← Тафсир

Тафсир · id 23613

تفسير النيسابوري = غرائب القرآن ورغائب الفرقان

النيسابوري، نظام الدين القمي

Полный текст (3 743 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

القراآت: وَفَجَّرْنا بالتخفيف: سهل ويعقوب غير رويس لَهُ ثَمَرٌ وكذا بِثَمَرِهِ بفتح الثاء والميم: يزيد. وعاصم وسهل ويعقوب وأبو عامر: بضم الثاء وإسكان الميم. والباقون بضم الثاء والميم جميعا مِنْها على الوحدة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف. الآخرون على التثنية لكن بالتشديد من غير ألف في الحالين: قتيبة وابن عامر وابن فليح ويعقوب بالألف في الوصل. الباقون بغير الألف واتفقوا على الألف في الوقف بِرَبِّي أَحَداً مفتوحة الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. أن ترني بفتح الياء: السرانديبي عن قنبل غورا بضم الغين وكذلك في الْمُلْكُ البرجمي الباقون بفتحها. ولم يكن له بياء الغيبة الولاية بكسر الواو: حمزة وعلي وخلف. الآخرون بتاء التأنيث وفتح الواو لله الحق بالرفع: أبو عمرو وعلي. الآخرون بالجر عُقْباً بسكون القاف: عاصم وحمزة وخلف. الباقون بضمها الريح على التوحيد: حمزة وعلي وخلف. الوقوف: مِنْ كِتابِ رَبِّكَ ط لاختلاف الجملتين مُلْتَحَداً هـ عَنْهُمْ ج لأن ما بعده يصلح حالا واستفهاما محذوف الألف لدلالة حال العتاب. فُرُطاً هـ فَلْيَكْفُرْ لا لأن الأمر للتهديد بدليل إِنَّا أَعْتَدْنا فلو فصل صار مطلقا ناراً، لأن ما بعده صفة سُرادِقُها ط الْوُجُوهَ ط الشَّرابُ ط مُرْتَفَقاً هـ عَمَلًا ج هـ لاحتمال كون أُولئِكَ مع ما بعده خبر إِنَّ الَّذِينَ وقوله: إِنَّا لا نُضِيعُ جملة معترضة الْأَرائِكِ ط الثَّوابُ ط مُرْتَفَقاً هـ زَرْعاً هـ، ط شَيْئاً لا للعطف نَهَراً هـ ط ثَمَرٌ ج للعدول مع الفاء نَفَراً، ج لِنَفْسِهِ ج لاتحاد العامل بلا عطف أَبَداً هـ ط قائِمَةً لا لأن ما بعده شك من قول الكافر في البعث مُنْقَلَباً هـ رَجُلًا، هـ ط لتمام الاستفهام أَحَداً هـ ما شاءَ اللَّهُ لا لاتمام المقول إِلَّا بِاللَّهِ ج لابتداء الشرط المحذوف جوابه مع اتحاد القائل والمقول له وَوَلَداً هـ، ج لاحتمال كون ما بعده جوابا للشرط زَلَقاً هـ طَلَباً هـ أَحَداً هـ مُنْتَصِراً، ط وقيل: يوقف على هُنالِكَ والأوجه أن يبتدأ ب هُنالِكَ أي عند ذلك يظهر لكل شاك سلطان الله ونفاد أمره الْحَقِّ ط على القراءتين عُقْباً هـ الرِّياحُ ط

стр. 2347

مُقْتَدِراً هـ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا ج مفصلا بين المعجل الفاني والمؤجل الباقي مع اتفاق الجملتين أَمَلًا. التفسير: لما أجاب عن سؤالهم بما أجاب أمر نبيه ﷺ أن يواظب على تلاوة الكتاب الموحى إليه وعلى الصبر مع الفقراء الذين آمنوا بما أنزل عليه، واحتمل أن يكون اتْلُ أمرا من التلو لا من التلاوة أي اتبع ما أوحي إليك والزم العمل بمقتضاه وقوله: مِنْ كِتابِ رَبِّكَ بيان للذي أوحي إليه. ثم بين سبب اللزوم فقال: لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ أي لا يقدر أحد على تغييرها وإنما يقدر على ذلك هو وحده فليس لك ولا لغيرك إلا المواظبة على العلم والعمل به يؤكده قوله: وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً أي ملتجأ تعدل إليه إن هممت بذلك فرضا. وأصل اللحد الميل كما مر في قوله: يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ [الأعراف: ١٨] نهى رسول الله ﷺ في سورة الأنعام عن طرد فقراء المؤمنين بقوله: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ [الآية: ٥٢] الآية وأمره في هذه السورة بحبس النفس معهم وبمراقبة أحوالهم بقوله: وَلا تَعْدُ عَيْناكَ قال جار الله: إنما لم يقل ولا تعدهم عيناك من عداه إذا جاوزه لأنه ضمن عدا معنى نبا وفيه مبالغة من جهة تحصيل المعنيين جميعا كأنه قيل: ولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم. ثم نهاه عن الالتفات إلى الأغنياء الكفرة الذين التمسوا منه طرد الفقراء حتى يؤمنوا به فقال: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ قال أهل السنة: معنى الإغفال إيجاد الغفلة وخلقها فيهم، أو هو من أغفلها إذا تركها بغير سمة أي لم نسمه بالذكر ولم نجعله من الذين كتبنا في قلوبهم الإيمان، ويؤيد ويؤيد هذا المعنى أن الغفلة عن الذكر لو كانت بإيجاد العبد والقصد إلى إيجاد الغفلة عن الشيء لا يتصور إلا مع الشعور بذلك الشيء لزم اجتماع الضدين. وقالت المعتزلة: معنى أغفلناه وجدناه غافلا بالخذلان والتخلية بينه وبين الأسباب المؤدية إلى الغفلة يؤيده قوله: وَاتَّبَعَ هَواهُ بالواو دون الفاء إذ لو كان اتباع الهوى من نتيجة خلق الغفلة في القلب لقيل «فاتبع» بالفاء. ويمكن أن يجاب بأنه لا يلزم من كون الشيء في نفس الأمر نتيجة لشيء أن يعتبر كونه نتيجة له والفاء من لوازم الثاني دون الأول، على أن الملازمة بين الغفلة عن ذكر الله وبين متابعة الهوى غير كلية، فقد يكون الإنسان غافلا عن ذكر الله ومع ذلك لا يتبع هواه بل يبقى متوقفا متحيرا وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً أي متجاوزا عن حد الاعتدال من قولهم «فرس فرط» إذا كان متقدما للخيل، ويلزم منه أن يكون نابذا للحق وراء ظهره. وأنت إذا تأملت وجدت حال الأغنياء المتحيرين بخلاف الفقراء المؤمنين، لأن هؤلاء الفقراء يدعون ربهم بالغداة والعشى ابتغاء وجه الله وطلبا لمرضاته فأقبلوا على

стр. 2348

الحق وشغلوا عن الخلق، والأغنياء قد أعرضوا عن المولى وأقبلوا على الدنيا فوقعوا في ظلمة الهوى وبقوا في تيه الجهل والعمى. وإنما لم يجز طرد الفقراء لأجل إيمان الأغنياء لأن إيمان من ترك الإيمان احترازا من مجالسة الفقراء كلا إيمان فوجب أن لا يلتفت إليه. ثم بين أن الحق ما هو ومن أين هو قائلا وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ أي الدين الحق حصل ووجد من عند الله، ويحتمل أن يراد بالحق الصبر مع الفقراء. وقال في الكشاف: الحق خبر مبتدأ محذوف والمعنى جاء الحق وزاحت العلل فلم يبق إلا اختيار الإيمان أو الكفر، وفيه دليل على أن الإيمان والكفر والطاعة والمعصية كلها مفوّضة إلى مشيئة العبد واختياره. وحمله الأشاعرة على أمر التهديد وقالوا: إن الفعل الاختياري يمتنع حصوله بدون القصد إليه، ثم ذلك القصد لا بد أن يقع بالاختيار والقصد فنقل الكلام إليه ولا يتسلسل فلا بد أن ينتهي إلى قصد واختيار يخلقه الله فيه. فالإنسان مضطر في صورة مختار وفي صورة هذا التخيير دلالة على أنه سبحانه لا ينتفع بإيمان المؤمنين ولا يستضر بكفر الكافرين. ثم بين وعيد الظالمين الذين وضعوا الكفر موضع الإيمان وتحقير المؤمنين لأجل فقرهم مكان تعظيمهم لأجل إيمانهم فقال: إِنَّا أَعْتَدْنا أي أعددنا وهيأنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وهو الحجرة التي تكون حول الفسطاط فأثبت تعالى للنار شيئا شبيها بذلك يحيط بهم من جميع الجهات، والمراد أنه لا مخلص لهم منها ولا فرج. وقيل: هو حائط من نار يطبق بهم. وقيل: هو دخان محيط بالكفار قبل دخولهم النار وهو المراد بقوله انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ [المرسلات: ٣٠] وقوله: يُغاثُوا بِماءٍ وارد على سبيل التهكم كقولهم «عتابك السيف» . والمهل كل ما أذيب من المعدنيات كالذهب والفضة والنحاس قاله أبو عبيدة والأخفش. وقيل في حديث مرفوع إنه درديّ الزيت. وقيل: الصديد والقيح أو ضرب من القطران. وهذه الاستغاثة إما لطلب الشراب كقوله: تسقى في عين آنية [الغاشية: ٥] وإما لدفع الحر ولأجل التبريد كقوله حكاية عنهم أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ [الأعراف: ٥٠] ويروى أنهم إذا استغاثوا من حر جهنم صب عليهم القطران الذي يعم كل أبدانهم كالقميص، وقد يفسر بهذا قوله: سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ [إبراهيم: ٥٠] عن النبي ﷺ «هو- يعني المهل- كعكر الزيت إذا قرب إليه سقطت فروة وجهه» «١» وهذا معنى قوله: يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ ذلك لأن المقصود من الشراب إراحة الأحشاء وهذا يحرقها ويشويها وَساءَتْ

стр. 2349

أي النار مُرْتَفَقاً متكئا لأهلها ومنه المرفق لأنه يتكأ عليه. قال جار الله: هذا لمشاكلة قوله في أهل الجنة وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً وإلا فلا ارتفاق لأهل النار إلا أن يقال: معنى ارتفق أنه نصب مرفقه ودعم به خده كعادة المغتمين. وقال قائلون: إن الشياطين رفقاء أهل النار من الإنس والمعنى ساءت النار مجتمعا لأولئك الرفقاء. ثم شرع في وعد المؤمنين فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا الآية فإن جعلت إِنَّا لا نُضِيعُ اعتراضا فظاهر وإن جعلته خبرا وأُولئِكَ خبرا آخر أو كلاما مستأنفا للأجر أو بيانا لمبهم فمعنى العموم في مَنْ أَحْسَنَ يقوم مقام الرابط المحذوف والتقدير مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا منهم. وتفسير جنات عدن قد مر في سورتي «التوبة» و «الرعد» . ولأهل الجنة لباسان: لباس التحلي ولباس الستر. ولم يسم فاعل يُحَلَّوْنَ للتعظيم وهو الله جل وعلا، أو الملائكة بإذن. و «من» في مِنْ أَساوِرَ للابتداء وفي مِنْ ذَهَبٍ للتبيين. وتنكير أساور لإبهام أمرها في الحسن، وأساور أهل الجنة بعضها ذهب لهذه الآية، وبعضها فضة لقوله: وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ [الدهر: ٢١] وبعضها لؤلؤ لقوله في الحج وَلُؤْلُؤاً [الحج: ٢٣] وجمع في لباس الستر بين السندس- وهو مارق من الديباج- وبين الإستبرق- وهو الغليظ منه- جمعا بين النوعين والإستبرق عند بعضهم معرب استبره. قيل: إنما لم يسم فاعل يُحَلَّوْنَ إشارة إلى أن الحلي تفضل الله بها عليهم كرما وجودا ونسب اللبس إليهم تنبيها على أنهم استوجبوه بعملهم، ثم وصفهم بهيئة المتنعمين والملوك من الاتكاء على أسرتهم. والأرائك جمع أريكة وهو السرير المزين بالحجلة، أما السرير وحده فلا يسمى أريكة. ثم إن الكفار كانوا يفتخرون بخدمهم وحشمهم وأموالهم وأصناف تمتعاتهم على الفقراء المؤمنين فضرب الله مثلا للطائفتين تنبيها على أن متاع الدنيا لا يوجب الافتخار لاحتمال أن يصير الغني فقيرا والفقير غنيا إنما الفخر بالأعمال الصالحات. والمراد مثل حال الكافرين والمؤمنين بحال رجلين وكانا أخوين من بني إسرائيل أحدهما كافر- اسمه فطروس- والآخر مؤمن- اسمه يهوذا- وقيل: هما المذكوران في سورة «والصافات» في قوله: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ [الصافات: ٥١] ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فتشاطراهما، فاشترى الكافر أرضا بألف فقال المؤمن: اللهم إن أخي اشترى أرضا بألف دينار وأنا أشتري منك أرضا في الجنة بألف فتصدق به. ثم بنى أخوه دارا بألف فقال: اللهم إن أخي بنى دارا بألف وإني أشتري منك دارا في الجنة بألف فتصدق به. ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال: اللهم إني جعلت ألفا صداقا للحور. ثم اشترى أخوه خدما ومتاعا بألف فقال: اللهم إني اشتريت منك الولدان المخلدين بألف فتصدق به. ثم أصابته

стр. 2350

حاجة فجلس لأخيه على طريقه فمر به في به في حشمه فتعرض له فطرده وبخسه على التصدق بماله. وقيل: هما مثل لأخوين من بني مخزوم مؤمن وهو عبد الله بن الأشد زوج أم سلمة قبل رسول الله ﷺ ، وكافر وهو الأسود بن عبد الأشد. أما قوله: وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ فقال صاحب الكشاف: إنه يتعدى إلى المفعول الثاني بالباء ومعناه النخيل محيطا بالجنتين وهذا مما يؤثره الدهاقين في كرومهم أن يجعلوها مؤزرة بالأشجار ولا سيما المثمرة منها وخاصة النخيل إذا أمكن. وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً فهما جامعتان للأقوات والفواكه. وفيه أنهما مع سعة أطرافهما وتباعد أكنافهما لم يتوسطهما بقعة معطلة، وفيه أنهما أتاني كل وقت بمنفعة أخرى متواصلة متشابكة وكل منهما منعوتة بوفاء الثمار لتمام الأكل. وَآتَتْ محمول على لفظ كِلْتَا لأن لفظه مفرد. ولو قيل: «آتتا» على المعنى لجاز. والظلم أصله النقصان وهو المراد هاهنا. وَفَجَّرْنا من قرأ بالتخفيف فظاهر لأنه نهر واحد، ومن قرأ بالتشديد فللمبالغة لأن النهر ممتد في وسطهما فهو كالأنهار وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ قال الكسائي: الثمرة اسم الواحد والثمر جمع وجمعه ثمار ثم ثمر ككتاب وكتب بالحركة أو بالسكون. وذكر أهل اللغة أن الثمر بالضم أنواع الأموال من الذهب والفضة وغيرهما، والثمر بالفتح حمل الشجر. وقال قطرب: كان أو عمرو بن العلاء يقول: الثمر المال والولد أي كان يملك مع الجنتين أشياء من النقود وغيرها وكان متمكنا من عمارة الأرض ومن سائر التمتعات كيف شاء. والمحاورة مراجعة الكلام من حار إذا رجع. والنفر الأنصار والحشم الذين يقومون بالذب عنه. وقيل: الأولاد الذكور لأنهم ينفرون معه دون الأناث. ثم إن الكافر كأنه أخذ بيد المسلم يطوف به في الجنتين ويريه ما فيهما ويفاخره بما ملك من المال دونه وذلك قوله سبحانه وَدَخَلَ جَنَّتَهُ فقال جار الله: معنى أفراد الجنة بعد التثنية أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون، فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما. قلت: لا يبعد أن يكون قد دخل مع أخيه جنة واحدة منهما أو جعل مجموع الجنتين في حكم جنة واحدة منهما يؤيده توحيد الضمير على أكثر القراآت في قوله: لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها وإنما وصفه بقوله: وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ لأنه لما اغتر بتلك النعم ولم يجعلها وسيلة إلى الإيمان بالله والاعتراف بالبعث وسائر مقدورات الله كان واضعا للنعم في غير موضعها، على أن نعمة الجنة بخصوصها مما يجب أن يستدل بها على أحوال النشور كقوله عز من قائل: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج: ٥] عكس الكافر القضيتين زعم دوام جنته التي هي بصدد الزوال قائلا ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ أي تهلك هذِهِ الجنة

