← Тафсир

Тафсир · id 23613

تفسير النيسابوري = غرائب القرآن ورغائب الفرقان

النيسابوري، نظام الدين القمي

Полный текст (3 743 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

بينهم إلى هذا الحد مع اشتراك الكل في الضروريات البشرية من الحاجة إلى الأكل والشرب والوقاع وغير ذلك. الثانية التمسك بطريقة التقليد وذلك قولهم: تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا الثالثة إنكارهم دلالة المعجزة على الصدق. وعلى تقدير التسليم زعموا أنهم ما أتوا بحجة أصلا لاعتقادهم أن معجزاتهم من جنس الأمور المعتادة، فاقترحوا سلطانا مبينا أي برهانا باهرا وحجة قاهرة. ثم إن الأنبياء سلموا أنهم بشر مثلهم ولكنهم وصفوا أنفسهم بمزية من عند الله بطريق المنة والعطية، وبهذا استدل من جعل النبوّة محض العطاء من الله. أجاب المخالف بأنهم لم يذكروا فضائلهم النفسانية والجسمانية تواضعا منهم، ولأنه قد علم أنه لا يختصهم بتلك الكرامة إلا وهم أهل لها لخصائص فيهم. وأما الشبهة الثانية فإنما لم يذكروا الجواب عنها لأن صحة النبوّة تهدم قاعدة التقليد، وأما الشبهة الثالثة فجوابها وَما كانَ لَنا أي ما صح منا أن نأتي بآية اقترحتموها من تلقاء أنفسنا وإنما ذلك أمر يتعلق بمشيئة الله. والظاهر أن الأنبياء لما أجابوا عن شبهاتهم بما أجابوا فالقوم أخذوا في السفاهة والتخويف وعند ذلك قالت الأنبياء وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ إلى قوله: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ قال علماء المعاني: الأول لاستحداث التوكل، والثاني للسعي في إبقائه وإدامته. وقيل: معنى الأول أن الذين يطلبون المعجزات يجب عليهم أن يتوكلوا في حصولها على الله لا علينا، فإن شاء أظهرها وإن شاء لم يظهرها. ومعنى الثاني إبداء التوكل على الله في دفع شر الكفار وسفاهتهم. وفي قولهم: وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا إشارة إلى ما سهل الله عليهم من طريقة التكميل والإرشاد وتحمل أعباء الرسالة والصبر على متاعبها، فإن تأثير نفوسهم في عالم الأرواح كتأثير الشمس في عالم الأجسام بالإضاءة والإنارة، وقد عرفوا بالنفوس المشرقة والأنوار الإلهية أو بالوحي الصريح أنه تعالى يعصمهم من كيد الأعداء ومكر الحساد. وفي قولهم: وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا دليل على أن الصبر مفتاح الفرج ومطلع الخيرات ومثمر السعادات. أما قول الكفار للرسل: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فقد مر البحث عليه في سورة الأعراف في قصة شعيب. وقال صاحب الكشاف: العود هاهنا بمعنى الصيرورة، حلفوا أن يخرجوهم البتة إلا أن يصيروا كافرين مثلهم فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ أجرى الإيحاء مجرى القول لأنه ضرب منه أو أضمر القول. عن النبي ﷺ : «من آذى جاره ورّثه الله داره» . ذلِكَ الذي قضى الله به من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم حق لِمَنْ خافَ مَقامِي يريد موقف الله الذي يقف به عباده يوم القيامة وهو موقف الحساب، أو

стр. 2102

المقام مصدر أي خاف قيامي عليه بالحفظ والمراقبة كقوله: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ [الرعد: ٣٣] أو قيامي بالعدل والصواب مثل قائِماً بِالْقِسْطِ [آل عمران: ١٨] أو المقام مقحم أي خافني مثل سلام الله على المجلس العالي. وَخافَ وَعِيدِ قال الواحدي: هو اسم من الإيعاد وهو التهديد. قال المحققون: إن الخوف من الله مغاير للخوف من وعيد الله كما أن حب الله مغاير لحب ثواب الله، وهذه فائدة عطف أحد الخوفين على الآخر. قوله: وَاسْتَفْتَحُوا الضمير إما للرسل والمعنى استنصروا الله على أعدائهم أو استحكموا الله وسألوه القضاء بينهم من الفتاحة وهي الحكومة، وإما للكفرة بناء على ظنهم أنهم على الحق والرسل على الباطل. وعلى الأول يكون في الكلام إضمار التقدير: فنصروا وفازوا بالمقصود. وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ معاند. وأصل العنود الميل من العند الناحية والجانب كأن كلا من المتعاندين في جانب آخر. قيل: الجبار وهو المتكبر إشارة إلى أن فيه خلق الاستكبار، والعنيد إشارة إلى الأثر الصادر عن ذلك الخلق وهو كونه مجانبا للحق منحرفا عنه وأصل الكلام على الأول: واستفتح الرسل وخاب الكفرة، وعلى الثاني: استفتحوا وخابوا. فوضع الأعم موضع الأخص. والظاهر مقام الضمير تنصيصا على الكفرة بأن سبب خيبتهم عن السعادة الحقيقية تجبرهم وعنادهم مِنْ وَرائِهِ أي من بين يديه. يقال: الموت وراء كل أحد. وذلك أن قدام وخلف كلاهما متوار عن الشخص فصح إطلاق لفظ وراء على كل واحد منهما. وقال أبو عبيدة: هو من الأضداد لأن أحدهما ينقلب إلى الآخر. وهذا وصف حاله في الدنيا أو في الآخرة حين يبعث ويوقف. قال جار الله: قوله: وَيُسْقى معطوف على محذوف تقديره يلقى في جهنم ما يلقى وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ أي من ماء بيانه أو صفته هذا. والصديد ما يسيل من جلود أهل النار واشتقاقه من الصد لأنه يصد الناظر عن رؤيته أو تناوله. وقيل: يخلق الله في جهنم ما يشبه الصديد في النتن والغلظ والقذارة. يَتَجَرَّعُهُ يتكلف جرعه وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ أي لم يقارب الإساغة فضلا عن الإساغة قيل: ليس المراد بالإساغة مجرد حصول المشروب في الجوف لأن هذا المعنى حاصل لأهل النار بدليل قوله: يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ [الحج: ٢٠] وإنما المراد جريان المشروب في الحلق في الاستطابة وقبول النفس لا بالكراهية والتأذي. قلت: يحتمل أن يراد بالإساغة مجرد الحصول، والآية- أعني قوله: ويصهر- لا تدل على الحصول لقوله قبله: يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ [الحج: ١٩] . وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ من جسده حتى من إبهام رجله. وقيل: من أصل كل شعرة. وقيل: المراد أن موجبات الموت أحاطت به من جميع الجهات ومع ذلك فإنه لا يموت فيها ولا يحيا. ثم أخبر- والعياذ بالله- أن العذاب في كل

стр. 2103

وقت يفرض من الأوقات المستقبلة يكون أشد وأنكى مما قبله فقال: وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ عن الفضيل: هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد. قال في الكشاف: يحتمل أن يكون أهل مكة استفتحوا أي استمطروا. والفتح المطر في سني القحط التي سلطت عليهم بدعوة رسول الله ﷺ فلم يسقوا فذكر سبحانه ذلك، وأنه خيب رجاء كل جبار عنيد وأنه يسقى في جهنم بدل سقياه ماء أحرّ وهو صديد أهل النار. وعلى هذا التفسير يكون قوله: وَاسْتَفْتَحُوا كلاما مستأنفا منقطعا عن حديث الرسل وأممهم. التأويل: بسم الله أي باسم الذات وهو الاسم الأعظم ابتدأت بخلق عالم الدنيا. إظهار الصفات الرحمانية التي هي للمبالغة لاشتراك الحيوان والجماد والمؤمن والكافر في الرحمة، وبخلق عالم الآخرة إظهار الصفة الرحيمية لاختصاصها بالمؤمنين خاصة. قوله: الر أي بآلائي وبلطفي إن القرآن أنزلناه إليك لتخرج الناس بدلالة نوره من ظلمات عالم الطبيعة والكثرة إلى نور عالم الروح والوحدة. بِإِذْنِ رَبِّهِمْ الذي يربيهم هو لا أنت. وفي قوله: إِلى صِراطِ إشارة إلى أن القرآن هو طريق الوصول إلى من احتجب بحجب العزة والمحمدة واستتر بأستار مظاهر القهر واللطف. وفي الاختتام بقوله: اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إشارة إلى أن من بقي في أفعاله وهي المكونات لم يصل إلى صفاته، ومن بقي في صفاته لم يصل إلى ذاته، ومن وصل إلى ذاته بالخروج عن أنانيته إلى هويته انتفع بصفاته وأفعاله. وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ من شدة ألم الانقطاع عن الله. ثم أخبر أن الكافر الحقيقي هو الذي قنع بالإيمان التقليدي فأقبل على الدنيا وأعرض عن المولى فضل وأضل. إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ أي يتكلم معهم بلسان عقولهم. وَلَقَدْ أَرْسَلْنا بواسطة جبريل الجذبة مُوسى القلب بآيات عصا الذكر واليد البيضاء من الصدق والإخلاص. أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ وهم الروح والسر والخفي من ظلمات الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ التي كان الله ولم يكن معه شيء وهو بحبهم بلاهم إِنَّ فِي ذلِكَ التذكير لَآياتٍ في نفي الوجود لِكُلِّ صَبَّارٍ بالله مع الله عن غير الله شَكُورٍ لنعمة الوجود الحقيقي ببذل الوجود المجازي ولَئِنْ شَكَرْتُمْ بالطاعة لَأَزِيدَنَّكُمْ في تقربي إليكم، لأزيدنكم في محبتي لكم، ولئن شكرتم في محبتي لكم لأزيدنكم في الخدمة، ولئن شكرتم في الخدمة لأزيدنكم في الوصول، ولئن شكرتم في الوصول لأزيدنكم في التجلي، ولئن شكرتم في التجلي لأزيدنكم في الفناء عنكم، ولئن شكرتم في الفناء لأزيدنكم في البقاء، ولئن شكرتم في البقاء لأزيدنكم في الوحدة، وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ نعمتي في المعاملات كلها إِنَّ عَذابِي قطيعتي لَشَدِيدٌ وَقالَ

стр. 2104

مُوسى القلب إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ أيها الروح والسر والخفي بالإعراض عن الحق والإقبال على الدنيا بتبعية النفس ومن في أرض البشرية من النفس والهوى والطبيعة. يَدْعُوكُمْ من المكونات إلى الملكوت لِيَغْفِرَ لَكُمْ بصفة الغفارية مِنْ ذُنُوبِكُمْ التي أصابتكم من حجب عالم الخلق وَيُؤَخِّرَكُمْ في التخلق بأخلاقه إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى هو وقت الفناء في الذات وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ للتوكل مقامات: فتوكل المبتدئ قطع النظر عن الأسباب في طلب المرام ثقة بالمسبب، وتوكل المتوسط قطع تعلق الأسباب بالمسبب، وتوكل المنتهي قطع تعلق ما سوى الله والاعتصام ببابه. لِمَنْ خافَ مَقامِي وهو مقام الوصول إليّ فإن هذا مقام الأخص، وأما خوف الخواص فعن مقام الجنة، وخوف العوام عن مقام النار وَخافَ وَعِيدِ القطعية واستنصر القلب والروح من أمر الله على النفس والهوى. مِنْ وَرائِهِ أي قدام النفس في متابعة الهوى جَهَنَّمُ الصفات الذميمة وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ هو ما يتولد من الصفات والأخلاق من الأفعال الرذيلة، يسقى منه صاحب النفس الأمارة يَتَجَرَّعُهُ بالتكلف وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ لأنه ليس من شربه يَأْتِيهِ أسباب الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ من كل فعل مذموم وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ هو عذاب القطيعة والبعد والله أعلم بالصواب. [سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ١٨ الى ٣٤] مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ (٢١) وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٢) وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (٢٣) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (٢٧) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠) قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)

стр. 2105

القراآت: الرياح على الجمع: أبو جعفر ونافع. الباقون على التوحيد خالق السماوات والأرض بلفظ اسم الفاعل: حمزة وعلي وخلف. الباقون بلفظ الفعل. سُبُلَنا بإسكان الباء حيث كان: أبو عمرو لِي عَلَيْكُمْ بفتح الياء: حفص. بِمُصْرِخِيَّ بكسر الياء: حمزة. الآخرون بالفتح. أشركتموني بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق عمرو ويزيد وقتيبة وإسماعيل في الوصل الْبَوارِ ممالة: أبو عمرو وعلي. لِيُضِلُّوا بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب. الباقون بضمها. لِعِبادِيَ الَّذِينَ مرسلة: الياء: ابن عامر وحمزة وعلي ويعقوب والأعشى. الباقون بالفتح. مِنْ كُلِّ بالتنوين: يزيد وعباس. الباقون بالإضافة. الوقوف: عاصِفٍ ط بناء على أن ما بعده مستأنف كأن سائلا سأل هل يقدرون من أعمالهم عَلى شَيْءٍ ط الْبَعِيدُ هـ بِالْحَقِّ ط جَدِيدٍ هـ لا لأن ما بعده يتم معنى الكلام بِعَزِيزٍ هـ مِنْ شَيْءٍ ط لَهَدَيْناكُمْ ط مَحِيصٍ هـ فَأَخْلَفْتُكُمْ ط فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ج لاختلاف الجملتين أَنْفُسَكُمْ ط لابتداء النفي بِمُصْرِخِيَّ ط الحق أن من قال إن الابتداء بقوله: إِنِّي كَفَرْتُ قبيح فجوابه أن الكفر بالإشراك واجب كالإيمان مِنْ قَبْلُ ط أَلِيمٌ هـ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ط سَلامٌ هـ فِي السَّماءِ هـ لا رَبِّها ط يَتَذَكَّرُونَ هـ مِنْ قَرارٍ ط وَفِي الْآخِرَةِ ج لتكرار اسم الله تعالى في الفعلين مع أن كليهما مستقل بخلاف قوله: وَيَفْعَلُ اللَّهُ لأنه في المعنى بيان قوله: وَيُضِلُّ اللَّهُ ما يَشاءُ هـ الْبَوارِ لا جَهَنَّمُ ج لأن ما بعده يصلح استئنافا أو حالا من فاعل أَحَلُّوا أو من مفعوله أو من كليهما يَصْلَوْنَها ط الْقَرارُ هـ عَنْ سَبِيلِهِ ط إِلَى النَّارِ هـ وَلا خِلالٌ هـ رِزْقاً لَكُمْ ط بِأَمْرِهِ ج الْأَنْهارَ ج دائِبَيْنِ

