هو الإسلام بعد مبعثه لما كذبوه وبغوا عليه وحسدوه. قال الشيخ نجم الدين فى تأويلاته ان النصارى لما أرادوا ان يسلكوا طريق الحق بقدم الفعل وينظروا الى احوال الأنبياء بنظر العقل تاهوا فى اودية الشبهات وانقطعوا فى بوادي الهلكات جل جناب القدس عن ادراك عقول الانس هيهات هيهات وهذا حال من يحذو حذوهم ويقفوا اثرهم فاطرت النصارى عيسى ﵇ إذ نظروا بالعقل فى امره فوجدوه مولودا من أم بلا اب فحكم عقلهم ان لا يكون مولود بلا اب فينبغى ان يكون هو ابن الله واستدلوا على ذلك بانه يخلق من الطين كهيئة الطير ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى ويخبر عما يأكلون فى بيوتهم وما يدخرون وهذا من صفات الله تعالى ولو لم يكن المسيح ابن الله لما امكنه هذا وانما
امكنه لان الولد سرابيه وقال بعضهم ان المسيح لما استكمل تزكية النفس عن صفات الناسوتية حل لاهوتية الحق فى مكان ناسوتيته فصار هو الله تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. ثم اعلم ان امة محمد لما سلكوا طريق الحق باقدام جذبات الالوهية على وفق المتابعة الحبيبية أسقط عنهم كلفة الاستدلال ببراهين الوصول والوصال كما كان حال الشبلي حين غسل كتبه بالماء وكان يقول نعم الدليل أنتم ولكن اشتغالي بالدليل بعد الوصول الى المدلول محال: وفى المثنوى
چون شدى بر بامهاى آسمان ... سرد باشد جست وجوى نردبان
آينه روشن كه شد صاف وجلى ... جهل باشد بر نهادن صيقلى
پيش سلطان خوش نشسته در قبول ... جهل باشد جستن نامه ورسول
فهؤلاء القوم بعد ما وصلوا الى سرادقات حضرة الجلال شاهدوا بانوار صفات الجمال ان الإنسان هو الذي حمل امانة الحق من بين سائر المخلوقات وهى نور فيض الالوهية بواسطة الأنبياء فهم مخصوصون بأحسن التقويم فى قبول هذا الكمال فتحقق لهم ان عيسى ﵇ صار قابلا بعد التزكية للتخلية بفيض الخالقية والمحبية كان يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذن الله لا باذنه اعنى كان صورة الفعل منه ومنشأ صفة الخالقية حضرة الالوهية وهذا كما ان لكرة البلور المخروط استعدادا فى قبول فيض الشمس إذا كانت فى محاذاتها فتقبل الفيض وتحرق المحلوج المحاذي لها بذلك الفيض فمصدر الفعل المحرق من الكرة ظاهرا ومنشأ الصفة المحرقية حضرة الشمس حقيقة فصار للكرة بحسن الاستعداد قابلية لفيض الشمس وظهر منها صفات الشمس وما جلت الشمس فى كرة البلور تفهم ان شاء الله وتغتنم فكذلك حال الأنبياء فى المعجزات وكبار الأولياء فى الكرامات والفرق ان الأنبياء مستقلون بهذا المقام والأولياء متبعون. قال الامام الغزالي فى قول ابى يزيد انسلخت من نفسى كما تنسلخ الحية من جلدها فنظرت فاذا انا هو إذ من انسلخ من شهوات نفسه وهواها وهمها لا يبقى فيه متسع لغير الله ولا يكون له هم سوى الله وإذا لم يحل فى القلب الا جلال الله وجماله صار مستغرقا كأنه هو لا انه هو تحقيقا. وقوله ايضا سبحانى ما أعظم شأنى يحمل على انه قد شاهد كمال حظه من صفة القدس فقال سبحانى ورأى عظيم شأنه بالاضافة الى شأن عموم الخلق فقال ما أعظم شأنى وهو مع ذلك يعلم قدسه وعظم شأنه بالاضافة
стр. 877
الى الخلق ولا نسبة له الى قدس الرب وعظم شأنه وقول من قال من الصوفية انا الحق فوارد على سبيل التجوز ايضا كما يقول الشاعر انا من أهوى ومن أهوى انا وذلك متأول عند الشاعر فانه لا يعنى به انه هو تحقيقا بل كأنه هو فانه مستغرق بالهم به كما يكون مستغرق الهم بنفسه فيعتبر هذه الحالة بالاتحاد على سبيل التجوز. قال الشيخ ابو القاسم الجرجاني ان الأسماء التسعة والتسعين تصير اوصافا للعبد السالك وهو بعد فى السلوك غير واصل. فان قلت ما معنى الوصول.
قلت معنى السلوك هو تهذيب الأخلاق والأعمال والمعارف وذلك اشتغال بعمارة الظاهر والباطن والعبد فى جميع ذلك مشغول بنفسه عن ربه الا انه مشتغل بتصفية باطنه ليستعد للوصول وانما الوصول هو ان ينكشف له جلية الحق ويصير مستغرقا به فان نظر الى معرفته فلا يعرف الا الله وان نظر الى همته فلا همة له سواه فيكون كله مشغولا لا بكله مشاهدة وهما لا يلتفت فى ذلك الى نفسه ليعمر ظاهره بالعبادة وباطنه بتهذيب الأخلاق وكل ذلك طهارة وهى البداءة واما النهاية فان ينسلخ عن نفسه بالكلية ويتجرد له فيكون كأنه هو وذلك هو الوصول: وفى المثنوى
كاركاه كنج حق در نيستيست ... غره هستى چهـ دانى نيست چيست «١»
آب كوزه چون در آب جو شود ... محو كردد دروى وجو او شود «٢»
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا حال كونهم مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ اى طردوا وابعدوا من رحمة الله تعالى عَلى لِسانِ داوُدَ متعلق يلعن يعنى اهل ايلة لما اعتدوا فى السبت قال داود ﵊ اللهم العنهم واجعلهم آية ومثلا لخلقك فمسخوا قردة وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ اى على لسان عيسى ابن مريم يعنى كفار اصحاب المائدة لما أكلوا من المائدة ولم يؤمنوا قال عيسى اللهم العنهم كما لعنت اصحاب السبت واجعلهم آية فمسخوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبى كأنه قيل بأى سبب وقع ذلك فقيل ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ اى ذلك اللعن الشنيع المقتضى للمسح بسبب عصيانهم واعتدائهم ما حرم عليهم كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ استئناف اى لا ينهى بعضهم بعضا عن قبيح يعملونه واصطلحوا على الكف عن نهى المنكر لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ تعجيب من سوء فعلهم مؤكدا بالقسم تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ اى من اهل الكتاب ككعب بن الأشرف واضرابه حيث خرجوا الى مشركى مكة ليتفقوا على محاربة النبي ﵇ والرؤية بصرية يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا حال من كثيرا لكونه موصوفا اى يوالون المشركين بعضا لرسول الله ﷺ والمؤمنين لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ اى لبئس شيأ قدموا ليردوا عليه يوم القيامة أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ هو المخصوص بالذم بتقدير المضاف اى موجب سخط الله والخلود فى العذاب لان نفس السخط المضاف الى الباري تعالى لا يقال له انه المخصوص بالذم انما المخصوص بالذم هو الأسباب الموجبة له وَلَوْ كانُوا اى الذين يتولون المشركين من اهل الكتاب يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ اى نبيهم وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ اى الى ذلك النبي من التوراة والإنجيل مَا اتَّخَذُوهُمْ اى المشركين أَوْلِياءَ
стр. 878
لان تحريم ذلك مصرح فى شريعة ذلك النبي وفى الكتاب المنزل اليه فالايمان يمنع من التولي قطعا وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ خارجون عن الدين والايمان بالله ونبيهم وكتابهم وفى الآيات امور الاول ان الإنسان الكامل الذي يصلح لخلافة الحق هو مظهر صفات لطف الحق وقهره فقبولهم قبول الحق وردهم رد الحق ولعنهم لعن الحق وصلاتهم صلاة الحق فمن لعنوه فقد لعنه الحق ومن صلوا عليه فقد صلى الحق عليه لقوله تعالى لنبيه ﵇ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وقال هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ فمظهر اللعن كان لسان داود وعيسى وكانت اللعنة من الله حقيقة لقوله كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وهم الذين لعنهم داود وصرح هاهنا ان اللعن كان منه تعالى وان كان على لسان داود ﵇: فى المثنوى
اين نكردى تو كه من كردم يقين ... اى صفاتت در صفات مادفين «١»
ما رميت إذ رميت كشته ... خويشتن در موج چون كف هشته
وفى محل آخر
كه ترا از تو بكل خالى كند ... تو شوى پست او سخن عالى كند «٢»
كر چهـ قرآن از لب پيغمبر است ... هر كه كويد حق نكفت او كافرست
والثاني ان الله تعالى سمى العصيان منكرا لانه يوجب النكرة كما سمى الطاعة معروفا لانها توجب المعرفة والاقدام على الفعل المنكر معصية والإصرار على المعصية كالكفر فى كونه سببا للرين المحيط بجوانب القلب ومن ذلك ترك النهى عن المنكر وفى الحديث (يحشر يوم القيامة أناس من أمتي من قبورهم الى الله تعالى على صورة القردة والخنازير بما داهنوا اهل المعاصي وكفوا عن نهيهم وهم يستطيعون) فالمداهنة من اعمال الكفار والدعوة الى الله من اخلاق الأخيار: وفى المثنوى
هر كسى كو از صف دين سركش است ... ميرود سوى صفى كان واپس است «٣»
توز كتار تعالوا كم مكن ... كيمياى پس شكرفست آن سخن
گر مسى گردد ز گفتارت نفير ... كيميا را هيچ از وى وا مكير
اين زمان گر بست نفس ساحرش ... كفت تو سودش دهد در آخرش
قل تعالوا قل تعالوا اى غلام ... هين كه ان الله يدعو بالسلام
والثالث ان المؤمن والكافر ليسا من جنس واحد وتولى الكافر موجب لسخط الله لان موالاة الأعداء توجب معاداة الأولياء فينبغى للمؤمن الكامل ان ينقطع عن صحبة الكفار والفجار واهل البدع والأهواء وارباب الغفلة والإنكار: وفى المثنوى
ميل مجنون پيش آن ليلى روان ... ميل ناقه پس پى طفلش دوان «٤»
كفت اى ناقه چوهر دو عاشقيم ... ما دو ضد پس همره نالايقيم
نيستت بر وفق من مهر ومهار ... كرد بايد از تو صحبت اختيار
جان ز هجر عرش اندر فاقه ... تن ز عشق خار بن چون ناقه
جان كشايد سوى بالا بالها ... در زده تن در زمين چنكالها
اللهم خلصنا من خلاف الجنس مطلقا لَتَجِدَنَّ يا محمد أَشَدَّ النَّاسِ مفعول أول
стр. 879
للوجدان عَداوَةً تمييز لِلَّذِينَ آمَنُوا متعلق بعداوة الْيَهُودَ مفعول ثان للوجدان وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا يعنى مشركى العرب معطوف على اليهود وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى إعرابه كاعراب ما سبق. اما عداوة اليهود والمشركين المنكرين للمعاد فلشدة حرصهم الذي هو معدن الأخلاق الذميمة فان من كان حريصا على الدنيا طرح دينه فى طلب الدنيا واقدم على كل محظور ومنكر فلا جرم تشتد عداوته مع كل من نال جاها او مالا. واما مودة النصارى فلانهم فى اكثر الأمر معرضون عن الدنيا مقبلون على العبادة وترك طلب الرياسة والتكبير والترفع وكل من كان كذلك فانه لا يحسد الناس ولا يؤذيهم بل يكون لين العريكة فى طلب الحق سهل الانقياد له انظر الى كفر النصارى مع كونه اغلظ من كفر اليهود لان كفر النصارى فى الألوهية وكفر اليهود فى النبوة واما قوله تعالى وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ فانما قاله طائفة منهم ومع ذلك خص اليهود بمزيد اللعنة دونهم وما ذاك الا بسبب حرصهم على الدنيا ويؤيده قوله ﵇ (حب الدنيا رأس كل خطيئة) قال البغوي لم يرد به جميع النصارى لانهم فى عداوتهم للمسلمين كاليهود فى قتلهم المسلمين واسرهم وتخريب بلادهم وهدم مساجدهم وإحراق مصاحفهم لا مودة ولا كرامة لهم بل الآية نزلت فيمن اسلم منهم مثل النجاشي وأصحابه وكان النجاشي ملك الحبشة نصرانيا قبل ظهور الإسلام ثم اسلم هو وأصحابه قبل الفتح ومات قبله ايضا وقال اهل التفسير ائتمرت قريش ان يفتنوا المؤمنين عن دينهم فوثب كل قبيلة على من فيها المسلمين يؤذونهم ويعذبونهم فافتتن من افتتن وعصم الله منهم من شاء ومنع الله رسوله بعمه ابى طالب فلما رأى رسول الله ﷺ ما حل بأصحابه ولم يقدر على منعهم ولم يؤمر بعد بالجهاد أمرهم بالخروج الى ارض الحبشة وقال (ان بها ملكا صالحا لا يظلم ولا يظلم عنده أحد فاخرجوا اليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجا) وأراد به النجاشي واسمه اصحمة بالمهملتين وهو بالحبشية عطية وانما النجاشي اسم الملك كقولهم قيصر لملك الروم وكسرى لملك الفرس فخرج إليها سرا أحد عشر رجلا واربع نسوة منهم عثمان ابن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله ﷺ فخرجوا الى البحر وأخذوا سفينة الى ارض الحبشة بنصف دينار وذلك فى رجب فى السنة الخامسة من مبعث رسول الله ﷺ وهذه هى الهجرة الاولى ثم خرج جعفر بن ابى طالب وتتابع المسلمون إليها فكان جميع من هاجر الى الحبشة من المسلمين اثنين وثمانين رجلا سوى النساء والصبيان
سعديا حب وطن گرچهـ حديثست صحيح ... نتوان مرد بسختى كه من اينجا زادم
فلما علمت قريش بذلك وجهوا عمر بن العاص وصاحبه بالهدايا الى النجاشي وبطارقته ليردوهم إليهم فعصمهم الله فلما انصرفا خائبين واقام المسلمون هناك بخير دار وحسن جوار الى ان هاجر رسول الله وعلا امره وذلك فى سنة ست من الهجرة كتب رسول الله ﷺ الى النجاشي على يد عمرو بن امية الضمري ليزوجه أم حبيبة بنت ابى سفيان وكانت قد هاجرت اليه مع زوجها فمات زوجها فارسل النجاشي الى أم حبيبة جارية يقال
стр. 880
لها نزهة تخبرها بخطية رسول الله ﷺ إياها فاعطتها اوضاحا لها سرورا بذلك وأمرها ان توكل من يزوجها فوكلت خالدين سعيد بن العاص فانكحها على صداق اربعمائة دينار وكان الخاطب لرسول الله النجاشي فانفذ إليها على يد نزهة اربعمائة دينار فلما جاءتها بها أعطتها خمسين دينارا فردتها وقالت أمرني الملك ان لا آخذ منك شيأ وقالت انا صاحبة دهن الملك وثيابه وقد صدقت محمدا ﷺ وآمنت به فحاجتى منك ان تقرئيه منى السلام قالت نعم ثم امر الملك نساءه ان يبعثن الى أم حبيبة بما عند هن من عود وعنبر وكان ﵇ يراه عليها وعندها فلا ينكر قالت أم حبيبة فخرجنا فى سفينتين وبعث معنا النجاشي الملاحين فلما خرجنا من البحر ركبنا الظهر الى المدينة ورسول الله ﵇ بخيبر فخرج من خرج اليه وأقمت بالمدينة حتى قدم النبي ﵇ فدخلت عليه فكان يسألنى عن النجاشي فقرأت عليه من نزهة السلام فرد ﵍ فانزل الله
عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ يعنى أبا سفيان مَوَدَّةً يعنى تزويج أم حبيبة ولما جاء أبا سفيان تزويج أم حبيبة برسول الله ﵊ قال ذاك الفحل لا يقرع انفه ثم قال ﵇ (لا أدرى انا بفتح خيبر اسرّ أم بقدوم جعفر) وبعث النجاشي بعد قدوم جعفر الى رسول الله ابنه أزهر بن اصحمة بن الحر فى ستين رجلا من الحبشة وكتب اليه يا رسول الله اشهد انك رسول الله صادقا مصدقا وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت لله رب العالمين وقد بعثت ابني أزهر وان شئت ان آتيك بنفسي فعلت والسلام عليك يا رسول الله فركبوا سفينة فى اثر جعفر وأصحابه فلما بلغوا اواسط البحر غرقوا وكان جعفر يوم وصل المدينة الى رسول الله ﷺ وصل فى سبعين رجلا عليهم ثياب الصوف منهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من اهل الشام منهم بحيرا الراهب فقرأ عليهم رسول الله سورة يس الى آخرها فبكوا حين سمعوا القرآن فآمنوا وقالوا ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى ﵇ فانزل الله تعالى هذه الآية وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى يعنى وفد النجاشي الذين قدموا مع جعفر وهم السبعون وكانوا اصحاب الصوامع ذلِكَ اى كونهم اقرب مودة للمؤمنين بِأَنَّ مِنْهُمْ اى بسبب ان منهم قِسِّيسِينَ وهم علماء النصارى وعبادهم ورؤساؤهم. والقسيس صيغة مبالغة من تقسس الشيء إذا تتبعه وطلبه بالليل سموا به لمبالغتهم فى تتبع العلم قاله الراغب. وقال قطرب القسيس العالم بلغة الروم. وعن عروة بن الزبير انه قال ضيعت النصارى الإنجيل وادخلوا فيه ما ليس منه وبقي واحد من علمائهم على الحق والدين وكان اسمه قسيسا فمن كان على مذهبه ودينه فهو قسيس وَرُهْباناً هو جمع راهب كراكب وركبان وقيل انه يطلق على الواحد وعلى الجمع. والترهب التعبد مع الرهبة فى صومعة والتنكير لافادة الكثرة ولا بد من اعتبارها فى القسيسين ايضا إذ هى التي تدل على مودة جنس النصارى للمؤمنين فان اتصاف افراد كثيرة بجنس الخصلة مظنة لا تصاف الجنس بها والا فمن اليهود ايضا قوم مهتدون ألا يرى الى عبد الله بن سلام واضرابه قال تعالى مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ إلخ لكنهم لما لم يكونوا فى الكثرة كالذين من النصارى لم يتعد حكمهم الى جنس اليهود وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ عطف على ان منهم اى وبانهم لا يستكبرون
стр. 881
عن قبول الحق إذا فهموه ويتواضعون ولا يتكبرون كاليهود. وفيه دليل على ان التواضع والإقبال على العلم والعمل والاعراض عن الشهوات محمود وان كانت فى كافر أقول ذكر عند حضرة شيخى العلامة أبقاه الله بالسلامة رجولية بعض اهل الذمم ومروته فقال انه من آثار السعادة الازلية ويرجى ان ذلك يدعوه الى الايمان والتوحيد ويصير عاقبته الى الفلاح: قال الحافظ
كارى كنيم ور نه خجالت بر آورد ... روزى كه رخت جان بجهان دگر كشيم
