← Тафсир

Тафсир · id 23612

روح البيان

إسماعيل حقي

Полный текст (5 110 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

الملائكة ليحصل لهم بركته لانه كلمة الله وروحه كما حصل للملائكة بركة صحبة آدم ابى البشر من تعلم الأسماء والعلم وان مثل عيسى عند الله كمثل آدم كما ذكر فى الآية. وقيل رفع الى السماء لما لم يكن دخوله الى الوجود الدنيوي من باب الشهوة وخروجه لم يكن من باب المنية بل دخل من باب القدرة وخرج من باب العزة وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً لا يغالب فيما يريده فعزة الله تعالى عبارة عن كان قدرته فان رفع عيسى ﵇ الى السموات وان كان معتذرا بالنسبة الى قدرة البشر لكنه سهل بالنسبة الى قدرة الله تعالى لا يغلبه عليه أحد حَكِيماً فى جميع أفعاله فيدخل فيها تدبير انه تعالى فى امر عيسى ﵇ دخولا أوليا ولما رفع الله عيسى ﵇ كساه الريش والبسه النور وقطعه عن شهوات المطعم والمشرب وطارمع الملائكة فهو معهم حول العرش فكان إنسيا ملكيا سماويا ارضيا. قال وهب بن منبه بعث عيسى على رأس ثلاثين سنة ورفعه الله وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وكانت نبوته ثلاث سنين. فان قيل لم لم يرد الله تعالى عيسى الى الدنيا بعد رفعه الى السماء. قيل اخر رده ليكون علما للساعة وخاتما للولاية العامة لانه ليس بعده ولى يختم الله به الدورة المحمدية تشريفا لها بختم نبى مرسل يكون على شريعة محمدية يؤمن بها اليهود والنصارى ويجدد الله تعالى به عهد النبوة على الامة ويخدمه المهدى واصحاب الكهف ويتزوج ويولد له ويكون فى امة محمد ﵇ وخاتم أوليائه ووارثيه من جهة الولاية. واجمع السيوطي فى تفسير الدر المنثور فى سورة الكهف عن ابن شاهين اربعة من الأنبياء احياء اثنان فى السماء عيسى وإدريس واثنان فى الأرض الخضر والياس فاما الخضر فانه فى البحر واما صاحبه فانه فى البر. قال الامام السخاوي ﵀ حديث (أخي الخضر لو كان حيا لزارنى) من كلام بعض السلف ممن أنكر حياة الخضر. واعلم ان الأرواح المهيمة التي من العقل الاول كلها صف واحد حصل من الله ليس بعضها بواسطة بعض وان كانت الصفوف الباقية من الأرواح بواسطة العقل الاول كما أشار ﷺ (انا ابو الأرواح وانا من نور الله والمؤمنون فيض نورى) فاقرب الأرواح فى الصف الاول الى الروح الاول والعقل الاول روح عيسوى لهذا السر شاركه بالمعراج الجسماني الى السماء وقرب عهده بعهده فالروح العيسوى مظهر الاسم الأعظم وفائض من الخضرة الالهية فى مقام الجمع بلا واسطة اسم من الأسماء وروح من الأرواح فهو مظهر الاسم الجامع الإلهي وراثة اولية ونبينا ﵇ أصالة كذا فى شرح الفصوص. ثم اعلم ان قوما قالوا على مريم فرموها بالزنى وآخرين جاوزوا الحد فى تعظيمها فقالوا ابنها ابن الله وكلتا الطائفتين وقعتا فى الضلال. ويقال مريم كانت ولية الله فشقى بها فرقتان اهل الافراط واهل التفريط وكذلك كل ولى له تعالى فمنكرهم شقىّ بترك احترامهم وطلب اذيتهم والذين يعتقدون فيهم ما لا يستوجبون يشقون بالزيادة فى إعظامهم وعلى هذه الجملة درج الأكثرون من الأكابر كذا فى التأويلات النجمية: وفى المثنوى نازنينى تو ولى در حد خويش ... الله الله پامنه در حد پيش «١» جمله عالم زين سبب گمراه شد ... كم كسى ز ابدال حق آگاه شد «٢» دير بايد تا كى سر آدمي ... آشكارا گردد از پيش وكمى «٣»

стр. 772

زير ديوار بدن گنجست يا ... خانه مارست ومور واژدها وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ اى ما من اليهود والنصارى أحد إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ اى بعيسى قَبْلَ مَوْتِهِ اى قبل موت ذلك الأحد من اهل الكتاب يعنى إذا عاين اليهودي امر الآخرة وحضرته الوفاة ضربت الملائكة وجهه ودبره وقالت أتاك عيسى ﵇ نبيا فكذبت به فيؤمن حين لا ينفعه إيمانه لانقطاع وقت التكليف وتقول للنصرانى أتاك عيسى ﵇ عبد الله ورسوله فزعمت انه هو الله وابن الله فيؤمن بانه عبد الله حين لا ينفعه إيمانه قالوا لا يموت يهودى ولا صاحب كتاب حتى يؤمن بعيسى وان احترق او غرق او تردى او سقطه عليه جدار او أكله سبع او أي ميتة كانت حتى قيل لابن عباس رضى الله عنهما لو خر من بيته قال يتكلم به فى الهواء قيل أرأيت لو ضرب عنق أحدهم قال يتلجلج به لسانه وهذا كالوعيد لهم والتحريض على معاجلة الايمان به قبل ان يضطروا اليه ولم ينفعهم ايمانهم. وقيل الضميران لعيسى والمعنى وما من اهل الكتاب الموجودين عند نزول عيسى من السماء أحد الا ليؤمنن به قبل موته- روى- عن النبي ﵇ انه قال (انا اولى الناس بعيسى لانه لم يكن بينى وبينه نبى ويوشك انه ينزل فيكم حكما عدلا فاذا رأيتموه فاعرفوه فانه رجل مربوع الخلق الى الحمرة والبياض وكان رأسه يقطر وان لم نصبه بلل فيقتل الخنزير ويريق الخمر ويكسر الصليب ويذهب الصخرة ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله فى زمانه الملل كلها غير ملة الإسلام وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين ويهلك الله فى زمانه مسيح الضلالة الكذاب الدجال حتى لا يبقى أحد من اهل الكتاب وقت نزوله الا يؤمن به وتقع الامنة فى زمانه حتى ترتع الإبل مع الأسود والبقر مع النمور والغنم مع الذئاب وتلعب الصبيان بالحيات لا يؤذى بعضهم بعضا ثم يلبث فى الأرض أربعين سنة ثم يموت ويصلى عليه المسلمون ويدفنونه) وفى الحديث (ان المسيح جاىء فمن لقيه فليقرئه منى السلام) وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ اى عيسى ﵇ عَلَيْهِمْ اى على اهل الكتاب شَهِيداً فيشهد على اليهود بالتكذيب وعلى النصارى بانهم دعوه ابن الله فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا اى بسبب ظلم عظيم خارج عن حدود الأشباه والاشكال صادر عن اليهود حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ولمن قبلهم لا لشىء غيره كما زعموا فانهم كانوا كلما ارتكبوا معصية من المعاصي التي اقترفوها حرم عليهم نوع من الطيبات التي كانت محللة لهم ولمن تقدمهم من أسلافهم عقوبة لهم كلحوم الإبل وألبانها والشحوم وفى التأويلات النجمية نكتة قال لهم حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ وقال لنا وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وقال كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً فلم يحرم علينا شيأ بذنوبنا وكما آمنا من تحريم الطيبات فى هذه الآية نرجو ان نؤمننا فى الآخرة من العذاب الأليم لانه جمع بينها فى الذكر فى هذه الآية. وقال اهل الاشارة ارتكاب المحظورات يوجب تحريم المباحات وانا أقول الإسراف فى ارتكاب المباحات يوجب حرمان المناجاة انتهى كلام التأويلات: قال السعدي مرو در پى هر چهـ دل خواهدت ... كه تمكين تن نور جان كاهدت

стр. 773

وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ اى بسبب منعهم عن دين الله وهو الإسلام ناسا كَثِيراً او صدا كثيرا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ اى والحال انهم قد نُهُوا عَنْهُ فان الربا كان محرما عليهم كما هو محرم علينا. وفيه دليل على ان النهى يدل على حرمة المنهي عنه وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة وَأَعْتَدْنا اى خلقنا وهيأنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ اى للمصرين على الكفر لا لمن تاب وآمن من بينهم عَذاباً أَلِيماً وجيعا يخلص وجعه الى قلوبهم سيذوقونه فى الآخرة كما ذاقوا فى الدنيا عقوبة التحريم لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ اى التائبون من اهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه وسماهم راسخين فى العلم لثباتهم فى العلم وتجردهم فيه لا يضطربون ولا تميل بهم الشبه بمنزلة الشجرة الراسخة بعروقها فى الأرض وَالْمُؤْمِنُونَ اى من غير اهل الكتاب من المهاجرين والأنصار يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ خبر المبتدأ وهو الراسخون وما عطف عليه. قال فى التأويلات النجمية كان عبد الله بن سلام عالما بالتوراة وقد قرأ فيها صفة النبي ﵇ فلما كان راسخا فى العلم اتصل علم قراءته بعلم المعرفة فقال لما رأيت وجه رسول الله ﷺ عرفت انه ليس بوجه كذاب فآمن به ولما لم يكن للاحبار رسوخ فى العلم وان قرأوا صفة النبي ﵇ فى التوراة فلما رأوا النبي ﵇ ما عرفوه فكفروا به انتهى ونعم ما قيل فى حق الشرفاء جعلوا لا بناء الرسول علامة ... ان العلامة شان من لم يشهر نور النبوة فى كريم وجوههم ... يغنى الشريف عن الطراز الاخطر خضر وَاعنى الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ فنصبه على المدح لبيان فضل الصلاة وَهم الْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ فرفعه على المدح ايضا وكذا رفع قوله تعالى وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قدم عليه الايمان بالأنبياء والكتب وما يصدقه من اتباع الشرائع لانه المقصود بالآية أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً اى ثوابا وافرا فى الجنة على جمعهم بين الايمان والعمل الصالح وهو ما أريد به وجه الله تعالى. ومن أفاضل الأعمال الصلوات الخمس وإقامتها وفى الحديث (من حافظ منكم على الصلوات الخمس حيث كان واين ما كان جاز الصراط يوم القيامة كالبرق اللامع فى أول زمرة السابقين وجاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر وكان له كل يوم وليلة حافظ عليهن اجر شهيد) وسر هذا الحديث مفهوم من لفظ الصلاة ووجه تسميتها بها لان اشتقاقها من الصلى وهو النار والخشبة المعوجة إذا أرادوا تقويمها يعرضونها على النار فتقوم وفى العبد اعوجاج لوجود نفسه الامارة فيه وسبحات وجه الله الكريم حارة بحيث لو كشف حجابها لا حرقت تلك السبحات من أدركته ومن انتهى اليه البصر كما ورد فى الحديث فبدخول المصلى فى الصلاة يستقبل تلك السبحات فيصيب المصلى من وهج السطوة الالهية والعظمة الربانية ما يزول به اعوجاجه بل يتحقق به معراجه فالمصلى كالمصطلى بالنار ومن اصطلى بها زال بها اعوجاجه فلا يعرض على نار جهنم إلا تحلة القسم وبذلك المقدار من المرور يذهب اثر دونه ولا يبقى له احتياج الى المكث على

стр. 774

الصراط فيمر كالبرق اللامع وقال رسول الله ﷺ فى حجة الوداع (ان اولياء الله المصلون ومن يقيم الصلوات الخمس التي كتبهن الله عليه ويصوم رمضان ويحتسب صومه ويؤتى الزكاة محتسبا طيبة بها نفسه ويجتنب الكبائر التي نهى الله عنها) فقال رجل من أصحابه يا رسول الله وكم الكبائر قال (تسع أعظمهن الإشراك بالله وقتل المؤمن بغير حق والفرار من الزحف وقذف المحصنة والسحر وأكل الربا وأكل مال اليتيم وعقوق الوالدين المسلمين واستحلال البيت العتيق الحرام قبلتكم احياء وأمواتا لا يموت رجل لم يعمل هؤلاء الكبائر ويقيم الصلاة ويؤتى الزكاة الا رافق محمدا فى بحبوبة جنة ابوابها مصاريع الذهب) . واعلم ان الراسخين فى العلم هم الذين رسخوا بقدمي العمل والعلم الى ان بلغوا معادن العلوم فاتصلت علومهم الكسبية بالعلوم العطائية اللدنية وفى الحديث (طلعت ليلة المعراج على النار فرأيت اكثر أهلها الفقراء) قالوا يا رسول الله من المال قال (لا من العلم) وفى الحديث (العلم امام العمل والعمل تابعه) . قال حجة الإسلام الغزالي ﵀ فى منهاج العابدين ولقد صرت من علماء امة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الراسخين فى العلم ان أنت عملت بعلمك وأقبلت على عمارة معادك وكنت عبدا عالما عاملا لله تعالى على بصيرة غير جاهل ولا مقلد غير غافل فلك الشرف العظيم ولعلمك القيمة الكثيرة والثواب الجزيل وبناء امر العبادة كله على العلم سيما علم التوحيد وعلم السر فلقد روى ان الله تعالى اوحى الى داود ﵇ فقال [يا داود تعلم العلم النافع] قال الهى وما العلم النافع قال [ان تعرف جلالى وعظمتى وكبريائى وكمال قدرتى على كل شىء فان هذا الذي يقربك الى] وعن على رضى الله عنه ما يسرنى ان لومت طفلا فادخلت الجنة ولم اكبر فاعرف ربى فان اعلم الناس بالله أشدهم خشية وأكثرهم عبادة وأحسنهم فى الله نصيحة إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ جواب لاهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله ﷺ ان ينزل عليهم كتابا من السماء واحتجاج عليهم بانه ليس بدعا من الرسل وانما شأنه فى حقيقة الإرسال واصل الوحى كشأن سائر مشاهير الأنبياء الذين لا ريب لاحدهم فى نبوتهم والوحى والإيحاء كالاعلام فى خفاء وسرعة اى أنزلنا جبرائيل عليك يا محمد بهذا القرآن كَما أَوْحَيْنا اى ايحاء مثل ايحائنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ بدأ بذكر نوح لانه ابو البشر وأول نبى عذبت أمته لردهم دعوته وقد أهلك الله بدعائه اهل الأرض قيل ان نوحا ﵇ عمر الف سنة لم ينقص له سن ولا قوة ولم يشب له شعر ولم يبالغ أحد من أنبياء فى الدعوة ما بالغ ولم يصبر على أذى قومه ما صبر وكان يدعو قومه ليلا ونهارا وسرا وجهارا وكان يضرب من قومه حتى يغمى عليه فاذا أفاق عاد وبلغ وقيل هو أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة بعد محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ عطف على أوحينا الى نوح داخل معه فى حكم التشبيه اى كما أوحينا الى ابراهيم وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وهم أولاد يعقوب ﵇ وهم اثنا عشر رجلا وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ خصهم بالذكر مع اشتمال النبيين عليهم تشريفا لهم وإظهارا لفضلهم فان ابراهيم أول اولى العزم منهم وعيسى آخرهم والباقين اشراف الأنبياء ومشاهيرهم

стр. 775

وقدم ذكر عيسى على من بعده لان الواو للجمع دون الترتيب فتقدم ذكره فى الآية لا يوجب تقديمه فى الخلق والإرسال والفائدة فى تقديمه فى الذكر رد على اليهود لغلوهم فى الطعن فيه وفى نسبه فقدمه الله فى الذكر لان ذلك ابلغ فى كتب اليهود فى تبرئته مما رمى به ونسب اليه وَآتَيْنا اى كما آتينا داوُدَ زَبُوراً فالجملة عطف على أوحينا داخلة فى حكمه لان إيتاء الزبور من باب الإيحاء. والزبور هو الكتاب مأخوذ من الزبر وهو الكتابة. قال القرطبي كان فيه مائة وخمسون سورة ليس فيها حكم من الاحكام وانما هى حكم ومواعظ وتحميد وتمجيد وثناء على الله وكان داود يبرز الى البرية ويقرأ الزبور فيقوم معه علماء بنى إسرائيل خلفه ويقوم الناس خلف العلماء ويقوم الجن خلف الناس وتجيئ الدواب التي فى الجبال إذا سمعت صوت داود فيقمن بين يديه تعجبا لما يسمعن من صوته ويجيئ الطير حتى يظللن على داود فى خلائق لا يحصيهن الا الله يرفرفن على رأسه وتجيئ السباع حتى تحيط بالدواب والوحش لما يسمعن فلما قارف الذنب وهو تزوج امرأة أوريا من غير انتظار الوحى بجبرائيل ولم يروا ذلك فقيل ذلك انس الطاعة وهذه وحشة المعصية وعن ابى موسى الأشعري قال قال لى رسول الله (لو رأيتنى البارحة وانا استمع لقراءتك لقد أعطيت مزمارا من مزامير آل داود) قال فقلت اما والله يا رسول الله لو علمت انك تسمع لحبرته تحبيرا. وعن ابى عثمان قال ما سمعت قط بربطا ولا مزمارا ولا عودا احسن من صوت ابى موسى وكان يؤمنا فى صلاة الغداة فنودّ انه يقرأ سورة البقرة من حسن صوته: قال السعدي قدس سره به از روى زيباست آواز خوش ... كه آن حظ نفس است واين قوت روح وعند هبوب الناشرات على الحمى ... تميل غصون البان لا الحجر الصلد وَرُسُلًا نصب بمضمر يدل عليه أوحينا معطوف عليه داخل معه فى حكم التشبيه كما قيل اى وكما أرسلنا رسلا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ اى سميناهم لك مِنْ قَبْلُ متعلق بقصصنا اى من قبل هذه السورة او اليوم وعرفناك قصتهم فعرفتهم وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ اى لم نسمهم لك والرسل هم الذين اوحى إليهم بجبريل والأنبياء هم الذين لم يوح إليهم بجبريل وانما اوحى إليهم بملك آخر أو برؤيا فى المنام او بشىء آخر من الإلهام. وعن ابى ذرّ رضى الله عنه قال قلت يا رسول الله كم كانت الأنبياء وكم كان المرسلون قال (كانت الأنبياء مائة الف واربعة وعشرين الفا وكان المرسلون ثلاثمائة وثلاثه عشر) وفى رواية سئل عن عدد الأنبياء فقال (مائتا الف واربعة وعشرون الفا) والاولى ان لا يقتصر على عدد فى التسمية لهذه الآية وخبر الواحد لا يفيد الا الظن ولا عبرة بالظن فى الاعتقاديات وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً عطف على انا أوحينا إليك عطف القصة على القصة وتأكيد كلم بالمصدر يدل على انه ﵇ سمع كلام الله حقيقة لا كما يقوله القدرية من ان الله تعالى خلق كلاما فى محل فسمع موسى ذلك الكلام لان ذلك لا يكون كلام الله القائم به والافعال المجازية لا تؤكد بذكر المصادر لا يقال أراد الحائط ان يسقط ارادة. قال الفراء العرب تسمى ما وصل الى الإنسان كلاما

