وصفهم بطول القامة وكبر الجثة وأثبت لهم مخالب وأضراسا كأضراس السباع. أما إفسادهم في الأرض فقيل: كانوا يقتلون الناس. وقيل: يأكلون لحومهم. وقيل: يخرجون أيام الربيع فلا يتركون أخضر إلا أكلوه ولا يابسا إلا احتملوه فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً وخراجا أي جعلا نخرجه من أموالنا ونظير هما النول والنوال. وقيل: الخرج ما يخرجه كل أحد من ماله، والخراج ما يجبيه السلطان من البلد كل سنة. وقال قطرب: الخرج الجزية والخراج في الأرض قالَ ذو القرنين ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي أي جعلني فيه مكينا ذا مكانة من المال واليسار خَيْرٌ مما تبذلون لي من الخراج نظيره قول سليمان فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ [النمل: ٣٦] فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ بآلات ورجال وصناع. وقيل: بمال أصرفه في هذا المهم ولا آخذه لنفسي والردم أكبر من السد من قولهم «ثوب مردم رقاع فوق رقاع» وزبر الحديد قطعه.
قال الخليل: الزبرة من الحديد القطعة الضخمة. من قرأ آتُونِي بالمد فظاهر، ومن قرأ ائتوني من الإتيان فعلى حذف باء التعدية والنصب بنزع الخافض. ثم هاهنا إضمار أي فأتوه بها فوضع بعضها فوق بعض. حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ وهما على القراآت جانبا الجبلين لأنهما يتصادفان أي يتقابلان أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً أصب عليه النحاس المذاب وقِطْراً منصوب بأفرغ والتقدير: آتوني قطرا أفرغ عليه قطرا فحذف الأوّل لدلالة الثاني عليه. وهذا محمل ما يستدل به البصريون في أن المختار عند تنازع الفعلين هو إعمال الثاني إذ لو عمل الأول لقال أفرغه عليه. يحكى أنه حفر الأساس حتى بلغ الماء وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد بينهما الحطب والفحم حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما، ثم وضع المنافيخ حتى إذا صارت كالنار صب النحاس المذاب على الحديد المحمى فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلا صلدا. وقيل: بعد ما بين السدين مائة فرسخ.
وعن رسول الله ﷺ أن رجلا أخبره به فقال: كيف رأيته؟ قال: كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال: قد والله رأيته.
قال العلماء: هذا معجز من ذي القرنين لأن تلك الزبر الكثيرة إذا صارت كالنار لم يقدر الآدمي على القرب منه، وكأنه تعالى صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النافخين. فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ أي يعلوه لارتفاعه وملاسته وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً لصلابته وثخانته لما تكرر لفظ الاستطاعة مرارا، حذف منها التاء تخفيفا في الموضعين وأعاد ذكرها بالآخرة تنبيها على الأصل ورجوعا إلى البداية. ثم قالَ ذو القرنين هذا السد أو هذا الإقرار والتمكين نعمة من الله ورحمة على عباده
стр. 2382
فَإِذا جاءَ أي دنا مجيء القيامة جَعَلَهُ دَكًّا مدكوكا مبسوطا مستوي بالأرض وكل ما انبسط بعد ارتفاع فقد اندك. ومن قرأ دَكَّاءَ بالمد فعلى الوصف أي جعله أرضا مستوية وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا وهذا آخر حكاية ذي القرنين.
ثم شرع سبحانه في بقية أخبارهم فقال وتركنا بعضهم يومئذ يموجون أي حين يخرجون مما وراء السد مزدحمين في البلاد. ويروى أنهم يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه ثم يأكلون الشجر ومن ظفروا به ممن لم يتحصن منهم من الناس ولا يقدرون أن يأتوا مكة ولا المدينة وبيت المقدس. ثم يبعث الله نغفا وهو دود يكون في أنوف الإبل والغنم فيدخل آذانهم فيموتون. وقيل: أراد أن قوم السد لما منعوا من الخروج ماج بعضهم في بعض خلفه. وقيل: الضمير للخلق واليوم يوم القيامة أي وجعلنا الخلق يضطربون ويختلط إنسهم وجنهم حيارى. ونفخ الصور من آيات القيامة وسيجيء وصفه.
ومعنى عرض جهنم إبرازها وكشفها للذين عموا عنها في الدنيا، وفي ذلك نوع من العقاب للكفار لما يتداخلهم من الغم والفزع عَنْ ذِكْرِي أي عن آياتي التي ينظر إليها فأذكر بالتعظيم فأطلق المسبب على السبب أو عن القرآن وتأمل معانيه. وصفهم بالعمى عن الدلائل والآثار فأراد أن يصفهم بالصمم عن استماع الحق فقال وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً وهو أبلغ من أن لو قال «وكانوا صما» لأن الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به، وهؤلاء زالت عنهم الاستطاعة بالكلية. احتجت الأشاعرة بالآية على أن الاستطاعة مع الفعل لأنهم لما لم يسمعوا لم يستطيعوا. وأجيب بأن المراد من نفي الاستطاعة النفرة والاستثقال. ثم أنفذ في التوبيخ والوعيد قائلا أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا والمراد أفظنوا أنهم ينتفعون بما عبدوه مع إعراضهم عن تدبر آيات الله وتمردهم عن قبول أمره وأمر رسوله؟
وفيه إضمار تقديره أفحسبوا اتخاذ عبادي أولياء نافعا. والعباد إما عيسى والملائكة، وإما الشياطين الذين يطيعونهم، وإما الأصنام أقوال. ومن قرأ بسكون السين فمعناه أفكافيهم ومحسبهم أن يتخذوهم أولياء على الابتداء والخبر، أو على أنه مثل «أقائم الزيدان» يريد أن ذلك لا يكفيهم ولا ينفعهم عند الله كما حسبوا. قال الزجاج: النزل المأوى والمنزل.
وقيل: إنه الذي يعدّ للضيف فيكون تهكما به نحو فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ [آل عمران: ٢١] أما الذين ضل سعيهم أي ضاع وبطل
فعن علي ﵁ أنهم الرهبان
كقوله: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ [الغاشية: ٣]
وروي عنه ﷺ أن منهم أهل حروراء.
وعن مجاهد: أهل الكتاب. والتحقيق أنه يندرج فيه كل ما يأتي بعمل خير لا يبتني على إيمان وإخلاص. وعن أبي سعيد الخدري: يأتي الناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم في العظم
стр. 2383
كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئا وذلك قوله: فلا تقيم لهم يوم القيامة وزنا قال القاضي: إن من غلبت معاصية طاعاته صار ما فعله من الطاعة كأن لم يكن فلا يدخل في الوزن شيء من طاعاته، وهذا مبني على الإحباط والتكفير.
وفي قوله: فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ إشارة إلى ذلك، أو المراد فنزدري بهم ولا يكون لهم عندنا وزن ومقدار. وقيل: لا يقام لهم ميزان لأن الميزان إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين ذلِكَ الذي ذكرناه من أنواع الوعيد جَزاؤُهُمْ وقوله جَهَنَّمُ عطف للجزاء. والسبب فيه أنهم ضموا إلى الكفر بالله اتخاذ آيات الله واتخاذ كل رسله هزؤا وتكذيبا، ويجوز أن يكون كل من الأمرين سببا مستقلا للتعذيب، ثم أردف الوعيد بالوعد على عادته. عن قتادة: الفردوس أوسط الجنة وأفضلها. وعن كعب: ليس في الجنان أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وعن مجاهد: الفردوس هو البستان بالرومية.
وعن النبي ﷺ : «الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها درجة، وفيها الأنهار الأربعة فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإن فوقها عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة» «١» .
قال أهل السنة: جعل جنات الفردوس نزلا فالإكرام التام يكون وراء ذلك وليس إلا الرؤية ونظيره أنه جعل جهنم بأسرها نزلا فما وراءها هو العذاب الحقيقي وهو عذاب الحجاب كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] والحول التحول وفيه أنه لا مزيد على نعيم الفردوس حتى تنازعهم أنفسهم إلى تلك الزيادة، ويجوز أن يراد به تأكيد الخلود أي لا تحوّل فيطلب كقوله:
ولا ترى الضب بها ينجحر ولما ذكر أنواع الدلائل والبينات وشرح أقاصيص سئل عنها. نبه على كمال حال القرآن. والمداد اسم لما يمد به الشيء كالحبر والزيت للدواة والسراج، والمعنى لو كتبت كلمات علم الله وحكمه وفرض أن جنس البحر مداد لهما لنفد البحر قبل نفاد الكلمات ولو جئنا بمثل البحر مددا لنفد أيضا وهو تمييز من مثله كقولك «على التمرة مثلها زبدا» والمدد والمداد واحد. يروى أن حيي بن أخطب قال: في كتابكم وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [البقرة: ٢٦٩] ثم تقرءون وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:
стр. 2384
٨٥] فنزلت هذه الآية. يعنى أن ذلك خير كثير ولكنه قطرة من بحر كلمات الله. قالت الأشاعرة: إن كلام الله تعالى واحد. واعترض عليهم بهذه الآية فإنها صريحة في إثبات كلمات كثيرة لله تعالى. وأجيب بأن المراد من الكلمات متعلقات علم الله تعالى. وزعم الجبائي أن قوله: قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي يدل على أن كلمات الله قد تنفد بالجملة وما ثبت عدمه امتنع قدمه. وأجيب بأن المراد الألفاظ الدالة على تعلقات تلك الصفة الأزلية. قلت: الإنصاف أن نفاد شيء قبل نفاد شيء آخر لا يدل على نفاد الشيء الآخر ولا على عدم نفاده، فلا يستفاد من الآية إلا كثرة كلمات الله بحيث لا يضبطها عقول البشر. أما أنها متناهية أو غير متناهية فلا دليل في الآية على أحد النقيضين، ولكن الحق في نفس الأمر أن كلمات الله لا تتناهى لأنها تابعة لمعلوماته وهي غير متناهية بالبرهان، ثم أمر نبيه ﷺ أن يسلك سبيل التواضع وهو أن حاله مقصور على البشرية لا يتخطاها إلى الملكية إلا أنه امتاز بنعت الإيحاء إليه وكفى به بونا ومباينة. ثم بين أن الموحى هو أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ.
وفي تخصيص هذا الوحي بالذكر فائدة هي أن يستدل به على صدقه، فإن من علامات صدق مدعي النبوة أن يدعو إلى التوحيد، ثم أن يدعو إلى العمل الصالح المقترن بالإخلاص وذلك قوله: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا أي يأمل حسن لقائه أو يخاف سوء لقائه.
واللقاء بمعنى الرؤية عند الأشاعرة وبمعنى لقاء الثواب أو العقاب عند المعتزلة فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً قال المفسرون: النهي عن الإشراك بالعبادة هو أن لا يرائي بعمله ولا يبغي به إلا وجه ربه.
يروى أن جندب بن زهير قال لرسول الله ﷺ : إني أعمل العمل لله فإذا اطلع عليه سرني فقال: إن الله لا يقبل ما شورك فيه. وروي أنه قال: لك أجران أجر السر وأجر العلانية.
قال العلماء: الرواية الأولى محمولة على ما إذا قصد بعمله الرياء والسمعة. والرواية الثانية محمولة على ما إذا قصد أن يقتدي به.
قال في الكشاف: عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة الكهف من آخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه. ومن قرأها كلها كانت له نورا من الأرض إلى السماء» .
وعنه ﷺ : من قرأ عند مضجعه قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ كان له من مضجعه نورا يتلألأ إلى مكة، حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم وإن كان مضجعه بمكة بمكة كان له نورا يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ» .
التأويل:
لما بين لإنسان كمالا مكنونا وكنزا مدفونا يمكن له تحصيله بالتربية
стр. 2385
والإرشاد، أراد أن يبين أن الإنسان الكامل إنما هو مستحق الخلافة في الأرض وهو ذو القرنين الذي ملك الجانبين أعني جانب عالم الأرواح وجانب عالم الأشباح، لأنه أوتي التمكين في الأرض وأتى أسباب كل شيء في عالم الوسائط والأسباب، فبذلك يصير كاملا في نفسه مكملا لغيره. فَأَتْبَعَ سَبَباً من أسباب الوصول إلى عالم السفلي وهو مغرب شمس الروحي الإنساني وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ هي عالم القوى والطبائع والأجساد وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً هم القوى البدنية والنفوس الأرضية قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ بالقتل بسكين الرياضة وسيف المجاهدة وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً هو الرفق والمداراة قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ بوضع خاصيته واستعمالها في غير موضعها فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ بقهره على خلاف ما هو مراده وهواه ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ وهو الشيخ الكامل الذي يربيه فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً هو المنع عن مشتهياته، أو يرد إلى الله تعالى فيعذبه بعذاب البعد والقطيعة. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى هو مقام الوصول والوصال وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً هو التخفيف والاستراحة بعد الفناء والمجاهدة ثُمَّ أَتْبَعَ أسباب الوصول إلى عالم الأرواح وهو مطلع شمس النفس الناطقة الإنسانية وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ مجردين عن العلائق الجسمانية والعوائق الساترة الجسدانية حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وهو عالم التعيش والتمدن والجولان في جو أسباب قوام البدن وقيامه على وجه الجسمانية إلى صلاح المعاد ونظامه وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا وهم العوام الذين قصارى أمرهم الجهل البسيط إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ القوى والطبائع البشرية مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ البشرية باستعمال خواصها في غير ما خلقت هي لأجلها فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً هو ترك الوجود وبذلك الموجود.
فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ بهمة صارفة وعزيمة صادقة آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ملكات راسخة وهيئات ثابتة أو قلوبا هن كالحديد في المضاء، وكالجبال الراسيات في البقاء حَتَّى إِذا ساوى عرض ما بين طرفي العمر كما قيل من لمهد إلى اللحد قالَ انْفُخُوا بالمداومة على الأذكار والأوراد حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً بتأثير حرارة الطاعة والذكر في حديد القلب قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً هو جوهر المحبة وكيمياء الإخلاص النافذ في سويدات القلوب بحيث لا ينفذ فيه كيد الشيطان ولا يعلوه ما سوى الرحمن الله حسبي.
