← Тафсир

Тафсир · id 23613

تفسير النيسابوري = غرائب القرآن ورغائب الفرقان

النيسابوري، نظام الدين القمي

Полный текст (3 743 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

تمنع الشياطين من الوصول إلى الفلك حين الاستراق؟ وأجيب بأن البعد عندنا غير مانع من السماع فلعله تعالى أجرى عادته بأنهم إذا وقعوا في تلك المواضع سمعوا كلام الملائكة. آخر: لو كان يمكنهم نقل أخبار الملائكة إلى الكهنة فكيف لم يقدروا على نقل أسرار المؤمنين إلى الكفار؟ وأجيب بأنه تعالى أقدرهم على شيء وأعجزهم عن شيء ولا يسأل عما يفعل. وأقول: لعل السبب فيه أن نسبتهم إلى الروحانيات أكثر. آخر: إذا جوّزتم في الجملة اطلاع الجن على بعض المغيبات فقد ارتفع الوثوق عن إخبار النبي ﷺ عن بعض الغيوب فلا يكون دليلا على صدقه. لا يقال: إنه تعالى أخبر أنهم عجزوا عن ذلك بعد مولد النبي ﷺ لأنا نقول: صدق هذا الكلام مبني على صحة نبوّته، فلو أثبتنا صحة نبوّته به لزم الدور؟ والجواب: أنا نعرف صحة نبوّته بدلائل أخر حتى لا يدور، ولكن لا ريب أن إخباره عن بعض المغيبات مؤكد لنبوّته وإن لم يكن مثبتا لها. الدليل الرابع: قوله وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وقد مرّ تفسير مثله في أوّل سورة الرعد. الدليل الخامس قوله: وَأَنْبَتْنا فِيها أي في الأرض أو في الجبال الرواسي مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ بميزان الحكمة ومقدر بمقدار الحاجة، وذلك أن الوزن سبب معرفة المقدار فأطلق اسم السبب على المسبب. وقيل: أي له وزن وقدر في أبواب النعمة والمنفعة. وقيل: أراد أن مقاديرها من العناصر معلومة وكذا مقدار تأثير الشمس والكواكب فيها. وقيل: أي مناسب أي محكوم عليه عند العقول السليمة بالحسن واللطافة. يقال: كلام موزون أي مناسب، وفلان موزون الحركات. وقيل: أراد ما يوزن من نحو الذهب والفضة والنحاس وغيرها من الموزونات كأكثر الفواكه والنبات. وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها أي في الأرض أو في تلك الموزونات مَعايِشَ ما يتوصل به إلى المعيشة وقد مر في أول «الأعراف» . وَمَنْ عطف على معايش أي جعلنا لكم من لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ أو عطف على محل لكم لا على المجرور فقط فإنه لا يجوز في الأكثر إلا بإعادة الجار والتقدير: وجعلنا لكم معايش لمن لستم له برازقين، وأراد بهم العيال والمماليك والخدم الذين رازقهم في الحقيقة هو الله تعالى وحده لا الآباء والسادات والمخاديم، ويدخل فيه بحكم التغليب غير ذوي العقول في الأنعام والدواب والوحش والطير كقوله: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي

стр. 2137

الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [هود: ٦] وقد يذكر غير من يعقل بصفة من يعقل بوجه ما من الشبه كقوله: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ [النمل: ١٨] والدواب تشبه ذوي العقول من جهة أنها طالبة لأرزاقها عند الحاجة. يحكى أنه قلت مياه الأودية في بعض السنين واشتد عطش الوحوش فرفعت رأسها إلى السماء فأنزل الله المطر. ثم بين غاية قدرته ونهاية حكمته فقال: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ قال جمع من المفسرين: أراد بالشيء هاهنا المطر الذي هو سبب لأرزاق بني آدم وغيرهم من الطير والوحش، وذلك أنه لما ذكر معايشهم بين أن خزائن المطر الذي هو سبب المعايش عنده أي في أمره وحكمه وتدبيره. قوله: وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ عن ابن عباس: يريد قدر الكفاية. وقال الحكم: ما من عام بأكثر مطرا من عام آخر ولكنه يمطر قوم ويحرم آخرون، وربما كان في البحر، واعلم أن لفظ الآية لا يدل على هذين القولين فلو ساعدهما نقل صحيح أمكن أن يقبلهما العقل والا كان شبه تحكم والظاهر عموم الحكم، وإن ذكر الخزائن تمثيل لاقتداره على كل مقدور. والمعنى إن جميع الممكنات مقدورة ومملوكة له يخرجها من العدم إلى الوجود كيف شاء، وهي إن كانت غير متناهية بالقوّة لأن كلا منها يمكن أن يقع في أوقات غير محصورة على سبيل البدل، وكذا الكلام في الأحياز وسائر الأعراض والأوصاف. فاختصاص ذلك الخارج إلى الوجود بمقدار معين وشكل معين وحيز ووقت معين إلى غير ذلك من الصفات المعينة دون أضدادها لا بد أن يكون بتخصيص مخصص وتقدير مقدر وهو المراد من قوله: وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ وقد يتمسك بالآية بعض المعتزلة في أن المعدوم شيء. قيل: المراد أن تلك الذوات والماهيات كانت مستقرة عند الله بمعنى أنها كانت ثابتة من حيث إنها حقائق وماهيات، ثم إنه تعالى نزل أي أخرج بعضها من العدم إلى الوجود. الدليل السادس: قوله وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ ومن قرأ الريح فاللام للجنس لَواقِحَ قال ابن عباس: معناه ملاقح جمع ملقحة لأنها تلقح السحاب بمعنى أنها تحمل الماء وتمجه في السحاب، أو لأنها تلقح الشجر أي تقوّيها وتنميها إلى أن يخرج ثمرها. قاله الحسن وقتادة والضحاك. وقد جاء في كلام العرب «فاعل» بمعنى «مفعل» قال: ومختبط مما تطيح الطوائح يريد المطاوح جمع مطيحة. وقال ابن الأنباري: تقول العرب: أبقل النبت فهو باقل أي مبقل. وقال الزجاج: معناه ذوات لقحة لأنها تعصر السحاب وتدره كما تدر اللقحة

стр. 2138

كما يقال رامح أي ذو رمح- ولابن وتامر أي ذو لبن وذو تمر. وقيل: إن الريح في نفسها لاقح أي حالة للسحاب أو للماء من قوله تعالى: حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا [الأعراف: ٥٧] أو حاملة للخير والرزق كما قيل لضدها الريح العقيم فَأَسْقَيْناكُمُوهُ أي جعلناه لكم سقيا قال أبو عليّ: يقال سقيته الماء إذا أعطاه قدر ما يروى، وأسقيته نهرا أي جعلته شربا له. والذي يؤكد هذا اختلاف القراء في قوله: نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ [النحل: ٦٦] ولم يختلفوا في قوله: وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً [الدهر: ٢١] ويقال: سقيته لشفته وأسقيته لماشيته وأرضه. وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ نفى عنهم ما أثبته لنفسه في قوله وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ أي نحن الخازنون للماء لا أنتم أراد عظيم قدرته وعجز من سواه الدليل السابع: قوله وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ والغرض الاستدلال بانحصار الإحياء والإماتة فيه على أنه واحد في ملكه. قال أكثر المفسرين: إنه وصف النبات فيما قبل فهذا الإحياء مختص بالحيوان، ومنهم من يحمله على القدر المشترك بين إحياء النبات وبين إحياء الحيوان وَنَحْنُ الْوارِثُونَ مجاز عن بقائه بعد هلاك ما عداه كما مر في آخر «آل عمران» في قوله: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الآية: ١٨٠] قوله: وَلَقَدْ عَلِمْنَا عن ابن عباس في رواية عطاء الْمُسْتَقْدِمِينَ يريد أهل طاعة الله، والمستأخرين يريد المتخلفين عن طاعته. ويروى أنه ﷺ رغب الناس في الصف الأول في الجماعة فازدحم الناس عليه فأنزل الله الآية. والمعنى إنا نجزيهم على قدر نياتهم. وقال الضحاك ومقاتل: يعني في صف القتال. وقال ابن عباس في رواية أبي الجوزاء: كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول الله ﷺ وكان قوم يتقدمون إلى الصف الأول لئلا يروها، وآخرون يتخلفون ويتأخرون ليروها، وكان قوم إذا ركعوا جافوا أيديهم لينظروا من تحت آباطهم فنزلت. وقيل: المستقدمون هم الأموات والمستأخرون هم الأحياء. وهذا القول شديد المناسبة لما قبل الآية ولما بعدها. وقيل: المستقدمون هم الأمم السالفة والمستأخرون هم أمة محمد ﷺ . وقال عكرمة: المستقدمون من خلق، والمستأخرون من لم يخلق بعد. والظاهر العموم وأن علمه تعالى شامل لجميع الذوات والأحوال الماضية والمستقبلة فلا ينبغي أن تخص الآية بحالة دون أخرى. ثم نبه على أن الحشر والنشر أمر واجب ولا يقدر على ذلك أحد إلا هو فقال: وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ فلحكمته بني أمر العباد على التكليف والجزاء، ولعلمه قدر على توفية مقادير الجزاء. الدليل الثامن: الاستدلال على خلق الإنسان خاصة وذلك أنه لا بد من انتهاء الناس

стр. 2139

إلى إنسان أول ضرورة امتناع القول بوجود حوادث لا أول لها. وقد أجمع المفسرون على أنه آدم ﵇، ورأيت في كتب الشيعة عن محمد بن علي الباقر ﵁ أنه قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر، وكيف كان فلا بد من إنسان هو أول الناس. والأقرب أنه تعالى خلق آدم من تراب ثم من طين ثم من حمإ مسنون ثم من صلصال كالفخار. وقد كان قادرا على خلقه من أيّ جنس من الأجسام كان، بل كان قادرا على خلقه ابتداء. وإنما خلقه على هذا الترتيب لمحض المشيئة، أو لما كان فيه من زلة الملائكة والجن، أو لغير ذلك من المصالح، ولا شك أن خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلق الشيء من شكله وجنسه، والصلصال الطين اليابس الذي يصلصل أي يصوّت وهو غير مطبوخ فإذا طبخ فهو فخار. وقيل: هو تضعيف صل إذا أنتن. والحمأ الأسود المتغير من الطين، وكذلك الحمأة بالتسكين. والمسنون المصوّر من سنة الوجه أي صورته قاله سيبويه. وقال أبو عبيدة: المسنون المصبوب المفرغ أي أفرغ صورة إنسان كما تفرغ الصورة من الجواهر المذابة. وقال ابن السكيت: سمعت أبا عمرو يقول: معناه متغير منتن وكأنه من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به فالذي يسيل منهما سنين ولا يكون إلا منتنا. قال في الكشاف: قوله: مِنْ حَمَإٍ صفة صلصال أي خلقه من صلصال كائن من حمإ. قلت: ولا يعبد أن يكون بدلا أي خلقه من حما. قال: وحق مسنون بمعنى مصوّر أن يكون صفة لصلصال كأنه أفرغ الحمأ فصوّر منها تمثال إنسان أجوف فيبس حتى إذا نقر صلصل، ثم غيره بعد ذلك إلى جوهر آخر. قوله: وَالْجَانَّ قال الحسن ومقاتل وقتادة وهو رواية عطاء عن ابن عباس يريد إبليس. - وعن ابن عباس- في رواية أخرى: هو أبو الجن كآدم أبي الناس وهو قول الأكثرين. والتركيب يدل على السبق والتواري عن الأعين وقد مر فيما سلف ولا سيما في تفسير الاستعاذة في أول الكتاب خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ قال ابن عباس: أي من قبل خلق آدم والسَّمُومِ الريح الحارة النافذة في المسام تكون في النهار وقد تكون بالليل. ومسام البدن الخروق الخفية التي يبرز منها العرق وبخار الباطن، ولا شك أن تلك الريح فيها نار ولها لفح على ما ورد في الخبر أنه لفح جهنم. قال ابن مسعود: هذه السموم جزءا من سبعين جزءا من سموم النار التي خلق الله منها الجان. ولا استبعاد في خلق الله الحيوان من النار فإنا نشاهد السمندل قد يتولد فيها. وعلى قاعدة الحكيم: كل ممتزج من العناصر فإنه يمكن أن يغلب عليه أحدها، وحينئذ يكون مكانه مكان الجزء الغالب والحرارة مقوية للروح لا مضادة لها. ثم إنه لما استدل بحدوث الإنسان الأول على كونه قادرا مختارا ذكر بعده واقعته. والمراد بكونه بشرا أنه يكون جسما كثيفا يباشر ويلاقي، والملائكة والجن لا يباشرون للطافة أجسامهم.

стр. 2140

والبشرة ظاهر الجلد من كل حيوان. فَإِذا سَوَّيْتُهُ عدلت خلقته وأكملتها أو سويت أجزاء بدنه بتعديل الأركان والأخلاط والمزاج التابع لذلك اعتدالا نوعيا أو شخصيا. وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي النفخ إجراء الريح في تجاويف جسم آخر. فمن زعم أن الروح جسم لطيف كالهواء سار في البدن فمعناه ظاهر، ومن قال إنه جوهر مجرد غير متحيز ولا حال في متحيز فمعنى النفخ عنده تهيئة البدن لأجل تعلق النفس الناطقة به. قال جار الله: ليس ثم نفخ ولا منفوخ وإنما هو تمثيل لتحصيل ما يحيا به فيه. وتمام الكلام في الروح سوف يجيء إن شاء الله في قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ [الإسراء: ٨٥] . ولا خلاف في أن الإضافة في قوله: رُوحِي للتشريف والتكريم مثل «ناقة الله» و «بيت الله» . والفاء في قوله: فَقَعُوا تدل على أن وقوعهم في السجود كان واجبا عليهم عقيب التسوية والنفخ من غير تراخ. قال المبرد: قوله كُلُّهُمْ أزال احتمال أن بعض الملائكة لم يسجدوا. وقوله: أَجْمَعُونَ أزال احتمال أنهم سجدوا متفرقين، وقال سيبويه والخليل أَجْمَعُونَ توكيد بعد توكيد، ورجح الزجاج هذا القول لأن أجمع معرفة فلا يقع حالا، ولو صح أن يكون حالا وكان منتصبا لأفاد المعنى الذي ذكره المبرد. ثم استثنى إبليس من الملائكة وقد سلف وجه الاستثناء في أول سورة البقرة. ثم استأنف على تقدير سؤال سائل هل سجد؟ فقال: أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ يعني إباء استكبار. ثم قال خطاب تقريع وتعنيف لا تعظيم وتشريف يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ وقال بعض المتكلمين: خاطبه على لسان بعض رسله لأن تكليم الله بلا واسطة منصب شريف فكيف يناله اللعين؟ قال جار الله: حرف الجر مع أن محذوف ومعناه أيّ غرض لك في الامتناع من السجود قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ اللام لتأكيد النفي أي لا يصح مني وينافي حالي أن أسجد لِبَشَرٍ وحاصل شبهة اللعين أنه روحاني لطيف وآدم جسماني كثيف، وأصله نوراني شريف وأصل آدم ظلماني خسيس، فعارض النص بالقياس فلا جرم أجيب بقوله: فَاخْرُجْ مِنْها أي من الجنة أو من السماء أو من جملة الملائكة. وضرب يوم الدين أي يوم الجزاء حدا للعنة جريا على عادة العرب في التأبيد كما في قوله: ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [هود: ١٠٧] أو أراد اللعن المجرد من غير تعذيب حتى إذا جاء ذلك اليوم عذب بما ينسى اللعن معه. قال صاحب الكشاف: وأقول: هذا إن أريد باللعن مجرد الطرد عن الحضرة. أما إن أريد به الإبعاد عن كل خير فيتعين الوجه الأول إلا عند من أثبت لإبليس رجاء العفو. وإنما ذكر اللعنة هاهنا بلام الجنس لأنه ذكر آدم بلفظ الجنس حيث قال: إِنِّي خالِقٌ بَشَراً ولما خصص آدم بالإضافة إلى نفسه في

