القراآت:
كَباسِطِ مثل بَسْطَةً [البقرة: ٢٤٧] وقد مر في البقرة أم هل يستوي بياء تحتانية: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل. الآخرون بتاء التأنيث. يُوقِدُونَ على الغيبة: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الباقون: على الخطاب إما للكفرة في قوله: قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ وإما للمكلفين على العموم كما في القراءة الأخرى والضمير يعود إلى الناس المعلوم من سياق الكلام.
الوقوف:
الثِّقالَ هـ ج لاختلاف الفاعل مع اتفاق اللفظ مِنْ خِيفَتِهِ ج لذلك فِي اللَّهِ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف الْمِحالِ هـ ط للآية وانقطاع النظم دَعْوَةُ الْحَقِّ ط يبالغه ط ضَلالٍ هـ وَالْآصالِ هـ وَالْأَرْضِ ط قُلِ اللَّهُ ط وَلا ضَرًّا ط وَالْبَصِيرُ هـ ط للعطف وَالنُّورُ ج لاحتمال أن يكون هذا الاستفهام بدلا عن الأوّل عَلَيْهِمْ ط الْقَهَّارُ هـ رابِياً ط مِثْلُهُ ط وَالْباطِلَ ط جُفاءً ج لاتفاق الجملتين مع كون «أما» للتفصيل فِي الْأَرْضِ ط الْأَمْثالَ هـ ط الْحُسْنى
стр. 2067
ط لَافْتَدَوْا بِهِ ط الْحِسابِ هـ لا جَهَنَّمُ ج الْمِهادُ هـ هُوَ أَعْمى ط الْأَلْبابِ هـ لا الْمِيثاقَ ط للعطف سُوءَ الْحِسابِ هـ ط الدَّارِ هـ لا لأن قوله:
جَنَّاتُ عَدْنٍ بدل من عُقْبَى مِنْ كُلِّ بابٍ هـ ج لحق المحذوف أي قائلين. عُقْبَى الدَّارِ ط فِي الْأَرْضِ لا سُوءُ الدَّارِ هـ وَيَقْدِرُ ط الدُّنْيا ط مَتاعٌ ز مِنْ رَبِّهِ ط أَنابَ هـ بِذِكْرِ اللَّهِ الأوّل ط الْقُلُوبُ هـ مَآبٍ هـ.
التفسير:
لما خوّف عباده بإنزال ما لا مردّ له أتبعه دلائل تشبه اللطف من بعض الوجوه والقهر من بعضها وهي أربعة: البرق والسحاب والرعد والصاعقة. وقد مر في أوّل سورة البقرة تفسير هذه الألفاظ وقول الحكماء في أسباب حدوثها. وانتصاب خَوْفاً وَطَمَعاً إما على الحال من البرق كأنه في نفسه خوف وطمع والتقدير ذا خوف وطمع، أو من المخاطبين أي خائفين وطامعين، وإما على أنه مفعول له على تقدير حذف المضاف أي إرادة خوف وطمع. وإنما وجب تقدير المضاف ليكون فعلا لفاعل الفعل المعلل كما هو شرط نصب المفعول له. ومعنى الخوف والطمع الخوف من وقوع الصواعق والطمع في نزول الغيث. وقيل: يخاف المطر من له فيه ضرر إما بحسب الزمان وإما بحسب المكان، فمن البلاد ما لا ينتفع أهله بالمطر كأهل مصر ويطمع فيه من له فيه نفع.
وعن ابن عباس أن اليهود سألت النبي عن الرعد فقال: ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب.
فعلى هذا الصوت المسموع هو صوت ذلك الملك الموكل المسمى بالرعد. وعن الحسن: خلق من خلق الله ليس بملك.
وعن النبي ﷺ : «إن الله ينشىء السحاب فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك فنطقه الرعد وضحكه البرق» .
وهذا غير مستبعد من قدرة الله وخصوصا عند من لا يجعل البنية شرطا في الحياة. وقيل: المضاف محذوف أي يسبح سامعو الرعد من العباد الراجين للمطر حامدين له أو متلبسين بسبحان الله والحمد لله.
وعن علي ﵁: سبحان من سبحت له.
وكان رسول الله ﷺ يقول إذا اشتد الرعد: «اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك» .
وقيل: معنى تسبيح الرعد أن هذا الصوت المخصوص لهوله ومهابته يدل على وجود إله قهار كقوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء: ٤٤] . قال في الكشاف: ومن بدع المتصوّفة الرعد صعقات الملائكة، والبرق زفرات أفئدتهم.
والمطر بكاؤهم. أما قوله: وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ أي ويسبح الملائكة من هيبته وجلاله فقد ذكر جمع من المفسرين أنه عنى بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد فإنه سبحانه جعل له أعوانا. قال ابن عباس: إنهم خائفون من الله لا كخوف ابن آدم فإن أحدهم لا يعرف من
стр. 2068
على يمينه ومن على يساره ولم يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء. وقالت الحكماء: إنما تتم الآثار العلوية بقوى روحانية فلكية، فللسحاب روح معين من الأرواح الفلكية يدبره وكذا القول في الرياح وفي سائر الآثار فهذا هو المراد بالملائكة في الآية.
قوله: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ قد عرفت أنها نار تتولد من السحاب وتنزل بقوّة شديدة فربما غاصت في البحر وأحرقت الحيتان. ووجه الاستدلال بها على الصانع أن النار حارة يابسة وطبيعة السحاب يغلب عليها الرطوبة والبرودة للأجزاء المائية فيه، وحصول الضد من الضد لا يكون بالطبع وإنما يكون بتدبير القادر المختار وتسخيره.
ولما بين دلائل كمال العلم في قوله: اللَّهُ يَعْلَمُ ودلائل كمال القدرة في هذه الآية قال: وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ لأن إنكار المدلول بعد وضوح الدليل جدال بالباطل وعناد محض، ويحتمل أن تكون الواو للحال أي فيصيب بها من يشاء في حال جدالهم ويؤكده ما
روي عن ابن عباس في رواية أبي صالح وابن جريج وابن زيد أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخا لبيد بن ربيعة أقبلا يريدان رسول الله ﷺ فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك. فقال: دعه فإن يرد الله به خيرا يهده. فأقبل حتى قام عليه فقال: يا محمد ما لي إن أسلمت؟ فقال: لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم. قال: تجعل لي الأمر بعدك. قال: لا ليس ذلك إليّ إنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء. قال: فتجعلني على الوبر وأنت على المدر. قال: لا. قال: فماذا تجعل لي؟ قال: أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها. قال: أوليس ذلك إليّ اليوم؟ وكان أوصى إلى أربد بن ربيعة إذا رأيتني أكلمه فدر عليه من خلفه فاضربه بالسيف. فجعل يخاصم رسول الله ويراجعه ويجادل في الله يقول أخبرني عن ربك أمن نحاس هو أم من حديد، فدار أربد خلف النبي ﷺ ليضربه فاخترط من سيفه شبرا ثم حبسه الله فلم يقدر على سله، وجعل عامر يومىء إليه فالتفت رسول الله ﷺ فرأى أربد وما يصنع بسيفه فقال:
اللهم أكفنيهما بما شئت فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صائف صاح فأحرقته وولى عامر هاربا وقال: يا محمد دعوت ربك فقتل أربد والله لأملأنها عليك خيلا جردا وفرسانا مردا. فقال رسول الله: يمنعك الله من ذلك وأبناء قيلة- يريد الأوس والخزرج- فنزل عامر بيت امرأة سلولية فلما أصبح ضم عليه سلاحه وخرج وهو يقول: واللات لئن أصحر إليّ محمد وصاحبه يعني ملك الموت لأنفذنهما برمحي فأرسل الله إليه ملكا فلطمه بجناحه فأذراه في التراب وخرجت على ركبته غدة في الوقت عظيمة فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول: أغدّة كغدة البعير وموت في بيت السلولية؟ ثم مات على ظهر فرسه وأنزل الله الآية
стр. 2069
في هذه القصة.
قوله: وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ معناه شديد المكر والكيد لأعدائه.
والمماحلة شدة المماكرة ومنه تمحل لكذا إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه، ومحل بفلان إذا كاده وسعى به إلى السلطان ومنه
الحديث: «اللهم اجعله- أي القرآن- لنا شافعا مشفعا ولا تجعله علينا ماحلا مصدّقا» .
ومنه سنة المحل لشدتها وصعوبة أمرها.
وأما عبارات المفسرين فقال مجاهد وقتادة: شديد القوّة. أبو عبيدة: شديد العقوبة.
الحسن: شديد النقمة. وقيل: شديد الحقد ومعناه راجع إلى إرادة إيصال الشر إلى مستحقه مع إخفاء تلك الإرادة عنه. ثم أثنى على نفسه بالحقية وشهد على الأصنام بالبطلان فقال: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ فأضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل كما تضاف الكلمة إلى الحق والمراد أنه سبحانه يدعى فيستجيب الدعوة إذا أراد فهو حقيق بأن يوجه إليه الدعاء لما في دعوته من الجدوى والنفع بخلاف ما لا فائدة في دعائه. وعن الحسن: الحق هو الله والمعنى له دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب ولهذا أجاب النبي ﷺ في الكافرين حين دعا عليهما. وعن ابن عباس: دعوة الحق قوله لا إله إلا الله.
وقيل: الدعوة العبادة فإن عبادته هي الحق والصدق وقد سلف تحقيق الحق في أوّل هذا الكتاب في تفسير البسملة. وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ أي الآلهة الذين يدعوهم أو يعبدهم الكفار من دون الله. لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إلا استجابة كاستجابة الماء من بسط يديه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه والماء جماد لا يشعر به. والحاصل أن الكفار وذلك الطالب كليهما مشترك في الخيبة لاشتراكهما في دعاء الجماد. وقيل: شبهوا في قلة جدوى دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فبسطهما ناشرا أصابعه فلا جرم لا يبلغ طلبته. ثم أكد خيبتهم بقوله: وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ في ضياع وذهاب عن المنفعة لأنهم إن دعوا الله لا يجيبهم لحقارة أمرهم عنده، وإن دعوا الآلهة لم تستطع إجابتهم.
ثم زاد في الثناء فقال: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فإن كان السجود بمعنى وضع الجبهة فذلك ظاهر في المؤمنين لأنهم يسجدون له طَوْعاً أي بسهولة ونشاط وَكَرْهاً أي على تعب واصطبار ومجاهدة، وأما في حق الكفار فمشكل ووجهه أن يقال: المراد حق له أن يسجد لأجله جميع المكلفين من الملائكة والثقلين فعبر عن الوجوب بالوقوع، وإن كان بمعنى الانقياد والخضوع والاعتراف بالإلهية وترك الامتناع عن نفوذ مشيئته فيهم فلا إشكال نظيره قوله: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [آل عمران: ٨٣] وقد مر في «آل عمران» أما قوله: وَظِلالُهُمْ فقد قال جمع من المفسرين
стр. 2070
كمجاهد والزجاج وابن الأنباري: لا يبعد أن يخلق الله للظلال أفهاما تسجد بها لله وتخضع له كما جعل للجبال أفهاما حتى اشتغلت بتسبيحه فظل المؤمن يسجد لله طوعا وهو طائع وظل الكافر يسجد لغير الله كرها ويسجد لله طوعا. وقال آخرون: المراد من سجود الظلال تقلصها وامتدادها بحسب ارتفاع الشمس وانحطاطها فهي منقادة مستسلمة لما أتاح الله لها في الأحوال. وتخصيص الغدوّ والآصال بالذكر لغاية ظهورها وازديادها في الوقتين.
ومعنى الغدو والآصال قد مر في آخر «الأعراف» . واعلم أنه سبحانه ذكر آية السجدة في النحل بعبارة أخرى فقال: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ [الآية: ٤٩] لأنه تقدم ذكر ما خلق الله على العموم ولم يكن فيه ذكر الملائكة ولا الإنس بالصريح فعمم ليشمل الإنس وصرح بالملائكة. وقال في «الحج» أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [الحج: ١٨] بتكرير «من» لأنه تقدم ذكر المؤمنين وسائر الأديان فقدم ذكر مَنْ فِي السَّماواتِ تعظيما لهم ولها وذكر من في الأرض لأنهم هم الذين تقدم ذكرهم. وأما في هذه السورة فقد تقدم ذكر العلويات من الرعد والبرق، ثم ذكر الملائكة وتسبيحهم، ثم انجر الكلام إلى ذكر الأصنام والكفار فبدأ في آية السجدة بذكر من في السموات والأرض وذكر الأرض تبعا ولم يذكر من فيها استخفافا بالكفرة وأصنافهم فتبين أنه أورد كل آية بما لاق بمقامها والله تعالى أعلم بمراده.
ثم أخبر عن التسخير بسؤال التقرير ردّا على عبدة الأصنام فقال: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وهذه حكاية لاعترافهم لأنهم كانوا يعترفون بأنه الإله الأعظم وهذا كما يقول المناظر لصاحبه: أهذا قولك؟ فإذا قال هذا قولي قال هذا قولك فيحكي إقراره استئنافا منه ثم يقول له: فيلزمك على هذا القول كيت وكيت وذلك قوله: قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ ويجوز أن يكون تلقينا لما ليسوا منكرين له. والهمزة في أَفَاتَّخَذْتُمْ للإنكار والمعنى أبعد أن علمتموه رب السموات والأرض اتخذتم مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ جمادات عجزة عن تحصيل المنافع والمضارّ لأنفسهم فضلا عن غيرهم. وموضع الإنكار أنهم جعلوا ما كان يجب أن يكون سبب التوحيد من العلم والإقرار سبب الإشراك، ثم جعلوا مع ذلك أخس الأشياء مكان أشرف الذوات وهذا جهل لا مزيد عليه فلهذا شبههم بالأعمى وشبه جهالاتهم بالظلمات وأنكر أن يكون شيء منهما مساويا لنقيضه فقال: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ جمع الظلمات ووحد النور لأن السبل المنحرفة غير محصورة والصراط المستقيم واحد. ثم أكد الإنكار المذكور بقوله:
أَمْ جَعَلُوا والمراد بل جعلوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خالقين مثل خلقه فَتَشابَهَ الْخَلْقُ أي خلق
стр. 2071
الله وخلقهم عَلَيْهِمْ أي ليس لهذه الشركاء خلق مثل خلق الله حتى يشتبه الأمر عليهم بل ليس لهم خلق أصلا بل كان ما سوى الله عاجز عن الخلق بدليل قوله: قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ المتوحد بالربوبية الذي لا يغالب وما عداه مربوب ومقهور.