стр. 2386
(سورة مريم)
(مكية حروفها ثلاثة آلاف وثمانمائة وحرفان كلامها تسعمائة واثنان وستون آياتها ثمان وتسعون)
[سورة مريم (١٩) : الآيات ١ الى ١٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣) قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)
وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (٩)
قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا (١٤)
وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)
القراآت:
كهيعص بإمالة الهاء فقط: أبو عمرو كهيعص بإمالة الياء فقط: حمزة وخلف وقتيبة وابن ذكوان، وقرأ عليّ غير قتيبة ويحيى وحماد بإمالتهما. وقرأ أبو جعفر ونافع والخزاعي عن البزي وابن فليح بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب. الباقون بتفخيمها كهيعص ذِكْرُ مدغما: أبو عمرو وحمزة وخلف وابن عامر وسهل مِنْ وَرائِي بفتح الياء مهموزا: ابن كثير غير زمعة والخزاعي عن البزي وقرأ زمعة عن ابن كثير والخزاعي عن البزي من وراي مثل عَصايَ يرثني ويرث بالجزم فيهما: أبو عمرو وعليّ. الباقون برفعهما يبشرك ثلاثيا وكذلك في آخر السورة: حمزة عِتِيًّا
стр. 2387
وجِثِيًّا وصِلِيًّا وبُكِيًّا بكسر الأوائل: حمزة وعلي وأفق حفص إلا في بُكِيًّا الخزاز عن هبيرة عِتِيًّا الأولى بالكسر والثاني بالضم. وقد خلقناك حمزة وعلي.
الآخرون خَلَقْتُكَ على التوحيد لِي آيَةً بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن شنبوذ عن أهل مكة.
الوقوف:
كهيعص هـ كوفي زَكَرِيَّا هـ ح لجواز تعلق «إذ» ب ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ ولاحتمال انتصابه بأذكر محذوفا. خَفِيًّا هـ شَقِيًّا هـ وَلِيًّا لا آلِ يَعْقُوبَ ق والوجه الوصل لعطف الجملتين المتفقتين يَحْيى لا لأن ما بعده صفة غلام والاستئناف ليس بقوي. سَمِيًّا هـ عِتِيًّا هـ كَذلِكَ هـ بناء على أن التقدير الأمر كذلك شَيْئاً هـ آيَةً ط سَوِيًّا هـ وَعَشِيًّا هـ بِقُوَّةٍ ط صَبِيًّا هـ لا للعطف أي آتيناه الحكم وحنانا منا عليه وَزَكاةً ط تَقِيًّا هـ عَصِيًّا
هـ حَيًّا
هـ.
التفسير:
حروف المعجم في الوقف ثنائية وثلاثية، وقد جرت عادة العرب بإمالة الثنائيات وبتفخيم الثلاثيات، وفي الزاي اعتيد الأمران لأنه قد يلحق بآخره ياء وقد لا يلحق بآخره ياء وقد لا يلحق فيصير ثنائيا، ولا ريب أن التفخيم أصل والإمالة فرع عليه.
فمن قرأ بإمالة الهاء والياء معا فعلى العادة، ومن قرأ بتفخيمهما جميعا فعلى الأصل ومن قرأ بإمالة إحداهما فلرعاية الجانبين. وقد روى صاحب الكشاف عن الحسن أنه قرأ بضمهما فقيل: لأنه تصور أن عين الكلمة فيهما واو فنبه بالضم على أصلها. والبحث عن هذه الفواتح قد سلف في أول البقرة، ومما يختص بهذا الموضع ما روي عن ابن عباس أن قوله كهيعص ثناء من الله تعالى على نفسه، فالكاف كاف لأمور عباده، والهاء هاد والعين عالم أو عزيز، والصاد صادق. وعنه أيضا أنه حمل الكاف على الكريم أو الكبير، والياء على الكريم مرة وعلى الحكيم أخرى. وعن الربيع بن أنس أن الياء من مجير، وهذا التفسير لا يخلو من تحكم إلا أن يسند إلى الوحي أو الإلهام. وارتفع ذِكْرُ رَحْمَتِ على الخبر أي هذا المتلو من القرآن ذكر رحمة رَبِّكَ وانتصب عَبْدَهُ على أنه مفعول لذكر وزَكَرِيَّا عطف بيان، وقرىء برفعهما على إضافة المصدر إلى المفعول. وعن الكلبي أنه قرأ ذِكْرُ بلفظ الماضي مشددا تارة ورَحْمَتِ وعَبْدَهُ منصوبان على المفعولية، والفاعل ضمير المتلو. ومخففا أخرى وعَبْدَهُ مرفوع على الفاعلية. وقرىء ذِكْرُ على الأمر وهي قراءة ابن معمر. وقيل: يحتمل على هذا أن تكون الرحمة عبارة عن زكريا لأن كل نبي رحمة لأمته، ويجوز أن يكون رحمة لنبينا ﷺ ولأمته لأن طريقه في الإخلاص والابتهال يصلح لأن يقتدى به وكان ذكره رحمة لنا ولنبينا. وفي خفاء ندائه
стр. 2388
وجوه منها: أن الإخفاء أبعد عن الرياء وأدخل في الخشية ولهذا فسره الحسن بأنه نداء لا رياء فيه. ومنها أنه أخفاه لئلا يلام على طلب الولد في غير وقته. ومنها أنه أسره من مواليه الذين خافهم. ومنها أنه خفت صوته لضعفه وهرمه كما جاء في صفة الشيخ «صوته خفات وسمعه تارات» ولعله أتى بأقصى ما يقدر عليه من الصوت ومع ذلك كان خفيا لنهاية كبره. ثم شرع في حكاية ندائه قائلا: قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي إلى قوله:
وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا قال علماء المعاني: في الآية لطائف وذلك أصل الكلام: يا ربي قد شخت فإن الشيخوخة مشتملة على ضعف البدن وشيب الرأس، ثم ترك الإجمال إلى التفصيل لتوخي زيادة التقرير فصار ضعف بدني وشاب رأسي، ثم في القرينة الأولى عدل من التصريح إلى الكناية التي هي أبلغ منه فصار وهنت عظامي فإن وهن عظام البدن لازم لضعفه، ثم بنيت الكناية على المبتدأ لتقوي الحكم فحصل أنا وهنت عظام بدني، ثم سلك طريق الإجمال والتفصيل لمزيد البيان فصار: إني وهنت العظام من بدني لأنك إذا قلت إني وهنت العظام أفاد أن عظاما واهنة عندك، فإذا قلت: «من بدني» فقد فصلت، ثم ترك توسيط البدن لطلب مزيد اختصاص العظام، ثم لطلب شمول العظام فردا فردا قصدت مرتبة ثانية وهي ترك جمع العظم إلى الإفراد لأن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع فحصل إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي فحصل أني وهنت العظام مني. وإذا حصل الوهن في هذا الجنس الذي هو أصلب الأعضاء وبه قوام البدن وقد يكون جنة لسائر الأعضاء الرئيسة كالقحف للدماغ والقص للقلب ففي الأعضاء الأخر أولى. وأما القرينة الأخرى فتركت الحقيقة فبها الاستعارة التي هي أبلغ فحصل اشتعل شيب رأسي. وبيان الاستعارة فيه أنه شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته، وشبه انتشاره في الشعر وفشوّه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة بالكتابة بأن حذف المشبه به وأداة التشبيه فصار اشتعل شيب رأسي. ويمكن تقرير الاستعارة بوجه آخر وهو أن يكون استعمل اشْتَعَلَ بدل «انتشر» فتكون الاستعارة تبعية تصريحية وقرينتها ذكر الشيب، ثم تركت هذه المرتبة إلى أبلغ منها وهي «اشتعل رأسي شيبا» . وكونها أبلغ من وجهات منها:
إسناد الاشتعال إلى الرأس لإفادته شمول الاشتعال الرأس كما لو قلت: «اشتعل بيتي نارا» مكان «اشتعل النار في بيتي» . ومنها الإجمال والتفصيل الواقعان في طريق التمييز، ومنها تنكير شَيْباً للتعظيم كما هو حق التمييز. ثم عدل إلى مرتبة أخرى هي «اشتعل الرأس مني شيبا» لتوخي مزيد التقرير بالإبهام ثم البيان على نحو وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي ثم ترك لفظ «مني» لسبق ذكره في القرينة الأولى ففي ذلك إحالة تأدية المعنى على العقل دون اللفظ. وكم بين الحوالتين مع أن بناء الكلام على الاختصار حيث قال «رب» بحذف حرف
стр. 2389
النداء وياء المتكلم يناسب الاختصار في آخره. وإنما أطنب في هذا المقام لأن هذه الآية كالعلم فيما بين علماء المعاني.
ثم إنه توسل إلى الله بما سلف له معه من الاستجابة قائلا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا كما حكى أن محتاجا قال لكريم: أنا الذي أحسنت إليّ وقت كذا فقال: مرحبا بمن توسل إلينا وقضى حاجته. تقول العرب: سعد فلان بحاجته إذا ظفر بها، وشقي بها إذا خاب ولم ينلها. ومعنى بِدُعائِكَ أي بدعائي إياك. واعلم أن زكريا ﵇ قدم على السؤال أمورا ثلاثة: الأول كونه ضعيفا، والثاني أنه تعالى لم يرد دعاءه والثالث كون المطلوب بالدعاء سببا للمنفعة في الدين وذلك قوله وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ قال ابن عباس والحسن: أي الورثة. وعن مجاهد العصبة. وعن أبي صالح:
الكلالة. وعن الأصم: بني العم وهم الذين يلونه في النسب. وعن أبي مسلم: المولى يراد به الناصر وابن العم والمالك والصاحب وهو هاهنا من تقدم في ميراثه كالولد.
والمختار أن المراد من الموالي الذين يخلفون بعده إما في السياسة أو في المال الذي كان له أو في القيام بأمر الدين، وكان من عاداتهم أن كل من كان إلى صاحب الشرع أقرب كان متعينا للحبورة. وقوله: مِنْ وَرائِي أي بعد موتي لا يتعلق ب خِفْتُ لأن الخوف بعد الموت محال ولكن بمحذوف أي الموالي الذين يخلفون من بعدي، أو بمعنى الولاية في الموالي أي خفت ولايتهم وسوى خلافتهم بعدي، فإن زكريا انضم له مع النبوّة الملك فخاف بعده على أحدهما أو عليهما. وسبب الخوف القرائن والأمارات التي ظهرت له من صفائح أحوالهم وأخلاقهم. وإنما قال: خِفْتُ بلفظ الماضي لأنه قصد به الإخبار عن تقادم الخوف، ثم استغنى بدلالة الحال كمسألة الوارث وإظهار الحاجة عن الإخبار بوجود الخوف في الحال. وقرىء خِفْتُ الْمَوالِيَ بتشديد الفاء. وعلى هذا فمعنى ورائي خلفي وبعدي أي قلوا وعجزوا عن أمر الدين والإقامة بوظائفه، والظرف متعلق بالموالي، أو معناه قدامي والظرف متعلق ب خِفْتُ أي درجوا ولم يبق من يعتضد به. ثم صرح بالمسألة قائلا: فَهَبْ لِي وأكده بقوله: مِنْ لَدُنْكَ أي وليا صادرا من عندك مضافا إلى اختراعك بلا سبب لأني وامرأتي لا تصلح للولادة. من قرأ يَرِثُنِي وَيَرِثُ بالجزم فيهما فهو جواب الدعاء، ومن قرأ برفعهما فالأكثرون ومنهم جار الله قالوا: إنه صفة.
وقال صاحب المفتاح: الأولى حمله على الاستئناف كأنه قيل: لم تطلب الولد؟ فقال مجيبا: يرثني أي لأنه يرثني لئلا يلزم منه أنه لم يوهب من وصف لهلاك يحيى قبل زكريا.
واعترض بأن حمله على الاستئناف يوجب الإخبار عما لم يقع، وكذب النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 2390
أمنع من كونه غير مستجاب الدعوة. وأجيب بأن عدم ترتب الغرض من طلب الولد لا يوجب الكذب. وأقول: الاعتراض باق لأن المعنى يؤل إلى قولنا «هب لي وليا موصوفا بالوراثة» أو بأن الغرض منه الوراثة، أوهب لي وليا أخبر عنه بأنه يرثني. وعلى التقادير يلزم عدم الاستجابة أو الكذب. والحق في الجواب هو ما سلف لنا في قصة زكريا من سورة آل عمران، أن النبي لا يطلب في الدعاء إلا الأصلح حتى لو كان الأصلح غير ما طلبه فصرفه الله تعالى عنه كان المصروف إليه هو بالحقيقة مطلوبه. ويمكن أن يقال: لعل الوراثة قد تحققت من يحيى وإن قتل قبل زكريا، وذلك بأن يكون قد تلقى منه كتاب أو شرع هو المقصود من وجود يحيى وبقي ذلك الكتاب أو الشرع معمولا به بعد زكريا أيضا إلى حين. وقد روى صاحب الكشاف هاهنا قراءات شاذة لا فائدة كثيرة في تعدادها إلى قوله عن علي وجماعة وأرث من آل يعقوب أي يرثني به وارث ويسمى التجريد في علم البيان.
فقيل: هو أن تجرد الكلام عن ذكر الأول حتى تقول «جاءني فلان فجاءني رجل» لا تريد به إلا الأول، ولذلك تذكر اسمه في الجملة الثانية، وتجرد الكلام عنه. وأقول: يشبه أن يكون معنى التجريد هو أنك تجرده عن جميع الأوصاف المنافية للرجولية. وكذا في الآية كأنه جرده عن منافيات الوارثية بأسرها.
واختلف المفسرون في أنه طلب ولدا يرثه أو طلب من يقوم مقامه ولدا كان أو غيره؟ والأول أظهر لقوله في آل عمران رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً [آل عمران:
٣٨] ولقوله في سورة الأنبياء رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً [الأنبياء: ٨٩] حجة المخالف أنه لما بشر بالولد استعظم وقال أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولو كان دعاؤه لأجل الولد ما استعظم ذلك. والجواب ما مر في آل عمران. واختلفوا أيضا في الوراثة فعن ابن عباس والحسن والضحاك: هي وراثة المال. وعنهم أيضا أن المراد يرثني المال ويرث من آل يعقوب النبوّة أو بالعكس. وفي رواية أبي صالح أن المراد في الموضعين النبوّة. فلفظ الإرث مستعمل في المال وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ [الأحزاب: ١٧] وفي العلم وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ [غافر: ٥٣]
«العلماء ورثة الأنبياء»
وحجة الأولين ما
روي أنه ﷺ قال: «رحم الله زكريا وما عليه من يرثه»
فإن ظاهره يدل على أنه أراد بالوراثة المال. وكذا
قوله ﷺ «أنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة»
«١» ، وأيضا العلم والنبوة كيف
стр. 2391
يحصل بالميراث ولو كان المراد إرث النبوّة لم يحتج إلى قوله: وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا لأن النبي لا يكون إلا مرضيا. وأجيب بأنه إذا كان المعلوم من حال الابن أنه يصير نبيا بعده فيقوم بأمر الدين جاز أن يقال ورثه. والمراد يكون رضيا أن لا يوجد منه معصية ولا همّ بها كما جاء في حق يحيى، وقد مر الحديث هناك. ولا يلزم من هذا أن يكون يحيى مفضلا على غيره من الأنبياء كلهم فلعل لبعضهم فضائل أخر تختص به. احتجت الأشاعرة بالآية في مسألة خلق الأعمال، وأجابت المعتزلة بأنه يفعل به ضروب الألطاف فيختار ما يصير مرضيا عنده، وزيف بأن ارتكاب المجاز على خلاف الأصل، وبأن فعل الألطاف واجب على الله فطلب ذلك بالدعاء والتضرع عبث. واعلم أن أكثر المفسرين على أن يعقوب المذكور في الآية هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم لأن زوجة زكريا كانت من ولد سليمان بن داود من ولد يهودا بن يعقوب، وأما زكريا فقد كان من ولد هرون أخي موسى وهرون وموسى ولد لاوى بن يعقوب بن إسحق، وكانت النبوّة في سبط وهو إسرائيل ﵇. وزعم بعض المفسرين أن المراد هو يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان وهذا قول الكلبي ومقاتل. وعن مقاتل: أن بني ماثان كانوا رؤوس بني إسرائيل وملوكها.