стр. 2141

سورة «ص» حيث قال: لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [الآية: ٧٥] خصص اللعنة أيضا بالإضافة فقال: وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ فافهم. قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي قد مر مثله في أول «الأعراف» . ومعنى الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ أن إبليس لما عينه وأشار إليه بعينه صار كالمعلوم والمراد منه الوقت القريب من البعث الذي يموت فيه الخلائق كلهم ليشمل الموت اللعين أيضا. وقيل: لم يجب إلى ذلك وأنظر إلى يوم لا يعلمه إلا الله قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي قد مر مباحثه في «الأعراف» . ومفعول لَأُزَيِّنَنَّ محذوف أي أزين لهم المعاصي في الأرض أي في الدنيا التي هي دار الغرور، أو أراد أنه قدر على الاحتيال لآدم وهو في السماء فهو على التزيين لأولاده وهم في الأرض أقدر، أو أراد لأجعلن مكان التزيين عندهم الأرض بأن أزين الأرض في أعينهم وأحدثهم أن الزينة هي في الأرض وحدها كقوله: وإن يعتذر بالمحل من ذي ضروعها ... من الضيف يجرح في عراقيبها نصلي أراد يجرح عراقيبها نصلي ثم استثنى اللعين عباد الله المخلصين لأنه علم أن كيده لا يؤثر فيهم. قال بعض الحذاق: احترز إبليس بهذا الاستثناء من الكذب فيعلم منه أن الكذب في غاية السماحة والإخلاص فعل الشيء خالصا لله من غير شائبة الغير لا أقل من أن يكون حق الله فيه راجحا أو مساويا. ولما ذكر إبليس من الاستثناء ما ذكر قالَ الله سبحانه هذا يعني الإخلاص طريق مستقيم عليّ أن أراعيه أو عليّ مروره أي على رضواني وكرامتي. وقيل: لما ذكر اللعين أنه يغوي بني آدم إلا من عصمه الله بتوفيقه تضمن هذا الكلام تفويض الأمور إلى مشيئته تعالى فأشير إليه بقول: هذا أي تفويض الأمور إلى إرادتي ومشيئتي. صِراطٌ عَلَيَّ تقريره وتأكيده. ومن قرأ عَلَيَّ بالتنوين فهو من علو الشرف أي الإخلاص أو طريق التفويض إلى الله والإيمان بقضائه طريق رفيع. مُسْتَقِيمٌ لا عوج له. وقال جار الله: هذا إشارة إلى ما بعده وهو قوله: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ قال الكلبي: المذكورون في هذه الآية هم الذين استثناهم إبليس وذلك أنه لما ذكر إِلَّا عِبادَكَ بين به أنه لا يقدر على إغواء المخلصين فصدقه الله تعالى في الاستثناء قائلا إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ أي ولكن من اتبعك من الغواة فلك تسلط عليهم وهذا يناسب أصول الأشاعرة. وقال آخرون: هذا تكذيب لإبليس وذلك أنه أوهم بما ذكر أن له سلطانا على عباد الله الذين لا يكونون من المخلصين فبين تعالى أنه ليس له على أحد منهم سلطان ولا قدرة أصلا إلا الغواة، لا بسبب الجبر والقسر بل من جهة الوسوسة والتزيين نظيره قوله: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ [إبراهيم: ٢٢] وهذا يناسب أصول الاعتزال وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ

стр. 2142

قال ابن عباس: يريد إبليس ومن تبعه من الغاوين. لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ أي سبع طبقات بعضها فوق بعض أعلاها للموحدين، والثاني لليهود، والثالث للنصارى، والرابع للصابئين، والخامس للمجوس، والسادس للمشركين، والسابع للمنافقين. وعن ابن عباس في رواية ابن جريج: إن جهنم لمن ادعى الربوبية، ولظى لعبدة النار، والحطمة لعبدة الأصنام، وسقر لليهود، والسعير للنصارى، والجحيم للصابئين، والهاوية للموحدين. وقيل: إن قرار جهنم مقسوم بسبعة أقسام لكل قسم باب معين لكل باب جزء من أتباع إبليس مقسوم في قسمة الله سبحانه. والسبب فيه أن مراتب الكفر مختلفة بالغلظ والخفة فلا جرم صارت مراتب العقاب أيضا متفاوتة بحسبها. ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ فزعم جمهور المعتزلة أنهم الذين اتقوا جميع المعاصي وإلا لم يفد المدح. وقال جمهور: الصحابة والتابعين هم الذين اتقوا الشرك بالله واحتجوا عليه بأنه إذا اتقى مرة واحدة صدق عليه أنه اتقى، وكذا الكلام في الضارب والكاتب فليس من شرط صدق الوصف كونه آتيا بجميع أصنافه وأفراده إلا أن الأمة أجمعوا على أن التقوى عن الشرك شرط في حصول هذا الحكم. والآية أيضا وردت عقيب قوله: إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ فلزمه اعتبار الإيمان في هذا الحكم. والظاهر أن لا يراد شرط آخر لأن التخصيص خلاف الظاهر فكلما كان أقل كان أوفق لمقتضى الأصل، فثبت أن المتقين يتناول جميع القائلين بكلمة الإسلام وهي «لا إله إلا الله محمد رسول الله» قولا واعتقادا سواء كان من أهل الطاعة أو من أهل المعصية. ثم إن الجنات أقلها أربع لقوله تعالى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ [الرحمن: ٤٦] ثم قال وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ [الرحمن: ٦٢] وأما العيون فإما أن يراد بها الأنهار المذكورة في قوله: فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ [محمد: ١٥] الآية وإما أن يراد بها منابع غير ذلك. ثم إن كل واحد من المتقين يحتمل أن يختص بعين وينتفع بها كل من في خدمته من الحور والولدان ويكون ذلك على قدر حاجتهم وعلى حسب شهوتهم. ويحتمل أن يجري من بعضهم إلى بعض لأنهم مطهرون من كل حقد وحسد. فإن قيل: إذا كانوا في جنات فكيف يعقل أن يقول لهم الله تعالى وبعض الملائكة ادْخُلُوها فالجواب لعل المراد أنهم لما ملكوا الجنات فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم ذلك. ومعنى بِسَلامٍ أي مع السلامة من آفات النقص والانقطاع. قوله: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ قد مر تفسيره في «الأعراف» إِخْواناً نصب على الحال. وكذلك عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ والمراد بالإخوة

стр. 2143

إخوة الدين والتعاطف. والسرر جمع سرير. قيل: هو المجلس الرفيع المهيأ للسرور. وقال الليث: سرير العيش مستقره الذي يطمئن عليه حال سروره وفرحه. والتركيب يدور على العزة والنفاسة ومنه قولهم: «سر الوادي لأفضل موضع منه» ومنه السر الذي يكتم. عن ابن عباس: يريد على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، وعن مجاهد: تدور بهم الأسرة حيثما داروا فيكونون في جميع أحوالهم متقابلين. والتقابل التواجه نقيض التدابر، وتقابل الإخوان يوجب اللذة والسرور ليكون كل منهم مقبلا على الآخر بالكلية، وتقابل الأعداء يكون تقابل التضاد والتمانع فيكون موجبا للتباغض والتخالف، واعلم أن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم خالصة من الآفات آمنة من الزوال. فقوله: إِنَّ الْمُتَّقِينَ إشارة إلى المنفعة وقوله: ادْخُلُوها رمز إلى أنها مقرونة بالتعظيم، وقوله وَنَزَعْنا إلى قوله: لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ أي تعب تلويح إلى كونها سالمة من المنغصات إلا أن قوله: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ إشارة إلى نفي المضار الروحانية، وقوله: لا يَمَسُّهُمْ إشارة إلى نفي المضار الجسدانية، وقوله: وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ مفيد لمعنى الخلود. ثم لما ذكر الوعيد والوعد زاده تقريرا وتمكينا في النفوس فقال: نَبِّئْ عِبادِي وفيه من التوكيدات ما لا يخفى: منها إشهاد رسوله وإعلامه، ومنها تشريفهم بإطلاق لفظ العباد عليهم ثم بإضافتهم إلى نفسه، ومنها التوكيد ب «أن» وبالفضل وبصيغتي الغفور والرحيم مع نوع تكرر وكل ذلك يدل على أن جانب الرحمة أغلب كما قال: «سبقت رحمتي غضبي» «١» . التأويل: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي النفوس الكافرة لَوْ كانُوا مستسلمين لأوامر الله ونواهيه، وذلك إنما يكون عند استيلاء سلطان الذكر على القلب والروح، وتنور صفاتها بنور الذكر فيغلب النور على ظلمة النفس وصفاتها وتبدلت أحوالها من الأمّارية إلى الاطمئنان فتمنت حين ذاقت حلاوة الإسلام وطعم الإيمان لو كانت من بدء الخلق مسلمة مؤمنة كالقلب والروح. ثم هدد النفس التي ذاقت حلاوة الإسلام ثم عادت الميشوم إلى طبعها واستحلت المشارب الدنيوية بقوله: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ من القرى البدنية بإفساد استعدادها إِلَّا وَلَها كِتابٌ مكتوب في علم الله من سوء أعماله وأحواله ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها متى يظهر منها ما هو سبب هلاكها وَما يَسْتَأْخِرُونَ

стр. 2144

لحظة بعد استيفاء أسباب هلاكها وَقالُوا يعني النفوس المتمردة مخاطبا للقلب الذاكر لَوْ ما تَأْتِينا بصفات الملائكة المنقادين، وفيه إشارة إلى أن النفس الأمارة لا تؤمن بما أنزل الله إلى القلوب من أنوار الإلهية حتى تصير مطمئنة مستعدة لهذه الصفات، ولو أنزلت قبل أوانها وكمال استعداد القلوب ما كانوا إذا منظرين مؤخرين من الهلاك لضيق نطاق طاقتهم إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا كلمة لا إله إلا الله في قلوب المؤمنين كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ [المجادلة: ٢٢] والمنافق يقول ذلك ولكن لم ينزل في قلبه ولم يحفظ. وَلَوْ فَتَحْنا على من أسلكنا الكفر في قلوبهم باباً مِنَ سماء القلب لأنكروا فتح الباب. ولقد جعلنا في سماء القلب بروج الأطوار، فكما أن البروج منازل السيارات فكذلك الأطوار منازل شموس المشاهدات وأقمار المكاشفات وسيارات اللوامع والطوالع وَزَيَّنَّاها لأهل النظر السائرين إلى الله وَحَفِظْناها مِنْ وساوس الشيطان وهواجس النفس الأمارة، ولكن من استرق السمع من النفس والشيطان فأدركه شعلة من أنوار تلك الشواهد فيضمحل الباطل ويتبين الحق وَالْأَرْضَ مَدَدْناها فيه أن أرض البشرية تميل كنفس الحيوانات إلى أن أرساها الله بجبال العقل وصفات القلب وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ هي أسباب الوصول والوصال وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ وهو جوهر المحبة وإن غذاءه من مواهب الحق وتجلي جماله فقط. ولكل شيء خزانة فلصورة الأجسام خزانة، ولاسمها خزانة، ولمعناها خزانة، وكذا للونها ولطعمها ولخواصها من المنافع والمضار، وكذا لظلمتها ونورها ولملكها وملكوتها، وما من شيء إلا وفيه لطف الله وقهره مخزون، وقلوب العباد خزائن صفات الله تعالى بأجمعها وَأَرْسَلْنَا رياح العناية لَواقِحَ لأشجار القلوب بأنهار الكشوف وبأثمار الشواهد كما قال بعضهم: إذا هبت رياح الكرم على أسرار العارفين أعتقهم من هواجس أنفسهم ورعونات طبائعهم، وظهر في القلوب نتائج ذلك وهي الاعتصام بالله والاعتماد عليه. فَأَنْزَلْنا مِنَ سماء الهداية ماءً الحكمة وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ في أصل الخلقة فإن المخلوق لا يوصف بالحكمة إلا مجازا. وإنا لنحن نحيي قلوب أوليائنا بأنوار جمالنا، ونميت نفوسهم بسطوة جلالنا وَنَحْنُ الْوارِثُونَ بعد إفناء وجودهم ليبقوا ببقائنا وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يحشر المستقدمين إلى حظائر قدسه والمستأخرين إلى أسفل سافلين الطبيعة، خاطب إبليس النفس بقوله: وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ أي إلى أن تطلع شمس شواهدنا من مشرق الروح وتصير أرض النفس مشرقة وتتبدل صفاتها الذميمة المظلمة بالأخلاق الروحانية الحميدة إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ أي يبعث الأرواح في قيامة العشق وهو الوقت المعلوم الذي يتجلى الرب فيه لأرواح العشاق،

стр. 2145

فينعكس نور التجلي من الأرواح إلى النفوس فتجعلها مطمئنة. بِما أَغْوَيْتَنِي أضللتني من طريق الأمارية لَأُزَيِّنَنَّ للأرواح في أرض البشرية من الأعمال الصالحات التي تورث الأخلاق الحميدة وبها تربية الأرواح وترقيها وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عما كانوا عليه من الأعمال الروحانية الملكية التي لا تتأتى إلا لعبادك الذين خلصوا من حبس الوجود بجذبات الألطاف. هذا صِراطٌ أي هو طريق أهل الاستقامة في السير في الله المنقطعين عن غيره إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ حجة تتعلق بتلك الحجة لهدايتهم وإغوائهم فإنهم بلاهم، وإن من خصوصية العبودية المضافة إلى الحضرة الحرية عما سواه لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ من الحرص والشره والحقد والحسد والغضب والشهوة والكبر، أو الأبواب السبعة إشارة إلى الحواس الخمس الظاهرة وإلى الوهم والخيال فإنهما أصلا الحواس الباطنية، لأن الأول يدرك المعاني والثاني يدرك الصور، والباقية- أعني المفكرة والحافظة والذاكرة- من أعوانهما، وأكثر ما يستعمل الإنسان هذه المشاعر إنما يستعملها في الأحوال الدنيوية المفضية إلى الهلاك، فلا جرم صارت أبوابا لجهنم. فإذا استعملها في تحصيل السعادات الباقية بحسب تصرف العقل الغريزي صرن مع العقل أبوابا بل أسبابا لحصول الجنة. ادْخُلُوها بِسَلامٍ والسلام من الله الجذبات آمِنِينَ من موانع الخروج والدخول بعد الوصول فإن السير في الله لا يمكن إلا بالله وجذباته ولهذا قال جبرائيل ليلة المعراج: لو دنوت أنملة لاحترقت. وَنَزَعْنا فيه أن نزع الغل من الصدور لا يكون إلا بنزع الله، وأن الأرواح القدسية مطهرات عن علائق القوى الشهوانية والغضبية مبرءات من حوادث الوهم والخيال، ومعنى تقابلهم أن النفوس المصفاة عن كدورات عالم الأجسام ونوازع الخيال والأوهام إذا وقع عليها أنوار جمال الله أو جلاله انعكست منها إلى من في مثل درجاتها كما تتعاكس المرايا الصافية، المتحاذية، فيزداد كل منها في نفسها بخفاء صفاتها. وفي قوله: نَبِّئْ عِبادِي إشارة إلى أن سلوك السالكين وطير الطائرين يجب أن يكون على قدمي الرجاء والخوف وجناحي الإنس والجن والله الموفق للصواب. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٥١ الى ٩٩] وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (٥٥) قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ (٥٦) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (٦٠) فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ (٦٩) قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (٧٠) قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (٧٩) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٨١) وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨٦) وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)

