الجملتين الْقُبُورِ هـ إِلَّا نَذِيرٌ هـ وَنَذِيراً ط نَذِيرٌ هـ مِنْ قَبْلِهِمْ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف الْمُنِيرِ هـ نَكِيرِ هـ.
التفسير:
لما بين في آخر السورة المتقدمة انقطاع رجاء الشاك وعدم قبول توبته في الآخرة ذكر في أول هذه السورة حال الموفق المؤمن وبشر بإرسال الملائكة إليهم مبشرين، وبين أنه يفتح لهم أبواب الرحمة. وفاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مبدعهما أو شاقهما لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض يؤيد التفسير الثاني قوله جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وقوله وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء: ١٠٣] وأُولِي أَجْنِحَةٍ أي أصحاب أجنحة أراد أن طائفة منهم أجنحة كل منهم اثنان اثنان، وبعضهم أجنحة كل ثلاثة ثلاثة، وبعضهم أجنحة كل أربعة أربعة. قال جار الله: الذين أجنحتهم ثلاثة ثلاثة لعل الثالث منها في وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة أو لعله لغير الطيران فلقد رأيت في بعض الكتب أن صنفا من الملائكة لهم ستة أجنحة، فجناحان يلفون بهما أجسادهم، وجناحان يطيرون بهما في الأمر من أمور الله ، وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله .
وعن رسول الله ﷺ أنه رأى جبرائيل ﵇ ليلة المعراج وله ستمائة جناح.
وروي أن إسرافيل له اثنا عشر جناحا، جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب، وإن العرش على كاهله وإنه ليتضاءل لعظمة الله حتى يعود مثل الوصع وهو العصفور الصغير.
ويجوز أن يخالف حال الملائكة حال الطيور في الطيران كالحيوان الذي يدب بأرجل كثيرة، ويجوز أن يكون البعض للزينة، ويجوز أن يكون كل جناح ذا شعب. وقال الحكيم: الجناحان إشارة إلى جهتين: جهة الأخذ من الله، وجهة الإعطاء لمن دونهم بإذن الله كقوله نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ [الشعراء: ١٩٣] عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى [النجم: ٥] فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً [النازعات: ٥] ومنهم من يفعل بواسطة فلهم ثلاث جهات أو أكثر على حسب الوسائط. ثم بين كمال قدرته بقوله يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ والظاهر أنه عام يتناول كل زيادة في كل أمر يعتبر في الصورة كحسن الوجه والخط والصوت ونحوهما، أو في المعنى كحصافة العقل وجزالة الرأي وسماحة النفس وذلاقة اللسان وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة. ثم أكد نفاذ أمره وجريان الأمور على وفق مشيئته بقوله ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ الآية. وفيها دلالة على أن رحمته سبقت غضبه من جهة تقديم الرحمة ومن جهة بيان الضمير في القرينة الأولى بقوله مِنْ رَحْمَةٍ والإطلاق في قوله وَما يُمْسِكْ فيشمل إمساك الغضب وإمساك الرحمة. ومن جهة قوله مِنْ بَعْدِهِ أي من بعد إمساكه فيفيد أن الرحمة إذ جاءته لم يكن لها انقطاع وإن ضدّها قد ينقطع وإن كان
стр. 3012
لا يقطعه إلا الله ولهذا لا يخرج أهل الجنة من الجنة وقد يخرج أهل النار من النار وَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب على إرسال الرحمة وإمساكها الْحَكِيمُ الذي لا يمسك ولا يرسل إلا عن علم كامل وصلاح شامل. وحيث بين أن الحمد لله وبين بعض وجوه النعمة المستدعية للحمد على التفصيل أمر المكلفين بتذكر النعمة على الإجمال لسانا وقلبا وعملا، ومنه قول الرجل لمن أنعم عليه: اذكر أياديّ عندك يريد حفظها وشكرها والعمل بموجبها. وعن ابن عباس: أن الناس أهل مكة أسكنهم حرمه ويتخطف الناس من حولهم. وعنه أيضا أنه أراد بالنعمة العافية، والظاهر تعميم النعمة والمنعم عليهم. ثم أشار إلى نعمة الإيجاد بقوله هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ وإلى نعمة الإبقاء بقوله يَرْزُقُكُمْ وهو نعت خالق أو مستأنف أو تفسير لمضمر والتقدير: هل يرزقكم خالق يرزقكم؟ قال جار الله: إن جعلت يَرْزُقُكُمْ كلاما مستأنفا ففيه دليل على أن الخالق لا يطلق إلا على الله . وأما على الوجهين الآخرين فلا، إذ لا يلزم من نفي خالق رازق غيره نفي خالق غيره مطلقا. وقوله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ جملة مفصولة لا محل لها مثل يَرْزُقُكُمْ
في غير وجه الوصف إذ لو جعلت وصفا لزم التناقض لأن قولك «هل من خالق آخر سوى الله» إثبات لله، ولو جعلت المنفية وصفا صار تقدير الكلام: هل من خالق آخر سوى الله لا إله إلا ذلك الخالق فلزم نقض الإثبات المذكور مع أن الكلام في نفسه يكون غير مستقيم. فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ أي كيف تصرفون عن هذا الظاهر فتشركون المنعوت بمالك الملك والملكوت. وحين بيّن الأصل الأول وهو التوحيد ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة بقوله وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ الآية. والمراد إن يكذبوك فتسل بهذا المعنى. ثم بين الأصل الثالث وهو الحشر بقوله يا أَيُّهَا النَّاسُ وقد مرّ مثل الآية في آخر سورة لقمان. وقد يسبق إلى الظن هاهنا أن الغرور وهو الشيطان لأنه عقبه بقوله إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا لأن الحازم لا يقبل قول العدوّ ولا يعتمد عليه. ثم صرح بوجه اتخاذه وبعاقبة دعوته فقال إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ ثم فصل مال حال حزبه وحزب الله بقوله الَّذِينَ كَفَرُوا إلى قوله وَأَجْرٌ كَبِيرٌ عرض على العقول أنه لا سواء بين الحزبين والمعنى أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ من الفريقين كمن لم يزين له. ولا ريب أن المزين لهم عملهم هم أهل الأهواء والبدع الذين لا مستند لهم في مأخذهم سوى التقليد واتباع الهوى. ثم أنتج من ذلك قوله فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وذلك أن الناس متساوية الأقدام في الإنسانية ومتفاوتة الأحوال في الأعمال، فتبين أنه لا استقلال، وأن أفعال العباد مستندة إلى إزادة مصرف القلوب والأحوال. ثم رتب على عدم الاستقلال قوله فَلا تَذْهَبْ أي فلا تهلك نَفْسُكَ وعَلَيْهِمْ صلة تذهب كما تقول هلك عليه حبا أو هو بيان للمتحسر عليه ولا يتعلق ب حَسَراتٍ المفعول
стр. 3013
لأجله لأن المصدر لا يتقدم عليه
صلته. وجوّز جار الله أن يكون حالا كأن كل نفسه صارت حسرات لفرط التحسر. وعن الزجاج أن تقدير الآية: أفمن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم فحذف لدلالة المذكور وهو فلا تذهب عليه، أو أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله، فحذف لأن قوله فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ يدل عليه. ثم بين أن حزنه إن كان لما بهم من الضلال فالله عالم بهم وبما يصنعون لو أراد منهم الإيمان لآمنوا وإن كان لما بهم من الإيذاء فالله عليم بفعلهم فيجازيهم بذلك.
ثم أكد كونه فاعلا مختارا قادرا قهارا مبدئا معيدا بقوله وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ وهو من الالتفات الموجب للتهويل والتعظيم. وقوله فَتُثِيرُ بلفظ المستقبل تصوير لتلك الحالة العجيبة الشأن، عرف نفسه بفعل الإرسال ثم قال فَسُقْناهُ كأنه قال: أنا الذي عرفتني بمثل هذه السياقة والصناعة وأنعمت عليك بهذه النعمة الشاملة. ثم شبه البعث والنشور بالصنع المذكور ووجهه ظاهر. وحين بين برهان الإيمان أشار إلى ما كان يمنع الكفار منه وهو العزة الظاهرة التي كانوا يتوهمونها من حيث إن معبوديهم كانت تحت تسخيرهم والرسول كان يدعوهم إلى الإيمان لطاعة الله وطاعة أنبيائه فكأنه قال: إن كنتم تطلبون حقيقة العزة فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ خاصة كلها فلتطلبها من عنده ومن عند أوليائه نظيره قولك «من أراد النصيحة فهي عند الأبرار» يريد فليطلبها عندهم فاعتبر في هذه الآية حرف النهاية. وأما في قوله لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: ٨] فاعتبر الوسائط فالعزة للمؤمنين بواسطة الرسول وله من رب العزة. ثم إن الكفار كأنهم قالوا: نحن لا نعبد من لا نراه ولا نحضر عنده فإن البعد من الملك ذلة فقال إِلَيْهِ يَصْعَدُ أي إن كنتم لا تصلون إليه فهو يسمع كلامكم ويقبل الطيب منها وذلك آية العزة، وأما هذه الأصنام فلا يتبين عندها الذليل من العزيز إذ لا حياة لها ولا شعور وهكذا العمل الصالح لا تراه هذه الأصنام فلا يمكن لها مجازاة الأنام. وفاعل قوله يَرْفَعُهُ إن كان هو الله فظاهر، وإن كان الكلم أعني قوله «لا إله إلا الله» فمعناه أنه لا يقبل عمل إلا من موحد وإن كان هو العمل فالمعنى: أن الكلم وهو كل كلام فيه ذكر الله أو رضاه يريد الصعود إلى الله إلا أنه لا يستطيع الصعود ولا يقع موقع القبول إلا إذا كان مقرونا بالعمل الصالح.
عن النبي ﷺ «الكلم الطيب هو قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمن فإذا لم يكن له عمل صالح لم يقبل منه» .
وعن ابن المقفع: قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر. ولا يخفى أن القول هو الأصل والعمل مؤكده فلهذا قدم القول.
وحين بيّن حال العمل الصالح ذكر أن المكرات السيئات بائرة كاسدة لا حقيقة لها، ولعله
стр. 3014
أشار بها إلى مكرات قريش المذكورات في قوله وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ [الأنفال: ٣٠] جمع الله مكراتهم فقلبها عليهم حين أوقعهم في قليب بدر. ولما ذكر دليل الآفاق أكده بدليل الأنفس قائلا وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ وفيه إشارة إلى خلق آدم ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ وفيه إشارة إلى خلق أولاده. ومعنى أَزْواجاً أصنافا أو ذكرانا وإناثا. ثم أشار إلى كمال علمه بقوله وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ثم بين نفوذ إرادته بقوله وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ قال جار الله: معناه من أحد ولكنه سماه معمرا باعتبار ما يؤل إليه. وليس المراد تعاقب التعمير وخلافه على شخص واحد وإنما المراد تعاقبهما على شخصين فتسومح في اللفظ تعويلا على فهم السامع كقول القائل: ما تنعمت بكذا ولا اجتويته إلا قل فيه ثوائي. وتأويل آخر وهو أن يراد لا يطول عمر إنسان ولا ينقص من عمر ذلك الإنسان بعينه إِلَّا فِي كِتابٍ وصورته أن يكتب في اللوح إن حج أو وصل الرحم فعمره أربعون سنة، وإن جمع بين الأمرين فعمره ستون، فإذا جمع بينهما فعمر ستين كان الغاية، وإذا أفرد فعمر أربعين فقد نقص من تلك الغاية. وبهذا التأويل يستبين معنى ما
روي عن النبي ﷺ أنه قال «إن الصدقة والصلة تعمران الديار وتزيدان في الأعمار» .
ويصح ما استفاض على الألسن «أطال الله بقاءك» . وعن سعيد بن جبير يكتب في الصحيفة أن عمره كذا سنة، ثم يكتب بعد ذلك في آخرها ذهب يوم ذهب يومان حتى تنقضي المدّة. وعن قتادة: المعمر من بلغ ستين، والمنقوص من عمره من يموت قبل الستين. وذلك في علم الله. إِنَّ ذلِكَ الذي ذكر من خلق الإنسان من المادة المذكورة أو الزيادة في الأعمار أو النقصان منها عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. ثم ضرب مثلا للمؤمن والكافر وذكر دليلا آخر على عظم قدرته فقال وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ الآية. على الأوّل يكون قوله وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ إلى آخر الآية تقريرا للنعمة على سبيل الاستطراد، أو هو من تمام التشبيه كأنه شبه الجنسين بالبحرين. ثم فضل البحر الأجاج على الكافر لأنه شارك العذب في استخراج السمك واللؤلؤ وجرى الفلك فيه، وأما الكافر فلا نفع فيه البتة فيكون كقوله في البقرة ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ إلى آخر قوله وإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الآية: ٧٤] والأشبه أن الآية تقرير دليل مستأنف كما مرّ في أوّل «النحل» يؤيده تعقيبه بدليل آخر وهو قوله يُولِجُ اللَّيْلَ إلى قوله لِأَجَلٍ مُسَمًّى قد مرّ في آخر «لقمان» مثله، وفيه ردّ على عبدة الكواكب الذين ينسبون حوادث هذا العالم إلى الكواكب بالذات لا إلى تسخير مبدعها. قوله ذلِكُمُ اللَّهُ أي الذي فعل الأشياء المذكورة من فطر السموات والأرض وإرسال الرياح وخلق الإنسان من التراب وغير ذلك هو المعبود الحق. وقوله رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ خبران آخران، ويجوز أن يكون اللَّهُ رَبُّكُمْ خبرين ولَهُ الْمُلْكُ جملة مبتدأة واقعة في طبقات. قوله
стр. 3015
وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ وذلك أن المشركين كانوا معترفين بأن الأصنام ليسوا خالقين وإنما كانوا يقولون إنه تعالى فوض أمور الأرضيات إلى الكواكب التي هذه الأصنام صورها وطوالعها، فأخبر الله تعالى أنهم لا يملكون قطميرا وهو القشرة الرقيقة للنواة فضلا عما فوقها. قال جار الله: يجوز في حكم الإعراب إيقاع اسم الله تعالى صفة لاسم الإشارة أو عطف بيان ورَبُّكُمْ خبرا لولا أن المعنى يأباه فقيل: لأن ذلك إشارة إلى معلوم سبق ذكره. وكونه صفة أو عطف بيان يقتضي أن يكون فيما سبق ضرب إبهام. قلت:
وفيه نظر، أما أولا فلأن اسم الله من قبيل الأعلام لا من قبيل أسماء الأجناس فكيف يجوز جعله صفة؟ وأما ثانيا فلأنه على تقدير التجويز يكون صفة مدح فلا ينافي كون المشار إليه معلوما. والوجه الصحيح في إباء المعنى هو أن الوصف إذا كان معرفة كان أمرا متحققا في الخارج مسلما عند السامع. مثلا إذا قلت: الرجل الكاتب جاءني. تريد الرجل الذي تعرفه أيها السامع أنه كاتب جاءني لكن الخطاب هاهنا مع الكفار وهم يجحدون المعبود الحق، أو يجحدون أن العبادة لا تصلح إلا له، فلا يصح إيقاع اسم الله وصفا لذلكم والخطاب معهم.
