الاعتبار لان الثواب والعقاب انما يدوران على الخاتمة وذلك غير معلوم لهم فلهذا المعنى قالوا لا عِلْمَ لَنا وفى الحديث (انى على الحوض انظر من يرد علىّ منكم والله ليقطعن دونى رجال فلأقولن اى ربى منى ومن أمتي فيقول انك لا تدرى ما أحدثوا بعدك ما زالوا يرجعون على أعقابهم) وهو عبارة عن ارتدادهم أعم من ان يكون من الأعمال الصالحة الى السيئة او من الإسلام الى الكفر وفى الحديث (يدعى نوح يوم القيامة فيقول لبيك وسعديك يا رب فيقول هل بلغت فيقول نعم فيقال لأمته هل بلغكم فيقولون ما أتانا من نذير فيقول من يشهد لك فيقول محمد وأمته فيشهدون انه قد بلغ) فذلك قوله تعالى وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ انما شهد محمد وامة بذلك مع انهم بعد نوح لعلمهم بالقرآن ان الأنبياء كلهم قد بلغوا أممهم ما أرسلوا به وقد جاء فى الرواية (ثم يؤتى بمحمد فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بصدقهم) فذلك قوله تعالى وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً فعلى العاقل ان يجيب الى دعوة الحق وينتصح بنصيحة الناصح الصدق
امروز قدر پند عزيزان شناختم ... يا رب روان ناصح ما از تو شاد باد
واعلم ان القيامة يوم يتجلى الحق فيه بالصفة القهارية قال تعالى لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ. قال حضرة شيخنا العلامة أبقاه الله بالسلامة هذا ترتيب أنيق فان الذات الاحدى يدفع بوحدته الكثرة وبقهره الآثار فيضمحل الكل فلا يبقى سواه تعالى وقيامة العارفين دائمة لانهم يكاشفون الأمور ويشهادون الأحوال فى كل موطن على ما هى عليه وهى القيامة الكبرى وحشر الخواص بل الأخص اللهم اجعلنا ممن مات بالاختيار قبل الموت بالاضطرار إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اى اذكروا ايها المؤمنون وقت قول الله تعالى لعيسى ابن مريم وهو يوم القيامة اذْكُرْ نِعْمَتِي اى انعامى عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ وليس المراد بامره ﵇ يومئذ بذكر النعم تكليف الشكر إذ قد مضى وقته فى الدنيا بل ليكون حجة على من كفر حيث اظهر الله على يده معجزات كثيرة فكذبته طائفة وسموه ساحرا وغلا آخرون فاتخذوه الها فيكون ذلك حسرة وندامة عليهم يوم القيامة والفائدة فى ذكر امه ان الناس تكلموا فيها ما تكلموا ثم عد الله تعالى عليه نعمة نعمة فقال إِذْ أَيَّدْتُكَ ظرف لنعمتى اى اذكر انعامى عليكما وقت تأييدى لك بِرُوحِ الْقُدُسِ اى بجبريل الطاهر على ان القدس الطهور وأضيف اليه الروح مد حاله بكمال اختصاصه بالطهر كما فى رجل صدق ومعنى تأييده به ان جبريل ﵇ يجعل حجته ثابتة مقررة تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا استئناف مبين لتأييده ﵇ والمعنى تكلمهم فى الطفولة والكهولة على سواء اى من غير ان يوجد تفاوت بين كلامه طفلا وبين كلامه كهلا فى كونه صادرا عن كمال العقل وموافقا لكمال الأنبياء والحكماء فانه تكلم حال كونه فى المهد اى فى حجر الام او الذي يربى فيه الطفل بقوله إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا وتكلم كهلا بالوحى والنبوة فتكلمه فى تينك الحالتين على حد واحد وصفة واحدة من غير تفاوت معجزة عظيمة حصلت له وما حصلت
стр. 912
لاحد من الأنبياء قبله ولا بعده وكل معجزة ظهرت منه كما انها نعمة فى حقه فكذلك هى نعمة فى حق امه لانها تدل على براءة ساحتها مما نسبوها اليه واتهموها به وحمل مريم ما كان من الرجال كسائر النساء وانما كان بروح منه كما قال تعالى وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا فهذه نعمة خاصة بمريم وكذلك ولادة عيسى وخلقته ما كانت من نطف الرجال وانما كانت كلمته ألقاها الى مريم وروح منه فهذه نعمة خاصة بعيسى. والكهل من الرجال الذي جاوز الثلاثين ووخطه الشيب اى خالطه وقيل المراد بتكلمه كهلا ان يكلم الناس بعد ان ينزل من السماء فى آخر الزمان بناء على انه رفع قبل ان اكهل فيكون قوله تعالى وَكَهْلًا دليلا على نزوله- وروى- ان الله تعالى أرسله وهو ابن ثلاثين سنة فمكث فى رسالته ثلاثين شهرا ثم رفعه الله تعالى اليه وينزل على هذا السن ثم يكهل وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ اى اذكر نعمتى عليكما
وقت تعليمى لك جنس الكتب المنزلة وخص الكتابان بالذكر مع دخولهما فى الجنس إظهارا لشرفهما والمراد بالحكمة العلم والفهم لمعانى الكتب المنزلة واسرارها وقيل هى استكمال النفس بالعلم بها وبالعمل بمقتضاها وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ اى تصور منه هيئة مماثلة لهيئة الطير بِإِذْنِي ان بتسهيلى وتيسيرى فَتَنْفُخُ فِيها اى فى الهيئة المصورة فَتَكُونُ اى تلك الهيئة طَيْراً بِإِذْنِي فالخلق حقيقة لله تعالى ظاهر على يده ﵇ عند مباشرة الأسباب كما ان النفخ فى مريم كان من جبريل والخلق من الله تعالى سألوا منه ﵇ على وجه التعنت فقالوا له اخلق لنا خفاشا واجعل فيه روحا ان كنت صادقا فى مقالتك فاخذ طينا وجعل منه خفاشا ثم نفخ فيه فاذا هو يطير بين السماء والأرض وانما طلبوا منه خلق خفاش لانه اعجب من سائر الخلق ومن عجائبه انه لحم ودم يطير بغير ريش ويلد كما يلد الحيوان ولا يبيض كما يبيض سائر الطيور وله ضرع يخرج منه اللبن ولا يبصر فى ضوء النهار ولا فى ظلمة الليل وانما يرى فى ساعتين بعد غروب الشمس ساعة وبعد طلوع الفجر ساعة قبل ان يسفر جدا ويضحك كما يضحك الإنسان ويحيض كما تحيض المرأة فلما رأوا ذلك منه ضحكوا وقالوا هذا سحر وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي الأكمه الذي ولد أعمى والأبرص هو الذي به برص اى بياض فى الجلد ولو كان بحيث إذا غرز بابرة لا يخرج منه الدم لا يقبل العلاج ولذا خصا بالذكر وكلاهما مما أعيى الأطباء:
وفى المثنوى
صومعهء عيسى است خوان اهل دل ... هان وهان اى مبتلا اين در مهل «١»
جمع كشتندى ز هر أطراف خلق ... از ضرير وشل ولنگ واهل دلق
او چوفارغ گشتى از أوراد خويش ... چاكشتكه بيرون شدى آن خوب كيش
پس دعا كردى وگفتى از خدا ... حاجت ومقصود جمله شد روا
خوش روان وشادمانه سوى خان ... از دعاى او شدندى پاروان
آزمودى تو بسى آفات خويش ... يافتى صحت ازين شاهان كيش
стр. 913
چند آن لنگىء تو رهوار شد ... چند جانت بي غم وآزار شد
وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي اى تحيى الموتى وتخرجهم من قبورهم احياء قيل اخرج سام ابن نوح ورجلين وجارية كما سبق تفصيله فى سورة آل عمران قال الكلى كان عيسى ﵇ يحيى الموتى بياحى ويا قيوم وهو الاسم الأعظم عند العلماء المحققين وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ اى منعت اليهود الذي أرادوا لك السوء عن التعرض لك إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات الواضحة ظرف لكففت فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ اى ما هذا الذي جئت به الا سحر ظاهر ردا وإنكارا فبقوا على مرض الكفر ولم يعالجوا بعلاج الايمان على يد الحكيم الإلهي الحاذق- حكى- عن الشبلي انه اعتل فحمل الى البيمارستان وكتب على بن عيسى الوزير الى الخليفة فى ذلك فارسل الخليفة اليه مقدم الأطباء ليداويه فما أنجحت مداواته قال الطبيب للشبلى والله لو علمت ان مداواتك فى قطعة لحم من جسدى ما عسر على ذلك قال الشبلي دوائى فيما دون ذلك قال الطبيب وما هو قال بقطعك الزنار فقال الطبيب اشهد ان لا اله الا الله واشهد ان محمدا رسول الله فاخبر الخليفة بذلك فبكى وقال نفذنا طبيبا الى مريض وما علمنا انا نفذنا مريضا الى طبيب قال اليافعي هذا هو الطبيب الحاذق وحكمته من الحكمة التي بها العلل تزول وفيه أقول
إذا ما طبيب القلب أصبح جسمه ... عليلا فمن ذا للطبيب طبيب
فقل هم أولوا علم لدنى وحكمة ... الهية يشفى بذاك قلوب
وكل مرشد كامل فهو عيسى وقته فان قلت ان اولياء الله هم الأطباء حقيقة ومن شأن الطبيب ان يعالج ويبرئ دون ان يهلك ويمرض فما شأن ابراهيم الخواص أشار بإصبعيه الى عينى رجل فى برية أراد ان يسلب منه ثيابه فسقطتا. قلت انما دعا ابراهيم على اللص بالعمى ودعا ابراهيم بن أدهم على الذي ضربه بالجنة لان الخواص شهد من اللص انه لا يتوب الا بعد العقوبة فرأى العقوبة أصلح له وابن أدهم لم يشهد توبة الظالم فى عقوبته فتفضل عليه بالدعاء فتوة منه وكرما فحصلت البركة والخير بدعائه للظالم فجاءه مستغفرا معتذرا فقال له ابراهيم الرأس الذي يحتاج الى الاعتذار تركته ببلخ وقد كان الأنبياء يدعون مطلقا بحسب الأحوال والمصالح وكل ذلك بإذن الله تعالى فهم فى دعائهم فانون عن انانيات وجودهم لا يصدر من لسانهم الا حق مطابق للواقع والحكمة والأولياء تلولهم فى ذلك ولكن الناس لا يعلمون: وفى المثنوى
چون بباطن بنگرى دعوى كجاست ... او ودعوى پيش آن سلطان فناست
مات زيد زيد اگر فاعل بود ... ليك فاعل نيست كو عاطل بود
او ز روى لفظ نحوى فاعلست ... ور نه او مفعول وموتش قاتلست
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ جمع حوارى يقال فلان حوارى فلان اى صفوته وخالصته من الحور وهو البياض الخالص سمى به اصحاب عيسى ﵇ لخلوص نياتهم ونقاء سرائرهم وكان بعضهم من الملوك وبعضهم من صيادى السمك وبعضهم من القصارين وبعضهم من الصباغين اذكر يا محمد وقت ان امرتهم على ألسنة رسلى او ألهمت إياهم وألقيت فى قلوبهم أَنْ مفسرة لما فى الإيحاء من معنى
стр. 914
القول آمِنُوا بِي اى بوحدانيتى فى الربوبية والالوهية وَبِرَسُولِي اى وبرسالة رسولى ولا تزيلوه عن حيزه حطا ولا رفعا قالُوا كأنه قيل فماذا قالوا حين اوحى إليهم ذلك فقيل قالوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ اى مخلصون فى أيماننا من اسلم وجهه لله اى أخلص إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ منصوب باذكر يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ هذا السؤال كان فى ابتداء أمرهم قبل ان يستحكم معرفتهم بالله ولذلك أساءوا الأدب مع عيسى ﵊ حيث لم يقولوا يا رسول الله او يا روح الله وخاطبوه باسمه ونسبوه الى امه ولو وفقوا للادب لقالوا يا روح الله ونسبوه الى الله ثم رفضوا الأدب مع الله وقالوا هل يستطيع ربك كالمتشكك فى استطاعته وكمال قدرته على ما يشاء كيف يشاء ثم أظهروا دناءة همتهم وخساسة نهمتهم إذ طلبوا بواسطة مثل عيسى من الله تعالى مائدة دنيوية فانية وما رغبوا فى فائدة دينية باقية ولو رغبوا فى الفائدة الدينية لنالوا المائدة الدنيوية ايضا قال الله تعالى مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ والمائدة الخوان الذي عليه الطعام من ماده إذا أعطاه ورفده كأنها تميد من تقدم إليها ونظيره قولهم شجرة مطعمة قال فى الشرعة وضع الطعام على الأرض أحب الى رسول الله ﷺ ثم على السفرة وهى على الأرض والاكل على الخوان فعل الملوك اى آداب الجبارين لئلا يتطأطأوا عند الاكل وعلى المنديل فعل العجم اى اهل فارس من المتكبرين وعلى السفرة فعل العرب وهى فى الأصل طعام يتخذه المسافر للسفر ثم سمى بها الجلد المستدير المحمول هو فيه قالَ كأنه قيل فماذا قال لهم عيسى ﵇ حين قالوا ذلك فقيل قال اتَّقُوا اللَّهَ اى من أمثال هذا السؤال إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ اى بكمال قدرته تعالى او بصحة نبوتى قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها تمهيد عذر وبيان لما دعاهم الى السؤال لا نريد بالسؤال ازالة شبهتنا فى قدرته تعالى على تنزيلها او فى صحة نبوتك حتى يقدح ذلك فى الايمان والتقوى بل نريد ان نأكل منها اى أكل تبرك يتشفى بسببها مرضانا ويتقوى بها أصحاؤنا ويستغنى بها فقراؤنا وقيل مرادهم أكل احتياج لانهم قالوا ذلك فى زمن المجاعة والقحط وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا لكمال قدته تعالى بانضمام علم المشاهدة الى علم الاستدلال وَنَعْلَمَ علما يقينا أَنْ مخففة اى انه قَدْ صَدَقْتَنا فى دعوى النبوة وان الله يجب دعوتنا وان كنا عالمين بذلك من قبل وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ نشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بنى إسرائيل ليزداد المؤمنون منهم بشهادتنا طمأنينة ويقينا ويؤمن بسببها كفارهم او من الشاهدين للعين دون السامعين للخبر قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لما رأى ﵇ ان لهم غرضا صحيحا فى ذلك وانهم لا يقلعون عنه أزمع على استدعائها واستنزالها وأرد ان يلزمهم الحجة بكمالها اللَّهُمَّ اى يا الله والميم عوض عن حرف النداء وهى كلمة عظيمة من قالها فقد ذكر الله تعالى بجميع أسمائه وفى الميم سبعون اسما من أسمائه تعالى قد اندرجت فيها رَبَّنا ناداه سبحانه مرتين إظهارا لغاية التضرع ومبالغة فى الاستدعاء
стр. 915
أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ متعلق بأنزل تَكُونُ لَنا عِيداً صفة لمائدة واسم تكون ضمير المائدة وخبرها عيدا ولنا حال منه اى يكون يوم نزولها عيدا فعظمه وانما أسند ذلك الى المائدة لان شرف اليوم مستفاد من شرفها وقيل العيد السرور العائد ولذلك سمى يوم العيد عيدا لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا بدل من لنا باعادة العامل اى عيدا لمتقدمينا ومتأخرينا- روى- انها نزلت يوم الأحد ولذلك اتخذه النصارى عيدا وَآيَةً كائنة مِنْكَ دالة على كمال قدرتك وصحة نبوتى وَارْزُقْنا اى المائدة والشكر عليها وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ تذييل جار مجرى التعليل اى خير من يرزق لانه خالق الأرزاق ومعطيها بلا عوض قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ اجابة الى سؤالكم فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ اى بعد تنزيلها مِنْكُمْ حال من فاعل يكفر فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ بسبب كفره بعد معاينة هذه الآية الباهرة عَذاباً اسم مصدر بمعنى التعذيب اى تعذيبا لا أُعَذِّبُهُ صفة لعذابا والضمير له اى أعذبه تعذيبا لا أعذب ذلك التعذيب اى مثل ذلك التعذيب أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ اى من عالمى زمانهم او من العالمين جميعا فانهم مسخوا قردة وخنازير ولم يعذب مثل ذلك غيرهم- روى- ان عيسى ﵇ اغتسل ولبس المسح وصلى ركعتين فطأطأ رأسه وغض بصره ثم دعا فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين وهم ينظرون حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى ﵊ وقال اللهم اجعلنى من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة للعالمين ولا تجعلها مثلة وعقوبة ثم قام وتوضأ وصلى وبكى ثم كشف المنديل الذي عليها وقال بسم الله خير الرازقين فاذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوكة يسيل دسمها وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل وحولها من انواع البقول ما خلا الكراث وإذا خمسة ارغفة على واحد منها زيتون وعلى الثاني عسل وعلى الثالث سمن وعلى الرابع جبن وعلى الخامس قديد فقال شمعون رأس الحواريين يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة قال ليس منهما ولكنه اخترعه الله بقدرته كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزدكم من فضله فقالوا يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية اخرى فقال يا سمكة احيى بإذن الله فاضطربت ثم قال لها عودى كما كنت فعادت مشوية فلبث المائدة يوما واحدا فأكل من أكل منها ثم طارت ولم تنزل بعد ذلك اليوم وقيل كانت تأتيهم أربعين يوما غبا اى تنزل يوما ولا تنزل يوما يجتمع عليها الفقراء والأغنياء والصغار والكبار يأكلون حتى إذا فاء الفيء طارت وهم ينظرون فى ظلها ولم يأكل منها فقير الا غنى مدة عمره ولا مريض الا برئ ولم يمرض ابدا ثم اوحى الله الى عيسى ان اجعل مائدتى فى الفقراء والمرضى دون الأغنياء الأصحاء فاضطرب الناس بذلك اى تعاظم على الأغنياء والأصحاء حتى شكوا وشككوا الناس فى شأن المائدة ونزولها من السماء حقيقة فمسخ منهم من مسخ فاصبحوا خنازير يسعون فى الطرقات والكناسات ويأكلون العذرة فى الحشوش فلما رأى الناس ذلك فزعوا الى عيسى وبكوا على الممسوخين فلما أبصرت الخنازير عيسى بكت وجعلت تطوف به وجعل يدعوهم بأسمائهم واحدا بعد واحد فيبكون ويشيرون برؤسهم فلا يقدرون على الكلام فعاشوا ثلاثة ايام ثم هلكوا ولم يتوالدوا