- تم الجزء السادس- الجزء السابع من الاجزاء الثلاثين وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ عطف على لا يستكبرون اى ذلك بسبب انهم لا يستكبرون وان أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا عند سماع القرآن وهو بيان لرقة قلوبهم وشدة خشيتهم ومسارعتهم الى قبول الحق وعدم تأنفهم عنه تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ اى تملأ بالدمع فاستعير له الفيض الذي هو الأنصاب من الامتلاء مبالغة ومن الدمع متعلق بتفيض ومن لابتداء الغاية والمعنى تفيض من كثرة الدمع والرؤية بصرية وتفيض حال من المفعول مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ من الاولى لابتداء الغاية متعلق بمحذوف على انها حال من الدمع والثانية لبيان الموصول فى قوله ما عرفوا اى حال كونه ناشئا ومبتدأ من معرفة الحق حاصلا من اجله وبسببه كأنه قيل ماذا يقولون عند سماع القرآن فقيل يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا بهذا القرآن فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ اى اجعلنا فى جملة الذين شهدوا بانه حق وَما لَنا اى أي شىء حصل لنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ حال من الضمير فى لنا اى غير مؤمنين على توجيه الإنكار والنفي الى السبب والمسبب جميعا وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ عطف على الجلالة اى بالله وما جاءنا من الحق حال من فاعل جاءنا اى جاءنا فى حال كونه من جنس الحق او من لابتداء الغاية متعلقة بجاءنا ويكون المراد بالحق الباري تعالى وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ حال اخرى من الضمير المذكور بتقدير مبتدأ اى أي شىء حصل لنا غير مؤمنين ونحن نطمع فى صحبة الصالحين وانما قدر المبتدأ ليكون الحال هو الجملة الاسمية لان المضارع المثبت لا يقع حالا بالواو الا بتأويل تقدير المبتدأ فَأَثابَهُمُ اللَّهُ اى أعطاهم وجازاهم بِما قالُوا اى عن اعتقادهم بدليل قوله مما عرفوا من الحق جَنَّاتٍ اى بساتين تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ اى تجرى من تحت أشجارها ومساكنها وغرفها انهار الماء والعسل والخمر واللبن خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الثواب جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ اى الذين أحسنوا النظر والعمل او الذين اعتادوا الإحسان فى الأمور وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فماتوا على ذلك عطف التكذيب بآيات الله على الكفر مع انه ضرب منه لما ان القصد الى بيان حال المكذبين أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ
стр. 882
اهل النار الشديدة الوقود وهم الذين استتروا بحجب أوصاف البهيمية والسبعية والشيطانية فاصمهم الله وأعمى أبصارهم سمعوا ولم يستمعوا وشاهدوا ولم يبصروا بخلاف من قال لهم الله ألست بربكم فاسمعهم كلامه ووفقهم للجواب حتى شهدوا ربوبيته فقالوا بلى شهدنا فكذلك هاهنا أسمعهم كلامه وعرفهم حقيقة كلامه فاشتاقوا اليه وتذكر قلوبهم ما شاهدوا عند الميثاق من تلك المشاهدة فبكوا بكاء الشوق وبكاء المعرفة: وفى المثنوى
خوى بد در ذات تو أصلي نبود ... كز بد أصلي مى نيابد جز جحود
آن بدى عاريتى باشد كه او ... أرد اقرار وشود او توبه جو
همچوآدم ذلتش عاريه بود ... لا جرم اندر زمان توبه نمود
چونكه أصلي بود جرم آن بليس ... ره نبودش جانب توبه نفيس
- حكى- ان سلطانا زار قبر ابى يزيد قدس سره فسأل عن حاله من بعض اصحاب ابى يزيد فقال من رآه لم يدخل النار فقال السلطان ان أبا جهل رأى النبي ﵇ ومع ذلك يدخل النار وليس شيخك فوق النبي ﵇ فقال ايها السلطان ان أبا جهل لم ير النبي ﷺ بل رأى يتيم ابى طالب فلو رأى انه رسول الله لآمن به وخلص من النار وبنور العرفان آمنت بلقيس فانها لما رأت كتاب سليمان شاورت قومها فقالوا نقاتله فقالت انه يدعى النبوة والأنبياء عباد الله المكرمون لا يقاتلهم أحد فبعد الامتحان آمنت به: قال المولوى قدس سره
چون سليمان سوى مرغان سبا ... يك صفيرى كرد بست آن جمله را
جز مكر مرغى كه بد بي جان و پر ... يا چوماهى گنگ بود از اصل كر
نى غلط گفتم كه گر كرسر نهد ... پيش وحي كبريا شمعش دهد
چونكه بلقيس از دل وجان عزم كرد ... بر زمان رفته هم أفسوس خورد
ترك مال وملك كرد او آنچنان ... كه بترك نام وننگ آن عاشقان
آن غلامان وآن كنيزان بناز ... پيش چشمش همچو پوسيده پياز
باغها وقصرها وآب رود ... پيش چشم از عشق او گلخن نمود
عشق در هنگام استيلا وخشم ... زشت كرداند لطيفانرا بچشم
هر زمرد را نمايد كندنا ... غيرت عشق اين بود معنىء لا
لا اله الا هو اينست اى پناه ... كه نمايد دمه تر او يك سياه
واعلم انه فى العالم العلمي وفق من وفق فجرى على ذلك التوفيق فى هذا العالم العيني الشهادى ثم لا يزال على ذلك فى جانب الابد حتى يدخل الجنة الصورية الحسية مع اذواق الروحانية المعنوية خالدا فيها فهذا هو ثمرة ذلك البذر ومحصول ذلك الزرع والحرث كما قال الله تعالى فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا إلخ فعلى المؤمن ان يجتهد فى تحصيل اليقين ويدخل الجنة العاجلة التي هى المعرفة الالهية كما قال مما عرفوا من الحق ويتخلص من نار البعد والفراق كما قال أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ اى لا تمنعوا ما طاب ولذمنه أنفسكم كمنع التحريم وَلا تَعْتَدُوا اى لا تتجاوزوا حدود ما أحل لكم
стр. 883
الى ما حرم عليكم فان محرم ما أحل الله يحل ما حرم الله او ولا تسرفوا فى تناول الطيبات فان الإسراف تجاوز الى الحرام كتناول المحرمات إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ اى لا يرضى عمل المعتدين على أنفسهم المتجاوزين حدود الله وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً اى ما أحل لكم وطاب مما رزقكم الله فحلالا مفعول كلوا ومما رزقكم الله حال منه تقدمت عليه لكونه نكرة. قال عبد الله بن المبارك الحلال ما أخذته من وجهه والطيب ما غذى ونمى فاما الجوامد كالطين والتراب وما لا يغذى فمكروه الا على وجه التداوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ تأكيد للوصية بما امر به فان قوله كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا وان كان المراد به هاهنا الإباحة والتحليل الا انه انما أباح أكل الحلال فيفيد تحريم ضده فأكد التحريم المستفاد منه بقوله وَاتَّقُوا اللَّهَ وزاده تأكيدا بقوله الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ فان الايمان يوجب التقوى بالانتهاء عما نهى عنه وعدم التجاوز عما حد له. قال الامام قوله تعالى كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ يدل على انه تعالى قد تكفل برزق كل أحد فانه لو لم يتكفل برزقه لما قال كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وإذا تكفل برزقه وجب ان لا يبالغ فى الطلب وان يعول على وعده وإحسانه فانه أكرم من ان يخلف الوعد ولذلك قال ﵇ (فاتقوا الله واجملوا فى الطلب) : قال الحافظ
ما آبروى فقر وقناعت نمى بريم ... با پادشه بگوى كه روزى مقدرست
: وقال الصائب
رزق اگر بر آدمي عاشق نمى باشد چرا ... از زمين گندم گريبان چاك مى آيد چرا
قال اهل التفسير ذكر النبي ﵇ يوما النار ووصف القيامة وبالغ فى الانذار فرق له الناس وبكوا فاجتمع عشرة من الصحابة فى بيت عثمان بن مظعون الجمحي وتشاورا واتفقوا على ان يترهبوا ويلبسوا المسوح ويجبوا مذاكيرهم ويصوموا الدهر ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم والودك ولا يقربوا النساء والطيب ويسيحوا فى الأرض فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فاتى دار عثمان بن مظعون فلم يصادفه فقال لامرأته أم حكيم بنت امية واسمها خولة وكانت عطارة (أحق ما بلغني عن زوجك وأصحابه فكرهت ان تكذب على رسول الله وكرهت ان تبدى خبر زوجها) فقالت يا رسول ان كان قد أخبرك عثمان فقد صدق فرجع رسول الله فلما جاء عثمان أخبرته زوجته بذلك فمضى الى رسول الله فسأله النبي ﵇ عن ذلك فقال نعم فقال ﵇ (أمانى لم آمر بذلك ان لا نفسكم عليكم حقا فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فانى أقوم أنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم وآتى النساء فمن رغب عن سنتى فليس منى) ثم جمع الناس وخطبهم وقال (ما بال قوم حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا اما انى لا آمركم ان تكونوا قسيسين ولا رهبانا فانه ليس من دينى ترك اللحم والنساء ولا اتخذ الصوامع وان سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الاجتهاد فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيأ وحجوا واعتمروا واقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان واستقيموا يستقم لكم فانما هلك من هلك قبلكم بالتشديد شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فاولئك بقاياهم فى الديارات والصوامع) فانزل
стр. 884
الله هذه الآية- وروى- ان عثمان بن مظعون جاء الى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله ان نفسى تحدثنى بان اختصى فائذن لى فى الاختصاء قال (مهلا يا عثمان فان اختصاء أمتي الصيام) : وفى المثنوى
هين مكن خود را خصى رهبان مشو ... زانكه عفت هست شهوت را گرو
بي هوا نهى از هوا ممكن نبود ... غازىء بر مردگان نتوان نمود
پس كلو از بهر دام شهوتست ... بعد از آن لا تسرفوا آن عفتست
چونكه رنج صبر نبود مر ترا ... شرط نبود پس فرو نايد چرا
حبذا آن شرط وشادا آن جزا ... آن جزاى دلنواز جان فزا
قال يا رسول الله ان نفسى تحدثنى بان أترهب فى رؤوس الجبال قال (مهلا يا عثمان فان ترهب أمتي الجلوس فى المساجد لانتظار الصلاة) قال يا رسول الله ان نفسى تحدثنى ان اخرج من مالى كله قال (مهلا يا عثمان فان صدقتكم يوما بيوم وتعف نفسك وعيالك وترحم المساكين واليتيم فتعطيها أفضل من ذلك) قال يا رسول الله ان نفسى تحدثنى ان اطلق امرأتى خولة قال (مهلا يا عثمان فان الهجرة فى أمتي من هجر ما حرم الله عليه او هاجر الى فى حياتى او زار قبرى بعد وفاتي او مات وله امرأة او امرأتان او ثلاث او اربع) قال يا رسول الله فان نهيتنى ان لا أطلقها فان نفسى تحدثنى ان لا اغشاها قال (مهلا يا عثمان فان المسلم إذا غشى امرأته او ما ملكت يمينه فلم يكن له من وقعته تلك ولد كان له وصيف فى الجنة وان كان له من وقعته تلك ولد فمات قبله كان له فرطا وشفيعا يوم القيامة وان مات بعده كان له نورا يوم القيامة) قال يا رسول الله ان نفسى تحدثنى ان لا آكل اللحم قال (مهلا يا عثمان فانى أحب اللحم وأكله إذا وجدته ولو سألت ربى ان يطعمنيه فى كل يوم لا طعمنيه) قال يا رسول الله فان نفسى تحدثنى ان لا أمس الطيب قال (مهلا يا عثمان فان جبرائيل ﵇ أمرني بالطيب غبا وقال يوم الجمعة لا مترك له يا عثمان لا ترغب عن سنتى فمن رغب عن سنتى ثم مات قبل ان يتوب صرفت الملائكة وجهه عن حوضى يوم القيامة) وعن ابى موسى الأشعري قال رأيت رسول الله ﷺ يأكل لحم الدجاج ورأيته يأكل الرطب والبطيخ. وعن عائشة رضى الله عنها ان النبي ﵇ كان يأكل الدجاج والفالوذج وكان يعجبه الحلواء والعسل وقال (ان المؤمن حلو يحب الحلاوة) قال (ان فى بطن المؤمن زاوية لا يملأها الا الحلو) وجاء رجل الى الحسن فقال له ان لى جارا لا يأكل الفالوذج قال ولم قال لئلا يؤدى شكره قال أفيشرب الماء البارد قال نعم قال ان جارك هذا جاهل ان نعمة الله عليه فى الماء البارد اكثر من نعمته فى الفالوذج. وسئل فضيل عن ترك الطيبات من الحوارى واللحم والخبيص للزهد وقال لمن قال لا آكل الخبيص ليتك تأكل وتتقى ان الله لا يكره ان تأكل الحلال الصرف كيف برك لوالديك وصلتك للرحم كيف عطفك على الجار كيف رحمتك للمسلمين كيف كظمك للغيظ كيف عفوك عمن ظلمك كيف إحسانك الى من أساء إليك كيف صبرك واحتمالك للاذى أنت الى احكام هذا أحوج منك الى ترك الخبيص. والحاصل ان الافراط
стр. 885
فى الرهبانية والاحتراز التام عن الذات والطيبات مما يوقع الضعف فى الأعضاء الرئيسة التي هى القلب والدماغ وإذا وقع الضعف فيها اختلت الفكرة وباختلالها تفوت عنها الكمالات المتعلقة بالقوة النظرية رأسا وينتقص كمالاتها المتعلقة بالقوة العملية فان تمامها وكمالها يبنى على كمال القوة النظرية. وايضا الرهبانية التامة توجب خرابية الدنيا وانقطاع الحرث والنسل فلما كانت عمارة الدنيا والآخرة منوطة بترك تلك الرهبانية والمواظبة على المعرفة والمحبة والطاعة اقتضت الحكمة ان لا يحرم الإنسان ما طاب ولذ مما أحل الله كما نطقت الآية به. ولكن اشارة الآية ايضا الى الاعتدال كما قال وَلا تَعْتَدُوا فالاعتدال فى التناول وكذا فى الرياضة ممدوح جدا ولذا ترى المرشد الكامل يأمر فى ابتداء امره بترك اللحم والدسم والجماع وغيرها ولكن على الاعتدال بحسب مزاجه فان للرياضات تأثيرا عظيما فى إصلاح الطبيعة وهو امر مهم فى باب السلوك جدا فلا متمسك لارباب الظاهر فى ترك الرياضة مطلقا وقد أشار النبي ﵊ فى وصاياه لعثمان بن مظعون الى جملة من الأمر فافهم وارشد الى طريق الصواب ولا تفريط ولا افراط فى كل باب لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ اليمين تقوية أحد الطرفين بالمقسم به واللغو فى اليمين الساقط الذي لا يتعلق به حكم وهو عند الامام الأعظم ان يخلف على شىء يظن انه كذلك وليس كما يظن مثل ان يرى الشيء من بعيد فيظن انه كذا فيقول والله انه كذا فاذا هو بخلافه فلا مؤاخذة فى هذا اليمين بإثم ولا كفارة واما الغموس وهى حلفه على امر ماض او حال كذبا عمدا مثل قوله والله لقد فعلت كذا وهو لم يفعله وعكسه ومثل والله ما لهذا على دين وهو يعلم ان له عليه دينا فحكمها الإثم لانها كبيرة قال ﵇ (من حلف كاذبا ادخله الله النار ولا كفارة فيها الا التوبة) قوله فى ايمانكم صلة يؤاخذكم كما ان باللغو صلة له اى لا يؤاخذكم فى حق ايمانكم بسبب ما كان لغوا منها بان لا يتعلق بها حكم دنيوى ولا اخروى وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ اى بتقيدكم الايمان وتوثيقا بالقصد والنية والمعنى ولكن يؤاخذكم بما عقدتموها إذا حنثتم او بنكث اى نقض ما عقدتم فحذف للعلم به وهذا اليمين هى اليمين المنعقدة وهى الحلف على فعل امر او تركه فى المستقبل فَكَفَّارَتُهُ اى الفعلة التي تذهب إثمه وتستره وعند الامام لا يجوز التكفير قبل الحنث لقوله ﵇ (من حلف على يمين ورأى غيرها خيرا فليأت بالذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه) إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ محل من اوسط النصب لانه صفة مفعول محذوف تقديره ان تطعموا عشرة مساكين طعاما كائنا من اوسط ما تطعمون من فى عيالكم من الزوجة والأولاد والخدم اى من اقصده فى النوع او المقدار وهو نصف صاع من بر لكل مسكين كالفطرة ولو اطعم فقيرا واحدا عشرة ايام اجزأه ولو أعطاه دفعة لا يجوز الا عن يوم واحد أَوْ كِسْوَتُهُمْ عطف على اطعام فيكسو كل واحد من العشرة ثوبا يستر عامة بدنه وهو الصحيح ولا يجزئ السراويل لان لابسه يسمى عريانا عرفا أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ اى او اعتاق انسان كيف ما كان مؤمنا كان او كافرا ذكرا او أنثى صغيرا او كبيرا ولا يجوز الأعمى والأصم الذي
стр. 886
لا يسمع أصلا والأخرس لفوات جنس المنفعة ومقطوع اليدين او إبهاميهما او الرجلين أو يد ورجل من جانب واحد ومجنون مطبق لان الانتفاع ليس الا بالعقل ومدبر وأم ولد لاستحقاقهما الحرية بجهة فكان الرق فيهما ناقصا ومكاتب ادى بعضا لانه تحرير بعوض فيكون تجارة والكفارة عبادة فلا بد ان تكون خالصة لله تعالى وكذا لا يجوز معتق بعضه لانه ليس برقبة كاملة. ومعنى او فى الآية إيجاب احدى الخصال الثلاث مطلقا وخيار التعيين للمكلف اى لا يجب عليه الإتيان بكل واحد من هذه الأمور الثلاثة ولا يجوز له تركها جميعا ومتى اتى بواحدة منها فانه يخرج عن العهدة فاذا اجتمعت هذه القيود الثلاثة فذاك هو الواجب المخير فَمَنْ لَمْ يَجِدْ اى شيأ من الأمور المذكورة فَصِيامُ اى فكفارته صيام ثَلاثَةِ أَيَّامٍ متتابعات عند الامام الأعظم ذلِكَ اى الذي ذكرت لكم
