ثم إنه صلى الله ﷺ كان يتحزن على فقد الإيمان منهم فسلاه بقوله أَفَأَنْتَ إلى آخره. وقوله فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ أراد به قبض روحه كقوله في «يونس» وفي «المؤمن» فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ [الآية: ٧٧] الانتقام إما في الآخرة وهو قول الجمهور أو في الدنيا.
عن جابر أنه قال: لما نزلت فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ قال النبي ﷺ بعلي بن أبي طالب ﵁ أورده في تفسير اللباب.
وقيل: فأما نذهبن بك من مكة فإنا منهم منتقمون يوم بدر. والحاصل أنه تعالى توعد الكفار بعذاب الدنيا والآخرة جميعا. ثم قال لنيه ﷺ سواء عجلنا لك الظفر والغلبة أو أخرناه إلى الآخرة فكن متمسكا بما أوحينا إليك فإنه الدين الذي لا عوج له، وإنه لشرف لك ولقومك أي لجميع أمتك أو لقريش وسوف تسألون هل أديتم شكر هذه النعمة أم لا. قال أهل التحقيق: في الآية دلالة على أن الذكر الجميل أمر مرغوب فيه لعموم أثره وشموله كل مكان وكل زمان خلاف الحياة المستعارة فإن أثرها لا يجاوز مسكن الحي. قلت: الذكر الجميل جميل ولكن الذكر الحاصل من القرآن أجمل رزقنا الله طرفا من ذلك بعميم فضله. ثم إن السبب الأقوى في بغض الكفار وعداوتهم للنبي ﷺ إنكاره لأصنامهم، فبين تعالى أنه غير مخصوص بهذه الدعوة وهذا الإنكار ولكنه دين أطبق كل الأنبياء على الدعاء إليه. وفي الآية أقوال: أحدها أن المضاف محذوف تقديره واسأل يا محمد أمم من أرسلنا. وقال القفال: المحذوف صلة التقدير واسأل من أرسلنا إليهم من قبلك رسولا من رسلنا. والمراد أهل الكتابين لأنهم كانوا يرجعون إليهم في كثير من أمورهم نظيره فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ [يونس: ٩٤] ثانيها أن حقيقة السؤال هاهنا ممتنعة ولكنه مجاز عن النظر في أديانهم والفحص عن مللهم. وثالثا أن التقدير: واسأل جبرائيل عمن أرسلنا. ورابعها
أن النبي ﷺ جمع له الأنبياء ليلة المعراج في السماء أو في بيت المقدس فأمهم. وقيل له ﷺ : سلهم. فلم يسأل. وقد قال ﷺ «إني لا أشك في ذلك» قاله ابن عباس.
وعن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: أتاني ملك فقال: يا محمد سل من أرسلنا من قبلك من رسلنا علام بعثوا؟ قال: قلت علام بعثوا؟ قال: على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب ﵁ رواه الثعلبي.
ولكنه لا يطابق قوله سبحانه أَجَعَلْنا الآية. وجوز بعضهم أن يكون مَنْ مبتدأ والاستفهامية خبره والعائد محذوف أي على ألسنتهم، ومعنى الجعل التسمية والحكم. واعلم أن كفار قريش إنما طعنوا في نبوة محمد ﷺ من جهة كونه فقيرا خاملا وكان فرعون اللعين قد طعن في موسى بمثل ذلك حيث قال أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ إلى قوله مَهِينٌ [الزخرف: ٥٢] فلا جرم أورد قصة موسى هاهنا تسلية
стр. 3222
للنبي ﷺ . قوله فَلَمَّا جاءَهُمْ معطوف على محذوف تقديره فقال إني رسول رب العالمين. فطالبوه إقامة البينة على دعواه فلما جاءهم إلى آخره. قال جار الله: فعل المفاجأة مع إذا مقدر وهو عامل النصب في محلها كأنه قيل: فلما جاءهم بآياتنا فاجأ وقت ضحكهم استهزاء أو سخرية. قوله وَما نُرِيهِمْ حكاية حال ماضية. وفي قوله هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وجهان: أحدهما أن كلا منها مثل شبيهتها التي تقدمت، وكل من رأى واحدة منها حكم بأنها حكم كبراها لتكافؤ كل منها في الكبر. وإذا كان هذا الحكم صادقا على كل منها فكلها كبار كما قال الحماسي: من تلق منهم تقل لا قيت سيدهم. مثل النجوم التي يسري بها الساري وثانيها أن يقال: إن الآية الأولى كبيرة والتي تليها أكبر من الأولى، والثالثة أكبر من الثانية، وكذلك ما بعدها. هذا القدر مستفاد من الآية، وأما تفصيل هذا التفضيل فلعله لا يطلع عليه إلا خالقها ومظهرها. وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ السنين ونقص من الثمرات إلى سائر ما ابتلوا به. قالت المعتزلة: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي إرادة أن يرجعوا فورد عليهم أنه لو أراد رجوعهم لكان. وأجابوا بأنه لو أراد قسرا لكان ولكنه أراد مختارا، وزيف بأنه لو أراد أن يقع طريق الاختيار لزم أن يقع أيضا مختارا. أما الفرق فالصواب أن يقال:
«لعل» للترجي ولكن بالنسبة إلى المكلف كما مر مرارا. وقالوا يا أيه الساحر أي العالم الماهر ولم يكن السحر عندهم ذما بل كانوا يستعظمونه ولهذا قالوا إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ وقيل:
كانوا بعد على كفرهم فلهذا سموه ساحرا. وقولهم إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ وعد منوي إخلافه.
وقولهم ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ أي بعهده عندك من أن دعوتك مستجابة وققد مر في «الأعرف» وَنادى فِرْعَوْنُ أي أمر بالنداء فِي مجامع قَوْمِهِ أو رفع صوته بذلك فيما بين خواصه فانتشر في غيرهم. والأنهار أنهار النيل. قال المفسرون: كانت ثلاثمائة وستين نهرا ومعظمها أربعة: نهر الملك ونهر طالوت ونهر دمياط ونهر منفيس. كانت تجري تحت قصره وقيل: تحت سريره لارتفاعه. وقيل: بين يدي في جناتي وبساتيني. وعن عبد الله ابن المبارك الدينوري في تفسيره: أنه أراد بالأنهار الجياد من الخيل وهو موافق لما جاء في الحديث في فرس أبي طلحة «وإن وجدناه لبحرا» وقال الضحاك: معناه وهذه القواد والجبابرة تحت لوائي. قال النحويون: إما أن تكون الواو عاطفة للأنهار على ملك مصر وتَجْرِي نصب على الحال، أو الواو للحال وما بعده جملة محلها نصب. وفي «أم» أقوال منها قول سيبويه إنها متصلة تقديره أفلا تبصرون أم تبصرون إلا أنه وضع قوله أَنَا خَيْرٌ موضع تُبْصِرُونَ لأنهم إذا قالوا له أنت خير فهم عنده بصراء، فهذا من إنزال السبب منزلة المسبب لأن الإبصار سبب لهذا القول بزعمه. ومنها أنها منقطعة لأنه عدد عليهم أسباب الفضل ثم أضرب عن ذلك ثانيا. أثبت عندكم أني خير. ومنها أن التقدير
стр. 3223
أفلا تبصرون أني خير أم أبصرتم ثم استأنف فقال أنا خير، والمهين من المهانة أي الحقارة والضعف أراد أنه فقير ولا عدد معه ولا عدد وَلا يَكادُ يُبِينُ الكلام لأن عقدته لم تزل بالكلية كما شرحنا في «طه» . وإلقاء الأسورة عليه عبارة عن تفويض مقاليد الملك إليه، كانوا إذا أرادوا تشريف الرجل سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب وغيره أي ليس معه آلات الملك والسياسة، أو ليس معه حلية وزي حسن كما أن الملوك يشهرون رسلهم بالخلع والمكرمات وبأشخاص يتبعونهم فلذلك قالوا أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ
به أو يقترن بعضهم ببعض فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ أي حملهم على أن يخفوا له في الطاعة أو استخف عقولهم واستجهلهم فَأَطاعُوهُ وهذه من عادة اللئام كما قيل: العبد لا يردعه إلا العصا:
وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا ومعنى آسَفُونا أغضبونا وأغضبوا رسلنا فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً أي متقدمين وعبرة للمتأخرين ليعتبروا من حالهم فلا يقدموا على مثل أفعالهم وإليه المآب.
[سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٥٧ الى ٨٩]
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)
وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢) وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٦٦)
الْأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (٦٧) يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (٧١)
وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ (٧٣) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (٧٤) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦)
وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٨) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠) قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٨١)
سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)
стр. 3224
القراآت:
يا عبادي بالياء في الحالين: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.
وقرأ حماد وأبو بكر بفتح الياء. الباقون بغير ياء في الحالين تَشْتَهِيهِ بهاء الضمير:
ونافع وأبو جعفر وابن عامر وحفص. الآخرون: بحذفها وإليه يرجعون بياء الغيبة: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف. الباقون: بتاء الخطاب. وَقِيلِهِ بالكسرة: حمزة وعاصم غير المفضل: الآخرون: بالنصب. تعلمون على الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الوقوف:
يَصِدُّونَ هـ أَمْ هُوَ ط جَدَلًا ط خَصِمُونَ هـ إِسْرائِيلَ هـ ط يَخْلُفُونَ هـ وَاتَّبِعُونِ ط مُسْتَقِيمٌ هـ الشَّيْطانُ ج للابتداء بان مع اتصال المعنى مُبِينٌ هـ فِيهِ ج لعطف الجملتين مع الفاء وَأَطِيعُونِ هـ فَاعْبُدُوهُ ط مُسْتَقِيمٌ هـ مِنْ بَيْنِهِمْ ج للابتداء مع الفاء أَلِيمٍ هـ لا يَشْعُرُونَ هـ الْمُتَّقِينَ هـ تَحْزَنُونَ هـ ج لاحتمال كون ما بعده وصفا مُسْلِمِينَ هـ ج لاحتمال أن يكون الَّذِينَ إلى آخر الآية مبتدأ وقوله ادْخُلُوا إلى آخره خبرا، والقول محذوف لا محالة تُحْبَرُونَ هـ وَأَكْوابٍ ج الْأَعْيُنُ ج للعدول مع العطف خالِدُونَ هـ تَعْمَلُونَ هـ تَأْكُلُونَ هـ خالِدُونَ هـ ج لأحتمال ما بعده صفة أو حالا له لا مستأنفا مُبْلِسُونَ هـ ج لاحتمال أن يكون ما بعده مستأنفا أو حالا الظَّالِمِينَ هـ رَبُّكَ ط ماكِثُونَ هـ ج كارِهُونَ هـ مُبْرِمُونَ هـ ج لأن «أم» يصلح جواب الأولى ويصلح استفهاما آخر وَنَجْواهُمْ ط يَكْتُبُونَ هـ الْعابِدِينَ هـ يَصِفُونَ هـ يُوعَدُونَ هـ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ ط الْعَلِيمُ هـ بَيْنَهُما ج السَّاعَةِ ج تُرْجَعُونَ هـ يَعْلَمُونَ هـ يُؤْفَكُونَ هـ ج فالوقف بناء على قراءة النصب، والوصل بناء على قراءة الجر وسيأتي تمام البحث عن إعرابها لا يُؤْمِنُونَ هـ لئلا يوهم أن ما بعده من قيل الرسول سَلامٌ ط للابتداء بالتهديد. قال السجاوندي: من قرأ تعلمون على الخطاب فوقفه لازم لئلا يصير التهديد داخلا في الأمر
стр. 3225
بقوله قُلْ قلت: لا محذور فيه لأن السلام سلام توديع لا تعظيم.
التفسير:
هذا نوع آخر من قبائح أقوال كفرة قريش. وفي تفسير المثل وجوه للمفسرين: أحدها أن الكفار لما سمعوا أن النصارى يعبدون عيسى قالوا: إذا جاز أن يكون عيسى ابن الله جاز أن تكون الملائكة بنات الله. وانتصب مَثَلًا على أنه مفعول ثان لضرب أي جعل مثلا فالضارب للمثل كافرو إِذا قَوْمُكَ أي المؤمنون مِنْهُ أي من المثل أو من ضربه يَصِدُّونَ أي يجزعون ويضجون وَقالُوا أي الكفار أهذا خير أم هو يعنون الملائكة خير من عيسى. وثانيها ما مر في آخر الأنبياء أنه حين نزل إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ
[الآية: ٩٨]
قال ابن الزبعري للنبي ﷺ : قد علمت أن النصارى يعبدون عيسى وأمه وعزيرا، فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم. فسكت النبي ﷺ وخرج القوم وضحكوا وصيحوا فأنزل الله تعالى قوله إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى [الأنبياء: ١٠١] ونزلت هذه الآية أيضا.
والمعنى ولما ضرب ابن الزبعري عيسى ابن مريم مثلا إذا قومك قريش من هذا المثل يصدون بالكسر والضم أي يرتفع لهم جلبة وصياح فرحا وسرورا بما رأوا من سكوت رسول الله ﷺ فإن العادة قد جرت بأن أحد الخصمين إذا انقطع أظهر الخصم الآخر الفرح. وَقالُوا أَآلِهَتُنا وهي الأصنام خَيْرٌ أَمْ عيسى فإذا كان عيسى من حصب النار كان أمر آلهتنا أهون.
