شفعائكم وقرنائكم. أو المراد تميزهم بسواد الوجه وزرقة العين وبأخذ الكتاب بالشمال وبخفة الميزان وغير ذلك. وقال صاحب المفتاح: قوله إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ إلى آخر الآيات خطاب لأهل المحشر بدلالة الفاء في قوله فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ بعد قوله إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وقد جاء في التفاسير أن قوله إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ إنما يقال حين يسار بهم إلى الجنة فيؤل معنى الكلام إلى قول القائل إن أصحاب الجنة منكم يا أهل المحشر يؤل حالهم إلى أسعد حال فليمتازوا عنكم إلى الجنة، وامتازوا أنتم عنهم أيها المجرمون. ثم كان لسائل أن يقول: إن الإنسان خلق ظلوما جهولا والجهل عذر فبين الله تعالى أن الأعذار زائلة قائلا أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ والآية إلى قوله أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ شبه اعتراض، فيه توبيخ لأهل النار وما ذلك العهد عن بعضهم أنه الذي مر ذكره في قوله وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ [طه: ١١٥] وقيل: هو المذكور في قوله وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ [الأعراف: ١٧٢] وقيل: هو المبين على لسان الرسل. ومعنى لا تَعْبُدُوا لا تطيعوا ولا تنقادوا وسوسته وتزيينه. وقوله هذا إشارة إلى ما عهد إليهم من مخالفة الشيطان وعبادة الرحمن. قال أهل المعاني: التنوين في قوله صِراطٌ للتعظيم إذ لا صراط أقوم منه، أو للتنويع أي هذا بعض الطرق المستقيمة، ففيه توبيخ لهم على العدول عنه كما يقول الرجل لولده وقد نصحه النصح البالغ: هذا فيما أظن قول نافع غير ضار. وفي ذكر الصراط هاهنا إشارة إلى أن الإنسان في دار التكليف مسافر والمجتاز في بادية يخاف فيها على نفسه وماله لا يكون عنده شيء أهم من معرفة طريق قريب أمن. ثم بين لهم عدواة الشيطان بقوله وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا وهو في لغاته كلها بمعنى الخلق من جبله الله على كذا أي طبعه عليه. عن علي ﵁ أنه قرأ جيلا بياء منقوطة من تحت بنقطتين. ثم أشار إلى محل امتياز المجرمين إليه بقوله هذِهِ جَهَنَّمُ وقوله اصْلَوْهَا أمر إهانة وتنكيل نحو ذق. وفي قوله الْيَوْمَ إشارة إلى أن اللذات قد مضت وأيامها قد انقضت وليس بعد ذلك إلا العقاب. روى أهل التفسير أنهم يجحدون يوم القيامة كفرهم في الدنيا فحينئذ يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم.
وفي الحديث «يقول العبد يوم القيامة إني لا أجيز شاهدا إلا من نفسي فيختم على فيه ويقال لأركانه: انطقي فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعد الكنّ وسحقا فعنكن كنت أناضل» «١»
قال المتكلمون: إنه لا يبعد من الله تعالى إنطاق كل جرم من الأجرام إنطاق اللسان وهو فاعل لما يشاء. قال الحكيم: إنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم وانهتاك أستارهم فيقفون ناكسي الرؤوس وقوف القنوط اليئوس.
стр. 3047
وتكلم الأعضاء عبارة عن ظهور إمارات الذنوب عليهم بحيث لا يبقى للإنكار مجال كقول القائل: الحيطان تبكي على صاحب الدار إذا ظهر أمارات الحزن وأسبابه. ثم إنه تعالى أسند الختم إلى نفسه وأسند التكلم والشهادة إلى الأيدي والأرجل لكيلا يقال: إن الإقرار بالإجبار غير مقبول. وأيضا إنه أسند التكلم إلى الأيدي والشهادة إلى الأرجل لأن الأعمال مستندة إلى الأيدي غالبا كقوله وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: ٣٠] فهي كالعاملة، والشاهد على العامل ينبغي أن يكون غيره. وإنما جعلت الشهادة عليهم منهم لأن غيرهم إما صالحون وهم أعداء للمجرمين فلهم أن يقولوا شهادتهم غير مقبولة في حقنا، وإما فاسقون وشهادة الفسقة غير مقبولة شرعا.
وهاهنا نكتة وهي أن الختم لازم للكفار في الدارين، ختم الله على قلوبهم في الدنيا وكان قولهم بأفواههم كما قال يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمران: ١٦٧] ثم إذا ختم على أفواههم أيضا في الآخرة لزم أن يكون قولهم بسائر أعضائهم. هذا وقد ذكرنا مرارا أنه تعالى كلما يذكر تمسك الجبرية يذكر عقيبه تمسك القدرية وبالعكس. وكان للقدرية أن تتمسك بقوله يَكْسِبُونَ تَكْفُرُونَ حيث أسند الله الكفر والكسب إليهم فلا جرم عقبه بتمسك الجبري وهو قوله وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا ووجه التمسك أن إعماء البصائر شبه إعماء الأبصار، وسلب القوّة العقلية كسلب القوّة الجسمية. فكما أنه لو شاء لطمس على أبصارهم حتى لا يهتدوا إلى الطريق القاهر الظاهر ولو شاء لسلب قوّة جسومهم بالمسخ حتى لا يقدروا على تقدم ولا تأخر، فكذلك إذا شاء أعمى البصائر وسلب قواهم العقلية حتى لم يفهموا دليلا ولم يتفكروا في آية. والطمس محو أثر شق العين. قال جار الله فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ أصله فاستبقوا إلى الصراط فانتصب بنزع الخافض. والمعنى لو شاء لمسخ أعينهم فلو راموا أن يسبقوا إلى الصراط الذي عهدوه واعتادوا على سلوكه إلى مساكنهم لم يقدروا عليه إذ الصراط طريق الاستباق، والاستباق مضمن معنى الابتدار.
فالمراد لو شاء لأعماهم حتى لو أرادوا أن يمشوا مستبقين في الطريق المألوف أو مبتدرين إياه كما كان هجيراهم لم يستطيعوا. أو يجعل الصراط مسبوقا لا مسبوقا إليه، فالمعنى لو طلبوا أن يخلفوا الصراط الذي اعتادوه لعجزوا ولم يقدروا إلا على سلوك الطريق المعتاد كالعميان يهتدون فيما ألفوا من المقاصد والجهات دون غيرها. عن ابن عباس: أراد لمسخناهم قردة وخنازير. وقيل: حجارة. وعن قتادة: لأقعدناهم على أرجلهم أو أزمناهم على أرجلهم. والمكان والمكانة واحد أراد مسخا مجمدا بحيث لا يقدرون أن يرجعوا مكانهم. وإنما قدم الطمس على المسخ تدرّجا من الأهون إلى الأصعب، فإن الأعمى قد
стр. 3048
يهتدي إلى وجوه التصرف بأمارات عقلية أو حسية غير البصر. وأما الممسوخ على مكانه فلا يهتدي إلى شيء أصلا. ولمثل ما قلنا قدم المضيّ على الرجوع فإن سلوك طريق قد رآه مرة يكون أهون مما لم يره أصلا، فنفى أوّلا استطاعة الأصعب ثم نفى استطاعة الأهون أيضا لأجل المبالغة. وحين قطع الأعذار بسبق الإنذار وذلك في قوله أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ شرع في قطع عذر آخر للكافر وهو أن يقول: لم يكن لبثنا في الدنيا إلا يسيرا ولو عمرتنا لما وجدت منا تقصيرا فقال الله تعالى وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ كقوله وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ [الحج: ٥] افلا تعقلون أنكم كلما دخلتم في السن ضعفتم وقد عمرتم ما تمكنتم فيه من النظر والعمل، ومن لم يأت بالواجب في زمان الإمكان لم يأت به في زمن الأزمان. وعن بعضهم:
طوى العصران ما نشراه مني ... فأبلى جدّتي نشر وطيّ
أراني كل يوم في انتقاص ... ولا يبقى على النقصان شيّ
وقال آخر:
أرى الأيام تتركني وتمضي ... وأوشك أنها تبقى وأمضي
علامة ذاك شيب قد علاني ... وضعف عند إبرامي ونقضي
وما كذب الذي قد قال قبلي ... إذا ما مر يوم مر بعضي
وحيث بين أصل الوحدانية والحشر في هذه السورة مرات أقربها قوله وَأَنِ اعْبُدُونِي وقوله هذِهِ جَهَنَّمُ إلى آخرها عاد إلى أصل الرسالة بقوله وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وإنما لم يقل وما علمناه السحر ولا الكهانة مع أنهم ادّعوا أنه ساحر كاهن لأنه ما تحدّاهم إلا بالقرآن. وإنما نسبوه إلى السحر عند إظهار فعل خارق كشق القمر وحنين الجذع إليه، ونسبوه إلى الكهانة عند إخباره عن الغيوب وهو نوع خاص من الكلام من غير اعتبار الفصاحة اللفظية والمعنوية. قال جار الله معنى قوله وَما يَنْبَغِي لَهُ أنه لا يتأتى له ولا يتسهل كما جعلناه أميا لا يهتدي للخط.
وروي عن الخليل أن الشعر كان أحب إلى رسول الله ﷺ من كثير من الكلام ولكن كان لا يتأتى له. قال: وما روي أنه ﷺ قال:
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب وقال:
هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت كلام اتفاقي من غير قصد وتعمد، والشعر كلام موزون مقفى مع تعمد.
وقيل: أراد
стр. 3049
نفي الشعر عن القرآن فقال وَما عَلَّمْناهُ بتعليم القرآن الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي للقرآن أن يكون شعرا وأنا أقول: الأحسن أن يقال: ما ينبغي له معناه أنه لا يليق بجلالة منصبه لأن الشعر مادته كلام يفيد تأثيرا دون التصديق وهو التخييل، وأما الوزن والقافية فهما كالصورة ويفيدانه ترويجا وتزيينا فجلّ رتبته من التخييل الذي هو قريب من المغالطة، ولهذا لم يؤمر بأن يدعو بهما إلى سبيل ربه. وإنما أمر بأن يدعو إلى الدين بسائر أصناف الكلام حيث قيل ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:
١٢٥] ونظيره قوله هاهنا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ أي موعظة وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ذو البيان أو الإبانة وأنه يشمل البرهان والجدل. أما البرهان فظاهر، وأما الجدل فلأن النتيجة إذا كانت في نفسها حقة. فالرجل العالم المحق ليس عليه إلا إفحام الخصم الألدّ وإلزامه بمقدّمات مسلمة أو مشهورة، ومما يؤيد ما ذكرنا ما
روي أنه ﷺ كان يقرأ قول طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
هكذا: ويأتيك من لم تزوّد بالأخبار. ولا ريب أنه كان يتأتى له رواية الشعر إن لم يتأت له قرضه، وما ذاك إلا للتنزه عما يشبه ما يشين رتبته ولا يوافق مغزاه.
ويروى أنه ﷺ حين قال:
هل أنت إلا إصبع دميت انقطع الوحي أياما حتى قالت الكفار إن محمدا قد ودعه ربه وقلاه،
وهذا أحد أسباب نزول تلك الآية. ولمثل ما قلنا لم يرو عنه كلام منظوم وإن كان حقا وصدقا كالذي قاله بعض الشعراء في التوحيد والحقائق. وقد أشار إلى نحو ذلك
بقوله ﷺ «إن من الشعر لحكمة» «١»
وقد مر في تفسير قوله سبحانه في آخر الشعراء إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [الآية: ٢٢٧] وذلك أن الشاعر يقصد لفظا فيوافقه معنى حكمي. وبالجملة لا يخلو الشعر عن تكلف ما، وقد يدعوه النظم إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ، فأين الشارع من الشاعر؟ ثم بين كون القرآن منزلا على هذا الوجه بقوله لتنذر يا محمد أو لينذر هو أي القرآن مَنْ كانَ حَيًّا عاقلا متأملا. ويجوز أن تكون الحياة عبارة عن الإيمان، أو المراد بالحي من يؤل حاله إلى الإيمان. أو المراد بالإنذار الانتفاع به مثل هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٢] إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ [يس: ١١] وقوله وَيَحِقَّ الْقَوْلُ كقوله في أول
стр. 3050
السورة لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ وقد مر وهذا كلام مطابق من حيث المعنى كأنه قال: لتنذر من كان حيا ويحق القول على من كان ميتا لأن الكافر في عداد الموتى. ثم عاد إلى تقرير دلائل الوحدانية مع تعداد النعم فقال أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أي من جملة ما عملته أَيْدِينا فاستعار عمل الأيدي لتفرده بالأحداث والإيجاد مع اشتمال المحدث والموجد على غرائب وعجائب حتى قال فيه أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية: ١١] وقوله فَهُمْ لَها مالِكُونَ إشارة إلى إتمام الإنعام في خلق الأنعام. وقوله وَذَلَّلْناها لَهُمْ إشارة إلى ما فوق التمام فقد يملك الشيء ولا يكون مسخرا، ومن الذي يقدر على تذليل الإبل لولا أمر الله بتسخيرها حتى قال بعضهم:
يصرفه الصبيّ بكل وجه ... ويحبسه على الخسف الجرير
وتضربه الوليدة بالهراوي ... فلا غير لديه ولا نكير
والجرير حبل يجعل للبعير بمنزلة العذار للدابة. ومن زعم أن الملك بمعنى الضبط من قوله: لا أملك رأس البعير أن يفر. يلزمه التكرار. ثم فصل بعض منافعها بقوله فَمِنْها رَكُوبُهُمْ والركوب والركوبة ما يركب كالحلوب والحلوبة، والتاء للمبالغة. وقيل: للوحدة والمنافع كالجلود والأوبار والأصواف، ذكرها بالاسم العام لما في تفصيلها من الطول.
والمشارب جمع مشرب وهو موضع الشرب أي الأواني المتخذة من جلودها، أو هو الشرب كالألبان والاسمان.
وحين وبخهم على عدم الشكر بقوله أَفَلا يَشْكُرُونَ زاد في توبيخهم بقوله وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً أي وضعوا الشرك مكان الشكر فلا أظلم منهم. وفي قوله لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ إلى قوله مُحْضَرُونَ وجهان: أحدهما أنهم طمعوا في أن يتقوّوا بهم ويعتضدوا بمكانهم والأمر عكس ذلك حيث هم جند لآلهتهم معدّون يخدمونهم ويذبون عنهم من غير نفع في آلهتهم. وثانيهما اتخذوهم لينصروهم عند الله بالشفاعة، والأمر على خلاف ذلك حيث إن آلهتهم يوم القيامة جند محضرون لعذابهم لأنهم يجعلون وقودا للنار.