стр. 2351

أَبَداً وذلك لطول أمله واستيلاء الحرص عليه واغتراره بالمهلة حتى أنكر المحسوس وادعى غلبة الظن بامتناع النشور مع قيام الدلائل العقلية والحسية على إمكانه ووجود الدلائل الشرعية على وجوبه قائلا وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً ثم أقسم على أنه إن رد إلى ربه فرضا وتقديرا وكما يزعم صاحبه أن له ربا وأنه سيرد إليه وجد خيرا من جنته في الدنيا كأنه قاس الغائب على الشاهد أو ادعى أن النعم الدنيوية لن تكون استدراجية أصلا وإنما تكون استحقاقا وكرامة. مُنْقَلَباً نصب على التمييز أي مرجع تلك وعاقبتها لكونها باقية بزعمكم خير من هذه لكونها فانية حسا أو في اعتقادكم. قال بعض العلماء: الرد يتضمن كراهة المردود إليه فلهذا قال: وَلَئِنْ رُدِدْتُ أي عن جنتي هذه التي أظن أن لا تبيد أبدا إلى ربي، ولما لم يسبق مثل هذا المعنى في «حم» قال هناك: وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي [فصلت: ٥٠] ، قوله: أَكَفَرْتَ زعم الجمهور أن أخاه إنما حكم بكفره لأنه أنكر البعث. وأقول: يحتمل أن يكون كافرا بالله أيضا بل مشركا لقوله بعد ذلك: يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً ولقول أخيه معرضا به لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وليس في قوله: وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي دلالة على أنه كان عارفا بربه لاحتمال أن يكون قد قال ذلك بزعم صاحبه كما أشرنا إليه. وقوله: خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ أي خلق أصلك وهو إشارة إلى مادته البعيدة. وقوله: مِنْ نُطْفَةٍ إشارة إلى مادتة القريبة. ومعنى سَوَّاكَ رَجُلًا عدلك وكلك حال كونك إنسانا ذكرا بالغا مبلغ الرجال المكلفين ويجوز أن يكون رَجُلًا تمييزا. ولعل السر في تخصيص الله سبحانه في هذا المقام بهذا الوصف هو أن يكون دليلا على وجود الصانع أولا، لأن الاستدلال على هذا المطلوب بخلق الإنسان أقرب الاستدلالات، وفيه أيضا إشارة إلى إمكان البعث لأن الذي قدر على الإبداء أقدر على الإعادة، وفيه أنه خلقه فقيرا لا غنيا فعلم منه أنه خلقه للعبودية والإقرار لا للفخر والإنكار. ثم استدرك لقوله أَكَفَرْتَ كأنه قال لأخيه: أنت كافر بالله لكني مؤمن موحد. وأصل لكنا «لكن أنا» حذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على ما قبلها، ثم استثقل اجتماع النونين فسكنت الأولى وأدغمت في الثانية، وضمير الغائب للشأن، والجملة بعده خبر للشأن، والمجموع خبر «أنا» والراجع ياء الضمير وتقدير الكلام: لكن أنا الشأن الله ربي. قال أهل العربية: إثبات ألف «أنا» في الوصل ضعيف، ولكن قراءة ابن عامر قوية بناء على أن الألف كالعوض عن حذف الهمزة وَلَوْلا للتخفيض وفعله. قلت: وإِذْ دَخَلْتَ ظرف وقع في البين توسعا. وقوله: ما شاءَ اللَّهُ خبر مبتدأ محذوف أو جملة شرطية محذوفة الجزاء تقدير الكلام الأمر ما شاء الله أو أي شيء شاء الله كان. استدل أهل السنة بالآية في أنه لا يدخل في الوجود شيء إلا بأمر الله ومشيئته. وأجاب الكعبي

стр. 2352

بأن المراد ما شاء الله مما تولى فعله لا ما هو من فعل العباد. والجواب أن هذا التقدير مما يخرج الكلام عن الفائدة فإنه كقول القائل «السماء فوقنا» . وأجاب القفال بأنه أراد ما شاء الله من عمارة هذا البستان ويؤيده قوله لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ أي ما قويت به على عمارته وتدبير أمره فهو بمعونة الله، وزيف بأنه تخصيص للظاهر من غير دليل على أن عمارة ذلك البستان لعلها حصلت بالظلم والعدوان، فالتحقيق أنه لا قوة لأحد على أمر من الأمور إلا بإعانة الله وإقداره. عن عروة بن الزبير أنه كان يثلم حائطه أيام الرطب فيدخل من يشاء، وكان إذا دخله ردد هذه الآية حتى يخرج. ثم لما علمه الإيمان وتفويض الأمر إلى مشيئة الله أجابه عن افتخاره بالمال والنفر فقال: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ ف «أنا» فصل وأَقَلَّ مفعول ثان مالًا وَوَلَداً نصب على التمييز فعسى ربي أن يؤتيني في الدنيا أو في الآخرة جنة خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً هو مصدر كالغفران بمعنى الحساب أي مقدارا وقع في حساب الله وهو الحكم بتخريبها. وعن الزجاج: عذاب حسبان وهو حساب ما كسبت يداك. وقيل: هو جمع حسبانة وهو السهم القصير يعني الصواعق. فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً أرضا بيضاء يزلق عليها زلقا لملاستها. وزلقا وغورا كلاهما وصف بالمصدر كقولهم «فلان زور وصوم» . ثم أخبر سبحانه عن تحقيق ما قدره المؤمن فقال: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ وهو عبارة عن إهلاكه وإفنائه بالكلية من إحاطة العدوّ بالشخص كقوله: إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ [يوسف: ٦٦] ، فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ أي يندم عَلى ما أَنْفَقَ فِيها لأن النادم يفعل كذلك غالبا كما قد يعض أنامله. وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها أي سقطت عروشها على الأرض وسقطت فوقها الكروم وقد مر في البقرة في قصة عزير. وقوله: يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ تذكر لموعظة أخيه وفيه دلالة ظاهرة على ما قلنا من أنه كان غير عارف بالله بل كان عابد صنم، ومن ذهب إلى أنه جعل كافرا لإنكاره البعث فسره بأن الكافر لما اغتر بكثرة الأموال والأولاد فكأنه أثبت لله شريكا في إعطاء العز والغنى، أو أنه لما عجز الله عن البعث فقد جعله مساويا لخلقه في هذا الباب وهو نوع من الإشراك. وليس هذا الكلام منه ندما على الشرك ورغبة في التوحيد المحض ولكنه رغب في الإيمان رغبة في جنته وطمعا في دوام ذلك عليه، فلهذا لم يصر ندمه مقبولا ووصفه بعد ذلك بقوله: وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ طائفة يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ لأنه وحده قادر على نصرة العباد. وَما كانَ مُنْتَصِراً ممتنعا بقوته عن انتقام الله. ولما علم من قصة الرجلين أن النصرة والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر علم أن الأمر هكذا يكون في حق كل مؤمن وكافر فقيل هُنالِكَ أي في مثل ذلك الوقت والمقام والولاية الحق لله أو الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ

стр. 2353

والولاية بالفتح النصرة والتولي، وبالكسر السلطان والملك، أو المراد في مثل تلك الحالة الشديدة يتوب إلى الله ويلتجىء إليه كل مضطر يعني أن قول الكافر يا لَيْتَنِي إنما صدر عنه إلجاء واضطرارا وجزعا ومما دهاه من شؤم كفره ولولا ذلك لم يقلها. وقيل: هُنالِكَ إشارة إلى الآخرة كقوله لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ [غافر: ١٦] عُقْباً بضم القاف وسكونها بمعنى العاقبة لأن من عمل لوجه الله لم يخسر قط. ثم ضرب مثلا آخر لجبابرة قريش فقال وَاضْرِبْ لَهُمْ الآية. وقد مر مثله في أوائل «يونس» إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ ومعنى فَاخْتَلَطَ بِهِ التف بسببه. وقيل: معناه روى النبات ورف لاختلاط الماء به وذلك لأن الاختلاط يكون من الجانبين. والهشيم ما تهشم وتحطم، والذر والتطيير والإذهاب. تقول: ذرت الريح التراب وغيره تذروه وتذريه ذروا وذريا. وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً من تكوينه أوّلا وتنميته وسطا وإذهابه آخرا. ولا ريب أن أحوال الدنيا أيضا كذلك تظهر أولا في غاية الحسن والنضارة، ثم تتزايد إلى أن تتكامل، ثم تنتهي إلى الزوال والفناء، ومثل هذا ليس للعاقل أن يبتهج به. وحين مهد القاعدة الكلية خصصها بصورة جزئية فقال: الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ هي أعمال الخير التي تبقى ثمرتها خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً أي تعلق ثواب وخير أملا لأن الجواد المطلق أفضل مسؤول وأكرم مأمول. وقيل: هن الصلوات الخمس. وقيل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. ففي التسبيح تنزيه له عن كل ما لا ينبغي، وفي الحمد إقرار له بكونه مبدأ لإفادة كل ما ينبغي، وفي التهليل اعتراف بأنه لا شيء في الإمكان متصفا بالوصفين إلا هو، وفي التكبير إذعان لغاية عظمته وأنه أجلّ من أن يعظم. وقيل: الطيب من القول. والأصح كل عمل أريد به وجه الله وحده قال قتادة. التأويل: وَاتْلُ على نفسك وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ كتبه رَبِّكَ في الأزل لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ إلى الأبد مع الدين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ وهم القلب والسر والروح والخفي في غداة الأزل إلى عشي الأبد فإنهم مجبولون على طاعة الله كما أن النفس جبلت على طاعة الهوى وطلب الدنيا. وَلا تَعْدُ عينا همتك عَنْهُمْ فإنك إن لم تراقب أحوالهم تصرف فيهم النفس الأمارة وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا يعني النفس نارا هي نار القهر والغضب أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها يعني سرادق العزة بِماءٍ كَالْمُهْلِ كل ما هو لأهل اللطف أسباب لسهولة العيش وفراغ البال فإنه سبحانه جعل لأهل القهر سببا لصعوبة الأمر وشدة التعلق حتى شوت الوجوه أي أحرقت مواد التفاتهم إلى عالم الأرواح، وفسدت استعداداتهم

стр. 2354

فبقوا في أسفل سافلين الطبيعة يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ والتحلية بالأساور إشارة إلى ظهور آثار الملكات عليهم وقوله: مِنْ ذَهَبٍ رمز إلى أنها ملكات مستحسنة معتدلة راسخة يَلْبَسُونَ ثِياباً فيه أن أنوار العبادات تلوح عليهم وتشتمل بهم. وقوله: خُضْراً إشارة إلى أنها أنوار غير قاهرة ومِنْ سُنْدُسٍ إشارة إلى ما لطف من الرياضات وَإِسْتَبْرَقٍ إلى ما شق منها مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لأنهم فرغوا بها وكلفوا وقضوا ما عليهم من المجاهدات وبقي ما لهم من المشاهدات مَثَلًا رَجُلَيْنِ هما النفس الكافرة والقلب المؤمن. جَعَلْنا لِأَحَدِهِما وهو النفس جَنَّتَيْنِ هما الهوى والدنيا مِنْ أَعْنابٍ الشهوات وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ حب الرياسة وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً من التمتعات البهيمية وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً من القوى البشرية والحواس. وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ من أنواع الشهوات وَهُوَ يُحاوِرُهُ يجاذب النفس والقلب أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا أي ميلا وَأَعَزُّ نَفَراً من أوصاف المذمومات وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ في الاستمتاع بجنة الدنيا على وفق الهوى لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها لأنه غر بالله وكرمه فلا جرم يقال له ما غرك بربك الكريم، هلا قلت ما شاءَ اللَّهُ أي أتصرف في جنة الدنيا كما شاء الله عَلى ما أَنْفَقَ فِيها من العمر وحسن الاستعداد كَماءٍ أَنْزَلْناهُ هو الروح العلوي الذي نزل إلى أرض الجسد فَاخْتَلَطَ الروح بالأخلاق الذميمة فَأَصْبَحَ هَشِيماً تلاشت منه نداوة الأخلاق الروحانية تَذْرُوهُ رياح الأهوية المختلفة فيكون حاله خلاف روح أدركته العناية الأزلية فبعث إليه دهقان من أهل الكمال فرباه بماء العلم والعمل حتى يصير شجرة طيبة. وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ أي ما فني منك وبقي بربك والله أعلم بالصواب. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٤٧ الى ٥٩] وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً (٤٧) وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (٤٩) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً (٥٠) ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (٥١) وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً (٥٣) وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً (٥٤) وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً (٥٥) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً (٥٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً (٥٨) وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً (٥٩)