ثم زاد في توبيخ الكفرة بقوله إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ لأنهم جماد ولو فرض سماعهم مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ لما مرّ من أنهم لا يملكون شيئا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أيضا يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ قائلين ما كنتم إيانا تعبدون وَلا يُنَبِّئُكَ أي لا يطلعك على حقيقة الحال أيها النبيّ أو أيها السامع مِثْلُ خَبِيرٍ ببواطن الأمور. والمعنى أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق لأني خبير بما أخبرت به ولا يخبرك بالأمر مخبر هو مثل عالم به. وفيه أنه الخبير بالأمر وحده، وفيه أن هذا الخبر مما لا يعرف بمجرد المعقول لولا إخبار الله سبحانه.
ثم بين أن نفع العبادة إنما يعود على المكلفين فقال يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ ومعنى تعريف الخبر القصد إلى أنهم جنس الفقراء مبالغة، وذلك أن افتقار الإنسان إلى الله عاجلا لأمور المعاش وآجلا لنعيم الآخرة أبين من افتقار سائر المخلوقين إليه. وقيل: إن كون الناس فقراء أمر ظاهر لا يخفى على أحد فلهذا عرف كقول القائل: الله ربنا ومحمد نبينا. ثم بين أن فقرهم ليس إلا إلى الله فقابل الفقراء بقوله وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ وقابل قوله إِلَى اللَّهِ بقوله الْحَمِيدُ لأنه إذا أنعم عليهم استحق الحمد منهم. ثم ذكر أنه غني عن وجودهم أيضا لا يفتقر في ظهور أثر قدرته إليهم فقال إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وقد مرّ في «النساء» وفي «إبراهيم» . وحين بين الحق بالدلائل الباهرة أراد أن يذكر ما يدعوهم إلى النظر فيه فقال وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ يعني أن النفوس الوازرات لا ترى واحدة منهن إلا حاملة وزرها لا وزر
стр. 3016
غيرها. ولا ينافي في هذا قوله وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ [العنكبوت: ١٣] لأن وزر الإضلال هو وزر النفس الوزارة أيضا، وفيه أن كل نفس وازرة مهمومة بهم وزرها متحيرة في أمرها. ثم زاد في التهويل بقوله وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ أي نفس ذات حمل لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ فإن عدم قضاء الحاجة بعد السؤال أفظع. ثم زاد التأكيد بقوله وَلَوْ كانَ أي المدعوّ ذا قُرْبى فإن عدم القضاء بعد السؤال من القريب من أب وولد أدل على شدّة الأمر فيعلم منه أن لا غياث يومئذ أصلا. ثم بين أن هذه الإنذارات إنما تفيد أهل الخشية والطاعة حال كونهم غائبين عن العذاب أو حال كون العذاب غائبا عنهم. ثم لما بيّن أن الوزر لا يتعدى إلى الغير بيّن أن التطهر عن الذنوب لا يفيد إلا نفس المتزكي وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ لكل فيجزيهم على حسب ذلك. ثم ضرب للكافر والمؤمن مثلا فقال وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وقيل: إنه مثل للصنم وللمعبود الحق. ثم ذكر للكفر والإيمان مثلا قائلا وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ وإذا كان الإيمان نورا والمؤمن بصيرا فلا يخفى عليه النور، وإذا كان الكفر ظلمة والكافر أعمى فله صادّ فوق صادّ. ثم بيّن لمآلهما ومرجعهما مثلا وهو الظل والحرور. قال أهل اللغة: السموم يكون بالنهار والحرور أعم. وقال بعضهم: الحرور يكون بالليل فالمؤمن بإيمانه كمن هو في ظل وراحة، والكافر في كفره كمن هو حرّ وتعب.
وهاهنا مسائل. الأولى: ضرب أوّلا مثلا للكافر والمؤمن ثم أعاد مثلهما بقوله وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ وهذا أبلغ لأن الأعمى والبصير قد يشتركان في إدراك أشياء ولا كذلك الحي والميت ولمكان هذه المبالغة أعاد الفعل. الثانية: كرر «لا» النافية في الأمثال الأخيرة دون الأوّل، لأن المنافاة بين العمى والبصر ليست ذاتية كما في سائرهما وقد يكون شخص واحد بصيرا بإحدى العينين أعمى بالأخرى. الثالثة: قدم الأشرف في مثلين وهو الظل والحيّ، وأخره في الآخرين فهم أهل الظاهر أن ذلك لرعاية الفواصل.
والمحققون قالوا: إنهم كانوا قبل البعث في ظلمة الضلال فصاروا إلى نور الإيمان في زمان محمد ﷺ ، فلهذا الترتيب قدّم مثل الكافر وكفره على مثل المؤمن وإيمانه. ولما ذكر المآل والمرجع قدم ما يتعلق بالرحمة على ما يتعلق بالغضب لأن رحمته سبقت غضبه. ثم إن الكافر المصرّ بعد البعثة صار أضلّ من الأعمى وشابه الأموات في عدم إدراك الحق فقال وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ أي المؤمن الذي آمن بما أنزل الله. والأموات الذين تليت عليهم الآيات ولم تنجع فيهم البينات فأخرهم عن المؤمنين لوجود حياتهم قبل ممات الكافرين المعاندين. الرابعة: إنما وحد الأعمى والبصير لأن المراد أن أحد الجنسين لا يساوي جنس الآخر من جهة العمى والبصر، ولعل فردا من أحدهما قد يساوي الفرد الآخر من جهة أخرى
стр. 3017
وكذا الكلام في إفراد الظل والحرور. وإنما جمع الظلمات ووحّد النور لما مرّ في أوّل «الأنعام» من تحقيق أن الحق واحد والشبهات كثيرة. وإنما جمع الأحياء والأموات لأن المراد أن أحد الصنفين لا يساوي الآخر سواء قابلت الجنس بالجنس أو قابلت الفرد بالفرد.
الخامسة: لا يخفي أن هذه الواوات بعضها ضمت شفعا إلى شفع وبعضها ضمت وترا إلى وتر. ثم سلى ورسوله بقوله إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ الآية. فقد مرّ نظيره في قوله إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى [النمل: ٨٠] وإنما اقتصر على قوله إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ وكذا في قوله إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ لأن الكلام في معرض التهديد مع أن ذكر البشير يدل عليه بل ذكر النذير يدل على مقابله. والمراد بالنذارة آثارها لثبوت زمان الفترة. ثم زاد في التسلية بقوله وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ وقد مر مثله في آخر «آل عمران» . وإنما حذف الفاعل هناك لبناء الكلام هنالك على الاقتصار دليله أنه قال وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ فاقتصر على لفظ المضيّ ولم يسم الفاعل، ويحتمل أن يكون لفظ الماضي إشارة إلى وقوع التكذيب منهم فإن تلك السورة مدنية والله أعلم.
[سورة فاطر (٣٥) : الآيات ٢٧ الى ٤٥]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠) وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١)
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٣٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (٣٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)
وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٣٨) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَساراً (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً (٤٠) إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤١)
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (٤٢) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً (٤٣) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً (٤٤) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً (٤٥)
стр. 3018
القراآت:
يدخلونها مجهولا: أبو عمرو ويجزي مجهولا غائبا كل بالرفع:
أبو عمرو. الباقون: بالنون مبينا للفاعل كل بالنصب والْمَكْرُ السَّيِّئُ بهمزة ساكنة: حمزة استثقالا للحركات، وحمله النحويون على الاختلاس، وإذا وقف يبدل من الهمزة ياء ساكنة.
الوقوف:
ماءً ج للعدول أَلْوانُها الأولى ج سُودٌ هـ كَذلِكَ ط الْعُلَماءُ ط غَفُورٌ هـ لَنْ تَبُورَ هـ فَضْلِهِ ط شَكُورٌ هـ يَدَيْهِ ط بَصِيرٌ هـ عِبادِنا ج لِنَفْسِهِ ج مُقْتَصِدٌ ج تفصيلا بين الجمل مع النسق بِإِذْنِ اللَّهِ ط الْكَبِيرُ هـ ط لأن ما بعده مبتدأ لا بدل وَلُؤْلُؤاً ج لاختلاف الجملتين حَرِيرٌ هـ الْحَزَنَ ط شَكُورٌ هـ فَضْلِهِ ج لاحتمال الاستئناف والحال لُغُوبٌ هـ جَهَنَّمَ ج لمثل ما قلنا عَذابِها ط كَفُورٍ هـ ج لاحتمال الواو الحال فِيها ج للقول المحذوف كُنَّا نَعْمَلُ ط النَّذِيرُ هـ نَصِيرٍ هـ وَالْأَرْضِ
ط الصُّدُورِ
هـ فِي الْأَرْضِ ط كُفْرُهُ ط مَقْتاً ج وان اتفقت الجملتان ولكن لتكرار الفعل وتصريح الفاعل والمفعول في الثانية خَساراً هـ دُونِ اللَّهِ ط السَّماواتِ ج لاحتمال أن «أم» منقطعة مِنْهُ ج غُرُوراً هـ تَزُولا ج لابتداء ما في معنى القسم مع الواو مِنْ بَعْدِهِ
ط غَفُوراً هـ الْأُمَمِ ج نُفُوراً هـ لا وَمَكْرَ السَّيِّئِ ط بِأَهْلِهِ ط الْأَوَّلِينَ ج لانتهاء الاستفهام مع اتصال الفاء تَبْدِيلًا هـ
стр. 3019
ج تَحْوِيلًا هـ قُوَّةً ط فِي الْأَرْضِ ط قَدِيراً هـ مُسَمًّى ج بَصِيراً هـ.
التفسير:
لما بين دلائل الوحدانية بطريق الإخبار ذكر دليلا آخر بطريق الاستخبار لأن الشيء إذا كان خفيا ولا يراه من بحضرتك كان معذورا، أما إذا كان بارزا مكشوفا فإنك تقول: أما تراه. والمخاطب إما كل أحد أو النبيّ ﷺ لأن السيد إذا نصح بعض العباد ولم ينفعهم الإرشاد قال لغيره. اسمع ولا تكن مثل هذا ويكرر معه ما ذكره مع الأول.
والالتفات في فَأَخْرَجْنا لأن نزول الماء يمكن أن يقال: إنه بالطبع ولكن الإخراج لا يمكن إلا بإرادة الله. وأيضا الإخراج أتم نعمة من الإنزال لأن إنزال المطر لفائدة الإخراج.
واختلاف ألوان الثمرات اختلاف أصنافها أو هيئاتها، والجدد الخطط، والطرائق «فعلة» بمعنى «مفعول» والجد القطع. قال جار الله: لا بدّ من تقدير مضاف أي ومن الجبال ذو جدد بيض وحمر مختلف ألوانها في البياض والحمرة، لأن الأبيض قد يكون على لون الجص وقد يكون أدنى من ذلك، وكذلك الحمرة. والغرابيب تأكيد للسود إلا أنه أضمر المؤكد أوّلا ثم أظهر ثانيا على طريقة قوله:
والمؤمن العائذات الطير وإنما لم يتصوّر اختلاف الألوان هاهنا لأن السواد إذا كان في الغاية لم يكن بعدها لون. يقال: أسود غربيب للذي أبعد في السواد وأغرب فيه ومنه الغراب. ويمكن أن يقال:
إن المختلف صفة الحمر فقط. وحين فرغ من دلائل النبات وما يشبه المعادن شرع في الاستدلال بالحيوان، وقدّم الإنسان لشرفه، ثم ذكر الدواب على العموم، ثم خصص الأنعام، أو أراد بالدابة الفرس فجعله لشرفه رديف الإنسان. وقوله مُخْتَلِفٌ أي بعض مختلف أَلْوانُهُ وذكر الضمير تغليبا للإنسان أو نظرا إلى البعض. وقوله كَذلِكَ أي كاختلاف الجبال والثمرات، وفيه أن هذه الأجناس كما أنها في أنفسها دلائل فهي باختلافها أيضا دلائل. وحين خاطب نبيه بقوله أَلَمْ تَرَ بمعنى ألم تعلم أتبعه قوله إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ كأنه قال: إنما يخشاه مثلك ومن على صفتك ممن نظر في دلائله فعرفه حق معرفته، أو أراد أن يعرّفه كنه معرفته لأن الخشية على حسب العلم بنعوت كماله وصفات جلاله.
وفي الحديث «أعلمكم بالله أشدّكم خشية له»
وفائدة تقديم المفعول أن يعلم أن الذين يخشون الله من بين عباده هم العلماء دون غيرهم، ولو أخر المفعول كان معنى صحيحا وهو أنهم لا يخشون أحدا إلا الله إلا أن ذلك غير مراد هاهنا. وعن عمر بن عبد العزيز ويحكى عن أبي حنيفة أنهما قرءا برفع الله ونصب العلماء فتكون الخشية مستعارة
стр. 3020
للتعظيم أي لا يعظم الله ولا يجل من الرجال إلا العلماء به. ثم بين السبب الباعث على الخشية بقوله إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ فالعزة توجب الخوف من أليم عقابه والمغفرة توجب الطمع في نعيمه وثوابه، وفيه أن خوف المؤمن ينبغي أن يكون مخلوطا برجائه. ثم مدح العالمين العاملين بقوله إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ الآية. قال أهل التحقيق: قوله إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ إشارة إلى عمل القلب، وقوله إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ أي يداومون على التلاوة إشارة إلى عمل اللسان. وقوله وَأَقامُوا الصَّلاةَ إشارة إلى عمل الجوارح، والكل أقسام التعظيم لأمر الله.
ثم أشار إلى الشفقة على خلق الله بقوله وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ وقوله يَرْجُونَ وهو خبر «إن» إشارة إلى الإخلاص في العقائد والأعمال أي ينفقون من الأموال لا ليقال إنه كريم أو لغرض آخر بل لتجارة لا كساد فيها ولا بوار وهي طلب مرضاة الله. وقوله لِيُوَفِّيَهُمْ متعلق ب لَنْ تَبُورَ أي تنفق عند الله ليوفيهم بنفاقها عنده أجورهم. وجوّز جار الله أن يجعل يَرْجُونَ في موضع الحال واللام متعلق بالأفعال المتقدّمة أي فعلوا جميع ما ذكر من التلاوة والإقامة والإنفاق لغرض التوفية. وخبر «إن» قوله إِنَّهُ غَفُورٌ لهم شَكُورٌ لأعمالهم. وحين ذكر دلائل الوحدانية أتبعه بيان الرسالة وذكر حقيقة الكتاب المتلوّ والكتاب للجنس ف «من» للتبعيض أو هو القرآن، و «من» للتبيين أو هو اللوح المحفوظ و «من» للابتداء وقد مرّ في البقرة أن قوله مُصَدِّقاً حال مؤكدة. وفي قوله إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ تقرير لكونه حقا لأن الذي يكون عالما بالبواطن والظواهر لم يمكن أن يكون في كلامه شوب باطل. وفيه لم يختر محمدا للرسالة جزافا وعلى سبيل الاتفاق ولكنه أعلم حيث يجعل رسالته. قوله ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ زعم جمع من المفسرين أن الكتاب للجنس بدليل قوله فيما قبل جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ والإيراث الإعطاء، والمصطفون من عبيده هم الأنبياء كأنه قال: علمنا البواطن وأبصرنا الظواهر فاصطفينا عبادا ثم أورثناهم الكتاب. وعلى هذا فالمراد بالظلم على النفس وضع الشيء في غير موضعه وإن كان بترك الأولى ومنه قول أبينا آدم رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الأعراف: ٢٣] وقول يونس إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء: ٨٧] وإذا كان الظلم بهذا المعنى جائزا عليهم فالاقتصاد أولى. ويجوز أن يعود الضمير في قوله فَمِنْهُمْ إلى الأمة كأنه قيل: إن الذي أوحينا إليك هو الحق وأنت المصطفى كما اصطفينا رسلنا، وآتيناهم كتبا فمن قومك ظالم كفر بك وبما أنزل إليك، ومقتصد آمن به ولم يأت بجميع ما أمر به، وسابق آمن وعمل صالحا. وقال أكثرهم: إنه القرآن والإيراث الحكم بالتوريث أو هو على عادة إخبار الله في التعبير عن المستقبل بالماضي لتحققه أي نريد أن نورثه. والمصطفون هم الصحابة والتابعون ومن بعدهم إلى يوم القيامة كقوله كُنْتُمْ خَيْرَ
стр. 3021
أُمَّةٍ
[آل عمران: ١١] وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [البقرة: ١٤٣] وعلى هذا ففي تفسير المراتب الثلاثة أقوال أحدها: الظالم الراجح السيئات، والمقتصد المتساوي الحسنات والسيئات، والسابق راجح الحسنات. ثانيها الظالم من ظاهره خير من باطنه، والمقتصد المتساوي، والسابق من باطنه خير. ثالثها: الظالم صاحب الكبيرة، والمقتصد صاحب الصغيرة، والسابق المعصوم.