قوله: يا زَكَرِيَّا الأكثرون على أنه نداء من الله تعالى لقرينة التخاطب من قوله:
رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي إلى قوله: رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ومنهم من قال: هو نداء الملك لقوله في آل عمران فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ [الآية: ٤٩] وجوز بعضهم الأمرين.
واختلفوا في عدم السمي فقيل: أراد أن لم يسم أحد بيحيى قبله. وقيل: أراد أنه لا نظير له كقوله هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: ٦٥] وذلك أنه سيدا وحصورا ولم يعص ولم يهم بمعصية فكأنه جواب لقوله: وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا وأيضا سمي بيحيى قبل دخوله في الوجود ولد بين شيخ فان وعجوز عاقر فلا نظير له في هذه الخواص. قال بعض العلماء:
القول الأول أظهر لما في الثاني من العدول عن الظاهر ولا يصار إليه لضرورة كما في قوله: فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: ٦٥] لأنا نعلم أن مجرد كونه تعالى لا سميّ له لا يقتضي عبادته فنقول: السّميّ هناك يراد به المثل والنظير. ويمكن أن يقال: إن التفرد بالاسم فيه ضرب من التعظيم فلا ضرورة في الآية أيضا. قال جار الله:
إنما قيل للمثل سميّ لأن كل متشاكلين يسمى كل منهما باسم المثل والشبيه والشكل والنظير، فكل واحد منهما سمي. قلت: ويقرب هذا من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم.
ولم سمي بيحيى؟ تكلفوا له وجوها. فعن ابن عباس لأنه تعالى أحيا عقر أمه. وعن قتادة لأنه تعالى أحيا قلبه بالإيمان والطاعة أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [الأنعام: ١٢٢] إِذا
стр. 2392
دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٢٤] . ولهذا كان من أول من آمن بعيسى. وقيل: لأنه استشهد والشهداء أحياء. وقيل: لأن الدين أحيى به لأن زكريا سأله لأجل الدين. قوله:
وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ قال جار الله: أي من أجل الكبر والطعن في السن العالية ف «من» للتعليل، ويجوز أن تكون للابتداء أي بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى عِتِيًّا وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام. يقال: عتا العود عتيا إذا غيره طول الزمان إلى حالة اليبس.
سؤال: إنه قال في آل عمران وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ [آل عمران: ٤٠] فلم عكس الترتيب في هذه السورة؟ وأجيب بأن الواو لا تفيد الترتيب. قلت: إن ذلك ورد على الأصل وهو تقديم نقص نفسه وهاهنا راعى الفاصلة. قالَ الأمر كَذلِكَ تصديقا له. ثم ابتدأ قائلا قالَ رَبُّكَ فمحل كَذلِكَ رفع، ويحتمل أن يكون نصبا قالَ وذلك إشارة إلى مبهم يفسره قوله: هُوَ أي خلق الغلام عَلَيَّ هَيِّنٌ ويحتمل أن يكون إشارة إلى قول زكريا أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ أي كيف تعطيني الغلام أبأن تجعلني وزوجتي شابين أو بأن تتركنا على الشيخوخة؟ فأجيب بقوله: كَذلِكَ أي نهب الولد لك مع بقائك وبقاء زوجتك على حالتكما. ولفظ الهين مجاز عن كمال القدرة وهو فيعل من هان الشيء يهون إذا لم يصعب ولم يمتنع عن المراد وَلَمْ تَكُ شَيْئاً لأن المعدوم ليس بشيء أو شيئا يعتد به كالنطفة، أو كالجواهر التي لم تتألف بعد، فيه نفي استبعاد زكريا، لأن خلق الذات ثم تغييرها في أطوار الصفات ليس أهون من تبديل الصفات وهو أحداث القوة المولدة في زكريا وصاحبته بعد أن لم تكن قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قد مر تفسير الآية في أول عمران. قوله: سَوِيًّا قيل: إنه صفة لليالي أي تامة كاملة. والأكثرون على أنه صفة زكريا أي وأنت سليم الحواس مستوى الخلق ما بك خرس ولا عيّ فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ قيل: كان له موضع ينفرد فيه للصلاة والعبادة ثم ينتقل إلى قومه. وقيل: كان موضعا يصلي فيه هو وغيره إلا أنهم كانوا لا يدخلونه للصلاة إلا بإذنه. فَأَوْحى إِلَيْهِمْ عن مجاهد: أشار بدليل قوله في أول آل عمران إِلَّا رَمْزاً وعن ابن عباس: كتب لهم على الأرض. وأَنْ هي المفسرة وسَبِّحُوا أي صلوا أو على الظاهر وهو قول سبحان الله. عن أبي العالية أن البكرة صلاة الفجر والعشيّ صلاة العصر، فلعلهم كانوا يصلون معه هاتين الصلاتين في محرابه، وكان يخرج إليهم ويأذن لهم بلسانه، فلما اعتقل لسانه خرج إليهم كعادته ففهمهم المقصود بالإشارة أو الكتابة. وهاهنا إضمار والمراد فبلغ يحيى المبلغ الذي يجوز أن يخاطب فقلنا له: يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ أي التوراة لأنها
стр. 2393
المعهود حينئذ، ويحتمل أن يكون كتابا مختصا به وإن كنا لا نعرفه الآن كقول عيسى إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ [مريم: ٣٠] والمراد بالأخذ إما الأخذ من حيث الحس، وإما الأخذ من حيث المعنى وهو القيام بمواجبه كما ينبغي وذلك بتحصيل ملكة تقتضي سهولة الإقدام على المأمور به والإحجام عن المنهي عنه. ثم أكده بقوله: بِقُوَّةٍ أي بجد وعزيمة. وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ أي الحكمة. عن ابن عباس: هو فهم التوراة والفقه في الدين ولذلك لما دعاه الصبيان إلى اللعب وهو صبي قال: ما للعب خلقت. وعن معمر:
العقل. وقيل: النبوة. وكل هذه الأوصاف على الأقوال من الخوارق كما في حق عيسى فلا استبعاد إلا من حيث العادة. والحنان أصله توقان النفس، ثم استعمل في الرحمة وهو المراد هاهنا. وما قيل إنه يحتمل أن يراد حنانا منا على زكريا أو على أمة يحيى لا يساعده وجود الواو. وقيل: أراد آتيناه الحكم والحنان على عبادنا كقوله في نبينا فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [آل عمران: ١٥٩] وأراد بقوله: وَزَكاةً أنه مع الإشفاق عليهم كان لا يخل بإقامة ما يجب عليهم لأن الرأفة واللين ربما تورث ترك الواجب ولهذا قال: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ [النور: ٢] ولا يخفى أنه يساعد هذا القول وجود لفظة مِنْ لَدُنَّا وعن عطاء: أن معنى حنانا تعظيما من لدنا. وعن ابن عباس وقتادة والضحاك وابن جريج: أن معنى زكاة عملا صالحا زكيا. وقيل: زكيناه بحسن الثناء عليه كما يزكى الشهود. وقيل: بركة كقول عيسى جَعَلَنِي مُبارَكاً وقيل: صدقة أي ينعطف على الناس ويتصدق عليهم.
ثم أخبر محمد ﷺ عن جملة أحواله بقوله: وَكانَ تَقِيًّا بحيث لم يعص الله ولا هم بمعصية قط وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ
لأن تعظيم الوالدين تلو تعظيم الله وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا
وذلك أن الزاهد في الدنيا قلما يخلو عن طلب ترفع والرغبة في احترام، فذكر أنه مع غاية زهده كان موصوفا بالتواضع للخلق وتحقيق العبودية للحق. قال سفيان: الجبار الذي يقتل عند الغضب دليله قوله: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ [القصص: ١٩] ثم إنه سبحانه سلم عليه في ثلاثة مواطن هي أوحش المواطن وأحوجها إلى طلب السلامة فيها، ويحتمل أن يكون هذا السلام من الملائكة عليه إلا أنه لما كان بإذن الله كان كلام الله، وقيل: إنما قال:
حَيًّا
مع أن المبعوث هو المعاد إلى حال الحياة تنبيها على كونه من الشهداء وهم أحياء إلا أنه يشكل بما يجيء في قصة عيسى وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [مريم: ٣٣] وذلك أنه ورد في الأخبار أن عيسى سيموت بعد النزول. والظاهر أنه أراد ويوم يجعل حيا فوضع الأخص
стр. 2394
موضع الأعم تأكيدا. قيل: السلام عليه يوم ولد لا بد أن يكون تفضلا من الله تعالى لأنه لم يتقدم منه عمل يجزى عليه، وأما الآخران فيجوز أن يكونا لأجل الثواب. قلت: أكثر أموره خارق للعادة، فيحتمل أن يوجد منه في بطن أمه عمل يستحق الثواب كما يحكى أن أمه قالت لمريم وهما حاملان: إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك.
التأويل:
إن زكريا الروح نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا من سر السر قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ مني عظم الروحانية واشتعل شيب صفات البشرية، وإني خفت صفات النفس أن تغلب وَكانَتِ امْرَأَتِي يعني الجثة التي هي روح الروح عاقِراً لا تلد إلا بموهبة من الله فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سأل وَلِيًّا فأعطاه الله نبيا وهو في الحقيقة القلب الذي هو معدن العلم اللدني فإنه ولد الروح والنفس أعدى عدوه يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ أي يتصف بصفة الروح وجميع الصفات الروحانية وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا بأن توطنه من تجلي صفات ربوبيتك ما يرضى به نظيره وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [الضحى: ٥] اسْمُهُ يَحْيى إن الله أحياه بنوره ولَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا لا من الحيوانات ولا من الملائكة لأنه هو الذي يقبل فيض الألوهية بلا واسطة، وهو سر حمل الأمانة كما
قال: «ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن»
وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ أي بسبب طول زمان تعلق القلب بالقالب عِتِيًّا يبسا وجفافا من غلبات صفات النفس آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ لا تخاطب إلا الله ولا تلتفت إلى ما سواه ثَلاثَ لَيالٍ هي ثلاث مراتب الجماديات والحيوانيات والروحانيات سَوِيًّا متمكنا في هذا الحال من غير تلون فَخَرَجَ زكريا الروح من محراب هواه وطبعه على قوم صفات نفسه وقلبه وأنانيته، فأشار إليهم أن كونوا متوجهين إلى الله معرضين عما سواه آناء الليل وأطراف النهار بل بكرة الأزل وعشيّ الأبد يا يَحْيى القلب خُذِ كتاب الفيض الإلهي المكتوب لك في الأزل بِقُوَّةٍ ربانية لا بقوة جسدانية لأنه خلق ضعيفا وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ في صباه إذ خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره زَكاةً وتطهرا من الالتفات إلى غيرنا وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ
الروح والقالب.
أما بالروح فلأن القلب محل قبول الفيض الإلهي لأن الفيض نصيب الروح أوّلا ولكن لا يمسكه لغاية لطافته كما أن الهواء الصافي لا يقبل الضوء وينفذ فيه، وأما القلب ففيه صفاء وكثافة فبالصفاء يقبل الفيض وبالكثافة يمسكه، وهذا أحد أسرار حمل الأمانة. وأما بر والدة القالب فهو استعمالها على وفق الشريعة والطريقة وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا
كالنفس الأمارة بالسوء وسلام عليه يوم يولد في أصل خلقه وَيَوْمَ يَمُوتُ
من استعمال المعاصي بالتوبة وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
بالتربية والترقي إلى مقام السلامة الله حسبي.
стр. 2395
[سورة مريم (١٩) : الآيات ١٦ الى ٤٠]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (١٧) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (١٩) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠)
قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا (٢٢) فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (٢٣) فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا (٢٥)
فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (٢٧) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)
وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥)
وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٤٠)
القراآت:
إِنِّي أَعُوذُ
بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. ليهب لك على الغيبة: أبو عمرو ويعقوب وورش والحلواني عن قالون وحمزة في الوقف.
الآخرون لِأَهَبَ
على التكلم نَسْياً بفتح النون: حمزة وحفص. والباقون بكسرها.
مِنْ تَحْتِها بكسر الميم على أنه حرف جر وبجر التاء الثانية: أبو جعفر ونافع وسهل وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. الباقون بفتحهما على أن «من» موصولة والظرف صلتها تُساقِطْ بحذف تاء التفاعل: علي وحمزة والخزاز عن هبيرة.
تُساقِطْ من المفاعلة: حفص غير الخزاز يساقط بياء الغيبة، على أن الضمير للجذع وبإدغام التاء في السين: سهل ويعقوب ونصير وحماد. الباقون مثله ولكن بتاء التأنيث على أن الضمير للنخلة آتانِيَ الْكِتابَ ممالة مفتوحة الياء: عليّ. وقرأ حمزة مرسلة الياء
стр. 2396
مفخمة في الوصل ممالة في الوقف. وَأَوْصانِي بالإمالة: علي قَوْلَ الْحَقِّ بالنصب:
ابن عامر وعاصم ويعقوب. وَإِنَّ اللَّهَ بكسر الهمزة: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وروح والمعدل عن زيد
الوقوف:
مَرْيَمَ
لا ليصير «إذ» ظرفا لأذكر شَرْقِيًّا
لا للعطف زَكِيًّا
هـ بَغِيًّا هـ كَذلِكِ ط لما مر هَيِّنٌ ج لجواز كون الواو مقحمة أو معلقة بمحذوف كما يجيء مِنَّا ج لاختلاف الجملتين مَقْضِيًّا هـ قَصِيًّا هـ النَّخْلَةِ ج لترتب الماضي من غير عاطف والأولى أن يكون استئنافا مَنْسِيًّا هـ سَرِيًّا هـ جَنِيًّا هـ ز عَيْناً هـ ج للشرط مع الفاء أَحَداً لا لأن ما بعده جواب الشرط إِنْسِيًّا هـ ج للعطف مع الآية تَحْمِلُهُ ط فَرِيًّا هـ بَغِيًّا هـ ج إِلَيْهِ ج صَبِيًّا هـ عَبْدُ اللَّهِ ط لأن الجملة لا تقع صفة للمعرفة. ويمكن أن يجعل معنى التحقيق في «إن» عاملا فيكون حالا فلا يوقف أَيْنَ ما كُنْتُ ص لطول الكلام حَيًّا ص هـ لذلك والوصل أولى لأن قوله وَبَرًّا معطوف على قوله مُبارَكاً. بِوالِدَتِي ج لتبدل الكلام من الإثبات إلى النفي شَقِيًّا، حَيًّا هـ، عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ج على القراءتين لاحتمال أن يراد أقول قول الحق وأن يجعل حالا، وأما في قراءة الرفع فإما أن يكون بدلا من عيسى أو يكون التقدير هو قول الحق يَمْتَرُونَ هـ، مِنْ وَلَدٍ هـ استعجالا للتنزيه سُبْحانَهُ ط فَيَكُونُ هـ ط لمن قرأ وَإِنَّ بالكسر فَاعْبُدُوهُ ط مُسْتَقِيمٌ، هـ مِنْ بَيْنِهِمْ ج لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء عَظِيمٍ هـ وَأَبْصِرْ لا لأن ما بعده ظرف للتعجب مُبِينٍ هـ وسمعت عن مشايخي ﵏ أن الوقف على قوله قُضِيَ الْأَمْرُ لازم لا أقل من المطلوب لأن ما بعده جملة مستأنفة ولو وصل لأوهم أن يكون حالا من القضاء وليس كذلك لا يُؤْمِنُونَ، هـ يُرْجَعُونَ هـ.
