والتشمير لخطة الخطبة وكتبة الكتابة وغيرها من المخايل المخيلة فى استدعاء الزيادة والشمائل الشاملة لجوامع السعادة وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ اى وبسبب انفاقهم من أموالهم فى نكاحهن كالمهر والنفقة وهذا ادل على وجوب نفقات الزوجات على الأزواج- روى- ان سعد بن الربيع أحد نقباء الأنصار رضى الله عنهم نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن ابى زهير فلطمها فانطلق بها أبوها الى رسول الله ﷺ وشكا فقال ﵇ (لنقتصن منه) فنزلت فقال ﷺ (أردنا امرا وأراد الله امرا والذي أراد الله خير) ورفع القصاص فلا قصاص فى اللطمة ونحوها والحكم فى النفس وما دونها مذكور فى الفروع فَالصَّالِحاتُ منهن قانِتاتٌ مطيعات لله تعالى قائمات بحقوق الأزواج حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ اى لمواجب الغيب اى لما يجب عليهن حفظه فى حال غيبة الأزواج من الفروج والأموال والبيوت. وعن النبي ﷺ (خير النساء امرأة ان نظرت إليها سرتك وان أمرتها اطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك فى مالها ونفسها) ولا الآية واضافة المال إليها للاشعار بان ماله فى حق التصرف فى حكم مالها بِما حَفِظَ اللَّهُ ما مصدرية اى بحفظه تعالى اياهن اى بالأمر بحفظ الغيب والحث عليه بالوعد والوعيد والتوفيق له. او موصولة اى بالذي حفظ الله لهن عليهم من المهر والنفقة والقيام بحفظهن والذب عنهن وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ خطاب للازواج وارشاد لهم الى طريق القيام عليهن والخوف خالة تحصل فى القلب عند حدوث امر مكروه او عند الظن او العلم بحدوثه وقد يراد به أحدهما اى تظنون عصيانهن وترفعهن عن مطاوعتكم فَعِظُوهُنَّ فانصحوهن بالترغيب والترهيب. قال الامام ابو منصور العظة كلام يلين القلوب القاسية ويرغب الطبائع النافرة وهى بتذكير العواقب وَاهْجُرُوهُنَّ بعد ذلك ان لم ينفع الوعظ والنصيحة والهجر الترك عن قلى فِي الْمَضاجِعِ اى فى المراقد فلا تدخلوهن تحت اللحف ولا تباشروهن جمع مضجع وهو موضع وضع الجنب للنوم وَاضْرِبُوهُنَّ ان لم ينجع ما فعلتم من العظة والهجران غير مبرح ولا شائن ولا كاسر ولا خادش فالامور الثلاثة مترتبة ينبغى ان يدرج فيها فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ بذلك كما هو الظاهر لانه منتهى ما يعد زاجرا فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا بالتوبيخ والاذية اى فازيلوا عنهن التعرض واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن فان التائب من الذنب كمن لاذنب له إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا اى أعلى عليكم قدرة منكم عليهن كَبِيراً اى أعظم حكما عليكم منكم عليهن فاحذروا واعفوا عنهن إذا رجعن لانكم تعصونه على علو شأنه وكبرياء سلطانه ثم تتوبون فيتوب عليكم فانتم أحق بالعفو عمن جنى عليكم إذا رجع. قال فى الشرعة وشرحها إذا وقف واطلع من زوجته على فجور اى فسق او كذب او ميل الى الباطل فانه يطلقها الا ان لا يصبر عنها فيمسكها- روى- انه جاء رجل الى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله لى امرأة لا تردّ يد لامس قال (طلقها) قال أحبها قال (أمسكها) خوفا عليه بانه ان طلقها اتبعها وفسد هو ايضا معها فرأى ما فى دوام نكاحه
стр. 655
من دفع الفساد عنه مع ضيق قلبه اولى فلا بد للرجال من تحمل المكاره الا انه لا ينبغى للمرء ان يكون ديوثا كما قال بعض العارفين
كريز از كفش در دهان نهنك ... كه مردن به از زندكانى به ننك
وكان بعض العلماء يقول التحمل على أذى واحد من المرأة احتمال فى الحقيقة من عشرين أذى منها مثلا فيه نجاة الولد من اللطمة ونجاة القدر من الكسر ونجاة العجل من الضرب ونجاة الهرة من الزجر اى المنع من أكل فضول الخوان وسقاطه والثوب من الحرق والضيف من الرحيل قال رسول الله ﷺ (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) وقال ايضا (أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة) وقال ايضا (لا تؤذى امرأة زوجها فى الدنيا الا قالت زوجه من الحور العين لا تؤذيه قاتلك الله فانما هو عندك دخيل يوشك ان يفارقك إلينا) قال النبي ﵇ مخاطبا لعائشة رضى الله عنها (أيما امرأة تؤذى زوجها بلسانها الا جعل الله لسانها يوم القيامة سبعين ذراعا ثم عقد
خلف عنقها. يا عائشة وأيما امرأة تصلى لربها وتدعو لنفسها ثم تدعو لزوجها الا ضرب بصلاتها وجهها حتى تدعو لزوجها ثم تدعو لنفسها. يا عائشة وأيما امرأة جزعت على ميتها فوق ثلاثة ايام أحبط الله عملها. يا عائشة وأيما امرأة ناحت على ميتها الا جعل الله لسانها سبعين ذراعا وجرت الى النار مع من تبعها. يا عائشة أيما امرأة أصابتها مصيبة فلطمت وجهها ومزقت ثيابها الا كانت مع امرأة لوط ونوح فى النار وكانت آيسة من كل خير وكل شفاعة شافع يوم القيامة يا عائشة وأيما امرأة زارت المقابر الا لعنها الله تعالى ولعنها كل رطب ويابس حتى ترجع فاذا رجعت الى منزلها كانت فى غضب الله ومقته الى الغد من ساعته فان ماتت من وقتها كانت من اهل النار. يا عائشة اجتهدي ثم اجتهدي فانكن صواحبات يوسف وفاتنات داود ومخرجات آدم من الجنة وعاصيات نوح ولوط. يا عائشة ما زال جبريل يوصينى فى امر النساء حتى ظننت انه سيحرم طلاقهن. يا عائشة انا خصم كل امرأة يطلقها زوجها) ثم قال (يا عائشة وما من امرأة تحبل من زوجها حين تحبل إلا ولها مثل اجرا الصائم بالنهار والقائم بالليل الغازي فى سبيل الله. يا عائشة ما من امرأة أتاها الطلق الا ولها بكل طلقة عتق نسمة وبكل رضعة عتق رقبة. يا عائشة أيما امرأة خففت عن زوجها من مهرها الا كان لها من العمل حجة مبرورة وعمرة متقبلة وغفر لها ذنوبها كلها حديثها وقديمها سرها وعلانيتها عمدها وخطأها أولها وآخرها. يا عائشة المرأة إذا كان لها زوج فصبرت على أذى زوجها فهى كالمتشحطة فى دمها فى سبيل الله وكانت من القانتات الذاكرات المسلمات المؤمنات التائبات) كذا فى روضة العلماء وفيه تطويل قد اختصرته وحذفت بعضه. والاشارة فى الآية ان الله تعالى جعل الرجال قوامين على النساء لان وجودهن تبع لوجودهم وهم الأصول وهن الفروع فكما ان الشجرة فرع الثمرة بانها خلقت منها فكذلك النساء خلقن من ضلوعهم فكما كان قيام حواء قبل خلقها وهى ضلع بآدم ﵇ وهو قوام عليها فكذلك الرجال على النساء بمصالح امور دينهن ودنياهن قال تعالى قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً واختص الرجال باستعدادية
стр. 656