ووجه ثالث وهو أن يكون قوله وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ تأكيدا لعدم الاستطاعة فإن من حضر واجتمع ثم عجز عن النصرة يكون في غاية الضعف بخلاف من لم يتأهب ولم يجمع أنصاره. ثم عقب دليل التوحيد بالرسالة مسليا رسوله بقوله فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ باتخاذ الشريك لله أو بالطعن في الرسالة أو بالإيذاء والتهديد. ثم علل عدم الحزن بقوله إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ من النفاق وسائر العقائد الفاسدة وَما يُعْلِنُونَ من الشرك وسائر الأفعال القبيحة، أو يسرون من المعرفة بالله ويعلنون من العناد. وجوّز جار الله فتح «أن» على تقدير
стр. 3051
لام التعليل، بل جوز أن تكون المفتوحة بدلا من قَوْلُهُمْ والمكسورة مفعولا ل قَوْلُهُمْ ويكون نهي الرسول عن ذلك كنهيه عن الشرك في قوله وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ١٤] ثم أردف الرسالة بالحشر مع أن فيه دليلا آخر على التوحيد مأخوذا من الأنفس، فإن الأول كان مأخوذا من الآفاق. وفي قوله فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وجهان: أحدهما فإذا هو بعد ما كان ماء مهينا رجل مميز منطيق معرب عما في ضميره كقوله أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف: ١٨] فقوله مِنْ نُطْفَةٍ إشارة إلى أدنى ما كان عليه الإنسان وقوله فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ إشارة إلى أعلى ما حصل عليه الآن، لأن أعلى أحوال الناطق أن يقدر على المخاصمة والذب عن نفسه بالكلام الفصيح. وثانيهما
قول كثير من المفسرين إنها نزلت في جماعة من كفار قريش تكلموا في البعث فقال لهم أبيّ بن خلف الجمحي: واللات والعزى لأصيرن إلى محمد ولأخصمنه.
وأخذ عظما باليا فجعل يفتته بيده ويقول: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رمّ؟
فقال ﷺ : نعم ويبعثك ويدخلك جهنم.
قال أهل البيان: سمى قولهم مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ مثلا لأن إنكار قدرة الله تعالى على إحياء الموتى قصة عجيبة. وفيه تشبيه الخالق القادر العليم بالمخلوق العاجز عن خلق أدنى بعوضة الجاهل بما يجري عليه من الأحوال. والرميم اسم لما بلي من العظام كالرمة والرفات ولا يبعد أن يكون صفة. ولم تؤنث بتقدير موصوف محذوف أي شيء رميم، أو لأنه بمعنى فاعل كقوله إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ [الأعراف: ٥٦] وفي الآية دليل ظاهر على أن عظام الميتة نجسة لأن الموت والحياة يتعاقبان عليها. وقال أصحاب أبي حنيفة: إنها طاهرة وإن الحياة لا تحل فيها فلا يتصور موتها، وكذا الشعر والعصب. وتأوّلوا الآية بأن المراد بإحياء العظام ردّها على ما كانت عليه غضة طرية في بدن حيّ حساس. واعلم أن المنكرين للحشر منهم من اكتفى في إنكاره بمجرد الاستبعاد كقوله مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ فأزال استبعادهم بتصوير الخلق الأول، فإن الذي قدر على جعل النطفة المتشابهة الأجزاء إنسانا مختلف الأبعاض والأعضاء، مودعا فيه الفهم والعقل وسائر أسباب المزية والفضل، فهو على إعادتها أقدر.
ومنهم من ذكر شبهة وهي كقولهم: إن الإنسان بعد العدم لم يبق شيئا فكيف يصح إعادة المعدوم عقلا؟ أو كقولهم: إن الذي تفرقت أجزاؤه في أبدان السباع وجدران الرباع كيف يجمع ويعاد؟ أو كقولهم إن إنسانا إذا نشأ مغتذيا بلحم إنسان آخر فلا بد أن لا يبقى للآكل وللمأكول جزء يمكن إعادته. فأجاب الله تعالى عن الأول بقوله يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئا مذكورا فإنه يعيده وإن لم يكن شيئا. وعن الباقيتين بقوله وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ فيجمع الأجزاء المتفرقة في البقاع والسباع وهكذا
стр. 3052
يعلم الأصلي من الفضلي فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل والمأكول. ثم شبه خلق الإنسان بل الحيوان من قبل إيداع الحرارة الغريزية التي بها قوام الحياة في جوهر رطب طريّ بإنشاء الشجر الأخضر الذي تنقدح منه النار. قالت العرب: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار أي استكثر واستغزر يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء فيسحق المرخ- وهو ذكر على العفار- وهي أنثى- فتنقدح النار بإذن الله .
وعن ابن عباس: ليس من شجرة إلا وفيها نار إلا العناب قالوا: ولذلك يتخذ منه كذينقات القصارين. قلت: ويشبه أن يكون كل شجرة في غاية الصلابة هكذا إلا أن يكون له سبب خاص به كما يروى أنه معجزة لموسى ﵇ فإنه قد رأى النار فيها فلا ينبغي لغيره أن يراها. ثم أكد قدرته الكاملة على خلق الإنسان إبداء وإعادة بتذكر خلق السموات والأرض الذي هو أكبر من خلق الناس. ثم أثبت ما نفاه مستفهما للتقرير بقوله بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الكثير الخلق الكامل فيه الْعَلِيمُ بكل جوهر وعرض وما يطلق عليه اسم الشيئية. ثم بين أن إيجاده ليس متوقفا إلا على تعلق الإرادة بالمقدور وقد مر تقريره في أوائل «البقرة» وغيرها. قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن المعدوم شيء. وأجيب بأن الآية دلت على أنه حين تعلق الإرادة به شيء، أما إنه قبل ذلك شيء فكلا. ثم ختم السورة بتقرير المبدأ والمعاد على الإجمال. فقوله بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ إشارة إلى المبدأ.
وقوله وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ إشارة إلى المعاد وإذا تقرر الطرفان فما بينهما الوسط المشتمل على التكاليف والرسالة، فهذه الآية كالنتيجة للمقدمات السابقة في السورة. عن ابن عباس:
كنت لا أعلم ما روي في فضائل يس وقراءتها كيف خصت بذلك فإذا أنه لهذه الآية.
روي أنه ﷺ قال: «ان لكل شيء قلبا وقلب القرآن يس» «١»
فذكر الإمام الغزالي ﵁ أن الإيمان صحته بالاعتراف بالحشر وأنه مقرر في هذه السورة بأبلغ وجه فلذلك سماها قلب القرآن. وقال غيره: إن الأصول الثلاثة التي يتعلق بها نصيب الجنان وهي التوحيد والرسالة والحشر مكررة في هذه السورة. وليس فيها شيء من بيان وظيفة اللسان ولا العمل بالأركان. فلما كان أعمال القلب لا غير سماه قلبا، ولهذا ورد في الأخبار أنه ينبغي أن تقرأ على الميت حالة النزع وذلك ليزداد بها قوة قلبه، فإن الأعضاء الظاهرة وقتئذ ساقطة المنة، والقلب مقبل على الله معرض عما سواه ولنا فيه وجه هو بالتأويل أشبه فلنذكره هناك.
стр. 3053
التأويل:
اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ من الدنيا وشهواتها وَما خَلْفَكُمْ من نعيم الجنة ولذاتها لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ بمشاهدة الجمال وأنوار الكمال وَنُفِخَ فِي الصُّورِ إشارة إلى نفخ إسرافيل المحبة في صور القلب، فإذا السر والروح والخفي من أجداث أوصاف البشرية إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ يرجعون بعضها بالسير وبعضها بالطيران إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ شغلهم الله بالمفاكهة عن المشاهدة كما قال بعض الصوفية: والناس يخرجون من مسجد الجامع هؤلاء حشو الجنة. وللمجالسة أقوام آخرون وهم الفارغون من الالتفات إلى الكونين. قال الله تعالى فَإِذا فَرَغْتَ [الشرح: ٧] أي من تعلقات الكونين فَانْصَبْ [الشرح: ٧] لطلب الوصال. ويحكى أن الآية قرئت في مجلس الشبلي ﵁ فشهق شهقة وغاب، فلما أفاق قال: مساكين لو علموا أنهم عم شغلوا لهلكوا. ويحتمل أن يقال:
إنهم اليوم أي في الدنيا في شغل بأنواع الطاعات والعبادات من طلب الحق والشوق إلى لقائه كما يحكى عن يحيى بن معاذ أنه قال: رأيت رب العزة في منامي فقال لي: ابن معاذ، كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه يطلبني. ويمكن أن يقال: إنهم اليوم في الدنيا في شغل بالطاعات والرضا بما قسم الله عن طلب اللذات والفوائد وارتكاب المحرمات والزوائد. أو يقال: إنه خطاب للعصاة فإن أهل الله هم المستغرقون في بحار عظمة الله، وأهل الجنة مشتغلون باستيفاء اللذات وليس للعصاة إلا رحمتي وكرمي كما قال يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر: ٥٣] وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ
في بعض الاخبار المروية أن عبدا لتشهد عليه أعضاؤه بالذلة فتتطاير شعرة من جفن عينه فتستأذن بالشهادة له فيقول الحق تعالى: تكلمي يا شعرة جفن عين عبدي واحتجي عن عبدي. فتشهد له بالبكاء من خوفه فيغفر له وينادي مناد: هذا عتيق الله بشعرة.
وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ إن السالك إذا عمر صار في آخر الأمر إلى الفناء في الله حتى لا يبقى منه ما يستند الفعل إليه. وفي قوله وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ إشارة إلى أن العلوم والصنائع كلها من الله تعالى وبتعليمه وإلهامه. مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ وهو شجرة البشرية نار المحبة تُوقِدُونَ مصباح قلوبكم. وإنما
قال النبي ﷺ «إن قلب القرآن يس»
لأن ذكره ﷺ رمز إليه في أول السورة وفي آخرها. أما الأول فقد مر في تفسير لفظ يس وأما الثاني فلأن قوله فَسُبْحانَ إلى آخره يدل على المبدأ والمعاد تصريحا، وعلى الرسالة ضمنا، ولا ريب أن القلب خلاصة كل ذي قلب، وإنه ﷺ كان خلاصة المخلوقات وكان خلقه القرآن الذي نزل على قلبه، وكأن فاتحة السورة وخاتمتها مبنية على ذكره منبئة عن سره كالقلب في جوف صاحبه فلأجل هذه المناسبات أطلق على يس أنه قلب القرآن والله ورسوله أعلم بأسرار كلامه.
القراآت:
وَالصَّافَّاتِ صَفًّا وما بعدهما مدغما: حمزة وأبو عمرو غير عباس بِزِينَةٍ منونا: حمزة وعاصم غير المفضل الكواكب بالنصب: أبو بكر وحماد. الباقون: بالجر لا يَسَّمَّعُونَ بتشديد السين والميم وأصله «يتسمعون» : حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. الآخرون: بسكون السين وتخفيف الميم. بَلْ عَجِبْتَ بالضم: حمزة وعلي وخلف. الآخرون: بالفتح على الخطاب آيذا بالمد والياء إنا بهمزة واحدة مكسورة: يزيد وقالون وزيد. الباقون: مثل التي في «الرعد» وأما الثانية فمثل التي في «الرعد» أَوَآباؤُنَا مثل أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى [الأعراف: ٩٨] وكذلك في «الواقعة» لا تَناصَرُونَ بالتشديد البزي وابن فليح أَإِنَّا أَإِنَّكَ أَإِفْكاً مثل أَإِنَّكُمْ في «الأنعام» يُنْزَفُونَ بضم الياء وكسر الزاي: حمزة وعلي وخلف والمفضل. الآخرون: بفتح الزاي لترديني بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.
الوقوف:
صَفًّا هـ لا زَجْراً هـ لا لَواحِدٌ هـ ط الْمَشارِقِ هـ ط الْكَواكِبِ هـ لا مارِدٍ هـ ج لاحتمال ما بعده الوصف والاستئناف قاله السجاوندي. وعليه بحث
стр. 3056
يجيء في التفسير واصِبٌ هـ لا ثاقِبٌ هـ ج خَلَقْنا ط لازِبٍ هـ وَيَسْخَرُونَ هـ ص لا يَذْكُرُونَ هـ ص يَسْتَسْخِرُونَ هـ ص مُبِينٌ هـ ج لَمَبْعُوثُونَ هـ لا الْأَوَّلُونَ هـ ط داخِرُونَ هـ يَنْظُرُونَ هـ الدِّينِ هـ تُكَذِّبُونَ هـ يَعْبُدُونَ هـ لا الْجَحِيمِ هـ مَسْؤُلُونَ هـ لا لأن المسئول عنه قوله ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ هـ مُسْتَسْلِمُونَ هـ يَتَساءَلُونَ هـ الْيَمِينِ هـ مُؤْمِنِينَ هـ ج سُلْطانٍ ج للعدول مع اتفاق الجملتين طاغِينَ هـ لَذائِقُونَ هـ غاوِينَ هـ مُشْتَرِكُونَ هـ بِالْمُجْرِمِينَ هـ يَسْتَكْبِرُونَ هـ مَجْنُونٍ هـ ط الْمُرْسَلِينَ هـ الْأَلِيمِ هـ ج تَعْمَلُونَ هـ لا الْمُخْلَصِينَ هـ مَعْلُومٌ هـ فَواكِهُ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف مُكْرَمُونَ هـ لا النَّعِيمِ هـ لا مُتَقابِلِينَ ج مَعِينٍ هـ لا لِلشَّارِبِينَ هـ ج لأن ما بعده يصلح وصفا واستئنافا يُنْزَفُونَ هـ عِينٌ ط مَكْنُونٌ ج يَتَساءَلُونَ هـ قَرِينٌ هـ الْمُصَدِّقِينَ هـ لَمَدِينُونَ هـ مُطَّلِعُونَ هـ الْجَحِيمِ هـ لَتُرْدِينِ هـ الْمُحْضَرِينَ هـ بِمَيِّتِينَ هـ لا بِمُعَذَّبِينَ هـ الْعَظِيمُ هـ الْعامِلُونَ هـ الزَّقُّومِ هـ لِلظَّالِمِينَ هـ الْجَحِيمِ هـ لا لأن ما بعده صفة لشجرة الشَّياطِينِ هـ الْبُطُونَ هـ لا لأن «ثم» لترتيب الأخبار حَمِيمٍ هـ الْجَحِيمِ هـ ج ضالِّينَ هـ لا للعطف مع اتصال المعنى يُهْرَعُونَ هـ الْأَوَّلِينَ هـ مُنْذِرِينَ هـ الْمُنْذَرِينَ هـ لا الْمُخْلَصِينَ هـ الْمُجِيبُونَ هـ ز الْعَظِيمِ هـ ز الْباقِينَ هـ ز فِي الْآخِرِينَ هـ لا لأن ما بعده مفعول تركنا على سبيل الحكاية الْعالَمِينَ هـ الْمُحْسِنِينَ هـ الْمُؤْمِنِينَ هـ الْآخَرِينَ هـ.