التفسير:
هذا شروع في ابتداء خلق عيسى ولا ريب أن خلق الولد بين شيخين فانيين أقرب إلى مناهج العادات من تخليق الولد من غير أب، فلهذا أخرت قصة عيسى عن قصة يحيى ترقيا من باب التفهم من الأدنى إلى الأعلى. وقوله «إذ» بدل الاشتمال من مريم لأن الأزمان مشتملة على ما فيها، وفي هذا الإبدال تفخيم لشأن الوقت كوقوع قصتها العجيبة فيه. والانتباه «افتعال» من النبذ الطرح كأنها ألقت نفسها إلى جانب معتزلة عن الناس في مكان يلي شرقي بيت المقدس أو شرقي دارها. قال ابن عباس: من هاهنا اتخذت النصارى المشرق قبلة فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً
لا بد لهذا الاحتجاب من غرض صحيح فمن المفسرين من قال: إنها لما رأت الحيض تباعدت عن مكانها المعتاد لكي تنتظر الطهر فتغتسل وتعود، فلما طهرت جاء جبريل ﵇، وقيل: طلبت الخلوة لأجل العبادة.
стр. 2397
وقيل: في مشربة للاغتسال من الحيض محتجبة بحائط أو شيء يسترها. وقيل: كانت في منزل زوج أختها زكريا ولها محراب على حدة تسكنه، وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها بابها فتمنت أن تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها، فانفجر السقف لها فخرجت وجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها الملك وذلك قوله: فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا
يعني جبرائيل لأن الدين يحيا به وبوحيه، والإضافة للتشريف والتسمية مجاز كما تقول لمن تحبه إنه روحي فَتَمَثَّلَ لَها
حال كونه بَشَراً سَوِيًّا
تام الخلق أو حسن الصورة. وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه، وتدرع الروحاني كجبريل مثلا تارة بالهيكل العظيم وأخرى بالصغير غير مستبعد، والذين اعتقدوا أن جبرائيل جسماني جوزوا أن يكون له أجزاء أصلية قليلة وأجزاء فاضلة، فبتلك الأجزاء الأصلية يكون متمكنا من التشبه بصورة الإنسان، ولندرة أمثال هذه الأمور لا يلزم منها قدح في العلوم العادية المستندة إلى الإحساس. فلا يلزم الشك في أن زيدا الذي نشاهده الآن هو الذي شاهدناه بالأمس. قوله:
إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
أي إن كان يرجى منك أن تتقي الله وترجع بالاستعاذة به فإني عائذة به منك. وقيل: إنه كان في ذلك العصر إنسان فاجر اسمه تقي وكان يتتبع النساء فظنت أن ذلك المتمثل هو ذلك الشخص فاستعاذت بالله. وقيل: «إن» نافية أي ما كنت تقيا حين استحللت النظر إلي وخلوت بي. وحين علم جبريل خوفها قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ
أرسلني لِأَهَبَ لَكِ
أو ليهب لك غُلاماً زَكِيًّا
طاهرا من الذنوب ينمو على النزاهة والعفة. وكيف زال خوفها بمجرد القيل؟ احتمل أن يكون قد ظهر لها معجزة من جهة زكريا أو إرهاصا لعيسى أو إلهاما من الله سبحانه. وهل تقدر الملائكة على تركيب الأجزاء وخلق الحياة والنطق حتى صح قول جبرائيل لِأَهَبَ لَكِ
؟ قال: اجتمعت الأمة على أن لا قدرة للأجسام على إيجاد الجواهر وإعدامها وإلا فلا استبعاد في تأثير بعض الأجسام في بعضها الخاصية خصها الله بها. ووجه صحة هذه القراءة أن جبرائيل صار سببا في الهبة بالنفخ في الدرع.
قالَتْ استغرابا من حيث العادة لا تشكيكا في قدرة الله أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولم تقل هاهنا «رب» إما لأنها تخاطب جبرائيل، وإما اكتفاء بما سلف في آل عمران وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا هي الفاجرة التي تبغي الرجال. عن المبرد أن أصله يغوى على «فعول» قلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء وكسرت الغين للمناسبة. عن ابن جنى أنه «فعيل» وإلا لقيل بغو كنهو عن المنكر خصصت بعد ما عممت لزيادة الاعتبار بهذا الخزي تبرئة لساحتها عن الفحشاء. ولما جرى في أول القصة من تمثل جبرائيل لها بصورة البشر
стр. 2398
حتى ظنت أنه يريدها بسوء فاستعاذت بالرحمن منه بخلاف هذه القصة في آل عمران فإنها بنيت على الأمن والبشارة بقوله: وإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ [آل عمران: ٤٥] فلم تحتج إلى هذه الزيادة. وقال جار الله: المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه كناية عنه في قوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [البقرة: ٢٣٧] أو لمستم النساء [النساء: ٤٣] وإنما يقال في الزنا «فجر بها» و «خبث بها» ونحو ذلك ولا يليق به الكنايات والآداب. قلت لو سلم هذا من حيث اللغة إلا أنه لا بد لزيادة قوله: وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا في هذا المقام من فائدة وقد عرفت ما سنح لنا والله أعلم. قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ تفسيره كما مر في قصة زكريا وَلِنَجْعَلَهُ أي ولنجعل الغلام أو خلقه آيَةً لِلنَّاسِ يستدل بها على كمال اقتدارنا على إبداع الغرائب فعلنا ذلك، ويجوز أن يكون معطوفا على تعليل مضمر يتعلق بما يدل عليه هَيِّنٌ أي تخلقه لنبين به قدرتنا وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً وقد مر مثل هذا في قوله: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ [يوسف: ٢١] وَرَحْمَةً مِنَّا على عبادنا لأن كل نبي رحمة لأمته فبه يهدون إلى صلاح الدارين وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا مقدرا في اللوح أو أمرا حقيقا بأن يقضي به لكونه آية ورحمة، وهذا مبني على أن رعاية الأصلح واجبة على الله. وهاهنا إضمار قال ابن عباس: فاطمأنت إلى قوله فدنا منها فنفخ في جيب درعها فوصلت النفخة إلى بطنها فحملت. وقيل: في ذيلها فوصلت إلى الفرج. وقيل: في فمها. وقيل: إن النافخ هو الله كقوله وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ص: ٧٢] وعلى هذا يقع تقديم ذكر جبرائيل كالضائع ولا سيما في قراءة من قرأ لِأَهَبَ لَكِ
قيل: حملته وهي بنت ثلاث عشرة سنة. وقيل: بنت عشرين وقد حاضت حيضتين قبل أن تحمل. وكم مدة حملها؟ عن ابن عباس في رواية تسعة أشهر كما في سائر النساء لأنها لو كانت مخالفة لهن في هذه العادة لناسب أن يذكرها الله تعالى في أثناء مدائحها. وقيل: ثمانية أشهر ولم يعش مولود لثمانية إلا عيسى. قال أهل التنجيم: إنما لا يعيش لأنه يعود إلى تربية القمر وهو مغير معفن بسرعة حركته وغلبة التبريد والترطيب عليه. وعن عطاء وأبي العالية والضحاك: سبعة أشهر. وقيل: ستة أشهر. وقيل: حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها. وعن ابن عباس في رواية أخرى: كما حملته نبذته لقوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ إلى قوله: كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: ٥٩] ولفاآت التعقيب في قوله: فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ وعلى هذا فالمكان القصي هو أقصى الدار أو وراء الجبل بعيدا من أهلها. ومعنى انتبذت به اعتزلت متلبسة به وهو في بطنها. وقصى مبالغة قاص.
стр. 2399
وروى الثعلبي عن وهب قال: إن مريم لما حملت فأول من عرف هو يوسف النجار ابن عمها وكانت سميت له، وكانا يخدمان المسجد ولا يعلم من أهل زمانهما أكثر عبادة وصلاحا منهما. فقال لها: إنه وقع في نفسي من أمرك شيء ولا أحب أن أكتمه عنك.
فقالت: قل قولا جميلا. فقال: أخبريني يا مريم هل نبت زرع بغير بذر؟ قالت: نعم. ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر! أو تقول: إن الله لا يقدر على الإنبات حتى يستعين بالماء، ألم تعلم أن الله تعالى خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى! فقال يوسف: لا أقول هذا ولكني أقول: إن الله قادر على ما يشاء، وزالت التهمة عن قلبه وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لضيق قلبها واستيلاء الضعف عليها من الحمل. فحين دنا نفاسها أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك لئلا يقتلوا ولدك، فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له، فلما بلغت تلك الدار أدركها النفاس فألجأها إلى أصل نخلة.
قال جار الله: منقول من جاء إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء. لا يقال: جئت المكان وأجاءنيه زيد كما يقال بلغته وأبلغنيه، ونظيره «آتى» حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء ولم يقل «أتيت المكان وآتانيه فلان» . قلت: حاصله تخصيص باء التعدية بعد تعميم والْمَخاضُ بفتح الميم وجع الولادة. قال الجوهري: مخضت الناقة بالكسر مخاضا مثل سمع سماعا. قيل: طلبت الجذع لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة. يروى أنه كان جذعا لنخلة يابسة في الصحراء ليس لها رأس ولا ثمرة خضرة، وكان الوقت شتاء والتعريف إما كتعريف النجم والصعق لكون ذلك الجذع مشهورا هناك، وإما للجنس أي جذع هذه الشجرة خاصة أرشدت إليها لتطعم منها الرطب الذي هو خرسة النفساء أي طعامها الموافق لها، ولأن النخلة أقل الأشياء صبرا على البرد ولا تثمر إلا باللقاح فكان ظهور ذلك الرطب من ذلك الجذع في الشتاء من دون لقاح وإبار دليلا على حصول الولد من غير ذكر.
قال في الكشاف: النسي اسم ما من حقه أن يطرح وينسى كخرقة الطامث ونحوها، ونظير الذبح لما من شأنه أن يذبح. وعن يونس: أن العرب إذا ارتحلوا قالوا: انظروا أنساءكم يعنون العصا والقدح والشظاظ ونحوها. تمنت لو كانت شيئا يعبأ به فحقه أن ينسى في العادة.
ومعنى مَنْسِيًّا أنه قد نسي وطرح فوجد فيه النسيان الذي هو حقه. وإنما تمنت ذلك لما لحقها من فرط الحياء والخجل، أو لأنهم بهتوها وهي عارفة ببراءة ساحتها فشق ذلك عليها، أو لخوفها على الناس أن يعصوا الله بسببها. ومن قرأ نَسْياً بالفتح فقد قال الفراء: هما لغتان كالوتر والوتر. ويجوز أن يكون تسمية بالمصدر كالحمل. وقرىء نسأ بالهمز وهو الحليب المخلوط بالماء ينسؤه أهله لقلته ونزارته فَناداها مِنْ تَحْتِها
стр. 2400
الذي هو تحتها أو إنسان تحتها يعني جبريل بناء على أنه كان يقبل الولد كالقابلة، أو أراد أسفل من مكانها لأن مريم كانت أقرب إلى الشجرة منه، أو كان جبريل تحت الأكمة وهي فوقها فصاح بها لا تحزني. وعن الحسن وسعيد بن جبير أن المراد به عيسى لأن ذكر عيسى أقرب، ولأن موضع اللوث لا يليق بالملك، ولأن الصلة يجب أن تكون معلومة للسامع والذي علم كونه حاصلا تحتها هو الولد ويجري القولان فيمن قرأ بكسر الميم.
وعن عكرمة وقتادة أن الضمير في تحتها للنخلة. قوله: سَرِيًّا جمهور المفسرين على
أن السريّ هو الجدول. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه
وسلم سمي بذلك لأن الماء يسري فيه. وقيل: هو من السر ومعناه سخاء في مروءة: ويقال: فلان من سروات قومه أي من أشرافهم. وجمع السري سراة وجمع سراة سروات. عن الحسن: كان والله عبدا سريا حجة هذا القائل أن النهر لا يكون تحتها بل إلى جنبها ولا يمكن أن يقال: المراد أن النهر تحت أمرها يجري بأمرها ويقف بأمرها كما في قوله: وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزخرف: ٥١] لأنه خلاف الظاهر. وأجيب بأن المكان المستوي إذا كان فيه مبدأ معين فكل من كان أقرب منه كان فوق، وكل من كان أبعد منه كان تحت. وأراد أن النهر تحت الأكمة وهي فوقها. وأيضا حمل السري على النهر موافق قوله: وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ [المؤمنون: ٥٠] وقوله: فَكُلِي وَاشْرَبِي يروى أن جبريل ضرب برجله فظهر ماء عذب. وقيل: كان هناك ماء جار، والأول أقرب لأن قوله قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ مشعر بالأحداث في ذلك الوقت. قال القفال: الجذع من النخلة هو الأسفل وما دون الرأس الذي عليه الثمرة. وقال قطرب: كل خشبة في أصل شجرة هي جذع، والباء في قوله: بِجِذْعِ النَّخْلَةِ كالزائد لأن العرب تقول هزة وهز به والمعنى حركي جذع النخلة أو افعلي الهز به. ورُطَباً تمييز ومفعول تساقط على حسب القراآت اللازمة والمتعدية. وعن الأخفش المراد جواز انتصابه ب هُزِّي أي هزي إليك رطبا جنيا بجذع النخلة أي على جذعها. والجني المأخوذ طريا. والظاهر أنه ما أثمر إلا الرطب وقد صار نخلا. وقيل: إنه كان على حاله وإنه أثمر مع الرطب غيره. قالوا: إذا عسر ولادة المرأة لم يكن لها خير من الرطب، والتمر للنفساء عادة من ذلك الوقت وكذا التحنيك. والمراد أنه جمع لها فائدتان في السري والرطب: إحداهما الأكل والشرب وقدم الأكل مع أن ذكر السري مقدم لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء لكثرة ما سال من الدماء، والثانية سلوة الصدر لكونهما معجزين لزكريا أو إرهاصا لعيسى أو كرامتين لمريم وأشار إلى هذه بقوله: وَقَرِّي عَيْناً لأن قرّة العين تلزم قوة القلب والتسلي من الهموم والأحزان.
