← Тафсир

Тафсир · id 23612

روح البيان

إسماعيل حقي

Полный текст (5 110 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ التي توجهتم بها الى الدنيا ولطختموها بالنظر الى الأغيار بماء التوبة والاستغفار وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ اى واغسلوا ايديكم عن التمسك بالدارين والتعلق بما فى الكونين حتى الصديق الموافق والرفيق المرافق وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ببذل نفوسكم وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ اى واغسلوا أرجلكم عن طين طينتكم والقيام بانانيتكم كذا فى التأويلات النجمية: قال الحافظ قدس سره من هماندم كه وضو ساختم از چشمه عشق ... چار تكبير زدم يكسره بر هر چهـ كه هست وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا اى فتطهروا أدغمت تاء التفعل فى الطاء لقرب مخرجهما واجتلبت همزة الوصل ليمكن الابتداء فقيل اطهروا وهذا التطهر عبارة عن الاغتسال والاطهار هو التطهر بالتكلف والمبالغة فلا يكون الا بغسل جميع ظاهر البدن حتى لو بقي العجين بين أظفاره ويبس لم يجز غسله لان الماء لا يصل تحته ولو بقي الدرن جاز الا ان ما تعذر إيصال الماء اليه كداخل العين ساقط بخلاف باطن الانف والفم حيث يمكن غسلهما ولا ضرر فيه فيجب. والدلك ليس بفرض لانه متمم فيكون مستحبا وليس البدن كالثوب لان النجاسة تخللت فيه دون البدن. ففرض الغسل غسل الفم والانف وسائر البدن. وسنته غسل يديه لكونهما آلة التطهر. وفرجه لانه مظنة النجاسة ونجاسة حقيقية ان كانت على سائر بدنه لئلا تتلاشى عند إصابة الماء. والوضوء وضوءه للصلاة الا انه يؤخر غسل رجليه الى ما بعد صب الماء على جميع بدنه ان كانتا فى مستنقع الماء تحرزا على الماء المستعمل وتثليث الغسل المستوعب هكذا حكى غسل رسول الله. ويبتدئ بمنكبه الايمن ثم الأيسر ثم الرأس فى الأصح. وليس على المرأة نقض ضفيرتها ولا بلها ان بل أصلها لان كون الشعر من البدن باعتبار أصوله فيكتفى ببل أصوله فيما فيه حرج وفيما لا حرج فيه يجب إيصال الماء الى جميعه كالضفيرة المفتولة وحكم المنقوضة ليس كذلك بل يجب إيصال الماء الى جميعها لعدم الحرج فيها. والرجل يجب عليه إيصال الماء الى جميع شعره والفرق ان حلق الشعر للمرأة مثلة دون الرجل والحرج مندفع عنه بغير الضفيرة وادنى ما يكفى من الماء فى الغسل صاع وفى الوضوء مد والصاع ثمانية أرطال والمد رطلان لما روى ان النبي ﵇ كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد ثم اختلفوا هل المد من الصاع او من غيره فهذا ليس بتقدير لازم حتى لو أسبغ الوضوء والغسل بدون ذلك جاز ولو اغتسل بأكثر منه جاز ما لم يسرف فهو المكروه كذا فى الاختيار شرح المختار. والجنب الصحيح فى المصر إذا خاف الهلاك من الاغتسال جاز له التيمم فى قولهم. واما المحدث فى المصر إذا خاف الهلاك من التوضؤ اختلفوا فيه على قول ابى حنيفة ﵀ والصحيح انه لا يباح له التيمم كذا فى فتاوى قاضى خان. والمرأة إذا وجب عليها الغسل ولم تجد سترة من الرجال تؤخره والرجل إذا لم يجد سترة من الرجال لا يؤخره ويغتسل. وفى الاستنجاء إذا لم يجد سترة يتركه والفرق ان النجاسة الحكمية أقوى والمرأة بين النساء كالرجل بين الرجال كذا فى الأشباه وفى الحديث (ثلاثة لا تقربهم الملائكة جيفة الكافر والمتضمخ بالخلوف والجنب الا ان يتوضأ) وفى الحديث (لا ينقع بول فى طست فى البيت فان الملائكة لا تدخل بيتا فيه

стр. 807

بول منتقع ولا تبولنّ فى مغتسلك) وفى الاغتسال منافع بدنية وفوائد دينية. منها مخالفة الكفار فانهم لا يغتسلون وازالة الدنس والابخرة الرديئة النفسانية التي تورث بعض الأمراض وتسكين حرارة الشهوات الطبيعية. قال الشيخ النيسابورى فى كتاب اللطائف فوائد الطهارة عشر طهارة الفؤاد وهو صرفه عما سوى الله تعالى. وطهارة السر المشاهدة. وطهارة الصدر الرجاء والقناعة. وطهارة الروح الحياء والهيبة. وطهارة البطن أكل الحلال والعفة عن أكل الحرام والشبهات. وطهارة البدن ترك الشهوات وازالة الأدناس. وطهارة اليدين الورع والاجتهاد. وطهارة اللسان الذكر والاستغفار. قال الثعلبي فى تفسير هذه الآية قال على رضى الله عنه اقبل عشرة من أحبار اليهود فقالوا يا محمد لماذا امر الله بالغسل من الجنابة ولم يأمر من البول والغائط وهما أقذر من النطفة فقال ﷺ (ان آدم لما أكل من الشجرة تحول فى عروقه وشعره فاذا جامع الإنسان نزل من اصل كل شعرة فافترضه الله علىّ وعلى أمتي تطهيرا وتكفيرا وشكرا لما أنعم الله عليهم من اللذة التي يصيبونها) قال فى بدائع الصنائع فى احكام الشرائع انما وجب غسل جميع البدن بخروج المنى ولم يجب بخروج البول والغائط وانما وجب غسل الأعضاء المخصوصة لا غير لوجوه. أحدها ان قضاء الشهوة بانزال المنى استمتاع بنعمة يظهر اثرها فى جميع البدن وهى اللذة فامر بغسل جميع البدن شكرا لهذه النعمة وهذا لا يتقدر فى البول والغائط. والثاني ان الجنابة تأخذ جميع البدن ظاهره وباطنه لان الوطء الذي هو سببها لا يكون الا باستعمال جميع ما فى البدن من القوة حتى يضعف الإنسان بالإكثار منه ويقوى بالامتناع عنه واذن أخذت الجنابة جميع البدن الظاهر والباطن بقدر الإمكان ولا كذلك الحدث فانه لا يأخذ الا الظاهر من الأطراف لان سببه يكون بظواهر الأطراف من الاكل والشرب ولا يكون باستعمال جميع البدن فاوجب غسل ظاهر الأطراف لا سائر البدن. والثالث ان غسل الكل او البعض وجب وسيلة الى الصلاة التي هى خدمة الرب سبحانه والقيام بين يديه وتعظيمه فيجب ان يكون المصلى على اطهر الأحوال وانظفها ليكون اقرب الى التعظيم وأكمل فى الخدمة وكمال تعظيم النظافة يحصل بغسل جميع البدن وهذا هو العزيمة فى الحدث ايضا الا ان ذلك مما يكثر وجوده فاكتفى منه بأكثر النظافة وهى تنقية الأطراف التي تنكشف كثيرا ويقع عليها الابصار ابدا وأقيم ذلك مقام غسل كل البدن دفعا للحرج وتيسيرا وفضلا من الله ورحمة ولا حرج فى الجنابة لانها لا تكثر فبقى الأمر فيها على العزيمة انتهى كلام البدائع هذا غسل الحي. واما غسل الميت فشريعة ماضية لما روى ان آدم ﵇ لما قبض نزل جبريل بالملائكة وغسلوه وقالوا لأولاده هذه سنة موتاكم وفى الحديث (للمسلم على المسلم ستة حقوق ومن جملتها ان يغسله بعد موته) ثم هو واجب عملا بكلمة على ولكن إذا قام به البعض سقط عن الباقين لحصول المقصود وأريد بالسنة فى حديث آدم الطريقة ولو تعين واحد لغسله لا يحل له أخذ الاجرة عليه وانما وجب غسل الميت لانه تنجس بالموت كسائر الحيوانات الدموية الا انه يطهر بالغسل كرامة له ولو وجد ميت فى الماء فلا بد من غسله لان الخطاب بالغسل توجه لبنى آدم ولم يوجد منهم

стр. 808

فعل. وقيل ان الميت إذا فارقته الروح وارتاح من شدة النزع انزل فوجب على الاحياء غسله كذا فى حل الرموز وكشف الكنوز. والفرق بين غسل الميت والحي انه يستحب البداءة بغسل وجه الميت بخلاف الحي فانه يبدأ بغسل يديه ولا يمضمض ولا يستنشق بخلاف الحي ولا يؤخر غسل رجليه بخلاف الحي ان كان فى مستنقع الماء ولا يمسح رأسه فى وضوء الغسل بخلاف الحي فى رواية كذا فى الأشباه. والاشارة فى الآية وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً بالالتفات الى غيرنا فَاطَّهَّرُوا بالنفوس عن المعاصي وبالقلوب عن رؤية الطاعات وبالاسرار عن رؤية الأغيار وبالأرواح عن الاسترواح من غيرنا وبسر السر عن لوث الوجود فلا بد من الطهارة مطلقا: قال الحافظ چون طهارت نبود كعبه وبتخانه يكيست ... نبود خير در ان خانه كه عصمت نبود وفى وجوب الغسل اشارة وتنبيه الى وجوب الغسل الحقيقي لوجود القلب والروح ولتلوثه بحب الدنيا وشهواتها فيجب غسلها بماء التوبة والندامة والإخلاص فهو أوجب الواجبات وآكدها واستقصاء اهل الله فى تطهير الباطن اكثر وأشد من استقصائهم فى طهارة الظاهر وقد يكون فى بعض متصوفة الزمان تشدد فى الطهارة فلو اتسخ ثوبه يغسله ولا يبالى بما فى باطنه من الغل وسائر الصفات الذميمة: قال السعدي قدس سره كرا جامه پاكست وسيرت پليد ... در دوزخش را نبايد كليد والقرآن لا يمسه الا المطهرون وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى مرضا يخاف منه الهلاك او ازدياده باستعمال الماء أَوْ كنتم مستقرين عَلى سَفَرٍ طال او قصر أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ هو المكان الغائر المطمئن والمجيء منه كناية عن الحدث لان المعتاد ان من يريده يذهب اليه ليوارى شخصه عن أعين الناس أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ملامسة النساء مماسة بشرة الرجل بشرة المرأة وهى كناية عن الجماع ومثل هذه الكناية من الآداب القرآنية إذا لتصريح مستهجن فَلَمْ تَجِدُوا ماءً المراد من عدم وجدان الماء عدم التمكن من استعماله لان ما لا يتمكن من استعماله كالمفقود فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً اى فتعمدوا شيأ من وجه الأرض طاهرا فالصعيد هو وجه الأرض ترابا او غيره سمى صعيدا لكونه صاعدا طاهرا والطيب بمعنى الطاهر سواء كان منبثا أم لا حتى لو فرضنا صخرا لا تراب عليه فضرب المتيمم يده عليه ومسح كان ذلك كافيا عند ابى حنيفة ﵀ فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ اى من ذلك الصعيد اى الى المرفقين لما روى انه ﷺ تيمم ومسح يديه الى مرفقيه ولانه بدل من الوضوء فيقدر بقدره والباء مزيدة ومن لابتداء الغاية والمعنى فانقلوا بعد وضعهما على الصعيد الى الوجوه والأيدي من غير ان يتخللها ما يوجب الفصل ما يُرِيدُ اللَّهُ بالأمر بالطهارة للصلاة او الأمر بالتيمم لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ اى تضييقا عليكم فى الدين وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ اى لينظفكم او ليطهركم من الذنوب فان الوضوء مكفر لها كما روى ان رسول الله ﷺ قال (أيما رجل قام الى وضوئه يريد الصلاة ثم غسل كفيه نزلت خطيئة كفيه مع أول قطرة فاذا تمضمض نزلت خطيئة لسانه وشفتيه مع أول قطرة وإذا غسل وجهه ويديه الى المرفقين ورجليه الى الكعبين سلم من كل ذنب هو عليه وكان كيوم ولدته امه) او ليطهركم بالتراب إذا أعوزكم التطهير بالماء

стр. 809

وَلِيُتِمَّ بشرعه ما هو مطهرة لابدانكم ومكفرة لذنوبكم نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ فى الدين او ليتم برخصته انعامه عليكم بعزائمه والرخصة ما شرع بناء على الاعذار والعزيمة ما شرع أصالة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ نعمته. واعلم ان المقصود من طهارة الثوب وهو القشر الخارج البعيد ومن طهارة البدن وهو القشر القريب طهارة القلب وهو لب الباطن وطهارة القلب من نجاسات الأخلاق أهم الطهارات ولكن لا يبعد ان يكون لطهارة الظاهر ايضا تأثير فى اشراق نورها على القلب فاذا أسبغت الوضوء واستشعرت نظافة ظاهرك صادفت فى قلبك انشراحا وصفاء كنت لاتصادفه قبله وذلك لسر العلاقة التي بين عالم الملك وعالم الملكوت فان ظاهر البدن من عالم الشهادة والقلب من عالم الملكوت وكما ينحدر من معارف القلب آثار الى الجوارح فكذلك قد يرتفع من احوال الجوارح التي هى من عالم الشهادة آثار الى القلب ولذلك امر الله بالصلاة مع انها حركات الجوارح التي من عالم الشهادة ولذلك جعلها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى الدنيا ومن الدنيا فقال (حبب الى من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعلت قرة عينى فى الصلاة) ولا يستبعد ان يفيض من الطهارة الظاهرة اثر على الباطن وان أردت لذلك دليلا من الشرع فتفكر فى قول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (خمس بخمس إذا أكل الربا كان الخسف والزلزلة وإذا جار الحكام قحط المطر وإذا ظهر الزنى كثر الموت وإذا منعت الزكاة هلكت الماشية وإذا تعدى على اهل الذمة كانت الدولة لهم) وان كنت تطلب لهذا مثلا من المحسوسات ايضا فانظر الى ما يفيض الله من النور بواسطة المرآة المحاذية للشمس على بعض الأجسام المحاذية للمرآة وبالجملة ان الله تعالى جعل الوضوء والتيمم من اسباب الطهارة فلا بد من الاجتهاد فى تحصيل الطهارة مطلقا وان كان التوفيق من الله تعالى: كما قال الحافظ فيض ازل بزور زر ار آمدى بدست ... آب خضر نصيبه إسكندر آمدى والاشارة فى الآية وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى بمرض حب الدنيا أَوْ عَلى سَفَرٍ فى متابعة الهوى أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ فى قضاء حاجة شهوة من الشهوات أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ وهى الدنيا فى تحصيل لذة من اللذات فَلَمْ تَجِدُوا ماءً التوبة والاستغفار فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فتمعكوا فى تراب أقدام الكرام فانه طهور للذنوب العظام فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ من تراب أقدامهم وشمروا لخدمتهم وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ لان فيه شفاء لقساوة القلوب ودواء لمرض الذنوب ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ بهذه الذلة والصغار وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ من الذنوب الكبار واكبر الكبائر الشرك بالله وأعظم الشركاء الوجود مع وجود المعبود وهذا ذنب لا يغفر الا بالتمرغ فى هذا التراب ولوث لم يطهر الا بالالتجاء الى هذه الأبواب وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ بعد ذوبان نحاس انانيتكم بنار تصرفات هممهم العالية بطرح اكسير أنوار الهوية لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إذ تهتدون بانوار الهوية الى رؤية أنوار النعمة كذا فى التأويلات النجمية وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بالإسلام لتذكركم المنعم وترغبكم فى شكره. فان قيل ذكر نعمة الإسلام مشعر بسبق النسيان وكيف يعقل من المسلم ان ينساها مع اشتغاله باقامة وظائف الإسلام على التوالي والدوام. قلنا المواظبة على وظائف الشيء تنزل منزلة الأمر الطبيعي المعتاد

стр. 810

فينسى كونها نعمة الهية فتكون اقامة وظائفه اتباعا لمقتضى الطبيعة فلا تكون عبادة وانما تكون شكرا لو وقع اتباعا للامر وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ اى عهده المؤكد الذي اخذه عليكم وقوله تعالى إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا ظرف لواثقكم به وفائدة التقييد به تأكيد وجوب مراعاته بتذكير قبولهم والتزامهم بالمحافظة عليه وهو الميثاق الذي اخذه على المسلمين حين بايعهم رسول الله ﷺ على السمع والطاعة فى حال اليسر والعسر والمنشط والمكره وَاتَّقُوا اللَّهَ فى نسيان نعمه ونقض ميثاقه إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ اى بخفياتها الملابسة لها ملابسة تامة مصححة لاطلاق الصاحب عليها فيجازيكم عليها فما ظنكم بجليات الأعمال واعلم ان أول النعم التي أنعم الله بها على المؤمنين إخراجهم من ظلمة العدم الى نور الوجود قبل كل موجود وخلقهم فى احسن تقويم لقبول الدين القويم وهدايتهم الى الصراط المستقيم واستماع الست بربكم وجواب بلى وتوفيقهم للسمع والطاعة ولو لم تكن نعمة التوفيق لقالوا سمعنا وعصينا كما قال اهل الخذلان والعصيان. وعن عبد الرحمن بن عوف بن مالك الأشجعي قال كنا عند رسول الله ﷺ تسعة او ثمانية او سبعة فقالوا ألا تبايعون رسول الله وكنا حديثى عهد ببيعته فقلنا قد بايعناك يا رسول الله قال (ألا تبايعون رسول الله) فبسطنا أيدينا وقلنا قد بايعناك يا رسول الله فعلام نبايعك قال (ان تعبدوا الله ولا تشركوا به شيأ وتصلوا الصلوات الخمس وتطيعوا أوامره جلية وخفية ولا تسألوا الناس) فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدا يناوله إياه حتى يكون هو ينزل فيأخذه. وعن ابى ذر رضى الله عنه قال بايعنى رسول الله ﷺ خمسا واو ثقنى سبعا واشهد الله على سبعا ان لا أخاف فى الله لومة لائم. وعنه قال لى رسول الله ﷺ (أوصيك بتقوى الله بسر أمرك وعلانيتك وإذا اسأت فاحسن ولا تسألن أحدا شيأ وان سقط سوطك ولا تقبض امانة) : قال الحافظ الشيرازي وفا وعهد نكو باشد ار بياموزى ... وگرنه هر كه تو بينى ستمگرى داند اللهم اجعلنا من الموفين بعودهم آمين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ مقيمين لاوامره ومتمسكين بها معظمين لها مراعين لحقوقها شُهَداءَ بِالْقِسْطِ اى بالعدل خبر بعد خبر وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ اى ولا يحملنكم شَنَآنُ قَوْمٍ اى شدة بغضكم للمشركين عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اى على ترك العدل فيهم فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل كمثلة وقذف وقتل نساء وصبية ونقض عهد تشّفيا مما فى قلوبكم اعْدِلُوا هُوَ اى العدل أَقْرَبُ لِلتَّقْوى التي أمرتم بها وإذا كان وجوب العدل فى حق الكفار بهذه المثابة فما ظنك بوجوبه فى حق المسلمين وَاتَّقُوا اللَّهَ فانه ملاك الأمر وزاد سفر الآخرة إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ من الأعمال فيجازيكم بذلك وحيث كان مضمون هذه الجملة التعليلية منبئا عن الوعد والوعيد عقب بالوعد لمن يخاف على طاعته تعالى وبالوعيد لمن يخل بها فقيل وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ التي من جملتها العدل والتقوى والمفعول الثاني لوعد محذوف وهو الجنة كما صرح به فى غير هذا الموضع لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم وَأَجْرٌ عَظِيمٌ