التفسير:
إنه سبحانه بدأ في أوّل هذه السورة بالتوحيد كما ختم السورة المتقدمة بذكر المعاد وأقسم على المطلوب بثلاثة أشياء، أما الحكمة في القسم فكما مرّ في أول سورة يس، وأما الإقسام بغير الله وصفاته فلا نسلم أنه لا يجوز لله سبحانه، أو هو على عادة العرب، أو المراد تعظيم هذه الأشياء وتشريفها، أو المراد رب هذه الأشياء فحذف المضاف. قال الواحدي: إدغام التاء في الصاد حسن وكذا التاء في الزاي وفي الذال لتقارب مخارجها، ألا ترى أن التاء والصاد هما من طرف اللسان وأصول الثنايا ويجتمعان في الهمس، والمدغم فيه يزيد على المدغم في الإطباق والصفير وإدغام الأنقص في الأزيد حسن؟ وأيضا الزاي مجهورة وفيها زيادة صفير. ثم المقسم بها في الآيات إما أن تكون صفات ثلاثا لموصوف واحد أو صفات لموصوفات متباينة. وأما التقدير الأوّل ففيه وجوه الأوّل: أنها صفة الملائكة لأنهم صفوف في السماء كصفوف المصلين في الأرض، أو أنهم يصفون أجنحتهم في الهواء واقفين منتظرين لأمر الله تعالى. والصف ترتيب الشيء على
стр. 3057
نسق. الفاعل صاف، والجماعة صافة، والصافات جمع الجمع ولولا ذلك لقيل والصافين.
قال الحكيم: يشبه أن يكون معنى كونهم صفوفا أن لكل منهم مرتبة معينة في الشرف أو بالغلبة. والزجر سوق السحاب. قال ابن عباس: يعني الملائكة الموكلين بالسحاب. وقال آخرون: أراد زجرهم الناس عن المعاصي بالخواطر والإلهامات، أو بدفع تعرض الشياطين عن بني آدم. والتاليات الذين يتلون كتاب الله على الأنبياء. والحاصل أن كونهم صافين إشارة إلى استكمال جواهر الملائكة في ذواتها أعني وقوفهم في مواقف العبودية والطاعة، وكونهم زاجرين إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إزالة ما لا ينبغي من جواهر الأرواح البشرية، وكونهم تالين إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إفاضة الجلايا القدسية والأنوار الإلهية على الأرواح الإنسانية. الوجه الثاني أنها صفات النفوس الإنسانية المقبلة على عبودية الله وعبادته وهم ملائكة الأرض، أقسم بنفوس المصلين بالجماعات الزاجرين أنفسهم عن الشهوات أو عن إلقاء وساوس الشيطان في قلوبهم أثناء الصلوات بتقديم الاستعاذة أو برفع الأصوات، التالين للقرآن في الصلاة وغيرها. أو أقسم بنفوس العلماء الصافات لأجل الدعوة إلى دين الله الزاجرات عن الشبهات والمنهيات بالمواعظ والنصائح الدارسات شرائع الله وكتبه لوجه الله، أو أقسم بنفوس المجاهدين في سبيل الله كقوله إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا
[الصف: ٣] والزجرة والصيحة سواء. والمراد رفع الصوت بزجر الخيل. وأما التاليات فذلك أنهم يشتغلون وقت المحاربة بقراءة القرآن وذكر الله.
يحكى عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه كان يخرج من الصف وسيفه ينطف دما فإذا رقى ربوة يأتي بالخطبة الغراء.
الوجه الثالث أنها صفات آيات القرآن وذلك أنها أنواع مختلفة بعضها دلائل التوحيد، وبعضها دلائل العلم والقدرة، وبعضها دلائل النبوة، وبعضها دلائل المعاد، وبعضها بيان التكاليف والأحكام، وبعضها تعليم الأخلاق الفاضلة، وكلها مترتبة ترتيبا لا يتغير ولا يتبدل فكأنها أجرام واقفة في صفوف معينة، ولا ريب أنها تزجر المكلفين عن المناهي والمنكرات. وأما نسبة التلاوة إليهن فمجاز كما يقال: شعر شاعر. والفاء في هذه الوجوه لترتب الصفات في الفضل فالفضل للصف ثم للزجر ثم للتلاوة أو بالعكس فلكل وجه. ويحتمل وإن لم يذكره جار الله أن تكون لترتيب معانيها في الوجود كقوله:
الصابح فالغانم فالآيب كأنه قال: الذي صبح فغنم فآب. مثاله المصلون يقفون أوّلا صفوفا ثم يزجرون الوساوس عنهم بالاستعاذة ثم يشتغلون بالقراءة.
стр. 3058
وأما التقدير الثاني وهو أن يكون المراد بهذه الأمور الثلاثة موصوفات متغايرة فالصافات الطير من قوله وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ [النور: ٤١] والزاجرات كل ما زجر عن معاصي الله، والتاليات كل من تلا كتاب الله. أو الصافات طائفة من الملائكة أو من الأشخاص الإنسانية، وكل من الزاجرات والتاليات طائفة أخرى. وقيل: الصافات العالم الجسماني المنضود كرة فوق كرة من الأرض إلى الفلك الأعظم، والزاجرات الأرواح المدبرة للأجسام بالتحريك والتصريف، والتاليات الأرواح المستغرقة في بحار معرفة الله تعالى والثناء عليه. والفاء على هذه المعاني لترتب الموصوفات في الفضل. ثم إنه سبحانه لم يقتصر في إثبات التوحيد على الحلف ولكنه عقبه بالدليل الباهر فقال رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ فلكل كوكب مشرق ومغرب بل للشمس ولسائر السيارات وللثوابت في كل يوم مشرق آخر بحسب تباعدها عن منطقة المعدل وتقاربها منها.
وإنما اقتصر على ذكر المشارق لشرفها ولدلالتها على البغارب كقوله سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] . ثم بين أنه جعل الكواكب بحيث يشاهدها الناس من السماء الدنيا وهي تأنيث الأدنى لمنفعتين: الأولى تحصيل الزينة، والثانية الحفظ من الشيطان. والزينة مصدر كالنسبة أو اسم لما يزان به الشيء كالليقة لما تلاق به الدواة. ثم قرأ بالإضافة فلها وجوه: أن يكون مصدرا مضافا إلى الفاعل أي بأن زانتها الكواكب وإلى المفعول أي بأن زان الله تعالى الكواكب وحسنها في أنفسها، فإن النور والضوء أحسن الصفات وأكملها، وكذا أشكالها المختلفة كشكل الثريا وبنات النعش والجوزاء وسائر الصور المتوهمة من الخطوط التي تنظم طائفة منها، وقد ترتقي إلى نيف وأربعين منها صور البروج الاثني عشر.
وبالجملة إشراق الجواهر الزواهر وتلألؤها على بسيط أزرق بنظام مخصوص مما يروق الناظر، ويجوز أن يقع الْكَواكِبِ بيانا للزينة وهي اسم لأن الزينة مبهمة في الكواكب وغيرها مما يزان به فيكون كخاتم فضة. ويجوز أن يراد بالزينة ما زينت به الكواكب كما روي عن ابن عباس أنه فسر الزينة بالضوء. ومن قرأ بتنوين بِزِينَةٍ وجر الْكَواكِبِ فعلى الإبدال، ومن قرأ بتنوين بِزِينَةٍ ونصب الْكَواكِبِ فعلى أنه بدل من محل بِزِينَةٍ أو من السماء، أو على أن المراد بتزيينها الكواكب كما في أحد وجوه الإضافة. قوله وَحِفْظاً فيه وجوه أحدها: أنه محمول على المعنى والتقدير: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظا من الشياطين. وثانيها أن يقدر مثل الفعل المتقدم للتعليل كأنه قيل: وحفظا من كل شيطان زيناها بالكواكب. وثالثها قال المبرد: إذا ذكرت فعلا ثم عطفت عليه مصدر فعل آخر نصبت المصدر لأنه قد دل على فعله بما تقدم. تقول: افعل ذلك وكرامة أي وأكرمك كرامة، وذلك لما علم أن الأسماء لا تعطف على الأفعال فالتقدير: وحفظناها
стр. 3059
حفظا. قال المفسرون: الشياطين كانوا يصعدون إلى قرب السماء فربما سمعوا كلام الملائكة وعرفوا به ما سيكون من الغيوب فأخبروا صنعاءهم، فجعل الله الكواكب في زمن محمد ﷺ بحيث تحرقهم وتحفظ أهل السماء من إصغائهم. قال الحكيم: ليس المراد بالكواكب الحافظة أنفس الكواكب المركوزة في الأفلاك وإلا لوقع نقصان ظاهر في أعدادها، بل المراد ما يضاهيها من الشهب الحادثة عند كرة النار من الأبخرة المرتفعة، وقد مر تحقيق ذلك في أول سورة الحجر. قال الإمام فخر الدين الرازي ﵀: إن الشياطين لهم حذق كامل في استخراج الصنائع الدقيقة فإذا عرفوا هذه الحالة بالتجربة فلم لا يمنعون منه. وأيضا إنهم مخلوقون من النار والنار كيف تؤثر في النار؟ وأيضا مقر الملائكة السطح الظاهر من الفلك الأعلى وإنهم لا يصعدون إلا إلى قريب من الفلك الأدنى فكيف يسمعون كلام الملائكة؟ والجواب أنا لا نسلم حذقهم في كل الأمور ولهذا جاء في وجوه تسخيرهم ما جاء على أن موضع الاستراق والاحتراق غير متعين، ووقوع هذه الحالة أيضا كالنادر.
فلعل المسترق يكون غير واقف عليه، والنيران بعضها أقوى من البعض وليس الشيطان نارا صرفا، ولكن الناري غالب عليه. ولا نسلم أن الملائكة لا ينزلون إلى الفلك الأخير بإذن الله. والمارد الخارج من الطاعة وقد مر اشتقاقه في قوله مردوا على النفاق.
والضمير في قوله لا يَسَّمَّعُونَ لكل شيطان لأنه في معنى الجمع. والتسمع تكلف السماع سمع أو لم يسمع وقد ضمن معنى الإصغاء فلذلك عدّي بإلى. وقيل: معنى سمعت إليه صرفت إلى جهته سمعي. قال جار الله: هذه الجملة لا يصح أن تكون صفة لأن الحفظ من شياطين غير سامعين أو مستمعين لا معنى له، ولا يصح أن يكون استئنافا لأن سائلا لو سأل: لم يحفظ من الشياطين؟ فأجيب بأنهم لا يسمعون. لم يستقم فبقي أن يكون كلاما منقطعا مبتدأ به لاقتصاص حال المسترقة للسمع. قلت: لو كان صفة باعتبار ما يؤول إليه حالهم جاز، وكذا إن كان مستأنفا كأنه قيل: لم يحفظ فأجيب لأنهم يؤلون إلى كذا. ومن هنا زعم بعضهم أن أصله لئلا يسمعوا لهم فحذفت اللام ثم «أن» وأهدر عملها كما في قول القائل:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ورد عليه في الكشاف أن حذف اللام في قولك «جئتك أن تكرمني» وحذف «أن» في قول الشاعر جائز، فأما اجتماعهما فمنكر من المنكرات. قلت: إن القرآن حجة على غيره مع أن قول الشاعر أيضا لا يصح إلا بتقدير اللام أو «من» مع «أن» . والملأ الأعلى الملائكة
стр. 3060
لأنهم يسكنون السموات. وعن ابن عباس: أراد أشراف الملائكة. وعنه: الكتبة من الملائكة. والقذف الرمي بحجر تقول: قذفته بحجر أي رميت إليه حجرا. وقوله مِنْ كُلِّ جانِبٍ أي مرة من هذا الجانب ومرة من هذا الجانب. وقيل: من كل الجوانب. دُحُوراً أي طردا مع صغار مصدر من غير لفظ الفعل، لأن القذف والطرد متغايران كأنه قيل:
يقذفون قذفا أو يدحرون دحورا. ويجوز أن يكون مفعولا له أي لأجل الدحور أو مصدرا في موضع الحال أي مدحورين كقوله مَذْمُوماً مَدْحُوراً [الإسراء: ١٨] وَلَهُمْ أي للشياطين عَذابٌ واصِبٌ دائم وقد مر في النحل في قوله وَلَهُ الدِّينُ واصِباً [النحل:
٥٢] يعني أنهم في الدنيا مرجومون بالشهب ولهم في الآخرة نوع من العذاب غير منقطع إِلَّا مَنْ خَطِفَ في محل الرفع بدلا من الواو في لا يَسَّمَّعُونَ أي لا يسمع إلا الشيطان الذي اختلس الكلمة مسارقة. وقيل: وثب وثبة. وقيل: الاستثناء منقطع خبره فَأَتْبَعَهُ أي أتبعه ورمى في أثره شِهابٌ ثاقِبٌ مضيء أو ماض فإذا قذفوا احترقوا. وقيل: تصيبهم آفة فلا يعودون. وقيل: لا يقتلون بالشهب بل يحس بذلك فلا يرجع ولهذا لا يمتنع غيره من ذلك. وقيل: يصيبهم مرة ويسلمون مرة فصاروا في ذلك كراكبي السفينة للتجارة. وحين بين الوحدانية ودلائلها في أول هذه السورة أراد أن يذكر ما يدل على الحشر والكلام فيه من طريقين: الأوّل أن يقال: قدر على الأصعب فيقدر على الأسهل بالأولى، الثاني قدر في أول الأمر فيقدر في الحالة الثانية. أما الطريق الأوّل فأشار إليه بقوله فَاسْتَفْتِهِمْ أي سل قومك أو صاحبهم وأراد بمن خلقنا ما ذكرنا من الملائكة والسموات والأرض والمشارق والكواكب والشهب والشياطين، وغلب أولي العقل على غيرهم. وقيل: أراد عادا وثمود ومن قبلهم من الأمم الخالية. والقول الأول أقوى بدليل فاء التعقيب ولإطلاق قوله خَلَقْنا اكتفاء ببيان ما تقدمه كأنه قال: خلقنا كذا وكذا من عجائب الخلق، فاستخبرهم أهم أشد خلقا أم هذه الخلائق، ومن هان عليه هذه كان خلق البشر بل إعادته عليه أهون.
وأما الطريق الثاني فإليه الإشارة بقوله إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ أي لازم والباء بدل من الميم عند أكثرهم ولهذا قال ابن عباس: هو الملتصق من الطين الحر. وقال مجاهد والضحاك: هو المنتن. ووجه الاستدلال أن هذا الجسم لو لم يكن قابلا للحياة لم يقبلها من أول الأمر، وإذا قبلها أوّلا فلا يبقى ريب في قبولها ثانيا، وقادرية الله تعالى باقية على حالها فالإعادة أمر ممكن، وقد أخبر الصادق عن وقوعها فيجب وقوعها. وفي هذا الطريق الثاني تقوية للطريق الأوّل، فإن خلقهم من الطين شهادة عليهم بالضعف والرخاوة. ثم بين أنهم مع قيام الحجج الضرورية عليهم مصرون على الإنكار فقال بَلْ عَجِبْتَ من قرأ بفتح التاء فظاهر أي عجبت يا محمد من تكذيبهم وإنكارهم البعث وَهم يَسْخَرُونَ من
стр. 3061
تعجبك، أو عجبت من القرآن حين أعطيته ويسخر أهل الكفر منه. ومن قرأ بالضم فأورد عليه أن التعجب على الله غير جائز لأنه روعة تعتري الشخص عند استعظام الشيء. وقيل:
هذه حالة تحصل عند الجهل بصفة الشيء. وأجيب بأن معناه: قل يا محمد بل عجبت.