رابعها:
عن علي ﵁: الظالم أنا، والمقتصد أنا، والسابق أنا. فقيل له: كيف ذاك؟ قال:
أنا ظالم بمعصيتي، ومقتصد بتوبتي، وسابق بمحبتي.
خامسها: الظالم التالي للقرآن غير العالم به ولا العامل بموجبه، والمقتصد التالي العالم غير العامل، والسابق التالي العامل.
سادسها: الظالم الجاهل، والمقتصد المتعلم، والسابق العالم. سابعها: الظالم من يحاسب فيدخل النار وهو أصحاب المشأمة، والمقتصد من يحاسب فيدخل الجنة وهو أصحاب الميمنة، والسابق من يدخل الجنة بغير حساب. ثامنها: الظالم من خالف أوامر الله وارتكب مناهيه فإنه واضع للتكليف في غير موضعه، والمقتصد هو المجتهد في أداء التكاليف وإن لم يوفق لذلك فإنه قصد الحق واجتهد، والسابق هو الذي لم يخالف تكاليف الله بتوفيقه دليله قوله في الأخير بِإِذْنِ اللَّهِ وذلك أنه إذا وقع الخير في نفسه سبق إليه قبل تسويل النفس، والمقتصد يقع في قلبه فتردّده النفس، والظالم تغلبه النفس. وبعبارة أخرى من غلبته النفس الأمارة وأمرته فأطاعها ظالم، ومن جاهد نفسه فغلبته تارة وغلب أخرى فهو المقتصد صاحب النفس اللوامة، ومن قهر نفسه فهو السابق. وفي تقديم الظالم ثم المقتصد إيذان بأن المقتصدين أكثر من السابقين والظالمون أكثر الأقسام كما قال وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: ١٣] ذلِكَ الذي ذكر من التوفيق أو من السبق بالخيرات أو من الإيراث هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ قال جار الله: أبدل قوله جَنَّاتُ عَدْنٍ من الفضل لأنها مسببة عنه وكأنها هو. قلت: ويمكن أن يقال جَنَّاتُ عَدْنٍ مبتدأ لأنها معرفة بدليل قوله جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ [مريم: ٦١] ولئن سلم أنها نكرة فليكن يَدْخُلُونَها صفة له وخبرها يُحَلَّوْنَ ثم إن ضمير يَدْخُلُونَها إن عاد إلى التالين لكتاب الله أو إلى السابقين فلا إشكال فالظالم يدخل النار والمقتصد يكون أمره موقوفا كقوله وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ [التوبة: ١٠٦] أو كقوله وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً وإن عاد إلى الفرق الثلاث فبشرط العفو أو بشرط التوبة،
وقد يروى عن رسول الله ﷺ : «سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له»
وفي تقديم جَنَّاتُ عَدْنٍ وبناء الكلام عليها دون أن يقول «يدخلون جنات عدن» إيذان بأن الاهتمام بشأنها أكثر فإن نظر السامع على المدخول فيه لا على نفس الدخول. وقد مرت العبارة الأصلية في سورة الحج في قوله إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ إلى قوله حَرِيرٌ [الآية: ٢٣] وتغيير
стр. 3022
العبارة في هذا المقام لمزيد هذه الفائدة والله أعلم. وفي قوله يُحَلَّوْنَ فِيها إشارة إلى سرعة الدخول فإن في تحليتهم خارج الجنة تأخيرا للدخول. وفي تحليتهم بالسوار إشارة إلى أمرين: أحدهما الترفه والتنعم، الثاني أنهم لا يحتاجون فيها إلى عمل من الطبخ وتهيئة سائر الأسباب. قال جار الله: أي يحلون بعض أساور من ذهب كأنه بعض سابق لسائر الأبعاض كما سبق المسوّرون به غيرهم، والذهب واللؤلؤ إشارة إلى النوعين اللذين منهما الحليّ. وقيل: إن ذلك الذهب في صفاء اللؤلؤ، والحزن للجنس فيعم كل حزن من أحزان الدنيا والدين كما
روي عن رسول الله ﷺ «ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في محشرهم وكأني بأهل لا إله إلا الله يخرجون من قبورهم وهم ينفضون التراب عن وجوههم ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن»
وقد خصه جمع من المفسرين بخوف سوء العاقبة أو بحزن الآفات أو بحزن الموت أو بهمّ المعاش حتى قال بعضهم: كراء الدار والتعميم أولى. والمقامة بمعنى الإقامة والفضل التفضل. وعند المعتزلة العطاء لأن الثواب أجر مستحق واجب عندهم. والنصب التعب والمشقة التي تصيب المزاول للأمر المنتصب له. واللغوب ما يلحقه من الفتور والكلال بعد ذلك قاله جار الله. وقال غيره: إن الذي يباشر عملا من الأعمال لا يظهر عليه الإعياء إلا بعد أن يستريح، فالمراد أنهم لا يخرجون من الجنة إلى موضع يتعبون بسبب ذلك ثم يلحقهم الإعياء بعد الرجوع.
ثم عطف قوله وَالَّذِينَ كَفَرُوا على قوله إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ وقوله فَيَمُوتُوا جواب للنفي والتقدير لا يقضي عليهم بالموت فيستريحوا ويَصْطَرِخُونَ يفتعلون من الصراخ وهو الصياح بجهد وشدّة كشأن المستغيث. وفائدة قوله غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ زيادة التحسر على ما عملوه من غير الصالح، أو المراد نعمل صالحا غير الذي كنا نحسبه صالحا لأنهم كانوا يحسبون أنهم يحسنون. وفيه إشارة إلى أنهم في الآخرة أيضا ضالون لم يهدهم الله في الآخرة كما لم يهدهم في الدنيا، ولو كانوا مهتدين لقالوا: ربنا زدت للمحسنين حسنات بفضلك لا بعملهم ونحن أحوج إلى تخفيف العذاب منهم إلى تضعيف الثواب فافعل بنا ما أنت أهله نظرا إلى فضلك، ولا تفعل بنا ما نحن أهله نظرا إلى عدلك، وانظر إلى مغفرتك الهاطلة ولا تنظر إلى معذرتنا الباطلة. وهذا بخلاف حال المؤمن هداه في العقبى كما هداه في الدنيا حتى دعاه بأقرب دعاء إلى الإجابة، وأثنى عليه بأطيب ثناء عند الإنابة فقالوا الْحَمْدُ لِلَّهِ وقالوا إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ اعترافا بتقصيرهم شَكُورٌ إقرارا بوصول ما لم يخطر ببالهم إليهم وأحالوا الكل إلى فضله تصريحا بأنه لا عمل لهم بالنسبة إلى بحار نعمه. قوله أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ استفهام فيه توبيخ وإفحام وهو متناول لكل عمر
стр. 3023
تمكن فيه المكلف من إصلاح شأنه إلا أن التوبيخ في العمر الطويل أعظم.
عن النبي ﷺ «العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة»
وروي «من جاوز الأربعين ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار»
وعن مجاهد: ما بين العشرين إلى الستين. وقيل: ثماني عشرة وسبع عشرة. وقوله وَجاءَكُمُ معطوف على المعنى كأنه قيل: قد عمرناكم وجاءكم النَّذِيرُ وهو النبي ﷺ . وقيل: الشيب. فبين بالجملتين أن القابل موجود والفاعل حاصل، فالعذر غير مقبول فَذُوقُوا العذاب فَما لِلظَّالِمِينَ الذين وضعوا أعمالهم في غير موضعها وأتوا بالمعذرة في غير وقتها مِنْ نَصِيرٍ نفى الأنصار والناصرين في آخر «آل عمران» وفي «الروم» ووحد هاهنا كأنهم في النار قد أيسوا من كثير ممن كانوا يتوقعون منهم النصرة إلّا من نصير واحد وهو الله سبحانه. ثم كان لسائل أن يسأل: ما بال الكافر يعذب أبدا وإنه ما كفر إلا أياما معدودة فلا جرم قال إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
فكان يعلم من الكافر أن الكفر قد تمكن في قلبه بحيث لو دام إلى الأبد لما أطاع الله ولا عبده.
وذات الصدور صواحباتها من الظنون والعقائد فذو موضوع لمعنى الصحبة، فالصدور ذات العقائد والعقائد ذات الصدور باعتبار أنها تصحبها. وحين ذكرهم بما مر من أنه سوف يوبخهم بالتعمير وإيتاء العقول وإرسال من يؤيد المعقول بالمنقول وعظهم بأنه هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ وفقد العاطف هنا خلاف ما في آخر «الأنعام» للعدول عن خطاب أهل الآخرة إلى خطاب أهل الدنيا. وقال هاهنا خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ بزيادة «في» المفيدة لتمكن المظروف في الظرف لأجل المبالغة والترقي من الأدنى إلى الأعلى كأنه قيل: أمهلتم وعمرتم وأمرتم على لسان الرسل بما أمرتم وجعلتم خلفاء الهالكين الماضين فأصبحتم بحالهم راضين فَمَنْ كَفَرَ بعد هذا كله فَعَلَيْهِ وبال كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً لأن الكافر السابق ممقوت واللاحق الذي أنذره الرسول ولم ينتبه أمقت لأنه رأى عذاب من تقدّمه ولم يتنبه وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَساراً فإن العمر كرأس مال من اشترى به رضا الله ربح ومن اشترى به سخطه خسر. ثم وبخ أهل الشرك بقوله قُلْ أَرَأَيْتُمْ وأبدل منه أَرُونِي كأنه قال: أخبروني عن هؤلاء الشركاء، أروني أيّ جزء من أجزاء الأرض استبدّوا بخلقه أَمْ لَهُمْ مع الله شِرْكٌ فِي خلق السَّماواتِ أم معهم أو مع عابديهم كتاب من عند الله فهم على برهان من ذلك الكتاب. والإضافة في شُرَكاءَكُمُ لملابسة العبادة، أو المراد كونهم شركاءهم في النار كقوله إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: ٩٨] بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ وهم الرؤساء بَعْضاً وهم الأتباع إِلَّا غُرُوراً [يونس: ١٨] وهو قولهم هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا وحين بين عجز الأصنام أراد أن يبين كمال القدرة فقال إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أي يمنعهما من أَنْ
стр. 3024
تَزُولا
أو كراهة زوالهما عن مقرهما ومركزهما، ولو فرض زوالهما بأمر الله فلن يمسكهما أحد من بعد زوالهما أو من بعد الله. وقيل: أراد أنهما كانتا جديرتين بأن تهدّ هدّا لعظم كلمة الشرك كقوله تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ [مريم: ٩٠] يؤيد هذا الوجه قوله إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غير معاجل بالعقوبة غَفُوراً لمن تاب من الشرك. قال المفسرون: بلغ قريشا قبل مبعث رسول الله أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم رسلهم فكذبوا فو الله لئن أتانا رسول لكنا أهدى. وزيف هذا النقل بأن المشركين كانوا منكرين للرسالة والحشر فكيف اعترفوا بأن اليهود والنصارى جاءهم رسل. سلمنا لكنهم كيف عرفوا تكذيب اليهود وتحريفهم ولم يأتهم رسول ولا كتاب؟ فالوجه الصحيح في سبب النزول أنهم كانوا يقولون: لو جاءنا رسول لم ننكره وإنما ينكرون كون محمد ﷺ رسولا لأنه كاذب، ولو صح كونه رسولا لآمنا. وقوله مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ ليس للتفضيل بل المراد أنا نكون أهدى مما نحن عليه ونكون من إحدى الأمم كقولك: زيد من المسلمين. أو هو للتفضيل والأمم لتعريف العهد أي أمة محمد وموسى وعيسى ﵈، أو للعموم أي أهدى من أيّ أمة تفرض ويقال فيها إحدى الأمم تفضيلا لها على غيرها في الهدى والاستقامة. فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ هو محمد ﷺ الذي صح لهم نذارته بالمعجزات الباهرة ما زادَهُمْ هو أو مجيئه إِلَّا نُفُوراً كأنه صار سببا في نفارهم عن الحق عنادا وكبرا فانتصب اسْتِكْباراً على أنه مفعول لأجله أو حال ويجوز أن يكون بدلا من نُفُوراً وقوله وَمَكْرَ من إضافة المصدر إلى صفة معموله أصله وأن مكروا السيء أي المكر السيء، والمكر هو مكرهم بالنبي ﷺ من الهمّ بالقتل والإخراج وقد حاق بهم يوم بدر، أو هو عام وعاقبة الماكر وخيمة يصل إليه جزاؤه عاجلا أو آجلا.
عن النبي ﷺ «لا تمكروا ولا تعينوا ماكرا فإن الله يقول ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله» . وفي أمثالهم «من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا» .
وفي قوله بِأَهْلِهِ دون أن يقول «إلا بالماكر إشارة إلى أن الرضا بالمكر والإعانة عليه كهو فيندرج مصاحبه في زمرة أهل المكر. وقوله سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ من إضافة المصدر إلى المفعول. وقوله لِسُنَّتِ اللَّهِ من إضافته إلى الفاعل والمراد بها إنزال العذاب على أمثالهم من مكذبي الرسل، جعل استقبالهم لذلك واستعجالهم إياه انتظارا له منهم. والتبديل تغيير الصورة مع بقاء المادة، والتحويل نقل الشيء من مكان إلى مكان آخر. خص هذه السورة بالجمع بين الوصفين لأن كثيرا من أحوال الكفرة جاءت هاهنا مثناة كقوله وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ إلى قوله إِلَّا خَساراً وكقوله إِلَّا نُفُوراً اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ويحتمل أن يريد بسنة الأوّلين استمرارهم على الإنكار كأنه قال: أنتم تريدون
стр. 3025
الإتيان بسنة الأوّلين والله يأتي بسنة لا تبدل. العذاب المعلوم بنوع آخر ولا تحوّله عن مستحقيه إلى من لا يستحقه. ثم أمرهم بالسير وذكرهم ما رأوه في مسايرهم ومتاجرهم إلى الشام والعراق واليمن من آثار الهالكين الأقدمين مع وفور قوّتهم وكثرة شوكتهم. ثم بين كمال علمه ونهاية قدرته على اتصال أصناف الاستحقاقات بقوله وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ أي ليسبقه ويفوته شيء. ثم ختم السورة بما يدل على غاية حلمه وهو أنه لا يؤاخذ الناس بكل جرم إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى هو القيامة وهو يومئذ أعلم بأحوالهم علما عيانيا فيجزي كلا بحسب علمه، وقد مر مثل الآية في سورة النحل. وقيل: الأجل هو يوم لا يوجد في الخلق من يؤمن أو حين يجتمع الناس على الضلال والله أعلم.