стр. 2401
وقيل: إن ألم النفس أشد من ألم البدن، فلم قدم دفع ألم البدن على دفع ألم القلب؟ وأجيب بأن الخوف النفسي كان قليلا لتقدم بشارة جبريل فكان التذكر كافيا فَإِمَّا تَرَيِنَّ أصله ترأيين مثل تسمعين خففت الهمزة وسقطت نون الإعراب للجزم ثم ياء الضمير للساكنين وذلك بعد لحوق نون التأكيد وقد مر في قوله: وإِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ [الإسراء: ٢٣] إذا لتأكيد هذه الصورة يقصد به أن الشرط مما سيقع غالبا فإن مريم لا بد أن ترى أحد من البشر عادة. عن أنس بن مالك: الصوم هنا الصمت. وعن ابن عباس مثله. وقال أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم. وقيل:
أراد الصيام إلا أنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم. قال القفال: لعل مثل هذا النذر يجوز في شرعنا لأن الاحتراز عن كلام البشر يجرد الفكر لذكر الله تعالى وهو قربة، ولعله لا يجوز لما فيه من التضييق والتشديد ولا حرج في الإسلام. وفي الكشاف: نهى رسول الله ﷺ عن صوم الصمت. وروي أنه دخل أبو بكر الصديق على امرأة وقد نذرت أنها لا تتكلم فقال أبو بكر: إن الإسلام هدم هذا فتكلمي. وفي أمرها بهذا النذر معنيان: أحدهما أن كلام عيسى أقوى في إزالة التهمة وفيه أن تفويض الأمر إلى الأفضل أولى، والثاني أن السكوت عن جدال السفهاء أصون للعرض ومن أذل الناس سفيه لم يجد مشافها. وكيف أخبرتهم بالنذر؟ قيل: بالإشارة وإلا لزم النقض. وقيل: خص هذا الكلام بالقرينة العقلية. وقوله: إِنْسِيًّا أراد المبالغة في نفي الكلام أو أراد أني أكلم الملائكة دون الإنس وهذا أشبه بقوله: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ. فَأَتَتْ بِهِ أي بعيسى قَوْمَها تَحْمِلُهُ الجملة حال. عن وهب: قال أنساها كربة الميلاد وما سمعت من الناس ما كان من بشارة الملائكة، فلما كلمها جاءها مصداق ذلك فاحتملته فأقبلت به إلى قومها.
وعن ابن عباس: أن يوسف النجار انتهى بمريم إلى غار فلبثوا فيه أربعين يوما حتى طهرت من نفاسها، ثم جاءت تحمله فكلمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه. فلما دخلت به على قومها تباركوا وقالوا: لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا بديعا من فرى الجلد، وليس في هذا ما يوجب تعييرا أو ذما لأن أمرها كان خارجا عن المعتاد، ويحتمل أن يراد إنه أمر منكر خارج عن طريق العفة والصلاح فيكون توبيخا ويؤكده قولهم:
يا أُخْتَ هارُونَ الآية.
واختلفوا في هارون فقيل: كان أخاها من أبيها من أمثل بني إسرائيل وهذا أظهر لأن حمل اللفظ على الحقيقة أولى من غيره. وقيل:
يروى عن النبي ﷺ أنهم عنوا هارون النبي أخا موسى ﵉ وكانت من أعقاب من كان معه في طبقة
стр. 2402
الأخوة وبينهما ألف سنة وأكثر.
وعن السدي: كانت من أولاده والمراد أنها واحدة منهم كما يقال يا أخا همدان أي يا واحدا منهم. وقيل: أرادوا رجلا صالحا في زمانها أي كنت عندنا مثله في الصلاح. ويحكى أنه تبع جنازته أربعون ألفا كلهم يسمى هارون تبركا به وباسمه. وقيل: كان رجلا طالحا معلنا بالفسق فسموها به وبالتشبيه بسيرته. ويروى أنهم هموا برجمها فَأَشارَتْ إِلَيْهِ أي أن عيسى هو الذي يحكم. وبم عرفت ذلك؟ إما بأن كلمها في الطريق أو بالإلهام أو بالوحي إلى زكريا أو يقول جبريل على أن أمرها بالسكوت بعد ما سبق من البشارة قيل: كان المستنطق لعيسى زكريا. وعن السدي: لما أشارت إليه غضبوا وقالوا لسخريتها بنا أشد علينا من زناهم ثم قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ قال جار الله: «كان» لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماض مبهم يصلح للقريب والبعيد، وهاهنا للزمان القريب عن الحال بدلالة الحال، أو هو حكاية حال ماضية أي كيف عهد قبل عيسى أن يكلم الناس صَبِيًّا في المهد حتى تكلم هذا، ويحتمل أن يقال: «كان» زائدة نظرا إلى أصل المعنى وإن كان يفيد زيادة ارتباط مع رعاية الفاصلة، أو هي تامة صَبِيًّا حال مؤكدة. يروى أنه كان يرضع فلما سمع مقالتهم ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه وتكلم مع جاره وأشار بسبابته قائلا: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ فكان فيه أوّلا رد قول النصارى:
آتانِيَ الْكِتابَ هو الإنجيل والتوراة أي فهمها. وقيل: أكمل الله عقله واستنبأه طفلا بل في بطن أمه. وقيل: أراد أنه سبق في قضائه، أو جعل الآتي لا محالة كأنه قد وجد والأول أظهر وصغر الجسم لا مدح في كمال العقل وخرق العادة فيه أكذا قالوا إن كمال عقله في ذلك الوقت خارق للعادة. فيكون المعجز متقدما على التحدي وهو غير جائز ولو كان نبيا في ذلك الوقت وجب أن يشتغل ببيان الشرائع والأحكام ولو وقع ذلك لاشتهر ونقل. والجواب أن بعض معجزات النبي لا بد أن يكون مقرونا بالتحدي، أما الكل فممنوع، وبعبارة أخرى لا بد أن يكون مقرونا بفعل خارق عن العادة، ولكن كل فعل خارق للعادة فإنه لا يلزم اقترانه بالتحدي، وكذا الكلام في بيان الشرائع فإن بعض أوقات النبي لا بد أن يقترن به التحدي دون كل أوقاته وحالاته، على أنه أشار إلى بعض التكاليف بقوله: وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ كما يجيء. وعن بعضهم أنه كان نبيا لقوله:
وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ولكنه ما كان رسولا لأنه ما جاء بالشريعة في ذلك الوقت ومعنى كونه نبيا أنه رفيع القدر عليّ الدرجة، وضعف بأن النبي في عرف الشرع أخص من ذلك.
ومعنى قوله: مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ نفاعا حيثما كنت روي ذلك عن رسول الله ﷺ .
وقيل معلما للخير، وضلال كثير من أهل الكتاب باختلافهم فيه لا يقدح في منصبه كما قيل:
стр. 2403
عليّ نحت القوافي من معادنها ... وما عليّ إذا لم تفهم البقر
وهذه سنة الله في أنبيائه ورسله كلهم وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا [الفرقان:
٣١]
يروى أن مريم سلمت عيسى إلى المكتب فقالت للمعلم: أدفعه إليك على أن لا تضربه. فقال له: اكتب. فقال له: أي شيء أكتب؟ فقال: اكتب «أبجد» فقال: لا أكتب شيئا لا أدري. ثم قال: إن لم تعلم ما هو فأنا أعلمك. الألف من آلاء الله، والباء من بهاء الله والجيم من جمال الله، والدال من أداء الحق إلى الله.
وقيل: البركة أصلها من بروك البعير والمعنى جعلني ثابتا في دين الله مستقرا فيه. وقيل: البركة هي الزيادة والعلو فكأنه قال: جعلني في جميع الأشياء غالبا منجحا إلى أن يكرمني الله بالرفع إلى السماء. عن قتادة أنه رأته امرأة وهو يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص فقالت: طوبى لبطن حملتك وثدي أرضعت به. فقال عيسى ﵇ مجيبا لها: طوبى لمن تلا كتاب الله واتبع ما فيه ولم يك جبارا شقيا.
وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ أي بأدائهما إما في وقتهما المعين وهو وقت البلوغ، وإما في الحال بناء على أنه كان مع صغره كامل العقل تام التركيب بحيث يقوى على أداء التكاليف ويؤيده قوله ما دُمْتُ حَيًّا وقيل: الزكاة هاهنا صدقة الفطر. وقيل: تطهير البدن البدن من دنس الآثام. وقيل: أوصاني بأن آمركم بهما. وفي قوله: وَبَرًّا بِوالِدَتِي دلالة وإشارة إلى تبرئة أمه من الزنا وإلا لم يكن الرسول المعصوم مأمورا بالبر بها. قال بعض العلماء: لا تجد العاق إلا جبارا شقيا وتلا قوله: وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا ولا تجد سيىء الملكة إلا مختالا فخورا. وقرأ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً [النساء: ٣٦] وإنما نفى عن عيسى الشقاوة ولم ينف عنه المعصية كما نفى عن يحيى لما
جاء في الخبر «ما أحد من بني آدم إلا أذنب أو هم بذنب إلا يحيى بن زكريا»
ومن عقائد أهل السنة أن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر.
قوله: وَالسَّلامُ عَلَيَّ قالت العلماء: إنما عرف السلام هاهنا بعد تنكيره في قصة يحيى لأن النكرة إذا تكررت تعرفت على أن تعريف الجنس قريب من تنكيره. وقيل: إن الأول من الله والقليل عنه كثير.
قليل منك يكفيني ... قليلك لا يقال له قليل
وإني لأرضى منك يا هند بالذي ... لو أبصره الواشي لفرت بلابله
بلا وبأن لا أستطيع وبالمنى ... وبالوعد حتى يسأم الوعد آمله
стр. 2404
والثاني من عيسى والكثير منه لا يبلغ معشار سلام الله. عن بعضهم أن عيسى ﵇ قال ليحيى: أنت خير مني سلم الله عليك وسلمت على نفسي. وأجاب الحسن بأن تسليمه على نفسه هو تسليم الله عليه. وقال جار الله: في هذا التعريف تعريض باللعنة على متهمي مريم وأعدائها من اليهود لأنه إذا زعم أن جنس السلام خاصته فقد عرض بأن ضده عليهم نظيره في قصة موسى وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى [طه: ٤٧] يعني أن العذاب على من كذب وتولى. يروى أنه كلمهم بهذه الكلمات ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغا يتكلم فيه الصبيان. وعن اليهود والنصارى أنهم أنكروا تكلم عيسى في المهد قائلين إن هذه الواقعة مما يتوفر الدواعي على نقلها، فلو وجدت لا شتهرت وتواترت مع شدة غلو النصارى فيه وفي مناقبه. وأيضا إن اليهود مع شدة عداوتهم له لو سمعوا كلامه في المهد بالغوا في قتله ودفعه في طفوليته. وأجاب المسلمون من حيث العقل بأنه لولا كلامه الذي دلهم على براءتها من الذي قذفوها به لأقاموا عليها الحد ولم يتركوها، ولعل حاضري كلامه قليلون فلذلك لم يبلغ مبلغ التواتر، ولعل اليهود لم يحضروا هناك فلذلك لم يشتغلوا وقتئذ بدفعه والله أعلم. ذلِكَ الموصوف بالصفات المذكورة من قوله: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ إلى آخره هو عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وفي كونه ابن لهذه المرأة نفى كونه ابنا على ما زعمت الضالة وأكد هذا المعنى بقوله: قَوْلَ الْحَقِّ فإن كان الحق هو اسم الله فهو كقوله: «كلمة الله» وانتصابه على المدح، وإن كان بمعنى الثابت والصدق فانتصابه على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة المتقدمة كقولك «هو عبد الله الحق» وقَوْلَ الْحَقِّ من إضافة الموصوف إلى الصفة مثل حَقُّ الْيَقِينِ [الواقعة: ٩٥] قد مر آنفا. وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر، أو بدل، أو خبر مبتدأ محذوف. ومعنى تمترون تشكون من المرية الشك، أو المراد يتمارون من المراء اللجاج وذلك أن اليهود قالوا: ساحر كذاب، وقالت النصارى ابن الله وثالث ثلاثة.
ثم صرح ببطلان معتقدهم فقال: ما كانَ لِلَّهِ ما صح له وما استقام أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ كما لا يستقيم أن يكون له شريك، وقد مر مثل هذه الآية في سورة البقرة. والذي نزيده هاهنا أن بعضهم قال: معنى الآية ما كان الله أن يقول لأحد إنه ولدي لأن هذا الخبر كذب والكذب لا يليق بحكمته تعالى. وزعم الجبائي بناء على هذا التفسير أنه ليس لله أن يفعل كل شيء لأن قوله: ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ كقولنا «ما كان لله أن يظلم» فلا يليق شيء منها بحكمته وكمال إلهيته. وأجيب بأن الكذب على الله محال، والظلم تصرف في ملك الغير فلا يتصوّر في حقه. فإن أردتم هذا المعنى فلا نزاع، وإن أردتم شيئا آخر
стр. 2405
فما الدليل على استحالته؟! احتج بعض الأشاعرة بالآية على قدم كلام الله لأن قوله:
كُنْ إن كان قديما فهو المطلوب، وإن كان محدثا احتاج في حدوثه إلى قوله آخر وتسلسل. واستدلت المعتزلة بها على حدوث كلامه قالوا: إن قوله: إِذا قَضى للاستقبال وذلك القول متأخر عن القضاء المحدث، والمتأخر عن المحدث محدث.