سلمنا لكن العجب هو أن يرى الإنسان ما ينكره الكافر والإنكار من الله تعالى غير منكر.
سلمنا لكن هذه الألفاظ في حقه تعالى محمولة على النهايات كالمكر والاستهزاء والمعنى:
بلغ من عظم آياتي وكثرة خلائقي أني استعظمتها فكيف بعبادي وهؤلاء بجهلهم وعنادهم يسخرون منها، أو استعظمت إنكارهم البعث ممن هذه أفعاله وهم يسخرون ممن يصف الله تعالى بالقدرة عليه نظيره الآية وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ [الرعد: ٥] . عند من يرى أن العجب من الله.
وقد جاء في الحديث «يعجب ربك من الشاب ليس له صبوة» .
وقال أيضا: «عجب ربكم من ألكم وقنوطكم وسرعة إجابته» .
والألّ التضرع. ثم حكى عنهم أنه كما أن دأبهم السخرية عند إيراد البراهين فكذلك دأبهم أنهم إذا وعظوا لا يتعظون.
وَإِذا رَأَوْا آيَةً بينة كانشقاق القمر وغيره من المعجزات يَسْتَسْخِرُونَ يبالغون في السخرية أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها ونسبوا ما رأوه إلى السحر. فالحاصل أنه لا تفيد معهم البراهين الضرورية ولا المقدمات الوعظية ولا المعجزات الدالة على صدق إخبارك بالبعث. قوله أَوَآباؤُنَا من قرأ بسكون الواو فمعطوف على محل اسم «أن» ، ومن قرأ بفتحها فعليه، أو على الضمير في لَمَبْعُوثُونَ وحسن الفصل بهمزة الاستفهام والمعنى:
أيبعث أيضا آباؤنا؟ يعنون أنهم أقدم فبعثهم أبعد. وعلى الأوّل أرادوا إنكار أن يبعث واحد منهم أو من آبائهم فأرغمهم الله سبحانه بقوله قُلْ نَعَمْ تبعثون وَأَنْتُمْ داخِرُونَ صاغرون أذلاء. وإذا كان كذلك فَإِنَّما هِيَ أي البعثة أو هو مبهم يوضحه خبره زَجْرَةٌ واحدة يعني صيحة النفخة الثانية فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ أراد أنهم أحياء بصراء أو أراد أنهم ينظرون أمر الله فيهم. وَقالُوا يا وَيْلَنا الظاهر أن كلامهم يتم عند قوله تُكَذِّبُونَ يقوله الكفرة فيما بينهم. وقيل: إن كلامهم يتم عند قوله يا وَيْلَنا ثم قال الله أو الملائكة هذا يَوْمُ الدِّينِ الجزاء والحساب هذا يَوْمُ الْفَصْلِ القضاء والفرق بين المحسن والمسيء احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا بالكفر أو بالفسق يعني رؤساءهم. وهذا الحشر بمعنى الجمع لأنه بعد البعث أي اجمعوهم وَأَزْواجَهُمْ أي أشكالهم الذين على دينهم وسيرتهم الزاني مع الزاني، والسارق مع السارق، والشارب مع الشارب. وقيل: قرناءهم من الشياطين. وقيل: نساءهم اللاتي على ملتهم. وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من الأصنام فَاهْدُوهُمْ ادعوهم أو قدموهم والسابق يسمى الهادي أو دلوهم إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ وسطها أو طريقها لأنه قال
стр. 3062
بعد ذلك وَقِفُوهُمْ أي احبسوهم للسؤال كأنهم إذا انتهوا إلى الجحيم سئلوا تهكما وتوبيخا بالعجز عن التناصر ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ قد أسلم بعضهم بعضا وخذله. وحقيقته طلب كل منهم سلامة نفسه فقال المفسرون: إن أبا جهل قال يوم بدر: نحن جميع منتصر فيوبخ على ذلك يوم القيامة. ثم حكى أنهم في جهنم يتساءلون تساؤل التخاصم وذلك أن اتباعهم قالُوا لرؤسائهم إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ وفيه وجوه، الأول: أنها استعارة عن الخيرات والسعادات وذلك أن الجانب الأيمن أشرف من الأيسر شرعا وعرفا. كان رسول الله يحب التيامن في كل شيء ولهذا أمرت الشريعة بمباشرة أفاضل الأمور باليمين وأراطلها بالشمال، وجعلت اليمين لكاتب الحسنات والشمال لكاتب السيئات، ووعد المحسن أن يؤتى كتابه بيمينه والمسيء بالضد، وما جعلت يمنى إلا للتيمن بها ولذلك تيمنوا بالسانح وتطيروا بالبارح. فقيل: أتاه عن اليمين أي من قبل الخير وناحيته فصدّه عنه وأضله. قال جار الله: من المجاز ما غلب عليه الاستعمال حتى لحق بالحقيقة وهذا من ذاك لأن اليمين كالحقيقة في الخير. ثم صار قولك «أتاه عن اليمين» مجازا في المعنى المذكور. الثاني: أن يقال: فلان يمين فلان إذا كان عنده بمنزلة رفيعة فكأنهم قالوا: إنكم كنتم تخدعوننا وتوهمون أننا عندكم بمحل رفيع فوثقنا بكم وقبلنا عنكم. الثالث: اليمين الحلف، كان الكفار قد حلفوا لهؤلاء الضعفة أن ما يدعونهم إليه هو الحق فوثقوا بأيمانهم وتمسكوا بعهودهم. الرابع: أن اليمين القوة والقهر فبها يقع البطش غالبا أي كنتم تأتوننا عن القهر والغلبة حتى حملتمونا على الضلال. وكما أن الضمير في قالُوا الأول كان عائدا إلى الأتباع بقرينة الخطاب، فالضمير في قالُوا الثاني يعود إلى الرؤساء لمثل تلك القرينة. والمعنى بل أبيتم أنتم الإيمان وأعرضتم عنه كما أعرضنا. وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً مختارين الطغيان وهذا مثل محاجة إبليس وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ [إبراهيم: ٢٢] فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ قال مقاتل:
أراد قوله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ [الأعراف: ١٨] والمعنى أنه لما أخبر عن وقوعنا في العذاب وكان خبر الله حقا فلا جرم وجب وقوعنا في العذاب. قال جار الله: لو حكى الوعيد كما هو لقال «إنكم لذائقون» ولكنه عدل به إلى لفظ المتكلم لأنهم يتكلمون بذلك عن أنفسهم وكلا الاستعمالين شائع فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ أي أقدمنا على إغوائكم لأنا كنا موصوفين في أنفسنا بالغواية كأنهم قالوا: إن اعتقدتم أن غوايتكم بسبب إغوائنا فغوايتنا إن كانت بسبب إغواء غاو آخر لزم التسلسل فعلمنا أن غوايتنا أيضا من الله كما مر في قوله فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا هذا تفسير أهل السنة. وأما المعتزلة فيفسرون الآيات هكذا قالوا: بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ أي كنتم مختارين الكفر على الإيمان، وما سلبنا تمكنكم من تسلط بل اخترتم أنتم الطغيان فحق
стр. 3063
علينا وعيد الله بأنا ذائقون لعذابه لا محالة لعلمه بحالنا واستحقاقنا بها العقوبة فَأَغْوَيْناكُمْ فدعوناكم إلى الغي لأنا كنا غاوين فأردنا إغواءكم لتكونوا أمثالنا. وحين حكى كلام الأتباع والمتبوعين أنتج من ذلك قوله فَإِنَّهُمْ جميعا يَوْمَئِذٍ أي يوم القيامة فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ كما كانوا مشتركين في الغواية. ولعل للمتبوعين عذابا زائدا للإغواء ولكن الزيادة لا تنافي الاشتراك في أصل الشيء إِنَّا كَذلِكَ أي مثل ذلك الفعل نَفْعَلُ بكل مجرم أي كافر بدليل قوله إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ يأبون من قبوله، والجملة الشرطية خبر «كان» وهو مع الاسم والخبر خبر «إن» وإن ألغيت «كان» فالخبر يَسْتَكْبِرُونَ و «إذا» ظرفه.
وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ عنوا محمدا ﷺ بين أنهم منكرون للتوحيد وللنبوّة جميعا فردّ عليهم بقوله بَلْ جاءَ متلبسا بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ وفيه تنبيه على أن التوحيد دين كل الأنبياء ثم صدقهم في قولهم فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا ونقل الكلام من الغيبة إلى الحضور للمبالغة قائلا إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ ثم كان لقائل أن يقول: كيف يليق بالرحيم الكريم المتعالي عن النفع والضر أن يعذب عبيده فقال وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فالحكمة اقتضت الأمر بالخير والطاعة، والنهي عن القبيح والمعصية، والأمر والنهي لا يكمل المقصود بهما إلا بالترغيب والترهيب، وإذا وقع الإخبار عنه وجب تحققه صونا للكلام عن الكذب هذا بتفسير المعتزلة أشبه. والسنّي يقول: لا اعتراض عليه في شيء ولا يسأل عما يفعل. قال جار الله إِلَّا عِبادَ اللَّهِ استثناء منقطع أي لكن عباد الله الْمُخْلَصِينَ أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ قلت: يجوز أن يكون الاستثناء متصلا والمعنى: وما تجزون إلا ما كنتم تعملون من غير زيادة إلا المخلصين فإن جزاءهم بالأضعاف. ويحتمل أن يكون الخطاب في قوله إِنَّكُمْ للمكلفين جميعا فيصح الاستثناء المتصل مطلقا أي تذوقون العذاب الأليم. قوله مَعْلُومٌ قيل: أي معلوم الوقت كقوله وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم: ٦٢] وقيل: معلوم الصفة لكونه مخصوصا بخصائص خلق عليها من طيب طعم ورائحة ولذة وحسن منظر. وقيل: معلوم القدر على حسب استحقاقهم. وقيل: أراد أنهم يتيقنون دوامه لا كرزق الدنيا الذي لا يعلم متى يحصل ومتى يقطع. ثم فسر ذلك الرزق بأنه فَواكِهُ فقيل: إن الفاكهة عبارة عما يؤكل لأجل التلذذ لا لأجل الحاجة، وأرزاق أهل الجنة كلها كذلك لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات فإنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد فلذلك سمي رزقهم فاكهة. وقيل: أراد به التنبيه بالأدنى على الأعلى، فإذا كانت الفاكهة حاضرة أبدا كان الطعام أولى بالحضور.
стр. 3064
وحيث بين الأكل ذكر أن ذلك حاصل مع الإكرام والتعظيم فقال وَهُمْ مُكْرَمُونَ إذ الأكل الخالي عن التعظيم يليق بالبهائم. وحين ذكر مأكولهم وصف مسكنهم وهيئة جلوسهم فقال فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ وقد مر في «الحجر» . ثم وصف مشروبهم. قال أهل اللغة: لا يسمى الإناء كأسا إلا إذا كان فيها خمر، وقد تسمى الخمر نفسها كأسا. عن الأخفش:
كل كأس في القرآن فهي الخمر وكذا في تفسير ابن عباس. والمعين النهر الجاري على وجه الأرض وأصله معيون لأنه الظاهر للعيون أو من عين الماء. وقد يقال: عان الماء يعين إذا ظهر جاريا قاله ثعلب.
وقيل: «فعيل» من المعن وهو المنقعة أو الماء الشديد الجري ومنه أمعن في السير أي بالغ فيه. واشتدّ وصف الخمر بما يوصف به الماء لأنها تجري في الجنة في أنهار كما يجري الماء. وبيضاء صفة للكأس: قال الحسن: خمر الجنة أشدّ بياضا من اللبن. ولَذَّةٍ إما مصدر وصف بها للمبالغة كأنها نفس اللذة، أوصي تأنيث. اللذ واللذ اللذيذ واحد كالطب والطبيب ثم بين أن خمر الجنة لا تغتال العقول. يقال: غاله يغوله غولا إذا أهلكه وأفسده، وفيه تعريض بخمر الدنيا ولهذا قدم الظرف وبنى الكلام على الاسم في قوله وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ أي يسكرون. وخص هذا الوصف بالذكر لأنه أعظم المفاسد في شرب الخمر. يقال: نزف الشارب على البناء للمفعول إذا ذهب عقله. والتركيب يدور على الفناء والنفاد ومنه نزحت الركية حتى نزفتها إذا لم تترك فيها ماء. وأنزف مثله ومعناه صار ذا نزف. وعن بعضهم أن معنى قوله وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ هو أن الشراب لا ينقطع عنهم لئلا يلزم نوع من التكرار.
والأوّلون حملوه على المبالغة. ثم وصف منكوحهم بقوله وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أي حابساتها عن غير أزواجهن كقوله عُرُباً [الواقعة: ٣٧] والعين جمع العيناء مؤنث الأعين وهو كبير العين. ثم شبههن ببيض النعام المكنون في وكناتها، وذلك لأن فيها بياضا يشوبه قليل من الصفرة، وإذا كانت مستورة في أماكنها كانت مصونة عن الغبرة والتغير فكانت في غاية الحسن، وبها تشبه العرب النساء وتسميهن بيضات الخدور. ثم عطف على قوله يُطافُ قوله فَأَقْبَلَ وهو مضارع في المعنى إلا أنه على عادة الله تعالى في الأخبار.
ولعل هذا التذاكر عقيب إطافة الكأس فلهذا جيء بالفاء بخلاف ما مر في تخاصم أهل النار.
والمراد أنهم يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة أهل المنادمة والعشرة. قال بعضهم:
وما بقيت من اللذات إلا ... أحاديث الكرام على المدام
стр. 3065
وقد حكى من جملة مكالماتهم تذكرهم أنه كان قد حصل لهم في الدنيا ما يوجب لهم الوقوع في عذاب الله، ثم إنهم تخلصوا عنه وفازوا بالنعيم المقيم وهذا ابتداء الحكاية قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ أي من أهل الجنة إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ جليس أو شريك في الدنيا يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ أي بيوم الدين أَإِنَّا لَمَدِينُونَ لمجزيون من دان يدين إذا جزى. وقيل:
لمسوسون مقهورون من دانه إذا ساسه ومنه
الحديث «الكيس من دان نفسه»
وعن بعضهم:
أراد بالمتحادثين الرجلين المذكورين في الكهف في قوله وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ [الآية: ٣٢] قالَ يعني ذلك القائل أو الله أو بعض الملائكة هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ إلى النار أي هل تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم منها. عن ابن عباس: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى النار فَاطَّلَعَ على أهل النار فرأى قرينه فِي سَواءِ الْجَحِيمِ وسطها قالَ لقرينه تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ «إن» مخففة واللام فارقة. والإرداء الإهلاك، وبخه على أنه كان يدعوه في الدنيا إلى إنكار البعث المتضمن للكفر المؤدّي إلى الهلاك الحقيقي.