стр. 2106

ج وَالنَّهارَ ج لحسن هذه الوقوف مع العطف لتفصيل النعم تنبيها على الشكر سَأَلْتُمُوهُ ط لابتداء الشرط مع تمام الكلام لا تُحْصُوها ط كَفَّارٌ هـ. التفسير: لما ذكر في الآيات المتقدمة أنواع عذاب الكفار أراد أن يبين غاية حسرتهم ونهاية خيبتهم. فقال: مَثَلُ الَّذِينَ وارتفاعه عند سيبويه على الابتداء والخبر محذوف أي فيما يتلى أو يقص عليكم مثلهم. وقوله: أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم. وقال الفراء: المضاف محذوف أي مثل أعمال الذين كفروا. وإنما جاز حذفه استغناء بذكره ثانيا. وقيل: المثل صفة فيها غرابة فأخبر عنها بالجملة المراد صفة الذين كفروا أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ كقولك «صفة زيد عرضه مصون وماله غير مخزون» ويجوز أن يكون أَعْمالُهُمْ بدلا والخبر كَرَمادٍ وحده. والمراد بأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم من صلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأسارى وعقر الإبل للأضياف وإغاثة الملهوفين وإعانة المظلومين، شبهها في حبوطها- لبنائها على غير أساس التوحيد والإيمان- برماد طيرته الريح في يوم عاصف. قال الزجاج: جعل العصف لليوم وهو لما فيه يعني الريح مجازا كقولك «يوم ماطر» . قال الفراء: وإن شئت قلت في يوم ذي عصوف أو في يوم عاصف الريح فحذف لذكره مرة. وقيل: المراد من أعمالهم عباداتهم للأصنام. ووجه حسرتهم أنهم أتعبوا أبدانهم فيها دهرا طويلا. ثم لم ينتفعوا بذلك بل استضروا به. وقوله: مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ القياس عكسه كما في «البقرة» لأن «على» من صلة القدرة ولأن مما كسبوا صفة لشيء ولكنه قدم في هذه السورة لأن الكسب- أعني العمل الذي ضرب له المثل- هو المقصود بالذكر ولهذا أشار إليه بقوله: ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ أي عن الحق والثواب. ثم كان لسائل أن يسأل: كيف يليق بحكمته إضاعة أفعال المكلفين؟ فقال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ مستتبعة للفوائد والحكم دالة على وجود الصانع القدير، فحبوط الأعمال إنما يلزم من كفر المكلفين وكونها غير مبنية على قاعدة الإيمان والإخلاص لا من أنه سبحانه يمكن أن يوجد في أفعاله عبث أو خلل أو سهو. ثم بين كمال قدرته واستغنائه عن الظلم والقبائح وعن عمل كل عامل فقال: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وقد مر مثله في سورة النساء. وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ بمتعذر لأنه قادر الذات لا اختصاص له بمقدور دون مقدور. فإن قيل: الغرض من الآية إظهار القدرة وزجر المكلفين عن المعصية وذلك إنما يتم بقوله: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ فما فائدة قوله: وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وهل فيه دليل على أن الفياض لا يوجد بدون الفيض؟ قلنا: على تقدير تسليمه لا تنحصر الفائدة فيه بل لعل الفائدة هي

стр. 2107

تأكيد التخويف فإن التألم من تصور العدم المجرد ليس كالتألم من تصور عدمه مع إقامة غيره مقامه، على أن الإذهاب لا يلزم منه الإعدام فيكون شبيها بعزل شخص ونصب غيره مقامه. وللحكيم أن يستدل بقوله: يُذْهِبْكُمْ على أن مادة الجوهر لا تعدم وإنما تنعدم الصور والأعراض. والجواب أن الإذهاب هاهنا بمعنى الإعدام، ولو سلم فلا يلزم من عدم وقوع الإعدام هاهنا امتناعه في جميع الصور. وفيه أنه الحقيق بأن يخشى عقابه ويرجى ثوابه فلذلك أتبعه أحوال الآخرة فقال: وَبَرَزُوا بلفظ الماضي تحقيقا للوقوع مثل وَسِيقَ [الزمر: ٧٣] وَنادى [الأعراف: ٤٨] والتركيب يدل على الظهور بعد الخفاء ومنه «امرأة برزة» إذا كانت تظهر للناس «وبرز فلان على أقرانه» إذا فاقهم. ومعنى برزوهم لله وهو سبحانه لا يخفى عليه شيء أنهم كانوا يستترون عن العيون عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ذلك خاف على الله. فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم وعلموا أن الله لا يخفى عليه خافية، أو المضاف محذوف أي برزوا لحساب الله وحكمه. قال أبو بكر الأصم: قوله: وَبَرَزُوا لِلَّهِ هو المراد من قوله: وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ وعلى قواعد الحكماء: النفس إذا فارقت الجسد زال الغطاء وكشف الوطاء وظهرت عليه آثار الملكات والهيئات التي كان يمنعها عن الشعور بها اشتغالها بعالم الحس فذلك هو البروز لله، فإن كانوا من السعداء برزوا لموقف الجمال بصفاتهم القدسية وهيئاتهم النورية، فما أجل تلك الأحوال ويا طوبى لأهل النوال. وإن كانوا من الأشقياء برزوا لموقف الجلال بأوصافهم الذميمة وهيئاتهم المظلمة، فما أعظم تلك الفضيحة وما أشنع تلك المهانة. كتب الضعفواء بواو قبل الهمزة على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو ومثله: علمواء بني إسرائيل [الشعراء: ١٩٧] والضعفاء العوام والأراذل، والذين استكبروا سادتهم وأشرافهم الذين استنكفوا عن عبادته تعالى فضلوا وأضلوا. قال الفراء: أكثر أهل اللغة على أن التبع جمع تابع كخدم وخادم وحرس وحارس. وجوز الزجاج أن يكون التبع مصدرا أي ذوي أتباع إما في الكفر أو في الأمور الدنيوية فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ هل يمكنكم دفع عذاب الله عَنَّا ومن في مِنْ عَذابِ اللَّهِ للتبيين وفي مِنْ شَيْءٍ للتبعيض. والمعنى هل تدفعون عنا بعض الشيء الذي هو عذاب الله أو كلاهما للتبعيض بمعنى هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب الله قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ. عن ابن عباس: لو أرشدنا الله لأرشدناكم. قال الواحدي: معناه أنهم إنما دعوهم إلى الضلال لأن الله أضلهم ولو هداهم لدعوهم إلى الهدى. وقال في الكشاف: لعلهم قالوا ذلك مع أنهم كذبوا فيه كقوله: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما

стр. 2108

يَحْلِفُونَ لَكُمْ [المجادلة: ١٨] واعترض عليه بأن هذا خلاف مذهبه لأنهم لا يجوّزون صدور الكذب عن أهل القيامة كما مر في أوائل «الأنعام» في قوله: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [الآية: ٢٣] وجوز أيضا أن يكون المراد لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان، وزيف بأن كل ما في مقدور الله تعالى من الألطاف فقد فعله. وقيل: لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاة، ويؤكد هذا التفسير قوله سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا وإعرابه كقوله: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ [البقرة: ٦] أرادوا إقناطهم من دفع العذاب بالكلية، أو أرادوا أن عتاب الضعفاء لهم وتوبيخهم إياهم نوع من الجزع ولا فائدة فيه ولا في الصبر. وجوز في الكشاف أن يكون قوله: سَواءٌ عَلَيْنا إلخ من كلام الضعفاء والمستكبرين جميعا نظيره في وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر، قوله: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ [يوسف: ٥٢] والمحيص المنجي والمهرب مصدر كالمغيب والمحيص، أو مكان كالمبيت والمضيف. ولما ذكر مناظرة شياطين الإنس أتبعها مناظرة شيطان الجن. ومعنى قُضِيَ الْأَمْرُ قطع وفرغ منه وذلك حين انقضاء المحاسبة. والأكثرون على أنه بعد الحساب ودخول الأشقياء النار والسعداء الجنة. وعند أهل السنة هو بعد خروج الفساق من النار فليس بعد ذلك إلا الدوام في الجنة أو في النار. يروى أن الشيطان يقوم عند ذلك خطيبا في النار فيقول: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِ وعن النبي ﷺ : «إذا جمع الله الخلق وقضى بينهم يقول الكافرون قد وجد المسلمون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا فيأتونه ويسألونه فعند ذلك يقول هذا القول» . ووعد الحق من إضافة الموصوف إلى صفته مثل «مسجد الجامع» ، أو تأويله وعد اليوم الحق، أو الأمر الحق وهو البعث والجزاء على الأعمال. وفي الآية إضماران: الأول وعدكم وعد الحق فوفى لكم بما وعدكم. الثاني ووعدتكم خلاف ذلك فأخلفتكم الوعد. ووجه الإضمار الأول دلالة الحال عليه لأنهم كانوا يشاهدون وليس وراء العيان بيان، ولأن ذكر نقيضه وهو إخلاف الوعد من الشيطان يغني عنه، ووجه الثاني أيضا مثل ذلك. ثم ذكر طريق وسوسته اعتذارا منهم فقال: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ من تسلط وقهر فأقسركم على الكفر والمعاصي إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ قال النحويون: هذا الاستثناء منقطع لأن الدعاء ليس من جنس السلطان فالمراد لكن دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوسة، ويمكن أن يوجه الاستثناء بالاتصال لأن قدرة الإنسان على حمل الغير على عمل من الأعمال تارة تكون بالقسر وتارة بتقوية الداعية في قلبه بإلقاء الوساوس إليه فهذا نوع من أنواع التسلط.

стр. 2109

فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ لأنكم ما سمعتم مني إلا الدعاء والتزيين وكنتم سمعتم دلائل الله وشاهدتم مجيء أنبيائه فكان من الواجب عليكم أن لا تغتروا بقولي ولا تلتفتوا إليّ. قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة، وليس من الله إلا التمكين ولا من الشيطان إلا التزيين، ولو كان الأمر كما يزعم المجبرة لقال: «فلا تلوموني ولا أنفسكم» فإن الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه، وقول الشيطان وإن لم يصلح للحجة إلا أن عدم إنكار الله تعالى عليه حجة. هذا مع أن أول كلام اللعين مبني على الإنصاف والصدق فكذا ينبغي أن يكون آخره. قال المحققون: الشيطان الأصلي هو النفس وذلك أن الإنسان إذا أحس بشيء أو أدركه ترتب عليه شعوره بكونه ملائما له، أو بكونه منافرا له ويتبع هذا الشعور الميل الجازم إلى الفعل أو إلى الترك، وكل هذه الأشياء من شأن النفس ولا مدخل للشيطان في شيء من هذه المقامات إلا بأن يذكره شيئا مثل أن الإنسان كان غافلا عن صورة امرأة فيلقى الشيطان حديثها في خاطره. وكيف يعقل تمكن الشيطان من النفوذ في داخل أعضاء الإنسان وإلقاء الوسوسة إليه؟ جوابه أن الشيطان إذا كان جسما لطيفا والله سبحانه ركبه تركيبا عجيبا لا يقبل التفرق والتمزق مع لطافته فلا يستبعد نفوذه في الأجرام الكثيفة كالنار تسري في الفحم وكالدهن في السمسم وإن كان جوهرا نورانيا مجبولا على الشر، والنفس الإنسانية أيضا جوهر علوي مجرد فلا يبعد وصول أثر أحدهما إلى الآخر. وذهب بعض الحكماء إلى أن كل روح من الأرواح البشرية فإنه ينتسب إلى روح معين من الأرواح السماوية، وأنها تتولى إرشاد الأرواح الإنسانية إلى مصالحها بالإلهامات الحسنة في حالتي النوم واليقظة. هذا إذا كانت خيرة، وأما إذا كانت شريرة فإنها توسوسها بالخواطر والأعمال القبيحة، والقدماء كانوا يسمون كلا من تلك الأرواح بالطباع التام. وذكر بعض العلماء احتمالا آخر وهو أن النفوس البشرية إذا فارقت أبدانها قويت في تلك الصفات التي اكتسبتها في تلك الأبدان وكملت فيها، فإذا حدثت نفس أخرى مشاكلة لتلك النفس المفارقة في بدن مشاكل لبدن تلك النفس المفارقة حدث بين تلك النفس المفارقة وبين هذا البدن نوع تعلق، فتصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن وتعضدها على أحوالها وأفعالها، فإذا كان هذا المعنى في أبواب الخير كان إلهاما، وإن كان في باب الشر كان وسوسة. ثم حكى الله سبحانه عن الشيطان أنه قال: ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ قال ابن عباس: يريد بمعينكم ولا منقذكم. قال ابن الأعرابي: الصارخ المستغيث والمصرخ المغيث. صرخ فلان إذا استغاث. وقال وواغوثاه، وأصرخته أي أغثته. وعاب النحويون على حمزة

стр. 2110

أنه قرأ: وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ لأن ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة حيث قبلها ألف في نحو «عصاي» فما بالها وقبلها ياء. وحاصل ما عابوا عليه أنه لم يوجد له نظير في استعمال العرب، لكنك تعلم أن القرآن حجة على غيره. قوله: إني كفرت بما أشركتموني إن كانت «ما» مصدرية فالمعنى إني كفرت أي أنا جاحد وما كان لي رضا بإشراككم لي في الدنيا مع الله في الطاعة وفي أن لي تدبيرا وتصرفا في هذا العالم، وإن كانت موصولة على ما قاله الفراء من أن «ما» في معنى «من» كقوله: «سبحان ما سخركن لنا» فالمراد إني كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم بالله الذي أشركتمونيه. ووجه نظم الكلام على هذا التفسير أن إبليس كأنه يقول: لا تأثير لوسوستي في كفركم بدليل أني كفرت بالله قبل أن كفرتم، وما كان كفري بسبب وسوسة أخرى وإلا لزم التسلسل فثبت بهذا أن سبب الوقوع في الكفر شيء آخر سوى الوسوسة، وهذا التقرير يناسب أصول الأشاعرة. أما قوله: إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فالأظهر أنه كلام الله، ويشمل إبليس ومن تابعه من الثقلين وليس ببعيد أن يكون من بقية كلام إبليس قطعا لأطماع أولئك الكفار عن إغاثته. ثم شرع في أحوال السعداء وقال: وَأُدْخِلَ على لفظ الماضي تحقيقا للوقوع، وقوله: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ متعلق ب أُدْخِلَ أي أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره. وقرأ الحسن وَأُدْخِلَ على لفظ المتكلم. قال في الكشاف: فعلى هذا يتعلق قوله: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ بما بعده يعني أن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم. وقد تقدم معنى قوله: تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ في أول سورة يونس. ثم لما بين أحوال السعداء وكان قد ذكر أحوال أضدادهم، أراد أن يذكر لكل من الفريقين مثلا. قال في الكشاف كَلِمَةً طَيِّبَةً نصب بمضمر أي جعل كلمة طيبة كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ وهو تفسير لقوله: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا أو ضرب بمعنى جعل أي جعل الله كلمة طيبة مثلا. ثم قال كشجرة طيبة أي هي كشجرة. وقال صاحب حل العقد: أظن أن الوجه أن يجعل قوله: كَلِمَةً عطف بيان، وقوله: كَشَجَرَةٍ مفعول ثان. عن ابن عباس: الكلمة الطيبة هي قول لا إله إلا الله محمد رسول الله. والشجرة الطيبة شجرة في الجنة. وعن ابن عمر: هي النخلة. وقيل: الكلمة الطيبة كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة. والشجرة كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان وغير ذلك. وقيل: لا حاجة بنا إلى تعيين تلك الشجرة، والمراد أن الشجرة الموصوفة ينبغي لكل عاقل أن يسعى في تحصيلها وادّخارها لنفسه سواء كان لها وجود في الدنيا أو لم يكن. أما صفات الشجرة فالأولى كونها طيبة ويشمل طيب المنظر والشكل والرائحة وطيب