وقيل: من قرأ بالضم فمن الصدود أي من أجل هذا المثل يمنعون عن الحق. وثالثها أنه ﷺ لما حكى أن النصارى عبدوا المسيح إلها وأن مثله عند الله كمثل آدم، قال كفار مكة: إن محمدا يريد أن نتخذه إلها كما اتخذ النصارى المسيح إلها وضجروا وضجوا وقالوا: آلهتنا خير أم هو يعنون محمدا، وغرضهم أن آلهتهم خير لأنها مما عبدها آباؤهم وأطبقوا عليها فأبطل الله تعالى كلامهم بقوله ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا أي لم يضربوا هذا المثل لأجلك إلا للجدال والغلبة دون البحث عن الحق بَلْ هُمْ قَوْمٌ من عادتهم الخصومة واللدد. ثم قرر أمر عيسى ﵇ بقوله إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ بأن خلقناه من غير أب وصيرناه عبرة وحاله عجيبة وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ أي بدلا منكم مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ يقومون مقامكم. وقيل: أراد لولدنا منكم يا رجال ملائكة يخلفونكم في الأرض كما يخلفكم أولادكم. والغرض بيان كمال القدرة وأن كون الملائكة في السموات لا يوجب لهم الإلهية ولا نسبا من الله. ثم بين مآل حال عيسى ﵇ بقوله وَإِنَّهُ يعني عيسى لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ لعلامة من علامات القيامة كما
جاء في الحديث «أنا أولى الناس بعيسى ليس بيني وبينه نبي وأنه أول نازل يكسر الصليب ويقتل الخنزير
стр. 3226
ويقاتل الناس على الإسلام» «١»
وقيل: إذا نزل عيسى رفع التكليف. وقيل: ان عيسى كان يحيي الموتى فعلم بالساعة والبعث. وقيل: الضمير في وَإِنَّهُ للقرآن أي القرآن يعلم منه وفيه ثبوت الساعة فَلا تَمْتَرُنَّ بِها فلا تشكن فيها واتبعوني هذه حكاية قول النبي ﷺ ، أو المراد واتبعوا رسولي وشرعي والباقي واضح إلى قوله هَلْ يَنْظُرُونَ وقد مر في آل عمران وفي «مريم» . وقوله أَنْ تَأْتِيَهُمْ بدل من الساعة والْأَخِلَّاءُ جمع خليل ويَوْمَئِذٍ ظرف عَدُوٌّ وهو كقوله إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [البقرة:
١٦٦] ولكن خلة المتقين ثابتة لأن المحبة في الله لا تزول. ومعنى تُحْبَرُونَ تسرون والحبور السرور، والصحاف جمع صحفة وهي القصعة فيها طعام، والأكواب جمع كوب وهو الإبريق لا عروة له. وقد يدور في الخلد أن العروة للكوز أمر زائد على مصلحة الشرب وإنما هو لدفع حاجة كتعليق وتعلق وأهل الجنة فيها براء من أمثال ذلك فلهذا كانت أكوازها أكوابا والله أعلم بأسراره. وَفِيها أي في الجنة. قال القفال: جمع بهاتين اللفظتين ما لو اجتمع الخلق كلهم على تفصيله لم يخرجوا عنه. ثم يقال لهم وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ إلى آخره. ثم وصف حال أهل الجرائم من الكفار أو منهم ومن الفساق على اختلاف بين السني والمعتزلي. ومعنى لا يُفَتَّرُ لا يخفف من الفتور ومبلسون آيسون ساكتون تحيرا ودهشا. ولما أيسوا من فتور العذاب نادَوْا يا مالِكُ وهو اسم خازن النار لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ أي ليمتنا كقوله فَقَضى عَلَيْهِ [القصص: ١٥] قال مالك: بعد أربعين عاما أو بعد مائة أو ألف أو قال الله بدليل قوله لَقَدْ جِئْناكُمْ فإنه ظاهر من كلام الله وإن كان يحتمل أن يكون قول الملائكة. قال أهل التحقيق: سمى خازن النار مالكا لأن الملك علقة والتعلق من أسباب دخول النار كما سمى خازن الجنة رضوانا لأن الرضا بحكم الله سبب كل راحة وسعادة وصلاح وفلاح. ثم عاد إلى توبيخ قريش وتجهيلهم والتعجيب من حالهم فقال أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً والإبرام الإحكام والمعنى أنهم كلما أحكموا أمرا في المكر بمحمد ﷺ فإنا نحكم أمرا في مجازاتهم. وقال قتادة: أجمعوا على التكذيب وأجمعنا على التعذيب، وذلك أنهم اجتمعوا في دار الندوة وأطبقوا على الاغتيال بمحمد ﷺ وتناجوا في ذلك فكف عنه شرهم وأوعدهم عليه بأنه يعلم سرهم وهو ما حدّث
стр. 3227
به الرجل نفسه أو غيره في مكان خال. ونجواهم وهي ما تكلموا به فيما بينهم على سبيل الخفية أيضا.
ثم أكد علمه بأن حفظة الأعمال يكتبونه، ثم برهن على نفي الولد عن نفسه فقال لنبيه ﷺ قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ وهذه قضية شرطية جزآها ممتنعان إلا أن الملازمة صادقة نظيره قولك: إن كانت الخمسة زوجا فهي منقسمة بمتساويين.
وهذا على سبيل الفرض والتقدير، وبيان الملازمة أن الولد يجب محبته وخدمته لرضا الوالد وتعظيمه، فلو كان المقدم حاصلا في الواقع لزم وقوع التالي عادة وإنما ادعى أوليته في العبادة لأن النبي متقدم في كل حكم على أمته خصوصا فيما يتعلق بالأصول كتعظيم المعبود وتنزيهه، لكن التالي غير واقع فكذا المقدم وهذا الكلام ظاهر الإلزام، واضح الإفحام، قريب من الأفهام، لا حاجة فيه إلى تقريب المرام. وأما المفسرون الظاهريون لا دراية لهم بالمعقول فقد ذكروا فيه وجوها متكلفة منها: إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله. ومنها إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد. يقال: عبد بالكسر يعبد بالفتح إذا اشتد أنفه. ومنها جعل «إن» نافية أي ما كان للرحمن ولد فأنا أول من قال بذلك، ووحد ثم نزه نفسه عما لا يليق بذاته، ثم أمر نبيه أن يتركهم في باطلهم واللعب بدنياهم حتى يلاقوا القيامة. ثم مدح ذاته بقوله وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ أي معبود كما مر في قوله وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ [الأنعام: ٣] والتقدير وهو الذي هو في السماء إله إلا أنه حذف الراجع لطول الكلام. ثم أبطل قول الكفرة إن الأصنام تنفعهم. وقوله إِلَّا مَنْ شَهِدَ استثناء منقطع أي لكن من شهد بالتوحيد عن علم وبصيرة هو الذي يملك الشفاعة، ويجوز أن يكون متصلا لأن من جملة من يدعونهم الملائكة وعيسى وعزيزا. وجوز أن تكون اللام محذوفة لأن الشفاعة تقتضي مشفوعا له أي لمن شهد بالحق وهم المؤمنون قال بعض العلماء وَهُمْ يَعْلَمُونَ دلالة على أن إيمان المقلد وشهادته غير معتبر. ثم كرر ما ذكر في أول السورة قائلا وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ والغرض التعجيب من حالهم أنهم يعترفون بالصانع ثم يجعلون له أندادا. وقيل:
الضمير في سَأَلْتَهُمْ للمعبودين. من قرأ وَقِيلِهِ بالنصب فعن الأخفش أنه معطوف على سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ أو المراد وقال قيله أي قوله، والضمير للنبي ﷺ لتقدم ذكره بالكناية في قوله قُلْ إِنْ كانَ وعن أبي علي أنه يعود إلى عيسى، وفيه تسلية لمحمد ﷺ .
ويحتمل أن يكون النصب بالعطف على محل الساعة أي وعنده علم الساعة وعلم قيله كقراءة من قرأ بالجر. ثم سلى نبيه ﷺ بأعمال الخلق الحسن معهم إلى أوان النصر وهو ظاهر والله أعلم بالتوفيق.
القراآت:
رَبِّ السَّماواتِ بالجر على البدل مِنْ رَبِّكَ: عاصم وحمزة وعلي وخلف. الباقون: بالرفع أني آتيكم بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ترجموني فاعتزلوني بالياء في الحالين: يعقوب وأفق ورش وسهل وعباس في الوصل لي بالفتح: ورش فكهين بغير الألف: يزيد يَغْلِي على التذكير والضمير للطعام: ابن كثير وحفص والمفضل ورويس وابن مجاهد عن ابن ذكوان. الباقون: بتاء التأنيث والضمير للشجرة فاعتلوه بضم التاء: ابن كثير ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب. الآخرون: بالكسر ذق أنك بفتح الهمزة على حذف لام التعليل. في مقام بضم الميم من الإقامة: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الوقوف:
حم كوفي هـ الْمُبِينِ هـ لا ومن لم يقف على حم وقف على الْمُبِينِ مُنْذِرِينَ هـ حَكِيمٍ هـ ط بناء على أن التقدير أمرنا أمرا مِنْ عِنْدِنا ط مُرْسِلِينَ هـ ج لاحتمال أن رَحْمَةً مفعول له أو به أو التقدير رحمنا رحمة مِنْ رَبِّكَ ط الْعَلِيمُ هـ لا لمن خفض رَبِّ بَيْنَهُما ط مُوقِنِينَ هـ وَيُمِيتُ ط الْأَوَّلِينَ هـ يَلْعَبُونَ هـ مُبِينٍ هـ ط النَّاسَ ط أَلِيمٌ هـ مُؤْمِنُونَ هـ مُبِينٌ هـ لا للعطف مَجْنُونٌ هـ لئلا يوهم أن ما بعده من قول الكفار عائِدُونَ هـ م لئلا يظن أن ما بعده ظرف للعود الْكُبْرى ج لاحتمال التعليل مُنْتَقِمُونَ هـ كَرِيمٌ هـ لا عِبادَ اللَّهِ ط أَمِينٌ هـ عَلَى اللَّهِ ج مُبِينٍ هـ ج تَرْجُمُونِ هـ فَاعْتَزِلُونِ هـ مُجْرِمُونَ هـ مُتَّبَعُونَ هـ لا رَهْواً ط مُغْرَقُونَ هـ وَعُيُونٍ هـ لا كَرِيمٍ هـ لا فاكِهِينَ هـ لا لأن المعنى تركوها مهيأة كما كانت آخَرِينَ هـ مُنْظَرِينَ هـ الْمُهِينِ
стр. 3230
هـ لا مِنْ فِرْعَوْنَ ط الْمُسْرِفِينَ هـ الْعالَمِينَ هـ ج مُبِينٌ هـ لَيَقُولُونَ هـ لا بِمُنْشَرِينَ هـ صادِقِينَ هـ تُبَّعٍ لا للعطف مِنْ قَبْلِهِمْ ط لتناهي الاستفهام إلى ابتداء الأخبار أَهْلَكْناهُمْ ج لأن التعليل أوضح مُجْرِمِينَ هـ لاعِبِينَ هـ لا يَعْلَمُونَ هـ أَجْمَعِينَ هـ لا لأن ما بعده بدل وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ هـ لا رَحِمَ اللَّهُ ط الرَّحِيمُ هـ الْأَثِيمِ هـ ج لاحتمال أن يكون كَالْمُهْلِ خبرا بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف فِي الْبُطُونِ لا الْحَمِيمِ هـ الْجَحِيمِ هـ الْحَمِيمِ هـ ط لأن التقدير قولوا أو يقال له ذق الْكَرِيمُ هـ تَمْتَرُونَ هـ أَمِينٍ هـ لا عُيُونٍ
هـ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال مُتَقابِلِينَ هـ ج لاحتمال أن يراد كما ذكرنا من حالهم قبل أو يكون التقدير الأمر كذلك عِينٍ هـ ج لئلا يوهم أن ما بعده صفة للحور آمِنِينَ هـ لا لأن ما بعده صفة فإن الأمن لا يتم إلا به الْأُولى ج لأن ما بعده يصلح استئنافا وحالا بإضمار قد الْجَحِيمِ هـ لا لأن فَضْلًا مفعول له مِنْ رَبِّكَ ط الْعَظِيمُ هـ يَتَذَكَّرُونَ هـ مُرْتَقِبُونَ هـ.
التفسير:
أقسم بالقرآن إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ لأن من شأننا الإنذار والتخويف من العقاب وإنما أنزل في هذه الليلة خصوصا لأن إنزال القرآن أشرف الأمور الحكمية، وهذه الليلة يفرق فيها كل أمر ذي حكمة فالجملتان- أعني قوله إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ كالتفسير لجواب القسم قال صاحب النظم: ليس من عادتهم أن يقسموا بنفس الشيء إذا أخبروا عنه فجواب القسم إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ وقوله إِنَّا أَنْزَلْناهُ اعتراض.
والجمهور على الأول ولا بأس لأن المعنى إنا أنزلنا القرآن على محمد ولم يتقوله، ويحتمل أن القسم وقع على إنزاله في ليلة مباركة. وأكثر المفسرين على أنها ليلة القدر لقوله إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: ١] وليلة القدر عند الأكثرين من رمضان. ونقل محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن قتادة أنه قال: نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، والتوراة لست ليال منه، والزبور لاثنتي عشرة مضت، والإنجيل لثمان عشرة منه، والفرقان لأربع وعشرين مضت، والليلة المباركة هي ليلة القدر. وزعم بعضهم كعكرمة وغيره أنها ليلة النصف من شعبان. وما رأيت لهم دليلا يعوّل عليه. قالوا: وتسمى ليلة البراءة أيضا وليلة الصك لأن الله تعالى يكتب لعباده المؤمنين البراءة من النار في هذه الليلة.
وروي أن النبي ﷺ قال: «من صلى في هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله تعالى إليه مائة ملك ثلاثون يبشرونه بالجنة وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا وعشرا يدفعون عنه مكايد الشيطان.»
وقال «إن الله يرحم أمتي في هذه الليلة بعدد
стр. 3231
شعر أغنام بني كلب.»
