← Тафсир

Тафсир · id 23613

تفسير النيسابوري = غرائب القرآن ورغائب الفرقان

النيسابوري، نظام الدين القمي

Полный текст (3 743 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

القراآت: وَالَّذِينَ قُتِلُوا مبنيا للمفعول ثلاثيا: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص. الباقون قاتلوا. ويثبت من الإثبات: المفضل. الباقون: بالتشديد أسن بغير الألف كحذر: ابن كثير أنفا بدون الألف كما قلنا: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل. الوقوف: أَعْمالَهُمْ هـ بالَهُمْ هـ مِنْ رَبِّهِمْ ط أَمْثالَهُمْ هـ الرِّقابِ ط الْوَثاقَ لا للفاء ولتعلق بَعْدُ بما قبلها أي بعد ما شددتم الوثاق أَوْزارَها ج ذلِكَ ط أي ذلك كذلك، وقد يحسن اتصاله بما قبله لانقطاعه عن خبره أو عن المبتدأ أو الفعل أي الأمر ذلك، أو فعلوا ذلك بِبَعْضٍ ط أَعْمالَهُمْ هـ بالَهُمْ هـ ج للآية مع العطف واتحاد الكلام لَهُمْ هـ أَقْدامَكُمْ هـ أَعْمالَهُمْ هـ ج مِنْ قَبْلِهِمْ ط لتناهي الاستخبار عَلَيْهِمْ ج للابتداء بالتهديد مع الواو أَمْثالُها هـ لَهُمْ هـ الْأَنْهارُ ط لَهُمْ هـ أَخْرَجَتْكَ ج لاحتمال أن ما بعده صفة قَرْيَةٍ أو ابتداء إخبار لَهُمْ هـ أَهْواءَهُمْ هـ الْمُتَّقُونَ ط للحذف أي صفة الجنة فيما نقص عليكم ثم شرع في قصتها. آسِنٍ ج طَعْمُهُ ج لِلشَّارِبِينَ هـ ج لتفصيل أنواع النعم مع العطف مُصَفًّى ج مِنْ رَبِّهِمْ ط لحذف المبتدأ والتقدير أفمن هذا حاله كمن هو خالد أَمْعاءَهُمْ هـ إِلَيْكَ ج لاحتمال أن يكون حتى للانتهاء وللابتداء آنِفاً ط أَهْواءَهُمْ هـ تَقْواهُمْ هـ بَغْتَةً هـ لتناهي الاستفهام مع مجيء الفاء بعده في الإخبار أَشْراطُها ج لعكس ما مر ذِكْراهُمْ هـ. التفسير: قال أهل النظم: إن أول هذه السورة مناسب لآخر السورة كأنه قيل: كيف يهلك الفاسق إن كان له أعمال صالحة؟ فأجاب الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا منعوا الناس عن الإيمان صدا أو امتنعوا عنه صدودا أَضَلَّ الله أَعْمالَهُمْ أي أبطل ثوابها وكانوا يصلون الأرحام ويطعمون الطعام ويعمرون المسجد الحرام. وعن ابن عباس أنها نزلت في المطعمين يوم بدر. وقيل: هم أهل الكتاب. والأظهر العموم. قال جار الله: حقيقة إضلال الأعمال جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يثيب عليها كالضالة من الإبل لا رب لها يحفظها، أو أراد أنه يجعلها ضالة في كفرهم ومعاصيهم مغلوبة بها كما يضل الماء في اللبن. وقيل: أراد إبطال ما عملوه من الكيد للإسلام وذويه بأن نصر المسلمين عليهم وأظهر دينه على الدين كله. وحين بيّن حال الكفار بيّن حال المؤمنين قائلا وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بالهجرة والنصرة وغير ذلك وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ يعني القرآن وهو تخصيص بعد تعميم، ولم يقتصر على هذا التخصيص الموجب للتفضيل ولكنه أكده بجملة اعتراضية هي قوله وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ولأن الحق الثابت ففيه دليل على أن دين

стр. 3257

محمد ﷺ لا يرد عليه النسخ أبدا. وتكفير السيئات من الكريم سترها بما هي خير منها فهو في معنى قوم فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [الفرقان: ٧] والبال الحال والشأن لا يثنى ولا يجمع. وقيل: هو بمعنى القلب أي يصلح أمر دينهم. والحاصل أن قوله وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ بإزاء قوله وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فأولئك امتنعوا عن اتباع سبيل محمد ﷺ ، وهؤلاء حثوا أنفسهم على إتباعه فلا جرم حصل لهؤلاء ضدّ ما حصل لأولئك فأضل الله حسنات أولئك وستر على سيئات هؤلاء، وقد أشير إلى هذا الحاصل بقوله ذلِكَ الإضلال والتكفير بسبب اتباع أولئك الباطل الشيطان وحزبه وأولئك الحق محمدا والقرآن كَذلِكَ أي مثل ذلك الضرب يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ كلهم أمثال أنفسهم أو أمثال المذكورين من الفريقين على معنى إنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم. وضرب المثل في الآية هو أن جعل اتباع الباطل مثلا لعمل الكفار واتباع الحق مثلا لعمل المؤمنين، ولا ريب أن إخباره عن الفريقين بغير تصريح مثل لحالهما وهذا حقيقة ضرب المثل. وقيل: إن الإضلال مثل لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثل لفوز المؤمنين. وقيل: إن قوله كَذلِكَ لا يستدعي أن يكون هناك مثل مضروب، ولكنه لما بين حال الكافر وإضلال أعماله وحال المؤمن وتكفير سيئاته، وبين السبب فيهما كان ذلك نهاية الإيضاح فقال كَذلِكَ أي مثل ذلك البيان يضرب الله للناس أمثالهم ويبين أحوالهم. قال أصحاب النظم: لما بيّن أن عمل الكفار ضلال والإنسان حرمته باعتبار عمله نتج من ذلك قوله فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي في دار الحرب أو في القتال فَضَرْبَ الرِّقابِ وأصله فأضربوا الرقاب ضربا إلا أنه اختصر للتوكيد لأنه بذكر المصدر المنصوب دل على الفعل وكان كالحكم البرهاني. وليس ضرب الرقبة مقصودا بالذات ولكنه وقع التعبير عن القتل به لأنه أغلب أنواع القتل، ولما في ذكره من التخويف والتغليظ. وفيه ردّ على من زعم أن القتل بل إيلام الحيوان قبيح مطلقا لأنه تخريب البنيان، فبين الشرع أن أهل الكفر والطغيان يجب قتلهم لأن فيه صلاح نوع الإنسان كما أن الطبيب الحاذق يأمر بقطع العضو الفاسد إبقاء على سائر البدن. حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ أكثرتم قتلهم وأغلظتموه من الشيء الثخين، أو أثقلتموهم بالقتل والجراح حتى لا يمكنهم النهوض وقد مر في آخر «الأنفال» . فَشُدُّوا الْوَثاقَ وهو بالفتح والكسر اسم ما يوثق به والمراد فأسروهم وشدّوهم بالحبال والسيور. فإما تمنون منا وإما تفدون فداء، وهذا مما يلزم فيه حذف فعل المفعول المطلق لأنه وقع المفعول تفصيلا لأثر مضمون جملة متقدمة. وقال الشافعي: للإمام أن يختار أحد أربعة أمور هي: القتل والاسترقاق والمنّ وهو الإطلاق من غير عوض والفداء بأسارى المسلمين أو بمال. لأن رسول الله ﷺ منّ على أبي عروة الجهني وعلى ابن أثال الحنفي، وفادى

стр. 3258

رجلا برجلين من المشركين. وذهب بعض أصحاب الرأي أن الآية منسوخة. وأن المنّ والفداء إنما كان يوم بدر فقط وناسخها فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: ٥] وليس للإمام إلا القتل أو الاسترقاق. وعن مجاهد: ليس اليوم منّ ولا فداء إنما هو الإسلام أو ضرب العنق. وقوله حَتَّى تَضَعَ يتعلق بالضرب والشدّ أو بالمنّ والفداء. والمراد عند الشافعي أنهم لا يزالون على ذلك أبدا إلى أن لا يكون حرب مع المشركين وذلك إذا لم يبق لهم شوكة. وأوزار الحرب آلاتها وأثقالها التي لا تقوم الحرب إلا بها. قال الأعشى: وأعددت للحرب أوزارها ... رماحا طوالا وخيلا ذكورا فإذا أنقضت الحرب فكأنها وضعت أسبابها. وقيل: أوزارها آثامها والمضاف محذوف أي حتى يترك أهل الحرب. وهم المشركون شركهم ومعاصيهم بأن يسلموا. وعلى هذا جاز أن يكون الحرب جمع حارب كالصحب جمع صاحب فلا يحتاج إلى تقدير المضاف. وفسر بعضهم وضع الحرب أوزارها بنزول عيسى ﵇. عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى ﵇ إماما هاديا وحكما عدلا يكسر الصليب ويقتل الخنزير وتضع الحرب أوزارها حتى تدخل كلمة الإخلاص كل بيت من وبر ومدر» «١» وعند أبي حنيفة: إذا علق بالضرب والشدّ فالمعنى أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب الأوزار، وذلك إذا لم تبق شوكة للمشركين. وإذا علق بالمنّ والفداء فالحرب معهودة وهي حرب بدر. ثم بين أنه منزه في الانتقام من الكفار عن الاستعانة بأحد فقال ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ بغير قتال أو بتسليط الملائكة أو أضعف خلقه عليهم وَلكِنْ أمركم بقتالهم لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ فيمتحن المؤمنين بالكافرين هل يجاهدون في سبيله حق الجهاد أم لا، ويبتلي الكافرين بالمؤمنين هل يذعنون للحق أم لا إلزاما للحجة وقطعا للمعاذير. ومعنى الابتلاء من الله سبحانه قد مر مرارا أنه مجاز أي يعاملهم معاملة المختبر، أو ليظهر الأمر لغيره من الملائكة أو الثقلين. ثم وعد الشهداء والمجاهدين بقوله وَالَّذِينَ قُتِلُوا أو قاتلوا على القراءتين فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ خلاف الكفرة سَيَهْدِيهِمْ إلى الثواب ويثبتهم على الهداية وَيُصْلِحُ بالَهُمْ أمر معاشهم في المعاد أو في الدنيا، وكرر لأن الأوّل سبب النعيم، والثاني نفس

