← Тафсир

Тафсир · id 23613

تفسير النيسابوري = غرائب القرآن ورغائب الفرقان

النيسابوري، نظام الدين القمي

Полный текст (3 743 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

٩] أو إشارة إلى ما مرّ في السورة من قوله: أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً [الإسراء: ٦٨] أي أجعل السماء قطعا متفرقة كالحاصب وأسقطها علينا. وقال عكرمة: كما زعمت يا محمد أنك نبي فاسقط السماء علينا. وقيل: كما زعمت أن ربك إن شاء فعل. قال في الكشاف: الكسف بسكون السين وفتحها جمع «كسفة» بالسكون كسدرة وسدر وسدر. وقال أبو علي: الكسف بالسكون الشيء المقطوع كالطحن للمطحون. واشتقاقه- على ما قال أبو زيد- من كسفت الثوب كسفا إذا قطعته. وقال الزجاج: من كسفت الشيء إذا غطيته كأنه قيل: أو تسقطها طبقا علينا، وهو نصب على الحال في القراءتين. ومعنى قَبِيلًا كفيلا بما تدعي من صحة النبوة والمراد أو تأتي بالله قبيلا وبالملائكة قبيلا فاختصر، أو المراد المقابل كالعشير بمعنى المعاشر. وفيه دليل على غاية جهلهم حيث لم يعلموا أنه تعالى لا يجوز عليه المعاينة نظير قولهم: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا [الفرقان: ٢١] وقال ابن عباس: أراد فوحا بعد فوج. وقال الليث: كل جند من الجن والإنس قبيل وقد مر في تفسير قوله: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ [الأعراف: ٢٧] . قوله: بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ قال مجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف حتى رأينا في قراءة عبد الله «أو يكون لك بيت من ذهب» . وقال الزجاج: هو الزينة ولا شيء في تحسين البيت وتزيينه كالذهب. أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ أي في معارجها فحذف المضاف. يقال: رقي في السلم وفي الدرجة. والمصدر «رقى» وأصله «فعول» كقعود وَمعنى لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ لن نؤمن لك لأجل رقيك حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً من السماء فيه تصديقك. قال الرسول: متعجبا من اقتراحاتهم أو تنزيها لله من تحكماتهم أو من قولهم: أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ أي لست إِلَّا بَشَراً رَسُولًا فإن طلبتم هذه الأشياء أن آتي بها من تلقاء نفسي فالبشر لا يقدر على أمثال ذلك فكيف أقدر أنا عليها؟ وإن أردتم أن أطلب من الله إظهارها على يدي فالرسول إذا أتى بمعجز واحد وجب الاكتفاء به، ولا ضرورة إلى طلب الزيادة وأنا عبد مأمور ليس لي أن أتحكم على الله بما ليس بضروري في الدعوة. ثم حكى عنهم شبهة أخرى فقال: وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا أي الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وهو الوحي المعجز الهادي إلى طريق النجاة إِلَّا أَنْ قالُوا منكرين أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا ثم أجاب عن شبهتهم بقوله: قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ على الأقدام كما يمشي الإنس مُطْمَئِنِّينَ ساكنين فيها لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا لأن الرسول لا بد أن يكون من جنس المرسل إليهم. فكأنه اعتبر

стр. 2312

لتنزيل الرسول من جنس الملائكة أمرين: أحدهما كون سكان الأرض ملائكة، والثاني كونهم ماشين على الأقدام غير قادرين على الطيران بأجنحتهم إلى السماء، إذ لو كانوا قادرين على ذلك لطاروا أو سمعوا من أهلها ما يجب معرفته وسماعه فلا يكون في بعثة الملك إليهم فائدة. وجوز في الكشاف أن يكون قوله: بَشَراً ومَلَكاً منصوبين على الحال من رَسُولًا بل زعم أن المعنى له أجوب، ولعل ذلك لأن الإنكار توجه إلى كون الرسول متصفا بحالة البشرية لا الملكية، وإذا كان أحد الصنفين المتقابلين حالا لزم أن يكون الآخر كذلك. ثم ختم الكلام بما يجري مجرى التهديد قائلا: قُلْ كَفى بِاللَّهِ الآية. وذلك أن إظهار المعجزة على وفق دعوى النبي شهادة من الله تعالى له على الصدق. فإذا لم تسمع هذه الشهادة وهو عليم ببواطن الأمور وخفيات الضمائر فكيف بظواهرها؟ علم أن هذا مجرد الحسد والعناد من العباد فيجزيهم على حسب ذلك. ثم بين أن الإقرار والإنكار مستندان إلى مشيئته وتقديره فقال: وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ الآية. وقد مر خلاف المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة في مثله في آخر «الأعراف» وغيره. وقوه: فَهُوَ الْمُهْتَدِ حمل على اللفظ وقوله: فَلَنْ تَجِدَ حمل على المعنى. والخطاب في فَلَنْ تَجِدَ إما للنبي أو لكل من يستحق الخطاب. والأولياء الأنصار، والحشر على الوجوه إما بمعنى السحب عليها كقوله: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ [القمر: ٤٨] واما بمعنى المشي عليها كما روي أنه ﷺ سئل عن ذلك فقال: «إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم» «١» . وقيل لابن عباس: قد أخبر الله تعالى عنهم بأنهم يرون وينطقون ويسمعون حيث قال: رَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً سَمِعُوا لَها الجمع بين ذاك تغيظا وزفيرا فكيف وبين قوله: عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا؟ فأجاب بأنهم لا يرون ما يسرهم، ولا ينطقون بحجة تقبل منهم، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم. وفي رواية عطاء أنهم عمي عن النظر إلى ما جعله الله لأوليائه، بكم عن مخاطبة الله ومخاطبة الملائكة المقربين، صم عن ثناء الله على أوليائه، وقال مقاتل: هذه الأحوال بعد قوله تعالى لهم: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: ١٠٨] أو بعد أن يحاسبوا فيذهب بهم إلى النار. وإنما جعلوا مؤوفي الحواس جزاء على ما كانوا عليه في الدنيا من التعامي والتصامم عن الحق ومن عدم النطق به كُلَّما خَبَتْ أي سكن لهبها.

стр. 2313

خبت النار تخبو خبوا وأخباها غيرها أي أخمدها زِدْناهُمْ سَعِيراً قال ابن قتيبة: أي تسعرا وهو التلهب. ولا ريب أن خبو النار تخفيف لأهليها فكيف يجمع بينه وبين قوله: لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ [البقرة: ١٦٢] وأجيب بأنه يحصل لهم في الحال الأولى خوف حصول الحالة الثانية فيستمر العذاب، أو يقال: لما عظم العذاب صار التفاوت الحاصل في الوقتين غير مشعور به، ويحتمل أن يقال: المراد بعدم التخفيف أنه لا يتخلل زمان محسوس أو معتد به بين الخبو والتسعر. وقال في الكشاف: لأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جعل الله جزاءهم أن سلط النار على أجرامهم تأكلها وتفنيها. ثم يعيدها، وفيه زيادة في تحسرهم وفي الانتقام منهم. ومما يدل على هذا التفسير قوله: ذلِكَ جَزاؤُهُمْ الآية. ثم أبدى للجاحدين حجة يستبصر المذعن للحق إذا تأمل فقال: أَوَلَمْ يَرَوْا الآية. وذلك أن من قدر على خلق السموات والأرض كان على إعادة من هو أدون منها أقدر، وعلى هذا فالمراد من خلق مثلهم إعادتهم بعد الإفناء كما يقول المتكلمون من أن الإعادة مثل الابتداء. ومن قال: أراد أنه قادر على إفنائهم وإيجاد غيرهم بصورتهم ليوحدوه ويتركوا الاعتراض عليه كقوله: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [فاطر: ١٦] أي يبعثهم. وحين بيّن أن البعث أمر ممكن في نفسه ذكر أن لوقوعه وقتا معلوما ما عنده فقال: وَجَعَلَ لَهُمْ أي لبعثهم أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ قال جار الله: قوله: وَجَعَلَ معطوف على قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا والمعنى قد علموا بدليل العقل أنه قادر على خلق أمثالهم وجعل لهم. وأقول: يحتمل أن يكون الواو للاستئناف ووجه النظم كما مر لما طلبوا إجراء الأنهار والعيون في أراضيهم لتتسع معايشهم بين الله تعالى أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله وهي رزقه وسائر نعمه عى خلقه التي لا نهاية لها لبقوا على بخلهم وشحهم فضلا أن يملكوا خزائن هن بصدد الفناء والنفاد. قال النحويون: كلمة «لو» حقها أن تدخل على الأفعال دون الأسماء، لأنها حين تكون على معناها الأصلي تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره. والاسم يدل على الذوات والفعل هو الذي يدل على الآثار والأحوال لا الذوات. وأيضا إنها هاهنا بمعنى «إن» الشرطية وهي مختصة بالفعل فلا بد من تقدير فعل بعدها، فأصل الكلام: لو تملكون تملكون مرتين. فأضمر «تملك» إضمارا على شريطة التفسير فصار الضمير المتصل منفصلا لسقوط ما كان يتصل هو به ف أَنْتُمْ فاعل الفعل المضمر تَمْلِكُونَ تفسيره. وقال علماء البيان: فائدة هذا التصرف الدال على الاختصاص أنهم هم المختصون بالشح المتبالغ، وذلك لأن الفعل الأول لما سقط لأجل

стр. 2314

المفسر برز الكلام في صورة المبتدأ والخبر من حيث إنه لا يقصد الفعل بل الفاعل كما في قول حاتم: لو ذات سوار لطمتني. لا يقصد اللطمة بل اللاطمة أي لو حرة لطمتني وقوله: خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ أي خوف الفقر من أنفق ماله إذا ذهب وأمسكتم متروك المفعول معناه لبخلتم وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً أي بخيلا شحيحا، والقتر والإقتار والتقتير التقصير في الإنفاق. وهذا الخبر لا ينافي ما قد يوجد في الإنسان من هو كريم جواد لأن اللام للجنس أي هذا الجنس من شأنه الشح إذ كان باقيا على طبعه لأنه خلق محتاجا إلى ضرورات المسكن والملبس والمطعوم والمنكوح، ولا بد له في تحصيل هذه الأشياء من المال فيه تندفع حاجاته وتتم الأمور المتوقفة على التعاون، فلا جرم يحب المال ويمسكه لأيام الضرورة والفاقة. ومن الناس من يحب المال محبة ذاتية لا عرضية فإذا الأصل في الإنسان هو البخل والجود منه إنما هو أمر تكلفي أو عرضي طلبا للثناء أو الثواب. وقيل: المراد بهذا الإنسان المعهود السابق ممن قالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا بين الله تعالى أنهم لو ملكوا خزائن الأرض لبخلوا بها. ثم قال: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ فكأنه أراد أنا آتيناه معجزات مساوية لهذه الأمور التي اقترحتموها بل أقوى منها وأعظم، فليس عدم الاستجابة إلى ما طلبتموه من البخل ولكن لعدم المصلحة أو لعدم استتباع الغاية لعلمنا بإصراركم والختم على قلوبكم، عن ابن عباس: أن الآيات التسع هن: العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم والحجر والبحر والطور الذي نتقه على بني إسرائيل. وعن الحسن: الطوفان والسنون ونقص الثمرات. مكان الحجر والبحر والطور. وعن عمر بن عبد العزيز أنه سأل محمد بن كعب عنهن فذكر من جملتها: حل عقدة اللسان والطمس على أموالهم. فقال له عمر: لا يكون الفقيه إلا هكذا. أخرج يا غلام الجراب فأخرجه فنفضه فإذا بيض مكسور بنصفين وجوز مكسور وفوم وحمص وعدس كلها حجارة. وعن صفوان بن عسال أن بعض اليهود سأل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «أوحى الله إلى موسى أن قل لبني إسرائيل: لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تفشوا سر أحد إلى ذي سلطان ليقتله ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف، وأنتم يا يهود خاصة لا تعدوا في السبت، فقام اليهوديان فقبلا يديه ورجليه وقالا: «إنك نبي ولولا أنا نخاف القتل لاتبعناك» «١» . قال الإمام فخر الدين

стр. 2315

الرازي: هو أجود ما قيل في الآيات التسع. وأقول: عد الأحكام من الآيات البينات فيه بعد، اللهم إلا أن يقال: النهي عن مساوئ الأخلاق والعادات من جملة علامات النبوة. قال بعد العلماء: أجابهم النبي ﷺ بتسع وزاد واحدة تختص بهم. وروى أبو داود هذا الحديث ولم يذكر: «ولا تقذفوا محصنة» وشك شعبة في أنه ﷺ : «ولا تقذفوا محصنة» أو قال: «تولوا الفرار» . وقيل: إنه كان لموسى آيات أخر كإنزال المن والسلوى عليه وعلى قومه، وكالآيات التي عدها بعضهم من التسع وتركها بعضهم. إلا أن تخصيص العدد بالذكر لا يقدح في الزيادة عليه. هكذا قال الأصوليون، ولكن الذوق يأبى أن لا يكون للتخصيص فائدة. والذي يدور في خلدي أن سبب التخصيص هو أن مرجع جميع معجزاته إلى تسع أنواع كلمتين ونقص الثمرات مثلا فإنهما نوع واحد وهو القحط وقد يعسر إبداء ما به الاشتراك ولكن لا بد عندي من اعتقاد الانحصار في التسع لأجل خبر الصادق. أما قوله: فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ فالخطاب فيه للنبي ﷺ والسؤال سؤال استشهاد لمزيد الطمأنينة والإيقان، لأن الأدلة إذا تظاهرت كان ذلك أقوى وأثبت. والمسئولون مؤمنو بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وأصحابه. وقوله: إِذْ جاءَهُمْ يتعلق ب آتَيْنا وينتصب بإضمار «اذكر» ، أو هو للتعليل. والمراد فاسألهم يخبروك لأنه جاءهم أي جاء أباهم. ويحتمل أن يكون الخطاب لموسى بتقدير القول أي فقلنا له حين جاءهم سل بني إسرائيل أي سلهم من فرعون وقل له أرسل معي بني إسرائيل، أو سلهم عن إيمانهم وعن حال دينهم أو سلهم عن أن يعاضدوك ويساعدوك في الأمور والمسحور الذي سحر فخولط عقله. وقيل: هو بمعنى الساحر كالمشؤوم والميمون قاله الفراء. وعن محمد بن جرير الطبري أن معناه أعطى علم السحر. من قرأ «علمت» بضم التاء فظاهر لأن موسى كان عالما بصحة الأمر وأن هذه الآيات منزلها رب السموات والأرض، فأراد أني لا أشك في أمري بسبب تشكك مكذب مثلك. ومن قرأ بفتحها فالمراد تبين أن كفر فرعون كفر جحود وعناد كقوله وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا [النمل: ١٤] . وقوله للآيات: هؤُلاءِ كقوله: والعيش بعد أولئك الأيام ومعنى بَصائِرَ بينات مكشوفات وانتصابها على الحال كأنه أشار بقوله: ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى أنها أفعال خارقة للعادة، وبقوله: بَصائِرَ إلى أن فاعله إنما فعله لغرض تصديق المدعي فتم حد المعجز بمجموع القيدين. ثم قارع