стр. 776

بأى طريق وصل ما لم يؤكد بالمصدر فاذا أكد به لم يكن الا حقيقة الكلام والمعنى ان التكليم بغير واسطة منتهى مراتب الوحى خص به موسى من بينهم فلم يكن ذلك قادحا فى نبوة سائر الأنبياء فكيف يتوهم كون نزول التوراة عليه جملة قادحا فى صحة من انزل عليه الكتاب مفصلا مع ظهور ان نزولها كذلك لحكم مقتضية لذلك من جملتها ان بنى إسرائيل كانوا فى العناد وشدة الشكيمة بحيث لو لم يكن نزولها كذلك لما آمنوا بها الا بعد اللتيا والتي وقد فضل الله نبينا محمدا ﷺ بان أعطاه مثل ما اعطى كل واحد منهم: قال العطار كرده در شب سوى معراجش روان ... سر كل با او نهاده در ميان رفت موسى بر بساط آن جناب ... خلع نعلين آمدش از حق خطاب چون بنزديكى شد از نعلين دور ... گشت در وادي المقدس غرق نور باز در معراج شمع ذو الجلال ... مى شنود آواز نعلين بلال موسئ عمران اگر چهـ بود شاه ... هم نبود انجاش با نعلين راه اين عنايت بين كه بهر جاه او ... كرد حق با چاكر درگاه او چاكرش را كرد مرد كوى خويش ... دار بانعلين راهش سوى خويش موسئ عمران چون آن رتبت بديد ... چاكر او را چنان قربت بديد گفت يا رب امت او كن مرا ... در طفيل همت او كن مرا اوست سلطان وطفيل او همه ... اوست دائم شاه وخيل او همه - روى- ان موسى ﵇ لما اتى طور سيناء انزل الله الظلمة على سبع فراسخ وطرد عنه الشيطان وطرد عنه الهوام ونحى عنه الملكين وكشف له السماء فرأى الملائكة قياما فى الهواء ورأى العرش بارزا وكلمه الله وناجاه حتى أسمعه كلامه من غير واسطة وكيفية وصوت وحرف رُسُلًا نصب على المدح اعنى رسلا مُبَشِّرِينَ لاهل الطاعة بالجنة وَمُنْذِرِينَ للعصاة بالنار لِئَلَّا يَكُونَ اللام متعلقة بأرسلنا لِلنَّاسِ خبر يكون عَلَى اللَّهِ متعلق بمحذوف وقع حالا من قوله حُجَّةٌ اى كائنة على الله. وحجة اسم يكون والمعنى لئلا يكون للناس على الله معذرة يوم القيامة يعتذرون بها قائلين لولا أرسلت إلينا رسولا فيبين لنا شرائعك ويعلمنا ما لم نكن نعلم من أحكامك وينبهنا من سنة الغفلة لقصور القوة البشرية عن ادراك جزئيات المصالح وعجز اكثر الناس عن ادراك كلياتها. ففيه تنبيه على ان بعثة الأنبياء الى الناس ضرورة وانما سميت المعذرة حجة مع استحالة ان يكون لاحد عليه سبحانه حجة فى فعل من أفعاله بل له ان يفعل ما يشاء للتنبيه على ان المعذرة فى القبول عنده تعالى بمقتضى كرمه ورحمته لعباده بمنزلة الحجة القاطعة التي لامرد لها ولذلك قال وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا قال النبي ﷺ (ما أحد أغير من الله لذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن وما أحد أحب اليه المدح من الله تعالى ولذلك مدح نفسه وما أحد أحب اليه العذر من الله تعالى ولذلك أرسل الرسل وانزل الكتاب) بَعْدَ الرُّسُلِ اى بعد ارسالهم وتبليغ الشرائع الى الأمم على ألسنتهم متعلق بحجة

стр. 777

وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً لا يغالب فى امر من الأمور من قضية الامتناع عن الاجابة الى مسألة المتعنتين حَكِيماً فى جميع أفعاله التي من جملتها إرسال الرسل وإنزال الكتب لكِنِ اللَّهُ استدراك على مفهوم ما قبله من سؤالهم على وجه التعنت ان ينزل عليهم ما وصفوه من الكتاب فهو بمنزلة قولهم لا نشهد بان الله تعالى بعثك إلينا رسولا حتى ينزل ما سألناه فقال تعالى انهم لا يشهدون بصدقك فى دعوى الرسالة لكن الله يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ من القرآن المعجز الدال على نبوتك ان جحدوك وكذبوك فان إنزال هذا القرآن البالغ فى الفصاحة الى حيث عجز الأولون والآخرون عن معارضته وإتيان ما يدانيه شهادة له ﵇ بنبوته وصدقه فى دعوى الرسالة من الله تعالى فمعنى شهادة الله تعالى بما انزل اليه إثباته لصحته بإظهار المعجزات كما تثبت الدعاوى بالبينات أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ حال من الفاعل اى ملتبسا بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره وهو تأليف على نمط بديع يعجز عنه كل بليغ او بعلمه بحال من انزل عليه واستعداده لاقتباس الأنوار القدسية وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ ايضا بنبوتك فان قلت من اين يعلم شهادة الملائكة. قلت من شهادة الله تعالى لان شهادتهم تبع لشهادته وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً على صحة نبوتك حيث نصب لها معجزات باهرة وحججا ظاهرة مغنية عن الاستشهاد بغيرها كأنه تعالى قال يا محمد ان كذبك هؤلاء اليهود فلا تبال بهم فان الله تعالى وهو اله العالمين يصدقك فى دعواك وملائكة السموات ايضا يصدقونك فى ذلك ومن صدقه رب العالمين والملائكة اى ملائكة العرش والكرسي والسموات السبع أجمعون لا ينبغى له ان يلتفت الى تكذيب اخس الناس وهم هؤلاء اليهود إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اى بما انزل الله ويشهد به وهم اليهود وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وهو دين الإسلام من أراد سلوكه بقوله ما نعرف صفة محمد فى كتابنا قَدْ ضَلُّوا بما فعلوا من الكفر والصد عن طريق الحق ضَلالًا بَعِيداً لانهم جمعوا بين الضلال والضلال ولان المضل يكون أعرق فى الضلال وابعد من الانقلاع عنه إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اى بما ذكر آنفا وَظَلَمُوا اى محمدا ﷺ بانكار نبوته وكتمان نعوته الجليلة ووضع غيرها مكانها او الناس بصدهم عما فيه صلاحهم فى المعاش والمعاد لَمْ يَكُنِ اللَّهُ مريدا لِيَغْفِرَ لَهُمْ لاستحالة تعلق المغفرة بالكافر وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ لعدم استعدادهم للهداية الى الحق والأعمال الصالحة التي هى طريق الجنة والمراد بالهداية المفهومة من الاستثناء بطريق الاشارة خلق الله لاعمالهم السيئة المؤدية بهم الى جهنم عند صرف قدرتهم واختيارهم الى اكتسابها او سوقهم إليها يوم القيامة بواسطة الملائكة والطريق على عمومه والاستثناء متصل وقيل خاص بطريق الحق والاستثناء منقطع خالِدِينَ فِيها حال مقدرة من الضمير المنصوب والعامل فيها ما دل عليه الاستثناء دلالة واضحة كأنه قيل يدخلهم جهنم خالدين فيها أَبَداً نصب على الظرفية رافع لاحتمال حمل الخلود على المكث الطويل وَكانَ ذلِكَ اى جعلهم خالدين فيها عَلَى اللَّهِ يَسِيراً لاستحالة ان يتعذر عليه شىء من مراداته تعالى. واعلم ان من كان فيه ذرة من النور المرشوش على الأرواح يوم خلقها يخرج به من النار كما قال ﵇ (يخرج من النار من كان فى قلبه

стр. 778

ذرة من الايمان) ومن لم يكن فيه ذلك النور يخلد فى النار لانه وقع فى ظلمة عظيمة لا يمكن الخروج منها وقد ضل ضلالا بعيدا اى من يوم رش النور لا ضلالا قريبا من هذا اليوم لان ضلال اليوم من نتائج ضلال ذلك اليوم ومثل هذا لا يهتدى الى طريق الحق والقربة الى الله تعالى فيحترق فى عذاب القطيعة ابدا ولا يخرج من نار الفرقة سرمدا. فعلى العبد ان يشهد بما شهد الله تعالى به ويقبل قول الله وقول الرسول وقول وارثيه من العلماء العاملين فانهم ينطقون عن الله وعن الرسول. قال شقيق ﵀ الناس يقومون من مجلسى على ثلاثة اصناف كافر محض ومنافق محض ومؤمن محض وذلك لانى أفسر القرآن وأقول عن الله وعن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم فمن لا يصدقنى فهو كافر محض ومن صاق قلبه فهو منافق ومن ندم على ما صنع وعزم على انه لا يذنب كان مؤمنا مخلصا وأول الأمر الاعتقاد وذلك يحتاج الى العلم اولا والعمل ثانيا لانه ثمرته وسئل النبي ﵇ عن العلم فقال (دليل العمل) قيل فما العقل قال ﵇ (قائد الخير) قيل فما الهوى قال (مركب المعاصي) قيل فما المال قال (رداء المتكبرين) قيل فما الدنيا قال (سوق الاخرة) يا أَيُّهَا النَّاسُ خطاب لعامة الخلق قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ يعنى محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم ملتبسا بِالْحَقِّ وهو القرآن المعجز الذي شهد اعجازه على حقيته او بالدعوة الى عبادة الله وحده والاعراض عما سواه فان العقل السليم يشهد على انه الحق مِنْ عند رَبِّكُمْ متعلق بجاء اى جاء من عند الله وانه مبعوث مرسل غير متقول له فَآمِنُوا بالرسول وبما جاءكم به من الحق والفاء للدلالة على إيجاب ما قبلها لما بعدها خَيْراً لَكُمْ منصوب على انه مفعول لفعل واجب الإضمار اى اقصدوا أو ائتوا امرا خيرا لكم مما أنتم فيه من الكفر او على انه نعت لمصدر محذوف اى آمنوا ايمانا خيرا لكم وهو الايمان باللسان والجنان وَإِنْ تَكْفُرُوا اى ان تصروا وتستمروا على الكفر فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الموجودات سواء كاتت داخلة فى حقيقتهما وبذلك يعلم حال أنفسهما على ابلغ وجه وآكده او خارجة عنهما مستقرة فيهما من العقلاء وغيرهم فيدخل فى جملتهم المخاطبون دخولا أوليا اى كلها له خلقا وملكا وتصرفا لا يخرج من ملكوته وقهره شىء منها فمن هذا شأنه فهو قادر على تعذيبكم بكفركم لا محالة او فمن كان كذلك فهو غنى عنكم وعن غيركم لا يتضرر بكفركم ولا ينتفع بايمانكم او فمن كان كذلك فله عبيد يعبدونه وينقادون لامره وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً مبالغا فى العلم فهو عالم بأحوال الكل فيدخل فى ذلك علمه تعالى بكفرهم دخولا أوليا حَكِيماً مراعيا للحكمة فى جميع أفعاله التي من جملتها تعذيبه تعالى إياهم بكفرهم. واعلم ان النبي ﷺ صورة النور الغيبى المرسل الى الأجساد فمن كان قابلا لافاضة نور دعوته فقد اهتدى ومن اخطأ فقد ضل. واتفق المشايخ على ان ألقى زمامه فى يد كلب مثلا حتى لا يكون تردده بحكم طبعه فنفسه أقوم لقبول الرياضة ممن جعل زمامه فى حكم نفسه يسترسل بها حيث شاء كالبهائم فلما تيقنت ان الواجب عليك ان تكون تابعا لا مسترسلا فلان تتبع سيد المرسلين محمدا ﷺ الذي آدم ومن دونه من الأولياء والأنبياء تحت

стр. 779

لوائه خير لك بل واجب عليك وما أعظم حماقة من يحتاط بقول المنجم فى الاختلاج والفال وينقاد الى الاحتمالات البعيدة ثم إذا آل الأمر الى خبر النبوة عن الغيب أنكر فلا ترض لنفسك ان تصدق ابن البيطار فيما ذكره فى العقاقير والأحجار فتبادر الى امتثال ما أمرك به ولا تصدق سيد البشر ﷺ فيما يخبر عنه وتتوانى بحكم الكسل عن الإتيان بما امر به او فعل. واعلم انك لما اخرجك الله من صلب آدم فى مقام ألست رددت الى أسفل السافلين ثم منه دعيت لترتفع بسعيك وكسبك الى أعلى عليين حيث ما قدر لك على حسب قابليتك ولا يمكنك ذلك الا بأمرين. أحدهما بمحبته ﷺ بان تؤثر حبه على نفسك وأهلك ومالك. والثاني بمتابعه ﷺ فى جميع ما امر به ونهى عنه وبذلك تستحكم مناسبتك به وبكمال متابعتك يحصل لك الارتفاع الى اوج الكمال قال رسول الله ﷺ (ان مثلى ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل اتى قوما فقال يا قوم انى رأيت الجيش بعيني) فيه اشارة الى ان هذا المثل مختص بالنبي ﵇ لان ما انذر به من الأهوال هى التي رآها بعينيه واما سائر الأنبياء ﵈ فلم يكن لهم معراج ظاهر حتى يعاينوا تلك الأهوال (وانى انا النذير) وهو الذي يخوف غيره بالاعلام (العريان) وهو الذي لقى العدو فسلبوا ما عليه من الثياب فاتى قومه يخبرهم فصدق بعضهم لما عليه من آثار الصدق فنجوا وهذا القول مثل يضرب لشدة الأمر وقرب المحذور وبراءة المخبر من التهمة والكل موجود فى النبي ﵇ (فالنجاء) بالمد نصب على الإغراء اى اطلبوا النجاء وهو الاسراع (فاطاعه طائفة من قومه فادلجوا) اى ساروا من أول الليل (فانطلقوا على مهلهم) وهو بفتح الميم والهاء ضد العجلة (وكذبت طائفة منهم فاصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش) اى أتاهم صباحا ليغير عليهم (فاهلكم واجتاحهم) اى أهلكهم بالكلية (فذلك) اى المثل المذكور وهذا بيان لوجه المشابهة (مثل من أطاعني واتبع ما جئت به من الحق) وفيه اشارة الى ان مطلق العصيان غير مستأصل بل العصيان مع التكذيب بالحق كذا فى شرح المشارق لابن الملك رحمه الله تعالى: قال السعدي قدس سره خلاف پيمبر كسى ره گزيد ... كه هرگز بمنزل نخواهد رسيد محالست سعدى كه راه صفا ... توان رفعت جز در پى مصطفا يا أَهْلَ الْكِتابِ الخطاب للنصارى خاصة لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ اى لا تتجاوزوا الحد فى دينكم بالإفراط فى رفع شأن عيسى وادعاء ألوهيته والغلو مجاوزة الحد. واعلم ان الغلو والمبالغة فى الدين والمذهب حتى يجاوز حده غير مرضى كما ان كثيرا من هذه الامة غلوا فى مذهبهم فمن ذلك مذهب الغلاة من الشيعة فى امير المؤمنين على بن ابى طالب كرم الله وجهه حتى ادعوا إلهيته وكذلك المعتزلة غلوا فى التنزيه حتى نفوا صفات الله وكذا المشبهة غلوا فى اثبات الصفات حتى جسموه تعالى الله عما يفول الظالمون علوا كبيرا ولدفع الغلو كان رسول الله ﷺ يقول (لا تطرونى كما اطرت النصارى عيسى ابن مريم) اى لا تتجاوزوا عن الحد فى مدحى كما بالغ النصارى فى مدح عيسى حتى ضلوا وقالوا انه ولد الله (وقولوا عبد الله

стр. 780

ورسوله) اى قولوا فى حقى انه عبد الله ورسوله وفى تقديم العبد على الرسول كما فى التحيات ايضا نفى لقول اليهود والنصارى فان اليهود قالوا عزيز ابن الله والنصارى المسيح ابن الله فنحن نقول عبده ورسوله والغلو من العصبية وهى من صفات النفس المذمومة والنفس هى امارة بالسوء لا تأمر الا بالباطل مبر طاعت نفس شهوت پرست ... كه هر ساعتش قبله ديگرست وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ اى لا تصفوه بما يستحيل اتصافه من الحلول والاتحاد واتخاذ الصاحبة والولد بل نزهوه عن جميع ذلك. قوله الا الحق استثناء مفرغ ونصبه على انه مفعول به نحو قلت خطبة او نعت مصدر محذوف اى الا القول الحق وهو قريب من المعنى الاول إِنَّمَا الْمَسِيحُ مبتدأ وهو لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق وأصله بالعبرية مشيحا ومعناه المبارك عِيسَى بدل منه معرب من ايشوع ابْنُ مَرْيَمَ صفة مفيدة لبطلان ما وصفوه به من نبوته له تعالى. ومريم بمعنى العابدة وسميت مريم مريم ليكون فعلها مطابقا لاسمها ولكون عيسى ﵇ منسوبا الى امه تدعى الناس يوم القيامة بأسماء أمهاتهم ويدل عليه حديث التلقين بعد الدفن حيث يقال يا فلان ابن فلانة وفى النسبة الى الأمهات ستر منه تعالى للعباد ايضا رَسُولُ اللَّهِ خبر للمبتدأ اى انه مقصور على رتبة الرسالة لا يتخطاها وهذا هو القول الحق وَكَلِمَتُهُ عطف على رسول الله اى تكون بكلمته وامره الذي هو كن من غير واسطة اب ولا نطفة فان تكوين الخلق كله وان كان بكلمة كن له ولكن بالوسائط فان تعلق كن بتكوين الآباء قبل تعلقه بتكوين الأبناء فلما كان تعلق امر كن بعيسى فى رحم مريم من غير تعلقه بتكوين اب له تكون عيسى بكلمة كن وكن هى كلمة الله فعبر عن ذلك بقوله وكلمته القاها الى مريم يدل عليه قوله انه مثل عيسى عند الله يعنى فى التكوين كمثل آدم خلقه من تراب يعنى سوى جسمه من تراب ثم قال له يعنى عند بعث روحه الى القالب كن فيكون وانما ضرب مثله بآدم فى التكوين لانه ايضا تكون بكلمة كن من غير واسطة اب أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ اى أوصلها إليها وحصلها فيها بنفخ جبريل ﵇ وَرُوحٌ مِنْهُ عطف على كلمته ومنه صفة لروح ومن لابتداء الغاية مجازا لا تبعيضية كما زعمت النصارى لا ستحالة التجزى على الله تعالى- وروى- انه كان لهارون الرشيد طبيب نصرانى وكان غلاما حسن الوجه جدا وكان كامل الأدب جامعا للخصال التي يتوصل بها الى الملوك وكان الرشيد مولعا بان يسلم وهو يمتنع وكان الرشيد يمنيه الأماني ان اسلم فأبى فقال له ذات يوم مالك لا تؤمن قال ان فى كتابكم حجة على من انتحله قال وما هى قال قوله تعالى وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فعنى بهذا ان عيسى ﵇ جزء منه فضاق قلب الرشيد وجمع العلماء فلم يكن فيهم من يزيل شبهته حتى قيل له قد وفد حجاج من خراسان وفيهم رجل يقال له على بن الحسين بن واقد من اهل مرو وهو امام فى علم القرآن فدعاه فجمع بينه وبين الغلام فسأله الغلام عن ذلك فاستعجم عليه الجواب فى الوقت وقال قد علم الله يا امير المؤمنين فى سابق علمه ان هذا الخبيث يسألنى فى مجلسك هذا وانه لم يخل كتابه