وأيضا الفاء في فَيَكُونُ للتعقيب والقول متقدم عليه بلا فصل، والمتقدم على المحدث بزمان قليل محدث، وكلا الاستدلالين ضعيف لأنه لا نزاع في حدوث الحروف وإنما النزاع في كلام النفس. وأيضا قوله: كُنْ عبارة عن نفاذ قدرته ومشيئته وإلا فليس ثم قول لأن الخطاب مع المعدوم عبث ومع الموجود تحصيل الحاصل. ومن الناس من زعم أن المراد من قوله: كُنْ هو صفة التكوين فإنها زائدة على صفة القدرة لأنه قادر على عوالم أخر سوى هذا وغير مكون لها، ولعل هذا الزاعم سمى تعلق القدرة بالمقدور تكوينا. ومن قرأ وَإِنَّ اللَّهَ بالفتح فمعناه ولأن الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ وفيه أن الربوبية هي سبب العبادة فمن لم تصح ربوبيته لم يستحق أن يعبد، ولا رب بالحقيقة إلا الله لانتهاء جميع الوسائط والأسباب إليه، فلا يستحق العبادة إلا هو. وهاهنا نكتة هي أن الله تعالى لا يصح أن يقول: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ فالتقدير قل: يا محمد بعد إظهار البراهين الباهرة على أن عيسى عبد الله إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ قال أبو مسلم الأصفهاني: إنه من تتمة كلام عيسى وما بينهما اعتراض. وعن وهب بن منبه: عهد إليهم حين أخبرهم عن حاله وصفته أن كلنا عبيد الله تعالى فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ أي من بين أهل الكتاب. قال الكلبي: هم اليهود والنصارى. وقيل: النصارى اختلفوا ثم اتفقوا على أن يرجعوا إلى علماء زمانهم وهم يعقوب ونسطور وملكا فقيل للأول: ما تقول في عيسى؟ فقال: هو الله هبط إلى الأرض فخلق وأحيا ثم صعد إلى السماء فتبعه على ذلك خلق كثير وهم اليعقوبية. وسئل الثاني فقال: هو ابن الله فتابعه جم غفير وهم النسطورية، وسئل الثالث فقال: كذبوا وإنما كان عبدا مخلوقا نبيا يطعم وينام فصارا خصمه وهو المؤمن المسلم. وقيل: كانوا أربعة والرابع اسمه إسرائيل فقال: هو إله وأمه إله والثلاثة أقانيم والروح واحد. واعلم أن بحث الحلول والاتحاد فيه طول وقد ينجر الكلام فيه إلى مقامات يصعب الترقي إليها، فلذلك ضل فيه من ضل وزل عنه من زل والله سبحانه أعلى من جميع ذلك وأجل فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ أي من شهودهم هذا الجزاء والحساب في ذلك اليوم، أو من زمان شهودهم، أو من مكان شهودهم فيه وهو الموقف. ويحتمل أن يكون المشهد من الشهادة أي من يشهد عليهم
стр. 2406
الملائكة والأنبياء أو جوارحهم فيه بالكفر والقبائح، أو من مكان الشهادة أو وقتها. وقيل:
هو ما قالوه وشهدوا به في عيسى وأمه يوم ولادته. ومعنى «من» التعليل أي الويل لهم من أجل المشهد وبسببه قال أهل البرهان: إنما قال هاهنا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وفي جم الزخرف فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا [الآية: ٦٥] لأن الكفر أبلغ من الظلم، وقصة عيسى في هذه السورة مشروحة وفيها ذكر نسبتهم إياه إلى الله حتى قال: ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ فذكر بلفظ الكفر، وقصتهم في الزخرف مهملة فوصفهم بلفظ دونه وهو الظلم.
قلت: ويحتمل أن يقال: الظلم إذا أريد به الشرك كان أخص من الكفر فعمم أولا ثم خصص لأن البيان بالمقام الثاني أليق أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ صيغتان للتعجب والمراد أن هاتين الحاستين منهم جديران بتعجب منهما في ذلك اليوم بعد ما كانوا صما وعميا في الدنيا، وذلك لكشف الغطاء ولحاق العيان بالخبر. والتعجب استعظام الشيء بسبب عظمه، ثم جوز استعمال لفظ التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب أو من غير سبب.
قال سفيان: قرأت عند شريح بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ [الصافات: ١٢] فقال: إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب من لا يعلم. فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال: إن شريحا شاعر يعجبه علمه وعبد الله أعلم بذلك منه. والمعنى أنه صدر من الله فعل لو صدر مثله عن الخلق لدل على حصول التعجب في قلوبهم. وقيل: معنى الآية التهدد بما سيسمعون وسيبصرون مما يسوءهم. وقيل: أراد أسمع بهؤلاء وأبصر أي عرفهم مآل القوم الذين يأتوننا ليعتبروا وينزجروا عن الإتيان بمثل فعلهم. وقال الجبائي أن يراد أسمع الناس بهؤلاء وأبصرهم ليعتبروا بسوء عاقبتهم والوجه هو الأول يؤيده قوله: لكِنِ الظَّالِمُونَ أي لكنهم فوضع المظهر موضع المضمر. الْيَوْمَ وهو يوم التكليف فِي ضَلالٍ مُبِينٍ حيث أغفلوا النظر والاستماع وتركوا الجد والاجتهاد في تحصيل الزاد للمعاد وهو يَوْمَ الْحَسْرَةِ لتحسر أهل النار فيه. وقيل: أهل الجنة أيضا إذا رأى الأدنى مقام الأعلى، والأول أصح لأن هذه الخواطر لا توجد في الجنة لأنها دار السرور. وإِذْ بدل من يوم الحسرة أو منصوص بالحسرة. ومعنى قُضِيَ الْأَمْرُ فرغ من الحساب وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار.
وعن النبي ﷺ أنه سئل عنه فقال: «يؤتى بالموت فيذبح كما يذبح الكبش والفريقان ينظران فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرح وأهل النار غما إلى غم» «١»
قال أرباب المعقول: إن الموت عرض فلا يمكن أن يصير حيوانا فالمراد أنه لا
стр. 2407
موت بعد ذلك. عن الحسن وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ متعلق بقوله: فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وقوله:
وَأَنْذِرْهُمْ اعتراض. ويحتمل أن يتعلق ب أَنْذِرْهُمْ أي أنذرهم على هذه الحال غافلين غير مؤمنين. ويحتمل أن يكون «إذ» ظرفا ل أَنْذِرْهُمْ أي أنذرهم حين قضي الأمر ببيان الدلائل وشرح أمر الثواب والعقاب. ثم أخبر عنهم أنهم في غفلة وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ثم قرر بقوله: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ أن أمور الدنيا كلها تزول وأن الخلق كلهم يرجعون إلى حيث لا يملك الحكم إلا الله وفيه من التخويف والإنذار ما فيه.
التأويل:
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ
الأزلي مَرْيَمَ
القلب إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها
تفردت من أهل الدنيا متوجها إلى جانب شروق النور الإلهي فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ
حجاب الخلوة والعزلة فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا
وهو نور الإلهام الرباني والخاطر الرحماني كقوله: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [الشورى: ٥٢١] فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا
كما تمثل روح التوحيد بحروف «لا إله إلا الله» لانتفاع الخلق به. قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ
ظنا منها أنه يشغلها عن الله. قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ
الوارد الرباني لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا
طاهرا عن لوث الظلمة الإنسية وهو النفس المطمئنة القدسية. وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ خاطر من عالم البشرية وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا أطلب غير ما خلقت لأجله وهو التوجه إلى عالم الروح المجرد فَحَمَلَتْهُ بالقوة القريبة من الفعل فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا لافتقاره إلى العبور على منازل الشريعة والطريقة فَأَجاءَهَا مخاض الطلب والتعب إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ وهي كلمة «لا إله إلا الله» التي كان أصلها ثابتا في أرض نفسها قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا قال بعض أهل التحقيق: هذه كلمة يذكرها الصالحون عند اشتداد الأمر عليهم. قال علّي ﵇ يوم الجمل: يا ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة. وعن بلال: ليت بلالا لم تلده أمه. وقيل: إن مريم قالت ذلك لعلمها بأن الله تعالى يدخل النار خلقا كثيرا بسبب تهمتها وبسبب الغلو والتقصير في حق ابنها قلت: إن مريم القلب قالت يا ليتني مت عن اللذات الجسمية قبل هذا الوقت الذي فزت باللذات الحقيقية وكنت نسيا منسيا، فإن الخمول راحة والشهرة آفة فَناداها بلسان الحال من تحت تصرفها من آلات القوى أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ أي تحت تصرفك سَرِيًّا هو الغلام الموعود أو جدول الكشوف والعلوم الدينية وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ بالمداومة على الذكر تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا من المشاهدات والمكاشفات حالا فحالا فَكُلِي وَاشْرَبِي من
стр. 2408
خوان الأفضال وبحر النوال من مادته «أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» «١» وَقَرِّي عَيْناً بأنوار الجمال في حجرة الوصال فَإِمَّا تَرَيِنَّ من السوانح البشرية أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً كما قيل الدنيا يوم ولنا فيه صوم أي الالتفات لغير الله. فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها من عادة الجهال إنكار أحوال أهل الكمال. يا أُخْتَ هارُونَ النفس المطمئنة أو الأمارة بناء على أن هارون كان صالحا أو طالحا وما كانَ أَبُوكِ وهو الروح المفارق امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ وهي القالب بَغِيًّا تستأنس إلى غير عالم الطبيعة التي خلقت لأجلها فَأَشارَتْ إِلَيْهِ فيه أن هذا القوم هم أهل الإشارات فِي الْمَهْدِ مهد السر وذلك المتولد من نفخ الروح في مريم القالب ليس ابنا لله ولا محلا له ولا نفسه.
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ فقوم عبدوا الله لأجله، وقوم عبدوه طمعا في جنته، وقوم عبدوا الهوى وذلك قوله: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أَسْمِعْ بِهِمْ أي بأهل الله وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا فإنهم بالله يسمعون وبه يبصرون.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٤١ الى ٦٥]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٤١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (٤٢) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا (٤٣) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (٤٤) يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (٤٥)
قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥١) وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (٥٣) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥٤) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (٥٧) أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا (٥٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (٦٠)
جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاَّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣) وَما نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)
стр. 2409
القراءات:
رَبِّي إِنَّهُ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو مُخْلَصاً بفتح اللام:
حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل. الباقون بكسرها. إبراهام وما بعده: هشام والأخفش عن ابن ذكوان إذا ابتلي بالياء التحتانية وكذلك في سورة الحج: قتيبة نُورِثُ بالتشديد: رويس.
الوقوف:
إِبْراهِيمَ ط نَبِيًّا هـ شَيْئاً
هـ سَوِيًّا هـ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ ط عَصِيًّا هـ وَلِيًّا هـ يا إِبْراهِيمُ ط ج وقد يوصل ويوقف على آلِهَتِي. مَلِيًّا هـ سَلامٌ عَلَيْكَ ج للابتداء بسين الاستقبال مع أن القائل واحد لَكَ رَبِّي ط حَفِيًّا هـ وَأَدْعُوا رَبِّي ز لانقطاع النظم والوصل أولى لأن عسى لطمع الإجابة بالدعاء شَقِيًّا هـ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا لأن ما بعده جواب لما وَيَعْقُوبَ ط نَبِيًّا هـ نَبِيًّا هـ عَلِيًّا هـ مُوسى ز للابتداء بأن مع أن المراد بالذكر إخلاص موسى نَبِيًّا هـ نَجِيًّا هـ نَبِيًّا هـ إِسْماعِيلَ ز لما مر نَبِيًّا هـ ج للأية مع العطف وَالزَّكاةِ ط مَرْضِيًّا هـ إِدْرِيسَ ز نَبِيًّا هـ عَلِيًّا هـ مَعَ نُوحٍ ز على تقدير ومن ذريته إبراهيم وما بعده قوم إذا تتلى عليهم، وكذا وجه من وقف على ذُرِّيَّةِ آدَمَ أو على إِسْرائِيلَ والأصح أن الكل عطف على ذرية آدم والوقف على قوله: وَاجْتَبَيْنا لئلا يحتاج إلى الحذف وليرجع ثناء السجود والبكاء إلى الكل وَبُكِيًّا هـ غَيًّا هـ شَيْئاً هـ لا بناء على أن جَنَّاتِ بدل من الْجَنَّةَ هـ بِالْغَيْبِ ط مَأْتِيًّا هـ سَلاماً هـ وَعَشِيًّا هـ تَقِيًّا هـ بِأَمْرِ رَبِّكَ ج لاختلاف الجملتين ذلِكَ ج لأن قوله: وَما كانَ معطوف على نَتَنَزَّلُ مع وقوع العارض نَسِيًّا ج هـ، لأن ما بعده بدل أو خبر مبتدأ محذوف لِعِبادَتِهِ ط سَمِيًّا هـ.
التفسير:
إن الذين أثبتوا معبودا سوى الله منهم من أثبت معبودا حيا عاقلا كالنصارى، ومنهم من عبد معبودا جمادا كعبدة الأوثان، وكلا الفريقين ضال إلا أن الفريق الثاني أضل. وحين بين ضلال الفريق الأول شرع في بيان ضلال الفريق الثاني تدرجا من الأسهل إلى الأصعب. وإنما بدأ بقصة إبراهيم ﵇ لأنه كان أبا العرب وكانوا مقرين بعلوّ شأنه وكمال دينه فكأنه قال لهم: إن كنتم مقلدين فقلدوه في ترك عبدة الأوثان
стр. 2410
وعبادتها، وإن كنتم مستدلين فانظروا في الدلائل التي ذكرها على أبيه. والمراد بذكر الرسول إياه في الكتاب أن يتلو ذلك على الناس كقوله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ [الشعراء: ٦٩] وإلا فهو سبحانه هو الذي يذكره في تنزيله. وقوله: إِذْ قالَ
بدل من إِبْراهِيمَ وما بينهما اعتراض، ولمكان هذا الاعتراض صار الوقف على إِبْراهِيمَ مطلقا. وجوز في الكشاف أن يتعلق «إذ» ب كانَ أو ب صِدِّيقاً نَبِيًّا أي كان جامعا لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه تلك المخاطبات. والصديق من أبنية المبالغة فهي إما مبالغة صادق لأن ملاك أمر النبوة الصدق، وإما مبالغة مصدق وذلك لكثرة تصديقه الحق وهذا أيضا بالحقيقة يعود إلى الأول، لأن مصدق الحق لا يعتبر تصديقه. إلا إذا كان صادقا جدا في أقواله مصدقا لجميع من تقدم من الأنبياء والكتب، وكان نبيا في نفسه رفيع القدر عند الله وعند الناس بحيث جعل واسطة بينه وبين عباده.
وقيل: إن «كان» بمعنى «صار» والأصح أنه بمعنى الثبوت والاستمرار أي إنه لم يزل موصوفا بالصدق والنبوة في الأوقات الممكن له ذلك فيها. والتاء في يا أَبَتِ
عوض من ياء الإضافة وقد مر في أول سورة يوسف. أورد على أبيه الدلائل والنصائح وصدر كلا منها بالنداء المتضمن للرفق واللين استمالة لقلب أبيه وامتثالا لأمر ربه على ما
رواه أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «أوحى الله إلى إبراهيم إنك خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن أظله تحت عرشي وأسكنه حظيرة القدس وأدنيه من جواري» .
فقوله: لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ
منسيّ المفعول لا منويه فإن الغرض نفي الفعلين على الإطلاق دون التقييد. و «ما» موصولة أو موصوفة أي الذي لا يسمع أو معبودا لا يسمع وشَيْئاً
مفعول به من قوله:
«أغن عني وجهك» أي ادفعه. ويجوز أن يكون بمعنى المصدر أي شيئا من الإغناء، وعلى هذا يجوز أن يقدر نحوه مع الفعلين السابقين أي لا يسمع شيئا من السماع إلى آخره.