الكمالية للخلافة والنبوة فكان وجودهم الأصل ووجودهن تبعا لوجودهم للتوالد والتناسل قال ﵇ (كمل من الرجال كثير وما كمل من النساء الا آسية بنت مزاحم امرأة فرعون ومريم بنت عمران وفضل عائشة على سائر النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) ومع هذا ما بلغ كمالهن الى حد يصلحن للخلافة او النبوة وانما كان كمالهن بالنسبة الى النسوة لا الى الرجال لانهن بالنسبة إليهم ناقصات عقل ودين حتى قال فى عائشة رضى الله عنها مع فضلها على سائر النساء (خذوا ثلثى دينكم عن هذه الحميراء) فهذا بالنسبة الى الرجال نقصان حيث لم يقل خذوا كمال دينكم ولكن بالنسبة الى النساء كمال لانه على قاعدة قوله تعالى لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يكون حظ النساء من الدين الثلث فكماله كان الثلثين بمثابة الذكور بمثل حظ الأنثيين: قال الفقير جامع هذه المجالس النفيسة
مرد بايد تا كه اقدامى كند ... در طريقت غيرت نامى كند
چون نه كامل ز مردى دم مزن ... چون نه دلبر مكو از حسن تن
زن كه كامل شد ز مردان دست برد ... مرد ناقص چون زن ناقص بمرد
وَإِنْ خِفْتُمْ اى علمتم او ظننتم ايها الحكام شِقاقَ بَيْنِهِما اى خلافا بين المرأة وزوجها ولا تدرون من قبل أيهما يقع النشوز والشقاق المخالفة اما لان كلا منهما يريد ما يشق على الآخر واما لان كلا منهما فى شق غير شق الآخر. قال ابن عباس رضى الله عنهما والجزم بوجود الشقاق لا ينافى بعث الحكمين لانه لرجاء إزالته لا لتعرف ودوده بالفعل فَابْعَثُوا اى الى الزوجين لاصلاح ذات البين حَكَماً رجلا عادلا صالحا للحكومة والإصلاح مِنْ أَهْلِهِ من اهل الزوج وَحَكَماً آخر على صفة الاول مِنْ أَهْلِها اى اهل الزوجة فان الأقارب اعرف ببواطن أحوالهم واطلب للصلاح بينهم وانصح لهم واسكن لنفوسهم لان نفوس الزوجين تسكن إليهما وتبرز ما فى ضمائرهما من حب أحدهما الآخر وبغضه إِنْ يُرِيدا اى الزوج والزوجة إِصْلاحاً لهما اى ما بينهما من الشقاق يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما يوقع بين الزوجين الموافقة والالفة بحسن سعى الحكمين ويلقى فى نفوسهما المودة والرأفة. وفيه تنبيه على ان من أصلح نيته فيما يتحراه وفقه الله لما ابتغاه إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً بالظواهر والبواطن فيعلم كيف يرفع الشاق ويوقع الوفاق. وفى الآية حث على إصلاح ذات البين قال رسول الله ﷺ (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة) قالوا بلى قال (إصلاح ذات البين) وقال ﷺ (ألا انما الدين النصيحة) قالها ثلاثا قالوا لمن يا رسول الله قال (لله ولرسوله ولكتابه ولائمة المؤمنين ولعامتهم) فالنصيحة لله تعالى ان تؤمن بالله ولا تشرك به شيأ وتعمل بما امر الله تعالى به وتنتهى عما نهى عنه وتدعو الناس الى ذلك وتدلهم عليه واما النصيحة لرسوله ان تعمل بسنته وتدعو الناس إليها. واما النصيحة لكتابه ان تؤمن به وتتلوه وتعمل بما فيه وتدعو الناس اليه. واما النصيحة للائمة ان لا تخرج عليهم بالسيف
стр. 657
وتدعولهم بالعدل والانصاف وتدل الناس عليه. واما النصيحة للعامة فهو ان تحب لهم ما تحب لنفسك وان تصلح بينهم ولا تهجرهم وتدعولهم بالصلاح. ولا شك ان المصلحين هم خيار الناس بخلاف المفسدين فانهم شرار الخلق إذ هم يسعون فى الأرض بالفساد والتفريق وإيقاظ الفتنة دون إزالتها وقدورد (الفتنة نائمة لعن الله من ايقظها)
از آن همنشين تا توانى كريز ... كه مر فتنه خفته را كفت خيز
ومن المفسدين من يوصل كلام أحد الى أحد فيه ما يسوؤه ويحزنه فالعاقل لا يصيخ الى مثل هذا القائل
بدى در قفا عيب من كرد وخفت ... بتر زو قرينى كه آورد وكفت
يكى تيرى افكنده ودر ره فتاد ... وجودم نيازرد ورنجم نداد
تو بر داشتى وآمدى سوى من ... همى در سپوزى به پهلوى من
والاشارة فى الآية انه إذا وقع الخلاف بين الشيخ الواصل والمريد المتكاسل فَابْعَثُوا متواسطين أحدهما من المشايخ المعتبرين والثاني من معتبرى السالكين لينظرا الى مقالهما ويتحققا أحوالهما إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً بينهما بما رأيا فيه صلاحهما يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما بالارادة وحسن التربية إِنَّ اللَّهَ كانَ فى الأزل عَلِيماً باحوالهما خَبِيراً بمآلهما فقدر لكل واحد منهما بما عليهما وبما لهما كذا فى تأويلات الشيخ العارف نجم الدين الكبرى قدس سره وقد عرف منه ان التهاجر والمخالفة تقع بين الكاملين كما بين عوام المؤمنين ولا يمنع اختلافهم الصوري اتفاقهم المعنوي وقد اقتضت الحكمة الالهية ذلك فلمثل هذا سر لا يعرفه عقول العامة: قال مولانا جلال الدين فى بيان اتحاد الأولياء والكاملين
چون ازيشان مجتمع بينى دو يار ... هم يكى باشند وهم شش صد هزار «١»
بر مثال موجها اعدادشان ... در عدد آورده باشد پادشان
تفرقه در روح حيوانى بود ... نفس واحد روح انسانى بود
مؤمنان معدود ليك ايمان يكى ... جسم شان معدود ليكن جان يكى «٢»
والحاصل ان اهل الحق كلهم نفس واحدة والتفرقة بحسب البشرية والتخالف سبب لا ينافى توافقهم فى المعنى من كل وجه وجهة وَاعْبُدُوا اللَّهَ العبادة عبارة عن كل فعل وترك يؤتى به بمجرد امر الله تعالى بذلك وهذا يدخل فيه جميع اعمال القلوب وجميع اعمال الجوارح وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً من الأشياء صنما او غيره او شيأ من الإشراك جليا وهو الكفر او خفيا وهو الرياء وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً اى وأحسنوا إليهما إحسانا. فالباء بمعنى الى كما فى قوله وَقَدْ أَحْسَنَ بِي وبدأ بهما لان حقهما أعظم حقوق البشر فالاحسان إليهما بان يقوم بخدمتهما ولا يرفع صوته عليهما ولا يخشن فى الكلام معهما ويسعى فى تحصيل مطالبهما والانفاق عليهما بقدر القدرة وَبِذِي الْقُرْبى وبصاحب القرابة من أخ او عم او خال او نحو ذلك بصلة الرحم والمرحمة ان استغنوا والوصية وحسن الانفاق ان افتقروا وَالْيَتامى بانفاق ما هو أصلح لهم او بالقيام على أموالهم ان كان وصيا وَالْمَساكِينِ
стр. 658
بالمبار والصدقات واطعام الطعام او بالرد الجميل وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى اى الذي قرب جواره او الذي له مع الجوار اتصال بنسب او دين قال ﵇ (والذي نفسى بيده لا يؤدى حق الجار الا من رحم الله وقليل ما هم أتدرون ما حق الجار ان افتقر أغنيته وان استقرض أقرضته وان أصابه خير هنأته وان أصابه شر عزيته وان مرض عدته وان مات شعيت جنازته) وَالْجارِ الْجُنُبِ اى البعيد او الذي لا قرابة له. وعنه ﵇ (الجيران ثلاثة فجار له ثلاثة حقوق حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام وجار له حقان حق الجوار وحق الإسلام وجار له حق واحد هو حق الجوار وهو الجار من اهل الكتاب) وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ اى الرفيق فى امر حسن كتعلم وتصرف وصناعة وسفر فانه صحبك وحصل بجانبك ومنهم من قعد بجنبك فى مسجد او مجلس او غير ذلك من ادنى صحبة التأمت بينك وبينه فعليك ان ترعى ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة الى الإحسان وَابْنِ السَّبِيلِ هو المسافر الذي سافر عن بلده وماله والإحسان بان تؤويه وتزوده او هو الضيف الذي ينزل عليك وحقه ثلاثة ايام ومازاد على ذلك فهو صدقة ولا يحل له ان