وقال: «إن الله يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة إلا لكاهن أو ساحر أو ساخر أو مدمن خمر أو عاق للوالدين أو مصر على الزنا»
ومما أعطى فيها رسول الله ﷺ تمام الشفاعة وذلك أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمته فأعطى الثلث منها، ثم سأل ليلة الرابع عشر منها فأعطى الثلثين، ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطى الجميع إلا من شرد على الله شراد البعير. ومن عادة الله في هذه الليلة أن يزيد فيها ماء زمزم زيادة ظاهرة. وبعضهم أراد أن يجمع بين القولين فقال: ابتدئ بانتساخ القرآن من اللوح المحفوظ ليلة البراءة ووقع الفراغ في ليلة القدر. والمباركة الكثيرة الخير ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن لكفى به بركة. ومعنى يُفْرَقُ يفصل ويكتب كُلُّ أَمْرٍ هو ضد النهي أو كل أمر له شأن من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم إلى العام القابل، فيدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب والزلازل والصواعق والخسوف إلى جبرائيل، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا، ونسخة المصائب إلى ملك الموت. وقيل: يعطى كل عامل بركات أعماله فيلقى على ألسنة الخلق مدحه وعلى قلوبهم هيبته. وفي انتصاب أَمْراً وجوه: إما أن يكون حالا من أَمْرٍ حَكِيمٍ لأنه قريب من المعرفة أو من الهاء في أَنْزَلْناهُ أو من الفاعل أي آمرين، أو على المصدر لأمر، أو على الاختصاص لأن كونه من عند الله يوجبه مزيد شرف وفخامة، أو يكون مصدرا من غير لفظ الفعل وهو يُفْرَقُ لأنه إذا حكم بالشيء وفصله وكتبه فقد أوجبه وأمر به قوله إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ يجوز أن يكون بدلا من قوله تعالى إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ أي أنزلنا القرآن لأن من شأننا إرسال الرسل وإنزال الكتب إلى عبادنا لأجل الرحمة، ويحتمل كونه تعليلا ليفرق، أو لقوله أَمْراً مِنْ عِنْدِنا وقوله مِنْ رَبِّكَ وضع للظاهر موضع الضمير إيذانا بأن الربوبية تقتضي الرحمة. ثم حقق ربوبيته بقوله إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ إلى قوله الأولين. ومعنى الشرط في قوله إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ نظير ما هو في أول الشعراء وذلك أنهم كانوا مقرين بأنه رب السموات والأرض. قيل لهم: إن كنتم على بصيرة وإيقان من ذلك فلا تشكوا فيه، أو إن كنتم موقنين بشيء فأيقنوا بما أخبرتكم، أو إن كنتم تريدون اليقين فاعلموا ذلك. وقيل: إن نافية ثم رد أن يكونوا موقنين بقوله بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ في الدنيا أو يستهزؤن بنا فلا جرم أوعدهم بقوله فَارْتَقِبْ ويَوْمَ مفعول به أي انتظره. والأكثرون على أن هذا الدخان من أمارات القيامة فإن الدنيا ستصير كبيت لاخصاص له مملوء دخانا يدخل في أنوف الكفار وآذانهم فيكونون كالسكارى، ويصيب المؤمن فيه كالزكام فيبقى ذلك أربعين.
وعن حذيفة أن النبي ﷺ قال
стр. 3232
«أول الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر» «١»
أبين بكسر الهمزة وفتحها اسم رجل بنى هذه البلدة ونزل بها. وقيل: الدخان يكون في القيامة إذا خرجوا من قبورهم يحيط بالخلائق ويغشاهم. وقيل: الدخان الشر والفتنة. وعن ابن مسعود: خمس قد مضت الروم والدخان والقمر والبطشة واللزام. وذلك
أن قريشا لما استصعبت على رسول الله ﷺ دعا عليهم فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني ويوسف.
فأصابهم اللزام وهو القحط حتى أكلوا الجيف، وكان الرجل يرى بين السماء والأرض الدخان فيسمع كلام صاحبه ولا يراه من الدخان.
فمشى إليه ﷺ أبو سفيان ونفر معه وناشدوه الله والرحم، وواعدوه إن دعا لهم وكشف عنهم أن يؤمنوا. فلما كشف عنهم من الدخان رجعوا إلى شركهم وذلك قوله هذا عَذابٌ أي قائلين هذا إلى آخره.
ثم استبعد منهم الاتعاظ بقوله أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ ما هو أعظم من كشف الدخان وهو القرآن المعجز وغيره فلم يتذكروا وتَوَلَّوْا عَنْهُ واتهموه ﷺ بأنه إنما يعلمهن بشر ونسبوه إلى الجنون. ومعنى «ثم» تبعيد الحالتين. ثم بين أنهم يعودون إلى الكفر عقيب كشف العذاب عنهم زمانا قليلا. واعلم أن ارتدادهم إلى الكفر أمر ممكن سواء يجعل الدخان من أمارات القيامة أو يقال إنه قد مضى. والبطشة الكبرى القيامة أو يوم بدر على التفسيرين. ويَوْمَ ظرف لما دل عليه منتقمون فإن ما بعد «أن» لا يعمل فيما قبله.
وقيل: بدل من يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ ثم سلى رسوله ﷺ بقصة موسى. ومعنى فَتَنَّا امتحنا وقد وصفه بالكرم لأنه كان حبيبا في قومه أو بكرم خلقه، أو المراد أنه لم يخاشنهم في التبليغ كما قال فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً [طه: ٤٤] و «أَنْ» مفسرة لأن مجيء الرسول يتضمن القول، أو مخففة من الثقيلة، أو مصدرية والياء محذوف. وعِبادَ اللَّهِ مفعول به لقوله فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ [طه: ٤٧] أو منادى والمعنى أدوا إليّ يا عباد الله ما هو واجب عليكم من الإيمان والطاعة. والقصة مذكورة في «الشعراء» وغيرها وأَنْ تَرْجُمُونِ أن تقتلون أو تشتمون بالنسبة إلى الكذب والسحر وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي أي لم تصدقوني ففارقوني وكونوا بمعزل عني لا عليّ ولا لي فَدَعا رَبَّهُ شاكيا أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ مصرون على الكفر فَأَسْرِ أي فأجبنا دعاءه وقلنا له أسر وكان من دعائه اللهم عجل لهم
стр. 3233
ما يستحقونه بإجرامهم. ويحتمل أن يكون الدعاء وهو ما في «يونس» رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ [الآية: ٨٨] وفي رَهْواً وجهان: أحدهما ساكنا أي لا تضربه. ثانيا واتركه على هيئته من انتصاب الماء وكون الطريق يبسا. وذلك أن موسى أراد أن يضربه ثانيا حتى ينطبق ويزول الانفاق خوفا من أن يدركهم قوم فرعون، والله تعالى أراد أن يدخل القبط البحر ثم يطبقه عليهم، وثانيهما أن الرهو الفجوة الواسعة أي اتركه مفتوحا منفجرا على حاله. والنعمة بفتح النون التنعم والباقي مذكور في «الشعراء» . وقوله فَما بَكَتْ كان إذا مات الرجل الخطير قالوا في تعظيم مصيبته بكت عليه السماء والأرض وأظلمت الدنيا، ومنه
الحديث «وما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء»
وفيه تمثيل وتخييل وتهكم بهم أنهم كانوا يستعظمون أنفسهم ويعتقدون أنهم لو ماتوا لقال الناس فيهم ذلك، فأخبر ما كانوا في هذا الحد بل كانوا أنهم دون ذلك. وجوز كثير من المفسرين أن يكون البكاء حقيقة وجعلوا الخسوف والكسوف والحمرة التي تحدث في السماء وهبوب الرياح العاصفة من ذلك.
قال الواحدي في البسيط: روي أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال «ما من عبد إلا له في السماء بابان باب يخرج منه رزقه وباب يدخل فيه عمله، فإذا مات فقداه وبكيا عليه وتلا هذه الآية.»
ثم إن هؤلاء الكفار لم يكن لهم عمل صالح يصعد إلى السماء فلا جرم لم تبك عليهم. وعن الحسن: أراد أهل السماء والأرض أي ما بكت عليهم الملائكة والمؤمنون بل كانوا بهلاكهم مسرورين وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ أي لما جاء وقت هلاكهم لم يمهلوا إلى الآخرة بل عجل لهم في الدنيا. قوله مِنْ فِرْعَوْنَ بدل من العذاب بل جعل في نفسه عذابا مهينا لشدة شكيمته وفرط عتوه.
وقيل: المضاف محذوف أي من عذابه. وقيل: تقديره المهين الصادر من فرعون، وفي قراءة ابن عباس مِنْ فِرْعَوْنَ على الاستفهام أي ما ظنكم بعذاب من تعرفونه أنه عال قاهر عات مجاوز حد الاعتدال. ثم ثنى على بني إسرائيل بقوله وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ بإيتاء الملك والنبوة عَلى عِلْمٍ منا باستحقاقهم ذلك وقيامهم بالشكر عليه على عالمي زمانهم. ولا ريب أن هذا قبل التحريف. وقيل: أي على علم منا بأنه يبدو منهم بوادر وتفريطات والبلاء النعمة أو المحنة، والآيات هي التسع وغيرها.
ثم عاد إلى ما انجر الكلام فيه وهو قوله بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ فقال إِنَّ هؤُلاءِ يعني كفار قريش لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى قال المفسرون: يؤل إلى ما حكى عنهم في موضع آخر إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا [المؤمنون: ٣٧] وذلك أن النزاع إنما وقع في موتة تعقبها حياة فأنكروا أن تكون موتة بهذا الوصف إلا الموتة الأولى وهو
стр. 3234
حال كونهم نطفا. ويحتمل أن يراد إن هي أي الصفة أو النهاية أو الحالة أو العاقبة إلا الموتة الأولى، وليست إثباتا لموتة ثانية إنما هو كقولك: حج فلان الحجة الأولى، ومات وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ أنشر الله الموتى أحياهم فَأْتُوا أيها النبي والذين آمنوا معه بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
يروى أنهم طلبوا من النبي ﷺ أن يجعل الله لهم إحياء الموتى فينشر كبيرهم قصي بن كلاب ليشاوروه في صحة نبوة محمد ﷺ وصحة البعث،
فلم يجبهم الله تعالى إلى ذلك ولكنه أوعدهم بقوله أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ أي ليسوا بخير منهم في العدد والعز والمنعة. ابن عباس: تبع نبي.
أبو هريرة عن النبي ﷺ «لا أدري تبع نبيا كان أم غير نبي»
رواه الثعلبي عن عائشة كان رجلا صالحا ذم الله قومه ولم يذمه. وإنما خصهم بالذكر لقربهم من العرب زمانا ومكانا. وعن سعيد بن جبير كسا البيت. وقال قتادة: كان من حمير سار فبنى الحيرة وسمرقند. وقال أبو عبيدة: هم ملوك اليمن يسمى كل واحد منهم تبعا لكثرة تبعه، أو لأنه يتبع صاحبه وهو بمنزلة الخليفة للمسلمين، وكسرى للفرس، وقيصر للروم، وجمعه تبابعة، وكان يكتب إذا كتب بسم الذي ملك برا وبحرا. ثم برهن على صحة البعث بقوله وما خَلَقْناهُما إلى آخره، وقد مر في «الأنبياء» وفي «ص» نظيره.
وإنما جمع السموات هاهنا لموافقة قوله في أول السورة رَبِّ السَّماواتِ وسمى يوم القيامة يوم الفصل لأنه يفصل بين عباده في الحكم والقضاء، أو يفصل بين أهل الجنة وأهل النار، أو يفصل بين المؤمنين وبين ما يكرهون وللكافرين بينهم وبين ما يشتهونه فيفصل بين الوالد وولده والرجل وزوجته والمرء وخليله. والمولى في الآية يحتمل الولي والناصر والمعين وابن العم، والمراد أن أحدا منهم بأي معنى فرض لا يتوقع منه النصرة.
والضمير في لا هُمْ يُنْصَرُونَ للمولى الثاني لأنه جمع في المعنى لعمومه وشياعه. وقوله إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ في محل الرفع على البدل أو في محل النصب على الاستثناء إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الغالب على من عصى الرَّحِيمُ لمن أطاع. ثم أراد أن يختم السورة بوعيد الفجار ووعد الأبرار فقال إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ وقد مر تفسيرها في الصافات. والْأَثِيمِ مبالغة الآثم ولهذا يمكن أن يقال: إنه مخصوص بالكافر. والمهل دردي الزيت وقد مر في «الكهف» . ولعل وجه التشبيه هو بشاعة الطعم كما أن الوجه في قوله طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ [الصافات: ٦٥] هو كراهة المنظر ثم وصفه بشدة الحرارة قائلا يَغْلِي إلى آخره. ثم أخبر أنه سبحانه يقول للزبانية خُذُوهُ أي خذوا الأثيم فَاعْتِلُوهُ جروه بعنف وغلظة كأن يؤخذ بتلبيبه فيجر إلى وسط النار. ومنه العتل للجافي الغليظ. وقوله مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ دون أن يقول «من الحميم» تهويل سلوك لطريق الاستعارة لأنه إذا صب عليه الحميم فقد صب عليه عذابه وشدته.
يروي أن أبا جهل قال لرسول الله ﷺ : ما بين
стр. 3235
جبليها أعز ولا أمنع مني فو الله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي «شيئا» فنزلت الآية.
أي يقال له ذق لأنك أنت العزيز الكريم عند نفسك وفيه من التهكم ما فيه إِنَّ هذا العذاب ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ تشكون. ثم شرع في وعد الأبرار والمقام الأمين ذو الأمن، أو أصله من الأمانة لأن المكان المخيف كأنما يخوف صاحبه بما يلقى فيه من المكاره.
وقوله وَزَوَّجْناهُمْ اختلفوا في أن هذا اللفظ هل يدل على حصول عقد التزوج أم لا.
والأكثرون على نفيه، وأن المراد قرناهم بهن. وقيل: زوجته امرأة وزوجته بامرأة لغتان.