стр. 3259

النعيم وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ جعل كل واحد بحيث يعرف ماله في الجنة كأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا. وعن مقاتل: يعرفها لهم الحفظة وعسى أنه عرفها بوصفها في القرآن. وقيل: طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة. ثم حث على نصرة دين الله بقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ أي دينه أو رسوله يَنْصُرْكُمْ على عدوّكم ويفتح لكم وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ في مواقف الحرب أو على جادّة الشريعة وَالَّذِينَ كَفَرُوا حالهم بالضد. يقال: تعسا له في الدعاء عليه بالعثار والتردّي. عن ابن عباس: هو في الدنيا القتل، وفي الآخرة الهويّ في جهنم. وهو من المصادر التي يجب حذف فعلها سماعا والتقدير: أتعسهم الله فتعسوا تعسا ولهذا عطف عليه قوله وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ ثم بين سبب بقائهم على الكفر والضلال بقوله ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ من القرآن والتكاليف لألفهم بالإهمال وإطلاق العنان فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ التي لا استناد لها إلى القرآن أو السنة. ثم هدّدهم بحال الأقدمين وهو ظاهر. ودمر عليه ويقال دمره فالثاني الإهلاك مطلقا، والأوّل إهلاك ما يختص به من نفسه وماله وولده وغيره وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها الضمير للعاقبة أو العقوبة. والأوّل مذكور، والثاني مفهوم بدلالة التدمير فإن كان المراد الدعاء عليهم فاللام للعهد وهم كفار قريش ومن ينخرط في سلكهم، وإن كان المراد الإخبار جاز أن يراد هؤلاء. والقتل والأسر نوع من التدمير وجاز أن يراد الكفار الأقدمون ذلِكَ النصر والتعس بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا أي وليهم وناصرهم وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ بمعنى النصرة والعناية، وأما بمعنى الربوبية والمالكية فهو مولى الكل لقوله وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ [يونس: ٣٠] ثم برهن على الحكم المذكور وهو أن ولايته مختصة بالمؤمنين فقال إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الآية. فشبه الكافرين بالأنعام من جهة أن الكافر غرضه من الحياة التنعم والأكل وسائر الملاذ لا التقوى والتوسل بالغذاء إلى الطاعة وعمل الآخرة، ومن جهة أنه لا يستدل بالنعم على خالقها، ومن جهة غفلتهم عن مآل حالهم وأن النار مثوى لهم. ثم زاد في تهديد قريش بقوله وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أي أهل قرية هم أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ أهل قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ تسببوا لخروجك. وقوله فَلا ناصِرَ لَهُمْ حكاية تلك الحال كقوله وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ [الكهف: ١٨] ثم بين الفرق بين أهل الحق وحزب الشيطان بقوله على طريق الإنكار أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ معجزة ظاهرة وحجة باهرة مِنْ رَبِّهِ يريد محمدا وأمته قوله وَاتَّبَعُوا محمول على معنى «من» وهو تأكيد للتزيين كما أن كون البينة من الرب تأكيد لها. وحين أثبت الفرق بين الفريقين أراد أن يبين الفرق بين جزائهما فقال مَثَلُ الْجَنَّةِ أي صفتها العجيبة الشأن. وفي إعرابه وجهان: أحدهما ما مر في الوقوف، والثاني قول الزمخشري في الكشاف أنه على حذف حرف الاستفهام، والتقدير:

стр. 3260

أمثل الجنة وأصحابها كمثل جزاء من هو خالد في النار، أو كمثل من هو خالد؟ وفائدة التعرية عن حروف الاستفهام زيادة تصوير مكابرة من يسوّي بين الفريقين. وقوله فِيها أَنْهارٌ كالبدل من الصلة أو حال. والآسن المتغير اللون أو الريح أو الطعم ومصدره الأسون والنعت آسن مقصورا، واللذة صفة أو مصدر وصف به كما مر في «الصافات» ، والباقي ظاهر. قال بعض علماء التأويل: لا شك أن الماء أعم نفعا للخلائق من اللبن والخمر والعسل فهو بمنزلة العلوم الشرعية لعموم نفعها للمكلفين كلهم، وأما اللبن فهو ضروري للناس كلهم ولكن في أوّل التربية والنماء فهو بمنزلة العلوم الغريزية الفطرية، وأما الخمر والعسل فليسا من ضرورات التعيش فهما بمنزلة العلوم الحقيقة السببية إلا أن الخمر يمكن أن تخص بالعلوم الذوقية. والعسل بسائرها وقد يدور في الخلد أن هذه الأنهار الأربعة يمكن أن تحمل على المراتب الإنسانية الأربع. فالعقل الهيولاني بمنزلة الماء لشموله وقبوله الآثار، والعقل بالملكة بمنزلة اللبن لكونه ضروريا في أوّل النشوء والتربية، والعقل بالفعل بمنزلة الخمر فإن حصوله ليس بضروري لجميع الإنسان إلا أنه إذا حصل وكان الشخص ذاهلا عنه غير ملتفت إليه كان كالخمر الموجب للغفلة وعدم الحضور، والعقل المستفاد بمنزلة العسل من جهة لذته ومن جهة شفائه لمرض الجهل ومن قبل ثباته في المذاق للزوجته ودسومته والتصاقه والله تعالى أعلم بمراده. وقوله وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ إن قدر ولهم مغفرة من الله قبل ذلك فلا إشكال، وإن قدر لهم فيها مغفرة أمكن أن يقال: إنهم مغفورون قبل دخول الجنة فما معنى الغفران بعد ذلك؟ والجواب أن المراد رفع التكليف يأكلون من غير حساب ولا تبعة وآفة بخلاف الدنيا فإن حلالها حساب وحرامها عذاب. ثم ذكر نوعا آخر من قبيح خصال الكافرين وقيل أراد المنافقين فقال وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ كانوا يحضرون مجلس النبي ﷺ والجمعات ويسمعون كلامه ولا يعونه كما يعيه المسلم حَتَّى إِذا خَرَجُوا انصرفوا وخرج المسلمون مِنْ عِنْدِكَ يا محمد قال المنافقون للعلماء وهم بعض الصحابة كابن عباس وابن مسعود وأبي الدرداء: أيّ شيء قال محمد آنِفاً أي في ساعتنا هذه. وأنف كل شيء ما تقدمه ومنه فولهم «استأنفت الأمر» ابتدأته. ولا يستعمل منه فعل ثلاثي بهذا المعنى. وإنما توجه الذم عليهم لأن سؤالهم سؤال استهزاء وإعلام أنهم لم يلتقتوا إلى قوله، ولو كان سؤال بحث عما لم يفهموه لم يكن كذلك، على أن عدم الفهم دليل قلة الاكتراث بقوله. ثم مدح أهل الحق بقوله وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا بالإيمان زادَهُمْ الله هُدىً بالتوفيق والتثبيت وشرح الصدر ونور اليقين وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ أعانهم عليها أو أعطاهم جزاء تقواهم. وعن السدي: بين لهم ما يتقون. وقيل: الضمير في زادَهُمْ للاستهزاء أو لقول الرسول ﷺ . ثم خوف أهل الكفر

стр. 3261

والنفاق باقتراب القيامة. وقوله أَنْ تَأْتِيَهُمْ بدل اشتمال من السَّاعَةَ وأشراط الساعة إماراتها من انشقاق القمر وغيره. ومنه مبعث محمد ﷺ فإنه نبي آخر الزمان ولهذا قال «بعثت أنا والساعة كهاتين» وأشار بالسبابة والوسطى فَأَنَّى لَهُمْ من أين لهم إِذا جاءَتْهُمْ الساعة ذِكْراهُمْ أي لا ينفعهم تذكرهم وإيمانهم حينئذ فالذكرى مبتدأ وفَأَنَّى لَهُمْ الخبر. وقيل: فاعل جاءَتْهُمْ ضمير يعود إلى «الذكرى» . وجوّز أن يرتفع «الذكرى» بالفعل والمبتدأ مقدر أي من أين لهم التذكر إذا جاءتهم الذكرى؟ والقول هو الأول ولله المرجع والمآب وإليه المصير. [سورة محمد (٤٧) : الآيات ١٩ الى ٣٨] فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ (١٩) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (٢٠) طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (٢٣) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (٢٥) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ (٢٧) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٢٨) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٣١) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ (٣٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (٣٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥) إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (٣٧) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨)