стр. 2146

القراآت: إِذْ دَخَلُوا وبابه مدغما: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف غير هشام إنا نبشرك بسكون الباء وضم الشين: حمزة. الآخرون بالتشديد تُبَشِّرُونَ بالتشديد وكسر النون المخففة: نافع مثله. ولكن مشددة النون: ابن كثير. الباقون بفتح النون على أنها علامة رفع يَقْنَطُ بكسر النون: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي وخلف وكذلك بابه. الآخرون بالفتح آلَ لُوطٍ مدغما حيث كان شجاع لَمُنَجُّوهُمْ بالتخفيف: يعقوب وحمزة وعلي وخلف. الباقون بالتشديد قَدَّرْنا بالتخفيف حيث كان: أبو بكر وحماد بَناتِي إِنْ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع إِنِّي أَنَا بفتح ياء المتكلم: جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. الوقوف: إِبْراهِيمَ هـ ج لئلا يصير إِذْ دَخَلُوا ظرفا ل نَبِّئْهُمْ فإنه محال سَلاماً ط وَجِلُونَ هـ عَلِيمٍ هـ تُبَشِّرُونَ هـ الْقانِطِينَ هـ الضَّالُّونَ هـ

стр. 2147

الْمُرْسَلُونَ هـ مُجْرِمِينَ هـ لا للاستثناء. آلَ لُوطٍ ط أَجْمَعِينَ هـ لا قَدَّرْنا لا لأن الجملة بعده مفعول والكسر لدخول اللام في الخبر الْغابِرِينَ هـ الْمُرْسَلُونَ هـ لا لأن ما بعده جواب «لما» مُنْكَرُونَ هـ يَمْتَرُونَ هـ لَصادِقُونَ هـ تُؤْمَرُونَ هـ مُصْبِحِينَ هـ يَسْتَبْشِرُونَ هـ فَلا تَفْضَحُونِ هـ لا للعطف وَلا تُخْزُونِ هـ الْعالَمِينَ هـ فاعِلِينَ هـ ط لابتداء القسم يَعْمَهُونَ هـ مُشْرِقِينَ هـ لا لاتصال انقلابها بالصيحة مِنْ سِجِّيلٍ ط لِلْمُتَوَسِّمِينَ هـ مُقِيمٍ هـ لِلْمُؤْمِنِينَ هـ ط لتمام القصة لَظالِمِينَ هـ لا لاتصال الانتقام بظلمهم مِنْهُمْ هـ ط لأن الواو للابتداء فلو وصل لشابه الحال وهو محال مُبِينٍ هـ ط لتمام قصتهم الْمُرْسَلِينَ هـ لا لأن الواو بعده للحال وقد آتيناهم مُعْرِضِينَ هـ لا للعطف آمِنِينَ هـ ط مُصْبِحِينَ هـ ط للاتصال معنى يَكْسِبُونَ هـ م لتمام القصص إِلَّا بِالْحَقِّ ط الْجَمِيلَ هـ الْعَلِيمُ هـ الْعَظِيمَ هـ لِلْمُؤْمِنِينَ هـ الْمُبِينُ هـ ج لجواز تعلق الكاف بقوله: فَأَخَذَتْهُمُ أو بقوله: فَانْتَقَمْنا ولجواز تعلقها بمحذوف أي أنزلنا عليهم العذاب كما أنزلنا، وتمام البحث سيجيء في التفسير . الْمُقْتَسِمِينَ هـ لا عِضِينَ هـ أَجْمَعِينَ هـ لا يَعْمَلُونَ هـ الْمُشْرِكِينَ هـ الْمُسْتَهْزِئِينَ هـ لا آخَرَ ج لابتداء التهديد مع الفاء يَعْلَمُونَ هـ يَقُولُونَ هـ لا لاتصال الأمر بالتسبيح تسلية السَّاجِدِينَ هـ لا للعطف الْيَقِينُ هـ. التفسير: إنه سبحانه عطف وَنَبِّئْهُمْ على نَبِّئْ عِبادِي ليكون سماع هذه القصص مرغبا في الطاعة الموجبة للفوز بدرجات الأولياء، ومحذرا من المعصية المستتبعة لدركات الأشقياء، ولما في قصة لوط من ذكر إنجاء المؤمنين وإهلاك الظالمين، وكل ذلك يقوّي ما ذكر من أنه غفور رحيم للمؤمنين، وأن عذابه عذاب أليم للكافرين. وعند المعتزلة غفور للتائبين معذب لغيرهم. وقد مر تفسير أكثر هذه القصة في سورة هود فنذكر الآن ما هو مختص بالمقام. فقوله: وَجِلُونَ معناه خائفون خافهم لامتناعهم من الأكل أو لدخولهم بغير إذن وفي غير وقت. إِنَّا نُبَشِّرُكَ استئناف في معنى تعليل النهي عن الوجل. بشروه بالولد الذكر بكونه عليما فقيل: أرادوا بعلمه نبوته. وقيل: العلم مطلقا. وقوله: عَلى أَنْ مَسَّنِيَ في موضع الحال أي مع هذه الحالة استفهم منكرا للولادة في حالة الهرم لأنها أمر عجيب عادة لا لأنه شك في قدرة الله تعالى ولذلك قال: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ «ما» استفهامية دخلها معنى التعجب كأنه قال: فبأي أعجوبة تبشروني أو أنكم لا تبشروني بشيء في الحقيقة لأن ذلك أمر غير متصور في العادة؟ وأحسن ما قيل فيه أن لا يكون قوله: «بما» صلة للتبشير بل يكون سؤالا عن الوجه والطريقة يعني إذا كان الطريق

стр. 2148

المعتاد ممتنعا فبأي طريق تبشرونني بالولد، فلذلك قالوا في جوابه بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ أي باليقين الذي لا لبس فيه، أو بشرناك بالولد بطريق هو حق وذلك قول الله تعالى ووعده وأنه قادر على خلق الولد من غير أبوين فضلا من شيخ فان وعجوز عاقر. قال أبو حاتم: حذف نافع ياء المتكلم مع النون وإسقاط الحرفين لا يجوز. وأجيب بأنه لم يحذف إلا الياء اكتفاء بالكسرة ونون الوقاية لم يوردها كما أوردت في قراءة التشديد، وإنما كسر نون الجمع لأجل الياء وكلتا اللغتين فصيحة. قيل: عظم فرحه بتلك البشارة فدهش عن الجواب المنتظم فتكلم بالكلام المضطرب. وقيل: طلب مزيد الطمأنينة كقوله: وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠] عن ابن عباس: يريد بالحق ما قضى الله أن يخرج من صلب إبراهيم إسحق ومن صلب إسحق أكثر الأنبياء. وقوله: فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ لا يدل على أنه كان قانطا فقد ينهى عن الشيء ابتداء كقوله: وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ [الأحزاب: ٤٨] . ولذلك أنكر إبراهيم نهيهم بقول: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ أي المخطئون طريق الصواب أو الكافرون نظيره إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ [يوسف: ٨٧] وفيه أنه لم يستنكر ذلك قنوطا من رحمته ولكن استبعادا له في العادة التي أجراها الله هما لغتان: قنط يقنط مثل ضرب يضرب، وقنط يقنط مثل علم يعلم. وزعم الفارسي أن الأولى أعلى اللغتين. ثم سأل عما لأجله أرسلهم الله حيث قال: فَما خَطْبُكُمْ والخطب الشأن العظيم. فسئل أنهم لما بشروه بالولد الذكر العليم فما وجه السؤال عن مجيئهم؟ وأجاب الأصم بأن المراد ما الأمر الذي وجهتم فيه سوى البشرى؟. وقال القاضي: إنه علم أن المقصود لو كان التبشير فقط لكان الملك الواحد كافيا. وقيل: علم أنه لو كان تمام الغرض البشارة لذكروها أول ما دخلوا قبل أن يوجس إبراهيم منهم خيفة. قلت: لعله استصغر أمر التبشير إما لأجل التواضع وإما لأنه واقعة خاصة فسألهم عن الأمر الذي هو أعظم من ذلك وأعم تعظيما لشأنهم قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا زعم صاحب الكشاف أن الإرسال هاهنا في معنى التعذيب والإهلاك كإرسال الحجر أو السهم إلى المرمى. وأقول: كأنه لا حاجة إلى هذا التجوز لقوله في سورة الذاريات إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ [الآيتان: ٣٢، ٣٣] فالتقدير إنا أرسلنا إليهم لنهلكهم إِلَّا آلَ لُوطٍ وعلى هذا يكون الاستثناء منقطعا لاختلاف الجنسين، فإن القوم موصوفون بالإجرام دون آل لوط. يكون قوله: إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ جاريا مجرى خبر «لكن» كأنه قيل: لكن قوم لوط منجون، ويكون قوله: إِلَّا امْرَأَتَهُ استثناء من الاستثناء أي أرسلنا إليهم لنهلكهم إلا آل لوط إِلَّا امْرَأَتَهُ كقول المقر: لفلان علي عشرة إلا ثلاثة إلا واحدا، وجوز في الكشاف

стр. 2149

أن يكون قوله: إِلَّا آلَ لُوطٍ مستثنى من الضمير في مُجْرِمِينَ حتى يكون الاستثناء متصلا أي إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم. ولم لا يجوز الاستثناء من الاستثناء بناء على أن آلَ لُوطٍ مستثنى من معمول أُرْسِلْنا أو مُجْرِمِينَ وإِلَّا امْرَأَتَهُ من معمول لَمُنَجُّوهُمْ وقد عرفت ما فيه على أنه إذا جعل الإرسال بمعنى الإهلاك كما قرره هو آل الأمر إلى ما ذكرنا فلا أدري لم استبعده مع وفور فضله. قال أهل اللغة: قدرت الشيء وقدرته بالتخفيف والتثقيل جعلت الشيء على مقدار غيره، ومنه قدر الله الأقوات أي جعلها على مقدار الكفاية، وقدر الأمور أي جعلها على مقدار ما يكفي في أبواب الخير والشر. وقيل: في معنى قدرنا: كتبنا. وقال الزجاج: دبرنا. وقيل: قضينا. والكل متقارب، والمشدد في هذا المعنى أكثر استعمالا وأنه جواب سؤال كأنه قيل: ما بالها استثنيت من الناجين؟ فقيل: قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ أي الباقين في الهوالك. ويقال للماضي أيضا غابر وهو من الأضداد. قال في الكشاف: علق فعل التقدير مع أن التعليق من خصائص أفعال القلوب لأنه في معنى العلم. وإنما أسندوا الفعل إلى أنفسهم مع أن التقدير لله بيانا لاختصاصهم به تعالى كما يقول خاصة الملك دبرنا كذا أو أمرنا بكذا ولعل المدبر والآمر هو الملك وحده. ثم إن الملائكة لما بشروا إبراهيم ﵇ بالولد وأخبروه بأنهم مرسلون إلى قوم مجرمين ذهبوا بعد ذلك إلى لوط وذلك قوله: فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ قالَ أي لوط إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ تنكركم نفسي وتنفر منكم. وذلك أنهم هجموا عليه فلم يعرفهم وخاف أن يطرقوه بشر فلذلك قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ أي ما جئناك بما توهمت بل جئناك بما فيه فرجك وتشفيك من عدوك وهو العذاب الذي كنت تخوفهم به وهم يشكون في وقوعه. وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ باليقين الثابت. وقال الكلبي: بالعذاب الذي لا شك فيه وَإِنَّا لَصادِقُونَ فيما أخبرناك به فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ أي في آخره وقدم في سورة هود وزاد هاهنا قوله: وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ لأنه إذا ساقهم وكان من ورائهم علم بنجاتهم، ولا يخفى حالهم. ففي الآية زيادة بيان لكيفية الإسراء ثم زاد في البيان فقال: وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ولم يستثن امرأته اكتفاء بما مر في السورة من قوله: إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا امْرَأَتَهُ قال جار الله: إنما أمر باتباع أدبارهم ونهى عن الالتفات ليكون فارغ البال من حالهم فيخلص قلبه لشكر الله، ولئلا يتخلف منهم أحد لغرض له فيصيبه العذاب، ولئلا يشاهدوا عذاب قومهم فيرقوا لهم مع أنهم ليسوا من أهل الرقة عليهم، وليوطنوا نفوسهم على المهاجرة ولا يتحسروا على ما خلفوا. وجوز أن

стр. 2150

يكون النهي عن الالتفات كناية عن مواصلة السير وترك التواني، لأن من يلتفت لا بد أن يقع له أدنى وقفة وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ قال الجوهري: مضى الشيء مضيا ذهب، ومضى في الأمر مضيا أنفذه. وقال في الكشاف: عدى وَامْضُوا إلى حَيْثُ تعديته إلى الظرف المبهم لأن حَيْثُ مبهم في الأمكنة، وكذلك الضمير في تُؤْمَرُونَ قلت: حاصل الكلام يرجع إلى قوله: اذهبوا إلى المكان الذي تؤمرون بالذهاب إليه، أو أنفذوا أمر الذهاب إلى هنالك. عن ابن عباس: إنه الشام. وقيل: مصر. وقال المفضل: حيث يقول لكم جبرائيل وكانت قرية معينة ما عمل أهلها عمل قوم لوط. ثم أخبر عن حالهم مجملا فقال: وَقَضَيْنا ضمن معنى أوحينا ولذلك عدي بإلى كأنه قيل: وأوحينا. إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ مقتضيا مبتوتا. ثم فسر ذلك الأمر بقوله: أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ أي يستأصلون عن آخرهم حال ظهور الصبح ودخولهم فيه. وفي هذا الإجمال والتفسير تفخيم لشأن الأمر وتعظيم له. ثم حكى ما أبدى قوم لوط من الفعال بعد نزول الملائكة فقال: وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أي أهل سذوم التي ضرب بقاضيها المثل فقيل أجور من قاضي سذوم. يَسْتَبْشِرُونَ بظهور السرور بمجيء الملائكة لأنهم رأوهم مردا حسان الوجوه قالَ لوط لما قصدوا أضيافه إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ بفضيحة ضيفي لأن الضيف يجب إكرامه فإذا أسيء إليه في دار المضيف كان ذلك إهانة وفضيحة للمضيف. يقال: فضحه يفضحه فضحا وفضيحة إذا أظهر من أمره ما يلزمه العار وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ مر في «هود» قالُوا في جواب لوط أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ أي ألسنا نهيناك عن أن تكلمنا في شأن أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة؟ وكانوا يتعرضون لكل أحد، وكان لوط ﵇ ينهاهم عن ذلك فأوعدوه نظيره لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ [الشعراء: ١١٦] وقيل: نهوه عن ضيافة الناس وإنزالهم قالَ هؤُلاءِ بَناتِي من الصلب أو أراد نساء أمته كما مر في «هود» . قال جار الله إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ شك في قبولهم لقوله كأنه قال وما أظنكم تفعلون. وقيل: إن كنتم تريدون قضاء الشهوة فبما أحل الله دون ما حرم. ثم قالت الملائكة للوط ﵇ لَعَمْرُكَ مبتدأ محذوف الخبر لكثرة الاستعمال أي قسمي أو هو مما أقسم به. والعمر والعمر بالفتح والضم واحد إلّا أنهم خصوا القسم بالمفتوح اتباعا للأخف، فإن الحلف كثير الدور على ألسنتهم إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ غوايتهم التي أذهبت عقولهم حتى لم يميزوا بين خطئهم وصوابك يَعْمَهُونَ يتحيرون فكيف يقبلون قولك الذي تأمرهم به من ترك البنين إلى البنات؟ وقيل: إنه