стр. 781

عن جوابه وانه ليس يحضرنى الآن ولله علىّ ان لا اطعم ولا اشرب حتى أؤدي الذي يجب من الحق ان شاء الله تعالى ودخل بيتا مظلما واغلق عليه بابه واندفع فى قراءة القرآن حتى بلغ من سورة الجاثية وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ فصاح بأعلى صوته افتحوا الباب فقد وجدت الجواب ففتحوا ودعا الغلام فقرأ عليه الآية بين يدى الرشيد وقال ان كان قوله وروح منه يوجب ان يكون عيسى بعضا منه وجب ان يكون ما فى السموات وما فى الأرض بعضا منه فانقطع النصراني واسلم وفرح الرشيد فرحا شديدا ووصل على بن الحسين الواقدي المروزي بصلة جيدة فلما عاد على بن الحسين الى مرو صنف كتابا سماه كتاب النظائر فى القرآن وهو كتاب لا يوازيه كتاب. قيل معنى كونه روحا انه ذو روح صادر منه تعالى كسائر ذوى الأرواح الا انه تعالى أضاف روحه الى نفسه تشريفا. وقيل المراد بالروح هو الذي نفخ جبرائيل ﵇ فى درع مريم فدخلت تلك النفخة بطنها فحملت بإذن الله من ذلك النفخ سمى النفخ روحا لانه كان ريحا يخرج من الروح وأضاف تعالى نفخة جبريل الى نفسه حيث قال وروح منه بناء على ان ذلك النفخ الواقع من جبريل كان بإذن الله تعالى وامره فهو منه. وعن ابى بن كعب انه قال ان الله تعالى لما اخرج الأرواح من ظهر آدم لاخذ الميثاق عليهم ثم ردهم الى صلبه امسك عنده روح عيسى الى ان أراد خلقه ثم أرسل ذلك الروح الى مريم فدخل فى فيها فكان منه عيسى ﵇. قيل خلق عيسى ﵇ من ماء مريم ومن النفخ لا من أحدهما فقط وهو الأصح عند المحققين. قيل خرج فى ساعة النفخ. وقيل بعد المدة الكاملة بعد ثمانية أشهر والاول هو الأصح. وفى التأويلات النجمية ان شرف الروح على الأشياء بانه ايضا كعيسى تكون بامر كن بلا واسطة شىء آخر فلما تكون الروح بامر كن وتكون عيسى بامر كن سمى روحا منه لان الأمر منه تعالى كما قال قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي فكما ان احياء الأجسام الميتة من شأن الروح إذ ينفخ فيها فكذلك كان عيسى من شأنه احياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله وكذلك كان ينفخ فى الطين فيكون طيرا بإذن الله تعالى. واعلم ان هذا الاستعداد الروحاني الذي هو من كلمة الله مركوز فى جبلة الإنسان وخلق منه اى من الأمر وانما أظهره الله فى عيسى من غير تكلف منه فى السعى لاستخراج هذا الجوهر من معدنه لان روحه لم يركز فى أصلاب الآباء وأرحام الأمهات كارواحنا فكان جوهره ظاهرا فى معدن جسمه غير مخفى ببشرية اب وجوهرنا مخفى فى معدن جسمنا ببشرية آبائنا الى آدم فمن ظهور أنوار جوهر روحه كان الله تعالى يظهر عليه انواع المعجزات فى بدء طفوليته ونحن نحتاج فى استخراج الجوهر الروحاني من المعدن الجسماني الى نقل صفات البشرية المتولدة من بشرية الآباء والأمهات عن معادننا باوامر أستاذ هذه الصنعة ونواهيه وهو النبي ﵇ كما قال تعالى وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا فمن تخلص جوهر روحانيته من معدن بشريته وانسانيته يكون عيسى وقته فيحيى الله بانفاسه القلوب الميتة ويفتح به إذا ناصما وعيونا عميا فيكون فى قومه كالنبى فى أمته فافهم جدا: وفى المثنوى عيسى اندر مهد دارد صد نفير ... كه جوان ناگشته ما شيخيم و پير

стр. 782

پير پير عقل بايد اى پسر ... نى سفيدى موى اندر ريش وسر «٢» چون گرفتى پير هين تسليم شو ... همچوموسى زير حكم خضر شو «٣» دست را مسپار جز در دست پير ... حق شدست آن دست او را دستگير چون بداري دست خود در دست پير ... پير حكمت كو عليم است وخبير «٤» ثم اعلم انه لما كان النافخ جبرائيل والولد سرّ أبيه كان الواجب ان يظهر عيسى على صورة الروحانيين والجواب انه انما كان على صورة البشر ولم يظهر على صورة الروحانيين لان الماء المحقق عند التمثل كان فى امه وهى بشر ولاجل تمثل جبريل ايضا عند النفخ بالصورة البشرية لانها أكمل الصور كما أشار صلى الله تعالى عليه وسلم فى تجلى الربوبية بصورة شاب قطط وظهور جبريل بصورة دحية فافهم والصورة التي تشهدها الام وتخيلها حال المواقعة لها تأثير عظيم فى صورة الولد حتى قيل ونقل فى الاخبار ان امرأة ولدت ولدا صورته صورة البشر وجسمه جسم الحية فلما سئلت عنها أخبرت انها رأت حية عند المواقعة. وسمع ان امرأة ولدت ولد له أعين اربع ورجلاه كرجل الدب وكانت قبطية جامعها زوجها وهى ناظرة الى دبين كانا عند زوجها ولله اسرار فى تكوين الأجساد كيف يشاء وهو على كل شىء قدير كذا فى حل الرموز فَآمِنُوا بِاللَّهِ وخصوه بالالوهية وَرُسُلِهِ أجمعين وصفوهم بالرسالة ولا تخرجوا بعضهم عن سلكهم بوصفه بالالوهية يعنى ان عيسى من رسله فآمنوا به كايمانكم بسائر الرسل ولا تجعلوه الها وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ اى الآلهة ثلاثة الله والمسيح ومريم ويشهد عليه قوله تعالى أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ او الله ثلاثة ان صح انهم يقولون الله ثلاثة أقانيم اقنوم الأب واقنوم الابن واقنوم روح القدس وانهم يريدون بالأول الذات وقيل الوجود وبالثاني العلم وبالثالث الحياة انْتَهُوا اى عن التثليث خَيْراً لَكُمْ اى انتهاء خيرا لكم او ائتوا خيرا لكم من القول بالتثليث إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ اى واحد بالذات منزه عن التعدد بوجه من الوجوه فالله مبتدأ واله خبره وواحد نعت اى منفرد فى آلهيته سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ اى أسبحه تسبيحا من ان يكون له ولد او سبحوه تسبيحا من ذلك فانه يتصور له مثل ويتطرق اليه فناء فان التوالد انما هو لحفظ النوع من الانقراض فلذلك لم تتوالد الملائكة ولا اهل الجنان فمن كان نشأته وتكوّنه للبقاء إذا لم يكن له ولد مع كونه حادثا ذا أمثال فبالاولى ان لا يتخذ الله تعالى ولدا وهو ازلى منزه عن الأمثال والأشباه: وفى المثنوى لم يلد لم يولد است او از قدم ... نه پدر دارد نه فرزند ونه عم لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مستأنفة مسوقة لتعليل التنزيه وتقريره اى له ما فيهما من الموجودات خلقا وملكا وتصرفا لا يخرج من ملكوته شىء من الأشياء التي من جملتها عيسى فكيف يتوهم كونه ولدا له تعالى. قال ابن الشيخ فى حواشيه انه تعالى فى كل موضع نزه نفسه عن الولد ذكر ان جميع ما فى السموات والأرض مختص به خلقا وملكا للاشارة الى ان ما زعمه المبطلون انه ابن الله وصاحبته مملوك مخلوق له لكونه من جملة ما فى السموات وما فى الأرض فلا تتصور المجانسة والمماثلة بين الخالق والمخلوق والمالك والمملوك فكيف يعقل مع هذا توهم كونه

стр. 783

ولدا له وزوجة وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا اليه يكل كل الخلق أمورهم وهو غنى عن العالمين فأنى يتصور فى حقه اتخاذ الولد الذي هو شأن العجزة المحتاجين فى تدبير أمورهم الى من يخلفهم ويقوم مقامهم او يعينهم دلت الآية على التوحيد كل شىء ذاته لى شاهد ... انما الله اله واحد ومطلب اهل التوحيد أعلى المطالب وهو وراء الجنات وذوقهم لا يعاد له نعيم- حكى- ان وليا يقال له سكرى بابا يكون له فى بعض الأوقات استغراق أياما حتى يظنونه ميتا ويضعون على فمه فداما فانتبه يوما فارادان يطلق زوجته ويترك أولاده وقال كنت فى مجلس النبي ﵇ فى الملكوت مع الأرواح وكان النبي ﵇ يفسر قوله تعالى وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ يتكلم فى مراتب التوحيد على كرسى قوائمه اربع من الأنوار الاربعة على حسب المراتب الأربع اى من النور الأسود فى مرتبة الطبيعة ومن النور الأحمر فى مرتبة النفس ومن النور الأخضر فى مرتبة الروح ومن النور الأبيض فى مرتبة السر فقيل لى فى العرش أرسلوا سكرى بابا فان أولاده يبكون فلاجل ذلك أريد ان اترك الكل فتضرعوا وحلفوا بان لا يفعلوا مثل ذلك ابدا ففرغ ووجه التسمية بذلك انه كان يعطى سكر الكل من يطلبه منه حتى طلبوا فى الحمام امتحانا له فضرب برجله رحام الحمام قال خذوه فانقلب سكرا فاعتقدوه وزالت شبهتهم. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى الملكوت ليس فى الفوق بل الملك والملكوت عندك هنا فان الله تعالى منزه عن الزمان والمكان والذهاب والإياب وهو معكم أينما كنتم فللسالك مرتبة ينظر فيها الى الله والى الحق ويسمى تلك بالمعية ثم بعد ذلك إذا وصل الى الفناء الكلى واضمحل وجوده يسمى ذلك بمقام الجمع ففى ذلك المقام لا يرى السالك ما سوى الله تعالى كمن احاطه نور لا يرى الظلمة ألا برى ان من نظر الى الشمس لا يرى غيرها وتلك الرؤية ليست بحاسة البصر ولا كرؤية الأجسام بل كما ذكر العلماء وكمل الأولياء والأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين والموحد إذا كان موحدا يوصله التوحيد الى الملكوت والجبروت واللاهوت اعنى الموحد يتخلص من الاثنينية ومن التقيد بالاكوان والأجسام والأرواح فيشاهد عند ذلك سر قوله تعالى إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ اللهم اجعلنا من الواصلين نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ فى أساس البلاغة استنكف منه ونكف امتنع وانقبض آنفا وحميةنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ اى من ان يكون عبدا له تعالى فان عبوديته شرف يتباهى بها وانما المذلة والاستنكاف فى عبودية غيره- روى- ان وفد نجران قالوا لرسول الله ﷺ لم تعيب صاحبنا قال (ومن صاحبكم) قالوا عيسى قال (وأي شىء أقول) قالوا تقول انه عبد الله قال (انه ليس بعار أن يكون عبدا لله) قالوا بلى بعار فنزلت لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ عطف على المسيح اى ولا يستنكف الملائكة المقربون ان يكونوا عبيدا والمراد بهم الكروبيون الذين حول العرش كجبريل وميكائيل واسرافيل ومن فى طبقتهم مَنْ يَسْتَنْكِفْ اى يترفع نْ عِبادَتِهِ اى عن طاعته فيشمل جميع الكفرة لعدم طاعتهم له تعالى يَسْتَكْبِرْ الاستكبار دون الاستنكاف ولذلك عطف عليه وانما يستعمل حيث لا استحقاق بخلاف التكبر فانه قد يكون باستحقاق سَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ اى فسيجمعهم

стр. 784

اليه يوم القيامةمِيعاً المستنكف والمستكبر والمقر والمطيع فيجازيهم فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ اى ثواب أعمالهم من غير ان ينقص منها شيأ أصلا وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بتضعيفها أضعافا مضاعفة وبإعطاء ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا اى عن عبادته تعالى وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ بسبب استنكافهم واستكبارهم عَذاباً أَلِيماً وجيعا لا يحيط به الوصف وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ اى غيره تعالى وَلِيًّا يلى أمورهم ويدبر مصالحهم وَلا نَصِيراً بنصرهم من بأسه تعالى وينجيهم من عذابه. واحتج بالآية من زعم فضل الملائكة على الأنبياء ﵈ وقال مساقه لرد النصارى فى رفع المسيح عن مقام العبودية وذلك يقتضى ان يكون المعطوف وهو ولا الملائكة المقربون أعلى درجة من المعطوف عليه وهو المسيح حتى يكون عدم استنكافهم مستلزما لعدم استنكافه ﵇. وأجيب بان مناط كفر النصارى ورفعهم له ﵇ عن رتبة العبودية لما كان اختصاصه ﵇ وامتيازه عن سائر افراد البشر بالولادة من غير اب وبالعلم بالمغيبات وبالرفع الى السماء عطف على عدم استنكافه عن عبوديته عدم استنكاف من هو أعلى درجة منه فيما ذكر فان الملائكة مخلوقون من غير اب ولا أم وعالمون بما لا يعلمه البشر من المغيبات ومقامهم السموات العلى ولا نزاع لاحد فى علو درجتهم من هذه الحيثية وانما النزاع فى علوها من حيث كثرة الثواب على الطاعات كذا فى الإرشاد. قال فى التأويلات النجمية عند قوله تعالى لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ما ذكرهم للفضيلة على عيسى وانما ذكرهم لان بعض الكفار قالوا الملائكة بنات الله كما قالت النصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ قال تعالى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى بل فضل الله المسيح عليهم بتقديم الذكر لان المسيح نسب اليه بالنبوة ونسبت الملائكة اليه بالبنتية وللذكر فضيلة وتقدم على الإناث كقوله تعالى فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فقدم الله الذكر على الأنثى وجعل له سهمين وللانثى واحدا فكما ان للذكر فضيلة على الأنثى فكذلك للمسيح فضيلة على الملائكة وفضيلته على الملائكة اكبر وأعظم يدل عليه ما صح عن جابر رضى الله عنه ان النبي ﵇ قال (لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة يا رب كما خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة قال الله تعالى لا اجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحى كمن قلت له كن فكان) وانا أقول ومن فضيلة عيسى على الملائكة انه اجتمع فيه ما كان شرفا لآدم لانه من ذريته من قبل الام وما كان شرفا للملائكة إذ قال له ايضا كن فكان فقد وجد فى عيسى ما لم يوجد فى الملائكة ولم يوجد فى الملائكة شىء لا يوجد فى عيسى فافهم جدا انتهى كلام التأويلات. واعلم ان أعظم الاستنكاف عن عبادة الله تعالى الشرك والاعراض عن توحيده كما ان اصل الأعمال التوحيد والايمان ثم ان الكبر من اكبر السيئات ولذا ورد فى بعض الأحاديث مقابلا للايمان قال ﵇ (لا يدخل الجنة من كان فى قلبه مثقال حبة من خردل من كبر ولا يدخل النار من كان فى قلبه مثقال ذرة من ايمان) : قال السعدي قدس سره

стр. 785

ترا شهوت وكبر وحرص وحسد ... چوخون در ركند و چوجان در جسد گر اين دشمنان تقويت يافتند ... سر از حكم ورأى تو بر تافتند - حكى- ان قاضيا جاء الى ابى يزيد البسطامي ﵀ يوما فقال نحن نعرف ما تعرفه ولكن لا نجد تأثيره فقال ابو يزيد خذ مقدارا من الجوز وعلق وعاءه فى عنقك ثم ناد فى البلد كل من يلطمنى ادفع له جوزة حتى لا يبقى منه شىء فاذا فعلت ذلك تجد التأثير فاستغفر القاضي فقال ابو يزيد قد أذنبت لانى اذكر ما يخلصك من كبر نفسك وأنت تستغفر منه: قال السعدي كسى را كه پندار در سر بود ... مپندار هرگز كه حق بشنود ز علمش ملال آيد از وعظ ننك ... شقايق بباران نرويد ز سنگ فعلى العاقل ان يتواضع فان الرفعة فى التواضع وهو من أفضل العبادة يا أَيُّهَا النَّاسُ خطاب لعامة المكلفين قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ كائن مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ بواسطة النبي ﵇ نُوراً مُبِيناً عنى بالبرهان المعجزات وبالنور القرآن اى جاءكم دلائل العقل وشواهد النقل ولم يبق لكم عذر ولا علة. والبرهان ما يبرهن به المطلوب وسمى القرآن نورا لكونه سببا لوقوع نور الايمان فى القلوب ولانه تتبين به الاحكام كما تتبين بالنور الأعيان فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ حسبما يوجبه البرهان الذي أتاهم وَاعْتَصَمُوا بِهِ اى امتنعوا به عن اتباع النفس الامارة وتسويلات الشيطان فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ ثواب قدره بإزاء إيمانه وعمله رحمة منه لاقضاء لحق واجب وَفَضْلٍ احسان زائد عليه مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ اى الى الله صِراطاً مُسْتَقِيماً هو الإسلام والطاعة فى الدنيا وطريق الجنة فى الآخرة وهو مفعول ثان ليهدى لانه يتعدى الى مفعولين بنفسه كما يتعدى الى الثاني بالى يقال هديته الطريق وهديته الى الطريق ويكون اليه حالا منه مقدما عليه ولو اخر عنه كان صفة له والمعنى ويهديهم الى صراط الإسلام والطاعة فى الدنيا وطريق الجنة فى العقبى مؤديا ومنتهيا اليه تعالى. والاشارة فى الآية ان الله تعالى اعطى لكل نبى آية وبرهانا ليقيم به الحجة على الامة وجعل نفس النبي ﵇ برهانا منه وذلك لان برهان الأنبياء كان فى الأشياء غير أنفسهم مثل ما كان برهان موسى فى عصاه وفى الحجر الذي انفجرت منه اثنتا عشرة عينا وكان نفس النبي ﵇ برهانا بالكلية فكان برهان عينيه ما قال ﵇ (لا تستبقونى بالركوع والسجود فانى أراكم من خلفى كما أراكم من امامى) . وبرهان بصره ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى. وبرهان انفه قال (انى لاجد نفس الرحمان من قبل اليمن) . وبرهان لسانه ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى وبرهان بصاقه ما قال جابر رضى الله عنه انه امر يوم الخندق لا تخبزن عجينكم ولا تنزلن برمتكم حتى أجيء فجاء فبصق فى العجين وبارك ثم بصق فى البرمة وبارك فاقسم بالله انهم لأكلوا وهم الف حتى تركوه وانصرفوا وان برمتنا لتغط اى تغلى وان عجيننا ليخبز كما هو. وبرهان تفله انه تفل فى عين على كرم الله وجهه وهى ترمد فبرئ بإذن الله يوم خيبر. وبرهان يده ما قال تعالى وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وانه سبح الحصى فى يده: قال العطاري