стр. 2355

القراآت: تسير الجبال على بناء الفعل للمفعول ورفع الجبال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو. الآخرون على بناء الفعل للفاعل ونصب الجبال. ما أشهدناهم يزيد. الآخرون ما أشهدتهم وما كنت على الخطاب روى ابن وردان عن يزيد. الباقون على التكلم ويوم نقول بالنون: حمزة الباقون على الغيبة قُبُلًا بضمتين: عاصم وحمزة والكسائي. الباقون بكسر القاف وفتح الباء. لِمَهْلِكِهِمْ بفتح الميم وكسر اللام: حفص لِمَهْلِكِهِمْ بفتحهما، يحيى وحما والمفضل. الباقون بضم الميم وفتح اللام. الوقوف: بارِزَةً لا لأن التقدير وقد حشرناهم قبل ذلك أَحَداً هـ ج للآية مع العطف فًّا ط للعدول والحذف أي يقال لهم لقد جئتموناوَّلَ مَرَّةٍ ز لأن «بل» قد يبتدأ به مع أن الكلام متحدوْعِداً هـ أَحْصاها ج لاستئناف الواو بعد تمام الاستفهام مع احتمال الحال بإضمار «قد» حاضِراً هـ ط أَحَداً هـ إِلَّا إِبْلِيسَ ط أَمْرِ رَبِّهِ ط عَدُوٌّ ط بَدَلًا هـ أَنْفُسِهِمْ ص عَضُداً هـ مَوْبِقاً هـ مَصْرِفاً هـ مَثَلٍ ط جَدَلًا هـ قُبُلًا هـ وَمُنْذِرِينَ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف هُزُواً هـ يَداهُ ط وَقْراً، ط لاختلاف الجملتين مع ابتداء الشرط أَبَداً هـ الرَّحْمَةِ ط الْعَذابَ ط مَوْئِلًا هـ مَوْعِداً. التفسير: لما بين خساسة الدنيا وشرف الآخرة أردفه بأحوال يوم القيامة وأهواله، وفيه رد على أغنياء المشركين الذين افتخروا بكثرة الأموال والأولاد على فقراء المسلمين والتقدير: واذكر يوم كذا عطفا على وأضرب. ويجوز أن ينتصب بالقول المضمر قبل وَلَقَدْ جِئْتُمُونا وفاعل التسيير هو الله تعالى إلا أنه سمي على إحدى القراءتين ولم يسم في الأخرى، فتسييرها إما إلى العدم لقوله: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً [طه: ١٠٥] ، وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا، فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا [الواقعة: ٥، ٦] . وإما إلى

стр. 2356

موضع لا يعلمه إلا الله وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً لأنه لا يبقى على وجهها شيء يسترها من العمارات ولا من الجبال والأشجار، وإما لأنها أبرزت ما في بطنها من الأموات لقوله: وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ [الانشقاق: ٤] فيكون الإسناد مجازيا أي بارزا ما في جوفها وَحَشَرْناهُمْ الضمير للخلائق المعلوم حكما فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً من الأوّلين والآخرين. يقال: غادره وأغدره إذا تركه والترك غير لائق ومنه الغدر ترك الوفاء. والغدير ما غادره السيل لأن اللائق بحال السيل أن يذهب بالماء كله. ولا يخفى أن اللائق بحال رب العزة أن لا يترك أحدا من خلقه غير محشور وإلا كان قدحا في عمله وحكمته وقدرته. قالت المشبهة: في قوله: عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ دليل على أنه سبحانه في مكان يمكن أن يعرض عليه أهل القيامة وكذلك في قوله: قَدْ جِئْتُمُونا وأجيب بأنه تعالى شبه وقوفهم في الموضع الذي يسألهم فيه عن أعمالهم بالعرض عليه وبالمجيء إلى حكمه كما يعرض الجند على السلطان. وانتصب فًّا على الحال أي مصطفين ظاهرين ترى جماعاتهم كما يرى كل واحد لا يحجب أحد أحدا. والصف إما واحد وإما جمع كقوله يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [غافر: ٦٧] أي أطفالا. وقيل: صفا أي قياما وبه فسر قوله: فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ [الحج: ٣٦] . وقال القفال: يشبه أن يكون الصف راجعا إلى الظهور والبروز ومنه الصفصف للصحراء وهذا قريب من الأول. وقد مر في «الأنعام» أن وجه التشبيه في قوله لَقْناكُمْ أنهم يبعثون عراة لا شيء معهم، أو المراد بعثناكم كما أنشأناكم وزعمهم أن لن يجعل الله لهم موعدا. أي وقتا لإنجاز ما وعدوا على ألسنة الأنبياء إما أن يكون حقيقة وإما لأن أفعالهم تشبه فعل من يزعم ذلك. وَوُضِعَ الْكِتابُ أي جنسه وهو صحف الأعمال. والوضع إما حسي وهو أن يوضع كتاب كل إنسان في يده إما في اليمين أو في الشمال، وإما عقلي ومعناه النشر والاعتبار. فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ خائفين مما في الكتاب لأن الخائن خائف خوف العقاب وخوف الافتضاح. ومعنى النداء في يا وَيْلَتَنا قد مر في «المائدة» في يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ [الآية: ٣١] وقوله: صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً صفتان للهيئة أو المعصية أو الفعلة وهي عبارة عن الإحاطة وضبط كل ما صدر عنهم، لأن الأشياء إما صغار وإما كبار، فإذا حصر الصنفين فقد حصر الكل. وعن الفضيل: ضجوا والله من الصغائر قبل الكبائر. قلت: وذلك أن تلك الصغائر هي التي جرأتهم على الكبائر. وعن ابن عباس: الصغيرة التبسم والكبيرة القهقهة. وعن سعيد بن جبير: الصغيرة المسيس والكبيرة الزنا. وجوّز في الكشاف أن يريد ما كان عندهم صغائر وكبائر. وتمام البحث في المسألة أسلفناه في أوائل سورة النساء في تفسير قوله: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ [النساء: ٣١] فتذكر وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً في

стр. 2357

الصحف مثبتا فيها أو وجدوا أجزاء ما عملوا ظاهرا على صفحات أحوالهم وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً استدل الجبائي به على بطلان مذهب الأشاعرة في أن الأطفال يجوز أن تعذب بذنوب آبائهم فإن ذلك ظلم. والجواب أن الظلم إنما يتصوّر في حق من تصرف في غير ملكه قالوا: لو ثبت أن له بحكم المالكية أن يفعل ما يشاء من غير اعتراض عليه لم يكن لهذا الإخبار فائدة. وأجيب بأن تلك القضية بعد الدلائل العقلية علمت من مثل هذه الآية. عن رسول الله ﷺ : «يحاسب الناس في القيامة على ثلاثة: يوسف وأيوب وسليمان يدعو المملوك فيقول له: ما شغلك عني؟ فيقول جعلتني عبد الآدمي فلم تفرغني فيدعو يوسف فيقول: كان هذا عبدا مثلك ثم يمنعه ذلك أن عبدني فيؤمر به إلى النار. ثم يدعى بالمبتلى فإذا قال: أشغلتني بالبلاء دعا بأيوب فيقول: قد ابتليت هذا بأشد من بلائك فلم يمنعه ذلك عن عبادتي ويؤمر به إلى النار، ثم يؤتى بالملك في الدنيا مع آتاه الله من الغنى والسعة فيقول: ماذا عملت فيما آتيتك فيقول: شغلني الملك عن ذلك فيدعى بسليمان فيقول: هذا عبدي سليمان آتيته أكثر مما آتيتك فلم يشغله ذلك عن عبادتي اذهب فلا عذر لك فيؤمر به إلى النار» ثم إنه سبحانه عاد على أرباب الخيلاء من قريش فذكر قصة آدم واستكبار إبليس عليه. قال جار الله: قوله: كانَ مِنَ الْجِنِّ كلام مستأنف جار مجرى التعليل بعد استثناء إبليس من الساجدين كأن قائلا قال: ما له لم يسجد فقيل: كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ والفاء للتسبيب أي كونه من الجن سبب في فسقه ولو كان ملكا لم يفسق لثبوت عصمة الملائكة. وقال آخرون: اشتقاق الجن من الاستتار عن العيون فيشمل الملائكة والنوع المسمى بالجن. ثم من لم يوجب عصمة الملك فظاهر، ومن أوجب قال: «كان» بمعنى «صار» أي مسخ عن حقيقة الملائكة إلى حقيقة الجن، وقد سلف هذا البحث بتمامه في أول سورة البقرة. ومعنى فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ خرج عن طاعته. وحكى الزجاج عن الخليل وسيبويه أنه لما أمر فعصى كان سبب فسقه هو ذلك الأمر ولولا ذلك الأمر الشاق لما حصل ذلك الفسق فلهذا حسن أن يقال: فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ. وقال قطرب: هو على حذف المضاف أي فسق عن ترك أمره. ثم عجب من حال من أطاع إبليس في الكفر. والمعاصي وخالف أمر الله فقال: أَفَتَتَّخِذُونَهُ كأنه قيل أعقيب ما وجد منه من إلا باء والفسق تتخذونه وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وتستبدلونهم بي وقصة آدم وإبليس سمعها قريش من أهل الكتاب وعرفوا صحتها فلذلك صح الاحتجاج بها عليهم وإن لم يعتقدوا كون محمد ﷺ نبيا بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا أي بئس البدل من الله. إبليس لمن استبدل به فأطاعه بدل طاعته. قال الجبائي: في الآية دلالة على أنه لا يريد الكفر ولا يخلقه في العبد وإلا لم يصح هذا الذم

стр. 2358

والتوبيخ، وعورض بالعلم والداعي كما مر مرارا. قال أهل التحقيق: إن الداعي لكفار قريش إلى ترك دين محمد ﷺ هو النخوة والعجب والترفع والتكبر، وهذا شأن إبليس ومن تابعه. فكل من كان غرضه من العلم أو العمل الفخر على الأقران والترفع على أبناء الزمان فإنه مقتد بإبليس وذريته وهذا مقام صعب نسأل الله الخلاص منه. ثم دل على فساد عقيدة أهل الشرك وبطلان طريقتهم بقوله: ما أَشْهَدْتُهُمْ فالأكثرون على أن الضمير للشركاء والمراد أنهم لو كانوا شركاء لي في خلق السموات والأرض وفي خلق أنفسهم يعني لو كان بعضهم شاهدين خلق بعض مشاركين لي فيه كقوله: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ لأمكن أن يكونوا شركاء لي في العبادة لكن الملزوم المساوي منتف فاللازم مثله يؤيد هذا التفسير قوله: وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ أي متخذهم عَضُداً أعوانا فوضع المضلين موضع الضمير نعيا عليهم بالإضلال. وقيل: الضمير للمشركين الذي التمسوا طرد فقراء المؤمنين، والمراد أنهم ما كانوا شركائي في تدبير العالم بدليل أني ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما اعتضدت بهم في تدبير الدنيا والآخرة، بل هم قوم كسائر الخلق نظيره أن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له: لست سلطان البلد ولا مدبر المملكة حتى تقبل منك كل اقتراحاتك. وقيل: أراد أن هؤلاء الظالمين جاهلون بما جرى به القلم في الأزل من أحوال السعادة وضدّها لأنهم لم يكونوا شاهدين خلق العالم، فكيف يمكنهم أن يحكموا بحسن حالهم عند الله وبشرفهم ورفعتهم عند الخلق وبأضداد هذه الأحوال للفقراء. ومن قرأ وَما كُنْتُ بفتح التاء فالخطاب للرسول ﷺ والمعنى وما صح لك الاعتضاد بهم وما ينبغي لك أن تغترّ بهم. ثم عاد إلى تهويلهم بأحوال يوم القيامة وأضاف الشركاء إلى نفسه على معتقدهم توبيخا لهم وفحوى الكلام: اذكر يا محمد أحوالهم وأحوال آلهتهم يوم القيامة إذ يَقُولُ الله لهم نادُوا أي ادعوا من زعمتم أنهم شُرَكائِيَ فأهلتموهم للعبادة. قال المفسرون: أراد الجن فَدَعَوْهُمْ لم يذكر في هذه الآية أنهم كيف دعوا تلك الشركاء ولعل المراد بما في الآية الأخرى إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا [إبراهيم: ٢١] فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ ولم يدفعوا عنهم ضررا وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً. عن الحسن مَوْبِقاً عداوة والمعنى عداوة هي في شدتها الهلاك كقولهم «لا يكن حبك كلفا ولا بغضك تلفا» . وقال الفراء: البين الوصل والمراد جعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكا يوم القيامة. وفي الكشاف: الموبق المهلك وهو مصدر كالمورد أي جعلنا بينهم واديا من أودية جهنم مشتركا هو مكان الهلاك والعذاب الشديد يهلكون فيه جميعا. وجوز أن يريد بالشركاء

стр. 2359

الملائكة وعزيرا وعيسى ومريم، وبالموبق البرزخ أي وجعلنا بينهم أمدا بعيدا يهلك فيه السائرون لفرط بعده لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان. قوله: فَظَنُّوا قيل: علموا وأيقنوا: والأقرب أن الكفار يرون النار من مكان بعيد فيغلب على ظنونهم أنهم مخالطوها واقعون فيها في تلك الساعة من غير تأخير ولا مهلة لشدة ما يسمعون من تغيظها نظيره إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً [الفرقان: ١٢] وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً أي معدلا إلى غيرها لأن الملائكة يسوقونهم إليها آخر الأمر. ولما ذكر أن الكفرة افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم ومتصرفاتهم وأجاب عن شبههم وأقوالهم الفاسدة وضرب الأمثال النافعة وحكى أهوال الآخرة قال: وَلَقَدْ صَرَّفْنا وقد مر تفسيره في السورة المتقدمة. وحين لم يترك الكفار جدالهم وكانوا أبدا يتعللون بالأعذار الواهية ختم الآية بقوله: وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا يعني أن الأشياء التي يتأتى منها الجدل ان فصلتها واحدا بعد واحد فإن الإنسان أكثرها خصومة فقوله: أَكْثَرَ شَيْءٍ كقوله أَوَّلَ مَرَّةٍ وقد مر في «الأنعام» . وكثرة جدل الإنسان لسعة مضطربه فيما بين أوج الملكية إلى حضيض البهيمية، فليس له في جانبي التصاعد والتسافل مقام معلوم. قال أهل البرهان: قوله تعالى في سورة «بني إسرائيل» : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى [الاسراء: ٩٤] وقال في هذه السورة بزيادة وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ لأن المعنى هناك ما منعهم عن الإيمان بمحمد ﷺ إلا قولهم: «أبعث الله بشرا رسولا، هلا بعث ملكا» وجهلوا أن التجانس يورث التوانس. ومعناه في هذا الموضع ما منعهم من الإيمان والاستغفار إلا الإتيان بسنة الأوّلين وانتظار ذلك. وعن الزجاج: إلا طلب سنتهم وهو قولهم «إن كان هذا هو الحق» وزاد في هذه السورة وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ لأن قوم نوح أمروا بالاستغفار اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً [نوح: ١٠] وكذا قوم هود وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ [هود: ٥٢] وقوم صالح فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ [هود: ٦٢] وقو شعيب وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ [هود: ٩٠] فلما خوفهم سنة الأوّلين أجرى المخاطبين مجراهم. والحاصل أنهم لا يقدمون على الإيمان والاستغفار إلا عند نزول عذاب الاستئصال أو عند تواصل أصناف البلاء عيانا. ومن قرأ بضمتين أراد أنواعا جمع قبيل. قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أنه لا مانع من الإيمان أصلا. وقالت الأشاعرة: العلم بأنه لا يؤمن والداعي الذي يخلقه الله في الكافر يمنعانه، فالمراد فقدان الموانع المحسوسة. ثم بين أنه إنما أرسل الرسل مبشرين بالثواب على الطاعة ومنذرين بالعقاب على المعصية لكي يؤمنوا طوعا وبين أن مع