стр. 916
وكذلك كل ممسوخ والاشارة ان الله تعالى سلخ صورة الانسانية عن حقائق صفات الحيوانية وألبسهم الصور من حقائق صفاتهم فمسخوا خنازير ليعتبر الخلق ويتحقق لهم ان الناس يحشرون على صور صفاتهم يوم تبلى السرائر يوم تبيض وجوه وتسود وجوه كما قال ﵇ (يموت الناس على ما عاشوا فيه ويحشرون على ما ماتوا عليه) يعنى يحشرون على صورة صفاتهم التي ماتوا عليها: وفى المثنوى
هر خيالى كو كند در دل وطن ... روز محشر صورتى خواهد شدن «١»
زانكه حشر حاسدان روز گزند ... بي كمان بر صورت گرگان كنند «٢»
حشر پر حرص وخس ومردار خوار ... صورت خوكى بود روز شمار
زانيانرا كنده أندام نهان ... خمر خوارانرا همه كنده دهان
سيرتى كاندر وجودت غالبست ... هم بران تصوير حشرت واجبست
قال القاضي فى تفسيره وعن بعض الصوفية المائدة عبارة عن حقائق المعارف فانها غذاء الروح كما ان الاطعمة غذاء البدن وعلى هذا فلعل الحال انهم رغبوا فى حقائق لم يستعدوا للوقوف عليها وقال لهم عيسى ان حصلتم الايمان فاستعملوا التقوى حتى تتمكنوا من الاطلاع عليها فلم يقلعوا عن السؤال والجواب فيها فسأل لاجل اقتراحهم فبين الله تعالى ان انزاله سهل ولكن فيه خطر وخوف عاقبة فان السالك إذا انكشف له ما هو أعلى من مقامه لعله لا يتحمله ولا يستقر له فيضل به ضلالا بعيدا انتهى كلام القاضي قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره ان قوم عيسى ﵇ عصوا مرة فرفعت المائدة وانا نعصى فى كل وقت مع ان نعم الله تعالى مترادفة وذلك لان المائدة التي نزلت عليهم من مرتبة الصفة والنعم الفائضة علينا مرتبة الذات وما هو من الذات لا يتغير ولا يتبدل وانما التغير فى الصفة وقد بقي هنا شىء وهو ان الأعياد اربعة لاربعة أقوام. أحدها عيد قوم ابراهيم كسر الأصنام حين خرج قومه الى عيد لهم. والعيد الثاني عيد قوم موسى واليه الاشارة بقوله تعالى فى سورة طه قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ. والعيد الثالث عيد قوم عيسى واليه الاشارة بقوله تعالى رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً الآية. والعيد الرابع عيد امة محمد ﵇ وهو ثلاثة عيد يتكرر كل أسبوع وعيدان يأتيان فى كل عام مرة من غير تكرر فى السنة فاما العيد المتكرر فهو يوم الجمعة وهو عيد الأسبوع وهو مرتب على إكمال الصلوات المكتوبات لان الله فرض على المؤمنين فى اليوم والليلة خمس صلوات وان الدنيا تدور على سبعة ايام فكلما كمل دور أسبوع من ايام الدنيا واستكمل المسلمون صلواتهم شرع لهم فى يوم استكمالهم يوم الجمعة وهو اليوم الذي كمل فيه الخلق وفيه خلق آدم وادخل الجنة واخرج منها وفيه ينتهى امر الدنيا فتزول وتقوم الساعة فيه وفيه الاجتماع على سماع الذكر والموعظة وصلاة الجمعة وجعل ذلك لهم عيدا ولذلك نهى عن افراده بالصوم وفى شهود الجمعة شبه من الحج ويروى انها حج المساكين وقال سعيد بن المسيب شهود الجمعة أحب الى من حجة نافلة والتكبير فيها يقوم مقام الهدى على قدر السبق والشهود الجمعة يوجب تكفير الذنوب الى الجمعة الاخرى إذا سلم ما بين الجمعتين
стр. 917
من الكبائر كما ان الحج المبرور يكفر ذنوب تلك السنة الى الحجة الاخرى وقد روى إذا سلمت الجمعة سلمت الأيام. واما العيدان اللذان ينكرران فى كل عام انما يأتى كل واحد منهما مرة واحدة فاحدهما عيد الفطر من صوم رمضان وهو مرتب على إكمال الصيام وهو الركن الثالث من اركان الإسلام ومبانيه فاذا استكمل المسلمون صيام شهرهم المفروض عليهم استوجبوا من الله المغفرة والعتق من النار فان صيامه يوجب مغفرة ما تقدم من الذنوب وآخره عتق من النار والعيد الثاني عيد النحر وهو اكبر العيدين وأفضلهما وهو مترتب على إكمال الحج وهو الركن الرابع من اركان الإسلام ومبانيه فاذا أكمل المسلمون حجتهم غفر لهم وانما يكمل الحج يوم عرفة والوقوف بعرفة ركن الحج الأعظم- وروى- انس رضى الله عنه انه ﷺ قدم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال قد ابد لكم الله بهما خيرا منهما الفطر والأضحى واجتمعت الامة على هذا من لدن رسول الله ﷺ الى يومنا هذا بلا نكير منكر فهذه أعياد الدنيا تذكر أعياد الآخرة وقد قيل كل يوم كان للمسلمين عيدا فى الدنيا فهو عيد لهم فى الجنة يجتمعون فيه على زيارة ربهم ويتجلى لهم فيه فيوم الجمعة فى الجنة. يدعى يوم المزيد ويوم الفطر والأضحى يجتمع اهل الجمعة فيهما للزيارة هذا لعوام اهل الجنة واما خواصهم فكل يوم لهم عيد يزورون ربهم كل يوم مرتين بكرة وعشيا والخواص كانت ايام الدنيا كلها لهم أعيادا فصارت ايامهم فى الآخرة كلها أعيادا. واما أخص الخواص فكل نفس عيد لهم قال فى التأويلات النجمية رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ اى مائدة الاسرار والحقائق التي تنزلها من سماء العناية عليها أطعمة الهداية تَكُونُ لَنا يعنى لاهل الحق وارباب الصدق عِيداً نفرح بها لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا اى لاول أنفاسنا وآخرها فان ارباب الحقيقة يراقبون الأنفاس أولها وآخرها لتصعد مع الله وتهوى مع الله ففى صعود النفس مع الله يكون عيدا لهم وفى هويه مع الله عيدا لهم: كما قال بالفارسية [صوفيان در دمى دو عيد كنند] وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اى اذكر يا محمد للناس وقت قول الله تعالى لعيسى ﵇ فى الآخرة توبيخا للكفرة وتبكيتا لهم بإقراره ﵇ على رؤوس الاشهاد بالعبودية وامره لهم بعبادته تعالى أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مفعول ثان للاتخاذ مِنْ دُونِ اللَّهِ حال من فاعل اتخذوني كأنه قيل صيرونى وأمي الهين اى معبودين متجاوزين عن الوهية الله تعالى ومعبوديته والمراد اتخاذهما بطريق اشراكهما به سبحانه كما فى قوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً لان أحدا منهم لم يذهب الى القول بآلهية عيسى ومريم مع القول بنفي آلهية الله تعالى ولما لم يكن المقصود انكار نفس القول بل قصد توبيخ من قال به ولى حرف الاستفهام المبتدأ ولم يقل كذا لانه يفيد انكار نفس القول قال المولى ابو السعود ﵀ ليس مدار اصل الكلام ان القول متيقن والاستفهام لتعيين القائل كما هو المتبادر من إيلاء الهمزة المبتدأ على الاستعمال الفاشي وعليه قوله تعالى أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا وتظاهره بل على ان المتيقن هو الاتخاذ والاستفهام لتعيين انه بامره ﵇ او من تلقاء أنفسهم كما فى قوله تعالى أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ
стр. 918
عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ انتهى قال فى التأويلات النجمية الإثبات بعد الاستفهام نفى كما ان النفي بعد الاستفهام اثبات كقوله أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ اى انا ربكم ونظير النفي فى الإثبات قوله تعالى أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ اى ليس مع الله آله فمعناه ما قلت أنت للناس اتخذوني وأمي الهين من دون الله ولكنهم بجهلهم قد بالغوا فى تعظيمك حتى اطروك وجاوزوا حدك فى المدح ولهذا قال النبي ﵇ (لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم) انتهى. فان قيل ما وجه هذا السؤال مع علمه تعالى ان عيسى ﵊ لم يقله. قيل ذلك لتوبيخ قومه وتعظيم امر هذه المقالة. قال ابو روق إذا سمع عيسى هذا الخطاب ارتعدت مفاصله وانفجرت من اصل كل شعرة من جسده عين من دم وهذا الخطاب وان كان ظاهره مع عيسى ولكن كان حقيقة مع الامة لان سنة الله ان لا يكلم الكفار يوم القيامة ولا ينظر إليهم قالَ كأنه قيل فماذا يقول عيسى حينئذ فقيل يقول سُبْحانَكَ علم للتسبيح اى أنزهك تنزيها لائقابك من ان أقول ذلك او من ان يقال فى حقك ذلك ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ اى ما يستقيم وما ينبغى لى ان أقول قولا لا يحق لى ان أقوله إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ اى هذا القول فَقَدْ عَلِمْتَهُ لانى لا اقدر على هذا القول الا بان توجده فىّ وتكونه بقولك كن فصدوره عنى مستلزم لعلمك به قطعا فحيث انتفى العلم انتفى الصدور حتما ضرورة ان عدم اللازم مستلزم لعدم الملزوم تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي اى ما اخفيه فى نفسى كما تعلم ما اعلنه وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ اى ولا اعلم ما تخفيه من معلوماتك فعبر عما يخفيه الله من معلوماته بقوله ما فى نفسك للمشاكلة لوقوعه فى صحبة قوله تعلم ما فى نفسى فان معلومات الإنسان مختفية فى نفسه بمعنى كون صورها مرتسمة فيها بخلاف معلومات الله تعالى فان علمه تعالى حضورى لا تنقطع صورة شىء منها فى ذاته فلا يصح ان يحمل النفس على المعنى المتبادر إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ما كان وما يكون ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ تصريح بنفي المستفهم عنه بعد تقديم ما يدل عليه اى ما امرتهم الا ما أمرتني به وانما قيل ما قلت لهم نزولا على قضية حسن الأدب ومراعاة لما ورد فى الاستفهام أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ تفسير للضمير فى به وفى أمرت معنى القول وليس تفسيرا لما فى قوله ما أمرتني لانه مفعول لصريح القول والتقدير الا ما أمرتني به بلفظ هو قولك ان اعبدوا الله ربى وربكم وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً رقيبا اراعى أحوالهم واحملهم على العمل بموجب أمرك وامنعهم عن المخالفة او مشاهدا لاحوالهم من كفر وايمان ما دُمْتُ فِيهِمْ اى مدة دوامى فيما بينهم فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي اى قبضتنى إليك من بينهم ورفعتنى الى السماء كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ اى أنت لا غيرك كنت الحافظ لاعمالهم والمراقب لها فمنعت من أردت عصمته عن المخالفة بالإرشاد الى الدلائل والتنبيه عليها بإرسال الرسول وإنزال الآيات وخذلت من خذلت من الضالين فقالوا ما قالوا وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ مطلع عليه مراقب له فعلى متعلقة بشهيد والتقديم لمراعاة الفاصلة إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ اى فانك تعذب عبادك ولا اعتراض على المالك المطلق فيما يفعل بملكه. وفيه
стр. 919
تنبيه على انهم استحقوا التعذيب حيث عبدوا غيره تعالى وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ اى فلا عجز ولا استقباح فانك القادر والقوى على الثواب والعقاب الذي لا يثيب ولا يعاقب الا عن حكمة وصواب فان المغفرة مستحسنة لكل مجرم فان عذبت فعدل وان غفرت ففضل. فان قلت مغفرة المشرك قطعية الانتفاء بحسب الوجود وتعذيبه قطعى الوجود فما معنى ان المستعمل فيما كان كل واحد من جانبى وجوده وعدمه جائزا محتمل الوقوع قلت كون غفران المشرك قطعى الانتفاء بحسب الوجود لا ينافى كونه جائز الوجود بحسب العقل فصح استعمال كلمة ان فيهما لانه يكفى فى صحة استعمالها مجرد الإمكان الذاتي والجواز وقيل الترديد بالنسبة الى فرقتين والمعنى ان تعذبهم اى من كفر منهم وان تغفر لهم اى من آمن منهم- روى- انه لما نزلت هذه الآية احيى رسول الله ﷺ بها ليلته وكان بها يقوم وبها يقعد وبها يسجد ثم قال (أمتي أمتي يا رب) فبكى فنزل جبرائيل ﵇ فقال الله يقرئك السلام ويقول لك انا سنرضيك فى أمتك ولا نسوءك قالَ اللَّهُ اى يقول الله تعالى يوم القيامة عقيب جواب عيسى ﵇ مشيرا الى صدقه فى ضمن بيان حال الصادقين الذين هو فى زمرتهم هذا اى يوم القيامة وهو مبتدأ وخبره ما بعده يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ المراد الصدق فى الدنيا فان النافع ما كان حال التكليف فالجانى المعترف يوم القيامة بجنايته لا ينفعه اعترافه وصدقه وكذا الجاني المعترف فى الدنيا بجنايته لا ينفعه يومئذ اعترافه وصدقه فانه ليس المراد كل من صدق فى أي شىء كان بل فى الأمور الدينية التي معظمها التوحيد الذي نحن بصدده والشرائع والاحكام المتعلقة به والصادقون الرسل الناطقون بالصدق الداعون الى ذلك والأمم المصدقون لهم المعتقدون بهم عقدا وعملا لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً كأنه قيل ما لهم من النفع فقيل لهم نعيم دائم وثواب خالد وهو الفوز الكبير. قوله ابدا اى الى الابد تأكيد للخلود يعنى بالفارسية [زمان بود ايشان نهايت ندارد] ﵃ بالطاعة وَرَضُوا عَنْهُ بنيل الكرامة والرضوان فيض زائد على الجنات لا غاية وراءه ولذلك قال تعالى ذلِكَ اى نيل الرضوان الْفَوْزُ الْعَظِيمُ اى النجاة الوافرة وحقيقة الفوز نيل المراد وانما عظم الفوز لعظم شأن المطلوب الذي تعلق به الفوز وهو الرضى الذي لا مطلب وراءه أصلا لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ تحقيق للحق وتنبيه على كذب النصارى وفساد ما زعموا فى حق المسيح وامه اى له تعالى خاصة ملك السموات والأرض وما فيهما من العقلاء وغيرهم يتصرف فيها كيف يشاء إيجادا واعداما واماتة واحياء وامرا ونهيا من غير ان يكون لشىء من الأشياء مدخل فى ذلك وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ بالغ فى القدرة منزه عن العجز والضعف ومقدس ﵎ وتقدس
نيست خلقش را دگر كس مالكى ... شركتش دعوى كند جز هالكى
واحد اندر ملك واو را يار نى ... بندگانش را جز او سالار نى
واعلم ان الآية نطقت بنفع الصدق يوم القيامة فلا ينفع الكذب والرياء بوجه من الوجوه أصلا
стр. 920
دلا دلالت خيرت كنم براه نجات ... مكن بفسق مباهات وزهد هم مفروش
فعلى العاقل ان يجتهد فى طريق الصدق فان الصدق بعد الايمان يجر الى الإحسان وقبل الايمان الى الايمال- كما حكى- عن ابراهيم الخواص قدس سره انه كان إذا أراد سفرا لم يعلم أحدا ولم يذكره وانما يأخذ ركوته ويمشى قال حامد الأسود فبينما نحن معه فى مسجد إذ تناول ركوته ومشى فاتبعته فلما وافيا القادسية قال لى يا حامد الى اين قلت يا سيدى خرجت بخروجك قال انا أريد مكة ان شاء الله تعالى قلت وانا أريد مكة ان شاء الله تعالى فلما كان بعد ايام إذا بشاب قد انضم إلينا فمشى يوما وليلة معنا لا يسجد لله تعالى سجدة فقربت من ابراهيم وقلت ان هذا الغلام لا يصلى فجلس وقال يا غلام مالك لا تصلى والصلاة أوجب عليك من الحج فقال يا شيخ ما على صلاة قلت ألست بمسلم قال لا قلت فأى شىء أنت قال نصرانى ولكن اشارتى فى النصرانية الى التوكل وادعت نفسى انها أحكمت حال التوكل فلم أصدقها فيما ادعت حتى أخرجتها الى هذه الفلاة التي ليس فيها موجود غير المعبود اثير ساكنى وامتحن خاطرى فقام ابراهيم ومشى وقال دعه معك فلم يزل سائرا معنا حتى وافينا بطن مرو فقام ابراهيم ونزع خلقانه فطهرها بالماء ثم جلس وقال له ما اسمك قال عبد المسيح فقال يا عبد المسيح هذا دهليز مكة يعنى الحرم وقد حرم الله على امثالك الدخول اليه قال الله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا والذي أردت ان تكشف من نفسك قد بان لك فاحذر ان تدخل مكة فان رأيناك بمكة أنكرنا عليك قال حامد فتركناه ودخلنا مكة وخرجنا الى الموقف فبينما نحن جلوس بعرفات إذا به قد اقبل عليه ثوبان وهو محرم يتصفح وجوه الناس حتى وقف علينا فاكب على ابراهيم فقبل رأسه فقال له ما رواءك يا عبد المسيح فقال له هيهات انا اليوم عبد من المسيح عبده فقال له ابراهيم حدثنى حديثك قال جلست مكانى حتى أقبلت قافلة الحجاج فقمت وتنكرت فى زى المسلمين كأنى محرم فساعة وقعت عينى على الكعبة اضمحل عندى كل دين سوى دين الإسلام فاسلمت فاغتسلت وأحرمت وها انا أطلبك يومى فالتفت الى ابراهيم وقال يا حامد انظر الى بركة الصدق فى النصرانية كيف هداه الى الإسلام ثم صحبناه حتى مات بين الفقراء ﵀
سلام على السادات من كل صادق ... سلام على ذى الوجد من كل عاشق
سلام على ذى الصحو من سكر غفلة ... سلام على الناجين من كل كلفة