стр. 3262

القراآت: وتقطعوا بالتخفيف من القطع: سهل ويعقوب. والآخرون: بالتشديد من التقطيع. وأملى لهم مبنيا للمفعول ماضيا: أبو عمرو ويعقوب وَأَمْلى مضارعا مبنيا للفاعل: سهل ورويس. الباقون: ماضيا مبنيا للفاعل إِسْرارَهُمْ بكسر الهمز على المصدر: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد وليبلونكم حتى يعلم ويبلوا بالياءات: أبو بكر وحماد. الآخرون: بالنون في الكل. وقرأ يعقوب ونبلو بالنون مرفوعا السلم بكسر السين: حمزة وخلف وأبو بكر وحماد. الوقوف: وَالْمُؤْمِناتِ ط وَمَثْواكُمْ هـ نُزِّلَتْ سُورَةٌ ج للشرط مع الفاء الْقِتالُ لا الْمَوْتِ ط للابتداء بالدعاء عليهم لَهُمْ هـ ج لاحتمال أن يكون الأولى بمعنى الأقرب كما يجيء مَعْرُوفٌ قف الْأَمْرُ ز لاحتمال أن التقدير فإذا عزم الأمر كذبوا وخالفوا خَيْراً لَهُمْ هـ ج لابتداء الاستفهام مع الفاء أَرْحامَكُمْ هـ أَبْصارَهُمْ هـ أَقْفالُها هـ الْهُدَى لا لأن الجملة بعده خبر «إن» سَوَّلَ لَهُمْ ط لأن فاعل وَأَمْلى ضمير اسم الله ويجوز الوصل على جعله حالا أي وقد أملى، أو على أن فاعله ضمير الشيطان من حيث أنه يمنيهم ويعدهم، والوقف أجوز وأعزم. والحال على قراءة وَأَمْلى بفتح الياء أجوز والوقف به جائز، ومن سكن الياء فالوقف به أليق لأن المستقبل لا ينعطف على الماضي. ومع ذلك لو جعل حالا على تقدير وأنا أملى جاز لَهُمُ هـ الْأَمْرِ ج لأن ما بعده يصلح استئنافا وحالا والوقف أجوز لأن الله يعلم الأسرار في الأحوال كلها إِسْرارَهُمْ هـ وَأَدْبارَهُمْ هـ أَعْمالَهُمْ هـ أَضْغانَهُمْ هـ بِسِيماهُمْ ط للابتداء بما هو جواب القسم الْقَوْلِ ط أَعْمالَكُمْ هـ وَالصَّابِرِينَ ط لمن قرأ وَنَبْلُوَا بسكون الواو أي ونحن نبلو أَخْبارَكُمْ هـ الْهُدى لا لأن ما بعده خبر «إن» شَيْئاً ط أَعْمالَهُمْ هـ أَعْمالَكُمْ هـ لَهُمْ هـ إِلَى السَّلْمِ قف قد قيل: على أن قوله وَأَنْتُمُ مبتدأ، وجعله حالا أولى الْأَعْلَوْنَ قف كذلك أَعْمالَكُمْ هـ قف وَلَهْوٌ ط أَمْوالَكُمْ هـ أَضْغانَكُمْ هـ سَبِيلِ اللَّهِ ج لانقطاع النظم مع الفاء مَنْ يَبْخَلُ ج لابتداء الشرط مع العطف عَنْ نَفْسِهِ ط الْفُقَراءُ هـ للشرط مع العطف غَيْرَكُمْ لا للعطف أَمْثالَكُمْ هـ. التفسير: لما ذكر حال الفريقين المؤمن والكافر من السعادة والشقاوة قال لنبيه ﷺ : فاثبت على ما أنت عليه من التوحيد ومن هضم النفس باستغفار ذنبك أو ذنوب أمتك. أو

стр. 3263

المراد فاعلم خبرا يقينا على ما علمته نظرا واستدلالا. أو أراد فاذكر لا إله إلا الله. والهاء في أَنَّهُ لله أو للأمر والشأن، أو الأول إشارة إلى أصول الحكمة النظرية، والثاني إلى أصول الحكمة العملية، أمره بالحكمة العملية بعد الحكمة النظرية. عن سفيان بن عيينة أنه سئل عن فضل العلم فتلا هذه الآية. وذلك أنه أمر بالعمل بعد العلم. والفاءات في هذه الآية وما تقدّمها لعطف جملة على جملة بينهما اتصال. وفي الآية نكتة وهي أن النبي ﷺ له أحوال ثلاث: حال مع الله وهي توحيده، وحال مع نفسه وهي طلب العصمة من الذنوب وأن يستر الله عليه جنس الآثام حتى لا يقع فيها، وحال مع غيره وهي طلب ستر الذنوب عليهم بعد وقوعهم فيها أو أعم ويندرج فيها الشفاعة. ثم قال وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ فقيل: التقلب في الأسفار والمثوى في الحضر. وقيل: أراد منتشركم في النهار ومستقركم بالليل. وقيل: الأوّل في الدنيا والثاني في الآخرة. وقيل: لكل متقلب مثوى فيتقلب من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات ثم إلى الدنيا ثم إلى القبر ثم إلى الجنة أو النار. والمقصود بيان كمال علمه بحال الخلائق فعليهم أن لا يهملوا دقائق الطاعة والخشية ويواظبوا على طلب المغفرة خوفا من التقصير في العبودية. ثم ذكر طرفا آخر من نصائح أهل النفاق ومن ينخرط في سلكهم من ضعفة الإسلام، وذلك أنهم كانوا يدّعون الحرص على الجهاد ويقولون بألسنتهم لَوْلا نُزِّلَتْ سورة في باب القتال فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ مبينة غير متشابهة لا تحتمل النسخ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ عن قتادة: كل سورة ذكر فيها القتال فهي محكمة وهي أشدّها على المنافقين. قال أهل البرهان: نزل بالتشديد أبلغ من أنزل فخص بهم ليكون أدل على حرصهم فيكون أبلغ في باب التوبيخ. قوله فَأَوْلى لَهُمْ كلمة تحذير أي وليك شر فاحذره. هذه عبارة كثير من المفسرين. وقال المبرد: يقال للإنسان إذا كاد يعطب ثم يفلت: أولى لك. أي قاربت العطب ثم نجوت. وهو في الفرقان على معنى التحذير. وقال جار الله: هو وعيد معناه فويل لهم والمراد الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه. وقيل: أراد طاعة وقول معروف أولى من الجزع عند الجهاد فلا يكون للوعيد، وعلى هذا فلا وقف على لَهُمْ كما أشير إليه في الوقوف. واعترض عليه بأن الأفصح أن يستعمل وقتئذ بالباء لا مع اللام كما قال وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ [الأنفال: ٧٥] والأصح أنه فعل متعد من الولي وهو القرب أي أولاه الله المكروه فاقتصر لكثرة الاستعمال. ويحتمل أن يكون «فعلى» من آل يؤل أي يؤل أمرك إلى شر فاحذره. ثم حثهم على الامتثال بقوله طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أي طاعة الله وقول حسن أو ما عرف صحته خير من الجزع عند فرض الجهاد فهو مبتدأ محذوف الخبر، أو أمرنا طاعة فيكون خبر مبتدأ محذوف كما مر في سورة النور في قوله طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ

стр. 3264

[الآية: ٥٣] ويجوز أن يكون أمرا للمنافقين أي قولوا طاعة وقول معروف. فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ أي جدّ وصار معزوما عليه وهو إسناد مجازي لأن العزم لأصحاب أمر القتال. ثم التفت وخاطب كفار قريش بقوله فَهَلْ عَسَيْتُمْ هو من أفعال المقاربة وقد مر وجوه استعمالاته في «البقرة» في قوله عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [الآية: ٢١٦] فنقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب ليكون أبلغ في التوبيخ ومعناه هل يتوقع منكم إِنْ تَوَلَّيْتُمْ وأعرضتم عن الدين أو توليتم أمور الناس أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالمعاصي والافتراق بعد الاجتماع على الإسلام وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ بالقتل والعقوق ووأد البنات وسائر ما كنتم عليه في الجاهلية من أنواع الإفساد، وفي سلوك طريقة الاستخبار المسمى في غير القرآن بتجاهل العارف، إمالة لهم إلى طريق الإنصاف وحث لهم على التدبر وترك العصبية والجدال، فقد كانوا يقولون كيف يأمرنا النبي ﷺ بالقتال والقتال إفناء لذوي أرحامنا وأقاربنا، فعرض الله سبحانه بأنهم إن ولوا أمور الناس أو أعرضوا عن هذا الدين لم يصدر عنهم إلا القتل والنهب وسائر أبواب المفاسد كعادة أهل الجاهلية. ثم صرح بما فعل الله بهم واستقر عليه حالهم فقال أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بعدهم عن رحمته. ثم بين نتيجة اللعن قائلا فَأَصَمَّهُمْ أي عن قبول الحق بعد استماعه وهذا في الدنيا وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ أي في الآخرة أو عن رؤية الحق والنظر إلى المصنوعات. قال بعض العلماء: إنما لم يقل فأصم آذانهم لأن الأذن عبارة عن الشحمة المعلقة، والسمع لا يتفاوت بوجودها وعدمها، ولذلك يسمع مقطوع الأذن. وأما الرؤية فتتعلق بالبصر نفسه، فالتأكيد هناك إنما يحصل بترك ذكر الأذن وهاهنا بذكر الأبصار والله أعلم. قال جار الله: يجوز أن يريد بالذين آمنوا المؤمنين الخلص الثابتين وذلك أنهم كانوا يأنسون بالوحي. فإذا أبطأ عليهم التمسوه، فإذا نزلت سورة في معنى الجهاد رأيت المنافقين يضجرون منها. سؤال: لما أثبت لهم الصمم والعمى فكيف وبخهم بقوله أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ؟ وأجيب على مذهب أهل السنة بأن تكليف ما لا يطاق جائز. ويمكن أن يقال: لما أخبر عنهم بما أخبر حكى أنهم بين أمرين: إما أن لا يتدبروا القرآن لأن الله أبعدهم عن الخير، وإما أن يدبروا لكن لا يدخل معانيه في قلوبهم لكونها مقفلة. قال جار الله: إنما نكرت القلوب لأنه أريد البعض وهو قلوب المنافقين أو أريد على قلوب قاسية مبهم أمرها. وإنما أضيفت الأقفال إلى ضمير القلوب لأنه أريد الأقفال المختصة بها وهي أقفال الكفر والعناد التي استغلقت فلا تنفتح. ثم أخبر عن حال المنافقين أو اليهود الذين غيروا حالهم من بعد ما تبين لهم حقيقة الإسلام أو نعت محمد في التوراة فقال إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا الآية.