والخطاب مع القرين إما أن يكون بحيث يسمعه حقيقة وذلك لرفع الحجاب وتقريب المسافة أو كما أراد الله بقدرته، وإما أن يخاطبه وإن لم يمكنه السماع لبعده كما يخاطب الموتى ومن في حكمهم، نظيره ما مر في قصة صالح فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ [الأعراف: ٧٩] إلى آخر الآية والله أعلم. ثم شكر الله تعالى على أن وفقه لنعمة الإسلام وأرشده إلى الحق وعصمه عن الباطل فقال وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ في النار مثلك أطلق إطلاقا لأن الإحضار يستعمل في الشر غالبا ولا سيما في اصطلاح القرآن.
وحين تمم كلامه مع الرجل الذي كان قرينا له في الدنيا وهو الآن من أهل النار عاد إلى مخاطبة جلسائه من أهل الجنة قائلا أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ وفيه قولان أحدهما: إن أهل الجنة لا يعلمون في أوّل دخولهم الجنة أنهم لا يموتون فيستفهمون عن ذلك فيما بينهم، أو يسألون الملائكة فإذا جيء بالموت على صورة كبش أملح وذبح فعند ذلك يعلمون أنهم لا يموتون والتقدير: نحن مخلدون منعمون فما من شأننا أن نموت ولا أن نعذب. وثانيهما أن هذا مما يقوله المؤمن تحدثا بنعمة الله سبحانه واغتباطا بحاله، فإن الذي يتكامل خيره وسعادته إذا عظم تعجبه بها قد يقول. أفيدوم هذا لي؟ وإن كان على يقين من دوامه. وأيضا إنه قال ذلك بمسمع من قرينه ليكون توبيخا له وليحكيه الله فيكون لنا لطفا وزجرا. احتج نفاة عذاب القبر بقوله إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى فإنه يدل على أن الإنسان لا يموت إلا موتة واحدة ولو حصلت الحياة في القبر لكان الموت حاصلا مرتين. وأجيب بأن المراد بالموتة الأولى كل ما يقع في الدنيا. وقوله إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يجوز أن يكون من تمام كلامه لقرينه تقريعا له وتوبيخا وأن يكون من قول أهل الجنة فيما بينهم أي إن هذا الأمر
стр. 3066
الذي نحن فيه أو هو قول الله تصديقا لهم، وكذا قوله لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ ولا خلاف أن قول ذلك خير من كلام الله كأنه لما تمم قصة المؤمن رجع إلى ذكر الرزق المعلوم فاستفهم للتقرير أن ذلك الرزق خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ قال جار الله:
أصل النزل الفضل والريع في الطعام يقال: طعام كثير النزل. فاستعير للحاصل من الشيء، وحاصل الرزق المعلوم اللذة والسرور، وحاصل تلك الشجرة الألم والغم. ويمكن أن يقال: النزل ما يقدّم للضيف، ومعلوم أنه لا خير في شجرة الزقوم ولكنهم وبخوا على ذلك. وظاهر القرآن يدل على أنها شجرة كريهة الطعم والرائحة مؤلمة التناول صعبة الابتلاع إلا أن المفسرين اختلفوا في ماهيتها، فذكر قطرب أنها شجرة مرة تكون بتهامة. وقال غيره:
إنها ليس لها في الدنيا وجود بدليل قوله إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ وذلك أنها خلاف المألوف والمعتاد فإذا ورد على سمع المؤمن فوض علمه إلى الله تعالى وإذا ورد على الزنديق توسل به إلى الطعن في القرآن ويزيد في شبهته كقوله فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة: ١٢٥] وقيل: إنما كانت فتنة لهم لأنهم إذا كلفوا تناولها شق ذلك عليهم فهو كقوله: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [الذاريات: ١٣] وذكر المفسرون أن ابن الزبعري قال لصناديد قريش إن محمدا يخوّفنا بالزقوم وإن الزقوم بلسان بربر وإفريقية الزبد والتمر.
وذكروا أيضا أن أبا جهل أدخلهم بيته وقال: يا جارية زقمينا فأتتهم بالزبد والتمر فقال:
تزقموا فهذا الذي يوعدكم محمد به فأنزل الله صفة الزقوم.
وذكر بقية أوصاف الشجرة منها إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ أي منبتها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها. وفيه تكذيب للطاعنين فيه كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر. ومنها طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ قال جار الله: الطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها إما استعارة لفظية وذلك أن يكون وجه الاستعارة مجرد الطلوع أي الظهور، أو معنوية وذلك إذا كان يشبه الطلع شكلا ولونا. وفي تشبيه ثمرتها برؤوس الشياطين أقوال أحدها وهو الأقوى: أنه تمثيل وتخييل وذلك أن الشيطان مثل في القبح ونفرة الطباع عنه كما أن الملك مثل في الحسن وميل النفوس إليه، وإذا كان الشيطان كله مستقبحا فرأسه كذلك، وتشبيه الثمرة برأسه أولى للاستدارة وللتوسط في الجحيم. الثاني أن الشيطان هاهنا نوع من الحيات تعرفها العرب، خفاف لها أعراف ورؤوس قباح. الثالث أنه شجر معروف عند العرب قبيح الأعالي يسمى الأستن وثمره يسمى رؤوس الشياطين. الرابع قال مقاتل: رؤوس الشياطين حجارة سود تكون حول مكة. ولعل هذا بل الثالث والثاني أيضا يعود إلى الأول إلا أنه بعد التسمية كأنه صار أصلا يشبه به. ثم
стр. 3067
علل جعل الشجرة فتنة للظالمين بقوله فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها أي من طلعها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ أي بطونهم إما لأن شدّة الجوع تحملهم على تناول ذلك الشيء الكريه، وإما لأن الزبانية يقسرونهم على أكلها ليكون بابا من العذاب، فإذا شبعوا غلبهم العطش أو أخذتهم الغصة فيسقون من حميم وهو الماء الشديد الحرارة، وقد وصفه الله سبحانه في قوله وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ [الكهف: ٢٩] والشوب المزج كما قال في صفة شراب أهل الجنة وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ [المطففين: ٢٧] وهو تسمية بالمصدر والمراد أن الطعام مزج بالحميم أو يسقون صديدا أو شرابا حارا ممزوجا بما هو أحر وهو الحميم.
ومعنى «ثم» التراخي في الزمان كأنهم لا يسقون إلا بعد مدة مديدة تكميلا للتعذيب، أو التراخي بالرتبة لأن الشراب أبشع من الطعام بكثير. قال مقاتل: معنى «ثم» في قوله ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ أنهم يخرجون من الجحيم ودركاتها إلى موضع فيه الزقوم والحميم، وبعد الأكل والشرب يردّون إلى موضعهم أي من الجحيم فكأنهم في وقت الأكل والشرب لا يعذبون بالنار. وقيل: هو كقولهم «فلان يرجع إلى مال ونعمة» أي هو فيها. وقيل: «ثم» لتراخي الأخبار أي فقد صح أن مرجع الكفار إلى النار. وقيل: «ثم» مع الجملة قد تدل على التقديم أي قبل ذلك كان مرجعهم إلى الجحيم. ثم بين أن سبب وقوعهم في أصناف العذاب المذكور هو التقليد. والإهراع الإسراع الشديد كأنهم يساقون سوقا ولو لم يوجد في ذم التقليد إلا هذه الآية لكفى. ثم أراد تسلية النبي ﷺ إجمالا بقوله وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أي قبل قومك أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ ثم استثنى من قوله وَلَقَدْ ضَلَّ أو من الْمُنْذَرِينَ المهلكين عباده المخلصين فإن عاقبتهم كانت حميدة. ثم سلاه بوقائع الأمم الخالية تفصيلا. وقدّم قصة نوح ﵇ لكونه أبا ثانيا ونداؤه في قوله رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ [المؤمنون:
٢٦] أو قوله رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [نوح: ٢٦] واللام الداخلة على فَلَنِعْمَ جواب قسم محذوف أو للابتداء، والمخصوص بالمدح وهو نحن محذوف، والجمع لتصوير العظمة والكبرياء، وفيه وفي فاء التعقيب في فَلَنِعْمَ دليل على أن نداء العظيم الكبير حقيق بأن يكون مقرونا بإجابة. والكرب العظيم ما هو فيه من مخاوف الطوفان أو من إيذاء قومه مع اليأس من إيمانهم وهذا أقرب. وفي قوله هُمُ الْباقِينَ بصيغة الحصر دلالة على أن كل من سواه وسوى ذريته فقد فنوا. روي أنه مات كل من كان معه في السفينة غير ذريّته وهم سام وحام ويافث. فسام أبو العرب وفارس والروم، وحام أبو السودان شرقا وغربا، ويافث أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج وتركنا عليه في المتأخرين من الأمم هذه الكلمة وهي سَلامٌ عَلى نُوحٍ ومعنى فِي الْعالَمِينَ أن هذه التحية ثبتها الله فيهم فيسلم الثقلان عليه إلى يوم القيامة. ثم بين أن سبب هذه التشريفات هو كونه محسنا وهذا جزاء
стр. 3068
كل محسن. ثم بين أن إحسانه كان مسبوقا بإيمانه فعلى كل مؤمن أن يجتهد حتى يصير محسنا. وحين تمم ما آل إليه أمر نوح وذريته ذكر عاقبة سائر قومه فقال ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ أعاذنا الله من الإغراق والإحراق وجعل فلكنا فلك نوح وسفرنا متضمنا للنصر والفتوح.
التأويل:
وَالصَّافَّاتِ إشارة إلى ما جاء أن الأرواح خلقت قبل الأجساد في أربعة صفوف: الأول للأنبياء، والثاني للأولياء، والثالث للمؤمنين، والرابع لأهل الكفر فَالزَّاجِراتِ هي الإلهامات الربانية للعوام عن المناهي، وللخواص عن رؤية الأعمال، وللأخص عن الالتفات إلى غير الله فَالتَّالِياتِ ذِكْراً هم الذين يذكرون الله في الخلوات بخلوص النيات. رب سموات القلوب وأرض النفوس وما بينهما من صفاتهما ورب مشارق القلوب يطلع منها شموس الشواهد وأقمار الطوالع ونجوم اللوامع. السماء الدنيا هي الرأس، وكواكبها الحواس، والشهب هي الخواطر الرحمانية تدفع بها الوساوس الشيطانية طِينٍ لازِبٍ أي لاصق بكل ما يصادفه فقوم لصقوا بالدنيا وقوم لصقوا بالآخرة وقوم لصقوا بنفحات ألطاف الحق، فأذابتهم وجذبتهم عن أنانيتهم بهويتها كما تذيب الشمس الثلج وتجذبه عنه: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ للسالك في كل مقام وقفة تناسب ذلك المقام وهو مسؤول عن أداء حقوق ذلك المقام. فقوم يسألهم الملك وقوم يسألهم الملك، والأوّلون أقوام لهم أعمال صالحة تصلح للعرض والكشف. والآخرون قسمان: قوم لهم أعمال يسترها الحق عن اطلاع الخلق عليهم في الدنيا والآخرة كما
قال «أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري»
وقوم لهم ذنوب لا يطلع عليها إلا الله فيسترها عليهم كما
جاء ذكره في الحديث «إن الله يدني المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كتفه يستره من الناس فيقول: أي عبدي تعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: نعم أي رب. ثم يقول: أي عبدي تعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: نعم. ثم يقول: أي عبدي تعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: نعم أي رب. حتى إذا قرره بذنوبه ورأى نفسه أنه قد هلك قال: فإني سترتها عليك في الدنيا وقد غفرتها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته» «١»
إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وهي الموتة الإرادية عن الصفات النفسانية وبعد ذلك لا موت، بل ينتقل من دار إلى دار. لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ بل لمثل هذه الأمور تبذل الأرواح وتفدى الأشباح كما قيل: (شعر)
القراآت:
يزفون بضم الياء وكسر الزاي: حمزة. الباقون: بفتح الياء إِنِّي أَرى أَنِّي أَذْبَحُكَ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. وتَرى بضم التاء وكسر الراء: علي وخلف وحمزة. سَتَجِدُنِي بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وَإِنَّ إِلْياسَ موصولا كهمزة الوصل: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان. الآخرون: بكسر الهمزة اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ بالنصب في ثلاثتها على البدل: سهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل. الباقون: برفعها على الابتداء والخبر. آل ياسين ابن عامر ونافع ورويس. الآخرون إلياسين كأنه جمع إلياس لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى موصولا والابتداء بكسر الهمزة: يزيد وإسماعيل والأصبهاني عن ورش الباقون: بفتحها في الحالين.
الوقوف:
لَإِبْراهِيمَ هـ ط لأن التقدير «واذكر» . وجوز في الكشاف أن يتعلق الظرف بما في الشيعة من معنى المتابعة فلا وقف سَلِيمٍ هـ تَعْبُدُونَ هـ ج للابتداء بالاستفهام
стр. 3071
مع اتحاد المقول تُرِيدُونَ هـ ط لاستفهام آخر الْعالَمِينَ هـ فِي النُّجُومِ هـ لا للفاء واتحاد المعنى سَقِيمٌ هـ مُدْبِرِينَ هـ تَأْكُلُونَ هـ ج للاستفهام مع الاتحاد كما مر لا تَنْطِقُونَ هـ بِالْيَمِينِ هـ يَزِفُّونَ هـ تَنْحِتُونَ هـ لا لأن الواو للحال تَعْمَلُونَ هـ فِي الْجَحِيمِ هـ الْأَسْفَلِينَ هـ سَيَهْدِينِ هـ الصَّالِحِينَ هـ حَلِيمٍ هـ ماذا تَرى ط ما تُؤْمَرُ ز للسين مع اتصال المقول الصَّابِرِينَ هـ لِلْجَبِينِ هـ ج لاحتمال أن الواو مقحمة وَنادَيْناهُ جواب «لما» ، ولاحتمال أن الجواب محذوف أي قبلنا منه وناديناه يا إِبْراهِيمُ هـ لا الرُّؤْيا ج لاحتمال أن ما بعده داخل في حكم النداء أو مستأنف الْمُحْسِنِينَ هـ الْمُبِينُ هـ عَظِيمٍ هـ فِي الْآخِرِينَ هـ لا إِبْراهِيمَ هـ الْمُحْسِنِينَ هـ الْمُؤْمِنِينَ هـ الصَّالِحِينَ هـ إِسْحاقَ ط مُبِينٌ هـ وَهارُونَ هـ ج للآية مع العطف الْعَظِيمِ هـ ج لذلك الْغالِبِينَ هـ لا الْمُسْتَبِينَ هـ ج الْمُسْتَقِيمَ هـ ج فِي الْآخِرِينَ هـ لا وَهارُونَ هـ الْمُحْسِنِينَ هـ الْمُؤْمِنِينَ هـ الْمُرْسَلِينَ هـ لا وجه صحيح وإن لم يكن مقصودا فلهذا لم يكن الوقف لازما. تَتَّقُونَ هـ الْخالِقِينَ هـ لا لمن قرأ اللَّهَ بالنصب الْأَوَّلِينَ هـ لَمُحْضَرُونَ هـ الْمُخْلَصِينَ هـ فِي الْآخِرِينَ هـ لا الياسين هـ الْمُحْسِنِينَ هـ الْمُؤْمِنِينَ هـ الْمُرْسَلِينَ هـ أَجْمَعِينَ هـ لا الْغابِرِينَ هـ الْآخَرِينَ
هـ مُصْبِحِينَ
هـ لا وَبِاللَّيْلِ
ط تَعْقِلُونَ
هـ الْمُرْسَلِينَ
هـ لا الْمَشْحُونِ
هـ لا الْمُدْحَضِينَ
هـ ج لحق المحذوف مع الفاء مُلِيمٌ هـ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ هـ لا يُبْعَثُونَ هـ سَقِيمٌ هـ ج يَقْطِينٍ هـ ج أَوْ يَزِيدُونَ هـ ط إِلى حِينٍ هـ ط الْبَنُونَ هـ ط شاهِدُونَ هـ لَيَقُولُونَ هـ لا وَلَدَ اللَّهُ لا تعجيلا لتكذيبهم لَكاذِبُونَ هـ الْبَنِينَ هـ ط لابتداء استفهام آخر تَحْكُمُونَ هـ تَذَكَّرُونَ هـ ج لأن «أم» تصلح استئنافا مُبِينٌ هـ لا لتعجيل أمر التعجيز صادِقِينَ
هـ نَسَباً ط لَمُحْضَرُونَ هـ لا لتعلق الاستثناء وسُبْحانَ اللَّهِ معترض يَصِفُونَ هـ الْمُخْلَصِينَ هـ تَعْبُدُونَ هـ لا بِفاتِنِينَ هـ لا الْجَحِيمِ هـ مَعْلُومٌ هـ الصَّافُّونَ هـ ج للعطف مع الاتفاق الْمُسَبِّحُونَ هـ ج لَيَقُولُونَ هـ لا مِنَ الْأَوَّلِينَ هـ لا الْمُخْلَصِينَ هـ يَعْلَمُونَ هـ الْمُرْسَلِينَ هـ لأن ما بعده يصلح ابتداء مقولا للكلمة الْمَنْصُورُونَ هـ ص لعطف الجملتين المتفقتينْ غالِبُونَ
هـ حِينٍ هـ لا للعطف ولشدة اتصال المعنى يُبْصِرُونَ هـ يَسْتَعْجِلُونَ هـ الْمُنْذَرِينَ هـ حِينٍ هـ لا يُبْصِرُونَ هـ عَمَّا يَصِفُونَ هـ ج لعطف جملتين مختلفتين الْمُرْسَلِينَ هـ ج للابتداء بالحمد الذي به يبتدأ الكلام وإليه ينتهي مع اتفاق الجملتين الْعالَمِينَ هـ.