وأمرتكم به كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وحنثتم وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ بان تضنوا بها ولا تبذلوها لكل امر وبان تبروا فيها ما استطعتم ولم يفت بها خير فان عجز عن البرّ او رأى غير المحلوف عليه خيرا منه فله حينئذ ان يحنث ويكفر كما قال الفقهاء من اليمين المنعقدة ما يجب فيه البر كفعل الفرائض وترك المعاصي لان ذلك فرض عليه فيتأكد باليمين. ومنها ما يجب فيه الحنث كفعل المعاصي وترك الواجبات وفى الحديث (من حلف ان يطيع الله فليطعه ومن حلف ان يعصيه فلا يعصه) . ومنها ما يفضل فيه الحنث كهجران المسلم ونحوه وما عدا هذه الاقسام الثلاثة من الايمان التي يستوى فيها الحنث والبر يفضل فيه البر حفظا لليمين ولا فرق فى وجوب الكفارة بين العامد والناسي والمكره فى الحلف والحنث لقوله ﵇ (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق واليمين كَذلِكَ اشارة الى مصدر الفعل الآتي لا الى تبيين آخر مفهوم مما سبق والكاف مقحمة لتأكيد ما أفاده اسم الاشارة من الفحامة ومحله فى الأصل النصب على انه نعت لمصدر محذوف واصل التقدير يبين الله تبيينا كائنا مثل ذلك التبيين فقدم على الفعل لافادة القصر واعتبرت الكاف مقحمة للنكتة المذكورة اى مثل ذلك البيان البديع يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ اعلام شريعته وأحكامه لا بيانا ادنى منه لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ نعمته فيما يعلمكم ويسهل عليكم المخرج. والاشارة ان من عقد اليمين على الهجران من الله تعالى فكفارته إطعامه عشرة مساكين وهم الحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة فانها مدخل الآفات وموئل الفترات مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ وهم القلب والروح والسر والخفي وطعامهم الشوق والمحبة والصدق والإخلاص والتفويض والتسليم والرضى والانس والهيبة والشهود والكشوف وأوسطه الذكر والتذكر والفكر والتفكر والتشوق والتوكل والتعبد والخوف والرجاء فاطعام الحواس الظاهرة والقوى الباطنة هذه الاطعمة باستعمالها فى التعبد بها والتحفظ عما ينافيها او كسوتهم وهى إلباس الحواس والقوى بلباس التقوى او تحرير رقبة النفس عن عبودية الهوى والحرص على الدنيا فمن لم يجد السبيل الى هذه الأشياء فصيام ثلاثة ايام وذلك لان الأيام لا تخلوا عن ثلاثة اما يوم مضى او يوم حضر او يوم قد بقي فصيام اليوم الذي قد مضى بالإمساك عما عقد عليه او قصد اليه او بالصبر على التوبة
стр. 887
عنه وصيام الذي قد حضر بالإمساك عن التغافل عن الأهم وبالصبر على الجد والاجتهاد ببذل الجهد فى طلب المراد وصيام اليوم الذي قد بقي بالإمساك عن فسخ العزيمة فى ترك الجريمة ونسخ الإخلاص فى طلب الخلاص وبالصبر على قدم الثبات فى تقديم الطاعات والمبرات وصدق التوجه الى حضرة الربوبية بمساعى العبودية
مكن وقت ضايع بافسوس وحيف ... كه فرصت عزيزست والوقت سيف
قال ابن الفارض قدس سره
وكن صارما كالوقت فالمقت فى عيسى ... وإياك علّ فهى اخطر علة
وفى المثنوى
اى كه صبرت نيست از دنياى دون ... چونت صبرست از خداى دوست چون
چونكه بي اين شرب كم دارى سكون ... چون ز ابرارى خدا وز يشرون
اعلم ان الطالب الصادق عند غلبات الشوق ووجدان الذوق يقسم عليه بجماله وجلاله ان يرزقه شظية من إقباله ووصاله وذلك فى شريعة الرضى لغو وفى مذهب التسليم سهو فيعفو عنه رحمة عليه لضعف حاله ولا يؤاخذه بمقاله وان الاولى الذوبان والجمود بحسن الرضى بحسب جريان احكام المولى فى القبول والرد والإقبال والصدّ إيثار الاستقامة فى أداء حقوقه على الكرامة وعلى لذة تقريبه وإقباله وشهوده ووصوله ووصاله كما قال قائلهم
أريد وصاله ويريد هجرى ... فاترك ما أريد لما يريد
كذا فى التأويلات النجمية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ هذه هى الآية الرابعة من الآيات الأربع التي نزلت فى الخمر وقد سبق التفصيل فى سورة البقرة ويدخل فى الخمر كل مسكر وَالْمَيْسِرُ اى القمار كله فيدخل فيه النرد والشطرنج والاربعة عشر والكعب والبيضة وغير ذلك مما يقامرون به وَالْأَنْصابُ اى الأصنام المنصوبة للعبادة واحدها نصب بفتح النون وسكون الصاد وَالْأَزْلامُ هى سهام مكتوب على بعضها أمرني ربى وعلى بعضها نهانى ربى يطلبون بها علم ما قسم من الخير والشر قال المفسرون كان اهل الجاهلية إذا اراده أحدهم سفرا او غزوا او تجارة او غير ذلك طلب علم انه خير او شر من الأزلام وهى قداح كانت فى الكعبة عند سدنة البيت على بعضها أمرني ربى وعلى بعضها نهانى ربى وبعضها غفل لا كتابة عليها ولا علامة فان خرج السهم الآمر مضوا على ذلك وان خرج الناهي يجتنبون عنه وان خرج الغفل اجالوها ثانيا فمعنى الاستسقام بالأزلام طلب معرفة ما قسم لهم دون ما لم يقسم لهم وهى جمع زلم رِجْسٌ قذر يعاف عند العقول اى تكرهه وتنفر منه العقول السليمة. والرجس بمعنى النجس الا ان النجس يقال فى المستقذر طبعا والرجس اكثر ما يقال فى المستقذر عقلا وسميت هذه المعاصي رجسا لوجوب اجتنابها كما يجب اجتناب الشيء المستقذر مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ صفة لرجس اى رجس كائن من عمله اى من تزيينه لانه هو الداعي اليه والمرغب فيه والمزين له فى قلوب فاعليه فَاجْتَنِبُوهُ اى الرجس لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ اى راجين فلا حكم امر بالاجتناب وهو تركه جانبا وظاهر الأمر على الوجوب إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ
وهو
стр. 888
اشارة الى المفاسد الدنيوية اما العداوة فى الخمر فهى ان الشاربين إذا سكروا عربدوا وتشاجروا كما فعل الأنصاري الذي شج سعد بن ابى وقاص بلحى الجمل واما العداوة فى الميسر فهى ان الرجل كان يقامر على الأهل والمال ثم يبقى حزينا مسلوب الأهل والمال مغتاظا على حرفاته والفرق بين العداوة والبغضاء ان كل عدو مبغض بلا عكس كلى. وقوله تعالى فى الخمر متعلق بيوقع على ان تكون كلمة فى هنا لا فادة معنى السببية كما فى قوله ﵇ (ان امرأة دخلت النار فى هرة) اى يوقع بينكم هذين الشيئين فى الخمر بسبب شربها وتخصيص الخمر والميسر تنبيها على انهما المقصودان بالبيان لان هذه الآية خطاب مع المؤمنين والمقصود نهيهم عن الخمر والميسر وانما ضم الأنصاب والأزلام إليهما مع ان تعاطيهما مختص باهل الجاهلية تأكيدا لقبح الخمر والميسر وإظهارا لكون هذه الاربعة متقاربة فى المفسدة وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ اى يمنعكم عنهما وهو اشارة الى المفاسد الدينية فان شرب الخمر يورث الطرب واللذة الجسمانية والنفس إذا استغرقت فى اللذة غفلت عن ذكر الله وعن الصلاة وكذا من يقامر بالميسر ان كان غالبا صار استغراقه فى لذة الغلبة يورثه الغفلة عن العبادة وان صار مغلوبا صار شدة اهتمامه بان يختال بحيلة يصير بها غالبا مانعا من ان يخطر بباله شىء سواه وتخصيص الصلاة بالإفراد مع دخولها فى الذكر للتعظيم والاشعار بان الصاد عنها كالصاد عن الايمان لما انها عماده فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ لفظه استفهام ومعناه امر اى انتهوا وهذا نهى بألطف الوجوه ليكون ادعى الى الانتهاء فلما سمعها عمر رضى الله عنه قال انتهينا يا رب وحرمت الخمر فى سنة ثلاث من الهجرة بعد وقعة أحد وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فيما امرا به وهو عطف على اجتنبوه وَاحْذَرُوا عما نهيا عنه فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ اى أعرضتم عن الامتثال والطاعة فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ وقد فعل ذلك بما لا مزيدة عليه وخرج عن عهدة الرسالة أي خروج وقامت عليكم الحجة انتهت الاعذار وانقطعت العلل وما بقي بعد ذلك الا العقاب اعلم ان الله تعالى قرن الخمر والميسر بالأصنام ففيه تحريم بليغ لهما ولعل قوله ﵇ (شارب الخمر كعابد الوثن) مستفاد من هذه الآية وفى الحديث (من شرب الخمر فى الدنيا سقاه الله من سم الأساود وسم العقارب إذا شربه تساقط لحم وجهه فى الإناء قبل ان يشربها فاذا شربها تفسخ لحمه كالجيفة يتأذى به اهل الموقف ومن مات قبل ان يتوب من شرب الخمر كان حقا على الله ان يسقيه بكل جرعة شربها فى الدنيا شربة من صديد جهنم) وفى الحديث (لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة اليه وآكل ثمنها) وفى الحديث (من شرب الخمر بعد ان حرمها الله على لسانى فليس له ان يزوج إذا خطب ولا يصدق إذا حدث ولا يشفع إذا تشفع ولا يؤمن على امانة فمن ائتمنه على أمانته فاستهلكها فحق على الله ان لا يخلف عليه) : قال الحسين الواعظ الكاشفى فى تفسيره
بي نمكى دان جگر آميخته ... بر جگر بي نمكان ريخته
بي خبر آن مرد كه چيزى چشيد ... كش قلم بي خبرى در كشيد
стр. 889
والاشارة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ايمانا حقيقيا مستفادا من كتابة الحق بقلم العناية فى قلوبهم إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ فاما الخمر فانها تخمر العقل وهو نور روحانى علوى من اوليات المخلوقات ومن طبعه الطاعة والانقياد والتواضع لربه كالملك وضده الهوى وهو ظلمانى نفسانى سفلى من أخريات المخلوقات ومن طبعه التمرد والمخالفة والآباء والاستكبار عن عبادة ربه كالشيطان فاذا خمر الخمر نور العقل صار مغلوبا لا يهتدى الى الحق وطريقه ثم يغلب ظلمة الهوى فتكون النفس امارة بالسوء وتستمد من الهوى فتتبع بالهوى السفلى جميع شهواتها النفسانية ومستلذاتها الحيوانية السفلية فيظفر بها الشيطان فيوقعها فى مهالك المخالفات كلها ولهذا قال ﵇ (الخمر أم الخبائث) لان هذه الخبائث كلها تولدت منها. واما الميسر فان فيه تهيج اكثر الصفات الذميمة وهى الحرص والبخل والكبر والغضب والعداوة والبغض والحقد والحسد وأشباهها وبها يضل العبد عن سواء السبيل. واما الأنصاب فهى تعبد من دون الله فهى تصير العبد مشركا بالله. واما الأزلام فما يلتفت اليه عند توقع الخير والشر والنفع والضر من دون الله تعالى من المضلات فان الله هو الضار والنافع ثم قال تعالى رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ يعنى هذه الأشياء أخبث شىء من اعمال الشيطان التي يغوى بها العباد ويضلهم عن صراط الحق وطريق الرشاد فَاجْتَنِبُوهُ اى اجتنبوا الشيطان ولا تقبلوا وساوسه واتركوا هذه الأعمال الخبيثة لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ تخلصون من مكايد الشيطان وخباثة هذه الأعمال كذا فى التأويلات النجمية لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ اى اثم وحرج فِيما طَعِمُوا اى تناولوا أكلا او شربا فيتناول شرب الخمر وأكل مال الميسر فانزل الله تعالى هذه الآية إِذا مَا اتَّقَوْا ان يكون فى ذلك شىء من المحرمات وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ اى واستمروا على الايمان والأعمال الصالحة ثُمَّ اتَّقَوْا عطف على اتقوا داخل معه فى حيز الشرط اى اتقوا ما حرم عليهم بعد ذلك مع كونه مباحا فيما سبق وَآمَنُوا اى بتحريمه ثُمَّ اتَّقَوْا اى ما حرم عليهم بعد ذلك مما كان مباحا من قبل على ان الشروط بالاتقاء فى كل مرة اباحة كل ما طعموه فى ذلك الوقت لا اباحة كل ما طعموه قبله لانتساخ اباحة بعضه حينئذ وَأَحْسَنُوا اى عملوا الأعمال الحسنة الجميلة المنتظمة لجميع ما ذكر من الأعمال القلبية والقالبية وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ فلا يؤاخذهم بشىء وفيه ان من فعل ذلك صار محسنا ومن صار محسنا صار لله محبوبا ومقام المحبوبية فوق جميع المراتب ولذا كان رسول الله ﷺ حبيب الله وقد فسر الإحسان (بان تعبد الله كأنك تراه) يعنى ان الإحسان مرتبة المشاهدة فاذا ترقى العبد من الايمان الغيبى الى الايمان الشهودى ثم فنى عن كل قيد حتى عن الإطلاق فقدتم امره وكان طعمه وشربه وتصرفه فى المكونات مما لا يضره لانه قد استوفى الشرائط كلها فلا يقاس عليه غيره ثم ان المحسن مطلقا يتناول كل اهل ويستحق المدح والثناء:
وفى المثنوى
محسنان مردند وإحسانها بماند ... اى خنك آن را كه اين مركب براند
стр. 890
ظالمان مردند وماند آن ظلمها ... واى جانى كو كند مكر ودهان
گفت پيغمبر خنك آنرا كه او ... شد ز دنيا ماند ازو فعل نكو
مرد محسن ليك احسانش نمرد ... نزد يزدان دين واحسان نيست خرد
واى آن كو مرد وعصيانش نمرد ... تا نپندارى بمرگ او جان ببرد
وورد فى فضائل عشر ذى الحجة (ان من تصدق فى هذه الأيام بصدقة على مسكين فكأنما تصدق على رسل الله وأنبيائه ومن عاد فيه مريضا فكأنما عاد اولياء الله وبدلاءه ومن شيع جنازة فكأنما شيع جنائز شهداء بدر ومن كسا مؤمنا كساه الله تعالى من حلل الجنة ومن ألطف يتيما اظله الله فى القيامة تحت عرشه ومن حضر مجلسا من مجالس العلم فكأنما حضر مجالس أنبياء الله ورسوله) كذا فى روضة العلماء: قال السعدي قدس سره
بإحساني آسوده كردن دلى ... به از الف ركعت بهر منزلى
- حكى- انه وقع القحط فى بنى إسرائيل فدخل فقير سكة من السكك وكان فيها بيت غنى فقال تصدقوا على لاجل الله فاخرجت اليه بنت الغنى خبزا حارا فاستقبله الغنى فقال من دفع إليك هذا الخبز فقال ابنة من هذا البيت فدخل وقطع يد ابنته اليمنى فحول الله حاله فافتقر ومات فقيرا ثم ان شابا غنيا استحسن الابنة لكونها حسناء فتزوجها وأدخلها داره فلما جن الليل أحضرت مائدة فمدت اليد اليسرى فقال الفتى سمعت ان الفقراء يكونون قليلى الأدب فقال مدى يدك اليمنى فمدت اليسرى ثانيا وثالثا فهتف بالبيت هاتف اخرجى يدك اليمنى فالرب الذي أعطيت الخبز لاجله رد عليك يدك اليمنى فاخرجت يدها اليمنى بامر الله تعالى وأكلت معه كذا فى الروضة
تو نيكى كن بآب انداز اى شاه ... اگر ماهى نداند داند الله
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا نزلت عام الحديبية فى السنة السادسة من الهجرة. والحديبية بتخفيف الياء الاخيرة وقد تشدد موضع قريب من مكة أراد ﵇ زيارة الكعبة فسار مع أصحابه من المدينة وهم الف وخمسمائة وأربعون رجلا فنزلوا بالحديبية فابتلاهم الله بالصيد وهم محرمون كانت الوحوش تغشاهم فى رحالهم بحيث كانوا متمكنين من صيدها أخذا بايديهم وطعنا برماحهم فهموا بأخذها فانزل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ يقال بلوته بلوا جربته واختبرته واللام جواب قسم محذوف اى والله ليعاملنكم معاملة من يختبركم ليتعرف أحوالكم بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ اى بتحريم شىء حقير هو الصيد بمعنى المصيد كضرب الأمير فمن بيانية قطعا والمراد صيد البر مأكولا وغير مأكول ما عدا المستثنيات من الفواسق فاللام للعهد وفى الحديث (خمس فواسق يقتلن فى الحل والحرم الحية والعقرب والغراب والفارة والكلب العقور) وأراد بالكلب العقور الذئب على ما ورد فى بعض الروايات تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ اى تصل اليه ايديكم ورماحكم بحيث تأخذون بايديكم وتطعنون برماحكم فالتأكيد القسمي فى ليبلونكم انما هو لتحقيق ما وقع من ان عدم توحش الصيد عنهم ليس الا لابتلائهم لا لتحقيق وقوع المبتلى به كما لو كان
стр. 891
النزول قبل الابتلاء وتنكير شىء للتحقير المؤذن بان ذلك ليس من الفتن الهائلة التي تزل فيها أقدام الراسخين كالابتلاء بقتل الأنفس وإتلاف الأموال وانما هو من قبيل ما ابتلى به اهل ايلة من صيد السمك يوم السبت وفائدته التنبيه على ان من لم يتثبت فى مثل هذا كيف يتثبت عند ما هو أشد منه من المحن لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ الخوف من الله بمعنى الخوف من عقابه وبالغيب حال من مفعول يخافه وهو عقاب الله اى ليتميز الخائف من عقابه الأخروي وهو غائب مترقب لقوة إيمانه فلا يتعرض للصيد ممن لا يخاف كذلك لضعف إيمانه فيقدم عليه فعلم الله تعالى لما كان مقتضى ذاته وامتنع عليه التجدد والتغير كما امتنع ذلك على ذاته جعل هاهنا مجازا عن تميز المعلوم وظهوره على طريق اطلاق السبب على المسبب حيث قال القاضي ذكر العلم وأراد وقوع المعلوم وظهوره وابو السعود انما عبر عن ذلك بعلم الله اللازم له إيذانا بمدار الجزاء ثوابا وعقابا فانه ادخل فى حملهم على الخوف فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ اى بعد بيان ان ما وقع ابتلاء من جهته تعالى بما ذكر من الحكمة والمعنى فمن تعرض للصيد بعد ما بينا ان ما وقع من كثرة الصيد وعدم توحشه منهم ابتلاء مؤدّ الى تميز المطيع من العاصي فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ لان الاعتداء بعد ذلك مكابرة صريحة وعدم مبالاة بتدبير الله وخروج عن طاعته وانخلاع عن خوفه وخشيته بالكلية والمراد عذاب الآخرة ان مات قبل التوبة والتعزير والكفارة فى الدنيا بنزع ثيابه فيضرب ضربا وجيعا مفرقا فى أعضائه كلها
ما خلا الوجه والرأس والفرج ويؤمر بالكفارة. والاشارة فى الآية ان الله تعالى جعل البلاء للولاء كاللهب للذهب فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ايمان المحبين الذين تجردوا عن ملاذ الدنيا وشهواتها من الحلال وأحرموا بحج الوصول وعمرة الوصال لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ فى أثناء السلوك بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ وهو ما سنح من المطالب النفسانية الحيوانية والمقاصد الشهوانية الدنيوية تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ اى ما يتعلق بشهوات نفوسكم ولذات أبدانكم وَرِماحُكُمْ اى ما يتعلق بالمال والجاه لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ وهو يعلم ويرى اى ليظهر الله ويميز بترك المطالب والمقاصد فى طلب الحق من يخافه بالغيبة والانقطاع عنه ويحترز عن الالتفات لغيره فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ اى تعلق بالمطالب بعد الطلب فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ من الرد والصد والانقطاع عن الله كذا فى التأويلات النجمية قال أوحد المشايخ فى وقته ابو عبد الله الشيرازي قدس سره رأيت رسول الله ﷺ فى المنام وهو يقول من عرف طريقا الى الله فسلكه ثم رجع عنه عذبه الله بعذاب لم يعذب به أحدا من العالمين. يقول الفقير سمى الذبيح الحقي غفر الله ذنوبه انما كان عذابه أشد لانه رجع عن طريقه بعد معرفته انه الحق الموصل الى الله تعالى وليس من يعلم كمن لا يعلم وسبب الرجوع الامتحانات فى الطريق: قال فى المثنوى