وحاصل الدليل أن العبادة غاية الخضوع فلا يستحقها إلا أشرف الموجودات لا أخسها وهو الجماد غاية عذرهم عن تلك هي أنها تماثيل أشياء يتصوّر نفعها أو ضرها كالكواكب وغيرها فيقال لهم: أليس الكواكب وسائر الممكنات تنتهي في الاحتياج إلى واجب الوجود؟ فإذا جعل شيء من هذه الأشياء معبودا فقد شورك الممكن والواجب في نهاية التعظيم وهذا مما ينبو عنه الطبع السليم، ورفع الوسائط من البين أدخل في الإخلاص وأقرب إلى الخلاص. وقوله: يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي تنبيه ونصيحة وفيه أن هذا العلم تجدد له حصوله فيكون أقرب إلى التصديق. وفي قوله: مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فائدة
стр. 2411
هي أنه لم يسم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق ولكنه قال: إن معي طائفة من العلم ليست معك فلا تستنكف، وهب أنا في مفازة وعندي معرفة بالدلالة دونك فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا مستويا مؤدّيا إلى المقصود وهو صلاح المعاش والمعاد. استدل أرباب التعليم بالآية بأنه لا بد من الاتباع. وأجيب بأنه لا يلزم من اتباع النبي اتباع غيره.
والإنصاف أن هذا الطريق أسهل.
ثم أكد المعنى المذكور بنصيحة أخرى زاجرة عما هو عليه فقال: يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ أي لا تطعه فإن عبادة الأصنام هي طاعة الشيطان. ثم أسقط حصة نفسه إذ لم يقل إن الشيطان عدوّ لبني آدم بل قدّم حق ربه فقال: إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا حين ترك أمره بالسجود عنادا واستكبارا لا نسيانا وخطأ، نبهه بهذه النصيحة على وجود الرحمن ثم على وجود الشيطان، وأن الرحمن مصدر كل خير، والشيطان مظهر كل شر بدلالة الموضوع اللغوي، وهذا القدر كاف من التنبيه لمن تأمل وأنصف. ثم بين الباعث على هذه النصيحة فقال: يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ وفيه مع التخويف من سواء العاقبة أنواع من الأدب إذ ذكر الخوف والمس ونكر العذاب. قال الفراء: معنى أخاف أعلم.
والأكثرون على أنه محمول على ظاهره لأن إبراهيم ﵇ لم يكن جازما بموت أبيه على الكفر وإلا لم يشتغل بنصحه. والخوف على الغير ظن وصول الضرر إلى ذلك الغير مع تألم قلبه من ذلك كما يقال: أنا خائف على ولدي. وذكروا في الولي وجوها منها: أنه إذا استوجب عذاب الله كان مع الشيطان في النار والمعية سبب الولاية أو مسببها غالبا، وإطلاق أحدهما على الآخر مجاز. وليس هناك ولاية حقيقة لقوله: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [الزخرف: ٦٧] إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم:
٢٢] ومنها أن حمل العذاب على الخذلان ومنها أن الولي بمعنى التالي والتابع قال جار الله: جعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أتباعه وأوليائه أكبر من نفس العذاب، لأن ولاية الشيطان في مقابلة رضا الرحمن وقال عز من قائل: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة: ٧٢] وإذا كان رضوان الله أكبر من نعيم الجنة فولاية الشيطان أعظم من عذاب النار. ثم إن الشيخ قابل ملاطفات إبراهيم بالفظاظة والغلظة قائلا أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ فقدم الخبر على المبتدأ إشعارا بأنه عنده أعنى. وفي هذا الاستفهام ضرب من التعجب والإنكار لرغبته عن آلهته. وفي قوله: يا إِبْراهِيمُ دون أن يقول: «يا بني» في مقابلة يا أَبَتِ تهاون به كيف لا وقد صرح بالإهانة قائلا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ باللسان أي لأشتمنك أو باليد أي لأقتلنك وأصله الرمي بالرجام. ثم هاهنا إضمار أي
стр. 2412
فاحذرني وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا أي زمانا طويلا من الملاوة، أو أراد مليا بالذهاب والهجران مطيقا له قويا عليه قبل أن أثخنك بالضرب.
فلما رأى إبراهيم إصرار أبيه على التمرد والجهالة قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ يعني سلام توديع ومتاركة كقوله: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [الفرقان: ٦٣] وفيه أن متاركة المنصوح إذا ظهر منه آثار اللجاج من سنن المرسلين، ويحتمل أن يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له ورفقا به بدليل قوله: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا بليغا في البر والإلطاف وقد مر في آخر «الأعراف» . احتج بالآية بعض من طعن في عصمة الأنبياء قال: إنه استغفر لأبيه الكافر وهو منهي عنه لقوله: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التوبة: ١١٣] الآية. ولقوله في الممتحنة قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ إلى قوله: إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ [الممتحنة: ٤] فلو لم يكن هذا معصية لم يمنع من التأسي به. والجواب لعل إبراهيم ﵇ في شرعه لم يجد ما يدل على القطع بتعذيب الكافر أو لعل بهذا الفعل منه من باب ترك الأولى، أو لعل الاستغفار بمعنى الاستبطاء كقوله: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ [الجاثية: ١٤] والمعنى سأسأل ربي أن يخزيك بكفرك ما دمت حيا. والجواب في الحقيقة ما مر في آخر سورة التوبة في قوله عز من قائل وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ [التوبة: ١١٤] والمنع من التأسي لا يدل على المعصية، فلعل الاستغفار مع ذلك الشرط كان من خصائصه كما أن كثيرا من الأمور كانت مباحة للرسول الله ﷺ هي محرمة علينا. ثم صرح بما تضمنه السلام من التوديع والهجران فقال: وَأَعْتَزِلُكُمْ أي أهاجر إلى الشام وَأعتزل ما تَدْعُونَ أي ما تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ وقد يعبر بالدعاء عن العبادة لأنه منها ومن وسائطها، يدل على هذا التفسير قوله: فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ أما قوله: وَأَدْعُوا رَبِّي فيحتمل معنيين:
العبادة والدعاء كما يجيء في سورد الشعراء. وفي قوله: عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا تعريض بشقاوتهم بدعاء آلهتهم وعبادتها مع التواضع وهضم النفس المستفاد من لفظ عَسى.
قال العلماء: ما خسر على الله أحد فإن إبراهيم لما ترك أباه الكافر وقومه فرارا بدينه عوّضه الله أولادا مؤمنين أنبياء وذلك قوله: وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا وَوَهَبْنا لَهُمْ شيئا مِنْ رَحْمَتِنا عن الحسن: هي النبوة. وعن الكلبي: المال والولد.
والأظهر أنها عامة في ذلك كل خير ديني ودنيوي ولسان الصدق الثناء الحسن، عبر
стр. 2413
باللسان عما يوجد به كما عبر باليد عما يطلق بها وهو العطية وقد مر تحقيق الإضافة في أول يونس في قوله: قَدَمَ صِدْقٍ [يونس: ٢] تبرأ إبراهيم من أبيه ابتغاء مرضاة الله فسماه الله أبا بالمؤمنين مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ [الحج: ٧٨] ، وتل ولده للجبين ففداه الله بذبح عظيم، وأسلم نفسه لرب العالمين فجعل النار عليه بردا وسلاما، وأشفق على هذه الأمة فقال وابعث فيهم رسولا، فأشركه الله في الصلاة على النبي ﷺ في الصلوات الخمس، ووفى في حق سارة كما قال تعالى: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم:
٣٧] فجعل موطىء قدمه مباركا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: ١٢٥] وعادى كل الخلق في الله حين قال فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ [الشعراء: ٧٧] فلا جرم اتخذه الله خليلا. ثم قفى قصة إبراهيم بقصة موسى ﵇ لأنه تلوه في الشرف. والمخلص بكسر اللام الذي أخلص العبادة عن الشرك والرياء وأخلص وجهه لله، وبالفتح الذي أخلصه الله وكانَ رَسُولًا نَبِيًّا الرسول الذي معه كتاب من الأنبياء والنبي الذي ينبىء عن الله وإن لم يكن معه كتاب، وكان المناسب ذكر الأعم قبل الأخص إلا أن رعاية الفاصلة اقتضت عكس ذلك كقوله في طه بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى [طه: ٧] الْأَيْمَنِ من اليمين أي من ناحية اليمنى من موسى أو هو من اليمن صفة للطور أو للجانب وَقَرَّبْناهُ حال كونه نَجِيًّا أي مناجيا شبه تكليمه إياه من غير واسطة ملك بتقريب بعض الملوك واحدا من ندمائه للمناجاة والمسارة. وعن أبي العالية أن التقريب حسي، قربه حتى سمع صريف القلم الذي كتبت به التوراة والأول أظهر، ومنه قولهم للعبادة «تقرب» وللملائكة «أنهم مقربون» . وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أي من أجلها أي بعض رحمتنا فيكون أَخاهُ بدلا وهارُونَ عطف بيان كقولك «رأيت رجلا أخاك زيدا» . ونَبِيًّا حال من هارون. قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى فتنصرف الهبة إلى معاضدته وموازرته. وذلك بدعاء موسى في قوله: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي [طه: ٢٩] وخص إسماعيل بن إبراهيم بصدق الوعد وإن كان الأنبياء كلهم صادقين فيما بينهم وبين الله أو الناس، لأنه المشهور المتواصف من خصاله من ذلك: أنه وعد نفسه الصبر على الذبح فوفى به. وعن ابن عباس أنه وعد صاحبا له أن ينتظره في مكان فانتظره سنة.
عن رسول الله ﷺ أنه واعد رجلا ونسي ذلك الرجل فانتظره من الضحى إلى قريب من غروب الشمس.
وسئل الشعبي عن الرجل يعد ميعاده إلى أي وقت ينتظره؟ فقال: إذا واعدته في وقت الصلاة فانتظره إلى وقت صلاة أخرى. وكان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لغيرهم ولأن الابتداء بالإحسان الديني والدنيوي بمن هو أقرب أولى قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً [التحريم: ٦]
«بدأ بمن تعول»
ويحسن
стр. 2414
أن يقال: أهله أمته كلهم أقارب أو أباعد من حيث إنه يلزمه في جميعهم ما يلزم المرء في أهله خاصة من قضاء حقوق النصيحة والشفقة ورعاية مصالحهم الدينية والدنيوية. وعلى القولين يندرج في الصلاة الصلوات المفروضة والمندوبة كصلاة التهجد وغيرها، وأما الزكاة فالأقرب أنها الصدقة المفروضة. وعن ابن عباس أنها طاعة الله والإخلاص لأن فاعلها يزكو بها عند الله. وأما إدريس فالأصح أنه اسم عجمي بدليل منع الصرف كما مر مرارا في آدم ويعقوب وغيرهما. وقيل: «افعيل» من الدرس لكثرة دراسته كتاب الله، ولعل معناه بالأعجمية قريب من الدراسة فظنه القائل مشتقا منها.
وفي رفعته أقوال منها: أن المكان العليّ شرف النبوة والزلفى عند الله، وقد أنزل عليه ثلاثون صحيفة، وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب، وأول من خاط الثياب ولبسها وكانوا يلبسون الجلود، واسمه أخنوخ من أجداد نوح لأنه نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وأهل التنجيم بعضهم يسمونه هرمس ولهم نوادر في استخراج طوالع المواليد ينسبونه إليه. وقيل: إن الله تعالى رفعه إلى السماء وإلى الجنة وهو حي لم يمت. وقال آخرون: رفع إلى السماء وقبض روحه. عن ابن عباس أنه سأل كعبا عن قوله: وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا قال: جاء خليل من الملائكة فسأله أن يكلم ملك الموت حتى يؤخر قبض روحه، فحمله ذلك الملك بين جناحيه فصعد به، فلما كان في السماء الرابعة إذ بملك الموت يقول: بعثت لأقبض روح إدريس في السماء الرابعة وأنا أقول: كيف ذلك وهو في الأرض؟ فالتفت إدريس فرأى ملك الموت فقبض روحه هناك.
وعن ابن عباس أنه رفع إلى السماء السادسة. وعن الحسن: المراد أنه رفع إلى الجنة ولا شيء أعلى منها. أُولئِكَ المذكورون من لدن زكريا إلى إدريس هم الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ «من» للبيان لأن جميع الأنبياء منعم عليهم مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ هي للتبعيض وكذا في قوله: وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ والمراد بمن هو من ذرية آدم إدريس لقربه منه، وبذرية من حمل مع نوح إبراهيم ﵇ لأنه من ولد سام بن نوح، وبذرية إبراهيم إسماعيل، وبذرية إسرائيل موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى بن مريم لأن مريم من ذريته. وَمِمَّنْ هَدَيْنا يحتمل العطف على من الأولى والثانية وفي هذا الترتيب تنبيه على أن هؤلاء الأنبياء اجتمع لهم مع كمال الأحساب شرف الأنساب، وأن جميع ذلك بواسطة هداية الله وبمزية اجتنائه واصطفائه. ثم إن جعلت الَّذِينَ خبرا ل أُولئِكَ كان إذا يتلى كلاما مستأنفا، وإن جعلته صفة له كان خبرا وقد عرفت في الوقوف سائر الوجوه من قرأ يتلى بالتذكير لأن تأنيث الآيات غير
стр. 2415
حقيقي والفاصل حاصل. والبكي جمع باك «فعول» كسجود في «ساجد» أبدلت الواو ياء وأدغمت وكسر ما قبلها للمناسبة. ومن زعم أنه مصدر فقدسها لأنها قرينة سجدا.
عن رسول الله ﷺ : «اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا» «١»
أراد بالآيات التي فيها ذكر العذاب. وقال غيره: إطلاق الآيات والحديث المذكور يدل على العموم لأن كل آية إذا فكر فيها المفكر صح أن يسجد عندها ويبكي. قلت: لعل المراد بآيات الله ما خصهم الله تعالى به من الكتب المنزلة، لأن القرآن حينئذ لم يكن منزلا واختلفوا في السجود. فقيل: هو الخشوع والخضوع. وقيل: الصلاة. وقيل: سجدة التلاوة على حسب ما تعبدنا به. ويحتمل أنهم عند الخوف كانوا يتعبدون بالسجود. قال الزجاج:
الإنسان في حال خروره لا يكون ساجدا فالمراد خروا متهيئين للسجود.
عن رسول الله ﷺ : «اقرؤا القرآن بحزن فإنه نزل بحزن» «٢» .
وعن ابن عباس: إذا قرأتم سجدة «سبحان» فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه. وقالت العلماء: يدعو في سجدة التلاوة بما يليق بها فإن قرأ آية تنزيل السجدة قال: اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك. وإن قرأ سجدة «سبحان» قال: اللهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك. وإن قرأ ما في هذه السورة قال: اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهديين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك.