وهكذا اختلفوا في الحور. فعن الحسن: هن عجائزكم ينشئهن الله خلقا آخر. وقال أبو هريرة: لسن من نساء الدنيا. يَدْعُونَ أي يحكمون ويأمرون في الجنة بإحضار ما يشتهون من الفواكه في أي وقت ومكان آمِنِينَ من التخم والتبعات، ثم أخبر عن خلودهم بقوله لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى قال جار الله: هو من باب التعليق بالمحال كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها. وقيل: الاستثناء منقطع أي لكن الموتة الأولى قد ذاقوها. وقال أهل التحقيق:
إن الجنة حقيقتها ابتهاج النفس وفرحها بمعرفة الله وبمحبته. فالإنسان الكامل هو في الدنيا في الجنة. وفي الآخرة أيضا في الجنة فقد صح أنه لم يذق في الجنة إلا الموتة الأولى. ثم ختم الكلام بفذلكته والمعنى ذكرناهم بالكتاب المبين فأسهلناه حيث أنزلناه بلغتك إرادة تذكرهم فانتظر ما يحل فإنهم يتربصون بك الدوائر.
القراآت:
وَفِي خَلْقِكُمْ مدغما: عباس. آيات بالنصب في الموضعين: حمزة وعلي ويعقوب الريح على التوحيد: حمزة وعلي وخلف يُؤْمِنُونَ على الغيبة:
أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل وحفص أَلِيمٌ مذكور في «سبأ» لنجزي بالنون: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف لِيَجْزِيَ بالياء مبنيا للمفعول قوم بالرفع:
يزيد. الباقون: مبنيا للفاعل قَوْماً سواء بالنصب: حمزة وعلي وخلف وحفص وروح وزيد غشاوة بفتح الغين وسكون الشين من غير ألف: حمزة وعلي وخلف ٣ كل أمة تدعي بالنصب على الإبدال من الأول: يعقوب الساعة بالنصب: حمزة لا يُخْرَجُونَ من الخروج حمزة وعلي وخلف.
الوقوف:
حم كوفي هـ الْحَكِيمِ هـ لِلْمُؤْمِنِينَ هـ ط ومن نصب، آياتٌ لم يقف لأنه عطف المفردين على المفردين وهما الخبر واسم أن المفردين يُوقِنُونَ هـ لا للعطف على عاملين كما يجيء يَعْقِلُونَ هـ بِالْحَقِّ ج للاستفهام مع الفاء يُؤْمِنُونَ هـ أَثِيمٍ هـ يَسْمَعْها ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب أَلِيمٍ هـ هُزُواً ط مُهِينٌ هـ ط لأنه لو وصل اشتبه بأنها وصف عَذابٌ جهنم ج لعطف المختلفين أَوْلِياءَ ج لذلك عَظِيمٌ هـ هُدىً ط لأن ما بعده مبتدأ مع العاطف أَلِيمٌ هـ
стр. 3238
تَشْكُرُونَ هـ ج للآية مع العطف مِنْهُ ط يَتَفَكَّرُونَ ج يَكْسِبُونَ هـ فَلِنَفْسِهِ ج فَعَلَيْها ز لأن «ثم» لترتيب الأخبار مع اتحاد القصة تُرْجَعُونَ هـ الْعالَمِينَ هـ ج للآية والعطف مِنَ الْأَمْرِ ج لعطف المختلفين بَيْنَهُمْ ط يَخْتَلِفُونَ هـ لا يَعْلَمُونَ هـ شَيْئاً ج بَعْضٍ ج للتمييز بين الحالين المختلفين مع اتفاق الجملتين الْمُتَّقِينَ هـ يُوقِنُونَ هـ الصَّالِحاتِ
قف ومن نصب سَواءً
لم يقف. وَمَماتُهُمْ
ط يَحْكُمُونَ
هـ لا يُظْلَمُونَ هـ غِشاوَةً ط مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ط تَذَكَّرُونَ هـ الدَّهْرُ ج لاحتمال الواو الحال مِنْ عِلْمٍ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى يَظُنُّونَ هـ صادِقِينَ هـ لا يَعْلَمُونَ هـ وَالْأَرْضِ ط الْمُبْطِلُونَ هـ جاثِيَةً قف لمن قرأ كُلَّ بالرفع كِتابِهَا ط تَعْمَلُونَ هـ بِالْحَقِّ هـ ط تَعْمَلُونَ هـ فِي رَحْمَتِهِ ط الْمُبِينُ هـ مُجْرِمِينَ هـ مَا السَّاعَةُ لا تحرزا عن الابتداء بقول الكفار بِمُسْتَيْقِنِينَ هـ يَسْتَهْزِؤُنَ هـ ناصِرِينَ هـ الدُّنْيا ج للعدول عن الخطاب إلى الغيبة يُسْتَعْتَبُونَ هـ الْعالَمِينَ هـ وَالْأَرْضِ ص لعطف الجملتين المتفقتين الْحَكِيمُ هـ.
التفسير:
إعراب أول السورة وتفسيرها كإعراب أول «المؤمن» وتفسيره وقوله إِنَّ فِي السَّماواتِ إما أن يكون على ظاهره وآياتها الشمس والقمر والنجوم وحركاتها وأوضاعها وكذا العناصر والمواليد التي في الأرض مما يعجز الحاصر عن إدراك أعدادها، وإما أن يراد إن في خلق السموات والأرض فالآيات تشمل ما عددنا مع زيادة هيئتهما وما يتعلق بتشخيصهما. استدل الأخفش بالآية الثالثة على جواز العطف على عاملين مختلفين وهما في قراءة النصب «أن» وفي أقيمت الواو مقامهما فعملت الجر في اختلاف الليل، والنصب في آيات وهما في قراءة الرفع الابتداء وفي. وخرج لسيبويه في جوابه وجهان: أحدهما أن قوله لَآياتٍ تكرار محض للتأكيد فقط من غير حاجة إلى ذكرها كما تقول: إن في الدار زيدا وفي الحجرة زيدا والمسجد زيدا، وأنت تريد أن في الدار زيدا والحجرة والمسجد.
والثاني إضمار في لدلالة الأول عليه، ويحتمل أن ينتصب لَآياتٍ على الاختصاص.
ويرتفع بإضمار هي. وتفسير هذه الآيات قد مر في نظائرها مرارا ولا سيما في أواسط «البقرة» ومما يختص بالمقام أنه خص المؤمنين بالذكر أولا ثم قال لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ثم يَعْقِلُونَ فما سبب هذا الترتيب؟ قال الإمام فخر الدين الرازي ﵀: أراد إن كنتم مؤمنين فافهموا هذه الدلائل وإلا فإن كنتم طلاب الحق واليقين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين ولا من الموقنين فلا أقل من أن تكونوا من زمرة العاقلين، فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل، وقال جار الله: معناه إن المنصفين من العباد إذا نظروا في السموات
стр. 3239
والأرض النظر الصحيح علموا أنها لا بد لها من صانع فآمنوا به وأقروا، فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال. وفي خلق ما بث من الدواب على ظهر الأرض، ازدادوا إيمانا وأيقنوا وانتفى عنهم اللبس، وإذا نظروا في سائر الحوادث كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار التي هي سبب الأرزاق وحياة الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح جنوبا وشمالا وقبولا ودبورا، عقلوا واستحكم عقلهم وخلص يقينهم. وأقول: الدلائل المذكورة في هذه الآيات قسمان: نفسية وخارجية. فالنفسية أولى بالإيقان لأنه لا شيء أقرب إلى الإنسان من نفسه، والخارجية بعضها فلكية وبعضها آثار علوية. فالفلكية لبعدها عن الإنسان اكتفى فيها بمجرد التصديق، وأما الآثار العلوية فكانت أولى بالنظر والاستدلال لقربها وللإحساس بها فلا جرم خصت بالتعقل والتدبر، وأما تقديم السموات على الأرض فلشمولها ولتقدمها في الوجود. تِلْكَ مبتدأ والتبعيد للتعظيم والمشار إليها الآيات المتقدمة ونَتْلُوها في محل الحال. وقوله بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ كقولهم: أعجبني زيد وكرمه. وأصله بعد آيات الله. والمعنى أن من لم يؤمن بكلام الله فلن يؤمن بحديث سواه.
وقيل: معناه القرآن آخر كتب الله، ومحمد آخر رسله. فإن لم يؤمنوا به فبأي كتاب بعده يؤمنون ولا كتاب بعده ولا نبي. ثم أوعد الناس المبالغين في الإثم وقد مر ما في الآية في سورة لقمان. قوله وَإِذا عَلِمَ أي شعر وأحس بأنه من جملة القرآن المنزل خاض في الاستهزاء، وإذا وقف على آية لها محل في باب الطعن والقدح افترضه وحمله على الوجه الموجب للطعن كاعتراض ابن الزبعري في قوله إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الأنبياء: ٩٨] وإنما أنّث الضمير في قوله اتَّخَذَها لأن الشيء في معنى الآية أو لأنه أراد أن يتخذ جميع الآيات هزوا ولا يقتصر على الاستهزاء بما بلغه. قوله مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ كل ما توارى عنك فهو وراء تقدم أو تأخر، وقد مر في سورة إبراهيم ﵇ هذا هُدىً أي هذا القرآن كامل في باب الهداية والإرشاد. ثم ذكر دليلا آخر على الوحدانية وهو تسخير البحر لبني آدم وقد سبق وجه الدلالة مرارا. وقوله وَلِتَبْتَغُوا أي بسبب التجارة أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان أو باستخراج اللحم الطري. ثم عمم بعد التخصيص وقوله مِنْهُ في موضع الحال أي سخر جميع ما في السموات والأرض كائنة منه، يريد أنه أوجدها بقدرته وحكمته ثم سخرها لخلقه، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذه النعم كلها منه.
عن ابن عباس برواية عطاء أن الصحابة نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر- يقال لها المريسيع- فأرسل عبد الله بن أبيّ غلامه ليستقي الماء فأبطأ عليه فلما أتاه قال له: ما حبسك؟ قال: غلام عمر قعد على رأس البئر فما ترك أحدا يستقي حتى ملأ قرب النبي
стр. 3240
وقرب أبي بكر وملأ لمولاه. فقال عبد الله: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك فبلغ قوله عمر فاشتمل بسيفه يريد التوجه إليه فأنزل الله تعالى قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يعني عمر يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لا يتوقعون وقائعه بأعداء الله أو لا يأملون قوة المؤمنين في أيام الله الموعودة لهم، والمراد الصفح والإعراض. عن عبد الله بن أبي وفي رواية ميمون بن مهران عن ابن عباس: لما نزلت مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ [البقرة: ٢٤٥] قال اليهودي فنحاص بن عازوراء: احتاج رب محمد فبلغ ذلك عمر فأخذ سيفه فخرج في طلبه، فجاء جبرائيل وأنزل الآية هذه. وليس المقصود أن لا تقتلوا ولا تقاتلوا حتى يلزم نسخها بآية القتال كما ذهب إليه كثير من المفسرين، ولكن الأولى أن يحمل على ترك المنازعة في المحقرات وفي أفعالهم الموحشة المؤذية، وإنما نكر قَوْماً مع أنه أراد بقوم الذين آمنوا وهم معارف ليدل على مدحهم والثناء عليهم كأنه قيل: لنجزي قوما كاملين في الصبر والإغضاء على أذى الأعداء بما يكسبون من الثواب العظيم بكظم الغيظ واحتمال المكروه، وقيل: القوم هم الكافرون الكاملون في النفاق. ثم فصل الجزاء وعمم الحكم بقوله مَنْ عَمِلَ صالِحاً الآية.