стр. 2360

هذه الأحوال يُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا ويزيلوا ويبطلوا بِهِ الْحَقَّ من إدحاض القدم وهو إزلاقها وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا أي الذي أنذروا من العقاب أو إنذارهم هُزُواً موضع استهزاء. قال جار الله: جدالهم قولهم للرسل ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا [يس: ١٥] وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً [المؤمنون: ٢٤] وما أشبه ذلك. قال أهل العرفان: قوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ أي بالقرآن بدليل قوله: أَنْ يَفْقَهُوهُ وبتذكير الضمير. فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ من الكفر والمعاصي فلم يتفكروا في عاقبتها ولم يتدبروا في جزائها متمسك القدرية. وإنما قال في السجدة ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها [الآية: ٢٢] لأن ما في هذه السورة في الكفار الأحياء الذين إيمانهم متوقع بعد، أي ذكروا فأعرضوا عقب ذلك. وما في السجدة في الكفار الأموات بدليل قوله: وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ [السجدة: ١٢] أي ذكروا مرة بعد أخرى وزمانا بعد زمان ثم أعرضوا عنها بالموت فلم يؤمنوا وانقطع رجاء إيمانهم. وقوله إِنَّا جَعَلْنا وقد مر تفسيره في «الأنعام» إلى قوله: فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً متمسك الجبرية وقلما تجد في القرآن دليلا لأحد الفريقين إلا ومعه دليل للفريق الآخر فهذا شبه ابتلاء من الله، ولعله أراد بذلك إظهار مغفرته ورحمته على عباده كما قال: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ قال المفسرون الضمير في قوله: لَوْ يُؤاخِذُهُمْ لأهل مكة الذين أفرطوا في عداوة رسول الله ﷺ . والموعد يوم بدر. وأقول: لا يبعد أن يكون الضمير للناس في قوله: وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ والموعد القيامة، والموئل الملجأ يقال وأل إذا نجا، ووأل إليه إذا لجأ إليه. قال الإمام فخر الدين الرازي: إنا ذكر لفظ المبالغة في المغفرة دون الرحمة لأن المغفرة ترك الإضرار، والرحمة إيصال النفع، وقدرة الله تعالى تتعلق بالأول، لأن ترك أضرار لا نهاية لها ممكن ولا تتعلق بالثاني لأن فعل ما لا نهاية له محال. أقول: هذا فرق دقيق لو ساعده النقل على أن قوله ذو الرحمة أيضا لا يخلو عن مبالغة، وكثيرا ما ورد في القرآن إنه غفور رحيم بلفظ المبالغة في الجانبين. وفي تعلق القدرة بترك غير المتناهي أيضا نظر، لأن مقدورات الله متناهية لا فرق في ذلك بين المبقي والمتروك. ثم أشار إلى قرى الأولين اعتبارا لغيرهم فقال: وَتِلْكَ الْقُرى فاسم الإشارة مبتدأ وفيه تعظيم لشأنهم أو تبعيد لزمانهم ومكانهم، والقرى صفة وما بعده خبره ولا يخفى حذف المضاف أي وتلك أصحاب القرى أَهْلَكْناهُمْ ويجوز أن يكون تِلْكَ الْقُرى منصوبا بإضمار أهلكنا على شريطة التفسير. وَجَعَلْنا لزمان إهلاكهم أو لإهلاكهم أو وقت هلاكهم مَوْعِداً وعدا أو وقت وعد لا يتأخرون عنه كما ضربنا

стр. 2361

لأهل مكة يوم بدر، والمراد أنا عجلنا هلاكهم ومع ذلك لم ندع أن نضرب له وقتا يمكنهم التوبة قبل ذلك. التأويل: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وهي الأبدان الجامدة عن السلوك، وترى أرض النفوس بارزة خالية عن موانع الطريق، وحشرنا جميع القوى البشرية عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لكل قوة ولكل جوهر رتبة تليق بها، فالروح في صف الأرواح، والقلب في صف القلوب، وكذا النفس وقواها. وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ على هيئة الفطرة، وقيل الأنبياء في صف، والأولياء في صف، والمؤمنون في صف، والكافرون والمنافقون في الصف الأخير لا يُغادِرُ صَغِيرَةً هي كل تصرف في شيء بالشهوة النفسانية وإن كان من المباحات. وَلا كَبِيرَةً هي التصرف في الدنيا على حبها فحب الدنيا رأس كل خطيئة ما أَشْهَدْتُهُمْ لأني لا أشهد إلا أوليائي كما قلت سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [الكهف: ٥٣] وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ رأوا في الدنيا أسباب النار من الشهوات والآثام فوقعوا فيها ولم يجدوا ما يصرفهم عنها من الديانة والإيمان الحقيقي، فإذا رأوا النار في الآخرة أيقنوا أنهم مواقعوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا فتارة مجادل في التوحيد وأخرى في النبوة ومرة في الأصول ومرة في الفروع، ولهذا كثرت المذاهب والأديان والملل والنحل ونسأل الصواب من ملهمه وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ أسباب الهداية وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إن كانوا مذنبين إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ من الأنبياء والأولياء والمؤمنين وهو جذبات العناية لأهل الهداية كقوله في حضرة النبي ﷺ «والله لولا الله ما اهتدينا» أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا كقوله: «أنا نبي السيف أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» «١» . والله أعلم. (م) . تم الجزء الخامس عشر، ويليه الجزء السادس عشر أوله: وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ ...

стр. 2362

بسم الله الرحمن الرحيم الجزء السادس عشر من أجزاء القرآن الكريم [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٦٠ الى ٨٢] وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (٦٠) فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً (٦١) فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً (٦٢) قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (٦٣) قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً (٦٤) فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً (٦٥) قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (٦٦) قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (٦٨) قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً (٦٩) قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (٧٠) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (٧١) قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٢) قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (٧٣) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (٧٤) قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٥) قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً (٧٦) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (٧٧) قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٧٨) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (٧٩) وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً (٨٠) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (٨١) وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٨٢) القراآت: أنسانيه بضم الهاء حفص والمفضل، وقرأ عليّ بالإمالة مع كسر الهاء: نبغي بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب، وأفق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو

стр. 2363

وعلي في الوصل. الباقون بحذف الياء في الحالين اتباعا لخط المصحف. رشدا بفتحتين: أبو عمرو ويعقوب. بضمتين: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان. الباقون رُشْداً بضم الراء وسكون الشين. معني بفتح الياء: حفص سَتَجِدُنِي إِنْ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع فَلا تَسْئَلْنِي بنون التأكيد الثقيلة وإثبات الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر: بحذف الياء: ابن مجاهد عن ابن ذكوان والأحسن إثباتها لأنه شاذ عن أهل الشام. الآخرون بنون الوقاية وحذف الياء. ليغرق أهلها بياء الغيبة وفتحها مع فتح الراء ورفع الأهل: حمزة وعلي وخلف. الباقون بتاء الخطاب مضمومة وكسر الراء من الإغراق وبنصب الأهل زاكية على «فاعله» : أبو جعفر ونافع وأبو بكر وحماد والمفضل. يُضَيِّفُوهُما من الإضافة: المفضل لتخذت من التخذ مدغما: أبو عمرو وسهل ويعقوب، وقرأ ابن كثير بالإظهار. الباقون: لَاتَّخَذْتَ من الاتخاذ. وقرأ حفص والمفضل والأعشى والبرجمي مظهرا يُبْدِلَهُما من التبديل وكذلك في سورة التحريم ونون والقلم: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو. الآخرون من الإبدال رُحْماً بضمتين: ابن عامر ويزيد وعباس وسهل ويعقوب. الباقون بسكون الحاء. الوقوف: حُقُباً هـ سَرَباً هـ غَداءَنا ز لا نقطاع النظم مع صدق اتصال المعنى نَصَباً هـ الْحُوتَ ز لتمام استفهام التعجب مع اتحاد الكلام وكون الواو حالا أَنْ أَذْكُرَهُ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال في البحر وقفة. قيل: عليه تم كلام يوشع ثم ابتدأ موسى فقال عجبا أي أعجب لذلك عجبا والوصل أجوز أي سبيلا عجبا واتخاذا عَجَباً هـ نَبْغِ قف قد قيل: لتمام قول أحدهما وابتداء فعلهما والوجه الوصل لعطف اللفظ وسرعة الرجوع على الفور قَصَصاً هـ لا لاتصال النظم واتحاد الحال عِلْماً هـ رُشْداً هـ صَبْراً هـ خُبْراً هـ أَمْراً هـ ذِكْراً هـ فَانْطَلَقا وقفة لأن حتى إذا للابتداء حرقها ط أَهْلَها ج لانقطاع النظم واتحاد القائل إِمْراً هـ صَبْراً هـ عُسْراً هـ فَانْطَلَقا وقفة لما مر فَقَتَلَهُ لا لأن «قال» جواب «إذا» لغير نفس ط للفصل بين الاستخبار والإخبار نُكْراً هـ صَبْراً هـ فَلا تُصاحِبْنِي ج لاختلاف الجملتين عُذْراً هـ فَانْطَلَقا وقفة فَأَقامَهُ ط أَجْراً هـ وَبَيْنِكَ ج صَبْراً هـ غَصْباً هـ وَكُفْراً، ج للعطف مع الآية رُحْماً هـ صالِحاً ج لما قلنا مِنْ رَبِّكَ ج عَنْ أَمْرِي ط صَبْراً، لانقطاع القصة.

стр. 2364

التفسير: هذه قصة أوردها الله تعالى لتعين على المقاصد السابقة مع كونها مستقلة في الإفادة، أما نفعها في قصة أصحاب الكهف فهو أن اليهود قالوا: إن أخبركم محمد عنها فهو نبي وإلا فلا، فذكر الله تعالى قصة موسى والخضر تنبيها على أن النبي لا يلزم أن يكون عالما بجميع القصص والأخبار. وأما نفعها في الرد على كفار قريش حين افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة الأموال والأنصار، فهو أن موسى ﵇ مع كثرة علمه وعلو منصبه واستجمام موجبات الشرف التام في حقه ذهب إلى الخضر وتواضع له لأجل طلب العلم فدل ذلك على أن التواضع خير من التكبر. وأكثر العلماء على أن موسى المذكور في الآية هو موسى بن عمران صاحب التوراة والمعجزات. وعن سعيد بن جبير أنه قال لابن عباس: إن نوفا ابن امرأة كعب يزعم أن الخضر ليس بصاحب موسى بن عمران وإنما هو صاحب موسى بن ميشا بن يعقوب وهو قد كان نبيا قبل موسى بن عمران. فقال ابن عباس: كذب عدو الله. واحتج الأكثرون على صحة قولهم بأن موسى حيث أطلق في القرآن أريد به موسى بن عمران، فلو كان المراد هاهنا شخصا آخر لوجب تعريفه بحيث يتميز عن المشهور. حجة الأقلين- وإليه ذهب جمهور اليهود- أن موسى بن عمران بعد أن خصه الله تعالى بالمعجزات الظاهرة التي لم يتفق لمن قبله مثلها، يبعد أن يؤمر بالتعلم والاستفادة. وأجيب بأن العالم الكامل في أكثر العلوم قد يجهل بعض المسائل فيحتاج في تعلمها إلى من يختص بعلمها. أما فتى موسى فالأكثر على أنه يوشع بن نون، ويروى هذا القول عن سعد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ . وقيل: هو أخو يوشع وكان مصاحبا لموسى في السفر. وعن الحسن: إنه أراد عبده ويؤيده ما روي أنه ﷺ قال: «ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ولا يقل عبدي وأمتي» . قال أهل السير: إن موسى لما ظهر على مصر مع بني إسرائيل واستقروا بها بعد هلاك القبط، أمره الله أن يذكر قومه النعمة فقام فيهم خطيبا فذكر نعمة الله فقال: إنه اصطفى نبيكم وكلمه فقالوا له: قد علمنا هذا فأيّ الناس أعلم؟ قال: أنا. فعتب الله حين لم يردّ العلم إلى الله، فأوحى الله إليه بل أعلم منك عبد لي بمجمع البحرين وهو الخضر، وكان الخضر ﵇ في أيام أفريدون قبل موسى ﵇ وكان على مقدمة ذي القرنين الأكبر. وبقي إلى أيام موسى. ويروى أن موسى سأل ربه أيّ عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني. قال: فأيّ عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال: فأي عبادك أعلم؟ الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدله على الهوى أو تردّه عن ردى. فقال: إن كان في عبادك من هو أعلم منى فادللني عليه. قال: أعلم منك الخضر. قال: فأين أطلبه؟ قال: على الساحل عند الصخرة. قال: يا رب كيف لي به؟ قال: تأخذ

стр. 2365

حوتا في مكتل فحيث فقدته فهو هناك. فقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرني، فذهبا يمشيان فرقد موسى ﵇ فاضطرب الحوت ووقع في البحر، فلما جاء وقت الغداء طلب موسى الحوت فأخبره فتاه بوقوعه في البحر فأتيا الصخرة فإذا رجل مسجى بثوبه فسلم عليه موسى ﵇ فقال: وأنى بأرضنا السلام فعرفه نفسه فقال: يا موسى أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا. فلما ركبا السفينة جاء عصفور فوقع في حرفها فنقر في الماء فقال الخضر: ما ينقص علمي وعلمك من علم الله مقدار ما أخذ هذا العصفور من البحر. قلت: وهذا صحيح لأن علم الإنسان متناه وعلم الله غير متناه، ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي أصلا. ولنرجع إلى التفسير قال الزجاج وتبعه جار الله: لا أَبْرَحُ بمعنى لا أزال، وقد حذف الخبر لدلالة حال السفر عليه ولأن قوله: حَتَّى أَبْلُغَ غاية مضروبة فلا بد لها من ذي غاية. فالمعنى لا أزال أسير إلى أن أبلغ، وجوز أن يكون المعنى لا أبرح سيري حتى أبلغ على أن حَتَّى أَبْلُغَ هو الخبر، وحذف المضاف وهو السير وأقيم المضاف إليه- وهو ياء المتكلم- مقامه فانقلب الفعل من لفظ الغائب إلى لفظ المتكلم وجوز أيضا أن يكون لا أبرح، بمعنى لا أزول من برح المكان، والمعنى لا أبرح ما أنا عليه أي لا أترك المسير والطلب حتى أبلغ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ يعني ملتقى بحري فارس والروم وقد شرحنا وضع البحار في سورة البقرة في تفسير قوله: الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ [الآية: ١٦٤] . وقيل: أراد طنجة، وقيل إفريقية. ومن غرائب التفسير أن البحرين موسى والخضر لأنهما بحر العلم، وهذا مع غرابته مستبشع جدا لأن البحرين إذا كان هو موسى ﵇ فكيف يصح أن يقول: حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ إذ يؤل حاصل المعنى إلى قولنا حتى أبلغ مكانا يجتمع فيه بحران من العلم أحدهما أنا أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً أسير زمانا طويلا. قال جار الله: الحقب بالضم ثمانون سنة. ويقال: أكثر من ذلك. وقيل: إنه تعالى أعلم موسى حال هذا العالم وما أعلمه بعينه فقال موسى: لا أزال أمضي حتى يجتمع البحران فيصيرا بحرا واحدا أو أمضي دهرا طويلا حتى أجد هذا العالم، وهذا إخبار من موسى ﵇ بأنه وطن تحمل التعب الشديد إلى أن يلقاه، وفيه تنبيه على شرف العلم وأن طلب العلم يحق له أن يسافر، ويتحمل المتاعب في الطلب من غير ملال وكلال. فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما قال جمهور المفسرين: الضمير للبحرين أي تحقق ما موسى وبلغ المكان الذي وعد فيه لقاء الخضر. ولا بد للبين من فائدة، ولعل المراد حيث يكاد يلتقي وسط ما امتد من البحرين طولا. والإضافة بمعنى «في» أي مجمعا في وسط البحرين فيكون كالتفصيل لمجمع البحرين، والبيان والإيضاح بكلام علام الغيوب تعالى