стр. 2151

سبحانه خاطب رسول الله ﷺ وأقسم بحياته ﷺ كرامة له ﷺ وما أقسم بحياة أحد قط وذلك يدل على أنه أكرم الخلق على الله فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ داخلين في الشروق وهو بزوغ الشمس كان ابتداء العذاب من أول الصبح لقوله: مُصْبِحِينَ أليس الصبح بقريب؟ وغلبته كانت عند طلوع الشمس قال المفسرون: هي صيحة جبرائيل. قلت: ويحتمل أن تكون صيحة قلب المدائن وإرسال الحجارة عليهم. قال بعض المفسرين: إنما قال: وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ وفي سورة هود وَأَمْطَرْنا عَلَيْها [الآية: ٨٢] لأنه أراد هاهنا من شذ من القرية منهم. وقيل: سبب تخصيص هذه السورة بجمع المذكر هو بناء القصة على قوله: إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ للمتفرسين. وحقيقة التوسم التثبت في النظر حتى يعرف حقيقة سمة الشيء فعبر به عن التأمل والتفكر وَإِنَّها يعني تلك القرى وآثارها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ثابت يسلكه الناس المارة من الحجاز إلى الشام يشاهدون آثار قهر الله وغضبه هنالك. قال بعضهم: إنما جمع الآيات في قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ لأنه أشار إلى ما تقدم عن ضيف إبراهيم وقصة لوط وقلب المدينة وإمطار الحجارة عليها وعلى من غاب منهم. وقال في الثانية وَإِنَّها أي القرية لَبِسَبِيلٍ وهذه واحدة من تلك الآيات فلذلك قال: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وقيل: ما جاء من القرآن من الآيات فلجمع الدلائل، وما جاء من الآية فلوحدانية المدلول عليه، فلما ذكر عقيبه المؤمنين وهم مقرون بوحدانيته وحد الآية نظيره في «العنكبوت» خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ [الآية: ٤٤] . ثم أجمل قصة قوم شعيب فقال: وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ «إن» مخففة من الثقيلة ولذلك دخلت اللام الفارقة في خبرها. كانوا أصحاب غياض ومواضع ذات شجر فنسبوا إليها. والأيكة الشجر الملتف، والضمير في قوله: وَإِنَّهُما يعود إلى قرى قوم لوط وإلى الأيكة. وقيل: بل إلى الأيكة ومدين لأن شعيبا كان مبعوثا إليهما فدل بذكر أحد الموضعين هاهنا- وهو الأيكة- على الآخر لَبِإِمامٍ مُبِينٍ لبطريق واضح. قال الفراء والزجاج: سمي الطريق إماما لأنه يؤم ويتبع. وقال ابن قتيبة: لأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده. ثم ختم القصص بقصة ثمود فقال: وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ وهو واد بين الشام والمدينة. وجمع المرسلين لأن تكذيب نبي واحد- وهو صالح- كتكذيب جميع الأنبياء، أو لأن القوم كانوا براهمة منكرين لكل الرسل، أو أراد صالحا ومن معه من المؤمنين. وَآتَيْناهُمْ أي أعطينا رسولهم آياتِنا أراد الناقة وكانت فيها آيات خروجها من الصخرة وعظم خلقها وكثرة لبنها إلى غير ذلك كما حكينا

стр. 2152

في «الأعراف» فَكانُوا عَنْها أي عن النظر فيها والاعتبار بها مُعْرِضِينَ وفيه أن التقليد مذموم والاستدلال واجب وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ من أن تنهدم ويتداعى بنيانها أو يقع سقفهم عليهم، أو آمنين من عذاب الله أو من حوادث الدهر. فَما أَغْنى عَنْهُمْ لم يدفع عنهم شيئا من عذاب الله ما كانُوا يَكْسِبُونَ من بناء البيوت الوثيقة ومن جمع الأموال والعدد. ولما فرغ من القصص قال: وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ أي متلبسة بالفوائد والغايات والحكم الصحيحة منها: اشتغال المكلفين بالعبادة والطاعة حتى لو تركوها وأعرضوا عنها وجب في الحكمة إهلاكهم وتطهير الأرض منهم، وهذا النظم يناسب أصول الاعتزال، قال الجبائي: فيه بطلان مذهب الجبرية الذين يزعمون أن أكثر ما خلق الله بين السموات والأرض من الكفر والمعاصي باطل. وأجيب بأن أفعال العباد من جملة ما بين السموات والأرض فوجب أن يكون الله خالقها. ويمكن أن يقال في وجه النظم: إن هذا ابتداء شروع في تسلية النبي ﷺ وتصبيره على أذيات قومه بعد اقتصاص أحوال الأمم السالفة ومعاملاتهم مع أنبيائهم، ويؤيد هذا النظم قوله: وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ معناه أن الله سينتقم لك فيها من أعدائك ويجازيك وإياهم على حسناتك وسيئاتهم فإنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق والعدل فكيف يليق بحكمته وفضله إهمال أمرك؟ ولما صبره على أذى قومه رغبه في الصفح فقال: فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ أي فأعرض عنهم إعراضا جميلا بحلم وإغضاء إن كان اللام الجنس فالمراد هذا النوع من الصفح لا الذين يشتمل على حقد واجتهال ومكر، وإن كان للعهد فلعل المراد ما أمر به في نحو قوله: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [الأعراف: ١٩٩] وقيل: هذا منسوخ بآية السيف والأظهر أن حسن المعاشرة والمخالقة مأمور به ما أمكن فلا حاجة إلى ارتكاب النسخ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ كثير الخلق الْعَلِيمُ الكامل العلم يعلم ما يجري بين الخلائق من الأحوال والأخلاق وإن كثروا وكثرت فيجازيهم يوم القيامة على حسب ذلك. وقيل: أراد أنه الذي خلقكم وعلم ما هو الأصلح لكم، فاليوم الصفح أصلح فاصفحوا إلى أن يكون السيف أصلح. ثم حثه على الصفح والتجاوز بذكر النعم العظام التي خصه بها فقال: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي أكثر المفسرين على أن المراد بها فاتحة الكتاب وهو قول عمر وعلي ﵄ وابن مسعود وأبي هريرة والحسن وأبي العالية ومجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة. وذلك أنها سبع آيات. والمثاني جمع مثناة من التثنية أو جمع مثنية لأنها تثنى في كل صلاة. وقال الزجاج: تثنى بما يقرأ بعدها معها. وأيضا قسمت

стр. 2153

بنصفين قسم ثناء وقسم دعاء، وقد ورد الحديث في هذا المعنى «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» «١» وقد مر في أول الكتاب. وأيضا كلماتها مثناة مثل: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِيَّاكَ وإِيَّاكَ الصِّراطَ صِراطَ عَلَيْهِمْ عَلَيْهِمْ واشتمالها على ثناء الله تعالى وتحميده مقرر ومما يتفرع على هذا القول ما نقل القاضي عن أبي بكر الأصم أنه قال: كان ابن مسعود لا يكتب في مصحفه فاتحة الكتاب. فقيل: كأنه رأى أنه تعالى عطف عليه قوله: وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ والعطف يوجب المغايرة فوجب أن تكون السبع المثاني غير القرآن. والجواب أنه قد يكون بعطف الجزء على الكل كقوله: وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ [البقرة: ٩٨] أو بالعكس كما في الآية. والمقصود في الوصفين تميز البعض عن الكل تنبيها على مزية ذلك البعض وشرفه. فإن قلت: ليس لعطف الكل على البعض نظير، والاستدلال بالآية استدلال بصورة النزاع من غير دليل. قلنا: يكفي بقوله: وَلَقَدْ آتَيْناكَ دليلا على أنه من القرآن. وعن ابن عمر وسعيد بن جبير في رواية: أن السبع المثاني هي السبع الطوال سميت بذلك لما وقع فيها من تكرير القصص والمواعظ والوعد والوعيد وغير ذلك، أو لأنها تثني على الله بأفعاله العظمى وصفاته الحسنى. وأنكر الربيع هذا القول لأن هذه السورة مكية وأكثر تلك السورة مدنية. وأجيب بأن المراد من الإيتاء إنزالها إلى السماء الدنيا، والمكية والمدنية في ذلك سيان، وضعف بأن إطلاق لفظ الإيتاء على ما لم يصل بعد إليه خلاف الظاهر. وقال قوم: السبع المثاني هي التي دون الطوال والمئين وفوق المفصل، واحتجوا عليه بما روى ثوبان أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل، وأعطاني المثاني مكان الزبور وفضلني ربي بالمفصل» «٢» . قال الواحدي: والقول في تسمية هذه السور مثاني كالقول في تسمية الطول مثاني. وروي عن ابن عباس وإليه ذهب طاوس أنها هي القرآن لقوله سبحانه: كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ [الزمر: ٢٣] وأنها سبعة أسباع كرر فيها دلائل التوحيد والنبوة والتكاليف. ومعنى العطف على هذا القول الجمعية كقوله: إلى الملك القرم وابن الهمام. وكأنه قيل: آتيناك ما هو الجامع لكونه سبعا مثاني ولكونه قرآنا عظيما. قال الزجاج ووافقه صاحب الكشاف: و «من» في مِنَ الْمَثانِي للبيان أو للتبعيض إذا أردت بالسبع الفاتحة أو الطول، وللبيان إذا أردت الأسباع.

стр. 2154

ولما عرف رسوله نعمه الدينية ورغبه فيها نفره من اللذات العاجلة الزائلة لأن كل نعمة وإن عظمت فإنها بالنسبة إلى نعمة القرآن ضيئلة حقيرة، ومنه الحديث «من لم يتغن بالقرآن أي لم يستغن به- فليس منا» «١» وقول أبي بكر: من أوتي القرآن فرأى أن أحدا أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغر عظيما وعظم صغيرا. فمن حق قارئ القرآن الواقف على معانيه أن لا يشغل سره بالالتفات إلى الدنيا وزهرتها. قال الواحدي: إنما يكون مادّا عينيه إلى الشيء إذا أدام النظر نحوه، وإدامة النظر إليه تدل على استحسانه وتمنيه. وقال في الكشاف: معنى لا تَمُدَّنَّ لا تطمح ببصرك طموح راغب فيه متمن له إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ أي أصنافا من الكفار قاله ابن قتيبة. وقال الجوهري: الأزواج القرناء. وقال بعضهم: لا تمدن عينيك أي لا تحسدنّ أحدا على ما أوتي من الدنيا. وضعف بأن الحسد منهي عنه مطلقا فكيف يحسن تخصيص الرسول به؟ ويمكن أن يجاب بأن المراد منه نهي التكوين كقوله: وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ١٤] . أو المراد الغبطة فهي محظورة عليه ﷺ لجلالة منصبه وإن كانت جائزة لأمته. ويروى أنه وافت من بلاد الشام سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير فيها أنواع البز والطيب والجوهر، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوّينا بها ولأنفقناها في سبيل الله. فقال لهم الله : لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير من هذه القوافل السبع. وإنما قال في هذه السورة لا تَمُدَّنَّ بغير واو العطف لأنه لم يسبقه طلب بخلاف ما في سورة طه. ثم لما نهاه عن الالتفات إلى أموالهم وأمتعتهم نهاه عن الالتفات إليهم أنفسهم وإن لم يحصل لهم في قلبه قدر ووزن فقال: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي على أنهم لم يؤمنوا فيتقوى بمكانهم الإسلام وينتعش بهم المؤمنون، وكما أمره بالتكبر على الأغنياء والترفع عنهم إذا كانوا كفارا أمره بالتواضع للفقراء إذا كانوا مؤمنين فقال: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ الخفض نقيض الرفع، وجناحا الإنسان يداه، وخفضهما كناية عن اللين والرفق. وإنما قال في سورة الشعراء بزيادة لِمَنِ اتَّبَعَكَ [الآية: ٢١٥] لأنه قال قبله وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الآية: ٢١٤] فلو لم يذكر هذه الزيادة لكان الظاهر أن اللام للعهد فصار الأمر بخفض الجناح مختصا بالأقربين من عشيرته فزيد لِمَنِ اتَّبَعَكَ [الشعراء: ٢١٥] ليعلم أن هذا التشريف شامل لجميع متبعيه من الأمة. ولما بعثه على الرفق بأهل الإيمان أمره بالإنذار لكل المكلفين فقال: وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ

стр. 2155

ويدخل تحت كونه نذيرا كونه مبلغا لجميع التكاليف، لأن كل ما كان واجبا ترتب على تركه عذاب، وكل ما كان حراما ترتب على فعله عقاب. ويدخل في كونه مبينا كونه شارحا لجميع مراتب أهل التكاليف من الجنة والنار، فالإنذار بالنار والإحذار بالجنة هو الإخبار عن موجب الحرمان عنها. وفي متعلق قوله: كَما أَنْزَلْنا وجهان بعد ما مر به في الوقوف: أحدهما أن يتعلق بقوله: وَلَقَدْ آتَيْناكَ أي أنزلنا عليك ما أنزلنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ومن هم؟ قيل: أهل الكتاب الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ أي أجزاء جمع عضة وأصلها عضوة «فعلة» من عضى الشاة إذا جعلها أجزاء وأعضاء، أو «فعلة» من عضهته إذا بهته فالمحذوف منها الهاء لا الواو. وعن عكرمة: العضه السحر بلسان قريش يقولون للساحرة عاضهة. ولعن رسول الله ﷺ العاضهة والمستعضهة فينقصانها الهاء أيضا. وجمعت العضة بالمعاني جمع العقلاء لما لحقها من الحذف، فجعلوا الجمع بالواو والنون عوضا عما لحقها من الحذف كسنين. فمعنى الآية أن اليهود اقتسموا القرآن إلى حق وباطل وجزؤه فقالوا بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما. ويجوز أن يراد بالقرآن ما يقرأونه من كتبهم وقد اقتسموه بتحريفهم وتكذيبهم، والإقرار بالبعض والتكذيب بالبعض كقوله: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة: ٨٥] وفي هذا تسلية لرسول الله ﷺ عن تكذيب قومه وعداوتهم، ولهذا وسط بين المتعلق بقوله: لا تَمُدَّنَّ الآية لأنه مدد للتسلية لما فيه من النهي عن الالتفات إلى دنياهم والتأسف على كفرهم ومن الإقبال بالكلية على المؤمنين. الوجه الثاني أن يتعلق بقوله: النَّذِيرُ الْمُبِينُ وعلى هذا لا يكون بد من التزام إضمار أو زيادة، أما الإضمار فأن يكون التقدير: أنا النذير عذابا كما أنزلنا كقولك رأيت كالقمر في الحسن أي وجها كالقمر، وأما الزيادة فأن تكون الكاف زائدة كقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] ويمكن أن يقال: الكاف بمعنى مثل ولا حاجة إلى الالتزام والتقدير: أنذر قريشا مثل ما أنزلنا على المقتسمين وهم إما اليهود ويراد بالعذاب ما جرى على قريظة والنضير فيكون قد جعل المتوقع بمنزلة الواقع وهو من الإعجاز لأنه إخبار بما سيكون وقد كان، وإما غيرهم من أهل مكة أو من قوم صالح. قال ابن عباس: هم الذين اقتسموا طرق مكة ومداخلها أيام الموسم فقعدوا في كل مدخل متفرقين لينفروا الناس عن الإيمان بالله ورسوله. يقول بعضهم: لا تغتروا بالخارج منا فإنه ساحر، ويقول الآخر كذاب، والآخر شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر وقبله بآفات وكانوا قريبا من أربعين، منهم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب. وقال

стр. 2156

عكرمة: اقتسموا القرآن استهزاء وكان يقول بعضهم سورة البقرة لي ويقول الآخر سورة آل عمران لي وقال مقاتل: اقتسموه. قال بعضهم سحر، وبعضهم شعر، وبعضهم كذب، وبعضهم أساطير الأولين. وقال ابن زيد: المقتسمون هم الذين تقاسموا بالله ليبيتن صالحا كما سيجيء في سورة النمل، فرمتهم الملائكة بالحجارة وقتلوهم، وعلى هذا يكون قوله: الَّذِينَ جَعَلُوا منصوبا بالنذير أي أنذر المعضين الذين يجزؤن القرآن إلى سحر وشعر وأساطير مثل ما أنزلنا على المقتسمين. ثم أقسم على سبيل الوعيد فقال: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ الآية وقد مر تفسير مثله في أول «الأعراف» وذلك قوله فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ [الأعراف: ٦] . والأظهر أن الضمير عائد إلى جميع المكلفين المنذرين، وأن السؤال يكون عن جميع الأعمال، وقد يخص الضمير بالمقتسمين والسؤال بالاقتسام. ثم شجع نبيه قائلا فَاصْدَعْ أي اجهر بِما تُؤْمَرُ وأظهره وفرق بين الحق والباطل. وأصل الصدع الشق والفصل ومنه سمي الصبح صديعا كما سمي فلقا. وصدع بالحجة إذا تكلم بها جهارا. قال النحويون: الجار محذوف والمعنى بالذي تؤمر به من الشرائع مثل «أمرتك الخير» . وجوز أن تكون «ما» مصدرية أي بأمرك وشأنك مصدر من المبني للمفعول. وقالوا: وما زال النبي ﷺ مستخفيا حتى نزلت هذه الآية. ثم قال: وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ أي لا تبال بهم ولا تلتفت إلى لومهم إياك على إظهار الدعوة وهذا لا ينافي آية القتال حتى يلزم النسخ على ما ظن بل يؤكدها. ثم أكد النهي عن الاكتراث بهم وقوّى قلبه فقال: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ولا ريب أنهم طبقة ذو شوكة قدروا على الاستهزاء بالرسول مع جلالة قدره. والآية لا تفيد إلا هذا القدر لكن المفسرين ذكروا عددهم وأسماءهم مع اختلاف بينهم. والأشهر على ما رواه عروة بن الزبير أنهم خمسة نفر من الأشراف: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحرث بن الطلاطلة. وعن ابن عباس: ماتوا كلهم قبل يوم بدر. وقال جبرائيل ﵇ لرسول الله ﷺ : أمرت أن أكفيكهم فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم فلم ينعطف تعظما لأخذه فأصاب عرقا في عقبة فقطعه فمات. وأومأ إلى أخمص العاص بن وائل فدخلت فيها شوكة فقال: لدغت لدغت فانتفخت رجله حتى صارت كالرحى ومات، وأشار إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي، وأشار إلى أنف الحرث فامتخط قيحا فمات، وإلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة فجعل ينطح رأسه بالشجر ويضرب وجهه بالشوك حتى مات، ثم زاد في تسلية نبيه ﷺ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ من المطاعن فيك وفي

стр. 2157

القرآن لأن الجبلة البشرية والمزاج الإنساني يقتضي ذلك. ثم أمره لكشف ما نابه بأربعة أشياء: بالتسبيح والتحميد والسجود والعبادة إلى إتيان اليقين. عن ابن عباس: هو الموت سمي بذلك لأنه أمر متيقن ولا يجب الإخلال بالعبادة ما دام المكلف حيا وهذا كما قيل في تحديد مدة طلب العلم: إنه من المهد إلى اللحد. وكيف يصير الإقبال على الطاعات سببا لزوال ضيق القلب؟ قال المحققون: لأنه ينكشف له أضواء عالم الربوبية فيهون في نظره المصالح الدنيوية فلا يستوحش من فقدانها ولا يستأنس بوجدانها. وقال أهل السنة: إذا نزل بالعبد بعض المكاره فعليه أن يفزع إلى الله بالذكر الدائم والسجود وسائر أنواع العبادة فكأنه يقول: وجب عليّ عبادتك سواء أعطيتني الخيرات أو ألقيتني في المكاره. وقالت المعتزلة: من اعتقد تنزيه الله عن القبائح سهل عليه تحمل المشاق لأنه يعلم أنه تعالى عدل منزه عما لا فائدة فيه ولا غرض فيطيب قلبه. التأويل: في بشارة إبراهيم إشارة إلى أن الطالب الصادق وإن كان مسنا ضعيف القوى كما قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد. فأنه ينبغي أن لا يقنط من رحمة الله، ويتقرب إليه بالأعمال القلبية ليتقرب إليه ربه بأصناف الألطاف وجذبات الأعطاف، فيخرج من صلب روحه ورحم قلبه غلاما عليما بالعلوم اللدنية وهو واعظ الله الذي في قلب المؤمن إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لأصحاب القلوب المتوسمين بشواهد أحكام الغيب. وما خلقنا سموات الأرواح وأرض الأشباح، وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار والخفيات إِلَّا بِالْحَقِّ أي إلا لمظهر الحق، ومظهره هو الإنسان المخصوص بذلك من بين سائر المخلوقات وَإِنَّ السَّاعَةَ يعني قيامة العشق لَآتِيَةٌ لنفوس الطالبين الصادقين من أصحاب الرياضات لأن أنفسهم تموت بالرياضة ومن مات فقد قامت قيامته فَاصْفَحِ أيها الطالب الصادق عن النفس المرتاضة بأن تداويها وتواسيها، فإن في قيامة العشق يحصل من تزكية النفس في لحظة واحدة ما لا يحصل بالمجاهدة في سنين كثيرة ومن هنا قيل: جذبة من جذبات الرحمن توازي عمل الثقلين. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ لصور المخلوقات ولمعانيها ولحقائقها الْعَلِيمُ بمن خلقه مستعدا لمظهرية ذاته وصفاته ومظهريتهما وليس ذلك في السموات والأرض وما بينهما إلا الإنسان الكامل وغيره مختص بمظهرية الصفات دون الذات وان كان ملكا فلهذا قال: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً أي سبع صفات ذاتية لله ﵎: السمع والبصر والكلام والحياة والعلم والإرادة والقدرة مِنَ الْمَثانِي أي من خصوصية المظهرية، والمظهرية الذات والصفات. وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ولهذا صار خلقه عظيما لأنه كان خلقه القرآن لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ

стр. 2158

أَزْواجاً من أهل الدنيا والآخرة وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ بهذا المقام ليصلوا بجناح همتك إليه عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الذين قسموا قهر الله على أنفسهم فصاروا مظاهر القهر الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ أي جزؤوه في الاستعمال فقوم قرأوه ليقال لهم القراء وبه يأكلون، وقوم حفظوه ليقال لهم الحفاظ وبه يجرّون الرزق، وقوم حصلوا تفسيره وتأويله إظهارا للفضل وطلبا للشهرة، وقوم استنبطوا معانيه وفقه على وفق آرائهم ومذاهبهم فكفروا إذ فسروا القرآن برأيهم. إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الذين يستعملون الشريعة بالطبيعة استهزاء بدين الله الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ من الهوى والدنيا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ لأنك لست منهم وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ سجدة الشكر وَاعْبُدْ رَبَّكَ بالإخلاص حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ أي إلى الأبد لأن كل مقام يحصل فيه اليقين بالعيان بعد العرفان فإنه يحصل فوقه مقام آخر مشكوك فيه إلى أن يحصل برد اليقين فيه أيضا، فهناك مراتب لا تتناهى فاليقين يكون إشارة إلى الأبد والله أعلم.

стр. 2159

(سورة النحل) (مكية غير ثلاث آيات وَإِنْ عاقَبْتُمْ إلخ حروفها سبعة آلاف وسبعمائة وسبعة كلمها ألف وثمانمائة وأحد وأربعون آياتها مائة وثمان وعشرون) [سورة النحل (١٦) : الآيات ١ الى ٢٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)

стр. 2160

القراآت: تشركون وما بعده بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف. والآخرون على الغيبة تنزل بالفتحات الثلاث الْمَلائِكَةَ بالرفع: سهل وروح وزيد وأبو زيد مثله لكن بضم التاء الفوقانية: جبلة ينزل من الإنزال الْمَلائِكَةَ بالنصب: ابن كثير وأبو عمرو ورويس. والباقون بالتشديد من التنزيل. بِشِقِّ الْأَنْفُسِ بفتح الشين: يزيد. الباقون بكسرها ننبت بالنون: يحيى وحماد. الآخرون بياء الغيبة وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ كلها مرفوعات: ابن عامر وافق حفص والمفضل في النُّجُومُ مُسَخَّراتٌ الباقون: بنصب الجميع على أن مُسَخَّراتٌ حال. يسرون ويعلنون بالياء التحتانية فيهما: الخزاز عن هبيرة. الآخرون بتاء الخطاب يَدْعُونَ على الغيبة: سهل ويعقوب وعاصم غير الأعشى. الباقون على الخطاب. الوقوف: فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ط يُشْرِكُونَ هـ فَاتَّقُونِ هـ بِالْحَقِّ ط يُشْرِكُونَ هـ مُبِينٌ هـ ج خَلَقَها ج لاحتمال تمام الكلام واحتمال أن يكون لَكُمْ متعلقا به والوقف حينئذ على لَكُمْ. تَأْكُلُونَ هـ ص للعطف تَسْرَحُونَ هـ ص لذلك الْأَنْفُسِ ط رَحِيمٌ هـ لا لأن الْخَيْلَ مفعول خلق وَزِينَةً ط ما لا تَعْلَمُونَ هـ جائِرٌ ط أَجْمَعِينَ هـ تُسِيمُونَ هـ الثَّمَراتِ ط يَتَفَكَّرُونَ هـ وَالنَّهارَ ط لمن قرأ وَالشَّمْسَ وما بعده بالرفع ومن نصب الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ورفع النُّجُومُ وقف على الْقَمَرَ ومن نصب الكل وقف على بِأَمْرِهِ بِأَمْرِهِ ط يَعْقِلُونَ هـ لا لأن ما بعده مفعول سَخَّرَ أَلْوانُهُ ط يَذَّكَّرُونَ هـ تَلْبَسُونَها ج لأن قوله وَتَرَى فعل مستأنف مع اتصال المعنى. تَشْكُرُونَ هـ لا تَهْتَدُونَ هـ لا لأن قوله وَعَلاماتٍ عطف على سُبُلًا وَعَلاماتٍ ط يَهْتَدُونَ هـ لا يَخْلُقُ ط تَذَكَّرُونَ هـ لا تُحْصُوها ط رَحِيمٌ هـ وَما تُعْلِنُونَ هـ وَهُمْ يُخْلَقُونَ هـ ط لأن التقدير: هم أموات غَيْرُ أَحْياءٍ ج لاختلاف الجملتين وَما يَشْعُرُونَ هـ لا لأن ما بعده مفعول يُبْعَثُونَ هـ واحِدٌ ط لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء مُسْتَكْبِرُونَ هـ وَما يُعْلِنُونَ هـ الْمُسْتَكْبِرِينَ هـ. التفسير: هذه السورة تسمى سورة النعم أيضا، وحكى الأصم عن بعضهم أن كلها مدنية. وقال الآخرون: من أولها إلى قوله: كُنْ فَيَكُونُ مدنية وما سواه مكي. وعن

стр. 2161

قتادة بالعكس منه. قال أهل النظم: إن رسول الله ﷺ كان يخوفهم بعذاب الدنيا تارة وهو القتل والاستيلاء عليهم كما حصل في يوم بدر، وتارة بعذاب القيامة. ثم إن القوم لما لم يشاهدوا شيئا من ذلك أقبلوا على تكذيبه وكانوا يستعجلون ما وعدوا به استهزاء. وروي أنه لما نزلت اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ [القمر: ١] قال الكفار فيما بينهم: إن هذا يزعم أن القيامة قد اقتربت فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن. فلما تأخرت قالوا: ما نرى شيئا فنزلت اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ [الأنبياء: ١] فأشفقوا وانتظروا قربها، فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئا مما تخوفنا به فنزلت أَتى أَمْرُ اللَّهِ فوثب رسول الله ﷺ ورفع الناس رؤوسهم فنزلت فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ فاطمأنوا. والحاصل أن قوله: أَتى أَمْرُ اللَّهِ جواب عن شبهتهم إجراء لما يجب وقوعه مجرى الواقع كما يقال لمن طلب الإغاثة وقرب حصولها: جاءك الغوث فلا تجزع. أو المراد أن أَمْرُ اللَّهِ بذلك وحكمه قد وقع وأتى. فأما المحكوم به فإنما لم يقع لأنه تعالى حكم بوقوعه في وقت معين فقبل مجيء ذلك الوقت لا يخرج إلى الوجود فلا تستعجلوه ولا تطلبوا حصوله قبل حضور ذلك الوقت. ثم إن المشركين كأنهم قالوا: هب يا محمد أنا سلمنا صحة ما تقول من أنه تعالى حكم بإنزال العذاب علينا إما في الدنيا وإما في الآخرة إلا أنا نعبد هذه الأصنام لأنها شفعاؤنا عند الله فكيف نستحق العذاب بسبب هذه العبادة؟ فأجاب الله عن هذه الشبهة بقوله: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ كما مر في أول سورة يونس. والمراد تنزيه نفسه عن الأضداد والأنداد وأن يكون لأحد من الأرواح والأجساد أن يشفع عنده إلا بإذنه، أو يستعجل في حكم من أحكامه. أو قضية قبل أوانه. ثم إنهم كأنهم قالوا سلمنا أنه تعالى أن يقضي على طائفة باللطف وعلى الآخرين. بالقهر ولكن كيف صرت واقفا على أسرار الله تعالى في ملكه وملكوته دوننا، من أين حصل لك هذا الفضل علينا؟ فأزال الله سبحانه شبهتهم بقوله: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ الآية. والمراد أن له بحكم المالكية أن يختص بعض عبيده بإنزال الوحي عليه ويأمره بأن يكلف سائر العباد بمعرفة توحيد الله وبعبادته، فظهر بهذا البيان أن هذه الآيات منتظمة على أحسن الوجوه. قال الواحدي: روى عطاء عن ابن عباس أنه أراد بالملائكة هاهنا جبرائيل وحده، وتسمية الواحد بالجمع إذا كان رئيسا مطاعا جائزة. وعلى هذا التفسير فالمراد بالروح كلام الله تعالى كقوله: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [الشورى: ٥٢] قال المحققون: الروح الأصلي هو القرآن الذي فيه بيان المبدأ والوسط والمعاد، فبه يحصل إشراق العقل، وبالعقل يكمل ضياء جوهر الروح، وبالروح يكمل حال الجسد فهو الأصل والباقي فرع عليه وبهذه