التفسير:
الضمير في شِيعَتِهِ يعود إلى نوح والمراد أن إبراهيم ممن شايع نوحا على
стр. 3072
أصول الدين أو على التصلب في الدين. وقال الكلبي: واختاره الفراء إنه يعود إلى محمد أي هو على منهاجه ودينه وإن كان إبراهيم سابقا والأوّل أظهر لتقدّم ذكر نوح. ولما روي عن ابن عباس معناه من أهل دينه وعلى سنته وما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان: هود وصالح، وبين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة. ومعنى جاءَ رَبَّهُ أقبل بقلبه على الله وأخلص العمل له. والقلب السليم قد مرّ في «الشعراء» . ثم ذكر من جملة آثار سلامة قلبه أن دعا أباه وقومه إلى التوحيد. ومعنى ماذا تَعْبُدُونَ أي شيء تعبدونه كقوله في «الشعراء» ما تَعْبُدُونَ [الآية: ٧٠] سألهم عن جنس معبوديهم ثم وبخهم على ذلك بقوله أَإِفْكاً هو مفعول له قدم للعناية كما قدم المفعول به على الفعل لذلك فإنه كان الأهم عنده أن يكافحهم ويعنفهم على شركهم وأنهم على إفك وباطل. ويجوز أن يكون إِفْكاً حالا معنى أو مفعولا به وآلِهَةً بدل منه على أنها إفك في أنفسها. فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ حتى جعلتم الجمادات أندادا له أو حسبتم أنه يهمل أمركم ولا يعاقبكم، وفيه أنه لا يقدر في وهم ولا ظن ما يصدر عن عبادته. وفي قوله إِنِّي سَقِيمٌ قولان:
الأوّل أنه صدر منه كذبا لمصلحة رأى فيه، ولما
جاء في الحديث «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات» : قوله: «إِنِّي سَقِيمٌ وقوله بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ وقوله لسارة إنها أختي» «١»
وقد سبق تقرير ذلك في الأنبياء. الثاني وهو الأقوى أنه كلام صادق لأن الكذب قبيح وإن اشتمل على مصلحة. وأما الحديث فنسبة الراوي إلى الكذب أولى من نسبة نبي الله إلى ذلك. وفي التوجيه وجوه: الأوّل: إن النظر في النجوم يريد به النظر في علم النجوم وأحكامها وكتبها وذلك ليس بحرام ولا سيما في ذلك الشرع فليس فيه إلا اعتقاد أنه تعالى خص كل واحد من الكواكب بقوّة وخاصية يظهر بها منه أثر مخصوص، والإنسان لا ينفك في أكثر أحواله عن حصول حالة مكروهة له، إما في بدنه أو في قلبه، فلعل به سقما كالحمى الثابتة، أو أراد سيسقم لأمارة نجومية، أو أراد به الموت الذي يلحقه لا محالة ولاداء أعي منه. الثاني: أن المراد بالنجوم ما جاء في قوله فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً إلى آخر الآية. أي نظر فيها ليعرف أحوالها وأنها قديمة أو محدثة. وقوله إِنِّي سَقِيمٌ أي سقيم القلب غير عارف بربي وكان ذلك قبل البلوغ، أو سقيم النفس لكفركم. الثالث: إن النجوم النبات أي فنظر فيها متحريا منها ما فيه شفاء لسقمهم وهمهم أن به ذلك وكان به. وقال الأزهري عن أحمد بن يحيى: النجوم جمع نجم وهو كل ما تفرق ومنه نجوم الكتابة أي نظر في متفرقات
стр. 3073
كلامهم وأحوالهم حتى يستخرج منه حيلة فلم يجد عذرا أحسن من قوله إِنِّي سَقِيمٌ قال المفسرون: كان الطاعون أغلب الأسقام عليهم فظنوا أن به ذلك فتركوه في بيت الأصنام مخافة العدوى وهربوا إلى عيدهم وذلك قوله سبحانه فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ ذهب إليها في خفية حتى لا يرى فكأنه رجع إليها مراوغا قومه من روغان الثعلب. وقيل:
راغ بقوله إِنِّي سَقِيمٌ حتى خلا بها وسماها آلهة على زعمهم. وقوله أَلا تَأْكُلُونَ ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ استهزاء بها وكان عندها طعام زعموا أنها تأكل منه. وقيل: وضع الطعام ليبارك فيه.
وروى أن سدنتها كانوا يأكلون ما يوضع عندها من الطعام وينطقون عند الضعفة عن لسانها يوهمون أنها تأكل وتنطق.
وإنما جاء في هذه السورة فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ بالفاء وفي «الذاريات» قالَ أَلا تَأْكُلُونَ بغير الفاء لأنه قصد من أول الأمر تقريع من زعم أنها تأكل وتشرب، وفي «الذاريات» يستأنف تقديره: قربه إليهم فلم يأكلوها فلما رآهم لا يأكلون فقال ألا تأكلون.
فَراغَ عَلَيْهِمْ عداه بعلى لأن الميل الأول كان على سبيل الرفق استهزاء، وهذا كان بطريق العنف والقهر وهذا كمال يقال في المحبوب: مال إليه. وفي المكروه: مال عليه. وقوله ضَرْباً مصدر راغ من غير لفظه أو لفعل محذوف أو حال أي يضرب ضربا أو ضاربا.
ومعنى بِالْيَمِينِ أي باليد اليمنى لأنها أقوى على الأعمال أو بالقوّة مجازا، أو بسبب الحلف وهو قوله تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ أي إلى إبراهيم يَزِفُّونَ يمشون على سرعة. وزفيف النعامة ابتداء عدوها. ومن قرأ بضم الياء فإما لازم من أزف إذا صار إلى حال الزفيف، أو متعد والمفعول محذوف أي يزفون دوابهم أو بعضهم بعضا وقد مر نظيره في التوبة في قوله وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ [التوبة: ٤٧] قال بعض الطاعنين، قوله فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ دل على أنهم عرفوا كاسر أصنامهم. وقوله في «الأنبياء» أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ [الآية: ٦٢] دل على أنهم لم يعرفوا الكاسر فبينهما تناقض. وأجيب بأن هؤلاء غير أولئك فالذين عرفوه ذهبوا إليه مسرعين، والذين لم يعرفوه بعد استخبروا عنه.
على أن قوله فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ لا دلالة له على أنهم عرفوا أن الكاسر هو إبراهيم فلعلهم أقبلوا إليه لأجل السؤال عن الكاسر. وحين عاتبوه على فعله أراد أن يبين لهم فساد طريقتهم ف قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وذلك أن الناحت لم يحدث فيه إلا صورة معينة فيكون معناه أن الشيء الذي لم يكن معبودا لي صار بسبب تصرفي فيه معبودا لي وفساد هذا معلوم بالبديهة، احتج جمهور الأشاعرة بقوله وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ على أن العبد ليس خالق أعماله لأن المعنى خلقكم وأعمالكم. وزيف بأن «ما» موصولة لتناسب قرينتها في قوله ما
стр. 3074
تَنْحِتُونَ
وليتوجه التوبيخ ولكيلا يلزم التناقض فإن النحت عملهم. والصحيح أن الآية كقوله بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ [الأنبياء: ٥٦] أي فطر الأصنام.
ثم إن إبراهيم لما ألقمهم الحجر بهذا القول وألزمهم عدلوا إلى طريقة الإيذاء وقالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً قال ابن عباس: بنوا حائطا من حجارة طوله في السماء ثلاثون ذراعا وعرضه عشرون. وتقدير الآية: ابنوا له بنيانا واملؤه نارا وألقوه فيها. والجحيم النار العظيمة. ومعنى الفاء في قوله فَأَرادُوا كقوله أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا [الأعراف: ٤] كأنه قيل: فبنوا البنيان وملؤه نارا وألقوه فيها فنجيناه منها. وقد صح أنهم أرادوا به كيدا فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ الأذلين وأما في الأنبياء فلم يقصد هذا الترتيب فاقتصر على الواو العاطفة. وإنما اختصت هذه السورة بقوله الْأَسْفَلِينَ لأنه ذكر أنهم بنوا بنيانا عاليا فكان ذكر السفل في طباقه أنسب. ثم ذكر بقية قصة إبراهيم وقوله إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي كقوله في «العنكبوت» إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي [الآية: ٢٦] وإنما حكم بقوله سَيَهْدِينِ ربي إلى ما فيه صلاحي في الدارين اعتمادا على فضل الله أو عرف ذلك بالوحي. وحين هاجر إلى الأرض المقدسة أراد الولد فقال رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ والله تعالى بين استجابته بقوله فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ وصف الغلام بالعلم في سورة الحجر وبالحلم هاهنا. فذهب العلماء إلى أنه أراد بغلام عليم في صغره حليم في كبره، فإن الصبي لا يوصف بالحلم ومن هنا انطوت البشارة على معان ثلاثة: أحدها أن الولد ذكر، والثاني أنه يبلغ أوان الحلم، والثالث أنه يكون حليما، وأيّ حلم أعظم من استمساكه حين عرض أبوه عليه الذبح فقال سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ وفيه أن ولده قائم مقامه في الشرف والفضيلة فوصفه بالحلم كما وصف به إبراهيم في قوله إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ [هود: ٧٥] . وقيل: العليم إسحق لقوله فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ [الذاريات: ٢٩] والحليم إسماعيل. ثم حكى حديث ذبحه قائلا فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ أي قوي على أن يمشي مع أبيه في حوائجه. والظرف بيان كأنه قال أوّلا فلما بلغ السعي فقيل: مع من؟ فأجيب مع أبيه. ولا يجوز تعلقه بالسعي لأن صلة المصدر لا تتقدّم عليه ولا بقوله بَلَغَ لأنهما لم يبلغا معا حد السعي- والمعنى في اختصاص الأب إخراج الكلام مخرج الأغلب. وقال جار الله: السبب فيه أن الأب أرفق الناس به وأعطفهم عليه وغيره ربما عنف به في الاستسعاء فلا يحتمله لأنه لم تستحكم قوته. يروى أنه كان يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة وقيل أراد السعي في المنافع وفي طاعة الله.
اعلم أن الناس اختلفوا في الذبيح، فعن أبي بكر الصديق وابن عباس وابن عمر ومحمد بن كعب وسعيد بن المسيب وعكرمة ومجاهد والضحاك أنه إسماعيل
لقوله ﷺ «أنا
стр. 3075
ابن الذبيحين»
فأحدهما جده إسماعيل والآخر أبوه عبد الله. وذلك أن عبد المطلب نذر إن بلغ بنوه عشرة أن يذبح واحدا منهم تقربا، فلما كملوا عشرة أتى بهم البيت وضرب عليهم بالقداح فخرج قدح عبد الله فمنعه أخواله ففداه بعشرة من الإبل، ثم ضرب عليه وعلى الإبل فخرج قدحه ففداه بعشرة أخرى، وضرب مرة أخرى فخرج قدحه وهكذا يزيد عشرة عشرة إلى أن تمت مائة فخرج القدح على الجزر فنحرها وسن الدية مائة.
وفي رواية أن أعرابيا قال للنبي ﷺ «يا ابن الذبيحين» . فتبسم فسأل عن ذلك فقال: إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر لله لئن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد ولده. فخرج السهم على عبد الله فمنعوه ففداه بمائة من الإبل.
حجة أخرى: نقل عن الأصمعي أنه قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال: يا أصمعي أين عقلك؟ ومتى كان إسحق بمكة وإنما كان إسماعيل وهو الذي بنى البيت مع أبيه وسن النحر بمكة. وحجة أخرى: وصف إسماعيل بالصبر في قوله وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ [الأنبياء: ٨٥] وهو صبره على الذبح في قوله سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ووصفه بصدق الوعد إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ [مريم: ٥٤] وذلك أنه وعد أباه الصبر على قضاء الله أو على الذبح فوفى به. أخرى: وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ [مريم: ٥٤] فيمن قرأ بالنصب لأنه إذا بشر بالولد من صلبه علم أنه لم يؤمر بذبحه. أخرى: أجمعوا على أن إسماعيل مقدم في الوجود على إسحق فهو المراد بقوله رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ثم إنه ذكر عقيبة قصة الذبح. وأيضا قوله وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ يجب أن يكون غير قوله فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ وإلا لزم التكرار. حجة أخرى:
ان قرني الكبش كانا ميراثا لولد إسماعيل عن أبيهم وكانا معلقين بالكعبة إلى أن احترق البيت في أيام ابن الزبير والحجاج. وعن علي وابن مسعود وكعب الأحبار وإليه ذهب أهل الكتاب أن الذبيح إسحق لما
روي أن النبي ﷺ سئل أي النسب أشرف؟ فقال: يوسف صديق الله ابن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله.