قلب چون آمد سيه شد در زمان ... زر در آمد شد زرىء او عيان
دست و پاانداخت زر در پوته خش ... در رخ آتش همى خندد رخش
قال الحافظ
стр. 892
ترسم كزين چمن نبرى آستين گل ... گز گلشنش تحمل خارى نميكنى
فينبغى للطالب الصادق ان يتحمل مشاق الرياضات ويزكى نفسه عن الشهوات ويحترز عن أكل ما يجده من الحلال فضلا عما حرم الله الملك المتعال فان إصلاح الطبيعة والنفس وان كان بفضل الله وعنايته لكن الصوم وتقليل الطعام من الأسباب القوية فى هذا الباب- يحكى- ان سالكا خاطب نفسه بعد رياضات شديدة فقال من أنت ومن انا فقالت له نفسه أنت أنت وانا انا فاشتغل بالتزكية ثانيا حتى حج ماشيا مرات فسأل ايضا فاجابت بما اجابت به اولا فاشتغل أشد من الاول وعالجوا بتقليل الطعام حتى أمات نفسه فسأل من أنت فقالت أنت أنت وانا صرت فانية ولم يبق من وجودى اثر فاستراح بعون الله تعالى. وسئل حضرة المولوى هل يعصى الصوفي قال لا الا ان يأكل طعاما قبل الاشتهاء فانه سم له وداء اللهم أعنا على إصلاح هذه النفس الامارة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وهو عند ابى حنيفة اسم لكل ممتنع متوحش من الحيوانات سواء كان مأكول اللحم او لم يكن والمراد ما عدا الفواسق وهى العقرب والحية والغراب والفارة والكلب العقور فانها تقتل فى الحل والحرم وَأَنْتُمْ حُرُمٌ جمع حرام وهو المحرم وان كان فى الحل وفى حكمه من فى الحرم وان كان حلالا اى لابس حله فالمحرم لا يتصيد أصلا سواء كان فى الحل او فى الحرم بالسلاح او بالجوارح من الكلاب والطير والحلال يتصيد فى الحل دون الحرام اى حرم مكة ومقداره من قبل المشرق ستة أميال ومن الجانب الثاني اثنا عشر ميلا ومن الجانب الثالث ثمانية عشر ميلا ومن الجانب الرابع اربعة وعشرون ميلا هكذا قال الفقيه ابو جعفر. وانما ذكر القتل دون الذبح للايذان بكونه فى حكم الميتة فكل ما يقتله المحرم من الصيد لا يكون مذكى وغير المذكى لا يجوز أكله والمعنى لا تقتلوه والحال أنتم محرمون وَمَنْ شرطية قَتَلَهُ اى الصيد المعهود البرى مأكولا كان او غير مأكول حال كون القاتل كائنا مِنْكُمْ اى من المؤمنين ولعل المقصود من التقييد بالحال توبيخ المؤمن على عدم جريانه على مقتضى إيمانه مُتَعَمِّداً حال ايضا من فاعل قتله اى ذاكرا لا حرامه عالما بحرمة قتل ما يقتله والتقييد بالتعمد مع ان محظورات الاجرام يستوى فيها الخطأ والعمد لان الأصل فعل المتعمد والخطأ لاحق به للتغليظ فَجَزاءٌ اى فعليه جزاء وفدية مِثْلُ ما قَتَلَ اى مماثل لما قتل فهو صفة الجزاء والمراد به عند ابى حنيفة وابى يوسف المثل باعتبار القيمة لا باعتبار الخلقة والهيئة فيتقوم الصيد حيث صيد او فى اقرب الأماكن اليه ان قتل فى بر لا يباع ولا يشترى فيه فان بلغت قيمته قيمة هدى تخير الجاني بان يشترى بها ما قيمته قيمة الصيد فيهديه الى الحرم وبين ان يشترى بها طعاما فيعطى كل مسكين نصف صاع من بر او صاعا من تمر وبين ان يصوم عن طعام كل مسكين يوما فان فضل ما لا يبلغ طعام مسكين تصدق به او صام عنه يوما كاملا لان الصوم مما لا يتبعض فيكون قوله تعالى مِنَ النَّعَمِ بيانا للهدى المشترى بالقيمة على أحد وجوه التخيير فان فعل ذلك يصدق عليه انه جزى بمثل ما قتل من النعم والنعم فى اللغة من الإبل والبقر والغنم فاذا انفردت الإبل قيل انها نعم وإذا انفردت البقر والغنم لم تسم نعما يَحْكُمُ بِهِ اى بمثل ما قتل صفة لجزاء ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ اى رجلان عدلان من
стр. 893
المسلمين هَدْياً الهدى ما يهدى الى البيت تقربا الى الله تعالى من النعم أيسره شاة وأوسطه بقرة وأعلاه بدنة اى ناقة وهو حال مقدرة من الضمير فى به والمعنى مقدرا انه يهدى بالِغَ الْكَعْبَةِ صفة لهديا لان الاضافة لفظية والأصل بالغا الكعبة ومعنى بلوغه الكعبة ذبحه بالحرم حتى لو دفع الهدى المماثل للمقتول الى فقراء الحرم لم يجز بالاتفاق بل يجب عليه ذبحه فى الحرم وله ان يتصدق به بعد ذبحه فى الحرم حيث شاء عند ابى حنيفة أَوْ كَفَّارَةٌ عطف على محل من النعم على انه خبر مبتدأ محذوف والجملة صفة ثانية لجزاء طَعامُ مَساكِينَ عطف بيان لكفارة عند من لا يخصصه بالمعارف أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً عطف على طعام إلخ كأنه قيل فعليه جزاء مماثل للمقتول
هو من النعم او طعام مساكين او صيام ايام بعددهم فحينئذ تكون المماثلة وصفا لازما للجزاء يقدر به الهدى والطعام والصيام. اما الأولان فبلاواسطة. واما الثالث فبواسطة الثاني فيختار الجاني كلا منها بدلا من الآخرين قال الفراء العدل بالكسر المثل من جنسه والعدل بالفتح المثل من غير جنسه فعدل الشيء ما عادله من جنسه كالصوم والإطعام وعدله ما عدل به فى المقدار كأن المفتوح تسمية بالمصدر والمكسور بمعنى المفعول وذلك اشارة الى الطعام وصياما تمييز للعدل والخيار فى ذلك للجانى عند ابى حنيفة وابى يوسف وللحكمين عند محمد لِيَذُوقَ متعلق بالاستقرار فى الجار والمجرور اى فعليه جزاء ليذوق قاتل الصيد وَبالَ أَمْرِهِ اى سوء عاقبة هتكه لحرمة الإحرام والوبال فى الأصل المكروه والضرر الذي ينال فى العاقبة من عمل سولته نفسه عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ من قتل الصيد محرما قبل التحريم وَمَنْ عادَ الى قتل الصيد بعد النهى عنه وهو محرم ومن شرطية فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ اى فهو ممن ينتقم الله منه لان الفعل إذا وقع جزاء لا يحتاج الى الحرف بخلاف الجملة الاسمية فقدر المبتدأ لئلا تصير الفاء الجزائية لغوا والمراد بالانتقام التعذيب فى الآخرة واما الكفارة فعن بعضهم انها واجبة على العائد وعن بعضهم انه لا كفارة عليه تعلقا بالظاهر واصل الانتقام الانتصار والانتصاف وإذا أضيف الى الله تعالى أريد به المعاقبة والمجازاة وَاللَّهُ عَزِيزٌ غالب لا يغالب ذُو انْتِقامٍ شديد ممن أصر على العصيان والاعتداء قال الله تعالى مخاطبا لخليله [يا ابراهيم خف منى كما تخاف من السبع الضارى] يعنى ان الله تعالى إذا أراد اجراء قضائه على أحد لا يفرق بين نبى وولى وعدو كما لا يفرق السبع المفترس بين نفاع وضرار فهو تعالى شديد البطش فكيف يتخلص المجرمون من يد قهره وانتقامه فليحذر العاقل من المخالفة والعصيان بقدر الاستطاعة والإمكان أينما كان فان الإنسان لا يحصد الا ما يزرع: قال فى المثنوى
جمله دانند اين اگر تو نگروى ... هر چهـ مى كاريش روزى بدروى
والعجب ان الإنسان الضعيف كيف يعصى الله القوى وليس الا من الانهماك فى الشهوات والغفلة عن الله تعالى والنكتة فى قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ انه أباح الصيد لمن كان حلالا وهم اهل السلو من العوام الذين رضوا من الكمالات الدينية بالأعمال البدنية من قصور هممهم الدنية وحرم الصيد على من كان حراما وهم اهل
стр. 894
المحبة المحرمون من الدنيا لزيارة كعبة الوصلة يعنى من قصدنا فعليه بحسم الاطماع جملة ولا ينبغى ان يكون له مطالبة بحال من الأحوال الا طلب الوصال ويقال العارف صيد الحق ولا يكون للصيد صيد وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ اى من الطلاب إذا التفت لشىء من الدنيا مُتَعَمِّداً وهو واقف على مضرته وعالم بما فيه فيغلب عليه الهوى ويقع فيه بحرص النفس فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يجازى نفسه برياضة ومجاهدة ويماثل ألمها تلك اللذة والشهوة يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ وهو القلب والروح يحكمان على مقدار الايمان وعلى انواع الرياضات بتقليل الطعام والشراب او ببذل المال او بترك الجام او بالعزلة والخلوة وضبط الحواس هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ اى خالصا لله تعالى فيما يعمل بحيث يصلح لقبول الحق من غير ملاحظة الخلق أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ وهم العقل والقلب والسر والروح والخفي فانهم كانوا محرمين من اغذيتهم الروحانية من صدق التوجه الى الحق وخلوص الاعراض عن الخلق وتجرع الصبر على المكروهات والفطام عن المألوفات والشكر على الموهوبات والرضى بالمقدرات والتسليم للاحكام الازليات أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً والصيام هو الإمساك عن ملاحظة الأغيار وطلب الاختيار والركون الى غير الملك الجبار لِيَذُوقَ النفس الامارة وَبالَ أَمْرِهِ اى تتألم بألم هذه المعاملات التي على خلاف طبعها جزاء وكفارة لما نالت من لذائذ الشهوات وحلاوة الغفلات عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ من الطالبين قبل أقدامهم على الطلب وَمَنْ عادَ الى تعلق شىء من الدنيا بعد الخروج عنها بقدم الصدق فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ بالخذلان فى الدنيا والخسران فى العقبى وَاللَّهُ عَزِيزٌ لا يوجد لمن تعلق بالكونين حتى يتجرد الطالب عن القليل والكثير والصغير والكبير ذُو انْتِقامٍ ينتقم من أحبائه باحتجاب التعزز بالكبرياء والعظمة على قدر التفاتهم الى غيره وملاحظتهم ما سواه وينتقم من أعدائه بما قاله وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ الآية من التأويلات النجمية وفى المثنوى
عاشق صنع توام در شكر وصبر ... عاشق مصنوع كى باشم چوكبر
عاشق صنع خدا با فر بود ... عاشق مصنوع او كافر بود
فعلى الطالب الصادق ان ينقطع عن الالتفات الى الغير ويتصل الى من بيده الخير والله الموفق والمعين أُحِلَّ لَكُمْ الخطاب للمحرمين صَيْدُ الْبَحْرِ اى ما يصاد فى المياه كلها بحرا كان او نهرا او غديرا وهو ما لا يعيش الا فى الماء مأكولا كان او غير مأكول فما يعيش فى البر والبحر كالبط والضفدع والسرطان والسلحفاة وجميع طيور الماء لا يسمى صيد البحر بل كل ذلك صيد البر ويجب الجزاء على قاتله قال الامام جميع ما يصطاد فى البحر ثلاثة أجناس. السمك وجميع أنواعه حلال. والضفادع وجميع أنواعها حرام واختلفوا فيما سوى هذين الجنسين فقال ابو حنيفة انه حرام وقال الأكثرون انه حلال لعموم هذه الآية وقال محيى السنة جملة حيوانات الماء على قسمين سمك وغيره. اما السمك فميتته حلال مع اختلاف أنواعها قال النبي ﵊ (أحلت لنا ميتتان
стр. 895
السمك والجراد) ولا فرق بين ان يموت بسبب او بغير سبب وعند ابى حنيفة يحل الا ان يموت بسبب من وقوع على حجر او انحسار الماء عنه ونحو ذلك. واما غير السمك فقسمان قسم يعيش فى البر كالضفدع والسرطان ولا يحل أكله وقسم يعيش فى الماء ولا يعيش فى البر الا عيش المذبوح فاختلف فيه فذهب قوم الى ان لا يحل شىء منها الا السمك وهو قول ابى حنيفة وذهب قوم الى ان ميتة الكل حلال لان كلها سمك وان اختلف صورها كالجريث يقال له حية الماء لكونه على شكل الحية وأكله مباح بالاتفاق وَطَعامُهُ اى طعام البحر وهو ما قذفه البحر ولفظه او نضب عنه الماء اى غار وبقي هو فى ارض يابسة فيؤخذ من غير معالجة فى اخذه وقال المولى ابو السعود وَطَعامُهُ اى ما يطعم من صيده وهو تخصيص بعد التعميم والمعنى أحل لكم التعرض لجميع ما يصاد فى المياه والانتفاع به انتهى مَتاعاً لَكُمْ نصب على انه مفعول له قال المولى ابو السعود مختص بالطعام كما ان نافلة فى قوله تعالى وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً حال مختصة بيعقوب اى أحل لكم طعامه تمتعا للمقيمين يأكلونه طريا وَلِلسَّيَّارَةِ منكم يتزودونه قديدا وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ وهو ما يفرخ فيه وان كان يعيش فى الماء فى بعض الأوقات كطير الماء ما دُمْتُمْ حُرُماً ما مصدرية ظرفية اى مدة دوامكم محرمين لا خلاف فى الاصطياد انه حرام على المحرم فى البر فاما عين الصيد فظاهر الآية يوجب حرمة ما صاد الحلال على المحرم وان لم يكن له مدخل فيه لكن مذهب ابى حنيفة انه يحل له ما صاده الحلال وان صاده لاجله إذا لم يشر اليه ولم يدل عليه وكذا ما ذبحه قبل إحرامه لان الخطاب للمحرمين وكأنه قيل حرم عليكم ما صدتم فى البر فيخرج منه مصيد غيرهم وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما نهاكم عنه من جميع المعاصي التي من جملتها أخذ الصيد فى الإحرام الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ لا الى غيره حتى يتوهم الخلاص من اخذه تعالى بالالتجاء اليه كما قال تعالى إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ اى المنتهى والمرجع بسوق الملائكة الى حيث أمرهم الله اما الى الجنة واما الى السعير وفى الحديث (من اشتاق الى الجنة سارع الى الخيرات ومن اشفق من عذاب جهنم كف نفسه عن المحرمات ومن زهد فى الدنيا هانت عليه المصيبات) ومن أراد سهولة الموت فليبادر الى الخيرات فمن لم يترك شهوة لم يرض عنه ربه بطاعته ومن لم يتق الله فى سره لم ينتفع بما أبداه من علامة التقوى: وفى المثنوى
كافرم من گر زيان گر دست كس ... در ره ايمان وطاعت يكنفس «١»
كار تقوى دارد ودين وصلاح ... كه بدان باشد بدو عالم فلاح «٢»
والاشارة فى الآية أُحِلَّ لَكُمْ ايها المستغرقون فى بحر الحقائق صَيْدُ الْبَحْرِ ما تصيدون من بحر المعرفة بالمشاهدات والكشوف وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ يعنى تشبعون بما يرد عليكم من وارد الحق وتجلى الصفات كما قال ﵇ (أبيت عند ربى يطعمنى ويسقينى) وتطعمون منه السائرين الى الله من اهل الارادة كقوله تعالى فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ وهذا حال المشايخ واهل التربية من العلماء الراسخين وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ
стр. 896
ايها الطلاب صَيْدُ الْبَرِّ وهو ما سنح فى أثناء السير الى الله من مطالب الدنيا والآخرة كما قال ﵇ (الدنيا حرام على اهل الآخرة والآخرة حرام على اهل الدنيا وكلتا هما حرامان على اهل الله) ما دُمْتُمْ حُرُماً اى ما دمتم محرمين الى كعبة الوصول متوجهين الى حضرة الوصال فان حكم المتوجه ينافى حكم الواصل الكامل لان من وصل صارمحوا والمتوجه صاح وبون بين الصاحي والماحي فان افعال الصاحي به ومنه واحوال الماحي ليست به ولا منه والله غالب على امره فبى يسمع وبي ينطق وبي يبطش ولهذا قال تعالى وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا اى إذا فرغتم من مناسك الوصول وسلكتم مسالك الأصول سقط عنكم كلف المحرمين ومؤونات المسافرين وثبت لكم لزوم العاكفين واحكام الطائفين كما قال وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ يعنى اتقوا بالله الذي اليه تجمعون وتصلون عما سواه لكيلا تحوروا بعد ما تكوروا نعوذ بالله من الحور بعد الكور كذا فى التأويلات النجمية المسماة ببحر الحقائق اللهم أفض علينا من بركات أوليائك وأدر علينا من كاسات أحبائك واودائك جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ اى صيرها وانما سمى البيت كعبة لتكعبه اى لتربعه والعرب تسمى كل بيت مربع كعبة تشبيها له بكعب الرجل الذي عند ملتقى الساق والقدم فى كونه على هيئته فى التربيع. وقيل سميت كعبة لارتفاعها عن الأرض وأصلها من الخروج والارتفاع وسمى الكعب كعبا لنتوه وخروجه من جانبى القدم ومنه قيل للجارية إذا قاربت البلوغ وخرج ثدياها كاعب والكعبة لما ارتفع ذكرها فى الدنيا واشتهر أمرها فى العالم سميت بهذا الاسم ولذلك انهم يقولون لمن عظم قدره وارتفع شأنه فلان علا كعبه قال صاحب اسئلة الحكم جعل الله لبيته العتيق اربعة اركان وهى فى الحقيقة ثلاثة اركان لانه شكل مكعب ولذلك سميت بالكعبة تشبيها بالكعب فسرّ كونه على اربعة اركان بالوضع الحادث اشارة الى قلوب المؤمنين لان قلب المؤمن لا يخلو من اربعة خواطر الهى وملكى ونفسانى وشيطانى فركن الحجر بمنزلة الشيطاني لان الشرع شرع ان يقال عنده أعوذ بالله من الشقاق والنفاق وبالذكر المشروع تعرف مراتب الأركان واما سركونه مثلث الشكل المكعب فاشارة الى قلوب الأنبياء ﵈ ليميز الله رسله وأنبياءه بالعصمة التي أعطاهم والبسهم إياها فليس لنبى الا ثلاثة خواطر الهى وملكى ونفسى ولغيرهم هذه وزيادة الخاطر الشيطاني فمنهم من ظهر حكمه عليه فى الظاهر وهم عامة الخلق ومنهم من يخطر له ولا يؤثر فى ظاهره وهم المحفوظون من أوليائه بالعصمة الوجوبية للانبياء والحفظ الجوازي للاولياء الْبَيْتَ الْحَرامَ عطف بيان على جهة المدح دون التوضيح كما تحبىء الصفة كذلك وسمى البيت الحرام لان الله تعالى حرمه وعظم حرمته فالحرام بمعنى المحرم وفى الحديث (ان الله تعالى حرم مكة يوم خلق السموات والأرض) قال ابن ملك اعلم ان مكة شرفها الله حرمها ابراهيم ﵇ لما صح عن النبي ﵊ انه قال (ان ابراهيم حرم مكة وانى حرمت المدينة) وما روى انه ﵇ قال (ان هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات) فالمراد به كتابته فى اللوح المحفوظ ان ابراهيم سيحرمه انتهى كلامه يقول الفقير ان حرمته العرضية وان كانت حادثة لكن حرمته الذاتية