стр. 3265

ذلِكَ الإملاء أو الإضلال أو الارتداد بسبب أنهم قالوا للذين كرهوا أي قال اليهود للمنافقين، أو قال المنافقون ليهود قريظة والنضير، أو قاله اليهود أو المنافقون للمشركين سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ الذي يهمكم كالتظافر على عداوة محمد والقعود عن الجهاد معه أو في بعض ما تأمرون به، وهو ما يتعلق بتكذيب محمد لا في إظهار الشرك واتخاذ الأصنام وإنكار المعاد وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ فلذلك أفشى الذي قالوه سرا فيما بينهم وسيجازيهم على حسب ذلك يدل عليه قوله فَكَيْفَ يعملون وما حيلتهم حين توفتهم ملائكة الموت يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ التي كانوا يتقون أن يصيبها آفة في القتال، أو يضربون وجوههم عند الموت وأدبارهم عند السوق إلى النار. وقيل: يضربون وجوههم عند الطلب وأدبارهم حين الهرب ذلِكَ الإذلال والإهانة بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ كأنهم ضربوا وجوههم لأنهم أقبلوا على مواجب السخط، وضربوا أدبارهم لأنهم أعرضوا عما فيه رضا الله. وقد يخص السخط بكتمان نعت الرسول ومعاونة أهل الشرك والرضا بالإيمان به والنصرة للمؤمنين. وإنما قال ما أَسْخَطَ اللَّهَ ولم يقل «ما أرضى الله» لأن رحمته سبقت غضبه، فالرضا كالأمر الحاصل والإسخاط كالأمر المترتب على شيء. ثم زاد في تعيير المنافقين بقوله أَمْ حَسِبَ وهي منقطعة. والضغن إضمار سوء يتربص به إمكان الفرصة. وإخراج الأضغان إبرازها للرسول ﷺ وللمؤمنين كما قال وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ أي لو شئنا أريناك أماراتهم فَلَعَرَفْتَهُمْ كررت لام جواب «لو» في المعطوف لأجل المبالغة بِسِيماهُمْ بعلامتهم. عن أنس أنه ما خفي على رسول الله ﷺ بعد هذه الآية شيء من المنافقين، ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة منهم يشكوهم الناس فناموا ذات ليلة وأصبحوا وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب «هذا منافق» . ومعنى لحن القول نحوه وأسلوبه وفحواه أي يقولون ما معناه النفاق كقولهم لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ [المنافقون: ٨] إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ [الأحزاب: ١٣] أو لتعرفنهم في فحوى كلام الله حيث قال ما يعلم منه حال المنافقين كقوله وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ [البقرة: ٨] وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ [التوبة: ٧٥] وحقيقة اللحن ذهاب الكلام إلى خلاف جهته. وقيل: اللحن أن تميل كلامك إلى نحو من الأنحاء ليفطن له صاحبك كالتعريض والتورية قال: ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا ... واللحن يعرفه ذوو الألباب ويقال للمخطئ لاحن لأنه يعدل بالكلام عن الصواب. وقال الكلبي: لحن القول كذبه. ولم يتكلم بعد نزولها منافق عند رسول الله ﷺ إلا عرفه. وعن ابن عباس هو قولهم

стр. 3266

ما لنا إن أطعنا من الثواب ولا يقولون ما علينا إن عصينا من العقاب وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ فيميز خيرها من شرها وإخلاصها من نفاقها وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ أي لنأمرنكم بما لا يكون متعينا للوقوع بل يحتمل الوقوع واللاوقوع كما يفعل المختبر حتى يظهر المجاهد والصابر من المنافق والمضطرب. وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ التي تحكي عنكم كقولكم آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ [البقرة: ٨] أو عهودكم كقوله وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ [الأحزاب: ١٥] أو أسراركم أو ما ستفعلونه أو أخباركم الأراجيف كقوله وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ [الأحزاب: ٦٠] عن الفضل أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبلنا فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا. ثم أنزل في اليهود من قريظة والنضير أو في رؤساء قريش المطعمين يوم بدر إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا الآية. وأعمالهم طاعاتهم في زمن اليهودية، ومكايدهم التي نصبوها في عداوة الرسول ﷺ أو إطعامهم. ثم أمر المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله بالتوحيد والتصديق مع الإخلاص وأن لا يبطلوا إحسانهم بالمعاصي والرياء وبالمن والأذى. عن أبي العالية قال: كان أصحاب النبي ﷺ يرون إنه لا يضر مع «لا إله إلا الله» ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت الآية، فكانوا يخافون الكبائر على أعمالهم. وعن قتادة: رضي الله عن عبد لم يحبط عمله الصالح بعمله السيء. ثم أراد أن يبين أن أعمال المكلف إذا بطلت فإن فضل الله باق يغفر له إن شاء ما لم يمت على الكفر فقال إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا الآية. قال مقاتل: نزلت في رجل سأل النبي ﷺ عن والده وقال: إنه كان محسنا في كفره. وعن الكلبي: نزلت في رؤساء أهل بدر. فَلا تَهِنُوا لا تضعفوا ولا تجبنوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ أي ولا تدعوا الكفار إلى الصلح. ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار «أن» بعد الواو في جواب النهي وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ الغالبون المستولون عليهم وَاللَّهُ مَعَكُمْ بالنصرة والكلاءة وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ أي لن ينقصكم جزاء أعمالكم من وترت الرجل إذا قتلت له قتيلا من ولد أو أخ أو قريب أو سلبت ماله وأصله من الوتر وهو الفرد، كأنك أفردته من قريبه أو ماله. وفي الحديث «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله» «١» وهو من فصيح الكلام. ثم زادهم حثا على الجهاد بتحقير الدنيا في أعينهم وبأنه سبحانه إنما يحثهم على الإيمان والجهاد وسائر أبواب التقوى لتعود

стр. 3267

فائدتها عليهم كما قال «خلقتكم لتربحوا عليّ لا لأربح عليكم» قوله وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ أي كل أموالكم ولكنه يقتصر منها على ربع العشر، أو لا يسألكم أموالكم لنفسه ولكن لتكون زادا لكم في المعاد. وقيل: لا يسألكم أموالكم رسولي لنفسه. وقيل: إنهم لا يملكون شيئا وإن المال مال الله وهو المنعم بإعطائه. والقول هو الأوّل لقوله إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ أي يجهد كم يبلغ الغاية فيها من أحفى شاربه استأصله كأنه جعله حافيا مما في ملكه أي عاريا تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ الإحفاء أو الله تعالى على طريق التسبب أَضْغانَكُمْ أي تضطغنون على الرسل وتظهرون كراهة هذا الدين. ثم بين أنه كيف يأمركم بإخراج كل المال وقد دعاكم إلى إنفاق البعض فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ و «ها» للتنبيه وكرر مع أولاء للتوكيد وأنتم أولاء جملة مستقلة أي أنتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون. ثم استأنف وصفهم كأنهم قالوا وما وصفنا فقيل تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وهو الزكاة أو الغزو، فمنكم ناس يبخلون به. وقيل: هؤُلاءِ موصول صلته تُدْعَوْنَ وهو مذهب الكوفيين وقد سلف في «البقرة» و «آل عمران» . ثم قبح أمر البخل بقوله وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ أي وباله على نفسه أو عن داعى ربه. قال في الكشاف: يقال بخلت عليه وعنه. وفيه نظر لأن البخل عن النفس لا يصح بهذا التفسير. نعم لو قال عن ماله كان تفسيره مطابقا. ثم مدح نفسه بالغنى المطلق وبين بقوله وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ أنه لا يأمر بالإنفاق لحاجته ولكن لفقركم إلى الثواب. ثم هددهم بقوله وَإِنْ تَتَوَلَّوْا وهو معطوف على وَإِنْ تُؤْمِنُوا ومعنى يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ يخلق قوما سواكم راغبين فيما ترغبون عنه من الإيمان والتقوى كقوله إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [فاطر: ١٦] ومعنى «ثم» التراخي في الرتبة أي لا يكونون أشباهكم في حال توليكم. وقيل: في جميع الأحوال. وعن الكلبي: شرط في الاستبدال توليهم لكنهم لم يتولوا فلم يستبدل قوما وهم العرب أهل اليمن أو العجم. قاله الحسن وعكرمة لما روي أو رسول الله ﷺ سئل عن ذلك وكان سلمان إلى جنبه فضرب على فخذه وقال: هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس والله تعالى أعلم.

стр. 3268

(سورة الفتح) (مدنية حروفها ألفان وأربعمائة وثمانية وثلاثون كلماتها خمسمائة وستون آياتها تسع وعشرون) [سورة الفتح (٤٨) : الآيات ١ الى ٢٩] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً (٣) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (٧) إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١٠) سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٤) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٥) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً (١٧) لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (١٨) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٩) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢٠) وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢١) وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٢٤) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٢٥) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٢٦) لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٢٩)

стр. 3269

القراآت: ليؤمنوا ويعزروه ويوقروه ويسبحوه بياءات الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو. وعليه الله بضم الهاء: حفص فسنؤتيه بالنون: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر. الآخرون: بالياء التحتانية والضمير لله سبحانه شغلتنا بالتشديد: قتيبة