стр. 2162

المناسبة يسمى جبرائيل روحا وعيسى روحا. وعن أبي عبيدة أن الروح هاهنا جبرائيل، والباء بمعنى «مع» أي تنزل الملائكة مع جبرائيل. وذلك أنه في أكثر الأحوال كان ينزل ومعه أقوام من الملائكة كما في يوم بدر وحنين، وكان ينزل على رسول الله ﷺ ملك الجبال وملك البحار وخزان الجنة وغيرهم. قال في الكشاف: بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ أي بما يحيي القلوب الميتة بالجهل من وحيه، أو بما يقوم في الدين مقام الروح في الجسد وقال غيره: من أمره معناه أن ذلك التنزيل والنزول لا يكون إلا بأمر الله كقوله وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [مريم: ٦٤] قال الزجاج: أَنْ أَنْذِرُوا بدل من «الروح» أي ينزلهم بأن أنذروا. و «أن» إما مفسرة لأن تنزيل الوحي فيه معنى القول، وإما مخففة من الثقيلة وضمير الشأن مقدر أي بأن الشأن أقول لكم أنذروا أي أعلموا الناس قولي: لا إِلهَ إِلَّا أَنَا وهو إشارة إلى استكمال القوة النظرية. وقوله: فَاتَّقُونِ رمز إلى استكمال القوة العملية ومنه يعلم أن النفس متى كملت من هاتين الجهتين حصل لها روح حقيقي وحياة أبدية وسعادة سرمدية. قال الإمام فخر الدين الرازي: إنا لا نعلم كون جبريل صادقا ولا معصوما من الكذب والتلبيس إلا بالدلائل السمعية، وصحة الدلائل السمعية موقوفة على صدق محمد ﷺ ، وصدقه يتوقف على أن هذا القرآن معجز من قبل الله لا من قبل شيطان خبيث، والعلم بذلك يتوقف على العلم بأن جبرائيل صادق مبرأ عن التلبيس وأفعال الشياطين، وحينئذ يلزم الدور وهذا مقام صعب. أقول: قد ذكرنا مرارا أن الفرق بين المعجز والسحر هو أن صاحب المعجز يدعو إلى الخير، وصاحب السحر يدعو إلى الشر، والفرق بين الملك والشيطان هو أن الملك يلهم بالخير، والشيطان يوسوس بضده وإذا كان الأمر كذلك فكيف تشتبه المعجزة بالسحرة وجبرائيل بإبليس ومن أين يلزم الدور؟ ولما بين الله سبحانه أن روح الأرواح وروح الأجساد هو أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل أن يعمل به، أتبعه دلائل التوحيد مبتدئا من الأشرف وهو السماويات إلى الأدون- وهو الأرضيات- فقال: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وقد مر تفسير مثله مرارا. وقوله: تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ تنزيه لذاته عمن يشاركه في الأزلية والقدم والتدبير والتأثير والصنع والإبداع. فالفائدة المطلوبة من هذا الكلام غير الفائدة المطلوبة من مثله في أول السورة كما ذكرنا فلا تكرار. ثم إن أشرف الأجسام بعد الفلكيات بدن الإنسان فلهذا عقب المذكور بقوله: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ قالت الأطباء: إن الغذاء إذا وصل إلى المعدة حصل له هناك هضم، وإذا وصل إلى الكبد حصل له فيها هضم ثان، وفي العروق له هضم ثالث، وفي جواهر الأعضاء هضم رابع، وحينئذ يصير جزءا من العضو

стр. 2163

المغتذى شبيها به، ثم عند استيلاء الحرارة على البدن وقت هيجان الشهوة يحصل ذوبان لجملة الأعضاء وتجتمع منه النطفة في أوعيتها، وعلى هذا تكون النطفة جسما مختلفة الأجزاء والطبائع، وإن كانت تخيل في الحس أنها متشابهة الأجزاء. وكيفما كان فالمقتضي لتولد البدن منها ليس هي الطبيعة الحاصلة لجوهر النطفة ودم الطمث، لأن الطبيعة تأثيرها بالذات والإيجاب لا بالتدبير والاختيار، والقوّة الطبيعية إذا عملت في مادة متشابهة الأجزاء وجب أن يكون فعلها هو الكرة. وعلى هذا الحرف عول الحكماء في قولهم: البسائط يجب أن تكون أشكالها الطبيعية في الكرة، وإذا عملت في مادة مختلفة الأجزاء وكل مركب فإنه ينحل إلى بسائط فإنه يلزم أن يكون الحيوان على شكل كرات مضموم بعضها إلى بعض، وكلا الأمرين غير مطابق للواقع، فعلمنا أن حدوث هذه الأعضاء على هذا الترتيب الخاص ليس بالطبيعة وإنما هو بتدبير الفاعل المختار وهو الله سبحانه، وكيف لا والنطفة رطوبة سريعة الاستحالة؟ فالأجزاء الموجودة فيها لا تحفظ الوضع والنسبة، فالجزء الذي هو مادة الدماغ يمكن حصوله في الأسفل، والجزء الذين هو مادة القلب قد يحصل في الفوق، فلا يكون حدوث أعضاء الحيوان على هذا الترتيب الخاص دائما ولا أكثريا، وحيث كان كذلك علمنا أن حدوثها بإحداث مدبر مختار. ثم إن نزلنا عن جميع هذه المراتب فلا خلاف بين الحكم وبين المتكلم أن الطبيعة خرقاء وأنها ليست واجبة الوجود لذاتها فلا بد من الانتهاء الى الصانع الحكيم الخبير. أما قوله: فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ فقد ذكروا فيه وجهين: الأول فإذا هو منطيق مجادل عن نفسه مبين للحجة بعد أن كان نطفة لا حس به ولا حراك. وتقرير ذلك أن النفوس الإنسانية في أول الفطرة أقل فهما وذكاء من نفوس سائر الحيوانات، ألا ترى أن ولد الدجاجة كما يخرج من البيضة يعرف الصديق من العدو فيهرب من الهرة ويلتجىء إلى الأم ويميز بين الغذاء الذي يوافقه والذي لا يوافقه. وحال الطفل بخلاف ذلك فانتقاله من تلك الحالة الخسيسة إلى أن يقوى على معرفة الإلهيات والفلكيات والعنصريات وعلى إيراد الشكوك والشبهات على النتائج والمقدمات إنما يكون بتدبير إله مختار قدير ينقل الأرواح من النقصان إلى الكمال ومن الجهالة إلى المعرفة. الوجه الثاني أن المراد فإذا هو خصيم لربه منكر على خالقه قائل من يحيي العظام وهي رميم. فعلى الوجه الأول جوز أن يكون الخصيم «فعيلا» بمعنى «مفاعل» كالأكيل والشريب، وأن يكون بمعنى مختصم، وعلى الوجه الثاني تعين كونه بمعنى «مفاعل» والترجيح من الوجهين للأول بناء على أن هذه الآيات مسوقة لتقرير الدلائل على وجود الصانع الحكيم وقدرته لا لأجل وصف الإنسان بالتمادي في القحة والكفران. وقد يرجح الثاني بما روي أن أبيّ بن خلف الجمحي جاء بعظم رميم إلى

стр. 2164

رسول الله ﷺ فقال: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رم؟ فنزلت. ثم أردف تكوين الإنسان بتكوين الحيوانات التي ينتفع بها الإنسان في ضروراته من الأكل والركوب وجر الأثقال وفي غير الضروريات من الأغراض الصحيحة كالتزيين والجمال فقال: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها هي الأزواج الثمانية المذكورة في سورة الأنعام وهي: الضأن والمعز والإبل والبقر. وإن شئت قلت: الإبل والبقر والغنم. قال في الكشاف: وأكثر ما يقع هذا اللفظ على الإبل. قلت: ويمكن أن يستدل على ذلك بقوله بعد ذلك: وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ لأن هذا الوصف لا يليق إلا بالإبل. وانتصابها بمضمر يفسره الظاهر. ويجوز أن يكون معطوفا على الْإِنْسانَ أي خلق الإنسان والأنعام. ثم قال: خَلَقَها لَكُمْ أي ما خلقها إلا لكم ولمصالحكم يا جنس الإنسان. قال صاحب النظم: وأحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله: خَلَقَها بدليل أنه عطف عليه قوله: وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ والدفء اسم ما يدفأ به كالملء اسم ما يملأ به وهو الدفاء من لباس معمول من صوف أو وبر أو شعر. قال الجوهري: الدفء نتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها، والدفء أيضا السخونة. وقوله: وَمَنافِعُ قالوا: المراد نسلها ودرّها، والمنافع بالحقيقة أعم من ذلك فقد ينتفع بها في البيع والشراء بالنقود والأثواب وبسائر الحاجات. أما قوله: وَمِنْها تَأْكُلُونَ بتقديم الظرف المؤذن بالاختصاص فلأن الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في مآكلهم عادة، وأما الأكل من غيرها كالدجاج وصيد البر والبحر فكغير المعتد به الجاري مجرى التفكه، ويحتمل أن يراد أن غالب أطعمتكم إنما يحصل منها لأنكم تحرثون بالبقر وتكتسبون بإكراء الإبل وتشترون بنتاجها وألبانها وجلودها جميع ما تشتهون من الأطعمة. قوله: حِينَ تُرِيحُونَ الإراحة رد الإبل إلى مراحها حيث تأوي إليه ليلا ويقال: سرح القوم إبلهم سرحا إذا أخرجوها بالغداة إلى المرعى. وقدم الإراحة لأن الجمال فيها أظهر حين تقبل ملأى البطون حافلة الضروع ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها. قوله: بِشِقِّ الْأَنْفُسِ من قرأ بفتح الشين فمعناه المشقة فيكون مصدر شق الأمر عليه شقا وحقيقته راجعة إلى الشق الذي هو الصدع، ومن قرأ بالكسر فمعناه النصف كأنه يذهب نصف قوته لما يناله من الجهد. قال جار الله: معنى المضي في قوله: لَمْ تَكُونُوا راجع إلى الفرض والتقدير: أي لو لم يخلق الإبل لم تكونوا إلا كذلك. وإنما لم يقل «لم تكونوا حامليها إلى ذلك البلد» ليطابق قوله: وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ لأجل المبالغة كأنه قيل: قد علمتم أنكم لا تبلغونه بأنفسكم إلا بجهد ومشقة وذهاب قوة فضلا أن تحملوا على ظهوركم أثقالكم ويجوز أن يكون العائد إلى الأثقال محذوفا أي لم تكونوا

стр. 2165

بالغيها إلا بالشق، أو المراد بالأثقال الأجساد، عن ابن عباس أنه فسر البلد بمكة إلى اليمن وإلى الشام وإلى مصر. قال الواحدي: هذا قوله والمراد كل بلد لو تكلفتم بلوغه على غير إبل شق عليكم. وخص ابن عباس هذه البلاد لأنها أكثر متاجر أهل مكة إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ وإلا لم يخلق هذه الحوامل لأجل تيسير هذه المصالح. احتج منكرو الكرامات بالآية على امتناع طي الأرض كما ينقل عن بعض الأولياء. والجواب أن الامتناع العادي لا ينافي الإمكان الذاتي. وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ معطوفات على الأنعام أي وخلق هؤلاء للركوب والزينة فانتصب على أنه مفعول له معطوف على محل لِتَرْكَبُوها وإنما لم يقل و «لتتزينوا بها» ليكون المعطوف والمعطوف عليه على سنن واحد لأن الركوب فعل المخاطبين، وأما الزينة ففعل الزائن وهو الخالق. والتحقيق فيه أن الركوب أحد الأمور المعتبرة في المقصود بخلاف التزين بالشيء فإنه قلما يلتفت إليه أرباب الهمم العالية لأنه يورث العجب والتيه غالبا وكأنه قال: خلقتها لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر ولكنه غير مقصود بالذات. احتجت المعتزلة القائلون بأن أفعال الله معللة بالمصالح بأن قوله: لِتَرْكَبُوها يقتضي أن هذه الحيوانات مخلوقة لهذه المصلحة. والجواب أن استتباع الغاية والفائدة مسلم ولكن التعليل ممنوع. واحتج الحنفية بالآية على تحريم لحوم الخيل من وجوه: أحدها إفراد هذه الأنواع الثلاثة بالذكر فيجب اشتراك الكل في الحكم، لكن البغال والحمير محرمان فكذا الخيل. وثانيها أن منفعة الأكل أعظم منة من الركوب والتزين فلو كان أكل لحم الخيل جائزا لكان هذا المعنى أولى بالذكر. وثالثها أن قوله فيما قبل: وَمِنْها تَأْكُلُونَ يقتضي الحصر فيجب أن لا يجوز أكل ما عدا الأنعام إلا بدليل منفصل والأصل عدمه. ورابعها أن قوله: لِتَرْكَبُوها يقتضي أن تمام المقصود من خلق هذه الأشياء الثلاثة هو الركوب والزينة، فلو كان حل أكلها مقصودا لزم أن يكون ما فرض تمام المقصود بعض المقصود هذا محال. والجواب أن تحريم الخيل محل النزاع وتحريم الحمير بنص الكتاب ممنوع لما روي عن جماعة من الصحابة أنه ﷺ نهى عام خيبر عن لحوم الحمر الأهلية. فلو كان للآية دلالة على تحريم لحم الخيل لفهموه منها قبل ذلك العام لأن الآية مكية عند الأكثرين» ولو فهموا منها التحريم قبل ذلك لم يبق لتخصيص التحريم بهذه السنة فائدة. وإذا لم يكن الحمير والخيل محرمين لم يكن لتحريم البغال المتولدة منهما وجه. وأيضا كون معظم المنة في الأكل بالنسبة إلى هذه الأنواع ممنوع بل الركوب والزينة هما أعظم