يقيم عنده حتى يخرجه وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من العبيد والإماء والإحسان إليهم بان يؤدبهم ولا يكلفهم ما لا طاقة لهم ولا يكثر العمل لهم طول النهار ولا يؤذيهم بالكلام الخشن بل يعاشرهم معاشرة حسنة ويعطيهم من الطعام والكسوة ما يحتاجون اليه. قال بعضهم كل حيوان فهو مملوك والإحسان اليه بما يليق به طاعة عظيمة إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا اى متكبرا يأنف من أقاربه وجيرانه وأصحابه ولا يلتفت إليهم فَخُوراً بما لا يليق يتفاخر عليهم ولا يقوم بالحقوق ويقال فخورا فى نعم الله لا يشكر قال الله تعالى لموسى ﵇ [يا موسى انى انا الله لا اله الا انا فاعبدنى وحدي لا شريك لى فمن لم يرض بقضائي ولم يشكر على نعمائى ولم يصبر على بلائي ولم يقنع بعطائى فليعبد ربا سواى. يا موسى لولا من يسجد لى ما أنزلت من السماء قطرة ولا أنبت فى الأرض شجرة ولولا من يعبدنى مخلصا لما أمهلت من يجحدنى طرفة عين ولولا من يشكر نعمتى لحبست القطر فى الجو. يا موسى لولا التائبون لخسفت بالمذنبين ولولا الصالحون لا هلكت الصالحين] . واعلم ان العبادة ان تعبد الله وخده بطريق أوامره ونواهيه ولا تعبد معه شيأ من الدنيا والعقبى فانك لو عبدت الله خوفا من شىء او طمعا فى شىء فقد عبدت ذلك الشيء والعبودية طلب المولى بالمولى بترك الدنيا والعقبى والتسليم عند جريان القضاء شاكرا صابرا فى النعم والبلوى فلا بد من التوحيد الصرف وترك الشرك حتى يوصله الله الى مبتغاه: قال بعض العارفين
نقد هستى محو كن در «لا اله» ... تا به بينى دار ملك پادشاه
غير حق هر ذره كان مقصود تست ... تيغ «لا» بركش كه آن معبود تست
«لا» كه عرش وفرش را بر مى درد ... از فنا سوى بقاره ميبرد
«لا» ترا از تو رهايى ميدهد ... با خدايت آشنايى ميدهد
چون تو خود را از ميان برداشتى ... قصر ايمانرا درى افراشتى
стр. 659
فاذا حصل المقصود ووصل العابد الى المعبود فحينئذ يصح منه بالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين الآية لان الإحسان صفات الله تعالى لقوله تعالى الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ والاساءة من صفات الإنسان لقوله إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ فالعبد لا يصدر منه الإحسان الا ان يكون متخلقا بأخلاق نفسه كما قال تعالى ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وفيه اشارة اخزى وهى ان شرط العبودية الإقبال على الله بالكلية والاعراض عما سواه ولا يصدر منه الإحسان الا إذا اتصف بأخلاق الله حتى يخرج من عهدة العبودية بالوصول الى حضرة الربوبية فتفنى عنك به وتبقى به للوالدين وغيرهما محسنا لاحسانه بلا شرك ولا رياء فان الشرك والرياء من بقاء النفس ولهذا قال عقيب الآية إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً لان الاختيال والفخر من أوصاف النفس والله تعالى لا يحب النفس ولا أوصافها لان النفس لا تحب الله ولا المحبة من أوصافها فانها تحب الدنيا وزخارفها وما يوافق مقتضاها قال ﷺ (الشرك أخفى فى ابن آدم من دبيب النملة على الصخرة الصماء فى الليلة الظلماء) ومن خدم مخلوقا خوفا من مضرته او طمعا فى منفعته فقد أشرك عملا
كه داند چودر بند حق نيستى ... اگر بى وضو در نماز ايستى
بروى ريا خرقه سهلست دوخت ... كرش با خدا در توانى فروخت
اگر جز بحق ميرود جاده ات ... در آتش فشانند سجاده ات
قال تعالى وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً يعنى الأعمال التي عملوها لغير وجه الله أبطلنا ثوابها وجعلناها كالهباء المنثور وهو الغبار الذي يرى فى شعاع الشمس وجاء رجل الى النبي ﵇ فقال يا رسول الله انى أتصدق بالصدقة فالتمس بها وجه الله تعالى وأحب ان يقال لى فيه خير فنزل قوله تعالى فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ يعنى من خاف المقام بين يدى الله تعالى ويريد ثوابه فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً رزقنا الله وإياكم الإخلاص الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بما منحوا به وهو مبتدأ خبره محذوف اى أحقاء بكل ملامة وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ به اى بما منحوا به عطف على ما قبله وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ اى من المال والغنى وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً وضع الظاهر موضع المضمر اشعار بان من هذا شأنه فهو كافر بنعمة الله ومن كان كافرا بنعمة الله فله عذاب يهينه كما أهان النعمة بالبخل والإخفاء. والآية نزلت فى طائفة من اليهود كانوا يقولون للانصار بطريق النصيحة لا تنفقوا أموالكم فانا نخشى عليكم الفقر وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ اى للفخار وليقال ما أسخاهم وما أجودهم لا لابتغاء وجه الله وهو عطف على الذين يبخلون ورئاء الناس مفعوله وانما شاركهم فى الذم والوعيد لان البخل والسرف الذي هو الانفاق فيما لا ينبغى من حيث انه طرفا تفريط وافراط سواء فى القبح واستتباع الذم واللوم وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ليحوزوا بالإنفاق مراضيه وثوابه وهم مشركوا مكة المنفقون أموالهم فى عداوة رسول الله ﷺ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً
стр. 660
اى بئس الصاحب والمقارن الشيطان وأعوانه حيث حملوهم على تلك القبائح وزينوها لهم وَماذا عَلَيْهِمْ اى على من ذكر من الطوائف لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ ابتغاء لوجه الله لان ذكر الايمان بالله واليوم الآخر يقتضى ان يكون الانفاق لابتغاء وجهه تعالى وطلب ثوابه البتة اى وما الذي عليهم فى الايمان بالله تعالى والانفاق فى سبيله وهو توبيخ لهم على الجهل بمكان المنفعة والاعتقاد فى الشيء بخلاف ما هو عليه وتحريض على التفكر لطلب الجواب لعله يؤدى بهم الى العلم بما فيه من الفوائد الجليلة وتنبيه على ان المدعو الى امر لاضرر فيه ينبغى ان يجيب اليه احتياطا فكيف إذا كان فيه منافع لا تحصى وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ وبأحوالهم المحققة عَلِيماً فهو وعيد لهم بالعقاب فقد اخبر الله تعالى بدناءة همة الأشقياء وقصور نظرهم وانهم يقنعون بقليل من الدنيا الدنية ويحرمون من كثير من المقامات الاخروية السنية ولا ينفقونه فى طلب الحق ورضاه بل ينفقونه فيما لا ينبغى
هر كه مقصودش از كرم آنست ... كه بر آرد بعالم آوازه
باشد از مصر فضل وجود وكرم ... خانه او برون ز دروازه
قال بعض الحكماء مثل من يعمل الطاعات للرياء والسمعة كمثل رجل حرج الى السوق وملأ كبسه حصى فيقول الناس ما املأ كيس هذا الرجل ولا منفعة له سوى مقالة الناس ولو أراد ان يشترى به شيأ لا يعطى له شىء كذلك الذي عمل للرياء والسمعة. قال حامد اللفاف إذا أراد الله هلاك امرئ عاقبه بثلاثة أشياء. أولها يرزقه العلم ويمنعه عن عمل العلماء.