стр. 2111

الفاكهة المتولدة منها وطيب منافعها. والثانية: أَصْلُها ثابِتٌ راسخ آمن من الانقطاع. ولا شك أن الشيء الطيب إنما يكمل الفرح بحصوله إذا أمن انقراضه وزواله. والثالثة وَفَرْعُها فِي السَّماءِ أي في جهة العلو وهذا تأكيد لرسوخ أصله فإن الأصل كلما كان أقوى وأرسخ كان الفرع أعلى وأشمخ. ومن فوائد ارتفاع الأغصان بعدها عن عفونات الأرض ونقاؤها عن القاذورات. قال في الكشاف: فرعها أعلاها ورأسها، ويجوز أن يريد وفروعها على الاكتفاء بلفظ الجنس. الصفة الرابعة تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ أي تعطي ثمرها كل وقت وقّته الله لأثمارها. وعن ابن عباس: الحين ستة أشهر لأن من حملها إلى صرامها ستة أشهر. وقال مجاهد وابن زيد: سنة لأن الشجرة من العام إلى العام تحمل الثمرة ولا سيما النخلة إذا تركوا عليها التمر بقي من السنة إلى السنة. وقال الزجاج: الحين الوقت طال أم قصر. والمراد أنه ينتفع بها في وقت يفرض ليلا ونهارا صيفا وشتاء بِإِذْنِ رَبِّها بتيسير خالقها وتكوينه. قال المحققون: معرفة الله تعالى والاستغراق في محبته وطاعته هي الشجرة الطيبة بل لا طيب ولا لذيذ إلا هي، لأن المدركات المحسوسة إنما تصير مدركة لملاقاة شيء من المحسوس شيئا من الحاس. أما نور معرفة الله وإشراقها فإنما ينفذ ويسري في جميع جواهر النفس حتى إنه يكاد يتحد به. ثم إن سائر اللذات منقطعة متناهية، ولذة المعرفة لا تكاد تنتهي إلى حد. وإن عروق هذه الشجرة ثابتة راسخة في جوهر النفس الناطقة ولها شعب وأغصان صاعدة في هواء العالم الروحاني يجمعها التعظيم لأمر الله، ومنشؤها القوة النظرية، وغايتها الحكمة العملية بأقسامها وأصولها وفروعها، وأغصان نابتة في فضاء العالم الجسماني ومنبتها القوة العملية وفائدتها الحكمة الخلقية التي يجمعها الشفقة على خلق الله عموما وخصوصا. وأثر رسوخ شجرة المعرفة في القلب أن يكون نظره للاعتبار فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ [الحشر: ٢] وسمعه للحكمة الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزمر: ١٨] ونطقه بالصدق والصواب وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً [الأحزاب: ٧٠] . وكذا الكلام في سائر القوى والأعضاء. وهنالك مراتب لا تكاد تنحصر بحسب مراتب الاستعدادات. وإذا صار جوهر النفس كاملا بحسب هذه الفضائل فقد يكون مكملا لغيره وذلك قوله: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ. وفي قوله: بِإِذْنِ رَبِّها إشارة إلى أن النظر في جميع هذه المراتب يجب أن يكون على المفيض لا على الفيض، وعلى المنعم لا على النعمة. وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ المبدأ وعرفانه والمعاد وإتيانه فيختار الكمال على النقصان. وأثر العرفان للمعروف لا للعرفان فيكون حينئذ جوهر النفس كلمة طيبة كما قال في حق عيسى بِكَلِمَةٍ

стр. 2112

مِنَ اللَّهِ [آل عمران: ٣٩] . وإذا عرفت الكلمة الطيبة والشجرة الطيبة سهل عليك معرفة ضديهما. فالكلمة الخبيثة كلمة الشرك أو كل كلمة قبيحة أو كل نفس شريرة، والشجرة الخبيثة الباطل أو كل شجرة لا يطيب ثمرها كشجرة الحنظل والثوم ونحو ذلك. ومعنى اجتثت استؤصلت وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة كلها ما لَها مِنْ قَرارٍ أي من استقرار مصدر كالثبات والنبات. وعن قتادة أنه قيل لبعض العلماء ما تقول في كلمة خبيثة؟ فقال: ما أعلم لها في الأرض مستقرا ولا في السماء مصعدا إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافى بها القيامة. قلت: وذلك أن الباطل لا قائل به ولا يوافقه فيه من هو بصدد الاعتبار فهو مضمحل زائل. والحق نقيض ذلك بل الباطل لا يستقر صاحبه عليه ولا يحصل له منه برد اليقين، وكذا النفس الخبيثة لا تكون لها طمأنينة ولا وقار، تراها أبدا تسعى في الطرق المضلة والسبل المنحرفة كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران. ولما شبه حال الفريقين بما شبه بين مآل حالهما فقال: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ أي الذي ثبت بالحجة والبرهان وتمكن في قلب صاحبه بحيث لم يكن للتشكيك فيه مجال. هذا في الحياة الدنيا فلا جرم إذا فتنوا في دينهم لم يزالوا كأصحاب الأخدود والذين نشروا بالمناشير ومشطت لحومهم بأمشاط الحديد، وتثبيتهم في الآخرة أنهم إذا سئلوا في القبور لم يتلعثموا، وإذا وقفوا بين يدي الجبار لم يبهتوا. عن ابن عباس: من داوم على الشهادة في الحياة الدنيا يثبته الله عليها في قبره ويلقنه إياها. وقد ورد في حديث سؤال القبر عن البراء بن عازب مثل ذلك. والسبب العقلي فيه أن المواظبة على الفعل توجب رسوخ الملكة بحيث لا تزول بتبدل الأحوال وتقلب الأطوار. وإنما فسرت الآخرة هاهنا بالقبر لأن الميت ينقطع بالموت عن أحكام الدنيا ويدخل في أحكام الآخرة. فمعنى الآية يثبت الله الذين آمنوا بالله وبما يجب الإيمان به على ما آمنوا به في الدارين، أو يثبتهم الله فيهما بسبب القول الثابت على القول الثابت. وقيل: معنى الآية يثبتهم الله على الثواب والكرامة بسبب القول الثابت الذي كان يصدر عنهم حال ما كانوا في الحياة الدنيا، وسيصدر عنهم حال ما يكونون في الآخرة. ويرد عليه أن الآخرة ليست دار عمل وإن كان قوله: فِي الْحَياةِ الدُّنْيا متعلقا بقوله: يُثَبِّتُ أي ثبتهم على الثواب في الدارين بسبب القول. ورد عليه أن الدنيا ليست دار ثواب، ويمكن أن يناقش في هذا الإيراد لقوله سبحانه: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً [النحل: ٩٧] وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ الذين وضعوا الباطل موضع الحق والشرك بدل التوحيد في الدارين، فلا جرم إذا سئلوا في قبورهم قالوا لا ندري. وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ

стр. 2113

من التثبيت والإضلال. ولا اعتراض لأحد عليه أو من منح الألطاف ومنعها كما تقتضيه الحكمة. ثم عجب من ظالمي مكة بقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ أي شكر نعمته كُفْراً أي وضعوا مكان الشكر الكفر أو بدلوا نفس النعمة كفرا أي سلبوا النعمة فلم يبق معهم إلا الكفر. وذلك أنه تعالى أسكنهم حرمه ووسع عليهم معايشهم وأكرمهم بمحمد ﷺ فلم يقوموا بشكر تلك النعم فضربهم بالقحط سبع سنين وقتلوا يوم بدر وبقي الكفر طوقا في أعناقهم وأعناق من تابعهم وذلك قوله: وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ أي الهلاك. وقوله جَهَنَّمَ عطف بيان وَبِئْسَ الْقَرارُ أي المقر مصدر سمى به. قوله: لِيُضِلُّوا من قرأ بضم الياء فاللام للغرض أو للعاقبة، ومن قرأ بفتحها فاللام للعاقبة لأن العاقل لا يريد ضلال نفسه ولكنه قد يريد إضلال الغير لمصلحة دنيوية. وإنما حسن استعمال اللام لأجل العاقبة من حيث إنها تشبه الغاية والغرض من قبل حصولها في آخر المراتب والمشابهة أحد الأمور المصححة للمجاز. قُلْ تَمَتَّعُوا أمر وعيد وتهديد. قال جار الله: فيه إيذان بأنهم لانغماسهم في التمتع بالحاضر مأمورون به قد أمرهم آمر مطاع هو آمر الشهوة. والمعنى إن دمتم على ما أنتم عليه من الامتثال لأمر الشهوة فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ وإنما سمى عيش الكفار تمتعا لأن إمهالهم في الدنيا على أيّ وجه يفرض يكون أسهل مما أعد لهم في الآخرة من العقاب. ومن الذين نزل فيهم؟ روي عن عمر أنه قال: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة وبنو أمية. فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا حتى حين. وقيل: هم منتصرة العرب جبلة بن الأيهم وأصحابه. ولما أمر الكافرين بالتمتع بنعيم الدنيا تهديدا أمر نبيه ﷺ بحث المؤمنين على خلاف ذلك وهو الإقبال على ما ينفعهم في الآخرة فقال: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ المقول محذوف لأن جواب «قل» يدل عليه التقدير: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا. وجوز بعضهم أن يكون المذكور هو المقول بناء على أنه أمر غائب محذوف اللام. وإنما حسن الحذف لأن الأمر الذي هو «قل» عوض منه، ولو قيل: «يقيموا الصلاة وينفقوا» ابتداء بحذف اللام لم يجز. والخلال المخالة أراد أنفقوا أموالكم في الدنيا حتى تجدوا ثواب ذلك الإنفاق في هذا اليوم الذي لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مصادقة، وإنما ينتفع بالإنفاق لوجه الله. ونفي المخالة في هذه الآية وفي قوله في البقرة: لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ [الآية: ٢٥٤] لا ينافي إثباتها في قوله: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧] لأن المنفية هي التي سببها ميل الطبيعة ورغبة النفس، والمثبتة هي التي يوجبها الاشتراك في الإيمان والعمل الصالح.

стр. 2114

ولما ختم أحوال المعاد عاد إلى المبدإ فقال: اللَّهُ وهو مبتدأ خبره الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وقد مر في أول «البقرة» . والمراد من السماء جهة العلو. وقيل: نفس السماء، وزيف بأن الإنسان ربما كان واقفا على قلة جبل عال ويرى الغيم أسفل منه، وإذا نزل من ذلك الجبل يرى الغيم ماظرا عليه. وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ كقوله في أواسط البقرة وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ [الآية: ١٦٤] وقد مر. ومعنى بِأَمْرِهِ بتيسيره وتسييره لأنه خلق موادها وألهم صنعتها وجعل الماء بحيث يسهل على وجهه جريها، ولأن الملك العظيم قلما يوصف بأنه فعل وإنما يقال إنه أمر بكذا. ومنهم من حمل الأمر على الظاهر أي بقوله: «كن» . وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ وجه المنة فيها أن البحر قلما ينتفع به في العمارة والزراعة لعمقه ولملوحته ففجر الله الأنهار والعيون والآبار الصالحة للانتفاع بها كما لا يخفى وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ أي صيرهما تحت تصرفه وتسخيره بحيث يعود انتفاع ذلك عليكم من التسخين والترطيب والإضاءة والإنارة لأنهما مذللان للإنس. وقوله: دائِبَيْنِ نصب على الحال. والدؤوب مرور الشيء في العمل على عادة مطردة أي يدأبان في مسيرهما وإنارتهما وسائر منافعهما وخواصهما، وهكذا معنى التسخير في قوله: وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ أي قدر هذين العرضين المتعاقبين لراحة الإنسان ولمعاشه. ولما فصل طرفا من النعم أجمل الباقية منها بقوله: وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ أي بعض جميع ما سألتموه. ومن قرأ بالتنوين ف «ما» إما نافية والجملة نصب على الحال أي آتاكم من جميع ذلك غير سائليه، أو موصولة بمعنى وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه وطلبتموه بلسان الحال. ثم بين أن نعم الله على عبيده غير متناهية فقال: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها أي لا تقدرون على تعدادها لكثرتها بل لعدم تناهيها. قال الواحدي: النعمة هاهنا اسم أقيم مقام المصدر كالنفقة بمعنى الإنفاق ولهذا لم تجمع. ومن تأمل في تشريح الأبدان وفي أعضاء الحيوان وأجزائها من العروق الدقاق والأوردة والشرايين وفي كل واحد من الأعضاء البسيطة والمركبة ووقف على منافعها، عرف بعض دقائق نعم الله تعالى على عباده. وإذا جاوز النفس إلى الآفاق وسير فكره في أحوال الأجسام السفلية والعلوية، وقف من بديع صنعتها وعظيم منفعتها على ما يقضى منه العجب. وإذا عبر الملك إلى الملكوت تاه في أودية الحيرة والدهشة وتلاشى عقله عند أدنى سرادقات العزة والهيبة. قال الحكيم: إذا أخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها. أما الذي قبلها فكالخبز والطحن والزرع وغير ذلك من الآلات المعينة والأسباب الفاعلية