стр. 786

داعىء ذرات بود آن پاك ذات ... در كفش تسبيح از ان گفتى حصاد وبرهان إصبعه انه أشار بإصبعه الى القمر فانشق فلقتين حتى رؤى حراء بينهما ماه را انگشت او بشكافته ... مهر از فرمانش از پس تافته وبرهان ما بين أصابعه انه كان الماء ينبع من بين أصابعه حتى شرب منه ورفعه خلق عظيم. وبرهان صدره انه كان يصلى ولصدره ازيز كازيز المرجل من البكاء. وبرهان قلبه انه تنام عيناه ولا ينام قلبه وقال تعالى ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى وقال أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وقال نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ وأمثال هذه البراهين كثيرة فمن أعظمها انه عرج به الى السماء حتى جاوز قاب قوسين وبلغ أو أدنى وذلك برهان لنفسه بالكلية وما اعطى نبى قبله مثله قط وكان بعد ان اوحى اليه افصح العرب والعجم وكان من قبل اميا لا يدرى ما الكتاب ولا الايمان وأي برهان أقوى واظهر وأوضح من هذا والله أكرم هذه الامة به ومن عليهم فمن آمن به ايمانا حقيقيا بنور الله لا بالتقليد فتجذبه العناية وتدخله فى عالم الصفات فان رحمته وفضله صفته ويهديه بنور القرآن وحقيقة التخلق بخلقه الى جنابه تعالى فبالاعتصام يصعد السالك من الصراط المستقيم الى حضرة الله الكريم ولا بد للعبد من الاعتمال والاكتساب فى البداية اتباعا للاوامر الواردة فى الكتب الالهية والسنن النبوية حتى ينتهى الى محض فضل الله تعالى فيكون هو المتصرف فى أموره ولذلك كان النبي ﵇ يقول (اللهم لا تكلنى الى نفسى طرفة عين ولا اقل من ذلك) وقد قال بعض الكبار المريد من لا مذهب له يعنى يتمسك باشق الأقوال والمذاهب من جميع المذاهب فيتوضأ من الرعاف والفصد مثلا وان كان شافعيا ومن المس وان كان حنفيا وتنوير الباطن لا يحصل الا بانوار الذكر والعبادة والمعرفة وتعين على ذلك العبادة الخالصة إذا أديت على وجه الكمال والخدمة بمقتضى السنة تصقله بازالة خبث الشهوات والأخلاق المذمومات والتوحيد أفضل الأعمال الموصلة الى السعادة وفى الحديث (ان الذين لا تزال ألسنتهم رطبة من ذكر الله يدخلون الجنة وهم يضحكون) وفى الحديث (ليس على اهل لا اله الا الله وحشة فى قبورهم ولا فى نشورهم كأنى انظر إليهم عند الصيحة ينفضون التراب عنهم ويقولون الحمد لله الذي اذهب عنا الحزن ان ربنا لغفور شكور) وعلى هذا الحديث أول المشايخ هذه الآية الكريمة وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً اللهم اجعلنا من الذاكرين الشاكرين ولا تجعلنا من الغافلين آمين يَسْتَفْتُونَكَ اى يطلبون منك الفتوى فى حق الكلالة قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ الإفتاء تبيين المبهم وتوضيح المشكل. والكلالة فى الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوة من الاعياء استعيرت للقرابة من غير جهة الوالد والولد لضعفها فى الاضافة الى قرابتهما وتطلق على من لم يخلف ولدا ولا والدا وعلى من ليس بوالد ولا ولد من المخلفين والمراد هنا الثاني اى الذي مات ولم يرثه أحد من الوالدين ولا أحد من الأولاد لما روى ان جابر بن عبد الله كان مريضا فعاده رسول الله ﷺ فقال انى كلالة اى لا يخلفنى ولد ولا والد فكيف اصنع فى مالى فنزلت إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ استئناف مبين

стр. 787

للفتيا وارتفع امرؤ بفعل يفسره المذكور وقوله لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ صفة له اى ان هلك امرؤ غير ذى ولد ذكرا كان او أنثى وَلَهُ أُخْتٌ عطف على قوله تعالى ليس له ولد او حال والمراد بالاخت من ليست لام فقط فان فرضها السدس فقط فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ اى بالفرض والباقي للعصبة أولها بالرد ان لم يكن له عصبة وَهُوَ اى المرء المفروض يَرِثُها اى أخته المفروضة ان فرض هلاكها مع بقائه إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ ذكرا كان او أنثى فالمراد بإرثه لها إحراز جميع مالها إذ هو المشروط بانتفاء الولد بالكلية لا إرثه لها فى الجملة فانه يتحقق مع وجود بنتها فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ عطف على الشرطية الاولى اى اثنتين فصاعدا فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ الضمير لمن يرث بالاخوة والتأنيث والتثنية باعتبار المعنى وفائدة الاخبار عنه باثنتين مع دلالة الف التثنية على الاثنينية التنبيه على ان المعتبر فى اختلاف الحكم هو العدد دون الصغر والكبر وغيرهما وَإِنْ كانُوا اى من يرث بطريق الاخوة إِخْوَةً اى مختلطة رِجالًا وَنِساءً بدل من اخوة والأصل وان كانوا اخوة وأخوات فغلب المذكر على المؤنث فَلِلذَّكَرِ منهم مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يقسمون التركة على طريقة التعصيب وهذا آخر ما نزل فى كتاب الله من الاحكام- روى- ان الصديق رضى الله عنه قال فى خطبته ان الآية التي أنزلها الله تعالى فى سورة النساء فى الفرائض أولها فى الولد والوالد وثانيها فى الزوج والزوجة والاخوة من الام والآية التي ختم بها السورة فى الاخت لابوين او لاب والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها فى اولى الأرحام يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ اى حكم الكلالة او أحكامه وشرائعه التي من جملتها حكمها أَنْ تَضِلُّوا اى كراهة ان تضلوا فى ذلك فهو مفعول لاجله على حذف المضاف وهو اشيع من حذف لا النافية بتقدير لئلا تضلوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ من الأشياء التي من جملتها أحوالكم المتعلقة بمحياكم ومماتكم عَلِيمٌ مبالغ فى العلم فيبين لكم ما فيه مصلحتكم ومنفعتكم والاشارة فى الآية ان الله تعالى لم يكل بيان قسمة التركات الى النبي ﷺ مع انه تعالى وكل بيان اركان الإسلام من الشهادة والصلاة والزكاة والصيام والحج اليه واحكام الشريعة وقال وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وولاه بيان القرآن العظيم وقال لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وتولى قسمة التركات بنفسه تعالى كما قال ﵇ (ان الله لم يرض بملك مقرب ولا نبى مرسل حتى تولى قسمة التركات واعطى كل ذى حق حقه ألا فلا وصية لوارث) وانما لم يوله قسمة التركات لان الدنيا مزينة للناس والمال محبوب الى الطباع وجبلت النفس على الشح فلو لم ينص الله تعالى على مقادير الاستحقاق وكان القسم موكولا الى النبي ﵇ لكان الشيطان أوقع فى بعض النفوس كراهة النبي ﵊ لذلك فيكون كفرا لقوله ﵇ (لا يكون أحدكم مؤمنا حتى أكون اليه أحب من نفسه وماله وولده والناس أجمعين) كما أوقع فى نفوس بعض شبان الأنصار يوم حنين إذ أفاء الله على رسوله اموال هوازن فطفق النبي ﵇ يعطى رجالا من قريش المائة من الإبل كل رجل منهم فقالوا يغفر الله لرسوله يعطى قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم

стр. 788

قال انس فحدث رسول الله بمقالتهم فارسل الى الأنصار فجمعهم فى قبة من آدم ولم يدع معهم أحدا من غيرهم فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله فقال (ما حديث بلغني عنكم) فقال الأنصار اما ذووا رأينا فلم يقولوا شيأ واما أناس حديثة أسنانهم فقالوا كذا وكذا للذى قالوا فقال النبي ﷺ (انما اعطى رجالا حديثى عهد بكفر فاؤلفهم) او قال (استألفهم أفلا ترضون ان يذهب الناس بالأموال وترجعوا برسول الله الى رحالكم فو الله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به) قالوا أجل يا رسول الله قد رضينا فالنبى ﵇ أزال ما أوقع الشيطان فى نفوسهم بهذا اللطائف فلو كان قسم التركات اليه لكان للشيطان مجال الى آخر الدنيا فى ان يوقع الشر فى نفوس الامة ولم يمكن إزالته من النفوس لتعذر الوصول الى الخلق كلهم فى حال الحياة وبعد الوفاة فتولى الله ذلك لانه بكل شىء عليم ولعباده غفور رحيم برو علم يك ذره پوشيده نيست ... كه پنهان و پيدا بنزدش يكيست فرو ماندكانرا برحمت قريب ... تضرع كنانرا بدعوت مجيب فحسم الكلمة بما نص على المقادير فى الميراث فضلا منه وقطعا لمواد الخصومات بين ذوى الأرحام ورحمة على النسوان فى التوريث لضعفهن وعجزهن عن الكسب وإظهارا لتفضيل الذكور عليهن لنقصان عقلهن ودينهن وتبيانا للمؤمنين لئلا يضلوا بظن السوء بالنبي ﵇ كما قال يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ كذا فى التأويلات النجمية على صاحبها النفحات القدسية والبركات القدوسية. تمت سورة النساء فى اواسط جمادى الآخرة من سنة تسع وتسعين بعد الالف ويتلوها سورة المائدة تفسير سورة المائدة وهى مائة وعشرون آية كلها مدينة الا الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ الآية فانها نزلت بعرفة عام حجة الوداع بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ الوفاء هو القيام بمقتضى العهد وكذلك الإيفاء يقال وفى بالعهد وفاء واوفى به إيفاء إذا اتى ما عهد به ولم يغدر والنقل الى باب افعل لا يفيد سوى المبالغة والعقد هو العهد الموثق المشبه بعقد الحبل ونحوه والمراد بالعقود ما يعم جميع ما الزمه الله تعالى عباده وعقده عليهم من التكاليف والاحكام الدينية وما يعقدونه فيما بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوها مما يجب الوفاء به او يحسن دينا ان حملنا الأمر على معنى يعم الوجوب والندب. واحتج ابو حنيفة ﵀ بهذه الآية على ان من نذر صوم يوم العيد او ذبح الولد يجب عليه ان يصوم يوما يحل فيه الصوم ويذبح ما يحل ان يتقرب بذبحه لانه عهد والزم نفسه ذلك فوجب عليه الوفاء بما صح الوفاء به. واحتج بها ايضا على حرمة الجمع بين الطلقات لان النكاح من العقود فوجب ان يحرم رفعه لقوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وقد ترك العمل بعمومه فى حق الطلقة الواحدة بالإجماع فبقى فيما عداها على الأصل وفى الحديث (ما ظهر الغلول فى قوم الا القى الله فى قلوبهم الرعب ولا فشا الزنى فى قوم الأكثر فيهم

стр. 789

الموت ولا نقص قوم المكيال والميزان الا قطع عنهم الرزق ولا حكم قوم بغير حق إلا فشا فيهم الدم ولاختر قوم بالعهد الا سلط الله عليهم العدو) هر كه او نيك ميكند يابد ... نيك وبد هر چهـ ميكند يابد ثم انه تعالى لما امر المؤمنين بان يوفوا جميع ما أوجبه عليهم من التكاليف شرع فى ذكر التكاليف مفصلة فبدأ بذكر ما يحل ويحرم من المطعومات فقال من قائل أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ البهيمة كل ذات اربع واضافتها الى الانعام للبيان كثوب الخز وافرادها لارادة الجنس اى أحل لكم أكل البهيمة من الانعام وهى الإبل والبقر والضأن والمعز وذكر كل واحد من هذه الأنواع الاربعة زوج بانثاه وانثاه زوج بذكره فكان جميع الأزواج ثمانية بهذا الاعتبار من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين على التفصيل المذكور فى سورة الانعام فالبهيمة أعم من الانعام لان الانعام لا تتناول غير الأنواع الاربعة من ذوات الأربع والحق بالانعام الظباء وبقر الوحش ونحوهما إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ استثناء من بهيمة الانعام بتقدير المضاف اى الا محرم ما يتلى عليكم اى الا الذي حرمه المتلو من القرآن من قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ بعد هذه الآية او بتقدير نائب الفاعل اى الا ما يتلى عليكم فيه آية كريمة غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ الصيد بمعنى المصدر اى الاصطياد فى البر او المفعول اى أكل صيده بمعنى مصيده وهو نصب على الحالية من ضمير لكم ومعنى عدم احلالهم له تقرير حرمته عملا واعتقادا وهو شائع فى الكتاب والسنة وَأَنْتُمْ حُرُمٌ اى محرمون حال من الضمير فى محلى. والحرم جمع حرام بمعنى محرم يقال احرم فلان إذا دخل فى الحرم او فى الإحرام وفائدة تقييد إحلال بهيمة الانعام بما ذكر من عدم إحلال الصيد حال الإحرام إتمام النعمة واظهار الامتنان بإحلالها بتذكير احتياجهم اليه فان حرمة الصيد فى حالة الإحرام من مظان حاجتهم الى إحلال غيره حينئذ كأنه قيل أحلت لكم الانعام مطلقا حال كونكم ممتنعين عن تحصيل ما يغنيكم عنها فى بعض الأوقات محتاجين الى إحلالها إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ من تحليل وتحريم على ما توجبه الحكمة ومعنى الإيفاء بهما الجريان على موجبهما عقدا وعملا والاجتناب عن تحليل المحرمات وتحريم المحللات. والاشارة فى الآية أَوْفُوا بِالْعُقُودِ التي جرت بيننا يوم الميثاق وعلى عهود العشاق وعقودهم على بذل وجودهم لنيل مقصودهم عاقدوا على عهد يحبهم ويحبونه ولا يحبون دونه فالوفاء بالعهد الصبر على الجفاء والجهد فمن صبر على عهوده فقد فاز بمقصوده عند بذل وجوده أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ اى ذبح بهيمة النفس التي هى كالانعام فى طلب المرام إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ يعنى الا النفس المطمئنة إذا تليت عليها ارجعي الى ربك فانها تنفرت من الدنيا وما فيها فانها كالصيد فى الحرم وأنتم حرم بالتوجه الى كعبة الوصال بإحرام الشوق الى حضرة الجمال والجلال متجردين عن كل مرغوب ومرهوب منفردين من كل مطلوب ومحبوب إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بذبح النفس إذا كانت موصوفة بصفة البهيمة ترفع فى مراتع الحيوان السفلية ويحكم بترك ذبحها ويخاطبها بالرجوع الى حضرة الربوبية عند اطمئنانها

стр. 790

مع ذكر الحق واتصافها بالصفات الملكية العلوية ما يُرِيدُ كما يريد كذا فى التأويلات النجمية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ نزلت فى الخطيم واسمه شريح بن ضبيعة البكري اتى المدينة من اليمامة وخلف خيله خارج المدينة ودخل وحده على النبي ﷺ فقال له الى ما تدعو الناس فقال (الى شهادة ان لا اله الا الله واقام الصلاة وإيتاء الزكاة) فقال حسن ألا ان لى أمراء لا اقطع امرا دونهم لعلى اسلم وآتى بهم وقد كان النبي ﵇ قال لاصحابه (يدخل عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان شيطان) ثم خرج شريح من عنده فقال ﵇ (لقد دخل بوجه كافر وخرج بقفا غادر وما الرجل بمسلم) فمر بسرح المدينة فاستاقه فانطلق فتبعوه فلم يدركوه فلما كان العام المقبل خرج حاجا فى حجاج بكر بن وائل من اليمامة ومعه تجارة عظيمة وقد قلدوا الهدى فقال المسلمون للنبى ﵇ هذا الخطيم قد خرج حاجا فخل بيننا وبينه فقال النبي ﵇ (انه قد قلد الهدى) فقالوا يا رسول الله هذا شىء كنا نفعله فى الجاهلية فابى النبي ﵇ فانزل الله هذه الآية وكان المشركون يحجون ويهدون فاراد المسلمون ان يغيروا عليهم فنهاهم الله عن ذلك. والشعائر جمع شعيرة وهى اسم لما أشعر اى جعل شعائر اى علما للنسك من مواقف الحج ومرامى الجمار والمطاف والمسعى والافعال التي هى علامات الحاج يعرف بها من الإحرام والطواف والسعى والحلق والنحر والمعنى لا تتهاونوا بحرمتها ولا تقطعوا اعمال من يحج بيت الله ويعظم مواقف الحج وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ اى ولا تستحلوا القتل والغارة فى الشهر الحرام وهو شهر الحج والأشهر الاربعة الحرم وهى ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب والافراد لارادة الجنس وَلَا الْهَدْيَ بان يتعرض له بالغصب او بالمنع من بلوغ محله وهو ما اهدى الى الكعبة من ابل او بقر او شاة تقربا الى الله تعالى جمع هدية وَلَا الْقَلائِدَ اى ذوات القلائد من الهدى بتقدير المضاف وعطفها على الهدى للاختصاص فانها اشرف الهدى اى ولا تحلوا ذوات القلائد منها خصوصا وهى جمع قلادة وهى ما يشد على عنق البعير وغيره من نعل او لحاء شجرة او غيرهما ليعلم به انه هدى فلا يتعرض له وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ اى ولا تحلوا قوما قاصدين زيارة الكعبة بان تصدوهم عن ذلك بأى وجه كان يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً حال من المستكن فى آمين اى قاصدين زيارته حال كونهم طالبين الرزق بالتجارة والرضوان اى على زعمهم لان الكافر لا نصيب له فى الرضوان اى رضى الله تعالى ما لم يسلم. قال فى الإرشاد انهم كانوا يزعمون انهم على سداد من دينهم وان الحج يقربهم الى الله تعالى فوصفهم الله بظنهم وذلك الظن الفاسد وان كان بمعزل من استتباع رضوانه تعالى لكن لا بعد فى كونه مدارا لحصول بعض مقاصدهم الدنيوية وخلاصهم من المكاره العاجلة لا سيما فى ضمن مراعاة حقوق الله تعالى وتعظيم شعائره انتهى. وهذه الآية الى هاهنا منسوخة بقوله تعالى فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وبقوله فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا فلا يجوز ان يحج مشرك ولا يأمن كافر بالهدى والقلائد. قال الشعبي لم ينسخ من سورة المائدة الا هذه الآية وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا تصريح بما أشير اليه