وأجابوا عن قوله: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ أنه بشر بغلام أوّلا ثم بنبوته ثانيا. وأيضا صرح بالمبشر به في قوله فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ [هود: ٧١] وفي قوله وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ فيحمل عليه المبهم في قوله فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ وأيضا لا نسلم أن البشارة بيعقوب كانت متصلة ببشارة إسحق اعتبارا بقراءة من قرأ يعقوب [هود: ١٧] بالرفع. وأيضا أنهم أجمعوا على أن المراد من قوله إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي هو مهاجرته إلى الشام ثم قال فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ فوجب أن يكون الغلام الحليم قد حصل له في الشام وذلك الغلام لم يكن إلا إسحق، لأن إسماعيل قد نشأ بمكة. وكان الزجاج يقول: الله أعلم أيهما الذبيح. ويتفرع على اختلاف المفسرين في الذبيح اختلافهم في موضع الذبح، فالذين قالوا إن الذبيح إسماعيل ذهبوا إلى أن الذبح كان
стр. 3076
بمنى وهذا أقوى، والذين قالوا إنه إسحق قالوا إن الذبح كان بالشام وخصه بعضهم يبيت المقدس. إذا عرفت هذا الاختلاف فقوله يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ إنما قال بلفظ المستقبل لأنه كان يرى في منامه ثلاث ليال أو لأن رؤيا الأنبياء وحي ثان فذكر تأويل الرؤيا كما يقول الممتحن وقد رأى أنه راكب سفينة: رأيت في المنام أني ناج من هذه المحنة فكأنه قال: إني أرى في المنام ما يوجب أني أذبحك. ويحتمل أن يكون حكاية ما رآه. قال بعض المفسرين: رأى ليلة التروية كأن قائلا يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا فأصبح يروّي في ذلك أمن الله أو من الشيطان فسمي يوم التروية. فلما أمسى رأى مثل ذلك فعرف أنه من الله فسمي عرفة، ثم رأى مثله في الثالثة فهمّ بنحره فسمي يوم النحر. وقال بعضهم: حين بشره الملائكة بغلام حليم قال هو إذن ذبيح الله، فلما ولد وبلغ حد السعي مع أبيه قيل له:
أوف بنذرك فانظر ماذا ترى هو من الرأي. ومن قرأه من الإراءة فالمعنى ماذا تبصر من رأيك وتدبيرك. وإنما شاوره في حتم من الله ليثبته إن جزع ويفرح بصبره إن ثبت ولئلا يقع الذبح معافصة من غير إعلام به وبسببه، وليكون سنة في المشاورة فقد قيل: لو شاور آدم الملائكة في الأكل من الشجرة لما فرط منه ذلك قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ أي به فحذف الجار كقوله: أمرتك الخير. أي أمرتك بالخير أو أمرك على تسمية المأمور به بالمصدر ثم إضافته إلى المفعول: فَلَمَّا أَسْلَما أي انقادا وخضعا لأمر الله. قال قتادة: أسلم هذا ابنه وهذا نفسه. وَتَلَّهُ أي صرعه. واللام في لِلْجَبِينِ كهي في قوله وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ [الإسراء: ١٠٩] والجبين أحد جانبي الجبهة. وقيل: كبه لوجهه لأن الولد قال له اذبحني وأنا ساجد.
يروى أنه حين أراد ذبحه قال: يا بنيّ خذ الحبل والمدية ننطلق إلى الشعب ونحتطب، فلما توسطا الشعب أخبره بما أمر فقال له: اشدد به رباطي لئلا أضطرب واكفف عني ثيابك لا ينتضح عليها شيء من دمي فينقص أجري وتراه أمي فتحزن، واشحذ شفرتك وأسرع إمرارها على حلقي ليكون أهون فإن الموت شديد، واقرأ على أمي سلامي، وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون أسهل. فقال إبراهيم: نعم العون أنت يا بنيّ على أمر الله. ثم أقبل عليه يقبله وقد ربطه وهما يبكيان فقال له: كبني على وجهي ولا تنظر إليّ حتى لا تدركك رقة تحول بينك وبين أمر الله.
قال جار الله: تقدير الكلام فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا كان ما كان مما ينطق به العيان ولا يحيط به البيان من استئثارهما بما أنعم الله عليهما من دفع البلاء وبما اكتسبا في تضاعيف ذلك من الثواب والثناء، وقد أشير إلى جميع ذلك بقوله إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هذا الأمر الذي قد وقع لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ الذي يتميز فيه المخلص عن المدعى والمكروه الذي لا أصعب على النفس منه.
يروى أنه لما وصل موضع السجود منه
стр. 3077
الأرض جاء الفرج.
وقيل: إنه وضع السكين على قفاه فانقلب السكين ونودي يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا. فنظر فإذا جبرائيل ﵇ معه كبش أقرن أملح فكبر جبرائيل والكبش وإبراهيم وابنه وأتى المنحر من منى فذبحه
وذلك قوله سبحانه وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ والفداء جعل الشيء مكان غيره لدفع الضرر عنه. والذبح اسم لما يذبح كالطحن لما يطحن. وقوله عَظِيمٍ أي سمين ضخم الجثة بالقياس إلى أمثاله وهي السنة في الأضاحي.
قال ﷺ «استشرفوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم» .
والاستشراف جعلها شريفة وكريمة. وعن سعيد بن جبير: حق له أن يكون عظيما وقد رعى في الجنة أربعين خريفا. وفي قول ابن عباس: إنه الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه وكان يرعى في الجنة إلى أن فدى به إسماعيل. وقيل: سمي عظيما لعظم قدره حيث قبله الله تعالى فداء عن ولد خليله. وقيل: وصفه بالعظم لبقاء أثره إلى يوم القيامة فإنه ما من سنة إلا ويذبح بسبب ذلك من الأنعام ما لا يحصيه إلا الله. وعن الحسن. أنه وعل أهبط عليه من ثبير. وقال السدّي:
نودي إبراهيم فالتفت فإذا هو بكبش أملح ينحط من الجبل فقام عند إبراهيم ﵇ فذبحه وخلى ابنه.
استدل بعض الأصوليين من أهل السنة بالآية على جواز نسخ الحكم قبل حضور وقته. وقالت المعتزلة. وكثير من فقهاء الشافعية والحنفية بعدم الجواز لاستلزامه البداء أو الجهل، وزعموا أنه تعالى أمر إبراهيم في المنام بمقدمات الذبح كاضجاع ابنه ووضع السكين على حلقه، والعزم الصحيح على الإتيان بذلك الفعل أوان ورود الأمر. سلمنا أنه أمر بنفس الذبح لكن لم يجوز أنه قطع الحلقوم إلا أنه كان يلتئم جزءا فجزءا فلهذا قيل له قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا. والفداء فضل من الله في حقه وتعظيم له بدلا من عدم وقوع الذبح في الظاهر ولهذا قال وَفَدَيْناهُ. بإسناد الفداء إلى ذاته تعالى. والحق أن نسخ الحكم قبل وقته لا يدل على البداء والعبث كما أنه بعد الوقت لا يدل على ذلك فقد يكون غرض الآمر أن يعلم أن المأمور هل يعزم على الفعل ويوطن نفسه على الانقياد والطاعة أم لا. وتصديق الرؤيا يكفي فيه الإتيان بمثل هيئة الذبح، فمن الرؤيا ما يكون تأويلها بالشبيه كرؤيا يوسف، والفداء زيادة تشريف وتكريم ووضع سنة مؤكدة.
وروي أن الكبش هرب من إبراهيم عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى أخذه فبقيت سنة في الرمي.
وروي أنه لما ذبحه قال جبرائيل: الله أكبر الله أكبر. فقال الولد الذبيح: لا إله إلا الله والله أكبر. فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد. فبقي سنة.
قوله وَتَرَكْنا إلى قوله الْمُؤْمِنِينَ قد مر نظيره في قصة نوح إلا أنه لم يقل هاهنا فِي الْعالَمِينَ اكتفاء بما علم في قصة نوح. ولم يقل هاهنا إِنَّا
стр. 3078
كَذلِكَ
بل اقتصر على كَذلِكَ لأنه سبق ذكر التأكيد في هذه القصة فلم يحتج إلى إعادته على أنه قد بقي من القصة شيء فناسب الاختصار في الاعتراض. قوله وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ من جعل الذبيح إسماعيل قال: وبشرناه بإسحاق بعد إسماعيل. ومن جعل الذبيح إسحق قال بشر بنبوّته وقد كان بشر بمولده. قوله نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ كل منهما حال مقدرة من الفاعل أي بشرناه به مقدرا وعالما وحاكما بأنه نبي صالح. وقد أطنب صاحب الكشاف في هذا المقام حيث بنى الكلام على أنه حال مقدرة من إسحق. وهو عندي تطويل بلا طائل فليتأمل. وَبارَكْنا عَلَيْهِ قيل: أي على الغلام المبشر به. وقيل: على إبراهيم: وَعَلى إِسْحاقَ أي أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا. ومن جملة ذلك ما
روي أنه أخرج من صلب إسحق ألف نبي أوّلهم يعقوب وآخرهم عيسى
وهم المشار إليهم بقوله وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ ويعلم من قوله وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ أن البر قد يلد الفاجر ولا عار على الأب، وأن الشرف بالحسب لا بالنسب. وأما قصة موسى فلا خفاء بها. والكرب العظيم تسلط فرعون وجفاؤه على قومه. وقيل: الغرق. والضمير في نَصَرْناهُمْ لهما ولقومهما. والمستبين البليغ في بيانه وهو التوراة بان وأبان واستبان بمعنى إلا أن الثالث أبلغ. والصراط المستقيم دين الله الذي اشترك في أصوله جميع الرسل. وأما إلياس فالجمهور على أنه نبي من بني إسرائيل بعث بعد موسى وكان من ولد هارون. وقيل:
هو إدريس النبي وقد مر ذكره في سورة مريم. و «إذا» ظرف ٣ لمحذوف أي اذكر يا محمد لقومك إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ الله. قال الكلبي: أي ألا تخافون عبادة غير الله. وحين خوّفهم مجملا ذكر سببه فقال أَتَدْعُونَ أي أتعبدون بَعْلًا وهو اسم صنم من ذهب كان ببعلبك من بلاد الشام طوله عشرون ذراعا وله أربعة أوجه فتنوا به وعظموه حتى أخدموه أربعمائة سادن وجعلوهم أنبياءه، فكان الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس. قال الإمام فخر الدين الرازي ﵁:
لو جوّزنا دخول الشيطان في جوف الصنم وتكلمه فيه لكان قادحا في كثير من المعجزات كحنين الجذع وكلام الجمل. قلت: هذا الوهم زائل بعد ثبوت النبوّة بمعجزات أخر.
وقيل: البعل الرب بلغة اليمن. والمعنى أتعبدون بعض البعول وتتركون عبادة أحسن الخالقين. ثم بين جزاء تكذيبهم أنهم محضرون في العذاب غدا. وباقي القصة ظاهر إلا قوله إلياسين فمن قرأ بالإضافة فعلى أن إدريس بن ياسين أي سلام على أهل ياسين. وقيل:
آل ياسين آل محمد ﷺ . وقيل: يس اسم القرآن فكأنه قيل: سلام على من آمن بكتاب الله.
والوجه الأوّل هو أنسب الأقوال. ومن قرأ على صورة الجمع فقد قال الفراء: أراد به إلياس
стр. 3079
وأتباعه من المؤمنين كقولهم المهلبون والأشعرون بتخفيف ياء النسبة. وقيل: إنه لغة في إلياس. قال الزجاج: يقال ميكائيل وميكائين فكذا هاهنا. حكى الثعلبي وغيره أن إلياس نبي من سبط هارون بعثه الله إلى بني إسرائيل وكان فيهم ملك يقال له «أحب» وله امرأة يقال لها «إزبيل» وكانت تبرز للناس كما يبرز زوجها وتجلس للحكم كما يجلس، فأتاهما إلياس ودعاهما إلى الله تعالى فأبيا عليه وهما بقتله فاختفى منهما سبع سنين، وكان اليسع خليفته وآل أمره إلى أن أوحي إليه أن اخرج إلى موضع كذا فما جاءك فاركبه ولا تخف. فجاء فرس من نار فوثب عليه وناداه خليفته اليسع بن أخطوب ما تأمرني؟ فرمى إلياس إليه بكسائه من الجوّ وكان ذلك عليه علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل. ورفع الله إلياس من بين أظهرهم وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وكساه الريش فكان إنسيا ملكيا أرضيا سماويا.
وقيل: إلياس موكل بالفيافي كما وكل الخضر بالبحار، وهما آخر من يموت من بني آدم.
وكان الحسن يقول: قد هلك إلياس والخضر ولا نقول كما يقول الناس. وقصة لوط مذكورة مرارا. ومعنى مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ
أن مشركي العرب كانوا مسافرين إلى الشام فلعل أكثر مرورهم بتلك الديار كان في هذين الوقتين لأمر عارض كحر أو غيره. وقصة يونس أيضا مما سبق ذكرها، وفيها مزيد تسلية وتثبيت للنبي ﷺ . قال بعضهم: إنه أرسله ملك زمانه إلى أولئك القوم ليدعوهم إلى الله تعالى. فالإباق وهو هرب العبد من سيده لا يوجب العصيان، والأظهر أن قوله وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
مذكور في معرض التعظيم على قياس أوائل سائر القصص، ولن يفيد هذه الفائدة إلا إذا كان الإرسال من الله تعالى. وأما الجواب عن إباقه فقد مر في قوله وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً [الأنبياء: ٨٧] قوله الْمَشْحُونِ
كالعلة لقوله فَساهَمَ
والمساهمة المقارعة. يقال: أسهم القوم إذا اقترعوا.
قال المبرد: هي من السهام التي تجال للقرعة، والمدحض المغلوب في الحجة وغيرها وحقيقته الذي أزلق عن مقام الظفر والغلبة. يروى أنه حين غضب على قومه خرج من بينهم حتى أتى بحر الروم ووجد سفينة مشحونة فحملوه فيها، فلما وصلت إلى لجة البحر أشرفت على الغرق فقال الملاحون: إن فيكم عاصيا وإلا لم يحصل في السفينة ما نراه من غير ريح ولا سبب ظاهر. وقد يزعم أهل البحر أن السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري فاقترعوا فخرج من بينهم يونس. فقال التجار: نحن أولى بالمعصية من نبي الله. ثم عادوا ثانيا وثالثا فخرج سهمه فقال: يا هؤلاء أنا العاصي ورمى بنفسه إلى الماء. فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ أي ابتلعه كاللقمة وَهُوَ مُلِيمٌ داخل في الملامة ومنه المثل: رب لائم مليم. أي يلوم غيره وهو أحق منه باللوم فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ قيل: أي من المصلين. قيل: أي من المصلين.
عن قتادة: كان كثير الصلاة في الرخاء. وقيل: من الذاكرين الله كثيرا بالتسبيح والتقديس
стр. 3080
كما قيل: اذكر الله في الخلوات يذكرك في الفلوات. والأظهر أن المراد منه ما حكى الله تعالى في آية أخرى أنه كان يقول في تلك الظلمات لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء: ٨٧] .