стр. 811

اى ثواب عظيم فى الجنة وهذه الجملة مفسرة لذلك المحذوف تفسير السبب للمسبب فان الجنة مسببة عن المغفرة وحصول الاجر فلا محل لها من الاعراب وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا التي من جملتها ما تليت من النصوص الناطقة بالأمر بالعدل والتقوى أُولئِكَ الموصوفون بما ذكر من الكفر وتكذيب الآيات أَصْحابُ الْجَحِيمِ ملابسوها ملابسة مؤبدة وفيه مزيد وعد للمؤمنين لان الوعيد اللاحق بأعدائهم مما يشفى صدورهم ويذهب ما كانوا يجدونه من اذاهم فان الإنسان يفرح بان يهدد أعداؤه. واعلم ان الله تعالى صرح للمؤمنين الأمر بالعدل وبين انه بمكان من التقوى بعد ما نهاهم عن الجور وبين انه مقتضى الهوى لكون الحامل عليه البغض والشنآن فعلى المؤمن العدل فى حق الأولياء والأعداء خصوصا فى حق نفسك وأهلك وأولادك لما ورد (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) ووجد فى سرير انوشروان مكتوبا- الملك لا يكون الا بالامارة والامارة لا تكون الا بالرجال ولا تكون الرجال الا بالأموال ولا تكون الأموال الا بالعمارة ولا تكون العمارة الا بالعدل بين الرعايا والسلطان شريك رعاياه فى كل خير عملوه-: قال الحافظ شاه را به بود از طاعت صد ساله وزهد ... قدر يك ساعت عمرى كه درو داد كند وفى ترجمة وصايا الفتوحات لمحمد بن واسع [از أكابر دين است روزى بر بلال بن برده كه والىء وقت بود در آمد واو در عيش بود و پيش او برف نهاده وبتنعم تمام نشسته محمد بن واسع را گفت يا أبا عبد الله اين خانه ما را چون بينى گفت اين خانه خوش است وليكن بهشت ازين خوشتر است وذكر آتش دوزخ از أمثال اين غافل كرداند پرسيد كه چهـ ميگويى در باب قدر گفت در همرازگان تو كه درين مقابر مدفونند فكرى بكن تا از قدر پرسيدن مشغول شوى گفت براى من دعا كن گفت دعاى من چهـ ميكنى وبر درگاه تو چندين مظلومند همه بر تو دعا ميكنند ودعاى ايشان بيشتر بالا ميرود ظلم مكن وبدعاء من حاجت نيست] ومن كلمات بهلول لهارون حين قال له من انا قال أنت الذي لو ظلم أحد فى المشرق وأنت فى المغرب سألك الله عن ذلك يوم القيامة فبكى هارون. وفى عين المعاني العالم لا يدخل على الظلمة تحاميا عن الدعاء لهم بالبقاء فورد من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب ان يعصى الله فى ارضه فلابد من النصيحة وترك المداهنة وفى الحديث (ما ترك الحق لعمر من صديق) وقال الشيخ الأكبر قدس سره الأطهر لما ادمت النصح والتحقيقا ... لم يتركالى فى الوجود صديقا قال السعدي قدس سره بگوى آنچهـ دانى سخن سودمند ... وگر هيچ كس را نيايد پسند وبالجملة ان العدل من احسن الأخلاق- وحكى- ان انوشروان لما مات كان يطاف بتابوته فى جميع مملكته وينادى منادى من له علينا حق فليأت فلم يوجد أحد فى ولايته له عليه حق من درهم ولذا اشتهر بالعدل اشتهار حاتم بالجود حتى صار العادل لقبا له فلفظ العادل انما يطلق عليه لعدم جوره وظهور عدله لمجرد المدح والثناء عليه. واما سلاطين الزمان

стр. 812

فلظهور جورهم وعدم اتصافهم بالعدل منعوا عن اطلاق العادل عليهم إذ إطلاقه عليهم حينئذ انما يكون لمجرد المدح لهم والثناء عليهم فيكون كذبا وكفرا فجواز اطلاق العادل على الكافر المنصف وعدم جواز إطلاقه على المسلمين الجائرين ليس بالنظر الى متانة العدل بل ذاك ليس الا ان العدل والجور متناقضان فلا يجتمعان. قال فى زهرة الرياض إذا كان يوم القيامة ينصب لواء الصدق لابى بكر رضى الله عنه وكل صديق يكون تحت لوائه. ولواء العدل لعمر رضى الله عنه وكل عادل يكون تحت لوائه. ولواء السخاوة لعثمان رضى الله عنه وكل سخى يكون تحت لوائه. ولواء الشهداء لعلى رضى الله عنه وكل شهيد يكون تحت لوائه وكل فقيه تحت لواء معاذ بن جبل. وكل زاهد تحت لواء ابى ذر. وكل فقير تحت لواء ابى الدرداء. وكل مقرئ تحت لواء ابى بن كعب. وكل مؤذن تحت لواء بلال. وكل مقتول ظلما تحت لواء الحسين بن على فذلك قوله تعالى يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ الآية. والعدل فى الحقيقة هو الوسط المحمود فى كل فعل وقول وخلق وهو المأمور به فى قوله تعالى فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولقد صار من نال اليه كالكبريت الأحمر والمسك الأذفر ومن الله الهداية والتوفيق آمين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ متعلق بنعمة الله إِذْ هَمَّ قَوْمٌ ظرف لنفس النعمة اى اذكروا انعامه عليكم فى وقت همهم وقصدهم أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ اى بان يبطشوا بكم بالقتل والإهلاك يقال بسط اليه يده إذا بطش به وبسط اليه لسانه إذا شتمه فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ عطف على هم وهو النعمة التي أريد تذكيرها وذكر الهم إيذان بوقوعها عند مزيد الحاجة إليها والفاء للتعقيب المفيد لتمام النعمة وكمالها اى منع أيديهم ان يمدوا إليكم عقيب همهم بذلك لا انه كفها عنكم بعد ما مدوها إليكم. وفيه من الدلالة على كمال النعمة من حيث انها لم تكن مشوبة بضرر الخوف والانزعاج الذي فلما يعرى عنه الكف بعد المد ما لا يخفى مكانه وذلك ما روى ان المشركين رأوا رسول الله ﷺ وأصحابه بعسفان فى غزوة ذى انمار وغزوة ذات الرقاع وهى السابعة من مغازيه ﵇ قاموا الى الظهر معا فلما صلوا ندم المشركون على ان لا كانوا قد أكبوا عليهم فقالوا ان لهم بعدها صلاة هى أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم يعنون صلاة العصر وهموا ان يوقعوا بهم إذا قاموا إليها فردهم الله تعالى بكيدهم بان انزل صلاة الخوف. وقيل هو ما روى ان رسول الله ﷺ اتى بنى قريظة ومعه الشيخان وعلى رضى الله عنهم يستقرضهم لدية مسلمين قتلهما عمرو بن امية الضمري خطأ يحسبهما مشركين فقالوا أنعم يا أبا القاسم اجلس حتى نطعمك ونعطيك ما سألت فاجلسوه فى صفة وهموا بقتله وعمد عمرو بن جحاش الى رحى عظيمة يطرحها عليه فامسك الله تعالى يده ونزل جبريل فاخبر فخرج النبي ﵇. وقيل هو ما روى انه ﷺ نزل منزلا وتفرق أصحابه فى الفضى يستظلون بها فعلق رسول الله ﷺ سيفه بشجرة فجاء أعرابي فاخذه وسله فقال من يمنعك منى فقال ﵇ (الله) فاسقطه جبريل ﵇ من يده فاخذه الرسول ﵇ فقال (من يمنعك منى) فقال لا أحد اشهد ان لا اله الا الله واشهد ان محمدا رسول الله وَاتَّقُوا اللَّهَ عطف على اذكروا اى اتقوه فى رعاية

стр. 813

حقوق نعمته فلا تخلوا بشكرها وَعَلَى اللَّهِ اى عليه تعالى خاصة دون غيره استقلالا واشتراكا فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ فانه يكفيهم فى إيصال كل خير ودفع كل شر. واعلم ان التوكل عبارة عن الاعتصام بالله تعالى فى جميع الأمور ومحله القلب والحركة بالظاهر لا تنافى توكل القلب بعد ما تحقق للعبد ان التقدير من قبل الله فان تعسر شىء فبتقديره. وأعلى مراتب التوكل ان يكون بين يدى الله تعالى كالميت بين يدى الغاسل تحركه القدرة الازلية وهو الذي قوى يقينه ألا ترى الى ابراهيم ﵇ لما هم نمرود وقومه ان يبسطوا اليه أيديهم فرموه فى النار جاءه جبريل وهو فى الهواء فقال ألك حاجة قال أما إليك فلا وفاه بقوله حسبى الله ونعم الوكيل وانظر الى حقيقة توكل النبي ﵇ حيث كف الله عنه وعن أصحابه أيدي المشركين رأسا فلم يقدروا ان يتعرضوا له بل ابتلوا فى اغلب الأحوال بما لا يخطر ببالهم من البلايا جزاء لهم على همهم بالسوء: وفى المثنوى قصه عاد وثمود از بهر چيست ... تا بدانى كه انبيا را ناز كيست فالتوكل من معالى درجات المقربين فعلى المؤمن ان يتحلى بالصفات الحميدة ويسير فى طريق الحق بسيرة حسنة. ودخل حكيم على رجل فرأى دارا متجددة وفرشا مبسوطة ورأى صاحبها خاليا من الفضائل فتنحنح فبزق على وجهه فقال ما هذا السفه ايها الحكيم فقال بل هو عين الحكمة لان البصاق لزق الى اخس ما كان فى الدار ولم ار فى دارك اخس منك لخلوك عن الفضائل الباطنة فنبه بذلك على دناءته وقبحه لكونه مسترسلا فى لذاته مستغرقا أوقاته لعمارة ظاهره: قال الحافظ ﵀ قلندران حقيقت بنيم جو نخرند ... قباى اطلس آنكس كه از هنر عاريست ثم اعلم ان كل شىء بقضاء الله تعالى وان الله يختبر عباده بما أراد فعليهم ان يعتمدوا عليه فى العسر واليسر والمنشط والمكره. وعن ابى عثمان قال كان عيسى ﵇ يصلى على رأس جبل فاتاه إبليس فقال أنت الذي تزعم ان كل شىء بقضاء قال نعم قال الق نفسك من الجبل وقل قدر علىّ قال يا لعين الله يختبر العباد وليس العباد يختبرون الله وما على العبد الا التوكل والشكر على الانعام. ومن جملة انعام الله تعالى الإخراج من ظلمة العدم الى نور الوجود بامر كن والله يعلم ان رجوع العباد الى العدم ليس بهم ولا إليهم كما لم يكن خروجهم بهم فان خروجهم كان بجذبة امر كن فكذلك رجوعهم لا يكون الا بجذبة امر ارجعي فعليهم ان يكونوا واثقين بكرم الله وفضله مسارعين فى طلب مرضاة الله جاهدين على وفق الأوامر والنواهي فى الله ليهديهم الى جذبات عنايته ولطفه وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ اى بالله قد أخذ الله عهد طائفة اليهود والالتفات فى قوله تعالى وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً للجرى على سنن الكبرياء او لان البعث كان بواسطة موسى ﵇ كما سيأتى اى شاهدا من كل سبط ينقب عن احوال قومه ويفتش عنها او كفيلا يكفل عليهم بالوفاء بما أمروا به. وقد روى ان النبي ﵇ جعل للانصار ليلة العقبة اثنى عشر نقيبا وفائدة النقيب ان القوم إذا علموا ان عليهم نقيبا كانوا اقرب الى الاستقامة. والنقيب والعريف

стр. 814

نظيران وقيل النقيب فوق العريف. قال فى شرح الشرعة العريف فعيل بمعنى مفعول وهو سيد القوم والقيم بامور الجماعة من القبيلة والمحلة يلى أمورهم ويتعرف الأمير منه أحوالهم وهو دون الرئيس والعرافة كالسيادة لفظا ومعنى وفى الحديث (العرافة حق ولا بد للناس من عرفاء ولكن العرفاء فى النار) يعنى ان سيادة القوم جائزة فى الشرع لان بها ينتظم مصالح الناس وقضاء أشغالهم فهى مصلحة ورفق للناس تدعو إليها الضرورة. وقوله ولكن العرفاء فى النار اى أكثرهم فيها إذ المجتنب عن الظلم منهم يستحق الثواب لكن لما كان الغالب منهم خلاف ذلك أجراه مجرى الكل كذا فى شرح المصابيح: قال السعدي رياست بدست كسانى خطاست ... كه از دستشان دستها بر خداست مكن تا توانى دل خلق ريش ... وگر ميكنى ميكنى بيخ خويش نماند ستمكار بد روزگار ... بماند برو لعنت پايدار مها زورمندى مكن بر كهان ... كه بر يك نمط مى نماند جهان دل دوستان جمع بهتر كه گنج ... خزينه تهى به كه مردم برنج بقومي كه نيكى پسندد خداى ... دهد خسرو عادل نيك راى چوخواهد كه ويران كند عالمى ... كند ملك در پنجه ظالمى وَقالَ اللَّهُ اى لبنى إسرائيل فقط إذ هم المحتاجون الى الترغيب والترهيب إِنِّي مَعَكُمْ اى بالعلم والقدرة والنصرة اسمع كلامكم وارى أعمالكم واعلم ضمائركم فاجازيكم بذلك وتم الكلام هنا ثم ابتدأ بالجملة الشرطية فقال مخاطبا لبنى إسرائيل ايضا لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي اى بجميعهم واللام موطئة للقسم المحذوف وَعَزَّرْتُمُوهُمْ اى نصرتموهم وقويتموهم وأصله الذب وهو المنع والدفع ومنه التعزير ومن نصر إنسانا فقد ذب عنه عدوه يقال عزرت فلانا اى فعلت به ما يرده عن القبيح ويمنعه عنه وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ بالإنفاق فى سبيل الخير او بالتصدق بالصدقات المندوبة فظهر الفرق بين هذا الاقراض وبين إخراج الزكاة فانها واجبة قَرْضاً حَسَناً وهو ان يكون من حلال المال وخياره برغبة واخلاص لا يشوبها رياء ولا سمعة ولا يكدرها من ولا أذى وانتصابه يحتمل ان يكون على المصدرية لانه اسم مصدر بمعنى اقراضا كما فى أنبتها نباتا حسنا بمعنى إنباتا ويحتمل ان يكون على المفعولية على انه اسم للمال المقرض لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ جواب للقسم المدلول عليه باللام ساد مسد جواب الشرط وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ اى بساطين تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اى من تحت أشجارها ومساكنها الْأَنْهارُ الاربعة وأخره لضرورة تقدم التخلية على التحلية فَمَنْ كَفَرَ اى برسلى وبشىء مما عدد فى حيز الشرط والفاء لترتيب بيان حكم من كفر على بيان حكم من آمن تقوية للترغيب والترهيب بَعْدَ ذلِكَ الشرط المؤكد المعلق به الوعد العظيم الموجب للايمان قطعا مِنْكُمْ متعلق بمضمر وقع حالا من فاعل كفر فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ اى وسط الطريق الواضح ضلالا بينا واخطأ خطأ فاحشا لا عذر معه أصلا بخلاف من كفر قبل ذلك إذ ربما يمكن

стр. 815

ان يكون له شبهة ويتوهم له معذرة- روى- ان بنى إسرائيل لما استقروا بمصر بعد مهلك فرعون أمرهم الله تعالى بالمسير الى أريحا من ارض الشام وهى الأرض المقدسة وكانت لها الف قرية فى كل قرية الف بستان وكان يسكنها الجبابرة الكنعانيون وقال لهم انى كتبتها لكم دارا قرارا فاخرجوا إليها وجاهدوا من فيها وانى ناصركم وامر موسى ﵇ ان يأخذ من كل سبط نقيبا أمينا يكون كفيلا على قومه بالوفاء بما أمروا به توثقة عليهم فاختار النقباء وأخذ الميثاق على بنى إسرائيل وتكفل لهم النقباء وسار بهم فلما دنا من ارض كنعان بعث النقباء يتجسسون له الاخبار ويعلمون علمها فرأوا اجراما عظيمة وقوة وشوكة فهابوا فرجعوا وحدثوا قومهم بما رأوا وقد نهاهم موسى عن ذلك فنكثوا الميثاق الأكالب بن يوقنا نقيب سبط يهودا ويوشع بن نون نقيب سبط افرائيم بن يوسف الصديق ﵇ قيل لما توجه النقباء الى ارضهم للتجسس لقيهم عوج بن عنق وكان طوله ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعا وثلث وذراع وقد عاش ثلاثة آلاف سنة وكان يحتجز بالسحاب ويشرب منه ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ثم يأكله ويروى ان الماء طبق ما على الأرض من جبل فى طوفان نوح وما جاوز ركبتى عوج وكانت امه عنق احدى بنات آدم وكان مجلسها جريبا من الأرض فلما لقى عوج النقباء وعلى رأسه حزمة حطب أخذ الاثني عشر نقيبا وجعلهم فى الحزمة فانطلق بهم الى امرأته وقال انظري الى هؤلاء الذين يزعمون قتالنا فطرحهم بين يديها وقال ألا اطحنهم برجلي فقالت لابل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا ففعل ذلك- وروى- انه جعلهم فى كمه واتى بهم الملك فنشرهم بين يديه فقال ارجعوا الى قومكم فاخبروهم بما رأيتم وكان لا يحمل عنقودا من عنبهم إلا خمسة انفس او اربعة بينهم فى خشبة ويدخل فى شطر رمانة إذا نزع حبها خمسة انفس فجعلوا يتعرفون بأحوالهم فلما رجعوا قال بعضهم لبعض انكم ان أخبرتم بنى إسرائيل بخبر القوم ارتدوا عن نبى الله ولكن اكتموه الا عن موسى وهارون فيكونان هما يريان رأيهما فاخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك ثم انصرفوا الى موسى ﵇ وكان معهم حبة من عنبهم وقر جمل فنكثوا عهدهم وجعل كل منهم ينهى سبطه عن قتالهم ويخبرهم بما رأى الأكالب ويوشع وكان معسكر موسى فرسخا فى فرسخ فجاء عوج حتى نظر إليهم ثم رجع الى جبل فقوّر منه صخرة عظيمة على قدر المعسكر ثم حملها على رأسه ليطبقها عليهم فبعث الله الهدهد فقوّر من الصخرة وسطها المحاذي لرأسه فانتقبت فوقعت فى عنق عوج فطوقته فصرعته واقبل موسى ﵇ وطوله عشرة اذرع وكذا طول العصا فترامى فى السماء عشرة اذرع فما أصاب العصا الا كعبه وهو مصروع فقتله قالوا فاقبلت جماعة ومعهم الخناجر حتى جذروا رأسه وهكذا سنة الله فيما أراد حيث ينصر أولياءه بما لا يخطر ببالهم ولله فى كل فعله حكمة تامة ومصلحة شاملة. واعلم ان الله تعالى كما جعل فى امة موسى من النقباء المختارين المرجوع إليهم عند الضرورة اثنى عشر كذلك جعل من كمال عنايته فى هذه الامة من النجباء البدلاء واعزة الأولياء أربعين رجلا فى كل حال وزمان كما قال النبي ﵇ (يكون