стр. 2366

أولى منه بكلام موسى، أو البين بمعنى الافتراق أي البحران المفترقان يجتمعان هناك. ويحتمل على هذا أن يعود الضمير إلى موسى والخضر أي وصلا إلى الموضع الذي وعد اجتماع شملهما هناك، أو البين بمعنى الوصل لأنه من الأضداد فيفيد مزيد التأكيد كقولهم «جد جده» . وهذه الوجوه مما لم أجدها في التفاسير، فإن كان صوابا فمن الله وإلا فمني ومن الشيطان نَسِيا حُوتَهُما لأنه تعالى جعل انقلاب الحوت حيا علامة على مسكن الخضر قيل: إن الفتى كان يغسل السمكة لأنها كانت مملوحة فطفرت وسارت. وقيل: إن يوشع توضأ في ذلك المكان فانتضح الماء على الحوت المالح فعاش ووثب إلى الماء. وقيل: انفجرت هناك عين من الجنة ووصلت قطرات من تلك العين إلى السمكة فحييت وطفرت إلى البحر. ونسيان الحوت للذهول عن الاستدلال بهذه الحالة المخصوصة على الوصول إلى المطلوب، والسبب في هذا الذهول مع أن هذه الحالة كانت أمارة لهما على الطلبة التي تناهضا من أجلها، هو أن يوشع كان قد تعود مشاهدة المعجزات الباهرة فلم يبق لحياة السمكة ولقيام الماء وانتصابه مثل الطاق ونفوذها في مثل السرب منه وقع عنده. وقيل: إن موسى ﵇ لما استعظم علم نفسه أزال الله عن قلب صاحبه هذا العلم الذي يشبه الضروري تنبيها لموسى ﵇، على أن العلم لا يحصل إلا بتعليم الله وحفظه على قلوب عباده. وانتصاب قوله: سَرَباً على أنه مفعول ثان لاتخذ أي اتخذ سبيله سبيلا سريا وهو بيت في الأرض، وذلك أن الله تعالى أمسك إجراء الماء عن الحوت وجعله كالكوة حتى سرى الحوت فيه معجزة لموسى ﵇ وللخضر. وقيل: السرب هو الذهاب والتقدير سرب في البحر سربا إلا أنه أقيم قوله: وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ مقام «سرب» فَلَمَّا جاوَزا أي موسى وفتاه الموعد المعين وهو الصخرة قال موسى لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا وهو ما يؤكل بالغداة لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً تعبا وجوعا. قال المفسرون: قوله مِنْ سَفَرِنا هذا إشارة إلى سيرهما وراء الصخرة ولم ينصب ولا جاع قبل ذلك. قال الفتى متعجبا أَرَأَيْتَ ومفعوله محذوف لدلالة قوله: فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ عليه كأنه قال: أرأيت ما دهاني ووقع لي. إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ قيل: هي الصخرة التي دون نهر الزيت فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ عليها ثم ذكر ما يجري مجرى السبب في وقوع ذلك النسيان فقال: وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ وأَنْ أَذْكُرَهُ بدل الاشتمال من الهاء في أَنْسانِيهُ أي وما أنساني ذكره قال الكعبي: لو كان النسيان بخلق الله وإرادته لكان إسناد ذلك إلى الله تعالى أولى من إسناده إلى الشيطان إذ ليس له في وجوده سعي ولا أثر. قال القاضي: المراد بإنساء الشيطان أن يشتغل قلب الإنسان بوساوسه التي هي من فعله دون النسيان الذي يضاد الذكر، لأن ذلك لا يصلح أن يكون

стр. 2367

إلا من قبل الله تعالى. قال أهل البرهان: لما كان اتخاذ الحوت سبيله في البحر عقيب النسيان ذكر أوّلا فاتخذ بالفاء، ولما حيل بينهما ثانيا بجملة معترضة هي قوله: وَما أَنْسانِيهُ زال معنى التعقيب وبقي العطف المجرد فقال: وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ بالواو. وانتصاب عَجَباً كما مر في سَرَباً. قال ﷺ : «كان للحوت سربا ولموسى وفتاه عجبا» قالَ موسى ذلِكَ يعني اتخاذ الحوت السبيل في البحر ما كنا نبغي أي إنه الذي كنا نطلبه لأنه أمارة الظفر بالمطلوب فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما فرجعا على طريقهما المسلوك قَصَصاً مصدر لأنه بمعنى الارتداد على الأثر يتبعان آثارهما اتباعا، أو هو مصدر في موضع الحال أي رجعا على الطريق الذي جاءا منه مقتصين فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا الأكثرون على أن ذلك العبد كان نبيا لأنه تعالى وصفه بقوله: آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا والرحمة هي الوحي والنبوّة بدليل قوله: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [الزخرف: ٣٢] وقوله: وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [القصص: ٨٦] ومنع أن كل رحمة نبوة قالوا: وصفه بقوله: وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً والعلم المختص به تعالى هو الوحي والإخبار بالغيوب. وأيضا آخر القصة وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي أي عرفته وفعلته بأمر الله وذلك مستلزم للوحي. وروي أن موسى ﵇ لما وصل إليه قال: السلام عليك. فقال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل. فقال: من عرّفك هذا؟ قال: الذي بعثك إلي. والصوفية سموا العلوم الحاصلة بطريق المكاشفات العلوم اللدنية. والتحقيق فيه إذ ضعفت القوى الحسية والخيالية بواسطة الرياضة قويت القوة العقلية وأشرقت الأنوار الإلهية على جواهر العقل، ويفيض عليه من عالم الأرواح أنوار يستعد بسببها لملاحظة أسرار الملكوت ومطالعة عالم اللاهوت. والأكثرون أيضا على أن ذلك العبد هو الخضر سمي بذلك لأنه كان لا يقف موقفا إلا اخضر ذلك الموقف. وقال الجبائي: روي أن الخضر إنما بعث بعد موسى ﵇ من بني إسرائيل. فإن صحت الرواية لم يكن ذلك العبد هو الخضر لأنه بعث بعده، وبتقدير كونه معاصرا له فإنه أظهر الترفع على موسى حين قال: وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً وأن موسى أظهر التواضع له حين قال وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً مع أنه كان مبعوثا إلى كافة بني إسرائيل، والأمة لا تكون أعلى حالا من النبي. وإن لم تكن الرواية صحيحة بأن الخضر لا يكون من بني إسرائيل لم يجز أن يكون الخضر أفضل من موسى ﵇ لأنه تعالى قال لبني إسرائيل وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ [البقرة: ٤٧] وأجيب بأنه يجوز أن يكون غير النبي فوق النبي في علوم لا تتوقف نبوته عليها.

стр. 2368

قال العلماء: إن موسى راعى مع الخضر في قوله: هَلْ أَتَّبِعُكَ أنواعا من الأدب منها: أنه جعل نفسه تبعا له مطلقا، وفيه أن المتعلم يجب عليه الخدمة وتسليم النفس والإتيان بمثل أفعال الأستاذ وأقواله على جهة التبعية لا الاستقلال، فإن المتابعة هي الإتيان بمثل فعل الغير لأجل كونه فعلا لذلك الغير، ولهذا لسنا متبعين لليهود في قولنا «لا إله إلا الله» لأنا نقول كلمة التوحيد لأجل أنهم قالوها بل لقيام الدليل على قولها، ولكنا متابعون في الصلوات الخمس للنبي ﷺ لأنا نأتي بها لأجل أنه أتى بها. ومنها أنه استأذن في إثبات هذه التبعية. ومنها أنه قال: على أن تعلمني مما علمت وفيه إقرار على أستاذه بالعلم، وفيه أنه لم يطلب منه إلا بعض علمه ولم يطلب منه أن يجعله مساويا له في العلم كما يطلب الفقير من الغني أن يدفع إليه جزءا من أجزاء ماله لأكله، وفيه اعتراف بأن ذلك العلم علمه الله تعالى وإلا سمي فاعله، وفيه إشعار بأن إنعامه عليه في هذا التعليم شبيه بإنعام الله عليه فيه ومن هنا قيل: أنا عبد من علمني حرفا. ومنها أن الخضر عرف أنه نبي صاحب المعجزات المشهورة، ثم إنه مع هذه المناصب العلية والمراتب السنية لم يطلب منه المال والجاه وإنما طلب التعليم فقال: على أن تعلمني فدل ذلك على أنه لا كمال فوق كمال العلم، وأنه لا يحسن صرف الهمة إلا إلى تحصيله. وفيه أن كل من كانت إحاطته بالعلوم أكثر كان علمه بما فيها من البهجة والسعادة أكثر، فكان حرصه على زيادتها أوفر. ومنها أنه قال رُشْداً وهو يصلح أن يكون مفعولا ك تعلمني وعُلِّمْتَ أي علما ذا رشد أرشد به في ديني، وفيه تعظيم لما سيعلمه فإن الإرشاد هو الأمر الذي لو لم يحصل حصل الضلال. ثم إنه تعالى حكى عن الخضر أنه قال: لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً نفى استطاعة الصبر معه على وجه التأكيد لعلمه بأنه يتولى أمورا هي في الظاهر منكرة، والرجل الصالح لا سيما النبي الذي يحكم بظواهر الأمور شرعا قلما يتمالك أن يصبر عليها. وخُبْراً تمييز أي لم يحط به خبرك، أو هو مصدر لكونه في معنى الإحاطة. استدلت الأشاعرة بالآية على أن الاستطاعة لا تحصل فيه الفعل وإلا لكانت الاستطاعة على الصبر حاصلة قبل الصبر، فيكون قول الخضر بنفي الاستطاعة كذبا. وكذا قوله: وَكَيْفَ تَصْبِرُ لأنه استفهام في معنى الإنكار أي لا تصبر البتة. أجاب الجبائي بأنه أراد بنفي الاستطاعة أن يثقل عليه الصبر لا أنه لا يستطيعه. يقال في العرف: إن فلانا لا يستطيع أن يرى فلانا وأن يجالسه إذا كان يثقل عليه ذلك ولهذا قالَ له موسى سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي أي ستجدني غير عاص لَكَ أَمْراً ويجوز أن يكون قوله: وَلا أَعْصِي جملة مستأنفة معطوفة على مثلها أي ستجدني ولا أعصي. قال أهل السنة: في قوله: إِنْ شاءَ اللَّهُ بطريق الشك والصبر

стр. 2369

مأمور به دليل على أنه تعالى قد لا يريد من العبد ما أوجبه عليه. قالت المعتزلة: إنما ذكره بطريق الأدب. وأجيب بأن هذا الأدب إن صح معناه فقد ثبت المطلوب، وإن فسد فأيّ أدب في ذكر الكلام الباطل. قالت الأصوليون: في قوله: وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً دليل على أن ظاهر الأمر للوجوب، لأن تارك الأمر عاص. بهذه الآية، والعاصي يستحق العقاب لقوله: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ [الجن: ٢٣] قال المحققون: في قوله الخضر تغليظ وتجهيل، وفي قول موسى تحمل وتواضع، فدل ذلك على أن المعلم إن رأى التغليظ على المتعلم فيما يعتقده نفعا وإرشادا إلى الخير، فالواجب عليه ذكره وعلى المتعلم أن يتلقاه بالبشر والطلاقة. ثم قال: فإن اتبعتني فلا تسألني شرط على موسى ﵇ في اتباعه أن لا يسأل عما خفي عليه وجه صحته حتى يكون الخضر هو المبتدئ بتعليمه إياه بإخباره عن وجه الحكمة فيه فَانْطَلَقا على ساحل البحر يطلبان السفينة، فما ركباها يروى أن أهلها قالوا: هما من اللصوص وأمروهما بالخروج فمنعهم صاحب السفينة وقال: أرى وجوه الأنبياء. وقيل: عرفوا الخضر فحملوهم بلا أجرة، فلما حصلوا في اللجة أخذ الخضر الفأس فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها مما يلي الماء. وقيل: خرق جدار السفينة ليعيبها ولا يتسارع الغرق إلى أهلها فجعل موسى يسد الخرق بثيابه ويقول: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً أتيت شيئا عظيما. يقال: أمر الأمر إذا عظم. ويقال في الشيء العجيب الذي يعرف له شبيه إنه أمر أمر. احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بأن موسى ﵇ اعترض على الخضر بعد توكيد العهود والمواثيق وذلك ذنب. وأجيب بأنه لم يقل ذلك اعتراضا وتوبيخا ولكنه أحب أن يقف على حكمة ذلك الأمر الخارج عن العبادة، أو أنه خالف الشرط بناء على النسيان ولهذا قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ولا مؤاخذة على الناسي. و «ما» موصولة أو موصوفة أو مصدرية أي بالذي نسيت وبشيء نسيته وبنسياني. وجوز في الكشاف أن لا يكون ناسيا في الحقيقة ولكنه أو هم بقوله: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ أنه قد نسي لبسط عذره في الاعتراض على المعلم وهو من معاريض الكلام التي يتقي بها الكذب مع التوصل إلى الغرض. وجوز أيضا أن يكون النسيان بمعنى الترك أي بما تركت من وصيتك أول مرة وَلا تُرْهِقْنِي ولا تغشني مِنْ أَمْرِي عُسْراً وأراد بأمره أمر المتابعة أي يسر عليّ متابعتك بالإغضاء وترك المناقشة. وإنما قال في هذه القصة خَرَقَها بغير «فاء» لأنه جعله جزاء للشرط، وفي قصة الغلام جعل فَقَتَلَهُ من جملة الشرط معطوفا عليه بفاء التعقيب، لأن القتل يعقب لقاء