стр. 791

بقوله تعالى وَأَنْتُمْ حُرُمٌ من انتهاء حرمة الصيد بانتفاء موجبها والأمر للاباحه بعد الحظر كأنه قيل وإذا حللتم من الإحرام فلا جناح عليكم فى الاصطياد وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ يقال جرمنى فلان على ان صنعت كذا اى حملنى والمعنى لا يحملنكم شَنَآنُ قَوْمٍ اى شدة بغضهم وعداوتهم وهو مصدر شنئت أضيف الى المفعول او الفاعل فالمعنى على الاول بغضكم لبعض فحذف الفاعل وعلى الثاني بغض قوم إياكم فحذف المفعول أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ اى لان منعوكم عن زيارته والطواف به للعمرة عام الحديبية أَنْ تَعْتَدُوا ثانى مفعولى يجرمنكم اى لا يحملنكم شدة بغضكم لهم لصدهم إياكم عن المسجد الحرام على اعتدائكم عليهم وانتقامكم منهم للتشفى وَتَعاوَنُوا اى ليعن بعضكم بعضا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى اى على العفو والإغضاء ومتابعة الأمر ومجانبة الهوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ اى لا يعن بعضكم بعضا على شىء من المعاصي والظلم للتشفى والانتقام وليس للناس اى يعين بعضهم بعضا على العدوان حتى إذا تعدى واحد منهم على الآخر تعدى ذلك الآخر عليه لكن الواجب ان يعين بعضهم بعضا على ما فيه البر والتقوى. واصل لا تعاونوا لا تتعاونوا فحذف منه احدى التاءين تخفيفا وانما اخر النهى عن الأمر مع تقدم التخلية مسارعة الى إيجاب ما هو مقصود بالذات فان المقصود من إيجاب ترك التعاون على الإثم والعدوان انما هو تحصيل التعاون على البر والتقوى. وسئل رسول الله ﷺ عن البر والإثم فقال (البر حسن الخلق والاسم ما حاك فى نفسك وكرهت ان يطلع عليه الناس) وَاتَّقُوا اللَّهَ فى جميع الأمور التي من جملتها مخالفة ما ذكر من الأوامر والنواهي فثبت وجوب الاتقاء فيها بالطريق البرهاني إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ فانتقامه أشد لمن لا يتقيه. واعلم ان شعائر الله فى الحقيقة هى مناسك الوصول الى الله وهى معالم الدين والشريعة ومراسم آداب الطريقة باشارة ارباب الحقيقة فان حقيقة البر هو التفرد للحق وحقيقة التقوى هو الخروج عما سوى الله تعالى فالوصول لا يمكن الا بهما لكنهما خطوتان لا يمكن للمريد الصادق ان يتخطى بها الا بمعاونة شيخ كامل مكمل واصل موصل فانه دليل هذا الطريق: قال الحافظ بكوى عشق منه بي دليل راه قدم ... كه من بخويش نمودم صد اهتمام ونشد وقال ايضا شبان وادئ ايمن گهى رسد بمراد ... كه چند سال بجان خدمت شعيب كند وفى الآية اشارة الى تعظيم ما عظمه الله من الزمان والمكان والاخوان وقد فضل الأشهر والأيام والأوقات بعضها على بعض كما فضل الرسل والأمم بعضها على بعض لتتسارع القلوب الى احترامها وتتشوق الأرواح الى إحيائها بالتعبد فيها ويرغب الخلق فى فضائلها وفضل الامكنة بعضها على بعض ليعظم الاجر بالإقامة فيها وخلق الله الناس سعيدا وشقيا والعبرة بالخاتمة وكل مخلوق من حيث انه مخلوق الله حسن حتى انه ينبغى ان يكون النظر الى الكافر من حيث انه مخلوق الله لا من حيث كفره وان لم يرض بكفره فعلى الناظر بنظر

стр. 792

التوحيد ان يحسن النظر ولا يحقر أحدا من خلق الله ولا يشتغل بالعداوة والبغضاء: قال السعدي قدس سره دلم خانه مهر يارست وبس ... از ان مى نكنجد درو كين كس ومن كلمات اسد الله كرم الله وجهه العداوة شغل يعنى من اشتغل بالعداوة ينقطع عن الاشتغال بالأمور المفيدة النافعة لان القلب لا يسع الاشتغالين المتضادين هر كه پيشه كند عداوت خلق ... از همه چيزها جدا گردد كه دلش خسته عنا باشد ... گه تنش بسته بلا گردد وكان ﷺ موصوفا بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال فعليك ان تقتدى به ولما مدح الله الأنبياء ﵈ ووصف كل نبى بصفة قال له تعالى فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ ففعل فصار مستجمعا لكمال خصال الخير وكان كل واحد منهم مخصوصا بخصلة مثل نوح بالشكر وابراهيم بالحلم وموسى بالإخلاص وإسماعيل بصدق الوعد ويعقوب وأيوب بالصبر وداود بالاعتذار وسليمان بالتواضع وعيسى بالزهد فلما اقتدى بهم اجتمع له الكل فانت ايها المؤمن من امة ذلك الرسول ﷺ فاتق الله واستحى من رسول الله كى تنجو من العقاب الشديد والعذاب المديد وتظفر بالخلد الباقي بالنعيم المقيم وتنال ما نال اليه ذو القلب السليم حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ اى تناولها فان التحليل والتحريم انما يتعلقان بالافعال دون الأعيان والميتة ما فارقه الروح من غير ذبح وَالدَّمُ اى الدم المسفوح اى المصبوب كالدماء التي فى العروق لا الكبد والطحال وكان اهل الجاهلية يصبونها فى أمعاء ويشوونها ويقولون لم يحرم من فزدله اى من فصدله وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ لعينه لا لكون ميتة حتى لا يحل تناوله مع وجود الذكاة فيه وفائدة تخصيص لحم الخنزير بالذكر دون لحم الكلب وسائر السباع ان كثيرا من الكفار الفوا لحم الخنزير فخص بهذا الحكم وذلك ان سائر الحيوانات المحرم أكلها إذا ذبحت كان لحمها طاهرا لا يفسد الماء إذا وقع فيه وان لم يحل أكله بخلاف لحم الخنزير. قال فى التنوير وليس الكلب بنجس العين قال العلماء الغذاء يصير جزأ من جوهر المغتذى ولا بد وان يحصل للمغتذى اخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلا فى الغذاء والخنزير مطبوع على حرص عظيم ورغبة شديدة فى المشتهيات فحرم أكله على الإنسان لئلا يتكيف بتلك الكيفية ومن جملة خبائث الخنزير انه عديم الغيرة فانه يرى الذكر من الخنازير ينزو على أنثى له ولا يتعرض له لعدم غيرته فاكل لحمه يورث عدم الغيرة وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ اى رفع الصوت لغير الله عند ذبحه كقولهم باسم اللات والعزى. قال الفقهاء ولو سمى الذابح النبي ﵇ مع الله فقال باسم الله ومحمد حرمت الذبيحة وفى الحديث (لعن الله من لعن والديه ولعن الله من ذبح لغير الله) قال النووي المراد به الذبح باسم غير الله كمن ذبح للصنم او لموسى او لغيرهما. ذكر الشيخ الماوردي ان ما يذبح عند استقبال السلطان تقربا اليه افتى اهل بخارى بتحريمه لانه مما اهل به لغير الله. وقال الرافعي هذا غير محرم لانهم انما يذبحونه استبشارا بقدومه فهو كذبح العقيقة لولادة المولود ومثل هذا لا يوجب التحريم كذا فى شرح المشارق لابن ملك

стр. 793

وَالْمُنْخَنِقَةُ اى التي ماتت بالخنق وهو احتباس النفس بسبب انعصار الحلق وأكل المنخنقة حرام سواء حصل اختناقها بفعل آدمي او لا مثل ان يتفق ان تدخل البهيمة برأسها بين عودين من شجرة فتخنق فتموت وكان اهل الجاهلية يخنقون الشاة فاذا ماتت أكلوها وهذه المنخنقة من جنس الميتة لانها ماتت من غير تذكية وَالْمَوْقُوذَةُ المضروبة بنحو خشب او حجر حتى تموت من وقذته إذا ضربته قال قتادة كانوا يضربونها بالعصى فاذا ماتت أكلوها وهى فى معنى المنخنقة ايضا لانها ماتت ولم يسل دمها وَالْمُتَرَدِّيَةُ التي تردت من مكان عال او فى بئر فماتت قبل الذكاة. والتردي هو السقوط مأخوذ من الردى وهو الهلاك قال رسول الله ﷺ لعدى بن حاتم (إذا تردت رميتك من جبل فوقعت فى ماء فلا تأكل فانك لا تدرى أسهمك قتلها أم الماء) فصار هذا الكلام أصلا فى كل موضع اجتمع فيه معنيان أحدهما حاظر والآخر مبيح انه يغلب جهة الحظر ولهذا قال ﷺ (الحلال بين والحرام بين وبينهما امور مشتبهة فدع ما يريبك الى ما يريبك ألا وان لكل ملك حمى وان حمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك ان يقع فيه) وعن عمر رضى الله عنه انه قال كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة الربا وَالنَّطِيحَةُ التي نطحتها اخرى فماتت بالنطح وهو بالفارسية «سروزدن» والتاء فى هذه الكلمات الأربع لنقلها من الوصفية الى الاسمية وكل ما لحقته هذه التاء يستوى فيه المذكر والمؤنث وقيل التاء فيها لكونها صفات لموصوف مؤنث وهو الشاة كأنه قيل حرمت عليكم الشاة المنخنقة والموقوذة وخصت الشاة بالذكر لكونها أعم ما يأكله الناس والكلام يخرج على الأعم الأغلب ويكون المراد الكل وَما أَكَلَ السَّبُعُ اى وما أكل منه السبع فمات وكان اهل الجاهلية يأكلونه. والسبع اسم يقع على ماله ناب ويعدو على الإنسان والدواب ويفترسها كالاسد وما دونه وهو يدل على ان جوارح الصيد إذا أكلت مما اصطادته لم يحل إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ اى الا ما أدركتم ذكاته من هذه الأشياء وفيه بقية حياة يضطرب اضطراب المذبوح فانه يحل لكم فاما ما صار بجرح السبع الى حالة المذبوح فهو فى حكم الميتة فلا يكون حلالا وان ذبحته وكذلك المتردية والنطيحة إذا أدركتها حية قبل ان تصير الى حالة المذبوح فذبحتها تكون حلالا ولو رمى الى صيد فى الهواء وأصابه فسقط على الأرض ومات كان حلالا لان الوقوع على الأرض من ضرورته وان سقط على جبل او شجر ثم تردى منه فمات فلا يحل وهو من المتردية الا ان يكون السهم أصاب مذبحه فى الهواء فيحل كيف ما وقع لان الذبح قد حصل باصابة السهم المذبح واما ما أبين من الصيد قبل الذكاة فهو ميتة. والذكاة فى الشرع بقطع الحلقوم والمري وهو اسم لما اتصل بالحلقوم وهو الذي يجرى فيه الطعام والشراب واقل الذكاة فى الحيوان المقدور عليه قطع الحلقوم والمري وكماله ان يقطع الودجان معهما ويجوز بكل محدد من حديد او قصب او زجاج او حجر او نحوها فان جمهور العلماء على ان كل ما افرى الأوداج وانهر الدم فهو من آلات الذكاة ما خلا السن والظفر والعظم ما لم يكن السن والظفر منزوعين لان الذبح بهما يكون خنقا واما المنزوعان منهما إذا افريا الأوداج فالذكات جائزة بهما عندهم والذكاة الذبح التام الذي يجوز معه الاكل ولا يحرم لان اصل الذكاة إتمام الشيء ومنه الذكاء فى الفهم إذا كان

стр. 794

تام العقل وفى الحديث (الذكاة ما بين اللبة واللحيين) فعلى هذا اللحم القديد الذي يجيئ الى دار الإسلام من دار افلاق لا يجوز أكله لانهم يضربون رأس البقر ونحوه بفأس ومثله فيموت فلا توجد الذكاة وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ النصب واحد الأنصاب وهى أحجار كانت منصوبة حول البيت يذبحون عليها ويعدون ذلك قربة قال الامام من الناس من قال النصب هى الأوثان وهذا بعيد لان هذا معطوف على قوله وما اهل لغير الله به وذلك هو الذبح على اسم الأوثان ومن حق المعطوف ان يكون مغايرا للمعطوف عليه. وقال ابن جريج النصب ليست بأصنام فان الأصنام أحجار مصورة منقوشة وهذه النصب أحجار كانوا نصبوها حول الكعبة وكانوا يذبحون عندها للاصنام وكانوا يلطخونها بتلك الدماء ويضعون اللحوم عليها فقال المسلمون يا رسول الله كان اهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم ونحن أحق ان نعظمه وكان ﵇ لم يكره ذلك فانزل الله تعالى لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها الى هنا كلام الامام وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ جمع زلم وهو القدح اى وحرم عليكم الاستقسام بالقداح وذلك انهم إذا قصدوا فعلا ضربوا ثلاثة قداح مكتوب على أحدها أمرني ربى وعلى الآخر نهانى ربى والثالث غفل اى خال عن الكتابة فان خرج الأمر مضوا على ذلك وان خرج الناهي اجتنبوا عنه وان خرج الغفل اجالوها ثانيا فمعنى الاستقسام طلب معرفة ما قسم لهم دون ما لم يقسم بواسطة ضرب القداح وقيل هو استقسام الجزور بالقداح على الأنصباء المعلومة اى طلب معرفة كيفية قسمة الجزور وقد تقدم تفصيله عند تفسير قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ فى سورة البقرة ذلِكُمْ اشارة الى الاستقسام بالأزلام فِسْقٌ اى تمرد وخروج عن الحد ودخول فى علم الغيب وضلال باعتقاد انه طريق اليه وافتراء على الله سبحانه ان كان هو المراد بقولهم ربى وشرك وجهالة ان كان هو الصنم. فظاهر هذه الآية يقتضى ان العمل على قول المنجمين لا تخرج من أجل نجم كذا واخرج من أجل نجم كذا فسق لان ذلك دخول فى علم الغيب ولا يعلم الغيب الا الله كذا فى تفسير الحدادي. واعلم ان استعلام الغيب بالطريق الغير المشروع كاستعلام الخير والشر من الكهنة والمنجمين منهى عنه بخلاف استعلام الغيب بالاستخارة بالقرآن وبصلاة الاستخارة ودعائها وبالنظر والرياضة لانه استعلام بالطريق المشروع وان طلب ما قسم له من الخير ليس منهيا عنه مطلقا بل المنهي عنه هو الاستقسام بالأزلام وفى الحديث (العيافة والطرق والطيرة من الجبت) والمراد بالطرق الضرب بالحصى وفى الحديث (من تكهن او استقسم او تطير طيرة ترده من سفره لم ينظر الى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة) الْيَوْمَ اللام للعهد والمراد به الزمان الحاضر وما يتصل به من الازمنة الماضية والآتية ونظيره قولك كنت بالأمس شابا واليوم قد صرت شيخا فانك لا تريد بالأمس اليوم الذي قبل يومك ولا باليوم اليوم الذي أنت فيه. وقيل أراد يوم نزولها وقد نزلت بعد عصر يوم الجمعة يوم عرفة حجة الوداع والنبي ﵇ واقف بعرفات على العضباء فكادت عضد الناقة تندق لثقلها فبركت وأياما كانت فهو منصوب على انه ظرف لقوله تعالى يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ اى من ابطالكم إياه ورجوعكم عنه بان تحللوا هذه الخبائث بعد ان جعلها الله محرمة او من ان يغلبوكم عليه لما شاهدوا

стр. 795

من ان الله وفى بوعده حيث أظهره على الدين كله وهو الأنسب بقوله تعالى فَلا تَخْشَوْهُمْ اى من ان يظهروا عليكم وَاخْشَوْنِ وأخلصوا الى الخشية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ بالنصر والإظهار على الأديان كلها او بالتنصيص على قواعد العقائد والتوقيف على اصول الشرائع وقوانين الاجتهاد وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي بالهداية والتوفيق او بإكمال الدين والشرائع او بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين وهدم منار الجاهلية ومناسكها والنهى عن حج المشركين وطواف العريان وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً اى اخترته لكم من بين الأديان وهو الدين عند الله لا غير. فقوله دينا نصب حالا من الإسلام ويجوز ان يكون رضيت بمعنى صيرت فقوله دينا مفعول ثان له. قال جابر بن عبد الله سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول قال (جبريل ﵇ قال الله هذا دين ارتضيته لنفسى ولن يصلحه الا السخاء وحسن الخلق فاكرموه بهما ما صحبتموه) وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ان رجلا من اليهود قال له يا امير المؤمنين آية فى كتابكم تقرءونها لو علينا معشر اليهود نزلت لا تخذنا ذلك اليوم عيدا قال أي آية قال الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ إلخ قال عمر قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﵇ وهو قائم بعرفة يوم الجمعة أشار عمر الى ان ذلك اليوم كان عيدا لنا قال ابن عباس رضى الله عنهما كان ذلك اليوم خمسة أعياد جمعة وعرفة وعيد اليهود والنصارى والمجوس ولم تجتمع أعياد اهل الملل فى يوم قبله ولا بعده- وروى- انه لما نزلت هذه الآية بكى عمر رضى الله عنه فقال النبي ﵇ (ما يبكيك يا عمر) قال أبكاني انا كنا فى زيادة من ديننا فاذا كمل فانه لم يكمل شىء الأنقص قال (صدقت) فكانت هذه الآية تنعى رسول الله ﷺ وعاش بعدها احدى وثمانين يوما ومات يوم الاثنين بعد ما زاغت الشمس لليلتين خلتا من شهر ربيع الاول سنة احدى عشر من الهجرة. وقيل توفى يوم الثاني عشر من شهر ربيع الاول وكانت هجرته فى الثاني عشر منه: قال السعدي قدس سره جهان اى برادر نماند بكس ... دل اندر جهان آفرين بند وبس جهان اى پسر ملك جاويد نيست ... ز دنيا وفا دارى اميد نيست منه دل برين سال خورده مكان ... كه گنبد نپايد برو كردكان فَمَنِ اضْطُرَّ متصل بذكر المحرمات وما بينهما اعتراض بما يوجب التجنب عنها وهو ان تناولها فسوق وحرمتها من جملة الدين الكامل والنعمة التامة والإسلام المرضى والمعنى فمن اضطر الى تناول شىء من هذه المحرمات فِي مَخْمَصَةٍ اى مجاعة يخاف منها الموت او مباديه غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ حال من فاعل الجواب المحذوف اى فليتناول مما حرم غير مائل ومنحرف اليه بان يأكلها تلذذا او مجاوزا حد الرخصة او ينتزعها من مضطر آخر كقوله تعالى غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لا يؤاخذه بأكلها وهو تعليل للجواب المقدر- وروى- ان رجلا يا رسول الله انا نكون بأرض فتصيبنا المخمصة فمتى تحل لنا الميتة فقال (ما لم تصطبحوا او تغتبقوا او تجنفوا بها بقلافشانكم بها) ومن امتنع من الميتة حال المخمصة او صام ولم يأكل حتى مات اثم بخلاف من امتنع من التداوى حتى مات فانه لا يأثم لانه لا يقين بان هذا الدواء يشفيه ولعله يصح من غير علاج