стр. 3270

ضرا بالضم كلم الله على الجمع: حمزة وعلي وخلف بَلْ ظَنَنْتُمْ بالإدغام: علي وهشام بَلْ تَحْسُدُونَنا مدغما: حمزة وعلي وهشام. ندخله ونعذبه بالنون فيهما: أبو جعفر ونافع وابن عامر بما يعملون بصيرا بياء الغيبة: أبو عمرو الرُّؤْيا بالإمالة: ابن عامر وعلي وهشام شطأه بفتح الطاء من غير مد: ابن ذكوان والبزي والقواس. الباقون: ساكنة الطاء. الوقوف: مُبِيناً هـ لا مُسْتَقِيماً هـ لا على احتمال الجواز هاهنا لتكرار اسم الله بالتصريح عَزِيزاً هـ إِيمانِهِمْ ط وَالْأَرْضِ ط حَكِيماً هـ لا لتعلق اللام سَيِّئاتِهِمْ ط عَظِيماً هـ لا للعطف ظَنَّ السَّوْءِ ط دائِرَةُ السَّوْءِ ج لعطف الجملتين المختلفتين جَهَنَّمَ ط مَصِيراً هـ وَالْأَرْضِ ط حَكِيماً هـ وَنَذِيراً هـ لا وَتُوَقِّرُوهُ ط للفصل بين ضمير اسم الله وضمير الرسول في المعطوفين فيمن لم يجعل الضمائر كلها لله وَأَصِيلًا هـ يُبايِعُونَ اللَّهَ ط أَيْدِيهِمْ ج ط للشرط مع الفاء عَلى نَفْسِهِ ج للعطف مع الشرط عَظِيماً هـ فَاسْتَغْفِرْ لَنا ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال قُلُوبِهِمْ ط نَفْعاً ط خَبِيراً هـ بُوراً هـ سَعِيراً هـ الْأَرْضِ ط مَنْ يَشاءُ ط رَحِيماً هـ نَتَّبِعْكُمْ ج لأن ما بعده حال عامله سَيَقُولُ أو مستأنف كَلامَ اللَّهِ ط مِنْ قَبْلُ ج للسين مع الفاء تَحْسُدُونَنا ط قَلِيلًا هـ يُسْلِمُونَ هـ حَسَناً ج أَلِيماً هـ الْمَرِيضِ حَرَجٌ ط لأن الواو للاستئناف الْأَنْهارُ ج أَلِيماً هـ قَرِيباً هـ لا يَأْخُذُونَها ط حَكِيماً هـ عَنْكُمْ ج لأن الواو مقحمة أو المعلل محذوف والواو داخلة في الكلام المعترض، أو عاطفة على تقدير ليستيقنوا ولتكون مُسْتَقِيماً هـ لا للعطف بِها ج قَدِيراً هـ نَصِيراً هـ تَبْدِيلًا هـ عَلَيْهِمْ ط بَصِيراً هـ مَحِلَّهُ ط بِغَيْرِ عِلْمٍ ج لحق المحذوف أي قدر ذلك ليدخل مَنْ يَشاءُ ج لاحتمال أن جواب «لولا» محذوف وأن يكون هذه مع جوابها جوابا للأولى أَلِيماً هـ وَأَهْلَها ط عَلِيماً هـ بِالْحَقِّ ج لحق حذف القسم آمِنِينَ لا مُقَصِّرِينَ لا لأنها أحوال متابعة لا تَخافُونَ ط لأن قوله فَعَلِمَ بيان حكم الصدق كالأعذار فلا ينعطف على قوله صَدَقَ اللَّهُ قَرِيباً هـ كُلِّهِ ط شَهِيداً هـ رَسُولُ اللَّهِ ج لأن ما بعده مستأنف وَرِضْواناً ز لأن سِيماهُمْ مبتدأ غير أن الجملة من حد الأولى في كون الكل خبر والذين السُّجُودِ ط الْإِنْجِيلِ ج لاحتمال أن التقدير هم كزرع الْكُفَّارِ ط عَظِيماً هـ. التفسير: الفتح في باب الجهاد هو الظفر بالبلد بصلح أو حرب لأنه منغلق ما لم يظفر به. والجمهور على أن المراد به ما جرى يوم الحديبية. عن أنس قال: لما رجعنا عن

стр. 3271

الحديبية وقد حيل بيننا وبين نسكنا فنحن بين الحزن والكآبة، أنزل الله إِنَّا فَتَحْنا فقال ﷺ : لقد أنزل عليّ آية هي أحب إليّ من الدنيا كلها. والحديبية بئر سمي المكان بها وكان قد غاض ماؤها فتمضمض فيها النبي ﷺ فجاء بالماء حتى عمهم. وعن ابن شهاب: لم يكن في الإسلام فتح أعظم من فتح الحديبية وضعت الحرب وأمن الناس. وقال الشعبي: أصاب النبي ﷺ في تلك الغزوة ما لم يصب في غيرها، بويع فيها بيعة الرضوان تحت الشجرة، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس، وكان ﷺ وعد به فصح صدقه وأطعم نخل خيبر. وذلك أن رسول الله ﷺ بعد هجرته إلى المدينة أحب أن يزور بيت الله الحرام بمكة فخرج قاصدا نحوه في سنة ست من الهجرة، وخرج معه أولو البصيرة وتخلف من كان في قلبه مرض ظنا منه أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا. واستصحب سبعين بدنة لينحرها بمكة، ولما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأحرم بالعمرة لتعلم قريش أنه لم يأت لقتال وكانوا ألفا وثلاثمائة أو أربعمائة أو خمسمائة فبايعوه إلا جد بن قيس فإنه اختبأ تحت إبطي ناقته، فجاءه عروة بن مسعود لإيقاع صلح. فلما رأى أصحاب النبي ﷺ فقال: أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله على أني أرى وجوها وأسرابا خليقا أن يفروا ويدعوك؟ فشتمه أبو بكر. فلما عاد إلى قريش قال: لقد وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم من الملوك وما رأيت ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا. والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا عنده خفضوا أصواتهم، وما يحدّون النظر إليه تفخيما، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها منه. فلما اتفقوا على الصلح جاء سهيل بن عمرو المخزومي وتصالحوا على أن لا يدخل النبي ﷺ مكة سنته بل يعود في القابل ويقيم ثلاثة أيام ثم ينصرف، فلما كتب علي بن أبي طالب ﵁ «بسم الله الرحمن الرحيم» . قال سهيل: ما نعرف «الرحمن الرحيم» اكتب في قضيتنا ما نعرف «باسمك اللهم» . ولما كتب «هذا ما صالح محمد رسول الله ﷺ » . قال: لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، اكتب محمد بن عبد الله. فتنازع المسلمون وقريش في ذلك وكادوا يتواثبون، فمنعهم رسول الله ﷺ وأمرهم بالإجابة فكتب «هذا ما صالح محمد بن عبد الله قريشا على أنه من قدم مكة من أصحاب محمد حاجا أو معتمرا أو يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله، ومن قدم المدينة مجتازا إلى مصر والشام أو يبتغي من فضل الله فهو على دمه وأهله آمن، وعلى أنه من جاء محمدا من قريش فهو إليهم ردّ، ومن جاءهم من

стр. 3272

أصحاب محمد فهو لهم» فاشتدّ ذلك على المسلمين فقال النبي ﷺ : من جاءهم منا فأبعده الله، ومن جاءنا منهم رددناه إليهم، فإن علم الله منه الإسلام جعل له مخرجا. فلما فرغوا من الهدنة نحر النبي ﷺ وحلق وفعل أصحابه ذلك فنزل عليه في طريقه في هذا الشأن إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً يريد ما كان من أمر الحديبية والفتح قد يكون بالصلح. وقيل: كان هذا الفتح عن ترام بالحجارة ولم يكن قتال شديد. وقيل: المراد به فتح مكة، وعده الله ذلك بلفظ الماضي على عادة إخبار الله. وقال ابن عيسى: الفتح الفرج المزيل للهم ومنه فتح المسألة إذا انفرجت عن بيان يؤدّي إلى الثقة. وقيل وهو قول قتادة: الفتح القضاء والحكم، والفتاح القاضي، والفتاحة الحكومة أي حكمنا لك بهذه المهادنة وأرشدناك إلى الإسلام ليغفر لك الله. قال أهل النظم: لأوّل هذه السورة مناسبة تامة مع آخر السورة المتقدّمة وذلك أنه قال ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا [محمد: ٣٨] إلى آخره فبين بعد ذلك أنه فتح لهم مكة وغنموا ديارهم وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ولو بخلوا لضاعت عنهم هذه الفوائد. وأيضا لما قال وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ [محمد: ٣٥] بين برهانه بصلح الحديبية أو بفتح مكة وكان في قوله وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ [محمد: ٣٥] إشارة إلى ما جرى يوم الحديبية من أن المسلمين صبروا إلى أن طلب المشركون الصلح. سؤال: ما المناسبة بين الفتح والمغفرة حتى جعلت غاية له؟ الجواب الغاية هي مجموع المغفرة وما ينعطف عليها كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة وغيره من الفتوح ليجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل. ويجوز أن تكون الفتوح من حيث إنها جهاد للعدّو سببا للغفران والثواب. قال جار الله: وقيل: تقدير الكلام إنا فتحنا لك فاستغفره ليغفر لك كقوله إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ إلى قوله وَاسْتَغْفِرْهُ [النصر: ١- ٣] وقيل: إن فتح مكة كان سببا لتطهير البيت من رجس الأوثان، وتطهير بيته سبب لتطهير عبده. وأيضا بالفتح يحصل الحج وبالحج تحصل المغفرة كما ورد في الأخبار «خرج كيوم ولدته أمه» . «١» وأيضا إن الناس قد علموا عام الفيل أن مكة لا يتسلط عليها عدوا لله، فلما فتحت للرسول ﷺ عرف أنه حبيب الله المغفور له. أما الذنب فقيل: أراد به ذنب المؤمنين من أمته، أو أريد به ترك الأفضل والصغائر سهوا أو عمدا. ومعنى ما تَأَخَّرَ أي عن الفتح أو ما تقدم عن النبوّة وتأخر عنها. وقيل ما تَقَدَّمَ ذنب أبويه آدم وحواء وَما تَأَخَّرَ ذنب