سلام على من مات من قبل موته ... سلام على من فات من قبل فوته
اللهم اجعلنا من الناجين فاننا من زمرة المحتاجين آمين يا معين تمت سورة المائدة مع ما فيها من الفائدة والحمد لله على نعمه المتوافرة والصلاة على رسوله وآله صلاة متكاثرة وذلك فى اليوم الثالث من شهر الله المحرم المنتظم فى سلك سنة الف ومائة ويتلوها سورة الانعام ان شاء الله تعالى- تمت الجلد الثاني من تفسير روح البيان-
стр. 921
الجزء الثالث
تفسير روح البيان للإمام الشّيخ إسماعيل حقّى البروسوي المتوفي سنة: ١١٣٧ هـ الجزء الثالث دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
стр. 922
من تفسير روح البيان
تفسير سورة الانعام
وهى مكية وآيها مائة وخمس وستون وقيل ست آيات او ثلاث من قوله قُلْ تَعالَوْا مدينة ومن الله ارجوا تمامه بفضله وكرمه وهو قاضى الحاجات بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الانعام نزلت بمكة جملة واحدة ليلا معها سبعون الف ملك قد سدوا ما بين الخافقين ولهم زجل اى صوت بالتسبيح والتحميد والتمجيد حتى كادت الأرض ترتج فقال النبي ﷺ (سبحان ربى العظيم سبحان ربى العظيم) وخر ساجد- وروى- عنه مرفوعا (من قرأ سورة الانعام يصلى عليه أولئك السبعون الف ملك ليله ونهاره) ثم دعا ﵇ بالكتاب وامر بكتابتها من ليلته تلك- وروى- عنه ﵇ مرفوعا (من قرأ ثلاث آيات من أول سورة الانعام الى قوله تكسبون حين يصبح وكل الله به سبعين الف ملك يحفظونه وكتب له مثل أعمالهم الى يوم القيامة وينزل ملك من السماء السابعة ومعه مرزبة من حديد كلما أراد الشيطان ان يلقى فى قلبه شيأ من الشر ضربه بها وجعل بينه وبين الشيطان سبعين الف حجاب فاذا كان يوم القيامة قال الله تعالى يا ابن آدم امش تحت ظلى وكل من ثمار جنتى واشرب من ماء الكوثر واغتسل من ماء السلسبيل فانت عبدى وانا ربك لا حساب عليك ولا عذاب) كذا رواه الامام الواحدي فى الوسيط الْحَمْدُ لِلَّهِ الالف واللام فى الحمد لاستغراق الجنس واللام فى لله للاختصاص لانه تعالى قال بربهم يعدلون ودفع تسويتهم بربهم مما جعل مقصودا بالذات وفى التأويلات النجمية اللام لام التمليك يعنى كل حمد يحمده اهل السموات والأرض فى الدنيا والآخرة ملك له وهو الذي أعطاهم استعداد الحمد ليحمدوه بآثار قدرته على قدر استعدادهم واستطاعتهم لكن حمد الخلق له مخلوق فان وحمده لنفسه قديم باق فان قيل أليس شكر
стр. 923
المنعم واجبا مثل شكر الأستاذ على تعليمه وشكر السلطان على عدله وشكر المحسن على إحسانه قال ﵇ (من لم يشكر الناس لم يشكر الله) فالجواب ان الحمد والتعظيم المتعلق بالعبد المنعم نظرا الى وصول النعمة من قبله وهو فى الحقيقة راجع اليه تعالى لانه تعالى لو لم يخلق نفس تلك النعمة ولو لم يحدث داعية الإحسان فى قلب العبد المحسن لما قدر ذلك العبد على الإحسان والانعام فلا محسن فى الحقيقة الا الله ولا مستحق للحمد الا هو تعالى وفى تعليق الحمد باسم الذات المستجمع لجميع الصفات اشارة الى انه المستحق له بذاته سواء حمده حامد او لم يحمده قال البغوي حمد الله نفسه تعليما لعباده اى احمدوه: وفى المثنوى
چونكه آن خلاق شكر وحمد جوست ... آدمي را مدح جويى نيز خوست
خاصه مرد حق كه در فضلست چست ... پر شود زان باد چون خيك درست
ور نباشد اهل زان باد دروغ ... خيك بدريد است كى كيرد فروغ
الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ بما فيها من الشمس والقمر والنجوم وَالْأَرْضَ بما فيها من البر والبحر والسهل والجبل والنبات والشجر خلق السموات وما فيها فى يومين يوم الأحد ويوم الاثنين وخلق الأرض وما فيها فى يومين يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء. وفى تعليق الحمد بالخلق تنبيه على استحقاقه تعالى باعتبار أفعاله وآلائه ايضا وتخصيص خلق السموات والأرض بالذكر لانهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد وفيهما العبرة والمنافع لهم وجمع السموات دون الأرض وهى مثلهن لان طبقاتها مختلفة بالذات متفاوتة الآثار والحركات قالوا ما بين كل سماءين مسيرة خمسائة عام. السماء الدنيا موج مكفوف اى متصادم بعضه على بعض يمنع بعضه بعضا اى ممنوع من السيلان. والثانية مرمرة بيضاء. والثالثة حديدة. والرابعة نحاس او صفر. والخامسة فضة. والسادسة ذهب. والسابعة ياقوتة حمراء واما الأرض فهى تراب لا غير. والأكثرون على تفضيل الأرض على السماء لان الأنبياء خلقوا من الأرض وعبدوا فيها ودفنوا فيها وان الأرض دار الخلافة ومزرعة الآخرة وأفضل البقاع على وجه الأرض البقعة التي ضمت جسم الحبيب صلى الله تعالى عليه وسلم فى المدينة المنورة لان الجزء الأصلي من التراب محل قبره ﷺ ثم بقعة الحرم المكي ثم بيت المقدس والشام منه ثم الكوفة وهى حرم رابع وبغداد منه وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ الجعل هو الإنشاء والإبداء كالخلق خلا ان ذلك مختص بالانشاء التكويني وفيه معنى التقدير والتسوية وهذا عام له كما فى الآية الكريمة وللتشريعى ايضا كما فى قوله ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ الآية اى ما شرع وما سن وجمع الظلمات لكثرة أسبابها فان سببها تخلل الجرم الكثيف بين النير والمحل المظلم وذلك التخلل يتكثر بتكثر الاجرام المتخللة بخلاف النور فان سببه ليس الا النار حتى ان الكواكب منيرة بناريتها فهى اجرام نارية وان الشهب منفصلة من نار الكواكب قال الحدادي وانما جمع الظلمات ووحد النور لان النور يتعدى والظلمة لا تتعدى- روى- ان هذه الآية نزلت تكذيبا للمجوس فى قولهم الله خالق النور والشيطان خالق الظلمات وفى التيسير انه رد على الثنوية فى اضافتهم خلق النور الى يزدان وخلق الظلمات الى أهرمن وعلى ذلك خلق كل خير
стр. 924
وشر ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ عطف على الجملة السابقة. وثم لاستبعاد الشرك بعد وضوح ما ذكر من الآيات التكوينية ببطلانه. والباء متعلقة بيعدلون وقدم المعمول على العامل للاهتمام وتحقيق الاستبعاد ويعدلون من العدل وهو التسوية يقال عدلت هذا بهذا إذا ساويته والمعنى انه تعالى مختص باستحقاق الحمد والعبادة باعتبار ما فصل من شؤونه العظيمة الخاصة به الموجبة لقصر الحمد والعبادة عليه ثم هؤلاء الكفرة لا يعملون بموجبه ويعدلون به سبحانه أي يسوون به غيره فى العبادة التي هى أقصى غايات الشكر الذي رأسه الحمد مع كون كل ما سواه مخلوقاله غير متصف بشىء من مبادى الحمد والاشارة ان الله تعالى خلق سموات القلوب وارض النفوس وجعل الظلمات فى النفوس وهى صفاتها البهيمية والحيوانية وأخلاقها السبعية والشيطانية والنور فى القلوب وهو صفاتها الملكية وأخلاقها الروحانية الباقية فمن غلب عليه النور وهو صفة الملكية الروحانية يميل الى عبودية الحق تعالى ويقبل دعوة الأنبياء ويؤمن بالله ورسوله ويتحلى بحلية الشريعة فالله تعالى يكون وليه فيخرجه من ظلمات الصفات الخلقية الحيوانية الى الصفات الملكية كقوله تعالى اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ومن غلب عليه الظلمات البشرية الحيوانية واتبع طاغوت الهوى واستلذ بشهوات الدنيا فالطاغوت يكون وليه فيخرجه من نور الصفات الروحانية الى ظلمات الصفات الحيوانية كقوله تعالى وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ فهذا معنى قوله تعالى ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ يعنى بعد ان خلق سموات القلوب وارض النفوس وجعل فيهن الظلمات النفسانية والنور الروحاني مال نفوس الكفار بغلبات صفاتها الى طاغوت الهوى فعبدوه وجعلوه عديلا لربهم كذا فى التأويلات النجمية- حكى- انه جاء جماعة من فقهاء اليمن الى الشيخ العارف بالله ابى الغيث ابن جميل قدس سره يمتحنونه فى شىء فلما دنوا منه قال مرحبا بعبيد عبدى فاستعظموا ذلك فلحقوا شيخ الطريقين وامام الفريقين أبا الذبيح اسمعيل بن محمد الحضرمي قدس سره فاخبروه بما قاله الشيخ ابو الغيث المذكور لهم فضحك وقال صدق الشيخ أنتم عبيد الهوى والهوى عبده
غلام همت آنم كه زير چرخ كبود ... ز هر چهـ رنك تعلق پذيرد آزادست
هُوَ اى الله تعالى الَّذِي خَلَقَكُمْ اى ابتدأ خلقكم ايها الناس مِنْ طِينٍ اى تراب مخلوط بالماء فانه المادة الاولى للكل لما انه منشأ لآدم الذي هو اصل البشر قال السعدي بعث الله جبريل الى الأرض ليأتيه بطائفة منها فقالت الأرض انى أعوذ بالله منك ان تنقص منى فرجع جبرائيل ولم يأخذ شيأ قال جلال الدين رومى قدس سره فى المثنوى
معدن شرم وحيا بد جبرائيل ... بست آن سوكندها بروى سبيل «١»
قال يا رب انها عاذت بك فبعث ميكائيل فاستعاذت كالمرة الاولى فرجع
خاك لرزيد ودر آمد در گريز ... كشت اولا به وكنان أشك ريز «٢»
رفت ميكائيل سوى رب دين ... خالى از مقصود دست وآستين
گفت اسرافيل را يزدان ما ... كه برو از ان خاك پر كن كف بيا «٣»
стр. 925
آمد اسرافيل هم سوى زمين ... باز آغازيد خاكستان حنين
زود اسرافيل باز آمد بشاه ... گفت عذر وماجرا نزد آله
فبعث ملك الموت فعاذت منه بالله فقال وانا أعوذ بالله ان أخالف امره فاخذ من وجه الأرض فخلط الحمراء والسوداء والبيضاء فلذلك اختلف ألوان ابن آدم ثم عجنها بالماء العذب والملح والمر فلذلك اختلف اخلاقهم فقال الله تعالى لملك الموت رحم جبرائيل وميكائيل الأرض ولم ترحمها لا جرم اجعل أرواح من اخلق من هذا الطين بيدك
گفت يزدان كه بعلم روشنم ... من ترا جلاد اين خلقان كنم
- وروى- عن ابى هريرة خلق الله آدم من تراب وجعله طينا ثم تركه حتى كان حمأ مسنونا اى اسود متغيرا منتنا ثم خلقه وصوره وتركه حتى كان صلصالا كالفخار اى يابسا مصوتا كالمطبوخ بالنار ثم نفخ فيه من روحه وانما خلق من تراب لان مقام التراب مقام التواضع والمسكنة ومقام التواضع الرفعة والثبات ولذا ورد (من تواضع رفع الله) وكان دعاؤه ﷺ (أحيني مسكينا وأمتني مسكينا) . وهو الحكمة فى تعذيب الإنسان بالنار لا بالماء لان الظرف المعمول من التراب إذا تنجس ببول او قذر آخر لا يطهر بالماء فالانسان المتنجس بنجاسة المعاصي لا يطهر الا بالنار. وهو الحكمة ايضا فى التيمم عند عدم الماء ويقبر كل جسد فى الموضع الذي أخذت منه طينته التي خمرت فى أول نشأة أبناء آدم ﵇ قال الامام مالك لا اعرف اكبر فضل لابى بكر وعمر رضى الله عنهما من انهما خلقا من طينة رسول الله ﷺ لقرب قبرهما من حضرة الروضة المقدسة المفضلة على الأكوان بأسرها زادها الله تشريفا وتعظيما ومهابة ثُمَّ قَضى اى كتب لموت كل واحد منكم أَجَلًا خاصا به اى حدا معينا من الزمان يفنى عند حلوله لا محالة وثم للايذان بتفاوت ما بين خلقهم وبين تقدير آجالهم وَأَجَلٌ مُسَمًّى اى حد معين لبعثكم جميعا وهو مبتدأ خبره قوله عِنْدَهُ اى مثبت معين فى علمه لا يتغير ولا يقف على وقت حلوله أحد لا مجملا ولا مفصلا واما أجل الموت فمعلوم اجمالا وتقريبا بناء على ظهور اماراته او على ما هو المعتاد فى أعمار الإنسان وتسميته أجلا انما هى باعتبار كونه غاية لمدة لبسهم فى القبور لا باعتبار كونه مبدأ لمدة القيامة كما ان مدار التسمية فى الاجل الاول هو كونه آخر مدة الحياة لا كونه أول مدة الممات لما ان الاجل فى اللغة عبارة عن آخر المدة لا عن أولها قال حكماء الإسلام ان لكل انسان اجلين. أحدهما الآجال الطبيعية. والثاني الآجال الاخترامية. اما الآجال الطبيعية فهو الذي لو بقي الشخص على طبيعته ومزاجه ولم يعترضه العوارض الخارجية والآفات المهلكة لانتهت مدة بقائه الى ان تتحلل رطوبته وتنطفىء حرارته الغريزيتان. واما الآجال الاخترامية فهى التي تحصل بسبب من الأسباب الخارجية كالحرق والغرق ولدغ الحشرات وغيرها من الأمور المنفصلة قال بعض الأفاضل الاجل هو الوقت المضروب لطريان الزوال على كل ذى روح ولا يطرأ عليه إلا عند حلول ذلك الوقت لا يتأخر عنه ولا يسبقه كما يدل عليه قوله تعالى ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ فان قلت قوله تعالى وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ
стр. 926
مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
صريح فى الدلالة على السبق على المسمى قلت تعدد الاجل انما هو بالنسبة إلينا واما بالنسبة اليه تعالى فهو واحد قطعا تحقيقه انه تعالى عالم فى الأزل كل الموجودات ومقدر لها حسبما شمله علمه فهو يقول فى الأزل مثلا ان فلانا ان اتقى وأطاع يبلغ الى اجله المسمى والمراد بالأجل هاهنا الاجل الثاني الأطول ووصفه بالمسمية ليس للتخصيص لان الاجل المسمى على كل حال وان لم يتق ولم يطع لم يبلغ هذه المرتبة لكن يعلم انه يفعل أحد الفعلين معينا فيقدر له الاجل المعين فيكون المقدر فى علم الله الاجل المعين وانا لعدم اطلاعنا فى علم الله تعالى لم نعلم ان ذلك الفلان أي الفعلين فعل وأيما الأجلين قضى له فاذا فعل أحدهما المعين وحل الاجل المرتب عليه علمنا ان ذلك هو المقدر المسمى فالتردد بالنسبة إلينا لا فى التقدير والا يلزم ان لا يكون علم الله تعالى بما فعل العبد قبل الوقوع وعلى هذا قول الله للكافر اسلم تدخل الجنة ولا تكفر تدخل النار مع علمه وتقديره عدم إسلامه فى
الأزل والأمر والنهى لاظهار الاطاعة او المخالفة فى الظاهر كمن يريد اظهار عدم إطاعة عبده له للحاضرين فيأمره بشىء وهو يعلم انه لا يفعله والعلم بعدم الاطاعة للحاضرين المترددين انما يحصل بامره وكذا صورة الطاعة وجميع المقدرات الالهية من افعال العباد الاختيارية من هذا القبيل فظهر ان التردد بالنسبة إلينا دون علم الله الا ان يطلعنا عليه باخباره الواقع فى علمه كما اطلع نبيه ﵇ على بعض ما وقع من حال الكفار فى زمانه بقوله أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وقوله خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وقوله فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ فهذا اخبار بما فى علمه من انهم لا يختارون الايمان هذا غاية ما يقال فى هذا المقام والعلم عند الله الملك العلام ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ استبعاد لامترائهم فى البعث بعد ما تبين انه تعالى خالقهم وخالق أصولهم ومحييهم الى آجالهم فان من قدر على خلق المواد وجمعها وإبداع الحياة فيها وابقائها ما يشاء كان اقدر على جمع تلك المواد وإحيائها ثانيا والمرية هى الشك المجتلب بالشبهة أصلها من مريت الناقة إذا مسحت ضرعها ليدر لبنها للحلب والمري استخراج اللبن من الضرع قال ابو السعود وصفهم بالامتراء الذي هو الشك وتوجيه الاستبعاد اليه مع انهم جازمون بانتفاء البعث مصرون على إنكاره كما ينبىء عنه قولهم أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ونظائره للدلالة على ان جزمهم المذكور فى أقصى مراتب الاستبعاد والاستنكار واعلم ان الإنسان وقت كونه نطفة ينكر صبرورته بشرا سويا فى الزمان الآتي وعند تصوره بصورة البشر يلزمه الحجة فانكاره الحشر انكار عين ما كان فيه: وفى المثنوى
پس مثال تو چوآن حلقه زنيست ... كز درونش خواجه گويد خواجه نيست
حلقه زن زين نيست در يابد كه هست ... پس ز حلقه بر ندارد هيچ دست
پس هم انكارت مبيّن ميكند ... كز جماد او حشر صدفن ميكند
والاشارة ثُمَّ ان الله تعالى قَضى للروح من حكمته أَجَلًا لايام فراقه عن الحضرة وبعده عن وطنه الحقيقي وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ وهو أجل الوصلة بعد الفرقة فى مقام العندية كقوله فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ
стр. 927