стр. 2115

والقابلية حتى تنتهي إلى الأفلاك والعناصر، وأما الذي بعده فكالقوى المعينة على الجذب والإمساك والهضم والدفع وكالأعضاء الحاملة لتلك القوى وكسائر الأمور النافعة في ذلك الباب خارجة من البدن أو داخلة فيه، فإنها لا تكاد تنحصر. وإذا كانت نعم الله تعالى في تناول لقمة واحدة تبلغ هذا المبلغ فكيف فيما جاوز ذلك؟ هذا إذا كنت في عالم الأجساد، فإذا تخطيت إلى عالم الأرواح وأجلت طرف عقلك في ميادين القدس وحظائر الأنس وصادفت بعض ما هنالك من الكرامات واللذات فلعلك تعرف حق النعمة إذ تغرق في لجة المنة أو تغرف من نهر المنحة والنعم هنالك على وفق الاستعداد وإدراك النعم بمقدار الفهم والرشاد، فإن كنت أهلا لها فذاك وإلا فلا تلم إلا نفسك إِنَّ الْإِنْسانَ أي هذا الجنس لَظَلُومٌ يظلم النعمة بإغفال شكرها كَفَّارٌ شديد الكفران لها وذلك أنه مجبول على النسيان والملالة فلا بد أن يقع في إغفال شكر النعمة إن نسيها، أو في كفران النعمة إذا ملها. وقيل: ظلوم في الشدائد بالشكاية والجزع كفار في السعة يجمع ويمنع. واعلم أنه ختم الآية في هذه السورة بما ختم وختمها في النحل بقوله: إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وكأنه قال: إن كنت ظلوما فأنا غفور، وإن كنت كفارا فأنا رحيم فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير، ولا أجازي جفاك إلا بالوفاء، تلك صفتك في الأخذ وهذه صفتي في الإعطاء. التأويل: وَبَرَزُوا من القشور الفانية لِلَّهِ جَمِيعاً من القويّ والضعيف فَقالَ الضُّعَفاءُ وهم المقلدة لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا من المبتدعين إني كفرت بما أشركتموني آمن اللعين حين لا ينفع نفسا إيمانها وَأُدْخِلَ فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا خلى وطباعه لا يدخل الجنة لأنه خلق ظلوما جهولا سفلي الطبع، وإنما يدخله الله بفضله وعنايته جَنَّاتٍ القلوب تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا أنهار الحكمة خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ أي بعنايته وإلا لم يبق فيها ساعة كما لم يبق آدم. تحية أهل القلوب على أهل القلوب لسلامة قلوبهم، وتحيتهم على أهل النفوس لمرض قلوبهم ليسلموا من شر نفوسهم وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [الفرقان: ٦٣] أَلَمْ تَرَ أي ألم تشاهد بنور النبوّة كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا للاستعداد الإنساني القابل للفيض الإلهي دون سائر مخلوقاته كَلِمَةً طَيِّبَةً هي كلمة التوحيد كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ عن لوث الحدوث مثمرة إثمار شواهد أنوار القدم أَصْلُها ثابِتٌ في الحضرة الإلهية فإنها صفة قائمة بذاتها وَفَرْعُها في سماء القلوب تُؤْتِي أُكُلَها من أنوار المشاهدات والمكاشفات كُلَّ حِينٍ يتقرب العبد إلى ربه يتقرب الرب تعالى إليه وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لمن نسي العهد الأوّل لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ الحالة الأولى فيسعون في إدراكها وَمَثَلُ كَلِمَةٍ تتولد من خباثة النفس

стр. 2116

اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ أرض البشرية ما لَها مِنْ قَرارٍ لأنها من الأعمال الفانيات لا من الباقيات الصالحات. يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يمكنهم في مقام الإيمان بملازمة كلمة لا إله إلا الله والسير في حقائقها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لأن سير أصحاب الأعمال ينقطع بالموت وسير أرباب الأحوال لا ينقطع أبدا. وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ أرواحهم وقلوبهم ونفوسهم وأبدانهم، أنزلوا أبدانهم جهنم البعد ونفوسهم الدركات وقلوبهم العمى والصمم والجهل، وأرواحهم العلوية أسفل سافلين الطبيعة فبدلوا نعم الأخلاق الحميدة كفرا لأوصاف الذميمة اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سموات القلوب وأرض النفوس وَأَنْزَلَ مِنَ سماء القلوب ماءً الحكمة فَأَخْرَجَ بِهِ ثمرات الطاعات رِزْقاً لأرواحكم وَسَخَّرَ لَكُمُ فلك الشريعة لِتَجْرِيَ فِي بحر الطريقة بأمر الحق لا بالهوى والطبع. وكم لأرباب الطلب من سفن انكسرت بنكباء الهوى وَسَخَّرَ لَكُمُ أنهار العلوم الدينية وشمس الكشوف وقمر المشاهدات وليل البشرية ونهار الروحانية. ومعنى التسخير في الكل جعلها أسبابا لاستكمال النفس الإنسانية وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ من سائر الأسباب المعينة على ذلك، فجميع العالم بالحقيقة تبع لوجود الإنسان وسبب لكماليته وهو ثمرة شجرة المكونات فلذلك قال: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها لأن مخلوقاته غير منحصرة وكلها مخلوق لاستكماله إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ بإفساد استعداده كَفَّارٌ لا يعرف قدر نعمة الله في حقه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. قوله تعالى: [سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٣٥ الى ٥٢] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ (٤١) وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (٤٣) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (٤٦) فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٤٩) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٥١) هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٥٢)

стр. 2117

القراآت: إبراهام بالألف: هشام والأخفش عن ابن ذكوان إِنِّي أَسْكَنْتُ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. وَمَنْ عَصانِي بالإمالة: علي دُعائِي بالياء في الحالين: ابن كثير ويعقوب. وقرأ أبو عمرو ويزيد وورش وحمزة وسهل والبرجمي والخزاز عن هبيرة وأحمد بن فرج عن أبي عمرو عن إسماعيل بالياء في الوصل. والباقون والهاشمي عن ابن فليح بغير ياء في الحالين. نؤخرهم بالنون: عباس والمفضل في رواية أبي زيد. الآخرون بالياء. لِتَزُولَ بفتح الأول ورفع الآخر: عليّ. الباقون بكسر الأول ونصب الآخر. الْقَهَّارِ مثل الْبَوارِ قطر بكسر القاف وسكون الطاء والراء مكسورة منونة. آن على أنه اسم فاعل: يزيد عن يعقوب والوقف على قراءته اني بالياء. الوقوف: الْأَصْنامَ ط مِنَ النَّاسِ ج مِنِّي ج فصلا بين النقيضين مع اتحاد الكلام رَحِيمٌ هـ الْمُحَرَّمِ لا لأن قوله: لِيُقِيمُوا يتعلق بقوله: أَسْكَنْتُ وكلمة رَبَّنا تكرار يَشْكُرُونَ هـ ما نُعْلِنُ ط وَلا فِي السَّماءِ هـ لا وَإِسْحاقَ ط الدُّعاءِ هـ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ز قد قيل: والوصل أولى للعطف ورَبَّنا تكرار دُعاءِ هـ الْحِسابُ ط الظَّالِمُونَ هـ ط الْأَبْصارُ هـ لا لأن ما بعده حال طَرْفُهُمْ ج لاحتمال أن قوله: وَأَفْئِدَتُهُمْ يكون من صفات أهل المحشر وأن يكون من صفة الكفار في الدنيا هَواءٌ هـ ط قَرِيبٍ لا لأن قوله: نُجِبْ جواب أَخِّرْنا الرُّسُلَ ط زَوالٍ هـ لا للعطف على أَقْسَمْتُمْ الْأَمْثالَ هـ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ط الْجِبالُ هـ رُسُلَهُ ط انتِقامٍ هـ ط فإن انتقامه لا يختص بوقت والتقدير اذكر يوم الْقَهَّارِ هـ فِي الْأَصْفادِ هـ ج للآية ولأن الجملة بعد من صفات المجرمين النَّارُ هـ لا لتعلق لام كي ما كَسَبَتْ ط الْحِسابِ هـ الْأَلْبابِ هـ.

стр. 2118

التفسير: إن قصة إبراهيم ﷺ يحتمل أن تكون مثالا للكلمة الطيبة وأن تكون دعاء إلى التوحيد وإنكارا لعبادة الأصنام، وأن تكون تعديدا لبعض نعمه على عبيده فإن وجود الصالحين ولا سيما الأنبياء والمرسلين رحمة فيما بين العالمين كما قال: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا [آل عمران: ١٦٤] . وذلك بدعاء إبراهيم ومن نسله ﷺ نبينا ﷺ . حكى الله سبحانه عنه طلب أمور منها: قوله: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وقد مر في «البقرة» الفرق بين هذه العبارة وبين ما هنالك. ولا ريب أن في مكة مزيد أمن ببركة دعائه حتى إن الناس مع شدة العداوة بينهم كانوا يتلاقون بمكة فلا يخاف بعضهم بعضا، وكان الخائف إذا التجأ بمكة أمن، وللوحوش هناك استئناف ليس في غيرها، وإنما قدم طلب الأمن على سائر المطالب لأنه لولاه لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من مهمات الدين والدنيا ومن هنا جاز التلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه. وسئل بعض الحكماء أن الأمن أفضل أم الصحة؟ فقال: الأمن دليله أن شاة لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان، ثم إنها تقبل على الرعي والأكل وإنها لو ربطت في موضع وربط بالقرب منها ذئب فإنها تمسك عن العلف ولا تتناول شيئا إلى أن تموت، فدل ذلك على أن الضرر الحاصل من الخوف أشد من الألم الحاصل للجسد. ومنها قوله: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ قال جار الله: أهل الحجاز يقولون: جنبني شره بالتشديد. وأهل نجد: جنبني وأجنبني. وفائدة الطلب- والاجتناب حاصل- التثبت والإدامة ولا أقل من هضم النفس وإظهار الفقر والحاجة والتماس العصمة من الشرك الخفي. أما قوله: وَبَنِيَّ فقيل: أراد بنيه من صلبه وأنهم ما عبدوا صنما ببركة دعائه. وقيل: أولاده وأولاد أولاده ممن كانوا موجودين حال دعوته. وقال مجاهد وابن عيينة: لم يعبد أحد من ولد إبراهيم صنما وهو التمثال المصور، وإنما عبدت العرب الأوثان يعني أحجارا مخصوصة كانت لكل قوم زعموا أن البيت حجر فحيثما نصبنا حجرا فهو بمنزلة البيت، فكانوا يدورون بذلك الحجر ويسمونه الدوار ولذلك استحب أن يقال: طاف بالبيت ولا يقال دار بالبيت. وضعف هذا الجواب بأنه إذا عبد غير الله فالوثن والصنم سيان، على أنه سبحانه وصف آلهتهم بما ينبىء عن كونهم مصورين كقوله: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ [الأعراف: ١٩٨] الآيات إلى قوله: وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [الأعراف: ١٩٨] . وقيل: إن هذا الدعاء مختص بالمؤمنين من أولاده بدليل قوله: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي أي من أهلي فإنه يفهم منه أن من لم يتبعه في دينه فإنه ليس من أهله كقوله لابن نوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [هود: ٤٦] وقيل: إنه وإن عمم الدعاء إلا أنه أجيب في البعض كقوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: ١٢٤] . قالت

стр. 2119

الأشاعرة: لو لم يكن الإيمان والكفر بخلق الله تعالى لم يكن لالتماس التبعيد عن الكفر معنى. وحمله المعتزلة على منح الألطاف. أما قوله: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً فاتفقوا على أن نسبة الإضلال إليهن مجاز لأنهن جمادات فهو كقولهم «فتنتهم الدنيا وغرتهم» أي صارت سببا للفتنة والاغترار بها فَمَنْ تَبِعَنِي بقي على الملة الحنيفية فَإِنَّهُ مِنِّي أي هو بعضي لفرط اختصاصه بي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قال السدي: معناه ومن عصاني ثم تاب. وقيل: إن هذا الدعاء كان قبل أن يعلم أن الله لا يغفر الشرك. وقيل: المراد أنك قادر على أن تغفر له وترحمه بأن تنقله من الكفر إلى الإسلام. وقيل: أراد أن يمهلهم حتى يتوبوا. وقيل: ومن عصاني فيما دون الشرك فاستدل الأشاعرة بإطلاقه من غير اشتراط التوبة على أنه شفاعة في إسقاط العقاب عن أهل الكبائر، وإذا ثبت هذا في حق إبراهيم ﷺ ثبت في حق نبينا بالطريق الأولى. ثم أراد أن يعطف الله بدعائه قلوب الناس كلهم أو جلهم على إسماعيل ومن ولد منه بمكة وأن يرزقهم من الثمرات فمهد لذلك مقدمة فقال: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي أي بعضهم بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ أي لم يكن فيه شيء من زرع قط كقوله: قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [الزمر: ٢٨] أي لا اعوجاج فيه أصلا ولم يوجد ذلك فيه في زمن من الأزمان. وقد سبق في سورة البقرة قصة مجيء إبراهيم ﷺ بإسماعيل وأمه هاجر إلى هنالك. وفي قوله: عند بيتك الحرام دليل على أنه دعا هذه الدعوة بعد بناء البيت لا في حين مجيئه بهما. ومعنى كون البيت محرما أن الله حرم التعرض له والتهاون به وجعل ما حوله حرما لأجل حرمته، وأنه لم يزل ممتنعا عزيزا يهابه كل جبار كالشيء المحرم الذي حقه أن يجتنب. وقيل: سمي محرما لأنه حرم على الطوفان أي منع منه كما سمي عتيقا لأنه أعتق منه فلم يستول عليه، أو حرم على المكلفين أن يقربوه بالدماء والأقذار، أو لأنه أمر الصائرون إليه يحرموا على أنفسهم أشياء كانت تحل لهم من قبل رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ أي ما أسكنتهم بهذا الوادي القفر إلا لإقامة الصلاة عند البيت وعمارته بالذكر والطواف. فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ «من» للتبعيض أي أفئدة من أفئدة الناس. قال مجاهد: لو قال أفئدة الناس لزحمتكم عليه فارس والروم والترك والهند. وعن سعيد بن جبير: لو قال أفئدة الناس لحجه اليهود والنصارى والمجوس ولكنه أراد أفئدة المسلمين. وجوز في الكشاف أن يكون «من» للابتداء كقولك «القلب مني سقيم» . وعلى هذا فإنما يحصل التبعيض من تنكير أفئدة فكأنه قيل: أفئدة ناس. ومعنى تَهْوِي تسرع إِلَيْهِمْ وتطير نحوهم شوقا ونزاعا. وقيل: تنحط وتنحدر. الأصمعي: هوى يهوي هويا

стр. 2120

بفتح الهاء إذا سقط من علو إلى سفل وفي هذا الدعاء فائدتان: إحداهما ميل الناس إلى تلك البلدة للنسك والطاعة، والأخرى نقل الأقمشة إليهم للتجارة، وفي ضمن ذلك تتسع معايشهم وتكثر أرزاقهم ومع ذلك قد صرح بها فقال: وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ فلا جرم أجاب الله دعاءه فجعله حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء. وقيل: أراد أن يحصل حواليها القرى والمزارع والبساتين. ثم ختم الآية بقوله: لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ليعلم أن المقصود الأصلي من منافع الدنيا وسعة الرزق هو التفرغ لأداء العبادات وإقامة الوظائف الشرعية. ثم أثنى على الله سبحانه تمهيدا لدعوة أخرى وتعريضا ببقية الحاجات فقال: رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ على الإطلاق لأن الغيب والشهادة بالإضافة إلى العالم بالذات سيان. وقيل: ما نخفي من الوجد بسبب الفرقة بيني وبين إسماعيل، وما نعلن من البكاء والدعاء، أو أراد ما جرى بينه وبين هاجر حين قالت له عند الوداع: إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله أكلكم. قال المفسرون: وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ من كلام الله تصديقا لإبراهيم، ويحتمل أن يكون من كلام إبراهيم. و «من» للاستغراق أي لا يخفى على الذي يستحق العبادة لذاته شيء ما في أيّ مكان يفرض. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ أي مع كبر السن وفي حال الشيخوخة إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ ذكر أوّلا كونه تعالى عالما بالضمائر والسرائر، ثم حمده على هذه الموهبة لأن المنة بهبة الولد في حال وقوع اليأس من الولادة أعظم لأنها تنتهي إلى حد الخوارق فكأنه رمز إلى أنه يطلب من الله سبحانه أن يبقيهما بعده ولهذا ختم الآية بقوله: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ وهو من إضافة الصفة إلى مفعولها أي مجيب الدعاء، أو إلى فاعلها بأن يجعل دعاء الله سميعا على الإسناد المجازي، والمراد سماع الله تعالى، ويحتمل أن يكون قوله: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ رمزا إلى ما كان قد دعا ربه وسأله الولد بقوله: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات: ١٠٠] روي أن إسماعيل ولد له وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد له إسحق وهو ابن مائة وثنتي عشرة سنة. وقيل: إسماعيل لأربع وستين، وإسحق لتسعين. وعن سعيد بن جبير: لم يولد لإبراهيم إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة. ثم ختم الأدعية بقوله: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ أي مديمها وَمِنْ ذُرِّيَّتِي أي واجعل بعض ذريتي كذلك لم يدع للكل لأنه علم بإعلام الله تعالى أنه يكون في ذريته كفار وذلك قوله سبحانه لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: ١٢٤] ربنا وتقبل دعائي عن