ثم بين أن للمتأخرين من الكفار أسوة بالمتقدمين منهم والكتاب التوراة والحكم بيان الشرائع والبينات من الأمر أدلة أمور الدين. وقال ابن عباس: يريد أنه تبين لهم من أمر النبي ﷺ أنه مهاجر من تهامة إلى يثرب. وقيل: هي المعجزات القاهرة على صحة نبوة موسى. فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ فيه احتمالان: أحدهما علموا ثم عاندوا، والثاني جاءهم أسباب المعرفة التي لو تأملوا فيها لعرفوا الحق ولكنهم أظهروا النزاع حسدا. ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ أي منهاج وطريقة مِنَ الْأَمْرِ أمر الدين وقيل:
من الأمر الذي أمرنا به من قبلك من رسلنا. قال الكلبي: إن رؤساء قريش قالوا للنبي ﷺ وهو بمكة ارجع إلى ملة آبائك وهم كانوا أفضل منك وأسن فزجره الله تعالى عن ذلك بقوله وَلا تَتَّبِعْ إلى آخره أي لو ملت إلى أديانهم الباطلة لصرت مستحقا للعذاب وهم لا يقدرون على دفعه عنك. ثم أشار بعد النهي عن اتباع أهوائهم بقوله وَلا تَتَّبِعْ أتباعهم إلى الفرق بين ولاة الظالمين وهم أشكالهم من الظلمة، وبين ولي المتقين وهو الله سبحانه. ومن جملة آثار ولايته وبركة عنايته هذا القرآن. وقيل: ما تقدم من اتباع الشريعة وترك طاعة الظالم وجعل القرآن مشارا إليه أولى لقوله بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ إلى آخره. وقد مر في آخر «الأعراف» مثله. ثم بين الفرق بين الظالمين والمتقين من وجه آخر قائلا أَمْ حَسِبَ
قال جار الله: «أم» منقطعة والآية نظيرة ما سلف في «ص» أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ [الآية: ٢٨] والاجتراح الاكتساب. من قرأ
стр. 3241
سَواءً
بالنصب فمعناه مستويا والظاهر بعده فاعله ويكون انتصابه على البدل من ثاني مفعولي نَجْعَلَهُمْ
وهو الكاف. ومن قرأ بالرفع فخبر ومَحْياهُمْ
مبتدأ والجملة بدل أيضا لأن الجملة تقع مفعولا ثانيا. والمعنى إنكار أن يستوي الفريقان حياة وموتا، لأن المحسنين عاشوا على الطاعة وإنهم عاشوا على المعصية ومات أولئك على البشرى والرحمة، ومات هؤلاء على الضد. وقيل: معناه إنكار أن يستويا في الممات كما استووا في الحياة من حيث الصحة والرزق، بل قد يكون الكافر أرجح حالا من المؤمن. فالفرق المقتضي لسعادة المؤمن وشقاوة الكافر إنما يظهر بعد الوفاة. وقيل: إنه كلام مستأنف، والمراد أن كلا من الفريقين يموت على حسب ما عاش عليه
لقوله ﷺ «كما تعيشون تموتون»
وحين أفتى بأن المؤمن لا يساويه الكافر في درجات السعادات استدل على صحة هذه الدعوى بقوله وَخَلَقَ اللَّهُ الآية. قال جار الله: وَلِتُجْزى معطوف على بِالْحَقِّ لأنه في معنى التعليل أي للعدل، أو ليدل بها على قدرته وللجزاء. ويجوز أن يكون المعلل محذوفا وهو فعلنا ونحوه. والحاصل أن الغاية من خلق السماء والأرض كان هو الإنسان الكامل فكيف يترك الله جزاءه وجزاء من هو ضده والتميز بينهما بموجب العدالة. ثم قرر أسباب ضلال المضلين قائلا أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أي يتبع ما تدعو إليه نفسه الأمارة وقد مر في الفرقان وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ بحاله أنه من أهل الخذلان والقهر، أو على علم الضلال في سابق القضاء، أو على علم بوجوه الهداية وإحاطته بالألطاف المحصلة لها. وقيل: أراد به المعاند لأن ضلاله عن علم فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ إضلال اللَّهُ قال بعض العلماء: قدم السمع على القلب في هذه الآية وبالعكس في «البقرة» لأن كفار مكة كانوا يبغضونه بقلوبهم وما كانوا يستمعون إليه وكفار المدينة، كانوا يلقون إلى الناس أن النبي ﷺ شاعر وكاهن وأنه يطلب الملك والرياسة، فالسامعون إذا سمعوا ذلك أبغضوه ونفرت قلوبهم عنه. ففي هذه الصورة على هذا التقدير كان الأثر يصعد من البدن إلى جوهر النفس، وفي الصورة الأولى كان الأثر ينزل من جوهر النفس إلى قرار البدن، فورد ما في كل سورة على ترتيبه. ثم ذكر من أسباب الضلال سببا آخر وهو إنكارهم البعث معتقدين أن لا حياة إلا هذه. وليس قولهم الدنيا تسلما لثانية وإنما هو قول منهم على لسان المقرين وبزعمهم نَمُوتُ وَنَحْيا فيه تقديم وتأخير على أن الواو لا توجب الترتيب. وقيل: يموت الآباء وتحيا الأبناء وحياة الأبناء حياة الآباء، أو يموت بعض، ويحيا بعض، أو أرادوا بكونهم أمواتا حال كونهم نطفا، أو هو على مذهب أهل التناسخ أي يموت الرجل ثم تجعل روحه في بدن آخر. ثم إنهم لم يقنعوا بإنكار المعاد حتى ضموا إليه إنكار المبدأ قائلين وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ اعتقدوا أن تولد الأشخاص وكون
стр. 3242
الممتزجات وفسادها ليس إلا بسبب مزاوجات الكواكب. ولا حاجة في هذا الباب إلى مبدىء المبادئ فأجاب الله عن شبهتهم بقوله وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ أي ليس لهم على ما قالوه دليل وإنما ذكروا ذلك ظنا تخمينا واستبعادا فلا ينبغي للعاقل أن يلتفت إلى قولهم، لأن الحجة قامت على نقيض ذلك وهي دليل المبدأ والمعاد المذكور مرارا وأطوارا. وليس قولهم ائْتُوا بِآبائِنا من الحجة في شيء لأنه ليس كل ما لا يحصل في الحال فإنه يمتنع حصوله في الاستقبال بدليل الحادث اليومي الممتنع حصوله في الأمس، فوجه الاستثناء أنه في أسلوب قوله:
تحية بينهم ضرب وجيع وحين بكتهم وسكتهم صرح بما هو الحق وقال قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ إلى آخره. ثم أراد أن يختم السورة بوصف يوم القيامة وما سيجري على الكفار فيه فقال وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ العامل فيه يخسر وقوله يَوْمَئِذٍ بدل من يَوْمَ وفيه تأكيد للحصر المستفاد من تقديم الظرف. قال ابن عباس: الجاثية المجتمعة للحساب المترقبة لما يعمل بها. وقيل: باركة جلسة المدعي عند الحاكم. وقيل: مستوفزا لا يصيب الأرض إلا ركبتاه وأطراف أنامله.
والجثو للكفار خاصة. وقيل: عام بدليل قوله بعد ذلك فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا تُدْعى إِلى كِتابِهَا يريد كتاب الحفظة ليقرؤه. وقال الجاحظ: إلى كتاب نبيها فينظر هل عملوا به أم لا. ويقال: يا أهل التوراة يا أهل القرآن. الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ بتقدير القول ومما يؤيد القول الأول قوله هذا كِتابُنا إلى قوله إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ أي نأمر بالنسخ. وإضافة الكتاب تارة إليهم وأخرى إلى الله صحيحة لأن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة، فأضيف إليهم لأن أعمالهم مثبتة فيه، وأضيف إلى الله سبحانه لأنه أمر ملائكته بكتبه. قوله أَفَلَمْ تَكُنْ القول فيه مقدر أي فيقال لهم ذلك قوله إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا قال أبو علي والأخفش: هذا الكلام جار على غير الظاهر لأن كل من يظن فإنه لا يظن إلا الظن، فتأويله أن ينوي به التقديم أي ما نحن إلا نظن ظنا. وقال المازني: تقديره إن نظن نحن إلا ظنا منكم أي أنتم شاكون فيما تزعمون وما نحن بمستيقنين أنكم لا تظنون. وقال جار الله: أصله نظن ظنا ومعناه إثبات الظن فحسب. فأدخل أداة الحصر ليفيد إثبات الظن مع نفي ما سواه وأقول: الظن قد يطلق على ما يقرب من العلم، ولا ريب أن لهذا الرجحان مراتب وكأنهم نفوا كل الظنون إلا الذي لا ثبوت علم فيه وأكدوا هذا المعنى بقوله وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ وباقي السورة واضح مما سلف والله أعلم.
تم الجزء الخامس والعشرون ويليه الجزء السادس والعشرون أوله تفسير سورة الأحقاف.
القراآت:
لتنذر على الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وسهل ويعقوب. الباقون: على الغيبة. والضمير للكتاب إِحْساناً: حمزة وعلي وخلف وعاصم. الباقون: حسنا كرها في الموضعين بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وجبلة وهشام. الباقون: بالضم وفصله يعقوب. الآخرون وفصاله أَوْزِعْنِي أَنْ بالفتح: ابن كثير غير القوّاس والنجاري عن ورش وقالون غير الحلواني نَتَقَبَّلُ بالنون أَحْسَنَ بالنصب وَنَتَجاوَزُ بالنون: حمزة وعلي وخلف وحفص. الآخرون بياء الغيبة مبنيا للمفعول في الفعلين أحسن بالرفع أُفٍّ بالكسر والتنوين: أبو جعفر ونافع وحفص والمفضل. وقرأ ابن كثير بالفتح من غير تنوين. الباقون: بالكسر ولا تنوين أتعدانني أن بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وقرأ هشام مدغمة النون وَلِيُوَفِّيَهُمْ بالياء:
ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم. الباقون: بالنون أأذهبتم بتحقيق الهمزتين: ابن ذكوان آذهبتم بالمدّ: ابن كثير ويزيد وسهل ويعقوب وهشام. الباقون:
بهمزة واحدة.
الوقوف:
حم هـ كوفي الْحَكِيمِ هـ مُسَمًّى ط مُعْرِضُونَ هـ السَّماواتِ هـ لانتهاء الاستفهام إلى الخطاب صادِقِينَ هـ غافِلُونَ هـ كافِرِينَ هـ مُبِينٌ هـ لأن «أم» تتضمن استفهام إنكار افْتَراهُ ط شَيْئاً ط فِيهِ ط وَبَيْنَكُمْ ط الرَّحِيمُ هـ بِكُمْ ط مُبِينٌ هـ ط وَاسْتَكْبَرْتُمْ ط الظَّالِمِينَ هـ إِلَيْهِ ط قَدِيمٌ هـ وَرَحْمَةً ط لِلْمُحْسِنِينَ هـ يَحْزَنُونَ هـ فِيها ج لأن جَزاءً يصلح مفعولا له ومفعول فعل محذوف أي يجزون جزاء يَعْمَلُونَ هـ إِحْساناً ط وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ط شَهْراً ط سَنَةً لا لأن ما بعده جواب «إذا» ذُرِّيَّتِي ط للابتداء بإن مع اتحاد الكلام الْمُسْلِمِينَ هـ الْجَنَّةِ ط لأن التقدير وعد الله وعدا صدقا وهو مصدر مؤكد لأن قوله نَتَقَبَّلُ في معنى الوعد يُوعَدُونَ هـ الْأَوَّلِينَ هـ وَالْإِنْسِ ط خاسِرِينَ هـ
стр. 3245
عَمِلُوا ج لأن الواو تكون مقحمة ويتصل اللام بما قبله وقد يكون المعلل محذوفا كأنه قيل: وليوفيهم أعمالهم قدّر جزاءهم على مقادير أعمالهم لا يُظْلَمُونَ هـ ط لتقدير القول وهو العامل في يوم بِها ج لابتداء التهديد مع الفاء تَفْسُقُونَ هـ.
التفسير:
إنما كرر تنزيل الكتاب لأنه بمنزلة عنوان الكتب ثم ذكر ما أنزل فقال ما خَلَقْنَا إلى قوله وَأَجَلٍ مُسَمًّى وقد مر في أوّل «الروم» أنه الوقت الذي عينه لإفناء الدنيا. وحين بين الدليل على وجود الإله ووقوع الحشر فرع عليه الردّ على عبدة الأوثان بقوله قُلْ أَرَأَيْتُمْ وقد مر في «فاطر» . والمراد أنهم لا يستحقون العبادة أصلا لأنهم ما خلقوا شيئا في هذا العالم لا في الأرض ولا في السماء، ولم يدل وحي من الله على عبادتهم لأن هذا القرآن ناطق بالتوحيد وإبطال الشرك وما من كتاب قبله إلا هو ناطق بمثل ذلك. فقوله ائْتُونِي من باب إرخاء العنان وتوسيع المجال على الخصم أي إن كنتم في شك مما قلت فقد أمهلتكم حتى تأتوني بعد الاستقراء بِكِتابٍ فيه شيء من ذلك أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ قال الواحدي: كلام أهل اللغة في تفسير هذا الحرف يدور على ثلاثة أوجه: أحدها البقية من قولهم «سمنت الناقة على إثارة من شحم» أي على بقية شحم كانت بها من شحم ذاهب. والثاني أنه من الأثر بمعنى الرواية. والثالث من الأثر بمعنى العلامة والمراد ما بقي أو روي عن أسلافهم ويعدّونه علما. عن ابن عباس مرفوعا أنه الخط. قال: كان نبي من الأنبياء يخط فمن صادف مثل خطه علم علمه. ثم زاد في تبكيتهم وتوبيخهم بقوله وَمَنْ أَضَلُّ الآية. وبالجملة فالدليل الأوّل دل على نفي القدرة عنهم من كل الوجوه، وهذا الدليل دل على نفي العلم عنهم من كل الوجوه، فإذا انتفى العلم والقدرة عن الجسم لم يكن إلا جمادا وعبادة الجماد محض الضلال. وقوله إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ تأبيد على عادة العرب، ويحتمل أن يكون توقيتا بدليل قوله وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وهذا التبري والتخاطيب نوع من الاستجابة. ثم قرر غاية عنادهم بقوله وَإِذا تُتْلى ثم عجب من حالهم بقوله أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ الآية أي إن كذبت على الله كما زعمتم عاجلني بالعقوبة فلا تقدرون على دفع عذابه عني فأي فائدة لي في الافتراء.
ثم فوّض أمرهم إلى الله قائلا هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ أي تتدفعون فيه من القدح في الوحي، وتسميته سحرا تارة وافتراء أخرى وفي قوله وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ إشارة إلى أنهم لو رجعوا إلى الحق وتابوا عن الشرك قبل الله توبتهم، وفيه إشعار بحلم الله عنهم مع عظم ما ارتكبوه. ثم أراد أن يزيل شبهتهم بنوع آخر من البيان فقال قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً هو بمعنى البديع كالخف بمعنى الخفيف أي لست بأوّل رسول أرسله الله ولا جئتكم بأمر بديع
стр. 3246
لم يكن إلى مثله سابق. وفيه إن اقتراح الآيات الغريبة فيه غير موجه لأنه لا يتبع إلا الوحي وما هو إلا نذير وليس إليه أن يأتي بكل ما يقترح عليه، وفيه أنه غير عالم بالمغيبات إلا بطريق الوحي فلا وجه لاستدعاء الغيوب عنه سواء تتعلق بأحوال الدنيا أو بأحوال الآخرة من الأحكام والتكاليف وما يؤل أمر المكلفين إليه، وفيه أنه لا وجه لتعييره بالفقر وبأكل الطعام والمشي في الأسواق لأن الرسل كلهم أو جلهم كانوا كذلك.
قال ابن عباس في رواية الكلبي: لما اشتدّ البلاء على أصحاب رسول الله ﷺ رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر فقصها على أصحابه فاستبشروا بذلك، ثم إنهم مكثوا برهة من الدهر لا يرون أثر ذلك فقالوا: يا رسول الله ما رأينا الذي قلت ومتى تهاجر؟ فسكت رسول الله ﷺ وأنزل الله الآية.
وعنه في رواية أخرى أنه لما نزلت هذه الآية فرح المشركون والمنافقون واليهود وقالوا: كيف نتبع نبيا لا يدري ما يفعل به ولا بأمته، فأنزل الله تعالى إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً إلى قوله فَوْزاً عَظِيماً [الفتح: ١] فبين الله تعالى ما يفعل به وبأمته ونسخت هذه الآية. والأصح عند العلماء أنه لا حاجة إلى التزام النسخ، فإن الدراية المفصلة غير حاصلة، وعلى تقدير حصولها فإنه لم ينف إلا الدراية من قبل نفسه، وما نفي الدراية من جهة الوحي. وقوله وَلا بِكُمْ في حيز النفي ولا أدري ما يفعل بكم. و «ما» موصولة أو استفهامية، ومحل الأولى نصب، والثانية رفع.