стр. 816

فى الامة أربعون على خلق ابراهيم وسبعة على خلق عيسى وواحدة على خلقى) فهم على مراتب درجاتهم ومناصب مقاماتهم امنة هذه الامة كما قال ﵇ (بهم ترزقون وبهم تمطرون وبهم يدفع الله البلاء) قال ابو عثمان المغربي البدلاء أربعون والأمناء سبعة والخلفاء من الائمة ثلاثة والواحد هو القطب عارف بهم جميعا ومشرف عليهم ولا يعرفه أحد ولا يشرف عليه وهو امام الأولياء الثلاثة الذين هم الخلفاء من الائمة وهو يعرفهم وهم لا يعرفونه والخلفاء الثلاثة يعرفون السبعة الذين هم الأمناء ولا يعرفهم أولئك السبعة والسبعة يعرفون الأربعين الذين هم البدلاء ولا يعرفهم البدلاء الأربعون وهم يعرفون سائر الأولياء من الامة ولا يعرفهم من الأولياء أحد فاذا نقص من الأربعين واحد جعل مكانه واحد من الأولياء وإذا نقص من السبعة واحد جعل مكانه واحد من الأربعين وإذا نقص من الثلاثة واحد جعل مكانه واحد من السبعة وإذا مضى القطب الذي هو الواحد فى العدد وبه قوام اعداد الخلق جعل بدله واحد من الثلاثة هكذا الى ان يأذن الله تعالى فى قيام الساعة كما فى التأويلات النجمية. وقال الشيخ الأكبر قدس سره الأطهر القطب يحفظ المركز والامام الايمن يحفظ عالم الأرواح والامام الأيسر يحفظ عام الأجساد والأوتاد الاربعة يحفظون الشرق والغرب والجنوب والشمال والابدال السبعة يحفظون أقاليم الكرة علوا وسفلا انتهى كلامه فى كتاب العظيمة. ويقول الفقير جامع هذه المجالس اللطائف سمعت من حضرة شيخى وسندى الذي بمنزلة روحى فى جسدى ان قطب الوجود إذا انتقل الى الدار الآخرة يكون خليفته فى الجانب الأيسر من الافراد دون الجانب الايمن وذلك لان يسار الامام يمين ويمينه يسار حين الاستقبال الى القوم واليه الاشارة بقوله تعالى فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ فان لفظة ما عند اهل التحقيق نافية واهل اليسار اهل الجلال والفناء واهل اليمين اهل الجمال والبقاء فافهم هذا السر البديع وكن ممن القى سمعه وهو شهيد فان المنكر الغافل طريد عن الحق بعيد بسر وقت شان خلق كى ره برند ... كه چون آب حيوان بظلمت درند : قال الصائب سخن عشق با خرد گفتن ... بر رگ مرده نيشتر زدنست ثم تحقيق قوله تعالى لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ ان اقامة الصلاة فى ادامتها بان تجعل الصلاة معراجك الى الحق وتديم العروج بدرجاتها الى ان تشاهد الحق كما شاهدت يوم الميثاق ودرجاتها اربع القيام والركوع والسجود والتشهد على حسب دركات نزلت بها من أعلى عليين وجوار رب العالمين الى أسفل السافلين القالب وهى العناصر الاربعة التي خلق منها قالب الإنسان فالمتولدات منها على اربعة اقسام ولكل قسم منها ظلمة وخاصية تحجبك عن مشاهدة الحق وهى الجمادية وخاصيتها التشهد ثم النباتية وخاصيتها السجود ثم الحيوانية وخاصيتها الركوع ثم الانسانية وخاصيتها القيام يشير إليك بالتخلص من حجب أوصاف الانسانية وأعظمها الكبر وهو من خاصية النار والركوع يشير إليك بالتخلص من حجب صفات الحيوانية وأعظمها الشهوة

стр. 817

وهى من خاصية الهواء والسجود يشير إليك بالتخلص من حجب طبع النباتية وأعظمها الحرص على الجذب للشىء والنمو وهو من خاصية الماء والتشهد يشير إليك بالتخلص من حجب طبع الجمادية وأعظمها الجمودية وهى من خاصية التراب ومن هذه الصفات الأربع تنشأ بقية صفات البشرية فاذا تخلصت من هذه الدركات والحجب ورجعت بهذه المدارج الاربعة الى جوار رب العالمين وقربه فقد أقمت الصلاة مناجيا ربك مشاهدا له كما قال ﷺ (اعبد الله كأنك تراه) كذا فى التأويلات النجمية فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ اى فبسبب نقض اليهود عهدهم وهو انهم كذبوا الرسل بعد موسى وقتلوا الأنبياء ونبذوا الكتاب وضيعوا فرائضه وما مزيدة لتأكيد الكلام وتمكينه فى النفس لَعَنَّاهُمْ اى طردناهم وابعدناهم من رحمتنا او مسخناهم قردة وخنازير او اذللناهم بضرب الجزية عليهم وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً اى غليظة شديدة بحيث لا تتأثر من الآيات والنذر وحجر قاس اى صلب غير لين يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ استئناف لبيان قسوة قلوبهم فانه لا قسوة أشد من تغيير كلام الله والافتراء عليه والمراد بالتحريف اما تبديلهم نعت النبي ﷺ واما تبديلهم بسوء التأويل وقد سبق فى سورة البقرة وَنَسُوا حَظًّا اى وتركوا نصيبا وافرا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ من التوراة او من اتباع محمد ﵇ والمعنى انهم حرفوا التوراة وتركوا حظهم مما انزل عليهم فلم ينالوه وقيل معناه انهم حرفوها فتركت بشؤمه أشياء منها عن حفظهم لما روى عن ابن مسعود رضى الله عنه قال قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية وتلا هذه الآية- روى- ان الله تعالى غير العلم على امية بن ابى الصلت وكان من بلغاء الشعراء كان نائما فاتاه طائر وادخل منقاره فى فيه فلما استيقظ نسى جميع علومه: قال الحافظ نه من ز بي عملى در جهان ملولم وبس ... ملالت علما هم ز علم بي عملست واعلم ان العلماء العاملين والمشايخ الواصلين لا يزالون يذكرون الناس كل عصر يوم الميثاق ومخاطبة الحق إياهم تشويقا لهم الى تلك الأحوال فمن سامع ومن معرض فالسامع لكونه معرضا عن الدنيا والعقبى وصل الى جوار المولى فكان مقبولا مرحوما والمعرض لكونه مقبلا على ما سوى المولى لم ينل شيأ فكان مردودا ملعونا لانه نقض عهده مع الله : وفى المثنوى بي وفايى چون سگانرا عار بود ... بي وفايى چون روادارى نمود حق تعالى فخر آورد از وفا ... گفت من اوفى بعهد غيرنا وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ اى خيانة على انها مصدر كاللاغية والكاذبة قال الله تعالى لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً اى لغوا والمعنى ان الغدر والخيانة عادة مستمرة لهم ولا سلافهم بحيث لا يكادون يتركونها او يكتمونها فلا تزال ترى ذلك منهم إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ لم يخونوا وهم الذين آمنوا منهم كعبد الله بن سلام واضرابه وهو استثناء من الضمير المجرور فى منهم فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ اى اعرض عنهم ولا تتعرض لهم بالمعاقبة والمؤاخذة ان تابوا وآمنوا او عاهدوا والتزموا الجزية وقيل مطلق نسخ بآية السيف وهو قوله تعالى قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ

стр. 818

وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ تعليل للامر بالصفح وحث على الامتثال وتنبيه على ان العفو عن الكافر الخائن احسان فضلا عن العفو عن غيره: قال السعدي عدو را بالطاف كردن به بند ... كه نتوان بريدن بتيغ وكمند چودشمن كرم بيند ولطف وجود ... نيايد دگر خبث ازو در وجود وگر خواجه با دشمنان نيك خوست ... بسى بر نيايد كه كردند دوست وكان ﵇ محسنا له مكارم اخلاق يضيق نطاق بيان الواصفين عنها: ومن حكايات المولوى قدس الله سره فى المثنوى كافران مهمان پيغمبر شدند ... وقت شام ايشان بمسجد آمدند گفت اى ياران من قسمت كنيد ... كه شما پر از من وخوى منيد هر يكى يارى يكى مهمان گزيد ... در ميان يك زفت بود وبي نديد جسم ضخمى داشت كس او را نبرد ... ماند در مسجد چواندر جامه درد مصطفى بردش چوواماند از همه ... هفت بز شيرده بر در رمه كه مقيم خانه بودندى بزان ... بهر دوشيدن براى وقت خوان نان وآش وشير آن هر هفت بز ... خورد آن بوقحط عوج ابن غز جمله اهل بيت خشم آلو شدند ... كه همه در شير بز طامع شدند معده طبلى خوار همچون طبل كرد ... قسم هجده آدمي تنها بخورد وقت خفتن رفت ودر حجره نشست ... پس كنيزك از غضب در را ببست از برون زنجير در را درفكند ... كه ازو بد خشمگين ودردمند كبر را از نيم شب تا صبحدم ... چون تقاضا آمد ودرد شكم از فراش خويش سويى در شتافت ... دست بر در چونهاد او بسته يافت در گشادن حيله كرد آن حيله ساز ... نوع نوع وخود نشد آن بند باز شد تقاضا بر تقاضا خانه تنگ ... ماند او حيران وبي درمان ودنگ حيله كرد واو بخواب اندر خزيد ... خويشتن در خواب ودر ويرانه ديد زانكه ويرانه بد اندر خاطرش ... شد بخواب اندر همانجا منظرش خويش در ويرانه خالى چوديد ... او چنان محتاج واندر دم بريد گشت بيدار وبديد آن جامه خواب ... بر حدث ديوانه شد از اضطراب گفت خوابم بدتر از بيداريم ... كه خورم آن سو واين سو مى ريم بانگ مى زد وا ثبورا وا ثبور ... همچنانكه كافر اندر قعر گور منتظر كه كى شود اين شب بسر ... يا برآيد در گشادن بانگ در تا گريزد او چوتيرى از كمان ... تا نبيند هيچكس او را چنان مصطفى صبح آمد ودر را گشاد ... صبح آن گمراه را او راه داد جامه خواب پر حدث را يك فضول ... قاصدان آورد در پيش رسول

стр. 819

كه چنين كر دست مهمانت ببين ... خنده زد رحمة للعالمين كه بيار آن مطهره اينجا به پيش ... تا بشويم جمله را با دست خويش او بجد مى شست آن احداث را ... خاص ز امر حق نه تقليد وريا كه دلش مى گفت كين را تو بشو ... كه در اينجا هست حكمت تو بتو كافرك را هيكلى بد يادگار ... ياوه ديد آنرا وگشت او بي قرار گفت آن حجره كه شب جا داشتم ... هيكل آنجا بي خبر بگذاشتم كه چهـ شرمين بود شرمش حرص برد ... حرص اژدرهاست بي چيزست خرد از پى هيكل شتاب اندر دويد ... در وثاق مصطفى وانرا بديد كان يد الله ان حدث را هم بخود ... خوش همى شويد كه دورش چشم بد هيكلش از ياد رفت وشد پديد ... اندر وشورى گريبانرا دريد مى زد او دو دست را بر رو وسر ... كله را ميكوفت بر ديوار ودر آنچنان كه خون ز بينى وسرش ... شد روان ورحم گردان مهترش چون ز حد بيرون بلرزيد وطپيد ... مصطفى اش در كنار خود كشيد ساكنش كرد وبسى بنواختش ... ديده اش بگشاده داد اشناختش آب بر رو زد در آمد در سخن ... كى شهيد حق شهادت عرضه كن گشت مؤمن گفت او را مصطفى ... كامشب هم باش وتو مهمان ما گفت والله تا ابد ضيف توام ... هر كجا باشم بهر جا كه روم يا رسول الله رسالت را تمام ... تو نمودى همچوشمع بي غمام وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ اى وأخذنا من النصارى ميثاقهم كما أخذنا ممن قبلهم من اليهود ومن متعلقة باخذنا والتقديم للاهتمام وانما قال قالوا انا نصارى ولم يقل ومن النصارى تنبيها على انهم نصارى بتسميتهم أنفسهم بهذا الاسم ادعاء لنصرة الله بقولهم لعيسى ﵇ نحن أنصار الله وليسوا موصوفين بانهم نصارى بتوصيف الله إياهم بذلك ومعنى أخذ الميثاق هو ما أخذ الله عليهم فى الإنجيل من العهد المؤكد باتباع محمد ﷺ وبيان صفته ونعته فَنَسُوا حَظًّا اى تركوا نصيبا وافرا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فى تضاعيف الميثاق من الايمان وما يتفرع عليه من افعال الخير فَأَغْرَيْنا اى الزمنا والصقنا من غرى بالشيء إذ الزمه ولصق به واغراه غيره بَيْنَهُمُ ظرف لا غرينا الْعَداوَةَ وهى تباعد القلوب والنيات وَالْبَغْضاءَ اى البغض إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ غاية للاغراء او للعداوة والبغضاء اى يتعادون ويتباغضون الى يوم القيامة وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ اى يخبرهم فى الآخرة بِما كانُوا يَصْنَعُونَ وعيد شديد بالجزاء والعذاب كقول الرجل لمن يتوعده ساخبرك بما فعلت اى يجازيهم بما عملوا على الاستمرار من نقض الميثاق ونسيان الحظ الوافر مما ذكروا به وسوف لتأكيد الوعيد والتعبير عن العمل بالصنع للايذان برسوخهم فى ذلك قيل الذي القى العداوة بين النصارى رجل يقال له بولس وكان بينه وبين النصارى

стр. 820

قتال قتل منهم خلقا كثيرا فاراد ان يحتال بحيلة يلقى بها بينهم القتال فيقتل بعضهم بعضا فجاء الى النصارى وجعل نفسه اعور وقال لهم ألا تعرفوننى فقالوا أنت الذي قتلت ما قتلت منا وفعلت ما فعلت فقال قد فعلت ذلك كله والآن تبت لانى رأيت عيسى ﵊ فى المنام نزل من السماء فلطم وجهى لطمة فقأ عينى فقال أي شىء تريد من قومى فتبت على يده ثم جئتكم لا كون بين ظهرانيكم وأعلمكم شرائع دينكم كما علمنى عيسى ﵇ فى المنام فاتخذوا له غرفة فصعد تلك الغرفة وفتح كوة الى الناس فى الحائط وكان يتعبد فى الغرفة وربما كانوا يجتمعون اليه ويسألونه ويجيبهم من تلك الكوة وربما يأمرهم بان يجتمعوا ويناديهم من تلك الكوة ويقول لهم بقول كان فى الظاهر منكرا وينكرون عليه فكان يفسر ذلك القول تفسيرا يعجبهم ذلك فانقادوا كلهم له وكانوا يقبلون قوله بما يأمرهم به فقال يوما من الأيام اجتمعوا عندى فقد حضرنى علم فاجتمعوا فقال لهم أليس خلق الله تعالى هذه الأشياء فى الدنيا كلها لمنفعة بنى آدم قالوا نعم فقال لم تحرمون على أنفسكم هذه الأشياء يعنى الخمر والخنزير وقد خلق لكم ما فى الأرض جميعا فاخذوا قوله فاستحلوا الخمر والخنزير فلما مضى على ذلك ايام دعاهم وقال حضرنى علم فاجتمعوا فقال لهم من أي ناحية تطلع الشمس فقالوا من قبل المشرق فقال ومن أي ناحية يطلع القمر والنجوم فقالوا من قبل المشرق فقال ومن يرسلهم من قبل المشرق قالوا الله تعالى فقال فاعلموا انه تعالى فى قبل المشرق فان صليتم له فصلوا اليه فحول صلاتهم الى المشرق فلما مضى على ذلك ايام دعا بطائفة منهم وأمرهم بان يدخلوا عليه فى الغرفة وقال لهم انى أريد ان اجعل نفسى الليلة قربانا لاجل عيسى وقد حضرنى علم فاريد ان أخبركم فى السر لتحفظوا عنى وتدعوا الناس الى ذلك بعدي ويقال ايضا انه أصبح يوما وفتح عينه الاخرى ثم دعاهم وقال لهم جاءنى عيسى الليلة وقال قد رضيت عنك فمسح يده على عينى فبرئت والآن أريد ان اجعل نفسى قربانا له ثم قال هل يستطيع أحد ان يحيى الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص الا الله تعالى فقالوا لا فقال ان عيسى قد فعل هذه الأشياء فاعلموا انه هو الله تعالى فخرجوا من عنده ثم دعا بطائفة اخرى فاخبرهم بذلك ايضا وقال انه كان ابنه ثم دعا بطائفة ثالثة وأخبرهم بذلك ايضا وقال انه ثالث ثلاثة وأخبرهم انه يريد ان يجعل نفسه الليلة قربانا فلما كان بعض الليالى خرج من بين ظهرانيهم فاصبحوا وجعل كل فريق يقول قد علمنى كذا وكذا وقال الفريق الآخر أنت كاذب بل علمنى كذا وكذا فوقع بينهم القتال فاقتتلوا وقتلوا خلقا كثيرا وبقيت العداوة بينهم الى يوم القيامة وهم ثلاث فرق منهم النسطورية قالوا المسيح ابن الله والثانية الملكانية قالوا ان الله تعالى ثالث ثلاثة المسيح وامه والله والفرقة الثالثة اليعقوبية قالوا ان الله هو المسيح: قال جلال الدين رومى قدس سره در تصور ذات او را كنج كو ... تا درآيد در تصور مثل او گر بغايت نيك وگر بد گفته اند ... هر چهـ زو گفتند از خود گفته اند «١» مى مكن چندين قياس اى حق شناس ... زانكه نايد ذات بيچون در قياس «٢» فعلى المؤمن ان يلاحظ قوله تعالى وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ وان يشتغل بنفسه عن