стр. 2121

ابن عباس: أي عبادتي، وحمله على تقبله الأدعية السابقة في الآية غير بعيد رَبَّنَا اغْفِرْ لِي طلب المغفرة لا يوجب سابقة الذنب لأن مثل هذا إنما يصدر عن الأنبياء والأولياء في مقام الخوف والدهشة على أن ترك الأولى لا يمتنع منهم وحسنات الأبرار سيئات المقربين. أما قوله: وَلِوالِدَيَّ فاعترض عليه بأنه كيف استغفر لأبويه وهما كافران؟ وأجيب بأنه قال ذلك بشرط الإسلام، وزيف بأن قوله تعالى: إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ [الممتحنة: ٤] مستثنى من الأشياء التي يؤتسى فيها بإبراهيم، ولو كان استغفاره مشروطا بإسلام أبيه لكان استغفارا صحيحا فلم يحتج إلى الاستثناء. وقيل: أراد بوالديه آدم وحواء والصحيح في الجواب أنه استغفر له بناء على الجواز العقلي والمنع التوفيقي بعد ذلك لا ينافيه يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ أي يثبت مستعار من قيام القائم على الرجل ومثله قولهم «قامت الحرب على ساقها» أو أسند إلى الحساب قيام أهله إسنادا مجازيا، أو المضاف محذوف مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] . ثم عاد إلى بيان الجزاء والمعاد لأن دعاء إبراهيم ﷺ قد انجر إلى ذكر الحساب فقال: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا إن كان الخطاب لكل مكلف أو للنبي والمراد أمته فلا إشكال، وإن كان للنبي ﷺ فمعناه التثبت على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله إلا عالما بجميع المعلومات، أو المراد ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يقولون ولكن معاملة الرقيب عليهم المحاسب على النقير والقطمير. وعن ابن عيينة: تسلية للمظلوم وتهديد للظالم. قلت: لأنه لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم لزم أن يكون غافلا عن الظلم أو عاجزا عن الانتقام أو راضيا بالظلم وكل ذلك مناف لوجوب الوجود المستلزم لجميع الكمالات إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ أي أبصارهم كقوله: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ [مريم: ٤] شخص بصر الرجل إذا بقيت عينه مفتوحة لا تطرف وذلك إنما يكون عند غاية الحيرة وسقوط القوة مُهْطِعِينَ مسرعين قاله أبو عبيدة. والغالب من حال من يبقى بصره شاخصا من شدة الخوف أن يبقى واقفا، فبين الله تعالى أن حالهم بخلاف هذا المعتاد لأنهم مع شخوص أبصارهم يكونون مسرعين نحو ذلك البلاء. وقال أحمد بن يحيى: المهطع الذي ينظر في ذل وخضوع. وقيل: هو الساكت مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ رافعيها وهذا أيضا بخلاف المعتاد لأن الغالب ممن يشاهد البلاء أنه يطرق رأسه لكيلا يراه لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ الطرف تحريك الأجفان على الوجه الذي خلق وجبل عليه. وسمى العين بالطرف تسمية بفعلها أي لا يرجع إليهم أن يطرفوا بعيونهم، والمراد دوام الشخوص المذكور. وقيل: أي لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ والهواء الخلاء الذي يشغله الأجرام. وصف قلب الجبان به لأنه لا قوة فيه، ويقال للأحمق أيضا قلبه هواء. والمعنى

стр. 2122

أن قلوب الكفار خالية يوم القيامة عن جميع الخواطر والأفكار لعظم ما نالهم، وعن كل رجاء وأمل لما تحققوه من العذاب. والأظهر أن هذه الحالة لهم عند المحاسبة لتقدم قوله: يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ وقيل: هي عند ما يتميز السعداء من الأشقياء. وقيل: عند إجابة الداعي والقيام من القبور. وعن ابن جريج: أراد أن أفئدة الكفار في الدنيا صفر من الخير خاوية منه. قال أبو عبيدة: جوف لا عقول لهم وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ مفعول ثان لأنذروا اليوم يوم القيامة، واللام في العذاب للمعهود السابق من شخوص الأبصار وغيره، أو للمعلوم وهو عذاب النار. ومعنى أَخِّرْنا أمهلنا إِلى أمد وحد من الزمان قَرِيبٍ أو يوم هلاكهم بالعذاب العاجل أو يوم موتهم معذبين بشدة السكرات ولقاء الملائكة بلا بشرى أَوَلَمْ تَكُونُوا على إضمار القول أي فيقال لهم ذلك. وإقسامهم إما بلسان الحال حيث بنوا شديدا وأملوا بعيدا، وإما بلسان المقال أشرا وبطرا وجهلا وسفها. وما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ جواب القسم. ولو قيل «ما لنا من زوال» على حكاية لفظ المقسمين لجاز من حيث العربية. والمعنى أقسمتم أنكم باقون في الدنيا لا تزالون بالموت والفناء أو لا تنتقلون إلى دار أخرى هي دار الجزاء كقوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ [النحل: ٣٨] . ثم زادهم توبيخا بقوله: وَسَكَنْتُمْ استقررتم فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالكفر والمعاصي وهم قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم وَتَبَيَّنَ لَكُمْ بالأخبار والمشاهدة والبيان والعيان كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ من أصناف العقوبات وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ قال جار الله: أراد صفات ما فعلوا وما فعل بهم وهي في الغرابة كالأمثال المضروبة لكل ظالم. وقال غيره: المراد ما أورد في القرآن من دلائل القدرة على الإعادة والإبداء وعلى العذاب المعجل والمؤجل. ثم حكى مكر أولئك الظلمة فقال: وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ أي مكرهم العظيم الذين استفرغوا فيه جهدهم. وقيل: الضمير عائد إلى قوم محمد ﷺ كما قال: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ [الأنفال: ٣٠] وقيل: أراد ما نقل أن نمروذ حاول الصعود إلى السماء فاتخذ لنفسه تابوتا وربط قوائمه الأربع بأربع نسور، وكان قد جوعها ورفع من الجوانب الأربعة على التابوت عصيا أربعا وعلق على كل واحدة منها قطعة من اللحم، ثم إنه جلس مع صاحبه في ذلك التابوت. فلما أبصرت النسور ذلك اللحم تصاعدت في جو الهواء ثلاثة أيام وغابت الأرض عن عين نمروذ ورأى السماء بحالها، فعكس تلك العصيّ التي عليها اللحوم فهبطت النسور إلى الأرض. وضعفت هذه الرواية لأنه لا يكاد يقدم عاقل على مثل هذا الخطر. وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ إن كان مضافا إلى

стр. 2123

الفاعل فالمعنى ومكتوب عند الله مكرهم فيجازيهم عليه بأعظم من ذلك، وإن كان مضافا إلى المفعول فمعناه وعنده مكرهم الذي يمكرهم به وهو عذابهم الذي يستحقونه فيأتيهم به من حيث لا يشعرون. أما قوله: وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ من قرأ بكسر اللام الأولى ونصب الثانية فوجهان: أحدهما أن تكون «إن» مخففة من الثقيلة فزوال الجبال مثل لعظم مكرهم وشدته أي وإن الشأن كان مكرهم معدا لذلك. وثانيهما أن تكون «إن» نافية واللام المكسورة لتأكيد النفي كقوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [البقرة: ١٤٣] والمعنى ومحال أن تزول الجبال بمكرهم على أن الجبال مثل لآيات الله وشرائعه الثابتة على حالها أبد الدهر. ومن قرأ بفتح اللام الأولى ورفع الثانية فإن مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة، والمعنى كما مر. ثم إنه سبحانه أكد كونه مجازيا لأهل المكر على مكرهم بقوله: فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ قال جار الله: قدم المفعول الثاني- وهو الوعد- على المفعول الأول ليعلم أنه غير مخلف الوعد على الإطلاق. ثم قال: رُسُلَهُ تنبيها على أنه إذا لم يكن من شأنه إخلاف الوعد فكيف يخلفه رسله الذين هم صفوته. والمراد بالوعد قوله: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا [غافر: ٥١] كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة: ٢١] ونحوهما من الآيات. قوله: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ قد مر في أول «آل عمران» يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ قال الزجاج: انتصاب يوم على البدل من يَوْمَ يَأْتِيهِمُ أو على الظرف للانتقام، والأظهر انتصابه باذكر كما مر في الوقوف. ومعنى قوله: وَالسَّماواتُ أي وتبدل السموات. قال أهل اللغة: التبديل التغيير وقد يكون في الذوات كقولك «بدلت الدراهم دنانير» وفي الأوصاف كقولك «بدلت الحلقة خاتما» إذا أذبتها وسوّيتها خاتما فنقلتها من شكل إلى شكل. وتفسير ابن عباس يناسب الوجه الثاني قال: هي تلك الأرض وإنما تغير فتسير عنها جبالها وتفجر بحارها وتسوّى فلا يرى فيها عوج ولا أمت، وتبدل السماء بانتثار كواكبها وكسوف شمسها وخسوف قمرها وانشقاقها وكونها أبوابا. وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «يبدل الله الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدّها مدّ الأديم العكاظي فلا ترى فيها عوجا ولا أمتا» وهذا القول يناسب مذهب الحكماء في أن الذوات لا يتطرق إليها العدم وإنما تعدم صفاتها وأحوالها. نعم جوزوا انعدام الصور مع أنها جواهر عندهم. وتفسير ابن مسعود يناسب الوجه الأول قال: يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطىء عليها أحد خطيئة. وعن علي كرم الله وجهه: تبدل أرضا من فضة وسموات من ذهب. وعن الضحاك: أرضا من فضة بيضاء كالصحائف. وقيل: لا يبعد أن يجعل الله الأرض

стр. 2124

جهنم والسموات الجنة. وَبَرَزُوا لِلَّهِ قد ذكرناه في أول السورة. وتخصيص الْواحِدِ الْقَهَّارِ بالموضع تعظيم وتهويل وأنه لا مستغاث وقتئذ إلى غيره ولا حكم يومئذ لأحد إلا له يتفرد في حكمه ويقهر ما سواه. ومن نتائج قهره قوله: وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ قرن بعضهم مع بعض لأن الجنسية علة الضم أو مع الشياطين الذين أضلوهم. قالت الحكماء: هي الملكات الذميمة والعقائد الفاسدة التي اكتسبوها في تعلق الأبدان. وقوله: فِي الْأَصْفادِ أي القيود إما أن يتعلق بمقرنين وإما أن يكون وصفا مستقلا أي مقرنين مصدفين. وقيل: الأصفاد الأغلال. والمعنى قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال. وحظ العقل فيه أن الملكات الحاصلة في جوهر النفس إنما تحصل بتكرير الأفعال الصادرة من الجوارح والأعضاء. سَرابِيلُهُمْ جمع سربال وهو القميص مِنْ قَطِرانٍ هو ما يتحلب أي يسيل من شجر يسمى الأبهل فيطبخ فتهنأ به الإبل الجربى فيحرق الجرب بحره وحدّته، وقد تبلغ حرارته الجوف ومن شأنه أن يسرع فيه اشتعال النار، وقد يستسرج به وهو أسود اللون منتن الريح فيطلى به جلود أهل النار حتى يعود طلأوه لهم كالسرابيل فيجمع عليهم اللذع والحرقة والاشتعال والسواد والنتن، على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين والوجه العقلي فيه أن البدن بمنزلة القميص للنفس، وكل ما يحصل للنفس من الآلام والغموم فإنما يحصل بسبب هذا البدن، فلهذا البدن لذع وحرقة في جوهر النفس بنفوذ الشهوة والحرص والغضب وسائر آثار الملكات الردية فيه. ومن قرأ من قطران فالقطر النحاس والصفر المذاب والآني المتناهي حره. قال ابن الأنباري: وتلك النار لا تبطل ذلك السربال ولا تفنيه كما لا تهلك النار أجسادهم والأغلال التي كانت عليهم وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ خص الوجه بالذكر لأنه أعز موضع في ظاهر البدن وأشرفه فعبر به عن الكل. قوله: لِيَجْزِيَ اللام متعلقة ب تَغْشى أو بجميع ما ذكر كأنه قيل: يفعل بالمجرمين ما يفعل ليجزي اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ قال الواحدي: أراد نفوس الكفار لأن ما سبق لا يليق إلا بهم. ويحتمل أن يراد كل نفس مجرمة ومطيعة لأنه تعالى إذا عاقب المجرمين لإجرامهم علم أنه يثيب المطيعين لطاعتهم. ثم أشار إلى القرآن أو إلى ما في السورة أو إلى ما مر من قوله: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا إلى هاهنا فقال هذا بَلاغٌ كفاية لِلنَّاسِ في التذكير والموعظة لينصحوا وَلِيُنْذَرُوا بِهِ بهذا البلاغ. ثم رمز إلى استكمال القوّة النظرية بقوله: وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وإلى استكمال القوّة العملية بقوله: وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ لأنهم إذا خافوا ما أنذروا به دعتهم المخافة إلى استكمال النفس بحسب القوتين والله ولي التوفيق.