والثاني يرزقه صحبة الصالحين ويمنعه عن معرفة حقوقهم. والثالث يفتح عليه باب الطاعة ويمنعه الإخلاص وانما يكون ذلك المذكور لخبث نيته وسوء سريرته لان النية لو كانت صحيحة لرزقه الله منفعة العلم ومعرفة حقوقهم واخلاص العمل
عبادت بإخلاص نيت نكوست ... وگر نه چهـ آيد ز بي مغز پوست
چهـ زنار مغ در ميانت چهـ دلق ... كه در پوشى از بهر پندار خلق
فعلى الفتى ان يتخلص من الرياء فى إنفاقه وفى كل اعماله ويكون سخيا لا شحيحا فان شكر المال إنفاقه فى سبيل الله: قال الشيخ العطار قدس سره
توانكر كه ندارد پاس درويش ... ز دست غيرتش بر جان رسدنيش
: ويناسبه ما قال الحافظ
كنج قارون كه فرو ميرود از فكر هنوز ... خوانده باشى كه هم از غيرت درويشانست
وإذا كان بخيلا ومع هذا امر الناس بالبخل يكون ذلك وزرا على وزر. قال صاحب الكشاف ولقد رأينا ممن بلى بلاء البخل من إذا طرق سمعه ان أحدا جاد على أحد شخص بصره وحل حبوته واضطرب وزاغت عيناه فى رأسه كأنما نهب رحله وكسرت خزائنه ضجرا من ذلك وحشرة على وجوده انتهى وهذا مشاهد فى كل زمان لا يعطون ويمنعون من يعطى ان قدروا. والحاصل انهم يجتهدون فى منع من قصد خيرا كبناء القناطر والجسور وحفر الآبار وسائر الخيرات
стр. 661
وذلك لكمال دناءتهم وقصور نظرهم وعدم شكرهم واللئيم لا يفعل الا ما يناسب طبعه
چومنعم كند سفله را روزكار ... نهد بر دل تنك درويش بار
چوبام بلندش بود خود پرست ... كند بول وخاشاك بر بام پست.
قال بشير بن الحارث النظر الى البخيل يقسى القلب فلا بد من مجانبة مجالسته وصحبته
چونكه باشد مجاورت لازم ... همجوار كريم بايد بود
كر كنى با كسى مشاوره ... آن مشاور حكيم بايد بود
ففى السخاء بركات فى الدين والدنيا والآخرة. قيل ان مجوسيا تصدق بمائة دينار فرأى الشبلي ذلك فقال ما تنفعك هذه الصدقة فبكى المجوسي ونظر الى السماء فاذا رقعة وقعت عليه مكتوب فيها بخط اخضر
مكافأة السماحة دار خلد ... وأمن من مخافة يوم بؤس
وما نار بمحرقة جوادا ... ولو كان الجواد من المجوس
يعنى ان الله تعالى يوفق السخي للايمان ان كان كافرا ولزيادة الطاعة والإخلاص فيها ان كان مؤمنا فيترقى الى الدرجات العلى ويليق بمشاهدة ربه الأعلى إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ لا ينقص من الاجر ولا يزيد فى العقاب شيأ مقدار ذرة وهى النملة الصغيرة الحمراء التي لا تكاد ترى من صغرها او الصغير جدا من اجزاء التراب او ما يظهر من اجزاء الهباء المنبث الذي تراه فى البيت من ضوء الشمس وهو الأنسب بمقام المبالغة وهذا نفى للظلم لانه إذا نفى القليل نفى الكثير لان القليل داخل فى الكثير وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً اى وان يك مثقال الذرة حسنة انث الضمير لتأنيث الخبر او لاضافة المثقال الى مؤنث وحذف النون من غير قياس تشبيها بحروف العلة وتخفيفا لكثرة الاستعمال يُضاعِفْها اى يضاعف ثوابها لان تضاعف نفس الحسنة بان يجعل الصلاة الواحدة صلاتين مما لا يعقل وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ ويعط صاحبها من عنده على سبيل التفضيل زائدا على ما وعد فى مقابلة العمل أَجْراً عَظِيماً عطاء جزيلا وانما سماه اجرا لكونه تابعا للاجر مزيدا عليه. قال فى التيسير وما وصفه الله بالعظم فمن يعرف مقداره مع انه سمى الدنيا وما فيها قليلا وسمى هذا الفضل عظيما- روى- انه يؤتى يوم القيامة بالعبد وينادى مناد على رؤوس الأولين والآخرين هذا فلان ابن فلان من كان له عليه حق فليأت الى حقه ثم يقال له أعط هؤلاء حقوقهم فيقول يا رب من اين وقد ذهبت الدنيا فيقول الله لملائكته انظروا فى اعماله الصالحة فاعطوهم منها فان بقي مثقال ذرة من حسنة ضعفها الله تعالى لعبده وادخله الجنة بفضله ورحمته والظاهر ان ذلك التضعيف يكون من جنس اللذات الموعود بها فى الجنة واما هذا الاجر العظيم الذي يؤتيه من لدنه فهو اللذة الحاصلة عند الرؤية وعند الاستغراق فى المحبة والمعرفة وانما خص هذا النوع بقوله من لدنه لان هذا النوع من الغبطة والسعادة والكمال لا ينال بالأعمال الجسدية بل انما ينال بما يودع الله فى جوهر النفس المقدسية من الاشراق والصفاء والنور وبالجملة فذلك التضعيف اشارة الى السعادات الجسمانية وهذا الاجر العظيم اشارة الى السعادات
стр. 662
الروحانية. ورد فى الخبر الصحيح (ان الله تعالى يقول لملائكته حين دخل اهل الجنة الجنة أطعموا أوليائي فيؤتى بألوان الاطعمة فيجدون لكل نعمة لذة غير ما يجدون للاخرى فاذا فرغوا من الطعام يقول الله تعالى اسقوا عبادى فيؤتى باشربة فيجدون لكل شربة لذة بخلاف الاخرى فاذا فرغوا يقول الله تعالى انا ربكم قد صدقتكم وعدي فاسألونى أعطكم قالوا ربنا نسألك رضوانك مرتين او ثلاثا فيقول رضيت عنكم ولدىّ المزيد فاليوم أكرمكم بكرامة أعظم من ذلك كله فيكشف الحجاب فينظرون اليه ما شاء الله فيخرون اليه سجدا فيكونون فى السجود ما شاء الله تعالى ثم يقول لهم ارفعوا رؤسكم ليس هذا موضع عبادة فينسون كل نعمة كانوا فيها ويكون النظر اليه أحب إليهم من جميع النعم)
جان بيجمال جانان ميل جهان ندارد ... وآنكس كه اين ندارد حقا كه آن ندارت
(فيهب ريح من تحت العرش على تل من مسك أذفر فينشر المسك على رؤسهم ونواصى خيولهم فاذا رجعوا الى أهليهم يرون أزواجهم فى الحسن والبهاء أفضل مما تركوهن ويقول لهم أزواجهم قد رجعتم احسن مما كنتم) ومطمح نظر العارف الجنة المعنوية. قال ابو يزيد البسطامي حلاوة المعرفة الالهية خير من جنة الفردوس وأعلى عليين لو فتحوا لى الجنات الثمان وأعطوني الدنيا والآخرة لم يقابل أنيني وقت السحر طال انسى بالله. وقال مالك بن دينار خرج الناس من الدنيا ولم يذوقوا أطيب الأشياء قيل وما هو قال معرفة الله تعالى: قال جلال الدين قدس سره
اى خنك انرا كه ذات خود شناخت ... اندر أمن سرمدى قصرى بساخت «١»
پس چوآهن كر چهـ تيره هيكلى ... صيقلى كن صيقلى كن صيقلى «٢»
دفع كن از مغز از بينى ز كام ... تا كه ريح الله در آيد از مشام «٣»
هيچ مكذار از تب وصفرا اثر ... تا بيابى در جهان طعم شكر
اوصانا الله وإياكم الى معرفته وأدخلنا الجنة برحمته فَكَيْفَ محلها النصب بفعل محذوف على التشبيه بالحال او الظرف اى فكيف يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى وغيرهم إِذا جِئْنا يوم القيامة مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ من الأمم بِشَهِيدٍ يشهد عليهم بما كانوا عليه من فساد العقائد وقبائح الافعال وهو نبيهم وَجِئْنا بِكَ أحضرناك يا محمد عَلى هؤُلاءِ اشارة الى الشهداء المدلول عليهم بما ذكر من قوله بشهيد شَهِيداً تشهد على صدقهم لعلمك بعقائدهم لاستجماع شرعك لمجامع قواعدهم او اشارة الى المكذبين المستفهم عن حالهم تشهد عليهم بالكفر والعصيان كما يشهد سائر الأنبياء على أممهم يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ بيان لحالهم التي أشير الى شدتها وفظاعتها بقوله تعالى فَكَيْفَ إلخ وعصيان الرسول محمول على المعاصي المغايرة للكفر فلا يلزم عطف الشيء على نفسه اى يتمنى الذين جمعوا بين الكفر وعصيان الرسول والمراد الذين كفروا والذين عصوا الرسول لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ لو بمعنى ان المصدرية والجملة مفعول يود اى يودون ان يدفنوا فتسوى بهم الأرض كالموتى فتسوية الأرض بهم كناية عن دفنهم او يودون انهم لم يبعثوا ولم يخلقوا وكأنهم والأرض سواء. قال بعض