стр. 821

غيره وفى الحديث (ما منكم من أحد الا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان فينظر ايمن منه فلا يرى الا ما قدم وينظر أشأم منه فلا يرى الا ما قدم فينظر بين يديه فلا يرى الا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق ثمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة) يعنى من لم يجد شيأ يتقى به النار فليتق منها بقول حسن يطيب به قلب المسلم فان الكلمة الطيبة من الصدقات. والاشارة فى الآية ان الله تعالى أخذ الميثاق من اليهود والنصارى على التوحيد كما أخذ من هذه الامة يوم الميثاق ولكنه لما وكل الفريقين الى أنفسهم نسوا ما ذكروا به فما بقي لهم حظ من ذلك الميثاق بابطال الاستعداد الفطري لكمال الانسانية فصاروا كالانعام بل هم أضل اى بل كالسباع يتحارشون ويتناوشون بالعداوة والبغضاء الى يوم القيامة فان ارباب الغفلة لا الفة بينهم وان اصحاب الوفاق لا وحشة بينهم واما هذه الامة لما أيدت بتأييد الا له إذ كتب فى قلوبهم الايمان بقلم خطاب ألست بربكم يوم الميثاق وأيدهم بروح منه ما نسوا حظا مما ذكروا به وقيل لنبيهم ﵊ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ وقال تعالى خطابا لهم إذ لم ينسوا حظهم ولم ينقضوا ميثاقهم فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ على ان ذكره إياهم كان قبل وجودهم وذكرهم إياه حين ذكرهم المحبة وقال يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ كذا فى التأويلات النجمية يا أَهْلَ الْكِتابِ يعنى اليهود والنصارى والكتاب جنس شامل للتوراة والإنجيل قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا الاضافة للتشريف والإيذان بوجوب اتباعه يُبَيِّنُ لَكُمْ حال من رسولنا اى حال كونه مبينا لكم على التدريج حسبما تقتضيه المصلحة كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ اى كثيرا كائنا من الذي كنتم تخفونه على الاستمرار حال كونه من الكتاب اى التوراة والإنجيل الذي أنتم اهله والمتمسكون به كنعت محمد ﵇ وآية الرجم فى التوراة وبشارة عيسى بأحمد ﵉ فى الإنجيل وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ مما تخفونه اى لا يظهره ولا يخبره إذا لم يضطر اليه امر دينى صيانة لكم عن زيادة الافتضاح قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ المراد بالنور والكتاب هو القرآن لما فيه من كشف ظلمات الشرك والشك وابانة ما خفى على الناس من الحق او الاعجاز الواضح والعطف المنبئ على تغاير الطرفين لتنزيل المغايرة بالعنوان منزلة المغايرة بالذات وقيل المراد بالأول هو الرسول ﷺ وبالثاني القرآن يَهْدِي بِهِ اللَّهُ وحد الضمير لان المراد بهما واحد بالذات او لانهما فى حكم الواحد فان المقصود منهما دعوة الخلق الى الحق أحدهما رسول الهى والآخر معجزته وبيان ما يدعو اليه من الحق مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ اى رضاه بالايمان به سُبُلَ السَّلامِ اى طرق السلامة من العذاب والنجاة من العقاب على ان يكون السلام بمعنى السلامة كاللذاذ واللذاذة والرضاع والرضاعة او سبيل الله تعالى وهو شريعته التي شرعها للناس على ان يكون السلام هو الله تعالى وانتصاب سبل بنزع الخافض فان يهدى انما يتعدى الى الثاني بالى او باللام كما فى قوله تعالى إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُخْرِجُهُمْ الضمير لمن والجمع باعتبار المعنى كما ان الافراد فى اتبع باعتبار اللفظ مِنَ الظُّلُماتِ اى ظلمات فنون الكفر والضلال إِلَى النُّورِ الى الايمان وسمى الايمان نورا لان الإنسان إذا آمن ابصر به طريق نجاته فطلبه وطريق هلاكه فحذره بِإِذْنِهِ

стр. 822

اى بتيسيره وإرادته وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ اى طريق هو اقرب الطرق الى الله تعالى ومؤد اليه لا محالة وهذه الهداية عين الهداية الى سبل السلام وانما عطف عليها تنزيلا للتغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي كما فى قوله تعالى وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ. واعلم ان الله تعالى بعث النبي ﷺ نورا يبين حقيقة حظ الإنسان من الله تعالى وانه تعالى سمى نفسه نورا بقوله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لانهما كانتا مخفيتين فى ظلمة العدم فالله تعالى اظهرهما بالإيجاد وسمى الرسول نورا لان أول شىء أظهره الحق بنور قدرته من ظلمة العدم كان نور محمد ﷺ كما قال (أول ما خلق الله نورى) ثم خلق العالم بما فيه من نوره بعضه من بعض فلما ظهرت الموجودات من وجود نوره سماه نورا وكل ما كان اقرب الى الاختراع كان اولى باسم النور كما ان عالم الأرواح اقرب الى الاختراع من عالم الأجسام فلذلك سمى عالم الأنوار والعلويات نورانيا بالنسبة الى السفليات فاقرب الموجودات الى الاختراع لما كان نور النبي ﵇ كان اولى باسم النور ولهذا كان يقول (انا من الله والمؤمنون منى) وقال تعالى قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ- وروى- عن النبي ﵇ انه قال (كنت نورا بين يدى ربى قبل خلق آدم باربعة عشر ألف عام وكان يسبح ذلك النور وتسبح الملائكة بتسبيحه فلما خلق الله آدم القى ذلك النور فى صلبه) وعن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبي ﷺ انه قال (لما خلق الله آدم اهبطنى فى صلبه الى الأرض وجعلنى فى صلب نوح فى السفينة وقذفنى فى صلب ابراهيم ثم لم يزل تعالى ينقلنى من الأصلاب الكريمة والأرحام الطاهرة حتى أخرجني بين أبوي لم يلتقيا على سفاح قط) قال العرفي فى قصيدته النعتية اين بس شرف گوهر تو منشى تقدير ... آن روز كه بگذاشتى إقليم قدم را تا حكم نزول تو درين دار نوشته است ... صدره بعبث باز تراشيد قلم را وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه انه قال قال رسول الله ﷺ (لما اعترف آدم بالخطيئة قال يا رب اسألك بحق محمد ان تغفر لى فقال الله يا آدم كيف عرفت محمدا ولم أخلقه قال لانك لما خلقتنى بيدك ونفخت فى من روحك رفعت رأسى فرأيت على قوائم العرش مكتوبا لا اله الا الله محمد رسول الله فعرفت انك لم تضف الى اسمك الا اسم أحب الخلق إليك فقال الله تعالى صدقت يا آدم انه لأحب الخلق الى فغفرت لك ولولا محمد لما خلقتك) رواه البيهقي فى دلائله لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ لا غير كما يقال الكرم هو التقوى نزلت فى نصارى نجران وهم اليعقوبية القائلون بانه تعالى قد يحل فى بدن انسان معين او فى روحه قُلْ يا محمد تبكيتا لهم ان كان الأمر كما تزعمون فَمَنْ استفهامية انكارية يَمْلِكُ الملك الضبط والحفظ التام عن حزم اى يمنع مِنَ اللَّهِ اى من قدرته وإرادته شَيْئاً وحقيقته فمن يستطيع ان يمسك شيأ منها إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً احتج بذلك على فساد قولهم وتقريره ان المسيح مقدور مقهور قابل للفناء كسائر الممكنات ومن كان كذلك فهو بمعزل عن الالوهية وكيف يكون آلها من لا يقدر على دفع الهلاك

стр. 823

عن نفسه ولا عن غيره والمراد بالإهلاك الامانة والاعدام مطلقا لا بطريق السخط والغضب ولعل نظم امه فى سلك من فرض ارادة إهلاكهم مع تحقق هلاكها قبل ذلك لتأكيد التبكيت وزيادة تقرير مضمون الكلام بجعل حالها أنموذجا لحال بقية من فرض إهلاكه كأنه قيل قل فمن يملك من الله شيأ ان أراد ان يهلك المسيح ابن مريم وامه ومن فى الأرض وقد أهلك امه فهل مانعه أحد فكذا حال من عداها من الموجودين وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما اى ما بين قطرى العالم الجسماني لا بين وجه الأرض ومقعر فلك القمر فقط فيناول ما فى السموات من الملائكة وما فى اعماق الأرض والبحار من المخلوقات وهو تنصيص على كون الكل تحت قهره تعالى وملكوته اثر الاشارة الى كون البعض اى من فى الأرض كذلك اى له تعالى وحده ملك جميع الموجودات والتصرف المطلق فيها إيجادا واعداما واحياء واماتة لا لاحد سواه استقلالا ولا اشتراكا فهو تحقيق لاختصاص الالوهية به تعالى اثر بيان انتفائها عن كل ما سواه يَخْلُقُ ما يَشاءُ اى يخلق ما يشاء من انواع الخلق والإيجاد على ان ما نكرة موصوفة محلها النصب على المصدرية لا على المفعولية كأنه قيل يخلق أي خلق يشاؤه فتارة يخلق من غير اصل كخلق السموات والأرض واخرى من اصل كخلق ما بينهما فينشئ من اصل ليس من جنس كخلق آدم وكثير من الحيوانات ومن اصل يجانسه اما من ذكر وحده كخلق حواء او أنثى وحدها كخلق عيسى او منهما كخلق سائر الناس ويخلق بلا توسط شىء من المخلوقات كخلق عامة المخلوقات وقد يخلق بتوسط مخلوق آخر كخلق الطير على يد عيسى معجزة له واحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك فينسب كل اليه تعالى لا الى من اجرى ذلك على يده وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اعتراض تذييلى مقرر لمضمون ما قبله: وفى المثنوى دامن او گير اى يار دلير ... كو منزه باشد از بالا وزير «١» نى چوعيسى سوى گردون بر شود ... نى چوقارون در زمين اندر رود ربى الاعلاست ورد آن مهان ... رب ادنى در خور اين ابلهان «٢» وعن عبادة من الصامت رضى الله عنه عن النبي ﵇ قال (من شهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله وان عيسى عبد الله ورسوله وكلمته القاها الى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق ادخله الله الجنة على ما كان من عمل) وعن الحارث الأشعري رضى الله عنه ان رسول الله ﷺ قال (ان الله تعالى اوحى الى يحيى بن زكريا ﵉ بخمس كلمات ان يعمل بهن ويأمر بنى إسرائيل ان يعملوا بهن فكأنه ابطأ بهن فاتاه عيسى فقال ان الله أمرك بخمس كلمات ان تعمل بهن وتأمر بنى إسرائيل ان يعملوا بهن فاما ان تخبرهم واما ان أخبرهم فقال يا أخي لا تفعل فانى أخاف ان سبقتنى بهن ان يخسف بي او أعذب قال فجمع بنى إسرائيل ببيت المقدس حتى امتلأ المسجد وقعدوا على الشرفات ثم خطبهم فقال ان الله اوحى الى بخمس كلمات ان اعمل بهن وآمر بنى إسرائيل ان يعملوا بهن. اولاهن ان لا تشركوا بالله شيأ فان مثل من أشرك بالله

стр. 824

كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب او ورق ثم اسكنه دارا فقال اعمل وارفع الى فجعل يعمل ويرفع الى غير سيده فأيكم يرضى ان يكون عبده كذلك فان الله خلقكم ورزقكم فلا تشركوا به شيأ وإذا قمتم الى الصلاة فلا تلتفتوا فان الله يقبل بوجهه الى وجه عبده ما لم يلتفت. وآمركم بالصيام ومثل ذلك كمثل رجل فى عصابة معه صرة من مسك كلهم يحب ان يجد ريحها وان الصيام عند الله أطيب من ريح المسك. وآمركم بالصدقة ومثل ذلك كمثل رجل اسره العدو فاوثقوا يده الى عنقه وقربوه ليضربوا عنقه فجعل يقول هل لكم ان أفدي نفسى منكم فجعل يعطى القليل والكثير حتى فدى نفسه. وآمركم بذكر الله كثيرا ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا فى اسره حتى اتى حصنا حصينا فاحرز نفسه فيه وكذلك العبد لا ينجو من الشيطان الذي هو اكبر الأعداء الا بذكر الله: قال فى المثنوى ذكر حق كن بانكه غولانرا بسوز ... چشم نرگس را ازين كركس بدوز «١» ذكر حق پاكست چون پاكى رسيد ... رخت بر بندد برون آيد پليد «٢» مى گريزد ضدها از ضدها ... شب گريزد چون بر افروزد ضيا چون درآيد نام پاك اندر دهان ... نى پليدى ماند ونى آن دهان قال رسول الله ﷺ (وانا آمركم بخمس الله أمرني بهن بالسمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة فانه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه الا ان يراجع) والربقة بكسر الراء وفتحها وسكون الباء الموحدة واحدة الربق وهى عرى فى حبل يشد به إليهم وتستعار لغيره وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ اى قالت اليهود نحن أشياع ابنه عزير وقالت النصارى نحن أشياع ابنه المسيح كما يقول أقارب الملوك عند المفاخرة نحن الملوك او المعنى نحن من الله بمنزلة الأبناء للآباء وقربنا من الله كقرب الوالد لولده وحبنا إياه كحب الوالد لولده وغضب الله علينا كغضب الرجل على ولده والوالد إذا سخط على ولده فى وقت يرضى عنه فى وقت آخر وبالجملة انهم كانوا يدعون ان لهم فضلا ومزية عند الله على سائر الخلق فرد عليهم ذلك وقيل لرسول الله ﷺ قُلْ إلزاما لهم وتبكيتا فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ اى ان صح ما زعمتم فلأى شىء يعذبكم فى الدنيا بالقتل والاسر والمسح وقد اعترفتم بانه سيعذبكم فى الآخرة أياما معدودة بعدد ايام عبادتكم العجل ولو كان الأمر كما زعمتم لما صدر عنكم ما صدر ولما وقع عليكم ما وقع بَلْ اى لستم كذلك أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ اى من جنس ما خلق الله تعالى من غير مزية لكم عليهم يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ ان يغفر له من اولئكم المخلوقين وهم الذين آمنوا بالله تعالى وبرسله وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ان يعذبه منهم وهم الذين كفروا به تعالى وبرسله وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما من الموجودات لا ينتمى اليه تعالى شىء منها الا بالمملوكية والعبودية والكل تحت مملوكيته يتصرف فيه كيف يشاء إيجادا واعداما واماتة واثابة وتعذيبا فانى لهم ادعاء ما زعموا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ فى الآخرة خاصة لا الى غيره استقلالا ولا اشتراكا فيجازى كلا من المحسن والمسيئ بما يستدعيه عمله من غير مانع يمنعه

стр. 825

وليست المحبة بالدعوى بل لها علامات ولله در من قال تعصى الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمرى فى الفعال بديع لو كان حبك صادقا لأطعته ... ان المحب لمن يحب مطيع والله تعالى لا يحب من خالف شيأ من شريعة النبي ﵇ من سننها وفروضها وحلالها وحرامها وانما يحب من أطاع امره ولا فوق بين الناس من حيث الصورة البشرية وانما تفاوتهم من حيث العلم والعمل والتقرب الى الله تعالى: قال السعدي قدس سره ره راست بايد نه بالاى راست ... كه كافر هم از روى صورت چوماست وانما يظهر التفاوت فى الآخرة لانها دار الجزاء فطوبى لعبد تفكر فى حاله ومصيره فرغب فى الزهد والطاعة قبل مضى الوقت: قال فى المثنوى گر ببينى ميل خود سوى سما ... پر دولت برگشا همچون هما ور بينى ميل خود سوى زمين ... نوحه ميكن هيچ منشين از حنين عاقلان خود نوحها پيشين كنند ... جاهلان آخر بسر بر مى زنند ز ابتداء كار آخر را ببين ... تا نباشى تو پشيمان روز دين - وحكى- ان رجلا جاء الى صائغ يسأل منه الميزان ليزن رضاض ذهب له فقال الصائغ اذهب فانه ليس لى غربال فقال الرجل لا تسخر بي آت الميزان فقال الصائغ ليس لى مكنسة ثم قال اطلب منك الميزان ايها الصائغ وأنت تجيبنى بما يضحك منه فقال انما قلت ما قلت لانك شيخ مرتعش فعند الوزن يتفرق رضاضك من يدك بسبب ارتعاشك ويسقط الى التراب فتحتاج الى المكنسة والغربال للتخليص فبسبب فكرى لعاقبة أمرك قلت ما قلت من ز أول ديدم آخر را تمام ... جاى ديگر رو ازينجا والسلام واعلم ان أحباء الله هم اولياء الله على اختلاف درجاتهم وطبقاتهم. فمنهم عوام. ومنهم خواص. ومنهم أخص ولكل منهم مقام معلوم من المحبة. ورأى بعضهم معروفا الكرخي تحت العرش وقد قال الله تعالى لملائكته من هذا فقالوا أنت اعلم يا رب فقال هذا معروف الكرخي سكر من حبى فلا يليق إلا للقائي وكمال الحب انما يحصل بعد تزكية النفس فان النفس إذا كانت مغضوبة لا تتم الرحمة فى حقها وصاحبها انما يحب الله تعالى من وراء حجاب اللهم اجعلنا ممن يحبك حبا شديدا ويسلك فى محبتك طريقا سديدا يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا حال كونه يُبَيِّنُ لَكُمْ الشرائع والاحكام الدينية المقرونة بالوعد والوعيد عَلى فَتْرَةٍ كائنة مِنَ الرُّسُلِ مبتدأة من جهتهم وعلى متعلق بجاءكم على الظرفية اى جاءكم على حين فتور من الإرسال وانقطاع من الوحى ومزيد احتياج الى بيان الشرائع والاحكام الدينية يقال فتر الشيء يفتر فتورا إذا سكنت حركته وصارت اقل مما كانت عليه وسميت المدة بين الأنبياء فترة لفتور الدواعي فى العمل بتلك الشرائع ونبينا صلى الله تعالى عليه وسلم بعث بعد انقطاع الرسل لان الرسل كانت متواترة بعضها فى اثر بعض الى وقت رفع عيسى ﵇ أَنْ تَقُولُوا تعليل لمجيئ الرسول بالبيان على حذف