فلاجل الفرقة مدى ومنتهى ولاجل الوصلة لامدى ولا منتهى وانما قال مسمى لان وقت الوصلة مسمى عنده وهو حين يجذبه اليه بجذبة ارجعي الى ربك ولايام الوصلة ابتداء وهو حين تطلع شمس التوحيد من مشرق القلوب الى ان تبلغ حد استواء الوحدة ثم تتسرمد فلا غروب لها ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ يا اهل الوصلة كما يمترى اهل الفرقة هذا محال جدا فعلى العاقل الاجتهاد قبل حلول الاجل والتهيؤ للوصول بحسن التوجه والعمل قال بعض المشايخ من ضيع حكم وقته فهو جاهل ومن قصر فيه فهو غافل وفى الحديث (ان لله خواص يسكنهم الرفيع من الجنان كانوا اعقل الناس كان هممهم المسابقة الى ربهم والمسارعة الى ما يرضيه زهدوا فى الدنيا وفى فضولها وفى رياستها ونعيمها فهانت عليهم فصبروا قليلا واستراحوا طويلا) - روى- ان السرى السقطي قدس سره دخل عليه ابو القاسم الجنيد قدس سره وهو يبكى فقال له ما يبكيك قال جاءتنى البارحة الصبية فقالت يا أبت هذه ليلة حارة وهذا الكوز تعلقه هاهنا قال السرى فغلبتنى عيناى فنمت فرأيت جارية من احسن الخلق قد نزلت من السماء فقلت لمن أنت قالت لمن لا يشرب الماء المبرد فى الكيزان فتناولت الكوز وضربت به الأرض قال الجنيد فرأيت الخزف المكسور ولم يرفعه حتى عفا عليه التراب يا هذا انظر الى تركهم النعيم لم يرضوا لأنفسهم ان يشربوا ماء باردا او يأكلوا طعاما لذيذا فحين راقبوا الأوقات عوضهم الله حالات خارجة عن حسابات الساعات فلا انتهاء لاذواقهم أصلا وَهُوَ اى الله تعالى مبتدأ خبره قوله اللَّهُ باعتبار المعنى الوصفي اى المعبود ولذا تعلق به قوله فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ والمعنى وهو المعبود والمستحق للعبادة فيهما ولا يلزم من كونه تعالى معبودا فيهما كونه متحيزا فيهما فانه منزه عن الزمان والمكان- روى- ان امام الحرمين أستاذ الامام الغزالي نزل ببعض الأكابر ضيفا فاجتمع عنده العلماء والأكابر فقام واحد من اهل المجلس فقال ما الدليل على تنزهه عن المكان وهو قال الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى فقال الدليل عليه قول يونس فى بطن الحوت لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فتعجب منه الناظرون فالتمس صاحب الضيافة بيانه فقال الامام ان هاهنا فقيرا مديونا بألف درهم ادعته دينه حتى أبينه فقبل صاحب الضيافة دينه فقال ان رسول الله لما ذهب فى المعراج الى ما شاء الله من العلى قال هناك (لا احصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) ولما ابتلى يونس ﵇ بالظلمات فى قعر البحر ببطن الحوت قال لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فكل منهما خاطبه بقوله أنت وهو خطاب الحضور ولو كان هو فى مكان لما صح ذلك فدل ذلك على انه ليس فى مكان يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ خبر ثان اى ما اسررتموه وما جهرتم به من الأقوال وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ اى ما تفعلون لجلب نفع او دفع ضر من الأعمال المكتسبة بالقلوب او بالجوارح سرا وعلانية فيجازيكم على كل ذلك ان خيرا فخير وان شرا فشر وفى التأويلات النجمية وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ اى فى سموات الوجود وَفِي الْأَرْضِ اى فى ارض النفوس يَعْلَمُ سِرَّكُمْ الذي أودع فيكم وهو سر الخلافة الذي اختص به الإنسان لقبول الفيض الإلهي وَجَهْرَكُمْ اى ما هو
стр. 928
ظاهر منكم من الصفات الحيوانية والأحوال النفسانية وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ باستعمال الاستعداد السرى والجهرى فى المأمورات والمنهيات من الخير والشر وقد خص الإنسان بهذا الكسب ايضا دون الملك والحيوان فان الملك لا يقدر ان يكتسب من الصفات الحيوانية شيأ ولا الحيوان قادر على ان يكتسب من الصفات الملكية شيأ والإنسان متصرف فى هاتين الصفتين وله اكتساب التخلق بأخلاق الله بالتقرب الى الله بأداء ما افترض عليه والتزام النوافل واجتناب النواهي الى ان يصير من خير البرية وله ايضا ان يكتسب من الشر ما يصير به شر البرية انتهى قال حسين الواعظ الكاشفى فى تفسيره الفارسي [در نقد النصوص فرموده كه انسان مرآتيست ذات وجهين در يك رويش خصائص ربوبيت ودر روى ديگر نقايص عبوديت چون خصائص نكرى از همه موجودات بزرگوارتر و چون نقائص عبوديت شمارى از همه خوارتر وبيمقدارتر
چون در خود از أوصاف تو يابم اثرى ... حاشا كه بود نكوتر از من دگرى
وآن دم كه فتد بحال خويشم نظرى ... در هر دو جهان نباشد از من بتري
پس حق مى فرمايد كه من اسرار خصائص شما در تيه غيب ميدانم وآثار نقائص شما در عالم شهادت مى شناسم وديگر ميدانم آنچهـ شما ميكنيد از علا كه سبب ترقى باشد بر درجات انسانيه يا موجب تنزل بدركات حيوانيه ودانستن اين داناى سالك را بر ان دارد كه بإصلاح وتزكيه اعمال مشغول شده از حيز استيفاء حظوظ حيوانى بر ذروه استئناس با نعيم روحانى متصاعد گردد]
حيف باشد كه عمر انسانى ... چون بهايم بخواب وخور گذرد
آدمي ميتواند از كوشش ... كه مقام فرشته در گذرد
انتهى قال شيخنا العلامة ابقاء الله بالسلامة عند تأويل الحديث القدسي (سر الإنسان سرى وسرى سره) يعنى سره ظاهر سرى وصورة سرى وسرى باطن سره وحقيقة سره ثم قال واعلم ان سر الإنسان عبارة عن الحقيقة الانسانية الظاهرة على صورة الحقيقة الالهية كما قال ﵇ (خلق الله آدم على صورته) ولما نزلت تلك الحقيقة الانسانية من مرتبة الغيب الى منزلة الشهادة وتجلى لها الحق سبحانه بجماله وجلاله أودع فى جانبها الشرقي نور جماله وجانبها الغربي ظلمة جلاله واقام فى الاول ملكا يهدى الى الحق وفى الثاني شيطانا يدعو الى الباطل والملك سادن قبضة الجمال ويد اللطف والشيطان خادم قبضة الجلال ويد القهر وإذا أراد الحق ان يصرف تلك الحقيقة الانسانية الى الحق يأمر الملك ان يلهمها إياه فتراه بالنور الإلهي الجمالي الذي فاض من تجلى الجمال فتتبعه وتقبله وتكون روحا مادام وتكون على الحق ثابتة ويصير قالبها الذي هو لوحه فى اثبات الحق قلبا ترتعى فى روضته ويتجلى لها الحق سبحانه بالتجليات الجمالية والألطاف الخالصة المورثة طمأنينتها وسكينتها وتكون على الاستسلام والطاعة والصبر والرضى وغير ذلك من الأخلاق الحميدة واما إذا أراد ان يصرفها الى الباطل فيخلى بينها وبين الشيطان فيلقنها إياه فلا تراه ولا تفهمه اى لا تعلم انه باطل يحجبها عن الحق لان الظلمة الحاصلة من تجلى الجلال تمنعها عن ذلك فلا تجتنبه بل تأخذه وتصير نفسا مظلمة بعد
стр. 929
كونها روحا نورانيا فتجريه فى قالبها الذي هو محل لذلك ويكون ذلك القالب طبيعة مظلمة بعد كونه قلبا نورانيا فيتجلى الحق تعالى بالتجليات الجلالية والأحوال القهرية التي تورث الاضطراب وعدم الاستسلام فتكون على المخالفة والاعراض وتتصف بالأوصاف الذميمة بعد الاتصاف بالحميدة هكذا الى آخر الأمر إذ ذلك سنته القديمة وعادته الازلية الى ما شاء الله تعالى فانه إذا أراد بعبده خيرا يفقهه فى الدين ويجذبه الى نفسه مما سواه ولا يسلط الشيطان عليه كما قال إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ بل للملائكة السادنة لقبضة الجمال عليهم سلطان بسلطانى عليهم واحكام القبضتين جارية فى العوالم فى الأنفس والآفاق على أيدي سدنتهما الى تمام الأمر والحكم فى التقلب للغالب انتهى كلام حضرة الشيخ قدس سره وهو الذي ما جاء مثله بعد الصدر القنوى والله اعلم اللهم اجعلنى من تابعيه حقيقة ومتبعيه شريعة وطريقة وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ ما نافية ومن الاولى مزيدة للاستغراق والثانية تبعيضية واقعة بمجرورها صفة لآية والمراد بالآيات اما الآيات التنزيلية فاتيانها نزولها. والمعنى ما ينزل الى اهل مكة آية من الآيات القرآنية إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ غير ملتفتين اى على وجه التكذيب والاستهزاء واما الآيات التكوينية الشاملة للمعجزات وغيرها من تعاجيب المصنوعات فاتيانها ظهورها لهم. والمعنى ما يظهر لهم آية من الآيات التكوينية الدالة على وحدانية الله تعالى الا كانوا عنها معرضين تاركين للنظر الصحيح فيها المؤدى الى الايمان بمكونها وعن متعلقة بمعرضين والجملة فى محل النصب على انها حال من مفعول تأتى ففيها دلالة على كمال مسارعتهم الى الاعراض وإيقاعهم له فى آن الإتيان كما يفصح عنه كلمة لما فى قوله تعالى فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فان الحق عبارة عن القرآن الذي اعرضوا عنه حيث اعرضوا عن كل آية منه وعبر عنه بذلك لكمال قبح ما فعلوا به فان تكذيب الحق مما لا يتصور صدوره عن أحد والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها لكن لا على انه شىء مغاير له فى الحقيقة واقع عقيبه او حاصل بسببه بل على ان الاول عين الثاني حقيقة وانما الترتيب بسبب التغاير الاعتباري كما فى قوله تعالى فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً بعد قوله تعالى وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فان ما جاؤه اى فعلوه من الظلم والزور عين قولهم المحكي لكنه لما كان مغايرا له مفهوما واشنع منه حالا رتب عليه بالفاء ترتيب اللازم على الملزوم تهويلا لامره كذلك مفهوم التكذيب بالحق لما كان اشنع من مفهوم الاعراض المذكور اخرج مخرج اللازم البطلان فرتب عليه بالفاء إظهارا لغاية بطلانه ثم قيد بذلك لكونه بلا تأمل تأكيدا لشناعته والمعنى انهم حيث اعرضوا عن تلك الآيات عند إتيانها فقد كذبوا بما لا يمكن تكذيبه أصلا من غير ان يتدبروا فى حاله ومآله فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ سوف لتأكيد مضمون الجملة والانباء جمع نبأ وهو الخبر الذي له عظم وشأن وما عبارة عن الحق المذكور وانباؤه عبارة عما سيحيق بهم من العقوبات العاجلة اى سيعلمون ما يؤول اليه عاقبة استهزائهم بالآيات فقتلهم الله يوم بدر بالسيف أَلَمْ يَرَوْا لما ذكر تعالى قبائحهم من الاعراض والتكذيب والاستهزاء اتبعه بما يجرى مجرى الموعظة فوعظهم بالقرون الماضية فقال الم يروا وهمزة الإنكار لتقرير الرؤية وهى
стр. 930
عرفانية مستدعية لمفعول واحد والضمير لاهل مكة اى ألم يعرفوا بمعاينة الآثار وسماع الاخبار كَمْ عبارة عن الاشخاص استفهامية كانت او خبرية أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ من متعلقة باهلكنا والمراد من قبل خلق اهل مكة او من قبل زمانهم على حذف المضاف واقامة المضاف اليه مقامه مِنْ قَرْنٍ مميز لكم عبارة عن اهل عصر من الاعصار سموا بذلك لاقترانهم برهة من الدهر كما فى قوله صلى الله تعالى عليه وسلم (خير القرون قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) وأراد بالقرن الاول الصحابة وبالثاني التابعين وبالثالث تابع التابعين وقيل هو عبارة عن مدة من الزمان ثمانين سنة او سبعين او ستين او أربعين او ثلاثين او مائة فالمضاف على هذا محذوف اى من اهل قرن لان نفس الزمان لا يتعلق به الإهلاك مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ استئناف لبيان كيفية الإهلاك وتفصيل مباديه مبنى على سؤال نشأ من صدر الكلام كأنه قيل كيف كان ذلك فقيل مكناهم وتمكين الشيء فى الأرض
جعله قارا فيها ولما لزمه جعلها مقرا له ورد الاستعمال بكل منهما فقيل تارة مكنه فى الأرض واخرى مكن له فى الأرض حتى اجرى كل منهما مجرى الآخر ومنه قوله تعالى ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ بعد قوله تعالى مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ كأنه قيل فى الاول مكنا لهم وفى الثاني ما لم نمكن لكم وما نكرة موصوفة بالجملة المنفية بعدها والعائد محذوف محلها النصب على المصدرية اى مكناهم تمكينا لم نمكنه لكم ويحتمل ان يكون مفعولا به لمكناهم على المعنى لان معنى مكناهم أعطيناهم اى أعطيناهم ما لم نعطكم وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ اى المطر او السحاب عَلَيْهِمْ متعلق بأرسلنا مِدْراراً مغزارا اى كثير الدرور والصب وهو حال من السماء قال ابن الشيخ المدرار مفعال وهو من ابنية المبالغة للفاعل كامرأة مذكار ومئناث وأصله من در اللبن درورا وهو كثرة وروده على الحالب يقال سحاب مدرار ومطر مدرار إذا تتابع منه المطر فى اوقات الاحتياج اليه وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ اى صيرناها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ اى من تحت أشجارهم ومساكنهم وقصورهم والمعنى أعطيناهم من البسط فى الأجسام والامتداد فى الأعمار والسعة من الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا فى استجلاب المنافع واستدفاع المضار ما لم نعط اهل مكة ففعلوا ما فعلوا من الكفران والعصيان فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ اى أهلكت كل قرن من تلك القرون بسبب ما يخصهم من الذنوب فما اغنى عنهم تلك العدد والأسباب فسيحل بهؤلاء مثل ما حل بهم من العذاب وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ اى أحدثنا من بعد إهلاك كل قرن قَرْناً آخَرِينَ بدلا من الهالكين وهو لبيان كمال قدرته تعالى وسعة سلطانه وان ما ذكر من إهلاك الأمم الكثيرة لم ينقص من ملكه شيئا بل كلما أهلك امة انشأ بدلها اخرى يعمر بهم بلاده ومن عادته تعالى اذهاب اهل الظلم بعد الامهال ومجيئه باهل العدل والانصاف ونفى اهل الرياء والسمعة واثبات اهل الصدق والإخلاص ولن يزال الناس من اهل الخير فى كل عصر وعن ابى الدرداء رضى الله عنه انه قال ان لله عبادا يقال لهم الابدال لم يبلغوا ما بلغوا بكثرة الصوم والصلاة والتخشع وحسن الحلية ولكن بلغوا بصدق الروع وحسن النية وسلامة الصدر والرحمة بجميع المسلمين اصطفاهم الله
стр. 931
بعلمه واستخلصهم لنفسه وهم أربعون رجلا على مثل قلب ابراهيم ﵇ لا يموت الرجل منهم حتى يكون الله قد انشأ من يخلفه واعلم انهم لا يسبون شيأ ولا يلعنون ولا يؤذون من تحتهم ولا يحقرونه ولا يحسدونه من فوقهم أطيب الناس خبرا وألينهم عريكة وأسخاهم نفسا لا تدركهم الخيل المجراة ولا الرياح العواصف فيما بينهم وبين ربهم انما قلوبهم تصعد فى السقوف العلى ارتباحا الى الله تعالى فى استباق الخيرات أولئك حزب الله ألا ان حزب الله هم المفلحون وهذا بعض كلامه وفى قوله تعالى فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ اشارة الى ان الهلاك مطلقا صوريا ومعنويا بدنيا وماليا انما هو بشؤم المعصية وكفران النعمة: ونعم ما قيل
شكر نعمت نعمتت افزون كند ... كفر نعمت از كفت بيرون كند
فمن اعرض عن المعجزات والكرامات والإلهامات لاقباله على الدنيا وزينتها وشهواتها كأنهم الانعام بل هم أضل لان الانعام ما كذبت بالحق وهو قد كذب
دريغ آدمي زاده پر محل ... كه باشد چوانعام بل هم أضل
وقوله تعالى فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ اى فى الدنيا والآخرة أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ اما فى الدنيا فمن استهزائهم بأقوال الأنبياء والأولياء وأحوالهم يصمهم الله ويعمى أبصارهم فلا يهتدون الى حق ولا الى حقيقة سبيلا واما فى الآخرة فيعذبهم بعذاب القطعية والبعد والحرمان والخلود فى النيران- حكى- ان امام الحرمين كان يدرس يوما فى المسجد بعد صلاة الصبح فمر عليه بعض شيوخ الصوفية ومعه أصحابه من الفقراء وقد دعوا الى بعض المواضع فقال امام الحرمين فى نفسه ما شغل هؤلاء الا الا كل والرقص فلما رجع الشيخ من الدعوة مر عليه وقال يا فقيه ما تقول فيمن صلى الصبح وهو جنب ويقعد فى المسجد ويدرس العلوم ويغتاب الناس فذكر امام الحرمين انه كان عليه غسل ثم حسن اعتقاده بعد ذلك فى الصوفية أقول وأول الأمر اعتقادهم ثم الاتباع بطريقتهم ثم الوصول الى مقاماتهم وقيل لابى القاسم الجنيد قدس سره ممن استفدت هذه العلوم فقال من جلوسى بين يدى الله تعالى ثلاثين سنة تحت تلك الدرجة وأشار الى درجة فى داره فهذه الطريقة لا تنكشف اسرارها ولا تتلألأ أنوارها الا بعد اجتهاد تام وسلوك قوى والله الهادي وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ- روى- ان بعض المشركين قالوا يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه اربعة من الملائكة يشهدون انه من عند الله وانك رسوله فانزل الله تعالى قوله وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ اى مكتوبا فى رق فالكتاب بمعنى مفعول فَلَمَسُوهُ اى الكتاب بِأَيْدِيهِمْ بعد ما رأوه بأعينهم بحيث لم يبق لهم فى شأنه اشتباه فذكر اللمس لان التزوير لا يقع فيه فلا يمكنهم ان يقولوا انما سكرت أبصارنا اى سدت وذكر الأيدي مع ان اللمس لا يكون عادة الا بها لدفع التجوز فانه يتجوز به للتفحص كما فى قوله تعالى وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ اى تفحصنا لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا تعنتا وعنادا للحق بعد ظهوره كما هو دأب المحجوج اللجوج إِنْ هذا اى الكتاب إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ اى بين كونه سحرا على كل أحد ولا شك ان من حرم التوفيق وكذب بالحق غيبا وحدسا كذب به عيانا وحسا فلو ان اهل الإنكار رأوا الأولياء والصالحين