стр. 3273

أمته. وقيل: أراد جميع الذنوب فحدّ أوّلها وآخرها، أو هو على وجه المبالغة كما تقول: أعطى من رأى ومن لم يره. وقيل: ما تقدم من أمر مارية وما تأخر من أمر زينب وهو قول سخيف لعدم التئام الكلام ظاهرا. والأولى أن يقال: ما تقدم النبوّة بالعفو وما تأخر عنها بالعصمة وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ بإعلاء دينك وفتح البلاد على يدك لقوله الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة: ٣] ومن إتمام النعمة تكليف الحج وقد تم يومئذ ولم يبق للنبي ﷺ عدوّ من قريش، فإن كثيرا منهم وقد أهلكوا يوم بدر، والباقين آمنوا واستأمنوا يوم الفتح. وقيل: إتمام النعمة في الدنيا باستجابة الدعاء في طلب الفتح وفي الآخرة بقبول الشفاعة وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً أي يثبتك ويهديك عليه فإن الفتح لا يكون إلا لمن هو على صراط الله، ولعل المراد بهذا الخطاب هو أمته. والنصر العزيز ذو العزة وهو الذي لا ذل بعده، أو هو بمعنى المعز أو الممتنع على الغير وهو النفيس الذي لا يناله كل أحد. وفي الآية تفخيم شأن الفتح والنصر من وجوه: أحدها لفظ (إنا) الدال على التعظيم. وثانيها لفظ (لك) الدال على الاختصاص. وثالثها إعادة اسم الله في الموضعين أوّلا وآخرا. ثم بين سبب النصر بقوله هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ وهي السكون والوقار والطمأنينة والثقة بوعد الله كما مر في «البقرة» وفي «التوبة» لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ أي يقينا مع يقينهم أو إيمانا بالشرائع مع إيمانهم بالله. وعن ابن عباس أن أول ما أتاهم به النبي ﷺ التوحيد، فلما آمنوا بالله وحده أنزل الصلاة ثم الزكاة ثم الجهاد ثم الحج، أو ازدادوا إيمانا استدلاليا مع إيمانهم الفطري. وعلى هذا ففائدة قوله مَعَ إِيمانِهِمْ أن الفطرة تشهد بالإيمان، فلما عرفوا صحة الإيمان بالنظر والاستدلال انضم هذا الثاني إلى الأول. وجنود السموات والأرض ملائكتهما، ويمكن أن يراد بمن في الأرض الثقلان والحيوان غير الإنسان. ويحتمل أن يراد بالجنود معنى أعم وهو الأسباب الأرضية والسماوية فيدخل فيهما الصيحة والرجفة. وظن السوء هو ظنهم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم، أو أن الله تعالى لا ينصرهم على أعدائهم، أو أن لله شريكا، أو أنه لا يقدر على إحياء الموتى. ومعنى دائرة السوء أن ضرر ظنهم يعود إليهم ويدور عليهم وقد مر في سورة التوبة. قال بعض العلماء: ضم المؤمنات هاهنا إلى المؤمنين بخلاف قوله قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون: ١] وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب: ٤٧] ونحو ذلك. والسر فيه أن كل موضع يوهم اختصاص الرجال به مع كون النساء مشاركات لهم ذكرهن صريحا نفيا لهذا التوهم، وكل موضع لا يوهم ذلك اكتفى فيه بذكر الرجال لأنهم الأصل في أكثر الأحكام والتكاليف. مثلا من المعلوم أن البشارة والنذارة عامة للناس

стр. 3274

قاطبة فلم يحتج فيهما إلى ذكر النساء بخلاف هذه الآية فإن إدخال الجنة يوهم أنه لأجل الجهاد مع العدوّ والفتح على أيديهم والمرأة لا جهاد عليها، فكان يظن أنهن لا يدخلن الجنات فنفى الله تعالى هذا الوهم، وكذا الكلام في تعذيب المنافقات والمشركات. نكتة الجنود المذكورة أوّلا هي جنود الرحمة فكانوا سببا لإدخال المؤمنين الجنة بالإكرام والتعظيم ثم إلباسهم خلع الكرامة لقوله وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ ثم تشريفهم بالفوز العظيم من الله كما قال وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً وأما الكافر فعكس منه الترتيب: أخبر بتعذيبهم أوّلا على الإطلاق، ثم فصل بأنه يغضب عليهم أوّلا ثم يوبقهم في خبر اللعن والبعد عن الرحمة، ثم يسلط عليهم ملائكة العذاب الذين هم جنوده كما قال عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ [التحريم: ٦] ولا ريب أن كل ذلك على قانون الحكمة إلا أنه قرن العلم في الأول إلى الحكمة تنبيها على أن إنزال السكينة وازدياد إيمان المؤمنين وترتيب الفتح على ذلك كانت كلها ثابتة في علم الله، جارية على وفق الحكمة. وقرن العز بالحكمة ثانيا لأن العذاب والغضب وسلب الأموال والغنائم يناسب ذكر العزة والغلبة والقهر زادنا الله إطلاعا على أسرار قرآنه الكريم وفرقانه العظيم. ثم مدح رسوله ﷺ وذكر فائدة بعثته ليرتب عليه ذكر البيعة فقال إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً على أمتك وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وقد مر في سورة الأحزاب مثله إلا أن قوله لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قائم مقام قوله هناك وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ [الآية: ٤٦] من قرأ على الغيبة فظاهر، وأما من قرأ على الخطاب فلتنزيل خطاب النبي منزلة خطاب المؤمنين. وقوله وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ كلاهما بمعنى التعظيم من العز والوقار ينوب منابه. قوله هناك وَسِراجاً مُنِيراً وذلك أن النور متبع والتبجيل والتعظيم دليل المتبوعية. وقال جار الله: الضمائر كلها لله وتعظيم دينه ورسوله. وقوله وَتُسَبِّحُوهُ من التسبيح أو من السبحة وهي صلاة التطوع. وبُكْرَةً وَأَصِيلًا للدوام أو المراد صلاة الفجر والعصر وحدها أو مع الظهر قاله ابن عباس. إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ هي بيعة الرضوان تحت الشجرة كما يجيء في السورة. وقيل: ليلة العقبة وفيه بعد. وسماها مبايعة تشبيها بعقد البيع نظيره إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ [التوبة: ١١١] إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ لأن طاعة الرسول هي طاعة الله في الحقيقة. ثم أكد هذا المعنى بقوله يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ قال أهل المعاني: هذا تمثيل وتخييل ولا جارحة هناك. وقيل: اليد النعمة أي نعمة الله عليهم بالهداية فوق إحسانهم إلى الله بإجابة البيعة كما قال يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ [الحجرات: ١٧] قال القفال: هو من

стр. 3275

قوله ﷺ «اليد العليا خير من اليد السفلى» «١» يريد بالعليا المعطية أي الله يعطيهم ما يكون له به الفضل عليهم. وقيل: اليد القوة أي نصرته إياهم فوق نصرتهم لرسوله. وقيل: يد الله بمعنى الحفظ فإن المتوسط بين المتبايعين يضع يده فوق يدهما فلا يترك أن تتفارق أيديهما حتى يتم البيع، والمراد أن الله تعالى يحفظهم على بيعتهم. ثم زجرهم من نقض العهد وحثهم على الوفاء بقوله فَمَنْ نَكَثَ إلى آخره. والنكث والنقض أخوان. وقوله فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ أي لا يعود ضرر نكثه إلا عليه. قال جابر بن عبد الله: بايعنا رسول الله ﷺ تحت الشجرة على الموت وعلى أن لا نفر، فما نكث أحد منا البيعة إلا جد بن قيس، وكان منافقا اختبأ تحت إبط ناقته ولم يثر مع القوم. ثم بين ما يعلم منه إعجاز القرآن لأنه أخبر عن الغيب وقد وقع مطابقا وله في السورة نظائر فقال سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ هم أسلم ومزينة وجهينة وغفار. وقيل: سموا مخلفين لأن التوفيق خلفهم ولم يعتدّ بهم. والظاهر أنهم سموا بذلك لأنه ﷺ حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمرا استنفر الأعراب وأهل البوادي حذرا من قريش أن يصدّوه عن البيت، فتثاقل كثير من الأعراب وقالوا: يذهب إلى قوم قصدوه في داره بالمدينة وظنوا أنه يهلك فلا ينقلب إلى المدينة فاعتلوا. فلما رجع رسول الله ﷺ اعتذروا وقالوا شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا سل الله أن يغفر لنا تخلفنا عنك وإن كان عن عذر فكذبهم الله بقوله يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ وقوله شيئا من الضر كقتل وهزيمة ولا يوصل إليهم نفعا إلا ما شاء الله. وإنما قال هاهنا بزيادة لفظة لَكُمْ لأنه في قوم بأعيانهم بخلاف «المائدة» فإنه عام لقوله أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [المائدة: ١٧] ثم ردّ قولهم اللساني فقال بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ثم ردّ اعتذارهم الواهي بقوله بَلْ ظَنَنْتُمْ الآية. والبور جمع بائر أي هالك والباقي واضح إلى قوله رَحِيماً وفيه بيان كمال قدرته على تعذيب الكافرين مع أن مغفرته ذاتية ورحمته سابقة. وقوله سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إنما لم يقل هنا لك لأن المخاطبين هم المؤمنون كلهم لا النبي وحده. وجمهور المفسرين على أن هؤلاء هم المخلفون المذكورون فيما تقدم. وقوله إِلى مَغانِمَ هي مغانم خيبر، وذلك أن رسول الله ﷺ وعد أهل الحديبية أن غنائم أهل خيبر لهم خصوصا من غاب منهم ومن حضر بدل تعب السفر في العمرة التي