стр. 897
قديمة وتلك الكتابة من الحرمة الذاتية عند الحقيقة وقد جاء فى بعض التفاسير فى قوله تعالى ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ انه لم يجبه بهذه المقالة من الأرض الا ارض الحرم فلذلك حرمها فصارت حرمتها كحرمة المؤمن انما حرم دمه وعرضه وماله بطاعته لربه فارض الحرم لما قالت اتينا طائعين حرم صيدها وشجرها وخلاها فلا حرمة الا لذى طاعة وفى الخبر (لم يأكل الحيتان الكبار صغارها فى ارض الحرم فى الطوفان لحرمتها) قِياماً لِلنَّاسِ مفعول ثان للجعل ومعنى كونه قياما لهم انه مدار لقيام امر دينهم ودنياهم. اما الاول فلانه يتوجه اليه الحجاج والعمار فيكون ما فى البيت من المناسك العظيمة والطاعات الشريفة سببا لحط الخطيئات وارتفاع الدرجات ونيل الكرامات. واما الثاني فلانه يجبى الى الحرم ثمرات كل شىء يربح فيه التجار وكانوا يأمنون فيه من النهب والغارة ولا يتعرض لهم أحد بسوء فى الحرم حتى ان الرجل إذا أصاب ذنبا فى الجاهلية والإسلام
او قتل قتيلا لجأ الى الحرم ويأمن فيه: قال المحيي فى فتوح الحرمين مدحا لحضرة الكعبة
هيچ نبى هيچ ولى هم نبود ... كه او نه برين در رخ اميد سود
هادئ ره نيست بجز لطف دوست ... آمدنت را طلب از نزد اوست
تا نزند سر ز چمن نو گلى ... نغمه سرايى نكند بلبلى
وَالشَّهْرَ الْحَرامَ اى وجعل الشهر الحرام الذي يؤدى فيه الحج وهو ذو الحجة قياما لهم ايضا فالمفعول الثاني محذوف ثقة بما مر ووجه كون الشهر الحرام سببا لقيام الناس ان العرب كان يتعرض بعضهم لبعض بالقتل والغارة فى سائر الأشهر فاذا دخل الشهر الحرام زال الخوف وقدروا على سفر الحج والتجارات آمنين على أنفسهم وأموالهم فكان سببا لاكتساب منافع الدين والدنيا ومصالح المعاش والمعاد وقد فضل الله الأشهر والأيام والأوقات بعضها على بعض كما فضل الرسل والأمم بعضها على بعض لتبادر النفوس وتسارع القلوب الى إدراكها واحترامها وتتشوق الأرواح الى إحيائها بالتعبد فيها ويرغب الخلق فى فضائلها قال الامام النيسابورى عشر ذى الحجة أفضل الأيام وأحبها عند الله تعالى بعد شهر رمضان لانها هى التي ناجى فيها كليم الله موسى ربه وفيها احرم جميع الخلق بالحج ووجد آدم التوبة فى ايام العشر وإسماعيل الفداء وهود النجاة ونوح الانجاء ومحمد الرسالة وأصحابه الرضوان فى البيعة وبشارة خيبر وفتح الحديبية ونزول المغفرة بقوله تعالى لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وغير ذلك من الآيات والكرامات وصيام يوم من العشر كصيام الف يوم وقيام ليلة منها كعبادة من حج واعتمر طول سنته فصوم هذا العشر مستحب استحبابا شديدا لا سيما التاسع وهو يوم عرفة لكن يستحب الفطر يوم عرفة للحجاج لئلا يلحقهم فتور عن أداء الطاعات المشروعة فى ذلك اليوم ويؤدوها على الحضور والكمال وفى الحديث (خير الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ما قلت انا والنبيون لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير) وَالْهَدْيَ اى وجعل الله الهدى ايضا قياما لهم وهو ما يهدى الى البيت ويذبح هناك ويفرق لحمه بين الفقراء فانه نسك المهدى وقوام لمعيشة الفقراء فكان سببا لقيام امر الدين والدنيا يقول الفقير
стр. 898
ومنه يعرف ان المقصود من القربان دفع حاجة الفقراء ولذا يستحب للمضحى ان يتصدق بأكثر أضحيته بل بكلها
هر كسى از همت والاى خويش ... سود برد او در خور كالاى خويش
وللحجاج يوم عيد القربان مناسك الذهاب من منى الى المسجد الحرام فلغيرهم الذهاب الى المصلى موافقة لهم والطواف فلغيرهم صلاة العيد لقوله ﵇ (الطواف بالبيت صلاة) واقامة السنن من الحلق وقص الأظفار ونحوها فلغيرهم ازالة البدعة واقامة السنة والقربان فلغيرهم ايضا ذلك ولكن ليس كل مال يصلح لخزانة الرب ولا كل قلب يصلح لمعرفة الرب ولا كل نفس تصلح لخدمة الرب: وفى المثنوى
آن توكل كو خليلان ترا ... تا نبرد تيغت إسماعيل را
آن كرامت چون كليمت از كجا ... تا كنى شهراه قعر نيل را
وَالْقَلائِدَ اى وجعل الله القلائد ايضا قياما للناس وهى جمع قلادة وهى ما يقلد به الهدى من نعل او لحاء شجر ليعلم به انه هدى فلا يتعرض له بركوب او حمل والمراد بالقلائد ذوات القلائد وهى البدن وهى الناقة والبقرة مما يجوز فى الهدى والأضاحي وخصت بالذكر لان الثواب فيها اكثر وبهاء الحج بها اظهر ولذا ضحى عمر رضى الله عنه بنجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار لقوله تعالى وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ووجه كون القلائد سببا لقيام الناس ان من قلد هديا لم يتعرض له أحد وربما كانوا يقلدون رواحلهم إذا رجعوا من مكة من لحاء شجر الحرم فيأمنون بذلك وكان اهل الجاهلية يأكل الواحد منهم القضيب والشجر من الجوع وهو يرى الهدى والقلائد فلا يتعرض له تعظيما له ذلِكَ اشارة الى الجعل منصوب بفعل مقدر اى شرع الله ذلك وبين لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ فان تشريع هذه الشرائع المستتبعة لدفع المضار الدينية والدنيوية قبل وقوعها وجلب المنافع الاولوية والاخروية من أوضح الدلائل على حكمة الشارع وعلى عدم خروج شىء من علمه المحيط وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ تعميم بعد تخصيص للتأكيد اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وعيد لمن انتهك محارمه وآصر على ذلك وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وعد لمن حافظ على مراعاة حرمانه تعالى او انقطع عن الانتهاك بعد تعاطيه ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ اى تبليغ الرسالة فى امر الثواب والعقاب وهو تشديد فى إيجاب القيام بما امر به اى الرسول قد اتى بما وجب عليه من التبليغ بما لا مزيد عليه وقامت عليكم الحجة ولزمتكم الطاعة فلا عذر لكم من بعد فى التفريط وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ اى ما تظهرون من القول والعمل وما تخفون فيؤاخذكم بذلك نقيرا وقطميرا: قال السعدي قدس سره
برو علم يك ذره پوشيده نيست ... كه پنهان و پيدا بنزدش يكيست
والاشارة فى الآية ان الله تعالى كما جعل الكعبة فى الظاهر قياما للعوام والخواص يلوذون به ويستنجحون بالتضرع والابتهال هناك حاجاتهم الدنيوية والاخروية كذلك جعل كعبة القلب فى الباطن قياما للخواص وخواص الخواص ليلوذوا به بطريق دوام الذكر ونفى الخواطر بالكلية واثبات
стр. 899
الحق بالربوبية والواحدية بان لا موجود الا هو ولا وجود الا له ولا مطلوب ولا محبوب الا هو وسماه البيت الحرام ليعلم انه بيت الله على الحقيقة وحرام ان يسكن فيه غيره فيراقبه عن ذكر ما سوى الحق وحبه وطلبه الى ان يفتح الله أبواب فضله ورحمته والشهر الحرام هو ايام الطلب والسير الى الله حرام على الطالب فيها مخالطة الخلق وملاحظة ما سوى الحق والهدى هو النفس البهيمية تساق الى كعبة القلب مع القلائد وهى اركان الشريعة فتذبح على عتبة القلب بسكين آداب الطريقة عن شهواتها ولذاتها الحيوانية وفى قوله تعالى ذلِكَ لِتَعْلَمُوا الآية اشارة الى ان العبد إذا وصل الى كعبة القلب فيرى بيت الله ويشاهد أنوار الجمال والجلال فبتلك الأنوار يشاهد ما فى السموات وما فى الأرض لانه ينظر بنور الله فيعلم على التحقيق أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ يسدل الحجاب لغير الأحباب ممن ركنوا الى الدنيا واغتروا بزينتها وشهواتها وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لطالبيه وقاصدى حضرته بفتح الأبواب ورفع الحجاب ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ بالقال والحال وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ من الايمان باقدار اللسان وعمل الأركان وَما تَكْتُمُونَ من تصديق الجنان او التكذيب وصدق التوجه وخلوص النية فى طلب الحق كذا فى التأويلات النجمية قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ نزلت فى حجاج اليمامة لما هم المسلمون ان يوقعوا بهم بسبب انه كان فيهم الحطيم وقد اتى المدينة فى السنة السابقة واستاق سرح المدينة فخرج فى العام القابل وهو عام عمرة القضاء حاجا فبلغ ذلك اصحاب السرح فقالوا للنبى ﵇ هذا الحطيم خرج حاجا مع حجاج اليمامة فخل بيننا وبينه فقال ﵇ (انه قلد الهدى) ولم يأذن لهم فى ذلك بسبب استحقاقهم الا
من بتقليد الهدايا فنزلت الآية تصد يقاله ﵇ فى نهيه إياهم عن تعرض الحجاج وان كانوا مشركين وقد مضت هذه القصة فى أول السورة عند قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ الآية وبقي حكم هذه الآية الى ان نزلت سورة البراءة فنسخ بنزولها لانه قد كان فيها إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وفيها فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ فنسخ حكم الهدى والقلائد والشهر الحرام والإحرام وامنهم بها بدون الإسلام وسبب النزول وان كان خاصا لكن حكمه عام فى نفى المساواة عند الله بين الردى وبين الجيد ففيه ترغيب فى الجيد وتحذير عن الردى ويتناول الخبيث والطيب أمورا كثيرة. فمنها الحرام والحلال فمثقال حبة من الحلال أرجح عند الله من ملىء الدنيا من الحرام لان الحرام خبيث مردود والحلال طيب مقبول فهما لا يستويان ابدا كما ان طالبهما كذلك إذا طالب الخبيث خبيث وطالب الطيب طيب والله تعالى يسوق الطيب الى الطيب كما انه يسوق الخبيث الى الخبيث كما قال الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ والطيب عند سادات الصوفية قدس الله أسرارهم ما كان بلا فكر وحركة نفسانية سواء سيق من طرف صالح او فاسق لانه رزق من حيث لا يحتسب وهو مقبول وخلافه مردود ولا بعد فى هذا لان حسنات الأبرار سيآت المقربين وبينهما بون بعيد وايضا الخبيث من الأموال ما لم يخرج منها حق الله والطيب ما أخرجت منه
стр. 900
الحقوق والخبيث ما أنفق فى وجوه الفساد والطيب ما أنفق فى وجوه الطاعات والطيب من الأموال ما وافق نفع الفقراء فى اوقات الضرورات والخبيث ما دخل عليهم فى وقت استغنائهم فاشتغلت خواطرهم بها. ومنها المؤمن والكافر والعادل والفاسق فالمؤمن كالعسل والكافر كالسم والعادل كشجرة الثمرة والفاسق كشجرة الشوك فلا يستويان على كل حال. ومنها الأخلاق الطيبة والأخلاق الخبيثة فمثل التواضع والقناعة والتسليم والشكر مقبول ومثل الكبر والحرص والجزع والكفران مردود لان الاول من صفات الروح والثاني من صفات النفس والروح طيب علوى والنفس خلافه: وفى المثنوى
هين مرو اندر پى نفسى چوزاغ ... كو بگورستان برد نه سوى باغ «١»
نفس اگر چهـ زيركست وخرده دان ... قبله اش دنياست او را مرده دان «٢»
ومن اخلاق النفس حب المال والكبار قدعوا المال الطيب حجابا فما ظنك بالخبيث منه فلابد من تصفية الباطن وتخليته عن حب ما سوى الله تعالى. ومنها العلوم النافعة والعلوم الغير النافعة فالنافعة كعلوم الشريعة وغير النافعة كعلوم الفلاسفة: وفى المثنوى
علم دين فقهست وتفسير وحديث ... هر كه خواند غير ازين گردد خبيث «٣»
ومنها الأعمال الصالحة والأعمال الغير الصالحة فما أريد به وجه الله تعالى فهو صالح وما أريد به الرياء والسمعة فهو غير صالح
عبادت بإخلاص نيت نكوست ... وگر نه چهـ آيد ز بي مغز پوست
قال فى التأويلات النجمية الخبيث ما يشغلك عن الله والطيب ما يوصلك الى الله. وايضا الطيب هو الله الواحد والخبيث ما سواه وفيه كثرة وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ الواو لعطف الشرطية على مثلها المقدر اى لو لم يعجبك كثرة الخبيث ولو أعجبتك وكلتاهما فى موضع الحال من فاعل لا يستوى اى لا يستويان كائنين على كل حال مفروض وجواب لو محذوف والمعنى والتقدير ان الخبيث ولو أعجبتك كثرته يمتنع ان يكون مساويا للطيب فان العبرة بالجودة والرداءة دون القلة والكثرة فان المحمود القليل خير من المذموم الكثير بل كلما كثر الخبيث كان أخبث ومعنى الاعجاب السرور بما يتعجب منه يقال يعجبنى امر كذا اى يسرنى والخطاب فى أعجبك لكل واحد من الذين امر النبي ﵇ بخطابهم فَاتَّقُوا اللَّهَ فى تحرى الخبيث وان كثروا آثروا الطيب وان قل يا أُولِي الْأَلْبابِ يا ذوى العقول الصافية وهم فى الحقيقة من تخلصت قلوبهم وأرواحهم من قشور الأبدان والنفوس لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ راجين ان تنالوا الفلاح وهو سعادة الآخرة ثم ان التقوى على مراتب قال ابن عطاء التقوى فى الظاهر مخالفة الحدود وفى الباطن النية والإخلاص وقال فى قوله تعالى اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وهو صدق قولك لا اله الا الله وليس فى قلبك شىء سواه ومن وصايا حضرة المولوى قبيل وفاته [أوصيكم بتقوى الله فى السر والعلانية وبقلة الطعام وقلة المنام وقلة الكلام وهجر المعاصي والآثام وترك الشهوات على الدوام واحتمال الجفاء من جميع الأنام وترك مجالسة السفهاء والعوام ودوام مصاحبة الصالحين الكرام فان خير الناس من ينفع الناس وخير الكلام ما قل
стр. 901
ودل] واعلم ان النافع هو التقوى والسبب المنجى هو الايمان والعمل الصالح دون الحسب والنسب فلا يغرنك الشيطان بكثرة أموالك وأولادك ووفرة مفاخر آبائك وأجدادك فاصل البول الماء الطيب الصافي والله تعالى يخرج الميت من الحي يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ- روى- انه لما نزلت وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ قال سراقة بن مالك أكل عام فاعرض عنه رسول الله ﷺ حتى أعاد ثلاثا فقال (لا ولو قلت نعم لو جبت ولو وجبت لما استطعتم فاتركونى ما تركتكم فانما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فاذا أمرتكم بامر فخذوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شىء فاجتنبوه) فنزلت وعن ابن عباس رضى الله عنهما انه ﵇ كان يخطب ذات يوم غضبان من كثرة ما يسألون عنه مما لا يعنيهم فقال لا اسأل عن شىء الا أجبت فقال رجل اين ابى فقال (فى النار) وقال آخر من ابى فقال (حذافة) وكان يدعى لغيره فنزلت إِنْ تُبْدَ لَكُمْ الشرطية وما عطف عليها صفتان لاشياء والمساءة معلقة بالابداء والإبداء معلق بالسؤال. فالمعنى لا تسألوا عن أشياء ان تسألوا عنها فى زمان الوحى تظهر لكم وان تظهر لكم تغمكم والعاقل لا يفعل ما يغمه. قال البغوي فان من سأل عن الحج لم يأمن ان يأمر به فى كل عام فيسوءه ومن سأل عن نسبه لم يأمن ان يلحقه بغيره فيفتضح عَفَا اللَّهُ عَنْها استئناف مسوق لبيان ان نهيهم عنها لم يكن لمجرد صيانتهم عن المساءة بل لانها فى نفسها معصية مستتبعة للمؤاخذة وقد عفا عنها وفيه من حثهم على الجد فى الانتهاء عنها ما لا يخفى وضمير عنها للمسألة المدلول عليها بلا تسألوا اى عفا الله عن مسألتكم السالفة حيث لم يفرض عليكم الحج فى كل عام جزاء بمسألتكم وتجاوز عن عقوبتكم الاخروية بسبب مسألتكم فلا تعودوا الى مثلها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ اى مبالغ فى مغفرة الذنوب والإغضاء عن المعاصي ولذلك عفا عنكم ولم يؤاخذكم بعقوبة ما فرط منكم فالجملة اعتراض تذييلى مقرر لعفوه تعالى قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ اى سألوا هذه المسألة لكن لا عينها بل مثلها فى كونها محظورة ومستتبعة للوبال وعدم التصريح بالمثل للبالغة فى التحذير مِنْ قَبْلِكُمْ متعلق بسألها ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها اى بسببها كافِرِينَ فان بنى إسرائيل كانوا يستفتون أنبياءهم فى أشياء فاذا أمروا تركوها فهلكوا كما سأل قوم ثمود صالحا الناقة وسأل قوم عيسى مائدة قال ابو ثعلبة ان الله فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحد حدودا فلا تعتدوها وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها قال الحسين الواعظ الكاشفى فى تفسيره [پس نيكبخت آنست كه از حال ديگران عبرت گيرد بقول وفعل فضولى اشتغال ننمايد ودرين باب گفته اند]
بگوى آنچهـ گفتن ضرورت شود ... دگر گفته ها را فرو بند در
بجاى آر فعلى كه لازم بود ... ز افعال بي حاصل اندر گذر
وكان رجل يحضر مجلس ابى يوسف كثيرا ويطيل السكوت فقال له يوما مالك لا تتكلم ولا تسأل عن مسألة قال أخبرني ايها القاضي متى يفطر الصائم فال إذا غابت الشمس قال فان لم تغب الى نصف الليل فتبسم وتمثل بيت جرير
стр. 902
وفى الصمت زين للخلى وانما ... صحيفة لب المرء ان يتكلما