стр. 2125

التأويل: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ الروح رَبِّ اجْعَلْ بلد القلب آمِناً من وسوسة الشيطان وهواجس النفس وآفات الهوى وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ هم الفؤاد والسر والخفي أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ وهو كل ما سوى الله. فصنم النفس الدنيا، وصنم القلب العقبى، وصنم الروح الدرجات العلى، وصنم السر العرفان والقربات، وصنم الخفي الركون إلى المكاشفات والمشاهدات وأنواع الكرامات وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ فيه نكتتان: إحداهما لم يقل «ومن عصاك» إشارة إلى أن عصيان الله لا يستحق المغفرة والرحمة، والثانية لم يقل «فأنا أغفره وأرحم عليه» لأن عالم الطبيعة البشرية يقتضي المكافأة وإنما المغفرة والرحمة من شأن الغني المطلق أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي هم صفات الروح والعقل والسر والخفي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ وهو وادي النفس عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ على ما سواك وهو كعبة القلب حرام أن يكون بيتا لغير الله «لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن» . وفيه أنه توسل في إجابة الدعاء بمحمد ﷺ وكأنه قال: إن ضيعت هاجر وإسماعيل فقد ضيعت محمدا. وفي قوله: لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ إشارة إلى أنه لولا تعلق الروح بالجسد وحلوله بأرض القالب لم يمكن استكمال الروح بالأعمال البدنية، وأنه لولا غرض هذا الاستكمال لم يحصل ذلك التعلق فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً الصفات الناسوتية تَهْوِي إلى الصفات الروحانية وَارْزُقْهُمْ مِنَ ثمرات الصفات اللاهوتية لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ هذه النعمة الجسيمة التي ليس ينالها الملائكة المقربون، وفي هذا سر عظيم لا يمكن إفشاؤه. رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي من حقائق الدعاء وَما نُعْلِنُ من ظاهر القصة وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ في أرض المعاملات الصورية ولا في سماء القلوب من الغيوب عَلَى الْكِبَرِ أي بعد تعلق الروح بالقالب إِسْماعِيلَ السر وَإِسْحاقَ الخفي مُقِيمَ الصَّلاةِ دائم العروج فإن الصلاة معراج المؤمن رَبَّنَا اغْفِرْ لِي استرني وامنحني بصفة معرفتك وَلِوالِدَيَّ من الآباء العلوية والأمهات السفلية لئلا يحجبوني عن رؤيتك يوم يقوم حسابك بكمالية كل نفس ونقصانها لأكون في حساب الكاملين لا في حساب الناقصين. وَلا تَحْسَبَنَّ أي لم يكن اللَّهَ غافِلًا في الأزل بل الكل بقضائه وقدره وإِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ ليبلغوا إلى ما قدر لهم من الأعمال فإنها مودعة في الأعمار، وبذلك يصل كل من أهل السعادة والشقاوة إلى منازلهم ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ فيه من إبطال مذهب التناسخية. زعموا أن نفوسهم لا تزال تتعلق بالأبدان وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا تعلقتم بأبدان مثل أبدانهم منهمكين في ظلمات الأخلاق الذميمة وَعِنْدَ اللَّهِ مقدار مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ بحيث يؤثر في إزالة الجبال عن أماكنها ولكنه لا تحرك شعرة إلا بإذن الله بقضائه يَوْمَ تُبَدَّلُ أرض البشرية بأرض القلوب فتضمحل ظلماتها بأنوار

стр. 2126

القلوب، وتبدل سموات الأسرار بسموات الأرواح فإن شموس الأرواح إذا تجلت لكواكب الأسرار انمحت أنوار كواكبها بسطوة أشعة شموسها، بل تبدل أرض الوجود المجازي عند إشراق تجلي أنوار هويته بحقائق أنوار الوجود الحقيقي كما قال: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها [الزمر: ٦٩] وحينئذ بَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ فإن شموس الأرواح تصير مقهورة في تجلي نور الألوهية. وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يوم التجلي مُقَرَّنِينَ في قيود الصفات الذميمة لا يستطيعون البروز لله. سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ المعاصي وظلمات النفوس فهم محجوبون بهما عن الله وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ نار الحسرة والقطيعة هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ الذين نسوا عالم الوحدة وَلِيُنْذَرُوا بِهِ قبل المفارقة فإن الانتباه بالموت لا ينفع وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فيعبدوه ولا يتخذوا إلها غيره من الدنيا والهوى والشيطان وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ عالم الشهود فيخرجوا من قشر الوجود، والله أعلم. تم الجزء الثالث عشر، ويليه الجزء الرابع عشر أوله تفسير سورة الحجر

стр. 2127

بسم الله الرحمن الرحيم الجزء الرابع عشر من أجزاء القرآن الكريم (سورة الحجر مكية بالإجماع وحروفها ألف وسبعمائة وواحد وسبعون وكلماتها ستمائة وأربعة وخمسون وآياتها تسع وتسعون [سورة الحجر (١٥) : الآيات ١ الى ٥٠] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٤) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٥) وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ (٨) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١١) كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥) وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ (٢٧) وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨) قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧) لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠)

стр. 2128

القراآت: ربما بفتح الباء مخففة: أبو جعفر ونافع وعاصم غير الشموني. وربما بضم الباء خفيفة: الشموني. الباقون بالفتح والتشديد ما نُنَزِّلُ بالنون الْمَلائِكَةَ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. ما تنزل بضم التاء وفتح الزاي المشددة الْمَلائِكَةَ بالرفع: أبو بكر وحماد الباقون مثله، ولكن بفتح التاء ما تنزل بالإدغام: البزي وابن فليح سكرت خفيفة: ابن كثير فتحنا بالتشديد: يزيد الريح على التوحيد: حمزة وخلف صِراطٌ عَلَيَّ بكسر اللام ورفع الياء على النعت: يعقوب الآخرون علي جارا ومجرورا وَعُيُونٍ بكسر العين: حمزة وعلي وابن كثير وابن ذكوان والأعشى ويحيى وحماد. الباقون بضمها نَبِّئْ عِبادِي مثل نبئنا عبادي أني بالفتح فيهما: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. والآخرون بالإسكان. الوقوف الر قف كوفي مُبِينٍ هـ مُسْلِمِينَ يَعْلَمُونَ هـ مَعْلُومٌ هـ وَما يَسْتَأْخِرُونَ هـ لَمَجْنُونٌ هـ ط لأن التحضيض له صدر الكلام الصَّادِقِينَ هـ مُنْظَرِينَ هـ لَحافِظُونَ هـ الْأَوَّلِينَ هـ يَسْتَهْزِؤُنَ هـ الْمُجْرِمِينَ هـ الْأَوَّلِينَ هـ يَعْرُجُونَ هـ مَسْحُورُونَ هـ لِلنَّاظِرِينَ لا رَجِيمٍ لا هـ مُبِينٌ هـ مَوْزُونٍ هـ بِرازِقِينَ هـ خَزائِنُهُ ز لاتفاق الجملتين مع الفصل بين معنيي الجمع في التقدير والتفريق في التنزيل. فَأَسْقَيْناكُمُوهُ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف أو الحال بِخازِنِينَ هـ الْوارِثُونَ هـ الْمُسْتَأْخِرِينَ هـ يَحْشُرُهُمْ ط عَلِيمٌ هـ مَسْنُونٍ هـ ج لاتفاق الجملتين مع تقدم المفعول في الثانية السَّمُومِ هـ مَسْنُونٍ هـ ساجِدِينَ هـ

стр. 2129

أَجْمَعُونَ هـ لا إِلَّا إِبْلِيسَ ط السَّاجِدِينَ هـ مَسْنُونٍ هـ رَجِيمٌ هـ الدِّينِ هـ يُبْعَثُونَ هـ مِنَ الْمُنْظَرِينَ لا هـ الْمَعْلُومِ هـ أَجْمَعِينَ لا هـ الْمُخْلَصِينَ هـ مُسْتَقِيمٌ هـ الْغاوِينَ هـ أَجْمَعِينَ هـ أَبْوابٍ ط مَقْسُومٌ هـ وَعُيُونٍ هـ لإرادة القول بعده آمِنِينَ هـ مُتَقابِلِينَ هـ بِمُخْرَجِينَ هـ الرَّحِيمُ لا الْأَلِيمُ هـ. التفسير قال جار الله: تِلْكَ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآي والكتاب والقرآن المبين السورة. وتنكير القرآن للتفخيم وقال آخرون: الكتاب والقرآن المبين هو الكتاب الذي وعد الله محمدا ﷺ والمعنى تلك الآيات آيات ذلك الكتاب الكامل في كونه كتابا وفي كونه قرآنا مفيدا للبيان. أما قوله رُبَما يَوَدُّ فذكر السكاكي أن فيه سبع لغات أخر بعد المشهورة: رب بالراء مضمومة، والباء مخففة مفتوحة أو مضمومة أو مسكنة، ورب بالراء مفتوحة والباء كذلك مشددة، وربة بالتاء مفتوحة والباء كذلك أي مفتوحة مخففة أو مشددة، وإنما دخل على المضارع مع أنه مختص بالماضي لأن المترقب في أخبار الله بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه فكأنه قيل: ربما ود. و «ما» هذه كافة أي تكف رب عن العمل فتتهيأ بذلك للدخول على الفعل. وقيل: إن «ما» بمعنى شيء أي رب شيء يوده الذين كفروا. ورب للتقليل فأورد عليه أن تمنيهم يكثر ويتواصل فما معنى التقليل؟ وأجيب بأنه على عادة العرب إذا أرادوا التكثير ذكروا لفظا وضع لأجل التقليل كما إذا أرادوا اليقين ذكروا لفظا وضع للشك. والمقصود إظهار الترفع والاستغناء عن التصريح بالتعريض فيقولون: ربما ندمت على ما فعلت، ولعلك تندم على فعلك. وإن كان العلم حاصلا بكثرة الندم ووجوده بغير شك أرادوا لو كان الندم قليلا أو مشكوكا فيه لحق عليك أن لا تفعل هذا الفعل لأن العقلاء يتحرزون من الغم القليل كما يحذرون من الكثير، ومن الغم المظنون كما من المتيقن. فمعنى الآية لو كانوا يودون الإسلام مرة واحدة كان جديرا بالمسارعة إليه فكيف وهو يودونه في كل ساعة. وقوله لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ إخبار عن ودادتهم كقولك «حلف بالله ليفعلن» . ولو قيل «لو كنا مسلمين» جاز من حيث العربية كقولك «حلف بالله لأفعلن» . ومتى تكون هذه الودادة؟ قال الزجاج: إن الكافر كلما رأى حالا من أحوال العذاب أو رأى حالا من أحوال المسلم ود لو كان مسلما. وعلى هذا فقد قيل في وجه التقليل: إن العذاب يشغلهم عن كثير التمني فلذلك قلل. وقال الضحاك: هي عند الموت إذا شاهد أمارات العذاب. وقيل: إذا اسودت وجوههم. روي عن النبي ﷺ «إذا كان يوم القيامة اجتمع أهل النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة. فقال الكفار لهم: ألستم مسلمين؟ قالوا: بلى. قالوا: فما أغنى عنكم من

стр. 2130

إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟ فيغضب الله لهم فيأمر لكل من كان من أهل القبلة بالخروج فحينئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين. وقرأ رسول الله ﷺ الآية» . وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: ما يزال الله يرحم المؤمنين ويخرجهم من النار ويدخلهم الجنة بشفاعة الملائكة والأنبياء حتى إنه تعالى في آخر الأمر يقول: من كان من المسلمين فليدخل الجنة فهناك يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ذَرْهُمْ ظاهره أمر لرسول الله ﷺ بأنه يخليهم وشأنهم، فاحتجت الأشاعرة به على أنه قد يصد عن الإيمان ويفعل بالمكلف ما يكون مفسدة في الدين. وقالت المعتزلة: ليس هذا إذنا وتجويزا وإنما هو تهديد ووعيد وقطع طمع النبي عن ارعوائهم، وفيه أنهم من أهل الخذلان ولا يجيء منهم إلا ما هم فيه، ولا زاجر لهم ولا واعظ إلا معاينة ما ينذرون به حين لا ينفعهم الوعظ. وفي الآية تنبيه على أن إيثار التلذذ والتمتع وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين وَمعنى يُلْهِهِمُ الْأَمَلُ يشغلهم الرجاء عن الإيمان والطاعة. لهيت عن الشيء بالكسر ألهى لهيا إذا سلوت عنه وتركت ذكره وأضربت عنه. وألهاني غيره. عن أنس أن النبي ﷺ خط خطا وقال: هذا الإنسان. وخط آخر إلى جنبه وقال: هذا أجله. وخط آخر بعيدا منه فقال: هذا الأمل. فبينما هو كذلك إذ جاءه الأقرب فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ سوء صنيعهم مزيد تأكيد للتهديد. ثم ذكر ما هو نهاية في الزجر والتحذير فقال وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ أي مكتوب مَعْلُومٌ وهو أجلها الذي كتب في اللوح. قال جار الله: قوله وَلَها كِتابٌ جملة واقعة صفة لقرية والواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف. وذكر السكاكي في المفتاح أن هذا سهو لأن الفصل بين الموصوف والصفة لا يجوز ولكن الجملة حال من قرية ومثل هذا جائز، ولو كان ذو الحال نكرة محضة كقولك «جاءني رجل وعلى كتفه سيف» لعدم التباس الحال بالوصف لمكان الفاصلة بالواو، وكيف وقد زادت الفاصلة في الآية بكلمة إِلَّا وذو الحال قريب من المعرفة إذ التقدير: وما أهلكنا قرية من القرى من قبل إفادة من الاستغراق. قال قوم: المراد بهذا الهلاك عذاب الاستئصال الذي كان ينزله الله بالمكذبين المعاندين من الأمم السالفة. وقال آخرون: أراد الموت والأول أقرب لأنه في الزجر أبلغ وكأنه قيل: إن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتر به العاقل فإن لكل أمة وقتا معينا في نزول العذاب لا يتقدم ولا يتأخر. وقيل: أراد مجموع الأمرين. قال صاحب النظم: إذا كان السبق واقعا على شخص فمعناه جاز وخلف كقولك «سبق زيد عمرا» أي جازه وخلفه وأنه قصر عنه وما بلغه، وإذا كان واقعا على زمان فعلى العكس كقولك «سبق فلان