стр. 2316

موسى ظن فرعون بظنه فقال: إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً قال الفراء: أي ملعونا محبوسا عن الخير من قولهم «ما ثبرك عن هذا» أي ما منعك وصرفك. وقال مجاهد وقتادة، أي هالكا من الثبور الهلاك. ولا ريب أن ظن موسى أصح من ظنه لأن إنكار ما علم صحته يستعقب لا محالة ويلا وثبورا وحسرة وندامة ولهذا قال: فَأَرادَ أي فرعون أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ أي يستخف موسى وقومه من بسيط الأرض أو من أرض مصر بالقتل والاستئصال أو بالنفي والإخراج. والحاصل أن فرعون عورض بنقيض المقصود فأغرق هو وقومه وأسكن بنو إسرائيل مكانه تحقيقا لقوله: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: ٣٤] ثم أخبر عن المعاد قائلا فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ وهو قيام الساعة جِئْنا بِكُمْ يعني معشر المكلفين كلهم لَفِيفاً جماعات من قبائل شتى ذوي أديان ومذاهب مختلفة، وذلك لأجل الحكم والجزاء والفصل والقضاء. ولما بين إعجاز القرآن وأجاب عن شبهات القوم أراد أن يعظم شأن القرآن ويذكر جلالة قدره فقال: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ التقديم للتخصيص أي ما أردنا بإنزاله إلا تقرير الحق في مركزه وتمكين الصواب في نصابه. قال جار الله: أي ما أنزلنا القرآن إلا بالحكمة المقتضية لإنزاله، وما نزل إلا ملتبسا بالحكمة لاشتماله على الهداية إلى كل خير، أو ما أنزلناه من السماء إلا بالحق محفوظ بالرصد من الملائكة وما نزل على الرسول إلا محفوظا بهم من تخليط الشياطين. وقال آخرون: الحق هو الثابت كما أن الباطل هو الزاهق، ولا ريب أن هذا الكتاب الكريم يشتمل على دلائل التوحيد وصفات الجلال والإكرام، وعلى تعظيم الملائكة وإقرار النبوات وإثبات المعاد، وعلى أصول الأديان والملل التي لا يتطرق إليها النسخ والتبديل، وكل هذه الأمور تدل على المعنى المذكور لأنها مما تبقى ببقاء الدهور. قال أبو علي الفارسي: بالباء في الموضعين بمعنى «مع» كما في قولك «خرج بسلاحه» أي أنزل القرآن مع الحق ونزل هو مع الحق. ويحتمل أن تكون الباء الثانية بمعنى «على» كما في قولك «نزلت بزيد» فيكون الحق عبارة عن محمد صلى الله عليه وآله لأن القرآن نزل به أي عليه وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً بالجنة وَنَذِيراً من النار ليس إليك وراء هذين شيء من إكراه على الدين والإتيان بشيء مما اقترحوه. ثم إن القوم كأنهم من تعنتهم طعنوا في القرآن من جهة أنه لم ينزل دفعة واحدة فأجاب عن شبهتهم بقوله: وَقُرْآناً وهو منصوب بفعل يفسره فَرَقْناهُ أي جعلنا نزوله مفرقا منجما. وعن ابن عباس أنه قرأه مشددا وقال: إنه لم ينزل في يومين أو ثلاثة بل كان بين أوله وآخره عشرون سنة يعني أن فرق بالتخفيف يدل على فصل مقارب. وقال أبو عبيدة: التخفيف

стр. 2317

أعجب إليّ لأن تفسيره بيناه وليس للتشديد معنى إلا أنه نزل متفرقا. فالفرق يتضمن التبين ويؤكده ما رواه ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: فرقت أفرق بين الكلام وفرقت بين الأجسام. وأقول: إن ابن عباس اعتبر الفصل بين أول نزوله وبين آخره، فرأى التشديد أولى. ولعل المراد الفصول المتقاربة التي فيما بين المدة بدليل قوله: لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ بضم الميم أي على مهل وتؤدة ولقوله: وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا أي على حسب المصالح والحوادث. ثم خاطب نبيه ﷺ بأن يقول للمقترحين آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا وهو أمر وعيد وتهديد وخذلان. قال جار الله: قوله إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إما أن يكون تعليلا لقل على سبيل التسلية كأنه قيل: تسل عن إيمان الجهلة بإيمان العلماء الذي قرأوا الكتب من قبل نزول القرآن. قال مجاهد: هم أناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل على محمد ﷺ خروا وسجدوا منهم زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعبد الله بن سلام. وفي قوله: يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً دون أن يقول «يسجدون» مبالغة من وجهين: أحدهما أنه قيد الخرور وهو السقوط بالذقن. فقال الزجاج: لأن الذقن مجتمع اللحيين، وكما يبتدىء الإنسان بالخرور للسجود فأول ما يحاذي به الأرض من وجهه الذقن. قلت: هذا تصحيح للمعنى ولا يظهر منه لتغيير العبارة فائدة. وقال غيره: المراد تعفير اللحية في التراب فإن ذلك غاية الخضوع وإن الإنسان إذا استولى عليه خوف الله تعالى فربما سقط على الأرض مغشيا عليه. وثانيهما أنه لم يقل «يخرون على الأذقان» كما هو ظاهر وإنما قال لِلْأَذْقانِ لأن اللام للاختصاص فكأنهم خصوا أذقانهم بالخرور، أو خصوا الخرور بأذقانهم. ثم حكى أنهم في سجودهم أنهم يراعون شرائط التنزيه والتعظيم قائلين سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا بإنزال القرآن وبعثة محمد ﷺ في كتبنا لَمَفْعُولًا أي منجرا «وإن» مخففة من الثقيلة ولهذا دخلت اللام في خبر كان، ثم ذكر أنهم كما خروا لأذقانهم في حال كونهم ساجدين فقد خروا لها حال كونهم باكين، ويجوز أن يكون التكرير لأجل الدلالة على تكرير الفعل منهم بدليل قوله وَيَزِيدُهُمْ أي القرآن خُشُوعاً لين قلب ورطوبة عين، ثم أراد أن يعلمهم كيفية الخشوع والدعاء فقال: قُلِ ادْعُوا عن ابن عباس: سمعه أبو جهل يقول: يا الله يا رحمن. فقال: إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلها آخر. وقيل: أن أهل الكتاب قالوا: إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم فنزلت. قال جار الله: الدعاء بمعنى التسمية لا النداء وهو يتعدى إلى مفعولين. تقول: دعوته زيدا ثم تترك أحدهما استغناء عنه فتقول: دعوت زيدا و «أو» للتخيير والمعنى على السبب الأول سموه

стр. 2318

بهذا الاسم أو بهذا، وعلى السبب الثاني اذكروا إما هذا وإما هذا أَيًّا ما تَدْعُوا يعني أي هذين الاسمين سميتم وذكرتم فالتنوين عوض عن المضاف إليه «وما» صلة زيدت لتأكيد الإبهام. والضمير «في فَلَهُ لا يرجع إلى أحد الاسمين ولكن إلى مسماهما، وكان أصل الكلام أن يقال: فهو أي ذلك الاسم حسن فوضع موضعه. قوله: فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى لأنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان. ومعنى حسن الأسماء استقلالها بنعوت الجلال والإكرام وقد مر في آخر «الأعراف» . ثم ذكر كيفية أخرى للدعاء فقال: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ أي بقراءة صلاتك على حذف المضاف للعلم بأن الجهر والمخافتة من نعوت الصوت لا الصلاة أفعالها فهو من إطلاق الكل وإرادة الجزء، ومنه يقال: خفت صوته خفوتا إذا انقطع كلامه أو ضعف وسكن، وخفت الزرع إذا ذبل، وخافت الرجل بقراءته إذا لم يبين قراءته برفع الصوت. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يرفع صوته لعله أو من إطلاق الصلاة على بعض أفعالها فهو ألح تأمل. مصححه بالقراءة، فإذا سمعه المشركون سبوه وسبوا من جاء به فأوحى الله إليه وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ فيسمعه المشركون فيسبوا الله عدوا بغير علم وَلا تُخافِتْ بِها فلا تسمع أصحابك وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ الذي ذكر من الجهر المخافتة سَبِيلًا وسطا، وروي أن النبي ﷺ طاف بالليل دور الصحابة فكان أبو بكر يخفي صوته في صلاته ويقول: أناجي ربي وقد علم حاجتي. وكان عمر يرفع صوته ويقول: أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان. فأمر النبي ﷺ أبا بكر أن يرفع صوته قليلا، وأمر عمر أن يخفض قليلا فنزلت الآية على حسب ذلك. وقيل: معناه ولا تجهر بصلاتك كلها، ولا تخافت بها كلها، وابتغ بين ذلك سبيلا بأن تجهر بصلاة الليل، وتخافت بصلاة النهار، وعن عائشة وأبي هريرة ومجاهد أن الصلاة هاهنا الدعاء. وقد يروى هذا مرفوعا. قال الحسن: لا يرائي بعلانيتها ولا يسيء بسريرتها، وأيضا في الجهر إسماع غيره الذنوب وهو الموجب للتغيير والتوبيخ، وعلى هذا ذهب قوم إلى أن الآية منسوخة بقوله: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً [الأعراف: ٥٥] قال جار الله: ابتغاء السبيل مثل لابتغاء الوجه الوسط في القراءة. ولما أمر أن لا يذكر ولا ينادي إلا بأسمائه الحسنى نبه على كيفية التحميد بقوله: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الآية قال في الكشاف: كيف لاق وصفه بنفي الولد والشريك والذل بكلمة التحميد؟ وأجاب بأن هذا وصفه هو الذي يقدر على إيلاء كل نعمة، فهو الذي

стр. 2319

يستحق جنس الحمد، وأقول: الولد يتولد من جزء من أجزاء الوالد، فالوالد مركب وكل مركب محدث والمحدث محتاج والمحتاج لا يقدر على كمال الإنعام فلا يستحق كمال الحمد، وأيضا الولد مبخلة لا يستحق الحمد والشركة في الملك إنما تتصور لمن لا يستقل بالمالكية فيفتقر إلى من يتم بمشاركته أمور مملكته ومصالح تمدنه، وكل من كان كذلك كان عاجزا بالنظر إلى ذاته، فلا يتم فيضانه فلا يستحق الحمد على الإطلاق، وهكذا حكم من كان له لي من الذل أي اتخذ حبيبا من أجل ذل به واستفادة لا من عزة وقوة إفاضة، أو الولي بمعنى الناصر أي ناصر من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته. وأيضا قد يمنعه الشريك من إصابة الخير إلى أوليائه، والذي يكون له ولي من الذل يكون محتاجا إليه فينعم عليه دون من استغنى عنه. أما إذا كان منزها عن الولد وعن الشريك وعن أن يكون له ولي ينصره ويلي أمره كان مستوجبا لأعظم أنواع الحمد ومستحقا لأجلّ أقسام الشكر. قال الإمام فخر الدين الرازي: التكبير أنواع منها: تكبير الله في ذاته وهو أن يعتقد أنه واجب الوجود لذاته غني عن كل ما سواه. ومنها تكبيره في صفاته بأن يعتقدها كلها من صفات الجلال والإكرام وفي غاية العظمة ونهاية الكمال وأنها منزهة عن سمات التغير والزوال والحدوث والانتقال. ومنها تكبيره في أفعاله وعند هذا تعود مسألة الجبر والقدر. قال: سمعت أن الأستاذ أبا إسحق الإسفرايني كان جالسا في دار الصاحب بن عباد فدخل القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني. فلما رآه قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء. فقال الأستاذ: سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء. ومنها تكبير الله في أحكامه وهو أن يعتقد أن أحكامه كلها جارية على سنن الصواب وقانون العدالة وقضية الاستقامة. ومنها تكبيره عن هذا التكبير وتعظيمه عن هذا التعظيم، وكان النبي ﷺ إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه هذه الآية والله أعلم. التأويل: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ كانوا أرباب الحس فلم يبصروا شواهد الحق ودلائل النبوة ولم يطلبوا منه ما كان هو عليه من تزكية النفوس وتصفية القلوب وتجلية الأرواح وتفجير ينابيع الحكمة من أرض القلوب لإنبات نخيل المشاهدات وأعناب المكاشفات في جنات المواصلات. أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا تعجبوا من كون البشر رسولا حين ظن أن الملك أعلى حالا من البشر، وغفلوا عن رتبة الإنسان الكامل حيث جعل سجود الملائكة المقربين وأودع فيه سر الخلافة مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ الحرص والشهوات، كلما سكنت نار شهوة باستيفاء حظها زِدْناهُمْ سَعِيراً باشتعال طلب شهوة أخرى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ قال الشيخ المحقق نجم الحق: والدين المعروف بداية إرادة الآيات التي تدل على نبوته فيما

стр. 2320

يتعلق بنفسه خاصة كإلقائه في اليم وإخراجه منه وتربيته في حجر العدوة وتحريم المراضع عليه ونحو ذلك. وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ لأن الأرواح المتعلقة بالعالم السفلي احتاجت في الرجوع إلى عالم العلو إلى حبل متين هو القرآن كقوله: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً [آل عمران: ١٠٣] ، وَبِالْحَقِّ نَزَلَ التميز بين أهل السعادة والشقاوة بالاتباع وعدمه إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قبل نزوله في الأزل إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ في الأزل عنه خطاب أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: ١٧٢] يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً للإجابة يقولون «بلى» وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ في عالم الصورة يبكون. فالتواضع والسجود من شأن الأرواح والبكاء والخشوع عن شأن الأجساد. ثم بين أن الأرواح إنما أرسلت إلى الأبدان للعبودية وذكر الله فقال: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى أي كل اسم من أسمائه حسن فادعوه حسنا وهو الدعاء بالإخلاص وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ رياء وسمعة وَلا تُخافِتْ بِها أن تخفيها بالكلية فيحرموا المتابعة والأسوة الحسنة وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا بإظهار الفرائض وإخفاء النوافل والله تعالى أعلم.