وفى الحديث (عجبت من بنى آدم وملكاه على نابيه فلسانه قلمهما وريقه مدادهما كيف يتكلم فيما لا يعنيه) والاشارة فى الآيتين ان الله تعالى نهى اهل الايمان ان يتعلموا العلوم اللدنية وحقائق الأشياء بطريق السؤال لانها ليست من علوم القال وانما هى من علوم الحال فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ اى عن حقائق أشياء إِنْ تُبْدَ لَكُمْ بيانها بطريق القال تَسُؤْكُمْ إذ لم تهتدوا الى الحقائق ببيان القال فتقع عقولكم المشوبة بآفات الهوى والوهم والخيال فى الشبهات فتتهالكوا فى أوديتها كما كان حال طوائف الفلاسفة إذ طلبوا علوم حقائق الأشياء بطريق القال والبراهين المعقولة فما كانت منها مندرجة تحت نظر العقول المجردة عن شوائب الوهم والخيال أصابوها وما ضاق نطاق العقول عن دركها استزلهم الشيطان عند البحث عن الصراط المستقيم وأوقعهم فى اودية الشبهات وبوادي الهلكات فهلكوا واهلكوا خلقا عظيما بتصانيفهم فى العلوم الالهية وبعضهم خلطوها بعلم الأصول وقرروا شبهاتهم فيها فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل وما علموا ان تعلم علوم الحقائق بالقال محال وان تعلمها انما يحصل بالحال كما كان حال الأنبياء مع الله فقد علمهم علوم الحقائق بالاراءة لا بالرواية فقال تعالى وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وقال فى حق النبي ﵇ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا وقال لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى وقال ﵇ (أرنا الأشياء كما هى) وكما كان حال الامة مع النبي ﵇ كان يعلمهم الكتاب بالقال والحكمة بالحال بطريق الصحة وتزكية نفوسهم عن شوائب آفات النفس وأخلاقها كقوله تعالى يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وقال تعالى فيمن تحقق له فوائد الصحة على موائد المتابعة سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ثم قال وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ اى وان كان لا بد لكم من السؤال عن حقائق الأشياء فاسألوا عنها بعد نزول القرآن اى من القرآن ليخبركم عن حقائقها على قدر عقولكم. اما العوام منكم فيؤمنون بمتشابهات القرآن فانها بيان حقائق الأشياء ويقولون كل من عند ربنا ولا يتصرفون فيها بقولهم طلبا للتأويل فانه لا يعلم تأويلها الا الله والراسخون فى العلم وهم الخواص. واما أخص الخواص فيفهمون مما يشير القرآن اليه من حقائق الأشياء بالرموز والإشارات والمتشابهات ما لا يفهم غيرهم كما أشار بقصة موسى والخضر الى ان تعلم العلم اللدني انما يكون بالحال فى الصحبة والمتابعة والتسليم وترك الاعتراض على الصاحب المعلم لا بالقال ولا بالسؤال لقوله تعالى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً يعنى فى المتابعة وترك الاعتراض قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ يعنى ان من شرط المتابعة ترك السؤال عن افعال المعلم وغيرها فلما لم يستطع موسى معه صبرا ليتعلم بالحال وفتح باب القال والسؤال فقال أخرقتها لتغرق أهلها أقتلت نفسا زكية فما واساه الخضر وقال أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً قالَ يعنى موسى إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي
стр. 903
يشير الى ان تعلم العلم اللدني بالحال فى الصحبة والمتابعة والتسليم لا بالقال والسؤال وفى السؤال الانقطاع عن الصحبة فافهم جدا فلما عاد فى الثالثة الى السؤال وقال لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ثم قال عَفَا اللَّهُ عَنْها اى عما سألتم وطلبتم من علوم الحقائق بالقال قبل نزول هذه الآية وَاللَّهُ غَفُورٌ لمن تاب ورجع الى الله فى طلب علوم الحقائق بالقال والسؤال حَلِيمٌ لمن يطلب بالحال يحلم عنهم فى أثناء ما يصدر منهم مما ينافى امر الطلب الى ان يوفقهم لما يوافق الطلب ثم قال قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ يعنى من مقدمى الفلاسفة فقد شرعوا فى طلب العلوم الالهية بالقال ونظر العقل فوقعوا فى اودية الشبهات ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ اى بسبب الشبهات التي وقعوا فيها بتتبع القيل والقال وكثرة السؤال وترك متابعة الأنبياء ﵈ كذا فى التأويلات النجمية ما جَعَلَ اللَّهُ هو الجعل التشريعي ويتعدى الى واحد اى ما شرع وما وضع وما سن مِنْ مزيدة لتأكيد النفي بَحِيرَةٍ كان اهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة ابطن آخرها ذكر بحروا اذنها اى شقوها وحرموا ركوبها ودرها ولا تطرد عن ماء ولا مرعى فهى فعيلة من البحر وهو الشق بمعنى المفعولة وَلا سائِبَةٍ كان الرجل منهم يقول إذا قدمت من سفرى او برئت من مرضى فناقتى سائبة وجعلها كالبحيرة فى تحريم الانتفاع بها فهى فاعلة من قولهم ساب الماء يسيب سيبا إذا جرى على وجه الأرض ويقال ايضا سابت الحية فالسائبة هى التي تركت حتى تسيب حيث شاءت وَلا وَصِيلَةٍ كانوا إذا ولدت الشاة أنثى فهى لهم وان ولدت ذكرا فهو لآلهتهم وان ولدت ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها واستحيوا الذكر من أجل الأنثى فلا يذبح لآلهتهم. فمعنى الآية ما جعل الله أنثى تحلل ذكرا محرما عند الانفراد فهى فعيلة بمعنى فاعلة وَلا حامٍ كانوا إذا نتجت من صلب الفحل عشرة ابطن قالوا قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى فهو اسم فاعل من حمى يحمى اى منع يقال حماه يحميه إذا حفظه وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ اى يكذبون عمدا حيث يفعلون ما يفعلون ويقولون الله أمرنا بهذا وامامهم عمرو بن لحى الخزاعي فانه كان اقدم من ملك مكة وكان أول من غير دين إسماعيل فاتخذ الأصنام ونصب الأوثان وشرع البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى- روى- انه ﵇ قال فى حقه (رأيت عمرو بن لحى الخزاعي يجر قصبه فى النار يؤذى اهل النار بريح قصبه) والقصب المعى هذا شأن رؤسائهم وكبارهم وَأَكْثَرُهُمْ وهم أراذلهم الذين يوقعونهم فى معاصى رسول الله ﷺ لا يَعْقِلُونَ انه افتراء باطل حتى يخالفوهم ويهتدوا الى الحق بانفسهم فيبقون فى اسر التقليد وَإِذا قِيلَ لَهُمْ اى للاكثر على سبيل الهداية والإرشاد تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ من الكتاب المبين للحلال والحرام وَإِلَى الرَّسُولِ الذي انزل هو عليه لتقفوا على حقيقة الحال وتميزوا الحرام من الحلال قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا بيان لعنادهم واستعصائهم على الهادي الى الحق وانقيادهم للداعى الى الضلال. وحسبنا مبتدأ وما وجدنا خبره وهو فى الأصل مصدر والمراد
стр. 904
به اسم الفاعل اى كافينا الذي وجدنا عليه آباءنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ الواو للعطف على شرطية اخرى مقدرة قبلها والتقدير أيحسبهم ذلك اى أيكفيهم وجدان آبائهم على هذا المقال او أيقولون هذا القول ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيأ من الدين ولا يهتدون للصواب والمعنى ان الاقتداء انما يكون بمن علم انه عالم مهتد وذلك لا يعرف الا بالحجة قال الحسين الواعظ فى تفسيره [يعنى ايشان جاهل وگمراه بودند تقليد ايشان نافع نيست بلكه تقليد عالم مى بايد تا كار بتحقيق انجامد] قال جلال الدين رومى قدس سره فى المثنوى
از مقلد تا محقق فرقهاست ... اين يكى كوهست وان ديگر صداست «١»
دست در بينا زنى آيى براه ... دست در كورى زنى افتى بچاه «٢»
قال الشيخ على دده فى اسئلة الحكم اما ما ورد فى الأحاديث النبوية فى حق الدجاجلة وظهورها بين الامة فلا شك عند اهل العلم ان الدجاجلة هم الائمة المضلون لا سيما من متصوفة الزمان او متشيخيهم وقد شاهدناهم فى عصرنا هذا قاتلهم الله حيثما كانوا انتهى قال بعضهم قلت لمتشبه بالصوفية ظاهرا يعني جبتك لما علم من أحواله فقال إذا باع الصياد شبكته فبأى شىء يتصيد
بر وى ريا خرقه سهلست دوخت ... گرش با خدا در توانى فروخت
بنزديك من شبرو راهزن ... به از فاسق پارسا و پيرهن
والاشارة ان الشيطان كلما سلط على قوم أغراهم على التصرف فى انعام أجسامهم ونفوسهم مبتدعين غير متبعين وهم يزعمون ان هذه التصرفات لله وفى الله وفى قوله ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ اشارة الى من يتصرف بما لم يؤمر به كمن يشق اذنه او يثقبها ويجعل فيها الحلقة من الحديد او يثقب صدره او ذكره ويجعل عليه القفل او يجعل فى عنقه الغل او يحلق لحيته مثل ما يفعل هؤلاء القلندرية قال الحافظ قدس سره
قلندرى نه بريشست وموى يا ابرو ... حساب راه قلندر بدانكه موى بموست
گذشتن از سر مو در قلندرى سهلست ... چوحافظ آنكه ز سر بگذرد قلندر اوست
وَلا سائِبَةٍ وهم الذين يدرون فى البلاد مسيبين خليعى العذار يرتعون فى مراتع البهيمية والحيوانية بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة وهم يدعون انهم أهل الحق قد لعب الشيطان بهم فاتخذوا إلههم هو أهم وَلا وَصِيلَةٍ وهم الذين يبيحون المحرمات ويستحلون الحرمات ويتصلون بالاجانب من طريق الاخوة والابوة كالاباحية والزنادقة فيغتر به ويظن انه بلغ مقام الوحدة وانه محمى عن النقصان بكل حال ولا يضره مخالفات الشريعة إذ هو بلغ مقام الحقيقة فهذا كله من وساوس الشيطان وهواجس النفس ما امر الله بشىء من ذلك ولا رخص لاحد فيه فهؤلاء الذين وضعوا هذه الطريقة وابتدعوها لا يعلمون شيأ من الشريعة والطريقة ولا يهتدون الى الحقيقة فانهم اهل الطبيعة وارباب الخديعة ولقد شاعت فى الآفاق فتنهم وكملت فيهم غرتهم ومالهم من دافع ولا مانع ولا وازع على ان الخرق قد اتسع على الراقع
ارى الف بان لا يقوم بهادم ... فكيف بيان خلفه الف هادم
стр. 905
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ اى الزموا إصلاح أنفسكم وحفظها مما يوجب سخط الله وعذاب الآخرة لا يَضُرُّكُمْ ضلال مَنْ ضَلَّ بالفارسي [زيانى نرساند شما را بي راهىء آنكس كه گمراه شد] إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إذا كنتم مهتدين. والآية نزلت لما كان المؤمنون يتحسرون على الكفرة ويتمنون ايمانهم وفيهم من الضلال بحيث لا يكادون يرعوون عنه بالأمر والنهى إِلَى اللَّهِ لا لاحد سواه مَرْجِعُكُمْ رجوعكم يوم القيامة جَمِيعاً الضلال والمهتدى فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فى الدنيا من اعمال الهداية والضلال اى فيجازيكم على ذلك فهو وعد ووعيد للفريقين المهتدين والضالين وتنبيه على ان أحدا لا يؤاخذ بعمل غيره ولا يتوهمنّ ان فى الآية رخصة فى ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مع استطاعتهما كيف لا ومن جملة الاهتداء ان ينكر على المنكر حسب الطاقة
اگر بينى كه نابينا و چاهست ... اگر خاموش بنشينى گناهست
وفى الحديث (من رأى منكم منكرا ان استطاع ان يغيره فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه) وقد روى ان الصديق قال يوما على المنبر يا ايها الناس انكم تقرءون هذه الآية وتضعونها غير موضعها ولا تدرون ما هى وانما سمعت رسول الله ﷺ يقول (ان الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه عمهم الله بعقاب) فامروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ولا تغتروا بقول الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ الآية فيقول أحدكم علىّ نفسى والله لتأمرن بالمعروف وتنهون عن المنكر او ليستعملن الله عليكم شراركم فيسومونكم سوء العذاب ثم ليدعن خياركم فلا يستجاب لهم ولو قيل لرجل لم لا تأمر بالمعروف قال [مرا چهـ كارست] او قيل لرجل [فلانرا امر معروف كن] فقال [مرا او چهـ كرده است] او قال [من عافيت گزيده أم] او قال [مرا با اين فضولى چهـ كار] يخاف عليه الكفر فى هذه الصور: قال المولوى قدس سره
تو ز گفتار تعالوا كم مكن ... كيمياى بس شكرفست اين سخن
گرمسى گردد ز گفتارت نفير ... كيميا را هيچ از وى وامگير
فالامر بالمعروف والنهى عن المنكر فرض لا يسقط الا عند العجز عن ذلك وكان السلف مغدورين فى بعض الأزمان فى ترك الإنكار باليد واللسان
چودست وزبانرا نماند مجال ... بهمت نمايند مردى رجال
والحاصل ان هذا يختلف باختلاف الاشخاص والأحوال والأوقات فعلى المحب ان لا يتجاوز عن الحد ويراعى حكم الوقت فان لكل زمان دولة ورجالا والاشارة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اى ايمان الطالبين الموقنين بان الوجدان فى الطلب كما قال تعالى (الا من طلبنى وجدنى) عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ فاشتغلوا بتزكيتها فانه قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها فلا تشتغلوا قبل تزكيتها بتزكية نفوس الخلق ولا تغتروا بارادة الخلق وبقولهم وحسن ظنهم فيكم وتقربهم إليكم فانها للطالب سم الساعة وان مثل السالك المحتاج الى المسلك والذي يدعى إرادته ويتمسك به كمثل غريق فى البحر محتاج الى سابح كامل فى صنعته لينجيه من الغرق فيتشبت به
стр. 906
غريق آخر فى البحر وهو يأخذ بيده لينجيه فيهلكان جميعا فالواجب على الطالب المحق ان يتمسك بذيل ارادة صاحب دولة فى هذا الشأن مسلك كامل ويستسلم للاحكام ولا يلتفت الى كثرة الهالكين فانه لا يهلك على الله الا هالك لا يَضُرُّكُمْ ايها الطالبون مَنْ ضَلَّ من المغرقين إِذَا اهْتَدَيْتُمْ الى الحق به إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ايها الطالبون بجذبات العناية على طريق الهداية والمضلون بسلاسل القهر والخذلان على طريق المكر والعصيان فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ اى فيذيقكم لذة ثواب أعمالكم او الم عقوبة أعمالكم والمعنى ليس للطالب ان يلتفت فى أثناء سلوكه الى أحد من اهل الصدق والارادة بان يقبله ليربيه ويغتر بانه شيخ يقتدى به الى ان يتم امر سلوكه بتسليك مسلك كامل واصل ثم ان يرى شيخه ان له رتبة الشيخوخة فيثبته باشارة التحقق فى مقام التربية ودعوة الخلق فحينئذ يجوز له ان يكون هاديا مرشدا للمريدين باحتياط وافر فقد قال تعالى وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ فاما فى زماننا هذا فقد آل الأمر الى ان من لم يكن مريدا قط يدعى الشيخوخة ويخبر بالشيخوخة الجهال والضلال من جهالته وضلالته حرصا لانتشار ذكره وشهرته وكثرة مريديه وقد جعلوا هذا الشأن العظيم والثناء الجسيم لعب الصبيان وضحكة الشيطان حتى يتوارثونه كلما مات واحد منهم كانوا يجلسون ابنه مقامه صغيرا كان او كبيرا ويلبسون منه الخرق ويتبركون به وينزلونه منازل المشايخ فهذه مصيبة قد عمت ولعل هذه طريقة قد تمت فاندرست آثارها والله اعلم باخبارها الى هاهنا من الاشارة من التأويلات النجمية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تصديره بحرف النداء والتنبيه لاظهار كمال العناية بمضمونه- روى- ان تميم بن أوس الداري وعدى بن زيد خرجا الى الشام للتجارة وكانا حينئذ نصرانيين ومعهما بديل بن ابى مريم مولى عمرو بن العاص وكان مسلما فلما قدما الى الشام مرض بديل فكتب كتابا فيه اسماء جميع ما معه وطرحه فى درج الثياب ولم يخبرهما بذلك واوصى إليهما بان يدفعا متاعه الى اهله ومات ففتشاه فوجدا فيه اناء من فضة وزنه ثلاثمائة مثقال منقوشا بالذهب فغيباه ودفعا المتاع الى اهله فاصابوا فيه الكتاب فقالوا لهما هل باع صاحبكما شيأ من متاعه قالا لا قالوا فهل طال مرضه فانفق شيأ على نفسه قالا لا انما مرض حين قدم البلد فلم يلبث ان مات قالوا فانا وجدنا فى متاعه صحيفة فيها تسمية متاعه وفيها اناء منقوش مموّه بالذهب وزنه ثلاثمائة مثقال قالا ما ندرى انما اوصى إلينا بشىء وأمرنا ان ندفعه إليكم ففعلنا وما لنا بالاناء من علم فرفعوهما الى رسول الله ﷺ فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فاستحلفهما بعد صلاة العصر عند المنبر بالله الذي لا اله الا هو انهما لم يخونا شيأ مما دفع ولا كتما فحلفا على ذلك فخلى ﷺ سبيلهما ثم انه وجد الإناء فى مكة فقال من بيده اشتريته من تميم وعدي وقيل لما طالت المدة اظهراه فبلغ ذلك بنى سهل اولياء بديل فطلبوه منهما فقالا كنا اشتريناه من بديل فقالوا الم نقل لكما هل باع صاحبنا من متاعه شيأ فقلتمالا قالا ما كان لنا بينة فكرهنا ان نقربه فرفعوهما الى رسول الله ﷺ فنزل قوله تعالى فَإِنْ عُثِرَ الآية فقام عمرو بن العاص والمطلب بن ابى وداعة السهميان فحلفا بالله بعد العصر انهما كذبا وخانا فدفع الإناء إليهما واتفق العلماء على ان
стр. 907
هذه الآية أشكل ما فى القرآن أعرابا ونظما وحكما شَهادَةُ بَيْنِكُمْ اى شهادة الخصومات الجارية بينكم فبين ظرف أضيف اليه شهادة على طريق الاتساع فى الظروف بان يجعل الظرف كأنه مفعول للفعل الواقع فيه فيضاف ذلك الفعل اليه على طريق إضافته الى المفعول نحو يا سارق الليلة اى يا سارق فى الليلة وارتفاع الشهادة على انها مبتدأ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ اى شارفه وظهرت علائمه ظرف للشهادة حِينَ الْوَصِيَّةِ بدل من الظرف وفى إبداله منه تنبيه على ان الوصية من المهمات المقررة التي لا ينبغى ان يتهاون بها المسلم ويذهل عنها اثْنانِ خبر للمبتدأ بتقدير المضاف لئلا يلزم حمل العين على المعنى اى شهادة بينكم حينئذ شهادة اثنين او فاعل شهادة بينكم على ان خبرها محذوف اى فيما نزل علكم ان يشهد بينكم اثنان واختلفوا فى هذين الاثنين. فقال قوم هما الشاهدان اللذان يشهدان على وصية الموصى.