стр. 932
يطيرون فى الهواء لقالوا هذا سحر وهؤلاء شياطين وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ شروع فى قدحهم فى النبوة صريحا بعد ما أشير الى قدحهم فيها ضمنا ولولا تحضيضية بمعنى الأمر والضمير فى عليه للنبى ﵇ اى هلا انزل عليه ملك بحيث نراه ويكلمنا انه نبى وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ولو أنزلنا ملكا على هيئة حسبما اقترحوه والحال انه من هول المنظر بحيث لا يطيق مشاهدته قوى الآحاد البشرية لقضى الأمر اى هلاكهم بالكلية ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ اى لا يمهلون بعد نزوله طرفة العين ومعنى ثم بعد ما بين الامرين قضاء الأمر وعدم الانظار وجعل عدم الانظار أشد من قضاء الأمر لان مفاجأة العذاب أشد من نفس العذاب وأشق وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً الهاء للمطلوب وهو ان يكون الشاهد على نبوته ﵇ ملكا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا اى لمثلنا ذلك الملك رجلا لما مر من عدم استطاعة الآحاد لمعاينة الملك على هيكله وكان جبرائيل ﵇ يأتى النبي ﵇ فى صورة دحية الكلبي وجاء الملكان الى داود ﵇ فى صورة رجلين مختصمين اليه وجاءت الملائكة الى ابراهيم فى صورة الضيفان فان القوة البشرية لا تقوى على رؤية الملك وصورته وانما رآهم كذلك الافراد من الأنبياء لقوتهم القدسية وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ جواب محذوف اى ولو جعلناه رجلا لخلطنا عليهم بتمثيله رجلا ما يَلْبِسُونَ على أنفسهم حينئذ بان يقولوا له انما أنت بشر ولست بملك والتعبير عن تمثيله تعالى رجلا باللبس لكونه سببا للبسهم وفيه تأكيد لاستحالة جعله ملكا كأنه قيل لو فعلناه لفعلنا ما لا يليق بشأننا من لبس الأمر عليهم من لبست الأمر على القوم البسه من باب ضرب إذا شبهت وجعلته مشكلا عليهم وأصله الستر بالثوب وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ برسل متعلق باستهزئ ومن ابتدائية متعلقة بمحذوف وقع صفة لرسل وهو تسلية لرسول الله ﵇ عما يلقاه من قومه اى وبالله لقد استهزىء برسل اولى شأن خطير وذوى عدد كثير كائنين من زمان قبل زمانك على حذف المضاف واقامة المضاف اليه مقامه فَحاقَ عقيبه اى أحاط او نزل او حل او نحو ذلك فان معناه يدور على الشمول واللزوم ولا يكاد يستعمل الا فى الشر والحيق ما يشتمل على الإنسان من مكروه فعله بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ما موصولة اسمية والعائد الهاء فى به وبه متعلق بيستهزئون والموصول مع صلته فاعل حاق اى فاحاط بهم الذي كانوا يستهزئون به حيث اهلكوا لاجله فاسناد الإحاطة والإهلاك الى الرسل من قبيل الاسناد الى السبب والمعنى أحاط الله بهم واهلكهم بسبب استهزائهم بالرسل وقد أنجز الله ذلك يوم بدر أي انجاز قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ اى سافروا فى الأرض لتعرف احوال الأمم الماضية ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ اى تفكروا فى انهم كيف اهلكوا بعذاب الاستئصال وثم لتفاوت ما بين الواجبين فان وجوب السير ليس الا لكونه وسيلة الى النظر ومثله قوله توضأ ثم صل والعاقبة مصدر وهى منتهى الأمر ومآله اعلم ان الاستهزاء من شيم النفوس المتمردة بأرباب الدين من الأنبياء والأولياء فى كل زمان وحين- يروى- ان النبي ﵇ كان جالسا فى المسجد الحرام مع جماعة من المستضعفين بلال وصهيب وعمار
стр. 933
وغيرهم فمر بهم ابو جهل فى ملا من قريش فقال يزعم محمد ان هؤلاء ملوك الجنة فاستهزأ بفقراء المسلمين وقد فعل الله به ما فعل يوم بدر فنال جزاء استهزائه وذلك محل العبرة لاولى الابصار: وفى المثنوى
نى ترا حفظ زبان از راز كس ... نى نظر كردن بعبرت پيش و پس
پيش چهـ بود ياد مرك ونزع خويش ... پس چهـ باشد مردن ياران ز پيش
- حكى- ان شيعيا يقال له ابن هيلان كان يتكلم بما لا ينبغى فى حق الصحابة فبينما هو يهدم خائطا إذ سقط عليه فهلك فدفن بالبقيع مقبرة المدينة فلم يوجد ثانى يوم فى القبر الذي دفن فيه ولا التراب الذي ردم به القبر بحيث يستدل بذلك لنبشه وانما وجدوا اللبن على حاله حسبما شاهده الجم الغفير حتى كان ممن وقف عليه القاضي جمال الدين وصار الناس يجيئون لرؤيته إرسالا الى ان اشتهر امره وعد ذلك من الآيات التي يعتبر بها من شرح الله صدره نسأل الله السلامة كذا فى المقاصد الحسنة للامام السخاوي. فعلم منه عاقبة الطعن والاستهزاء وان الله تعالى ينقل جيفة الفاسق من المحل المتبرك به الى المكان المتشأم منه كما ورد فى الحديث الصحيح (من مات من أمتي يعمل عمل قوم لوط نقله الله إليهم حتى يحشر معهم) كما فى الدرر المنتثرة للامام السيوطي وهذا صريح فى نقل جسده لان الحشر بالروح والجسد جميعا فكما ان الله تعالى ينقل أجساد الأشرار من مقام شريف الى محل وضيع كذلك ينقل أجسام الأخيار من مكان وضيع الى مقام شريف كالبقيع والحجون مقبرتى المدينة ومكة فان الله تعالى يسوق الأهل الى الأهل وهذا آخر الزمان وقلما يوجد فيه من هو متوجه الى القبلة فى الظاهر والباطن والحياة والممات ونعم ما قيل ذهب الناس وما بقي الا النسناس وهم الذين يتشبهون بالناس وليسوا بالناس وهم يأجوج ومأجوج او حيوان بحرى صورته كصورة الإنسان او خلق على صورة الناس أشبهوهم فى شىء وخالفوهم فى شىء وليسوا من بنى آدم وقيل هم من بنى آدم- روى- ان حيا من عاد عصوا رسولهم فمسخهم الله نسناسا لكل رجل منهم يد ورجل من شق واحد ينقز كما ينقز الطير ويرعون كما ترعى البهائم فأين الأخيار وابن أولوا الابصار مضوا والله ما بقي الا القليل: قال الحافظ قطعه
بدرين ظلمت سرا تا كى ببوى دوست بنشينم ... كهى انكشت در دندان كهى سر بر سر زانوا
تناهى الصبر مذخلت بمأوى الأسد سرحان ... وطار العقل إذ غنت بمغنى الورق غربان
بيا اى طائر فرخ بياور مژده دولت ... عسى الأيام ان يرجعن قوما كالذى كانوا
اى كالوضع الذي كانوا عليه من الانتظام مطلقا قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ الجاء لاهل مكة الى الإقرار بان الكل من العقلاء وغيرهم لله خلقا وملكا وتصرفا كأنه يقول هل لكم سبيل الى عدم الإقرار بذلك مع كونه من الظهور بحث لا يقدر أحد على إنكاره وفى تصدى السائل للجواب قبل ان يجيب غيره ايماء الى ان مثل هذا السؤال لكون جوابه متعينا ليس من حقه ان ينتظر جوابه بل حقه ان يبادر الى الاعتراف بالجواب كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ جملة مستقلة داخلة تحت الأمر مسوقة لبيان انه تعالى رؤف بالعباد
стр. 934
لا يعجل عليهم بالعقوبة ويقبل منهم التوبة والانابة ومعنى كتب الرحمة على نفسه التزمها وأوجبها تفضلا وإحسانا لانه تعالى منزه عن ان يجب عليه شىء حقيقة وفى التعبير عن الذات بالنفس حجة على من ادعى ان لفظ النفس لا يطلق على الله تعالى لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ جواب قسم محذوف اى والله ليجمعنكم فى القبور مبعوثين او محشورين الى يوم القيامة فيجازيكم على شرككم وسائر معاصيكم وان أمهلكم بموجب رحمته ولم يعاملكم بالعقوبة الدنيوية لا رَيْبَ فِيهِ اى فى اليوم او فى الجميع الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ اى بتضييع رأس مالهم وهو الفطرة الاصلية والعقل السليم وهو مبتدأ وخبره قوله فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط والاشعار بان عدم ايمانهم بسبب خسرانهم فان ابطال العقل باتباع الحواس والوهم والانهماك فى التقليد واغفال النظر أدى بهم الى الإصرار على الكفر والامتناع من الايمان والخروج عن دائرة الرحمة الخاصة قال القاضي والمراد بالرحمة ما يعم الدارين ومن ذلك الهداية الى معرفته والعلم بتوحيده بنصب الادلة وإنزال الكتب والامهال على الكفر وفى تفسير الكاشفى [مراد رحمت ذاتيه باشد كه رحمت مطلقه كونيد واين رحمتيست كه بر همه چيز فرا رسيده ونتيجه آن عطاء ادنيست بي سابقه سؤال واستدعا ورابطه حاجت واستحقاق چنانچهـ در مثنوى معنوى واردست]
در عدم ما مستحقان كى بديم ... كه برين جان وبرين دانش زديم «١»
ما نبوديم وتقاضامان نبود ... لطف تو نا كفته ما مى شنود «٢»
قال الامام الأكمل فى شرح الحديث عن ابى هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول (جعل الله الرحمة مائة جزء فامسك عنده تسعة وتسعين وانزل فى الأرض جزأ واحدا فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حوافرها عن ولدها يمص ان تصيبه) فهذا مما يدل على كمال الرجاء والبشارة للمسلمين لانه حصل فى هذه الدار من رحمة واحدة ما حصل من النعم الظاهرة والباطنة فما ظنك بمائة رحمة فى الدار الآخرة وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال قدم على النبي ﵇ سبى فاذا امرأة من السبي تحلب ثديها وتسعى قاذا وجدت صبيا فى السبي أخذته فالصقته ببطنها وارضعته فقال لنا النبي ﵇ (أترون هذه طارحة ولدها فى النار) قلنا لا وهى قادرة على ان لا تطرحه فقال (الله ارحم بعباده من هذه بولدها) وفى المثنوى
آتش از قهر خدا خود ذره ايست ... بهر تهديد لئيمان دره ايست «٣»
با چنين قهرى كه زفت وفايقست ... برد لطفش بين بر آتش سابقست
رحمت بيچون چنين دان اى پدر ... نايد اندر وهم از وى جز اثر «٤»
قال حضرة الشيح الأكبر قدس سره الأطهر فى الفتوحات المكية وجدنا آية الرحمة وهى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تتضمن الف معنى كل معنى لا يحصل الا بعد انقضاء حول ولا بد من حصول هذه المعاني التي تضمنها بسم الله الرحمن الرحيم لانه ما ظهر الا ليعطى معناه فلا بد من كمال الف سنة لهذه الامة اللهم ارحمنا إذا عرق الجبين وكثر الأنين وبكى علينا الحبيب ويئس منا الطبيب اللهم ارحمنا إذا وارانا التراب وودعنا الأحباب وفارقنا النعيم وانقطع النسيم
стр. 935
اللهم ارحمنا إذا نسى اسمنا وبلى جسمنا واندرس قبرنا وانطوى ذكرنا اللهم ارحمنا يوم تبلى السرائر وتبدى الضمائر وتنشر الدواوين وتحشر الموازين اللهم يا حى يا قيوم يا رحمن يا رحيم برحمتك نستعين. هذه مناجاة حضرة الشيخ المذكور ولعمرى انها مناجاة شريفة ومناداة لطيفة وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ- روى- ان كفار مكة أتوا رسول الله فقالوا يا رسول الله قد علمنا انك ما يحملك على ما تدعونا اليه الا الفقر والحاجة فنحن نجمع لك من القبائل أموالا تكون أغنانا رجلا وترجع عما أنت عليه من الدعوة فانزل الله تعالى هذه الآية والمعنى ولله تعالى خاصة جميع ما استقر فيهما واشتملا عليه فان أراد يعطى رسوله مالا كثيرا ليكون اغنى الخلق نزل الملوان منزلة المكان فعبر عن نسبة الأشياء الزمانية إليهما بالسكنى فيهما وَهُوَ السَّمِيعُ المبالغ فى سماع كل مسموع الْعَلِيمُ المبالغ فى العلم بكل معلوم فلا يخفى عليه شىء من الأقوال والافعال وفى الخبر (ان الله تعالى خلق جوهرتين إحداهما مظلمة والاخرى مضيئة فاستخلص من المضيئة كل نور فخلق من نورها النهار ومن الباقي النار واستخلص من الظلمة كل ظلمة فخلق منها الليل وخلق من الباقي الجنة فالليل من الجنة والنار من النار) ولذلك كان الانس بالليل اكثر فالليل انس المحبين وقرة أعين المحبوبين وقدم الليل على النهار لان الليل لخدمة المولى والنهار لخدمة الخلق ومعارج الأنبياء كانت بالليل والقدر فى الليل خير من الف شهر وليس فى الأيام مثلها وكان بعض الأولياء يقول إذا جاء الليل جاء الخلق الأعظم يقول الفقير جامع هذه المجالس اما من حجب عن سر الليل وحلاوة المناجاة فيه وذوق الخلوة والوحدة فالمحبوب اليه النهار كعلماء الرسوم ألا ترى الى ثعلب النحوي يقول وددت ان الليل نهار حتى لا تنقطع عنى أصحابي وهذا حرص منه على الكثرة والالفة معها والأفكل معلم لم يكن أعلى حالا من المجتهدين ألا ترى ان امامنا الأعظم كان يدرس ويحيى الليل
هر كنج سعادت كه او داد بحافظ ... از يمن دعاى شب وورد سحرى بود
وعلم من التقرير المذكور افضلية الليل على النهار واعلم ان الكل خلق الله تعالى ولكل منهما ملك موكل به وفى الخبر عن سلمان رضى الله عنه قال الليل موكل به ملك يقال له شراهيل فاذا حان وقت الليل أخذ خرزة سوداء فدلاها من قبل المغرب فاذا نظرت إليها الشمس وجبت فى اسرع من طرفة العين وقد أمرت ان لا تغرب حتى ترى الخرزة فاذا غربت جاء الليل وقد نشرت الظلمة من تحت جناحى ملك فلا تزال الخرزة معلقة حتى يجيىء ملك آخر يقال له هراهيل بخرزة بيضاء فيعلقها من قبل المطلع فاذا رأتها الشمس طلعت فى طرفة عين وقد أمرت ان لا تطلع حتى ترى الخرزة البيضاء فاذا طلعت جاء النهار فنشر النور من تحت جناحى ملك فلنور النهار ملك موكل ولظلمة الليل ملك موكل عند الطلوع والغروب كما وردت الاخبار قُلْ يا محمد لكفار مكة ونزلت حين دعوه الى الشرك ودين آبائه أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا اى معبودا بطريق الاستقلال او الاشتراك وقد اتخذني الله فى أزليته حبيبا كما قال ﵇ (لو كنت متخذا خليلا غير الله لا تخذت أبا بكر خليلا
стр. 936
ولكن الله اتخذ صاحبكم خليلا) اى لا اتخذ فالمنكر هو اتخاذ غير الله وليا لا نفس اتخاذ الولي لكن قدم المفعول لكونه مناط الإنكار فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مبدعهما اى خالقهما ابتداء لا على مثال سبق وهو بدل من الجلالة وَهُوَ اى والحال انه يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ اى يرزق الخلق ولا يرزق وتخصيص الطعام بالذكر لشدة الحاجة اليه قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وجهه لله مخلصاله لان النبي امام أمته فى الإسلام وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اى وقيل لى لا تكونن من المشركين به تعالى فى امر من امور الدين ومعناه أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك وحقيقة الإسلام الإخلاص من حبس الوجود وما خلص منه غيره ﵇ بالكلية ولهذا يقول الأنبياء نفسى نفسى وهو يقول أمتي أمتي قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي اى بمخالفة امره ونهيه أي عصيان كان عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ اى عذاب يوم القيامة مفعول أخاف وفيه قطع لاطماعهم وتعريض بانهم عصاة مستوجبون للعذاب العظيم مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ اى من يصرف عنه العذاب فى ذلك اليوم العظيم ويومئذ ظرف للصرف فَقَدْ رَحِمَهُ اى نجاه وأنعم عليه وَذلِكَ الصرف الْفَوْزُ الْمُبِينُ اى النجاة الظاهرة وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ دليل آخر على انه لا يجوز للعاقل ان يتخذ غير الله وليا اى ببلية كمرض وفقر ونحو ذلك والباء للتعدية وترجمته بالفارسية [واگر برساند خدا بتو سختى] فَلا كاشِفَ لَهُ اى فلا قادر على كشف ذلك الضر ورفعه عنك إِلَّا هُوَ تعالى وحده وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ من صحة ونعمة ونحو ذلك فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فكان قادرا على حفظه وادامته فلا يقدر غيره على رفعه كقوله فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ وعن ابن عباس رضى الله عنهما انه قال اهدى الى النبي ﵇ بغلة أهداها كسرى فركبها بحبل من شعر ثم أردفني خلفه ثم ساربى مليا ثم التفت الى فقال (يا غلام) فقلت لبيك يا رسول الله فقال (احفظ الله بحفظك احفظ الله تجده امامك تعرّف الى الله فى الرخاء يعرفك فى الشدة وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله فقد مضى القلم بما هو كائن فلو جهد الخلائق ان ينفعوك بما لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه ولو جهدوا ان يضروك بما لم يكتب الله عليك ما قدروا عليه فان استطعت ان تعمل بالصبر مع اليقين فافعل فان لم تستطع فاصبر فان فى الصبر على ما تكره خيرا كثيرا واعلم ان النصر مع الصبر وان مع الكرب الفرج وفَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً فان قلت قد يتصور ان يكشف الإنسان عن صاحبه كربة من الكرب قلت كاشف الضر فى الحقيقة هو الله تعالى اما بواسطة الأسباب او بغيرها: قال الحافظ