تم الجزء الثاني والعشرون، ويليه الجزء الثالث والعشرون وأوله تفسير سورة يس
القراآت:
يس بإظهار النون: أبو عمرو وسهل ويعقوب غير رويس وابن كثير غير ابن فليح وحمزة وأبو جعفر ونافع غير النجاري عن ورش والحلواني عن قالون وعاصم غير يحيى وابن أبي غالب. وقرأ حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد بالإمالة. تنزيل بالنصب: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. والباقون: بالرفع سَدًّا بفتح السين في الحرفين: حمزة وعلي وخلف وحفص وأبو زيد فَعَزَّزْنا بالتخفيف: أبو بكر وحماد والمفضل آين بالمد والياء أبو عمرو وقالون وزيد مثله ولكن بالقصر ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد. أَإِنْ بهمزتين: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل وابن عامر، هشام يدخل بينهما مدة وقرأ المفضل أين على وزن «كيف» الْآنَ بسكون النون وبالمد: يزيد مثل آنذرتهم ذُكِّرْتُمْ بالتخفيف: زيد وَما لِيَ بسكون الياء: حمزة ويعقوب ينقذوني في الحالين بالياء: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل إِنِّي إِذاً بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو إِنِّي آمَنْتُ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو إلا صيحة واحدة بالرفع وكذلك ما بعدها: يزيد لَمَّا بالتشديد: ابن عامر وحمزة وعاصم الميتة بالتشديد: أبو جعفر ونافع عملت بغير هاء الضمير: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل لمستقر بكسر القاف: زيد عن يعقوب والقمر بالرفع على الابتداء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ونافع ويعقوب غير رويس. الآخرون: بالنصب إضمارا على شريطة التفسير ذرياتهم على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب.
الوقوف:
يس هـ كوفي الْحَكِيمِ هـ لا لجواب القسم الْمُرْسَلِينَ هـ لا لأن الجار والمجرور خبر بعد خبر أو مفعول ثان لمعنى الفعل في الْمُرْسَلِينَ أي أرسلت على
стр. 3028
صراط مُسْتَقِيمٍ هـ ط على القراءتين فمن نصب فمعناه نزل تنزيل أو أعني تنزيل ومن رفع فالتقدير هذا تنزيل الرَّحِيمِ هـ لا لتعلق لام كي بمعنى التنزيل والإرسال غافِلُونَ هـ لا يُؤْمِنُونَ هـ مُقْمَحُونَ هـ لا يُبْصِرُونَ هـ لا يُؤْمِنُونَ هـ بِالْغَيْبِ هـ لانقطاع النظم مع دخول الفاء كَرِيمٍ هـ وَآثارَهُمْ ط مُبِينٍ هـ الْقَرْيَةِ هـ لأن «إذا» ليس ظرفا ل اضْرِبْ بل التقدير واذكر إذ جاءها. وجوّز في الكشاف أن يكون «إذ» بدلا من أَصْحابَ الْقَرْيَةِ فلا وقف. الْمُرْسَلُونَ هـ ج لاحتمال أن يكون «إذ» بدلا أو معمولا لعامل آخر مضمر مُرْسَلُونَ هـ مِثْلُنا لا مِنْ شَيْءٍ لا لاتحاد المقول فيهما تَكْذِبُونَ هـ لَمُرْسَلُونَ هـ ج الْمُبِينُ هـ بِكُمْ ج للابتداء بما في معنى القسم مع اتحاد المقول أَلِيمٌ هـ مَعَكُمْ ط ذُكِّرْتُمْ ط مُسْرِفُونَ هـ الْمُرْسَلِينَ هـ لأن اتَّبِعُوا بدل من الأوّل مُهْتَدُونَ هـ تُرْجَعُونَ هـ وَلا يُنْقِذُونِ هـ ج للابتداء بان مع تعلق «إذا» بما قبلها أي أني إذا اتخذت آلهة لفي ضلال مُبِينٍ هـ فَاسْمَعُونِ هـ ط لأن التقدير فلم يسمعوا قوله فقتلوه ثم قيل له ادخل الْجَنَّةَ ط يَعْلَمُونَ هـ لا لتعلق الباء. الْمُكْرَمِينَ هـ مُنْزِلِينَ هـ خامِدُونَ هـ الْعِبادِ ج لأن ما بعده يصلح استئنافا وحالا والعامل معنى في حسرة يَسْتَهْزِؤُنَ هـ لا يَرْجِعُونَ هـ مُحْضَرُونَ هـ يَأْكُلُونَ هـ الْعُيُونِ هـ لا ثَمَرِهِ هـ ط لمن جعل «ما» نافية ومن جعلها موصولة لم يقف أَيْدِيهِمْ ط يَشْكُرُونَ هـ لا يَعْلَمُونَ هـ مُظْلِمُونَ هـ ط لَها ط الْعَلِيمِ هـ لا لمن قرأ وَالْقَمَرَ بالرفع بالعطف على اللَّيْلُ، ومن قرأ بالنصب وقف مطلقا الْقَدِيمِ هـ النَّهارِ ط يَسْبَحُونَ هـ الْمَشْحُونِ هـ لا يَرْكَبُونَ هـ يُنْقَذُونَ هـ لا حِينٍ هـ.
التفسير:
الكلام الكلي في فواتح السور قد مر في أوّل البقرة وغيرها والذي يختص بالمقام ما قيل إن معناه يا سيد أو يا أنيسين فاقتصر على البعض رواه جار الله عن ابن عباس. ولا يخفى أن النداء على هذا يكون لمحمد ﷺ يؤيده قوله إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ وكثيرا ما يستعمل القسم بعد إفحام الخصم الألدّ كيلا يقول إنك قد أفحمت بقوّة جدالك وأنت في نفسك خبير بضعف مقالك. وأيضا الابتداء بصورة اليمين يدل على أن المقسم عليه أمر عظيم والأمر العظيم تتوفر الدواعي على الإصغاء إليه، وكانت العرب يتحرزون من الأيمان الفاجرة ويقولون إنها تدع الديار بلاقع، وكان من المعلوم أن النبي ﷺ وأصحابه يعظمون القرآن غاية التعظيم وكان اليمين به موقوفا عليه عند الكفرة. وقوله عَلى صِراطٍ كالتأكيد لأن المرسلين لا يكونون إلا على المنهج القويم. وتنكير صراط للتعظيم. قيل: فيه دليل على فساد قول المباحية القائلين بأن المكلف إذا صار واصلا لم يبق عليه تكليف فإن
стр. 3029
المرسلين لم يستغنوا عن رعاية الشريعة فكيف غيرهم. وقوله ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ كقوله في «القصص» لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ [الآية: ٤٦] وقد مر أنه يشمل اليهود والنصارى لأن آباءهم الأدنين لم ينذروا بعد ما ضلوا فَهُمْ غافِلُونَ لهذا السبب. وقد يقال: إن «ما» مصدرية أو موصولة أي أرسلت لتنذرهم إنذار آبائهم أو ما أنذر آباؤهم فإنهم في غفلة، فعلى هذا كونهم غافلين سبب باعث على الإنذار، وعلى الأول عدم الإنذار سبب غفلتهم. ثم بين أن السبب الحقيقي للغفلة هو أنه تعالى جعلهم من جملة المطبوع على قلوبهم ومن زمرة أهل النار وهو قوله فيهم لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ [ص ٨٥] أو أراد بالقول سبق علمه فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤمنون. وقيل: أراد أن القول بالدعوة بلغ أكثرهم ولكنهم لا يؤمنون جحودا وعنادا، وذلك أن من يتوقف على استماع الدليل في مهلة النظر يرجى منه الإيمان إذا بان له البرهان، أما بعد البيان والوضوح فلا يكون عدم الإيمان إلا للمكابرة.
وحين بيّن أنهم لا يؤمنون ذكر أن ذلك من الله تعالى فقال إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فيكون مثلا لتصميمهم على الكفر كالطبع والختم. وقيل: إنه إشارة إلى إمساكهم وأنهم لا ينفقون في سبيل الله كما قال وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ [الإسراء: ٢٩] وعلى هذا يمكن أن يكون معنى قوله فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ أنهم لا يزكون كأنه عبر بالإيمان عن الزكاة كما عبر به عن الصلاة في قوله وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [البقرة: ١٤٣]
وقيل: نزلت في بني مخزوم وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمدا ﷺ يصلي ليرضخن رأسه، فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه فلما رفع يده انثنت إلى عنقه ولزق الحجر بيده حتى فكوه عنها بجهد فرجع إلى قومه فأخبرهم فقال مخزومي آخر: أنا أقتله بهذا الحجر. فذهب فأعمى الله بصره وأنزلت الآيتان.
والضمير في قوله فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ راجع إلى الأيدي وإن كانت غير مذكورة لكونها معلومة فإن المغلول تكون أيديه مجموعة إلى العنق ولذلك يسمى الغل جامعة أي جامعا لليد والعنق. وتأنيث الجامعة مبالغة أو بتأويل الآلة. وقيل:
واختاره في الكشاف أنه يرجع إلى الأغلال أي جعلنا في أعناقهم أغلالا ثقالا غلاظا بحيث تبلغ إلى الأذقان فلم يتمكن المغلول معها من أن يطأطىء رأسه فلا يزال مقمحا. والمقمح الذي يرفع رأسه ويغض بصره ومنه أقمحت السويق أي سففته. والكانونان يقال لهما شهرا قماح لأن الإبل ترفع رؤوسها عن الماء لبرده فيهما. وكيف يفهم من الغل في العنق المنع من الإيمان حتى يجعل كناية فيقول المغلول الذي بلغ الغل ذقنه وبقي مقمحا رافع الرأس لا يبصر الطريق فضرب ذلك مثلا للذي يهديه النبي ﷺ إلى الصراط المستقيم العقلي وهو لا يبصره بنظر بصيرته، ويمكن أن يجعل كناية عن عدم التصديق بتحريك الرأس. ويقال: بعير قامح إذا رفع رأسه فلم يشرب الماء، والإيمان كالماء الزلال الذي به الحياة. ثم ضرب مثلا
стр. 3030
آخر لكونهم غير منتهجين سبيل الرشاد وذلك قوله وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا قال أهل التحقيق: المانع إما أن يكون في النفس وهو الغل فلا يتبين لهم آيات الأنفس، وإما أن يكون خارجا عنها وهو السدّ فلا يتضح لهم دلائل الآفاق. ويمكن أن يقال: السدّ من قدام إشارة إلى عدم العلوم النظرية، ومن خلف إشارة إلى عدم فطنتهم الغريزية، أو الأوّل إشارة إلى الغفلة عن أحوال المعاد، والثاني إشارة إلى الغفلة عن المبدأ. وفيه أن السالك إذا انسدّ عليه الطريق من قدامه ومن خلفه والموضع الذي هو فيه لا يكون موضع إقامة فإنه يهلك لا محالة. ثم زاد في التأكيد بقوله فَأَغْشَيْناهُمْ أي جعلنا بعد ذلك كله على أبصارهم غشاوة فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ شيئا أصلا. ويحتمل أن يكون الإغشاء إشارة إلى أن السدّ قريب منهم بحيث يصير ذلك كالغشاوة فإن القرب القريب مانع من الرؤية فلا يرون السدّ قريب منهم فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ وعلى هذا يكون ذكر السد من خلف تأكيدا على تأكيد، فإن الذي جعل بين يديه ومن خلفه سدان ملتزقان لا يمكنه التحرك يمنة ويسرة ولا النظر إلى السدّ ولا إلى غيره. ويمكن أن يقال: فائدته تعميم المنع من انتهاج المسالك المستقيمة لأنهم إن قصدوا السلوك إلى جانب اليمين أو إلى جانب الشمال صاروا متوجهين إلى شيء ومولين عن شيء، وهكذا إن فرض رجوع قهقرى فإن المشي من هاتين الجهتين عادة، ثم صرح بالمقصود معطوفا على المذكورات قائلا وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ الآية. وقد مر إعرابه وسائر ما يتعلق بتفسيره في أول البقرة. ولا يخفى أن الإنذار وعدمه بالنسبة إلى النبي ﷺ غير مستويين وإنما الإنذار سبب لزيادة سيادته وسعادته عاجلا وآجلا.
ثم بين بقوله إِنَّما تُنْذِرُ أن عدم فائدة الإنذار إنما هو بالإضافة إلى المطبوع على قلوبهم الذين تقدم شرح حالهم وبيان أمثالهم لا إلى المنتفعين به. والذكر القرآن أو ما فيه من المواعظ والحكم والدلائل، وفي ذكر الخشية مع تعقيبه باسم الرحمن إشارة إلى أن قهره مقرون بلطفه يعني مع كونه ذا هيبة لا تقطعوا رجاءكم. والغيب ما غاب عنا من أحوال القيامة وغيرها. وقيل: أي بالدليل وإن لم ينته إلى العيان فعند الانتهاء إلى ذلك لم يبق للخشية فائدة. ومعنى الفاء في فَبَشِّرْهُ أنك كما أنذرت وخوّفت فبشر بمغفرة واسعة وأجر كريم لا يكتنه كنهه، فكأن المغفرة بإزاء الإيمان والأجر الكريم للعمل الصالح. أو الأول لاتباع الذكر والثاني للخشية. وحين فرغ من بيان الرسالة شرع في أصل الحشر قائلا إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى على أن البشارة بالمغفرة والأجر لا يتم إلا بعد ثبوت الإعادة وهكذا خشية الرحمن بالغيب تناسب ذكر إحياء الأموات. والظاهر أن قوله نَحْنُ ضمير الفصل ويجوز أن يكون مبتدأ والفعل خبره والجملة خبر «إن» ويجوز أن يكون نَحْنُ خبر «إن»
стр. 3031
كقول القائل عند الافتخار بالشهرة: أنا أنا. كأن الله تعالى قال إنما نحن معروفون بأوصاف الكمال وإذا عرّفنا أنفسنا فلا تنكر قدرتنا على إحياء الموتى. وفي هذا التركيب أيضا إشارة إلى التوحيد أي ليس غيرنا أحد يشاركنا حتى نقول إنا كذا فنمتاز. ثم أشار إلى العلم التام الذي يتوقف عليه المجازاة فقال وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا أي أسلفوا من الأعمال صالحة كانت أو فاسدة. وقيل: أراد ما قدّموا وأخروا فاكتفى بأحدهما كقوله سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] والصحيح أنه لا حاجة إلى هذا التقدير لأن قوله وَآثارَهُمْ يدل عليه والمراد بها ما هلكوا عليه من أثر حسن كعلم علموه أو كتاب صنفوه أو بقعة خير عمروها أو أثر سيء كبدعة وظلامة وآلات ملاه. وقيل: هي آثار المشائين إلى المساجد.
عن جابر: أردنا النقلة إلى المسجد والبقاع حوله خالية فقال لنا رسول الله ﷺ : عليكم دياركم فإنما تكتب آثاركم.
وعن عمر بن عبد العزيز: لو كان الله مغفلا شيئا لأغفل هذه الآثار التي تعفيها الرياح أي تمحوها. وقيل: أراد ونكتب ما قدموا من نياتهم فإنها قبل الأعمال وآثارهم أي أعمالهم.