стр. 826

المضاف اى كراهة ان تقولوا معتذرين عن تفريطكم فى مراعاة احكام الدين ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ يبشرنا بالجنة وَلا نَذِيرٍ يخوفنا بالنار وقد انطمست آثار الشرائع السابقة وانقطعت اخبارها فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ متعلق بمحذوف تنبئ عنه الفاء الفصيحة وتبين انه معلل به اى لا تعتذروا بذلك فقد جاءكم بشير أي بشير ونذير أي نذير على ان التنوين للتفخيم. وفى الآية امتنان عليهم بان بعث إليهم حين انطمست آثار الوحى وكانوا أحوج ما يكون اليه وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على الإرسال تترى كما فعل بين موسى وعيسى ﵉ حيث كان بينهما الف وسبعمائة سنة والف نبى وعلى الإرسال بعد الفترة كما فعله بين عيسى ومحمد ﵉ حيث كان بينهما ستمائة سنة وتسع وتسعون سنة او خمسمائة وست وأربعون سنة واربعة أنبياء على ما روى الكلبي ثلاثة من بنى إسرائيل وواحد من العرب خالدين سنان العبسي وقيل لم يكن بعد عيسى الا رسول الله ﷺ وهو الأنسب بما فى تنوين فترة من التفخيم اللائق بمقام الامتنان عليهم بان الرسول قد بعث إليهم عند كمال حاجتهم اليه بسبب مضى دهر طويل بعد انقطاع الوحى ليعدوه أعظم نعمة من الله وفتح باب الى الرحمة وتلزمهم الحجة فلا يتعللوا غدا بانه لم يرسل إليهم من ينبههم من غفلتهم كذا فى الإرشاد. وفى الحديث (انا اولى الناس بعيسى ابن مريم فانه ليس بينى وبينه نبى) قال ابن الملك بطل بهذا قول من قال الحواريون كانوا أنبياء بعد عيسى ﵇ انتهى ومعنى قوله نبى اى نبى داع للخلق الى الله وشرعه واما خالدين سنان فان اظهر بدعواه الانباء عن البرزخ الذي بعد الموت وما اظهر نبوته فى الدنيا. وقصته انه كان مع قومه يسكنون بلاد عدن فخرجت نار عظيمة من مغارة فاهلكت الزرع والضرع فالتجأ اليه قومه فاخذ خالد يضرب تلك النار بعصاه حتى رجعت هاربة منه الى المغارة التي خرجت منها ثم قال لاولاده انى ادخل المغارة خلف النار لاطفئها وأمرهم ان يدعوه بعد ثلاثة ايام تامة فانهم ان نادوه قبل ثلاثة ايام فهو يخرج ويموت وان صبروا ثلاثة ايام يخرج سالما فلما دخل صبروا يومين واستفزهم الشيطان فلم يصبروا ثلاثة ايام فظنوا انه هلك فصاحوا به فخرج خالد من المغارة وعلى رأسه ألم حصل من صياحهم فقال ضيعتمونى وأضعتم قولى ووصيتي وأخبرهم بموته وأمرهم ان يقبروه ويرقبوه أربعين يوما فانه يأتيهم قطيع من الغنم يتقدمه حمار ابتر مقطوع الذنب فاذا حاذى قبره ووقف فلينبشوا عليه قبره فانه يقوم ويخبرهم بأحوال البرزخ والقبر عن يقين ورؤية فانتظروا أربعين يوما فجاء القطيع وتقدمه حمار ابتر فوقف حذاء قبره فهمّ مؤمنوا قومه ان ينبشوا عليه فابى أولاده خوفا من العار لئلا يقال لهم أولاد المنبوش قبره فحملتهم الحمية الجاهلية على ذلك فضيعوا وصيته وأضاعوه فلما بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جاءته بنت خالد فقال ﵇ (مرحبا بابنة نبى إضاعة قومه) وانما امر خالد ان ينبش عليه ليسأل ويخبر ان الحكم فى البرزخ على صورة الحياة الدنيا فيعلم بذلك الاخبار صدق الرسل كلهم بما أخبروا به فى حياتهم الدنيا فكان غرض خالد ﵇ ايمان العالم كله بما جاءت به الرسل من احوال القبر والمواطن والمقامات البرزخية ليكون رحمة

стр. 827

للجميع فانه تشرف بقرب نبوته من نبوة محمد ﵇ وعلم خالد ان الله أرسله رحمة للعالمين ولم يكن خالد برسول فاراد ان يحصل من هذه الرحمة فى الرسالة المحمدية على حظ او فرو لم يؤمر بالتبليغ فاراد ان يحطى فى البرزخ بذلك التبليغ من مقام الرسالة ليكون أقوى فى العلم فى حق الخلق اى ليعلم قوة علمه بأحوال الخلائق فى البرزخ فاضاعه قومه وانما وصف النبي قومه بانهم أضاعوا نبيهم اى وصية نبيهم حيث لم يبلغوه مراده من اخباره احوال القبر كذا فى الفصوص وشروحه. واتفق العلماء على انه ﷺ ولد بمكة عام الفيل فى عاشر شهر ربيع الاول فى ليلة يوم الاثنين منه فلما تشرف العالم وجوده الشريف وعنصره اللطيف أضاءت قلوب الخلق واستنارت فهداهم الله به ﵇ فابصره من ابصر وعمى من عمى وبقي فى الكفر والضلال در كارخانه عشق از كفر ناگزيرست ... آتش كرا بسوزد گر بو لهب نباشد وانما أضاف تعالى الرسول الى نفسه وقال رسولنا وما أضاف إليهم لان فائدة رسالته لم تكن راجعة إليهم ولما خاطب هذه الامة وأخبرهم عن مجيئ الرسول ما اضافه الى نفسه وانما جعله من أنفسهم فقال لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ لان فائدة رسالته كانت راجعة الى أنفسهم كما فى التأويلات النجمية. فعلى المؤمن ان يقتفى اثر الرسول ﷺ ويتفكر فى الوعد والوعيد فقد جاء البشير والنذير بحيث لم يبق للاعتذار مجال أصلا- وروى- ان جبير بن مطعم قال كنا مع النبي ﷺ بالجحفة فقال (أليس تشهدون ان لا اله الا الله وحده لا شريك له وانى رسول الله وان القرآن جاء من عند الله) فقلنا بلى قال (فابشروا فان هذا القرآن طرفه بيده الله وطرفه بايديكم فتمسكوا به فانكم لن تهلكوا ولن تضلوا بعده ابدا) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اى اذكر يا محمد لاهل الكتاب ما حدث وقت قول موسى لبنى إسرائيل ناصحالهم يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ اى انعامه عليكم إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ فى وقت جعله فيما بينكم من اقربائكم أنبياء فارشدكم وشرفكم بهم ولم يبعث فى امة من الأمم ما بعث فى بنى إسرائيل من الأنبياء وكثرة الاشراف والأفاضل فى القوم شرف وفضل لهم ولا شرف أعظم من النبوة وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً اى جعل فيكم او منكم ملوكا كثيرة فانه قد تكاثر فيهم الملوك تكاثر الأنبياء وجعل الكل فى مقام الامتنان عليهم ملوكا لما ان أقارب الملوك يقولون عند المفاخرة نحن الملوك. وقال السدى وجعلكم أحرار تملكون أنفسكم بعد ما كنتم فى أيدي القبط فى مملكة فرعون بمنزلة اهل الجزية قال ابن عباس رضى الله عنهما يعنى اصحاب خدم وحشم وكانوا أول من ملك الخدم ولم يكن لمن قبلهم خدم وقال بعضهم من له امرأة يأوى إليها ومسكن يسكنه وخادم يخدمه فهو من الملوك وكذا من كان مسكنه واسعا وفيه ماء جار فهو ملك وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ من البحر وإغراق العدو وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك مما آتاهم الله من الأمور العظام والمراد بالعالمين الأمم الخالية الى زمانهم يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ هى ارض بيت المقدس طهرت من الشرك وجعلت قرار الأنبياء ومسكن المؤمنين الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ اى كتب فى اللوح المحفوظ انها تكون مسكنا لكم ان آمنتم وأطعتم لقوله تعالى

стр. 828

لهم بعد ما عصوا فانها محرمة عليهم وَلا تَرْتَدُّوا لا ترجعوا عَلى أَدْبارِكُمْ اى مدبرين خوفا من الجبابرة فهو حال من فاعل لا ترتدوا ويجوز ان يتعلق بنفس الفعل اى ولا ترجعوا على أعقابكم بخلاف ما امر الله فَتَنْقَلِبُوا فتنصرفوا حال كونكم خاسِرِينَ اى مغبونين بفوت ثواب الدارين قالُوا اى بنوا إسرائيل عند امر موسى ونهيه غير ممتثلين لذلك يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ اى متغلبين لا تتأتى مقاومتهم والجبار العالي الذي يجبر الناس ويكرههم كائنا من كان على ما يريده كائنا ما كان فعال من جبره على الأمر اى أجبره عليه وذلك ان النقباء الاثني عشر الذين خرجوا لتجسس الاخبار وانتهوا الى مدينة الجبارين لما رجعوا الى موسى واخبروه بما عاينوا من قوتهم وشوكتهم وطول قدودهم وعظم أجسامهم وان الرجل من بنى إسرائيل ليدخل تحت قدمهم لعظمه ووسعته قال لهم موسى اكتموا شأنهم ولا تخبروا به أحدا من اهل المعسكر فيفشلوا فاخبر كل واحد منهم قريبه وابن عمه إلا رجلين وفيا بما قال لهما موسى أحدهما يوشع بن نون بن افرائيم بن يوسف فتى موسى والآخر كالب بن يوفنا ختن موسى على أخته مريم بنت عمران وكان من سبط يهودا فشاع الخبر بين بنى إسرائيل فلذا قالو ان فيها قوما جبارين وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها من غير صنع من قبلنا فانه لا طاقة لنا بإخراجهم منها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها بسبب من الأسباب التي لا تعلق لنا بها فَإِنَّا داخِلُونَ حينئذ قالَ رَجُلانِ كانه قيل هل اتفقوا على ذلك او خالفهم البعض فقيل قال رجلان وهما كالب ويوشع مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ الله تعالى دون العدو ويتقونه فى مخالفة امره ونهيه وهو صفة لرجلان أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بالتثبيت والوقوف على شؤونه تعالى والثقة بوعده وهو صفة ثانية لرجلان ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ اى باب بلد الجبارين وهو أريحا وتقديم الجار والمجرور عليه للاهتمام به لان المقصود انما هو دخول الباب وهم فى بلدهم اى باغتوهم وضاغتوهم فى المضيق وامنعوهم من البروز الى الصحراء لئلا يجدوا للحرب مجالا فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ اى باب بلدهم وهم فيه فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ من غير حاجة الى القتال فانا قد رأيناهم وشاهدناهم ان قلوبهم ضعيفة وان كانت أجسادهم عظيمة فلا تخشوهم واهجموا عليهم فى المضايق فانهم لا يقدرون فيها على الكر والفر وَعَلَى اللَّهِ خاصة فَتَوَكَّلُوا بعد ترتيب الأسباب ولا تعتمدوا عليها فانها بمعزل من التأثير وانما التأثير من عنايته العزيز القدير إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ به تعالى مصدقين لوعده فان ذلك مما يوجب التوكل عليه حتما قالُوا غير مبالين بقول ذينك الرجلين مصرين على القول الاول يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها اى ارض الجبابرة أَبَداً اى دهرا طويلا ما دامُوا فِيها اى فى ارضهم وهو بدل من ابدا بدل البعض لان الابد يعم الزمن المستقبل كله ودوام الجبارين فيها بعض منه فَاذْهَبْ الفاء فصيحة اى فاذا كان الأمر كذلك فاذهب أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا اى فقاتلاهم انما قالوا ذلك استهانة واستهزاء به تعالى وبرسوله وعدم مبالاة بهما لا انهم قصدوا ذهابهما حقيقة لان من هو فى صورة الإنسان يستبعد منه انه يجوز حقيقة الذهاب والمجيء على الله تعالى الا ان يكون من المجسمة إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ

стр. 829

أراد بذلك عدم التقدم لا عدم التأخر قالَ موسى ﵇ لما رأى منهم ما رأى من العناد على طريقة البث والحزن والشكوى الى الله تعالى مع رقة القلب التي بمثلها تستجلب الرحمة وتستنزل النصرة رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي اى الا طاعة نفسى وأخي فَافْرُقْ بَيْنَنا يريد نفسه وأخاه والفاء لترتيب الفرق والدعاء به على ما قبله وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ الخارجين عن طاعتك المصرين على عصيانك بان تحكم لنا بما نستحقه وعليهم بما يستحقون قالَ الله تعالى فَإِنَّها اى الأرض المقدسة مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ تحريم منع لا تحريم تعبد وتكليف لا يدخلونها ولا يملكونها لان كتابتها لهم كانت مشروطة بالايمان والجهاد وحيث نكصوا على ادبارهم حرموا ذلك وانقلبوا خاسرين أَرْبَعِينَ سَنَةً ظرف لمحرمة فالتحريم موقت بهذه المدة لا مؤبد فلا يكون مخالفا لقوله تعالى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ فالمراد بتحريمها عليهم انه لا يدخلها أحد منهم فى هذه المدة لكن لا بمعنى ان كلهم يدخلونها بعدها بل بعضهم ممن بقي يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ اى يتحيرون فى البرية استئناف لبيان كيفية حرمانهم فَلا تَأْسَ فلا تحزن والاسى الحزن عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ- روى- انه ﵇ ندم على دعائه عليهم فقيل لا تندم ولا تحزن عليهم فانهم أحقاء بذلك لفسقهم فلبثوا أربعين سنة فى ستة فراسخ وهم ستمائة الف مقاتل وكانوا يسيرون كل يوم جادين فاذا امسوا كانوا فى الموضع الذي ارتحلوا منه وكان الغمام يظللهم من حر الشمس ويطلع بالليل عمود من نور يضيئ لهم وينزل عليهم المن والسلوى ولا تطول شعورهم وإذا ولد لهم مولود كان عليه ثوب كالظفر يطوله وماؤهم من الحجر الذي يحملونه وهذه الإنعامات عليهم مع انهم معاقبون لما ان عقابهم كان بطريق الفرك والتأديب وأصح الأقاويل ان موسى وهارون كانا معهم فى التيه ولكن كان ذلك لهما روحا وسلامة كالنار لابراهيم وملائكة العذاب قال فى التأويلات النجمية والتعجب فى ان موسى وهارون بشؤم معاملة بنى إسرائيل بقيا فى التيه أربعين سنة وبنوا إسرائيل ببركة كرامتهما ظلل عليهم الغمام وانزل عليهم المن والسلوى فى التيه ليعلم اثر بركة صحبة الصالحين واثر شؤم صحبة الفاسقين انتهى: قال الحافظ ملول همرهان بودن طريق كاردانى نيست ... بكش دشوارىء منزل بياد عهد آسانى - روى- ان موسى ﵇ خرج من التيه بعد أربعين سنة وسار بمن بقي من بنى إسرائيل الى أريحا وكان يوشع بن نون على مقدمته فحارب الجبابرة وفتحها واقام بها ما شاء الله ثم قبضه الله ولا يعلم قبره الا الله وهذا أصح الأقاويل لاتفاق العلماء على ان عوج بن عنق قتله موسى ﵇ قال السدى فى وفاة هارون ان الله اوحى الى موسى انى متوفى هارون فائت به جبل كذا وكذا فانطلق موسى وهارون نحو ذلك الجبل فاذا هما بشجرة لم ير مثلها فاذا بيت مبنى وفيه سرير عليه فرش وإذا فيه ريح طيبة فلما نظر هارون الى ذلك أعجبه وقال يا موسى انى أحب ان أنام على هذا السرير قال فنم عليه فلما نام جاء ملك الموت فقال يا موسى خدعتنى فلما قبض رفع البيت وذهبت تلك الشجرة ورفع السرير به الى السماء فلما رجع موسى الى بنى إسرائيل وليس معه هارون قالوا ان موسى قتل هارون وحسده على حب بنى

стр. 830

إسرائيل إياه فقال لهم موسى ويحكم كان أخي أفتروني اقتل أخي فلما كثروا عليه صلى ركعتين ثم دعا فنزل السرير حتى نظروا اليه بين السماء والأرض فصدقوه وعن على بن ابى طالب رضى الله عنه قال صعد موسى وهارون الجبل فقال بنوا إسرائيل أنت قتلته فآذوه فامر الله الملائكة فحملوه حتى مروا به على بنى إسرائيل وتكلمت الملائكة بموته حتى عرفت بنوا إسرائيل انه قد مات فبرأه الله مما قالوا ثم ان الملائكة حملوه ودفنوه فلم يطلع على موضع قبره أحد الا الرخم فجعله الله أصم وأبكم وقال عمرو بن ميمونة مات هارون وموسى فى التيه مات هارون قبل موسى وكانا خرجا الى بعض الكهوف فمات هارون ودفنه موسى وانصرف الى بنى إسرائيل فقالوا قتلته لحبنا إياه وكان محببا فى بنى إسرائيل فتضرع موسى الى ربه فاوحى الله اليه ان انطلق بهم الى قبره فنادى يا هارون فخرج من قبره ينقض رأسه فقال انا قتلتك فقال لا ولكننى مت قال فعد الى مضجعك وانصرفوا واما وفاة موسى ﵊ قال ابن اسحق كان صفى الله موسى قد كره الموت وأعظمه فاراد الله ان يحبب اليه الموت فنبىء يوشع بن نون فكان يغدو ويروح عليه فيقول له موسى يا نبى الله ما أحدث الله إليك فيقول له يوشع يا نبى الله ألم أصحبك كذا وكذا سنة فهل كنت اسألك عن شىء مما أحدث الله إليك حتى تكون أنت الذي تبثه به وتذكره ولا يذكر له شيأ ولما رأى موسى ذلك كره الحياة وأحب الموت وفى الحديث (جاء ملك الموت الى موسى فقال له أجب ربك قال فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها فرجع ملك الموت الى الله تعالى فقال انك أرسلتني الى عبد لا يريد الموت وقد فقأ عينى قال فرد الله اليه عينه وقال ارجع الى عبدى فقل له الحياة تريد فان كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما وارت يدك من شعرة فانك تعيش بها سنة قال ثم ماذا قال ثم تموت قال فالآن من قريب قال رب أدنني من الأرض المقدسة قدر رمية حجر) قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (لو انى عنده لأريتكم قبره الى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر) قال محمد بن يحيى قد صح حديث ملك الموت وموسى عن رسول الله ﷺ ولا يرده الا كل مبتدع كذا فى تفسير الثعلبي وفى حديث آخر (ان ملك الموت كان يأتى الناس عيانا حتى اتى موسى ليقبضه فلطمه ففقأ عينه فجاء ملك الموت بعد ذلك خفية) وقال وهب خرج موسى لبعض حاجاته فمر برهط من الملائكة يحفرون قبرا لم يرشيأ قط احسن منه ومثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة فقال لهم يا ملائكة الله لمن يحفر هذا القبر فقالوا لعبد كريم على ربه فقال ان هذا العبد من الله بمنزل ما رأيت مضجعا احسن من هذا قالوا يا كليم الله أتحب ان يكون لك قال وددت قالوا فانزل واضطجع فيه وتوجه الى ربك قال فاضطجع فيه وتوجه الى ربه ثم تنفس أسهل نفس قبض الله روحه ثم سوت الملائكة عليه التراب وقيل ان ملك الموت أتاه بتفاحة من الجنة فشمها فقبض روحه- وروى- ان يوشع رآه بعد موته فى المنام فقال كيف وجدت الموت قال كشاة تسلخ وهى حية وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة فلما مات موسى وانقضت الأربعون بعث الله يوشع نبيا فاخبره ان الله قد امره بقتال الجبابرة فصدقوه وتابعوه فتوجه ببني إسرائيل الى اريحاء معه تابوت الميثاق فاحاط بمدينة اريحاء ستة أشهر فلما كان السابع نفخوا فى القرون