كر رنج پيشت آيد وكر راحت اى حكيم ... نسبت مكن بغير كه اينها خدا كند
وكذا الاستعانة فى الحقيقة من الله تعالى فالاستعانة من الأنبياء والأولياء انما هى استشفاع منهم فى قضاء الحاجة والموحد لا يعتقد ان فى الوجود مؤثرا غير الله تعالى وَهُوَ الْقاهِرُ اى القادر الذي لا يعجزه شىء مستعليا فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ فى كل ما يفعله ويأمر به الْخَبِيرُ بأحوال عباده وخفايا أمورهم. صور قهره تعالى وعلو شانه بالعلو الحسى فعبر عنه بالفوقية بطريق الاستعارة التمثيلية فقوله وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ عبارة عن كمال القدرة
стр. 937
كما ان قوله وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ عبارة عن كمال العلم قال المولى الفنارى فى تفسيره الفوقية من حيث القدرة لا من حيث المكان لعلو شأنه تعالى عن ذلك فانه تعالى قاهر للممكنات معدومة كانت او موجودة لانه يقهر كل واحد منهما بضده فيقهر المعدومات بالإيجاد والتكوين والموجودات بالافناء والإفساد وفى التأويلات النجمية وقد عم قهره جميع عباده فقهر الكفار بموت القلوب وحياة النفوس إذا اخطأهم النور المرشش على الأرواح فى بدء الخلقة فضلوا فى ظلمات الطبيعة وما اهتدوا الى نور الشريعة وقهر نفوس المؤمنين بانوار الشريعة فاخرجهم من ظلمات الطبيعة بالقيام على طاعته وقهر قلوب المحبين بلوعات الاشتياق فآنسها بلطف مشاهده وقهر أرواح الصديقين بسطوات تجلى صفات جلاله وبالجملة لا ترى شيأ سواه الا وهو مقهور تحت اعلام عزته وذليل فى ميادين صمديته فعلى العبد ان يعرف مولاه ويشتغل بعبوديته وهو الله تعالى الذي خلق كل شىء وأوجده وقهره- وحكى- عن الشيخ عبد الواحد بن زيد قدس سره قال كنت فى مركب فطرحتنا الريح الى جزيرة وإذا فيها رجل يعبد صنما فقلنا له يا رجل من تعبد فاومأ الى الصنم فقلنا له ان آلهك هذا مصنوع عندنا من يصنع مثله ما هذا بآله يعبد قال فانتم من تعبدون قلنا نعبد الذي فى السماء عرشه وفى الأرض بطشه وفى الاحياء والأموات قضاؤه تقدست أسماؤه وجلت عظمته وكبرياؤه قال ومن أعلمكم بهذا قلنا وجه إلينا رسولا كريما فاخبرنا بذلك قال ما فعل الرسول فيكم قلنا لما ادى الرسالة قبضه الملك اليه واختار له ما لديه قال فهل ترك عندكم من علامة قلنا نعم ترك عندنا كتابا للملك قال فارونى كتاب الملك فانه ينبغى ان تكون كتب الملوك حسانا فاتيناه بالمصحف فقال ما اعرف هذا فقرأنا عليه سورة فلم يزل يبقى حتى ختمنا السورة فقال ينبغى لصاحب هذا الكلام ان لا يعصى ثم اسلم وحسن إسلامه ثم مات بعد ايام على احسن حال والحمد لله الملك المتعال فى الغدو والآصال انه هو المعبود المقصود واليه يأول كل امر موجود قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً- روى- ان قريشا قالوا لرسول الله يا محمد لقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا ان ليس لك عندهم ذكر ولا صفة فارنا من يشهد انك رسول الله فانهم انكروك فانزل الله تعالى هذه الآية امر حبيبه ﵇ بان يقول لهم أي شىء أعظم من جهة الشهادة قُلِ اللَّهُ اى الله اكبر شهادة فشهادته اكبر من شهادة الخلق فان شهادة الخلق وعلومهم لا تحيط بحقائق الأشياء كلها والحق سبحانه هو الذي يحيط علمه بجميع حقائق الأشياء امر له ﵇ بان يتولى الجواب بنفسه للايذان بتعينه وعدم قدرتهم على ان يجيبوا بغيره شَهِيدٌ اى هو شهيد بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ على صدقى وَأُوحِيَ إِلَيَّ من جهته تعالى هذَا الْقُرْآنُ الشاهد بصحة رسالتى لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ اى أخوفكم بما فيه من الوعيد ايها الموجودون وقت نزول القرآن وَمَنْ بَلَغَ عطف على ضمير المخاطبين اى بلغه القرآن من الانس والجن الى يوم القيامة قال محمد بن كعب القرطبي من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا ﵇ وسمع منه أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ الجاء لهم الى الإقرار باشراكهم إذ لا سبيل لهم الى إنكاره لاشتهارهم به والاستفهام فيه للانكار والتوبيخ والمعنى بالفارسية [آيا شماييد كه
стр. 938
گواهى ميدهيد] أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لهم لا أَشْهَدُ بذلك وان شهدتم به فانه باطل صرف قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ تكرير الأمر للتأكيد اى بل انما اشهد انه تعالى لا اله الا هو اى متفرد بالالوهية وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ به من الأصنام الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ جواب عما سبق من قولهم لقد سألنا عنك اليهود والنصارى والمراد بالموصول اليهود والنصارى وبالكتاب الجنس المتنظم للتوارة والإنجيل يَعْرِفُونَهُ اى محمدا ﵇ بحليته ونعوته فى كتابهم كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ بحلاهم المعينة لهم- روى- ان رسول الله لما قدم المدينة قال عمر رضى الله عنه لعبد الله بن سلام انزل الله تعالى على نبيه هذه الآية فكيف هذه المعرفة فقال يا عمر لقد عرفته فيكم حين رأيته كما اعرف ابني ولأنا أشد معرفة بمحمد منى با بنى لانى لا أدرى ما صنع النساء واشهد انه حق من الله تعالى فقال عمر وفقك الله يا ابن سلام الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ اى غبنوا أنفسهم من اهل الكتابين والمشركين بان ضيعوا فطرة الله التي فطر الناس عليها واعرضوا عن البينات الموجبة للايمان بالكلية وهو مبتدأ خبره قوله فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ لما انهم مطبوع على قلوبهم والفاء السببية تدل على ان تضييع الفطرة الاصلية والعقل السليم سبب لعدم الايمان قال البغوي وذلك ان الله تعالى جعل لكل آدمي منزلا فى الجنة ومنزلا فى النار فاذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل اهل النار فى الجنة ولاهل النار منازل اهل الجنة فى النار وذلك هو الخسران وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
لوصفهم النبي المنعوت فى الكتابين بخلاف أوصافه ﵇ فانه افتراء على الله تعالى وبقولهم الملائكة بنات وقولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله ونحو ذلك اى لا أحد اظلم منه أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ كأن كذبوا بالقرآن وبالمعجزات وسموها سحرا وحرفوا التوراة وغيروا نعوته ﵇ فان ذلك تكذيب بآياته وكلمة او للايذان بان كلا من الافتراء والتكذيب وحده بالغ غاية الافراط فى الظلم كيف وهم قد جمعوا بينهما فاثبتوا ما نفاه الله تعالى ونفوا ما أثبته إِنَّهُ اى الشان لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ اى لا ينجون من مكروه ولا يفوزون بمطلوب وإذا كان حال الظالمين هذا فما ظنك بمن فى الغاية القاصية من الظلم وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا يوم منصوب على الظرفية بمضمر مؤخر قد حذف إيذانا بضيق العبارة عن شرحه وبيانه والحشر جمع الناس الى موضع معلوم والضمير للكل وجميعا حال منه والمعنى ويوم نحشر الناس كلهم ثم نقول للمشركين خاصة للتوبيخ والتقريع على رؤس الاشهاد ما نقول كان من الأحوال والأهوال ما لا يحيط به دائرة المقال والعطف بثم للتراخى الحاصل بين مقامات يوم القيامة فى المواقف فان فيه مواقف بين كل موقف وموقف تراخ على حسب طول ذلك اليوم أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ اى آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله فالاضافة مجازية باعتبار اثباتهم الشركة لآلهتهم الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ اى تزعمونها شركاء شفعاء والزعم القول الباطل والكذب فى اكثر الكلام ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا الفتنة مرفوع على انه اسم تكن والخبر الا ان قالوا والاستثناء مفرغ من أعم الأشياء وفتنتهم اما كفرهم مرادا به عاقبته اى لم تكن عاقبة كفرهم الذي التزموه مدة
стр. 939
أعمارهم وافتخروا به شيأ من الأشياء إلا جحوده والتبري منه بان يقولوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ واما جوابهم عبر عنه بالفتنة لانه كذب وانما يقولون مع علمهم بانه بمعزل من النفع رأسا من فرط الحيرة والدهش كما يقولون ربنا أخرجنا منها وقد أيقنوا بالخلود انْظُرْ يا محمد كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ بانكار صدور الإشراك عنهم فى الدنيا وتعجب من كذبهم فانه امر عجيب وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ عطف على كذبوا داخل فى حيز انظر اى كيف زال وذهب وبطل افتراؤهم فانهم كانوا يفترون فى حق الأصنام انها شفعاؤهم عند الله تعالى فبطل ذلك بالكلية يوم القيامة وفى الآيات امور. الاول اطلاق لفظ الشيء على الله تعالى لكن بمعنى شاىء لا بمعنى مشيىء وجوده فهو الشائي المريد. والثاني انه يلزمه التبري من الشرك عقيب التوحيد قال المولى الشهير بأخي چلبى فى حواشى صدر الشريعة اسلام اليهود والنصارى مشروط بالتبري من اليهودية والنصرانية بعد الإتيان بكلمتي الشهادة وبدون التبري لا يكونان مسلمين ولواتيا بالشهادتين مرارا لانهما فسرا قولهما بانه رسول الله إليكم لكن هذا فى الذين اليوم بين ظهرانى اهل الإسلام اما إذا كان فى دار الحرب وحمل عليه رجل من المسلمين فاتى بالشهادتين او قال دخلت دين الإسلام او فى دين محمد ﵇ فهذا دليل توبته انتهى قال فى الدر المختصر فى صفة الايمان ان يقول ما أمرني الله تعالى به قبلته وما نهانى عنه انتهيت عنه فاذا اعتقد ذلك بقلبه وأقر بلسانه كان ايمانا صحيحا وكان مؤمنا بالكل انتهى وايمان المقلد صحيح عند الامام الأعظم الا انه يأثم بترك النظر والاستدلال وفى فصل الخطاب من نشأ فى بلاد المسلمين وسبح الله تعالى عند رؤية صنائعه فهو خارج عن حد التقليد. والثالث ان قوله تعالى كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ يشير الى ان الآباء قد تحقق عندهم انهم مصادر الأبناء ومبدأ وجود الأبناء منهم فكذلك اهل المعرفة تحقق عندهم ان الله تعالى مصدرهم ومبدأ وجودهم منه: قال الحافظ
در مكتب حقائق و پيش اديب عشق ... هان اى پسر بكوش كه روزى پدر شوى
خواب وخورت ز مرتبه خويش دور كرد ... آنكه رسى بخويش كه بي خواب وخور شوى
فالوصول الى المبدأ القديم بعد العبور من جسر الوصف الحادث. والرابع ان النافع هو الايمان والتوحيد والصدق والإخلاص دون الشرك والكذب- يروى- ان المشركين إذا رأوا يوم القيامة مغفرة الله تعالى وتجاوزه عن اهل التوحيد قال بعضهم لبعض تعالوا نكتم الشرك لعلنا تنجو مع اهل التوحيد فيقولون والله ربنا ما كنا مشركين فيختم على أفواههم وتشهد عليهم جوارحهم بالكفر فلا يفلحون. وكذا اهل الرياء من اهل التوحيد يزعمون انهم على اليقين وكمال الإخلاص وأفعالهم الصادرة عن جوارحهم تدل على خلاف ذلك فانما خلق الله جهنم لتطهير اهل الشرك مطلقا لكن اهل الكفر مخلدون فافهم المقام واعلم ان الله تعالى واحد وكل شىء يشهد على وحدته وعلى هذه الوحدة يعرفه ويشاهده اهل المعرفة والمشاهدة فان كثرة الآثار لا تنافى الوحدة كالنواة مع الشجرة: قال الحافظ
تا دم وحدت زدى حافظ شوريده حال ... خامه توحيد كش بر ورق اين وآن
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ إذا قرأت القرآن- روى- انه اجتمع ابو سفيان
стр. 940
والوليد والنضر وعتبة وشيبة وابو جهل واضرابهم يستمعون تلاوة رسول الله ﷺ فقالوا للنضر وكان صاحب اخبار يا أبا قتيلة ما يقول محمد فقال والذي جعلها بيته ما أدرى ما يقول الا انه يحرك لسانه ويقول أساطير الأولين مثل ما حدثتكم عن القرون الماضية فقال ابو سفيان انى ارى بعض ما يقول حقا فقال ابو جهل كلا فنزلت فالضمير للمشركين وَجَعَلْنا اى انشأنا عَلى قُلُوبِهِمْ الضمير راجع الى من باعتبار المعنى أَكِنَّةً اى اغطية كثيرة لا يقادر قدرها خارجة مما يتعارفه الناس. جمع كنان بالكسر وهو ما يستر به الشيء أَنْ يَفْقَهُوهُ مفعول له بحذف المضاف اى كراهة ان يفقهوا ما يستمعون من القرآن المدلول عليه بذكر الاستماع وَجعلنا فِي آذانِهِمْ وَقْراً اى صمما وثقلا كراهة ان يستمعوه حق الاستماع وهذا تمثيل معرب عن كمال جهلهم بشؤون النبي ﵇ وفرط نبوّ قلوبهم عن فهم القرآن الكريم ومج أسماعهم له وهذا دليل على ان الله تعالى يقلب القلوب فيشرح بعضها للهدى ويجعل بعضها فى اكنة فلا تفقه كلام الله ولا تؤمن كما هو مذهب اهل السنة وفى الآية اشارة الى ان مكافاة من يستمع الى كلام الله تعالى او الى حديث النبي ﵇ او الى كلمات ارباب الحقائق بالإنكار ليأخذوا عليها ويطعنوا فيها ان يجعل الله تعالى حجابا على قلوبهم وسمعهم حتى لا يصل إليهم أنوارها ولا يجدون حلاوتها ولا يفهمون حقائقها: قال المولى الجامى
عجب نبود كه از قرآن نصيبت نيست جز حرفى ... كه از خورشيد جز كرمى نبيند چشم نابينا
وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ من الآيات القرآنية اى يشاهدوها بسماعها لا يُؤْمِنُوا بِها اى كفروا بكل واحدة منها وسموها سحرا وافتراء وأساطير لفرط عنادهم واستحكام التقليد فيهم حَتَّى ابتدائية ومع هذا لا مانع من ان تفيد معنى الغاية اى بلغ بهم ذلك المنع من فهم القرآن الى انهم إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ اى حال كونهم مجادلين لك يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا اى لا يكتفون بمجرد عدم الايمان بما سمعوا من الآيات الكريمة بل يقولون إِنْ هذا اى ما هذا القرآن إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اى أباطيلهم وأكاذيبهم. جمع اسطورة بالضم كالاضاحيك والأعاجيب جمع اضحوكة واعجوبة: وفى المثنوى
چون كتاب الله بيامد هم بران ... اين چنين طعنه زدند آن كافران «١»
كه أساطير است وافسانه نژند ... نيست تعميقى وتحقيقي بلند
تو ز قرآن اى پسر ظاهر مبين ... ديو آدم را نبيند غير طين «٢»
وَهُمْ اى الكفار يَنْهَوْنَ الناس عَنْهُ اى عن القرآن والايمان به وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ اى يتباعدون عنه بانفسهم إظهارا لغاية نفورهم منه وتأكيد لنهيهم عنه فان اجتناب الناهي عن المنهي عنه من متممات النهى ولعل ذلك هو السر فى تأخير النأى عن النهى. والنأى البعد وَإِنْ يُهْلِكُونَ اى ما يهلكون بالنهى والنأى إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لان ضرره عليهم وَما يَشْعُرُونَ اى والحال انهم ما يعلمون اى لا باهلاك أنفسهم ولا باقتضاء ذلك عليها من غير ان يضروا بذلك شيأ من القرآن والرسول والمؤمنين وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ الخطاب
стр. 941
اما لرسول الله ﷺ او لكل أحد من اهل المشاهدة والعيان. والوقف الحبس وجواب لو ومفعول ترى محذوف اى لو تراهم حين يوقفون على النار حتى يعاينوها لرأيت ما لا يساعده التعبير فَقالُوا يا للتنبيه لَيْتَنا نُرَدُّ الى الدنيا وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا القرآنية وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بها العاملين بمقتضاها حتى لا نرى هذا الموقوف الهائل ونصب الفعلين على جواب التمني بإضمار ان بعد الواو وإجرائها مجرى الفاء والمعنى ان رددنا لم نكذب ونكن من المؤمنين بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ اى ليس الأمر على ما قالوه من انهم لوردوا الى الدنيا لآمنوا فان التمني الواقع منهم يوم القيامة ليس لاجل كونهم راغبين فى الايمان بل لانه ظهر لهم فى موقفهم ذلك ما كانوا يخفون فى الدنيا وهى النار التي وقفوا عليها والمراد بإخفائها تكذيبهم لها فان التكذيب بالشيء كفر به وإخفاء له محالة وَلَوْ رُدُّوا الى الدنيا فرضا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ من الشرك ونسوا ما عاينوه بالكلية لاقتصار انظارهم على الشاهد دون الغائب كابليس قد عاين من آيات الله تعالى ثم عاند فلاراد لما قضاه الله تعالى ولا مبدل لما حكم فى الأزل وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ اى لقوم ديدنهم الكذب فى كل ما يأتون وما يذرون وبهذه الآية يفتى بقتل اهل البغي والفساد إذ لا يؤمن من ان يعودوا لما نهوا عنه: وفى المثنوى