стр. 2370

الغلام ولفظ الغلام يتناول الشاب البالغ كما يتناول الصغير ومنه قولهم «رأي الشيخ خير من مشهد الغلام» وأصله من الاغتلام وهو شدة الشبق. وليس في القرآن أنهما كيف لقياه، وهل كان يلعب مع جمع من الغلمان، أو كان منفردا، وهل كان مسلما أو كان كافرا، وهل كان بالغا أو كان صغيرا واسم الغلام بالصغير أليق، إلا أن بِغَيْرِ نَفْسٍ بالبالغ لأن الصبي لا يقتل قصاصا. وعن ابن عباس أن نجدة الحروري الخارجي كتب إليه كيف جاز قتله وقد نهى رسول الله ﷺ عن قتل الولدان؟ فكتب إليه إن علمت من حال الولدان ما علمه عالم موسى فلك أن تقتل. قال الكسائي: الزاكية والزكية لغتان ومعناهما الطاهرة. وقال أبو عمرو: الزاكية التي لم تذنب، والزكية التي أذنبت ثم تابت. ويجوز أن يكون وصفها بالزكاء لأنه لم يرها أذنبت فهي طاهرة عنده. قيل: النكر أقل من الأمر لأن قتل نفس واحدة أهو من إغراق أهل السفينة. وقيل: النكر أشد لأن ذلك كان خرقا تداركه بالسد وهذا لا سبيل إلى تداركه. وأيضا الأمر العجيب والعجب يستعمل في الخير والشر. والنكر ما تنكره العقول فهو شر، وظاهر الآية يدل على أن موسى استبعد أن تقتل النفس إلا بالنفس وليس كذلك لأنه قد يحل القتل بسائر الأسباب، ولعله اعتبر السبب الأغلب والأقوى واختلفوا في كيفية قتله فقيل: فتل عنقه. وقيل: ضرب برأسه الحائط. وعن سعيد بن جبير: أضجعه ثم ذبحه بالسكين. ثم إنه سبحانه حكى عن الخضر أنه ما زاد على أن أذكره ما عاهد عليه فقال: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ وإنما زاد هاهنا لك لأن الإنكار أكثر وموجب العتاب أقوى. وقيل: أكد التقرير الثاني بقوله لَكَ كما تقول لمن توبخه لك أقول وإياك أعني. وقيل: بين في الثاني المقول له لما لم يبين في الأول فعند هذا قالَ موسى إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها بعد هذه الكرة أو المسألة فَلا تُصاحِبْنِي نهاه عن المصاحبة حينئذ مع حرصه على التعلم لظهور عذره كما قال: قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً وهذا كلام نادم شديد الندامة جره المقال، واضطره الحال إلى الاعتراف وسلوك سبيل الإنصاف. عن رسول الله ﷺ : «رحم الله أخي كموسى استحيا فقال ذلك» فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ هي أنطاكية. وقيل: الأيلة وهي أبعد أرض الله من السماء. اسْتَطْعَما أَهْلَها وكان حق الإيجاز أن يقال: «استطعماهم» فوضع الظاهر موضع المضمر للتأكيد كقوله: ليت الغراب غداة ينعب بيننا ... كان الغراب مقطع الأوداج وأيضا لعله كره اجتماع الضميرين المتصلين في مثل هذا اللفظ لما فيه من الكلفة

стр. 2371

والبشاعة والاستطالة فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما يقال: أضافه وضيفه إذا أنزله وجعله ضيفه، والتركيب يدور على الميل من ضاف السهم عن الغرض والضيف يميل إلى المضيف. عن النبي ﷺ : كانوا أهل قرية لئاما. قيل: الاستطعام ليس من عادة الكرام فكيف أقدما عليه. وأيضا الضيافة من المندوبات وترك المندوب غير منكر، فكيف جاز لموسى أن يغضب عليهم حتى ترك عهد صاحبه. وقال: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً وأجيب بأن الرجل إذا جاع بحيث ضعف عن الطاعة أو أشرف على الهلاك لزمه الاستطعام ووجبت إجابته. ولقائل أن يقول: لو كان قد بلغ الجوع إلى حدّ الهلاك لم يقو على إصلاح الجدار. ولمجيب أن يقول: إنه أقام الجدار معجزة فقد يروى أنه مسحه بيده فقام واستوى. وقيل: أقامه بعمود عمده به. وقيل: نقضه وبناه. وروي أنه كان ارتفاع الجدار مائة ذراع. قال أهل الاعتبار: شر القرى التي لا يضاف الضيف فيها ولا يعرف لابن السبيل حق. ويحكى أن أهل تلك القرية لما سمعوا نزول هذه الآية استحيوا وجاؤا إلى رسول الله ﷺ بحمل الذهب فقالوا: يا رسول الله نشتري بهذا الذهب أن تجعل الباء تاء أي «فأتوا أن يضيفوهما» فامتنع رسول الله ﷺ عن ذلك. قوله: يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ معناه يسرع سقوطه من انقض الطائر إذا هوى في طيرانه. يقال: قضضته فانقض، ويحتمل أن يكون «افعل» من النقض كاحمرّ من الحمرة، فالنون تكون أصلية وإحدى الضادين مكررة زائدة عكس الأول. واستعيرت الإرادة للمداناة والمشارفة تشبيها للجماد بالأحياء نظيره وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ [الأعراف: ١٥٤] قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [فصلت: ١١] . ولما أقام الخضر الجدار ورأى موسى من الحرمان ومسيس الحاجة قالَ لصاحبه لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً لطلبت على عملك جعلا حتى نستدفع به الضرورة. واتخذ افتعل من تخذ كاتبع من تبع وليس من الأخذ على الأصح قالَ الخضر مشيرا إلى الفراق المتصور في قوله: فَلا تُصاحِبْنِي أو مشيرا إلى السؤال والاعتراض هذا فِراقُ بَيْنِي الإضافة بمعنى في أي فراق أو سبب فراق في بيني وَبَيْنِكَ وحكى القفال أن البين هاهنا بمعنى الوصل. ثم شرع في تقرير الحكم التي تضمنتها أفعاله وتلك الحكم تشترك في أصل واحد هو أنه أذا تعارض الضرر إن وجب تحمل الأدنى لدفع الأعلى فقال: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ قيل: كانت لعشرة إخوة خمسة منهم زمنى وخمسة يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ وقد تقدم استدلال الشافعي بهذه الآية على أن الفقير أسوأ حالا من المسكين وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ وهو مسمى بجلندي والوراء هاهنا بمعنى الأمام

стр. 2372

وقد مر في قوله: وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم: ١٧] وقيل: أراد خلفهم وكان طريقهم في الرجوع وما كان عندهم خبرة يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ أي غير معيبة غَصْباً ولا يخفى أن الضرر الحاصل من التخريق أهون من فوات السفينة بالكلية والتخريق، وإن كان تصرفا في ملك الغير إلا أنه إذا تضمن نفعا زائدا لم يكن به بأس. ولعل مثل هذا التصرف كان جائزا في تلك الشريعة. أو لعله كان من مخصوصات النبي ﷺ . قال جار الله: قوله: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها مسبب عن خوف الغصب عليها وكان حقه أن يتأخر عن السبب ولكنه قدم للعناية أي تتعجب من هذا وهو مرادي وأنا مأمور به. وأيضا خوف الغصب ليس هو السبب وحده، ولكن مع كون السفينة للمساكين فتوسط إرادة العيب بين المسكنة والغصب كتوسط الظن بين المبتدأ والخبر في قولك «زيد ظني مقيم» في أنه يتعلق بالطرفين وَأَمَّا الْغُلامُ فقد قيل: إنه كان بالغا قاطع الطريق يقدم على الأفعال المنكرة وكان أبواه مضطرين إلى التعصب له والذب عنه فكانا يقعان في الفسق لذلك واحتمل أن يؤدي ذلك إلى الكفر والارتداد كما قال: فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً. يقال: رهقة أي غشيه وأرهقه إياه. وقيل: إنه كان صبيا إلا أنه تعالى علم من حاله أنه لو صار بالغا صدرت عنه هذه المفاسد، فأعلم الخضر بحاله وأمره بقتله لئلا يرتد الأبوان بسببه ومثل هذا لا يجوز إلا إذا تأكد الظن بالوحي. وقيل: أراد فخفنا أن يغشى الوالدين طغيانا عليهما وكفرا بنعمتهما بعقوقه، أو خفنا أن يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ كافر. وجوزوا أن يكون قوله: فَخَشِينا من كلام الله تعالى أي كرهنا كراهة من خاف سوء عاقبة أمر فغيره. والزكاة الطهارة والنقاء من الذنوب وكأنه بإزاء قول موسى نفسا زاكية. والرحم الرحمة والعطف بمعنى الإشفاق على الأبوين. يروى أنهما ولدت لهما جارية فتزوجها نبي فولدت نبيا هدى الله على يديه أمة من الأمم. ويروى أنها ولدت سبعين نبيا. وقيل: أبدلهما أبدلهما أبنا مؤمنا. وقيل: اسم الغلام المقتول الحيسون وفي نسخة الحسين. وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ. قيل: اسمهما أصرم وصريم. وقوله: فِي الْمَدِينَةِ بعد قوله: أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ فيه دلالة على أن القرية لا تنافي المدينة ومعنى الاجتماع والإقامة مراعى فيهما. أما الكنز فقيل: هو المال لقوله: وَيَسْتَخْرِجا ولأن المفهوم منه عند إطلاقه هو المال. وقيل: صحف فيها علم لقوله: وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً ودفن المال لا يليق بأهل الصلاح. وعورض بقول قتادة: أحل الكنز لمن قبلنا وحرم علينا. وحرمت الغنيمة عليهم وأحلت لنا. وجمع بعضهم بين الأمرين فقال: كان لوحا من ذهب مكتوبا

стр. 2373

فيه: عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله. وفي قوله: وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً دلالة على أن صلاح الآباء يفيد العناية بأحوال الأبناء. عن جعفر بن محمد ﵁: كان بين الغلامين وبين الأب الذي حفظا فيه سبعة آباء، وذكر من صلاح أبيهما أن الناس كانوا يضعون الودائع عنده فيردها إليهم سالمة. قالت العلماء: الأشبه أن اليتيمين كانا جاهلين بحال الكنز ووصيهما كان عالما به إلا أنه غائب وقد أشرف الجدار على السقوط ورَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ مصدر منصوب بأراد لأنه في معنى رحمهما أو مفعول له وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي أي اجتهادي ورأيي وإنما فعلته بأمر الله. سؤال: لم قال في الأول: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وفي الثاني: فَأَرَدْنا وفي الثالث فَأَرادَ رَبُّكَ؟ الجواب: لأن الأول إفساد في الظاهر فأسنده إلى نفسه، وفي الثالث إنعام محض فأسنده إلى الله سبحانه، وفي الثاني إفساد من حيث القتل وإنعام من حيث التبديل فجمع بين الأمرين. ويمكن أن يقال: إن القتل كان منه ولكن إزهاق الروح كان من الله، ويحتمل أن يقال: الوحدة في الأول على الأصل، والجمع في الثاني تنبيه على أنه من العلماء المؤيدين بالعلوم الدينية، والإسناد إلى الله بالآخرة إشارة إلى أنه لا إرادة إلا إرادة الله وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ذلِكَ الذي ذكر من أسرار تلك الوقائع تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً أي يرجع المقصود من تلك الأفاعيل إلى ما قررنا، وأصل تسطع تستطيع كما في قوله: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ إلا أن التاء حذفت لأجل التخفيف. وهذا شاذ من جهة القياس ولكنه ليس بشاذ في الاستعمال. عن رسول الله ﷺ : «رحم الله أخي موسى لو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب» «١» . التأويل: وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ فيه أن المسافر لا بد له في الطريق من الرفيق، وفيه أن من شرطهما أن يكون أحدهما أميرا والآخر مأمورا، وأن يعلم الرفيق عزيمته ومقصده حتى يكون على بصيرة من صحبته، وأن لا يسأم من متاعب السفر حتى يظفر بمقصوده، وأن تكون نيته طلب شيخ يقتدي به فإن طلب الشيخ في الحقيقة هو طلب الحق. ومجمع البحرين هو مجمع ولاية الشيخ وولاية المريد وعنده عين الحياة الحقيقية، فإذا وقعت قطرة منها على حوت قلب المريد حيي واتخذ سبيله في بحر الولاية سربا.

стр. 2374

فَلَمَّا جاوَزا فيه إشارة إلى أن المريد في أثناء السلوك لو تطرقت إليه الملالة أصاب قلبه الكلالة وسولت له نفسه التجاوز عن صحبة الشيخ ظانا أن مقصوده يحصل من غير وساطة الشيخ. هيهات فإنه ظن فاسد ومتاع كاسد إلا إن أدركته العناية الأزلية ورد إليه صدق الإرادة فيقول: الرفيق التوفيق. آتِنا غَداءَنا وهو همة الشيخ وبركة صحبته لقد لقينا في سفرنا هذا الذي جاوزنا صحبة الشيخ نَصَباً فقال رفيقه أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ صخرة النفس وتسويلها فَإِنِّي نَسِيتُ حوت القلب قال ذلك ما كنا نبغي من حوت القلب الميت المملح بملح حب الدنيا وزينتها أن يتخذ سبيله في بحر ولاية شيخ كامل فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا حرا من رق غيرنا. وفي قوله: وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً إشارة إلى أنه تعالى أطلعه على بواطن الأشياء وحقائقها، وهذا النوع من العلم لا يمكن تعلمه وإنما يحصل بتصفية النفس وتجريد القلب عن العلائق الجسمانية. وقد ذهب موسى إلى تعلم العلم فكان من الواجب على الخضر أن يظهر له علما يمكن تعلمه، فبين علم الخضر وبين مقصد موسى تباين وتناف فلهذا قال الخضر: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وفي إظهار المسائل الثلاث إشارة إلى ما قلنا من أن العلم الظاهر يباين العلم اللدني وليس من التعليم والتعلم في شيء، وإذا تأمل العاقل السالك في قول موسى: هَلْ أَتَّبِعُكَ إلخ في قول الخضر. فإن اتبعتني فلا تسألني إلخ. وجد أصول الشرائط التي شرطها الصوفية للمريد وللشيخ مودعة فيها، وفي تفصيلها طول وقد أشرنا في التفسير إلى طرف منها، ومن أراد الكل فعليه بمطالعة كتاب «آداب المريدين» للشيخ المحقق أبي النجيب السهروردي تغمده الله بغفرانه حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ هي سفينة الشريعة خَرَقَها بهدم الناموس في الظاهر مع صلاح الحال في الباطن وفيما بينه وبين علام الغيوب، ومثل هذا قد يفعله كثير من المحققين طردا للعوام وحذرا من التباهي والعجب أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها في أودية الضلال إذا اقتدوا بك حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً هو النفس الأمارة فَقَتَلَهُ بسكين الرياضة وسيف المجاهدة حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ هي الجسد وهم القوى الإنسانية من الحواس وغيرها اسْتَطْعَما أَهْلَها بطلب أفاعيلها التي تختص بها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما بإعطاء خواصها كما ينبغي لكلالها وضعفها فَوَجَدا فِيها جِداراً هو التعلق الحائل بين النفس الناطقة وبين عالم المجردات يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ بقطع العلاقة فَأَقامَهُ بتقوية البدن والرفق بالقوى والحواس كما قيل: نفسك مطيتك فارفق بها. لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ثوابا جزيلا أي لو شئت لصبرت على شدة الرياضة إلى إفاضة الأنوار ونيل الكشوف. أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ هم العوام الذين يَعْمَلُونَ فِي بحر الدنيا وليس لهم في بر عالم الربوبية سير وسلوك حتى يصلوا إلى