قالت المعتزلة: للعبد فعل وتأثير ولكنا لا نقول إنه يخلق كخلق الله لأن العبد يفعل لجلب منفعة أو دفع مضرة والله تعالى منزه عن ذلك. وأجيب بأن المخالفة من بعض الوجوه لا تقدح في المماثلة من وجه آخر، فلو كان فعل العبد كالتحريك مثلا واقعا بقدرته لكان مثلا للتحريك الواقع بقدرة الله تعالى وهذا الإشكال وارد أيضا على من يثبت للعبد كسبا. ثم ضرب مثلا آخر للحق وذويه والباطل ومنتحليه فقال: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ أي مياهها والوادي الفضاء المنخفض عن الجبال والتلال الذي يجري فيه السيل. وقيل:
الوادي اسم للماء من ودى إذا سال، والمعنى سالت مياه. قال الفارسي: لا نعلم فاعلا جمع على «أفعلة» إلا هذا وكأنه حمل على «فعيل» فجمع على «أفعلة» كجريب وأجرية كما أن فعيلا حمل على فاعل فجمع على «أفعال» مثل يتيم وأيتام وشريف وأشراف كأصحاب وأنصار في صاحب وناصر. وقال غيره: نظير واد وأودية ناد وأندية. ومعنى التنكير في أودية أن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض. قال في الكشاف: معنى بِقَدَرِها بمقدارها الذي عرف الله أنه نافع للممطور عليهم بدليل قوله: وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ وقال الواحدي: معناه سالت مياه الأودية بقدر الأودية فإن صغر الوادي قل الماء وإن اتسع كثر الماء. والزبد هو الأبيض المرتفع المنتفخ على وجه السيل ونحوه. ومعنى رابِياً قال الزجاج: طافيا فوق الماء.
وقال غيره: زائدا بسبب انتفاخه من ربا يربو إذا زاد. ثم قال سبحانه إظهارا للكبرياء كما هو ديدن الملوك وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ «من» لابتداء الغاية أي ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء. أو للتبعيض بمعنى بعضه زبد مثله أراد به الأجسام المتطرقة المتفرقة الرابية.
والإيقاد على الشيء قسمان: أحدهما أن لا يكون ذلك الشيء في النار كالآجر في قوله:
فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ [القصص: ٣٨] والثاني أن يكون في النار كأنواع الفلز ولهذا قال هاهنا بزيادة لفظة فِي النَّارِ قال في الكشاف: فائدة قوله ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ مثل فائدة قوله بِقَدَرِها لأنه جمع بين الماء والفلز في النفع في قوله: وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ أي وأما ما ينفعهم به من الماء والفلز فذكر وجه الانتفاع بالفلز وهو اتخاذ الحلي من الذهب والفضة واتخاذ سائر أثاث البيت وأمتعته من الحديد والنحاس والرصاص والأسرب وما يتركب منها والمتاع كل ما تمتع به. كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ
стр. 2072
وَالْباطِلَ أي يضرب الأمثال للحق والباطل ومثله في آخر الآية فاختصر الكلام بأن حذف الأمثال من الأوّل والحق والباطل من الثاني تأكيدا للمقصود مع رعاية الاختصار. ثم شرع في تتميم المثل قائلا فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً نصب على الحال وهو اسم لما ينفيه السيل. يقال: جفأ الوادي بالهمزة جفأ إذا رمى بالقذر والزبد، وكذلك القدر إذا رمت بزبدها عند الغليان وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ حاصل المثل أن الوادي إذا جرى طفا عليه زبد وذلك الزبد يبطل ويبقى الماء النافع في العيون والآبار والأنهار، وكذا الأجساد المتطرقة إذا أديبت لأجل اتخاذ الحلي أو سائر الأمتعة انفصل عنها خبث وزبد فيبطل ويتلاشى ويبقى ذلك الجوهر المنتفع به أزمنة متطاولة. وتطبيق المثل على الحق والباطل أنه سبحانه أنزل من سماء الوحي ماء بيان القرآن فسالت أودية القلوب بقدرها فإن كل قلب إنما يحصل فيه من أنوار علم القرآن ما يليق بذلك القلب على قدر استعداده. ثم إنه يختلط بذلك البيان شكوك وشبهات ولكنها بالآخرة تضمحل ويبقى العلم واليقين، فزبد السيل والفلز مثل للباطل في سرعة اضمحلاله وانسلاخه من المنفعة، والماء والفلز الصافي مثل للحق في البقاء والانتفاع به.
ثم ذكر أحوال السعداء وتبعات الأشقياء فقال لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ أي فيما دعاهم إليه من التوحيد والنبوة والتكاليف الْحُسْنى أي المثوبة الحسنى وهي الجنة وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ مبتدأ آخر خبره الجملة الشرطية بعده. وقيل: إن الكلام متصل بما قبله أي يضرب الله الأمثال لهذين الفريقين. وقوله: الْحُسْنى صفة لمصدر استجابوا أي الاستجابة الحسنى. وقوله: لَوْ أَنَّ لَهُمْ كلام مبتدأ في ذكر ما أعدّ لغير المستجيبين ومن ذلك قوله أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ قال الزجاج: لأن كفرهم أحبط أعمالهم.
وقال غيره: سوء الحساب المناقشة فيه. وعن النخعي: هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر منه شيء. وقال الحكماء: هو ظهور آثار الملكات الردية والهيئات الذميمة على النفس ولم يكن قبل ذلك له شعور بها لاشتغاله بعالم الحس. وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ لأنهم أقبلوا على الدنيا وأعرضوا عن المولى فلا جرم إذا ماتوا فارقوا معشوقهم فأورثهم الحرمان والخسران والاحتراق بنار الفراق. ثم أنكر بعد هذه البيانات أن يسوّى بين الناقد والبصير والجاهل الضرير فقال أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أي أن الذي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى
القلب إِنَّما يَتَذَكَّرُ أي لا ينتفع بالأمثال إلا أُولُوا الْأَلْبابِ الذين يعبرون من القشر إلى الباب. ثم وصفهم بقوله: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ويجوز أن يكون نصبا على المدح وأن يكون مبتدأ خبره أُولئِكَ أما عهد الله فعن ابن عباس: هو المذكور في
стр. 2073
قوله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ [الأعراف: ١٧٢] وقيل: هو كل ما قام عليه دليل عقلي أو سمعي من الأفعال والتروك ولا عهد أوكد من الحجة بدليل أن من حلف على الشيء فإنما يلزمه الوفاء به إذا ثبت بالدليل جوازه وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ تأكيد للوفاء بالعهد بعبارة أخرى تلزم الأولى كقولك: لما وجب وجوده لزم أن يمتنع عدمه. وقيل:
الوفاء بعهد الله إشارة إلى ما كلف الله العبد به ابتداء، وعدم نقض الميثاق أراد به مما التزمه العبد بالنذر. وقيل: الوفاء بالعهد عهد الربوبية والعبودية والميثاق أعم لشموله كل ما وثقوه على أنفسهم وقبلوه من الإيمان بالله ومن سائر المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد، والوفاء بالعهد أمر مستحسن في العقول والشرائع كلها
قال ﷺ : «من عاهد الله فغدر كانت فيه خصلة من النفاق» «١»
وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ إفراد لما بينه وبين العباد بالذكر فقيل: المراد صلة الرحم. وقيل: هو مؤازة النبي ﷺ ومعاونته ونصرته في الجهاد. وقيل: رعاية جميع حقوق الناس بالشفقة عليهم والنصيحة في كل حال وكل حين ومن ذلك عيادة المريض وشهود الجنائز ومراعاة الرفقاء والجيران والخدم ومن يطيف به حتى الهرة والدجاجة وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وإن أتوا بكل ما قدروا عليه في باب التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله خوفا من وعيده كله وَيَخافُونَ خصوصا سُوءَ الْحِسابِ ويلزم ذلك أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا. وقيل: الخشية نوعان: خشية الجلال كالعبد إذا حضر بين يدي السلطان ومن ذلك خشية الملائكة يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل: ٥٠] وإلى هذا أشار بقوله: وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وخشية أن يقع في العبادة خلل أو نقص يوجب فسادها أو نقصان ثوابها. وإليه الإشارة بقوله: وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ.
وَالَّذِينَ صَبَرُوا عن المعاصي وعلى الطاعات وعلى المصائب ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ لا لأجل أن يقال ما أورعه وما أزهده وما أصبره وغير ذلك من الأغراض الفاسدة، وإنما يصبر على التكاليف لأنها أحكام المعبود الحق ويصبر على الرزايا لأنها قسمة قسام متصرف في ملكه كيف يشاء، أو لأنه مشغول بالمقدر والقاضي لا بالقدر والقضاء. وقد يرضى العاشق بالضرب والإيلام لالتذاذه بالنظر إلى وجه معشوقه فهكذا العارف يصبر على البلايا والمحن لاستغراقه في بحر العرفان وفيضان أنوار المعروف عليه. وَأَقامُوا
стр. 2074
الصَّلاةَ ولا يمتنع دخول النوافل فيها لقوله: «ما زال العبد يتقرّب إلي بالنوافل حتى أحببته» «١» . وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يتناول النفل لأنه في السر أفضل، والفرض لأنه في الجهر أفضل كما مر في أواخر سورة البقرة وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أي يدفعون بالتوبة وهي الخصلة الحسنة المعصية.
قال ﷺ لمعاذ بن جبل «إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها» «٢» .
وقيل لا يقابلون الشر بالشر وإنما يقابلونه بالخير كما روي عن الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا ظلموا عفوا، وإذا قطعوا وصلوا. وعن ابن عباس: يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيىء غيرهم. يروى أن شقيق بن إبراهيم البلخي دخل على عبد الله بن المبارك متفكرا فقال: من أين أتيت؟ قال: من بلخ.
فقال: وهل تعرف شقيقا؟ فقال: نعم. فقال: كيف طريقة أصحابه؟ فقال: إذا منعوا صبروا وإذا أعطوا شكروا فقال عبد الله: هكذا طريقة كلابنا، وإنما الكاملون الذين إذا منعوا شكروا وإذا أعطوا آثروا. وقيل: مراد الآية أنهم إذا رأوا منكرا أمروا بتغييره أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ عاقبة الدنيا وهي الجنة التي أرادها الله تعالى أن تكون مرجع أهلها.
والعقبى مصدر كالعاقبة ومثله البشرى والقربى، ويجوز أن يكون مضافا إلى الفاعل والمعنى أولئك لهم أن يعقب أعمالهم الدار التي هي الجنة. ومعنى جَنَّاتُ عَدْنٍ تقدم في سورة براءة وَمَنْ صَلَحَ معطوف على فاعل يَدْخُلُونَها ويجوز أن يكون مفعولا معه. قال ابن عباس: يريد من صدق بما صدقوا به وإن لم يعمل مثل أعمالهم. وقال الزجاج: بين أن الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال صالحة. قال الواحدي:
والأول أصح لأن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة فلو دخلوها بأعمالهم الصالحة لم يكن في ذلك كرامة للمطيع، ويمكن أن يوجه قول الزجاج بأن المقصود بشارة المؤمن بأن أهل الصلاح من أصوله وفصوله وأزواجه يجتمعون به في دار الثواب فقد يمكن أن يكونوا جميعا في الجنة ولا يجتمعون في موضع. ولقائل أن يقول: الدخول أعم من الاجتماع ولا دلالة للعام على الخاص فصح اعتراض الواحدي.
والآباء جمع أبوي كل واحد منهم فكأنه قيل: من آبائهم وأمهاتهم. وليس في الآية ما يدل على التمييز بين زوجه وزوجة ولعل الأولى من مات عنها أو ماتت عنه ويؤيده ما
روي عن سودة أنه لما هم رسول الله ﷺ بطلاقها قالت: دعني يا رسول الله أحشر في زمرة نسائك.
стр. 2075
قال ابن عباس: لهم خيمة من درة مجوّفة طولها فرسخ وعرضها فرسخ لها أبواب مصاريعها من ذهب يدخل عليهم الملائكة من كل باب يقولون لهم سلام عليكم بما صبرتم على أمر الله. وقال أبو بكر الأصم: من كل باب من أبواب البر كباب الصلاة وباب الزكاة وباب الصبر ويقولون: نعم ما أعقبكم الله بعد الدار الأولى. وهذا يناسب قول حكماء الإسلام: إن لكل مرتبة من مراتب الكمالات جوهرا قدسيا وروحا علويا يختص بتلك الصفة، فبعد المفارقة يفيض على النفس الكاملة من ملك الصبر كمال مخصوص، ومن ملك الشكر كذلك وعلى هذا القياس. وقد يستدل بالآية على أن الملك أفضل من البشر وإلا فلم يكن دخولهم على المؤمنين موجبا لتحيتهم وإكرامهم. ويمكن أن يجاب بأن وجه التكريم هو مجيئهم بإذن الله ومن عنده لا مجرد المجيء: والباء في قوله: بِما صَبَرْتُمْ يتعلق بالسلام. والمعنى إنما حصلت لكم هذه السلامة بواسطة صبركم على الطاعات وعن المحرمات. وقيل: يتعلق بمحذوف أي هذا الثواب بسبب صبركم أو بدل صبركم.
وروي عن النبي ﷺ أنه كان يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.
ثم أتبع أحوال السعداء أحوال الأشقياء وقد مر تفسيره في أوّل «البقرة» على أن الضد قد يعلم من الضد بسهولة وقد مر آنفا. وقوله: سُوءُ الدَّارِ في مقابلة عُقْبَى الدَّارِ كأن العاقبة لا تطلق إلا على العاقبة الحميدة كقوله وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: ١٢٨] لأن غير الحميدة لا تستأهل لأن تكون عاقبة.