سؤال: كيف قدم إحياء الموتى على الكتابة ولم يقل «نكتب ما قدموا ونحييهم» لأجل الجزاء؟ الجواب لأن الكتابة ليست مقصودة بالذات وإنما المقصود الأصلي هو الإحياء للجزاء ولو لم يكن إحياء وإعادة لم يكن للكتابة أثر. وأيضا قوله إِنَّا نَحْنُ دال على العظمة والجبروت، والإحياء أمر عظيم لا يقدر عليه أحد إلا الله سبحانه بخلاف الكتابة، فقدّم الأمر العظيم ليناسب اللفظ الدال على العظمة. وأيضا أراد أن يرتب على كتابة الأعمال قوله وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ ومعناه أن قبل هذه الكتابة كتابة أخرى فإن الله كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا، ثم إذا فعلوا كتب عليهم أنهم فعلوه. وفيه بيان أن الكتابة مقرونة بالحفظ والإحصاء، فرب مكتوب غير محفوظ ولا مضبوط، وفيه تعميم بعد تخصيص كأنه قال: ليست الكتابة مختصة بأفعالهم وإنما هي لكل شيء. والإمام اللوح لأن الملائكة يتبعون ما كتب فيه من أجل ورزق وإماتة وإحياء، والمبين هو المظهر للأمور، والفارق بين أحوال الخلق، وحيث بين أن الإنذار لا ينفع من أضله الله وكتب عليه أنه لا يؤمن قال لنبيه ﷺ لا تأس.
وَاضْرِبْ لنفسك ولقومك مَثَلًا مثل أَصْحابَ الْقَرْيَةِ وهي أنطاكية الروم، والمرسلون رسل عيسى ﵇ إلى أهلها. وفي قوله إِذْ أَرْسَلْنا دلالة على أن رسول الرسول رسول وأنه يؤيد مسألة فقهية وهي أن وكيل الوكيل بإذن الموكل وكيل الموكل حتى لا ينعزل بعزل الوكيل إياه وينعزل إذا عزله الموكل الأول، وكأنه أرسل اثنين ليكون قولهما
стр. 3032
على قومها عند عيسى حجة تامة. وكان رسولنا ﷺ يكتفي بواحد في الأغلب كمعاذ وغيره فمن هنا يعلم ترجيح هذه الأمة. وأما القصة فإن عيسى ﵇ أرسل إليهم اثنين فلما قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنما واسمه حبيب النجار فسألهما فأخبراه فقال: ما آيتكما؟
قالا: نشفي المريض ونبرىء الأكمة والأبرص. وكان له ولد مريض من سنتين فمسحاه فبرأ فآمن حبيب وفشا الخبر فشفى على أيديهما خلق كثير ورفع خبرهما إلى الملك فأحضرا فلما سمع قولهما قال: ألنا إله سوى آلهتنا؟ قالا: نعم. من أوجدك وآلهتك. فحبسهما حتى ينظر في أمرهما فبعث عيسى شمعون وذلك قوله سبحانه فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ
من قرأ بالتشديد فمعناه فقوّينا الرسولين، ومن قرأ بالتخفيف فمن العزة أي فغلبنا وقهرنا أهل القرية. وإنما ترك ذكر المفعول به لأن الغرض ذكر الثالث فالعناية بذكره أهم وأتم نظيره قولك: حكم السلطان اليوم بالحق الغرض الذي سيق له الكلام قولك بالحق فلذلك تركت ذكر المحكوم له والمحكوم عليه. وأما باقي القصة فإن شمعون دخل متنكرا وعاشر حاشية الملك حتى استأنسوا به ورفعوا خبره إلى الملك فأنس به فقال له ذات يوم بلغني أنك حبست رجلين فهل سمعت ما يقولانه؟ قال: لا، حال الغضب بيني وبين ذلك. فدعاهما فقال شمعون:
من أرسلكما قال: الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
قال: وما آيتكما؟ قالا: ما يتمنى الملك. فدعا بغلام مطموس فدعوا الله حتى انشق له بصر وأخذا بندقتين فوضعاهما في حدقتيه فكانتا مقلتين ينظر بهما فقال شمعون: يا أيها الملك إن شئت أن تغلبهما فقل لآلهتك حتى تصنع مثل هذا. فقال الملك: أنت لا يخفى عليك أنها لا تسمع ولا تبصر ولا تقدر ولا تعلم. وكان شمعون يدخل معهم على الصنم فيصلي ويتضرع ويحسبون أنه منهم. فقال شمعون: فالحق إذا معهم فآمن الملك وبعض حاشيته وبقي آخرون على الكفر فأهلكوا بالصيحة. قال أهل البيان: يجب زيادة المؤكدات في الجملة الخبرية بحسب تزايد الإنكار من السامع فلهذا قال الرسل أوّلا: إنا إليكم مرسلون مقتصرين على «أن» . وثانيا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ مجموعا بين «أن» واللام وما يجري مجرى القسم. ولا يخفى أن اليمين بعد إظهار البينة وإفحام الخصم مؤكد قوي كما مر في أول السورة. وفي قولهم وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ تسلية لأنفسهم أي نحن خرجنا من عهدة ما علينا ولم يبق إلا التفكر منكم والتذكر. وحيث أكد الرسل قولهم باليمن أكد الكفار قولهم بالتطير، فمن عادة الجهال أن يتيمنوا بكل ما يوافق طباعهم وهواهم ويتشاءموا بما كرهوه وكأنهم قالوا في الأول كنتم كاذبين وفي الثاني صرتم مصرين على الكذب حالفين بالأيمان الكاذبة التي تدع الديار بلاقع فتشاءمنا بكم ولا نترككم. لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ بالقول أو بالحجارة. وَلَيَمَسَّنَّكُمْ بعد ذلك أو بسبب الرجم بالحجارة
стр. 3033
المتوالية إلى الموت عَذابٌ أَلِيمٌ قالُوا طائِرُكُمْ أي سبب شؤمكم مَعَكُمْ وهو كفركم ومعاصيكم أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ يعني أتطيرون إن ذكرتم. ومن قرأ أين على وزن «كيف» ذكرتم بالتخفيف فالمراد شؤمكم معكم حيث جرى ذكركم فضلا عن المكان الذي حللتم فيه. ثم إن الرسل كأنهم قالوا لهم أنحن كاذبون أم نحن مشؤمون بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ في عصيانكم أو ضلالكم فمن ثم أتاكم الشؤم، أو تشاءمتم بمن يجب التبرك بهم وقصدتموهم بالسوء وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ هو حبيب النجار الذي مر ذكره نصح قومه فقتلوه وقبره في سوق أنطاكية. وقيل: كان في غار يعبد الله ، فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه وقاول الكفرة فوثبوا عليه فقتلوه.
وعن رسول الله ﷺ «سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب ﵁، وصاحب ياسين ومؤمن آل فرعون»
ومن هنا قالوا: إنه آمن بمحمد ﷺ قبل ولادته وذلك أنه سمع نعته من الكتب والعلماء. وتنكير رجل للتعظيم أي رجل كامل في الرجولية أو ليفيد ظهور الحق من جانب المرسلين حيث آمن بهم رجل من الرجال لا معرفة لهم به وكان بعيدا من التواطؤ. وقوله مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ أيضا يفيد مثل هذا أو أنهم ما قصروا في التبليغ والإنذار حتى بلغ خبرهم القاصي والداني والسعي بمعنى المشي أو بمعنى القيام في المهام أي يهتم بشأن المؤمنين ويسعى في نصرتهم وهدايتهم ونصحهم. ثم حثهم على اتباع الرسل ولم يقل اتبعوني كما قال مؤمن آل فرعون اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ [غافر: ٣٨] لأنه جاءهم فنصحهم في أوّل مجيئه وما رأوا سيرته بعد فقال: اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل وأوضحوا لأجلكم السبيل. فقوله اتَّبِعُوا نصيحة وقوله الْمُرْسَلِينَ إظهار للإيمان وقدم النصيحة إظهارا للشفقة.
وقد روي أنه كان يقتل ويقول: اللهم اهد قومي.
ثم أكد وجوب الاتباع بأنهم في أنفسهم مهتدون ولا يتوقعون أجرا في الدلالة ووجوب اتباع مثل هذا الدليل للذي ضل عن سواء السبيل مركوز في العقول. ثم أبرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه وهو يريد مناصحة قومه. قال الحكيم الَّذِي فَطَرَنِي إشارة إلى وجود المقتضي. وقوله وَما لِيَ إشارة إلى عدم المانع من جانبه فإن كل امرئ هو أعلم بحال نفسه، والمقتضى وإن كان مقدما في الوضع والطبع على المانع إلا أن المقتضي هاهنا لظهوره كان مستغنيا عن البيان رأسا فقدّم عدم المانع لأجل البيان ولهذا لم يقل «وما لكم لا تعبدون» كيلا يذهب الوهم إلى أنه لعله يطلب العلة والبيان وإنما ورد في سورة نوح ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً [الآية: ١٣] لأن القائل هناك داع لا مدعو فكأن الرجل قال: مالي لا أعبد وقد طلب مني ذلك. وفي قوله وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بيان الخوف والرجاء ولهذا لم يقل
стр. 3034
«وإليه أرجع» كأنه جعل نفسه ممن يعبد الله لذاته لا لرغبة أو رهبة. ثم أراد كمال التوحيد فقال أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً فقوله ما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي فيه إقرار بوجود الصانع الفاطر، وقوله أَأَتَّخِذُ على سبيل الإنكار نفي لغيره ممن يسمى إلها وبهما يتم معنى لا إله إلا الله. ثم عرض على عقولهم جهل عابدي الأصنام أنهم لا يقدرون على دفع ضر ولا على إيصال نفع، وقد رتب الكلام فيه على ترتيب ما يقع بين العقلاء فإن الذي يريد أن يدفع الضر عن شخص يقدم على الشفاعة له، فإن قبلت وإلا أنقذه أي خلصه بوجه من الوجوه.
قال بعض المفسرين: لما أقبل القوم عليه يريدون قتله أقبل هو على المرسلين. قال إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فاسمعوا قولي لتشهدوا لي. وإنما قال بِرَبِّكُمْ ولم يقل «بربي» ليتعين أنه آمن بالرب الذي دعوه إليه. وقال أكثرهم: الخطاب للكفار وعلى هذا فالمراد به بيان التوحيد أي ربي وربكم واحد وهو الذي فطرني وفطركم فاسمعوا قولي وأطيعوني. وفي قوله قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ وجهان أحدهما. أنه قتل. ثم كأن سائلا سأل: كيف لقاؤه ربه بعد ذلك التصلب في نصرة الدين حتى بذل مهجته؟ فقيل: قيل ادخل الجنة. والقائل هو الله سبحانه أو الملائكة بأمره. قال جار الله: لم يذكر المقول له لانصباب الغرض إلى المقول وعظم شأنه ولأنه معلوم. ثم كأن سائلا آخر سأل: أيّ شيء تمنى في الجنة؟ فقيل: قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ وإنما تمنى علم قومه بحاله ليصير ذلك سببا لهم في التوبة والإيمان ليفوزوا بما فاز ويؤيده ما روي في حديث مرفوع أنه نصح قومه حيا وميتا. ويجوز أن يكون سبب التمني هو أن ينبهوا على خطئهم في أمره وعلى صوابه في رأيه وأن عداوتهم لم تعقبه إلا سعادة وكرامة. وثانيهما أن الرسل بشروه وهو حيّ بدخول الجنة فصدّقهم وتمنى علم قومه بحاله فيؤمنوا كما آمن. و «ما» في قوله بِما غَفَرَ مصدرية أو موصولة أي بالذي غفره لي من الذنوب، أو استفهامية يعني بأي شيء غفر لي أراد ما جرى بينه وبينهم من المصابرة والذب عن الدين إلا أن طرح الألف أجود. فقول القائل: علمت بم صنعت هذا أحسن من قوله «بما صنعت» فقوله غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ بإزاء قوله فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ثم أشار إلى كيفية إهلاك قومه بعده قائلا وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ قال المفسرون: يجوز أن يريد بقومه الذين بقوا من أهل القرية بعد المؤمنين منهم وأن يريد به أقاربه فلعل غيرهم من قوم الرسل آمنوا فلم يصبهم العذاب. ثم قال وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ أي وما كان يصح في حكمتنا أن ننزل في إهلاك قوم حبيب جندا من السماء، ومن هنا يعلم فضل نبينا ﷺ على غيره فقد أنزل الله لأجله الجنود من السماء يوم بدر والخندق وحنين وما أنزلها لغيره من نبي فضلا عن حبيب، فشتان بين حبيب الجبار وبين حبيب النجار.
فالحاصل أنه تعالى يقول لمحمد ﷺ : إن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها
стр. 3035
إلا مثلك وما كنا نفعله لغيرك. فمن قرأ إِلَّا صَيْحَةً بالنصب أراد ما كانت الأخذة أو العقوبة إلا بسبب صيحة، ومن قرأ بالرفع على أن «كان» التامة فمعناه ما وقعت إلا صيحة.
قال جار الله: القياس والاستعمال على تذكير الفعل لأن المعنى ما وقع شيء إلا صيحة ولكنه نظر إلى ظاهر اللفظ وأن الصيحة في حكم فاعل الفعل. قلت: يجوز أن يقدر ما حدثت عقوبة. وقيل: إن التأنيث لتهويل الواقعة ولهذا جاءت أسماء الجنس كلها مؤنثة.
ووصف الصيحة بواحدة للتأكيد. وقرأ ابن مسعود إلا زقية وهي الصيحة أيضا ومنه المثل «أثقل من الزواقي» والزقاء صياح الديك ونحوه، وذلك لأن صياح الديكة يؤل بنزول الأنس وبتبدل الفراق بالوصال.
ثم شبه هلاكهم بخمود النار وهو صيرورتها رمادا لأنهم كانوا كالنار الموقدة في القوّة الغضبية حيث قتلوا من نصحهم وتجبروا على من أظهر المعجزة لديهم. ثم بين بقوله يا حَسْرَةً أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون من الملائكة والثقلين، أو من الله على سبيل الاستعارة وذلك لتعظيم ما صدر من تقصيرهم وبدر من تفريطهم ثم ذكر سبب التحسر بقوله ما يَأْتِيهِمْ الآية. ثم عجب من حالهم في عدم الاعتبار بأمثالهم من الأمم الخالية. وقوله أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ بدل من كَمْ أَهْلَكْنا التقدير: ألم يعلموا القرون الكثيرة المهلكة من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم. والبدل بدل اشتمال لهم لأنه حال من أحوال المهلكة أي أهلكوا بحيث لا رجوع لهم إليهم. والرجوع حسيّ وهو ظاهر، أو معنويّ وهو الرجوع بالنسب والولادة أي أهلكناهم وقطعنا نسلهم. من قرأ «لما» بالتشديد فبمعنى إلا و «أن» نافية. ومن قرأ بالتخفيف فإن مخففة و «ما» صلة تقديره. وإن كلهم لمحشورون مجموعون محضرون للحساب يوم القيامة. قال في الكشاف: كيف أخبر عن كل المجموعي بجميع؟ وأجاب بأنهما ليسا بواحد، بل الكل يفيد الشمول والجميع يفيد الانضمام وأن المحشر يجمعهم. ويحتمل أن يقال: الغرض وصف الجميع بالإحضار كقولك: الرجل رجل عالم والنبيّ نبيّ مرسل. ثم ذكر البرهان على الحشر وعلى التوحيد أيضا مع تعداد النعم وتذكيرها قائلا: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ قال المحققون: إنما قال لهم لأن الأرض ليست آية للنبي ولغيره من أهل الإخلاص الذين هم بالله عرفوا الله قبل النظر إلى الأرض والسماء كقوله أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: ٥٣] وقوله أَحْيَيْناها استئناف بيانا لكونها آية وكذلك نسلخ ويجوز أن يكونا وصفين على قياس.