стр. 831

وضج الشعب ضجة واحدة فسقط سور المدينة ودخلوا فقاتلوا الجبارين فهزموهم وهجموا عليهم يقتلونهم وكانت العصابة من بنى إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها لا يقطعونها وكان القتال يوم الجمعة فبقيت منهم البقية وكادت الشمس تغرب وتدخل ليلة السبت فقال اللهم اردد الشمس على وقال للشمس انك فى طاعة الله تعالى وانا فى طاعة الله فسأل الشمس ان تقف والقمر ان يقيم حتى ينتقم من اعداء الله قبل دخول السبت فردت عليه الشمس وزيد فى النهار ساعة حتى قتلهم أجمعين وتتبع ملوك الشام فاستباح منهم أحدا وثلاثين ملكا حتى غلب على جميع ارض الشام وصارت الشام كلها لبنى إسرائيل وفرق عماله فى نواحيها وجمع الغنائم فلم تنزل النار فأوحى الله الى يوشع ان فيها غلولا فمرهم فليبا يعوك فبايعوه فالتصقت يدرجل منهم بيده فقال هلم ما عندك فاتاه برأس ثور من ذهب مكلل بالياقوت والجواهر وكان قد غله فجعله فى القربان وجعل الرجل معه فجاءت النار فاكلت الرجل والقربان ثم مات يوشع ودفن فى جبل افرائيم وكان عمره مائة وستا وعشرين سنة وتدبيره امر بنى إسرائيل بعد موت موسى سبعا وعشرين سنة جهان اى برادر نماند بكس ... دل اندر جهان آفرين بند وبس وَاتْلُ عَلَيْهِمْ اى على اهل الكتاب نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ اى خبر ابني ابى البشر وهما قابيل وهابيل بِالْحَقِّ اى تلاوة ملتبسة بالحق والصحة ذكر العلماء ان حواء كانت تلد فى كل بطن ولدين ذكرا وأنثى إلا شيثا فانها ولدته منفردا فولدت أول بطن قابيل وأخته إقليما ثم ولدت فى البطن الثانية هابيل وأخته ليوذا فلما أدركوا أوحى الله الى آدم انه يزوج كلا منهما توأمة الآخر لانه لم يكن يومئذ الا أختاهما وكانت توأمة قابيل أجمل فحسد عليها أخاه وسخط وزعم ان ذلك ليس من عند الله بل من جهة آدم فقال لهما قربا قربانا فمن أيكما قبل تزوجها ففعلا فنزلت نار على قربان هابيل فاكلته ولم تتعرض لقربان قابيل فازداد قابيل حسدا وسخطا وفعل ما فعل إِذْ قَرَّبا قُرْباناً ظرف لنبأ والقربان اسم لما يتقرب به الى الله تعالى من ذبيحة او صدقة وتوحيده لما انه فى الأصل مصدر والتقدير إذ قرب كل منهما قربانا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما هو هابيل وكان صاحب ضرع وقرب جملا سمينا او كبشا ولبنا وزبدا فنزلت نار من السماء بيضاء لا دخان لها فاكلته بعد دعاء آدم ﵇ وكانت القرابين إذا كانت مقبولة نزلت من السماء نار فاكلتها وان لم تكن مقبولة لم تنزل النار واكلتها الطير والسباع وقيل ما كان فى ذلك الوقت فقير يدفع اليه ما يتقرب به الى الله تعالى فكانت علامة قبوله ما ذكر من مجيئ النار والاكل وروى سعيد بن جبير وغيره نزلت نار من السماء فاحتملت قربان هابيل ورفع بها الى الجنة فلم يزل يرعى الى ان فدى به الذبيح ﵇ وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ وهو قابيل كان صاحب زرع وقرب اردأ ما عنده من القمح ولم تتعرض له النار أصلا لانه سخط حكم الله ولم يخلص النية فى قربانه وقصد الى اخس ما عنده فنزلا عن الجبل الذي قربا عليه وقد غضب قابيل لرد قربانه وكان يضمر الحسد فى نفسه الى ان اتى آدم مكة لزيارة البيت فلما غاب آدم اتى قابيل هابيل وهو فى غنمه فعند ذلك قالَ اى من لم يتقبل قربانه لاخيه لَأَقْتُلَنَّكَ اى والله لا قتلنك قال ولم قال لان الله قبل قربانك ورد قربانى وتنكح أختي الحسناء وانكح

стр. 832

أختك الدميمة فيحدث الناس انك خير منى ويفخر ولدك على ولدي قالَ الذي تقبل قربانه وما ذنبى إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ اى القربان مِنَ الْمُتَّقِينَ لا من غيرهم وانما تقبل قربانى ورد قربانك لما فينا من التقوى وعدمه اى انما أديت من قبل نفسك لا من قبلى فلم تقتلنى والتقوى من صفات القلب لقوله ﵇ (التقوى هاهنا) وأشار الى القلب وحقيقة التقوى ان يكون العامل على خوف ووجل من تقصير نفسه فيما اتى به من الطاعات وان يكون فى غاية الاحتراز من ان يأتى بتلك الطاعة لغرض سوى طلب مرضاة الله وان يكون فيه شركة لغير الله تعالى لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ اى والله لئن مددت الى يدك وباشرت قتلى حسبما او عدتنى به وتحقق ذلك منك ما انا بفاعل مثله لك فى وقت من الأوقات ثم علل ذلك بقوله إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ قيل كان هابيل أقوى ولكن تحرّج عن قتله واستسلم له خوفا من الله تعالى لان القتل للدفع لم يكن مباحا فى ذلك الوقت قال البغوي وفى الشرع جائز لمن أريد قتله ان ينقاد ويستسلم طلبا للاجر كما فعل عثمان رضى الله عنه إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ تعليل آخر لامتناعه عن المعارضة على انه غرض متأخر عنه كما ان الاول باعث متقدم عليه وانما لم يعطف تنبيها على كفاية كل منهما فى العلية والمعنى انى أريد باستسلامى لك وامتناعي عن التعرض لك ان ترجع بإثمي اى بمثل اثمى لو بسطت يدك إليك وبإثمك ببسط يدك الىّ كما فى قوله ﷺ (المستبان ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم) اى على البادئ عين اثم سبه ومثل سبه صاحبه بحكم كونه سببا له وكلاهما نصب على الحالية اى ترجع ملتبسا بالاثمين حاملا لهما ولعل مراده بالذات انما هو عدم ملابسته للاثم لا ملابسة أخيه له فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ فى الآخرة وَذلِكَ اشارة الى كونه من اصحاب النار جَزاءُ الظَّالِمِينَ اى عقوبة من لم يرض بحكم الله تعالى فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ من طاع له المرتع إذا اتسع اى وسعته وسهلته اى جعلته سهلا وهوّنته وتقدير الكلام فصورت له نفسه ان قتل أخيه طوع له سهل عليه ومتسع له لا ضيق فيه ولا حرج فان قتل النفس بغير حق لا سيما قتل الأخ إذا تصوره الإنسان يجده شيأ عاصيا نافرا كل النفرة عن دائرة الشرع والعقل بعيدا عن الاطاعة والانقياد البتة ثم ان النفس الامارة إذا استعملت القوة السبعية الغضبية صار ذلك الفعل أسهل عليها فكأن النفس صيرته كالمطيع لها بعد ان كان كالعاصى المتمرد عليها ويتم الكلام بدون اللام بان يقال فطوعته نفسه قتل أخيه الا انه جيئ باللام لزيادة الربط كما فى قولك حفظت لزيد ماله مع تمام الكلام بان يقال حفظت مال زيد فَقَتَلَهُ قيل لم يدر قابيل كيف يقتل هابيل فتمثل إبليس وأخذ طائرا او حية ووضع رأسه على الحجر ثم شدخها بحجر آخر وقابيل ينظر فتعلم منه فوضع رأس هابيل بين حجرين وهو مستسلم لا يستعصى عليه او اغتاله وهو نائم وغنمه ترعى وذلك عند جبل ثور او عقبة حراء او بالبصرة فى موضع المسجد الأعظم وكان لهابيل يوم قتله عشرون سنة وعن بعض الكبار ان آدم لما هبط الى الأرض تفكر فيما أكل فاستقاء فنبتت شجرة السم من قيئه فاكلت الحية ذلك السم ولذا صارت مؤذية مهلكة وكان قد بقي شىء مما أكل فلما غشى حواء حصل قابيل ولذا كان قاتلا باعثا للفساد فى وجه الأرض

стр. 833

فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ خسر دينه ودنياه قال ابن عباس رضى الله عنهما حسر دنياه وآخرته اما الدنيا فانه أسخط لوالديه وبقي مذموما الى يوم القيامة واما الآخرة فهو العقاب العظيم فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً أرسله يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ البحث بالفارسية «بكندن» لِيُرِيَهُ المستكن الى الله تعالى او للغراب واللام على الاول متعلقة ببعث حتما وعلى الثاني بيبحث ويجوز تعلقها ببعث ايضا كَيْفَ يُوارِي يستر سَوْأَةَ أَخِيهِ اى جسده الميت فانه مما يستقبح انه يرى وقيل عورته لانه كان قد سلب ثيابه. وكيف حال من ضمير يوارى والجملة ثانى مفعولى يرى- روى- انه لما قتله تركه بالعراء اى الأرض الخالية عن الأشجار ولم يدر ما يصنع به لانه كان أول ميت على وجه الأرض من بنى آدم فخاف عليه السباع فحمله فى جراب على ظهره أربعين يوما او سنة حتى أروح وعفت عليه الطيور والسباع تنظر متى يرمى به فتأكله فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر فحفر له بمنقاره ورجليه حفرة فالقاه فيها وواراه وقابيل ينظر اليه وكأنه قيل فماذا قال عند مشاهدة حال الغراب فقيل قالَ يا وَيْلَتى هى كلمة جزع وتحسر والالف بدل من ياء المتكلم والمعنى يا ويلتى احضرى فهذا أوانك والنداء وان كان أصله لمن يتأتى منه الإقبال وهم العقلاء الا ان العرب تتجوز وتنادى ما لا يعقل إظهارا للتحسر ومثله يا حسرة على العباد والويل والويلة الهلكة أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ اى عن ان أكون مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي تعجب من عدم اهتدائه الى ما اهتدى اليه الغراب وقوله فاوارى بالنصب عطف على أكون اى أعجزت عن كونى مشبها بالغراب فمواريا فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ اى على قتله لما كان من التحير فى امره وحمله على رقبته مدة طويلة وغير ذلك فلما كان ندمه لاجل هذه الأسباب لا للخوف من الله بسبب ارتكاب المعصية لم يكن ندمه توبة ولم ينتفع بندمه- روى- انه لما قتل ابن آدم أخاه رجفت الأرض بما عليها سبعة ايام ثم شربت الأرض دمه كشرب الماء فناداه الله اين أخوك هابيل قال ما أدرى ما كنت عليه رقيبا فقال الله تعالى ان دم أخيك لينادينى من الأرض فلم قتلت أخاك قال فاين دمه ان كنت قتلته فحرم الله تعالى على الأرض يومئذ ان تشرب دما بعده ابدا قال مقاتل كان قبل ذلك يستأنس السباع والطيور والوحوش فلما قتل قابيل هابيل نفروا فلحقت الطيور بالهواء والوحوش بالبرية والسباع بالغياض واشتاك الشجر وتغيرت الاطعمة وحمضت الفواكه وامر الماء واغبرت الأرض فقال آدم قد حدث فى الأرض حدث فاتى الهند فاذا قابيل قد قتل هابيل وكان جسد قابيل ابيض قبل ذلك فاسود فسأله آدم عن أخيه فقال ما كنت عليه وكيلا قال بل قتلته ولذلك اسود جسدك ومكث آدم حزينا على قتل ولده مائة سنة لا يضحك وانشأ يقول وهو أول من قال الشعر تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذى لون وطعم ... وقل بشاشة الوجه الصبيح وعن ابن عباس رضى الله عنهما من قال ان آدم قال شعرا فقد كذب ان محمدا والأنبياء كلهم فى النهى عن الشعر سواء ولكن لما قتل قابيل هابيل رثاه آدم وهو سريانى فلما قال آدم

стр. 834

مرثية قال لشيث يا بنى انك وصيي احفظ هذا الكلام ليتوارث فيرق الناس عليه فلم يزل ينقل حتى وصل الى يعرب بن قحطان وكان يتكلم بالعربية والسريانية وهو أول من خط بالعربية وكان يقول الشعر فنظر فى المرثية فرد المقدم الى المؤخر والمؤخر الى المقدم فوزنه شعرا وزيد فيه أبيات منها ومالى لا أجود بسكب دمع ... وهابيل تضمنه الضريح ارى طول الحياة على نقما ... فهل انا من حياتى مستريح - وروى- عن انس رضى الله عنه انه قال سئل النبي ﷺ عن يوم الثلاثاء فقال (يوم الدم فيه حاضت حواء وفيه قتل ابن آدم أخاه) فلما مضى من عمر آدم مائة وثلاثون سنة وذلك بعد قتل هابيل بخمس سنين ولدت له حواء شيئا وتفسيره هبة الله يعنى انه خلف من هابيل علمه الله تعالى ساعات الليل والنهار واعلمه عبادة الخلق فى كل ساعة منها وانزل عليه خمسين صحيفة وصار وصى آدم وولى عهده. واما قابيل فقيل له اذهب طريدا شريدا فزعا مرعوبا لا تأمن من تراه فاخذ بيد أخته إقليما وهرب بها الى عدن من ارض اليمن فاتاه إبليس فقال له انما أكلت النار قربان هابيل لانه كان يعبد النار فانصب أنت ايضا نارا تكون لك ولعقبك فبنى بيت النار وهو أول من عبد النار وكان لا يمر به أحد إلا رماه فاقبل ابن له أعمى ومعه ابن له فقال للاعمى ابنه هذا أبوك قابيل فرمى الأعمى أباه بحجارة فقتله فقال ابن الأعمى قتلت أباك فرفع يده فلطم ابنه فمات فقال الأعمى ويل لى قتلت ابى برميتى وقت ابني بلطمتى قال مجاهد فعقلت احدى رجلى قابيل الى فخذها وساقها وعلقت من يومئذ الى يوم القيامة وجهه الى الشمس حيثما دارت عليه فى الصيف حظيرة من نار وفى الشتاء حظيرة من ثلج وهو أول من عصى الله فى الأرض من ولد آدم وهو أول من يساق الى النار وفى الحديث (لا تقتل نفس ظلما الا كان على ابن آدم الاول كفل من دمها) لانه أول من سن القتل وهو اب يأجوج ومأجوج شر أولاد توالدوا من شر والد قالوا واتخذ أولاد قابيل آلات اللهو من اليراع والطبول والمزامير والعيدان والطنابير وانهمكوا اللهو وشرب الخمر وعبادة النار والزنى والفواحش حتى غرقهم الله بالطوفان ايام نوح وبقي نسل شيث وفى التواريخ لما ذهب قابيل الى سمت اليمن كثروا وخلفوا وطفقوا يتحاربون مع أولاد آدم يسكنون فى الجبال والمغارات والغياض الى زمن مهلاييل بن قينان بن انوش بن شيث ففرقهم مهلاييل الى أقطار الأرض وسكن هو فى ارض بابل وكان كيومرث أخاه الصغير وهو أول السلاطين فى العالم فاخذوا يبنون المدن والحصون واستمر الحرب بينهم الى آخر الزمان واعلم ان الكدر لا يرتفع من الدنيا وانما يرتفع التكدر عن قلوب اهل الله تعالى كالنار والماء لا يرتفعان ابدا لكن يرتفع إحراق النار لبعض كما وقع لابراهيم ﵇ وإغراق الماء لبعض كما وقع لموسى ﵇ والدنيا تذهب على هذا فطوبى لمن رضى وصبر: قال الحافظ

стр. 835

درين چمن گل بيخار كس نچيد آرى ... چراغ مصطفوى با شرار بو لهبيست وله مكن ز غصه شكايت كه در طريق طلب ... براحتى نرسيد آنكه زحمتى نكشيد والاشارة فى الآيات ان آدم الروح بازدواجه مع حواء القلب ولد قابيل النفس وتوأمته إقليما الهوى فى بطن اولا ثم ولد هابيل القلب وتوأمته ليوذا العقل وكان إقليما الهوى فى غاية الحسن لان القلب يميل الى طلب المولى وما عنده وهو محبب اليه وكان ليوذا العقل فى نظر هابيل القلب فى غاية القبح والدمامة لان القلب به يعقل عن طلب الحق والفناء فى الله ولهذا قيل العقل عقيلة الرجال وفى نظر قابيل النفس ايضا فى غاية القبح لان النفس به تعقل عن طلب الدنيا والاستهلاك فيها فالله تعالى حرم الازدواج بين التوأمين كليهما وامر بازدواج توأمة كل واحد منهما الى توأم الاخرى لئلا يعقل القلب عن طلب الحق بل يحرضه الهوى على الاستهلاك والفناء فى الله ولهذا قال بعضهم لولا الهوى ما سلك أحد طريقا الى الله فان الهوى إذا كان قرين النفس يكون حرصا فيه تنزل النفس الى أسفل سافلين الدنيا وبعد المولى وإذا كان قرين القلب يكون عشقا فيه يصعد القلب الى أعلى عليين العقبى وقرب المولى ولهذا سمى العشق هوى كما قال الشاعر أتاني هواها قبل ان اعرف الهوى ... فصادف قلبى فارغا فتمكنا ولتعقل النفس عن طلب الدنيا بل يحرضها العقل على العبودية وينهاها عن متابعة الهوى فذكر آدم الروح لولديه ما امر الله به فرضى هابيل القلب وسخط قابيل النفس وقال هى أختي يعنى إقليما الهوى ولدت معى فى بطن وهى احسن من اخت هابيل القلب يعنى ليوذا العقل وانا أحق بها ونحن من ولائد جنة الدنيا وهما من ولائد ارض العقبى فانا أحق بأختي فقال له أبوه انها لا تحل لك يعنى إذ كان الهوى قرينك فتهلك فى اودية حب الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها فابى ان يقبل قابيل النفس هذا الحكم من آدم الروح وقال الله تعالى لم يأمر به وانما هذا من رأيه فقال لهما آدم الروح قربا قربانا فايكما يقبل قربانه فهوا حق بها فخرجا ليقربا وكان قابيل النفس صاحب زرع يعنى مدبر النفس النامية وهى القوة النباتية فقرب طعاما من أردى زرعه وهو القوة الطبيعية وكان هابيل القلب راعيا يعنى مواشى الأخلاق الانسانية والصفات الحيوانية فقرب جملا يعنى الصفة البهيمية وهى أحب الصفات اليه لاحتياجه إليها لضرورة التغذي والبقاء ولسلامتها بالنسبة الى الصفات السبعية الشيطانية فوضعها قربانهما على جبل البشرية ثم دعا آدم الروح فنزلت نار المحبة من سماء الجبروت فاكلت جمل الصفة البهيمية لانها حطب هذه النار ولم تأكل من قربان قابيل النفس حبة لانها ليست من حطبها بل هى من حطب نار الحيوانية فهذا تحقيق قوله تعالى وَاتْلُ عَلَيْهِمْ الآية. والاشارة فى قوله فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ اى نفس قابيل النفس طوعت له وجوزت قَتْلَ أَخِيهِ وهو القلب لان النفس أعدى عدو القلب فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ يعنى فى قتل القلب خسارة النفس فى الدنيا والآخرة اما فى الدنيا فتحرم عن الواردات والكشوف والعلوم الغيبية التي