وقال في الكشاف: المراد سوء عاقبة الدنيا ولا حاجة إلى هذا الإضمار بناء على ما قلنا. قال: ويجوز أن يراد بالدار جهنم وبسوئها عذابها ذكر أهل النظم أنه لما بين سوء حال الناقصين كان لقائل أن يقول: فما بالهم قد فتح الله عليهم أبواب الرزق في الدنيا فأجاب بقوله: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ والمراد أن الدنيا دار امتحان لا دار جزاء، فقد يتفق أن يكون الجاهل الكافر خليّ البال والعالم المؤمن رديّ الحال ولا تعلق لهذا المعنى بالكفر والإيمان. والتركيب للحصر أي هو وحده يوسع الرزق على من يشاء كأهل مكة ويَقْدِرُ أي يضيق ومعناه أنه يعطيه بقدر الضرورة وسد الرمق لا يفضل منه شيء وَفَرِحُوا يعني أهل مكة وأضرابهم بما بسط لهم من الدنيا فرح بطر وأشر لا فرح تحدث بنعمة الله وإظهارا لفضله عليهم وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا ونعيمها في جنب نعيم الآخرة إِلَّا مَتاعٌ شيء نزر يتمتع به أياما قلائل ثم بعد ذلك حسرات لا نهاية لها، ومثل هذا لا يوجب الفرح بل لا يجوّزه. ثم حكى نوعا آخر من قبائح الكفرة فقال: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ وقد مر مثله في هذه السورة وذكرنا أنه ليس بتكرار
стр. 2076
محض إلا أن قوله في جوابهم قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ أقبل على الحق وحقيقته دخل في نوبة الخير فيه غموض. وأجيب بأنه يجري مجرى التعجب كأنه قيل: ما أعظم عنادكم بعد ما أنزلت من الآيات الباهرة أن الإضلال والهداية من الله، أو المراد لا تشتغلوا بطلب الآيات ولكن تضرعوا إلى الله في طلب الهدايات فإن الذي أضله الله يرى الآية سحرا، والذي هداه يراها معجزة. وقال الجبائي: المعنى إن الله يضل من يشاء عن طريق الصواب ويهدي إليه أقواما آخرين فلولا أنكم تستحقون العقاب لهداكم لهداكم إلى الصواب بإنزال ما اقترحتموه. وقيل: المراد أنه تعالى أنزل آيات ظاهرة ولكن الإضلال والهداية من الله فلو شاء لهداكم فلا فائدة في تكثير المعجزات الَّذِينَ آمَنُوا بدل ممن أناب وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ عن ابن عباس: يريد إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت. والاطمئنان بآيات الوعد لا ينافي الوجل من آيات الوعيد حيث قال إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال: ٢] أو المراد أن علمهم بكون القرآن معجزا يوجب حصول الطمأنينة لهم بأنه سبحانه واحد لا شريك له صادق في وعده ووعيده وبأن محمدا نبي حق أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ التحقيق فيه أن الإنسان متوسط الرتبة بين عالم الأرواح وعالم الأجساد، فإذا توجه إلى عالم الجسد اشتاق إلى التصرف فيه فيظهر له هناك أمور ضرورية في التعيش أدونها ليس بأهون من خرط القتاد فيتوزع فكره وتضطرب أحواله، أما إذا توجه إلى عالم الروح فإنه يزول الاضطراب ويتوحد المطلب ويحصل الاستغراق في بحر العرفان والاستنارة بنور الإيقان، ومن وقع في لجة البحر لا يبالي أين وقع:
أنا الغريق فما خوفي من البلل وقيل: إن الإكسير إذا وقعت منه ذرة على النحاس انقلب ذهبا صافيا باقيا على كر الدهور، فإكسير جلال الله إذا وقع في القلب السليم كيف لا يقلبه جوهرا صافيا نورانيا آمنا من التغير والزوال الَّذِينَ آمَنُوا مبتدأ خبره طُوبى لَهُمْ وجوّز في الكشاف أن يكون بدلا على حذف المضاف أي قلوب الذين آمنوا. وطُوبى مصدر من طاب يطيب كبشرى وواو منقلبة عن ياء لضمة ما قبلها واللام للبيان مثل «سقيا لك» . والمعنى طيب لهم على الدعاء أو الخبر. عن ابن عباس: فرح وقرة عين. الضحاك: غبطة لهم. قتادة:
حسنى لهم. الأصم: خير وكرامة. الزجاج: عيش طيب. والكل متقارب والعبارة الجامعة أن أطيب الأشياء في كل الأمور حاصل لهم. وقيل: طوبى شجرة في الجنة. حكى الأصم أن أصلها في دار النبي ﷺ وفي دار كل مؤمن منها غصن.
روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «طوبى شجرة غرسها الله بيده تنبت الحلي والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور
стр. 2077
الجنة»
وعن بعضهم أن طوبى هي الجنة بالحبشية والمآب المرجع.
التأويل:
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ برق أنوار الجلال فيغلب عليكم خوف الانقطاع واليأس، ويريكم برق أضواء الجمال فيغلب عليكم طمع الوصل ورجاء الاستئناس وَيُنْشِئُ السَّحابَ النوال والأفضال الثِّقالَ بمطر القبول والإقبال وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ وهو الملك المخلوق من نور الهيبة والجلال فتقع الهيبة في قلوب الخلق كلهم حتى الملائكة فيسبحون من خيفته، ويرسل صواعق القهر فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ من أهل الخذلان فيحرق حسن استعدادهم في قبول الإيمان. ومن نتائج ذلك أنهم يجادلون في ذات الله وفي صفاته كالفلاسفة الذين لا يتابعون الأنبياء والشرائع، وكبعض المتكلمين من أهل الأهواء والبدع لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ أي دعوته حق لمن دعاه فيستجيبه كما قالت السموات والأرض أتينا طائعين وأيضا له دعاة يدعون الخلق بالحق إلى الحق وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ أي بغير الحق لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إذ لا يؤثر في الخلق نصحهم كمن يبسط يده إلى الماء إراءة إلى الحق أنه يريد شربه وَما هُوَ بِبالِغِهِ فلا يستجابون على الحقيقة وإن استجيبوا في الظاهر لأنهم استجابوا لهم على الهوى كما دعوا إلى الحق بالهوى يدل عليه قوله: وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الملائكة وأرواح الأنبياء والأولياء والصلحاء طَوْعاً ومن أرواح الكافرين والمنافقين والشياطين كَرْهاً بالتذليل والتسخير تحت الأحكام والتقدير وَظِلالُهُمْ أي نفوسهم فإن النفوس ظلال الأرواح، وليس السجود من شأنها لأنها أمارة بالسوء إلا ما رحم الرب فإنها تسجد بتبعية الروح. معنى آخر: ولله يسجد من في سموات القلوب من صفات القلوب والأرواح والعقول، طوعا ومن في أرض النفوس من صفات النفس والقوى الحيوانية والسبعية والشيطانية كرها، وظلالهم وهي آثارها ونتائجها. آخر: ولله يسجد الأرواح في الحقيقة وظلالهم وهي أجسادهم بالتبعية، وهذا السجود بمعنى وضع الجبهة، وخص الوقتان بالذكر لأن آثار القدرة فيهما أكثر، وإن أريد الانقياد والتسخير احتمل أن يراد بالوقتين وقتا الانتباه والنوم، ففي الأول تطلع شمس الروح من أفق الجسد، وفي الثاني تغرب فيه أنزل من سماء القلوب ماء المحبة. فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ النفوس فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً من الأخلاق الذميمة النفسانية والحيوانية، أو أنزل من سماء الأرواح ماء مشاهدة أنوار الجمال فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ القلوب فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً من الأوصاف البشرية، أو أنزل من سماء الأسرار ماء كشوف الجمال فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ الأرواح فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً من أنانية الروحانية، أو أنزل من سماء الجبروت ماء تجلي صفات
стр. 2078
الألوهية فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ الأسرار بقدرها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زبد الوجود المجازي وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ من البقاء في نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة فلا تبقي ولا تذر وهي التذكية بالفناء ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ وهي التحلية بالبقاء الحقيقي أَوْ مَتاعٍ وهو التمتع به زَبَدٌ مِثْلُهُ مثل زبد البشرية وهو زبد المعرفة والتوحيد فَأَمَّا الزَّبَدُ في الأحوال كلها فَيَذْهَبُ جُفاءً بالفناء وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ من البقاء بالله فَيَمْكُثُ فِي أرض الوحدة المستعدة لقبول الفيض الإلهي. لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وهي العناية الأزلية التي الاستجابة من نتائجها كقوله: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى [الأنبياء: ١٠١] وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ حين دعاهم للوصول والوصال لو حصل لهم ما في أرض البشرية من أنواع اللذات والحظوظ وأضعافها لجعلوه فداء ألم عذاب القطيعة. وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ أي انفصلوا عما سواه ليتصلوا به سِرًّا بالانقطاع عما يشغل بواطنهم وَعَلانِيَةً بالانفصال عما يشغل ظواهرهم وَيَدْرَؤُنَ بالأعمال والأحوال الحسنة في صدق الطلب الأحوال السيئة من الوقائع والفترات وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ تبركا وتيمنا بهم تبعا لهم من كل باب دخلوه بالاستقلال على أقدام السير بالله إلى الله سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ عن غير الله وعلى صدق الطلب أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ القلوب أربعة: قلب قاس كقلوب الكفار والمنافقين فاطمئنانه بالدنيا وشهواتها رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، وقلب ناس وهو قلب المسلم المذنب كقوله: فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: ١١٥] فاطمئنانه بالتوبة فتاب عليه وهدى، وقلب مشتاق وهو قلب المؤمن فاطمئناته بذكر الله كما في الآية. وقلب وحداني وهو قلب الأنبياء وخواص الأولياء فاطمئنانه بالله وصفاته كقول الخليل ﷺ وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠] أي بتجلي صفات الأحياء، وإذا صار القلب مطمئنا انعكس نور
الاطمئنان من مرآة قلبه على نفسه فتصير مطمئنة أيضا فيستحق بجذبات العناية لخطاب ارْجِعِي [الفجر: ٢٨] ثم أشار إلى أنّ الاطمئنان ثمرة غرس شجرة الإيمان والعمل الصالح في أرض القلب فقال:
الَّذِينَ آمَنُوا الآية. فالإشارة بطوبى إلى حقيقة شجرة «لا إله إلا الله» مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة ولم يكن إلا في قلب النبي ﷺ وبتبعيته في قلوب المؤمنين ولهذا
قال ﷺ : «طوبى شجرة أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة» .
فافهم.
[سورة الرعد (١٣) : الآيات ٣٠ الى ٤٣]
كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ (٣٠) وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٣١) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٣٢) أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٣٤)
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ (٣٥) وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ (٣٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ (٣٨) يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (٣٩)
وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (٤٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤١) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٤٣)
стр. 2079
القراآت:
متابي وعقابي ومآبي بالياء في الحالين: يعقوب والسرنديبي عن قنبل وافق سهل وعباس في الوصل بَلْ زُيِّنَ ونحوه بالإدغام: علي وهشام وَصُدُّوا بضم الصاد وكذا في «حم المؤمن» : عاصم وحمزة وعلي وخلف ويعقوب.
الباقون بفتحها. وَيُثْبِتُ مخففا من الإثبات: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم. الآخرون بالتشديد من التثبيت الكافر لمن على التوحيد: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير. الباقون الْكُفَّارُ على الجمع.
الوقوف:
بِالرَّحْمنِ ط إِلَّا هُوَ ج لانقطاع النظم مع اتحاد القائل. مَتابِ ٥ الْمَوْتى ط لأن جواب «لو» محذوف أي لكان هذا القرآن. جَمِيعاً ط في الموضعين وَعْدُ اللَّهِ ط الْمِيعادَ هـ أَخَذْتُهُمْ ج للاستفهام مع الفاء عِقابِ هـ بِما كَسَبَتْ ج لحق الخبر المحذوف التقدير كمن ينفع ولا يضر، ولأن قوله: وَجَعَلُوا يصلح استئنافا أو حالا بإضمار «قد» شُرَكاءَ ط سَمُّوهُمْ ط لحق الاستفهام مِنَ الْقَوْلِ
стр. 2080
ط عَنِ السَّبِيلِ هـ هادٍ هـ أَشَقُ
ج لاتفاق الجملتين مع النفي في الثانية واقٍ
هـ الْمُتَّقُونَ هـ ط لأن التقدير فما يتلى عليك مثل الجنة وللوصل وجه يذكر في التفسير .
الْأَنْهارُ ط وَظِلُّها ط اتَّقَوْا ق قد قيل: والوصل أجوز لأن الجمع بين بيان الحالين أدل على الانتباه النَّارُ هـ بَعْضَهُ ط وَلا أُشْرِكَ بِهِ ط مَآبِ هـ عَرَبِيًّا ط الْعِلْمِ لا لأن ما بعده جواب. واقٍ هـ وَذُرِّيَّةً ط بِإِذْنِ اللَّهِ ط كِتابٌ هـ وَيُثْبِتُ ج والوصل أجوز لتمام مقصود الكلام الْكِتابِ هـ الْحِسابُ هـ أَطْرافِها ط لِحُكْمِهِ ط الْحِسابِ هـ جَمِيعاً ط كُلُّ نَفْسٍ ط الدَّارِ هـ مُرْسَلًا ط وَبَيْنَكُمْ ط للعطف الْكِتابِ هـ.
التفسير:
عن ابن عباس والحسن أَرْسَلْناكَ كما أرسلنا الأنبياء قبلك فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ وقال آخرون: معنى التشبيه كما أرسلنا إلى أمم وآتيناهم كتبا تتلى عليهم كذلك آتيناك هذا الكتاب وأنت تتلوه عليهم فلم اقترحوا غيره؟ وقال في الكشاف:
معناه مثل ذلك الإرسال أرسلناك يعني أرسلناك إرسالا له شأن وفضل على سائر الإرسالات. ثم فسر كيف أرسله فقال: فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ كثيرة فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء. ثم ذكر مقصود الإرسال فقال لِتَتْلُوَا أي لتقرأ عَلَيْهِمُ الكتاب العظيم الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ وحال هؤلاء أنهم يكفرون بِالرَّحْمنِ للمفسرين خلاف في تخصيص لفظ الرحمن بالمقام فقال جار الله: المراد كفرهم بالبليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء وما بهم من نعمة فمنه، فكفروا بنعمته في إرسال مثلك إليهم وإنزال مثل هذا القرآن المعجز المصدق لسائر الكتب عليهم.
وعن ابن عباس في رواية الضحاك: نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي ﷺ : اسجدوا للرحمن فقالوا وما الرحمن؟
فقيل للنبي ﷺ : قُلْ لهم إن الرحمن الذين أنكرتم معرفته هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الواحد القهار المتعالي عن الشركاء. عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ في نصرتي عليكم وَإِلَيْهِ مَتابِ رجوعي فيثيبني على مصابرتكم.
وقيل: نزلت في صلح الحديبية حين أرادوا كتاب الصلح فقال رسول الله ﷺ لعلي ﵇: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل بن عمرو والمشركون: ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة- يعنون مسيلمة الكذاب- اكتب باسمك اللهم وهكذا كان أهل الجاهلية يكتبون. فأنزل الله الآية.
فعلى هاتين الروايتين كان الذم متوجها على كفرهم بإطلاق هذا الاسم على غير الله تعالى لا على جحودهم أو إشراكهم.
روي أن أهل مكة قعدوا في فناء الكعبة فأتاهم رسول الله ﷺ وعرض عليهم الإسلام فقال له رؤساؤهم- كأبي جهل وعبد الله بن أمية المخزومي- سير
стр. 2081
لنا جبال مكة حتى ينفسح المكان علينا واجعل لنا فيها أنهارا نزرع فيها، وأحي لنا بعض أمواتنا لنسألهم أحق ما تقوله أم باطل فقد كان عيسى يحيي الموتى، أو سخر لنا الريح حتى نركبها ونسير في البلاد فقد كانت الريح مسخرة لسليمان ولست بأهون على ربك منه فنزل قوله: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ
عن مقارها وأزيلت عن مراكزها أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أي وقع به السير في البلاد فوق المعتاد شبه طي الأرض أو شققت فجعلت أنهارا وعيونا أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بعد إحيائهم به لكن هذا القرآن.