стр. 2321

(سورة الكهف) (مكية إلا قوله واصبر نفسك الآية حروفها ستة آلاف وثلاثمائة وستون حرفا كلماتها ألف وخمسمائة وسبعة وسبعون آياتها مائة وإحدى عشرة) [سورة الكهف (١٨) : الآيات ١ الى ٢٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (٢) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً (٤) ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً (٥) فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (٦) إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (٧) وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً (٨) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً (١٠) فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (١١) ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً (١٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (١٣) وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً (١٤) هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (١٦) وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (١٨) وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً (٢٠) وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (٢١) سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً (٢٢) وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (٢٣) إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً (٢٤) وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (٢٦)

стр. 2322

القراآت: مِنْ لَدُنْهُ بإشمام الدال شيئا بالضم وكسر النون ووصل الهاء بالياء: يحيى. الآخرون بضم الدال وسكون النون وضم الهاء ويبشر مخففا: حمزة وعلي. الباقون بالتشديد. هَيِّئْ لَنا وَيُهَيِّئْ لَكُمْ بتليين الهمزة فيهما إلا أوقية والأعشى في الوقف فَأْوُوا بإبدال الهمزة ألفا: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف مِرفَقاً بفتح الميم وكسر الفاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر والأعشى والبرجمي. الآخرون على العكس تزاور خفيفا بحذف تاء التفاعل: عاصم وحمزة وعلي وخلف تزور بتشديد الراء: ابن عامر مثل «تحمر» ويعقوب. الباقون تزاور بتشديد الزاي لإدغام التاء فيه الْمُهْتَدِي كما مر في «سبحان» وَلَمُلِئْتَ مشددة للمبالغة: أبو جعفر ونافع وابن كثير، وقرأ أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف غير مهموز. بِوَرِقِكُمْ بسكون الراء: أبو عمرو وحمزة وحماد وأبو بكر والخزاز عن هبيرة وعباس بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف الآخرون بكسر الراء مظهرا رَبِّي أَعْلَمُ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو أَنْ يَهْدِيَنِي وأن ترني وو أن يؤتيني وأن تعلمني بالياءات في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير غير ابن فليح. وزمعة. وروى ابن شنبوذ عن قنبل كلها بالياء في الحالين. وعن البزي وابن فليح كلها بغير ياء- في الحالين- وافقهم أبو جعفر ونافع وأبو عمرو بالياء في الوصل ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ بالإضافة: حمزة وعلي وخلف الباقون بالتنوين ولا تشرك بالتاء على النهي: ابن عامر وروح وزيد. الآخرون وَلا يُشْرِكُ بياء الغيبة ورفع الكاف.

стр. 2323

الوقوف: عِوَجاً هـ ط لأن قَيِّماً ليس بصفة له ولكنه انتصب بمحذوف دل عليه المتلو وهو أنزل أي أنزله قيما، وللوصل وجه وهو أن يكون حالا من الكتاب أو العبد وما بينهما اعتراض حَسَناً، هـ لا أَبَداً هـ وَلَداً ج هـ، لأن ما بعده يحتمل الصفة أو ابتداء وإخبار، والوقف أوضح ليكون ادعاء الولد مطلقا كما هو الظاهر لِآبائِهِمْ ط مِنْ أَفْواهِهِمْ ط كَذِباً هـ أَسَفاً هـ عَمَلًا هـ جُرُزاً، ط لتمام القصة ما بعده استفهام تقرير وتعجيب عَجَباً هـ رَشَداً هـ عَدَداً، لا للعطف أَمَداً هـ بِالْحَقِّ ط هُدىً، والوصل أولى للعطف شَطَطاً هـ آلِهَةً ط لابتداء التحضيض بَيِّنٍ ط كَذِباً هـ مِرفَقاً هـ فَجْوَةٍ مِنْهُ ط آياتِ اللَّهِ ط فَهُوَ الْمُهْتَدِ ج مُرْشِداً هـ رُقُودٌ قف والأولى الوصل على أن ما بعده حال أي رقدوا ونحن نقلبهم الشِّمالِ قف والوصل أحسن على أن المعنى نقلبهم وكلبهم باسط بِالْوَصِيدِ ط رُعْباً هـ بَيْنَهُمْ ط كَمْ لَبِثْتُمْ ط بَعْضَ يَوْمٍ ط أَحَداً هـ أَبَداً هـ لا رَيْبَ فِيها ج لأن «إذ» يصلح أن يكون طرفا للإعثار عليهم وأن يكون منصوبا بإضمار «اذكر» بُنْياناً ط بِهِمْ ط مَسْجِداً هـ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ج فصلا بين المقالتين مع اتفاق الجملتين بِالْغَيْبِ ج لوقوع العارض كَلْبُهُمْ ط قَلِيلٌ هـ ظاهِراً ص أَحَداً هـ يَشاءَ اللَّهُ ز لاتفاق الجملتين مع عارض الظرف والاستثناء رَشَداً هـ تِسْعاً هـ لَبِثُوا ج لاحتمال أن ما بعده مفعول «قل» أو إخبار مستأنف وَالْأَرْضِ ط لابتداء التعجب وَأَسْمِعْ ط مِنْ وَلِيٍّ ط لمن قرأ ولا تشرك على النهي، ومن قرأ على الغيبة إخبارا جوز وقفه لاختلاف الجملتين أَحَداً هـ. التفسير: ألصق الحمد والتكبير المذكورين في آخر السورة المتقدمة بالحمد على أجزل نعمائه على العباد وهي نعمة إنزال الكتاب على محمد ﷺ . قال بعض العلماء: نزه نفسه في أوّل سورة «سبحان» عمّا لا ينبغي وهو إشارة إلى كونه كاملا في ذاته، وحمد نفسه في أول هذه السورة وهو إشارة إلى كونه مكملا لغيره، وفيه تنبيه على أن مقام التسبيح مبدأ ومقام التحميد نهاية موافقا لما ورد في الذكر «سبحان الله والحمد لله» . وفيه أن الإسراء أول درجات كماله من حيث إنه يقتضي حصول الكمال له وإنزال الكتاب غاية درجات كماله لأن فيه تكميل الأرواح البشرية ونقلها من حضيض البهيمية إلى أوج الملكية ولا شك أن المنافع المتعدية أفصل من القاصرة كما ورد في الخبر: «من تعلم وعلم وعمل فذاك يدعى عظيما في السموات» وإنزال الكتاب على النبي ﷺ نعمة عليه وعلينا. أما أنه نعمة عليه فلأنه اطلع بواسطته على

стр. 2324

أسرار التوحيد ونعوت الجلال والإكرام وأحوال الملائكة والأنبياء وسائر النفوس المقدسة، وعلى كيفية القضاء والقدر وتعلق أحوال العالم السفلي بالعالم العلوي والشهادة بالغيب وارتباط أحدهما بالآخر. وأما أنه نعمة علينا فلأنا نستفيد منه أيضا مثل ذلك ونعرف منه الأحكام الشرعية المفضية إلى إصلاح المعاش والمعاد. وفي انتصاب قَيِّماً وجوه فاختار صاحب الكشاف أن يكون منصوبا بمضمر أي جعله وأنزله قيما. وأبى أن يكون حالا لأن العطف يدل على تمام الكلام وجعله حالا يدل على نقصانه. قال جامع الأصفهاني: هما حالان متواليان إلا أن الأولى جملة والثانية مفرد. وقيل: حال من الضمير في قوله: وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ وفائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة هي التأكيد، فرب مستقيم في الظاهر لا يخرج عن أدنى عوج في الحقيقة هذا تفسير ابن عباس. ويحتمل أن يراد أنه قيم على سائر الكتب مصدّق لها شاهد بصحتها، وأنه قيم بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع والأحكام، وعلى هذا يكون قوله: وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً إشارة إلى أنه كامل في ذاته، مبرأ عن الاختلاف والتناقض، مشتمل على كل ما هو في نفس الأمر حق وصدق. وقوله: قَيِّماً إشارة إلى أنه مكمل لغيره مصلح بحسن بيانه وإرشاده لأحوال معاشه ومعاده، فتكون الآية نظير قوله في أول «البقرة» : لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ثم أراد أن يفصل ما أجمله في قوله فيما قال: لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وحذف المنذر للعلم به بعمومه ولتطهير اللسان عن ذكره أي لينذر الذين كفروا عذابا أليما صادرا من عنده. والأجر الحسن الجنة بدليل قوله: ماكِثِينَ فِيهِ وهو حال من الضمير في لَهُمْ ثم كرر الإنذار وذكر المنذر لخصوصه وحذف المنذر به وهو البأس الشديد لتقدم ذكره. وقد تذكر قضية كلية ثم يعطف عليها بعض جزئياتها تنبيها على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلي. ففي عطف الإنذار المخصوص على الإنذار المطلق دليل على أن أقبح أنواع الكفر والمعصية إثبات الولد لله تعالى على ما زعم بعض كفار قريش من أن الملائكة بنات الله، وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله. ثم قال: ما لَهُمْ بِهِ أي بالولد أو باتخاذ الله إياه مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ وانتفاء العلم بالشيء إما بالجهل بالطريق الموصل إليه، وإما لأنه في نفسه محال فلا يتعلق به العلم لذلك وهو المراد في الآية، أي قولهم هذا لم يصدر عن علم ولكن عن جهل مفرط وتقليد لآبائهم الذين هم مثلهم في الجهالة. قال جار الله: الضمير في قوله: كَبُرَتْ يعود إلى قولهم «اتخذ الله ولدا» وسميت كَلِمَةً كما يسمون القصيدة بها. قلت: ويجوز أن يعود إلى مضمر ذهني يفسره الظاهر كقولهم «ربه رجلا ونعمت امرأة عندي» . قال الواحدي:

стр. 2325

انتصبت كَلِمَةً على التمييز وذلك أنك لو قلت: كبرت المقالة أو الكلمة جاز أن يتوهم أنها كبرت كذبا أو جهلا أو افتراء، فلما قلت: كلمة فقد ميزتها من محتملاتها. وقرىء بالرفع على الفاعلية كما يقال «عظم قولك» . قال أهل البيان: النصب أقوى وأبلغ لإفادته التعب من جهتين: من جهة الصيغة ومن جهة التمييز كأنه قيل: ما أكبرها كلمة. وفي وصف الكلمة بقوله: تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ مبالغة أخرى من وجهين: الأول أن كثيرا من وساوس الشيطان وهواجس القلوب لا يتمالك العقلاء أن يتفوهوا به حياء وخجلا، فبين الله تعالى أن هذا المنكر لم يستحيوا من إظهاره والنطق به فما أشنع فعلتهم وما أعظم فحشهم. الثاني أن هذا الذي يقولونه لا يحكم به عقلهم وفكرهم البتة لكونه في غاية البطلان، وكأنه شيء يجري على لسانهم بطريق التقليد: احتج النظام على مذهبه أن الكلام جسم بأن الخروج عبارة عن الحركة والحركة من خواص الأجسام. والجواب أن الخارج من الفم هو الهواء لأن الحروف والأصوات كيفيات قائمة بالهواء فأسند إلى الحال ما هو من شأن المحل مجازا. ثم زاد في تقبيح صوتهم بقوله: إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً وفيه إبطال قول من زعم أن الكذب هو الخبر الذي لا يطابق المخبر عنه مع علم قائله بأنه غير مطابق وذلك لأن القيد الأخير غير موجود هاهنا مع أنه تعالى سماه كذبا. ثم سلى رسول الله ﷺ بقوله: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ قال الليث: بخع الرجل نفسه إذا قتلها غيظا: وقال الأخفش والفراء: أصل البخع الجهد. يروى أن عائشة ذكرت عمر فقالت: بخع الأرض أي جهدها حتى أخذ ما فيها من أموال الملوك. وقال الكسائي: بخعت الأرض بالزراعة إذ جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة، وبخع الرجل نفسه إذا نهكها وأَسَفاً منصوب على المصدر أي تأسف أسفا وحذف الفعل لدلالة الكلام عليه. وقال الزجاج: هو مصدر في موضع الحال أو مفعول له أي لفرط الحزن شبهه وإياهم حين لم يؤمنوا بالقرآن وأعرضوا عن نبيهم برجل فارقته أحبته فهو يتساقط حسرات عليهم. والحاصل أنه قيل له لا تعظم حزنك عليهم بسبب كفرهم فإنه ليس عليك إلا البلاغ، فأما تحصيل الإيمان فيهم فليس إليك. قال القاضي، أطلق الحديث على القرآن فدل ذلك على أنه غير قديم. وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الحروف والأصوات وإنما النزاع في الكلام النفسي، قوله سبحانه: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها قال أهل النظم: كأنه تعالى يقول: إني خلقت الأرض وزينتها ابتلاء للخلق بالتكاليف، ثم إنهم يتمردون ويكفرون ومع ذلك فلا أقطع عنهم مواد هذه النعم، فأنت أيضا يا محمد لا تترك الاشتغال بدعوتهم بعد أن لا تأسف عليهم وما على الأرض المواليد الثلاثة أعنى المعادن والنبات والحيوان

стр. 2326

وأشرفها الإنسان. وقال القاضي: الأولى أن لا يدخل المكلف فيه لأن ما على الأرض ليس زينة لها بالحقيقة وإنما هو زينة لأهلها الغرض الابتلاء، فالذي له الزينة يكون خارجا عن الزينة. ومضى أنه مجاز بالصورة والمراد أنه تعالى يعاملهم معاملة لو صدرت تلك المعاملة عن غيره لكان من قبيل الابتلاء والامتحان. وقد مر هذا البحث بتمامه في سورة البقرة في تفسير قوله: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ [البقرة: ١٢٤] . واللام في لِنَبْلُوَهُمْ للغرض عند المعتزلة، أو العاقبة أو استتباع الغاية عند غير هم حذرا من لزوم الاستكمال. قال الزجاج أَيُّهُمْ رفع بالابتداء لأن لفظه لفظ الاستفهام والمعنى لنمتحن هذا أَحْسَنُ عَمَلًا أم ذلك. ثم زهد في الميل إلى زينة الأرض بقوله: وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها من هذه الزينة صَعِيداً جُرُزاً أي مثل أرض بيضاء لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة في إزالة بهجته وإمانة سكانه. قال أبو عبيد: الصعيد المستوي من الأرض التي لا نبات فيها من قولهم «امرأة جروز» إذا كانت أكولا، «وسيف جراز» إذا كان مستأصلا وجرز الجراد والشاء والإبل الأرض إذا أكملت ما عليها. ثم إن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف وسألوا عنه الرسول ﷺ على سبيل الامتحان فقال سبحانه أَمْ حَسِبْتَ يعني بل أظننت يا إنسان أنهم كانوا عجبا من آياتنا فقط فلا تحسبن ذلك فإن آياتنا كلها عجب، فإن من كان قادرا على تخليق السموات والأرض ثم تزيين الأرض بأنواع المعادن والنبات والحيوان، ثم جعلها بعد ذلك صعيدا خاليا عن الكل كيف تستبعدون قدرته وحفظه ورحمته بالنسبة إلى طائفة مخصوصة. وقال جار الله: يعني أن ذلك التزيين وغيره أعظم من قصة أصحاب الكهف يعني أنه ذكر أولا عظيم قدرته، ثم أضرب عن ذلك موبخا للإنسان. والحاصل أنك تعجب من هذا الأدنى فكيف بما فوقه، والكهف الغار الواسع في الجبل، والرقيم اسم كلبهم. وعن سعيد بن جبير ومجاهد أنه لوح من حجارة أو رصاص رقمت فيه أسماؤهم جعل على باب الكهف، فعلى هذا يكون اللفظ عربيا «فعيلا» بمعنى «مفعول» ومثله ما روي أن الناس رقموا حديثهم نقرا في الجبل. وعن السدي أنه القرية التي خرجوا منها. وقيل: هو الوادي أو الجبل الذي فيه الكهف. والعجب مصدر وصف به أو المراد ذات عجب. وقوله: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ صاروا إليه وجعلوه مأواهم منصوب بإضمار «اذكر» ب حَسِبْتَ لفساد المعنى، ولا يبعد أن يتعلق ب عَجَباً والتنوين في رَحْمَةً إما للتعظيم أو للنوع. وتقديم مِنْ لَدُنْكَ للاختصاص أي رحمة مخصوصة بأنها من خزائن رحمتك وهي المغفرة والرزق والأمن من الأعداء وَهَيِّئْ لَنا أي أصلح لنا من قولك هيئات الأمر فتهيأ مِنْ أَمْرِنا