ثم قرر أنه لا أظلم منهم فقال قُلْ أَرَأَيْتُمْ الآية. وقد مر نظيره في آخر «حم السجدة» إلا أنه زاد هاهنا حديث الشاهد وفيه أقوال: أحدها أنه عبد الله بن سلام لما قدم رسول الله ﷺ المدينة نظر إلى وجهه وتأمله فتحقق أنه النبي المنتظر فآمن به. وعن سعد بن أبي وقاص: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام وفيه نزل وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ على مثل القرآن.
والمعنى وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة للقرآن من التوحيد والمعاد. وعلى هذا فقوله عَلى مِثْلِهِ يتعلق بشاهد أي ويشهد على صحة القرآن. ويجوز أن يعود الضمير في مِثْلِهِ إلى المذكور وهو كونه من عند الله، فيكون الجار متعلقا ب شَهِدَ قال جار الله:
الواو الأخيرة عاطفة ل اسْتَكْبَرْتُمْ على شَهِدَ وأما الواو في وَشَهِدَ فقد عطفت جملة قوله وَشَهِدَ إلى آخره على جملة قوله كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ والمعنى أخبروني إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به واجتمع شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله وإيمانه به مع استكباركم عنه، ألستم أضل الناس وأظلمهم؟ يدل على هذا الجواب المحذوف قوله إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قلت: هذا كلام حسن. ويجوز
стр. 3247
أن يكون قوله وَاسْتَكْبَرْتُمْ معطوفا على قوله فَآمَنَ. ويجوز أن يكون الواو في وَشَهِدَ للحال بإضمار «قد» . قال: وقد جعل الإيمان في قوله فَآمَنَ مسببا عن الشهادة لأنه لما علم أن مثله أنزل على موسى وأنصف من نفسه اعترف بصحته وآمن.
القول الثاني ما ذكر الشعبي في جماعة أن السورة مكية وقد أسلم ابن سلام بالمدينة، فالشاهد هو موسى وشهادته هو ما في التوراة من بعث محمد ﷺ وإيمانه تصديقه ذلك.
القول الثالث أن الشاهد ليس شخصيا معينا وتقدير الكلام لو أن رجلا منصفا عارفا بالتوراة أقر بذلك واعترف به ثم آمن بمحمد واستكبرتم أنتم، ألم تكونوا ظالمين ضالين؟
والمقصود أنه ثبت بالمعجزات القاهرة أن هذا الكتاب هو من عند الله، وثبت بشهادة الثقات أن التوراة مشتملة على البشارة بمقدم النبي ﷺ ، ومع ثبوت هذين الأمرين كيف يليق بالعاقل إنكار نبوته؟ ثم ذكر شبهة أخرى لهم وهي أنهم قالوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أي لأجلهم وفي حقهم لَوْ كانَ ما أتى به محمد خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وقيل: اللام كما في قولك «قلت له» . وضعف بأنه لو كان كذلك لقيل ما سبقتمونا إليه. وأجيب بأنه وارد على طريقة الالتفات، أو المراد أن الكفار لما سمعوا أن جماعة آمنوا برسول الله ﷺ خاطبوا جماعة من المؤمنين الحاضرين بأنه لو كان هذا الدين خيرا لما سبقنا إليه أولئك الغائبون.
قال المفسرون: لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع: لو كان ما دخل فيه هؤلاء من الدين خيرا ما سبقونا إليه، ونحن أرفع منهم حالا وأكثر مالا وهؤلاء رعاة الغنم. وقيل: قاله أغنياء قريش للفقراء المؤمنين كعمار وصهيب وابن مسعود. وقيل: هم اليهود قالوه عند إسلام عبد الله بن سلام وأصحابه. والعامل في قوله وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ محذوف وهو ظهر عنادهم وذلك أن «إذ» للمضي، والسين للاستقبال وبينهما تدافع. والإفك القديم كقولهم أساطير الأوّلين. وقيل: كذب ككذب عيسى ﵇ قوله وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى خبر ومبتدأ وقوله إِماماً أي قدوة يؤتم به في أصول شرائع الله، نصب على الحال كقولك «في الدار زيد قائما» . وقوله لِساناً عَرَبِيًّا حال من ضمير الكتاب في مُصَدِّقٌ أي لما بين يديه وهو العامل فيه ويجوز أن يكون حالا من كِتابُ لأنه موصوف والعامل معنى الإشارة. وجوز أن يكون مفعولا ل مُصَدِّقٌ على حذف المضاف أي يصدّق ذا لسان عربي هو الرسول. قوله وَبُشْرى معطوف على محل لتنذر لأنه مفعول له. وحين قرر دلائل التوحيد والنبوة وذكر شبه المنكرين مع أجوبتها، أراد أن يذكر طريقة المحقين فقال إِنَّ الَّذِينَ قالُوا الآية. وقد مر في «حم السجدة» إلا أنه رفع واسطة الملائكة هاهنا من البين. ثم إن أعظم
стр. 3248
أنواع الاستقامة كان هو الشفقة على خلق الله ولا سيما على الوالدين فلذلك قال وَوَصَّيْنَا الآية. وقد مرّ في «الروم» و «لقمان» . والكره بالضم، والفتح المشقة أي ذات كره أو حملا ذاكره. والفصل والفصال كالفطم والفطام بناء ومعنى، والمقصود بيان مدّة الرضاع. ولما كان منتهيا بالفصال صح التعبير عن آخر الرضاع بالفصال، والفائدة فيه الدلالة على الرضاع التام المنتهي بالفصال. وقد يستدل من هذه الآية ومن قوله وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ [البقرة: ٢٣٣] أن مدة الحمل ستة أشهر.
وعن عمر أن امرأة ولدت لستة أشهر فرفعت إليه فأمر برجمها، فأخبر عليا رضى الله عنه بذلك فمنعه محتجا بالآية فصدّقه عمر وقال: لولا علىّ لهلك عمر.
قال جالينوس: إني كنت شديد الفحص عن مقادير أزمنة الحمل فرأيت امرأة ولدت في المائة والأربع والثمانين ليلة. وزعم أبو علي بن سينا أنه شاهد ذلك. وذكر أهل التجارب قاعدة كلية قالوا: إن لتكوّن الجنين زمانا مقدّرا، فإذا تضاعف ذلك الزمان تحرك الجنين، ثم إذا انضاف إلى المجموع مثلاه انفصل الجنين. وعلى هذا فلو تمت خلقة الجنين في ثلاثين يوما فإذا أتى عليه مثل ذلك أي تصير مدة علوقه ستين تحرك، فإذا انضاف إلى هذا المقدار مثلاه وهو مائة وعشرون وصار المبلغ مائة وثمانين انفصل، ولو تمت خلقته في خمسة وثلاثين يوما تحرك في سبعين وانفصل في مائتين وعشرة وهو سبعة أشهر، ولو تمت خلقته في أربعين تحرك في ثمانين وانفصل في مائتين وأربعين وهو ثمانية أشهر، وقلما يعيش هذا المولود إلا في بلاد معينة مثل مصر، وقد مرّ هذا المعنى في هذا الكتاب. ولو تمت في خمسة وأربعين تحرك في تسعين وانفصل في مائتين وسبعين وهي تسعة أشهر وهو الأكثر، أما أكثر مدّة الحمل فليس يعرف له دليل من القرآن. وذكر أبو علي بن سينا في كتاب الحيوان من الشفاء في الفصل السادس من المقالة التاسعة، أن امرأة ولدت بعد الرابع من سني الحمل ولدا قد نبتت أسنانه وعاش. وعن أرسطاطاليس أن زمان الولادة لكل الحيوان مضبوط سوى الإنسان. هذا وقد روى الواحدي في البسيط عن عكرمة أنه قال: إذا حملت تسعة أشهر أرضعته أحدا وعشرين شهرا. وعلى هذا قوله حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ أكثر المفسرين كما مر في آخر «الأنعام» وأوّل «يوسف» و «القصص» . على أن وقت الأشد هو زمان الوصول إلى آخر سن النشوء والنماء وهو ثلاث وثلاثون سنة تقريبا، وإن في الأربعين يتم الشباب وتأخذ القوى الطبيعية والحيوانية في الانتفاص، والقوّة العقلية والنطقية في الاستكمال، وهذا أحد ما يدل على أن النفس غير البدن ومن جملة الكمال أنه حينئذ يقول رَبِّ أَوْزِعْنِي أي ألهمني ووفقني كما مر في «النمل» .
стр. 3249
قال علماء المعاني: قوله فِي ذُرِّيَّتِي كقوله «يجرح في عراقيبها نصلي» فكأنه سأل أن يجعل ذرّيته موقعا للصلاح ومظنة له. وقوله أَحْسَنَ ما عَمِلُوا إما بمعنى الحسن أو المراد الواجب والندب دون المباح. وقوله فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ في موضع الحال أي معدودين فيهم. عن ابن عباس وجم غفير من المفسرين أن الآية نزلت في أبي بكر الصدّيق، وفيه أبيه أبي قحافة وأمه أم الخير، وفي أولاده واستجابة دعائه فيهم، ولم يكن أحد من الصحابة المهاجرين والأنصار أسلم هو ووالده وبنوه وبناته غير أبي بكر. قالوا:
ومما يؤيد هذا القول أنه سبحانه حكى عن ذلك الإنسان أنه قال بعد أربعين سنة رب أوزعني إلخ. ومعلوم أنه ليس كل إنسان قد يقول هذا القول. والأظهر أن هذا عام لهذا الجنس، وأن الإنسان قد يقول هذا القول ولا أقل من أن يكون واردا على طريقة الإرشاد والتعليم. سلمنا ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قوله وَالَّذِي قالَ مبتدأ خبره أُولئِكَ والمراد بالذي جنس القائل فلذلك أورد الخبر مجموعا. ويجوز أن يكون الخبر عاما في القائل وفي أمثاله فيندرج فيه القائل. وقيل: تقديره واذكر الذي ومن القائل. عن الحسن وقتادة: هو الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث. وذهب السدّي إلى أن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه وأنه كان يقول لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما وهي كلمة تضجر وتبرم كما مر في «سبحان» و «الأنبياء» أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ من القبر وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي فلم يرجع أحدهم وَهُما
يعني أبويه يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ أي بالله فحذف الجار وأوصل الفعل والمراد يسألانه أن يوقفه للإيمان ويقولان له وَيْلَكَ آمِنْ بالله وبالبعث. والمراد بالدعاء عليه الحث والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك.
قال السدّي: فاستجاب الله دعوة أبي بكر فيه فأسلم وحسن إسلامه ولما أسلم نزل فيه وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وأكثر المفسرين ينكرون هذا القول لأنه سبحانه قال فيه أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ كائنين فِي أُمَمٍ إلى آخره. وأن عبد الرحمن لم يبق كافرا بل كان من سادات المسلمين. وروي عن عائشة إنكاره أيضا. وذلك أنه حين كتب معاوية إلى مروان بن الحكم ابن أبي العاص بأن يبايع الناس ليزيد، ردّ عليه عبد الرحمن وقال مروان: يا أيها الناس هو الذي قال الله فيه وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ فسمعت عائشة فغضبت وقالت: والله ما هو به ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه. ثم ميز حال المؤمن من حال الكافر بقوله وَلِكُلٍّ أي من الجنسين دَرَجاتٌ من جزاء ما عملوا فغلب أهل الدرجات على أهل الدركات، أو الدرجات هي المراتب متصاعدة أو متنازلة، والباقي واضح مما مرّ. والاستكبار عن قبول الحق ذنب القلب، والفسق عمل الجوارح، والأوّل أولى بالتقديم لعظم موقعه. وقد يحتج بالآية على أن الكفار مخاطبون بالفروع. قال مؤلف
стр. 3250
الكتاب: والأشياء الطيبة اللذيذة غير منهي عنها لقوله تعالى قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف: ٣٢] ولكن التقشف وترك التكلف دأب الصالحين لئلا يشتغل بغير المهم عن المهم، ولأن ما عدا الضروري لا حصر له وقد يجر بعضه بعضا إلى أن يقع المرء في حدّ البعد عن الله.
وفي الحديث أن رسول الله ﷺ دخل على أهل الصفة وهم يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها ورقاعا فقال: أنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى ويغدى عليه بجفنة ويراح عليه بأخرى ويستر البيت كما تستر الكعبة؟ قالوا: نحن يومئذ خير. قال: بل أنتم اليوم خير.
وعن عمر لو شئت لكنت أطيبكم طعاما وأحسنكم لباسا ولكنني أستبقي طيباتي لأن الله وصف قوما فقال أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ وعنه أن رجلا دعاه إلى طعام فأكل ثم قدّم شيئا حلوا فامتنع وقال:
رأيت الله نعى على قوم شهواتهم فقال أَذْهَبْتُمْ الآية. فقال الرجل: اقرأ يا أمير المؤمنين ما قبلها وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا ولست منهم فأكل وسرّه ما سمع. والتحقيق أن المراد هو أنه ما كتب للكافر حظ من الطيبات إلا الذي أصابه في دنياه، وليس في الآية إن كل من أصاب الطيبات في الدنيا فإنه لا يكون له منها حظ في الآخرة والله أعلم بالصواب.
[سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٢١ الى ٣٥]
وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاَّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٢٦) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨) وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠)
يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥)
стр. 3251
القراآت:
إني أخاف بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وخلف.