стр. 796

والاشارة فى الآيات ان ظاهرها خطاب لاهل الدنيا والآخرة وباطنها عتاب لاهل الله وخاصته حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ يا اهل الحق الْمَيْتَةُ وهى الدنيا بأسرها: قال فى المثنوى در جهان مرده شان آرام نيست ... كين علف جز لايق انعام نيست هر كرا گلشن بود بزم ووطن ... كى خورد او باده اندر كولخن وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ يعنى حلالها وحرامها قليلها وكثيرها وذلك لان من الدم ما هو حلال والخنزير كله حرام والدم بالنسبة الى اللحم قليل واللحم بالنسبة الى الدم كثير وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ يعنى كل طاعة وعبادة وقراءة ودراسة ورواية تظهرون به لغير الله وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ يعنى الذين يخنقون نفوسهم بالمجاهدات ويقذونها بانواع الرياضات بنهيها عن المرادات وزجرها عن المخالفات للرياء والسمعة وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ الذين يردون نفوسهم من أعلى عليين الى أسفل سافلين بالتناطح مع الاقران والمماراة مع الاخوان والتفاخر بالعلم والزهد بين الأخدان وفى قوله وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ اشارة الى انه فيما تحتاجون اليه من القوت الضروري كونوا محترزين من أكيلة السباع وهم الظلمة الذين يتهاوشون فى جيفة الدنيا تهاوش الكلاب ويتجاذبونها بمخالب الاطماع الفاسدة الا ما ذكيتم بكسب خلال ووجه صالح بقدر ضرورة الحال وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ يشير الى ما ذبح عليه النفس بانواع الجد والاجتهاد من المطالب الدنيوية والاخروية وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ يعنى لا تكونوا مترددين متفئلين فى طلب المرام مبتغين لحصول المقصود متهاونين فى بذل الوجود فاذا انتهيتم عن هذه المناهي وتخلصتم من هذه الدواهي واخلصتم لله فى الله بالله وخرجتم من سجن الانانية وسجين الانسانية بالجذبات الربانية فقد عادت ليلتكم نهارا وظلمتكم أنوارا الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا من النفس وصفاتها والدنيا وشهواتها مِنْ دِينِكُمْ وتيقنوا ان ما بقي لكم الرجوع الى ملتهم ولا الصلاة الى قبلتهم فَلا تَخْشَوْهُمْ فانكم خلصتم من شبكة مكايدهم ونجوتم من عقد مصايدهم وَاخْشَوْنِي فان كيدى متين وصيدى مهين وبطشى شديد وحبسى مديد الْيَوْمَ اشارة الى الأزل أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ اى جعلت الكمالية فى الدين من الأزل نصيبا لكم من جميع اهل الملل والأديان وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي التي أنعمت بها عليكم فى الأزل من الكمالية الآن بإظهار دينكم على الأديان كلها فى الظاهر واما فى الحقيقة فسيجىء شرحه وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً تستكملون به الى الابد بحيث من يتبغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وذلك لان حقيقة الدين هى سلوك سبيل الله بقدم الخروج من الوجود المجازى للوصول الى الوجود الحقيقي والإنسان مخصوص به من سائر الموجودات ولهذه الامة اختصاص بالكمالية فى السلوك من سائر الأمم فالدين من عهد آدم ﵇ كان فى التكامل بسلوك الأنبياء سبيل الحق الى عهد النبي ﵊ فكل نبى سلك فى الدين مسلكا أنزله بقربه من مقامات القرب ولكن ما خرج أحد منهم بالكلية من الوجود المجازى للوصول الى الوجود الحقيقي بالكمال فقيل للنبى ﵇ أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ فسلك النبي جميع المسالك التي سلكها الأنبياء بأجمعهم فلم يتحقق له الخروج ايضا بقدم السلوك من الوجود المجازى بالكلية حتى تداركته

стр. 797

العناية الازلية لاختصاصه بالمحبوبية بجذبات الربوبية وأخرجته من الوجود المجازى ليلة اسرى بعد ما عبر به على الأنبياء كلهم وبلغ فى القرب الى الكمالية فى الدنو وهو سر او ادنى فاستسعد سعادة الوصول الى الوجود الحقيقي فى سر فاوحى الى عبده ما اوحى وفى الحقيقة قيل له فى تلك الحالة الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ولكن فى حجة الوداع فى يوم عرفة عند وقوفه بعرفات اظهر على الامة عند إظهاره على الأديان كلها وظهور كمالية الدين بنزول الفرائض والاحكام بالتمام فقال الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ويدل على هذا التأويل ما روى ابو هريرة قال قال رسول الله ﷺ (مثلى ومثل الأنبياء من قبلى كمثل رجل ابتنى بيوتا فاحسنها وأجملها وأكملها الا موضع لبنة من زاوية من زواياها فجعل الناس يطوفون ويعجبهم البنيات فيقولون ألا وضعت هاهنا لبنة فيتم بناؤها) قال محمد صلى الله تعالى عليه وسلم (فانا اللبنة) متفق على صحته فصح ما قرر من مقامات الأنبياء وتكامل الدين بهم وكماليته بالنبي ﵇ وبخروجه من الوجود المجازى بالكلية وان الأنبياء لم يخرجوا منه بالكلية ويدل على هذا المعنى ايضا ان الأنبياء كلهم يوم القيامة يقولون نفسى نفسى لبقية الوجود والنبي ﵇ أمتي أمتي لفناء الوجود فافهم جدا ومن كرامة هذه الامة اشتراكهم فى كمالية الدين مع النبي بمتابعته وقال وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وهى اسبال تحصيل الكمال ومعظمها بعثة النبي ﵊ وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً وهو استسلام الوجود المجازى الى النبي وخلفائه بعده ليطرح عليه اكسير المتابعة فيبدل الوجود المجازى المحبى بالوجود الحقيقي المحبوبى كما قال تعالى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ يعنى ويغفر بالوجود الحقيقي ذنوب الوجود المجازى فافهم جدا وتنبه فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ يعنى فمن ابتلى بالتفاته الى شىء من الدنيا والآخرة مضطرا اليه فى غاية الاضطرار والابتلاء لسر التربية غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ يعنى غير مائل اليه للاعراض عن الحق ولكن من فترة تقع للصادقين او وقفة تكون للسالكين ثم يتداركونها بصدق الالتجاء الى الحق وأرواح المشايخ والاستعانة بهم وطلب الاستغفار من ولاية البنين واعانتهم فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما ابتلاهم به رَحِيمٌ بان يهديهم الى الصراط المستقيم باقامة الدين القويم كذا فى التأويلات النجمية يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ ما للاستفهام وذا بمعنى الذي والمعنى ما الذي أحل لهم من المطاعم. ان قلت مفعول يسأل انما يكون مفردا فكيف وقع على الجملة. قلت لتضمن السؤال معنى القول قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ اى ما لم تستخبثه الطباع السليمة ولم تنفر منه كما فى قوله تعالى وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ والطيب فى اللغة المستلذ المشتهى فالتقدير كل ما يستلذ ويشتهى والعبرة فى الاستلذاذ والاستطابة باهل المروءة والأخلاق الجميلة فان اهل البادية يستطيبون أكل جميع الحيوانات كذا قال الامام فى تفسيره وَما عَلَّمْتُمْ عطف على الطيبات بتقدير المضاف على ان ما موصولة والعائد محذوف اى وصيد ما علمتموه مِنَ الْجَوارِحِ حال من الموصول جمع جارحة بمعنى كاسبة قال تعالى وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ وجوارح الإنسان أعضاؤه التي يكتسب بها ويحتمل ان يكون من الجرح بمعنى تفريق الاتصال فان الجوارح تجرح الصيد

стр. 798

غالبا. والمراد بالجوارح فى الآية كل ما يكسب الصيد على اهله من سباع البهائم كالفهد والنمر والكلب ومن سباع الطير كالصقر والبازي والعقاب والنسر والباشق والشاهين ونحوها مما يقبل التعليم فان صيد جميعها حلال مُكَلِّبِينَ اى معلمين لها الصيد والمكلب مؤدب الجوارح ومضريها بالصيد ومضريها عليه مشتق من الكلب وذكر الكلب لكونه اقبل للصيد والتأديب فيه وانتصابه على الحالية من فاعل علمتم. فان قلت يلزم ان يكون المعنى وصيد ما علمتم معلمين ولا فائدة. قلت فائدتها المبالغة فى التعليم لما ان اسم المكلب لا يقع الا على النحرير فى علمه فكأنه قيل وما علمتم ماهرين فى تعليم الجوارح حاذقين فيه مشتهرين به تُعَلِّمُونَهُنَّ حال ثانية مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ من الحيل وطرق التعليم والتأديب فان العلم به الهام من الله تعالى او مكتسب بالعقل الذي هو منحة منه او مما علمكم ان تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه وان ينزجر بزجره وينصرف بدعائه ويمسك عليه الصيد ولا يأكل منه. قال صاحب الكشاف قوله تعالى تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فيه تنبيه على ان كل من يأخذ علما ينبغى ان يأخذه ممن هو متبحر فى ذلك العلم غواص فى بحار لطائفه وحقائقه وان احتاج فى ذلك الى ارتكاب سفر بعيد قال ﵇ (اطلبوا العلم ولو بالصين) فكم من آخذ من غير متقن ضيع أيامه وعض عند لقاء النحارير أنامله فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ من تبعيضية لما ان البعض مما لا يتعلق به الاكل كالجلود والعظام والريش وما موصولة حذف عائدها وعلى متعلقة بامسكن اى فكلوا بعض ما امسكنه عليكم وهو الذي لم يأكلن منه واما ما أكلن منه فهو مما أمسكن على انفسهن لقوله ﵇ لعدى بن حاتم (وان أكل منه فلا تأكل انما امسكه على نفسه) واليه ذهب اكثر الفقهاء. وقال بعضهم ومنهم ابو حنيفة يؤكل مما بقي من جوارح الطير ولا يؤكل مما بقي من الكلب والفرق انه يمكن ان يؤدب الكلب على الاكل بالضرب ولا يؤدب البازي على الاكل وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ الضمير لما فى ما علمتم اى سموا عليه عند إرساله او لما فى ما أمسكن اى سموا عليه إذا أدركتم ذكاته. وعن ابى ثعلبة قال قلت يا نبى الله انا بأرض قوم اهل كتاب أفنأكل فى آنيتهم وبأرض صيد اصيد بقوسي وبكلبى الذي ليس بمعلم وبكلبى المعلم فما يصلح لى قال (أما ما ذكرت من آنية اهل الكتاب فان وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها وان لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله فكل وما صدت بكلبك المعلم فذكرت الله عليه فكل وما صدت بكلبك غير المعلم فادركت ذكاته فكل) وعن انس رضى الله عنه ان النبي ﷺ كان يضحى بكبشين أملحين أقرنين يطأ على صفاحهما ويذبحهما بيده ويقول بسم الله والله اكبر كذا فى تفسير البغوي. والمستحب ان يقول بسم الله الله اكبر بلا واو لان ذكر الواو يقطع نور التسمية كما فى شرح مختصر الوقاية وكره ترك التوجه الى القبلة وحلت كذا فى الذخيرة ومتروك التسمية عمدا حرام لانه ميتة بخلاف متروكها نسيانا فانه حلال وَاتَّقُوا اللَّهَ فى شأن محرماته إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ سريع إتيان حسابه او سريع تمامه إذا شرع فيه يتم فى اقرب ما يكون من الزمان والمعنى على التقديرين انه يؤاخذكم سريعا فى كل ما جل ودق ودلت الآية على اباحة الصيد. قال فى الأشباه الصيد مباح إلا للتلهي

стр. 799

او حرفة كذا فى البزازية وعلى هذا فاتخاذه حرفة كصيادى السمك حرام- يحكى- عن ابراهيم ابن أدهم انه قال كان ابى من ملوك خراسان فركبت الى الصيد فاثرت أرنبا إذ هتف بي هاتف يا ابراهيم ألهذا خلقت أم بهذا أمرت ففزعت ودفعت ثم أخذت ففعلت ثانيا ثم هتف بي هاتف من قربوس السرج والله ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت فنزلت فصادفت راعى ابى ولبست جبته وتوجهت الى مكة. ولما نزلت هذه الآية اذن رسول الله ﷺ فى اقتناء الكلاب التي ينتفع بها ونهى عن اقتناء ما لا ينتفع بها وامر بقتل الكلب العقور وبما يضر ويؤذى ورفع عما سواها مما لا ضرر فيه وفى الحديث (من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية او صيد او زرع انتقص من اجره كل يوم قيراط) والحكمة فى ذلك انه ينبح الضيف ويروع السائل كذا فى تفسير الحدادي وفى الحديث (لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب ولا جنب) والمراد بالملائكة ملائكة الرحمة والاستغفار اى النازلون بالبركة والرحمة والطائفون على العباد للزيارة واستماع الذكر لا الكتبة فانهم لا يفارقون المكلفين طرفة عين والمراد بالصورة صورة ذى الروح لمشابهته بيوت الأصنام وبعض الصور يعبد فابغض الأشياء الى الخواص ما عصى الله به. واما الكلب فلانه نجس فاشبه المتبرز وزاد فى بعض الأحاديث ولا جنب الا ان يتوضأ. قال فى الترغيب والترهيب ورخص للجنب إذا نام او أكل او شرب ان يتوضأ ثم قيل هذا فى حق كل من اخر الغسل لغير عذر ولعذر إذا امكنه الوضوء فلم يتوضأ او قيل هو الذي يؤخره تهاونا وكسلا ويتخذ ذلك عادة انتهى. قال فى الشرعة وشرحها لابن السيد على وينام بعد الوطء نومة خفيفة فانه أروح للنفس لكن السنة فيه ان يتوضأ او لا وضوءه للصلاة ثم ينام وكذا إذا أراد الاكل جنبا ولو أراد العود فليتوضأ والمراد به التنظف بغسل الذكر واليدين لا الوضوء الشرعي كما ذهب اليه بعض المالكية. والاشارة فى الآية ان ارباب الطلب واصحاب السلوك يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ او حرم عليهم من الدنيا والآخرة كما قال ﷺ (الدنيا حرام على اهل الآخرة والآخرة حرام على اهل الدنيا وهما حرامان على اهل الله تعالى) قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وهى ما لا يقطع عليكم طريق الوصول الى الله فان الله طيب لا يقبل الا الطيب وكل مأكول ومشروب وملبوس ومقول ومعقول ومعمول طلبتموه بحظ من الحظوظ فقد لوثتموه للوث داعى الوجود فهو من الخبيثات لا يصلح الا للخبيثين وما طلبتموه بالحق للقيام بأداء الحقوق مطيبا بنفحات الشهود فهو من الطيبات لا يصلح الا للطيبين وفى قوله إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ اشارة الى انه تعالى يحاسب العباد على أعمالهم قبل ان يفرغوا منها ويجازيهم فى الحال بالإحسان احسان القربة ورفعة الدرجة وجذبة العناية وبالاساءة اساءة البعد والطرد الى السفل والخذلان: ونعم ما قيل [هر كه كند بخود كند ور همه نيك بد كند] قال الصائب چرا ز غير شكايت كنم كه همچوحباب ... هميشه خانه خراب هواى خويشتنم الْيَوْمَ أراد به الزمان الحاضر وما يتصل به من الازمنة الماضية والآتية او يوم النزول أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وهى ما لم تستخبثه الطباع السليمة وهى طباع اهل المروءة والأخلاق الجميلة او ما لم يدل نص شارع ولا قياس مجتهد على حرمته وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ اى

стр. 800

اليهود والنصارى والمراد بطعامهم ما يتناول ذبائحهم وغيرها حِلٌّ لَكُمْ اى حلال وعن ابن عباس انه سئل عن ذبائح نصارى العرب فقال لا بأس وهو قول عامة التابعين وبه أخذ ابو حنيفة وأصحابه. وحكم الصابئين حكم اهل الكتاب عنده وقال صاحباه هما صنفان صنف يقرأون الزبور ويعبدون الملائكة وصنف لا يقرأون كتابا ويعبدون النجوم فهؤلاء ليسوا من اهل الكتاب واما المجوس فقد سن بهم سنة اهل الكتاب فى أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم لقوله ﵇ (سنوا بهم سنة اهل الكتاب غيرنا كحى نسائهم ولا آكلى ذبائحهم) ولو ذبح يهودى او نصرانى على اسم غير الله كالنصرانى يذبح باسم المسيح فذهب اكثر اهل العلم الى انه يحل فان الله قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون. وقال الحسن إذا ذبح اليهودي او النصراني فذكر اسم غير الله وأنت تسمع فلا تأكله وإذا غاب عنك فكل فقد أحل الله لك وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ فلا عليكم ان تطعموهم وتبيعوه منهم ولو حرم عليهم لم يجز ذلك وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ رفع على انه مبتدأ حذف خبره لدلالة ما تقدم عليه اى حل لكم ايضا والمراد بهن الحرائر والعفائف وتخصيصهن بالذكر للبعث على ما هو الاولى لا لنفى ما عداهن فان نكاح الإماء المسلمات صحيح بالاتفاق وكذا غير العفائف منهن واما الإماء الكتابيات فهن كالمسلمات عند ابى حنيفة خلافا للشافعى وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ اى هن ايضا حل لكم وان كن حربيات وقال ابن عباس رضى الله عنهما لا تحل الحربيات. قال الحدادي واستدل بعض الفقهاء بظاهر الآية على انه لا يجوز للمسلم نكاح الامة الكتابية والصحيح انه يجوز بظاهر قوله تعالى بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ بدليل حل ذبائحهن وانما خص الله المحصنات بإباحة نكاحهن مع جواز نكاح غيرهن لان الآية خرجت مخرج الامتنان والمنة فى نكاح الحرائر العفائف أعظم وأتم يدل على ذلك انه لا خلاف فى جواز النكاح بين المسلم والامة المؤمنة وان كان فى الآية تخصيص المحصنات من المؤمنات والأفضل لمن أراد النكاح ان لا يعدل عن نكاح الحرائر الكتابيات مع القدرة عليهن وذلك ان نكاح الامة يؤدى الى ارقاق الولد لان الولد يتبع امه فى الرق والحرية ولا ينبغى لاحد ان يختار رق ولده كما لا ينبغى ان يختار رق نفسه إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ اى مهورهن وتقييد الحل بايتائها لتأكيد وجوبها والحث على الاولى وإذا ظرفية عاملها حل المحذوف مُحْصِنِينَ حال من فاعل آتيتموهن اى حال كونكم إعفاء بالنكاح وكذا قوله غَيْرَ مُسافِحِينَ اى غير مجاهرين بالزنى وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ اى ولا مسرين به والخدن الصديق يقع على الذكر والأنثى. قال الشعبي الزنى ضربان السفاح وهو الزنى على سبيل الإعلان واتخاذ الخدن وهو الزنى فى السر والله تعالى حرمهما فى هذه الآية وأباح التمتع بالمرأة على جهة الإحصان وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ اى ومن ينكر شرائع الإسلام التي من جملتها ما بين هاهنا من الاحكام المتعلقة بالحل والحرمة ويمتنع عن قبولها فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ اى بطل عمله الصالح الذي عمله قبل ذلك وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ هو مبتدأ من الخاسرين خبره وفى متعلقة بما تعلق به الخبر من الكون المطلق. قال الحدادي فقد بطل ثواب عمله وهو فى الآخرة من المغبونين غبن نفسه ومنزله وصار الى النار لا يغنى عن المرأة