стр. 2327

الذي نحن عليه من مفارقة الكفار رَشَداً أي أمر إذا رشد حتى نكون بسببه راشدين غير ضالين فتكون «من» للابتداء، ويجوز أن تكون للتجريد كما في قولك «رأيت منك أسدا» أي اجعل أمرنا رشدا كله. فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ قال المفسرون: أي أنمناهم والأصل فيه أن المفعول محذوف وهو الحجاب كما يقال: «بنى على امرأته» أي بنى عليها القبة. وسِنِينَ ظرف زمان وعَدَداً أي ذوات عدد وهو مصدر وصف به والمراد بهذا الوصف إما القلة لأن الكثير قليل عند الله وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج: ٤٧] وإما الكثرة. قال الزجاج: إذا قل فهم مقدار عدده فلم يحتج إلى العدد وإذا كثر احتاج إلى أن يعدّ ثُمَّ بَعَثْناهُمْ أيقظناهم لِنَعْلَمَ ليظهر معلومنا وفعل العلم معلق لما في «أي» من معنى الاستفهام فارتفع أَيُّ الْحِزْبَيْنِ على الابتداء وخبره أَحْصى وهو فعل ماض و «ما» في لِما لَبِثُوا مصدرية أي أحصى أَمَداً للبثهم فيكون الجار والمجرور صفة للأمد فلما قدم صار حالا منه. وقيل: اللام «زائدة» و «ما» بمعنى الذي وأمدا تمييز والتقدير: أحصى لما لبثوه أمدا والأمد الغاية. وزعم بعضهم أن أَحْصى أفعل تفضيل كما في قولهم «أعدى من الجرب» و «أفلس من ابن المذلق» ، ولم يستصوبه في الكشاف لأن الشاذ لا يقاس عليه. واختلفوا في تعيين الحزبين فعن عطاء عن ابن عباس أن أصحاب الكهف حزب والملوك الذين تداولوا المدينة ملكا بعد ملك حزب. وقال مجاهد: الحزبان من أصحاب الكهف. وذلك أنهم لما انتبهوا اختلفوا فقال بعضهم: لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ وقال آخرون: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ وذلك حين حدسوا أن لبثهم قد تطاول. وقال الفراء: إن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ أي على وجه الصدق إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ شباب آمَنُوا بِرَبِّهِمْ أي بي فوضع الظاهر موضع المضمر وَزِدْناهُمْ هُدىً أي بالتوفيق والتثبيت وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ قوّيناها بإلهام الصبر على فراق الخلائق والأوطان والفرار بالدين إلى بعض الغيران إِذْ قامُوا وفي هذا القيام أقوال: فعن مجاهد أنهم اجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد فقال رجل منهم: هو أكبر القوم إني لأجد في نفسي شيئا ما أظن أحدا يجده، أجد أن ربي رب السموات والأرض. فقالوا: نحن كذلك في أنفسنا فقاموا جميعا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وقال أكثر المفسرين: إنه كان لهم ملك جبار- يقال له دقيانوس- وكان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت فثبت الله هؤلاء الفتية وعصمهم حتى قاموا بين يديه فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وعن عطاء ومقاتل أنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم. والشطط الإفراط في الظلم والإبعاد فيه من

стр. 2328

شط إذا بعد والمراد قولا ذا شطط أي بعيد عن الحق. هؤُلاءِ مبتدأ وقَوْمُنَا عطف بيان أو بدل اتَّخَذُوا خير وهو إخبار في معنى إنكار. وفي اسم الإشارة تحقير لهم لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ هلا يأتون على حقيقة إلهيتهم أو على عبادتهم بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ بحجة أن هذه طريقة صحيحة، ويمكن أن يجاب بأنه إنما ذكر ذلك على سبيل التبكيت، فمن المعلوم أن الإتيان بسلطان على عبادة الأوثان محال، وفيه دليل على فساد التقليد ويؤكده قوله فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بنسبة الشريك إليه وخاطب بعضهم بعضا حين صمم عزمهم على الفرار بالدين. وقوله: وَما يَعْبُدُونَ عطف على الضمير المنصوب يعني وإذا اعتزلتموهم ومعبوديهم. وقوله: إِلَّا اللَّهَ استثناء منقطع على الدهر، ويجوز أن يكون متصلا بناء على أن المشركين يقرون بالخالق الأكبر. وقيل هو كلام معترض إخبار من الله تعالى عن الفتية أنهم لم يعبدوا غير الله ف «ما» نافية. قال الفراء فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ جواب «إذ» ومعناه اذهبوا إليه واجعلوا مأواكم يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ يبسطها لكم ومِرفَقاً على القراءتين مشتق من الارتفاق الانتفاع. وقيل: فتح الميم أقيس وكسرها أكثر. وقيل: المرفق بالكسر ما ارتفعت به، والمرفق بالفتح الأمر الرافق. وكان الكسائي ينكر في مرفق اليد إلا كسر الميم. قالوا ذلك ثقة بفضل الله وتوكلا عليه، وإما لأنه أخبرهم نبي في عصرهم منهم أو من غيرهم. وَتَرَى الشَّمْسَ أيها الإنسان إذا طلعت تزاور أصله من الزور بفتح الواو وهو الميل ومنه زاره إذا مال إليه. والمراد أن الشمس تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم. والفجوة المتسع إن الشمس تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم. والفجوة المتسع من المكان ومنه الحديث «فإذا وجد فجوة نص» «١» . وللمفسرين في الآية قولان: أحدهما أنهم في ظل نهارهم كله لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها مع أنهم في مكان واسع منفتح وإلى هذا الحجب أشار بقوله: ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ وثانيهما أن باب ذلك الكهف كان مفتوحا إلى جانب الشمال فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف، وإذا غربت كانت على يساره فلذلك كانت الشمس لا تصل إليهم. ثم إنهم كانوا مع ذلك في منفسح من الغار ينالهم فيه روح الهواء وبرد النسيم، واعترض بأن عدم وصول الشمس إليهم لا يكون آية

стр. 2329

من آيات الله على هذا التقدير. وأجيب بأن المشار إليه حفظهم في ذلك الغار مدة طويلة، والمقصود من بيان وضع الغار تعيين مكانهم. ثم بين الله سبحانه لطفه بهم بصون أبدانهم عن الفساد في تلك المدة المديدة كما لطف بهم في أول الأمر بالهداية فكان فيه ثناء عليهم وتذكير لغيرهم إن الهداية وضدها كليهما بمشيئة الله وعنايتها الأزلية وبلطفه وقهره الذي سبق به القلم. وقال جار الله: فيه تنبيه على أن من سلك طريقة الراشدين المهديين فهو الذي أصاب الفلاح، ومن تعرض للخسران فلن يجد من يليه ويرشده. ثم حكى طرفا آخر من غرائب أحوالهم فقال وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً هي جمع يقظ بكسر القاف كأنكاد في جمع نكد وَهُمْ رُقُودٌ جمع راقد كقعود في قاعد. واستبعده في التفسير الكبير. وقيل: عيونهم مفتحة وهم نيام فيحسبهم الناظر لذلك أيقاظا. وقال الزجاج: لكثرة تقلبهم. وقيل: لهم تقلبتان في السنة. وقيل: تقلبة واحدة في يوم عاشوراء. وعن مجاهد: يمكثون رقودا على أيمانهم سبع سنين ثم يقلبون على شمائلهم فيمكثون رقودا سبع سنين، وفائدة تقلبهم ظاهرة وهي أن لا تأكل لحومهم الأرض. قال ابن عباس: وتعجب منه الإمام فخر الدين قال: وإن الله تعالى قادر على حفظهم من غير تقليب. وأقول: لا ريب في قدرة الله تعالى ولكن الوسائط معتبرة في أغلب الأحوال وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ حكاية الحال الماضية ولهذا عمل في المفعول به. والوصيد الفناء وقيل العتبة أو الباب. قال السدي: الكهف لا يكون له عتبة ولا باب وإنما أراد أن الكلب منه موضع العتبة من البيت. عن ابن عباس: هربوا ليلا من ملكهم فمروا براع معه كلب فتبعهم على دينهم ومعه كلبه. وقال كعب: مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك ثلاث مرات فقال لهم الكلب: ما تريدون مني أنا أحب أحباء الله فناموا حتى أحرسكم. وقال عبيد بن عمرو: كان ذلك كلب صيدهم والاطلاع على الشيء الإشراف عليه. قال الزجاج قوله فِراراً منصوب على المصدر لأنه بمعنى التولية. وسبب الرعب هيبة ألبسهم الله إياها. وقيل: طول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم ووحشة مكانهم منه يحكى أن معاوية غزا الروم فقال: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال له ابن عباس: ليس لك ذلك قد منع الله منه من هو خير منك؟ فقال: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً فقال معاوية: لا أنتهي حتى أعلم علمهم فبعث ناسا فقال لهم: اذهبوا فانظروا ففعلوا، فلما دخلوا الكهف بعث الله ريحا فأخرجتهم وَكَذلِكَ إشارة إلى المذكور قبله أي وكما أنمناهم تلك النومة وفعلنا بهم ما فعلنا من الكرامات كذلك بَعَثْناهُمْ وفيه تذكير لقدرته على الإنامة والبعث جميعا، ثم ذكر غاية بعثهم فقال: لِيَتَسائَلُوا أي ليقع التساؤل بينهم والاختلاف والتنازع

стр. 2330

في مدة اللبث غرض صحيح لما فيه من انكشاف الحال وظهور آثار القدرة قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قال ابن عباس: هو رئيسهم يمليخارد علم ذلك إلى الله تعالى حين رأى التغير في شعورهم وأظفارهم وبشرتهم. والفاء في فَابْعَثُوا للتسبيب كأنه قيل: وإذ قد حصل اليأس من تعيين مدة اللبث فخذوا في شيء آخر مما يهمكم. والورق الفضة مضروبة أو غير مضروبة. وفي تزودهم الورق عند فرارهم دليل عى أن إمساك بعض ما يحتاج إليه الإنسان في سفره وحضره لا ينافي التوكل على الله. والمدينة طرسوس. قال في الكشاف: أَيُّها معناه أيّ أهلها أَزْكى طَعاماً وأقول: يحتمل أن يعود الضمير إلى الأطعمة ذهنا كقوله: «زيد طيب أبا» على أن الأب هو زيد، ويجوز أن يراد أي أطعمة المدينة أزكى طعاما على الوجه المذكور. عن ابن عباس: يريد ما حل من الذبائح لأن عامة أهل بلدهم كانوا مجوسا وفيهم قوم يخفون أديانهم. وقال مجاهد: احترزوا من المغصوب لأن ملكهم كان ظالما. وقيل: أيها أطيب وألذ. وقيل: الرخص وَلْيَتَلَطَّفْ وليتكلف اللطف فيما يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن. والأظهر أنهم طلبوا اللطف في أمر التخفي حتى لا يعرف. يؤيده قوله ولا يشعرون بكم أحدا أي لا يفعلن ما يؤدي إلى الشعور ويسبب له إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا يطلعوا على مكانكم أو عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ يقتلوكم أخبث القتلة وهي الرجم وكأنه كانت عادتهم أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ بالإكراه العنيف. وقال في الكشاف: العود في معنى الصيرورة أكثر شيء في كلامهم يقولون ما عدت أفعل كذا يريدون ابتداء الفعل. قلت: يحتمل أن يكون العود هاهنا على معناه الأصلي لاحتمال أن يكون أصحاب الكهف على ملة أهل المدينة قبل أن هداهم الله. وفي «أذن» معنى الشرط كأنه قال: إن رجعتم إلى دينهم فلم تفلحوا أبدا، قال المحققون: لا خوف على المؤمن الفار بدينه أعظم من هذين. ففي الأول هلاك الدنيا، وفي الثاني هلاك الآخرة. وإنما نفى الفلاح على التأبيد مع أن كفر المكره لا يضر، لأنهم خافوا أن يجرهم ظاهر الموافقة إلى الكفر القلبي، وكما أنمناهم وبعثناهم أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ سمى الإعلام إعثارا والعلم عثورا لأن من كان غافلا عن شيء فعثر به نظر إليه وعرفه وكان الإعثار سببا لحصول العلم واليقين. وفي سبب الإعثار قولان: أحدهما أنه طالت شعورهم وأظفارهم طولا مخالفا للعادة وتغيرت بشرتهم فعرفوا بذلك. والأكثرون قالوا: إن ذلك الرجل لما ذهب بالورق إلى السوق وكانت دراهم دقيانوسية اتهموه بأنه وجد كنزا فذهبوا به إلى الملك فقال له: من أين وجدت هذه الدراهم؟ قال: بعت بها أمس شيئا من التمر. فعرف الملك أنه ما وجد كنزا وأن الله بعثه بعد موته فقص عليه القصة. ثم ذكر سبحانه غاية

стр. 2331

الإعثار فقال: لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يروى أن ملك ذلك العصر ممن كان ينكر البعث إلا أنه كان مع كفره منصفا فجعل الله أمر الفتية دليلا للملك. وقيل: بل اختلفت الأمة في ذلك الزمان فقال بعضهم: الجسد والروح يبعثان جميعا. وقال آخرون: الروح تبعث وأما الجسد فتأكله الأرض. ثم إن ذلك الملك كان يتضرع أن يظهر له آية يستدل بها على ما هو الحق في المسألة فأطلعه الله تعالى على أمر أصحاب الكهف حتى تقرر عنده صحة بعث الأجساد، لأن انتباههم بعد ذلك النوم الطويل يشبه من يموت ثم يبعث. فالمراد بالتنازع هو اختلافهم في حقيقة البعث. والضمائر في قوله: إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ تعود إلى تلك الأمة. وقيل: أراد إذ يتنازع الناس بينهم أمر أصحاب الكهف ويتكلمون في قصتهم، أو يتنازعون بينهم تدبير أمرهم حين توفوا كيف يخفون مكانهم وكيف يسدون الطريق إليهم. فَقالُوا ابْنُوا على باب كهفهم بُنْياناً يروى أنه انطلق الملك وأهل المدينة معه وأبصروهم وحمدوا الله على آياته الدالة على البعث. ثم قالت الفتية للملك: نستودعك الله ونعيذك به من شر الجن والإنس ثم رجعوا إلى مضاجعهم وتوفى الله أنفسهم، فألقى الملك عليهم ثيابه وأمر فجعل لكل واحد تابوتا من ذهب فرآهم في المنام كارهين للذهب، فجعلها من الساج وبنى على باب الكهف مسجدا. فيكون فيه دليل على أن أولئك الأقوام كانوا عارفين بالله تعالى ومعترفين بالعبادة والصلاة، وقيل: إن الكفار قالوا: إنهم كانوا على ديننا ونتخذ عليهم بنيانا، والمسلمين قالوا: بل كانوا على ديننا فنتخذ عليهم مسجدا، وقيل: إنهم تنازعوا في عددهم وأسمائهم. قال جار الله: رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ من كلام المتنازعين كأنهم تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقته قالوا ذلك، أو هو من كلام الله رد القول الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين، أو من الذين تنازعوا عوافيهم على عهد رسول الله ﷺ من أهل الكتاب. والذين غلبوا على أمرهم المسلمون وملكهم المسلم لأنهم بنوا عليهم مسجدا يصلى فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم وكانوا أولى بهم بالبناء عليهم حفظا لتربتهم بها وضنا بها سَيَقُولُونَ يعنى الخائضين في قصتهم من المؤمنين ومن أهل الكتاب المعاصرين وكان كما أخبر فكان معجزا، يروى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي ﷺ فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد وكان يعقوبيا هم ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وقال العاقب وكان نسطوريا هم خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ فزيف الله قولهما بأن قال: رَجْماً بِالْغَيْبِ أي يرمون رميا بالخبر الخفي يقال: فلان يرمي بالكلام رميا أي يتكلم من غير تدبر. وكثيرا ما يقال رجم بالظن