ولقد أمر على اللئيم يسبني
стр. 3036
وقوله فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ بتقديم الجار للدلالة على أن الحب هو معظم قوت الإنسان وبه قوام معاشه عادة، فنفس الأرض آية فإنها مهدهم الذي فيه تحريكهم واستكانهم والأمر الضروري الذي عنده وجودهم وإمكانهم. وسواء كانت ميتة أو لم تكن فهي مكان لهم، ثم إحياؤها مخضرة نعمة ثانية فإنها أحسن وأنزه، ثم إخراج الحب منها نعمة ثالثة فإن قوتهم إذا كان في مكانهم كأن أجمع للقوّة والفراغ. ثم جعل الجنات فيها نعمة رابعة موجبة للتفكه وسعة العيش، ثم تفجير العيون فيها نعمة خامسة لأن ماء السماء لا يحصل الوثوق بنزوله في كل حين فذلك كالشيء المدخر القريب التناول. والضمير في قوله مِنْ ثَمَرِهِ يعود إلى الله، وفائدة الالتفات أن الثمار بعد وجود الأشجار وجريان الأنهار لا توجد إلا بتخليق الملك الجبار، ويحتمل أن يعود إلى المذكور وهو الجنات أو إلى التحصيل وترك ذكر الأعناب لأن حكمه حكم النخيل. وقيل: إلى التفجير المدلول عليه بسياق الكلام أي ليأكلوا من فوائد التفجير وهو أعم من الثمار، ويشمل جميع ما ذكره في قوله أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا إلى قوله وَفاكِهَةً وَأَبًّا [عبس: ٢٥- ٣١] وقوله وَما عَمِلَتْ من قرأ بغير هاء الضمير فما موصولة أو مصدرية أي ليأكلوا من ثمر الله ومن ثمر ما عملته أو من ثمر عمل أيديهم، أو نافية فيكون إشارة إلى أن الثمر خلق الله ولم تعمله أيدي الناس ولا يقدرون عليه، ومن قرأ مع الضمير فما موصولة والضمير لها أو نافية والضمير للتفجير أو المذكور.
ومعنى عمل الأيدي ما يتكابده الناس من الحرث والسقي وغير ذلك. هذا إذا جعلت «ما» موصولة، فإن كانت نافية فالمراد الإيجاد والخلق. وقيل: عمل الأيدي التجارة. وقيل:
الطبخ ونحوه.
ثم نزه نفسه بقوله سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ أي الأصناف والمراد بقوله وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ أزواج لم يطلع الله الإنسان عليها بطريق من طرق المعرفة وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر: ٣١] فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧] قالت الأشاعرة: فيه دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله لأن أفعالهم أعراض وهي داخلة تحت الأجناس. وقوله مِمَّا تُنْبِتُ لا يخرجه عن العموم لأن البيان متعدّد نظيره قول القائل:
أعطيته كل شيء من الثياب والدواب والعبيد. فإنه يفهم أن تعديد الأصناف لتأكيد العموم يؤيده قوله في الزخرف الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها [الآية: ٣٦] من غير تقييد. وحين فرغ من الاستدلال بالمكان شرع في الاستدلال بالزمان. ومعنى سلخ النهار من الليل تميزه منه. ومعنى سلخ النهار من الليل تميزه منه. قال جار الله: أصله من سلخ الجلد الشاة إذا ازاله عنها فاستعير لإزالة الضوء وكشفه عن مكان الليل وموضع إلقاء ظله. ومعنى
стр. 3037
مُظْلِمُونَ داخلون في الظلام أي لا بد لهم أن يدخلوا في الظلام إذ زال ولا يقدرون على دفعه. وفيه أن الليل كعرض أصلي يطرأ عليه النور تارة ويزول عنه أخرى. ثم كان لجاهل أن يقول: سلخ النهار إنما هو بغروب الشمس فلا جرم قال وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ أي لحدّ لها مؤقت تنتهي إليه من فلكها شبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره إلا أن المسافر له قرار بعد ذلك وهذه لا قرار لها بعد الحصول في ذلك الحدّ ولكنها تستأنف الحركة منه وهو أوّل الحمل أو أحد الخافقين أو إحدى الغايتين في تصاعدها فلك نصف النهار وتنازلها أو غير ذلك من الاعتبارات. وقيل: أراد بالمستقر بيتها وهو الأسد. وقيل: أراد لجري مستقرها وهو فلكها. وقيل: هو الدائرة التي عليها حركتها الخاصة. وقال الحكيم: أراد لأمر لو وجده لاستقر وهو استخراج الأوضاع الممكنة. وقيل: أراد الوقت الذي ينقطع جريها وهو يوم القيامة. وقيل: إنه إشارة إلى نعمة النهار بعد الليل كأنه قال: إن الشمس تجري فتطلع عند انقضاء الليل فيعود النهار لمنافعه وعلى هذا فالمستقر هو أفق الغرب خاصة ذلِكَ الجري على الوجوه المذكورة تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الغالب بقدرته على كل مقدور الْعَلِيمِ بمبادىء الأمور وغاياتها.
ثم ذكر أمر سير القمر وقد مر في أوّل سورة يونس في قوله وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ [الآية:
٥] والعرجون عود العذق ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة وهو «فعلون» من الانعراج الانعطاف قاله الزجاج. والقديم ما تقادم عهده ويختلف بحسب الأعيان. فلا يقال لمدينة بنيت من سنة وسنتين هي قديمة. وقد يقال: نبت قديم وإن لم يكن له سنة. وإطلاق القديم على العالم لا يعتاد لأنه موهم إلا عند من يعتقد أنه لا أول له. وقال في الكشاف: القديم المحول وهو أول ما يوصف بالقدم، فلو أن رجلا قال: كل مملوك لي قديم فهو حر وكتب ذلك في وصية، عتق منهم من مضى له حول وأكثر. وإذا قدم العرجون دق وانحنى واصفرّ فشبه انقراض الشهر به من الوجوه الثلاثة. ثم بين أن لكل واحد من النيرين حركة مقدرة وسلطانا على حياله لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ لتباطوء سيرها عن سيره وَلَا اللَّيْلُ أي ولا تسبق آية الليل- وهو القمر- آية النهار- وهي الشمس- أي لا يداخل القمر الشمس في سلطانها. وقيل: أراد أن الليل لا يدخل في وقت النهار. وقيل: إنه إشارة إلى الحركة اليومية التي بها يحدث الليل والنهار. والمراد أن القمر لا يسبق الشمس بهذه الحركة لأنها تشملهما على السواء، وهكذا جميع الكواكب فلا يقع بسببها تقدم ولا تأخر ولهذا لم يقل «يسبق» على قياس تدرك أي ليس من شأنه السبق إذ الكواكب كأنها كلها ساكنة بهذه الحركة. وأقول: يحتمل أن يراد لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا القمر ينبغي أن
стр. 3038
يتخلف، فحذف إحدى القرينتين للعلم به كقوله سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] وكذا الكلام في قوله وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ أراد ولا النهار سابق الليل أي لا يدخل شيء منهما في غير وقته. سلمنا أن المراد بالليل والنهار آيتهما لكنه يمكن أن يقال: إنه إشارة إلى الحركة الدورية لأنه لما قال: إن الشمس لبطء سيرها لا تدرك القمر. فهم منه أن القمر يسبق الشمس بحركته، فأشار إلى أن هذا السبق ليس على قياس المتحركات على الاستقامة ولكنه سبق هو بعينه موجب للقرب، وهذا معنى قول أهل الهيئة إن الكوكب هارب عن نقطة ما طالب لها بعينه. وأما قوله وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ فقد مرّ تفسيره في سورة الأنبياء.
ولما بين ما هو كالضروري لوجود الإنسان من المكان والزمان وما يتبعه ويسبقه، شرع في تقرير ما هو نافع لهم في أحوال المعاش. قال بعض المفسرين: أراد بحمل الذرية حمل آبائهم وهم في أصلابهم. والفلك فلك نوح ومثله هو ما يركبون الآن عليه من السفن والزوارق. قال جار الله: وإنما ذكر ذرياتهم دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليهم وأدخل في التعجب من قدرته في حمل أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح، ولولا ذلك لما بقي للآدمي نسل. ومن فوائد ذكر الذرية أن من الناس من لا يركب السفينة طول عمره ولكنه في ذريته من يركبها غالبا. وذهب آخرون إلى أن المراد حمل أولادهم ومن يهمهم حمله كالنساء. وقد يقع اسم الذرية عليهن لأنهن مزارع الأولاد.
في الحديث «إنه نهى عن قتل الذراري»
يعني النساء فكأنه قيل: إن كنا ما حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره وعلى هذا يكون قوله وَخَلَقْنا لَهُمْ إلى آخره اعتراضا، ومثل الفلك ما يركبون من الإبل لأنها سفائن البر. وفي وصف الفلك بالمشحون مزيد تقرير للقدرة والنعمة فإن الفلك إذا كان خاليا كان خفيفا لا يرسب في الماء بالطبع. ثم ذكر ما يؤكد كونه فاعلا مختارا قائلا وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وهو مصدر أو صفة أي لا إغاثة أو لا مغيث. وقوله إِلَّا رَحْمَةً إشارة إلى أن الإنقاذ رحمة بالنسبة إلى المؤمن ومتاع إلى حلول الأجل بالإضافة إلى الكافر، أو المراد أن أحد لا يتخلص من الموت وإن سلم من الآفات ولله در القائل:
ولم أسلم لكي أبقى ولكن ... سلمت من الحمام إلى الحمام
التأويل:
يس إشارة إلى أنه بلغ في السيادة مبلغا لم يبلغه أحد من المرسلين تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ فيه أنه لعزته لا يحتاج إلى تنزيل القرآن ولكن رحمته اقتضت ذلك نُحْيِ القلوب الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا من الأنفاس المتصاعدة ندما وشوقا، وآثار خطا أقدام صدقهم وآثار دموعهم على خدودهم أَصْحابَ الْقَرْيَةِ القلوب إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ من الخواطر الرحمانية والإلهامات الربانية بالتجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار
стр. 3039
الخلود فَكَذَّبُوهُما النفس وصفاتها فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ من الجذبة إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لأن النفس وصفاتها لا يوافقهما ما يدعو الإلهام والجذبة إليه طائِرُكُمْ مَعَكُمْ لأن النفس خلقت من العدم على خاصيتها المشئومة رَجُلٌ يَسْعى هو الروح المشتاق إلى لقاء الحق لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً لأنه لا شرب له من مشاربكم. قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ وهي عالم الأرواح وهو كقوله يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ إلى قوله وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر: ٣٠] عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ أي بعد رجوع الروح إلى الحضرة ما أنزل إلى النفس وصفاتها ملائكة من السماء لأنهم لا يقدرون على النفس وصفاتها وإصلاح حالها، فإن صلاحها في موتها والمميت هو الله. صَيْحَةً واحِدَةً من وارد حق فَإِذا هُمْ يعني النفس وصفاتها خامِدُونَ ميتون عن أنانيته بهويته أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا فيه إشارة إلى أن هذه الأمة خير الأمم شكى معهم من كل أمة وما شكى إلى أحد من غيرهم شكايتهم وَآيَةٌ لَهُمُ القلوب الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها بالطاعة ونخيل الأذكار وأعناب الأشواق وعيون الحكمة وثمر المكاشفات وعمل الخيرات والصدقات خَلَقَ الْأَزْواجَ من الآباء العلوية والأمهات السفلية مِمَّا تُنْبِتُ أرض البشرية بازدواج الكاف والنون. وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ بازدواج الروح والقلب وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ من تأثير العناية في قلوب المخلصين مما لا عين رأت ولا أذن سمعت وَآيَةٌ لَهُمُ ليل البشرية نَسْلَخُ مِنْهُ نهار الروحانية فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ بظلمة الخليقة فإن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره. وشمس نور الله تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها وهو قلب استقر فيه رشاش نور الله وقمر القلب قَدَّرْناهُ ثمانية وعشرين منزلا على حسب حروف القرآن وأسماؤها:
الألفة والبر والتوبة والثبات والجمعية والحلم والخلوص والديانة والذلة والرأفة والزلفة والسلامة والشوق والصدق والصبر والطلب والظمأ والعشق والعزة والفتوة والقربة والكرم واللين والمروءة والنور والولاية والهداية واليقين. فإذا قطع كل المنازل فقد تخلق بخلق القرآن ولهذا قال لنبيه ﷺ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر: ٩٠] وهو آخر المنازل والمقامات، فإن السالك يألف الحق أوّلا ثم يتوب فيثبت على ذلك حتى تحصل له الجمعية، وعلى هذا يعبر المقامات حتى يصير كاملا كالبدر، ثم يتناقص نوره بحسب دنوّه من شمس شهود الحق إلى أن يتلاشى ويخفى وهو مقام الفقر الحقيقي الذي افتخر به نبينا ﷺ
بقوله «الفقر فخري» .
ثم أشار بقوله لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها إلى أن الرب لا يصير عبدا ولا العبد ربا. ثم ذكر أن العوام محمولون في سفينة الشريعة والخواص في بحر الحقيقة كلاهما بفلك العناية وملاحة أرباب الطريقة، ومثل ما يركبون هو جناح همة المشايخ. وَإِنْ نَشَأْ نغرق العوام في بحر الدنيا والرخص والخواص في بحر الشبهات والإباحة.
القراآت:
يَخِصِّمُونَ بفتحتين ثم كسر الصاد المشددة: ابن كثير وورش وسهل ويعقوب وأصله «يختصمون» أدغمت التاء في الصاد بعد نقل حركتها إلى الخاء، وقرأ أبو جعفر ونافع غير ورش بسكون الخاء، وقرأ أبو عمرو بإشمام الفتحة قليلا وقرأ حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من الخصم ثلاثيا. الباقون: بكسر الخاء للاتباع وتشديد الصاد.
وروى خلف عن يحيى بكسر الياء والخاء والتشديد. شُغُلٍ بضمتين: عاصم وخلف وابن عامر ويزيد ويعقوب. فكهون وبابه بغير ألف: يزيد. ظل بضم الظاء وفتح اللام:
حمزة وعلي وخلف على أنه جمع ظلة. الآخرون: ظِلالٍ جمع ظل جِبِلًّا بضم الجيم وسكون الباء. ابن عامر وأبو عمرو. وقرأ أبو جعفر ونافع وعاصم وسهل بكسرتين واللام مشددة، وقرأ يعقوب بضمتين والتشديد. والباقون: بضمتين والتخفيف نُنَكِّسْهُ مشددا:
حمزة وعاصم غير مفضل. الآخرون: بالتخفيف من النكس. تعقلون بتاء الخطاب:
أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب لتنذر على الخطاب أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب يقدر على صيغة المضارع: يعقوب كن فيكون بالنصب: ابن عامر وعلي.