قال الراوي: لما سري عن رسول الله ﷺ بعد نزول هذا الوحي قال: والذي نفسي بيده لقد أعطاني ما سألتم ولو شئت لكان ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم ثم إن كفرتم يعذبكم عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين فاخترت باب الرحمة.
وقال الزجاج: معناه ولو أن قرآنا وقع به تسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتى أي تنبيههم لما آمنوا به كقوله: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ [الأنعام: ١١١] الآية. وقال في الكشاف: هذه الآية لبيان تعظيم شأن القرآن. ومعنى تقطيع الأرض تصدعها كقوله ولَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً [الحشر: ٢١] ونقل في الكشاف عن الفراء أن الآية تتعلق بما قبلها والمعنى وهم يكفرون بالرحمن.
وبمدلول هذا الكلام وهو قوله: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ وما بينهما اعتراض. ثم قال ردا عليهم بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً قال أهل السنة: يعني إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ولا اعتراض لأحد عليه. وقالت المعتزلة: له القدرة على الآيات التي اقترحتموها إلا أن علمه بأن إظهارها مفسدة يصرفه، أوله أن يلجئهم إلى الإيمان إلا أنه بنى أمر التكليف على الاختيار. قالوا: ويعضده قوله: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ مشيئة الإلجاء لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً أولو يشاء لهداهم إلى الجنة، أو المراد نفي العموم لا عموم النفي وذلك أنه ما شاء هداية الأطفال والمجانين. أجاب أهل السنة بأن كل هذا خلاف الظاهر.
ومعنى أَفَلَمْ يَيْأَسِ أفلم يعلم. وهذا لغة قوم من النخع. وقال الزجاج: إنه مجاز لأن اليائس عن الشيء عالم بأنه لا يكون نظيره استعمال الرجاء في معنى الخوف، والنسيان في معنى الترك لتضمنهما إياهما، ويؤيده قراءة علي ﵇ وابن عباس وجماعة أفلم يتبين وهو تفسير أَفَلَمْ يَيْأَسِ. وقيل: إن قراءتهم أصل والمشهورة تصحيف وقع من جهة أن الكاتب كتبه مستوي السينات. وهذا القول سخيف جدا والظن بأولئك الثقات الحفظة غير ذلك ولهذا قال في الكشاف: هذه والله فرية ما فيها مرية.
وجوز أن يتعلق أَنْ لَوْ يَشاءُ ب آمَنُوا معناه أفلم يقنط من إيمان هؤلاء الكفرة الذين
стр. 2082
آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا. ثم أوعد الكافرين بقوله: وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني عامة الكفار تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا من كفرهم وسوء أعمالهم قارِعَةٌ داهية تقرعهم من السبي والقتل أَوْ تَحُلُّ القارعة قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ فيتطاير إليهم شررها. حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ وهو إسلامهم أو موتهم أو القيامة. وقيل: خاصة في أهل مكة، وكان رسول الله ﷺ لا يزال يبعث السرايا حول مكة فتغير عليهم وتختطف منهم، وعلى هذا احتمل أن يكون قوله: أَوْ تَحُلُّ خطابا أي تحل أنت يا محمد قريبا من دارهم بجيشك كما في يوم الحديبية حتى يأتي وعد الله وهو فتح مكة، وكان قد وعده الله الفتح عموما وخصوصا وكان كما وعد وكان معجزا إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ قد مر البحث في أول سورة آل عمران ثم ازداد في الوعيد فقال: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ الآية. والإملاء الإمهال وقد مر هناك. والاستفهام في قوله: فَكَيْفَ كانَ عِقابِ للتقرير والتهديد. ثم أورد على المشركين ما يجري مجرى الحجاج والتوبيخ والتعجب من عقولهم فقال: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ومعنى القائم الحفيظ والرقيب أي الله العالم بكل المعلومات القادر على كل الممكنات كمن ليس كذلك. وجوز في الكشاف أن يقدر الخبر بحيث يمكن عطف وجعلوا عليه التقدير: أفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه وجعلوا له شركاء فيكون قوله: «لله» من وضع الظاهر مقام الضمير، وذكر السيد صاحب حل العقد أنه يجوز أن يجعل الواو في قوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ للحال ويضمر للمبتدأ خبر يكون المبتدأ معه جملة مقررة لإنكار ما يقارنها من الحال والتقدير: أفمن هو قائم على كل نفس موجود والحال أنهم جعلوا له شُرَكاءَ فأقيم الظاهر مقام المضمر كما قلنا تقريرا للإلهية وتصريحا بها وإنه هو الذي يستحق العبادة وحده وهذا كما تقول معطي الناس ومغنيهم موجود ويحرم مثلي. ثم زاد في المحاجة فقال: قُلْ سَمُّوهُمْ أي جعلتم له شركاء فسموهم له من هم وأنبئوه بأسمائهم. وإنما يقال ذلك في الشيء المستحقر الذي لا يستحق أن يلتفت إليه فيقال: سمه إن شئت يعني أنه أخس من أن يسمى ويذكر، ولكنك إن شئت أن تضع له اسما فافعل. وقيل: المراد سموهم بالآلهة على سبيل التهديد.
قال في الكشاف: «أم» في قوله أَمْ تُنَبِّئُونَهُ منقطعة كقولك للرجل قل لي من زيد أم هو أقل من أن يعرف. أقول: وذلك لأنه لا شيء محض إذ لو كان الشريك موجودا وهو أرضيّ لتعلق به علم العالم بالذات المحيط بجميع السفليات ونحوه قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ [يونس: ١٨] وقد مر في أول «يونس» . ثم أكد هذا المعنى بقوله: أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ أي بل أتسمونهم شركاء بظاهر من الكلام من غير أن يكون له حقيقة
стр. 2083
كقوله: ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها [يوسف: ٤٠] وهذا الاحتجاج من أعاجيب الأساليب التي اختص بها القرآن الكريم المعجز فلله در شأن التنزيل. ثم بين سوء طريقتهم فقال: بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ قال الواحدي: معنى «بل» هاهنا كما يقال دع ذكر الدليل فإنه لا فائدة فيه إنه كذا وكذا. والكلام في أن المزين هو الله تعالى أو غيره قد مر في أول سورة آل عمران، وكذا البحث فيمن قرأ وَصُدُّوا بضم الصاد، وأما من قرأ بالفتح فيحتمل أن يكون لازما أي أعرضوا عنه، ويحتمل أن يكون متعديا أي صرفوا غيرهم. والخلاف في قوله: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ تقدم في مواضع منها آخر الأعراف ثم عاد إلى الإيعاد فقال: لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
من القتل والقتال واللعن والذم لا المصائب والأمراض لأنها قد تصيب المؤمنين أيضا، ولأنها مأمور بالصبر عليها والعقاب لا يكون كذلك وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُ
لأنه أشد وأدوم وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ
أي من عذابه مِنْ واقٍ
من حافظ أو ما لهم من جهة الله واق أي دافع ومانع من رحمته بل إنما يمنع رحمته منهم باختياره وحكمه. ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: مَثَلُ الْجَنَّةِ وتقديره عند سيبويه فيما قصصنا عليكم في الجنة. وقال غيره: الخبر تَجْرِي كما تقول صفة زيد أسمر. وقال الزجاج: إنه تمثيل للغائب بالشاهد ومعناه مثل الجنة جنة تجري من تحتها الأنهار. وقيل: إن فائدة الخبر ترجع إلى قوله: أُكُلُها دائِمٌ كأنه قال مثل الجنة الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كما تعلمون من حال جناتكم إلا أن هذه أُكُلُها دائِمٌ كقوله: لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ [الواقعة: ٣٣] . وَظِلُّها دائم أيضا. والمراد أنه لا حر هناك ولا برد ولا شمس ولا قمر ولا ظلمة، وقد مر هذا البحث في سورة النساء في قوله: وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا [الآية: ٥٧] قيل: في الآية دلالة على أن حركات الجنة لا تنتهي إلى سكون دائم كما يقوله أبو الهذيل وأتباعه. قال القاضي: وفيها دليل على أن الجنة لم تخلق بعد وإلا انقطع أكلها لقوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ [الرحمن: ٢٦] ، كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: ٨٨] قال: ولم ننكر أن تحصل الآن في السموات جنات تتمتع بها الملائكة ومن يعد حيا من الأنبياء والشهداء وغيرهم إلا أن جنة الخلد خاصة إنما تخلق بعد الإعادة. وأجيب بأنا نخصص عموم كل شيء هالك بالدليل الدال على أن الجنة مخلوقة وهو قوله: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٣] .
ثم ذكر عقائد الفرق في شأن القرآن المتلو فقال: وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ قيل:
أراد بالكتاب القرآن يعني أن المسلمين يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ من الشرائع والعلوم وَمِنَ الْأَحْزابِ الجماعات من اليهود والنصارى وغيرهم مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ لأنهم كانوا
стр. 2084
لا ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام المطابقة لشرائعهم وعقائدهم، وإنما أنكروا ما يختص به الإسلام من نعت الرسول وغيره قاله الحسن وقتادة. واعترض عليه بأن أهل الإسلام فرحهم بنزول القرآن معلوم فلا فائدة في ذكره. ويمكن أن يقال: المراد زيادة الفرح والاستبشار بما فيه من العلوم والفوائد وأنهم يتلقون نزول الوحي بالبشر والطلاقة لا بالتثاقل والجهالة. وقيل: الكتاب التوراة والإنجيل، والمراد من أسلم من اليهود كعبد الله بن سلام وكعب ومن أسلم من النصارى وهم ثمانون رجلا: أربعون بنجران، واثنان وثلاثون بأرض الحبشة، وثمانية من أهل اليمن، فرحوا بالقرآن لأنهم آمنوا به وصدقوه، والأحزاب بقية أهل الكتاب والمشركون قاله ابن عباس. وقال مجاهد: أراد أن اليهود والنصارى كلهم يفرحون بما أنزل إليك لأنه مصدق لما معهم، ومن سائر الكفرة من ينكر بعضه. واعترض بأنهم كلهم لا يفرحون بكل ما أنزل إلى رسولنا. وقوله: بِما أُنْزِلَ يفيد العموم. وأجيب بالمنع من أن ما يفيد العموم لصحة الاستثناء ولصحة إدخال كل عليه ولا تكرير وإدخال بعض ولا نقص. ثم لما بين عقائد الفرق أمر نبيه بأن يصرح بطريقته فقال: قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ ما أمرت إلا بعبادته وعدم الإشراك به ويندرج فيه جميع وظائف العبودية. ثم ذكر أنه مع كماله مكمل فقال: إِلَيْهِ أَدْعُوا خصه بالدعاء إلى عبوديته دون غيره كائنا من كان. ثم ختم بذكر المعاد فقال وَإِلَيْهِ مَآبِ لا مرجع لي إلا إليه. ومن تأمل في هذه الألفاظ عرف أنها مع قلتها مشتملة على حاصل علوم المبدأ والوسط والمعاد. ثم ذكر بعض فضائل القرآن وأوعد على الإعراض عن اتباعه فقال: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ الضمير يعود إلى ما في قوله: بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ أو إلى القرآن في قوله: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً ووجه التشبيه كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم كذلك أنزلنا إليك هذا القرآن. وقال في الكشاف: معناه ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مأمورا فيه بعبادة الله وتوحيده والدعوة إليه وإلى دينه والإنذار بدار الجزاء حُكْماً عَرَبِيًّا نصب على الحال أي حكمة مترجمة بلسان العرب. وقيل: سمي حكما لأنه حكم على جميع المكلفين بقبوله والعمل به، أو لأنه اشتمل على أصول الأحكام والشرائع فجعل نفس الحكم للمبالغة.
روي أن الكفار كانوا يدعون رسول الله ﷺ إلى أمور ليوافقهم فيها منها: أن يصلي إلى قبلتهم بعد ما حوله الله عنها فأوعد على ذلك.
وعن ابن عباس: الخطاب له والمراد أمته وقد مر الوجوه في مثله في أوائل سورة البقرة.
قال الكلبي: عيرت اليهود رسول الله ﷺ وقالت: ما نرى لهذا الرجل همة إلا النساء والنكاح. ولو كان نبيا كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء فأنزل الله تعالى: وَلَقَدْ
стр. 2085
أَرْسَلْنا الآية.
وفيه أن الرسل كانوا من جنس البشر لا من جنس الملك وما كان لهم نقص من قبل الزواج والولاد فقد كان لسليمان ثلاثمائة امرأة منكوحة وسبعمائة سرية، ولداود مائة، وذراري يعقوب أكثر من أن تحصى، وكانوا يقترحون الآيات فأجاب الله تعالى عنه بقوله: وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ولا بد لكل نبي من معجز واحد والزائد على ذلك بل أصل النبوة وتعيين المعجز الواحد مفوض إلى مشيئته سبحانه ولا حكم لأحد عليه، وكان رسول الله ﷺ يخوفهم بنزول العذاب وظهور نصرة الإسلام وذويه فكانوا يكذبونه ويستبطئون موعده فأجيبوا بقوله: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ أي لكل وقت حكم مكتوب وحادث معين لا يتأخر ذلك الحكم والحادث عنه ولا يتقدم عليه. وقيل:
هذا على القلب أي لكل مكتوب وقت معين. والتحقيق أنه لا حاجة إلى ارتكاب القلب لأن المعية تقتضي التلازم وكانوا ينكرون النسخ في الشرائع وفي التكاليف فنزل: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ أي يثبته فاستغنى بالصريح عن الكناية. والمحو ذهاب أثر الكتابة ونحوها. وفي الآية قولان: الأول
أنها عامة وأنه سبحانه يمحو من الرزق ويزيد فيه وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر وهو مذهب عمر وابن مسعود، وقد رواه جابر عن رسول الله ﷺ .
والذاهبون إليه كانوا يدعون ويتضرعون إلى الله في أن يجعلهم سعداء إن كانوا أشقياء وهذا لا ينافي
قوله: «جف القلم» «١»
لأن المحو والإثبات أيضا من جملة ما قضى به. الثاني أنها خاصة في بعض الأشياء فقيل: أراد نسخ حكم وإثبات آخر مكانه وقد مر تمام البحث في النسخ في «البقرة» في قوله: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ [الآية: ١٠٦] . وقيل: يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة لأنهم مأمورون بكتب كل قول وفعل ويثبت غيره. واعترض الأصم عليه بأنه ينافي قوله تعالى مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها [الكهف: ٤٩] وأجاب القاضي بأن المراد صغائر الذنوب وكبائرها. ورد بأن هذا اصطلاح المتكلمين والمفهوم اللغوي أعم فيتناول المباحات أيضا. وقيل: يمحو بالتوبة ما يشاء من الكفر والمعاصي ويثبت بدلها الحسنة كقوله: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [الفرقان: ٧٠] . وقيل: يثبت في أول السنة أحكام تلك السنة فإذا مضت السنة محيت ويثبت كتاب آخر للمستقبل.