стр. 836

منشأها القلب وعن ذوق المشاهدات ولذة المؤانسات فتبقى فى خسران جهولية الإنسان كقوله تعالى وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ واما فى الآخرة فتخسر الدخول فى جنات النعيم ولقاء الرب الكريم والنجاة من الجحيم والعذاب الأليم وفى قوله فَبَعَثَ اللَّهُ إشارات منها ليعلم ان الله قادر على ان يبعث غُراباً او غيره من الحيوان الى الإنسان ليعلمه ما لم يعلم كما يبعث الملائكة الى الرسل والرسل الى الأمم ليعلموهم ما لم يعلموا. ومنها لئلا يعجب الملائكة والرسل أنفسهم باختصاصهم بتعليم الحق فانه يعلمهم بواسطة الغراب كما يعلمهم بواسطة الملائكة والرسل. ومنها ليعلم الإنسان انه محتاج فى التعلم الى غراب ويعجز ان يكون مثل غراب فى العلم. ومنها ان لله تعالى فى كل حيوان بل فى كل ذرة آية تدل على وحدانيته واختياره حيث يبدى المعاملات المعقولة من الحيوانات الغير العاقلة. ومنها اظهار لطفه مع عباده فى اسباب التعيش حتى إذا أشكل عليهم امر كيف يرشدهم الى الاحتيال بلطائف الأسباب لحله كذا فى التأويلات النجمية مِنْ أَجْلِ ذلِكَ شروع فيما هو المقصود بتلاوة النبأ من بيان بعض آخر من جنايات بنى إسرائيل ومعاصيهم وذلك اشارة الى عظم شأن القتل وافراط قبحه اى من أجل كون القتل على سبيل العدوان مشتملا على انواع المفاسد من خسارة جميع الفضائل الدينية والدنيوية وجمع السعادات الاخروية كما هى مندرجة فى إجمال قوله فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ ومن الابتلاء بجميع ما يوجب الحسرة والندامة من غير ان يكون لشىء منها ما يدفعه البتة كما هو مندرج فى إجمال قوله فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ وأجل فى الأصل مصدر أجل شرا إذا جناه وهيجه استعمل فى تعليل الجنايات اى فى جعل ما جناه الغير علة لامر يقال فعلته من أجلك اى بسبب ان جنيت ذلك وكسبته ثم اتسع فيه واستعمل فى كل تعليل ومن لابتداء الغاية متعلقة بقوله تعالى كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ وتقديمها عليه للقصر اى من ذلك ابتدئ الكتب ومنه نشأ لا من شىء آخر اى قضينا عليهم فى التوراة وبينا أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً واحدة من النفوس بِغَيْرِ نَفْسٍ اى بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ اى فساد يوجب اهدار دمها كالشرك وقطع الطريق وهو عطف على ما أضيف اليه غير بمعنى نفى كلا الامرين معا كما فى قولك من صلى بغير وضوء او تيمم بطلت صلاته لا نفى أحدهما كما فى قولك من صلى بغير وضوء او ثوب بطلت صلاته فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً من حيث انه هتك حرمة الدماء وسن القتل وجرأ الناس عليه او من حيث ان قتل الواحد والجميع سواء فى استجلاب غضب الله والعذاب العظيم وقوله جميعا حال من الناس او تأكيد وَمَنْ أَحْياها اى تسبب لبقاء حياتها بعفو او منع عن القتل او استنقاذ من بعض اسباب الهلكة فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً فكأنما فعل ذلك بالناس جميعا والمقصود من التشبيه المبالغة فى تعظيم امر القتل بغير حق والترغيب فى الاحتراز عنه وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ اى اهل الكتاب رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ اى وبالله لقد جاءتهم رسلنا حسبما أرسلناهم بالآيات الواضحة بتقرير ما كتبنا عليهم تأكيدا لوجوب مراعاته وتأييدا لتحتم المحافظة عليهم ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ اى بعد ما ذكر من الكتب وتأكيد الأمر بإرسال الرسل

стр. 837

تترى وتجديد العهد مرة بعد اخرى وثم للتراخى فى الرتبة والاستبعاد فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ فى القتل غير مبالين به والإسراف فى كل امر التباعد عن حد الاعتدال مع عدم مبالاة به. قوله بعد ذلك وقوله فى الأرض يتعلقان بقوله لمسرفون وهو خبر انّ وبهذا اى بقوله تعالى وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا اتصلت القصة بما قبلها. وفى التأويلات النجمية اعلم ان كل شىء ترى فيه آية من الله تعالى فهو فى الحقيقة رسول من الله إليك ومعه آية بينة ومعجزة ظاهرة يدعوك بها الى الله ثم ان كثيرا من الذين شاهدوا الآيات وتحققوا البينات بعد رؤية الآيات فى الأرض لمسرفون اى فى ارض البشرية مجاوزون حد الشريعة والطريقة بمخالفة أوامر الله ونواهيه انتهى. واعلم ان اهل الغفلة يشاهدون الآثار لكنهم غافلون عن الحقيقة فهم كأنهم لا بصر لهم بل غيرة الحق تمنعهم من الرؤية الصحيحة لكونهم أغيارا غير لائقين بالدخول فى المجلس الخاص: قال الحافظ معشوق عيان ميكذرد بر تو وليكن ... اغيار همى بيند از آن بسته نقابست وكل ذرة من ذرات الكائنات وان كانت قائمة بالحق وبنوره فى الحقيقة الا ان الدنيا خيال يحتاج السالك الى العبور عن مسالكه الى ان ينتهى الى الحق: وفى المثنوى اين جهانرا كه بصورت قائمست ... كفت پيغمبر كه حلم نائمست از ره تقليد تو كردى قبول ... سالكان اين ديده پيدا بي رسول روز در خوابى مگو كين خواب نيست ... سايه فرعست اصل جز مهتاب نيست خواب بيداريت آن دان اى عضد ... كه نبيند خفته كو در خواب شد او كمان برده كه اين دم خفته أم ... بي خبر زان كوست در خواب دوم وهذه اى اليقظة من المنام على الحقيقة لا تتيسر الا لارباب المكاشفة الصحيحة واصحاب المشاهدة الواضحة اللهم أفض علينا من هذا المقام إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ اى يحاربون أولياءهما وهم المسلمون جعل محاربتهم محاربتهما تعظيما لهم والمراد بالمحاربة قطع الطريق وهو انما يكون من قوم اجتمعوا فى الصحراء وتعرضوا الدماء المسلمين وأموالهم وأزواجهم وامائهم ولهم قوة وشوكة تمنعهم ممن أرادهم وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً حال من فاعل يسعون اى مفسدين. نزلت فى قوم هلال بن عويمر الأسلمي وكان وادعه رسول الله ﷺ على ان لا يعينه ولا يعين عليه ومن أتاه من المسلمين فهو آمن لا يهاج ومن مر بهلال الى رسول الله فهو آمن لا يهاج فمر قوم من بنى كنانة يريدون الإسلام بناس من قوم هلال ولم يكن هلال يومئذ حاضرا فقطعوا عليهم وقتلوهم وأخذوا أموالهم. فان قلت بنفس ارادة الإسلام لا يخرج الشخص عن كونه حربيا والحد لا يجب بقطع الطريق عليه وان كان مستأمنا. قلت معناه يريدون تعلم احكام الإسلام فانهم كانوا مسلمين او يقال جاؤا على قصد الإسلام فهم بمنزلة اهل الذمة والحد واجب بالقطع على اهل الذمة ولما كانت المحاربة والفساد على مراتب متفاوتة ووجوه شتى من القتل بدون أخذ المال ومن القتل مع اخذه ومن اخذه بدون قتل ومن الاخافة بدون قتل وأخذ شرعت لكل مرتبة من نلك المراتب عقوبة معينة بطريق التوزيع فقيل أَنْ يُقَتَّلُوا اى حدا من غير صلب ان افردوا القتل

стр. 838

ولو عفا الأولياء لا يلتفت الى ذلك لانه حق الشرع ولا فرق بين ان يكون القتل بآلة جارحة اولا أَوْ يُصَلَّبُوا اى يصلبوا مع القتل ان جمعوا بين القتل والاخذ بان يصلبوا احياء وتبعج بطونهم برمح الى ان يموتوا ولا يصلبوا بعد ما قتلوا لان الصلب حيا ابلغ فى الردع والزجر لغيره عن الاقدام على مثل هذه المعصية أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ اى أيديهم اليمنى من الرسغ وأرجلهم اليسرى من الكعب ان اقتصروا على أخذ مال من مسلم او ذمى وكان فى المقدار بحيث لو قسم عليهم أصاب كلا منهم عشرة دراهم او ما يساويها قيمة اما قطع أيديهم فلأخذ المال واما قطع أرجلهم فلاخافة الطريق بتفويت امنه أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ان لم يفعلوا غير الاخافة والسعى للفساد والمراد بالنفي عندنا هو الحبس فانه نفى عن وجه الأرض بدفع شرهم عن أهلها ويعزرون ايضا لمباشرتهم منكر الاخافة وازالة الا من ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ كائن فِي الدُّنْيا اى ذل وفضيحة. قوله ذلك مبتدأ ولهم خبر مقدم على المبتدأ وهو الخزي والجملة خبر لذلك وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ غير هذا عَذابٌ عَظِيمٌ لا يقادر قدره لغاية عظم جنايتهم. فقوله تعالى لهم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر وفى الآخرة متعلق بمحذوف وقع حالا من عذاب لانه فى الأصل صفة له فلما قدم انتصب حالا اى كائنا فى الآخرة إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ استثناء مخصوص بما هو من حقوق الله كما ينبئ عنه قوله تعالى فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ اما ما هو من حقوق الآدميين فانه لا يسقط بهذه التوبة فان قطاع الطريق ان قتلوا إنسانا ثم تابوا قبل القدرة عليهم يسقط بهذه التوبة وجوب قتلهم حدا وكان ولى الدم على حقه فى القصاص والعفو وان أخذوا مالا ثم تابوا قبل القدرة عليهم يسقط بهذه التوبة وجوب قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وكان حق صاحب المال باقيا فى ماله وجب عليهم رده واما إذا تاب بعد القدرة عليه فظاهر الآية ان التوبة لا تنفعه ويقام الحد عليه فى الدنيا كما يضمن حقوق العباد وان سقط عنه العذاب العظيم فى العقبى. والآية فى قطاع المسلمين لان توبة المشرك تدرأ عنه العقوبة قبل القدرة وبعدها يعنى ان المشرك المحارب لو آمن بعد القدرة عليه فلا سبيل عليه بشىء من الحدود ولا يطالب بشىء مما أصاب فى حال الكفر من دم او مال كما لو آمن قبل القدرة عليه. واما المسلمون المحاربون فمن تاب منهم قبل القدرة عليه اى قبل ان يظفر به الامام سقطت عنه العقوبة التي وجبت حقا لله ولا يسقط ما كان من حقوق العباد فان كان قد قتل فى قطع الطريق سقط عنه بالتوبة قبل القدرة عليه تحتم القتل ويبقى عليه القصاص لولى القتل ان شاء عفا عنه وان شاء استوفاه وان كان قد أخذ المال يسقط عنه القطع وان كان جمع بينهما يسقط عنه تحتم القتل والصلب ويجب ضمان المال. وقال بعضهم إذا جاء تائبا قبل القدرة عليه لا يكون لأحد تبعة فى دم ولا مال الا ان يوجد معه مال بعينه فيرده على صاحبه. روى عن على رضى الله عنه ان الحارث بن بدر جاءه تائبا بعد ما كان يقطع الطريق ويسفك الدماء ويأخذ الأموال فقبل توبته ولم يجعل عليه تبعة أصلا واما من تاب بعد القدرة عليه فلا يسقط عنه شىء من الحقوق. اعلم ان قطع الطريق واخافة المسافرين من أقبح السيئات كما ان دفع الأذى عن الطريق من احسن الصالحات وفى الحديث (عرضت على اعمال أمتي حسنها وسيئها

стр. 839

فوجدت فى محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق ووجدت فى مساوى أعمالها النخاعة تكون فى المسجد لا تدفن) وفى الحديث (من أشار الى أخيه) اى أخيه المسلم والذمي فى حكمه (بحديدة) اى بما هو آلة القتل لانه جاء فى رواية (بسلاح) مكان بحديدة (فان الملائكة تلعنه) يعنى تدعو عليه بالبعد عن الجنة أول الأمر لانه خوف مسلما بإشارته وهو حرام لقوله ﵊ (لا يحل لمسلم ان يروع المسلم) او لانه قد يسبقه السلاح فيقتله كما صرح به فى رواية مسلم (لا يشر أحدكم الى أخيه فانه لا يدرى لعل الشيطان ينزغ فى يده وان كان أخاه) اى المشير أخا المشار اليه (لا بيه وامه) يعنى فان كان هازلا ولم يقصد ضربه كنى به عنه لان الأخ الشقيق لا يقصد قتل أخيه غالبا. والاشارة فى الآية ان محاربة الله ورسوله معاداة اولياء الله فان فى الخبر الصحيح حكاية عن الله تعالى (من عادى لى وليا فقد بارزني بالحرب وانى لأغضب لاوليائى كما يغضب الليث لجروه) ألا يرى ان بلعم بن باعوراء فى زمن موسى ﵇ كان بحيث إذا نظر رأى العرش فلما مال الى الدنيا وأهلها ميلة واحدة ولم يترك لولى من أوليائه حرمة واحدة سلب الله معرفته وجعله بمنزلة الكلب المطرود فجزاء مثل هذا المحارب ان يقتل بسكين الخذلان او يصلب بحبل الهجران على جذع الحرمان او تقطع ايديه عن أذيال الوصال وارجله من خلاف عن الاختلاف او ينفى من ارض القربة والائتلاف فله فى الدنيا بعد وهوان وفى الآخرة عذاب القطيعة والهجران الا الذين تابوا الى الله واستغفروا واعتذروا عن اولياء الله من قبل ان تقدروا عليهم برد الولاية ايها الأولياء فان ردكم رد الحق وقبولكم قبول الحق وان مردود الولاية مفقود العناية: قال الحافظ كليد كنج سعادت قبول اهل دلست ... مباد كس كه درين نكته شك وريب كند : وفى المثنوى لا جرم آن راه بر تو بسته شد ... چون دل اهل دل از تو خسته شد زود شان درياب واستغفار كن ... همچوابرى كريها وزار كن تا كلستان شان سوى تو بشكفد ... ميوهاى پخته بر خود وا كفد هم بران در كرد كم از سك مباش ... با سك كهف ار شدستى خواجه تاش يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ اى اخشوا عذابه واحذروا معاصيه وَابْتَغُوا اى اطلبوا لانفسكم إِلَيْهِ اى الى ثوابه والزلفى منه الْوَسِيلَةَ اى القربة بالأعمال الصالحة قوله تعالى اليه متعلق بالوسيلة قدم عليها للاهتمام وليست بمصدر حتى يمتنع ان يتقدم معمولها عليها بل هى فعيلة بمعنى ما يتوسل به ويتقرب الى الله تعالى من وسل الى كذا تقرب اليه والجمع الوسائل. وقال عطاء الوسيلة أفضل درجات الجنة وفى الحديث (سلوا الله لى الوسيلة فانها درجة فى الجنة لا ينالها الا عبد واحد وأرجو من الله ان يكون هوانا) وفى الحديث (من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت سيدنا محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته حلت له شفاعتى يوم القيامة) . قال المولى الفنارى فى تفسير الفاتحة اما الوسيلة فهى أعلى درجة فى جنه عدن وهى لرسول الله ﷺ حصلت له

стр. 840

بدعاء أمته فعل ذلك الحق سبحانه لحكمة أخفاها فانا بسببه نلنا السعادة من الله وبه كنا خير امة أخرجت للناس وبه ختم الله بنا الأمم كما ختم به النبيين وهو ﷺ مبشر كما امر ان يقول ولنا وجه خاص الى الله تعالى نناجيه منه ويناجينا وكذا كل مخلوق له وجه خاص الى ربه فامرنا عن امر الله ان ندعو له بالوسيلة حتى ينزل فيها بدعاء أمته وهذا من باب الغيرة الالهية انتهى وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ بمحاربة الأعداء الظاهرة والباطنة لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ بالوصول الى الله والفوز بكرامته. والاشارة فى الآية ان الله تعالى جعل الفلاح الحقيقي فى اربعة أشياء. أحدها الايمان وهو إصابة رشاشة النور فى بدء الخلقة وبه يخلص العبد من حجب ظلمة الكفر. وثانيها التقوى وهو منشأ الأخلاق المرضية ومنبع الأعمال الشرعية وبه يخلص العبد من ظلمة المعاصي. وثالثها ابتغاء الوسيلة وهو فناء الناسوتية فى بقاء اللاهوتية وبه يتخلص العبد من ظلمة أوصاف الوجود. ورابعها الجهاد فى سبيل الله وهو اضمحلال الانانية فى اثبات الهوية وبه يتخلص العبد من ظلمة الوجود ويظفر بنور الشهود فالمعنى الحقيقي يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا باصابة النور اتَّقُوا اللَّهَ بتبديل الأخلاق الذميمة وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ فى إفناء الأوصاف وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ ببذل الوجود لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ بنيل المقصود من المعبود كذا فى التأويلات النجمية. واعلم ان الآية الكريمة صرحت بالأمر بابتغاء الوسيلة ولا بد منها البتة فان الوصول الى الله تعالى لا يحصل الا بالوسيلة وهى علماء الحقيقة ومشايخ الطريقة: قال الحافظ قطع اين مرحله بي همرهىء خضر مكن ... ظلماتست بترس از خطر كمراهى والعمل بالنفس يزيد فى وجودها واما العمل وفق اشارة المرشد ودلالة الأنبياء والأولياء فيخلصها من الوجود ويرفع الحجاب ويوصل الطالب الى رب الأرباب. قال الشيخ ابو الحسن الشاذلى كنت انا وصاحب لى قد أوينا الى مغارة لطلب الدخول الى الله وأقمنا فيها ونقول يفتح لنا غدا او بعد غد فدخل علينا يوما رجل ذوهيبة وعلمنا انه من اولياء الله فقلنا له كيف حالك فقال كيف يكون حال من يقول يفتح لنا غدا او بعد غد يا نفس لم لا تعبدين الله لله فتيقظنا وتبنا الى الله وبعد ذلك فتح علينا فلا بد من قطع التعلق من كل وجه لينكشف حقيقة الحال: قال الحافظ فداى دوست نكرديم عمر مال دريغ ... كه كار عشق زما اين قدر نمى آيد وفى صحبة الأخيار والصلحاء شرف عظيم وسعادة عظمى- وحكى- ان خادم الشيخ ابى يزيد البسطامي كان رجلا مغربيا فجرى الحديث عنده فى سؤال منكر ونكير فقال المغربي والله ان يسألانى لأقولن لهما فقالوا له ومن اين يعلم ذلك فقال اقعدوا على قبرى حتى تسمعونى فلما انتقل المغربي جلسوا على قبره فسمعوا المسألة وسمعوه يقول أتسألونني وقد حملت فروة ابى يزيد على عنقى فمضوا وتركوه ولا تستبعد أمثال هذا فان جواب المجيب المدقق يذهب معه من هنا فحصل مثل هذا الزاد: وفى المثنوى كنج زرى كه چوخسبى زير ريك ... با تو باشد آن نباشد مرد ريك پيش پيش آن جنازت مى رود ... مونس كور وغريبى ميشود إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ اى لكل واحد منهم ما فِي الْأَرْضِ اى من اصناف