стр. 801

الكتابية اسلام زوجها ولا ينفعها ذلك ولا يضر المسلم كفر زوجته الكتابية: قال السعدي برفتند وهر كس درود آنچهـ گشت ... نماند بجز نام نيكو وزشت واعلم ان الكفر أقبح القبائح كما ان الايمان احسن المحاسن وعن ابن عباس رضى الله عنهما عن رسول الله ﷺ انه قال (لما خلق الله جنة عدن خلق فيها ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم قال لها تكلمى فقالت قد أفلح المؤمنون ثلاثا) وعن كعب الأحبار ان نوحا ﵇ لما حضرته الوفاة دعا ابنه ساما من بين أولاده وقال أوصيك باثنتين وأنهاك عن اثنتين. فاما الاوليان فاحداهما شهادة ان لا اله الا الله فانها تخرق السموات السبع ولا يحجبها شىء ولو وضعت السموات والأرض وما فيهن فى كفة ووضعت هى فى الاخرى لرجحت. واما الثانية فان تكثر من قول سبحان الله والحمد لله فانها جامعة للثواب. واما الأخريان فالشرك بالله والاتكال على غير الله. قال القاضي عياض انعقد الإجماع على ان الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب لكن بعضهم يكون أشد من بعض بحسب جرائمهم واما حسناتهم فمقبولة بعد إسلامهم على ما ورد فى الحديث. قال فى نصاب الاحتساب ما يكون كفرا بلا خلاف يوجب احباط العمل ويلزمه إعادة الحج ان كان قد حج ويكون وطؤه مع امرأته حراما والولد المتولد فى هذه الحالة يكون ولد الزنى وان كان اتى بكلمة الشهادة بعد ذلك إذا كان الإتيان على وجه العادة ولم يرجع عما قال لان الإتيان بكلمة الشهادة على وجه العادة لا يرفع الكفر وما كان فى كونه كفرا اختلاف فان قائله يؤمر بتجديد النكاح والتوبة والرجوع عن ذلك بطريق الاحتياط واما ما كان خطأ من الألفاظ ولا يوجب الكفر فقائله مؤمن على حاله ولا يؤمر بتجديد النكاح ويؤمر بالاستغفار والرجوع عن ذلك انتهى كلام النصاب. والرجل والمرأة فى ذلك سواء حتى لو تكلمت المرأة بما يكون كفرا تبين من زوجها. فعلى العبد الصالح ان يختار من النساء صالحة عفيفة متقية. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره لا تعطى الولاية لولد الزنى قال واشكر الله تعالى على ان جعلنى أول ولد ولدته أمي فانه ابعد من ان يصدر ألفاظ الكفر من أحد أبوي قال وارثه الأكبر الشيخ الشهير بالهدائي قدس سره قلت والفقير كذلك. والاشارة فى الآية أُحِلَّ لَكُمُ يا ارباب الحقيقة فى اليوم الذي قدر كمالية الدين فيه لكم فى الأزل جميع الطَّيِّباتُ التي تتعلق بسعادة الدارين بل أحل لكم التخلق بالأخلاق الطيبات وهى اخلاق الله المنزهات عن الكميات والكيفيات المبرءات من النقائص والشبهات وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وفى الحقيقة هم الأنبياء ﵈ حِلٌّ لَكُمْ اى غذيتم بلبان الولاية كما غذوا بلبان النبوة من حلمتى الشريعة والحقيقة وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ يعنى منبع لبن النبوة والولاية واحد وان كان الثدي اثنين فشربتم لبان الطافنا من مشرب الولاية وشرب الأنبياء لبان افضالنا من مشرب النبوة قد علم كل أناس مشربهم وللنبى ﵇ شركة فى المشارب كلها وله اختصاص فى مجلس المقام المحمود من المحبوب بمشرب (أبيت عند ربى يطعمنى ويسقينى لا يشاركه فيه ملك مقرب ولا نبىء مرسل) وَكذلك حل لكم الْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وهى أبكار حقائق القرآن التي أحصنت من إفهام الأزواج المؤمنات

стр. 802

بها وهى ازواج العلماء وخواص هذه الامة وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وهى أبكار حقائق الكتب المنزلة على الامة السالفة التي أحصنت من الذين انزل عليهم الكتب وأدرجت فى القرآن وأخفيت لكم كما قال تعالى فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ يعنى فى القرآن مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ وهى أبكار حقائق جميع الكتب المنزلة فافهم جدا كلها لكم إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ اى مهور هذه الابكار وهى بذل الوجود مُحْصِنِينَ يعنى متعففين فى بذل الوجود فيكون على وجه الحق وبتصرف المشايخ الواصلين غَيْرَ مُسافِحِينَ على وفق الطبع وخلاف الشرع وبتصرف الهوى وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ يعنى فى بذل الوجود لا يكون ملتفتا الى شىء من الكونين ولا الى أحد فى الدارين سوى الله ليكون هو المشرب ومنه الشراب وهو الحريف والساقي وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ بهذه المعاملات والكمالات إذ حرم من العيان من هذه السعادات فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ الذي عمله على العمياء والتقليد وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ الذين خسروا الدنيا والعقبى والمولى كذا فى التأويلات النجمية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ المراد بالقيام اما القيام الذي هو من اركان الصلاة فالتقدير إذا أردتم القيام لها بطريق اطلاق اسم المسبب على السبب لان الجزاء لا بد وان يتأخر عن الشرط يعنى صحة قيام الصلاة بالطهارة واما القيام الذي هو من مقدمات مباشرة الصلاة فالتقدير إذا قصدتم الصلاة إطلاقا لاسم أحد لازميها على لازمها الآخرة فالوضوء من شرائط القيام الاول دون الثاني وهذا الخطاب خاص بالمحدثين بقرينة دلالة الحال فلا يلزم الوضوء على كل قائم الى الصلاة سواء كان محدثا أم لا كما يقتضيه ظاهر الآية فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الغسل اجراء الماء على المحل وتسييله سواء وجد معه الدلك أم لا والوجه ما يواجهك من الإنسان وحده من قصاص الشعر الى أسفل الذقن طولا ومن شحمة الاذن الى شحمة الاذن عرضا يجب غسل جميعه فى الوضوء ويجب إيصال الماء الى ما تحت الحاجبين واهداب العينين والشارب والعذار والعنفقة وان كانت كثيفة وعند الامام لا يجب غسل ما تحت الشعر ففرض اللحية عنده مسح ما يلاقى الوجه دون ما استرسل من الذقن لانه لما سقطت فرضية غسل ما تحت اللحية انتقلت فرضيته الى خلفه وظاهر الآية ان المضمضة والاستنشاق غير واجبين فى الوضوء لان اسم الوجه يتناول الظاهر دون الباطن فهما من السنن وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ الجمهور على دخول المرفقين فى المغسول ولذلك قيل الى بمعنى مع كقوله تعالى لا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ والمرافق جمع مرفق وهو مجتمع طرفى الساعد والعضد ويسمى مرفقا لانه الذي يرتفق به اى يتكأ عليه من اليد وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ الباء مزيدة كما القى بيده. والمسح الاصابة وقدر الواجب عند ابى حنيفة ربع الرأس لانه ﵇ مسح على ناصيته وهو قريب من الربع فان للرأس جوانب اربعة ناصية وقذال وفودان والقذال مؤخر الرأس خلف الناصية وفودا الرأس جانباه. فى الواقعات المحمودية قال حضرت الشيخ الشهير بافتاده افندى انكشف لى وجه الاختلاف فى مقدار مسح الناصية وهو ان بدن الإنسان مربع فبالقياس اليه ينبغى ان يكون

стр. 803

الممسوح ربع الرأس واما اعتبار قدر ثلاثة أصابع فبالنظر الى حال نفس الرأس فانه مسدس والسدس فيه قدر ثلاثة أصابع. قال المرحوم حضرة محمود الهدايى قلت فحينئذ ينبغى ان يكون الاعتبار الأخير اولى لانه بالنظر الى حال نفسه بخلاف الاول لانه بالقياس الى البدن. فقال حضرة الشيخ افتاده وجه اولوية الاول ان البدن اكثر من الرأس فاتباع الأقل بالأكثر اولى انتهى. قال الحدادي واما مسح الأذنين فهو سنة فيمسح ظاهر اذنيه بإبهاميه وظاهرهما بمسبحتيه بماء الرأس واما مسح الرقبة فمستحب. وفى الحديث (من مسح رقبته فى الوضوء أمن من الغل يوم القيامة) وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ بالنصب عطفا على وجوهكم ويؤيده السنة الشائعة وعمل الصحابة وقول اكثر الائمة والتحديد إذ المسح لم يعهد محدودا وانما جاء التحديد فى المغسولات. قال فى الأشباه غسل الرجلين أفضل من المسح على الخفين لمن يرى جوازه والا فهو أفضل وكذا بحضرة من لا يراه انتهى وذهبت الروافض الى ان الواجب فى الرجلين المسح ورووا فى المسح خبرا ضعيفا شاذا. قال صاحب الروضة خف الروافض مثل فى السعة لانه لا يرى المسح على الخف ويرى المسح على الرجلين فيوسعه ليتمكن من إدخال يده فيه ليمسح برجله. وعن ابن المغيرة عن أبيه قال كنت مع النبي ﷺ ذات ليلة فى سفر فقال (أمعك ماء) قلت نعم فنزل عن راحلته فمشى حتى توارى عنى فى سواد الليل ثم جاء فافرغت عليه من الاداوة فغسل وجه ويديه وعليه جبة من الصوف فلم يستطع ان يخرج ذراعيه منها حتى أخرجهما من أسفل الجبة فغسل ذراعيه ثم مسح برأسه ثم أهويت لا نزع خفيه فقال (دعهما فانى أدخلتهما طاهرين) فمسح عليهما كذا فى تفسير البغوي. وأطبق العلماء على ان وجوب الوضوء مستفاد من هذه الآية ومن سنته النية فينوى رفع الحدث او اقامة الصلاة ليقع قربة واستعمال السواك فى غلظة الخنصر وطول الشبر حالة المضمضة تكميلا للانقاء او قبل الوضوء وعند فقده يعالج بالأصابع وينال بالإصبع ثواب السواك. وفى الهداية الأصح ان السواك مستحب. وعن مجاهد قال ابطأ جبريل ﵇ على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ثم أتاه فقال له النبي ﵇ (ما حبسك يا جبريل) قال وكيف آتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم ولا تأخذون من شواربكم ولا تنقون براجمكم ولا تستاكون ثم قرأ وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ والبراجم مفاصل الأصابع والعقد التي على ظاهرها يجتمع فيها من الوسخ وفى الحديث (نقوا براجمكم) فامر بتنقيتها لئلا تدرن فتبقى فيها الجنابة ويحول الدرن بين الماء والبشرة وفى الحديث (نظفوا لثاتكم) جمع لثة بالتخفيف وهى اللحمة التي فوق الأسنان دون الأسنان فامر بتنظيفها لئلا يبقى فيها وحل الطعام فتتغير عليه النكهة وتتنكر الرائحة وينأذى الملكان لانه طريق القرآن ومقعد الملكين وتنفر الملائكة من الرائحة الكريهة وفى الحديث (ان العبد إذا تسوك ثم قام يصلى قام الملك خلفه فيستمع لقراءته فيدنو منه حتى يضع فاه على فيه فما يخرج من فيه شىء من القرآن إلا صار فى جوف الملك فطهروا أفواهكم للقرآن) وفى الحديث (ركعتان بسواك أفضل من سبعين ركعة بغير سواك) . ويقول المتوضي بعد التسمية [الحمد لله الذي جعل الماء

стр. 804

طهورا] . وعند المضمضة [اللهم اسقني من حوض نبيك كأسا لا اظمأ بعدها ابدا اللهم اعنى على ذكرك وشكرك وتلاوة كتابك] . وعند الاستنشاق [اللهم لا تحرمنى من رائحة نعيمك وجنانك] او يقول [اللهم أرحني رائحة الجنة ولا ترحنى رائحة النار] . وعند غسل الوجه [اللهم بيض وجهى يوم تبيض وجوه وتسود وجوه] او يقول [اللهم بيض وجهى بنورك يوم تبيض وجوه أوليائك ولا تسود وجهى بذنوبي يوم تسود وجوه أعدائك] . وعند غسل اليد اليمنى [اللهم أعطني كتابى بيمينى وحاسبنى حسابا يسيرا] وعند غسل اليد اليسرى [اللهم لا تعطنى كتابى بشمالى ولا من وراء ظهرى] . وعند مسح الرأس [اللهم حرم شعرى وبشرى على النار وأظلني تحت ظل عرشك يوم لا ظل الا ظلك اللهم غشنى برحمتك وانزل على من بركاتك] . وعند مسح الأذنين [اللهم اجعلنى من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه] . وعند مسح رقبته [اللهم أعتق رقبتى من النار] . وعند غسل الرجل اليمنى [اللهم ثبت قدمى على الصراط يوم تزل فيه الاقدام] . وعند غسل الرجل اليسرى [اللهم اجعل لى سعيا مشكورا وذنبا مغفورا وعملا مقبولا وتجارة لن تبور] ويقول بعد الفراغ [اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلنى من التوابين واجعلنى من المتطهرين واجعلنى من عبادك الصالحين الذين أنعمت عليهم واجعلنى من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون] . والحكمة فى تخصيص الأعضاء الاربعة فى الوضوء ان آدم ﵇ لما توجه الى الشجرة بالوجه وتناولها باليد ومشى إليها بالرجل ووضع يده على رأسه امره بغسل هذه الأعضاء تكفيرا للخطايا وقد جاء فى الحديث (ان العبد إذا غسل وجهه خرجت خطاياه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه) وكذلك فى بقية الأعضاء. وقيل خص بغسل هذه الأعضاء الامة المحمدية ليكونوا غرا محجلين بين الأمم كما روى ان رسول الله ﷺ اتى المقبرة فقال (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وانا ان شاء الله بكم لاحقون وددت انا قد رأينا إخواننا) قالوا أو لسنا اخوانك يا رسول الله قال (أنتم أصحابي وإخواننا الذين يأتون بعد) قالوا كيف تعرف من يأتون بعد من أمتك يا رسول الله فقال (أرأيتم لو ان رجلا له خيل غر محجلة بين اظهر خيل دهم بهم ألا يعرف خيله) قالوا بلى يا رسول الله قال (فانهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من الوضوء وانا فرطهم على الحوض) . واعلم ان النبي ﷺ صلى الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد فقال عمر رضى الله عنه صنعت شيأ لم تكن تصنعه فقال ﵇ (عمدا فعلته يا عمر) يعنى بيانا للجواز غير انه يستحب تجديد الوضوء لكل فرض وفى الحديث (من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات) وللتجديد اثر ظاهر فى تنوير الباطل. وكان بعض اهل الله يتوضأ عند الغيبة والكذب والغضب لظهور غلبة النفس وتصرف الشيطان فالوضوء هو النور الذي به تضمحل ظلمات النفس والشيطان. وكان على وجه بعضهم قرح لم يندمل اثنتي عشرة سنة لضرر الماء له. وكان مع ذلك لم يدع تجديد الوضوء عند كل فريضة. ونزل فى عين بعضهم ماء اسود فقال الكحال لا بد من ترك الوضوء أياما والا فلا يعالج فاختار ذهاب

стр. 805

بصره على ترك الوضوء. ودوام الطهارة مستجلب لمزيد الرزق كما قال ﵇ (دم على الطهارة يوسع عليك الرزق) والسنة ان يصلى بعد الوضوء ركعتين تسمى شكر الوضوء- روى- ان رسول الله ﷺ قال لبلال (يا بلال حدثنى بأرجى عمل عملته فى الإسلام فانى سمعت دق نعليك بين يدى فى الجنة) قال ما عملت عملا أرجى عندى من انى لم أتطهر طهورا فى ساعة من ليل او نهار الا صليت بذلك الطهور ما كتب لى ان أصلي. قال فى الاسرار المحمدية لابن فخر الدين الرومي ويصلى شكر الوضوء وان فى الأوقات المكروهة لا الأوقات المحرمة كما قبل صلاة الفجر وبعدها وبعد صلاة العصر ايضا لانها من الصلوات ذوات الأسباب. واما الأوقات المحرمة كطلوع الشمس وزوالها وغروبها فلا تجوز فيه أصلا فيصبر الى وقت اباحة الصلاة فيصليها حينئذ الا إذا كان بمكة. عن جبير ان النبي ﵇ قال (يا بنى عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية شاء من ليل او نهار) وعن جندب ان رسول الله ﷺ قال (لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس الا بمكة الا بمكة الا بمكة) انتهى كلام الاسرار. والاشارة فى الآية ان الخطاب فى قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هو خطاب مع الذين آمنوا ايمانا حقيقيا عند خطاب ألست بربكم بقولهم بلى. وهم اهل الصف الاول يوم الميثاق آمنوا بعد ما عاينوا. واهل الصف الثاني آمنوا إذ شاهدوا. واهل الصف الثالث آمنوا إذ سمعوا الخطاب. واهل الصف الرابع آمنوا تقليدا لا تحقيقا لانهم ما عاينوا ولا شاهدوا ولا سمعوا خطاب الحق بسمع الفهم والدراية بل سمعوا سماع القهر والنكاية فتحيروا حتى سمعوا جواب اهل الصفوف الثلاثة إذ قالوا بلى فقالوا بتقليدهم بلى فلا جرم هاهنا ما آمنوا وهم الكفار وان آمنوا ما آمنوا على التحقيق بل بالتقليد او بالنفاق وهم المنافقون. واهل الصف الثالث هم المسلمون وعوام المؤمنين فكما آمنوا هناك بسماع الخطاب فكذلك هاهنا آمنوا بسماع كقوله تعالى إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا. واما اهل الصف الثاني وهم خواص المؤمنين وعوام الأولياء فكما انهم آمنوا هناك إذ شاهدوا فكذلك هاهنا آمنوا بشواهد المعرفة كما قال وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا ومن هاهنا قال بعضهم ما نظرت فى شىء الا ورأيت الله فيه. واما اهل الصف الاول وهم الأنبياء وخواص الأولياء فكما آمنوا هناك إذ عاينوا فكذلك هاهنا آمنوا إذ عاينوا كقوله تعالى آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وذلك فى ليلة المعراج إذ اوحى الى عبده ما اوحى قال آمن الرسول بما انزل اليه من ربه وكان ايمان موسى ﵇ نوعا من هذا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وانا أول المؤمنين. وقال على رضى الله عنه لم اعبد ربا لم أره. وقال بعضهم رأى قلبى ربى وقال آخر ما نظرت فى شىء الا ورأيت الله فيه فخاطب اهل الصف الاول بقوله يا ايها الذين آمنوا تحقيقا ثم اهبطوا عن ممالك القرب الى مهالك البعد ومن رياض الانس الى سباخ الانس إِذا قُمْتُمْ من نوم الغفلة انتبهتم من رقدة الفرقة إِلَى الصَّلاةِ هى معراجكم للرجوع الى مقام قربكم كما قال