وقيل: يمحو نور القمر ويثبت نور الشمس أو يمحو الدنيا ويثبت الآخرة. أما قوله:
وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ أي أصله فقيل: هو اللوح المحفوظ.
عن النبي ﷺ : «كان الله ولا
стр. 2086
شيء ثم خلق اللوح المحفوظ وأثبت فيه أحوال جميع الخلق إلى يوم القيامة»
فعلى هذا عند الله كتابان: أحدهما اللوح المحفوظ وإنه لا يتغير، وثانيهما الذي تكتبه الملائكة على الخلق وهو محل المحو والإثبات.
روى أبو الدرداء عن النبي ﷺ : «إن الله سبحانه في ثلاث ساعات بقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء» .
وقيل: هو علم الله تعالى المتعلق بجميع الموجودات والمعلومات وإنه لا يتغير ولا يتبدل بتغير المتزمنات وتبدلها، وقد مر تحقيقه في مواضع.
ولما بين كيفية انطباق الحوادث على أوقاتها قال: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ يعني كيفما دارت الحال أريناك مصارعهم وما وعدناهم من العذاب أو توفيناك قبل ذلك، فليس يجب عليك إلا التبليغ وما حسابهم وما جزاؤهم إلا علينا. والبلاغ بمعنى التبليغ كالسلام والكلام. ثم ذكر أن آثار حصول تلك المواعيد وأماراتها قد ظهرت وقربت وأن تباشير الظفر قد طلعت ولاحت فقال: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ يعني إتيان القهر والغلبة بدليل نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها والأرض أرض مكة كان المسلمون ينالون من أهاليها ونواحيها في البعوث والسرايا والجيوش، والآن صارت الأرض أعم وأشمل ولله الحمد على إعلاء شأن المسلمين زاده الله علوا، فلا يزال ينقص شيء من ديار الكفر ويريد في بلاد الإسلام.
ونقل عن ابن عباس أن المراد بنقص أطراف الأرض موت أشرافها وكبرائها وعلمائها وصلحائها. قال الواحدي: الأليق بالمقام هو القول الأول. وقد يوجه الثاني بأنه أراد أنهم إذا شاهدوا هذه التغيرات فما الذي يؤمنهم أن يقلب الله عليهم الأمر فيجعلهم أذلة مغلوبين بعد أن كانوا أعزة غالبين. ثم أكد هذا المعنى بقوله: وَاللَّهُ يَحْكُمُ ومحل لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ نصب على الحال والمعقب الذي يكر على الشيء فيبطله وذلك أنه يعقبه بالرد والإبطال فكأنه قيل: والله يحكم نافذا حكمه. وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ عن ابن عباس: هو سريع الانتقام فيعاقبهم في الدنيا ثم في الآخرة. ثم سلى نبيه ﷺ بقوله: وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ برسلهم كنمرود بإبراهيم وفرعون بموسى واليهود بعيسى. فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً. قال الواحدي: لأن مكر جميع الماكرين بتخليقه وإرادته ولأنه لا يضر إلا بإذنه ولا يؤثر إلا بتقديره. وقالت المعتزلة: إنه جعل مكرهم كلا مكر بالإضافة إلى مكره.
وقيل: أراد فلله جزاء مكر الماكرين. قال الواحدي: والقول الأوّل أظهر بدليل قوله:
يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ يريد أن أكسابها بأسرها معلومة لله تعالى وخلاف معلومه ممتنع الوقوع فلا يقدر العبد على خلاف معلومه. وناقضت المعتزلة بأنه أثبت لكل نفس كسبا فدل على أنه مقدور العبد. وأجيب بأن المقتضي للفعل عندنا هو مجموع القدرة
стр. 2087
والداعي وهذا معنى قولهم الكسب حاصل للعبد. ثم ختم الآية بوعيد آخر إجمالي فقال:
وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ من قرأ على الجمع فظاهر، ومن قرأ على الوحدة فالمراد الجنس.
وعن ابن عباس أن المراد أبو جهل. وعن عطاء أراد المستهزئين وهم خمسة، والمقتسمين وهم ثمانية وعشرون.
ثم ذكر حاصل شبههم مع الجواب القاطع فقال: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً والمراد من هذه الشهادة أنه أظهر المعجزات على وفق دعواه ولا شهادة أعلى من هذه لأن الشهادة القولية منا لا تفيد إلا غلبة الظن وهذه تفيد القطع بصحة نبوته. ثم عطف على اسم الله قوله: وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ أي الذي حصل عنده علم القرآن وفهم معانيه واشتماله على دلائل الإعجاز من النظم الأنيق والأسلوب العجيب الفائت لقوى البشر. فمن علم هذا الكتاب على هذا الوجه شهد بأنه معجز قاهر وأن الذي ظهر هذا المعجز عليه نبي حق ورسول صدق. وعن الحسن وسعيد بن جبير والزجاج: أن الكتاب هو اللوح المحفوظ. والمعنى كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح المحفوظ إلا هو يعني الله جل وعلا شهيدا. ويعضده قراءة من قرأ ومن عنده على من الجارة. واعترض على هذا القول بأن عطف الصفة على الموصوف بعيد لا يقال:
شهد بهذا زيد والفقيه، وإنما يقال: زيد الفقيه. وقيل: المراد شهادة أهل الكتاب من الذين آمنوا برسول الله كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري لأنهم يشهدون بنعته في كتبهم. والاعتراض بأن إثبات النبوة بقول الواحد والاثنين مع جواز الكذب على أمثالهما لكونهم غير معصومين لا يجوز. وقال الزجاج: الأشبه أن الله تعالى لا يستشهد على صحة حكمه بغيره. وعن الحسن: لا والله ما يعني إلا الله. وعن سعيد بن جبير أن السورة مكية وابن سلام وأصحابه آمنوا بالمدينة بعد الهجرة والله أعلم بمراده.
التأويل:
وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ يعنى أن الصفة الرحمانية اقتضت إيجاد جميع الموجودات وإفاضة جميع النعم كما أن صفة القهارية كانت مقتضية للوحدة بأن لا يكون معه شيء ولا نعمة أجل من بعث الرسل، ففيه صلاح حال الدارين لهم، فإذا جحدوا الرسول فقد جحدوا الرحمن وهذا سبب تخصيص هذا الاسم بالمقام كقوله: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً [مريم: ٩٣] ولذلك أمر بأن يقول في الجواب: هُوَ رَبِّي الذي رباني لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لا يستحق العبادة إلا هو ولا أفوض أمري إلا إليه وإليه مرجعي كما كان منه مبدئي سُيِّرَتْ بِهِ جبال النفوس أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ أرض البشرية أَوْ كُلِّمَ بِهِ القلوب الميتة بتلاوته عليهم تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا من كفرهم
стр. 2088
بالرحمن قارِعَةٌ من الأحكام الأزلية تقرعهم في أنواع المعاملات التي تصدر عنهم موجبة للشقاوة أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ قالبهم بأن تصدر تلك المعاملة ممن يصحبهم:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ يدرك الشقاء الأزلي. ومن أمارات الشقاوة الاستهزاء بالأنبياء والأولياء ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ أي أمسكتهم لئلا يرجعوا عن مقام الشقاوة لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
بالبعد والحجاب وعبودية النفس والهوى وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ
بأنواع الحسرات والشعور بالهيئات والملكات الموجبة للدركات أُكُلُها دائِمٌ هي مشاهدات الجمال ومكاشفات الجلال وَظِلُّها أي إنهم في ظل معاملاتهم وأحوالهم التابعة لشمس وجودهم على الدوام وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ هم السر والروح والقلب الذين فهموا أسرار القرآن وَمِنَ الْأَحْزابِ النفس والهوى والقوى مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ لثقل التكليف عليهم وللجهل بفوائده وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ المخالفين بالشرك في الطلب من بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ وهو طلب الوحدانية ببذل الأنانية وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً فيه أن الرسل جذبتهم العناية في البداية فترقوا من حضيض الحيوانية إلى أوج الروحانية ثم إلى معارج النبوة والرسالة في النهاية فلم يبق فيهم من دواعي البشرية ما يزعجهم إلى طلب الأزواج بالطبيعة والركون إلى الأولاد بخصائص الحيوانية بل رغبهم الله سبحانه في ذلك على وفق الشريعة بخصوصية الخلافة بإظهار صفة الخالقية ومثله وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ [الأنبياء: ٨] يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ لأهل السعادة من أفاعيل أهل الشقاوة وَيُثْبِتُ لهم من خصال أهل السعادة وبالعكس لأهل الشقاوة وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ الذي قدر فيه خاتمة كل من الفريقين وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بالكشف بعض مقاماتهم كما أخبر عن العشرة المبشرة بأنهم في الجنة وعن غيرهم بأنه في النار. أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ أرض البشرية فننقص منها بالازدياد في الأوصاف الروحانية.
القراآت:
اللَّهِ الَّذِي بالرفع على الابتداء في الحالين: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل، وقرأ يعقوب والخزاعي عن ابن فليح بالرفع إذا ابتدأ وبالخفض إذا وصل.
الباقون بالجر مطلقا وعيدي بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.
الوقوف:
الر قف كوفي الْحَمِيدِ هـ ط لمن قرأ اللَّهِ بالرفع. وَما فِي الْأَرْضِ ط شَدِيدٍ هـ لا بناء على أن الَّذِينَ صفة الكافرين عِوَجاً ط بناء على ما قلنا أو على أن الَّذِينَ منصوب أو مرفوع على الذم أي أعني الذين أوهم الذين، وإن جعل الَّذِينَ مبتدأ خبره أُولئِكَ فِي ضَلالٍ فلا وقف على عِوَجاً ولك أن تقف على شَدِيدٍ للآية بَعِيدٍ هـ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ط لأن قوله: فَيُضِلُّ حكم مبتدأ خارج عن تعليل الإرسال وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ط الْحَكِيمُ هـ بِأَيَّامِ اللَّهِ ط شَكُورٍ هـ ط نِساءَكُمْ ط عَظِيمٌ هـ لَشَدِيدٌ هـ جَمِيعاً لا لأن ما بعده جزاء حَمِيدٌ ٥ وَثَمُودَ ط لمن لم يعطف وجعله مستأنفا ومن عطف فوقه على مِنْ بَعْدِهِمْ ط إِلَّا اللَّهُ ط مُرِيبٍ هـ وَالْأَرْضِ ط فصلا بين الاستخبار والإخبار مُسَمًّى ط لتقدير همزة الاستفهام في تُرِيدُونَ. مُبِينٍ هـ مِنْ عِبادِهِ ط بِإِذْنِ اللَّهِ ط الْمُؤْمِنُونَ هـ سُبُلَنا ط آذَيْتُمُونا ط الْمُتَوَكِّلُونَ هـ فِي مِلَّتِنا ط مِنْ بَعْدِهِمْ ط وَعِيدِ هـ عَنِيدٍ هـ لا لأن ما بعده وصف صَدِيدٍ هـ لا لذلك بِمَيِّتٍ ط غَلِيظٌ هـ.
التفسير:
كون السورة مكية أو مدنية إنما يفيد في الأحكام لتعرف المنسوخ من الناسخ وفي غير ذلك المكية والمدنية سيان. قوله: الر كِتابٌ أي السورة المسماة ب الر كتاب أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لغرض كذا وإن كان الر مذكورا على جهة التعديد فقوله: كِتابٌ خبر مبتدأ محذوف أي هذا القرآن أو هذه السورة كتاب. والظلمات استعارة لطرق الضلال ومظانه والنور مستعار للحق. واللام في لِتُخْرِجَ للغرض عند
стр. 2091
المعتزلة، وللغاية عند الحكيم، وإن شئت فقل: للعاقبة. واللام في النَّاسَ للجنس المستغرق ظاهرا ففيه دليل على أن دعوته ﷺ عامة. ومعنى إخراج النبي ﷺ إياهم مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ أنه سبحانه جعل إنزال الكتاب عليه ودعوته ﷺ إياهم به إلى الحق واسطة لهدايتهم لا مطلقا ولكن بِإِذْنِ رَبِّهِمْ أي بتسهيله وتيسيره وكل ميسر لما خلق له.
والحاصل أن المراد من الإذن معنى يقتضي ترجيح جانب الوجود على جانب العدم ومتى حصل الرجحان فقد حصل الوجوب عند المحققين، ولك أن تعبر عن ذلك المعنى بداعية الإيمان. احتج بالآية من قال: إن معرفة الله تعالى لا تمكن إلا بالتعليم الذي عبر عنه بالإخراج من الظلمة إلى النور. وأجيب بأن معنى الإخراج التنبيه، وأما المعرفة فإنما تحصل من الدليل وقوله إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ بدل من قوله: إِلَى النُّورِ بتكرير العامل الجار. وجوز في الكشاف أن يكون على جهة الاستئناف كأنه قيل: إلى أي نور؟
فقيل: إلى صراط العزيز الحميد. وفي ذكر الوصفين تأكيد لحقية الصراط واستنارته لأن العزيز هو القادر الغالب، والحميد هو الكامل في خصائص الحمد من العلم والغنى وغير ذلك. ولا ريب أن من هذه صفته كان سبيله الذي نهج لعباده مفضيا إلى صلاح حالهم دينا ودنيا، إذ لا حاجة به إلى ارتكاب عبث أو قبيح. قال بعض العلماء: إنما قدم ذكر العزيز لأن الصحيح أن أول العلم بالله العلم بكونه قادرا غالبا وهو معنى العزيز، ثم بعد ذلك العلم بكونه عالما والعلم بكونه غنيا عن الحاجات والنقائص وهذا معنى الحميد، ثم أثنى على نفسه تحقيقا لحقية صراطه وبيانا لتنزهه عن العبث فقال: اللَّهِ الَّذِي مبتدأ وخبر والمبتدأ محذوف تقديره هو الله. ومن قرأ بالجر فعلى أنه عطف بيان للوصفين بناء على أن لفظ اللَّهِ جار مجرى اسم العلم، وقد سبق هذا البحث مشبعا في تفسير البسملة من سورة الفاتحة. ثم ختم الآية بوعيد من لا يعترف بربوبيته ولا يقر بوحدانيته وذلك قوله: وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ وهو دعاء عليهم بالهلاك والثبور وكل سوء. قال في الكشاف:
وجه اتصال قوله: مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ بالويل أنهم يولولون من العذاب ويقولون يا ويلاه.
الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ أي يؤثرون ويختارون لأن المؤثر للشيء على غيره كأنه يطلب من نفسه أن يكون ذلك الشيء عنده أحب من الآخر وذلك أن الإنسان قد يحب الشيء ولكنه يكره كونه محبا له، أما إذا أحب الشيء وطلب كونه محبا له وأحب تلك المحبة فتلك نهاية المحبة وهذا شأن محبة أهل الدنيا للدنيا ولكنها أدنى مراتب الضلال. وقوله: وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إشارة إلى الضلال. وقوله: وَيَبْغُونَها عِوَجاً أراد به الإضلال بإلقاء الشكوك والشبهات، واجتماع هذه الخصال نهاية الضلال فلهذا وصف ضلالهم بالبعد عن
стр. 2092
الحق لأنه وقع عنه في الطرف الآخر فبينهما غاية الخلاف. ويمكن أن يكون إسنادا مجازيا باعتبار أن صاحبه بعيد عن طريق الحق.
ثم لما منّ على المكلفين بإنزال الكتاب وإرسال الرسول ذكر أن من كمال تلك النعمة أن يكون ذلك الكتاب بلسان المرسل إليهم. احتج أصحاب أبي هاشم بالآية على أن اللغات اصطلاحية وضعها البشر واحد وجماعة وحصل التعريف للباقين بالإشارة والقرائن كالأطفال. قالوا: إن كانت توقيفية والتوقيف إنما يكون بالوحي والوحي موقوف على لغة سابقة لقوله: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ أي بلغتهم لزم الدور.
أجيب بأن الآية تختص برسول له قوم ولا قوم لآدم فينتهي التوقيف إليه فيندفع الدور.
وتمسك طائفة من اليهود- يقال لهم العيسوية- بهذه الآية في أن محمدا رسول الله ولكن إلى العرب لأنهم قومه وهم الذين عرفوا فصاحة القرآن وإعجازه، فيكون القرآن حجة عليهم لا على غيرهم. والجواب سلمنا أن قومه هم العرب ولكن قوم النبي أخص من أهل دعوته. فقد يكون أهل دعوته الناس كافة بل الثقلين كما في حق نبينا ﷺ لأن التحدي وقع بالفريقين في قوله: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ [الإسراء: ٨٨] وإنما يكون أولى الألسنة لسان قوم الرسول لأنهم أقرب إليه فيرسل الرسول أوّلا إليهم ليبين لهم فيفقهوا عنه ما يدعوهم إليه، ثم ينوب التراجم في كل أمة من أمم دعوته مقام الأصل ويكفي التطويل ويؤمن اللبس والتخليط ويوجب للمفسرين الثواب الجزيل في التعلم والتعليم والإرشاد والاجتهاد. وقالت المعتزلة: إن مقدمة هذه الآيات وهي قوله: لِتُخْرِجَ النَّاسَ ووسطها وهو قوله: لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فإن فائدة النبيين إنما تظهر إذا كان للمكلف قدرة واختيار، وآخرها وهو قوله الْحَكِيمُ فإن الحكمة تنافي خلق الكفر، والقبائح تدل على صحة مذهب الاعتزال. وقالت الأشاعرة: قوله: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ وقوله: فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وقوله: الْعَزِيزُ فإن العزة لا تجامع أن يكون لغيره قدرة وتصرف يؤيد مذهبنا. أقول:
نحن قد حققنا مسألة الجبر مرارا فتذكر. ومما يخص هذا الموضع قول الفراء إذا ذكر فعل وبعده فعل آخر فإن لم يكن النسق مشاكلا للأول فالرفع على الاستئناف هو الوجه كقوله:
لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ [الحج: ٥] بالرفع نظيره في الآية قوله: فَيُضِلُّ بالرفع على الاستئناف كأنه قال: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليكون بيانه لهم تلك الشرائع بلغة ألفوها واعتادوها. ومع ذلك فإن المضل والهادي هو الله والبيان لا يوجب حصول الهداية إلا إذا جعله الله واسطة وسببا لما بين أن المقصود من بعثة نبينا ﷺ هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، أراد أن يبين أن الغرض من إرسال جميع الأنبياء لم يكن
стр. 2093
إلا ذلك وذكر لذلك مثالا. وخص موسى بالذكر لأن أمته أكثر الأمم سوى أمة محمد كما جاء في الحديث ولكثرة معجزاته الباهرة. ومعنى أَنْ أَخْرِجْ أي أخرج لأن الإرسال فيه معنى القول، ويجوز أن تكون أن ناصبة والتقدير بأن أخرج. ومعنى التذكير بأيام الله الإنذار بوقائعه التي وقعت على الأمم قبلهم. ويقال: أيام العرب لحروبها وملاحمها.
وعن ابن عباس: أيام الله نعماؤه من تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وبلاؤه إهلاك القرون، أو الأيام التي كانوا فيها تحت تسخير فرعون، أو المراد عظهم بالترغيب والترهيب إِنَّ فِي ذلِكَ التذكير والتنبيه دلائل لِكُلِّ صَبَّارٍ على الضراء شَكُورٍ على السراء. وذلك أن فائدة الآيات إنما تعود عليهم حيث ينتفعون بها.
ولما أمر الله موسى بالتذكير حكى عنه أنه ذكرهم ولم يقل هاهنا «يا قوم» كما ذكر في المائدة اقتصارا على ما ذكره هناك. وقوله: عَلَيْكُمْ إن كان صلة للنعمة بمعنى الإنعام فقوله: إِذْ أَنْجاكُمْ ظرف للإنعام أيضا، وإن كان مستقرا بمعنى اذكروا نعمة الله مستقرة عليكم جاز أن ينتصب إِذْ أَنْجاكُمْ ب عَلَيْكُمْ وفي الوجهين جاز أن يكون «إذ» بدلا من النعمة أي اذكروا وقت إنجائكم وهو بدل الاشتمال، وباقي الآية قد مر في أول البقرة.
ومن جملة النعم قوله: وَإِذْ تَأَذَّنَ أي واذكروا حين آذن رَبُّكُمْ إيذانا بليغا ينتفي عنده الشكوك وتنزاح معه الشبهات. وقد تقدم في أواخر «الأعراف» أن فيه معنى القسم ولذلك دخلت اللام الموطئة في الشرط والنون المؤكدة في الجزاء، وقد سلف منا في هذا الكتاب أن الشكر بالحقيقة عبارة عن صرف العبد جميع أقسام ما أنعم الله تعالى به عليه فيما أعطاه لأجله. ولا شك أن المكلف إذا سلك هذا الطريق كان دائما في مطالعة أقسام نعم الله وفي ملاحظة دقائق لطفه وصنعه وفي إعمال الجوارح في الأعمال الصالحة الكاسبة لأنوار الملكات الحميدة، وشغل النفس بمطالعة النعم يوجب مزيد محبة المنعم، وقد يترقى العبد من هذه الحالة إلى أن يصير حبه للمنعم شاغلا له عن رؤية النعم، ويصدر منه الأعمال الصالحة بطريق الاعتياد حتى يصير التطبع طباعا والتكلف خلقا، وهذا معنى اقتضاء الشكر مزيد الإنعام وقد يفيض عليه بحكم وعد الله الذي هو الحق والصدق سجال مواهبه الدينية والدنيوية لأنه مهما صار مطيعا منقادا لواجب الوجود سبحانه تجلى فيه نور الوجود، فلا غرو- أي لا عجب- أن ينقاد لذلك النور كثير من الممكنات وينفتح عليه باب التصرف في الخلق بالحق للحق، وإن كان حال المكلف بضد ما قلنا ظهر عليه أضداد تلك الآثار لا محالة وذلك قوله: وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ يعني كفران النعم إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ثم بين أن منافع الشكر ومضار الكفران لا تعود إلا إلى صاحبه أو عليه والله تعالى غني عن
стр. 2094
ذلك كله فقال: إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ الآية. وذلك أن واجب الوجود في ذاته واجب الوجود في جميع صفاته ولن يكون كذلك إلا إذا كان غنيا عن الحاجات متصفا بكل الكمالات أهلا للحمد وإن لم يكن حامدا.
قوله: أَلَمْ يَأْتِكُمْ يحتمل أن يكون خطابا من موسى لقومه والغرض تخويفهم بمثل هلاك من تقدم من القرون فيكون داخلا تحت التذكير بأيام الله، واحتمل أن يكون مخاطبة من الله على لسان موسى لقومه يذكرهم أمر القرون الأولى قاله أبو مسلم.
والأكثرون على أنه ابتداء مخاطبة لقوم الرسول ﷺ تحذيرا لهم عن مخالفته. وقوله:
وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ إن كان جملة من مبتدأو خبره فالمجموع اعتراض وإن كان قوله: وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ معطوفا على قوم نوح فقوله: لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ وحده اعتراض. ثم إن عدم العلم إما أن يكون راجعا إلى صفاتهم بأن تكون أحوالهم وأخلاقهم ومدد أعمارهم غير معلومة، وإما أن يكون عائدا إلى ذواتهم بأن يكون فيما بين القرون أقوام ما بلغنا أخبارهم كما روي عن ابن عباس: بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون. وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: كذب النسابون يعني أنهم يدعون علم الأنساب وقد نفى الله علمها عن العباد. ونظير الآية قوله: وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً [الفرقان: ٣٨] مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [غافر: ٧٨] قال القاضي: وعلى هذا الوجه لا يمكن القطع بمقدار السنين من لدن آدم ﵇ إلى هذا الوقت لأنه لو أمكن ذلك لم يبعد تحصيل العلم بالأنساب الموصولة. ثم إنه تعالى حكى عن هؤلاء الأقوام أنهم لما جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أتوا بأمور أحدها فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وفيه قولان:
أحدهما أن المراد باليد والفم الجارحتان، وعلى هذا فيه احتمالان: الأول أن الكفار ردّوا أيديهم في أفواههم فعضوها غيظا وضجرا مما جاءت به الرسل كقوله: عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ [آل عمران: ١١٩] . قاله ابن عباس وابن مسعود وهو الأظهر، أو وضعوا الأيدي على الأفواه ضحكا واستهزاء كمن غلبه الضحك، أو وضعوا أيديهم على أفواههم مشيرين بذلك إلى الأنبياء أن قفوا عن هذا الكلام واسكتوا عن ذكر هذا الحديث قاله الكلبي، أو أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وإلى ما تكلموا به من قولهم إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ أي هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره إقناطا لهم من التصديق، وهذا قول قويّ لعطف قوله: وَقالُوا على قوله: فَرَدُّوا الاحتمال الثاني: أن تكون الضمائر راجعة إلى الرسل والمراد أن الرسل لما أيسوا منهم سكتوا ووضعوا أيدي أنفسهم على أفواه أنفسهم أرادوا أنهم لا يعودون إلى ذلك الكلام البتة، أو يكون الضميران الأخيران راجعين
стр. 2095
إلى الرسل، والمعنى أن الكفار أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواههم ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم، أو يكون الضمير الأخير فقط عائدا إلى الرسل والمراد أن الكفار لما سمعوا وعظ الأنبياء ونصائحهم أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل تكذيبا لهم وردّا عليهم، أو وضعوا أيديهم على أفواه الأنبياء منعا لهم من الكلام فهذه جملة الاحتمالات على القول الأول. القول الثاني: أن ذكر اليد والفم توسع ومجاز. عن أبي مسلم: أن المراد باليد ما نطقت به الرسل بأفواههم من الحجج لأن دلائل الوحي من أجل النعم لأنهم إذا كذبوا الآيات ولم يقبلوها فكأنهم ردّوها إلى حيث جاءت منه على طريق المثل. ونقل محمد بن جرير عن بعضهم أنه يقال للرجل إذا أمسك عن الجواب ردّ يده في فيه. فمعنى الآية أنهم سكتوا عن الجواب، وزيف بأنهم قد أجابوا بالتكذيب وقالوا: إنا كفرنا بما أرسلتم به. والمراد بما زعمتم أن الله أرسلكم به وكأنهم في أوّل الأمر حاولوا إسكات الأنبياء، وفي المرتبة الثانية صرحوا بتكذيبهم، وفي الثالثة قالوا: وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ وقد مر مثله في سورة هود. فإن قلت: كيف صرحوا بالكفر ثم بنوا أمرهم على الشك؟ قلنا:
أرادوا إنا كافرون برسالتكم وإن نزلنا عن هذا المقام فلا أقل من أنا نشك في صحة نبوتكم، ومع كمال الشك لا مطمع في الاعتراف بنبوتكم. ثم إنه سبحانه حكى جواب الرسل وذلك قولهم: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أدخل همزة الإنكار على الظرف لأن الكلام ليس في الشك إنما هو في المشكوك فيه وأن وجود الله لا يحتمل الشك.
قال الضعيف المذنب المفتقر إلى عفو ربه الكريم مؤلف الكتاب الحسن بن محمد المشتهر بنظام النيسابوري نظم الله أحواله في الدارين: إنه كان من عقيدتي أن العلم بوجود الواجب في الخارج من جملة البديهيات وكان يستبعد ذلك كثير من أقراني وأصحابي لما رأوا أن الأقدمين ما زالوا يبرهنون على ذلك في الكتب الكلامية والحكمية، فكنت قد كتبت لأجلهم رسالة في الإلهيات مشتملة على دلائل تجري مجرى المنبهات على ذلك المعنى، فإن الضروريات قد ينبه عليها وإن لم تحتج في الاقتناص إلى البراهين. والآن أرى أن أذكر بعض تلك المنبهات في هذا المقام لأنها مقررة لقوله سبحانه: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فأقول وبالله التوفيق: المفهوم بالنظر إلى ذاته وإلى الخارج إما أن يكون واجب الوجود فقط، أو واجب العدم فقط، أو ممكن الوجود والعدم معا، أو واجب الوجود والعدم معا، أو واجب الوجود وممكن الوجود والعدم معا، أو واجب العدم وممكن الوجود والعدم معا، أو واجب الوجود وواجب العدم وممكن الوجود والعدم
стр. 2096
جميعا. فهذه أقسام سبعة والعقل الصريح لا يشك في استحالة خمسة أقسام منها في الخارج: الأول واجب العدم لذاته فقط، الثاني واجب الوجود لذاته وواجب العدم في ذاته معا، الثالث واجب الوجود لذاته وممكن الوجود والعدم لذاته، والرابع واجب العدم لذاته وممكن الوجود والعدم لذاته، الخامس واجب الوجود لذاته وواجب العدم لذاته وممكن الوجود والعدم في ذاته. ثم نقول: إن العقل كما لا يشك في استحالة الوجود الخارجي لهذه الأقسام الخمسة ينبغي أن لا يشك في وجود الواجب لذاته فقط في الخارج، لأنه لو لم يكن موجودا في الخارج كان معدوما في الخارج. فإن كان عدمه لذاته كان من القسم الثاني من الممتنعات، وإن كان لغيره كان من القسم الثالث منها وكلاهما محال إذ المفروض خلاف ذلك فثبت كونه موجودا في الخارج بالضرورة وهو المطلوب، فهذه طريقة عذراء تيسرت لنا من غير احتياج إلى دور وتسلسل يرد عليها المنوع المشهورة.