آن ندامت از نتيجه رنج بود ... نه ز عقل روشنى چون كنج بود
چونكه شد رنج آن ندامت شد عدم ... مى نيرزد خاك آن توبه وندم
ميكند او توبه و پير خرد ... بانكه لوردوا لعادوا ميزند
وَقالُوا عطف على عادوا داخل فى حير الجواب إِنْ هِيَ اى ما الحياة فالضمير للحياة فان من الضمائر ما يذكر مبهما ولا يعلم ما يرجع اليه لا بذكر ما بعده إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ بعد ما فارقنا هذه الحياة كأن لم يروا ما رأوا من الأحوال التي أولها البعث والنشور وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ اى حبسوا للسؤال كما يوقف العبد الجاني بين يدى سيده للعتاب والجواب محذوف اى لرأيت امرا عظيما قالَ لهم على لسان الملائكة موبحا وهو استئناف أَلَيْسَ هذا البعث والحساب بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا انه لحق قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ الذي عاينتموه بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ اى بسبب كفركم فى الدنيا بذلك. وخص لفظ الذوق للاشارة الى ان ما يجدونه من العذاب فى كل حال هو ما يجده الذائق لكون ما يجدون بعده أشد من الاول قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ اى قد غبن الذين كذبوا بالبعث بعد الموت حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ غاية لتكذيبهم لا لخسرانهم فانه أبدى لاحد له بَغْتَةً حال من فاعل جاءتهم اى باغتة مفاجئة والبغت والبغتة مفاجأة الشيء بسرعة من غير ان يشعر به الإنسان حتى لو كان له شعور بمجيئه ثم جاءه بسرعة لا يقال فيه بغتة والوقت الذي تقوم فيه القيامة يفجأ الناس فى ساعة لا يعلمها أحد الا الله تعالى فلذلك سميت ساعة خفيفة يحدث فيها امر عظيم وسميت الساعة ساعة لسعيها الى جانب الوقوع ومسافته الأنفاس والمعنى انهم قد كذبوا الى ان ظهرت الساعة بغتة فان قيل انما يكذبون الى ان يموتوا
стр. 942
والجواب ان زمان الموت آخر زمان من ازمنة الدنيا وأول زمان من ازمنة الآخرة فمن انتهى تكذيبه الى هذا الوقت صدق انه كذب الى ان ظهرت الساعة بغتة ولذلك قال ﵊ (من مات فقد قامت قيامته) قالُوا جواب إذا يا حَسْرَتَنا الحسرة هى شدة الندم والتألم ونداؤها مجاز لان الحسرة لا يتأتى منها الإقبال وانما المعنى على المبالغة فى شدة التحسر كأنهم نادوا الحسرة وقالوا ان كان لك وقت فهذا أوان حضورك ومثله يا ويلتنا والمقصود التنبيه على خطأ المنادى حيث ترك ما أحوجه تركه الى نداء هذه الأشياء عَلى ما فَرَّطْنا فِيها اى على تفريطنا فى شان الساعة وتقصيرنا فى مراعاة حقها والاستعداد لها بالايمان بها واكتساب الأعمال الصالحة فعلى متعلق بالحسرة وما مصدرية والتفريط التقصير فى الشيء مع القدرة على فعله وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ حال من فاعل قالوا. والأوزار جمع وزر وهو فى الأصل الحمل الثقيل يقال وزرته اى حملته ثقيلا ومنه وزير الملك لانه يتحمل أعباء ما قلده الملك من مؤونة رعيته وحشمه سمى به الإثم والذنب لغاية ثقله على صاحبه والحمل من توابع الأعيان الكشفية لا من عوارض المعاني فلا يوصف به العرض الا على سبيل التمثيل والتشبيه وذكر الظهور كذكر الأيدي فى قوله تعالى فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ فان المعتاد حمل الأثقال على الظهور كما ان المألوف هو الكسب بالأيدي. والمعنى انهم يتحسرون على ما لم يعملوا من الحسنات والحال انهم يحملون أوزار ما عملوا من السيئات أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ اى بئس شيأ يزرون اى يحملون وزرهم قال السدى وغيره ان المؤمن إذا خرج من قبره استقبله احسن شىء صورة وأطيبه ريحا فيقول هل تعرفنى فيقول لا فيقول انا عملك الصالح فاركبنى فقد طالما ركبتك فى الدنيا فذلك قوله تعالى يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً اى ركبانا. واما الكافر فيستقبله أقبح شىء صورة وأنتنه ريحا فيقول هل تعرفنى فيقول لا فيقول انا عملك الخبيث طالما ركبتنى فى الدنيا وانا اليوم أركبك فهو معنى قوله تعالى وَهُمْ يَحْمِلُونَ إلخ فيكون الحمل على حقيقته لان للاعمال صورا تظهر فى الآخرة وان كان نفسها إعراضا واعلم ان الأوزار كثيرة لكن ذنب الوجود فوق الكل إذ هو الباعث على سائر الأوزار وهو ثقل مانع عن السلوك فعلى السالك ان يتوب عن الكل ويفنى فى طريق الحق فناء كليا: قال الحافظ
فكر خود ورأى خود در عالم رندى نيست ... كفرست درين مذهب خود بينى وخود رأيى
قال بعضهم لا يمكن الخروج من النفس بالنفس وانما يمكن الخروج من النفس بالله تعالى قال الشيخ ابو عبد الله محمد بن على الترمذي الحكيم قدس
سره ذكر الله تعالى يرطب القلب ويلينه فاذا خلا عن الذكر أصابته حرارة النفس ونار الشهوات فقسا ويبس وامتنعت الأعضاء من الطاعة فاذا مددتها انكسرت كالشجرة إذا يبست لا تصلح الا للقطع وتصير وقودا للنار أعاذنا الله منها فالذكر والتوحيد والاتباع الى اهله هو اصل الأصول- حكى- عن على بن الموفق انه قال حججت سنة من السنين فى محمل فرأيت رجالا فاحببت المشي معهم فنزلت واركبت واحدا فى المحمل ومشيت معهم فتقدمنا الى البرية وعدلنا عن الطريق فنمنا
стр. 943
فرأيت فى منامى جوارى معهن طشوت من ذهب وأباريق من فضة يغسلن ارجل المشاة فبقيت انا فقالت إحداهن لصواحبها أليس هذا منهم قلن هذا له محمل فقالت بلى هو منهم لانه أحب المشي معهم فغسلن رجلى فذهب عنى كل تعب كنت أجده هذه حال من مشى مع ولى باعتقاد صحيح فكيف مع نبى فلو ان كفار مكة ومشركى العرب استمعوا الى النبي ﵇ واتبعوا الذكر الذي انزل اليه لنجوا واسقطوا كل حمل عن ظهورهم ومشوا الى جنة الفردوس لكن الله تعالى يهدى من يشاء وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا على حذف المضاف اى ما اعمال الدنيا اى الأعمال المتعلقة بها من حيث هى هى إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ يلهى الناس ويشغلهم بمنفعته الزائلة عن الايمان والعمل الصالح المؤدى الى اللذة الدائمة واللعب عما يشغل النفس وينفرها عما تنتفع به واللهو صرفها عن الجد الى الهزل وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ التي هى محل الحياة الاخرى خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الكفر والمعاصي لان منافعها خالصة عن المضار ولذاتها غير منغصة بالآلام مستمرة على الدوام أَفَلا تَعْقِلُونَ الفاء للعطف على مقدر اى أتغفلون فلا تعقلون أي الامرين خير. وسميت الدنيا بالدنيا لدنوها قبل الآخرة او لدناءتها. وسميت الآخرة بالآخر لتأخرها عن خلقها وانما جعل الله الآخرة غائبة عن الابصار لانها لو كانت حاضرة لما جحدوها ولارتفعت التكاليف والمحن فجعل ما على الأرض زينة للابتلاء وحقيقة الدنيا ما يشغلك عن ربك قال اهل التحقيق السموات والأرضون وما فيهما من عالم الكون والفساد يدخل فى حد الدنيا. واما العرش والكرسي وما يتعلق بهما من الأعمال الصالحة والأرواح الطيبة والجنة وما فيها فمن حد الآخرة وفى الخبر القدسي لما خلق الله الدنيا خاطبها بقوله (يا دنيا اخدمي من خدمنى وأتعبي من خدمك) ولهذا كانت الدنيا تجيىء لبعض أوليائه وتكنس داره فى صورة العجوز ولبعض أوليائه تجيىء كل يوم برغيف فان قلت ان الله تعالى خلق هذه الدنيا للمؤمن فلم امر بالزهد فيها قلت السكر إذا نثر على رأس الختن لا يلتقطه لعلو همته ولو التقطه لكان عيبا وفى الحديث (جوعوا أنفسكم لوليمة الفردوس) والضيف إذا كان حكيما لا يشبع من الطعام رجاء الحلواء- حكى- ان قاضيا من اهل بغداد كان مارا بزقاق كلخان مع خدمه وحشمه كالوزير فطلع الكلخانى وهو يهودى فى صورة جهنمى كأن القطران يقطر من جوانبه فأخذ بلجام بغلة القاضي فقال أيد الله القاضي ما معنى قول نبيكم (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) أما ترى ان الدنيا جنة لك وأنت مؤمن محمدى والدنيا سجن لى وانا كافر يهودى والحديث دلالته بالعكس فاجاب القاضي وكان من فضلاء الدنيا وما ترى من زينتها وحشمتها سجن لى بالنسبة الى ما وعد الله فى الجنة وجنة لك بالنسبة الى الدركات المعودة فى النيران قيل مثل الدنيا والآخرة مثل رجل له امرأتان ان ارضى إحداهما أسخط الاخرى واحتضر عابد فقال ما تأسفى على دار الآخرة والغموم والخطايا والذنوب وانما تأسفى على ليلة نمتها ويوم افطرته وساعة غفلت فيها عن ذكر الله تعالى
نه عمر خضر بماند نه ملك إسكندر ... نزاع بر سر دنياى دون مكن درويش
стр. 944
فالدنيا لا تبقى والآخرة خير وأبقى- يحكى- ان جعفر بن سليمان ﵀ قال مررت انا ومالك ابن ذينار رضى الله عنه بالبصرة فبينما ندور فيها مررنا بقصر يعمر وإذا بشاب حسن يأمر ببناء القصر ويقول افعلوا واصنعوا فدخلنا عليه وسلمنا فرد السلام قال مالك كم نويت ان ننفق على هذا القصر قال مائة الف درهم قال ألا تعطينى هذا المال فاضعه فى حقه واضمن لك على الله تعالى قصرا خيرا من هذا القصر بولدانه وخدمه وقبابه وخيمه من ياقوتة حمراء مرصع بالجوهر ترابه الزعفران ملاطه المسك لم تمسه يدان ولم يبينه بان قال له الجليل سبحانه كن فكان فاثر فى الشاب كلامه فاحضر البدر ودعا بدواة وقرطاس ثم كتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما ضمن مالك بن دينار لفلان بن فلان انى ضمنت لك على الله قصرا بدل قصرك صفته كما وصفت والزيادة على الله واشتريت لك بهذا المال قصرا فى الجنة افسح من قصرك فى ظل ظليل بقرب العزيز الجليل ثم طوى الكتاب ودفعه الى الشاب
وأنفق ما اخذه من المال على الفقراء وما اتى على الشاب أربعون ليلة حتى مات ووصى ان يجعل الكتاب بين كفنه وبدنه ووجد مالك ليلة وفاته كتابا موضوعا فى المحراب فاخذه ونشره فاذا هو مكتوب بلا مداد هذه براءة من الله العزيز الحكيم مالك بن دينار وفينا الشاب القصر الذي ضمنته له وزيادة سبعين ضعفا: وفى المثنوى
هر كه پايان بين ترا ومسعود تر ... جدترا وكارد كه افزون ديد بر «١»
زانكه داند كين جهان كاشتن ... هست بهر محشر وبرداشتن
آخرت قطار اشتران بملك ... در تبع دنياش همچون بشم و پشك «٢»
پشم بگزينى شتر نبود ترا ... وربود اشتر چهـ قيمت پشم را
يعنى ان اخترت الدنيا التي هى كصفوف الجمل وآثرتها على الآخرة التي هى كنفس الجمل تكون محروما من الآخرة كما ان من اختار الصوف يحرم من الجمل بخلاف من كان الجمل ملكا فانه لا قيمة عنده لصوفه ولا زغبه وقال قدس سره فى محل آخر
باز كونه اى أسيران جهان ... نام خود كرديد أميران جهان «٣»
اى تو بنده اين جهان محبوس جان ... چند كويى خويش را خواجه جهان
تخته بندست آنكه تختش خوانده ... صدر پندارى وبر در مانده «٤»
پادشاهى نيستت بر ريش خود ... پادشاهى چون كنى بر نيك وبد
بي مراد تو شود ريشت سپيد ... شرم دار از ريش خود اى كژ اميد
افتخار از رنك وبو واز مكان ... هست شادى وفريب كودكان «٥»
كون ميكويد بيا من خوش پى أم ... وان فسادش كفته رو من لا شى أم «٦»
اى ز خوبىء بهاران لب كزان ... بنكر آن سردى وزردىء خزان
روز ديدى طلعت خورشيد خوب ... مرك او را ياد كن وقت غروب
بدر را ديدى برين خوش چار طاق ... حسرتش را هم ببين وقت محاق
كودكى از حسن شد مولاى خلق ... بعد فردا شد خرف رسواى خلق
стр. 945
اى بديده لونها چرب وخيز ... فضله آنرا ببين در آب ريز
مر خبث را كو كه آن خوبيت كو ... بر طبق آن زوق وآن نغزى وبو
پس انامل رشك استادان شده ... در صناعت عاقبت لرزان شده
نركس چشم خمار همچوجان ... آخر اعمش بين وآب از وى چكان
حيدرى كاندر صف شيران رود ... آخر او مغلوب موشى ميشود
زلف جعد مشكبار عقل بر ... آخر آن چون ذنب زشت خنك وخر
خوش ببين كونش ز أول با كشاد ... وآخر آن رسواييش ببين وفساد
والاشارة الحياة التي تكون بالتمتعات الدنيوية النفسانية كلعب الصبيان ولهو اهل العصيان تزيد فى الحجب والسير من البشرية الى الروحانية بترك الشهوات والاعراض عن غير الحق والإقبال على الله خير للذين يتقون عما سوى الله بالله أفلا تعقلون ان الله تعالى خلقكم لهذا الشأن لا لغيره كما قال وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اللهم احفظنا من تضييع العمر واهدنا الى حقيقة الأمر انك أنت الوهاب الهادي قَدْ نَعْلَمُ قد هنا للتكثير والمراد بكثرة علمه تعالى كثرة نعلقه إِنَّهُ اى الشان لَيَحْزُنُكَ يا محمد الَّذِي يَقُولُونَ فاعل يحزنك والعائد محذوف اى الذي يقوله كفار مكة وهو ما حكى عنهم من قولهم إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ونحو ذلك فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ اى لا تعتد بما يقولون وكله الى الله تعالى فانهم فى تكذيبهم آيات الله لا يكذبونك فى الحقيقة وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ اى ولكنهم يكذبون بآيات الله وينكرونها فما يفعلون فى حقك فهو راجع الىّ فى الحقيقة لانك فان عما سوى الله باق بالله وانا انتقم منهم لا محالة أشد انتقام والمراد بالظلم جحودهم والجحود عبارة عن الإنكار مع العلم بخلافه والباء متعلقة بالفعل والتقديم للقصر يقال جحد حقه وبحقه إذا أنكره وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ تسلية لرسول الله ﷺ فان البلية إذا عمت طابت اى وبالله لقد كذبت من قبل تكذيبك رسل أولوا شأن خطير وذوا عدد كثير او كذبت رسل كانوا من زمان قبل زمانك فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا اى على تكذيبهم وإيذائهم حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا اى كان غاية صبرهم نصرالله تعالى إياهم فتأس بهم واصطبر على مانا لك من قومك والنصر الموعود للصابرين يحتمل ان يكون بطريق اظهار الحجج والبراهين ويحتمل ان يكون بطريق القهر والغلبة او باهلاك الأعداء: قال الحافظ
اى دل صبور باش ومخور غم كه عاقبت ... اين شام صبح كردد واين شب سحر شود
وقال ايضا
كرت چونوح نبى صبر هست برغم طوفان ... بلا بگردد وكام هزار ساله بر آيد
وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ اى مواعيده بالنصرة والغلبة كما قال تعالى وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ اى من خبرهم ما يسكن به قلبك وهو نصره تعالى إياك وقال المولى ابو السعود والجار
стр. 946
والمجرور فى محل الرفع على انه فاعل اما باعتبار مضمونه اى بعض نبأ المرسلين او بتقدير الموصوف اى بعض من نبأ المرسلين وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ اى عظم عليك وشق اعراضهم عن الايمان بما جئت به من القرآن وعدم عدهم له من قبيل الآيات وأحببت ان تحبيبهم الى ما سألوا اقتراحا لحرصك على إسلامهم فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً اى سربا ومنفذا فِي الْأَرْضِ تنفذ فيه الى جوفها قال ابن الشيخ النفق سرب فى الأرض له مخلص الى مكان آخر ومنه نافقاء اليربوع لان اليربوع يخرق الأرض الى القعر ثم يصعد من ذلك الى وجه الأرض من جانب آخر أَوْ سُلَّماً مصعدا فِي السَّماءِ تعرج به فيها فَتَأْتِيَهُمْ منها بِآيَةٍ مما اقترحوه والجواب محذوف اى فافعل وجملة الشرطية الثانية جواب للشرطية الاولى والمقصود بيان حرصه البالغ على اسلام قومه وانه لو قدر ان يأتيهم بآية من تحت الأرض او من فوق السماء لاتى بها رجاء لايمانهم وإيثار الابتغاء على الاتخاذ ونحوه للايذان بان ما ذكر من النفق والسلم مما لا يستطاع ابتغاؤه فكيف باتخاذه وَلَوْ شاءَ اللَّهُ هدايتهم لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى ولكن لم يشأ ذلك لعدم صرف اختيارهم الى جانب الهدى مع تمكنهم منه ومشاهدتهم للآيات الداعية اليه فلم يؤمنوا فلا تتهالك عليه فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ بالحرص على ما لا يكون والجزع فى مواطن الصبر فان ذلك من دأب الجهلة بدقائق شؤونه تعالى التي من جملتها ما ذكر من عدم تعلق مشيئته تعالى بايمانهم. وفى الآية تربية وتأديب للنبى ﵇ من الله تعالى كما قال ﵇ (ان الله أدبني فاحسن تأديبى) لئلا يبالغ فى الشفقة على غير أهلها إِنَّما يَسْتَجِيبُ اى يقبل دعوتك الى الايمان الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ما يلقى إليهم سماع فهم وتدبر دون الموتى الذين هؤلاء منهم: قال الحافظ