стр. 806

وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ التي توجهتم بها الى الدنيا ولطختموها بالنظر الى الأغيار بماء التوبة والاستغفار وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ اى واغسلوا ايديكم عن التمسك بالدارين والتعلق بما فى الكونين حتى الصديق الموافق والرفيق المرافق وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ببذل نفوسكم وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ اى واغسلوا أرجلكم عن طين طينتكم والقيام بانانيتكم كذا فى التأويلات النجمية: قال الحافظ قدس سره من هماندم كه وضو ساختم از چشمه عشق ... چار تكبير زدم يكسره بر هر چهـ كه هست وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا اى فتطهروا أدغمت تاء التفعل فى الطاء لقرب مخرجهما واجتلبت همزة الوصل ليمكن الابتداء فقيل اطهروا وهذا التطهر عبارة عن الاغتسال والاطهار هو التطهر بالتكلف والمبالغة فلا يكون الا بغسل جميع ظاهر البدن حتى لو بقي العجين بين أظفاره ويبس لم يجز غسله لان الماء لا يصل تحته ولو بقي الدرن جاز الا ان ما تعذر إيصال الماء اليه كداخل العين ساقط بخلاف باطن الانف والفم حيث يمكن غسلهما ولا ضرر فيه فيجب. والدلك ليس بفرض لانه متمم فيكون مستحبا وليس البدن كالثوب لان النجاسة تخللت فيه دون البدن. ففرض الغسل غسل الفم والانف وسائر البدن. وسنته غسل يديه لكونهما آلة التطهر. وفرجه لانه مظنة النجاسة ونجاسة حقيقية ان كانت على سائر بدنه لئلا تتلاشى عند إصابة الماء. والوضوء وضوءه للصلاة الا انه يؤخر غسل رجليه الى ما بعد صب الماء على جميع بدنه ان كانتا فى مستنقع الماء تحرزا على الماء المستعمل وتثليث الغسل المستوعب هكذا حكى غسل رسول الله. ويبتدئ بمنكبه الايمن ثم الأيسر ثم الرأس فى الأصح. وليس على المرأة نقض ضفيرتها ولا بلها ان بل أصلها لان كون الشعر من البدن باعتبار أصوله فيكتفى ببل أصوله فيما فيه حرج وفيما لا حرج فيه يجب إيصال الماء الى جميعه كالضفيرة المفتولة وحكم المنقوضة ليس كذلك بل يجب إيصال الماء الى جميعها لعدم الحرج فيها. والرجل يجب عليه إيصال الماء الى جميع شعره والفرق ان حلق الشعر للمرأة مثلة دون الرجل والحرج مندفع عنه بغير الضفيرة وادنى ما يكفى من الماء فى الغسل صاع وفى الوضوء مد والصاع ثمانية أرطال والمد رطلان لما روى ان النبي ﵇ كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد ثم اختلفوا هل المد من الصاع او من غيره فهذا ليس بتقدير لازم حتى لو أسبغ الوضوء والغسل بدون ذلك جاز ولو اغتسل بأكثر منه جاز ما لم يسرف فهو المكروه كذا فى الاختيار شرح المختار. والجنب الصحيح فى المصر إذا خاف الهلاك من الاغتسال جاز له التيمم فى قولهم. واما المحدث فى المصر إذا خاف الهلاك من التوضؤ اختلفوا فيه على قول ابى حنيفة ﵀ والصحيح انه لا يباح له التيمم كذا فى فتاوى قاضى خان. والمرأة إذا وجب عليها الغسل ولم تجد سترة من الرجال تؤخره والرجل إذا لم يجد سترة من الرجال لا يؤخره ويغتسل. وفى الاستنجاء إذا لم يجد سترة يتركه والفرق ان النجاسة الحكمية أقوى والمرأة بين النساء كالرجل بين الرجال كذا فى الأشباه وفى الحديث (ثلاثة لا تقربهم الملائكة جيفة الكافر والمتضمخ بالخلوف والجنب الا ان يتوضأ) وفى الحديث (لا ينقع بول فى طست فى البيت فان الملائكة لا تدخل بيتا فيه

стр. 807

بول منتقع ولا تبولنّ فى مغتسلك) وفى الاغتسال منافع بدنية وفوائد دينية. منها مخالفة الكفار فانهم لا يغتسلون وازالة الدنس والابخرة الرديئة النفسانية التي تورث بعض الأمراض وتسكين حرارة الشهوات الطبيعية. قال الشيخ النيسابورى فى كتاب اللطائف فوائد الطهارة عشر طهارة الفؤاد وهو صرفه عما سوى الله تعالى. وطهارة السر المشاهدة. وطهارة الصدر الرجاء والقناعة. وطهارة الروح الحياء والهيبة. وطهارة البطن أكل الحلال والعفة عن أكل الحرام والشبهات. وطهارة البدن ترك الشهوات وازالة الأدناس. وطهارة اليدين الورع والاجتهاد. وطهارة اللسان الذكر والاستغفار. قال الثعلبي فى تفسير هذه الآية قال على رضى الله عنه اقبل عشرة من أحبار اليهود فقالوا يا محمد لماذا امر الله بالغسل من الجنابة ولم يأمر من البول والغائط وهما أقذر من النطفة فقال ﷺ (ان آدم لما أكل من الشجرة تحول فى عروقه وشعره فاذا جامع الإنسان نزل من اصل كل شعرة فافترضه الله علىّ وعلى أمتي تطهيرا وتكفيرا وشكرا لما أنعم الله عليهم من اللذة التي يصيبونها) قال فى بدائع الصنائع فى احكام الشرائع انما وجب غسل جميع البدن بخروج المنى ولم يجب بخروج البول والغائط وانما وجب غسل الأعضاء المخصوصة لا غير لوجوه. أحدها ان قضاء الشهوة بانزال المنى استمتاع بنعمة يظهر اثرها فى جميع البدن وهى اللذة فامر بغسل جميع البدن شكرا لهذه النعمة وهذا لا يتقدر فى البول والغائط. والثاني ان الجنابة تأخذ جميع البدن ظاهره وباطنه لان الوطء الذي هو سببها لا يكون الا باستعمال جميع ما فى البدن من القوة حتى يضعف الإنسان بالإكثار منه ويقوى بالامتناع عنه واذن أخذت الجنابة جميع البدن الظاهر والباطن بقدر الإمكان ولا كذلك الحدث فانه لا يأخذ الا الظاهر من الأطراف لان سببه يكون بظواهر الأطراف من الاكل والشرب ولا يكون باستعمال جميع البدن فاوجب غسل ظاهر الأطراف لا سائر البدن. والثالث ان غسل الكل او البعض وجب وسيلة الى الصلاة التي هى خدمة الرب سبحانه والقيام بين يديه وتعظيمه فيجب ان يكون المصلى على اطهر الأحوال وانظفها ليكون اقرب الى التعظيم وأكمل فى الخدمة وكمال تعظيم النظافة يحصل بغسل جميع البدن وهذا هو العزيمة فى الحدث ايضا الا ان ذلك مما يكثر وجوده فاكتفى منه بأكثر النظافة وهى تنقية الأطراف التي تنكشف كثيرا ويقع عليها الابصار ابدا وأقيم ذلك مقام غسل كل البدن دفعا للحرج وتيسيرا وفضلا من الله ورحمة ولا حرج فى الجنابة لانها لا تكثر فبقى الأمر فيها على العزيمة انتهى كلام البدائع هذا غسل الحي. واما غسل الميت فشريعة ماضية لما روى ان آدم ﵇ لما قبض نزل جبريل بالملائكة وغسلوه وقالوا لأولاده هذه سنة موتاكم وفى الحديث (للمسلم على المسلم ستة حقوق ومن جملتها ان يغسله بعد موته) ثم هو واجب عملا بكلمة على ولكن إذا قام به البعض سقط عن الباقين لحصول المقصود وأريد بالسنة فى حديث آدم الطريقة ولو تعين واحد لغسله لا يحل له أخذ الاجرة عليه وانما وجب غسل الميت لانه تنجس بالموت كسائر الحيوانات الدموية الا انه يطهر بالغسل كرامة له ولو وجد ميت فى الماء فلا بد من غسله لان الخطاب بالغسل توجه لبنى آدم ولم يوجد منهم

стр. 808

فعل. وقيل ان الميت إذا فارقته الروح وارتاح من شدة النزع انزل فوجب على الاحياء غسله كذا فى حل الرموز وكشف الكنوز. والفرق بين غسل الميت والحي انه يستحب البداءة بغسل وجه الميت بخلاف الحي فانه يبدأ بغسل يديه ولا يمضمض ولا يستنشق بخلاف الحي ولا يؤخر غسل رجليه بخلاف الحي ان كان فى مستنقع الماء ولا يمسح رأسه فى وضوء الغسل بخلاف الحي فى رواية كذا فى الأشباه. والاشارة فى الآية وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً بالالتفات الى غيرنا فَاطَّهَّرُوا بالنفوس عن المعاصي وبالقلوب عن رؤية الطاعات وبالاسرار عن رؤية الأغيار وبالأرواح عن الاسترواح من غيرنا وبسر السر عن لوث الوجود فلا بد من الطهارة مطلقا: قال الحافظ چون طهارت نبود كعبه وبتخانه يكيست ... نبود خير در ان خانه كه عصمت نبود وفى وجوب الغسل اشارة وتنبيه الى وجوب الغسل الحقيقي لوجود القلب والروح ولتلوثه بحب الدنيا وشهواتها فيجب غسلها بماء التوبة والندامة والإخلاص فهو أوجب الواجبات وآكدها واستقصاء اهل الله فى تطهير الباطن اكثر وأشد من استقصائهم فى طهارة الظاهر وقد يكون فى بعض متصوفة الزمان تشدد فى الطهارة فلو اتسخ ثوبه يغسله ولا يبالى بما فى باطنه من الغل وسائر الصفات الذميمة: قال السعدي قدس سره كرا جامه پاكست وسيرت پليد ... در دوزخش را نبايد كليد والقرآن لا يمسه الا المطهرون وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى مرضا يخاف منه الهلاك او ازدياده باستعمال الماء أَوْ كنتم مستقرين عَلى سَفَرٍ طال او قصر أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ هو المكان الغائر المطمئن والمجيء منه كناية عن الحدث لان المعتاد ان من يريده يذهب اليه ليوارى شخصه عن أعين الناس أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ملامسة النساء مماسة بشرة الرجل بشرة المرأة وهى كناية عن الجماع ومثل هذه الكناية من الآداب القرآنية إذا لتصريح مستهجن فَلَمْ تَجِدُوا ماءً المراد من عدم وجدان الماء عدم التمكن من استعماله لان ما لا يتمكن من استعماله كالمفقود فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً اى فتعمدوا شيأ من وجه الأرض طاهرا فالصعيد هو وجه الأرض ترابا او غيره سمى صعيدا لكونه صاعدا طاهرا والطيب بمعنى الطاهر سواء كان منبثا أم لا حتى لو فرضنا صخرا لا تراب عليه فضرب المتيمم يده عليه ومسح كان ذلك كافيا عند ابى حنيفة ﵀ فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ اى من ذلك الصعيد اى الى المرفقين لما روى انه ﷺ تيمم ومسح يديه الى مرفقيه ولانه بدل من الوضوء فيقدر بقدره والباء مزيدة ومن لابتداء الغاية والمعنى فانقلوا بعد وضعهما على الصعيد الى الوجوه والأيدي من غير ان يتخللها ما يوجب الفصل ما يُرِيدُ اللَّهُ بالأمر بالطهارة للصلاة او الأمر بالتيمم لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ اى تضييقا عليكم فى الدين وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ اى لينظفكم او ليطهركم من الذنوب فان الوضوء مكفر لها كما روى ان رسول الله ﷺ قال (أيما رجل قام الى وضوئه يريد الصلاة ثم غسل كفيه نزلت خطيئة كفيه مع أول قطرة فاذا تمضمض نزلت خطيئة لسانه وشفتيه مع أول قطرة وإذا غسل وجهه ويديه الى المرفقين ورجليه الى الكعبين سلم من كل ذنب هو عليه وكان كيوم ولدته امه) او ليطهركم بالتراب إذا أعوزكم التطهير بالماء

стр. 809

وَلِيُتِمَّ بشرعه ما هو مطهرة لابدانكم ومكفرة لذنوبكم نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ فى الدين او ليتم برخصته انعامه عليكم بعزائمه والرخصة ما شرع بناء على الاعذار والعزيمة ما شرع أصالة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ نعمته. واعلم ان المقصود من طهارة الثوب وهو القشر الخارج البعيد ومن طهارة البدن وهو القشر القريب طهارة القلب وهو لب الباطن وطهارة القلب من نجاسات الأخلاق أهم الطهارات ولكن لا يبعد ان يكون لطهارة الظاهر ايضا تأثير فى اشراق نورها على القلب فاذا أسبغت الوضوء واستشعرت نظافة ظاهرك صادفت فى قلبك انشراحا وصفاء كنت لاتصادفه قبله وذلك لسر العلاقة التي بين عالم الملك وعالم الملكوت فان ظاهر البدن من عالم الشهادة والقلب من عالم الملكوت وكما ينحدر من معارف القلب آثار الى الجوارح فكذلك قد يرتفع من احوال الجوارح التي هى من عالم الشهادة آثار الى القلب ولذلك امر الله بالصلاة مع انها حركات الجوارح التي من عالم الشهادة ولذلك جعلها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى الدنيا ومن الدنيا فقال (حبب الى من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعلت قرة عينى فى الصلاة) ولا يستبعد ان يفيض من الطهارة الظاهرة اثر على الباطن وان أردت لذلك دليلا من الشرع فتفكر فى قول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (خمس بخمس إذا أكل الربا كان الخسف والزلزلة وإذا جار الحكام قحط المطر وإذا ظهر الزنى كثر الموت وإذا منعت الزكاة هلكت الماشية وإذا تعدى على اهل الذمة كانت الدولة لهم) وان كنت تطلب لهذا مثلا من المحسوسات ايضا فانظر الى ما يفيض الله من النور بواسطة المرآة المحاذية للشمس على بعض الأجسام المحاذية للمرآة وبالجملة ان الله تعالى جعل الوضوء والتيمم من اسباب الطهارة فلا بد من الاجتهاد فى تحصيل الطهارة مطلقا وان كان التوفيق من الله تعالى: كما قال الحافظ فيض ازل بزور زر ار آمدى بدست ... آب خضر نصيبه إسكندر آمدى والاشارة فى الآية وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى بمرض حب الدنيا أَوْ عَلى سَفَرٍ فى متابعة الهوى أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ فى قضاء حاجة شهوة من الشهوات أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ وهى الدنيا فى تحصيل لذة من اللذات فَلَمْ تَجِدُوا ماءً التوبة والاستغفار فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فتمعكوا فى تراب أقدام الكرام فانه طهور للذنوب العظام فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ من تراب أقدامهم وشمروا لخدمتهم وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ لان فيه شفاء لقساوة القلوب ودواء لمرض الذنوب ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ بهذه الذلة والصغار وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ من الذنوب الكبار واكبر الكبائر الشرك بالله وأعظم الشركاء الوجود مع وجود المعبود وهذا ذنب لا يغفر الا بالتمرغ فى هذا التراب ولوث لم يطهر الا بالالتجاء الى هذه الأبواب وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ بعد ذوبان نحاس انانيتكم بنار تصرفات هممهم العالية بطرح اكسير أنوار الهوية لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إذ تهتدون بانوار الهوية الى رؤية أنوار النعمة كذا فى التأويلات النجمية وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بالإسلام لتذكركم المنعم وترغبكم فى شكره. فان قيل ذكر نعمة الإسلام مشعر بسبق النسيان وكيف يعقل من المسلم ان ينساها مع اشتغاله باقامة وظائف الإسلام على التوالي والدوام. قلنا المواظبة على وظائف الشيء تنزل منزلة الأمر الطبيعي المعتاد

стр. 810

فينسى كونها نعمة الهية فتكون اقامة وظائفه اتباعا لمقتضى الطبيعة فلا تكون عبادة وانما تكون شكرا لو وقع اتباعا للامر وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ اى عهده المؤكد الذي اخذه عليكم وقوله تعالى إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا ظرف لواثقكم به وفائدة التقييد به تأكيد وجوب مراعاته بتذكير قبولهم والتزامهم بالمحافظة عليه وهو الميثاق الذي اخذه على المسلمين حين بايعهم رسول الله ﷺ على السمع والطاعة فى حال اليسر والعسر والمنشط والمكره وَاتَّقُوا اللَّهَ فى نسيان نعمه ونقض ميثاقه إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ اى بخفياتها الملابسة لها ملابسة تامة مصححة لاطلاق الصاحب عليها فيجازيكم عليها فما ظنكم بجليات الأعمال واعلم ان أول النعم التي أنعم الله بها على المؤمنين إخراجهم من ظلمة العدم الى نور الوجود قبل كل موجود وخلقهم فى احسن تقويم لقبول الدين القويم وهدايتهم الى الصراط المستقيم واستماع الست بربكم وجواب بلى وتوفيقهم للسمع والطاعة ولو لم تكن نعمة التوفيق لقالوا سمعنا وعصينا كما قال اهل الخذلان والعصيان. وعن عبد الرحمن بن عوف بن مالك الأشجعي قال كنا عند رسول الله ﷺ تسعة او ثمانية او سبعة فقالوا ألا تبايعون رسول الله وكنا حديثى عهد ببيعته فقلنا قد بايعناك يا رسول الله قال (ألا تبايعون رسول الله) فبسطنا أيدينا وقلنا قد بايعناك يا رسول الله فعلام نبايعك قال (ان تعبدوا الله ولا تشركوا به شيأ وتصلوا الصلوات الخمس وتطيعوا أوامره جلية وخفية ولا تسألوا الناس) فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدا يناوله إياه حتى يكون هو ينزل فيأخذه. وعن ابى ذر رضى الله عنه قال بايعنى رسول الله ﷺ خمسا واو ثقنى سبعا واشهد الله على سبعا ان لا أخاف فى الله لومة لائم. وعنه قال لى رسول الله ﷺ (أوصيك بتقوى الله بسر أمرك وعلانيتك وإذا اسأت فاحسن ولا تسألن أحدا شيأ وان سقط سوطك ولا تقبض امانة) : قال الحافظ الشيرازي وفا وعهد نكو باشد ار بياموزى ... وگرنه هر كه تو بينى ستمگرى داند اللهم اجعلنا من الموفين بعودهم آمين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ مقيمين لاوامره ومتمسكين بها معظمين لها مراعين لحقوقها شُهَداءَ بِالْقِسْطِ اى بالعدل خبر بعد خبر وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ اى ولا يحملنكم شَنَآنُ قَوْمٍ اى شدة بغضكم للمشركين عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اى على ترك العدل فيهم فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل كمثلة وقذف وقتل نساء وصبية ونقض عهد تشّفيا مما فى قلوبكم اعْدِلُوا هُوَ اى العدل أَقْرَبُ لِلتَّقْوى التي أمرتم بها وإذا كان وجوب العدل فى حق الكفار بهذه المثابة فما ظنك بوجوبه فى حق المسلمين وَاتَّقُوا اللَّهَ فانه ملاك الأمر وزاد سفر الآخرة إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ من الأعمال فيجازيكم بذلك وحيث كان مضمون هذه الجملة التعليلية منبئا عن الوعد والوعيد عقب بالوعد لمن يخاف على طاعته تعالى وبالوعيد لمن يخل بها فقيل وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ التي من جملتها العدل والتقوى والمفعول الثاني لوعد محذوف وهو الجنة كما صرح به فى غير هذا الموضع لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم وَأَجْرٌ عَظِيمٌ
следующие страницы →