стр. 2166

المنافع فيها ولهذا جعلا تمام المقصود منها، فكأنما أعطى الأكثر والمعظم حكم الكل. واقتضاء الحصر في قوله: وَمِنْها تَأْكُلُونَ ممنوع بل لعل الظرف قدم لرعاية الفاصلة. ثم إن أنواع الغرائب والعجائب المخلوقة في هذا العالم لا حد لها ولا حصر فلهذا أشار إلى ما بقي منها على سبيل الإجمال فقال: وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ أي كنهه وتفاصيله بل نوعه وجنسه فإن مركبات العالم السفلي وغرائب العالم العلوي لا يعلمها إلا موجدها. روى عطاء ومقاتل والضحاك عن ابن عباس أنه قال: إن عن يمين العرش نهرا من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبعة، يدخل فيه جبرائيل ﵇ كل سحر ويغتسل فيزداد نورا إلى نوره وجمالا إلى جماله، ثم ينتفض فيخلق الله تعالى من كل نقطة تقع من رأسه كذا وكذا ألف ملك يدخل منهم كل يوم سبعون ألف ملك البيت المعمور، وفي الكعبة أيضا سبعون ألفا ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة. وقيل: المراد ما خلق في الجنة والنار مما لم يبلغه فهم أحد ولا وهمه. ولما ذكر بعض دلائل التوحيد بين أنه إنما ذكرها إزاحة للعذر وإزالة للشبهة ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة فقال: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ذكر صاحب الكشاف أن السبيل للجنس والقصد مصدر بمعنى الفاعل يقال: قصد وقاصد أي مستقيم كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه، والجور الميل عن الاستقامة. احتجت المعتزلة بالآية على مسألتين من أصولهم: إحداهما أنه يجب على الله تعالى الإرشاد والهداية لأن كلمة، «على» للوجوب والمضاف محذوف أي وعلى الله بيان قصد السبيل فالمعنى أن هداية الطريق الموصل إلى الحق واجبة عليه. والثانية أنه لا يضل أحدا ولا يغويه وإلا لقيل وعلى الله قصد السبيل وعليه جائرها أو وعليه الجائر فلما غير أسلوب الكلام قائلا. وَمِنْها جائِرٌ دل على أنه أراد أن يبين ما يجوز إضافته إليه من السبيلين وما لا يجوز. والجواب عن الأول بعد تسليم إفادة كلمة «على» الوجوب أنه وجوب بحسب الفضل والكرم لا بمعنى استحقاق الذم على الترك. وعن الثاني أن دلالة قوله: وَمِنْها جائِرٌ على ما ذكرتم ليست دلالة المطابقة ولا التضمن ولا الالتزام، لأن قول القائل «من السبيل سبل منحرفة» لا يفيد إلا الإخبار بوجود الانحراف في بعض السبل، فأما أن فاعل تلك السبيل من هو فلا دلالة للكلام عليه أصلا على أن قوله: وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ يناقض ما ادعيتم. وتفسير المشيئة بمشيئة الإلجاء والقسر أو بالهداية إلى الجنة خلاف الظاهر كما مر مرارا. ولما استدل على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال الحيوانات أراد أن يذكر الاستدلال على المطلوب بغرائب أحوال النبات فقال: هُوَ

стр. 2167

الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً وقوله: لَكُمْ متعلق بأنزل أو بشراب خبرا له. والشراب ما يشرب كالطعام لما يطعم والمراد أن الماء النازل من السماء قسمان: بعضه يبقى لأجل الشرب كما هو ويحتمل أن يكون الماء المحتبس في الآبار والعيون منه كقوله: فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ [المؤمنون: ١٨] وبعضه يحصل منه شجر يرعاه المواشي. قال الزجاج: كل ما ينبت من الأرض فهو شجر لأن التركيب يدل على الاختلاط ومنه تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم بالبعض، ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ وفيما له ساق. وقال ابن قتيبة: المراد بالشجر في الآية الكلأ. وفي حديث عكرمة: «لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت» أراد الكلأ. وقيل: الشجر كل ما له ساق كقوله: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ [الرحمن: ٦] والعطف يقتضي التغاير، فلما كان النجم ما لا ساق له وجب أن يكون الشجر ما له ساق، وأجيب بأن عطف الجنس على النوع جائز، وبأن قوله: فِيهِ تُسِيمُونَ من سامت الماشية إذا رعت وأسامها صاحبها وهو من السومة العلامة لأنه تؤثر بالرعي علامات في الأرض يقتضي أن يكون الشجر هو العشب ليمكن الرعي. ورد بأن الإبل قد تقدر على رعي الأشجار الكبار. وحين ذكر مرعى الحيوان أتبعه ذكر غذاء الإنسان فقال: يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ الذي هو الغذاء الأصلي وَالزَّيْتُونَ الذي هو فاكهة من وجه وغذاء من وجه لكثرة ما فيه من الدهن وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ اللتين هما أشرف الفواكه. ثم أشار إلى الثمرات بقوله: وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كما أجمل الحيوانات التي لم يذكرها بقوله: وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ قال في الكشاف: إنما لم يقل و «كل الثمرات» بل زاد «من» التبعيضية لأن كلها لا يكون إلا في الجنة. واعلم أنه قدم الغذاء الحيواني على الغذاء النباتي لأن النعمة فيه أعظم لأنه أسرع تشبيها ببدن الإنسان، وفي ذكر الغذاء النباتي قدم غذاء الحيوان- وهو الشجر- على غذاء الإنسان- وهو الزرع وغيره- بناء على مكارم الأخلاق وهو. أن يكون اهتمام الإنسان بحال من تحت يده أكمل من اهتمامه بحال نفسه، وإنما عكس الترتيب في قوله: كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ بناء على ما هو الواجب في نفس الأمر كقوله ﷺ : «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» . قوله: وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ معنى تسخير هما للناس تصييرهما نافعين لهم بحسب مصالحهم على سنن واحد يتعاقبان دائما كالعبد المطواع، وكذا الكلام في تسخير الشمس والقمر والنجوم كما في «الأعراف» وفي سورة إبراهيم. وهذا حسم لمادة شبهة من يزعم أن حركات الأفلاك هي المقتضية لتعاقب الليل والنهار ومسيرات الكواكب هي المستدعية للحوادث السفليات، فإنه إن سلم لهم ذلك فلا بد لتلك الحركات والمسيرات

стр. 2168

من الانتهاء إلى صانع قديم منزه عن التغير والإمكان مبرإ عن الحدوث والنقصان وهو الله سبحانه. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ قال جار الله: جمع الآية وذكر العقل لأن آثار العلو أظهر دلالة على القدرة الباهرة وأبين شهادة للكبرياء والعظمة. وقال غيره: إنما جمع الآيات لتطابق قوله: مُسَخَّراتٌ ومثله في هذه السورة في موضع آخر مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ [النحل: ٧٩] وأقول: إنما جمع لأن كلا من تسخير الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم آية في نفسها لتباين الليل والنهار وتخالف مسيرات الكواكب كما هو مقرر في علم الهيئة بخلاف قوله يُنْبِتُ لَكُمْ فإن مطلق الإنبات آية واحدة. وكذا قوله: وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ أي خلق لكم فيها من حيوان وشجر وثمر وغير ذلك: مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ فإن ذرء هذه الأشياء على حالة اختلاف الألوان والأشكال مع تساوي الكل في الطبيعة الجسمية وفي تأثير الفلكيات فيها، آية واحدة على وجود الصانع تعالى شأنه، ولست أدعي إلا إمكان هذه الاعتبارات وإلا: ففي كل شيء آية تدل على أنه واحد. وإنما خص المقام الأول بالتفكر لإمكان إيراد الشبهة المذكورة، وخص المقام الثاني بالعقل لذكره بعد إماطة الشبهة وإزاحة العلة، فمن لم يعترف بعدها بالوحدانية فلا عقل له. وخص المقام الثالث بالتذكر لمزيد الدلالة فمن شك بعد ذلك فلا حس له. ومن جملة الآيات التي هي في الحقيقة إنعامات على الإنسان تسخير البحر بالركوب عليه والانتفاع به أكلا ولبسا. والمراد باللحم الطريّ السمك. قال ابن الأعرابي: لحم طريّ غير مهموز ومصدره طراوة. يقال: شيء طريّ أي غض بين الطراوة. وقال قطرب: طرو اللحم وطري طراوة والمراد في الآية السمك وما في معناه. قال في الكشاف: وصفه بالطراوة لأن الفساد يسرع إليه فيسارع إلى أكله خيفة الفساد عليه. وقال المتكلمون: إنه لما خرج من البحر المالح الزعاق الحيوان الذي لحمه في غاية العذوبة، علم أنه لم يحدث بحسب الطبع بل حدث بقدرة الله تعالى وحكمته بحيث أظهر الضد من الضد. قال أكثر الفقهاء ومنهم أبو حنيفة والشافعي: من حلف أن لا يأكل لحما فأكل سمكا لم يحنث لأن اللحم لا يتناوله عرفا. ومبنى الأيمان على العرف والعادة. ولهذا لو قال لغلامه: اشتر لحما فجاء بالسمك كان حقيقا بالإنكار عليه. ورد عليهم الإمام فخر الدين الرازي بأنه إذا قال لغلامه: اشتر لحما فجاء بلحم العصفور كان حقيقا بالإنكار مع أنكم تقولون إنه يحنث بأكل لحم العصفور، فثبت أن العرف مضطرب والرجوع إلى نص القرآن متعين فليس فوق بيان الله بيان. ولقائل أن يقول: لعل الإنكار في هذه الصورة بعد تسليمه إنما جاء من قبل ندرة شراء العصفور أو شراء لحمه فإنه إنما يشترى كله ولم يجىء من إطلاق اللحم على لحمه. ومن منافع البحر استخراج الحلية منه

стр. 2169

قالوا: أراد بالحلية اللؤلؤ والمرجان، والمراد بلبسهم لبس نسائهم لأنهن من جملتهم ولأن تزيينهن لأجلهم. ولقائل أن يقول: لا مانع من تزيين الرجال باللئالئ ونحوها شرعا فلا حاجة إلى هذه التكلف. استدل الإمام فخر الدين بالآية في إبطال قول الشافعية إنه لا زكاة في الحلي قال: لأن اللام فيما يروى عنه ﷺ أنه قال: «لا زكاة في الحلي» تنصرف إلى المعهود السابق ولا معهود إلا ما في الآية من الحلية فصار معنى الحديث: لا زكاة في اللآلئ. وهذا باطل بالاتفاق. والقائل أن يقول: لم لا يجوز أن تكون اللام للجنس فتشمل المصوغ من الذهب والفضة أيضا فيكون الحديث مخصصا بالآية إن ثبت صحته؟ ومن عجائب البحر ومنافعه قوله سبحانه: وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ قال أهل اللغة: مخر السفينة شقها الماء بصدرها. وعن الفراء أنه صوت دويّ الفلك بالرياح. وقال ابن عباس: مواخر أي جواري. وإنما حسن هذا التفسير لأنها لا تشق الماء إلا إذا كانت جارية. وقوله: لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ أي تتجروا فيه فتطلبوا الربح من فضل الله وإذا وجدتم فضله وإحسانه فلعلكم تقدمون على شكره. واعلم أن قوله: مَواخِرَ فِيهِ جاء على القياس لأن موضع الظرف المتعلق بمواخر بعد مضي مفعولي «ترى» ، وأما في سورة الملائكة فقدم الظرف ليكون موافقا لقوله: وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ ولتقدم الجار في قوله: وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ حذف لفظة «منه» هناك. الواو في وَلِتَبْتَغُوا في هذه السورة للعطف على لام العلة في لِتَأْكُلُوا وقوله: وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ اعتراض في السورتين يجري مجرى المثل ولهذا وحد الخطاب في قوله: وَتَرَى وقبله وبعده جمع أي لو حضرت أيها المخاطب لرأيته بهذه الصفة. ويمكن أن يقال: إنما قال في الملائكة فِيهِ مَواخِرَ بتقديم الظرف لئلا يفصل بين لام العلة وبين متعلقها وهو مواخر، وليكتنف المتعلق المتعلقان. وإنما بنينا الكلام على أن قوله: فِيهِ متعلق ب مَواخِرَ لا ب تَرَى لقرب هذا وبعد ذاك والله أعلم. قوله: أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ أي كراهة أن تميد الأرض بكم والباء للتعدية أو للمصاحبة. والميد الحركة والاضطراب يمينا وشمالا. يروى أنه تعالى خلق الأرض فجعلت تمور فقالت الملائكة: ما هي بمقرّ على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال لم تدر الملائكة مم خلقت. قال جمهور المفسرين: إن السفينة إذا ألقيت على وجه الماء فإنها تميل من جانب إلى جانب وتضطرب، فإذا وضعت الأجرام الثقيلة في تلك السفينة استقرت على وجه الماء فهكذا الأرض تستقر على الماء بسبب ثقل الجبال. واعترض عليه بأن السفينة إنما تضطرب على الماء لتخلخلها وخفتها بسبب الهواء الداخل في تجاويف الخشب ومسامها، أما الأرض فجسم كثيف ثقيل من شأنها الرسوب

стр. 2170

في الماء على ما هو مشاهد من حال أجزائها المنفصلة عنها. فإن كان طبيعة الكل كذلك فكيف يعقل طفوّها حتى توجب الجبال إرساءها وثباتها، وإن لم تكن طبيعة الكل كذلك حتى تكون طافية مائدة وقد أرساها الله تعالى بالجبال، فالرسو والرسوخ إنما يتصور على جسم واقف وليس إلا الماء فينقل الكلام إلى وقوف الماء في حيزه المعين. فإن كان بحسب الطبيعة فهذا خلاف التقدير لأنا نفينا القول بالطبائع الموجبة لهذه الأحوال، وإن لم يكن بالطبع بل كان واقفا بتخليق الفاعل المختار وتسكينه في حيزه المخصوص فلم لا نقول مثله في تسكين الأرض؟ هذا تلخيص ما قاله الإمام فخر الدين الرازي، ونسب المقام إلى الصعوبة والإشكال واستخرج لحله وجها مبنيا على قوانين الحكمة، وهو أن الأرض جسم كروي، والكرة إذا كانت صحيحة الاستدارة فإنها تتحرك بأدنى سبب، فلما أحدث الله سبحانه على وجه الكرة هذه الخشونات الجارية مجرى الأوتاد منعتها عن السلاسة والحركة. قلت: في هذا الحل خلل. أما أولا فلكونه مبنيا على غير قواعد أهل التفسير، وأما ثانيا فلما ثبت في الحكمة أن نسبة أعظم جبل في الأرض وهو ما ارتفاعه فرسخان وثلث فرسخ إلى جميع الأرض كنسبة خمس سبع عرض شعيرة إلى كرة قطرها ذراع، ولا ريب أن ذلك القدر من الشعيرة لا يخرج الكرة المذكورة عن صحة الاستدارة بحيث يمنعها عن سلاسة الحركة، فكذا ينبغي أن يكون حال الجبال بالنسبة إلى كرة الأرض. والجواب الصحيح على قاعدة أهل الشرع أن يقال: لا نسلم أن الأرض بكليتها لها طبيعة موجبة لحالة من الأحوال، وعلى تقدير التسليم فلا نسلم أن لها طبيعة الرسوب بل لعل طبيعتها الطفو فلهذا احتاجت إلى الرواسي. وأما قوله: «لم أوقف الله الماء في حيزه ولم يوقف الأرض من غير إرساء» فلا يخفى سقوطه مع القول بالفاعل المختار، فللوسائط والأسباب مدخل في الأمور العادية، وإن لم نقل بتأثيرها، هذا وإن حركة الأرض عند الزلازل لا تنافي حكم الله بعدم اضطرابها لأن إثبات الحركة لجزء الشيء لا ينافي نفيها عن كله. وشبهوا الزلزلة وهي حركة قطعة من الأرض لاحتقان البخارات في داخلها وطلبها المنفذ باختلاج يحصل في جزء معين من بدن الحيوان. قوله سبحانه: وَأَنْهاراً معطوف على رَواسِيَ أي وجعل فيها رواسي وأنهارا لأن الإلقاء هاهنا بمعنى الجعل والخلق كقوله: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [طه: ٣٩] وكذا قوله وَسُبُلًا أي أظهرها وبينها لأجل أن تهتدوا بها في أسفاركم. ولما ذكر أنه أظهر في الأرض سبلا معينة ذكر أنه أظهر في تلك السبل علامات مخصوصة وهي كل ما يستدل به السابلة من جبل وسهل وغير ذلك. يحكى أن جماعة يشمون التراب فيعرفون به