стр. 2332

مكان قولهم ظن. وقال المسلمون: هم سبعة ثامنهم كلبهم. قال العلماء: وهذا قول محقق عرفه المسلمون بأخبار رسول الله ﷺ عن لسان جبرائيل ﵇. والذي يدل عليه أمور منها ما روي عن علي ﵇ أنهم سبعة تقرأ أسماؤهم: يمليخا ومكشلينيا ومشلينيا- هؤلاء أصحاب يمين الملك- وكان عن يساره مرنوس ودبرنوش وشادنوش. وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره، والسابع الراعي الذي وافقهم واسمه كفشططوش. واسم مدينتهم أفسوس، واسم كلبهم قطمير. وقيل ريان. عن ابن عباس: أن أسماء أصحاب الكهف تصلح للطلب والهرب وإطفاء الحريق تكتب في خرقة ويرمى بها في وسط النار، ولبكاء الطفل تكتب وتوضع تحت رأسه في المهد، وللحرث تكتب على القرطاس وترفع على خشب منصوب في وسط الزرع، وللضربان وللحمى المثلثة والصداع والغنى والجاه، والدخول على السلاطين تشد على الفخذ اليمنى، ولعسر الولادة تشد على فخذها الأيسر، ولحفظ المال والركوب في البحار والنجاة من القتل. ومنها قول صاحب الكشاف إن الواو في قوله وَثامِنُهُمْ هي التي تدخل على الجملة والواقعة صفة للنكرة في قولك «جاءني رجل ومعه آخر» كما تدخل على الجملة الواقعة حالا من المعرفة في قولك «مررت بزيد ومعه سيف» وفائدته توكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر لأن الواو مقتضاها الجمعية وكأنهم وصفوا بكونهم سبعة مرتين بخلاف القولين الأولين فإنهم وصفوا بما وصفوا مرة واحدة. ولقائل أن يقول: إن العاطف لا يوسط بين الوصف والموصوف البتة لشدة الاتصال بينهما، ومقتضى الواو هو الحالة المتوسطة بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع، بل الواو للعطف عطف الجملة على الجملة وإما للحال وجاز لأنهم لم يسوغوا إذا الحال نكرة، لا مكان التباس الحال بالصفة في نحو قولك «رأيت رجلا راكبا» وهاهنا الالتباس مرتفع لمكان الواو. ومنها بعضهم إن الضمير في قوله: وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ لله تعالى والجمع للتعظيم. ومنها قول ابن عباس حين وقعت الواو انقطعت العدّة أي لم تبق بعدها عدة عاد يلتفت إليها وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والثبات. ومنها أنه خص القولين الأولين بزيادة قوله: رَجْماً بِالْغَيْبِ وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه، فمن البعيد أن يذكر الله تعالى جملة الأقوال الباطلة ولا يذكر الحق على أنه سبحانه منعه عن المناظرة معهم وعن الاستفتاء منهم في هذا الباب، وهذا المنع إنما يصح إذا علمه حكم هذه الواقعة. وأيضا الله تعالى قال: ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ويبعد أن لا يحصل العلم بذلك للنبي ﷺ ويحصل لغير النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 2333

كعلي وابن عباس حسين قال: أنا من أولئك القليل. وقد عرفت قولهما في هذا الباب. وإذا حصل فالظاهر أنه حصل بهذا الوحي لأن الأصل فيما سواه العدم. وقيل: الضمير في سَيَقُولُونَ لأهل الكتاب خاصة أي سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وقيل: الضمير في سَيَقُولُونَ لأهل الكتاب خاصة أي سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وكذا ولا علم بذلك إلا في قليل منهم وقوله سبحانه في الموضعين الأخيرين ويَقُولُونَ بغير السين لا ريب أنهما للاستقبال أيضا إلا أن ذلك يحتمل أن يكون لأجل الصيغة التي تصلح له، وأن يكون لتقدير السين بحكم العطف كما تقول: قد أكرم وأنعم أي وقد أنعم. أما فائدة تخصيص الواو في قوله: وَثامِنُهُمْ فقد عرفت آنفا وقد يقال: إن لعدد السبعة عند العرب تداولا على الألسنة في مظان المبالغة من ذلك قوله تعالى: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً [التوبة: ٨] لأن هذا العدد سبعة عقود، فإذا وصلوا إلى الثامنة ذكروا لفظا يدل على الاستئناف كقوله في أبواب الجنة وَفُتِحَتْ أَبْوابُها [الزمر: ٧٣] وكقوله ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً [التحريم: ٥] وزيف القفال هذا الوجه بقوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ [الحشر: ٢٢] وذلك لم يذكر الواو في النعت الثامن. والانصاف أن هذا التزييف ليس في موضعه لأن وجود الواو هو الذي يفتقر إلى التوجيه، وأما عدمه فعلى الأصل وبين التوجيه والإيجاب بون بعيد، والقائل بصدد الأول دون الأخير. ثم نهى نبيه ﷺ عن الجدال مع أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف ثم قال: إِلَّا مِراءً ظاهِراً فقال جار الله: أي جد إلا غير متعمق فيه وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك فحسب ولا تزيد من غير تجهيل ولا تعنيف. وقال في التفسير الكبير: المراد أن لا يكذبهم في تعيين ذلك العدد بل يقول هذا التعيين لا دليل عليه فوجب التوقف. ثم نهاه عن الاستفتاء منهم في شأنهم لأن المفتي يجب أن يكون أعلم من المستفتي وهاهنا الأمر بالعكس ولا سيما في باب واقعة أصحاب الكهف كما بينا. ولنذكر هاهنا مسألة جواز الكرامات وما تتوقف هي عليه فنقول: الولي مشتق من الولي وهو القرب. فقيل: «فعيل» بمعنى «فاعل» كعليم وقدير وذلك أنه توالت طاعاته من غير تخلل معصية. وقيل: بمعنى «مفعول» كقتيل وذلك أن الحق سبحانه تولى حفظه وحراسته وقرب منه بالفضل والإحسان، فإذا ظهر فعل خارق للعادة على إنسان فإن كان مقرونا بدعوى الإلهية كما نقل أن فرعون كانت تظهر على يده الخوارق، وكما ينقل أن الدجال سيكون منه ذلك فهذا القسم جوزه الأشاعرة لأن شكله وخلقه يدل على كذبه فلا يفضي إلى التلبيس وإن كان مقرونا بدعوى النبوة. فإن كان صادقا وجب أن لا يحصل له المعارض، وإن كان كاذبا وجب. ويمكن أن يقال: إن

стр. 2334

الكاذب يستحيل أن يظهر منه الفعل الخارق وإليه ذهب جمهور المعتزلة، وخالفهم أبو الحسين البصري وصاحبه محمود الخوارزمي وجوزا ظهور خوارق العادات على من كان مردودا على طاعة الله وسموه بالاستدراج. وقد يفرق بين النبي الصادق والساحر الخبيث بالدعاء إلى الخير والشر وإن كان مقرونا بدعوى الولاية فصاحبه هو الولي، ومن المحققين من لم يجوّز للولي دعوى الولاية لأنه مأمور بالإخفاء كما أن النبي مأمور بالإظهار. ثم إن المعتزلة أنكروا كرامات الأولياء وأثبتها أهل السنة مستدلين بالقرآن والأخبار والآثار والمعقول. أما القرآن فكقصة مريم ونبأ أصحاب الكهف. قال القاضي: لا بد أن يكون في ذلك الزمان نبي تنسب إليه تلك الكرامات. وأجيب في التفسير الكبير بأن إقدامهم على النوم أمر غير خارق للعادة حتى يجعل ذلك معجزة لأحد، وأما قيامهم من النوم بعد ثلاثمائة سنة فهذا أيضا لا يمكن جعله معجزة لأن الناس لا يصدقونهم في هذه الواقعة لأنهم لا يعرف كونهم صادقين في هذه الدعوى إلا إذا بقوا طول هذه المدة وعرفوا أن هؤلاء الذين جاؤا في هذا الوقت هم الذين ناموا قبل ذلك بثلاثمائة وتسع سنين، وكل هذه الشرائط لم توجد فامتنع جعل هذه الواقعة معجزة لأحد من الأنبياء، فلم يبق إلا أن تجعل كرامة لهم. ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون نفس بعثهم معجز النبي هذا الزمان؟ وأما أن ذلك البعث بعد نوم طويل فيعرف بأمارات أخر كما مر من حديث الدرهم وغيره. وأما الأخبار فمنها ما أخرج في الصحاح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم وصبي في زمان جريج وصبي آخر. أما عيسى فقد عرفتموه، وأما جريج فكان رجلا عابدا في بني إسرائيل وكانت له أم وكان يوما يصلي إذ اشتاقت إليه أمه فقالت: يا جريج فقال: يا رب الصلاة خير أم رؤيتها ثم صلى. فدعته ثانيا مثل ذلك حتى كان ذلك ثلاث مرار. وكان يصلي ويدعها فاشتد ذلك على أمه فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه المومسات. وكانت في بني إسرائيل زانية فقالت لهم: أنا أفتن جريجا حتى يزني فأتته فلم تقدر عليه شيئا وكان هناك راع يأوى بالليل إلى أصل صومعته فأرادت الراعي على نفسها فأتاها فولدت غلاما وقالت: ولدي هذا من جريج. فأتاه بنو إسرائيل وكسروا صومعته وشتموه فصلى ودعا ثم نخس الغلام. قال أبو هريرة: كأني أنظر إلى النبي ﷺ حين قال بيده يا غلام من أبوك؟ فقال: فلان الراعي فندم القوم على ما كان منهم واعتذروا إليه وقالوا نبني صومعتك من ذهب وفضة فأبى عليهم وبناها كما كانت. وأما الصبي الآخر فإن امرأة كانت معها صبي ترضعه إذ مر بها شاب جميل ذو شارة فقالت: اللهم اجعل ابني مثل هذا. فقال الصبي: اللهم لا تجعلني مثله.

стр. 2335

ثم مر بها امرأة ذكروا أنها سرقت وزنت وعوقبت فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه. فقال: اللهم اجعلني مثلها. فقالت له أمه في ذلك فقال: إن الراكب جبار من الجبابرة وإن هذه قيل لها سرقت ولم تسرق وزنيت ولم تزن هي تقول حسبي الله» . ومنها ما روي عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم فأواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدّت عليهم الغار فقالوا إنه والله لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فقال رجل منهم كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت لا أغبق قبلهما فناما في ظل شجرة يوما فلم أبرح عنهما وحلبت لهما غبوقهما فجئتهما به فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أغبق قبلهما فقمت والقدح في يدي أنتظر استيقاظهما حتى ظهر الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما اللهم إن كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت انفراجا لا يستطيعون الخروج منه. ثم قال الآخر اللهم إنه كانت لي ابنة عم وكانت أحب الناس إليّ فأردتها عن نفسها فامتنعت حتى ألمت سنة من السنين فجاءتني وأعطيتها مالا عظيما على أن تخلي بيني وبين نفسها فلما قدرت عليها قالت لا آذن لك أن تفك الخاتم إلا بحقه فتحرجت من ذلك العمل وتركتها وتركت المال معها اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها. قال رسول الله ﷺ : ثم قال الثالث اللهم إني استأجرت أجراء أعطيتهم أجورهم غير رجل واحد منهم ترك الذي له وذهب فثمرت أجرته حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أدّ إليّ أجرتي فقلت له كل ما ترى من الإبل والغنم والرقيق من أجرتك فقال يا عبد الله لا تستهزئ بي فقلت إني لا أستهزئ بأحد فأخذ ذلك كله اللهم إن كنت فعلته ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة عن الغار فخرجوا يمشون» «١» وهذا حديث صحيح متفق عليه. ومنها قوله ﷺ : «رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره» «٢» . ولم يفرق بين شيء وشيء فيما يقسم به على الله. ومنها رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «بينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها إذا التفتت البقرة وقالت إني لم أخلق لهذا وإنما خلقت للحرث فقال الناس: سبحان الله! فقال النبي ﷺ : آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعمر» «٣» . ومنها رواية

стр. 2336

أبي هريرة عن النبي ﷺ : «بينا رجل سمع رعدا أو صوتا في السحاب أن اسق حديقة فلان قال فغدوت إلى تلك الحديقة فإذا رجل قائم فيها فقلت له: ما اسمك؟ قال: فلان ابن فلان. فقلت: فما تصنع بحديقتك هذه إذا صرمتها؟ قال: ولم تسأل عن ذلك؟ قلت: لأني سمعت صوتا في السحاب أن اسق حديقة فلان. قال: أما إذ قلت فإني أجعلها أثلاثا فأجعل لنفسي ولأهلي ثلثا وأجعل للمساكين وأبناء السبيل ثلثا وأنفق عليها ثلثا» «١» وأما الآثار فمن كرامات أبي بكر الصديق أنه لما حملت جنازته إلى باب قبر النبي ﷺ ونودي السلام عليك يا رسول الله هذا أبو بكر بالباب فإذا الباب قد فتح فإذا هاتف يهتف من القبر أدخلوا الحبيب إلى الحبيب. ومن كرامات عمر ما روي أنه بعث جيشا وأمر عليهم رجلا يدعى سارية بن حصين. فبينا عمر يوم الجمعة يخطب جعل يصيح في خطبته يا سارية الجبل الجبل. قال علي بن أبي طالب ﵁: وكتبت تاريخ هذه الكلمة. فقدم رسول ذلك الجيش. فقال: يا أمير المؤمنين غدونا يوم الجمعة في وقت الخطبة فدهمونا فإذا بإنسان يصيح يا سارية الجبل فأسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزم الله الكفار وظفرنا بالغنائم العظيمة. قال بعض العلماء: كان ذلك بالحقيقة معجزة للنبي ﷺ لأنه قال لأبي بكر وعمر: أنتما مني بمنزلة السمع والبصر. فلما كان عمر بمنزلة البصر لا جرم قدر على رؤية الجيش من بعد. ومنها ما روي أن نيل مصر كان في الجاهلية يقف في كل سنة مرة واحدة وكان لا يجري حتى يلقى فيه جارية حسناء. فلما جاء الإسلام كتب عمرو بن العاص بهذه الحالة إلى عمر. فكتب عمر على الخزف: من عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر، أما بعد فإن كنت تجري بأمرك فلا حاجة لنا فيك، وإن كنت تجري بأمر الله فاجر على بركة الله. وأمر أن يلقى الخزف في النيل فجرى ولم يقف بعد ذلك. ووقعت الزلزلة بالمدينة فضرب عمر الدرة على الأرض وقال: اسكني بإذن الله فسكنت. ووقعت النار في بعض دور المدينة فكتب عمر على خزفة: يا نار اسكني بإذن الله تعالى فألقوها في النار فانطفأت في الحال. ويروى أن رسول ملك الروم جاء إلى عمر وطلب داره فظن أن داره مثل قصور الملوك فقالوا: ليس له ذلك إنما هو في الصحراء يضرب اللبن. فلما ذهب إلى الصحراء رأى عمر واضعا درته تحت رأسه وهو نائم على التراب فتعجب الرسول من ذلك وقال في نفسه: أهل الشرق والغرب يخافون منه وهو على هذه الصفة فسل سيفه ليقتله فأخرج الله أسدين من الأرض