وقال آخرون هما الوصيان لان الآية نزلت فيهما ولانه قال تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان ولا يلزم الشاهدين الإيصاء وان صح الى واحد الا انه ورد فى الآية الإيصاء الى اثنين احتياطا واعتضادا لاحدهما بالآخر. فعلى هذا تكون الشهادة بمعنى الحضور كقولك شهدت وصية فلان بمعنى حضرت والشهيد الذي حضرته الوفاة فى الغزو حتى لو مضى عليه وقت صلاة وهو حى لا يسمى شهيدا لان الوفاة لم تحضره فى الغزو ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هما صفتان للاثنان اى صاحبا امانة وعقل من أقاربكم لانهم اعلم بأحوال الميت وانصح له واقرب الى تحرى ما هو أصلح له او من اهل دينكم يا معشر المؤمنين وهذه جملة تامة تتناول حكم الشهادة على الوصية فى الحضر والسفر أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ عطف على اثنان او شهادة عدلين آخرين من غيركم اى من الأجانب او من غير اهل دينكم اى من اهل الذمة وقد كان ذلك فى بدء الإسلام لعزة وجود المسلمين لا سيما فى السفر ثم نسخ بقوله تعالى وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ فلا يقبل شهادة الذمي على المسلم لعدم ولايته عليه والشهادة من باب الولاية وتقبل شهادة الذمي على الذمي لان اهل الذمة بعضهم اولياء بعض إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ اى سرتم وسافرتم فيها فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ عطف على الشرط وجوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه اى ان سافرتم فقار بكم الاجل حينئذ وما معكم من الأقارب او من اهل الإسلام من يتولى لامر الشهادة كما هو الغالب المعتاد فى الاسفار فشهادة بينكم شهادة آخرين او فانه يشهد آخران فقوله تعالى إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ تقييد لقوله أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ تَحْبِسُونَهُما استئناف وقع جوابا عما نشأ من اشتراط العدالة كأنه قيل فكيف نصنع ان ارتبنا بالشاهدين فقيل تحبسونهما اى تقفونهما وتصبرونهما للتحليف مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ من صلة واللام للعهد الخارجي اى بعد صلاة العصر لتعينها عندهم للتحليف بعدها لانه وقت اجتماع الناس وتصادم ملائكة الليل وملائكة النهار ولان جمع اهل الايمان يعظمون ويجتنبون فيه الحلف الكاذب وقد روى ان النبي ﵇ وقتئذ حلف من حلف قال الشافعي الايمان تغلظ فى الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مائتى درهم بالزمان والمكان فيحلف بعد صلاة العصر بمكة بين الركن والمقام وفى المدينة عند المنبر وفى بيت المقدس عند الصخرة
стр. 908
وفى سائر البلدان فى اشرف المساجد وقال ابو حنيفة لا يختص الحلف بزمان ولا مكان فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ عطف على تحبسونهما إِنِ ارْتَبْتُمْ شرطية محذوفة الجواب لدلالة ما سبق من الحبس والاقسام عليه سيقت من جهته تعالى معترضة بين القسم وجوابه للتنبيه على اختصاص الحبس والتحليف بحال الارتياب اى ان ارتاب فيهما الوارث منكم بخيانة وأخذ شىء من التركة فاحبسوهما وحلفوهما بالله لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً جواب القسم اى مقسم عليه فان قوله فيقسمان يتضمن قسما مضمرا فيه. والاشتراء استبدال السلعة بالثمن اى أخذها بدلا منه ثم استعير لاخذ شىء بازالة ما عنده عينا كان او معنى على وجه الرغبة فى المأخوذ والاعراض عن الزائل كما هو المعتبر فى المستعار منه والضمير فى به لله. والمعنى لا نأخذ لانفسنا بدلا من الله اى من حرمته عرضا من الدنيا بان نهتكها ونزيلها بالحلف الكاذب اى لا نحلف بالله كاذبين لاجل المال وطمع الدنيا وَلَوْ كانَ اى المقسم له المدلول عليه بفحوى الكلام وهو الميت ذا قُرْبى اى قريبا منافى الرحم تأكيد لتبرئهم من الحلف كاذبا ومبالغة فى التنزه كأنهما قالا لا نأخذ لا نفسنا بدلا من حرمة اسمه تعالى مالا ولو انضم اليه رعاية جانب الأقرباء فقد انضم إليها ما هو أقوى منها وادعى الى الحلف كاذبا وهى صيانة حظ أنفسهما فلا يتحقق ما قصداه من المبالغة فى التنزه عنه والتبري منه. قلت صيانة أنفسهما وان كانت أهم من رعاية الأقرباء لكنها ليست ضميمة للمال بل راجعة اليه وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ معطوف على لا نشترى به داخل معه فى حكم القسم وشهادة الله منصوب على انها مفعول بها أضيفت اليه تعالى لانه هو الآمر بها وبحفظها وعدم كتمانها وتضييعها إِنَّا إِذاً اى إذ كتمناها لَمِنَ الْآثِمِينَ اى العاصين فَإِنْ عُثِرَ اى اطلع بعد التحليف عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً اى فعلا ما يوجب اثما من تحريف وكتم بان ظهر بايديهما شىء من التركة وادعيا استحقاقهما له بوجه من الوجوه فَآخَرانِ اى رجلان آخران وهو مبتدأ خبره يَقُومانِ مَقامَهُما اى مقام اللذين عثر على خيانتهما وليس المراد بمقامهما مقام أداء الشهادة التي تولياها ولم يؤدياها كما هى بل هو مقام الحبس والتحليف على الوجه المذكور لاظهار الحق مِنَ الَّذِينَ حال من فاعل يقومان اى من اهل الميت الذين اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ من بينهم اى الاقربان الى الميت الوارثان له الاحقان بالشهادة اى باليمين ومفعول استحق محذوف اى استحق عليهم ان يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين وهما فى الحقيقة الآخران القائمان مقام الأولين على وضع المظهر مقام المضمر فاستحق مبنى للفاعل والاوليان فاعله وهو تثنية الاولى بالفتح بمعنى الأقرب. وقرىء على البناء للمفعول وهو الأظهر اى من الذين استحق عليهم الإثم اى جنى عليهم وهم اهل الميت وعشيرته فالاوليان مرفوع على انه خبر لمحذوف كأنه قيل ومن هم فقيل الاوليان فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ عطف على يقومان لَشَهادَتُنا المراد بالشهادة اليمين كما فى قوله تعالى فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ اى ليميننا على انهما كاذبان فيما ادعيا من الاستحقاق مع كونها حقة صادقة فى نفسها أَحَقُّ بالقبول مِنْ شَهادَتِهِما اى من يمينهما مع كونها كاذبة فى نفسها لما انه قد ظهر للناس استحقاقهما للاثم ويميننا منزهة عن الريب والريبة فصيغة التفضيل مع انه لا حقيقة
стр. 909
فى يمينهما رأسا انما هى لامكان قبولها فى الجملة باعتبار احتمال صدقهما فى ادعاء تملكهما لما ظهر فى أيديهما وَمَا اعْتَدَيْنا عطف على جواب القسم اى ما تجاوزنا فيها شهادة الحق وما اعتدينا عليهما بابطال حقهما إِنَّا إِذاً اى إذا اعتدينا فى يميننا لَمِنَ الظَّالِمِينَ أنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وعذابه بسبب هتك حرمة اسم الله تعالى او لمن الواضعين الحق فى غير موضعه ومعنى النظم الكريم ان المحتضر ينبغى ان يشهد على وصيته عدلين من ذوى نسبه او دينه فان لم يجدهما بان كان فى سفر فآخرين من غيرهم ثم ان وقع ارتياب بهما اقسما على انهما ما كتما من الشهادة ولا من التركة شيأ بالتغليظ فى الوقت فان اطلع بعد ذلك على كذبهما بان ظهر يا يديهما شىء من التركة وادعيا تملكه من جهة الميت حلف الورثة وعمل بايمانهم وانما انتقل اليمين الى الأولياء لان الوصيين ادعيا انهما ابتاعاه والوصي إذا أخذ شيأ من مال الميت وقال انه اوصى به حلف الوارث إذا أنكر ذلك وتحليف المنكر ليس بمنسوخ ذلِكَ اى الحكم الذي تقدم تفصيله أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها اى اقرب الى ان تؤدى الشهود الشهادة على وجهها الذي تحملوها عليه من غير تحريف ولا خيانة خوفا من العذاب الأخروي هذا كما ترى حكمة شرعية التحليف بالتغليظ المذكور أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ بيان لحكمة شرعية رد اليمين على الورثة معطوف على مقدر ينبئ عنه المقام كأنه قيل ذلك ادنى ان يأتوا بالشهادة على وجهها ويخافوا عذاب الآخرة بسبب اليمين الكاذبة او يخافوا الافتضاح على رؤس الاشهاد بابطال ايمانهم والعمل بايمان الورثة فينزجوا عن الخيانة المؤدية اليه فأى الخوفين وقع حصل المقصود الذي هو الإتيان بالشهادة على وجهها وَاتَّقُوا اللَّهَ فى شهادتكم فلا تحرفوها وفى ايمانكم فلا تحلفوا ايمانا كاذبة وفى أماناتكم فلا تخونوها وفيما بينه الله من الاحكام فلا تخالفوا حكمه وَاسْمَعُوا ما توعظون به كائنا ما كان سمع طاعة وقبول وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ الخارجين عن الطاعة اى فان لم تتقوا ولم تسمعوا كنتم فاسقين والله لا يهدى القوم الفاسقين اى الى طريق الجنة او الى ما فيه نفعهم واعلم ان الشهادة فى الشرع الاخبار عن امر حضره الشهود وشاهدوه اما معاينة كالافعال نحو القتل والزنى او سماعا كالعقود والاقرارات فلا يجوز له ان يشهد الا بما حضره وعلمه وسمعه ولهذا لا يجوز له أداء الشهادة حتى تذكر الحادثة وفى الحديث (إذا علمت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع) وفى الشهادة احياء حقوق الناس وصون العقود عن التجاحد وحفظ الأموال على أربابها وفى الحديث (أكرموا شهودكم فان الله يستخرج بهم الحقوق) ومن تعين للتحمل لا يسعه ان يمتنع إذا طلب لما فيه من تضييع الحقوق الا ان يقوم الحق بغيره بان يكون فى الصك سواه ممن يقوم الحق به فيجوز له الامتناع لان الحق لا يضيع بامتناعه وهو مخير فى الحدود بين الشهادة والستر لأن اقامة الحدود حسبة والستر على المسلم حسبة والستر أفضل وفى الحديث (من ستر على مسلم ستره الله عليه فى الدنيا والآخرة) ثم اعلم ان اليمين الفاجرة تبقى الديار بلاقع فينبغى لطالب الآخرة ان يجتنب عن الكذب لطمع الدنيا وان يختار الصدق فى كل قول وفعل: قال الحافظ
طريق صدق بياموز از آب صافى دل ... براستى طلب آزادگى چوسرو چمن
стр. 910
والامانة من الأوصاف الجميلة والله تعالى يأمر بأداء الأمانات وان قل أصحابها فى هذا الزمان ولله در القائل
أمين مجوى ومگو با كسى امانت عشق ... درين زمانه مگر جبرئيل أمين باشد
وعاقبة الخيانة الافتضاح: كما قال الصائب
خيانتهاى پنهان ميكشد آخر برسوايى ... كه دزد خانگى را شحنه در بازار ميگردد
فلابد من التقوى وسماع الاحكام الازلية والله لا يهدى الى حضرته القوم الفاسقين يعنى الذين كانوا خارجين عند رشاش النور وأصابته كما قال ﵇ (فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن اخطأه فقد ضل) عصمنا الله وإياكم من مخالفة امره ولا يجعلنا ممن ضاع أنفاس عمره انه هو الموفق والمرشد والوهاب يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ اى اذكروا يوم يجمع الله الرسل وهو يوم القيامة والمراد جمعهم وجمع أممهم وانما لم يذكر الأمم لانهم اتباع لهم فَيَقُولُ اى الله تعالى للرسل ماذا أُجِبْتُمْ اى أي اجابة أجبتم من جهة الأمم حين دعوتموهم الى توحيدى وطاعتى أإجابة اقرار وتصديق أم اجابة انكار وتكذيب فماذا فى محل النصب على انه مفعول مطلق للفعل المذكور بعده. وفيه اشارة الى خروجهم من عهدة الرسالة كما ينبغى والا لصدر الخطاب بان يقال هل بلغتم رسالتى ولم يقل ماذا أجابوا بناء على كمال تحقير شأنهم وشدة الغيظ والسخط عليهم فان قلت ما وجه السؤال مع انه تعالى لا يخفى عليه شىء قلت توبيخ القوم كما ان قوله تعالى وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ المقصود منه توبيخ من فعل ذلك الفعل بها قالُوا كأنه قيل فماذا يقول الرسل هنا لك فقيل يقولون لا عِلْمَ لَنا بما كنت أنت تعلم إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ تعليل لذلك اى لانك تعلم ما أضمروه وما أظهروه ونحن لا نعلم الا ما أظهروه فعلمنا فى علمك كالمعدوم وهذا الجواب يتضمن التشكي من الأمم كأنه قيل علمك محيط بجميع المعلومات فتعلم بما ابتلينا من قبلهم وكابدنا من سوء اجابتهم فنلتجئ إليك فى الانتقام منهم وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان هذا الجواب انما يكون فى بعض مواطن القيامة وذلك عند زفرة جهنم وجثّو الأمم على الركب لا يبقى ملك مقرب ولا نبى مرسل الا قال نفسى نفسى فعند ذلك تطير القلوب من أماكنها فيقول الرسل من شدة هول المسألة وهو الموطن لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ وترجع إليهم عقولهم فيشهدون على قومهم انهم بلغوهم الرسالة وان قومهم كيف ردوا عليهم فان قيل كيف يصح ذهول العقل مع قوله تعالى لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ.