стр. 2171

الطرقات. قال الأخفش: تم الكلام عند قوله: وَعَلاماتٍ وقوله وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ كلام منفصل عن الأول. والمراد بالنجم الجنس كما يقال: كثر الدرهم في أيدي الناس. وعن السدي هو الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدي. قال بعض المفسرين: أراد بقوله هُمْ يَهْتَدُونَ أهل البحر لتقدم ذكر البحر ومنافعه، وقيل: أراد أعم من ذلك فأهل البر أيضا قد يحصل لهم الاهتداء بالنجوم في الطرق والمسالك، وفي معرفة القبلة، وإنما جيء بالضمير الغائب لعوده إلى السائرين الدال عليهم ذكر السبل. وقال في الكشاف: كأنه أراد قريشا فقد كان لهم اهتداء بالنجوم في مسايرهم وكان لهم بذلك علم لم يكن مثله لغيرهم فكان الشكر أوجب عليهم والاعتبار ألزم لهم فخصصوا بتقديم النجم. وإقحام لفظ هُمْ كأنه قيل: وبالنجم خصوصا هؤلاء يهتدون. ثم لما عدد الآيات الدالة على الصانع ووحدانيته واتصافه بجميع صفات الكمال أراد أن يوبخ أهل الشرك والعناد فقال: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أي كالأصنام التي لا تخلق شيئا إلا أنه أجراها مجرى أولي العلم فأطلق عليها لفظ «من» التي هي لأولي العقل بناء على زعمهم أنها آلهة، أو لأجل المشاكلة بينه وبين من يخلق، أو أراد أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم فكيف بما لا علم عنده، أو أراد كل ما عبد من دون الله مغلبا فيه أولو العلم منهم. واعلم أن أهل البيان يقولون: إن المشبه به يجب أن يكون أقوى وأتم في وجه الشبه من المشبه ليلتحق الأضعف بالأقوى في وجه الشبه كقولك «وجهه كالقمر» . ولا ريب أن الخالق أقوى من غير الخالق فكان حق النظم في الظاهر أن يقال: أفمن لا يخلق كمن يخلق. والقرآن ورد على العكس. ووجهه عند العلماء زيادة التوبيخ ليكون كأنهم جعلوا غير الخالق أقوى حالا وأعرف من الخالق. قال في الكشاف: إنهم جعلوا الله من جنس المخلوقات وشبهوه بها حين جعلوا غيره مثله في التسمية والعبادة فأنكر عليهم ذلك، ولوضوح كون هذا الأمر منكرا عند من له أدنى عقل بل حس قال أَفَلا تَذَكَّرُونَ وفيه مزيد توبيخ وتجهيل لأنه لجلائه كالحاصل الذي يحصل عند العقل بأدنى تذكر ومع ذلك هم عنه غافلون. قال بعض الأشاعرة. في الآية دلالة على أن العبد غير خالق لأفعال نفسه لأن الآية سيقت لبيان امتيازه بصفة الخالقية. أجابت المعتزلة بأن المراد أفمن يخلق ما تقدم ذكره من السموات والأرض والإنسان والحيوان والنبات والبحار والجبال والنجوم. أو نقول: معنى الآية أن كل ما كان خالقا يكون أفضل ممن لا يكون خالقا، وهذا القدر لا يدل على أن كل من كان خالقا فإنه يجب أن يكون إلها نظيره قوله: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها [الأعراف: ١٩٥] أراد به أن الإنسان أفضل من الصنم والأفضل لا

стр. 2172

يليق به عبادة الأخس فكذا هاهنا. وقال الكعبي في تفسيره: نحن لا نطلق لفظ الخالق على العبد ومن أطلق ذلك فقد أخطأ إلا في مواضع ذكرها الله تعالى كقوله: وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ [المائدة: ١١٠] فعلى هذا لا يتوجه عليهم السؤال إلا أن أصحاب أبي هاشم يطلقون لفظ الخالق على العبد حتى إن أبا عبد الله البصري قال: إطلاق لفظ الخالق على العبد حقيقة وعلى الله مجاز لأن الخلق عبارة عن التقدير وهو الظن والحسبان. ثم لما فرغ من تعديد الآيات التي هي بالنسبة إلى المكلفين نعم قال: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها وقد مر تفسيره في سورة إبراهيم. قال العقلاء: إن كل جزء من أجزاء البدن الإنساني لو ظهر فيه أدنى خلل لنغص العمر على الإنسان وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الخلل. ثم إنه سبحانه يدبر أحوال بدن الإنسان على الوجه الملائم له غالبا مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك الجزء ولا بمصالحه ومفاسده، فليكن هذا المثال حاضرا في ذهنك وقس عليه سائر نعم الله تعالى حتى تعرف تقصيرك وقصورك عن شكر أدنى نعمة فضلا عن جميعها، ولهذا ختم الآية بقوله: إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ يغفر التقصير الصادر عنكم في أداء شكر النعمة ويرحمكم حيث لا يقطعها عنكم بالتفريط ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها. كانوا مع اشتغالهم بعبادة غير الله يسرون ضروبا من الكفر والمكايد في حق الرسول ﷺ فأوعدهم بقوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وفيه أيضا تعريض وتوبيخ بسبب أن الإله يجب أن يكون عالما بالسر والعلانية، والأصنام التي عبدوها جمادات لا شعور لها أصلا فكيف يحسن عبادتها. ثم زاد في التوبيخ فقال: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ أي الآلهة الذين يدعونهم الكفار مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وقد ذكر هذا المعنى في قوله: كَمَنْ لا يَخْلُقُ وزاد هاهنا قوله: وَهُمْ يُخْلَقُونَ أي بخلق الله أو بالنحت والتصوير وهم لا يقدرون على نحو ذلك فهم أعجز من عبدتهم، ففي هذه الآية زيادة بيان لأنه نفى عنهم صفة الكمال وأثبت صفة النقصان. وكذلك قوله: أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ يستلزم ذمهم مرتين لأن من الأموات ما يعقب موته حياة كالنطفة والجسد الإنساني الذي فارقه الروح، وأما الحجارة فأموات لا تقيل الحياة أصلا. وفيه أن الإله الحق يجب أن يكون حيا لا يعقبه موت وحال هذه الأصنام بالعكس. وفيه أن هؤلاء الكفار في غاية الغباوة وقد يقرر المعنى الواحد مع الغبي الجاهل بعبارتين مختلفتين تنبيها على بلادته وَما يَشْعُرُونَ الضمير فيه للآلهة. أما الضمير في أَيَّانَ يُبْعَثُونَ فإما للآلهة أيضا ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن الله تعالى يبعث الأصنام لها أرواح ومعها شياطينها فيؤمر بالكل إلى النار، وإما للداعين أي لا يشعر

стр. 2173

الآلهة متى يبعث عبدتهم فيكون فيه تهكم بالمشركين من حيث إن آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم فكيف يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم؟! وفيه أنه لا بد من البعث وأنه من لوازم التكليف، وإما للأحياء أي لا يعلم هؤلاء الآلهة متى تبعث الأحياء تهكما بحالها لأن شعور الجماد محال فكيف بشعور ما لا يعلمه حي إلا الحي القيوم سبحانه؟ وجوز في الكشاف أن يراد بالذين يدعوهم الكفار الملائكة، فإن ناسا منهم كانوا يعبدونهم. ومعنى أنهم أَمْواتٌ أي لا بد لهم من الموت غَيْرُ أَحْياءٍ أي غير باقية حياتهم ولا علم لهم بوقت بعثهم. ولما زيف طريقة عبدة الأصنام صرح بما هو الحق في نفس الأمر فقال: إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ثم ذكر ما لأجله أصر الكفار على شركهم فقال: فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ للوحدانية أو لكل كلام يخالف هواهم وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ عن قبول الحق وذلك أن المؤمن بالبعث والجزاء يؤثر فيه الترغيب والترهيب فينقاد للحق أسرع، وأما الجاحد للمعاد فلا يقبل إلا ما يوافق رأيه ويلائم طبعه فيبقى في ظلمة الإنكار لا جَرَمَ أي حقا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ فيجازيهم على ما أسروا من الاستكبار وأعلنوا من العناد إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ عن التوحيد فيختص بالمشركين أو كل مستكبر فيدخل هؤلاء دخولا أوّليا لأن الكلام فيهم. التأويل: الناس طبقات ثلاث: الغافلون والخطاب معهم بالعتاب إذا كانوا مشتاقين إلى الدنيا وزخارفها وهم أصحاب النفوس، والعاقلون والخطاب معهم بوعد الثواب لرغبتهم في الطاعات والأعمال الصالحات وهم أرباب العقول، والعاشقون والخطاب معهم بوصل رب الأرباب لاشتياقهم إلى جمال ذي الجلال. فحين قال في الأزل أَتى أَمْرُ اللَّهِ استعجل أرواح كل طبقة منهم للخروج من العدم إلى الوجود لنيل المقصود وطلب المفقود فخاطبهم بقوله: فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ فإنه سيصيب كل طبقة منكم ما كتب له في القسمة الأزلية. والله سبحانه منزه عن أن يشاركه في الحكم أحد فلا مبدل لكلماته. بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ أي بما يحيي القلوب من المواهب الربانية من أمره الوارد على الجوارح بالتكاليف الشرعية وعلى النفوس بآداب الطريقة، وعلى القلوب بالإشارات، وعلى الأرواح بملازمة الحضرة للمكاشفات، وعلى الأسرار بالمراقبات للمشاهدات وعلى الخفيات بتجلي الصفات لإفناء الذوات. عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ من الأنبياء والأولياء أَنْ أَنْذِرُوا أعلموا أوصاف وجودكم ببذلها في أنانيتي أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ عن أنانيتكم بأنانيتي. خَلَقَ سموات الأرواح وأرض الأشباح وجعلها مظهرا لأفاعيله، فهو الفاعل لما يظهر على الأرواح والأشباح تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ الأرواح والأشباح في إحالة

стр. 2174

أفاعيله إلى غيره خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ لا علم لها ولا فعل فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ يدعي الشركة معه في الوجود. والأفاعيل والأنعام أي الصفات الحيوانية خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ لأنها المودعة في جبلتكم وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ باستفادة بدل ما يتحلل وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ في أوقات الفترات وأزمنة الاستراحات وَتَحْمِلُ أثقال أرواحكم وهي أعباء الأمانة إلى بلد عالم الجبروت إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ. إذا أفنيتم أنفسكم في جبروته يبقيكم ببقاء عظموته وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ أي صفاتها خلقت فيكم لأنها مراكب الروح عند السير إلى عالم الجبروت وَزِينَةً عند رجوعه بالجذبة إلى مستقره الذي أهبط منه وَيَخْلُقُ فيكم حينئذ ما لا تَعْلَمُونَ وهو قبول فيض الله بلا واسطة. وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ بجذبة ارْجِعِي وَمِنْها جائِرٌ يعني نفوسكم تحيد عن الفناء وبذل الوجود هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ من سماء الكرم ماء الفيض مِنْهُ شَرابٌ المحنة لقلوبكم وَمِنْهُ شَجَرٌ القوى البشرية ودواعيها فِيهِ ترعون مواشي نفوسكم يُنْبِتُ لَكُمْ زرع الطاعات وزيتون الصدق ونخيل الأخلاق الحميدة وأعناب الواردات الربانية، ومن كل ثمرات المعقولات والمشاهدات والمكاشفات. وَسَخَّرَ لَكُمُ ليل البشرية ونهار الروحانية وشمس الروح وقمر القلب ونجوم الحواس والقوى، وتسخيرها استعمالها على وفق الشريعة وقانون الطريقة وَما ذَرَأَ لَكُمْ في أرض جبلتكم من الاستعدادات يتلون في كل عالم بلونه من عوالم الملكية والشيطانية والحيوانية وسَخَّرَ لكم بحر العلوم لِتَأْكُلُوا مِنْهُ الفوائد الغيبية السنية الطريقة وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ جواهر المعاني فيلبس بها أرواحكم النور والبهاء. وترى فلك الشرائع والمذاهب جواري في بحر العلوم لتبتغوا الأسرار الخفية عن الملائكة. وألقى في أرض البشرية جبال الوقار والسكينة لئلا تميد بكم صفات البشرية عن جادّة الشريعة والطريقة، وأنهارا من ماء الحكمة وسبلا إلى الهداية والعناية، وعلامات من الشواهد والكشوف، وبنجم الجذبة الإلهية هم يهتدون فيخرجون من ظلمات الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي. أفمن يخلق الله فيه هذه الكمالات كمن لا يخلقها فيه من الملائكة وغيرهم وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [إبراهيم: ٣٤] وهي قسمان: نعمة الأعطاف وهي ما يتعلق بوجود النعمة ظاهرة وباطنة، ونعمة الألطاف وهي ما يتعلق بوجود المنعم من الذوات والصفات وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ من أداء شكر نعمه بالقلوب وَما تُعْلِنُونَ من أداء الشكر بالأجساد وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من الهوى والدنيا لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً من المنافع وَهُمْ يُخْلَقُونَ بتعب الطلب في تحصيلها ولهذا قال: أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يبعثها دواعي البشرية فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ بما في عالم

стр. 2175

الغيب قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ لأهل الحق لأنهم لا يتجاوزون عالم الحس يعلم ما يسرون من الإنكار وما يعلنون من الاستكبار. الله حسبي. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٢٤ الى ٤٢] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٢٥) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩) وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٤) وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٣٥) وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٧) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (٣٩) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠) وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢) القراآت: شركاي مثل هُدايَ زمعة عن ابن كثير والخزاعي عن البزي. وقرأ الخزاز عن هبيرة شُرَكائِيَ الَّذِينَ مرسلة الياء، الباقون بفتح الياء وكذلك في «الكهف»
следующие страницы →