стр. 663
الأفاضل الباء للملابسة اى تسوى الأرض ملتبسة بهم ولا حاجة الى الحمل على القلب لقلة الفرق بين تسويتهم بالأرض والتراب وتسويتها بهم وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً عطف على يود اى ولا يقدرون على كتمانه لان جوارحهم تشهد عليهم او الواو للحال اى يودون ان يدفنوا فى الأرض وهم لا يكتمون منه تعالى حديثا ولا يكذبونه بقولهم والله ربنا ما كنا مشركين إذ روى انهم إذا قالوا ذلك ختم الله على أفواههم فتشهد عليهم جوارحهم فيشتد الأمر عليهم فيتمنون ان تسوى بهم الأرض قال رسول الله ﷺ (يدعى نوح يوم القيامة فيقول لبيك وسعديك فيقول هل بلغت فيقول نعم فيقال لأمته هل بلغكم فتقول ما جاءنا من نذير فيقول من يشهد لك فيقول محمد وأمته فيشهدون انه قد بلغ ويكون الرسول عليكم شهيدا ثم يدعى غيره من الأنبياء ﵈ ثم ينادى كل انسان باسمه واحدا واحدا وتعرض أعمالهم على رب العزة قليلها وكثيرها حسنها وقبيحها) . وذكر ابو حامد فى كتاب كشف علوم الآخرة ان هذا يكون بعد ما يحكم الله تعالى بين البهائم ويقتص للجماء من القرناء ويفصل بين الوحوش والطير ثم يقول لهم كونوا ترابا فتسوى بهم الأرض فحينئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ويتمنى الكافر فيقول يا ليتنى كنت ترابا) . واعلم انه يعرض على النبي ﵇ اعمال أمته غدوة وعشية فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم وتعرض على الله يوم الخميس ويوم الاثنين وعلى الأنبياء والآباء والأمهات يوم الجمعة فتفكر يا أخي وان كنت شاهدا عدلا بانك مشهود عليك فى كل أحوالك من فعلك ومقالك وأعظم الشهود لديك المطلع عليك الذي لا يخفى عليه خائنة عين ولا يغيب عنه زمان ولا اين فاعمل عمل من يعلم انه راجع اليه وقادم عليه يجازى على الصغير والكبير والقليل والكثير
در خير بازست وطاعت وليك ... نه هر كس تواناست بر فعل نيك
همه برك بودن همه ساختى ... بتدبير رفتن نپرداختى
فلا تضيع أيامك فان أيامك رأس مالك وانك ما دمت قابضا على رأس مالك فانك قادر على طلب الربح لان بضاعة الآخرة كاسدة فى يومك هذا فاجتهد حتى تجمع بضاعة الآخرة فى وقت الكساد فانما يجيئ يوم تصير هذه البضاعة عزيزة فاكثر منها فى يوم الكساد ليوم العزة فانك لا تقدر على طلبها فى ذلك اليوم- روى- ان الموتى يتمنون ان يؤذن لهم بان يصلوا ركعتين او يؤذن لهم ان يقولوا مرة واحدة لا اله الا الله او يؤذن لهم فى تسبيحة واحدة فلا يؤذن لهم ويتعجبون من الاحياء انهم يضيعون ايامهم فى الغفلة
مهلكه عمر به بيهوده بگذرد حافظ ... بكوش وحاصل عمر عزيز را درياب
قال القاشاني فى قوله تعالى فَكَيْفَ إِذا جِئْنا الشهيد والشاهد ما يحضر كل أحد مما بلغه من الدرجة وهو الغالب عليه فهو يكشف عن حاله وعمله وسعيه ومبلغ جهده مقاما كان او صفة من صفات الحق او رأيا فلكل امة شهيد بحسب ما دعاهم اليه نبيهم وعرفه إليهم ولم يبعث الا بحسب ما يقتضيه استعداد أمته فما دعاهم الا الى ما يطلب استعدادهم مما وصل اليه النبي من مقامه فى المعرفة فلا يعرف أحد باطن أمرهم وما هم عليه من أحوالهم كنبيهم ولذلك جعل كل نبى شهيدا
стр. 664
على أمته وقد ورد فى الحديث (ان الله يتجلى لعباده فى صورة معتقدهم فيعرفه كل واحد من اهل الملل والمذاهب ثم يتحول عن تلك الصورة فيبرز فى صورة اخرى فلا يعرفه الا الموحدون الواصلون الى حضرة الاحدية من كل باب) وكما ان لكل امة شهيدا فلكل اهل مذهب شهيد ولكل أحد شهيد يكشف عن حال مشهوده. واما المحمديون فهم شهداء على الأمم ونبيهم شهيد عليهم لكونهم من الأمم ولكون نبيهم حبيبا مؤتى بجوامع الكلم متمما لمكارم الأخلاق فلا جرم يعرفون الله عند التحول فى جميع الصور إذا تابعوا نبيهم حق المتابعة ونبيهم يشهدهم ويعرف أحوالهم انتهى بعبارته جعلنا الله وإياكم من الكاملين الواصلين الى حق اليقين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ- روى- ان عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما وشرابا فدعا نفرا من أفاضل الصحابة رضى الله عنهم حين كانت الخمر مباحة فأكلوا وشربوا فلما ثملوا وجاء وقت صلاة المغرب قدموا أحدهم ليصلى بهم فقرأ قل يا ايها الكافرون اعبد ما تعبدون وأنتم عابدون ما اعبد الى آخرها بطرح اللاآت فنزلت فكانوا لا يشربون فى اوقات الصلاة فاذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون الا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون ثم نزل تحريمها وتوجيه النهى الى قربان الصلاة مع ان المراد هو النهى عن إقامتها للمبالغة فى ذلك. قال فى التيسير ثم النهى ليس عن عين الصلاة فانها عبادة فلا ينهى عنها بل هو نهى اكتساب السكر الذي يعجز به عن الصلاة على الوجه. قال الامام ابو منصور ﵀ وكذلك قول رسول الله ﷺ (لا صلاة للعبد الآبق ولا للمرأة الناشزة) ليس فيه النهى عن الصلاة لكن النهى عن الإباق والنشوز وهذا لان الإباق والنشوز والسكر ليست بالتي تعمل فى إسقاط الفرض فالمعنى لا تقيموها حالة السكر حتى تعلموا قبل الشروع ما تقولون إذ بتلك التجربة يظهر انهم يعلمون ما سيقرؤنه فى الصلاة والسكر اسم لحالة تعرض بين المرء وعقله واكثر ما يكون من الشراب وقد يكون من العشق والنوم والغضب والخوف لكنه حقيقة فى الاول فيحمل عليه هنا. والسكارى جمع سكران كالكسالى جمع كسلان واجمعوا على انه لا يجوز بيع السكران وشراؤه ويؤاخذ بالاستهلاكات والقتل والحدود وصح طلاقه وعتاقه عقوبة له عندنا خلافا للشافعى وَلا جُنُباً عطف على قوله وأنتم سكارى فانه فى حيز النصب كأنه قيل لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنبا. والجنب من أصابته الجنابة يستوى فيه المؤنث والمذكر والواحد والجمع لجريانه مجرى المصدر واصل الجنابة البعد والجنب مبعد عن القراءة والصلاة وموضعها إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ استثناء مفرغ من أعم الأحوال محله النصب على انه حال من ضمير لا تقربوا باعتبار تقيده بالحال الثانية دون الاولى والعامل فيه النهى اى لا تقربوا الصلاة جنبا فى حال من الأحوال الا حال كونكم مسافرين فتعذرون بالسفر فتصلون بالتيمم حَتَّى تَغْتَسِلُوا غاية للنهى عن قربان الصلاة حالة الجنابة. وفى الآية الكريمة اشارة الى ان المصلى حقه ان يتحرز عما يلهيه ويشغل قلبه وان يزكى نفسه عما يدنسها ولا يكتفى بأدنى مراتب التزكية عند إمكان أعاليها وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى جمع مريض. والمرض على ثلاثة اقسام. أحدها ان يكون بحيث لو استعمل الماء لمات كما فى الجدري الشديد والقروح العظيمة
стр. 665
وثانيها ان لا يموت باستعمال الماء ولكنه يجد الآلام العظيمة ويشتد مرضه او يمتد. وثالثها ان لا يخاف الموت ولا الآلام الشديدة لكنه يخاف بقاء شين او عيب فى البدن فالفقهاء جوزوا التيمم فى القسمين الأولين وما جوزوه فى القسم الثالث أَوْ عَلى سَفَرٍ عطف على مرضى اى او كنتم على سفر ما طال او قصر وإيراده مع سبق ذكره بطريق الاستثناء لبناء الحكم الشرعي عليه وبيان كيفيته وتعليق التيمم بالمرض والسفر مع أتم الحكم كذلك فى كل موضع تحقق العجز حتى قال ابو حنيفة يجوز التيمم للجنابة فى المصر إذا عدم الماء الحار لان العجز عن استعمال الماء يقع فيها غالبا أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ وهو المكان المنخفض المطمئن والمجيء منه كناية عن الحدث لان المعتاد ان من يريده يذهب اليه ليوارى شخصه عن أعين الناس أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ اى جامعتموهن يعنى إذا أصابكم المرض