ولما مدح هؤلاء الأنبياء ترغيبا لغيرهم من سيرتهم وصف أضدادهم لتنفير الناس عن طريقتهم قائلا فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وهو عقب السوء كما مر في آخر «الأعراف» فإضاعة الصلاة في مقابلة الخرور سجدا، واتباع الشهوات بإزاء البكاء. عن ابن عباس:
هم اليهود تركوا الصلاة المفروضة وشربوا الخمر واستحلوا نكاح الأخت من الأب. وعن إبراهيم النخعي ومجاهد: أضاعوها بالتأخير.
وعن علي ﵁ في قوله: وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ من بني الشديد وركب المنظور ولبس المشهور.
وعن قتادة: هو في هذه الأمة فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا قال جار الله: كل شر عند العرب غي وكل خير رشاد. وقال الزجاج: هو على حذف المضاف أي جزاء غي كقوله: يَلْقَ أَثاماً [الفرقان: ٦٨] أي مجازاة أثام. وقيل: غيا من طريق الجنة. وقيل: هو واد في جهنم تستعيذ منه أوديتها احتج بعضهم بقوله: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ على أن تارك الصلاة كافر وإلا لم يحتج إلى
стр. 2416
تجديد الإيمان. والجواب أنه إذا كان المذكورون هم الكفرة أو اليهود- كما رويناه عن ابن عباس- سقط الاستدلال. واحتجت الأشاعرة في أن العمل ليس من الإيمان لأن العطف دليل التغاير. وأجاب الكعبي بأنه عطف الإيمان على التوبة مع أنها من الإيمان، ومنع من أن التوبة من الإيمان ولكنها شرطه لأنها العزم على الترك والإيمان إقرار باللسان، وإنما حذف الموصوف هاهنا وقال في الفرقان وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً [الفرقان: ٧٠] لأنه أوجز في ذكر المعاصي فأوجز في التوبة وأطال هناك فأطال هناك. وهذا الاستثناء بحسب الغالب فقد يتوب عن كفره ويؤمن ولم يدخل بعد وقت الصلاة، أو كانت المرأة حائضا ثم مات فهو من أهل النجاة مع أنه لم يعمل صالحا. ومعنى لا يُظْلَمُونَ شَيْئاً لا ينقصون شيئا من جزاء أعمالهم بل يضاعف لهم تفضلا تنبيها على أن تقدم الكفر لا يضرهم بعد أن يتوبوا، ويحتمل أن ينتصب شَيْئاً على المصدر أي شيئا من الظلم. ومعنى جَنَّاتِ عَدْنٍ قد مر في سورة التوبة في قوله: وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ [التوبة: ٧٢] وصفها الله تعالى بالإقامة والدوام خلاف ما عليه جنان الدنيا. ولما كانت الجنة مشتملة على جنات عدن أبدلت منها، ويحتمل انتصابها على الاختصاص وكذا انتصاب «التي» .
قال جار الله: عدن علم بمعنى العدن وهو الإقامة وهو علم لأرض الجنة لكونها مكان إقامة ولولا ذلك لما ساغ الإبدال، لأن النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة. ولما ساغ وصفها ب «التي» ومعنى بِالْغَيْبِ مع الغيبة أي وعدوها وهي غائبة عنهم غير حاضرة، أو هم غائبون عنها لا يشاهدونها، أو الباء للسببية أي وعدها عباده بسبب تصديق الغيب والإيمان به خلاف حال المنافقين. وقوله: إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا بالأول أنسب وهو مفعول بمعنى «فاعل» ، أو على أصله لأن ما أتاك فقد أتيته. وجوز في الكشاف أن يكون.
من قولك: «أتى إليك إحسانا» أي كان وعده مفعولا منجزا. قوله: إِلَّا سَلاماً استثناء متصل على التأويل لأن اللغو فضول الكلام وما لا طائل تحته كما تقدم في يمين اللغو في «البقرة» وفي «المائدة» أي إن كان تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم لغوا فلا يسمعون لغوا إلا ذلك كقولهم «عتابك السيف» . أو استثناء منقطع أي لا يسمعون فيها إلا قولا يسلمون فيه من العيب والنقيصة، ويجوز أن يكون متصلا بتأويل آخر وهو أن معنى السلام الدعاء بالسلامة وأهل دار السلام عن الدعاء بالسلامة أغنياء، فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام. وفي الآية تنبيه ظاهر على وجوب اتقاء اللغو حيث نزه الله عنه الدار التي لا تكليف فيها. ثم إنه سبحانه من عادته ترغيب كل قوم بما أحبوه في الدنيا فلذلك ذكر أساور من الذهب والفضة لبس الحرير التي كانت للعجم والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرة، وكانت من عادة أشرف
стр. 2417
اليمن ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء لأنها العادة الوسطى المحمودة للمتنعمين منهم فوعدهم بذلك قائلا: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا هذا قول الحسن.
ولا يكون ثم ليل ولا نهار ولكن على التقدير أي يأكلون على مقدار الغداة إلى العشي.
وقيل: أراد دوام الرزق كما تقول: أنا عند فلان صباحا ومساء تريد الدوام ولا تقصد الوقتين المعلومين. وقوله: تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ كقوله في «الأعراف» وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها [الأعراف: ٤٣] وهي استعارة أي تبقى عليهم الجنة كما يبقى على الوارث مال الموروث منه. قال القاضي: في الآية دلالة على أن الجنة يختص بدخولها من كان متقيا غير مرتكب للكبائر. وأجيب بمنع الاختصاص وبأنه يصدق على صاحب الكبيرة أنه اتقى الكفر.
سئل هاهنا أن قوله تعالى: تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ كلام الله وقوله بعده: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ خطاب ليس من كلام الله فما وجه العطف بينهما؟ وأجيب بأنه إذا كانت القرينة ظاهرة لم يقبح، فظاهر قوله: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ خطاب جماعة لواحد وأنه لا يليق إلا بالملائكة الذين ينزلون على الرسول كما
روي أن قريشا بعثت خمسة رهط إلى يهود المدينة يسألونهم عن صفة محمد ﷺ وهل يجدونه في كتابهم. فسألوا النصارى فزعموا أنهم لا يعرفونه، وقالت اليهود: نجده في كتابنا وهذا زمانه وقد سألنا رحمان اليمامة عن خصال ثلاث فلم يعرف فاسألوه عنهن، فإن أخبركم بخصلتين منها فاتبعوه، فاسألوه عن فئة أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فلم يدر كيف يحيب، فوعدهم الجواب ولم يقل: إن شاء الله. فاحتبس الوحي عليه أربعين يوما- وقيل خمسة عشر يوما- فشق عليه ذلك مشقة شديدة. وقال المشركون: ودعه ربه وقلاه. فنزل جبرائيل ﵇ فقال له النبي ﷺ : أبطأت عني حتى ساء طني واشتقت إليك. قال: كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذا حبست احتبست. فأنزل الله الآية وأنزل قوله: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً [الكهف:
٢٣] وسورة الضحى.
ومعنى التنزل على ما يليق بهذا الموضع هو النزول على مهل أي نزولنا في الأحايين وقتا غب وقت ليس إلا بأمر الله . ثم أكد جبرائيل ما ذكره بقوله: لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا من الجهات والأماكن أو من الأزمنة الماضية والمستقبلة وما بينهما من المكان والزمان الذي نحن فيه فلا نتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة، أو من زمان إلى زمان إلا بأمر ربك ومشيئته. وقيل: له ما سلف من أمر الدنيا وما يستقبل من أمر الآخرة وَما بَيْنَ ذلِكَ وهو ما بين النفختين أربعون سنة. وقيل: ما مضى
стр. 2418
من أعمارنا وما غبر منها والحال التي نحن فيها أو ما قبل وجودنا وبعد فنائنا. وقيل:
الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا. والسماء التي وراءنا، وما بين السماء والأرض وعلى الأقوال فالمراد أنه المحيط بكل شيء لا يخفى عليه خافية. ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة فكيف يقدم على فعل إلا بأمره! وقال أبو مسلم: في وجه النظم إن قوله: وَما نَتَنَزَّلُ من قول أهل الجنة لمن بحضرتهم أي ما ننزل الجنة إلا بأمر ربك. أما قوله: وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا فعلى القول الأول معناه أنه ما كان امتناع النزول إلا لعدم الإذن ولم يكن لترك الله إياكم لقوله: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى [الضحى: ٣] وعلى قول غير أبي مسلم هو تأكيد لإحاطته تعالى بجميع الأشياء، وأنه لا يجوز عليه أن يسهو عن شيء ما البتة. وعلى قول أبي مسلم المراد أنه ليس ناسيا لأعمال العاملين فيثيب كلا منهم بحسب عمله فيكون من تتمة حكاية قول أهل الجنة، أو ابتداء كلام من الله تعالى خطابا لرسوله ويتصل به قوله: رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي بل هو ربهما وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ الفاء للسببية لأن كونه رب العالمين سبب موجب لأن يعبد وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ لم يقل «على عبادته» لأنه جعل العبادة بمنزلة القرن في قولك للمحارب «اصطبر لقرنك» أي أوجد الاصطبار لأجل مقاومته. ثم أكد وجوب عبادته بقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا أي ليس له مثل ونظير حتى لا تخلص العبادة له، وإن عديم النظير لا بد أن يصبر على مواجب إرادته وتكاليفه خصوصا إذا كانت فائدتها راجعة إلى المكلف. وقيل: أراد أنه لا شريك له في اسمه وبيانه في وجهين:
أحدهما أنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله على الوثن إلا أنهم لم يطلقوا لفظ الله على من سواه. وعن ابن عباس: أراد لا يسمى بالرحمن غيره. قلت: وهذا صحيح ولعله هو السر في أنه لم يكرر لفظ «الرحمن» في سورة تكريره في هذه السورة. وثانيهما هل تعلم من سمي باسمه على الحق دون الباطل لأن التسمية على الباطل كلا تسمية.
التأويل:
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ الأزلي إِبْراهِيمَ القلب إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً للتصديق ثلاث مراتب: صادق صدق في أقواله، وصادق صدق في أخلاقه وأحواله، وصديق صدق في قيامه مع الله في الله بالله وهو الفاني عن نفسه الباقي بربه إِذْ قالَ لِأَبِيهِ
الروح الذي يعبد صنم الدنيا بتبعية النفس قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ اللدني ما لَمْ يَأْتِكَ لما ذكرنا أن القلب محل للفيض الإلهي أقبل من الروح كالمرآة فإنها تقبل النور لصفائها وينعكس النور عنها لكثافتها وصقالتها وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ السر وَيَعْقُوبَ الخفي وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ أسمعنا موسى القلب من جانب طور الروح لا من جانب وادي النفس الذي
стр. 2419
هو على أيسر وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ أي الجسم والنفس والقلب والروح بالصلاة له توجه كل منهم توجها يليق بحاله، وبالزكاة أي تزكية كل واحد منهم من الأخلاق الذميمة وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا في مقعد صدق عند مليك مقتدر خَرُّوا بقلوبهم على عتبة العبودية سُجَّداً بالتسليم للأحكام الأزلية وَبُكِيًّا بكاء السمع يذوبان الوجود على نار الشوق والمحبة عِبادَهُ بِالْغَيْبِ أي بغيبتهم عن الوجود قبل التكوين كقوله: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة: ١١١] وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ رؤية الله على ما
جاء في الحديث: «وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوّا وعشيا»
وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ المقدور في علم الله، وتنادى أهل العزة من سرادقات العزة أن يا أهل الطبيعة أفيقوا من المتمنيات فإنا ما ننزل من عالم الغيب. إلا بأمر ربك وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ليحتاج إلى تذكير متمن، بل هو رب سموات الأرواح وأرض الأجساد وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار له فَاعْبُدْهُ بأركان الشريعة بجسدك وبآداب الطريقة بنفسك وبالإعراض عن الدنيا والإقبال على المولى بقلبك وبالفناء في الله والبقاء به بروحك وبسرك. هَلْ تَعْلَمُ لَهُ نظيرا في المحبوبية لك. والله أعلم بالصواب.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٦٦ الى ٩٨]
وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً (٦٧) فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (٧٠)
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً (٧٤) قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً (٧٥)
وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٧٨) كَلاَّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً (٨٠)
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً (٨٥)
وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً (٨٦) لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٨٧) وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (٨٩) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠)
أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (٩١) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (٩٣) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (٩٥)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (٩٨)
стр. 2420
القراآت:
أَإِذا مثل أَإِنَّكُمْ في «الأنعام» يَذْكُرُ من الذكر: ابن عامر ونافع وعاصم وسهل وروح والمعدل عن زيد. والآخرون بتشديد الذال من التذكر مدغما. ثُمَّ نُنَجِّي من الإنجاء: عليّ وروح والمعدل عن زيد. الآخرون بالتشديد خَيْرٌ مَقاماً بضم الميم: ابن كثير. الباقون بفتحها. ريا بالتشديد: أبو جعفر ونافع عن ورش وابن ذكوان والأعشى وحمزة في الوقف، وعن حمزة أيضا بالهمزة في الوقف ليدل على أصل اللغة. الآخرون بهمز بعدها يا وَوَلَداً وما بعده بضم الواو سكون اللام: حمزة وعليّ.
الآخرون بفتحهما يكاد على التذكير: نافع وعليّ ينفطرن من الانفطار: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وخلف وابن عامر والمفضل وأبو بكر وحماد والخزاز عن هبيرة.
الباقون يَتَفَطَّرْنَ من التفطر.
الوقوف:
حَيًّا هـ شَيْئاً هـ جِثِيًّا هـ ج للآية وللعطف عِتِيًّا هـ ج لذلك صِلِيًّا هـ وارِدُها ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى مَقْضِيًّا هـ تقريبا للنجاة من الورود مع أن «ثم» لترتيب الأخبار جِثِيًّا هـ آمَنُوا لا لأن ما بعده مفعول «قال» نَدِيًّا هـ وَرِءْياً هـ مَدًّا هـ لأن «حتى» لانتهاء مدد الضلالة أو لابتداء الرؤية وجواب «إذا» محذوف وهو «آمنوا» السَّاعَةَ ط لابتداء التهديد جُنْداً هـ هُدىً هـ مَرَدًّا هـ وَوَلَداً هـ ط لابتداء الاستفهام للتقريع عَهْداً ط هـ للردع كَلَّا ط مَدًّا هـ لا للعطف فَرْداً هـ عِزًّا هـ كَلَّا ط ضِدًّا هـ أَزًّا هـ لا للتعجيل عَلَيْهِمْ ط عَدًّا هـ ط وَفْداً هـ ط وِرْداً هـ لئلا تشتبه الجملة بالوصف لهم عَهْداً هـ م حذرا من إيهام العطف وَلَداً هـ ط إِدًّا هـ لا لأن ما بعده صفة هَدًّا هـ لا لأن التقدير لأن دعوا وَلَداً هـ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف وَلَداً هـ ط عَبْداً هـ ط فَرْداً هـ وُدًّا هـ مِنْ قَرْنٍ ط رِكْزاً هـ.