стр. 3276

صدّهم المشركون عنها. وزاد الزهري فقال: وإن حضرها من غيرهم من الناس. قالوا: ولم يغب منهم عنها أحد إلا جابر ابن عبد الله، فقسم له رسول الله ﷺ كسهم من حضر. وكان انصراف النبي ﷺ في ذي الحجة فأقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعض المحرم، ثم خرج إلى خيبر وخرج معه من شهد الحديبية ففتحها وغنم أموالا كثيرة وجعلها لهم خاصة، وكان قبل ذلك وعد النبي ﷺ أصحابه غنائم خيبر فسمع المنافقون ذلك فقالوا للمؤمنين ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ فمنعهم النبي ﷺ لأن الله أمره أن لا يخرج إلى خيبر إلا أهل الحديبية وذلك قوله يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ فقال الله لنبيه قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا أي في خيبر. وقيل: عامّ في غزواته كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ أي قبل انصرافهم إلى المدينة فَسَيَقُولُونَ ردّا على النبي والمؤمنين إن الله لم يأمركم به بَلْ تَحْسُدُونَنا أن نشارككم في الغنيمة فرد الله عليهم ردّهم بقوله بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا فهما قَلِيلًا وهو فطنتهم لأمور الدنيا دون أمور الدين، أو هو فهمهم من قوله قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا مجرد النهي فحملوه على الحسد ولم يعلموا أن المراد هو أن هذا الاتباع لا يقع أصلا لأن الصادق قد أخبر بنفيه. وذهب جماعة من المفسرين منهم الزجاج إلى أن كلام الله هاهنا هو قوله في سورة براءة لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً [الآية: ٨٣] واعترض بأن هذا في قصة تبوك التي كانت بعد الحديبية بسنتين بإجماع من أهل المغازي. وأجاب بعضهم بأن هذه الآية أعني سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ نزلت في غزوة تبوك أيضا. وعندي أن الاعتراض غير وارد ولا حاجة إلى الجواب المذكور. ثم إن الله سبحانه أخبر عن مخلفي الحديبية بأنهم سيدعون إلى قوم أولي قوة ونجدة في الحروب. وقيل: هم هوازن وغطفان. وقيل: هم الروم، غزاهم رسول الله ﷺ في تبوك. والأكثرون على أن القوم أولي البأس الشديد هم بنو حنيفة قوم مسيلمة وأهل الردة الذين حاربهم أبو بكر الصدّيق لأنه تعالى قال تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ومشركو العرب والمرتدون هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، ومن عداهم من مشركي العجم وأهل الكتاب والمجوس تقبل منهم الجزية. هذا عند أبي حنيفة، وأما الشافعي فعنده لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب، والمجوس دون مشركي العجم والعرب. وقد يستدل بهذا على إمامة أبي بكر فإنهم لم يدعوا إلى حرب في أيام رسول الله ﷺ ، ولكن بعد وفاته ولا سيما فيمن يزعم أنه نزل فيهم لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً [التوبة: ٨٣] اللهم إلا أن يقال: المراد لن تخرجوا معي ما دمتم على حالكم من مرض القلوب والاضطراب في الدين، أو أنهم لا يتبعون الرسول إلا متطوّعين لا نصيب لهم في المغنم قاله مجاهد. وقوله أَوْ يُسْلِمُونَ رفع على الاستئناف يعني أو هم يسلمون. ويجوز أن يراد إلى أن يسلموا، فحين حذف «أن» رفع الفعل. وقيل: الإسلام هاهنا الانقياد

стр. 3277

فيشمل إعطاء الجزية أيضا. والأجر الحسن في الدنيا الغنيمة، وفي الآخرة الجنة. وقيل: الغنيمة فقط بناء على أن الآية في المنافقين، وعلى هذا لا يتم الاستدلال على إمامة الخلفاء. وقوله مِنْ قَبْلُ أي في الحديبية. قال ابن عباس: إن أهل الزمانة قالوا: يا رسول الله كيف بنا؟ فأنزل الله تعالى لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ أي إثم في التخلف لأنه كالطائر الذي قص جناحه لا يمتنع على من قصده. وقدم الأعمى لأن عذره مستمر ولو حضر القتال، والأعرج قد يمكنه الركوب والرمي وغير ذلك. نعم يتعسر عليه الحرب ماشيا وكذا جودة الكر والفر راكبا. وقد يقاس الأقطع على الأعرج، ويمكن أن لا يكون الأقطع معذورا لأنه نادر الوجود. والأعذار المانعة من الجهاد أكثر من هذا وقد ضبطها الفقهاء بأن المانع إما عجز حسي أو عجز حكمي. فمن الأول الصغر والجنون والأنوثة والمرض المانع من الركوب للقتال لا كالصداع ووجع السن، ومنه العرج البين وإن قدر على الركوب لأن الدابة قد تهلك. وعند أبي حنيفة لا أثر للعرج في رجل واحدة، ومنه فقد البصر ولا يلحق به العور والعشي، ومنه عدم وجدان السلاح وآلات القتال. ومن الثاني الرق والدين الحالّ بلا إذن رب الدين ومن أحد أبويه في الحياة ليس له الجهاد إلا بإذنه إلا إذا كان كافرا. والباقي واضح إلى قوله لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ وبه سميت بيعة الرضوان ويبايعونك حكاية الحال الماضية والشجرة كانت سمرة. وقيل: سدرة روي أنها عميت عليهم من قابل فلم يدروا أين ذهبت. وعن جابر بن عبد الله: لو كنت أبصر لأريتكم مكانها فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ من خلوص النية فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ الطمأنينة والأمن عليهم وَأَثابَهُمْ جازاهم عن الإخلاص في البيعة فَتْحاً قَرِيباً هو فتح خيبر غب انصرافه من الحديبية كما ذكرناه. وقيل: هو فتح مكة وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها هي مغانم خيبر وكانت أرضا ذات عقار وأموال فقسمها عليهم وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً هي التي أصابوها مع النبي ﷺ أو بعده إلى يوم القيامة فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ يعني غنيمة خيبر وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ يعني أيدي أهل خيبر وحلفائهم من أسد وغطفان جاؤا لنصرتهم فقذف الله الرعب في قلوبهم وقيل: أيدي أهل مكة بالصلح. وقيل: أيدي اليهود حين خرجتم وخلفتم عيالكم بالمدينة وهمت اليهود بهم فمنعهم الله قوله وَلِتَكُونَ آيَةً أي لتكون هذه الغنيمة المعجلة دلالة على ما وعدهم الله من الغنائم، أو دلالة على صحة النبوة من حيث إنه أخبر بالفتح القريب وقد وقع مطابقا. وقيل: الضمير للكف والتأنيث لأجل تأنيث الخبر، أو بتقدير الكفة ويهديكم ويثبتكم ويزيدكم بصيرة. قوله وَأُخْرى أي وعدكم الله مغانم أخرى. عن ابن عباس: هي فتوح فارس

стр. 3278

والروم. أو يقال: مغانم هوازن في غزوة حنين لم يظنوا أن يقدروا عليها لما فيها من الهزيمة، ثم الرجوع مرة بعد أخرى قد أحاط الله بها علما أنها ستصير لكم. قال جار الله: يجوز في أُخْرى النصب بفعل مضمر يفسره قَدْ أَحاطَ أي وقضى الله أخرى قد أحاط بها. ويجوز فيها الرفع على الابتداء لكونها موصوفة بالجملة وقَدْ أَحاطَ خبره. وجوز الجر بإضمار «رب» . ثم بين أن نصر الله إياهم في صلح الحديبية أو في فتح خيبر لم يكن اتفاقيا بل كان إلهيا سماويا فقال وَلَوْ قاتَلَكُمُ إلى آخره. والسر فيه أن الله كتب وأوجب غلبة حزبه ونصر رسله كما قال سُنَّةَ اللَّهِ إلى آخره. عن أنس أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على النبي ﷺ من جبل التنعم متسلحين يريدون غرة النبي ﷺ وأصحابه، فأخذهم واستحياهم فأنزل الله تعالى وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ وهو الحديبية لأنها من أرض الحرم. وقيل: هو التنعيم. وقيل: إظفاره دخوله بلادهم بغير إذنهم. وعن عبد الله بن مغفل المزني قال: كنا مع النبي ﷺ بالحديبية في أصل الشجرة التي ذكرها الله في القرآن، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم رسول الله ﷺ فأخذ الله تعالى بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم فقال لهم ﷺ : هل كنتم في عهد أحد وهل جعل لكم أحد أمانا فقالوا: اللهم لا، فخلى سبيلهم فأنزل الله الآية. وإنما قدم كف أيدي الكفار عن المؤمنين لأنهم أهم. وقيل: كف أيديكم بأن أمركم أن لا تحاربوا، وكف أيديهم بإلقاء الرعب أو بالصلح وقيل: إن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة رجل فقال النبي ﷺ لخالد بن الوليد: هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل. فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله ارم بي حيث شئت. فبعثه على خيل فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد فهزمه حتى أدخله جوف مكة. فأنزلت الآية. وسمي خالد يومئذ سيف الله. وروي أن كفار مكة خرجوا يوم الحديبية يرمون المسلمين فرماهم المسلمون بالحجارة حتى أدخلوهم بيوت مكة. ثم ذم قريشا بقوله هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ يعني يوم الحديبية عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أن تطوفوا به للعمرة وَصدّوا الْهَدْيَ أو صدّوكم مع الهدى حال كونه مَعْكُوفاً أي محبوسا ممنوعا موقوفا عن أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ المعهود وهو مني وقد مر تفسير الهدي ومحله والبحث عنه في «البقرة» . ثم بين حكمة المصالحة بقوله وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ وقوله لَمْ تَعْلَمُوهُمْ صفة الرجال والنساء جميعا على جهة التغليب. وأَنْ تَطَؤُهُمْ بدل الاشتمال منهم أو من الضمير المنصوب في تَعْلَمُوهُمْ والوطء كالدّوس عبارة عن الإيقاع والإهلاك. وقوله فَتُصِيبَكُمْ جواب النفي أو عطف على أَنْ