كوهر پاك ببايد كه شود قابل فيض ... ور نه هر سنك وكلى لؤلؤ ومرجان نشود
وَالْمَوْتى اى الكفار شبههم بهم فى عدم السماع يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ من قبورهم ثُمَّ إِلَيْهِ تعالى لا الى غيره يُرْجَعُونَ اى يردون للجزاء فحينئذ يستجيبون واما قبل ذلك فلا سبيل اليه وَقالُوا اى رؤساء قريش لَوْلا تحضيضية بمعنى هلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ كالناقة والعصا والمائدة من الخوارق الملجئة الى الايمان قُلْ لهم إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً كما اقترحوا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ان نزولها بلاء عليهم لوجوب هلاكهم ان جحدوها اعلم ان الناس فى الأديان على اربعة اقسام. سعيد بالنفس والروح فى لباس السعادة وهم الأنبياء واهل الطاعة. والثاني شقى بالنفس فى لباس الشقاوة وهم الكفار والمصرون على الكبائر. والثالث شقى بالنفس فى لباس السعادة مثل بلعم بن باعورا وبر صيصا وإبليس. والرابع سعيد بالنفس فى لباس الشقاوة كبلال وصهيب وسلمان فى أوائل أمرهم ثم بدل لباسهم بلباس التقوى والهداية فان قلت ما الحكمة فى ان الله تعالى خلق الخلق سعيدا وشقيا وقال وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ قلنا قال عبد الله بن عمر رضى الله عنهما ان الله تعالى علم فى الأزل ان فلانا فى خلقه يعصى لعدم سبق استعداده للسعادة فجعله شقيا لسبق القضاء عليه بمقتضى استعداده فى الأعيان الثابتة ومظهرية
стр. 947
استعداده لشؤون الجلال كأنه سأل بلسان الاستعداد كونه شقيا يسأله من فى السموات والأرض بلسان القال والحال والاستعداد كل يوم هو فى شأن يفيض ويعطى كل شىء ما يستعد من السعادة والشقاوة على حسب الاستعدادات فى الأعيان الثابتة الغيبية العلمية وعلم ان عبده يطيع فجعله سعيدا اى بمقتضى استعداده للسعادة الإجمالي والقابلية المودعة فى النشأة الانسانية بقوله أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى فتلك الاجابة منهم تدل على الاستعداد السعادى الأزلي فلو لم يكن ذلك لما صح عليهم التكليف والخطاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب فاذا عرفت ان الإنسان سعيد وشقى فاستعداد السعيد لا يعطى الا الأقوال المرضية والافعال الحسنة والأخلاق الحميدة التي تورث الانبساط واستعداد الشقي لا يعطى الا التي تورث الانقباض فلذا امر الله تعالى حبيبه بالصبر وتحمل الإيذاء من اهل الشقاوة والقهر والجلال والابتلاء فى الدنيا سبب للغفران وتكميل الدرجات التي لا تنال فى الجنان الا على قدر البلاء وفى الخبر (ان فى الجنة مقامات معلقة فى الهواء يأوى إليها اهل البلاء كالطير الى وكره ولا ينالها غيرهم) وان الرجل يبتلى على حسب دينه فان كان فى دينه صلابة اشتد بلاؤه وان كان فى دينه رقة ابتلى على قدر دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشى وما عليه خطيئة والبلاء سوط الله على عباده كيلا يركنوا الى الدنيا ولا يشغلوا بها ويفروا الى الله من ضرب سوطه كما يفر الخيل الى مستقره والآخرة هى دار القرار
ما بلا را بكس عطا نكنيم ... تا كه نامش ز أوليا نكنيم
وبالجملة فمن ابتلى بشىء من المصائب والبلايا فالعاقبة حميدة فى الصبر وبالصبر يكون من الامة المرحومة حقيقة ويدخل فى اثر النبي ﵇ وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ من زائدة لتأكيد الاستغراق وفى متعلقة بمحذوف هو وصف الدابة اى وما فرد من افراد الدواب يستقر فى قطر من أقطار الأرض وَلا طائِرٍ من الطيور فى ناحية من نواحى الجوّ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ كما هو المشاهد المعتاد. فقيد الطيران بالجناح تأكيد كما يقال نظرت بعيني وأخذت بيدي او هو قطع لمجاز السرعة لانه يقال طار فلان فى الأرض اى اسرع إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ محفوظة أحوالها مقدرة أرزاقها وآجالها ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ يقال فرط فى الشيء ضيعه وتركه اى ما تركنا فى القرآن شيأ من الأشياء المهمة التي بينا انه تعالى مراع فيها لمصالح جميع مخلوقاته على ما ينبعى بل قد بينا كل شىء اما مفصلا او مجملا اما المفصل فكقوله تعالى أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ واما المجمل فكقوله تعالى ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا- روى- ان الامام الشافعي كان جالسا فى المسجد الحرام فقال لا تسألونى عن شىء الا أجيبكم فيه من كتاب الله تعالى فقال رجل ما تقول فى المحرم إذا قتل الزنبور فقال لا شىء عليه فقال اين هذا فى كتاب الله فقال قال الله تعالى وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ الآية ثم ذكر اسنادا الى رسول الله ﷺ انه قال (عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي) ثم ذكر اسنادا الى عمر رضى الله انه قال (للمحرم قتل الزنبور) ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ اى الأمم يُحْشَرُونَ يوم القيامة الى ربهم لا الى غيره فيقضى
стр. 948
بينهم وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا اى القرآن صُمٌّ لا يسمعونها سمع تدبر وفهم فلذلك يسمعونها أساطير الأولين ولا يعدونها من الآيات ويقترحون غيرها. وهو جمع أصم والمقصود تشبيه حالهم بحال الأصم لكن حذف حرف التشبيه للمبالغة وَبُكْمٌ لا يقدرون على ان ينطقوا بالحق ولذلك لا يستجيبون دعوتك. وهو جمع ابكم فِي الظُّلُماتِ اى ظلمات الكفر خبر ثالث للمبتدأ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ إضلاله اى ان يخلق فيه الضلال يُضْلِلْهُ اى يخلقه فيه لكن لا ابتداء بطريق الجبر من غير ان يكون له دخل ما فى ذلك بل عند صرف اختياره الى كسبه وتحصيله وَمَنْ يَشَأْ هدايته يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لا يضل من ذهب اليه ولا يزل من ثبت قدمه عليه وفى الآيات امور الاول ان غير الإنسان من الأمم ايضا وفى الحديث (لولا ان الكلاب امة لامرت بقتلها فاقتلوا منها كل اسود بهيم) وذلك لان الكلب الأسود شيطان لكونه اعقر الكلاب واخبثها وأقلها نفعا وأكثرها نعاسا ومن هذا قال احمد بن حنبل لا يخل الصيد به والاشارة ان ما يدب فى ارض البشرية ويتحرك كالسمع والبصر واللسان والأعضاء كلها والنفس وصفاتها وكذا ما يطير بجناحي الشريعة والطريقة كالقلب والروح وصفاتها امم أمثالكم فى السؤال عن أفعالهم وأحوالهم يدل عليه قوله تعالى إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا والثاني ان الحشر عام كما قال ابو هريرة رضى الله عنه يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطير وكل شىء فيأخذ للجماء من القرناء كما فى الحديث (لتؤدن الحقوق الى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) اى يقتص للشاة التي لا قرن لها من التي لها قرن قال ابن ملك وفيه دلالة على حشر الوحوش كما قال الله تعالى وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ لكن القصاص فيها قصاص مقابلة لا قصاص تكليف انتهى. ثم يقال للبهائم والوحوش والطيور كونى ترابا فتكون ترابا مثل تراب ارض ذلك العالم وعند ذلك يتمنى الكافر ويقول الَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
قال الحدادي والمراد بهذا الافناء للبهائم بعد ان أحياها انه إفناء لا يكون فيه الم والثالث ان الذين ختم الله على قلوبهم فهم كالاصم والأبكم الاصليين ومن خاصة الأبكم ان يكون أصم: كما قال فى المثنوى
دائما هر كرا صلى كنك بود ... ناطق آنكس شد كه از مادر شود «١»
چون سليمان سوى مرغان سبا ... يك صفيرى كرد بست آن جمله را «٢»
جز مكر مرغى كه بد بي جان و پر ... يا چوماهى كنك بود از اصل كر
نى غلط كفتم كه كركر سر نهد ... پيش وحي كبريا سمعش دهد
فقلوب الخلق بيد الله تعالى يصرفها كيف يشاء- روى- ان كفار مكة اجتمعوا على قتل النبي ﵇ فبينما هم كذلك إذ دخل عليهم إبليس فقال لماذا اجتمعتم فاخبروه بالقصة فقال لابى جهل يا أبا الحكم لو انك حملت صنمك وآلهك الذي تعبده ووضعته بين يدى محمد وسجدت له ربما يسمع محمد منه شيأ وكان صنمه مرصعا بالجوهر والياقوت فحمل ابو جهل صنمه ووضعه بين يدى النبي ﵇ وسجد له. وقال الهى نعبدك ونتقرب إليك هذا محمد شتمنا بسببك ونطمع منك ان تنصرنا وتشتم محمدا فاخذ الصنم يتحرك ويتكلم ويشمّ
стр. 949
فدخل فى قلب النبي ﵇ شىء ورجع الى بيت خديجة فلم يلبث ان دق الباب فاذا شاب دخل وبيده سيف فسلم وقال مرنى يا رسول الله حتى امتثل أمرك فقال ﵇ (من أنت) قال انا من الجن قال (كم تبلغ قوتك) قال اقدر ان اقلع جبلى حراء وابى قبيس وارميهما فى البحر قال (من اين أقبلت الساعة) قال كنت فى جزيرة البحر السابع إذ أتاني جبرائيل فقال أدرك فلانا الشيطان دخل فى الصنم وشتم النبي ﵇ فاقتله بهذا السيف فادركته فى الأرض الرابعة فقتلته فقال له ﵇ (ارجع فانى استعين بربي من عدوى) وقال الشاب لى إليك حاجة هى ان ترجع الى مكان كنت فيه أمس فانهم يستخبرون ذلك الصنم ثانيا فرجع فى الغد ومعه أبو بكر الصديق فجاء ابو جهل مع صنمه ففعل كما فعل بالأمس فاخذ الصنم يتحرك ويقول لا اله الا الله محمد رسول الله وانا صنم لا انفع ولا أضر ويل لمن عبدنى من دون الله فلما سمعوا ذلك قام ابو جهل وكسر صنمه وقال ان محمدا سحر الأصنام فظهر ان الله تعالى يقول الحق من ألسنة المظاهر ولكن لا يسمع المنافق والكافر قُلْ يا محمد لاهل مكة أَرَأَيْتَكُمْ الكاف حرف خطاب أكد به ضمير الفاعل المخاطب لتأكيد الاسناد لا محل له من الاعراب كالكاف فى إياك وذلك الكاف يدل على احوال المخاطب من الافراد والتذكير ونحوها فهو يطابق ما يراد به والتاء تبقى على حالة واحدة مفردة مفتوحة ابدا نحو أرأيتك أرأيتكما أرأيتكم ومبنى التركيب وان كان على الاستخبار عن الرؤية قلبية كانت او بصرية لكن المراد به الاستخبار عن متعلقها اى أخبروني فجعل العلم او الابصار الذي هو سبب الاخبار مجازا عن الاخبار وجعل الاستفهام الذي للتبكيت والإلجاء الى الإقرار مجازا عن الأمر بجامع الطلب إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ فى الدنيا كما اتى من قبلكم من الأمم أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ اى القيامة المشتملة على ذلك العذاب وهو العذاب الأخروي. والساعة اسم لوقت تقوم فيه القيامة سمى بها لانها ساعة خفيفة يحدث فيها امر عظيم أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ هذا مناط الاستخبار ومحط التبكيت إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ جواب الشرط محذوف اى ان كنتم صادقين فى ان أصنامكم آلهة كما انها دعواكم المعروفة فاخبرونى أغير الله تدعون ان أتاكم عذاب الله فان صدقهم بهذا المعنى من موجبات اخبارهم بدعائهم غيره سبحانه بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ عطف على جملة منفية كأنه قيل لا غيره تعالى تدعون بل إياه تدعون فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ اى الى كشفه عطف على تدعون اى فيكشف اثر دعائكم إِنْ شاءَ كشفه فقبول الدعاء تابع لمشيئته تعالى فقد يقبله كما فى بعض دعواهم المتعلقة بكشف العذاب الدنيوي وقد لا يقبله كما فى بعض آخر منها وفى جميع ما يتعلق بكشف العذاب الأخروي الذي من جملته الساعة فانه تعالى لا يغفر ان يشرك به فلا يشاء فى الآخرة وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ عطف على تدعون ايضا اى تتركون ما تشركون به تعالى من الأصنام تركا كليا لما ركز فى العقول انه القادر على كشف العذاب دون غيره فالنسيان هنا بمعنى الترك لا بمعنى الغفلة وَلَقَدْ أَرْسَلْنا اى وبالله لقد أرسلنا رسلا إِلى أُمَمٍ كثيرة مِنْ قَبْلِكَ اى كائنة من زمان قبل زمانك فمن لابتداء الغاية فى الزمان على مذهب الكوفية مثل نمت
стр. 950
من أول الليل وصمت من أول الشهر الى آخره وقال المحشى سنان چلبى من زائدة على قول من جوز زيادتها فى الموجب واما عند غيره فهى بمعنى فى كما فى قوله تعالى إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَخَذْناهُمْ الفاء فصيحة تفصح ان الكلام مبنى على اعتبار الحذف اى فكذبوا رسلهم فأخذناهم بِالْبَأْساءِ اى بالشدة والفقر وَالضَّرَّاءِ اى الضر والآفات وهما صيغتا تأنيث لا مذكر لهما لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ اى لكى يدعوا الله فى كشفها بالتضرع والتذلل ويتوبوا اليه من كفرهم ومعاصيهم فَلَوْلا هلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا عذابنا تَضَرَّعُوا اى لم يفعلوا ذلك مع قيام المقتضى له فلولا يفيد اللوم والتنديم وذلك عند قيام الداعي الى الفعل وانتفاء العذر فى تركه وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ استدراك على المعنى اى لم يتضرعوا ولكن يبست وجفت قلوبهم ولو كان فى قلوبهم رقة وخوف لتضرعوا وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ اى حسن لهم الكفر والمعاصي بان أغواهم ودعاهم الى اللذة والراحة دون التفكر والتدبر ولم يخطر ببالهم ان ما اعتراهم من البأساء والضراء ما اعتراهم الا لاجله فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ عطف على مقدر اى فانهمكوا فيه ونسوا ما ذكروا به من البأساء والضراء فلما نسوه فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ من فنون النعماء على منهاج الاستدراج حَتَّى ابتدائية ومع ذلك غاية لقوله فتحنا إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا اى صاروا معجبين بحالهم. فالفرح فرح البطر كفرح قارون بما أصابه من الدنيا أَخَذْناهُمْ بالعذاب بَغْتَةً اى فجأة ليكون أشد عليهم وقعا وأفظع هو لا كما قال اهل المعاني انهم انما أخذوا فى حال الراحة والرخاء ليكون أشد تحسرهم على ما فاتهم من حال السلامة والعافية فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ متحسرون غاية الحسرة آيسون من كل خير راجون فاذا للمفاجأة. والإبلاس بمعنى اليأس من النجاة عند ورود المهلكة والمعنى الحسرة والحزن فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا اى آخرهم بحيث لم يبق منهم أحد فالدابر يقال للتابع للشىء من خلفه كالولد للوالد يقال دبر فلان القوم يدبر دبرا ودبورا إذا كان آخرهم قال البغوي معناه انهم استؤصلوا بالعذاب فلم يبق منهم باقية ووضع الظاهر موضع الضمير للاشعار بعلة الحكم فان هلاكهم بسبب ظلمهم الذي هو وضع الكفر موضع الشكر واقامة المعاصي مقام الطاعات وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ على إهلاكهم فان هلاك الكفار والعصاة من حيث انه تخليص لاهل العرض من شؤم عقائدهم الفاسدة وأعمالهم الخبيثة نعمة جليلة يحق ان يحمد عليها لا سيما مع ما فيه من إعلاء كلمة الحق التي نطقت بها رسلهم ﵈ وفى الآيات امور. منها ان الله تعالى هو المرجع فى كل امر حال الاختيار والاضطرار والعاقل لا يلتجىء الى غيره تعالى لان ما سوى الله آلات واسباب والمؤثر فى الحقيقة هو الله تعالى فشأن المؤمن هو النظر الى بابه والاستعداد من جنابه حال السراء والضراء بخلاف الكافر فانه يفتح عينيه عند نزول الشدة والمقبول هو الرجوع اختيارا فان العبد المطيع لا يترك باب سيده على كل حال. ومنها ان الله تعالى يقلب الإنسان تارة من البأساء والضراء الى الراحة والرخاء وانواع الآلاء والنعماء واخرى يعكس الأمر كما يفعله الأب المشفق بولده