او السفر او الحدث او الجنابة فَلَمْ تَجِدُوا ماءً اى لم تقدروا على استعماله لعدمه او لبعده او لفقد آلة الوصول اليه من الدلو والرشاء او المانع عنه من حية او سبع او عدو فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فاقصدوا شيأ من وجه الأرض طاهرا. قال الزجاج الصعيد وجه الأرض ترابا او غيره وان كان صخرا لا تراب عليه لو ضرب المتيمم يده عليه ومسح لكان ذلك طهوره وهو مذهب ابى حنيفة ﵀ فامسحوا بوجوهكم وايديكم الى المرفقين لما روى انه ﷺ تيمم ومسح يديه الى مرفقيه ولانه بدل من الوضوء فيتقدر بقدره والباء زائدة اى فامسحوا وجوهكم وايديكم منه اى من الصعيد إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً تعليل للترخيص والتيسير وتقرير لهما فان من عادته المستمرة ان يعفو عن الخطائين ويغفر للمذنبين لا بد من ان يكون ميسرا لا معسرا. والاشارة ان الصلاة معراج المؤمن وميقات مناجاته والمصلى هو الذي يناجى ربه يعنى يا مدعى الايمان لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى اى لا تجدوا القربة فى الصلاة وأنتم سكارى من الغفلات وتتبع الشهوات لان كل ما أوجب للقلب الذهول عن الله فهو ملتحق بالسكر ومن اجله جعل السكر على اقسام فسكر من الخمر وسكر من الغفلة لا ستيلاء حب الدنيا وأصعب السكر سكرك من نفسك فان من سكر من الخمر فقضاؤه الحرقة ومن سكر من نفسه ففى الوقت على الحقيقة له القطيعة والفرقة
اى أسير ننك نام خويشتن ... بسته خود را بدام خويشتن
ور نكنجى با خود اندر كوى او ... كم شو از خود تا بيابى كوى او
تا تو نزديك خودى زين حرف دور ... غائبى يابى اگر خواهى حصور
تا تو از غفلت چوباده مست شدى ... لا جرم از طور وصلت پست شدى
حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ولماذا تقولون كما تقولون الله اكبر لتكبيرة الإحرام عند رفع اليدين ومعناه الله أعظم وأجل من كل شىء فان كنت تعلم عند التقول به فينبغى ان لا يكون فى تلك الحالة فى قلبك عظمة شىء آخر وامارة ذلك ان لا تجد ذكر شىء فى قلبك مع ذكره تعالى ولا محبة شىء مع محبته ولا طلب شىء مع طلبه فانه ﵎ واحد لا يقبل الشركة فى جميع صفاته والا كنت كاذبا فى قولك الله اكبر بالنسبة الى حالك وكنت كالسكران لا تجد القربة من صلاتك لان القربة مشروطة بشرط السجود كما خوطب به وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ والسجود ان تنزل من مركب
стр. 666
أوصاف وجودك لتحمل على رفرف جوده الى قاب قوسين أوصاف وجوده لشهود جماله وجلاله وهذا هو سر التشهد بعد السجود ثم قال وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ يعنى كما لا تجدون القربة وأنتم سكارى من الغفلات ايضا لا تجدونها مع جنابة استحقاق البعد وهى ملابسة الدنيا الدنية الا على طريق العبور بقدم ظاهر الشرع فى سبيل الأوامر والنواهي كعبور طريق الاعتداد بالمطعم والمشرب لسد الرمق وحفظ القوة والاكتساء لدفع الحر والبرد وستر العورة والمباشرة لحفظ النسل حَتَّى تَغْتَسِلُوا بماء القربة والانابة وصدق الطلب وحسن الارادة وخلوص النية من جنابة ملابسة الدنيا وشهواتها وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى بانحراف مزاج القلب فى طلب الحق أَوْ عَلى سَفَرٍ التردد بين طلب الدنيا وطلب العقبى والمولى أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ من غائط تتبع الهوى أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ اى لابستم الاشغال الدنيوية فاجنبتم وتباعدتم عن الله بعد ما كنتم مجاورى حظائر القدس ووقعتم فى رياض الانس فَلَمْ تَجِدُوا ماءً صدق الانابة والرجوع الى الحق بالاعراض والانقطاع عن الخلق فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً وهو تراب أقدام الرجال الطيبين من سوء الأخلاق والأعمال فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ تراب أقدامهم وتمسكوا وَأَيْدِيكُمْ أذيال كرمهم مستسلمين بصدق الارادة لاحكامهم إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا يعفو عنكم التعصب وعدم الانقطاع اليه بالكلية ولعله يعفو عنكم التلوث بالدنيا الدنية بهذه الخصلة مرضية غَفُوراً لكم آثار الشقوة من غبار الشهوة فانهم يسعد بهم لانهم قوم لا يشقى بهم جليسهم
كليد كنج سعادت قبول اهل دلست ... مباد كس كه درين نكته شك وريب كند
شبان وادئ ايمن كهى رسد بمراد ... كه چند سال بجان خدمت شعيب كند
أَلَمْ تَرَ الخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية من المؤمنين والرؤية بصرية لشهرة شنائع الموصوفين حتى انتظمت فى سلك الأمور المشاهدة إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً حظا كائنا مِنَ الْكِتابِ من علم الكتاب وهو التوراة والمراد بهم أحبار اليهود اى ألم تنظر إليهم فانهم أحقاء بان تشاهدهم وتتعجب من أحوالهم. نزلت فى حبرين من أحبار اليهود كانا يأتيان رئيس المنافقين عبد الله بن ابى ورهطه يثبطانهم عن الإسلام يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ كأنه قيل ماذا يصنعون حتى ينظر إليهم فقيل يأخذون الضلالة ويتركون ما أوتوه من الهداية وَيُرِيدُونَ اى لا يكتفون بضلالة أنفسهم بل يريدون بما فعلوا من كتمان نعوته ﷺ أَنْ تَضِلُّوا أنتم ايضا ايها المؤمنون السَّبِيلَ المستقيم الموصل الى الحق وانما أرادوا ذلك ليكون الناس كلهم على دينهم فتكون لهم الرياسة على الكل وأخذ المرافق من الكل وَاللَّهُ أَعْلَمُ اى منكم بِأَعْدائِكُمْ جميعا ومن جملتهم هؤلاء وقد أخبركم بعداوتهم لكم وما يريدون لكم لتكونوا على حذر منهم ومن مخالطتهم او هو اعلم بحالهم ومآل أمرهم وَكَفى بِاللَّهِ الباء مزيدة وَلِيًّا متكفلا فى جميع أموركم ومصالحكم او محبا لكم وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً فى كل المواطن فثقوا به واكتفوا بولايته ونصرته ولا تتولوا غيره او لا تبالوا بهم وبما يسومونكم من السوء فانه تعالى معين يكفيكم مكرهم وشرهم ففيه وعد
стр. 667
ووعيد. والاشارة ان من رزق شيأ من علم الكتاب ظاهرا ولم يرزق أسراره وحقائقه وهم علماء السوء المداهنون فى دين الله حرصا على الدنيا وطمعا فى المال والجاه وحبا للرياسة والقبول يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وهى المداهنة واتباع الهوى فيبيعون الدين بالدنيا وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ يا معشر العلماء الأتقياء وورثة الأنبياء وطلاب الحق من بين الخلق عن سبيل الحق بما يحسدونكم وينكرون عليكم ويلومونكم ويؤذونكم بطريق النصح واظهار المحبة وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ فلا تقبلوا نصيحتهم فيما يقطعون عليكم طريق الحق ويردونكم عنه ويصدونكم عن الله بالتحريض على طلب غير الله ورعاية حق غير الله وأطيعوا امر الله تعالى فيما أمركم به.