والضمير في يُبْعَثُونَ للخلائق بالقرينة وقوله لَلَبِثَ فيه أقوال: أحدها: يبقى هو والحوت إلى يوم البعث. والثاني يموت الحوت ويبقى هو في بطنه. والثالث يموتان ثم يحشر يونس من بطنه. واختلفوا في مدّة لبثه في بطن الحوت، فعن الحسن أنه لم يلبث إلا قليلا. وقيل: ثلاثة أيام. وعن عطاء: سبعة. وعن الضحاك: عشرون. وقال الكلبي:
أربعون.
روي أن الحوت سار مع السفينة رافعا رأسه يتنفس فيه يونس ويسبح ولم يفارقهم حتى انتهوا إلى البر فلفظه بالعراء وهو المكان الخالي لا شجر فيه ولا شيء يغطيه.
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال «سبح يونس في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا ربنا إنا لنسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة. فقال: نعم ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر فقالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح. قال: نعم فشفعوا له فأمر الحوت فقذفه في الساحل»
وحكي في بعض التفاسير وإن لم يطابقه رأي أصحاب المسالك كل المطابقة أن الحوت أخرجه إلى نيل مصر ثم إلى بحر فارس ثم إلى البطائح ثم دجلة فلفظه بأرض نصيبين لم تنله آفة إلا أن بدنه عاد كبدن الصبي حين يولد، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين وذلك كالمعجزة له. قال المبرد والزجاج: هو «يفعيل» من قطن بالمكان إذا أقام به فيشمل كل شجرة لا تقوم على ساق كالدباء والبطيخ إلا أن المفسرين خصصوه بالدباء قالوا: لأن الذباب لا يجتمع عنده
وقيل لرسول الله ﷺ : إنك لتحب القرع. قال: أجل هي شجرة أخي يونس.
قال الواحدي: في الآية دلالة أوّلا على أن اليقطين لم يكن من قبل فأنبته الله لأجله. والآخر أن اليقطين كان قائما بحيث يحصل له ظل. قلت: الثاني مسلم إلا أن الأول ممنوع إن أراد به النوع وإن أراد به الشخص فمسلم.
وقيل: هي التين. وقيل: هي شجرة الموز تغطى بورقها واستظل بأغصانها واغتذى من ثمارها.
وروي أنه كان يستظل بالشجرة وكانت وعلة تأتيه فيشرب من لبنها.
وروي أنه مر زمان على الشجرة فيبست فبكى جزعا فأوحى إليه: بكيت على شجرة ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون فرجع إلى قومه.
وقد سبق في سورة يونس باقي التفسير و «أو» في قوله أَوْ يَزِيدُونَ ليست للشك وإنما المراد وصفهم بالكثرة في مرأى الناظر أي إذا رآها الرائي قال هي مائة ألف أو أكثر. ومن هذا التأويل يتضح وجه العطف من حيث المعنى كأنه قيل:
وأرسلناه إلى جم غفير مقول فيهم إنهم مائة ألف أو يزيدون. وقيل: التقدير وأرسلناه إلى
стр. 3081
مائة ألف وأرسلناه إلى قوم يزيدون في الإيهام. وكم الزائد؟ قيل: ثلاثون ألفا. عن ابن عباس. وقيل: بضعة وثلاثون. وقيل: بضعة وأربعون. وقيل: سبعون. وجاء مرفوعا عشرون ألفا. ويحتمل أن يراد أو يزيدون في مرور الزمان لأنه يبقى فيهم مدة كما قال فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ هو انقضاء آجالهم. وقيل: القيامة وقد مر. ثم عطف قوله فَاسْتَفْتِهِمْ على مثله في أول السورة. والوجه فيه أنه أمر رسوله باستفتاء قريش عن سبب إنكار البعث، ثم ساق الكلام متصلا بعضه ببعض على ما عرفت في أثناء التفسير، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى حين أضافوا البنات إلى الله تعالى قائلين الملائكة بنات الله مع كراهتهم التامة لهن ورغبتهم الوافرة في البنين. وحين استفتاهم على سبيل التوبيخ شرع في تزييف معتقدهم بقسمة عقلية وذلك أن سند الدعوى إما أن يكون حسا أو خبرا أو نظرا. أما الحس فمفقود لأنهم ما شاهدوا كيفية تخليق الله الملائكة وهو المراد من قوله أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ وأما الخبر فكذلك لأن الخبر إنما يفيد العلم إذا علم أنه صدق قطعا وهؤلاء كذابون أفاكون وأشار إليه بقوله أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ وأما النظر فمفقود أيضا وبيانه من وجهين: الأول أن دليل العقل يقتضي فساده لأنه تعالى أكمل الموجودات والأكمل لا يليق به اصطفاء الأخس لأجل نفسه وذلك قوله أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ من قرأ أصطفى بفتح الهمزة فلأنه استفهام بطريق الإنكار وقد حذفت همزة الوصل للتخفيف، ومن قرأ بكسرها على الإخبار جعله من جملة كلام الكفرة. الثاني: عدم الدليل على صحة مذهبهم وهو قوله أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ نظيره ما مر في قوله أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ [الروم: ٣٥] وقوله وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً للمفسرين فيه قولان: أحدهما أنهم الطائفة الأولى والمعنى أنهم جعلوا بين الله وبين الملائكة نسبة بسبب قولهم إنهم بناته فإن الولادة تقتضي الجنسية والمناسبة، وفيه توبيخ لهم على أن من صفته الاجتنان والاستتار كيف يصلح أن يكون مناسبا لا يجوز عليه صفات الإجرام، وعلى هذا فالضمير في قوله إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ للكفرة. والمعنى أنهم يقولون ما يقولون في الملائكة وقد علمت الملائكة أنهم في ذلك كاذبون وأنهم محضرون النار معذبون بما يقولون. وثانيهما أنهم طائفة من الزنادقة قائلون بيزدان وأهرمن كما مر في «الأنعام» في قوله وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ [الآية: ١٠٠] وعلى هذا فالضمير إما للكفار كما مر، وإما للشياطين. روى عكرمة أنهم قالوا: سروات الجن بنات الرحمن. وقال الكلبي: زعموا أن الله سبحانه تزوّج إلى الجن فخرج منها الملائكة. والتاء في الجنة للتأنيث كحق وحقة.
стр. 3082
قال جار الله: الاستثناء في قوله إِلَّا عِبادَ اللَّهِ منقطع معناه إنهم لمحضرون ولكن المخلصين ناجون وما بينهما اعتراض دال على التنزيه. وجوّز أن يكون الاستثناء من الضمير في يَصِفُونَ أي يصفه هؤلاء بذلك، ولكن أهل الإخلاص مبرؤن من وصفه بما لا ينبغي.
وحين بين المذاهب الفاسدة بقضها بيّن أن أهل الشرك ومعبوديهم ليس لهم أن يفتنوا على الله أي يحملوا غيرهم على سلوك سبيل الفتنة والضلال إلا من سبق في علم الله بأنه من أهل النار. وقالت المعتزلة: إلا من سبق في علمه أنهم بسوء أعمالهم يستوجبون أن يصلوها.
وجوز جار الله أن تكون الواو في وَما تَعْبُدُونَ بمعنى «مع» وجاز السكوت على تَعْبُدُونَ كما في قولهم «كل رجل وضيعته» . ثم قال ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي على ما تعبدون بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ مثلكم. وقال: والوجه في نظم هذه الآيات أن يكون قوله سُبْحانَ اللَّهِ إلى قوله الْمُسَبِّحُونَ من كلام الملائكة والمعنى: ولقد علمت الملائكة وشهدوا أن المشركين مفترون عليهم في مناسبة رب العزة وقالوا: سبحان الله، فنزهوه عن ذلك واستثنوا عباده المخلصين. وقالوا للكفرة: فإذا صح ذلك فإنكم وآلهتكم لا تقدرون أن تفتنوا على الله أحدا من خلقه إلا من كان مثلكم ممن علم الله لكفرهم أنهم أهل النار. وكيف نكون مناسبين لرب العزة وما نحن إلا عبيد أذلاء بين يديه لكل منا مقام من الطاعة لا يستطيع أن يتجاوزه ونحن الصافون كما مر في أول السورة ونحن المسبحون وقال في التفسير الكبير: هاتان الجملتان تدلان على الحصر، وفيه إشارة إلى أن طاعة البشر كالعدم بالنسبة إلى طاعة الملك فكيف يجوز أن يقال: البشر تقرب درجتهم من درجة الملك فضلا عن دعوى الأفضلية؟ قلت: لا شك أن هذا التركيب يفيد الحصر إلا أنه لم يفرق بين قصر الأول على الثاني كما في الآية وبين عكسه، والذي يفيد مدعاه هو العكس لا الأصل فافهم. وقيل: هذه الآيات من قول رسول الله ﷺ أي وما من المسلمين أحد إلا له مقام معلوم يوم القيامة على قدر عمله. ثم ذكر أعمالهم وأنهم الذين يصطفون في الصلاة ويسبحون الله وينزهونه. ثم حكى أن مشركي قريش كانُوا لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً أي كتابا من جملة كتب الأوّلين أي نظيرها في بيان الشرائع والتكاليف لأخلصنا العبادة لله. وإن مخففة واللام فارقة فَكَفَرُوا بِهِ الفاء للربط أي فجاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار فكفروا به فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وخامة عاقبة التكذيب. وقيل: أرادوا لو علمنا حال آبائنا وما آل إليه أمرهم وكان ذلك كما يقول محمد ﷺ لآمنا به وأخلصنا لكنا على شك من حديثه. ثم بين أن رسل الله وجنده منصورون غالبون عاجلا وآجلا، والأول أكثريّ والثاني تحقيق يقيني. ثم أمر نبيه بالصفح والإغماض إلى أوان النصرة والغلبة قائلا فَتَوَلَّ عَنْهُمْ أي أعرض عن أذاهم إلى حين الأمر بالقتال أو إلى يوم بدر. عن السدي: أو إلى الموت والقيامة.
стр. 3083
وَأَبْصِرْهُمْ وما يقضى عليهم من الأسر والقتل في الدنيا والعذاب في الآخرة فسوف يبصرونك وما يؤل إليه أمرك من النصر والثواب في الدارين. وفي هذا الأمر تنفيس عن النبي ﷺ وتسلية له كأن الحالة الموعودة قدام عينيه قربا وتحققا. وفَسَوْفَ في الموضعين للوعيد لا للتبعيد وكأنهم فهموا التسويف فاستعجلوا العذاب فوبخوا عليه. وكان من عادة العرب أن يغيروا صباحا فسميت الغارة صباحا وإن وقعت في وقت آخر، وشبه نزول العذاب بساحتهم بعد ما أنذروه بجيش أنذر بعض النصحاء بهجومه قومه فلم يلتفتوا إلى إنذاره ولا أخذوا أهبتهم حتى أناخ بفنائهم بغتة فشنّ الغارة عليهم. قيل: نزلت في فتح مكة.
وعن أنس: لما أتى رسول الله ﷺ خيبر وكانوا خارجين إلى مزارعهم ومعهم المساحي قالوا: محمد والخميس. ورجعوا إلى حصنهم فقال ﷺ : الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين
أي صباحهم، فحذف المخصوص بالذم. واللام في الْمُنْذَرِينَ للجنس. وإنما ثنى وتول عنهم ليكون تسلية على تسلية. والأول لعذاب الدنيا والثاني للآخرة، وأطلق الفعل الثاني أيضا اكتفاء بالأول وليفيد فائدة زائدة وهي أنه يبصر وهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من صنوف المسرة وفنون المساءة. واعلم أن السورة اشتملت على ما قاله المشركون في الله وعلى ما عانى المرسلون من جهتهم وعلى ما يؤل إليه عاقبة الرسل وحزب الله من موجبات الحمد فلا جرم ختمها بكلمات جامعة لتلك المعاني. ومعنى رَبِّ الْعِزَّةِ كقوله قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ [آل عمران: ٢٦] والمراد ذي العزة لأنها صفته لا مربوبه. عن ابن عباس أنه سمع رجلا يقول: اللهم رب القرآن فأنكر عليه وقال: القرآن ليس بمربوب ولكن كلام الله. والظاهر أن قوله عَمَّا يَصِفُونَ يتعلق ب سُبْحانَ كما في قوله سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ وقل: متعلق بالعزة أي امتنع عما يصفونه به وقد مر شيء من تحقيق هذه الحالة في آخر سورة يس. قال بعضهم: إنما لم يقل في آخر قصتي لوط ويونس سلام عليهما اكتفاء بقوله في الخاتمة وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ
عن علي ﵁: من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلس سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ إلى آخر السورة.
القراآت:
أو نزل بالواو مثل أأنبئكم [الآية: ١٥] في آل عمران عذابي وعقابي بالياء في الحالين: يعقوب والسرندي عن قنبل وافق سهل وعباس في الوصل الْأَيْكَةِ مذكور في «الشعراء» مِنْ فَواقٍ بضم الفاء: حمزة وعلي وخلف. الباقون:
بالفتح وَلِيَ نَعْجَةٌ بفتح الياء: حفص والأعشى والبرجمي فَتَنَّاهُ بتخفيف النون على أنه مثنى والضمير للخصمين: عباس لتدبروا بحذف إحدى التاءين على أنه خطاب: يزيد والأعشى والبرجمي. الباقون: على الغيبة وإدغام تاء التفعل في الدال إِنِّي أَحْبَبْتُ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو من بعدي بالفتح أبو جعفر ونافع وأبو عمرو والرياح مجموعة: يزيد.
الوقوف:
ذِي الذِّكْرِ ط وَشِقاقٍ هـ مَناصٍ هـ مِنْهُمْ ز لتصريح ذكر الكافرين مع إمكان الاكتفاء بالضمير وقد اتفقت الجملتان كَذَّابٌ ج للاستفهام واتحاد العامل واحِداً ج لمثل ما مر عُجابٌ هـ آلِهَتِكُمْ ج لما مر يُرادُ ج هـ لذلك الْآخِرَةِ ج لذلك اخْتِلاقٌ هـ ج لما قلنا مِنْ بَيْنِنا ط مِنْ ذِكْرِي هـ لعطف الجملتين المختلفتين والابتداء بالتهديد عَذابِ هـ لأن «أم» بمعنى ألف استفهام إنكار الْوَهَّابِ هـ ج لأن «أم» تصلح ابتداء إنكار الْأَسْبابِ هـ الْأَحْزابِ هـ الْأَوْتادِ هـ لا الْأَيْكَةِ ط الْأَحْزابُ هـ عِقابِ هـ فَواقٍ هـ الْحِسابِ هـ الْأَيْدِ ج للابتداء بان ولاحتمال التعليل أَوَّابٌ هـ وَالْإِشْراقِ هـ أَوَّابٌ هـ الْخِطابِ هـ الْخَصْمِ م لأن «إذ» ليس بظرف للإتيان ولتناهي الاستفهام إلى الأمر أي اذكر إذ تسوّروا الْمِحْرابَ هـ لا