وجه ثان: الموجود في الخارج إما واجب أو ممكن، وهذه قضية اتفقوا على ضروريتها لأنها إن كان مستغنيا عن المؤثر في وجوده الخارجي فواجب وإلا فممكن فنقول: إن كانت القسمة قسمة تنويع حتى يكون المعنى أن الموجود في الخارج هذان النوعان فقد ثبت وجود الواجب في الخارج بالضرورة وهو المطلوب، وإن كانت القسمة قسمة انفصال ولا محالة تكون مانعة الخلو فقط. أما كونها مانعة الخلو فلاستحالة العقل رفعهما معا في الخارج ضرورة ثبوت موجود ما في الخارج بالضرورة، وأما أنها ليست بمانعة الجمع فلأن الممكن موجود بالضرورة ولا منافاة بين وجود الواجب ووجود الممكن بالضرورة وإلا لم يستدل العقلاء من وجود الممكن على إثبات الواجب، بل يستدلون منه على نفيه. وإذا كان الجمع بين الواجب والممكن ممكنا في الوجود والممكن موجود بالضرورة مع أنه مفتقر في وجوده إلى مؤثر موجود، فلأن يكون الواجب موجودا يكون أولى بالضرورة لاستغنائه عن المؤثر وكون ذاته كافية في إيجاب الوجود له وهذه مقدمة جلية مكشوفة لمن تأمل في مفهوم واجب الوجود إذ لا معنى لوجوب الوجود إلا أنه وجود يوجد البتة من تلقاء نفسه ومع قطع النظر عما سواه ولهذا قال المحققون: إن الوجود يقع على الواجب وعلى الممكن بالتشكيك بمعنى أنه في الواجب أولى وأولى منه في الممكن.
وجه ثالث: طبيعة الواجب وطبيعة الممكن من حيث ذاتاهما يشتركان في صحة وجودهما الخارجي بالضرورة، ويفترقان في أن الواجب ذاته كافية في إيجاب الوجود له.
والممكن لا يكفي فيه ذلك بل يحتاج في إيجاب وجوده الخارجي إلى الغير، ولا ريب أن
стр. 2097
الأوّل أقرب إلى طبيعة الوجود من الثاني لأن الموقوف على مقدمات أكثر أعسر وجودا والثاني واقع بالضرورة فالأول أولى بكونه ضروري الوقوع.
وجه رابع: نسبة كل محمول إلى موضوعه لا تخلو في نفس الأمر من أن تكون بالوجوب أو بالإمكان أو بالامتناع. فنسبة الوجود الخارجي إلى الماهيات الخارجية من حيث ذواتها لا تخلو من أحد الأمور الثلاثة، لكن نسبته إليها بالامتناع ظاهرة الاستحالة، فهي إما بالإمكان أو بالوجوب، ولا شك أن نسبة الوجود إلى ذات الموجود أولى من نسبته إلى غيره إذ الأصل عدم الغير، فكل ما دل البرهان على أن وجوده من غيره لتغير فيه أو نقص يحكم عليه بأنه ممكن الوجود، وما لم يدل البرهان فيه على ذلك بل يدل على وجوب وجوده بجميع صفاته الكمالية فهو واجب الوجود. ومن شك في وجود ما وجوده من تلقاء نفسه ويكون متصفا بجميع الكمالات بعد مشاهدة ما وجوده من غيره وهو عرضة للنقائص والرذائل كان أهلا لأن يهجر الحكمة.
وجه خامس: نفس الإمكان نقص لا نقص فوقه لاستتباعه العجز والافتقار وصحة العدم عليه الذي لا ضعف مثله، والوجود المتصف به متحقق بالضرورة. فالوجود الذي يجوّزه العقل الصريح متصفا بصفة الوجوب كيف لا يكون متحققا، ومن استبهم عليه مثل هذا الجلي فلا يلومن إلا نفسه.
وجه سادس: مقتضى ذات الشيء أقرب إيجابا له عند العقل من مقتضى كل ما يغايره، لكن الوجود الذي مقتضاه الإمكان ثابت في الخارج مع أن ثبوته في الخارج مقتضي الغير، فالوجود الذي مقتضاه الوجوب ثابت بالطريق الأولى.
وجه سابع: الوجود الممكن ثابت بالضرورة وليس ثبوت ذلك الوجود من تلقاء نفسه وإلا كان وجودا واجبا لأنا لا نعني بالوجود الواجب إلا هذا. فإما أن يكون من وجود واجب وهو المطلوب، أو من وجود مثله وحينئذ ما لم يكن ثابتا في نفسه لم يتصوّر منه إفادة مثله، فإذن حصل لنا وجود ممكن موصوف الثبوت في نفسه وموصوفا بكونه مفيدا لوجود مثله. فإذا صح هذان الوصفان للوجود الممكن المفتقر فكيف لا يصحان للوجود الواجب الغني بل نسبتهما إلى الثاني أولى من نسبتهما إلى الأوّل بحكم الفهم الصحيح.
وجه ثامن: كون الشيء موجودا في نفسه أقرب وأقبل عند العقل من كونه موجدا لغيره، إذ ليس كل من له وجود في نفسه يكون موجدا لغيره، وكل موجد لغيره موجود
стр. 2098
في نفسه. وإذا كان اتصاف الوجود الممكن مع ضعفه بأبعد الأمرين عن القبول واقعا، فكيف لا يكون اتصاف الوجود الواجب مع قوّته بأقربهما من القبول واقعا؟
وجه تاسع: انجذاب النفوس السليمة وغير السليمة من الأنبياء والأولياء والحكماء وسائر العقلاء من إخوان الصفاء وأخدان الوفاء وأرباب البدع والأهواء إلى وجود واجب متى رجعوا إلى أنفسهم وطالعوا ملكوت السموات والأرض وتأملوا في الأحوال الواردة عليهم من كشف كرب أو هجوم نعمة، أجلى دليل على وجود رب جليل منزه عن سمات النقص والأفول في حيز الإمكان، مفيض للخيرات مدبر للممكنات ولهذا قال رب السموات والأرضين عن الظلمة المعاندين وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: ٢٥] ثم أخبر أنهم يعتذرون عن أصنامهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، إذ لم يكن جحدهم وعنادهم عن تحقيق وصدق وإنما كانوا مكابرين في الظاهر ابتلاء من الله وشقاء منهم. فالحاصل أن المؤمن والمشرك والمقر والجاحد سيان في أنه تشهد فطرته بوجود صانع للعالم واجب في ذاته وصفاته، ولا أدل من ذلك على أنه ضروري الوجود.
وجه عاشر: وهو الاستدلال بالآفاق كل موجود سوى الواجب فله ظهور في الخارج، لكنه إذا اعتبر في نفسه لم يكن له ذلك من تلقاء نفسه فكان فقيرا في نفسه وذلك أفول له في أفق الإمكان، وإذا كان ما مقتضى ذاته الأفول طالعا فما مقتضى ذاته الطلوع أولى بأن يكون طالعا.
وجه حادي عشر: وهو الاستدلال بالأنفس. من تأمل في ذاته وفرض شخصه في هواء طلق لا يحس فيه بمتضاد وأغفل الحواس عن أفعالها وجد شيئا هو به هو، وبذلك يصح إنيته وهو نفسه الناطقة التي نسبتها إلى بدنه نسبة الملك إلى المدينة يتصرف فيها كيف يشاء. ومهما انقطعت علاقته عن البدن مات صاحبه وانخرط في سلك الجمادات، فكما أن البدن لضعفه وخسته مفتقر في قوامه وقيامه إلى مدبر يديمه ويقيمه، فجميع العالم الجسماني بل الممكنات بأسرها لخستها وفقرها تستند لا محالة إلى ما هو أشرف منها وذلك ما وجوده من تلقاء نفسه وهو الواجب الحق تعالى شأنه، ولولاه لتبدد نظام العالم ولم يكن من الوجود عين ولا أثر.
وجه ثاني عشر: وهو أنور الوجوه وأظهرها وهو الاستدلال بالنور على النور. لا شك أنه نور ونعني به ما هو ظاهر في نفسه مظهر لغيره فنقول: إن كان ظهوره في نفسه
стр. 2099
بنفسه فهو المطلوب وإلا فيحتاج إلى ما يظهره. وما يظهره لا يمكن أن لا يكون ظاهرا في نفسه لأن ما لا يكون له ظهور في نفسه لا يفيد ظهورا لغيره فننقل الكلام إلى ذلك الظاهر بأن نقول: إن كان ظهوره في نفسه بنفسه فذاك وإلا احتاج إلى ما يظهره، ولا بد أن ينتهي في طرف الصعود إلى ما يكون ظهوره في نفسه بنفسه وإلا لم ينته الأمر في طرف النزول إلى الظاهر المفروض أوّلا. فنهاية ما لا نهاية له محال من أي جانب فرض، ولا تنتهض العودة اليومية نقضا علينا بناء على أنها مسبوقة بعودات ما لا تتناهى، فإن لا تناهيها في جانب الأزل محال عندنا. وكنا قد كتبنا في بعض كتبنا بيان استحالة ذلك، فإن نقلت الكلام إلى فيض الواجب وقلت الفيض الواقع في زمان الحال مسبوق بإفاضات غير متناهية لا محالة، قلنا: لو سلمنا ذلك لكنه لا يستحيل في الواجب لأن وجوده وأوصافه المعتبرة كلها مقتضيات ذاته، ومقتضى ذات الشيء يدوم بدوام الشيء ومستحيل انفكاكه عنه، فلا نهاية فيضانه تابعة للامسبوقة بغيره وكون وجوده من ذاته. ولا يلزم من كون مطلق الفيض أزليا أن يكون الفيض المخصوص أزليا، وإذا ثبت وجوب انتهاء الظاهر المفروض إلى ما هو ظاهر في نفسه بنفسه ثبت المطلوب وهو وجود نور الأنوار تعالى شأنه وبهر برهانه، وهو نهاية الممكنات في جانب الأزل وبدايتها في جانب الأبد، فهو قديم أزلي، ولأن وجوده مقتضى ذاته وما بالذات لا يزول فهو الباقي الدائم. هذا ما سنح من المنبهات لهذا الضعيف أثبتها في هذا الكتاب الشريف ليبقى إن شاء الله على وجه الدهر، وينظر فيها من هو من أهلها في كل عصر والله المستعان. قال بعض العقلاء: من لطم على وجه صبي فتلك اللطمة تدل على وجود الصانع المختار، وعلى حصول التكليف، وعلى ثبوت دار الجزاء، وعلى ضرورة بعثة النبي. أما الأوّل فلأن الصبي يصيح ويقول: من الذي ضربني وما ذاك إلا بشهادة فطرته على أن هذه اللطمة لما حدثت بعد عدمها وجب أن يكون حدوثها لأجل فاعل مختار أدخلها في الوجود، وإذا كان حال هذا الحادث مع حقارته هكذا فما ظنك بجميع الحوادث الكائنة في العالم العلوي والعالم السفلي؟! وأما دلالتها على وجوب التكليف فلأن ذلك الصبي ينادي ويصيح ويقول: لم ضربني ذلك الضارب؟ وفيه دلالة على أن الأفعال الإنسانية داخلة تحت التكليف، وأن الإنسان ما خلق حتى يفعل أي شيء اشتهى. وأما دلالتها على الجزاء فلأنه يطلب الجزاء على تلك اللطمة ولا يتركه ما أمكنه. وإذا كان الحال في هذا العمل القليل كذلك فكيف يكون الحال في جميع الأعمال؟! وأما وجوب النبوّة فلأنهم يحتاجون إلى إنسان يبين لهم أن العقوبة الواجبة على ذلك القدر من الجناية كم هي، ولا فائدة في بعثة النبي إلا تبيين الشرائع والأحكام، ومما يدعو العاقل إلى الاعتراف بالمبدأ والمعاد أنه لو أقر بهما ثم بان
стр. 2100
أن الأمر على خلافه فلا ضرر فيه البتة، أما إذا أنكر الصانع والتكليف والجزاء وكانت هذه الأمور في الخارج ثابتة حقة ففي إنكارها أعظم المضار، فيلزم على العاقل أن يعترف بهذه الأمور أخذا بالأحوط.
ثم إن الرسل بعد التنبيه على وجود الصانع ذكروا فائدة الدعوة وغايتها وذلك ثنتان:
الأولى قوله: يَدْعُوكُمْ أي إلى الإيمان لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ استدل بالآية من جوّز زيادة «من» في الإثبات وذلك لقوله تعالى في موضع آخر: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر: ٥٣] . وأجيب بأنه لا يلزم من غفران جميع الذنوب لأمة محمد ﷺ غفران جميع الذنوب لغيرهم، فالوجه أن تكون «من» للتبعيض تمييزا بين الفريقين، ويؤيد ما ذكرنا استقراء الآيات فإنها ما جاءت في خطاب الكافرين إلا مقرونة ب «من» كما في هذه الآية، وفي سورة نوح وسورة الأحقاف. وقال في خطاب المؤمنين في سورة الصف يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [الآية: ١٢] بغير «من» . وقيل: أراد أن يغفر لهم ما بينهم وبين الله بخلاف ما بينهم وبين العباد من المظالم. وقيل: «من» للبدل أي لتكون المغفرة بدلا من الذنوب.
وضعف بأنه لم يوجد له في اللغة نظير. وعن الأصم: أنه أراد إذا تبتم يغفر لكم بعض الذنوب التي هي الكبائر. فأما الصغائر فلا حاجة إلى غفرانها لأنها في أنفسها مغفورة.
وزيفه القاضي بأن الصغيرة إنما تكون مغفورة من الموحدين حيث يزيد ثوابهم على عقابهم، فأما من لا ثواب له أصلا فلا يكون شيء من ذنوبه صغيرا ولا كبيرا مغفورا.
وقيل: المراد أن الكافر قد ينسى بعض ذنوبه في حال توبته وإيمانه فلا يكون المغفور منها إلا ما ذكره وتاب منه. وقال الإمام فخر الدين الرازي: في الآية دلالة على أنه تعالى قد يغفر ذنب أهل الإيمان من غير توبة لأنه وعد بغفران بعض الذنوب مطلقا من غير اشتراط التوبة، وذلك البعض ليس هو الكفر لانعقاد الإجماع على أنه تعالى لا يغفر الكفر إلا بالتوبة عنه والدخول في الإيمان، فوجب أن يكون ذلك البعض هو ما عدا الكفر من الذنوب. ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه لم يشترط التوبة في الآية، لأن قوله: يَدْعُوكُمْ أي إلى الإيمان معناه آمنوا ليغفر لكم فكأنه قيل: إن الإيمان شرط غفران بعض الذنب فلم لا يجوز أن يكون ذلك البعض هو الكفر؟. الغاية الثانية قوله: وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى عن ابن عباس: أي يمتعكم في الدنيا باللذات والطيبات إلى الموت الطبيعي وإلا عاجلكم بعذاب الاستئصال. وقد مر تحقيق الأجل في أوّل «الأنعام» .