واعلم انك لا ترى حالا أسوأ ولا أقبح ممن جمع بين هذين الامرين اعنى الضلال والإضلال واكثر ما يكونان فى العلماء يطمعون فيما فى أيدي الخلق فيداهنون فيضلون فسبب زوال المداهنة قطع الطمع- روى- عن بعض المشايخ انه كان له سنور وكان يأخذ من قصاب فى جواره كل يوم شيأ من الغدد لسنوره فرأى على القصاب منكرا فدخل واخرج السنور او لاثم جاء واحتسب على القصاب فقال له القصاب لا أعطيك بعد اليوم لسنورك شيأ فقال ما احتسب عليك الا بعد إخراج السنور وقطع الطمع منك فهو كما قال فمن طمع فى ان تكون قلوب الناس عليه طيبة لم يتيسر له الحسبة. فعلى العاقل ان يزكى نفسه عن الأخلاق الرديئة ويطهرها من الخصال الذميمة
چون طهارت نبود كعبه وبتخانه يكيست ... نبود خير در آن خانه كه عصمت نبود
مِنَ الَّذِينَ هادُوا خبر مبتدأ محذوف اى من الذين هادوا قوم يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ الكلم اسم جنس ولذا ذكر الضمير فى مواضع وجمع المواضع لتكرره فى التوراة فى مواضع بحسب الجنس اى يزيلون لانهم لما غيروه ووضعوا مكانه غيره فقد أزالوه عن مواضعه التي وضعه الله فيها وأمالوه عنها. والتحريف نوعان. أحدهما صرف الكلام الى غير المراد بضرب من التأويل الباطل كما يفعل اهل البدعة فى زماننا هذا بالآيات المخالفة لمذاهبهم. والثاني تبديل الكلمة بأخرى وكانوا يفعلون ذلك نحو تحريفهم فى نعت النبي ﷺ أسمر ربعة عن موضعه فى التوراة بوضعهم آدم طوال مكانه ونحو تحريفهم الرجم بوضعهم الحد بدله وَيَقُولُونَ فى كل امر مخالف لاهوائهم الفاسدة سواء كان بمحضر النبي ﵇ أم لا بلسان المقال والحال سَمِعْنا قولك وَعَصَيْنا أمرك عنادا وتحقيقا للمخالفة وَاسْمَعْ اى قولنا غَيْرَ مُسْمَعٍ حال من المخاطب وهو كلام ذو وجهين. أحدهما المدح بان يحمل على معنى اسمع غير مسمع مكروها. والثاني الذم بان يحمل على معنى اسمع حال كونك غير مسمع كلاما أصلا بصمم او موت اى مدعوا عليك بلا سمعت لانه لو أجيبت دعوتهم عليه لم يسمع فكان أصم غير مسمع فكأنهم قالوا ذلك تمنيا لاجابة دعوتهم عليه كانوا يخاطبون به النبي ﵇ مظهرين له ارادة المعنى الاول وهم مضمرون فى أنفسهم المعنى الأخير مطمئنون به وَراعِنا كلمة ذات جهتين ايضا. محتملة للخير بحملها على معنى ارقبنا وانتظرنا واصرف سمعك الى كلامنا نكلمك. وللشر بحملها على السب بالرعونة اى الحمق
стр. 668
او باجرائها مجرى شبهها من كلمة عبرانية او سريانية كانوا يتسابون بها وهى راعنا كانوا يخاطبون به النبي ﷺ ينوون الشتيمة والاهانة ويظهرون التوقير والاحترام. فان قلت كيف جاؤا بالقول المحتمل ذى الوجهين بعد ما صرحوا وقالوا سمعنا وعصينا. قلت جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان ولا يواجهونه بالسب ودعاء السوء حشمة منه ﵇ وخوفا من بطش المؤمنين لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ انتصابه على العلية اى يقولون ذلك للفتل بها ولصرف الكلام عن نهجه الى نسبة السب حيث وضعوا غير مسمع موضع لا استمعت مكروها واجروا راعنا المشابهة لراعينا مجرى انظرنا او فتلابها وضما لما يظهرون من الدعاء والتوقير الى ما يضمرون من السب والتحقير وَطَعْناً فِي الدِّينِ اى قدحا فيه بالاستهزاء والسخرية وَلَوْ أَنَّهُمْ عند ما سمعوا شيأ من أوامر الله ونواهيه قالُوا بلسان المقال او بلسان الحال مكان قولهم سمعنا وعصينا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وبدل قولهم واسمع غير مسمع وَاسْمَعْ ولا يلحقون به غير مسمع وبدل قولهم راعنا وَانْظُرْنا ولم يدسوا تحت كلامهم شرا وفسادا اى لو ثبت انهم قالوا هذا مكان ما قالوا من الأقوال لَكانَ قولهم ذلك خَيْراً لَهُمْ مما قالوا وَأَقْوَمَ اى اعدل واسد فى نفسه وأصوب من القيم اى المستقيم قالوا لما لم يكن فى الذي اختاروه خير أصلا لم جعل هذا خيرا من ذلك وجوابه انه كذلك على زعمهم فخوطبوا على ذلك وهو كقوله آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ اى ولكن قالوا ذلك واستمروا على كفرهم فخذلهم الله وابعدهم عن الهدى بسبب كفرهم ذلك فَلا يُؤْمِنُونَ بعد ذلك إِلَّا قَلِيلًا استثناء من ضمير المفعول فى لعنهم اى ولكن لعنهم الله الا فريقا قليلا فانه تعالى لم يلعنهم فلم ينسد عليه باب الايمان وقد آمن بعد ذلك
فريق من الأحبار كعبد الله بن سلام وكعب واضرابهما وهو استثناء من ضمير لا يؤمنون اى لا يؤمنون الا ايمانا قليلا وهو ايمانهم بموسى وكفرهم بمحمد ﵉. والاشارة ان العلماء السوء من هذه الامة يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ بالفعال لا بالمقال كما كان اهل الكتاب يحرفونه بالمقال وَيَقُولُونَ سَمِعْنا بالمقال فيما امر الله به من ترك الدنيا وزينتها واتباع الهوى ومن إيثار الآخرة على الاولى والانقطاع عن الخلق فى طلب المولى وَعَصَيْنا بالفعال إذ لا يشمون روائح هذه المعاملات ولا يدورون حول هذه المقامات وينكرون على اهل هذه الكرامات ويستهزؤن بانواع المقالات فلا يؤمنون بالقلوب السليمة الا قليلا منهم بان يكفروا بهوى نفوسهم ويؤمنوا بالايمان الحقيقي الذي هو من نتائج الارادة والصدق فى طلب الحق والإخلاص فى العمل لله وترك الدنيا وزخارفها بل بذل الوجود فى طلب المعبود: قال العطار قدس سره
مشو مغرور اين نطق مزور ... بنادانى مكن خود را تو سرور
اگر علم همه عالم بخوانى ... چوبي عشقى ازو حروفى ندانى
قال رسول الله ﷺ (من تعلم علما لا يبتغى به وجه الله تعالى لا يتعلمه الا ليصيب به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة) اى ريحها. قال الشيخ الشاذلى العلم النافع هو الذي يستعان به على طاعة الله ويلزمك المخافة من الله والوقوف على حدود الله وهو علم المعرفة
стр. 669
بالله. قال الشيخ ابو الحسن رضى الله عنه العلوم كالدنانير والدراهم ان شاء نفعك بها وان شاء اضرك معها والعلم ان قارنته الخشية فلك اجره وثوابه وحصول النفع به والا فعليك وزره وعقابه وقيام الحجة به وعلامة خشية الله ترك الدنيا والخلق ومحاربة النفس والشيطان: قال الشيخ السعدي قدس سره
دعوى كنى كه بر ترم از ديكران بعلم ... چون كبر كردى از همه دونان فرو ترى