стр. 2337

فقصداه فخاف فألقى السيف فانتبه عمر وأسلم الرجل. قال أهل السير: لم يتفق لأحد من أول عهد آدم إلى الآن ما تيسر له فإنه مع غاية بعده عن التكلفات كيف قدر على تلك السياسات، ولا شك أن هذا من أعظم الكرامات. وأما عثمان فعن أنس قال: مررت في طريق فوقعت عيني على امرأة ثم دخلت على عثمان فقال: ما لي أراكم تدخلون عليّ وآثار الزنا عليكم؟! فقلت: أوحي نزل بعد رسول الله ﷺ ؟ فقال: لا ولكن فراسة صادقة. وقيل: لما طعن بالسيف فأول قطرة سقطت من دمه سقطت على المصحف على قوله: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: ١٣٧] . ويروى أن جهجاها الغفاري انتزع العصا من يده وكسرها في ركبته فوقعت الآكلة في ركبته. وأما علي صلوات الله عليه فيروى أن واحدا من أصحابه سرق وكان عبدا أسود فأتي به إلى علي ﵇ فقال: أسرقت؟ قال: نعم. فقطع يده فانصرف من عند علي ﵁ فلقيه سلمان الفارسي وابن الكواء فقال ابن الكواء: من قطع يدك؟ قال: أمير المؤمنين ويعسوب المسلمين وختن الرسول وزوج البتول. فقال: قطع يدك وتمدحه. قال: ولم لا أمدحه وقد قطع يدي بحق وخلصني من النار. فسمع سلمان ذلك فأخبر به عليا ﵁ فدعا الأسود ووضع يده على ساعده وغطاه بمنديل ودعا بدعوات، فسمعنا صوتا من السماء ارفع الرداء عن اليد فرفعنا الرداء فإذا اليد كما كانت بإذن الله تعالى. وأما سائر الصحابة فعن محمد به المنذر أنه قال: ركبت البحر فانكسرت السفينة التي كنت فيها فركبت لوحا من ألواحها فطرحني اللوح في أجمة فيها أسد، فخرج إليّ أسد فقلت: يا أبا الحرث أنا مولى رسول الله ﷺ قال: فتقدم ودلني على الطريق ثم همهم فطننت أنه يودعني ورجع. وروى ثابت عن أنس أن أسيد بن حضير ورجلا آخر من الأنصار خرجا من عند رسول الله ﷺ حين ذهب من الليل قطع، وكانت ليلة مظلمة وفي يد كل واحد منهما عصاه فأضاءت عصا أحدهما حتى مشيا في ضوئها، فلما افترقا أضاءت لكل واحد منهما عصاه حتى مشى في ضوئها وبلغ منزله. وقيل لخالد بن الوليد إن في عسكرك من يشرب الخمر فركب فرسه ليلا فطاف في العسكر فرأى رجلا على فرس ومعه زق من خمر فقال: ما هذا؟ فقال: خل. فقال خالد: اللهم اجعله خلا. فذهب الرجل إلى أصحابه وقال: أتيتكم بخمر ما شربت العرب مثلها: فلما فتحوا فإذا هي خل. فقالوا: والله ما جئتنا إلا بخل. فقال: هذه والله دعوة خالد. ومن الوقائع المشهورة أن خالد بن الوليد أكل كفا من السم على اسم الله وما ضره. وعن ابن عمر أنه كان في بعض أسفاره فلقي جماعة على طريق خائفين من السبع فطرد السبع عن طريقهم

стр. 2338

ثم قال: إنما يسلط على ابن آدم ما يخافه ولو أنه لم يخف غير الله لما سلط عليه شيء. وروي أن النبي ﷺ بعث العلاء بن الحضرمي في غزاة فحال بينهم وبين المطلوب قطعة من البحر فدعا باسم الله الأعظم فمشوا على الماء. وفي كتب الصوفية من هذا الباب روايات كثيرة ولا سيما في كتاب تذكرة الأولياء ومن أرادها فليطالعها. وأما المعقول فهو أن الرب حبيب العبد وحبيب الرب لقوله يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤] فإذا بلغ العبد في طاعته مع عجزه إلى حيث يفعل كل ما أمره الله. فأي بعد في أن يفعل الرب مع غاية قدرته وسعة جوده مرة واحدة ما يريد العبد. وأيضا لو امتنع إظهار الكرامة فذلك إما لأجل أن الله تعالى ليس أهلا له فذلك قدح في قدرته، وإما لأن المؤمن ليس أهلا له وهو بعيد لأن معرفة الله والتوفيق على طاعته أشرف العطايا وأجزلها، وإذا لم يبخل الفياض بالأشرف فلأن لا يبخل بالأدون أولى ومن هنا قالت الحكماء: إن النفس إذا قويت بحسب قوتها العلمية والعملية تصرفت في أجسام العالم السفلي كما تتصرف في جسده. قلت: وذلك أن النفس نور ولا يزال يتزايد نوريته وإشراقه بالمواظبة على العلم والعمل وفيضان الأنوار الإلهية عليه حتى ينبسط ويقوى على إنارة غيره والتصرف فيه، والوصول إلى مثل هذا المقام هو المعني بقول علي بن أبي طالب صلوات الله عليه: والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ولكن بقوة ربانية. حجة المنكرين للكرامات أن ظهور الخوارق دليل على النبوة، فلو حصل لغير النبي لبطلت هذه الدلالة. وأجيب بالفرق بين المعجز والكرامة بأن المعجز مقرون بدعوى النبوة والكرامة مقرونة بدعوى الولاية. وأيضا النبي يدعي المعجزة ويقطع بها. والولي إذا ادعى الكرامة لا يقطع بها، وأيضا أنه يجب نفي المعارضة عن المعجزة ولا يجب نفيها عن الكرامة. جميع هذا عند من يجوّز للولي دعوى الولاية، وأما من لا يجوّز ذلك من حيث إن النبي مأمور بالإظهار لضرورة الدعوة والولي ليس كذلك ولكن إظهاره يوجب طلب الإشهار والفخر المنهي عنهما، فإنه يفرق بينهما بأن المعجز مسبوق بدعوى النبوة، والكرامة غير مسبوقة بشيء من الدعاوى قالوا: قال ﷺ حكاية عن الله سبحانه: «لن يتقرب إليّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم» «١» . لكن المتقرب إلى الله بأداء الفرائض لا يحصل له شيء من الكرامات، فالمتقرب إليه بأداء النوافل أولى بأن لا يحصل له ذلك. وأجيب بأن الكلام في المتقرب إليه بأداء الفرائض والنوافل جميعا. قالوا: قال تعالى: وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ [النحل: ٧]

стр. 2339

فالقول بطيّ الأرض للأولياء طعن في الآية وطعن في محمد ﷺ حين لم يصل من المدينة إلى مكة إلا في أيام. وأجيب بأن الآية وردت على ما هو المعهود المتعارف وكرامات الأولياء أحوال نادرة فتصير كالمستثناة من ذلك العموم، وإن محمدا ﷺ لم يكن قاصرا عن رتبة بعض الأولياء ولكنه لم يتفق له ذلك، أو لعله اتفق له في غير ذلك السفر قالوا: إذا ادعى الولي على إنسان درهما فإن لم يطالبه بالبينة كان تاركا لقوله: «البينة على المدعي» «١» . وإن طالبه كان عبثا لأن ظهور الكرامة عليه دليل قاطع على أنه لا يكذب ومع الدليل القاطع لا يجوز العمل بالظن. والجواب مثل ما مر من أن النادر لا يحكم به. قالوا: لو جاز ظهور الكرامة على بعض الأولياء لجاز على كلهم، وإذا كثرت الكرامات انقلب خرق العادة وفقا لها. وأجيب بأن المطيعين فيهم قلة لقوله تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: ١٣] والولي فيهم أعز من الكبريت الأحمر، واتفاق الكرامة للولي أيضا على سبيل الندرة فكيف يصير ما يظهر عليه معتادا؟! في الفرق بين الكرامات والاستدراج هو أن يعطيه الله كل ما يريده في الدنيا ليزداد غيه وضلاله وقد يسمى مكرا وكيدا وضلالا وإملاء، والفرق أن صاحب الكرامة لا يستأنس بها ولكنه يخاف سوء الخاتمة، وصاحب الاستدراج يسكن إلى ما أوتي ويشتغل به، وإنما كان الاستئناس بالكرامات قاطعا للطريق لأنه حينئذ اعتقد أنه مستحق لذلك وأن له حقا على الخالق فيعظم شأنه في عينه ويفتخر بها لا بالمكرم، ولا ريب أن الإعجاب مهلك ولهذا وقع إبليس فيما وقع، والعبد الصالح هو الذي يزداد تذلله وتواضعه بين يدي مولاه بازدياد آثار الكرامة والولاية عليه. قرأ المقرئ في مجلس الأستاذ أبى علي الدقاق إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: ١٠] فقال: علامة رفع العمل أن لا يبقى منه في نظرك شيء، فإن بقي فهو غير مرفوع. واختلف في أن الولي هل يعرف كونه وليا؟. قال الأستاذ أبو بكر بن فورك: لا يجوز لأن ذلك يوجب الأمن أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس: ٦٢] والأمن ينافي اعتقاد قهارية الله تعالى ويقتضي زوال العبودية الموجب لسخط الله. وكيف يأمن الولي وقد وصف الله عباده المخلصين بقوله: وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً [الأنبياء: ٩٠] وأيضا إن طاعة العباد ومعاصيهم لا تؤثر في محبة الحق وعداوته لأنها محدثة متناهية وصفاته قديمة غير متناهية، والمحدث المتناهي لا يغلب القديم غير المتناهي. فقد يكون

стр. 2340

العبد في عين المعصية ونصيبه في الأزل هو المحبة وقد يكون في عين الطاعة ونصيبه المبغضية، ولهذا لا يحصل الجزم بكيفية الخاتمة. قيل: من هنا قال سبحانه: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها [الأنعام: ١٦٠] ولم يقل من عمل حسنة. ومن كانت محبته لا لعلة امتنع أن يصير عدوّا لعلة المعصية وبالعكس، ومحبة الحق وعداوته من الأسرار التي لا يطلع عليها إلا الله أو من أطلعه عليها الله. وقال الأستاذ أبو علي الدقاق وتلميذه أبو القاسم القشيري: إن للولاية ركنين: أحدهما انقياد للشريعة في الظاهر، والثاني كونه في الباطن مستغرقا في نور الحقيقة. فإذا حصل هذان الأمران وعرف الإنسان ذلك عرف لا محالة كونه وليا، وعلامته أن يكون فرحه بطاعة الله واستئناسه بذكر الله. قلت: لا ريب أن مداخل الأغلاط في هذا الباب كثيرة، ودون الوصول إلى عالم الربوبية حجب وأستار من نيران وأنوار، فالجزم بالولاية خطر والقضاء بالمحبة عسر والله تعالى أعلم. قال المفسرون: إن اليهود حين قالت لقريش: سلوا محمدا عن مسائل ثلاثة عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين فسألوهن قال ﷺ : أجيبكم عنها غدا ولم يستثن فاحتبس الوحي عنه خمس عشرة ليلة. وقيل: أربعين يوما ثم نزل قوله: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً أي لأجل شيء تعزم عليه ليس فيه بيان أنه ماذا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ فقال العلماء: إنه لا يمكن أن يكون من تمام قوله إِنِّي فاعِلٌ إذ يصير المعنى إلا أن يشاء الله أن لا أفعله أي إلا أن تعرض مشيئة الله دون فعله وهذا ليس منهيا عنه. فالصواب أن يقال: إنه من تمام قوله: وَلا تَقُولَنَّ ثم إن قدر المراد إلا أن يشاء الله أن تقول إني فاعل ذلك غدا أي فيما يستقبل من الزمان ولم يرد الغد بعينه. وقوله: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ أن تقوله بأن يأذن لك في ذلك الإخبار كان معنى صحيحا، ولكنه لا يكون موافقا لسبب النزول. فالمعنى الموافق هو أن يكون قوله هذا في موضع الحال أي لا تقولنه إلا متلبسا بأن يشاء الله يعني قائلا إن شاء الله. وهذا نهي تأديب لنبيه ﷺ لأن الإنسان إذا قال سأفعل الفعل الفلاني غدا لم يبعد أن يموت قبل مجيء الغد أو يعوقه عن ذلك عائق، فلو لم يقل إن شاء الله صار كاذبا في هذا الوعد والكذب منهي وجوز في الكشاف أن يكون إِنْ شاءَ اللَّهُ في معنى كلمة تأبيد كأنه قيل: ولا تقولنه أبدا. قال أهل السنة: في صحة الاستثناء بل في وجوبه دلالة على أن إرادة الله تعالى غالبة وإرادة العبد مغلوبة ويؤكده أنه إذا قال المديون القادر على أداء الدين: والله لأقضين هذا الدين غدا ثم قال: إن شاء الله فإذا جاء الغد ولم يقض لم يحنث بالاتفاق، وما ذاك إلا لأن الله ما شاء ذلك الفعل مع أنه أمره بأداء الدين، وإنما لم يقع الطلاق في قول الرجل لامرأته: أنت