ثم شرع في حكاية شبه الكفار وأنها ثلاث: الأولى قولهم: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وذلك لاعتقادهم أن الأشخاص الإنسانية متساوية في تمام الماهية، فيمتنع أن يبلغ التفاوت
стр. 2101
بينهم إلى هذا الحد مع اشتراك الكل في الضروريات البشرية من الحاجة إلى الأكل والشرب والوقاع وغير ذلك. الثانية التمسك بطريقة التقليد وذلك قولهم: تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا الثالثة إنكارهم دلالة المعجزة على الصدق. وعلى تقدير التسليم زعموا أنهم ما أتوا بحجة أصلا لاعتقادهم أن معجزاتهم من جنس الأمور المعتادة، فاقترحوا سلطانا مبينا أي برهانا باهرا وحجة قاهرة. ثم إن الأنبياء سلموا أنهم بشر مثلهم ولكنهم وصفوا أنفسهم بمزية من عند الله بطريق المنة والعطية، وبهذا استدل من جعل النبوّة محض العطاء من الله. أجاب المخالف بأنهم لم يذكروا فضائلهم النفسانية والجسمانية تواضعا منهم، ولأنه قد علم أنه لا يختصهم بتلك الكرامة إلا وهم أهل لها لخصائص فيهم. وأما الشبهة الثانية فإنما لم يذكروا الجواب عنها لأن صحة النبوّة تهدم قاعدة التقليد، وأما الشبهة الثالثة فجوابها وَما كانَ لَنا أي ما صح منا أن نأتي بآية اقترحتموها من تلقاء أنفسنا وإنما ذلك أمر يتعلق بمشيئة الله. والظاهر أن الأنبياء لما أجابوا عن شبهاتهم بما أجابوا فالقوم أخذوا في السفاهة والتخويف وعند ذلك قالت الأنبياء وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ إلى قوله: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ قال علماء المعاني: الأول لاستحداث التوكل، والثاني للسعي في إبقائه وإدامته. وقيل: معنى الأول أن الذين يطلبون المعجزات يجب عليهم أن يتوكلوا في حصولها على الله لا علينا، فإن شاء أظهرها وإن شاء لم يظهرها. ومعنى الثاني إبداء التوكل على الله في دفع شر الكفار وسفاهتهم. وفي قولهم: وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا إشارة إلى ما سهل الله عليهم من طريقة التكميل والإرشاد وتحمل أعباء الرسالة والصبر على متاعبها، فإن تأثير نفوسهم في عالم الأرواح كتأثير الشمس في عالم الأجسام بالإضاءة والإنارة، وقد عرفوا بالنفوس المشرقة والأنوار الإلهية أو بالوحي الصريح أنه تعالى يعصمهم من كيد الأعداء ومكر الحساد. وفي قولهم: وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا دليل على أن الصبر مفتاح الفرج ومطلع الخيرات ومثمر السعادات. أما قول الكفار للرسل: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فقد مر البحث عليه في سورة الأعراف في قصة شعيب. وقال صاحب الكشاف: العود هاهنا بمعنى الصيرورة، حلفوا أن يخرجوهم البتة إلا أن يصيروا كافرين مثلهم فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ أجرى الإيحاء مجرى القول لأنه ضرب منه أو أضمر القول.
عن النبي ﷺ : «من آذى جاره ورّثه الله داره» .
ذلِكَ الذي قضى الله به من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم حق لِمَنْ خافَ مَقامِي يريد موقف الله الذي يقف به عباده يوم القيامة وهو موقف الحساب، أو
стр. 2102
المقام مصدر أي خاف قيامي عليه بالحفظ والمراقبة كقوله: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ [الرعد: ٣٣] أو قيامي بالعدل والصواب مثل قائِماً بِالْقِسْطِ [آل عمران: ١٨] أو المقام مقحم أي خافني مثل سلام الله على المجلس العالي. وَخافَ وَعِيدِ قال الواحدي: هو اسم من الإيعاد وهو التهديد. قال المحققون: إن الخوف من الله مغاير للخوف من وعيد الله كما أن حب الله مغاير لحب ثواب الله، وهذه فائدة عطف أحد الخوفين على الآخر. قوله: وَاسْتَفْتَحُوا الضمير إما للرسل والمعنى استنصروا الله على أعدائهم أو استحكموا الله وسألوه القضاء بينهم من الفتاحة وهي الحكومة، وإما للكفرة بناء على ظنهم أنهم على الحق والرسل على الباطل. وعلى الأول يكون في الكلام إضمار التقدير: فنصروا وفازوا بالمقصود. وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ معاند. وأصل العنود الميل من العند الناحية والجانب كأن كلا من المتعاندين في جانب آخر. قيل: الجبار وهو المتكبر إشارة إلى أن فيه خلق الاستكبار، والعنيد إشارة إلى الأثر الصادر عن ذلك الخلق وهو كونه مجانبا للحق منحرفا عنه وأصل الكلام على الأول: واستفتح الرسل وخاب الكفرة، وعلى الثاني: استفتحوا وخابوا. فوضع الأعم موضع الأخص. والظاهر مقام الضمير تنصيصا على الكفرة بأن سبب خيبتهم عن السعادة الحقيقية تجبرهم وعنادهم مِنْ وَرائِهِ أي من بين يديه. يقال: الموت وراء كل أحد. وذلك أن قدام وخلف كلاهما متوار عن الشخص فصح إطلاق لفظ وراء على كل واحد منهما. وقال أبو عبيدة: هو من الأضداد لأن أحدهما ينقلب إلى الآخر. وهذا وصف حاله في الدنيا أو في الآخرة حين يبعث ويوقف. قال جار الله: قوله: وَيُسْقى معطوف على محذوف تقديره يلقى في جهنم ما يلقى وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ أي من ماء بيانه أو صفته هذا. والصديد ما يسيل من جلود أهل النار واشتقاقه من الصد لأنه يصد الناظر عن رؤيته أو تناوله. وقيل: يخلق الله في جهنم ما يشبه الصديد في النتن والغلظ والقذارة. يَتَجَرَّعُهُ يتكلف جرعه وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ أي لم يقارب الإساغة فضلا عن الإساغة قيل: ليس المراد بالإساغة مجرد حصول المشروب في الجوف لأن هذا المعنى حاصل لأهل النار بدليل قوله: يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ [الحج: ٢٠] وإنما المراد جريان المشروب في الحلق في الاستطابة وقبول النفس لا بالكراهية والتأذي. قلت: يحتمل أن يراد بالإساغة مجرد الحصول، والآية- أعني قوله: ويصهر- لا تدل على الحصول لقوله قبله: يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ [الحج: ١٩] . وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ من جسده حتى من إبهام رجله.
وقيل: من أصل كل شعرة. وقيل: المراد أن موجبات الموت أحاطت به من جميع الجهات ومع ذلك فإنه لا يموت فيها ولا يحيا. ثم أخبر- والعياذ بالله- أن العذاب في كل
стр. 2103
وقت يفرض من الأوقات المستقبلة يكون أشد وأنكى مما قبله فقال: وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ عن الفضيل: هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد. قال في الكشاف: يحتمل أن يكون أهل مكة استفتحوا أي استمطروا. والفتح المطر في سني القحط التي سلطت عليهم بدعوة رسول الله ﷺ فلم يسقوا فذكر سبحانه ذلك، وأنه خيب رجاء كل جبار عنيد وأنه يسقى في جهنم بدل سقياه ماء أحرّ وهو صديد أهل النار. وعلى هذا التفسير يكون قوله:
وَاسْتَفْتَحُوا كلاما مستأنفا منقطعا عن حديث الرسل وأممهم.
التأويل:
بسم الله أي باسم الذات وهو الاسم الأعظم ابتدأت بخلق عالم الدنيا.
إظهار الصفات الرحمانية التي هي للمبالغة لاشتراك الحيوان والجماد والمؤمن والكافر في الرحمة، وبخلق عالم الآخرة إظهار الصفة الرحيمية لاختصاصها بالمؤمنين خاصة. قوله:
الر أي بآلائي وبلطفي إن القرآن أنزلناه إليك لتخرج الناس بدلالة نوره من ظلمات عالم الطبيعة والكثرة إلى نور عالم الروح والوحدة. بِإِذْنِ رَبِّهِمْ الذي يربيهم هو لا أنت.
وفي قوله: إِلى صِراطِ إشارة إلى أن القرآن هو طريق الوصول إلى من احتجب بحجب العزة والمحمدة واستتر بأستار مظاهر القهر واللطف. وفي الاختتام بقوله: اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
إشارة إلى أن من بقي في أفعاله وهي المكونات لم يصل إلى صفاته، ومن بقي في صفاته لم يصل إلى ذاته، ومن وصل إلى ذاته بالخروج عن أنانيته إلى هويته انتفع بصفاته وأفعاله. وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ من شدة ألم الانقطاع عن الله.
ثم أخبر أن الكافر الحقيقي هو الذي قنع بالإيمان التقليدي فأقبل على الدنيا وأعرض عن المولى فضل وأضل. إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ أي يتكلم معهم بلسان عقولهم. وَلَقَدْ أَرْسَلْنا بواسطة جبريل الجذبة مُوسى القلب بآيات عصا الذكر واليد البيضاء من الصدق والإخلاص. أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ وهم الروح والسر والخفي من ظلمات الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ التي كان الله ولم يكن معه شيء وهو بحبهم بلاهم إِنَّ فِي ذلِكَ التذكير لَآياتٍ في نفي الوجود لِكُلِّ صَبَّارٍ بالله مع الله عن غير الله شَكُورٍ لنعمة الوجود الحقيقي ببذل الوجود المجازي ولَئِنْ شَكَرْتُمْ بالطاعة لَأَزِيدَنَّكُمْ في تقربي إليكم، لأزيدنكم في محبتي لكم، ولئن شكرتم في محبتي لكم لأزيدنكم في الخدمة، ولئن شكرتم في الخدمة لأزيدنكم في الوصول، ولئن شكرتم في الوصول لأزيدنكم في التجلي، ولئن شكرتم في التجلي لأزيدنكم في الفناء عنكم، ولئن شكرتم في الفناء لأزيدنكم في البقاء، ولئن شكرتم في البقاء لأزيدنكم في الوحدة، وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ نعمتي في المعاملات كلها إِنَّ عَذابِي قطيعتي لَشَدِيدٌ وَقالَ
стр. 2104
مُوسى
القلب إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ أيها الروح والسر والخفي بالإعراض عن الحق والإقبال على الدنيا بتبعية النفس ومن في أرض البشرية من النفس والهوى والطبيعة. يَدْعُوكُمْ من المكونات إلى الملكوت لِيَغْفِرَ لَكُمْ بصفة الغفارية مِنْ ذُنُوبِكُمْ التي أصابتكم من حجب عالم الخلق وَيُؤَخِّرَكُمْ في التخلق بأخلاقه إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى هو وقت الفناء في الذات وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ للتوكل مقامات: فتوكل المبتدئ قطع النظر عن الأسباب في طلب المرام ثقة بالمسبب، وتوكل المتوسط قطع تعلق الأسباب بالمسبب، وتوكل المنتهي قطع تعلق ما سوى الله والاعتصام ببابه. لِمَنْ خافَ مَقامِي وهو مقام الوصول إليّ فإن هذا مقام الأخص، وأما خوف الخواص فعن مقام الجنة، وخوف العوام عن مقام النار وَخافَ وَعِيدِ القطعية واستنصر القلب والروح من أمر الله على النفس والهوى. مِنْ وَرائِهِ أي قدام النفس في متابعة الهوى جَهَنَّمُ الصفات الذميمة وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ هو ما يتولد من الصفات والأخلاق من الأفعال الرذيلة، يسقى منه صاحب النفس الأمارة يَتَجَرَّعُهُ بالتكلف وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ لأنه ليس من شربه يَأْتِيهِ أسباب الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ من كل فعل مذموم وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ هو عذاب القطيعة والبعد والله أعلم بالصواب.
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ١٨ الى ٣٤]
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ (٢١) وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٢)
وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (٢٣) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (٢٧)
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠) قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (٣٢)
وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)
стр. 2105
القراآت:
الرياح على الجمع: أبو جعفر ونافع. الباقون على التوحيد خالق السماوات والأرض بلفظ اسم الفاعل: حمزة وعلي وخلف. الباقون بلفظ الفعل.
سُبُلَنا بإسكان الباء حيث كان: أبو عمرو لِي عَلَيْكُمْ بفتح الياء: حفص.
بِمُصْرِخِيَّ بكسر الياء: حمزة. الآخرون بالفتح. أشركتموني بالياء في الحالين:
سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق عمرو ويزيد وقتيبة وإسماعيل في الوصل الْبَوارِ ممالة: أبو عمرو وعلي. لِيُضِلُّوا بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب. الباقون بضمها. لِعِبادِيَ الَّذِينَ مرسلة: الياء: ابن عامر وحمزة وعلي ويعقوب والأعشى. الباقون بالفتح. مِنْ كُلِّ بالتنوين: يزيد وعباس. الباقون بالإضافة.
الوقوف:
عاصِفٍ ط بناء على أن ما بعده مستأنف كأن سائلا سأل هل يقدرون من أعمالهم عَلى شَيْءٍ ط الْبَعِيدُ هـ بِالْحَقِّ ط جَدِيدٍ هـ لا لأن ما بعده يتم معنى الكلام بِعَزِيزٍ هـ مِنْ شَيْءٍ ط لَهَدَيْناكُمْ ط مَحِيصٍ هـ فَأَخْلَفْتُكُمْ ط فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ج لاختلاف الجملتين أَنْفُسَكُمْ ط لابتداء النفي بِمُصْرِخِيَّ ط الحق أن من قال إن الابتداء بقوله: إِنِّي كَفَرْتُ قبيح فجوابه أن الكفر بالإشراك واجب كالإيمان مِنْ قَبْلُ ط أَلِيمٌ هـ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ط سَلامٌ هـ فِي السَّماءِ هـ لا رَبِّها ط يَتَذَكَّرُونَ هـ مِنْ قَرارٍ ط وَفِي الْآخِرَةِ ج لتكرار اسم الله تعالى في الفعلين مع أن كليهما مستقل بخلاف قوله: وَيَفْعَلُ اللَّهُ لأنه في المعنى بيان قوله:
وَيُضِلُّ اللَّهُ ما يَشاءُ هـ الْبَوارِ لا جَهَنَّمُ ج لأن ما بعده يصلح استئنافا أو حالا من فاعل أَحَلُّوا أو من مفعوله أو من كليهما يَصْلَوْنَها ط الْقَرارُ هـ عَنْ سَبِيلِهِ ط إِلَى النَّارِ هـ وَلا خِلالٌ هـ رِزْقاً لَكُمْ ط بِأَمْرِهِ ج الْأَنْهارَ ج دائِبَيْنِ