شاخ درخت علم ندانم بجز عمل ... تا علم با عمل نكنى شاخ بي برى
علم آدميتست وجوانمردى وادب ... ور نه بدى بصورت انسان برابرى
ترك هواست كشتئ درياى معرفت ... عارف بذات شو نه بدين قلندرى
هر علم را كه كار نه بندى چهـ فائده ... چشم از براى آن بود آخر كه بنگرى
يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ اى التوراة آمِنُوا بِما نَزَّلْنا من القرآن حال كونه مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ من التوراة ومعنى تصديقه إياها نزوله حسبما نعت لهم فيها او كونه موافقا لها فى القصص والمواعيد والدعوة الى التوحيد والعدل بين الناس والنهى عن المعاصي والفواحش واما ما يتراءى من مخالفته لها فى جزئيات الاحكام بسبب تفاوت الأمم بالاعصار فليست بمخالفة فى الحقيقة بل هى عين الموافقة من حيث ان كلامنهما حق بالاضافة الى عصره متضمن للحكمة التي عليها يدور فلك التشريع حتى لو تأخر نزول المتقدم لنزل على وفق المتأخر ولو تقدم نزول المتأخر لوافق المتقدم قطعا ولذلك قال ﷺ (لو كان موسى حيا لما وسعه الا اتباعى) مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً الطمس محو الآثار وازالة الاعلام اى آمنوا من قبل ان نمحو تخطيط صورها ونزيل آثارها من عين وحاجب وانف وفم فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها فنجعلنا على هيئة إدبارها وهى الاقفاء مطموسة مثلها وهذا معنى قول ابن عباس رضى الله عنهما نجعلها كخف البعير وحافر الدابة فتكون الفاء للتسبيب اى بان نردها على أدبارها او ننكسها بعد الطمس فنردها الى موضع الاقفاء والاقفاء الى موضعها على انهم توعدوا بعقابين أحدهما عقيب الآخر طمسها ثم ردها على أدبارها أَوْ نَلْعَنَهُمْ او نخزى اصحاب الوجوه بالمسخ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ مسخناهم قردة وخنازير ووقوع الوعيد مشروط بالايمان ومعلق به وجودا وعدما بمعنى ان وجد منهم الايمان لم يقع والا وقع وقد وجد الايمان منهم حيث آمن ناس منهم فلم يقع الوعيد وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ اى عذابه مَفْعُولًا كائنا لا محالة وهذا وعيد شديد لهم يعنى أنتم تعلمون انه كان تهديد الله فى الأمم السالفة واقعا لا محالة فكونوا على حذر من هذا الوعيد وارجعوا عن الكفر الى الايمان والإقرار بالتوبة والاستغفار. اعلم ان المسخ قد وقع فى هذه الامة ايضا.
ومنه ما روى عن ابى علقمة انه قال كنت فى قافلة عظيمة فامرنا رجلا نرتحل بامره وننزل بامره فنزلنا منزلا وهو يشتم أبا بكر وعمر فقلنا له فى ذلك فلم يجب إلينا بشىء فلما أصبحنا واوقرنا وأصلحنا الراحلة لم يناد مناديه فجئناه ننظر ما حاله وما يصنع فاذا هو متربع وقد غطى رجليه بكساء له فكشفنا عنهما فاذا هو قد صار رجلاه كرجلى الخنازير فهيأنا راحلته وحملناه
стр. 670
إليها فوثب من راحلته وقام برجليه وصاح ثلاث مرات صيحة الخنازير واختلط بالخنازير وصار خنزيرا حتى لا يعرفه منا أحد كذا فى روضة العلماء- وروى- ان واحدا من رواة الأحاديث تحول رأسه رأس حمار لانكار وقوع مضمون حديث صحيح ورد فى حق المقتدى بالإمام الرافع رأسه قبله او واضعه وحاصل الحديث ان من رفع رأسه قبل الامام او وضعه كيف لا يخاف من ان يصير رأسه رأس حمار فوقع فيما وقع وهذا هو مسخ الصورة ومسخ المعنى أشد وأصعب منه فان أعمى الصورة مثلا يمكن ان يكون فى الآخرة بصيرا ولكن من كان فى هذه أعمى يعنى بالقلب فهو فى الآخرة أعمى وأضل سبيلا وفضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة. فعلى السالك ان يجتهد حتى لا يرد وجهه الناطق الى الله تعالى على الدنيا واتباع الهوى ولا يمسخ صفاته الانسانية بالسبعية والشيطانية: قال الشيخ السعدي
با تو ترسم نشود شاهد روحانى دوست ... كالتماس تو بجز عالم جسمانى نيست
سعى كن تا ز مقام حيوان در كذرى ... كاهنست آينه مادامكه نورانى نيست
خفتكانرا چهـ خبر زمزمه مرغ سحر ... حيوانرا خبر از عالم انسانى نيست
قال الامام فى تفسير الآية وتحقيق القول فيها ان الإنسان فى مبدأ خلقته الف هذا العالم المحسوس ثم انه عند الفكر والعبودية كأنه يسافر من عالم المحسوسات الى عالم المعقولات فقدامه عالم المعقولات ووراء عالم المحسوسات فالمخذول هو الذي يرد من قدامه الى خلفه كما قال تعالى فى وصفهم ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ انتهى فنعوذ بالله من الحور بعد الكور ومن الشر بعد الخير.
عن عبد الله بن احمد المؤذن قال كنت أطوف حول البيت وإذا انا برجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول اللهم أخرجني من الدنيا مسلما لا يزيد على ذلك شيأ فقلت له لم لا تزيد على هذا الدعاء فقال لو علمت قصتى كنت تعذرنى فقلت وما قصتك قال كان لى اخوان وكان الأكبر منهما مؤذنا اذن أربعين سنة احتسابا فلما حضره الموت دعا بالمصحف فظننا ان يتبرك به فاخذه بيده واشهد على نفسه من حضرانه بريئ مما فيه ثم تحول الى دين النصرانية فمات نصرانيا فلما دفن اذن الآخر ثلاثين سنة فلما حضره الموت فعل كما فعل الآخر فمات على النصرانية وانى أخاف على نفسى ان أصير مثلهما فادعو الله تعالى ان يحفظ على دينى فقلت ما كان ديدنهما فقال كانا يتتبعان عورات النساء وينظران الى المردان فهذا من آثار الرد واللعن والمسخ فنسأل الله تعالى ان يوفقنا لتزكية النفس وإصلاحها ويختم عاقبتنا بالخير
خدايا بحب بنى فاطمه ... كه بر قول ايمان كنم خاتمه
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ اى لا يغفر الكفر ممن اتصف به بلا توبة وايمان لان الحكمة التشريعة مقتضية لسد باب الكفر وجواز مغفرته بلا ايمان مما يؤدى الى فتحه ولان ظلمات الكفر والمعاصي انما يسترها نور الايمان فمن لم يكن له ايمان لم يغفر له شىء من الكفر والمعاصي وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ اى ويغفر ما دون الشرك فى القبح من المعاصي صغيرة كانت او كبيرة تفضلا من لدنه وإحسانا من غير توبة عنها لكن لا لكل أحد بل لِمَنْ يَشاءُ ان يغفر له ممن اتصف به فقط اى لا بما فوقه. قال شيخنا السيد الثاني سمى جامع القرآن وهم المؤمنون