الوقوف:
تُرْحَمُونَ هـ مُعْرِضِينَ هـ رَزَقَكُمُ اللَّهُ لا لأن ما بعده جواب «إذا» أَطْعَمَهُ لا كذلك لاتحاد المقول ولئلا يبتدأ بما لا يقوله مسلم. وجوز جار الله أن يكون قوله إِنْ أَنْتُمْ قول الله أو حكاية قول المؤمنين لهم فالوقف جائز. مُبِينٍ هـ صادِقِينَ هـ يَخِصِّمُونَ هـ يَرْجِعُونَ هـ يَنْسِلُونَ هـ مَرْقَدِنا هـ لئلا يوهم أن هذا صفة وما بعده منفي وفيه وجوه أخر نذكرها في التفسير الْمُرْسَلُونَ هـ مُحْضَرُونَ هـ تَعْمَلُونَ هـ فاكِهُونَ هـ ج لاحتمال أن هُمْ تأكيد الضمير وأَزْواجُهُمْ عطف عليه وفِي ظِلالٍ ظرف فاكِهُونَ، ولاحتمال أن ما بعده مبتدأ وخبره مُتَّكِؤُنَ يَدَّعُونَ هـ ج لأنه من المحتمل أن يكون سَلامٌ خبر محذوف أي عليهم سلام يقول قولا، وأن يكون سَلامٌ بدل ما يَدَّعُونَ أي لهم ما يتمنون وهو سلام سَلامٌ ط ج لحق الحذف رَحِيمٍ هـ الْمُجْرِمُونَ هـ الشَّيْطانَ ج لأن التقدير فإنه مُبِينٌ هـ لا للعطف اعْبُدُونِي ج مُسْتَقِيمٌ هـ كَثِيراً هـ تَعْقِلُونَ هـ تُوعَدُونَ هـ تَكْفُرُونَ هـ يَكْسِبُونَ هـ يُبْصِرُونَ هـ يَرْجِعُونَ هـ فِي الْخَلْقِ ط يَعْقِلُونَ هـ له ج مُبِينٌ هـ الْكافِرِينَ هـ مالِكُونَ هـ يَأْكُلُونَ هـ وَمَشارِبُ هـ يَشْكُرُونَ هـ يُنْصَرُونَ ج نَصْرَهُمْ لا لأن الواو للحال مُحْضَرُونَ هـ قَوْلُهُمْ هـ لئلا يوهم أن ما بعده مقول الكفار يُعْلِنُونَ هـ مُبِينٌ هـ خَلْقَهُ ط رَمِيمٌ هـ مَرَّةٍ ط عَلِيمٌ هـ لا لأن
стр. 3042
الَّذِي بدل تُوقِدُونَ هـ مِثْلَهُمْ ط لانتهاء الاستفهام الْعَلِيمُ هـ فَيَكُونُ هـ تُرْجَعُونَ هـ.
التفسير:
لما بين الآيات المذكورة حكى أنهم في غاية الجهالة ونهاية الضلالة، لا مثل العلماء الذين يتبعون البرهان، ولا كالعوام الذين يبنون أمورهم على الأحوط إذا أنذرهم منذر انتهوا عن ارتكاب المنهي خوفا من تبعته وطمعا في منفعته وإليه الإشارة بقوله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أي في ظنكم فإن الذي لا تفيده الآيات يقينا فلا أقل من أن يحترز من العذاب ويرجو الثواب أخذا بطريقة الاحتياط، ونظير الآية ما مرّ في أوّل سورة سبأ أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [الآية: ٩] وعن مجاهد: أراد ما تقدّم من ذنوبكم وما تأخر. وعن قتادة: ما بين أيديكم من وقائع الأمم وما خلفكم أي من أمر الساعة. وقيل: ما بين أيديكم من أمر الساعة. وقيل: ما بين أيديكم الآخرة فإنهم مستقبلون لها، وما خلفكم الدنيا فإنهم تاركون لها. أو ما بين أيديكم من أمر محمد ﷺ فإنه حاضر عندهم وما خلفكم من أمر فإنكم إذا اتقيتم تكذيب محمد ﷺ والحشر رحمكم الله. أو ما بين أيديكم من أنواع العذاب كالحرق والغرق المدلول عليه بقوله وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ ما خلفكم الموت الطالب لكم يدل على قوله وَمَتاعاً إِلى حِينٍ وجواب «إذا» محذوف وهو لا يتقون أو يعرضون، يدل عليه ما بعده مع زيادة فائدة هي دأبهم الإعراض عند كل آية.
ويحتمل أن يكون قوله وما تَأْتِيهِمْ متعلقا بما قبله وهو قوله يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ. وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ يعني إذا جاءتهم الرسل كذبوهم فإذا أتوا بالآيات أعرضوا عنها. وقوله أَلَمْ يَرَوْا إلى قوله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ اعتراض. ثم أشار إلى أنهم كما يخلون بجانب التعظيم لأمر الله حيث قيل لهم اتقوا فلم يتقوا يخلون بجانب الشفقة على خلق الله ولا ينفقون إذا أمروا بالإنفاق على أنهم خوطبوا بأدنى الدرجات في التعظيم والإشفاق، فإن أدنى الانقياد الاتقاء من العذاب، وأدنى الإشفاق هو إنفاق بعض ما في التصرف من مال الله، فأين هم من معشر أقبلوا بالكلية على الله وبذلوا أموالهم وأنفسهم في سبيل الله؟ وفي قوله مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ إشارة إلى أن الله تعالى قادر على إغناء الفقير وإعطائه ولكنه جعل الغني واسطة في الإنفاق على الفقير. فالسعيد من عرف حق التوسيط وانتهز فرصة الإمكان وعلم أن الإنفاق سبب للبركة في الحال ومجلبة للثواب في المآل. وقوله قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا دون أن يقول «قالوا» تسجيل عليهم بالكفر. وقوله لِلَّذِينَ آمَنُوا
مزيد تصوير لجهالتهم حين قالوا لهؤلاء الأشراف ما قالوا. وقوله أَنُطْعِمُ دون «أننفق» إظهار لغاية خستهم فإن الإطعام أدون من
стр. 3043
الإنفاق ومن بخل بالأدون فهو بأن يبخل بالأكثر أولى. وقوله مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ كلام في نفسه حسن لكنهم ذكروه في معرض الدفع فلهذا استوجبوا الذم وقد بين الله خطأهم بقوله مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ فإن من في خزائنه مال وله في يد الغير مال فإنه مخير إن أراد أعطى زيدا مما في خزائنه وإن شاء أعطاه مما في يد الغير وليس لذلك الغير أن يقول لم أحلته عليّ. وقوله إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ بناء على ما اعتقدوه أن الأمر بالإنفاق ضائع، لأنه سعي في إبطال مشيئة الله ولم يعلموا أن الضلال لا يتعدّاهم أيه سلكوا، وذلك أنهم لم ينظروا إلى الأمر والطلب وبادروا إلى الاعتراض، والطاعة هي اتباع الأمر لا الاستكشاف عن الغرض والغاية. ومن جملة تعنتهم أنهم استبطؤا الموعود على الاتقاء والإنفاق قائلين إِنْ كُنْتُمْ أيها المدّعون للرسالة صادِقِينَ فأخبرونا متى يكون هذا الموعود به من الثواب والعقاب فأجابهم الله تعالى بقوله ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً كأنهم بالاستبطاء كانوا منتظرين شيئا. وتنكير صيحة للتهويل ووصفها بواحدة تعظيم للصيحة وتحقير لشأنهم أي صيحة لا يحتاج معها إلى ثانية، وفي قوله تَأْخُذُهُمْ أي تعمهم بالأخذ مبالغة أخرى، وكذا في قوله وَهُمْ يَخِصِّمُونَ أي يشتغلون بمتاجرهم ومعاملاتهم وسائر ما يتخاصمون فيه ومع ذلك يصعقون. وقيل: تأخذهم وهم يختصمون في أمر البعث قائلين إنه لا يكون.
ثم بالغ في شدّة الأخذ بقوله فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وفي قوله فَلا يَسْتَطِيعُونَ دون أن يقول «فلا يوصون» مبالغة لأن من لا يوصي قد يستطيعها، وكذلك في تنكير توصية الدال على التقليل، وكذا في نفس التوصية لأنها بالقول والقول يوجد أسرع من الفعل من أداء الواجبات وردّ المظالم، وقد تحصل التوصية بالإشارة فالعاجز عنها عاجز عن غيرها. وفي قوله وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ بيان لشدّة الحاجة إلى التوصية فإن الذي يقطع بعدم الوصول إلى أهله كان إلى الوصية أحوج. وفيه تنبيه على أن الميت لا رجوع له إلى الدنيا ولا اجتماع له بأهله مرة أخرى إلى حين يبعثون. ثم بين حال النفخة الثانية، والأجداث القبور والنسلان العدو. وكيف صارت النفختان مؤثرتين في أمرين متضادين الإماتة والإحياء؟ نقول: لا مؤثر إلا الله، والنفخ علامة على أن الصوت يوجد التزلزل وأنه قد يصير سببا لافتراق الأجزاء المجتمعة تارة ولاجتماع المتفرقة أخرى. ثم إن أجزاء كل بدن قد تحصل في موضع هو بمنزلة جدثه، أو أعطى للأكثر حكم الكل. وذكر الرب في هذا الموضع للتخجيل فإن من أساء واضطر إلى الحضور عند من أحسن إليه كان أشدّ ألما وأكثر ندما. وقوله يَنْسِلُونَ لا ينافي قوله في موضع آخر فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر: ٦٨] فلعل ذلك في أول الحالة ثم يحصل لهم سرعة المشي من غير اختيارهم. ويمكن أن يقال:
стр. 3044
إن هيئة الانتظار ليست بمنافية للمشي بل مؤكدة له ومعينة عليه. وفي «إذا» المفاجأة إشارة إلى أن الإحياء والتركيب والقيام والعدو كلها تقع في زمان النفخ.
ثم بين أنهم قبل النسلان قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا كأنهم شكوا في أنهم كانوا موتى فبعثوا أو كانوا نياما فتنبهوا فجمعوا في السؤال بين الأمرين: البعث والمرقد.
عن مجاهد: للكفار. هجعة يجدون فيها طعم النوم فإذا صيح بأهل القبور قالوا ذلك، ثم أجابهم الملائكة في رواية ابن عباس، والمتقون على قول الحسن هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ كأنه قيل: ليس بالبعث الذي عرفتموه وهو بعث النائم من مرقده حتى يهمكم السؤال عن الباعث أن هذا هو البعث الأكبر الذي وعده الرحمن في كتبه المنزلة على لسان رسله الصادقين. والظاهر أن هذا مبتدأ وما وَعَدَ الرَّحْمنُ إلى آخره خبره، و «ما» مصدرية أي هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين على تسمية الموعود والمصدوق فيه بالمصدر.
ويجوز أن يكون «ما» موصولة أي هذا الذي وعده الرحمن وصدقه المرسلون أي صدقوا فيه. وجوّز جار الله أن يكون هذا صفة للمرقد وما وَعَدَ خبر مبتدأ محذوف أي هذا وعد الرحمن، أو مبتدأ محذوف الخبر أي ما وعده الرحمن وصدقه المرسلون حق عليكم.
وقيل: إن قوله هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ من كلام الكافرين كأنهم تذكروا ما سمعوا من الرسل فأجابوا به أنفسهم، أو أجاب بعضهم بعضا. ثم عظم شأن الصيحة بالنسبة إلى المكلفين وحقر أمرها بالإضافة إلى الجبار قائلا إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً الآية. وقد مر نظيره. ثم بين ما يكون في ذلك اليوم قائلا فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ أيها الكافرون إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وفيه إشارة إلى أن عدله عام وفضله خاص بأهل الإيمان وفيه أنهم إذا جمعوا لم يجمعوا إلا للعدل أو الفضل فالفاء فيه كما في قول القائل للوالي أو للقاضي: جلست للعدل فلا تظلم. أي ذلك يقتضي هذا ويستعقبه. وقوله ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إشارة إلى عدم الزيادة فإن الشيء لا يزيد على عينه كقولك: فلان يجازيني حرفا بحرف. أي لا يترك شيئا.
ويجوز أن يراد الجنس أيّ لا تجزون إلا جنس العمل حسنا أو سيئا. ثم فصل حال المحسنين بطريق الحكاية في ذلك اليوم تصويرا للموعود وترغيبا فيه فقال إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ لا يكتنه كنهه وفيه وجوه أقواها أنهم مشغولون عن هول ذلك اليوم بما لهم من الكرامات والدرجات. وقوله فاكِهُونَ مؤكد لذلك المعنى أي شغلوا عنه باللذة والسرور لا بالويل والثبور. وثانيها أنه بيان لحالهم ولا يريد أنهم شغلوا عن شيء بل المراد أنهم في عمل، ثم بين عملهم بأنه ليس بشاق بل هو ملذ محبوب. وثالثها أنهم تصوروا في الدنيا أمورا يطلبونها في الجنة فإذا رأوا فيها ما لم يخطر ببالهم اشتغلوا به عنها.
стр. 3045
وعن ابن عباس أن الشغل افتضاض الأبكار أو ضرب الأوتار. وقيل: التزاور. وقيل:
ضيافة الله. وعن الكلبي: هم في شغل عن أهاليهم من أهل النار لا يهمهم أمرهم لئلا يدخل عليهم تنغيص من تنعمهم. والفاكه والفكه المتنعم المتلذذ ومنه الفاكهة لأنها تؤكل للتلذذ لا للتغذي والفكاهة الحديث لأجل التلذذ لا للضرورة. والأزواج ظاهرها زوج المرأة وزوجة الرجل. وقيل: أراد أشكالهم في الأحساب وأمثالهم في الإيمان كقوله وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ [ص: ٥٨] قال أهل العرفان: من شرائط السماع الزمان والمكان والإخوان فقوله هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ إشارة إلى عدم الوجوه الموحشة وأن لهم في ظل الله ما يمنع الإيذاء كقوله لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً [الدهر: ١٣] وقوله عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ دليل على القوّة والفراغة والتمكن من أنواع الملاذ. وقوله لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ إشارة إلى سائر أنواع الملاذ الزائدة على قدر الضرورة.
وقوله وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ إشارة إلى دفع جميع حوائجهم وما يخطر ببالهم. قال الزجاج: هو افتعل من الدعاء أي ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم. وقال جار الله: هو للاتخاذ أي ما يدعون به أو ما يدعون به أو ما يدعون لأنفسهم كقولك: يشتوي. أي اتخذ لنفسه شواء. أو هو بمعنى التداعي. وعلى الوجهين إما أن يراد كل ما يدعو به الله أحد أو كل ما يطلبه من صاحبه فإنه يجاب له بذلك، أو يراد أن كل ما يصح أن يدعى به ويطلب فهو حاصل لهم قبل الطلب. وقيل: معناه يتمنون من قولهم: ادّع عليّ ما شئت أي تمنه عليّ.
وقيل: هو من الدعوى وذلك أنهم كانوا يدّعون في الدنيا أن الله هو مولاهم وأن الكافرين لا مولى لهم بينه قوله سَلامٌ يقال لهم قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ أي من جهته بواسطة الملائكة. وقيل: أراد لهم ما يدّعون سالم خالص لا شوب فيه. وقَوْلًا أي عدة وعلى هذا يكون قوله لَهُمْ للبيان وما يَدَّعُونَ سَلامٌ مبتدأ وخبر كقولك: لزيد الشرف متوفر.