لا يُرى بالياء التحتانية مبنيا للمفعول إِلَّا مَساكِنُهُمْ بالرفع: عاصم وحمزة وخلف وسهل ويعقوب. الباقون لا ترى على خطاب كل راء مساكنهم بالنصب بَلْ ضَلُّوا بإدغام اللام في الضاد: عليّ. وَإِذْ صَرَفْنا بإدغام الذال في الصاد وكذا ما يشبهه: أبو عمرو وعليّ وهشام وحمزة في رواية خلاد وابن سعدان وأبي عمرو يقدر فعلا مضارعا من القدرة: سهل ويعقوب.
الوقوف:
عادٍ ط لأن «إذ» يتعلق بأذكر محذوفا وهو مفعول به. هذا قول السجاوندي، وعندي أن لا وقف. وقوله «إذ» بدل الاشتمال من أَخا عادٍ. إِلَّا اللَّهَ ط عَظِيمٍ هـ آلِهَتِنا ج لتناهي الاستفهام مع تعقيب الفاء الصَّادِقِينَ هـ عِنْدَ اللَّهِ ز لاختلاف الجملتين لفظا ولكن التقدير وأنا أبلغكم تَجْهَلُونَ هـ مُمْطِرُنا ط لتقدير القول بِهِ ط لأن التقدير هذه ريح أَلِيمٌ هـ لا لأن ما بعده صفة مَساكِنُهُمْ ط الْمُجْرِمِينَ هـ وَأَفْئِدَةً ز لعطف الجملتين المختلفتين والوصل أولى للفاء واتحاد الكلام يَسْتَهْزِؤُنَ هـ يَرْجِعُونَ هـ آلِهَةً ج لتمام الاستفهام عَنْهُمْ ج لعطف الجملتين يَفْتَرُونَ هـ الْقُرْآنَ ج لكلمة المجازاة مع الفاء أَنْصِتُوا ج لذلك مُنْذِرِينَ هـ مُسْتَقِيمٍ هـ أَلِيمٍ هـ أَوْلِياءُ ط مُبِينٍ هـ الْمَوْتى ط قَدِيرٌ هـ النَّارِ ط لتقدير القول بِالْحَقِّ ط وَرَبِّنا ط تَكْفُرُونَ هـ لَهُمْ ط يُوعَدُونَ هـ لا لأن ما بعده خبر «كأن» نَهارٍ ط بَلاغٌ ج للاستفهام مع الفاء الْفاسِقُونَ هـ.
التفسير:
إنه سبحانه بعد حكاية شبه المكذبين والأجوبة عنها، وبعد إتمام ما انجر الكلام إليه، أمر نبيه ﷺ أن يذكر قومه بقصة هود أعني أخا عاد لأنه واحد منهم.
والأحقاف جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء من احقوقف الشيء إذا اعوج، ويقال له الشحر من بلاد اليمن. وقيل: بين عمان ومهرة. والنذر جمع نذير مصدر أو
стр. 3252
صفة. الواو في قوله وَقَدْ خَلَتِ إما أن تكون للحال والمعنى أنذرهم وهم عالمون بإنذار الرسل من قبل ومن بعده، وإما أن يكون اعتراضا والمعنى واذكروا وقت إنذار هود قومه أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ وقد أنذر من تقدمه من الرسل ومن تأخر عنه مثل ذلك فأذكرهم قوله لِتَأْفِكَنا أي لتصرفنا عن عبادة آلهتنا. قوله إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ أي لا علم لي بالوقت الذي عينه الله لتعذيبكم فلا معنى لاستعجالكم ولهذا نسبهم إلى الجهالة، وأيّ جهل أعظم من نسبة نبي الله إلى الكذب. ومن ترك طريقة الاحتياط ومن استعجال ما فيه هلاكهم، والضمير في قوله فَلَمَّا رَأَوْهُ عائد إلى الموعود، أو هو مبهم يوضحه قوله عارِضٌ أي سحاب عرض في نواحي السماء. والإضافة في قوله مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ ومُمْطِرُنا لفظية ولهذا صح وقوعها صفة للنكرة. والتدمير الإهلاك والاستئصال. وفي قوله بِأَمْرِ رَبِّها إشارة إلى إبطال قول من زعم أن مثل هذه الآثار مستند إلى تأثيرات الكواكب بالاستقلال.
ثم زاد في تخويف كفار مكة وذكر فضل عاد في القوة الجسمانية وفي الأسباب الخارجية عليهم فقال وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ قال المبرد: «ما» موصولة و «إن» نافية أي في الذي لم نمكنكم فيه. وقال ابن قتيبة: «إن» زائدة وهذا فيه ضعف لأن الأصل حمل الكلام على وجه لا يلزم منه زيادة في اللفظ، ولأن المقصود فضل أولئك القوم على هؤلاء حتى يلزم المبالغة في التخويف، وعند تساويهما يفوت هذا المقصود. وقيل: «إن» للشرط والجزاء مضمر أي في الذي إن مكناكم فيه كان بغيكم أكثر. قوله مِنْ شَيْءٍ أي شيئا من الإغناء وهو القليل منه. وقوله إِذْ كانُوا ظرف لما أغنى وفيه معنى التعليل كقولك «ضربته إذ أساء» . قوله مِنَ الْقُرى يريد من قريات عاد وثمود ولوط وغيرهم بالشام والحجاز واليمن، وتصريف الآيات أي تكريرها. قيل: للعرب المخاطبين والأظهر أنه للماضين لقوله لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عن شركهم، والأوّلون حملوه على الالتفات. ثم وبخهم بأن أصنامهم لم يقدروا على نصرتهم وشفاعتهم. فقوله آلِهَةً مفعول ثان ل اتَّخَذُوا والمفعول الأول محذوف وهو الراجع إلى الَّذِينَ وقُرْباناً حال أو مفعول له أي متقربين إلى الله، أو لأجل القربة بزعمهم. والقربان مصدر أو اسم لما يتقرب به إلى الله . ويجوز أن يكون قُرْباناً مفعولا ثانيا وآلِهَةً بدلا أو بيانا. قوله وَذلِكَ إِفْكُهُمْ أي عدم نصرة آلهتهم وضلالهم عنهم وقت الحاجة محصول إفكهم وافترائهم، أو عاقبة شركهم وثمرة كذبهم على الله.
وحين بيّن أن الإنس من آمن وفيهم من كفر، أراد أن يبين أن نوع الجن أيضا كذلك.
وفي كيفية الواقعة قولان: أحدهما
عن سعيد بن جبير وعليه الجمهور: كانت الجن تسترق
стр. 3253
فلما رجموا قالوا: هذا إنما حدث في السماء لشيء حدث في الأرض. فذهبوا يطلبون السبب فوافوا النبي ﷺ بمكة يصلي بأصحابه أو منفردا. فمنهم من قال صلاة العشاء الآخرة ومنهم من قال صلاة الصبح، فقرأ فيها سورة «اقرأ» فسمعوا القرآن وعرفوا أن ذلك هو السبب.
وعلى هذا لم يكن ذلك بعلم منه ﷺ حتى أوحى الله إليه. والقول الثاني
أنه ﷺ أمر بذلك فقال لأصحابه: إني أمرت أن أقرأ القرآن على الجن فأيكم يتبعني؟ فأتبعه ابن مسعود، فدخل رسول الله ﷺ شعب الحجون وخط على ابن مسعود وقال: لا تبرح حتى آتيك. قال: فسمعت لغطا شديدا حتى خفت على النبي ﷺ ، ثم علا بالقرآن أصواتهم. فلما رجع رسول الله ﷺ سألته عن اللغط فقال: اختصموا إليّ في قتيل كان بينهم فقضيت فيهم.
وفي رواية أخرى عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله ﷺ : أمعك ماء؟ قلت: يا رسول الله معي إداوة فيها شيء من نبيذ التمر. فاستدعاه فصببت على يده فتوضأ فقال: تمرة طيبة وماء طهور.
واختلفوا في عددهم: عن ابن عباس: كانوا تسعة من جن نصيبين أو نينوى. وقال عكرمة: كانوا عشرة من جزيرة الموصل، وزر بن حبيش: كانوا تسعة ومنهم زوبعة. وقيل:
اثني عشر ألفا.
ولنرجع إلى التفسير. قوله وَإِذْ صَرَفْنا معطوف على قوله اذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ ومعنى صرفنا أملناهم إليك، والنفر ما دون العشرة ويجمع على أنفار. والضمير في حَضَرُوهُ للنبي ﷺ أو القرآن قالُوا أي قال بعضهم لبعض أَنْصِتُوا والإنصاف السكوت لاستماع الكلام فَلَمَّا قُضِيَ أي فرغ النبي ﷺ من القراءة. وإنما قالوا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى لأنهم كانوا يهودا أو لأنهم لم يسمعوا أمر عيسى قاله ابن عباس أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ عنوا رسول الله أو أنفسهم بناء على أنهم رسل رسول الله ﷺ إلى قومهم، ومنه يعلم أنه ﷺ كان مبعوثا إلى الجن أيضا وهذا من جملة خصائصه. وحين عمموا الأمر بإجابة الداعي خصصوه بقولهم وَآمِنُوا بِهِ لأن الإيمان أشرف أقسام التكاليف. و «من» في قوله مِنْ ذُنُوبِكُمْ للتبعيض فمن الذنوب ما لا يغفر بالإيمان كالمظالم وقد مر في «إبراهيم» . واختلفوا في أن الجن هل لهم ثواب أم لا؟ فقيل: لا ثواب لهم إلا النجاة من النار بقوله وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ وهو قول أبي حنيفة. والصحيح أنهم في حكم بني آدم يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون. وقد جرت بين مالك وأبي حنيفة مناظرة في هذا الباب. قوله فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ أي لا يفوته هارب. قوله وَلَمْ يَعْيَ يقال: عييت بالأمر إذا لم يعرف وجهه. قوله بِقادِرٍ في محل الرفع لأنه خبر «أن» وإنما دخلت الباء لاشتمال الآية على النفي كأنه قيل: أليس الله بقادر؟ والمقصود تأكيد ما مر في أول السورة من
стр. 3254
دلائل البعث والنبوّة. ثم سلى نبيه ﷺ بقوله فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ وقوله مِنَ الرُّسُلِ بيان لأن جميع الرسل أرباب عزم وجد في تبليغ ما أمروا بأدائه، أو هو للتبعيض فنوح صبر على أذى قومه، وإبراهيم على النار وذبح الولد، وإسحق على الذبح، ويعقوب على فراق الولد، ويوسف على السجن، وأيوب على الضر، وموسى على سفاهة قومه وجهالاتهم، وأما يونس فلم يصبر على دعاء القوم فذهب مغاضبا، وقال الله تعالى في حق آدم وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: ١١٥] وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ أي لا تدع لكفار قريش بتعجيل العذاب فإنه نازل بهم لا محالة وإن تأخر، وإنهم يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا حتى ظنوا أنها ساعة من نهار هذا الذي وعظهم به كفاية في بابه وقد مر في آخر سورة «إبراهيم» ﵇.
القراآت:
وَالَّذِينَ قُتِلُوا مبنيا للمفعول ثلاثيا: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص.
الباقون قاتلوا. ويثبت من الإثبات: المفضل. الباقون: بالتشديد أسن بغير الألف كحذر: ابن كثير أنفا بدون الألف كما قلنا: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.
الوقوف:
أَعْمالَهُمْ هـ بالَهُمْ هـ مِنْ رَبِّهِمْ ط أَمْثالَهُمْ هـ الرِّقابِ ط الْوَثاقَ لا للفاء ولتعلق بَعْدُ بما قبلها أي بعد ما شددتم الوثاق أَوْزارَها ج ذلِكَ ط أي ذلك كذلك، وقد يحسن اتصاله بما قبله لانقطاعه عن خبره أو عن المبتدأ أو الفعل أي الأمر ذلك، أو فعلوا ذلك بِبَعْضٍ ط أَعْمالَهُمْ هـ بالَهُمْ هـ ج للآية مع العطف واتحاد الكلام لَهُمْ هـ أَقْدامَكُمْ هـ أَعْمالَهُمْ هـ ج مِنْ قَبْلِهِمْ ط لتناهي الاستخبار عَلَيْهِمْ ج للابتداء بالتهديد مع الواو أَمْثالُها هـ لَهُمْ هـ الْأَنْهارُ ط لَهُمْ هـ أَخْرَجَتْكَ ج لاحتمال أن ما بعده صفة قَرْيَةٍ أو ابتداء إخبار لَهُمْ هـ أَهْواءَهُمْ هـ الْمُتَّقُونَ ط للحذف أي صفة الجنة فيما نقص عليكم ثم شرع في قصتها. آسِنٍ ج طَعْمُهُ ج لِلشَّارِبِينَ هـ ج لتفصيل أنواع النعم مع العطف مُصَفًّى ج مِنْ رَبِّهِمْ ط لحذف المبتدأ والتقدير أفمن هذا حاله كمن هو خالد أَمْعاءَهُمْ هـ إِلَيْكَ ج لاحتمال أن يكون حتى للانتهاء وللابتداء آنِفاً ط أَهْواءَهُمْ هـ تَقْواهُمْ هـ بَغْتَةً هـ لتناهي الاستفهام مع مجيء الفاء بعده في الإخبار أَشْراطُها ج لعكس ما مر ذِكْراهُمْ هـ.