стр. 2341

طالق إن شاء الله، لأن مشيئة الله غير معلومة فيلزم الدور لتوقف العلم بالمشيئة على العلم بوقوع الطلاق وبالعكس. واستدل القائلون بأن المعدوم شيء بقوله: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ وذلك أن الشيء الذي سيفعله غدا معدوم مع أنه سماه شيئا في الحال. وأجيب بأنه مجاز كقوله: أَعْصِرُ خَمْراً [يوسف: ٣٦] وَاذْكُرْ رَبَّكَ أي مشيئة ربك إِذا نَسِيتَ كلمة الاستثناء. ثم تنبهت لها، وللعلماء في مدة النسيان إلى الذكر خلاف، فعن ابن عباس: يستثني ولو بعد سنة ما لم يحنث. وعن سعيد بن جبير: ولو بعد يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة وهو قول ابن عباس بعينه. وعن طاوس: هو استثناء ما دام في مجلسه. وعن عطاء: يستثني على مقدار حلب ناقة غزيرة. وعند عامة الفقهاء لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولا. قالوا: إن الآيات الكثيرة دلت على وجوب الوفاء بالعهد والعقد فإذا أتى بالعهد وجب عليه الوفاء بمقتضاه خالفنا هذا الدليل فيما إذا كان الاستثناء متصلا بناء على أن المستثنى منه مع الاستثناء وأداته كالكلام الواحد، فإذا كان منفصلا لم يمكن هذا التوجيه فوجب الرجوع إلى أصل الدليل. وقيل: أراد واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء، وفيه بعث على الاهتمام بها. وقيل: اذكر إذا اعتراك النسيان في بعض الأمور لتذكر المنسي، أو اذكره إذا تركت بعض ما أمرك به ليس لهذين القولين شديد ارتباط بما قيل، وكذا قوله من حمله على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها. واختلفوا في المشار إليه بقوله: لِأَقْرَبَ مِنْ هذا الظاهر عند صاحب الكشاف أن المراد إذا نسيت شيئا فاذكر ربك، وذكر ربك عند نسيانه أن تقول: عسى ربي أن يهديني لشيء آخر بدل هذا المنسي أقرب منه رَشَداً وأدنى خيرا ومنفعة. وقيل: إن ترك قوله «إن شاء الله» ليس بحسن وذكره أحسن. فقوله «هذا» إشارة إلى الترك وأقرب منه ذكر هذه الكلمة، وقيل: إنه إشارة إلى نبأ أصحاب الكهف ومعناه لعل الله يؤتيني من البينات والحجج على أني صادق ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشدا من نبئهم، وقد فعل ذلك حيث آتاه من قصص الأنبياء والأخبار بالمغيبات ما هو أعظم وأدل. عن قتادة: أن قوله سبحانه: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ حكاية لأهل الكتاب وقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا رد عليهم ويؤيده قراءة عبد الله وقالوا لبثوا والجمهور على أنه بيان لما أجمل في قوله: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً والمراد من قوله قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ أن لا تتجاوزوا الحق الذي أخبر الله به ولا تلتفتوا إلى ماسواه من اختلافات أهل الأديان نظيره قوله: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ بعد قوله: سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قال النحويون: سنين عطف بيان لثلثمائة لأن مميز مائة وأخواتها مجرور مفرد. وقيل: فيه تقديم وتأخير أي لبثوا سنين ثلاثمائة. ومن قرأ بالإضافة فعلى وضع الجميع

стр. 2342

موضع الجميع موضع الواحد في التمييز كما مر في قوله: وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً [الأعراف: ١٦٠] قوله: وَازْدَادُوا تِسْعاً أي تسع سنين لدلالة ما قبله عليه دون أن يقول «ولبثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين» . فعن الزجاج المراد ثلاثمائة بحساب السنين الشمسية وثلاثمائة وتسع بالسنين القمرية وهذا شيء تقريبي. وقيل: إنهم لما استكملوا ثلاثمائة سنة قرب أمرهم من الانتباه. ثم اتفق ما أوجب بقاءهم في النوم بعد ذلك تسع سنين، ثم أكد قوله: اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا بقوله: لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي ليس لغيره ما خفى فيهما من أحوالهما وأحوال سكانهما وهو مختص بذلك. ثم زاد في المبالغة فجاء بما دل على التعجب من إدراكه للمبصرات والمسموعات. والضمير في قوله: ما لَهُمْ لأهل السموات والأرض. وفيه بيان لكمال قدرته وأن الكل تحت قهره وتسخيره وأنه لا يتولى أمورهم غيره وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ وقضائه قبل أصحاب الكهف أَحَداً منهم. ومن قرأ لا نُشْرِكَ على النهي فهو معطوف على لا تَقُولَنَّ والمراد أنه لا يسأل أحدا عما أخبره الله به من نبأ أصحاب الكهف. واقتصر على بيانه. وقيل: الضمير في مالهم لأصحاب الكهف أي أنه هو الذي حفظهم في ذلك النوم الطويل وتولى أمرهم. وقيل: ليس للمختلفين في مدة لبثهم من دون الله من يتولى أمورهم فكيف يعلمون هذه الواقعة من دون إعلامه؟! وقيل: فيه نوع تهديد لأنهم لما ذكروا في هذا الباب أقوالا على خلاف قول الله فقد استوجبوا العقاب فبين الله تعالى أنه: لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ يمنع العقاب عنهم. واعلم أن الناس اختلفوا في زمان لبث أصحاب الكهف في مكانهم فقيل: كانوا قبل موسى ﵇ وأنه ذكرهم في التوراة فلهذا سألت اليهود ما سألوا. وقيل: دخلوا الكهف قبل المسيح وأخبروه بخبرهم ثم لبثوا في الوقت الذي بين عيسى ومحمد ﵉. وحكى القفال عن محمد بن إسحق أنهم دخلوا كهفهم بعد عيسى. وقيل: إنهم لم يموتوا ولا يموتون إلى يوم القيامة. وذكر أبو علي بن سينا في باب الزمان من كتاب الشفاء إن أرسطاطاليس الحكيم زعم أنه عرض لقوم من المتألهين حالة شبيهة بحالة أصحاب الكهف ثم قال أبو علي: ويدل التاريخ على أنهم كانوا قبل أصحاب الكهف. وأما المكان فحكى القفال عن محمد بن موسى الخوارزمي المنجم أن الواثق أنفذه إلى ملك الروم ليعرف أحوال أصحاب الكهف، فوجهه مع طائفة إلى ذلك الموضع قال: وإن الرجل الموكل بذلك المقام فزعني من الدخول عليهم، فدخلت فرأيت الشعور على صدورهم فعرفت أنه تمويه واحتيال وأن الناس كانوا قد عالجوا تلك الجثث بالأدوية المجففة الحافظة لأبدان الموتى عن البلى كالصبر وغيره. قلت: حين لم يملأ الخوارزمي

стр. 2343

رعبا من الاطلاع عليهم حصل القطع بأنهم ليسوا أصحاب الكهف والرقيم، ولو صح ما حكينا عن معاوية حين غزا الروم حصل ظن غالب بأنهم منهم والله تعالى أعلم. التأويل: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ والعبد الحقيقي من يكون حرا عن الكونين وهو محمد ﷺ إذ يقول: «أمتي أمتي» يوم يقول كل نبي «نفسي نفسي» ، ولأنه هو الذي صحح نسبة العبودية كما ينبغي أطلق عليه اسم العبد مطلقا وقيد لسائر الأنبياء كما قال: عَبْدَهُ زَكَرِيَّا [مريم: ٢] ، وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ [ص: ١٧] ، ولأنه كان خلقه القرآن قيل: وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ أي لقلبه عِوَجاً لا يستقيم فيه القرآن، ومن استقامة قلبه نال ليلة المعراج رتبة فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى [النجم: ١٠] بلا واسطة جبرائيل، ونال قلبه الاستقامة بأمر التكوين بقوله: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [هود: ١١٢] أَجْراً حَسَناً. هو التمتع من حسن الله وجماله. فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ كان من عادته ﵊ أن يبالغ في المأمور به حتى ينهى عنه، بالغ في الدعوة والشفقة على أمته حتى قيل له لا تبخع نفسك، وبالغ في الإنفاق إلى أن أعطى قميصه فقعد عريانا فنهى عنه بقوله: وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [الإسراء: ٢٩] إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً أي زينا الدنيا وشهواتها للخلق ملائما لطبائعهم وجعلناها محل ابتلاء للمحب وللسائل لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا في تركها ومخالفة هوى نفسه طلبا لله ومرضاته. ثم أخبر عن سعادة السادة الذين أعرضوا عن الدنيا وأقبلوا على المولى بقوله: أَمْ حَسِبْتَ ومعناه لا تعجب من حالهم فإن في أمتك من هو أعجب حالا منهم، ففيهم أصحاب الخلوات الذين كهفهم بيت الخلوة، ورقيمهم قلوبهم المرقومة برقم المحبة فإنهم أووا إلى الكهف خوفا من لقاء دقيانوس وفرارا منه، فهؤلاء أووا إلى الخلوة شوقا إلى لقائي وفرارا إليّ، وإنهم طلبوا النجاة من شر. والخروج من الغار بالسلامة بقولهم رَبَّنا آتِنا الآية. فهؤلاء طلبوا الخلاص من شر نفوسهم والخروج من ظلمات الغار المجازي للوصول إلى نور الوجود الحقيقي. فَضَرَبْنا على آذان باطنهم وحواسهم الأخر في مدة الخلوة لمحو النقوش الفاسدة عن ألواح نفوسهم وانتقاشها بالعلوم الدينية والأنوار الإلهية ليفنيهم الله عنهم ويبقيهم به وهو سر قوله: ثُمَّ بَعَثْناهُمْ أي أحييناهم بنا لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أصحاب الخلوة أم أصحاب السلوة. أَحْصى أي أكثر فائدة وأتم عائدة لأمد لبثهم في الدنيا التي هي مزرعة الآخرة وَزِدْناهُمْ هُدىً فإنهم كانوا يريدون الإيمان الغيبي فأنمناهم ثُمَّ بَعَثْناهُمْ حتى صار الإيمان إيقانا والغيب عيانا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً من الدنيا والهوى. وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ قال الشيخ المحقق نجم الدين

стр. 2344

المعروف: بداية هذا أخبار من أصناف ألطافه بأضيافه، وفيه إشارة إلى أن نور ولايتهم يغلب نور الشمس ويرده عن الكهف كما يغلب نور المؤمن نار جهنم لقول ﷺ : «إن المؤمن إذا ورد النار تستغيث النار وتقول: حزبا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي» وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ في متسع وفراغ من ذلك النور يدفع عنهم كل ضر ويراعيهم عن بلى أجسادهم وثيابهم. قلت: يحتمل أن يراد أن شمس الروح أو المعرفة والولاية إذا طلعت من أفق الهداية وأشرقت في سماء الواردات- وهو حالة السكر وغلبات الوجد- لا تنصرف في حال خلوتهم إلى أمر يتعلق بالعقبى وهو جانب اليمين وَإِذا غَرَبَتْ أي سكنت تلك الغلبات وظهرت حالة الصحو لا تلتفت همم أرواحهم إلى أمر يتعلق بالدنيا وهو جانب الشمال، بل تنحرف عن الجهتين إلى المولى وهم في حال دفاع وفراغ مما يشغلهم عن الله وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً متصرفين في أمور الدنيا وَهُمْ رُقُودٌ عنها لأنهم يتصرفون فيها لأجل الحق لا لحظ النفس، أو تحسبهم أيقاظا مشغولين بأمور الآخرة لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، وهم رقود متصرفون في أمور الدنيا لأن الناس بهم يرزقون ويمطرون. وفي قوله: وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ إشارة إلى أنهم في التسليم لمقلب القلوب في الأحوال كلها كالميت بين يدي الغسال. قيل: في الآية دلالة على أن المريد الذي يربيه الله بلا واسطة المشايخ تكامل أمره في ثلاثمائة وتسع سنين، والذي يربيه بواسطتهم تم أمره في أربعينات معدودة ولهذا تكون ثمرة البساتين الزهر وثمرة الجبال وفي قوله: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ إشارة أن أكلب نفوسهم نائمة معطلة عن الأعمال بها. ربيت القلوب والأرواح معنى أن هذا النوع من التربية من قبيل القدرة الإلهية التي اختصهم بها، ويمكن أن يراد أن نفوسهم صارت بحيث تطيعهم في جميع الأحوال وتحرسهم عما يضرهم وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً بما شاهدت عليهم من آثار الأنوار التي زدناهم، ولجلاليب الهيبة والعظمة التي ألبسناهم لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ لأن أيام الوصال قصيرة، فما رأوا أنهم في دهشة الوصال وحياة الأحوال قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ لأنه كان حاضرا معكم وأنتم غيب عنكم فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ من العجب أنهم ما احتاجوا مدة ثلاثمائة وتسع سنين بما نالوا من غذاء الروح كقوله ﷺ : «أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» «١» . فلما رجعوا من عند الله الحق إلى عبدية أنفسهم احتاجوا إلى الغذاء الجسماني أَزْكى طَعاماً لما رجعوا إلى العالم الجسماني، تعللوا من جمال الله بمشاهدة كل جميل وتوسلوا إلى تلك

стр. 2345

الملاطفات بلطافة الأغذية الجسمانية وزكائها. وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً فيه أن أرباب المعرفة والمحبة يجب أن يحترزوا عن شعور أهل الغفلة والسلوة لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ بإحياء القلوب الميتة حق قدره،، الأمر فيما أظهر وأبدى أو أسر وأخفى. سَيَقُولُونَ إن القوى والأركان الأصلية للإنسان ثَلاثَةٌ الحيوانية والطبيعية والنفسانية التي منشؤهن القلب والكبد والدماغ. رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ هو النفس الناطقة. وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ هو الحواس الظاهرة سادِسُهُمْ النفس وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ هو الحواس الظاهرة مع الوهم المدرك للمعاني والخيال المدرك للصور وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ هو النفس المدرك للكليات قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ لأن القوى الباطنة والظاهرة وأفاعيلها وغاياتها لا يعلمهن إلا الله سبحانه ومن أطلعه الله عليه وذلك قوله: ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ والله أعلم بالصواب. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٢٧ الى ٤٦] وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٧) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (٢٨) وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (٣٠) أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (٣١) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً (٣٣) وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً (٣٥) وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً (٣٦) قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (٣٧) لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (٣٨) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً (٣٩) فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً (٤١) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً (٤٣) هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً (٤٤) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً (٤٥) الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً (٤٦)