قيل ان الفزع الأكبر دخول جهنم: قال السعدي قدس سره
در ان روز كز فعل پرسند وقول ... أولو العزم را تن بلرزد ز هول
بجايى كه دهشت خورد أنبياء ... تو عذر گنه را چهـ دارى بيا
برادر ز كار بدان شرم دار ... كه در روى نيكان شوى شرمسار
سر از جيب غفلت بر آور كنون ... كه فردا نماند بخجلت نكون
وقيل قولهم لا عِلْمَ لَنا ليس المقصود منه نفى العلم بجوابهم حال التبليغ ولا وقت حياة الأنبياء بل المقصود نفى علمهم بما كان من الأمم بعد وفاة الأنبياء فى العاقبة وآخر الأمر الذي به
стр. 911
الاعتبار لان الثواب والعقاب انما يدوران على الخاتمة وذلك غير معلوم لهم فلهذا المعنى قالوا لا عِلْمَ لَنا وفى الحديث (انى على الحوض انظر من يرد علىّ منكم والله ليقطعن دونى رجال فلأقولن اى ربى منى ومن أمتي فيقول انك لا تدرى ما أحدثوا بعدك ما زالوا يرجعون على أعقابهم) وهو عبارة عن ارتدادهم أعم من ان يكون من الأعمال الصالحة الى السيئة او من الإسلام الى الكفر وفى الحديث (يدعى نوح يوم القيامة فيقول لبيك وسعديك يا رب فيقول هل بلغت فيقول نعم فيقال لأمته هل بلغكم فيقولون ما أتانا من نذير فيقول من يشهد لك فيقول محمد وأمته فيشهدون انه قد بلغ) فذلك قوله تعالى وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ انما شهد محمد وامة بذلك مع انهم بعد نوح لعلمهم بالقرآن ان الأنبياء كلهم قد بلغوا أممهم ما أرسلوا به وقد جاء فى الرواية (ثم يؤتى بمحمد فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بصدقهم) فذلك قوله تعالى وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً فعلى العاقل ان يجيب الى دعوة الحق وينتصح بنصيحة الناصح الصدق
امروز قدر پند عزيزان شناختم ... يا رب روان ناصح ما از تو شاد باد
واعلم ان القيامة يوم يتجلى الحق فيه بالصفة القهارية قال تعالى لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ. قال حضرة شيخنا العلامة أبقاه الله بالسلامة هذا ترتيب أنيق فان الذات الاحدى يدفع بوحدته الكثرة وبقهره الآثار فيضمحل الكل فلا يبقى سواه تعالى وقيامة العارفين دائمة لانهم يكاشفون الأمور ويشهادون الأحوال فى كل موطن على ما هى عليه وهى القيامة الكبرى وحشر الخواص بل الأخص اللهم اجعلنا ممن مات بالاختيار قبل الموت بالاضطرار إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اى اذكروا ايها المؤمنون وقت قول الله تعالى لعيسى ابن مريم وهو يوم القيامة اذْكُرْ نِعْمَتِي اى انعامى عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ وليس المراد بامره ﵇ يومئذ بذكر النعم تكليف الشكر إذ قد مضى وقته فى الدنيا بل ليكون حجة على من كفر حيث اظهر الله على يده معجزات كثيرة فكذبته طائفة وسموه ساحرا وغلا آخرون فاتخذوه الها فيكون ذلك حسرة وندامة عليهم يوم القيامة والفائدة فى ذكر امه ان الناس تكلموا فيها ما تكلموا ثم عد الله تعالى عليه نعمة نعمة فقال إِذْ أَيَّدْتُكَ ظرف لنعمتى اى اذكر انعامى عليكما وقت تأييدى لك بِرُوحِ الْقُدُسِ اى بجبريل الطاهر على ان القدس الطهور وأضيف اليه الروح مد حاله بكمال اختصاصه بالطهر كما فى رجل صدق ومعنى تأييده به ان جبريل ﵇ يجعل حجته ثابتة مقررة تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا استئناف مبين لتأييده ﵇ والمعنى تكلمهم فى الطفولة والكهولة على سواء اى من غير ان يوجد تفاوت بين كلامه طفلا وبين كلامه كهلا فى كونه صادرا عن كمال العقل وموافقا لكمال الأنبياء والحكماء فانه تكلم حال كونه فى المهد اى فى حجر الام او الذي يربى فيه الطفل بقوله إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا وتكلم كهلا بالوحى والنبوة فتكلمه فى تينك الحالتين على حد واحد وصفة واحدة من غير تفاوت معجزة عظيمة حصلت له وما حصلت
стр. 912
لاحد من الأنبياء قبله ولا بعده وكل معجزة ظهرت منه كما انها نعمة فى حقه فكذلك هى نعمة فى حق امه لانها تدل على براءة ساحتها مما نسبوها اليه واتهموها به وحمل مريم ما كان من الرجال كسائر النساء وانما كان بروح منه كما قال تعالى وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا فهذه نعمة خاصة بمريم وكذلك ولادة عيسى وخلقته ما كانت من نطف الرجال وانما كانت كلمته ألقاها الى مريم وروح منه فهذه نعمة خاصة بعيسى. والكهل من الرجال الذي جاوز الثلاثين ووخطه الشيب اى خالطه وقيل المراد بتكلمه كهلا ان يكلم الناس بعد ان ينزل من السماء فى آخر الزمان بناء على انه رفع قبل ان اكهل فيكون قوله تعالى وَكَهْلًا دليلا على نزوله- وروى- ان الله تعالى أرسله وهو ابن ثلاثين سنة فمكث فى رسالته ثلاثين شهرا ثم رفعه الله تعالى اليه وينزل على هذا السن ثم يكهل وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ اى اذكر نعمتى عليكما
وقت تعليمى لك جنس الكتب المنزلة وخص الكتابان بالذكر مع دخولهما فى الجنس إظهارا لشرفهما والمراد بالحكمة العلم والفهم لمعانى الكتب المنزلة واسرارها وقيل هى استكمال النفس بالعلم بها وبالعمل بمقتضاها وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ اى تصور منه هيئة مماثلة لهيئة الطير بِإِذْنِي ان بتسهيلى وتيسيرى فَتَنْفُخُ فِيها اى فى الهيئة المصورة فَتَكُونُ اى تلك الهيئة طَيْراً بِإِذْنِي فالخلق حقيقة لله تعالى ظاهر على يده ﵇ عند مباشرة الأسباب كما ان النفخ فى مريم كان من جبريل والخلق من الله تعالى سألوا منه ﵇ على وجه التعنت فقالوا له اخلق لنا خفاشا واجعل فيه روحا ان كنت صادقا فى مقالتك فاخذ طينا وجعل منه خفاشا ثم نفخ فيه فاذا هو يطير بين السماء والأرض وانما طلبوا منه خلق خفاش لانه اعجب من سائر الخلق ومن عجائبه انه لحم ودم يطير بغير ريش ويلد كما يلد الحيوان ولا يبيض كما يبيض سائر الطيور وله ضرع يخرج منه اللبن ولا يبصر فى ضوء النهار ولا فى ظلمة الليل وانما يرى فى ساعتين بعد غروب الشمس ساعة وبعد طلوع الفجر ساعة قبل ان يسفر جدا ويضحك كما يضحك الإنسان ويحيض كما تحيض المرأة فلما رأوا ذلك منه ضحكوا وقالوا هذا سحر وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي الأكمه الذي ولد أعمى والأبرص هو الذي به برص اى بياض فى الجلد ولو كان بحيث إذا غرز بابرة لا يخرج منه الدم لا يقبل العلاج ولذا خصا بالذكر وكلاهما مما أعيى الأطباء:
وفى المثنوى
صومعهء عيسى است خوان اهل دل ... هان وهان اى مبتلا اين در مهل «١»
جمع كشتندى ز هر أطراف خلق ... از ضرير وشل ولنگ واهل دلق
او چوفارغ گشتى از أوراد خويش ... چاكشتكه بيرون شدى آن خوب كيش
پس دعا كردى وگفتى از خدا ... حاجت ومقصود جمله شد روا
خوش روان وشادمانه سوى خان ... از دعاى او شدندى پاروان
آزمودى تو بسى آفات خويش ... يافتى صحت ازين شاهان كيش
стр. 913
چند آن لنگىء تو رهوار شد ... چند جانت بي غم وآزار شد
وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي اى تحيى الموتى وتخرجهم من قبورهم احياء قيل اخرج سام ابن نوح ورجلين وجارية كما سبق تفصيله فى سورة آل عمران قال الكلى كان عيسى ﵇ يحيى الموتى بياحى ويا قيوم وهو الاسم الأعظم عند العلماء المحققين وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ اى منعت اليهود الذي أرادوا لك السوء عن التعرض لك إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات الواضحة ظرف لكففت فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ اى ما هذا الذي جئت به الا سحر ظاهر ردا وإنكارا فبقوا على مرض الكفر ولم يعالجوا بعلاج الايمان على يد الحكيم الإلهي الحاذق- حكى- عن الشبلي انه اعتل فحمل الى البيمارستان وكتب على بن عيسى الوزير الى الخليفة فى ذلك فارسل الخليفة اليه مقدم الأطباء ليداويه فما أنجحت مداواته قال الطبيب للشبلى والله لو علمت ان مداواتك فى قطعة لحم من جسدى ما عسر على ذلك قال الشبلي دوائى فيما دون ذلك قال الطبيب وما هو قال بقطعك الزنار فقال الطبيب اشهد ان لا اله الا الله واشهد ان محمدا رسول الله فاخبر الخليفة بذلك فبكى وقال نفذنا طبيبا الى مريض وما علمنا انا نفذنا مريضا الى طبيب قال اليافعي هذا هو الطبيب الحاذق وحكمته من الحكمة التي بها العلل تزول وفيه أقول
إذا ما طبيب القلب أصبح جسمه ... عليلا فمن ذا للطبيب طبيب
فقل هم أولوا علم لدنى وحكمة ... الهية يشفى بذاك قلوب
وكل مرشد كامل فهو عيسى وقته فان قلت ان اولياء الله هم الأطباء حقيقة ومن شأن الطبيب ان يعالج ويبرئ دون ان يهلك ويمرض فما شأن ابراهيم الخواص أشار بإصبعيه الى عينى رجل فى برية أراد ان يسلب منه ثيابه فسقطتا. قلت انما دعا ابراهيم على اللص بالعمى ودعا ابراهيم بن أدهم على الذي ضربه بالجنة لان الخواص شهد من اللص انه لا يتوب الا بعد العقوبة فرأى العقوبة أصلح له وابن أدهم لم يشهد توبة الظالم فى عقوبته فتفضل عليه بالدعاء فتوة منه وكرما فحصلت البركة والخير بدعائه للظالم فجاءه مستغفرا معتذرا فقال له ابراهيم الرأس الذي يحتاج الى الاعتذار تركته ببلخ وقد كان الأنبياء يدعون مطلقا بحسب الأحوال والمصالح وكل ذلك بإذن الله تعالى فهم فى دعائهم فانون عن انانيات وجودهم لا يصدر من لسانهم الا حق مطابق للواقع والحكمة والأولياء تلولهم فى ذلك ولكن الناس لا يعلمون: وفى المثنوى
چون بباطن بنگرى دعوى كجاست ... او ودعوى پيش آن سلطان فناست
مات زيد زيد اگر فاعل بود ... ليك فاعل نيست كو عاطل بود
او ز روى لفظ نحوى فاعلست ... ور نه او مفعول وموتش قاتلست
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ جمع حوارى يقال فلان حوارى فلان اى صفوته وخالصته من الحور وهو البياض الخالص سمى به اصحاب عيسى ﵇ لخلوص نياتهم ونقاء سرائرهم وكان بعضهم من الملوك وبعضهم من صيادى السمك وبعضهم من القصارين وبعضهم من الصباغين اذكر يا محمد وقت ان امرتهم على ألسنة رسلى او ألهمت إياهم وألقيت فى قلوبهم أَنْ مفسرة لما فى الإيحاء من معنى
стр. 914
القول آمِنُوا بِي اى بوحدانيتى فى الربوبية والالوهية وَبِرَسُولِي اى وبرسالة رسولى ولا تزيلوه عن حيزه حطا ولا رفعا قالُوا كأنه قيل فماذا قالوا حين اوحى إليهم ذلك فقيل قالوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ اى مخلصون فى أيماننا من اسلم وجهه لله اى أخلص إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ منصوب باذكر يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ هذا السؤال كان فى ابتداء أمرهم قبل ان يستحكم معرفتهم بالله ولذلك أساءوا الأدب مع عيسى ﵊ حيث لم يقولوا يا رسول الله او يا روح الله وخاطبوه باسمه ونسبوه الى امه ولو وفقوا للادب لقالوا يا روح الله ونسبوه الى الله ثم رفضوا الأدب مع الله وقالوا هل يستطيع ربك كالمتشكك فى استطاعته وكمال قدرته على ما يشاء كيف يشاء ثم أظهروا دناءة همتهم وخساسة نهمتهم إذ طلبوا بواسطة مثل عيسى من الله تعالى مائدة دنيوية فانية وما رغبوا فى فائدة دينية باقية ولو رغبوا فى الفائدة الدينية لنالوا المائدة الدنيوية ايضا قال الله تعالى مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ والمائدة الخوان الذي عليه الطعام من ماده إذا أعطاه ورفده كأنها تميد من تقدم إليها ونظيره قولهم شجرة مطعمة قال فى الشرعة وضع الطعام على الأرض أحب الى رسول الله ﷺ ثم على السفرة وهى على الأرض والاكل على الخوان فعل الملوك اى آداب الجبارين لئلا يتطأطأوا عند الاكل وعلى المنديل فعل العجم اى اهل فارس من المتكبرين وعلى السفرة فعل العرب وهى فى الأصل طعام يتخذه المسافر للسفر ثم سمى بها الجلد المستدير المحمول هو فيه قالَ كأنه قيل فماذا قال لهم عيسى ﵇ حين قالوا ذلك فقيل قال اتَّقُوا اللَّهَ اى من أمثال هذا السؤال إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ اى بكمال قدرته تعالى او بصحة نبوتى قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها تمهيد عذر وبيان لما دعاهم الى السؤال لا نريد بالسؤال ازالة شبهتنا فى قدرته تعالى على تنزيلها او فى صحة نبوتك حتى يقدح ذلك فى الايمان والتقوى بل نريد ان نأكل منها اى أكل تبرك يتشفى بسببها مرضانا ويتقوى بها أصحاؤنا ويستغنى بها فقراؤنا وقيل مرادهم أكل احتياج لانهم قالوا ذلك فى زمن المجاعة والقحط وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا لكمال قدته تعالى بانضمام علم المشاهدة الى علم الاستدلال وَنَعْلَمَ علما يقينا أَنْ مخففة اى انه قَدْ صَدَقْتَنا فى دعوى النبوة وان الله يجب دعوتنا وان كنا عالمين بذلك من قبل وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ نشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بنى إسرائيل ليزداد المؤمنون منهم بشهادتنا طمأنينة ويقينا ويؤمن بسببها كفارهم او من الشاهدين للعين دون السامعين للخبر قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لما رأى ﵇ ان لهم غرضا صحيحا فى ذلك وانهم لا يقلعون عنه أزمع على استدعائها واستنزالها وأرد ان يلزمهم الحجة بكمالها اللَّهُمَّ اى يا الله والميم عوض عن حرف النداء وهى كلمة عظيمة من قالها فقد ذكر الله تعالى بجميع أسمائه وفى الميم سبعون اسما من أسمائه تعالى قد اندرجت فيها رَبَّنا ناداه سبحانه مرتين إظهارا لغاية التضرع ومبالغة فى الاستدعاء
стр. 915
أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ متعلق بأنزل تَكُونُ لَنا عِيداً صفة لمائدة واسم تكون ضمير المائدة وخبرها عيدا ولنا حال منه اى يكون يوم نزولها عيدا فعظمه وانما أسند ذلك الى المائدة لان شرف اليوم مستفاد من شرفها وقيل العيد السرور العائد ولذلك سمى يوم العيد عيدا لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا بدل من لنا باعادة العامل اى عيدا لمتقدمينا ومتأخرينا- روى- انها نزلت يوم الأحد ولذلك اتخذه النصارى عيدا وَآيَةً كائنة مِنْكَ دالة على كمال قدرتك وصحة نبوتى وَارْزُقْنا اى المائدة والشكر عليها وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ تذييل جار مجرى التعليل اى خير من يرزق لانه خالق الأرزاق ومعطيها بلا عوض قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ اجابة الى سؤالكم فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ اى بعد تنزيلها مِنْكُمْ حال من فاعل يكفر فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ بسبب كفره بعد معاينة هذه الآية الباهرة عَذاباً اسم مصدر بمعنى التعذيب اى تعذيبا لا أُعَذِّبُهُ صفة لعذابا والضمير له اى أعذبه تعذيبا لا أعذب ذلك التعذيب اى مثل ذلك التعذيب أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ اى من عالمى زمانهم او من العالمين جميعا فانهم مسخوا قردة وخنازير ولم يعذب مثل ذلك غيرهم- روى- ان عيسى ﵇ اغتسل ولبس المسح وصلى ركعتين فطأطأ رأسه وغض بصره ثم دعا فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين وهم ينظرون حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى ﵊ وقال اللهم اجعلنى من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة للعالمين ولا تجعلها مثلة وعقوبة ثم قام وتوضأ وصلى وبكى ثم كشف المنديل الذي عليها وقال بسم الله خير الرازقين فاذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوكة يسيل دسمها وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل وحولها من انواع البقول ما خلا الكراث وإذا خمسة ارغفة على واحد منها زيتون وعلى الثاني عسل وعلى الثالث سمن وعلى الرابع جبن وعلى الخامس قديد فقال شمعون رأس الحواريين يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة قال ليس منهما ولكنه اخترعه الله بقدرته كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزدكم من فضله فقالوا يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية اخرى فقال يا سمكة احيى بإذن الله فاضطربت ثم قال لها عودى كما كنت فعادت مشوية فلبث المائدة يوما واحدا فأكل من أكل منها ثم طارت ولم تنزل بعد ذلك اليوم وقيل كانت تأتيهم أربعين يوما غبا اى تنزل يوما ولا تنزل يوما يجتمع عليها الفقراء والأغنياء والصغار والكبار يأكلون حتى إذا فاء الفيء طارت وهم ينظرون فى ظلها ولم يأكل منها فقير الا غنى مدة عمره ولا مريض الا برئ ولم يمرض ابدا ثم اوحى الله الى عيسى ان اجعل مائدتى فى الفقراء والمرضى دون الأغنياء الأصحاء فاضطرب الناس بذلك اى تعاظم على الأغنياء والأصحاء حتى شكوا وشككوا الناس فى شأن المائدة ونزولها من السماء حقيقة فمسخ منهم من مسخ فاصبحوا خنازير يسعون فى الطرقات والكناسات ويأكلون العذرة فى الحشوش فلما رأى الناس ذلك فزعوا الى عيسى وبكوا على الممسوخين فلما أبصرت الخنازير عيسى بكت وجعلت تطوف به وجعل يدعوهم بأسمائهم واحدا بعد واحد فيبكون ويشيرون برؤسهم فلا يقدرون على الكلام فعاشوا ثلاثة ايام ثم هلكوا ولم يتوالدوا