التفسير:
قال أهل النظم: إن أول هذه السورة مناسب لآخر السورة كأنه قيل: كيف يهلك الفاسق إن كان له أعمال صالحة؟ فأجاب الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا منعوا الناس عن الإيمان صدا أو امتنعوا عنه صدودا أَضَلَّ الله أَعْمالَهُمْ أي أبطل ثوابها وكانوا يصلون الأرحام ويطعمون الطعام ويعمرون المسجد الحرام. وعن ابن عباس أنها نزلت في المطعمين يوم بدر. وقيل: هم أهل الكتاب. والأظهر العموم. قال جار الله: حقيقة إضلال الأعمال جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يثيب عليها كالضالة من الإبل لا رب لها يحفظها، أو أراد أنه يجعلها ضالة في كفرهم ومعاصيهم مغلوبة بها كما يضل الماء في اللبن. وقيل: أراد إبطال ما عملوه من الكيد للإسلام وذويه بأن نصر المسلمين عليهم وأظهر دينه على الدين كله. وحين بيّن حال الكفار بيّن حال المؤمنين قائلا وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بالهجرة والنصرة وغير ذلك وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ يعني القرآن وهو تخصيص بعد تعميم، ولم يقتصر على هذا التخصيص الموجب للتفضيل ولكنه أكده بجملة اعتراضية هي قوله وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ولأن الحق الثابت ففيه دليل على أن دين
стр. 3257
محمد ﷺ لا يرد عليه النسخ أبدا. وتكفير السيئات من الكريم سترها بما هي خير منها فهو في معنى قوم فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [الفرقان: ٧] والبال الحال والشأن لا يثنى ولا يجمع. وقيل: هو بمعنى القلب أي يصلح أمر دينهم. والحاصل أن قوله وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ بإزاء قوله وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فأولئك امتنعوا عن اتباع سبيل محمد ﷺ ، وهؤلاء حثوا أنفسهم على إتباعه فلا جرم حصل لهؤلاء ضدّ ما حصل لأولئك فأضل الله حسنات أولئك وستر على سيئات هؤلاء، وقد أشير إلى هذا الحاصل بقوله ذلِكَ الإضلال والتكفير بسبب اتباع أولئك الباطل الشيطان وحزبه وأولئك الحق محمدا والقرآن كَذلِكَ أي مثل ذلك الضرب يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ كلهم أمثال أنفسهم أو أمثال المذكورين من الفريقين على معنى إنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم. وضرب المثل في الآية هو أن جعل اتباع الباطل مثلا لعمل الكفار واتباع الحق مثلا لعمل المؤمنين، ولا ريب أن إخباره عن الفريقين بغير تصريح مثل لحالهما وهذا حقيقة ضرب المثل. وقيل: إن الإضلال مثل لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثل لفوز المؤمنين. وقيل:
إن قوله كَذلِكَ لا يستدعي أن يكون هناك مثل مضروب، ولكنه لما بين حال الكافر وإضلال أعماله وحال المؤمن وتكفير سيئاته، وبين السبب فيهما كان ذلك نهاية الإيضاح فقال كَذلِكَ أي مثل ذلك البيان يضرب الله للناس أمثالهم ويبين أحوالهم. قال أصحاب النظم: لما بيّن أن عمل الكفار ضلال والإنسان حرمته باعتبار عمله نتج من ذلك قوله فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي في دار الحرب أو في القتال فَضَرْبَ الرِّقابِ وأصله فأضربوا الرقاب ضربا إلا أنه اختصر للتوكيد لأنه بذكر المصدر المنصوب دل على الفعل وكان كالحكم البرهاني. وليس ضرب الرقبة مقصودا بالذات ولكنه وقع التعبير عن القتل به لأنه أغلب أنواع القتل، ولما في ذكره من التخويف والتغليظ. وفيه ردّ على من زعم أن القتل بل إيلام الحيوان قبيح مطلقا لأنه تخريب البنيان، فبين الشرع أن أهل الكفر والطغيان يجب قتلهم لأن فيه صلاح نوع الإنسان كما أن الطبيب الحاذق يأمر بقطع العضو الفاسد إبقاء على سائر البدن. حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ أكثرتم قتلهم وأغلظتموه من الشيء الثخين، أو أثقلتموهم بالقتل والجراح حتى لا يمكنهم النهوض وقد مر في آخر «الأنفال» . فَشُدُّوا الْوَثاقَ وهو بالفتح والكسر اسم ما يوثق به والمراد فأسروهم وشدّوهم بالحبال والسيور.
فإما تمنون منا وإما تفدون فداء، وهذا مما يلزم فيه حذف فعل المفعول المطلق لأنه وقع المفعول تفصيلا لأثر مضمون جملة متقدمة. وقال الشافعي: للإمام أن يختار أحد أربعة أمور هي: القتل والاسترقاق والمنّ وهو الإطلاق من غير عوض والفداء بأسارى المسلمين أو بمال. لأن رسول الله ﷺ منّ على أبي عروة الجهني وعلى ابن أثال الحنفي، وفادى
стр. 3258
رجلا برجلين من المشركين. وذهب بعض أصحاب الرأي أن الآية منسوخة. وأن المنّ والفداء إنما كان يوم بدر فقط وناسخها فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: ٥] وليس للإمام إلا القتل أو الاسترقاق. وعن مجاهد: ليس اليوم منّ ولا فداء إنما هو الإسلام أو ضرب العنق. وقوله حَتَّى تَضَعَ يتعلق بالضرب والشدّ أو بالمنّ والفداء. والمراد عند الشافعي أنهم لا يزالون على ذلك أبدا إلى أن لا يكون حرب مع المشركين وذلك إذا لم يبق لهم شوكة. وأوزار الحرب آلاتها وأثقالها التي لا تقوم الحرب إلا بها. قال الأعشى:
وأعددت للحرب أوزارها ... رماحا طوالا وخيلا ذكورا
فإذا أنقضت الحرب فكأنها وضعت أسبابها. وقيل: أوزارها آثامها والمضاف محذوف أي حتى يترك أهل الحرب. وهم المشركون شركهم ومعاصيهم بأن يسلموا.
وعلى هذا جاز أن يكون الحرب جمع حارب كالصحب جمع صاحب فلا يحتاج إلى تقدير المضاف. وفسر بعضهم وضع الحرب أوزارها بنزول عيسى ﵇.
عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى ﵇ إماما هاديا وحكما عدلا يكسر الصليب ويقتل الخنزير وتضع الحرب أوزارها حتى تدخل كلمة الإخلاص كل بيت من وبر ومدر» «١»
وعند أبي حنيفة: إذا علق بالضرب والشدّ فالمعنى أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب الأوزار، وذلك إذا لم تبق شوكة للمشركين. وإذا علق بالمنّ والفداء فالحرب معهودة وهي حرب بدر. ثم بين أنه منزه في الانتقام من الكفار عن الاستعانة بأحد فقال ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ بغير قتال أو بتسليط الملائكة أو أضعف خلقه عليهم وَلكِنْ أمركم بقتالهم لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ فيمتحن المؤمنين بالكافرين هل يجاهدون في سبيله حق الجهاد أم لا، ويبتلي الكافرين بالمؤمنين هل يذعنون للحق أم لا إلزاما للحجة وقطعا للمعاذير. ومعنى الابتلاء من الله سبحانه قد مر مرارا أنه مجاز أي يعاملهم معاملة المختبر، أو ليظهر الأمر لغيره من الملائكة أو الثقلين.
ثم وعد الشهداء والمجاهدين بقوله وَالَّذِينَ قُتِلُوا أو قاتلوا على القراءتين فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ خلاف الكفرة سَيَهْدِيهِمْ إلى الثواب ويثبتهم على الهداية وَيُصْلِحُ بالَهُمْ أمر معاشهم في المعاد أو في الدنيا، وكرر لأن الأوّل سبب النعيم، والثاني نفس
стр. 3259
النعيم وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ جعل كل واحد بحيث يعرف ماله في الجنة كأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا. وعن مقاتل: يعرفها لهم الحفظة وعسى أنه عرفها بوصفها في القرآن. وقيل: طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة. ثم حث على نصرة دين الله بقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ أي دينه أو رسوله يَنْصُرْكُمْ على عدوّكم ويفتح لكم وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ في مواقف الحرب أو على جادّة الشريعة وَالَّذِينَ كَفَرُوا حالهم بالضد. يقال: تعسا له في الدعاء عليه بالعثار والتردّي. عن ابن عباس: هو في الدنيا القتل، وفي الآخرة الهويّ في جهنم. وهو من المصادر التي يجب حذف فعلها سماعا والتقدير: أتعسهم الله فتعسوا تعسا ولهذا عطف عليه قوله وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ ثم بين سبب بقائهم على الكفر والضلال بقوله ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ من القرآن والتكاليف لألفهم بالإهمال وإطلاق العنان فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ التي لا استناد لها إلى القرآن أو السنة.
ثم هدّدهم بحال الأقدمين وهو ظاهر. ودمر عليه ويقال دمره فالثاني الإهلاك مطلقا، والأوّل إهلاك ما يختص به من نفسه وماله وولده وغيره وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها الضمير للعاقبة أو العقوبة. والأوّل مذكور، والثاني مفهوم بدلالة التدمير فإن كان المراد الدعاء عليهم فاللام للعهد وهم كفار قريش ومن ينخرط في سلكهم، وإن كان المراد الإخبار جاز أن يراد هؤلاء. والقتل والأسر نوع من التدمير وجاز أن يراد الكفار الأقدمون ذلِكَ النصر والتعس بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا أي وليهم وناصرهم وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ بمعنى النصرة والعناية، وأما بمعنى الربوبية والمالكية فهو مولى الكل لقوله وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ [يونس: ٣٠] ثم برهن على الحكم المذكور وهو أن ولايته مختصة بالمؤمنين فقال إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الآية. فشبه الكافرين بالأنعام من جهة أن الكافر غرضه من الحياة التنعم والأكل وسائر الملاذ لا التقوى والتوسل بالغذاء إلى الطاعة وعمل الآخرة، ومن جهة أنه لا يستدل بالنعم على خالقها، ومن جهة غفلتهم عن مآل حالهم وأن النار مثوى لهم. ثم زاد في تهديد قريش بقوله وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أي أهل قرية هم أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ أهل قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ تسببوا لخروجك. وقوله فَلا ناصِرَ لَهُمْ حكاية تلك الحال كقوله وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ [الكهف: ١٨] ثم بين الفرق بين أهل الحق وحزب الشيطان بقوله على طريق الإنكار أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ معجزة ظاهرة وحجة باهرة مِنْ رَبِّهِ يريد محمدا وأمته قوله وَاتَّبَعُوا محمول على معنى «من» وهو تأكيد للتزيين كما أن كون البينة من الرب تأكيد لها. وحين أثبت الفرق بين الفريقين أراد أن يبين الفرق بين جزائهما فقال مَثَلُ الْجَنَّةِ أي صفتها العجيبة الشأن. وفي إعرابه وجهان: أحدهما ما مر في الوقوف، والثاني قول الزمخشري في الكشاف أنه على حذف حرف الاستفهام، والتقدير:
стр. 3260
أمثل الجنة وأصحابها كمثل جزاء من هو خالد في النار، أو كمثل من هو خالد؟ وفائدة التعرية عن حروف الاستفهام زيادة تصوير مكابرة من يسوّي بين الفريقين. وقوله فِيها أَنْهارٌ كالبدل من الصلة أو حال. والآسن المتغير اللون أو الريح أو الطعم ومصدره الأسون والنعت آسن مقصورا، واللذة صفة أو مصدر وصف به كما مر في «الصافات» ، والباقي ظاهر. قال بعض علماء التأويل: لا شك أن الماء أعم نفعا للخلائق من اللبن والخمر والعسل فهو بمنزلة العلوم الشرعية لعموم نفعها للمكلفين كلهم، وأما اللبن فهو ضروري للناس كلهم ولكن في أوّل التربية والنماء فهو بمنزلة العلوم الغريزية الفطرية، وأما الخمر والعسل فليسا من ضرورات التعيش فهما بمنزلة العلوم الحقيقة السببية إلا أن الخمر يمكن أن تخص بالعلوم الذوقية. والعسل بسائرها وقد يدور في الخلد أن هذه الأنهار الأربعة يمكن أن تحمل على المراتب الإنسانية الأربع. فالعقل الهيولاني بمنزلة الماء لشموله وقبوله الآثار، والعقل بالملكة بمنزلة اللبن لكونه ضروريا في أوّل النشوء والتربية، والعقل بالفعل بمنزلة الخمر فإن حصوله ليس بضروري لجميع الإنسان إلا أنه إذا حصل وكان الشخص ذاهلا عنه غير ملتفت إليه كان كالخمر الموجب للغفلة وعدم الحضور، والعقل المستفاد بمنزلة العسل من جهة لذته ومن جهة شفائه لمرض الجهل ومن قبل ثباته في المذاق للزوجته ودسومته والتصاقه والله تعالى أعلم بمراده. وقوله وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ إن قدر ولهم مغفرة من الله قبل ذلك فلا إشكال، وإن قدر لهم فيها مغفرة أمكن أن يقال:
إنهم مغفورون قبل دخول الجنة فما معنى الغفران بعد ذلك؟ والجواب أن المراد رفع التكليف يأكلون من غير حساب ولا تبعة وآفة بخلاف الدنيا فإن حلالها حساب وحرامها عذاب. ثم ذكر نوعا آخر من قبيح خصال الكافرين وقيل أراد المنافقين فقال وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ كانوا يحضرون مجلس النبي ﷺ والجمعات ويسمعون كلامه ولا يعونه كما يعيه المسلم حَتَّى إِذا خَرَجُوا انصرفوا وخرج المسلمون مِنْ عِنْدِكَ يا محمد قال المنافقون للعلماء وهم بعض الصحابة كابن عباس وابن مسعود وأبي الدرداء: أيّ شيء قال محمد آنِفاً أي في ساعتنا هذه. وأنف كل شيء ما تقدمه ومنه فولهم «استأنفت الأمر» ابتدأته. ولا يستعمل منه فعل ثلاثي بهذا المعنى. وإنما توجه الذم عليهم لأن سؤالهم سؤال استهزاء وإعلام أنهم لم يلتقتوا إلى قوله، ولو كان سؤال بحث عما لم يفهموه لم يكن كذلك، على أن عدم الفهم دليل قلة الاكتراث بقوله. ثم مدح أهل الحق بقوله وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا بالإيمان زادَهُمْ الله هُدىً بالتوفيق والتثبيت وشرح الصدر ونور اليقين وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ أعانهم عليها أو أعطاهم جزاء تقواهم. وعن السدي: بين لهم ما يتقون. وقيل: الضمير في زادَهُمْ للاستهزاء أو لقول الرسول ﷺ . ثم خوف أهل الكفر