وقال بعضهم: يحتمل أن يكون قَوْلًا نصبا على التمييز لأن السلام من الملك قد يكون قولا وقد يكون إشارة. وقال أهل البيان قوله وَامْتازُوا معطوف على المعنى كأنه قيل:
دوموا أيها المؤمنون في النعيم وامتازوا اليوم أيها المجرمون. أو قلنا لأهل الجنة: إنكم في شغل وقلنا لأهل النار: امتازوا وهو كقوله فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى:
٧] أو تميزوا في أنفسكم غيظا وحنقا فلا دواء لألمكم ولا شفاء لسقمكم كقوله في صفة جهنم تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ [الملك: ٨] أو افترقوا خلاف ما للمؤمن من الاجتماع بالإخوان فلا عذاب كفرقة الأخدان يؤيده ما روي عن الضحاك: لكل كافر بيت من النار يكون فيه لا يرى ولا يرى. وعن قتادة: أراد اعتزلوا عن كل خير ترجون، أو امتازوا عن
стр. 3046
شفعائكم وقرنائكم. أو المراد تميزهم بسواد الوجه وزرقة العين وبأخذ الكتاب بالشمال وبخفة الميزان وغير ذلك. وقال صاحب المفتاح: قوله إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ إلى آخر الآيات خطاب لأهل المحشر بدلالة الفاء في قوله فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ بعد قوله إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وقد جاء في التفاسير أن قوله إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ إنما يقال حين يسار بهم إلى الجنة فيؤل معنى الكلام إلى قول القائل إن أصحاب الجنة منكم يا أهل المحشر يؤل حالهم إلى أسعد حال فليمتازوا عنكم إلى الجنة، وامتازوا أنتم عنهم أيها المجرمون. ثم كان لسائل أن يقول: إن الإنسان خلق ظلوما جهولا والجهل عذر فبين الله تعالى أن الأعذار زائلة قائلا أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ والآية إلى قوله أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ شبه اعتراض، فيه توبيخ لأهل النار وما ذلك العهد عن بعضهم أنه الذي مر ذكره في قوله وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ [طه: ١١٥] وقيل: هو المذكور في قوله وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ [الأعراف: ١٧٢] وقيل: هو المبين على لسان الرسل. ومعنى لا تَعْبُدُوا لا تطيعوا ولا تنقادوا وسوسته وتزيينه. وقوله هذا إشارة إلى ما عهد إليهم من مخالفة الشيطان وعبادة الرحمن. قال أهل المعاني: التنوين في قوله صِراطٌ للتعظيم إذ لا صراط أقوم منه، أو للتنويع أي هذا بعض الطرق المستقيمة، ففيه توبيخ لهم على العدول عنه كما يقول الرجل لولده وقد نصحه النصح البالغ: هذا فيما أظن قول نافع غير ضار. وفي ذكر الصراط هاهنا إشارة إلى أن الإنسان في دار التكليف مسافر والمجتاز في بادية يخاف فيها على نفسه وماله لا يكون عنده شيء أهم من معرفة طريق قريب أمن. ثم بين لهم عدواة الشيطان بقوله وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا وهو في لغاته كلها بمعنى الخلق من جبله الله على كذا أي طبعه عليه. عن علي ﵁ أنه قرأ جيلا بياء منقوطة من تحت بنقطتين. ثم أشار إلى محل امتياز المجرمين إليه بقوله هذِهِ جَهَنَّمُ وقوله اصْلَوْهَا أمر إهانة وتنكيل نحو ذق. وفي قوله الْيَوْمَ إشارة إلى أن اللذات قد مضت وأيامها قد انقضت وليس بعد ذلك إلا العقاب. روى أهل التفسير أنهم يجحدون يوم القيامة كفرهم في الدنيا فحينئذ يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم.
وفي الحديث «يقول العبد يوم القيامة إني لا أجيز شاهدا إلا من نفسي فيختم على فيه ويقال لأركانه: انطقي فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعد الكنّ وسحقا فعنكن كنت أناضل» «١»
قال المتكلمون: إنه لا يبعد من الله تعالى إنطاق كل جرم من الأجرام إنطاق اللسان وهو فاعل لما يشاء. قال الحكيم: إنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم وانهتاك أستارهم فيقفون ناكسي الرؤوس وقوف القنوط اليئوس.
стр. 3047
وتكلم الأعضاء عبارة عن ظهور إمارات الذنوب عليهم بحيث لا يبقى للإنكار مجال كقول القائل: الحيطان تبكي على صاحب الدار إذا ظهر أمارات الحزن وأسبابه. ثم إنه تعالى أسند الختم إلى نفسه وأسند التكلم والشهادة إلى الأيدي والأرجل لكيلا يقال: إن الإقرار بالإجبار غير مقبول. وأيضا إنه أسند التكلم إلى الأيدي والشهادة إلى الأرجل لأن الأعمال مستندة إلى الأيدي غالبا كقوله وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: ٣٠] فهي كالعاملة، والشاهد على العامل ينبغي أن يكون غيره. وإنما جعلت الشهادة عليهم منهم لأن غيرهم إما صالحون وهم أعداء للمجرمين فلهم أن يقولوا شهادتهم غير مقبولة في حقنا، وإما فاسقون وشهادة الفسقة غير مقبولة شرعا.
وهاهنا نكتة وهي أن الختم لازم للكفار في الدارين، ختم الله على قلوبهم في الدنيا وكان قولهم بأفواههم كما قال يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمران: ١٦٧] ثم إذا ختم على أفواههم أيضا في الآخرة لزم أن يكون قولهم بسائر أعضائهم. هذا وقد ذكرنا مرارا أنه تعالى كلما يذكر تمسك الجبرية يذكر عقيبه تمسك القدرية وبالعكس. وكان للقدرية أن تتمسك بقوله يَكْسِبُونَ تَكْفُرُونَ حيث أسند الله الكفر والكسب إليهم فلا جرم عقبه بتمسك الجبري وهو قوله وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا ووجه التمسك أن إعماء البصائر شبه إعماء الأبصار، وسلب القوّة العقلية كسلب القوّة الجسمية. فكما أنه لو شاء لطمس على أبصارهم حتى لا يهتدوا إلى الطريق القاهر الظاهر ولو شاء لسلب قوّة جسومهم بالمسخ حتى لا يقدروا على تقدم ولا تأخر، فكذلك إذا شاء أعمى البصائر وسلب قواهم العقلية حتى لم يفهموا دليلا ولم يتفكروا في آية. والطمس محو أثر شق العين. قال جار الله فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ أصله فاستبقوا إلى الصراط فانتصب بنزع الخافض. والمعنى لو شاء لمسخ أعينهم فلو راموا أن يسبقوا إلى الصراط الذي عهدوه واعتادوا على سلوكه إلى مساكنهم لم يقدروا عليه إذ الصراط طريق الاستباق، والاستباق مضمن معنى الابتدار.
فالمراد لو شاء لأعماهم حتى لو أرادوا أن يمشوا مستبقين في الطريق المألوف أو مبتدرين إياه كما كان هجيراهم لم يستطيعوا. أو يجعل الصراط مسبوقا لا مسبوقا إليه، فالمعنى لو طلبوا أن يخلفوا الصراط الذي اعتادوه لعجزوا ولم يقدروا إلا على سلوك الطريق المعتاد كالعميان يهتدون فيما ألفوا من المقاصد والجهات دون غيرها. عن ابن عباس: أراد لمسخناهم قردة وخنازير. وقيل: حجارة. وعن قتادة: لأقعدناهم على أرجلهم أو أزمناهم على أرجلهم. والمكان والمكانة واحد أراد مسخا مجمدا بحيث لا يقدرون أن يرجعوا مكانهم. وإنما قدم الطمس على المسخ تدرّجا من الأهون إلى الأصعب، فإن الأعمى قد
стр. 3048
يهتدي إلى وجوه التصرف بأمارات عقلية أو حسية غير البصر. وأما الممسوخ على مكانه فلا يهتدي إلى شيء أصلا. ولمثل ما قلنا قدم المضيّ على الرجوع فإن سلوك طريق قد رآه مرة يكون أهون مما لم يره أصلا، فنفى أوّلا استطاعة الأصعب ثم نفى استطاعة الأهون أيضا لأجل المبالغة. وحين قطع الأعذار بسبق الإنذار وذلك في قوله أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ شرع في قطع عذر آخر للكافر وهو أن يقول: لم يكن لبثنا في الدنيا إلا يسيرا ولو عمرتنا لما وجدت منا تقصيرا فقال الله تعالى وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ كقوله وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ [الحج: ٥] افلا تعقلون أنكم كلما دخلتم في السن ضعفتم وقد عمرتم ما تمكنتم فيه من النظر والعمل، ومن لم يأت بالواجب في زمان الإمكان لم يأت به في زمن الأزمان. وعن بعضهم:
طوى العصران ما نشراه مني ... فأبلى جدّتي نشر وطيّ
أراني كل يوم في انتقاص ... ولا يبقى على النقصان شيّ
وقال آخر:
أرى الأيام تتركني وتمضي ... وأوشك أنها تبقى وأمضي
علامة ذاك شيب قد علاني ... وضعف عند إبرامي ونقضي
وما كذب الذي قد قال قبلي ... إذا ما مر يوم مر بعضي
وحيث بين أصل الوحدانية والحشر في هذه السورة مرات أقربها قوله وَأَنِ اعْبُدُونِي وقوله هذِهِ جَهَنَّمُ إلى آخرها عاد إلى أصل الرسالة بقوله وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وإنما لم يقل وما علمناه السحر ولا الكهانة مع أنهم ادّعوا أنه ساحر كاهن لأنه ما تحدّاهم إلا بالقرآن. وإنما نسبوه إلى السحر عند إظهار فعل خارق كشق القمر وحنين الجذع إليه، ونسبوه إلى الكهانة عند إخباره عن الغيوب وهو نوع خاص من الكلام من غير اعتبار الفصاحة اللفظية والمعنوية. قال جار الله معنى قوله وَما يَنْبَغِي لَهُ أنه لا يتأتى له ولا يتسهل كما جعلناه أميا لا يهتدي للخط.
وروي عن الخليل أن الشعر كان أحب إلى رسول الله ﷺ من كثير من الكلام ولكن كان لا يتأتى له. قال: وما روي أنه ﷺ قال:
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب وقال:
هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت كلام اتفاقي من غير قصد وتعمد، والشعر كلام موزون مقفى مع تعمد.
وقيل: أراد
стр. 3049
نفي الشعر عن القرآن فقال وَما عَلَّمْناهُ بتعليم القرآن الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي للقرآن أن يكون شعرا وأنا أقول: الأحسن أن يقال: ما ينبغي له معناه أنه لا يليق بجلالة منصبه لأن الشعر مادته كلام يفيد تأثيرا دون التصديق وهو التخييل، وأما الوزن والقافية فهما كالصورة ويفيدانه ترويجا وتزيينا فجلّ رتبته من التخييل الذي هو قريب من المغالطة، ولهذا لم يؤمر بأن يدعو بهما إلى سبيل ربه. وإنما أمر بأن يدعو إلى الدين بسائر أصناف الكلام حيث قيل ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:
١٢٥] ونظيره قوله هاهنا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ أي موعظة وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ذو البيان أو الإبانة وأنه يشمل البرهان والجدل. أما البرهان فظاهر، وأما الجدل فلأن النتيجة إذا كانت في نفسها حقة. فالرجل العالم المحق ليس عليه إلا إفحام الخصم الألدّ وإلزامه بمقدّمات مسلمة أو مشهورة، ومما يؤيد ما ذكرنا ما
روي أنه ﷺ كان يقرأ قول طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
هكذا: ويأتيك من لم تزوّد بالأخبار. ولا ريب أنه كان يتأتى له رواية الشعر إن لم يتأت له قرضه، وما ذاك إلا للتنزه عما يشبه ما يشين رتبته ولا يوافق مغزاه.
ويروى أنه ﷺ حين قال:
هل أنت إلا إصبع دميت انقطع الوحي أياما حتى قالت الكفار إن محمدا قد ودعه ربه وقلاه،
وهذا أحد أسباب نزول تلك الآية. ولمثل ما قلنا لم يرو عنه كلام منظوم وإن كان حقا وصدقا كالذي قاله بعض الشعراء في التوحيد والحقائق. وقد أشار إلى نحو ذلك
بقوله ﷺ «إن من الشعر لحكمة» «١»
وقد مر في تفسير قوله سبحانه في آخر الشعراء إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [الآية: ٢٢٧] وذلك أن الشاعر يقصد لفظا فيوافقه معنى حكمي. وبالجملة لا يخلو الشعر عن تكلف ما، وقد يدعوه النظم إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ، فأين الشارع من الشاعر؟ ثم بين كون القرآن منزلا على هذا الوجه بقوله لتنذر يا محمد أو لينذر هو أي القرآن مَنْ كانَ حَيًّا عاقلا متأملا. ويجوز أن تكون الحياة عبارة عن الإيمان، أو المراد بالحي من يؤل حاله إلى الإيمان. أو المراد بالإنذار الانتفاع به مثل هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٢] إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ [يس: ١١] وقوله وَيَحِقَّ الْقَوْلُ كقوله في أول
стр. 3050
السورة لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ وقد مر وهذا كلام مطابق من حيث المعنى كأنه قال: لتنذر من كان حيا ويحق القول على من كان ميتا لأن الكافر في عداد الموتى. ثم عاد إلى تقرير دلائل الوحدانية مع تعداد النعم فقال أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أي من جملة ما عملته أَيْدِينا فاستعار عمل الأيدي لتفرده بالأحداث والإيجاد مع اشتمال المحدث والموجد على غرائب وعجائب حتى قال فيه أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية: ١١] وقوله فَهُمْ لَها مالِكُونَ إشارة إلى إتمام الإنعام في خلق الأنعام. وقوله وَذَلَّلْناها لَهُمْ إشارة إلى ما فوق التمام فقد يملك الشيء ولا يكون مسخرا، ومن الذي يقدر على تذليل الإبل لولا أمر الله بتسخيرها حتى قال بعضهم:
يصرفه الصبيّ بكل وجه ... ويحبسه على الخسف الجرير
وتضربه الوليدة بالهراوي ... فلا غير لديه ولا نكير
والجرير حبل يجعل للبعير بمنزلة العذار للدابة. ومن زعم أن الملك بمعنى الضبط من قوله: لا أملك رأس البعير أن يفر. يلزمه التكرار. ثم فصل بعض منافعها بقوله فَمِنْها رَكُوبُهُمْ والركوب والركوبة ما يركب كالحلوب والحلوبة، والتاء للمبالغة. وقيل: للوحدة والمنافع كالجلود والأوبار والأصواف، ذكرها بالاسم العام لما في تفصيلها من الطول.
والمشارب جمع مشرب وهو موضع الشرب أي الأواني المتخذة من جلودها، أو هو الشرب كالألبان والاسمان.
وحين وبخهم على عدم الشكر بقوله أَفَلا يَشْكُرُونَ زاد في توبيخهم بقوله وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً أي وضعوا الشرك مكان الشكر فلا أظلم منهم. وفي قوله لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ إلى قوله مُحْضَرُونَ وجهان: أحدهما أنهم طمعوا في أن يتقوّوا بهم ويعتضدوا بمكانهم والأمر عكس ذلك حيث هم جند لآلهتهم معدّون يخدمونهم ويذبون عنهم من غير نفع في آلهتهم. وثانيهما اتخذوهم لينصروهم عند الله بالشفاعة، والأمر على خلاف ذلك حيث إن آلهتهم يوم القيامة جند محضرون لعذابهم لأنهم يجعلون وقودا للنار.
ووجه ثالث وهو أن يكون قوله وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ تأكيدا لعدم الاستطاعة فإن من حضر واجتمع ثم عجز عن النصرة يكون في غاية الضعف بخلاف من لم يتأهب ولم يجمع أنصاره. ثم عقب دليل التوحيد بالرسالة مسليا رسوله بقوله فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ باتخاذ الشريك لله أو بالطعن في الرسالة أو بالإيذاء والتهديد. ثم علل عدم الحزن بقوله إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ من النفاق وسائر العقائد الفاسدة وَما يُعْلِنُونَ من الشرك وسائر الأفعال القبيحة، أو يسرون من المعرفة بالله ويعلنون من العناد. وجوّز جار الله فتح «أن» على تقدير