стр. 2131

عام كذا» معناه مضى قبل إتيانه ولم يبلغه. فمعنى الآية أنه لا يحصل أجل أمة قبل وقته ولا بعده كما في كل حادث، وقد مر بحث الأجل في أول سورة الأنعام. وأنث الأمة أولا ثم ذكرها آخرا في قوله وَما يَسْتَأْخِرُونَ حملا على اللفظ والمعنى، وحذف متعلق يَسْتَأْخِرُونَ وهو عنه للعلم به. ولما بالغ في تهديد الكفار شرع في تعديد بعض شبههم ومطاعنهم في النبي. فالأولى أنهم كانوا يحكمون عليه بالجنون لأنهم كانوا يسمعون منه ﷺ ما لا يوافق آراءهم ولا يطابق أهواءهم وإنما نادوه يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مع أنهم كانوا لا يقرون بنزول الوحي عليه تعكيسا للكلام استهزاء وتهكما، وأرادوا يا أيها الذي نزل عليه الوحي في زعمه واعتقاده وعند أصحابه وأتباعه، الثانية. لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ «لو ما» حرف تحضيض مركب من «لو» المفيدة للتمني ومن «ما» المزيدة، فأفاد المجموع الحث على الفعل الداخل هو عليه والمعنى: هلا تأتينا بالملائكة ليشهدوا على صدقك ويعضدوك على إنذارك؟ والمراد هلا تأتينا بملائكة العذاب إن كنت صادقا في أن تكذيبك يقتضي التعذيب العاجل؟ فأجاب الله سبحانه عن شبههم بقوله ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ قالت المعتزلة: أي تنزيلا متلبسا بالحكمة والمصلحة والغاية الصحيحة، ولا حكمة في أن تأتيكم عيانا فإن أمر التكليف حينئذ يؤول إلى الاضطرار والإلجاء، ولا فائدة تعود عليكم لأنه تعالى يعلم إصراركم على الكفر فيصير إنزالهم عبثا، أو لا حكمة في إنزالهم لأنهم لو نزلوا ثم لم تؤمنوا وجب عذاب الاستئصال وذلك قوله وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ فإن التكليف يزول عند نزول الملائكة وقد علم الله من المصلحة أن لا يهلك هذه الأمة ويمهلهم لما علم من إيمان بعضهم أو إيمان أولادهم. وقالت الأشاعرة: إلا بالحق أي إلا بالوحي أو العذاب. قال صاحب النظم: لفظ «إذن» مركبة من «إذ» بمعنى «حين» ومن «أن» الدالة على مجيء فعل بعده، فخففت الهمزة بحذفها بعد نقل حركتها وكأنه قيل: وما كانوا منظرين إذ أن كان ما طلبوا. وقال غيره: «إذن» جواب وجزاء تقديره: ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين وما أخر عذابهم. ثم أنكر على الكفار استهزاءهم في قولهم يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ فقال على سبيل التوكيد إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ ثم دل على كونه آية منزلة من عنده فقال وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ لأنه لو كان من قول البشر أو لم يكن آية لم يبق محفوظا من التغيير والاختلاف. وقيل: الضمير في لَهُ لرسول الله ﷺ كقوله وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٦٧] والقول الأول أوضح. ووجه حفظ القرآن قيل: هو جعله معجزا مباينا لكلام البشر حتى لو زادوا فيه شيئا ظهر ذلك للعقلاء ولم يخف، فلذلك بقي مصونا عن التحريف. وقيل: حفظ بالدرس

стр. 2132

والبحث ولم يزل طائفة يحفظونه ويدرسونه ويكتبونه في القراطيس باحتياط بليغ وجد كامل حتى إن الشيخ المهيب لو اتفق له لحن في حرف من كتاب الله لقال له بعض الصبيان: أخطأت. ومن جملة إعجاز القرآن وصدقه أنه سبحانه أخبر عن بقائه محفوظا عن التغيير والتحريف وكان كما أخبر بعد تسعمائة سنة فلم يبق للموحد شك في إعجازه. وهاهنا نكتة هي أنه سبحانه تولى حفظ القرآن ولم يكله إلى غيره فبقي محفوظا على مر الدهور بخلاف الكتب المتقدمة فإنه لم يتول حفظها وإنما استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيما بينهم ووقع التحريف. ثم ذكر أن عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء كذلك، والغرض تسلية النبي ﷺ . وفي الكلام إضمار والتقدير وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رسلا إلا أنه حذف ذكر الرسل لدلالة الإرسال عليه. ومعنى فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ في أممهم وأتباعهم وقد مر معنى الشيعة في آخر «الأنعام» قال جار الله: معنى أرسلنا فيهم جعلناهم رسلا فيما بينهم. قال الفراء: إضافة الشيع إلى الأولين من إضافة الموصوف إلى الصفة كقوله حَقُّ الْيَقِينِ [الواقعة: ٩٥] وبِجانِبِ الْغَرْبِيِّ [القصص: ٤٤] وقوله وَما يَأْتِيهِمْ حكاية حال ماضية. وإنما كان الاستهزاء بالرسل عادة الجهلة في كل قرن لأن الفطام عن المألوف شديد وكون الإنسان مسخرا لأمر من هو مثله أو أقل حالا منه في المال والجاه والقبول أشد، على أن السبب الكلي فيه هو الخذلان وعدم التوفيق من الله سبحانه ووقوعهم مظاهر القهر في الأزل. قوله كَذلِكَ نَسْلُكُهُ السلك إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط. وقالت الأشاعرة: الضمير في نَسْلُكُهُ يجب عوده الى أقرب المذكورات وهو الاستهزاء الدال عليه يَسْتَهْزِؤُنَ وأما الضمير في قوله لا يُؤْمِنُونَ بِهِ فيعود إلى الذكر لأنه لو عاد إلى الاستهزاء وعدم الإيمان بالاستهزاء حق وصواب لم يتوجه اللوم على الكفار، ولا يلزم من تعاقب الضمائر عودها على شيء واحد وإن كان الأحسن ذلك. والحاصل أن مقتضى الدليل عود الضمير إلى الأقرب إلا إذا منع مانع من اعتباره. وقال بعض الأدباء منهم: قوله لا يُؤْمِنُونَ بِهِ تفسير للكناية في قوله نَسْلُكُهُ أي نجعل في قلوبهم أن لا يؤمنوا به فثبتت دلالة الآية على أن الكفر والضلال والاستهزاء ونحوها من الأفعال كلها بخلق الله وإيجاده. وقالت المعتزلة: الضميران يعودان إلى الذكر لأنه شبه هذا السلك بعمل آخر قبله وليس إلا تنزيل الذكر. والمعنى مثل ذلك الفعل نسلك الذكر في قلوب المجرمين. ومحل لا يُؤْمِنُونَ بِهِ نصب على الحال أي غير مؤمن به أو هو بيان لقوله كَذلِكَ نَسْلُكُهُ والحاصل أنا نلقيه في قلوبهم مكذبا مستهزأ به غير مقبول نظيره ما إذا أنزلت

стр. 2133

بلئيم حاجة فلم يجبك إليها فقلت: كذلك أنزلها باللئام تعني مثل هذا الإنزال أنزلها بهم مردودة غير مقضية. واعترض بأن النون إنما يستعمله الواحد المتكلم إظهارا للعظمة والجلال ومثل هذا التعظيم إنما يحسن ذكره إذا فعل فعلا يظهر له أثر قويّ كامل، أما إذا فعل بحيث يكون منازعه ومدافعه غالبا عليه فإنه يستقبح ذكره على سبيل التعظيم، والأمر هاهنا كذلك لأنه تعالى سلك استماع القرآن وتحفيظه وتعليمه في قلب الكافر لأجل أن يؤمن به، ثم إنه لم يلتفت إليه ولم يؤمن به فصار فعل الله كالهدر الضائع وصار الشيطان كالغالب المدافع فكيف يحسن ذكر النون المشعر بالتعظيم في هذا المقام؟ أما قوله وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ فقيل: أي طريقتهم التي بينها الله في إهلاكهم حين كذبوا برسلهم وبالذكر المنزل عليهم، وهذا يناسب تفسير المعتزلة، وفيه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم. وقيل: قد مضت سنة الله في الأولين بأن يسلك الكفر والضلال في قلوبهم وهذا قول الزجاج، ويناسب تفسير الأشاعرة. ثم حكى إصرارهم على الجهل والتكذيب بقوله وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا أي هؤلاء الكفار فِيهِ يَعْرُجُونَ يتصاعدون لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا هو من سكر الشراب أو من سكر سدّ الشق يقال: سكر النهر إذا سدّه وحبسه من الجري. والتركيب يدل على قطع الشيء من سننه الجاري عليه ومنه السكر في الشراب لأنه ينقطع عما كان عليه من المضاء في حال الصحو. فمعنى الآية حيرت أبصارنا ووقع بها من فساد النظر ما يقع بالرجل السكران، أو حبست عن أفعالها بحيث لا ينفذ نورها ولا تدرك الأشياء على حقائقها. عن ابن عباس: المراد لو ظل المشركون يصعدون في تلك المعارج وينظرون إلى ملكوت الله تعالى وقدرته وسلطانه وإلى عبادة الملائكة الذين هم من خشية ربهم مشفقون لتشككوا في تلك الرؤية وبقوا مصرين على كفرهم وجهلهم كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاق القمر وما خص به النبي ﷺ من القرآن المعجز الذي لا يستطيع الجن والإنس أن يأتوا بمثله. قال في الكشاف: ذكر الظلول يعني أنه قال فَظَلُّوا ولم يقل «فباتوا» ليجعل عروجهم بالنهار ليكونوا مستوضحين لما يرون. وقال: إنما سكرت ليدل على أنهم يبتون القول بأن ذلك ليس إلا تسكيرا للأبصار. وقيل: الضمير في فَظَلُّوا للملائكة أي لو أريناهم الملائكة يصعدون في السماء عيانا لقالوا: إن السحرة سحرونا وجعلونا بحيث نشاهد هذه الأباطيل التي لا حقيقة لها. وهاهنا سؤال وهو أنه كيف جاز من جم غفير أن يصيروا شاكين فيما يشاهدونه بالعين السليمة في النهار الواضح؟ وأجيب بأنهم قوم مخصوصون لم يبلغوا مبلغ التواتر وكانوا رؤساء قليلي العدد فجاز تواطؤهم على المكابرة والعناد لا سيما إذا جمعهم غرض معتبر كدفع حجة أو غلبة خصم.

стр. 2134

ولما أجاب عن شبه منكري النبوة بما أجاب وكان القول بالنبوة مفرعا على القول بالصانع أتبعه دلائل ذلك فقال وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وهي اثنا عشر عند أهل النجوم، وذلك أنهم قسموا نطاق الفلك الثامن عندهم باثني عشر قسما متساوية، ثم أجيز بمنتهى كل قسم وبأوله مبتدأة من أول الحمل نصف دائرة عظيمة مارة بقطبي الفلك فصار الفلك أيضا منقسما باثنتي عشرة قطعة كل منها تشبه ضلعا من أضلاع البطيخ تسمى برجا. ولا شك أن هذه البروج مختلفة الطباع، كل ثلاثة منها على طبيعة عنصر من العناصر الأربعة فلذلك يسمى الحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية. ثم إن كانت أجزاء الفلك مختلفة في الماهية على ما يجوّزه المتكلمون، أو كانت متساوية في تمام الماهية مختلفة في التأثير كما يقول به الحكيم، فعلى التقديرين يكون اختصاص كل جزء بطبيعة معينة أو بتأثير معين مع تساوي الكل في حقيقة الجسمية دالا على صانع حكيم ومدبر قدير. الدليل الآخر قوله وَزَيَّنَّاها أي بالشمس والقمر والنجوم لِلنَّاظِرِينَ بنظر الاعتبار والاستبصار. وقال المنجمون: إن الكواكب الثابتة كلها على الفلك الثامن وهذا لا ينافي الآية على ما يمكن أن يسبق إلى الوهم، لأنها سواء كن في سماء الدنيا أو في سموات أخر فوقها فلا بد أن يكون ظهورها في السماء الدنيا فتكون السماء الدنيا مزينة بها، والآية لا تدل إلا على هذا القدر. ونظير هذه الآية قوله تعالى في «حم السجدة» وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ [فصلت: ١٢] ومثله في سورة الملك. الدليل الثالث قوله وَحَفِظْناها أي البروج أو السماء مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ نصب على الاستثناء المنقطع أي لكن من استرق وجائز أن يكون مخفوضا أي إلا ممن استرق. وعن ابن عباس: يريد الخطفة اليسيرة فَأَتْبَعَهُ أي أدركه ولحقه شِهابٌ مُبِينٌ ظاهر للمبصرين والشهاب شعلة نار ساطع، وقد يسمى الكوكب شهابا لأجل لمعانه وبريقه. قال ابن عباس: كانت الشياطين لا يحجبون من السموات وكانوا يدخلونها ويسمعون أخبار الغيوب من الملائكة فيلقونها على الكهنة، فلما ولد عيسى ﵇ منعوا من ثلاث سموات، فلما ولد محمد ﷺ منعوا من السموات كلها وهذا هو المراد بحفظ السموات كما لو حفظ أحدنا منزله ممن يتجسس ويخشى منه الفساد. والاستراق السعي في استماع الكلام مستخفيا. قال الحكماء: إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس، فإذا بلغ النار التي دون الفلك احترق بها واشتعل لدهنية فيه فيحدث منها أنواع النيران من جملتها الشهب، فلا ريب أنها كانت موجودة قبل مبعث النبي ﷺ إلا أنها لم تكن مسلطة

стр. 2135

على الشياطين. وإنما قيض كونها رجوما للشياطين في زمن عيسى ﵇ ثم في زمن محمد ﷺ . أسئلة: كيف يجوز أن يشاهد هؤلاء الجن واحدا كان أو أكثر من جنسهم يسترقون السمع فيحرقون، ثم إنهم مع ذلك يعودون لمثل صنيعهم؟ والجواب: إذا جاء القضاء عمي البصر، فإذا قيض الله لطائفة منهم الحرق لطغيانها قدر له من الدواعي المطمعة في درك المقصود ما عندها يقدم على العمل المفضي الى الهلاك والبوار. آخر: قد ورد في الأخبار أن ما بين كل سماء مسيرة خمسمائة عام، فهؤلاء الجن إن قدروا على خرق السماء ناقض قوله سبحانه هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ [الملك: ٣] وإن لم يقدروا فكيف يمكنهم استماع أسرار الملائكة من ذلك البعد البعيد، ولم لا يسمعون كلام الملائكة حال كونهم في الأرض؟ وأجيب بأنا سلمنا أن بعد ما بين كل سماء ذلك القدر إلا أن نحن الفلك لعله قدر قليل، وقد روى الزهري عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ قال: بينما النبي ﷺ جالس في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فاستنار فقال: ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا حدث مثل هذا؟ قالوا: كنا نقول يولد عظيم أو يموت عظيم. فقال النبي ﷺ : «لا يرمى لموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا تعالى إذا قضى الأمر في السماء سبحت حملة العرش ثم سبح أهل السماء وسبح أهل كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء، ويستخبر أهل السماء حملة العرش ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ولا يزال ينتهي ذلك الخبر من سماء إلى السماء إلى أن ينتهي الخبر إلى هذه السماء، ويتخطف الجن فيرمون فما جاءوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يزيدون» «١» . آخر: الشياطين مخلوقون من نار فكيف تحرق النار النار؟ والجواب: أن الأقوى قد يبطل الأضعف وإن كان من جنسه. آخر: إن هذا الرجم لو كان من معجزات النبي ﷺ فكيف بقي بعد وفاته؟ الجواب: هذا من المعجزات الباقية والغرض منه إبطال الكهانة. آخر: إن الشهب قد تحدث بالقرب من الأرض وإلا لم يمكن الإحساس بها فكيف