стр. 2375

ملوك تحت أطمار فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها في الظاهر لتسلطهم بالإخلاص في البواطن وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ هو الشيطان يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ عبادة غَصْباً لأن كل عبادة تخلو عن الانكسار والذل والخشوع فإنها للشيطان لا للرحمن وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ وهما القلب والروح مُؤْمِنَيْنِ ... فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً هو النفس المطمئنة وَأَقْرَبَ رُحْماً أي نسبة إلى الأبوين. وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ هما النفس المطمئنة والملهمة وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما هو حصول الكمالات النظرية والعملية وَكانَ أَبُوهُما وهو العقل المفارق صالِحاً كاملا بالفعل فلهذا ادخر لأجلهما ما ادخر فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما بتربية الشيخ وإرشاده على سبيل الرفق والمداراة وَيَسْتَخْرِجا ما كان كامنا فيهما. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٨٣ الى ١١٠] وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَباً (٨٥) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (٨٦) قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً (٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٨٩) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً (٩٠) كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٩٢) حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (٩٣) قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (٩٦) فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً (٩٧) قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً (٩٩) وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً (١٠٠) الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤) أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (١٠٥) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً (١٠٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (١٠٧) خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً (١٠٨) قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (١٠٩) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (١١٠)

стр. 2376

القراآت: فَأَتْبَعَ ثُمَّ أَتْبَعَ مقطوعة: ابن عامر وعاصم وحمزة وعلي وخلف الباقون بالتشديد موصولة. حامية الألف من غيرهم: ابن عامر ويزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص. الباقون حَمِئَةٍ بالهمزة من غير ألف جَزاءً الْحُسْنى بالنصب منونا. يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. الآخرون جزاء الحسنى بالرفع والإضافة. السَّدَّيْنِ بفتح السين: ابن كثير أبو عمرو وحفص وأبو زيد عن المفضل. الآخرون بضمها. يفقهون بضم الياء وكسر القاف: حمزة وعلي وخلف. الباقون بفتحهما يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ حيث كان مهموزا: عاصم غير الشموني فَهَلْ نَجْعَلُ وبابه بإدغام اللام في النون: علي وهشام خراجا بالألف: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد الباقون خَرْجاً بسكون الراء. سَدًّا بفتح السين: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وعاصم. والباقون بضمها مكننى: ابن كثير. الباقون بإدغام النون في النون ردما ائتوني يحيى وحماد والابتداء بكسر الألف لصدفين بضم الصاد والدال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب المفضل مخير، أبو بكر وحماد بضم الصاد وإسكان الدال. الآخرون بفتح الصاد والدال. قالَ ائْتُونِي والابتداء بكسر الألف: يحيى وحماد وحمزة فَمَا اسْطاعُوا بالإدغام: حمزة غير حماد وخلاد، وقرأ أبو نشيط والشموني فما اصطاعوا بالصاد وهو الصحيح من نقل ابن مهران. دَكَّاءَ بالمد: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل والخزاز عن هبيرة أَفَحَسِبَ الَّذِينَ بسكون السين ورفع الباء: يزيد ويعقوب والأعشى في اختياره دُونِي أَوْلِياءَ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو أن ينفد بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان. الوقوف: الْقَرْنَيْنِ ط ذِكْراً هـ ط سَبَباً لا سَبَباً هـ قَوْماً هـ ط حُسْناً هـ نُكْراً هـ الْحُسْنى ج لاختلاف الجملتين يُسْراً هـ ط لأن «ثم» لترتيب الأخبار سَبَباً هـ سِتْراً هـ كَذلِكَ ط أي كذلك القبيل الذين كانوا عند مغرب الشمس. وقيل: يبتدأ بكذلك أي ذلك كذلك أو الأمر كذلك. وقيل: أي أحطنا بما لديه من العدد والعدد كذلك أي كعلمنا بقوم سبق ذكرهم خُبْراً هـ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً هـ قَوْماً لا قَوْلًا هـ سَدًّا هـ رَدْماً هـ الْحَدِيدِ ط انْفُخُوا ط ناراً لا لأن

стр. 2377

«قال» جواب «إذا» قِطْراً هـ ط لأن ما بعده ابتداء إخبار نَقْباً هـ مِنْ رَبِّي ج لعطف الجملتين المختلفتين دَكَّاءَ ج لذلك حَقًّا هـ ط لانقطاع القصة جَمْعاً هـ لا للعطف عَرْضاً هـ لا سَمْعاً هـ أَوْلِياءَ ط نُزُلًا هـ أَعْمالًا هـ ط للفصل بين الاستخبار والإخبار لأن التقدير هم الذين، ويجوز أن يكون نصبا على الذم أو جرا على البدل صُنْعاً هـ وَزْناً هـ هُزُواً هـ نُزُلًا هـ حِوَلًا هـ مَدَداً هـ واحِدٌ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب أَحَداً هـ. التفسير: ولما أجاب عن سؤالين من أسئلة اليهود وانتهى الكلام إلى حيث انتهى، شرع في السؤال الثالث والجواب عنه. وأصح الأقوال أن ذا القرنين هو الإسكندر بن فيلقوس الرومي الذي ملك الدنيا بأسرها، إذ لو كان غيره لانتشر خبره ولم يخف مكانه عادة. يحكى أنه لما مات أبوه جمع ملك الروم بعد أن كان طوائف، ثم قصد ملوك المغرب وقهرهم وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر ثم عاد إلى مصر فبنى الإسكندرية وسماها باسم نفسه، ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيل وورد بيت المقدس وذبح في مذبحه ثم عطف إلى أرمينية وباب الأبواب ودانت له العبرانيون والقبط والبربر، ثم توجه نحو دارا ابن دارا وهزمه إلى أن قتله فاستولى على ممالك الفرس، ثم قصد الهند والصين وغزا الأمم البعيدة ورجع إلى خراسان وبنى المدن الكثيرة، ورجع إلى العراق ومرض بشهرزور ومات بها. قال الإمام فخر الدين الرازي: لما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلا ملك الأرض بالكلية أو ما يقرب منها، وثبت من علم التاريخ أن من هذا شأنه ما كان إلا الإسكندر وجب القطع بأن ذا القرنين هو الإسكندر. قال: وفيه إشكال لأنه كان تلميذا لأرسطا طاليس وكان على مذهبه. فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطو حق وصدق ذلك وذلك مما لا سبيل إليه. قلت: ليس كل ما ذهب إليه الفلاسفة باطلا فلعله أخذ منهم ما صفا وترك ما كدر. والسبب في تسميته بذي القرنين أنه بلغ قرني الشمس أي مطلعها ومغربها. وروي عن النبي ﷺ أنه طاف قرني الدنيا يعني جانبيها شرقها وغربها. وقيل: كان له قرنان ضفيرتان. وقيل: انقرض في وقته قرنان من الناس. وقيل: كان لتاجه قرنان. وعن وهب أنه سمي بذلك لأنه ملك الروم وفارس. ويروى الروم والترك. وعنه كانت صفحتا رأسه من نحاس. وقيل: كان على رأسه ما يشبه القرنين. وقيل: لشجاعته كما يسمى الشجاع كبشا كأنه ينطح أقرانه. وقيل: رأى في المنام كأنه صعد الفلك وتعلق بطرفي الشمس أي بقرنيها. وزعم الفرس أن دارا الأكبر تزوّج بابنة فيلقوس، فلما قرب منها وجد رائحة منكرة فردها إلى أبيها وكانت قد حملت بالإسكندر

стр. 2378

فولدت الإسكندر وبقي عند فيلقوس وأظهر أنه ابنه وهو في الحقيقة دارا الأكبر. وقال أبو الريحان: إنه من ملوك حمير والدليل عليه أن الأذواء كانوا من اليمن كذي يزن وغيره. ويروى أنه ملك الدنيا بأسرها أربعة: ذو القرنين وسليمان- وهما مؤمنان- ونمرود وبختنصر- وهما كافران- واختلفوا فيه فقيل: كان عبدا صالحا ملكه الأرض وأعطاه العلم والحكمة وألبسه الهيبة وسخر له النور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه. وعن علي ﵁: سخر له السحاب ومدت له الأسباب وبسط له النور وأحب الله وأحبه. وسأله ابن الكواء وكان من أصحابه ما ذو القرنين أملك أم نبي؟ فقال: ليس بملك ولا نبي ولكن كان عبدا صالحا ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله أي في جهاده فمات، ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله فسمي ذا القرنين وفيكم مثله يعني نفسه. قالوا: وكان ذو القرنين يدعو الناس إلى التوحيد فيقتلونه فيحييه الله. وقيل: كان نبيا لقوله تعالى: إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ. والتمكين المعتد به هو النبوة، ولقوله وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً وظاهره العموم فيكون قد نال أسباب النبوّة، ولقوله: قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وتكليم الله بلا واسطة لا يصلح إلا للنبي. وقيل: كان ملكا من الملائكة. عن عمر أنه سمع رجلا يقول: يا ذا القرنين. فقال: اللهم غفرا أما رضيتم أن تسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة. قوله: سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ أي سأفعل هذا إن وفقني الله تعالى وأنزل فيه وحيا. والخطاب في عَلَيْكُمْ للسائلين وهم اليهود أو قريش كأبي جهل وأضرابه وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً طريقا موصلا إليه. والسبب في اللغة هو الحبل والمراد هاهنا كل ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة، وذلك أنه أراد بلوغ السدين فأتبع سببا أدى إليه. ثم إنه سبحانه شرع في نعت مسيره إلى المغرب قائلا فَأَتْبَعَ سَبَباً أي سلك طريقا أفضى به إلى سفر المغرب، ومن قرأ بقطع الهمزة فمعناه اتبع نفسه سببا حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حامية أي حارة، ومن قرأ بحذف الألف مهموزا فمعناه ذات حمأة أي طين أسود، ولا تنافي بين القراءتين. فمن الجائز أن تكون العين جامعة للوصفين. عن أبي ذر قال: كنت رديف رسول الله ﷺ على جمل فرأى الشمس حين غابت فقال: أتدري يا أبا ذر من أين تغرب هذه؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها تغرب في عين حامية. فقال حكماء الإسلام: قد ثبت بالدلائل اليقينية أن الأرض كروية في وسط العالم، وأن السماء محيطة بها من جميع الجوانب، وأن الشمس

стр. 2379

في فلكها تدور بدوران الفلك. وأيضا قد وضح أن جرم الشمس أكبر من جرم الأرض بمائة وست وستين مرة تقريبا، فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض؟ فتأويل الآية أن الشمس تشاهد هناك أعني في طرف العمارة كأنها تغيب وراء البحر الغربي في الماء كما أن راكب البحر يرى الشمس تغيب في الماء لأنه لا يرى الساحل ولهذا قال: وَجَدَها تَغْرُبُ ولم يخبر أنها تغرب في عين، ولا شك أن البحار الغربية قوية السخونة فهي حامية، وأيضا حمئة لكثرة ما في البحار من الطين الأسود. أما قوله: وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً فالضمير إما للشمس وإما للعين، وذلك أن الإنسان لما تخيل أن الشمس تغرب هناك كان سكان ذلك الموضع كأنهم سكنوا بالقرب من الشمس. قال ابن جريج: هناك مدينة لها اثنا عشر ألف باب لولا أصوات أهلها سمع الناس وجوب الشمس حين تجب، كانوا كفرة بالله فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن يتخذ فيهم حسنا وهو تركهم أحياء فاختار الدعوة والاجتهاد فقال أَمَّا مَنْ ظَلَمَ بالإصرار على الشرك فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ بالقتل في الدنيا ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ في الآخرة فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً منكرا فظيعا. روى صاحب الكشاف عن قتادة أنه كان يطبخ من كفر في القدور وهو العذاب النكر، ومن آمن أعطاه وكساه وفيه نظر، لأن العذاب النكر بعد أن يرد إلى ربه لا يمكن أن يكون من فعل ذي القرنين. ومن قرأ جَزاءً بالنصب أراد فله الفعلة الْحُسْنى جزاء، ومن قرأ بالرفع أراد فله جزاء الفعلة الحسنى التي هي كل الشهادة، أو فله أن يجازى المثوبة الحسنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا أي مما نأمر به الناس من الزكاة والخراج وغير ذلك يُسْراً أي قولا ذا يسر ليس بالصعب الشاق. ثم حكى سفره إلى أقصى الشرق قائلا ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً أي هيأ أسبابا بسفر المشرق حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ أي مكان طلوعها وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً عن كعب أن الستر هو الأبنية وذلك أن أرضهم لا تمسكها فليس هناك شجر ولا جبل ولا أبنية تمنع شعاع الشمس وتدفع حره عنهم، فإذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب لهم، وإذا غربت اشتغلوا بتحصيل المعاش، فحالهم بالضد من أحوال سائر الخلق. وعن مجاهد أن الستر الثياب وأنهم عراة كالزنج، وحال كل من سكن في البلاد القريبة من خط الاستواء كذلك. حكى صاحب الكشاف عن بعضهم أنه قال: خرجت حتى جاوزت الصين فسألت عن هؤلاء فقيل: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة. فبلغتهم فإذا أجدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى. وحين قرب طلوع الشمس سمعت كهيئة الصلصلة فغشى عليّ ثم أفقت، فلما طلعت الشمس إذ هي فوق الماء كهيئة الزيت فأدخلونا سربا لهم، فلما أرتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا

стр. 2380

يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس فينضج لهم. وللمفسرين في متعلق قوله: كَذلِكَ وجوه أحدها: كذلك أمر ذي القرنين اتبع هذه الأسباب حتى بلغ ما بلغ، وقد علمنا حين ملكناه ما عنده من الصلاحية لذلك الملك والاستقلال به. الثاني: لم نجعل لهم سترا مثل ذلك الستر الذي جعلنا لكم من الأبنية أو الثياب. الثالث: بلغ مطلع الشمس مثل الذي بلغ من مغربها. الرابع: تطلع على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم فقضى في هؤلاء كما قضى في أولئك من تعذيب الظالمين والإحسان إلى المؤمنين، وقد سبق بعض هذه الوجوه في الوقوف. ثم حكى سفره إلى ناحية القطب الشمالي بعد تهيئة أسبابه قائلا ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ قيل: السد إذا كان بخلق الله فهو بضم السين حتى يكون بمعنى «مفعول» أي هو مما فعله الله وخلقه، وإذا كان ممن عمل العباد فهو بالفتح حتى يكون حدثا قاله أبو عبيدة وابن الأنباري. وانتصب بَيْنَ على أنه مفعول به كما ارتفع بالفاعلية في قوله: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ [الأنعام: ٩٤] قال الإمام فخر الدين الرازي: الأظهر أن موضع السدين في ناحية الشمال. فقيل جبلان بين أرمينية وأذربيجان، وقيل في منقطع أرض الترك. وحكى محمد بن جرير الطبري في تاريخه أن صاحب أذربيجان أيام فتحها وجه إنسانا من ناحية الخزر، فشاهده ووصف أنه بنيان رفيع وراء خندق وثيق منيع. وقيل: إن الواثق رأى في المنام كأنه فتح هذا الردم فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه فخرجوا من باب الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه ووصفوا أنه بناء من لبن من حديد مشددة بالنحاس المذاب وعليه باب مقفل، ثم إن ذلك الإنسان لما حاول الرجوع أخرجهم الدليل إلى البقاع المحاذية لسمرقند. قال أبو الريحان البيرني: ومقتضى هذا الخبر أن هذا الموضع في الربع الغربي الشمالي من المعمورة والله أعلم بحقيقة الحال، ولما بلغ الإسكندر ما بين الجبلين اللذين سد ما بينهما وَجَدَ مِنْ دُونِهِما أي من ورائهما متجاوزا عنهما قريبا قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ بأنفسهم أو يفقهون غيرهم قولهم لأنهم لا يعرفون غير لغة أنفسهم. سؤال: كيف فهم منهم ذو القرنين أن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض إلخ؟ وأجيب بأن «كاد» إثبات أو لعله فهم ما في ضمير هم بالقرائن والإشارات، أو بوحي وإلهام. وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف. وقيل: مشتقان من أج الظليم في مشيه إذا هرول، وتأجج النار إذا تلهبت ومن أجج الريق أو موج البحر، سموا بذلك لشدتهم وسرعة حركتهم، وهما من ولد يافث. وقيل: يأجوج من الترك، ومأجوج من الجيل والديلم. ومن الناس من وصفهم بصغر الجثة وقصر القامة حتى الشبر، ومنهم من