стр. 841

أموالها وذخائرها وسائر منافعها وهو اسم ان ولهم خبرها جَمِيعاً توكيد للموصول او حال منه وَمِثْلَهُ عطف على الموصول اى ضعفه مَعَهُ ظرف وقع حالا من المعطوف والضمير راجع الى الموصول لِيَفْتَدُوا بِهِ متعلق بما تعلق به خبر ان اعنى الاستقرار المقدر فى لهم وبه متعلق بالافتداء والضمير راجع الى الموصول ومثله معا وتوحيده لاجرائه مجرى اسم الاشارة كأنه قيل بذلك مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ متعلق بالافتداء ايضا اى لو ان ما فى الأرض ومثله ثابت لهم لجعلوه فدية لانفسهم من العذاب الواقع يومئذ وافتدوا به ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ذلك وهو جواب لو ولو بما فى حيزة خبر ان والجملة تمثيل للزوم العذاب لهم واستحالة نجاتهم منه بوجه من الوجوه المحققة والمفروضة وفى الحديث (بجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له أرأيت لو كان لك ملئ الأرض ذهبا أكنت تفتدى به فيقول نعم فيقال له انك كنت سئلت ما هو الأيسر من ذلك) اى ما هو أسهل من الافتداء المذكور وهو ترك الإشراك بالله تعالى وإتيان كلمة الشهادة وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وجيع يخلص وجعه الى قلوبهم يُرِيدُونَ كأنه قيل فكيف يكون حالهم او ماذا يصنعون فقيل انهم يريدون أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ له وجوه الاول انهم يقصدون ذلك ويطلبون المخرج فيلفحهم لهب النار ويرفعهم الى فوق فهناك يريدون الخروج ولات حين مناص والثاني انهم يكادون يخرجون منها لقوة النار وزيادة رفعها إياهم والثالث انهم يتمنون ويريدون بقلوبهم وَما هُمْ اى يريدون ذلك والحال انهم ليسوا بِخارِجِينَ مِنْها لانهم كلما أرادوا ان يخرجوا منها أعيدوا فيها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ اى دائم لا ينقطع وهو تصريح بعدم تناهى مدته بعد بيان شدته وفى الحديث (يقال لاهل الجنة لكم خلود ولا موت ولاهل النار يا اهل النار خلود ولا موت) اى لكم خلود فى النار- روى- ان هذين القولين يكونان بعد ان يؤتى بالموت فى صورة كبش فيذبح بين الجنة والنار وانما يمثل الموت بهذا المثال ليشاهدوا بأعينهم ويستقر فى أنفسهم ان الموت ارتفع فيزداد اهل الجنة فرحا واهل النار ترحا وتخصيص صورة الكبش لانه لما كان فداء عن إسماعيل الذي نبينا ﵇ من نسله كان فى المعنى فداء عن جميع الاحياء فى الدنيا لانهم خلقوا لاجله فناسب ان يكون فداء عنهم فى دار الآخرة ايضا كذا فى شرح المشارق لابن الملك. واعلم ان الكفر وجزاءه وهو الخلود فى النار اثر اخطاء رشاش النور الإلهي فى عالم الأرواح وقد أنعم الله تعالى على المؤمنين باصابة ذلك النور: وفى المثنوى مؤمنان كان عسل زنبوروار ... كافران خود كان زهرى همچومار «١» جنبش خلق از قضا ووعده است ... تيزىء دندان ز سوز معده است «٢» نفس أول راند بر نفس دوم ... ماهى از سر كنده باشد نى زدم تو نميدانى كزين دو كيستى ... جهد كن چندانكه بينى چيستى چون نهى بر پشت كشتى بار را ... بر توكل ميكنى آن كار را تو نميدانى كه از هر دو كىء ... غرقه اندر سفر يا ناجىء

стр. 842

چونكه بر بوكست جمله كارها ... كار دين اولى كزين يا بي رها قال بعض الصلحاء رأيت فى منامى كانى واقف على قناطر جهنم فنظرت الى هول عظيم فجعلت أفكر فى نفسى كيف العبور على هذه فاذا قائل يقول يا عبد الله ضع حملك واعبر قلت ما حملى قال دع الدنيا: قال الحافظ تا كى غم دنياى دنى اى دل دانا ... حيفست ز خوبى كه شود عاشق زشتى وفى الحديث (يؤتى بانعم اهل الدنيا) الباء فيه للتعدية وأنعم افعل تفضيل من النعمة اى بأكثرهم نعمة (من اهل النار يوم القيامة فيصبغ فى النار صبغة) يعنى يغمس فيها مرة أراد من الصبغ الغمس إطلاقا للملزوم على اللازم لان الصبغ انما يكون بالغمس غالبا ثم أراد من غمسه فيها إصابة نفحة من النار به (ثم يقال يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط هل مربك نعيم قط فيقول لا والله يا رب) شدة العذاب آنسته ما مضى عليه من نعم الدنيا (ويؤتى باشد الناس بؤسا) اى شدة وبلاء فى الدنيا (من اهل الجنة فيصبغ صبغة من الجنة فيقال له يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط هل مربك شدة قط فيقول لا والله ما مربى بؤس قط ولا رأيت شدة قط) كذا فى شرح المشارق لابن ملك هر چند غرق بحر گناهم ز صد جهت ... گر آشناى عشق شوم ز اهل رحمتم وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ وهو مبتدأ محذوف الخبر اى حكم السارق والسارقة ثابت فيما يتلى عليكم فقوله تعالى فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما بيان لذلك الحكم المقدر فما بعد الفاء مرتبط بما قبلها ولذلك اتى بها فيه لانه هو المقصود مما قبلها ولو لم يأت بالفاء لتوهم انه اجنبى وانما فدر الخبر لان الأمر إنشاء لا يقع خبرا الا بإضمار وتأويل والمراد بايديهما إيمانهما ولذلك ساغ وضع الجمع موضع المثنى كما فى قوله تعالى فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما اكتفاء بتثنية المضاف اليه وتفصيل ما يتعلق بالسرقة سيجيئ فى آخر المجلس جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ منصوبان على المفعول له والمعنى فاقطعوهما مكافاة لهما على ما فعلا من فعل السرقة وعقوبة رادعة لهما من العود ولغيرهما من الاقتداء بهما وبما متعلق بجزاء ومن الله صفة نكالا اى نكالا كائنا منه تعالى. والنكال اسم بمعنى التنكيل مأخوذ من النكول وهو الامتناع وَاللَّهُ عَزِيزٌ غالب على امره يمضيه كيف يشاء من غير ند ينازعه ولا ضد يمانعه حَكِيمٌ فى شرائعه لا يحكم الا بما تقتضيه الحكمة والمصلحة ولذلك شرع هذه الشرائع المنطوية على فنون الحكم والمصالح فَمَنْ تابَ من السراق الى الله تعالى مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ اى من بعد ان ظلم غيره بأخذ ماله والتصريح به مع ان التوبة لا تتصور قبله لبيان عظم نعمته تعالى بتذكير عظم جنايته وَأَصْلَحَ اى امره بالتفصى عن تبعات ما باشره والعزم على ان لا يعود الى السرقة فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ اى يقبل توبته فلا يعذبه فى الآخرة واما القطع فلا تسقطه التوبة عندنا لان فيه حق المسروق منه. قال الحدادي لا تقطع يده إذا رد المآل قبل المرافعة الى الحاكم واما إذا رفع الى الحاكم ثم تاب فالقطع واجب فان كانت توبته حقيقة كان ذلك زيادة درجات له كما ان الله تعالى ابتلى الصالحين والأنبياء بالبلايا

стр. 843

والمحن والأمراض زيادة لهم فى درجاتهم وان لم تكن توبته حقيقة كان الحد عقوبة له على ذنبه وهو مؤاخذ فى الآخرة ان لم يتب إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ مبالغ فى المغفرة والرحمة ولذلك يقبل التوبة أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الخطاب لرسول الله ﷺ والمراد به الجميع والاستفهام الإنكاري لتقرير العلم والمراد بذلك الاستشهاد على قدرته تعالى على ما سيأتى من التعذيب والمغفرة على ابلغ وجه وأتمه اى ألم تعلم ان الله له السلطان القادر والاستيلاء الباهر المستلزمان للقدرة التامة على التصرف الكلى فيهما وفيما فيهما إيجادا واعداما واحياء واماتة الى غير ذلك حسبما تقتضيه مشيئته يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ان يعذبه ولو على الذنب الصغير وهو عدل منه وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ ان يغفر له ولو كان الذنب عظيما وهو الفضل منه اى يعذب لمن توجب الحكمة تعذيبه ويغفر لمن توجب الحكمة مغفرته وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على ما ذكر من التعذيب والمغفرة. قال ابن الشيخ انه تعالى لما أوجب قطع يد السارق وعقاب الآخرة لمن مات قبل التوبة ثم ذكر انه يقبل توبته ان تاب اردفه ببيان انه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فيعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء يحسن منه التعذيب تارة والمغفرة اخرى لانه مالك جميع المحدثات وربهم وإلههم والمالك له ان يتصرف فى ملكه كيف شاء وأراد لا كما زعمت المعتزلة من ان حسن أفعاله تعالى ليس لاجل كونه الها للخلق ومالكا بل لاجل كونها على وفق مصالح الخلق ومتضمنة لرعاية ما هو الأصلح لهم انتهى. واعلم ان السرقة هى أخذ مكلف خفية قدر عشرة دراهم مضروبة من حرز لا ملك له فيه ولا شبهته فاحترز بالمكلف عن أخذ صبى ومجنون وبالخفية وهو ركن السرقة عن الغصب وقطع الطريق. وقوله قدر عشرة دراهم اى عينا او قيمة وهذا نصباب السرقة فى حق القطع واما فى حق العيب فاخذ ما دون العشرة يعد سرقة ايضا شرعا ويعد عيبا حتى يرد العبد به على بائعه وعند الشافعي نصاب السرقة ربع دينار ولنا قوله ﵇ (لا قطع الا فى ربع دينار او فى عشرة دراهم) والاخذ بالأكثر اولى احتيالا لدرء الحد والمعتبر فى هذه الدراهم ما يكون عشرة منها وزن سبعة مثاقيل واحترز بالمضروبة عما قيمته دونها حتى إذا سرق تبرا عشرة لا يساوى عشرة مضروبة لا يجب القطع وقوله من حرز اى من مال ممنوع من ان يصل اليه يد الغير سواء كان المانع بناء او حافظا. قال البغوي إذا سرق شيأ من غير حرز كثمر فى حائط لا حارس له او حيوان فى برية لا حافظ له او متاع فى بيت منقطع عن البيوت لا قطع عليه وقيد بقوله ولا شبهته لانه لو كان له شبهة فى المسروق كما إذا سرق من بيت المال او فى الحرز كما إذا سرق من بيت اذن للناس بالدخول فيه كالحمام والرباط لا يقطع لان القطع يندرئ بالشبهة وكذا لا قطع بسرقة مال سيده لوجود الاذن بالدخول عادة وكذا بسرقة مال زوجته او زوجها ولو من حرز خاص لآخر لا يسكنان فيه لان اليد المبسوطة لكل من الزوجين فى مال الآخر ثابتة وهو مانع عن القطع وكذا لا قطع بسرقة مال من بينهما قرابة ولاء لجريان الانبساط بين الأصول والفروع بالانتفاع فى المال والدخول فى الحرز ولا بسرقة من بيت ذى رحم محرم

стр. 844

ولو كان المسروق مال غيره لعدم الحرز ويقطع يمين السارق من زنده وهو مفصل الذراع فى الكف ويحسم بان يدخل فى الدهن الحار بعد القطع لقطع الدم لانه لو لم يحسم لا فضى الى التلف والحد زاجر لا متلف ولهذا لا يقطع فى الحر الشديد والبرد الشديد وان سرق ثانيا بعد ما قطعت يده اليمنى تقطع رجله اليسرى من المفصل وان سرق ثالثا لا يقطع بل يحبس حتى يتوب ويظهر عليه سيما الصالحين والتائبين لقول على رضى الله عنه فيمن سرق ثلاث مرات انى لا ستحيى من الله ان لا ادع له يدا يأكل بها ويستنجى ورجلا يمشى عليها وفى الحديث (اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله) وفيه دليل على ان التوبة يعلم اثرها وتثبت السرقة بما يثبت به شرب الخمر أي بالشهادة او بالإقرار مرة ونصابها رجلان لان شهادة النساء غير مقبولة فى الحدود وطلب المسروق منه شرط القطع لان الخيانة على ملك الغير لا تظهر الا بخصومته ولا فرق فى القطع بين الشريف والوضيع. وعن عائشة رضى الله عنها قالت سرقت امرأة مخزومية فاراد النبي ﷺ ان يقطع يدها فاستشفع لها اسامة بن زيد وكان النبي ﵊ يحبه فلم يقبل وقال (يا اسامة أتشفع فى حد من حدود الله انما أهلك الذين قبلكم انهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا شرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وايم الله لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) وفى الحديث نهى عن الشفاعة فى الحدود بعد بلوغ الامام ولهذا رد رسول الله ﷺ شفاعة اسامة واما قبله فالشفاعة من المجنى عليه جائزة والستر على الذنب مندوب إذا لم يكن صاحب شر وأذى: قال السعدي پس پرده بيند عملهاى بد: ... هم او پرده پوشد ببالاى خود وفى الحديث ايضا دلالة على وجوب العدل فى الرعية واجراء الحكم على السوية. قال الامام ابو منصور فان قيل ما الحكمة فى قطع يد قيمتها ألوف بسرقة عشرة دراهم فكيف يكون قطعها جزاء لفعل السارق وقد قال تعالى وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها قلنا جزاء الدنيا محنة يمتحن بها المرء ولله تعالى ان يمتحن بما شاء ابتداء اى من غير ان يكون ذلك جزاء على كسب العبد ولان القطع ليس بجزاء ما أخذ من المال ولكن لما هتك من الحرمة ألا يرى انه قال جزاء بما كسبا فيجوز ان يبلغ جزاء هتك تلك الحرمة قطع اليد وان قصر على العشرة علم ذلك لان مقادير العقوبات انما يعلمها من يعلم مقادير الجنايات وإذا كان الأمر كذلك فالحق التسليم والانقياد انتهى. ونعم ما قال يونس بن عبيد فى باب الترهيب لا تأمن من قطع فى خمسة دراهم خير عضو منك ان يكون عذابه هكذا غدا كما فى منهاج العابدين. فعلى العاقل ان يتوب عن الزلل وينقطع عن الحيل ويتوجه الى الله الأعلى الاجل: وفى المثنوى حيلها و چارها گر اژدهاست ... پيش الا الله آنها جمله لاست «١» قفل زفتست وكشانيده خدا ... دست در تسليم زن اندر رضا «٢» ثم ان الله تعالى انما بدأ بالسارق فى هذه الآية قبل السارقة وفى آية الزنى بدأ بالزانية لان السرقة تفعل بالقوة والرجل أقوى من المرأة والزنى يفعل بالشهوة والمرأة اكثر شهوة

стр. 845

والمرأة ادعى من الرجل الى نفسها منه إليها ولهذا لو اجتمع جماعة على امرأة لم يقدروا عليها الا بمرادها ولهذا قيل قال الله تعالى وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ولم يقل وعصت حواء مع انها أكلت قبل آدم ودعته الى الاكل وقيل انما قطعت يد السارق لانها باشرت ولم يقطع ذكر الزاني للمباشرة خوفا لقطع النسل وتحصل ايضا لذة الزنى بجميع البدن. قال النيسابورى قطعت يد السارق لانها أخذت المال الذي هو يد الغنى وعماده كأنه أخذ يد انسان فجزوا يده لتناولها حق الغير وقيل قال الله تعالى وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فكل ما عند العبد من مال فهو خزانة الحق عنده والعبد خازنه فمهما تعدى خزانة مولاه بغير اجازة استحق السياسة بقطع آلة التعدي الى خيانة خزانته وهى اليد المتعدية. ثم ان السرقة كما تكون من المال كذلك تكون من العبادات وفى الحديث (أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته) قالوا يا رسول الله كيف يسرق من صلاته قال (لا يتم ركوعها ولا سجودها) وفى الحديث (ان الرجل ليصلى ستين سنة وما تقبل له صلاة) لعله يتم الركوع ولا يتم السجود ويتم السجود ولا يتم الركوع كذا فى الترغيب والترهيب فمثل هذا المصلى يقطع يمينه عن نيل الوصال فلا يصل الى مراده بل يبقى فى الهجران والقطيعة إذ هو أساء الأدب بل قصر فيما امر الرب يا أَيُّهَا الرَّسُولُ خاطبه ﷺ بعنوان الرسالة للتشريف لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ اى صنع الذين فان الذوات مع قطع النظر عن العوارض لا توجب الحزن والفرح يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ اى يقعون فى الكفر سريعا فى إظهاره إذا وجدوا منه فرصة والمقصود نهيه ﵇ عن ان يتحزن بصنيعهم بناء على انه تعالى ناصره عليهم والمعنى لا تحزن ولا تبال بتهافتهم فى الكفر سريعا مِنَ الَّذِينَ بيان للمسارعين فى الكفر قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ متعلق بقالوا والفائدة فى بيان تعلقه بالأفواه مع ان القول لا يكون الا بالفم واللسان الاشارة الى ان ألسنتهم ليست معبرة عما فى قلوبهم وان ما يجرون على ألسنتهم لا يجاوز أفواههم وانما نطقوا به غير معتقدين له بقلوبهم وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ جملة حالية من ضمير قالوا جىء بها للتصريح بما أشار اليه بقوله بأفواههم وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا عطف على من الذين قالوا وبه يتم بيان المسارعين فى الكفر بتقسيمهم الى قسمين المنافقين واليهود سَمَّاعُونَ خبر مبتدأ محذوف والتقدير هم اى المنافقون واليهود سماعون لِلْكَذِبِ اللام اما لتقوية العمل واما لتضمن السماع معنى القبول واما لام كى والمفعول محذوف والمعنى هم مبالغون فى سماع الكذب او فى قبول ما تفتريه أحبارهم من الكذب على الله سبحانه وتحريف كتابهم او سماعون اخباركم وأحاديثكم ليكذبوا عليكم بالزيادة والنقص والتبديل فان منهم من يسمع من الرسول ﵇ ثم يخرج ويقول سمعت منه كذا وكذا ولم يسمع ذلك منه سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ خبر ثان للمبتدأ المقدر مقرر للاول ومبين لما هو المراد بالكذب على الوجهين الأولين واللام مثل اللام فى سمع الله لمن حمده فى الرجوع الى معنى من اى قبل منه حمده والمعنى مبالغون فى قبول كلام قوم آخرين لَمْ يَأْتُوكَ صفة اخرى لقوم اى لم يحضروا مجلسك وتجافوا عنك تكبرا وافراطا فى البغضاء قيل هم يهود خيبر
следующие страницы →