стр. 2346

القراآت: وَفَجَّرْنا بالتخفيف: سهل ويعقوب غير رويس لَهُ ثَمَرٌ وكذا بِثَمَرِهِ بفتح الثاء والميم: يزيد. وعاصم وسهل ويعقوب وأبو عامر: بضم الثاء وإسكان الميم. والباقون بضم الثاء والميم جميعا مِنْها على الوحدة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف. الآخرون على التثنية لكن بالتشديد من غير ألف في الحالين: قتيبة وابن عامر وابن فليح ويعقوب بالألف في الوصل. الباقون بغير الألف واتفقوا على الألف في الوقف بِرَبِّي أَحَداً مفتوحة الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. أن ترني بفتح الياء: السرانديبي عن قنبل غورا بضم الغين وكذلك في الْمُلْكُ البرجمي الباقون بفتحها. ولم يكن له بياء الغيبة الولاية بكسر الواو: حمزة وعلي وخلف. الآخرون بتاء التأنيث وفتح الواو لله الحق بالرفع: أبو عمرو وعلي. الآخرون بالجر عُقْباً بسكون القاف: عاصم وحمزة وخلف. الباقون بضمها الريح على التوحيد: حمزة وعلي وخلف. الوقوف: مِنْ كِتابِ رَبِّكَ ط لاختلاف الجملتين مُلْتَحَداً هـ عَنْهُمْ ج لأن ما بعده يصلح حالا واستفهاما محذوف الألف لدلالة حال العتاب. فُرُطاً هـ فَلْيَكْفُرْ لا لأن الأمر للتهديد بدليل إِنَّا أَعْتَدْنا فلو فصل صار مطلقا ناراً، لأن ما بعده صفة سُرادِقُها ط الْوُجُوهَ ط الشَّرابُ ط مُرْتَفَقاً هـ عَمَلًا ج هـ لاحتمال كون أُولئِكَ مع ما بعده خبر إِنَّ الَّذِينَ وقوله: إِنَّا لا نُضِيعُ جملة معترضة الْأَرائِكِ ط الثَّوابُ ط مُرْتَفَقاً هـ زَرْعاً هـ، ط شَيْئاً لا للعطف نَهَراً هـ ط ثَمَرٌ ج للعدول مع الفاء نَفَراً، ج لِنَفْسِهِ ج لاتحاد العامل بلا عطف أَبَداً هـ ط قائِمَةً لا لأن ما بعده شك من قول الكافر في البعث مُنْقَلَباً هـ رَجُلًا، هـ ط لتمام الاستفهام أَحَداً هـ ما شاءَ اللَّهُ لا لاتمام المقول إِلَّا بِاللَّهِ ج لابتداء الشرط المحذوف جوابه مع اتحاد القائل والمقول له وَوَلَداً هـ، ج لاحتمال كون ما بعده جوابا للشرط زَلَقاً هـ طَلَباً هـ أَحَداً هـ مُنْتَصِراً، ط وقيل: يوقف على هُنالِكَ والأوجه أن يبتدأ ب هُنالِكَ أي عند ذلك يظهر لكل شاك سلطان الله ونفاد أمره الْحَقِّ ط على القراءتين عُقْباً هـ الرِّياحُ ط

стр. 2347

مُقْتَدِراً هـ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا ج مفصلا بين المعجل الفاني والمؤجل الباقي مع اتفاق الجملتين أَمَلًا. التفسير: لما أجاب عن سؤالهم بما أجاب أمر نبيه ﷺ أن يواظب على تلاوة الكتاب الموحى إليه وعلى الصبر مع الفقراء الذين آمنوا بما أنزل عليه، واحتمل أن يكون اتْلُ أمرا من التلو لا من التلاوة أي اتبع ما أوحي إليك والزم العمل بمقتضاه وقوله: مِنْ كِتابِ رَبِّكَ بيان للذي أوحي إليه. ثم بين سبب اللزوم فقال: لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ أي لا يقدر أحد على تغييرها وإنما يقدر على ذلك هو وحده فليس لك ولا لغيرك إلا المواظبة على العلم والعمل به يؤكده قوله: وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً أي ملتجأ تعدل إليه إن هممت بذلك فرضا. وأصل اللحد الميل كما مر في قوله: يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ [الأعراف: ١٨] نهى رسول الله ﷺ في سورة الأنعام عن طرد فقراء المؤمنين بقوله: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ [الآية: ٥٢] الآية وأمره في هذه السورة بحبس النفس معهم وبمراقبة أحوالهم بقوله: وَلا تَعْدُ عَيْناكَ قال جار الله: إنما لم يقل ولا تعدهم عيناك من عداه إذا جاوزه لأنه ضمن عدا معنى نبا وفيه مبالغة من جهة تحصيل المعنيين جميعا كأنه قيل: ولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم. ثم نهاه عن الالتفات إلى الأغنياء الكفرة الذين التمسوا منه طرد الفقراء حتى يؤمنوا به فقال: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ قال أهل السنة: معنى الإغفال إيجاد الغفلة وخلقها فيهم، أو هو من أغفلها إذا تركها بغير سمة أي لم نسمه بالذكر ولم نجعله من الذين كتبنا في قلوبهم الإيمان، ويؤيد ويؤيد هذا المعنى أن الغفلة عن الذكر لو كانت بإيجاد العبد والقصد إلى إيجاد الغفلة عن الشيء لا يتصور إلا مع الشعور بذلك الشيء لزم اجتماع الضدين. وقالت المعتزلة: معنى أغفلناه وجدناه غافلا بالخذلان والتخلية بينه وبين الأسباب المؤدية إلى الغفلة يؤيده قوله: وَاتَّبَعَ هَواهُ بالواو دون الفاء إذ لو كان اتباع الهوى من نتيجة خلق الغفلة في القلب لقيل «فاتبع» بالفاء. ويمكن أن يجاب بأنه لا يلزم من كون الشيء في نفس الأمر نتيجة لشيء أن يعتبر كونه نتيجة له والفاء من لوازم الثاني دون الأول، على أن الملازمة بين الغفلة عن ذكر الله وبين متابعة الهوى غير كلية، فقد يكون الإنسان غافلا عن ذكر الله ومع ذلك لا يتبع هواه بل يبقى متوقفا متحيرا وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً أي متجاوزا عن حد الاعتدال من قولهم «فرس فرط» إذا كان متقدما للخيل، ويلزم منه أن يكون نابذا للحق وراء ظهره. وأنت إذا تأملت وجدت حال الأغنياء المتحيرين بخلاف الفقراء المؤمنين، لأن هؤلاء الفقراء يدعون ربهم بالغداة والعشى ابتغاء وجه الله وطلبا لمرضاته فأقبلوا على

стр. 2348

الحق وشغلوا عن الخلق، والأغنياء قد أعرضوا عن المولى وأقبلوا على الدنيا فوقعوا في ظلمة الهوى وبقوا في تيه الجهل والعمى. وإنما لم يجز طرد الفقراء لأجل إيمان الأغنياء لأن إيمان من ترك الإيمان احترازا من مجالسة الفقراء كلا إيمان فوجب أن لا يلتفت إليه. ثم بين أن الحق ما هو ومن أين هو قائلا وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ أي الدين الحق حصل ووجد من عند الله، ويحتمل أن يراد بالحق الصبر مع الفقراء. وقال في الكشاف: الحق خبر مبتدأ محذوف والمعنى جاء الحق وزاحت العلل فلم يبق إلا اختيار الإيمان أو الكفر، وفيه دليل على أن الإيمان والكفر والطاعة والمعصية كلها مفوّضة إلى مشيئة العبد واختياره. وحمله الأشاعرة على أمر التهديد وقالوا: إن الفعل الاختياري يمتنع حصوله بدون القصد إليه، ثم ذلك القصد لا بد أن يقع بالاختيار والقصد فنقل الكلام إليه ولا يتسلسل فلا بد أن ينتهي إلى قصد واختيار يخلقه الله فيه. فالإنسان مضطر في صورة مختار وفي صورة هذا التخيير دلالة على أنه سبحانه لا ينتفع بإيمان المؤمنين ولا يستضر بكفر الكافرين. ثم بين وعيد الظالمين الذين وضعوا الكفر موضع الإيمان وتحقير المؤمنين لأجل فقرهم مكان تعظيمهم لأجل إيمانهم فقال: إِنَّا أَعْتَدْنا أي أعددنا وهيأنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وهو الحجرة التي تكون حول الفسطاط فأثبت تعالى للنار شيئا شبيها بذلك يحيط بهم من جميع الجهات، والمراد أنه لا مخلص لهم منها ولا فرج. وقيل: هو حائط من نار يطبق بهم. وقيل: هو دخان محيط بالكفار قبل دخولهم النار وهو المراد بقوله انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ [المرسلات: ٣٠] وقوله: يُغاثُوا بِماءٍ وارد على سبيل التهكم كقولهم «عتابك السيف» . والمهل كل ما أذيب من المعدنيات كالذهب والفضة والنحاس قاله أبو عبيدة والأخفش. وقيل في حديث مرفوع إنه درديّ الزيت. وقيل: الصديد والقيح أو ضرب من القطران. وهذه الاستغاثة إما لطلب الشراب كقوله: تسقى في عين آنية [الغاشية: ٥] وإما لدفع الحر ولأجل التبريد كقوله حكاية عنهم أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ [الأعراف: ٥٠] ويروى أنهم إذا استغاثوا من حر جهنم صب عليهم القطران الذي يعم كل أبدانهم كالقميص، وقد يفسر بهذا قوله: سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ [إبراهيم: ٥٠] عن النبي ﷺ «هو- يعني المهل- كعكر الزيت إذا قرب إليه سقطت فروة وجهه» «١» وهذا معنى قوله: يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ ذلك لأن المقصود من الشراب إراحة الأحشاء وهذا يحرقها ويشويها وَساءَتْ

стр. 2349

أي النار مُرْتَفَقاً متكئا لأهلها ومنه المرفق لأنه يتكأ عليه. قال جار الله: هذا لمشاكلة قوله في أهل الجنة وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً وإلا فلا ارتفاق لأهل النار إلا أن يقال: معنى ارتفق أنه نصب مرفقه ودعم به خده كعادة المغتمين. وقال قائلون: إن الشياطين رفقاء أهل النار من الإنس والمعنى ساءت النار مجتمعا لأولئك الرفقاء. ثم شرع في وعد المؤمنين فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا الآية فإن جعلت إِنَّا لا نُضِيعُ اعتراضا فظاهر وإن جعلته خبرا وأُولئِكَ خبرا آخر أو كلاما مستأنفا للأجر أو بيانا لمبهم فمعنى العموم في مَنْ أَحْسَنَ يقوم مقام الرابط المحذوف والتقدير مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا منهم. وتفسير جنات عدن قد مر في سورتي «التوبة» و «الرعد» . ولأهل الجنة لباسان: لباس التحلي ولباس الستر. ولم يسم فاعل يُحَلَّوْنَ للتعظيم وهو الله جل وعلا، أو الملائكة بإذن. و «من» في مِنْ أَساوِرَ للابتداء وفي مِنْ ذَهَبٍ للتبيين. وتنكير أساور لإبهام أمرها في الحسن، وأساور أهل الجنة بعضها ذهب لهذه الآية، وبعضها فضة لقوله: وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ [الدهر: ٢١] وبعضها لؤلؤ لقوله في الحج وَلُؤْلُؤاً [الحج: ٢٣] وجمع في لباس الستر بين السندس- وهو مارق من الديباج- وبين الإستبرق- وهو الغليظ منه- جمعا بين النوعين والإستبرق عند بعضهم معرب استبره. قيل: إنما لم يسم فاعل يُحَلَّوْنَ إشارة إلى أن الحلي تفضل الله بها عليهم كرما وجودا ونسب اللبس إليهم تنبيها على أنهم استوجبوه بعملهم، ثم وصفهم بهيئة المتنعمين والملوك من الاتكاء على أسرتهم. والأرائك جمع أريكة وهو السرير المزين بالحجلة، أما السرير وحده فلا يسمى أريكة. ثم إن الكفار كانوا يفتخرون بخدمهم وحشمهم وأموالهم وأصناف تمتعاتهم على الفقراء المؤمنين فضرب الله مثلا للطائفتين تنبيها على أن متاع الدنيا لا يوجب الافتخار لاحتمال أن يصير الغني فقيرا والفقير غنيا إنما الفخر بالأعمال الصالحات. والمراد مثل حال الكافرين والمؤمنين بحال رجلين وكانا أخوين من بني إسرائيل أحدهما كافر- اسمه فطروس- والآخر مؤمن- اسمه يهوذا- وقيل: هما المذكوران في سورة «والصافات» في قوله: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ [الصافات: ٥١] ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فتشاطراهما، فاشترى الكافر أرضا بألف فقال المؤمن: اللهم إن أخي اشترى أرضا بألف دينار وأنا أشتري منك أرضا في الجنة بألف فتصدق به. ثم بنى أخوه دارا بألف فقال: اللهم إن أخي بنى دارا بألف وإني أشتري منك دارا في الجنة بألف فتصدق به. ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال: اللهم إني جعلت ألفا صداقا للحور. ثم اشترى أخوه خدما ومتاعا بألف فقال: اللهم إني اشتريت منك الولدان المخلدين بألف فتصدق به. ثم أصابته

стр. 2350

حاجة فجلس لأخيه على طريقه فمر به في به في حشمه فتعرض له فطرده وبخسه على التصدق بماله. وقيل: هما مثل لأخوين من بني مخزوم مؤمن وهو عبد الله بن الأشد زوج أم سلمة قبل رسول الله ﷺ ، وكافر وهو الأسود بن عبد الأشد. أما قوله: وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ فقال صاحب الكشاف: إنه يتعدى إلى المفعول الثاني بالباء ومعناه النخيل محيطا بالجنتين وهذا مما يؤثره الدهاقين في كرومهم أن يجعلوها مؤزرة بالأشجار ولا سيما المثمرة منها وخاصة النخيل إذا أمكن. وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً فهما جامعتان للأقوات والفواكه. وفيه أنهما مع سعة أطرافهما وتباعد أكنافهما لم يتوسطهما بقعة معطلة، وفيه أنهما أتاني كل وقت بمنفعة أخرى متواصلة متشابكة وكل منهما منعوتة بوفاء الثمار لتمام الأكل. وَآتَتْ محمول على لفظ كِلْتَا لأن لفظه مفرد. ولو قيل: «آتتا» على المعنى لجاز. والظلم أصله النقصان وهو المراد هاهنا. وَفَجَّرْنا من قرأ بالتخفيف فظاهر لأنه نهر واحد، ومن قرأ بالتشديد فللمبالغة لأن النهر ممتد في وسطهما فهو كالأنهار وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ قال الكسائي: الثمرة اسم الواحد والثمر جمع وجمعه ثمار ثم ثمر ككتاب وكتب بالحركة أو بالسكون. وذكر أهل اللغة أن الثمر بالضم أنواع الأموال من الذهب والفضة وغيرهما، والثمر بالفتح حمل الشجر. وقال قطرب: كان أو عمرو بن العلاء يقول: الثمر المال والولد أي كان يملك مع الجنتين أشياء من النقود وغيرها وكان متمكنا من عمارة الأرض ومن سائر التمتعات كيف شاء. والمحاورة مراجعة الكلام من حار إذا رجع. والنفر الأنصار والحشم الذين يقومون بالذب عنه. وقيل: الأولاد الذكور لأنهم ينفرون معه دون الأناث. ثم إن الكافر كأنه أخذ بيد المسلم يطوف به في الجنتين ويريه ما فيهما ويفاخره بما ملك من المال دونه وذلك قوله سبحانه وَدَخَلَ جَنَّتَهُ فقال جار الله: معنى أفراد الجنة بعد التثنية أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون، فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما. قلت: لا يبعد أن يكون قد دخل مع أخيه جنة واحدة منهما أو جعل مجموع الجنتين في حكم جنة واحدة منهما يؤيده توحيد الضمير على أكثر القراآت في قوله: لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها وإنما وصفه بقوله: وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ لأنه لما اغتر بتلك النعم ولم يجعلها وسيلة إلى الإيمان بالله والاعتراف بالبعث وسائر مقدورات الله كان واضعا للنعم في غير موضعها، على أن نعمة الجنة بخصوصها مما يجب أن يستدل بها على أحوال النشور كقوله عز من قائل: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج: ٥] عكس الكافر القضيتين زعم دوام جنته التي هي بصدد الزوال قائلا ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ أي تهلك هذِهِ الجنة
следующие страницы →