стр. 2136

تمنع الشياطين من الوصول إلى الفلك حين الاستراق؟ وأجيب بأن البعد عندنا غير مانع من السماع فلعله تعالى أجرى عادته بأنهم إذا وقعوا في تلك المواضع سمعوا كلام الملائكة. آخر: لو كان يمكنهم نقل أخبار الملائكة إلى الكهنة فكيف لم يقدروا على نقل أسرار المؤمنين إلى الكفار؟ وأجيب بأنه تعالى أقدرهم على شيء وأعجزهم عن شيء ولا يسأل عما يفعل. وأقول: لعل السبب فيه أن نسبتهم إلى الروحانيات أكثر. آخر: إذا جوّزتم في الجملة اطلاع الجن على بعض المغيبات فقد ارتفع الوثوق عن إخبار النبي ﷺ عن بعض الغيوب فلا يكون دليلا على صدقه. لا يقال: إنه تعالى أخبر أنهم عجزوا عن ذلك بعد مولد النبي ﷺ لأنا نقول: صدق هذا الكلام مبني على صحة نبوّته، فلو أثبتنا صحة نبوّته به لزم الدور؟ والجواب: أنا نعرف صحة نبوّته بدلائل أخر حتى لا يدور، ولكن لا ريب أن إخباره عن بعض المغيبات مؤكد لنبوّته وإن لم يكن مثبتا لها. الدليل الرابع: قوله وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وقد مرّ تفسير مثله في أوّل سورة الرعد. الدليل الخامس قوله: وَأَنْبَتْنا فِيها أي في الأرض أو في الجبال الرواسي مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ بميزان الحكمة ومقدر بمقدار الحاجة، وذلك أن الوزن سبب معرفة المقدار فأطلق اسم السبب على المسبب. وقيل: أي له وزن وقدر في أبواب النعمة والمنفعة. وقيل: أراد أن مقاديرها من العناصر معلومة وكذا مقدار تأثير الشمس والكواكب فيها. وقيل: أي مناسب أي محكوم عليه عند العقول السليمة بالحسن واللطافة. يقال: كلام موزون أي مناسب، وفلان موزون الحركات. وقيل: أراد ما يوزن من نحو الذهب والفضة والنحاس وغيرها من الموزونات كأكثر الفواكه والنبات. وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها أي في الأرض أو في تلك الموزونات مَعايِشَ ما يتوصل به إلى المعيشة وقد مر في أول «الأعراف» . وَمَنْ عطف على معايش أي جعلنا لكم من لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ أو عطف على محل لكم لا على المجرور فقط فإنه لا يجوز في الأكثر إلا بإعادة الجار والتقدير: وجعلنا لكم معايش لمن لستم له برازقين، وأراد بهم العيال والمماليك والخدم الذين رازقهم في الحقيقة هو الله تعالى وحده لا الآباء والسادات والمخاديم، ويدخل فيه بحكم التغليب غير ذوي العقول في الأنعام والدواب والوحش والطير كقوله: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي

стр. 2137

الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [هود: ٦] وقد يذكر غير من يعقل بصفة من يعقل بوجه ما من الشبه كقوله: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ [النمل: ١٨] والدواب تشبه ذوي العقول من جهة أنها طالبة لأرزاقها عند الحاجة. يحكى أنه قلت مياه الأودية في بعض السنين واشتد عطش الوحوش فرفعت رأسها إلى السماء فأنزل الله المطر. ثم بين غاية قدرته ونهاية حكمته فقال: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ قال جمع من المفسرين: أراد بالشيء هاهنا المطر الذي هو سبب لأرزاق بني آدم وغيرهم من الطير والوحش، وذلك أنه لما ذكر معايشهم بين أن خزائن المطر الذي هو سبب المعايش عنده أي في أمره وحكمه وتدبيره. قوله: وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ عن ابن عباس: يريد قدر الكفاية. وقال الحكم: ما من عام بأكثر مطرا من عام آخر ولكنه يمطر قوم ويحرم آخرون، وربما كان في البحر، واعلم أن لفظ الآية لا يدل على هذين القولين فلو ساعدهما نقل صحيح أمكن أن يقبلهما العقل والا كان شبه تحكم والظاهر عموم الحكم، وإن ذكر الخزائن تمثيل لاقتداره على كل مقدور. والمعنى إن جميع الممكنات مقدورة ومملوكة له يخرجها من العدم إلى الوجود كيف شاء، وهي إن كانت غير متناهية بالقوّة لأن كلا منها يمكن أن يقع في أوقات غير محصورة على سبيل البدل، وكذا الكلام في الأحياز وسائر الأعراض والأوصاف. فاختصاص ذلك الخارج إلى الوجود بمقدار معين وشكل معين وحيز ووقت معين إلى غير ذلك من الصفات المعينة دون أضدادها لا بد أن يكون بتخصيص مخصص وتقدير مقدر وهو المراد من قوله: وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ وقد يتمسك بالآية بعض المعتزلة في أن المعدوم شيء. قيل: المراد أن تلك الذوات والماهيات كانت مستقرة عند الله بمعنى أنها كانت ثابتة من حيث إنها حقائق وماهيات، ثم إنه تعالى نزل أي أخرج بعضها من العدم إلى الوجود. الدليل السادس: قوله وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ ومن قرأ الريح فاللام للجنس لَواقِحَ قال ابن عباس: معناه ملاقح جمع ملقحة لأنها تلقح السحاب بمعنى أنها تحمل الماء وتمجه في السحاب، أو لأنها تلقح الشجر أي تقوّيها وتنميها إلى أن يخرج ثمرها. قاله الحسن وقتادة والضحاك. وقد جاء في كلام العرب «فاعل» بمعنى «مفعل» قال: ومختبط مما تطيح الطوائح يريد المطاوح جمع مطيحة. وقال ابن الأنباري: تقول العرب: أبقل النبت فهو باقل أي مبقل. وقال الزجاج: معناه ذوات لقحة لأنها تعصر السحاب وتدره كما تدر اللقحة

стр. 2138

كما يقال رامح أي ذو رمح- ولابن وتامر أي ذو لبن وذو تمر. وقيل: إن الريح في نفسها لاقح أي حالة للسحاب أو للماء من قوله تعالى: حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا [الأعراف: ٥٧] أو حاملة للخير والرزق كما قيل لضدها الريح العقيم فَأَسْقَيْناكُمُوهُ أي جعلناه لكم سقيا قال أبو عليّ: يقال سقيته الماء إذا أعطاه قدر ما يروى، وأسقيته نهرا أي جعلته شربا له. والذي يؤكد هذا اختلاف القراء في قوله: نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ [النحل: ٦٦] ولم يختلفوا في قوله: وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً [الدهر: ٢١] ويقال: سقيته لشفته وأسقيته لماشيته وأرضه. وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ نفى عنهم ما أثبته لنفسه في قوله وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ أي نحن الخازنون للماء لا أنتم أراد عظيم قدرته وعجز من سواه الدليل السابع: قوله وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ والغرض الاستدلال بانحصار الإحياء والإماتة فيه على أنه واحد في ملكه. قال أكثر المفسرين: إنه وصف النبات فيما قبل فهذا الإحياء مختص بالحيوان، ومنهم من يحمله على القدر المشترك بين إحياء النبات وبين إحياء الحيوان وَنَحْنُ الْوارِثُونَ مجاز عن بقائه بعد هلاك ما عداه كما مر في آخر «آل عمران» في قوله: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الآية: ١٨٠] قوله: وَلَقَدْ عَلِمْنَا عن ابن عباس في رواية عطاء الْمُسْتَقْدِمِينَ يريد أهل طاعة الله، والمستأخرين يريد المتخلفين عن طاعته. ويروى أنه ﷺ رغب الناس في الصف الأول في الجماعة فازدحم الناس عليه فأنزل الله الآية. والمعنى إنا نجزيهم على قدر نياتهم. وقال الضحاك ومقاتل: يعني في صف القتال. وقال ابن عباس في رواية أبي الجوزاء: كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول الله ﷺ وكان قوم يتقدمون إلى الصف الأول لئلا يروها، وآخرون يتخلفون ويتأخرون ليروها، وكان قوم إذا ركعوا جافوا أيديهم لينظروا من تحت آباطهم فنزلت. وقيل: المستقدمون هم الأموات والمستأخرون هم الأحياء. وهذا القول شديد المناسبة لما قبل الآية ولما بعدها. وقيل: المستقدمون هم الأمم السالفة والمستأخرون هم أمة محمد ﷺ . وقال عكرمة: المستقدمون من خلق، والمستأخرون من لم يخلق بعد. والظاهر العموم وأن علمه تعالى شامل لجميع الذوات والأحوال الماضية والمستقبلة فلا ينبغي أن تخص الآية بحالة دون أخرى. ثم نبه على أن الحشر والنشر أمر واجب ولا يقدر على ذلك أحد إلا هو فقال: وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ فلحكمته بني أمر العباد على التكليف والجزاء، ولعلمه قدر على توفية مقادير الجزاء. الدليل الثامن: الاستدلال على خلق الإنسان خاصة وذلك أنه لا بد من انتهاء الناس

стр. 2139

إلى إنسان أول ضرورة امتناع القول بوجود حوادث لا أول لها. وقد أجمع المفسرون على أنه آدم ﵇، ورأيت في كتب الشيعة عن محمد بن علي الباقر ﵁ أنه قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر، وكيف كان فلا بد من إنسان هو أول الناس. والأقرب أنه تعالى خلق آدم من تراب ثم من طين ثم من حمإ مسنون ثم من صلصال كالفخار. وقد كان قادرا على خلقه من أيّ جنس من الأجسام كان، بل كان قادرا على خلقه ابتداء. وإنما خلقه على هذا الترتيب لمحض المشيئة، أو لما كان فيه من زلة الملائكة والجن، أو لغير ذلك من المصالح، ولا شك أن خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلق الشيء من شكله وجنسه، والصلصال الطين اليابس الذي يصلصل أي يصوّت وهو غير مطبوخ فإذا طبخ فهو فخار. وقيل: هو تضعيف صل إذا أنتن. والحمأ الأسود المتغير من الطين، وكذلك الحمأة بالتسكين. والمسنون المصوّر من سنة الوجه أي صورته قاله سيبويه. وقال أبو عبيدة: المسنون المصبوب المفرغ أي أفرغ صورة إنسان كما تفرغ الصورة من الجواهر المذابة. وقال ابن السكيت: سمعت أبا عمرو يقول: معناه متغير منتن وكأنه من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به فالذي يسيل منهما سنين ولا يكون إلا منتنا. قال في الكشاف: قوله: مِنْ حَمَإٍ صفة صلصال أي خلقه من صلصال كائن من حمإ. قلت: ولا يعبد أن يكون بدلا أي خلقه من حما. قال: وحق مسنون بمعنى مصوّر أن يكون صفة لصلصال كأنه أفرغ الحمأ فصوّر منها تمثال إنسان أجوف فيبس حتى إذا نقر صلصل، ثم غيره بعد ذلك إلى جوهر آخر. قوله: وَالْجَانَّ قال الحسن ومقاتل وقتادة وهو رواية عطاء عن ابن عباس يريد إبليس. - وعن ابن عباس- في رواية أخرى: هو أبو الجن كآدم أبي الناس وهو قول الأكثرين. والتركيب يدل على السبق والتواري عن الأعين وقد مر فيما سلف ولا سيما في تفسير الاستعاذة في أول الكتاب خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ قال ابن عباس: أي من قبل خلق آدم والسَّمُومِ الريح الحارة النافذة في المسام تكون في النهار وقد تكون بالليل. ومسام البدن الخروق الخفية التي يبرز منها العرق وبخار الباطن، ولا شك أن تلك الريح فيها نار ولها لفح على ما ورد في الخبر أنه لفح جهنم. قال ابن مسعود: هذه السموم جزءا من سبعين جزءا من سموم النار التي خلق الله منها الجان. ولا استبعاد في خلق الله الحيوان من النار فإنا نشاهد السمندل قد يتولد فيها. وعلى قاعدة الحكيم: كل ممتزج من العناصر فإنه يمكن أن يغلب عليه أحدها، وحينئذ يكون مكانه مكان الجزء الغالب والحرارة مقوية للروح لا مضادة لها. ثم إنه لما استدل بحدوث الإنسان الأول على كونه قادرا مختارا ذكر بعده واقعته. والمراد بكونه بشرا أنه يكون جسما كثيفا يباشر ويلاقي، والملائكة والجن لا يباشرون للطافة أجسامهم.

стр. 2140

والبشرة ظاهر الجلد من كل حيوان. فَإِذا سَوَّيْتُهُ عدلت خلقته وأكملتها أو سويت أجزاء بدنه بتعديل الأركان والأخلاط والمزاج التابع لذلك اعتدالا نوعيا أو شخصيا. وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي النفخ إجراء الريح في تجاويف جسم آخر. فمن زعم أن الروح جسم لطيف كالهواء سار في البدن فمعناه ظاهر، ومن قال إنه جوهر مجرد غير متحيز ولا حال في متحيز فمعنى النفخ عنده تهيئة البدن لأجل تعلق النفس الناطقة به. قال جار الله: ليس ثم نفخ ولا منفوخ وإنما هو تمثيل لتحصيل ما يحيا به فيه. وتمام الكلام في الروح سوف يجيء إن شاء الله في قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ [الإسراء: ٨٥] . ولا خلاف في أن الإضافة في قوله: رُوحِي للتشريف والتكريم مثل «ناقة الله» و «بيت الله» . والفاء في قوله: فَقَعُوا تدل على أن وقوعهم في السجود كان واجبا عليهم عقيب التسوية والنفخ من غير تراخ. قال المبرد: قوله كُلُّهُمْ أزال احتمال أن بعض الملائكة لم يسجدوا. وقوله: أَجْمَعُونَ أزال احتمال أنهم سجدوا متفرقين، وقال سيبويه والخليل أَجْمَعُونَ توكيد بعد توكيد، ورجح الزجاج هذا القول لأن أجمع معرفة فلا يقع حالا، ولو صح أن يكون حالا وكان منتصبا لأفاد المعنى الذي ذكره المبرد. ثم استثنى إبليس من الملائكة وقد سلف وجه الاستثناء في أول سورة البقرة. ثم استأنف على تقدير سؤال سائل هل سجد؟ فقال: أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ يعني إباء استكبار. ثم قال خطاب تقريع وتعنيف لا تعظيم وتشريف يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ وقال بعض المتكلمين: خاطبه على لسان بعض رسله لأن تكليم الله بلا واسطة منصب شريف فكيف يناله اللعين؟ قال جار الله: حرف الجر مع أن محذوف ومعناه أيّ غرض لك في الامتناع من السجود قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ اللام لتأكيد النفي أي لا يصح مني وينافي حالي أن أسجد لِبَشَرٍ وحاصل شبهة اللعين أنه روحاني لطيف وآدم جسماني كثيف، وأصله نوراني شريف وأصل آدم ظلماني خسيس، فعارض النص بالقياس فلا جرم أجيب بقوله: فَاخْرُجْ مِنْها أي من الجنة أو من السماء أو من جملة الملائكة. وضرب يوم الدين أي يوم الجزاء حدا للعنة جريا على عادة العرب في التأبيد كما في قوله: ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [هود: ١٠٧] أو أراد اللعن المجرد من غير تعذيب حتى إذا جاء ذلك اليوم عذب بما ينسى اللعن معه. قال صاحب الكشاف: وأقول: هذا إن أريد باللعن مجرد الطرد عن الحضرة. أما إن أريد به الإبعاد عن كل خير فيتعين الوجه الأول إلا عند من أثبت لإبليس رجاء العفو. وإنما ذكر اللعنة هاهنا بلام الجنس لأنه ذكر آدم بلفظ الجنس حيث قال: إِنِّي خالِقٌ بَشَراً ولما خصص آدم بالإضافة إلى نفسه في
следующие страницы →