стр. 2381

وصفهم بطول القامة وكبر الجثة وأثبت لهم مخالب وأضراسا كأضراس السباع. أما إفسادهم في الأرض فقيل: كانوا يقتلون الناس. وقيل: يأكلون لحومهم. وقيل: يخرجون أيام الربيع فلا يتركون أخضر إلا أكلوه ولا يابسا إلا احتملوه فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً وخراجا أي جعلا نخرجه من أموالنا ونظير هما النول والنوال. وقيل: الخرج ما يخرجه كل أحد من ماله، والخراج ما يجبيه السلطان من البلد كل سنة. وقال قطرب: الخرج الجزية والخراج في الأرض قالَ ذو القرنين ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي أي جعلني فيه مكينا ذا مكانة من المال واليسار خَيْرٌ مما تبذلون لي من الخراج نظيره قول سليمان فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ [النمل: ٣٦] فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ بآلات ورجال وصناع. وقيل: بمال أصرفه في هذا المهم ولا آخذه لنفسي والردم أكبر من السد من قولهم «ثوب مردم رقاع فوق رقاع» وزبر الحديد قطعه. قال الخليل: الزبرة من الحديد القطعة الضخمة. من قرأ آتُونِي بالمد فظاهر، ومن قرأ ائتوني من الإتيان فعلى حذف باء التعدية والنصب بنزع الخافض. ثم هاهنا إضمار أي فأتوه بها فوضع بعضها فوق بعض. حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ وهما على القراآت جانبا الجبلين لأنهما يتصادفان أي يتقابلان أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً أصب عليه النحاس المذاب وقِطْراً منصوب بأفرغ والتقدير: آتوني قطرا أفرغ عليه قطرا فحذف الأوّل لدلالة الثاني عليه. وهذا محمل ما يستدل به البصريون في أن المختار عند تنازع الفعلين هو إعمال الثاني إذ لو عمل الأول لقال أفرغه عليه. يحكى أنه حفر الأساس حتى بلغ الماء وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد بينهما الحطب والفحم حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما، ثم وضع المنافيخ حتى إذا صارت كالنار صب النحاس المذاب على الحديد المحمى فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلا صلدا. وقيل: بعد ما بين السدين مائة فرسخ. وعن رسول الله ﷺ أن رجلا أخبره به فقال: كيف رأيته؟ قال: كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال: قد والله رأيته. قال العلماء: هذا معجز من ذي القرنين لأن تلك الزبر الكثيرة إذا صارت كالنار لم يقدر الآدمي على القرب منه، وكأنه تعالى صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النافخين. فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ أي يعلوه لارتفاعه وملاسته وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً لصلابته وثخانته لما تكرر لفظ الاستطاعة مرارا، حذف منها التاء تخفيفا في الموضعين وأعاد ذكرها بالآخرة تنبيها على الأصل ورجوعا إلى البداية. ثم قالَ ذو القرنين هذا السد أو هذا الإقرار والتمكين نعمة من الله ورحمة على عباده

стр. 2382

فَإِذا جاءَ أي دنا مجيء القيامة جَعَلَهُ دَكًّا مدكوكا مبسوطا مستوي بالأرض وكل ما انبسط بعد ارتفاع فقد اندك. ومن قرأ دَكَّاءَ بالمد فعلى الوصف أي جعله أرضا مستوية وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا وهذا آخر حكاية ذي القرنين. ثم شرع سبحانه في بقية أخبارهم فقال وتركنا بعضهم يومئذ يموجون أي حين يخرجون مما وراء السد مزدحمين في البلاد. ويروى أنهم يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه ثم يأكلون الشجر ومن ظفروا به ممن لم يتحصن منهم من الناس ولا يقدرون أن يأتوا مكة ولا المدينة وبيت المقدس. ثم يبعث الله نغفا وهو دود يكون في أنوف الإبل والغنم فيدخل آذانهم فيموتون. وقيل: أراد أن قوم السد لما منعوا من الخروج ماج بعضهم في بعض خلفه. وقيل: الضمير للخلق واليوم يوم القيامة أي وجعلنا الخلق يضطربون ويختلط إنسهم وجنهم حيارى. ونفخ الصور من آيات القيامة وسيجيء وصفه. ومعنى عرض جهنم إبرازها وكشفها للذين عموا عنها في الدنيا، وفي ذلك نوع من العقاب للكفار لما يتداخلهم من الغم والفزع عَنْ ذِكْرِي أي عن آياتي التي ينظر إليها فأذكر بالتعظيم فأطلق المسبب على السبب أو عن القرآن وتأمل معانيه. وصفهم بالعمى عن الدلائل والآثار فأراد أن يصفهم بالصمم عن استماع الحق فقال وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً وهو أبلغ من أن لو قال «وكانوا صما» لأن الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به، وهؤلاء زالت عنهم الاستطاعة بالكلية. احتجت الأشاعرة بالآية على أن الاستطاعة مع الفعل لأنهم لما لم يسمعوا لم يستطيعوا. وأجيب بأن المراد من نفي الاستطاعة النفرة والاستثقال. ثم أنفذ في التوبيخ والوعيد قائلا أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا والمراد أفظنوا أنهم ينتفعون بما عبدوه مع إعراضهم عن تدبر آيات الله وتمردهم عن قبول أمره وأمر رسوله؟ وفيه إضمار تقديره أفحسبوا اتخاذ عبادي أولياء نافعا. والعباد إما عيسى والملائكة، وإما الشياطين الذين يطيعونهم، وإما الأصنام أقوال. ومن قرأ بسكون السين فمعناه أفكافيهم ومحسبهم أن يتخذوهم أولياء على الابتداء والخبر، أو على أنه مثل «أقائم الزيدان» يريد أن ذلك لا يكفيهم ولا ينفعهم عند الله كما حسبوا. قال الزجاج: النزل المأوى والمنزل. وقيل: إنه الذي يعدّ للضيف فيكون تهكما به نحو فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ [آل عمران: ٢١] أما الذين ضل سعيهم أي ضاع وبطل فعن علي ﵁ أنهم الرهبان كقوله: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ [الغاشية: ٣] وروي عنه ﷺ أن منهم أهل حروراء. وعن مجاهد: أهل الكتاب. والتحقيق أنه يندرج فيه كل ما يأتي بعمل خير لا يبتني على إيمان وإخلاص. وعن أبي سعيد الخدري: يأتي الناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم في العظم

стр. 2383

كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئا وذلك قوله: فلا تقيم لهم يوم القيامة وزنا قال القاضي: إن من غلبت معاصية طاعاته صار ما فعله من الطاعة كأن لم يكن فلا يدخل في الوزن شيء من طاعاته، وهذا مبني على الإحباط والتكفير. وفي قوله: فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ إشارة إلى ذلك، أو المراد فنزدري بهم ولا يكون لهم عندنا وزن ومقدار. وقيل: لا يقام لهم ميزان لأن الميزان إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين ذلِكَ الذي ذكرناه من أنواع الوعيد جَزاؤُهُمْ وقوله جَهَنَّمُ عطف للجزاء. والسبب فيه أنهم ضموا إلى الكفر بالله اتخاذ آيات الله واتخاذ كل رسله هزؤا وتكذيبا، ويجوز أن يكون كل من الأمرين سببا مستقلا للتعذيب، ثم أردف الوعيد بالوعد على عادته. عن قتادة: الفردوس أوسط الجنة وأفضلها. وعن كعب: ليس في الجنان أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وعن مجاهد: الفردوس هو البستان بالرومية. وعن النبي ﷺ : «الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها درجة، وفيها الأنهار الأربعة فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإن فوقها عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة» «١» . قال أهل السنة: جعل جنات الفردوس نزلا فالإكرام التام يكون وراء ذلك وليس إلا الرؤية ونظيره أنه جعل جهنم بأسرها نزلا فما وراءها هو العذاب الحقيقي وهو عذاب الحجاب كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] والحول التحول وفيه أنه لا مزيد على نعيم الفردوس حتى تنازعهم أنفسهم إلى تلك الزيادة، ويجوز أن يراد به تأكيد الخلود أي لا تحوّل فيطلب كقوله: ولا ترى الضب بها ينجحر ولما ذكر أنواع الدلائل والبينات وشرح أقاصيص سئل عنها. نبه على كمال حال القرآن. والمداد اسم لما يمد به الشيء كالحبر والزيت للدواة والسراج، والمعنى لو كتبت كلمات علم الله وحكمه وفرض أن جنس البحر مداد لهما لنفد البحر قبل نفاد الكلمات ولو جئنا بمثل البحر مددا لنفد أيضا وهو تمييز من مثله كقولك «على التمرة مثلها زبدا» والمدد والمداد واحد. يروى أن حيي بن أخطب قال: في كتابكم وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [البقرة: ٢٦٩] ثم تقرءون وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:

стр. 2384

٨٥] فنزلت هذه الآية. يعنى أن ذلك خير كثير ولكنه قطرة من بحر كلمات الله. قالت الأشاعرة: إن كلام الله تعالى واحد. واعترض عليهم بهذه الآية فإنها صريحة في إثبات كلمات كثيرة لله تعالى. وأجيب بأن المراد من الكلمات متعلقات علم الله تعالى. وزعم الجبائي أن قوله: قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي يدل على أن كلمات الله قد تنفد بالجملة وما ثبت عدمه امتنع قدمه. وأجيب بأن المراد الألفاظ الدالة على تعلقات تلك الصفة الأزلية. قلت: الإنصاف أن نفاد شيء قبل نفاد شيء آخر لا يدل على نفاد الشيء الآخر ولا على عدم نفاده، فلا يستفاد من الآية إلا كثرة كلمات الله بحيث لا يضبطها عقول البشر. أما أنها متناهية أو غير متناهية فلا دليل في الآية على أحد النقيضين، ولكن الحق في نفس الأمر أن كلمات الله لا تتناهى لأنها تابعة لمعلوماته وهي غير متناهية بالبرهان، ثم أمر نبيه ﷺ أن يسلك سبيل التواضع وهو أن حاله مقصور على البشرية لا يتخطاها إلى الملكية إلا أنه امتاز بنعت الإيحاء إليه وكفى به بونا ومباينة. ثم بين أن الموحى هو أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ. وفي تخصيص هذا الوحي بالذكر فائدة هي أن يستدل به على صدقه، فإن من علامات صدق مدعي النبوة أن يدعو إلى التوحيد، ثم أن يدعو إلى العمل الصالح المقترن بالإخلاص وذلك قوله: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا أي يأمل حسن لقائه أو يخاف سوء لقائه. واللقاء بمعنى الرؤية عند الأشاعرة وبمعنى لقاء الثواب أو العقاب عند المعتزلة فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً قال المفسرون: النهي عن الإشراك بالعبادة هو أن لا يرائي بعمله ولا يبغي به إلا وجه ربه. يروى أن جندب بن زهير قال لرسول الله ﷺ : إني أعمل العمل لله فإذا اطلع عليه سرني فقال: إن الله لا يقبل ما شورك فيه. وروي أنه قال: لك أجران أجر السر وأجر العلانية. قال العلماء: الرواية الأولى محمولة على ما إذا قصد بعمله الرياء والسمعة. والرواية الثانية محمولة على ما إذا قصد أن يقتدي به. قال في الكشاف: عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة الكهف من آخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه. ومن قرأها كلها كانت له نورا من الأرض إلى السماء» . وعنه ﷺ : من قرأ عند مضجعه قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ كان له من مضجعه نورا يتلألأ إلى مكة، حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم وإن كان مضجعه بمكة بمكة كان له نورا يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ» . التأويل: لما بين لإنسان كمالا مكنونا وكنزا مدفونا يمكن له تحصيله بالتربية

стр. 2385

والإرشاد، أراد أن يبين أن الإنسان الكامل إنما هو مستحق الخلافة في الأرض وهو ذو القرنين الذي ملك الجانبين أعني جانب عالم الأرواح وجانب عالم الأشباح، لأنه أوتي التمكين في الأرض وأتى أسباب كل شيء في عالم الوسائط والأسباب، فبذلك يصير كاملا في نفسه مكملا لغيره. فَأَتْبَعَ سَبَباً من أسباب الوصول إلى عالم السفلي وهو مغرب شمس الروحي الإنساني وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ هي عالم القوى والطبائع والأجساد وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً هم القوى البدنية والنفوس الأرضية قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ بالقتل بسكين الرياضة وسيف المجاهدة وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً هو الرفق والمداراة قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ بوضع خاصيته واستعمالها في غير موضعها فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ بقهره على خلاف ما هو مراده وهواه ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ وهو الشيخ الكامل الذي يربيه فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً هو المنع عن مشتهياته، أو يرد إلى الله تعالى فيعذبه بعذاب البعد والقطيعة. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى هو مقام الوصول والوصال وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً هو التخفيف والاستراحة بعد الفناء والمجاهدة ثُمَّ أَتْبَعَ أسباب الوصول إلى عالم الأرواح وهو مطلع شمس النفس الناطقة الإنسانية وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ مجردين عن العلائق الجسمانية والعوائق الساترة الجسدانية حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وهو عالم التعيش والتمدن والجولان في جو أسباب قوام البدن وقيامه على وجه الجسمانية إلى صلاح المعاد ونظامه وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا وهم العوام الذين قصارى أمرهم الجهل البسيط إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ القوى والطبائع البشرية مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ البشرية باستعمال خواصها في غير ما خلقت هي لأجلها فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً هو ترك الوجود وبذلك الموجود. فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ بهمة صارفة وعزيمة صادقة آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ملكات راسخة وهيئات ثابتة أو قلوبا هن كالحديد في المضاء، وكالجبال الراسيات في البقاء حَتَّى إِذا ساوى عرض ما بين طرفي العمر كما قيل من لمهد إلى اللحد قالَ انْفُخُوا بالمداومة على الأذكار والأوراد حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً بتأثير حرارة الطاعة والذكر في حديد القلب قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً هو جوهر المحبة وكيمياء الإخلاص النافذ في سويدات القلوب بحيث لا ينفذ فيه كيد الشيطان ولا يعلوه ما سوى الرحمن الله حسبي.
следующие страницы →