стр. 3279

تَطَؤُهُمْ والمعرة «مفعلة» من العر العيب كالجرب ونحوه. وقوله بِغَيْرِ عِلْمٍ متقدم في النية متعلق ب أَنْ تَطَؤُهُمْ والفحوى أنه كان بمكة ناس من المسلمين فقال سبحانه: ولولا كراهة أن تهلكوا ناسا من المؤمنين فيما بين المشركين وأنتم غير عالمين بحالهم فتصيبكم بإهلاكهم تبعة في الدين لوجوب الدية والكفارة أو عيب بسوء قالة أهل الشرك، إنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا، أو أثم إذا جرى دينهم منكم بعض التقصير لما كف أيديكم عنهم. والكلام يدل على هذا الجواب وفي حذفه فخامة وذهاب للوهم كل مذهب، ويعلم منه أنه يفعل بهم إذ ذاك ما لا يدخل تحت الوصف. وجوّزوا أن يكون لَوْ تَزَيَّلُوا كالتكرير لقوله وَلَوْلا رِجالٌ لرجعهما إلى معنى واحد. والتنزيل التميز والتفرق ويكون لَعَذَّبْنَا هو الجواب. وقوله لِيُدْخِلَ تعليل لما دلت عليه الآية من كف الأيدي عن قريش صونا لأهل الإيمان المختلطين بهم كأنه قيل: كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله مؤمنيهم في حيز توفيق الخير والطاعة، أو ليدخل في الإسلام من رغب فيه من المشركين. وحكى القفال أن اللام متصل بالمؤمنين والمؤمنات أي آمنوا لكذا. وقوله إِذْ جَعَلَ يجوز أن ينتصب بإضمار «اذكر» أو يكون ظرفا لَعَذَّبْنَا أو ل صَدُّوكُمْ وفاعل جَعَلَ يجوز أن يكون اللَّهُ وقوله فِي قُلُوبِهِمُ بيان لمكان الجعل كما مر في قوله وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [البقرة: ٩٣] ويجوز أن يكون الَّذِينَ كَفَرُوا ومفعولاه الحمية والظرف فيكون جعلهم في قلبهم بإزاء أنزل الله. والحمية في مقابلة السكينة، والحمية الأنفة والاستكبار الذي كان عليها أهل الجاهلية، ومن ذلك عدم إقرارهم بمحمد ﷺ ومنه ما جرى في قصة الحديبية من إبائهم أن يكتب في كتاب العهد «بسم الله الرحمن الرحيم» وأن يكتب «محمد رسول الله» يقال: حميت أنفي حمية كأنها «فعلية» بمعنى «مفعول» من الحماية اسم أقيم مقام المصدر كالسكينة بمعنى السكون فأنزل الله على رسوله السكينة والوقار حتى أعطاهم ما أرادوا. وكلمة التقوى التسمية والتوحيد والاعتراف برسالة محمد ﷺ ، اختارها الله للمؤمنين. ومعنى الإضافة إنها سبب التقوى وأساسها، أو المراد كلمة أهل التقوى الذين يتقون بها غضب الله. وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها لأنهم خيار الأمم. وقيل: أراد وكانوا يعني أهل مكة أحق بهذه الكلمة لتقدّم إنذارهم إلا أن بعضهم سلبوا التوفيق. وحكى المبرد أن الذين كانوا قبلنا لم يكن لأحد أن يقول «لا إله إلا الله» في اليوم والليلة إلا مرة واحدة لا يستطيع أن يقول أكثر من ذلك. وكان قائلها يمدّ بها صوته إلى أن ينقطع نفسه تبركا بذكر الله، وقد جعل الله لهذه الأمة أن يقولوها متى شاؤا وهو قوله وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى أي ندبهم إلى ذكرها ما استطاعوا. ثم قص رؤيا نبيه ﷺ بيانا لإعجازه فإن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة.

стр. 3280

وقصته أنه رأى في المنام أن ملكا قال له لَتَدْخُلُنَّ إلى قوله لا تَخافُونَ فأخبر أصحابه بها ففرحوا وجزموا بأنهم داخلوها في عامهم، فلما صدّوا عن البيت واستقر الأمر على الصلح قال بعض الضعفة: أليس كان يعدنا النبي ﷺ أن نأتي البيت فنطوف به؟ فقال لهم أهل البصيرة: هل أخبركم أنكم تأتونه العام؟ فقالوا: لا. قال: فإنكم تأتونه وتطوفون بالبيت فأنزل الله تصديقه. ومعنى صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا صدقه في رؤياه ولم يكذبه. وقوله بِالْحَقِّ إما أن يكون متعلقا ب صَدَقَ أي صدقه فيما رأى صدقا متلبسا بالحق وهو أن يكون ما أراه كما أراه، وإما أن يكون حالا من الرؤيا أي متلبسة بالحق يعني بالغرض الصحيح وهو الابتلاء، وتميز المؤمن المخلص من المنافق المرائي. وجوّز أن يكون بِالْحَقِّ قسما لأنه اسم من أسماء الله سبحانه، أو لأن المراد الحق الذي هو نقيض الباطل فتكون اللام في لَتَدْخُلُنَّ جواب القسم لا للابتداء فيحسن الوقف على الرُّؤْيا. والبحث عن الحلق والتقصير وسائر أركان الحج والعمرة وشرائطهما استوفيناها في سورة البقرة فليتذكر. وفي ورود إِنْ شاءَ اللَّهُ في خبر الله أقوال أحدها: أنه حكاية قول الملك كما روينا. والثاني أن ذلك خارج على عادة القرآن من ذكر المشيئة كقوله يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ والمعنى إن الله يفعل بالعباد ما هو الصلاح فيكون استثناء تحقيق لا تعليق. والثالث أنه أراد لتدخلن جميعا إن شاء ولم يمت أحد أو لم يغب. والرابع أنه تأديب وإرشاد إلى استعمال الاستثناء في كل موضع لقوله ﷺ وقد دخل البقيع «وأنا إن شاء الله بكم لا حقون» «١» وليس في وقوع الموت استثناء. الخامس أنه راجع إلى حالة الأمن وعدم الخوف. ثم رتب على الصدق وعلى سوء ظن القوم قوله فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا من الحكمة في تأخير الفتح إلى العام القابل فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ الفتح فَتْحاً قَرِيباً وهو فتح خيبر. ثم أكد صدق الرؤيا بل صدق الرسول في كل شيء بقوله هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الآية. وذلك أنه كذب رسوله كان مضلا ولم يكن إرساله سببا لظهور دينه وقوة ملته، وقد مر نظير الآية في سورة التوبة. ومن استعلاء هذا الدين أنه لا ترى أهل ملة إلا والمسلم غالب عليه إلا أن يشاء الله. وقد يقال: إن كمال العز والغلبة عند نزول عيسى ﵇ فلا يبقى على الأرض كافر وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً على أن هذا الدين يعلو ولا يعلى.

стр. 3281

ثم أكد الشهادة وأرغم أنف قريش الذين لمن يرضوا بهذا التعريف في كتاب العهد فقال مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فهو مبتدأ وخبر. وجوز أهل الإعراب أن يكون المبتدأ محذوفا لتقدم ذكره في قوله أَرْسَلَ رَسُولَهُ أي هو محمد فيكون رَسُولُ اللَّهِ صفة أو عطف بيان، وجوزوا أن يكون مُحَمَّدٌ مبتدأ ورَسُولُ اللَّهِ صفته أو بيانا. وقوله وَالَّذِينَ مَعَهُ وهم الصحابة عطفا على مُحَمَّدٌ وخبر الجميع أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ جمع شديد كما قال وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التحريم: ٩] أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ [المائدة: ٥٤] عن الحسن: بلغ من تشدّدهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم فكيف بأبدانهم، وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمنا إلا صحافه وعانقه. والمصافحة جائزة بالاتفاق، وأما المعانقة والتقبيل فقد كرههما أبو حنيفة ﵁ وإن كان التقبيل على اليد. ومن حق المؤمنين أن يراعوا هذه السنة أبدا فيتشدّدوا على مخالفيهم ويرحموا أهل دينهم تَراهُمْ يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب رُكَّعاً سُجَّداً راكعين ساجدين يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ بالعفو عن تقصيرهم وَرِضْواناً منه عن أعمالهم الصالحة بأن يتقبلها الله منهم سِيماهُمْ علامتهم فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ فيجوز أن تكون العلامة أمرا محسوسا وأن السجود بمعنى حقيقة وضع الجبهة على الأرض، وكان كل من عليّ بن الحسين زين العابدين ﵇ وعليّ بن عبد الله بن عباس أبي الأملاك يقال له ذو الثفنات، لأن كثرة سجودهما أحدثت في مواضع السجود منهما أشباه ثفنات البعير. والذي جاء في الحديث «لا تعلبوا صوركم» أي لا تخدشوها. وعن ابن عمر أنه رأى رجلا أثر في وجهه السجود فقال: إن صورة وجهك أنفك فلا تعلب وجهك ولا تشن صورتك محمول على التعمد رياء وسمعة. وعن سعيد بن المسيب هي ندى الطهور وتراب الأرض. ويجوز أن يكون أمرا معنويا من البهاء والنور. وعن عطاء: استنارت وجوههم من التهجد كما قيل «من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» وإن الذي يبيت شاربا يتميز عند أرباب البصيرة من الذي يبيت مصليا وفيه قال بعضهم: عيناك قد حكتا مبي ... تك كيف كنت وكيف كانا ولرب عين قد أرت ... ك مبيت صاحبها عيانا قال المحققون: إن من توجه إلى شمس الدنيا لا بد من أن يقع شعاعها على وجهه، فالذي أقبل على شمس عالم الوجود وهو الله سبحانه كيف لا يستنير ظاهره وباطنه ولا سيما يوم تبلى السرائر ويكشف الغطاء ذلِكَ مَثَلُهُمْ أي ذلك الوصف وصفهم العجيب الشأن في الكتابين: ويجوز أن يكون ذلك إشارة مبهمة أوضحت بقوله كَزَرْعٍ إلى

стр. 3282

آخره. كقوله وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ [الحجر: ٦٦] وقد يقال: تم الكلام عند قوله ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ ثم ابتدأ مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ لما روى أنه مكتوب في الإنجيل: سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر عرفوا إلى بني إسرائيل بهذا الوصف ليعرفوهم إذا أبصروهم. والشطء بالتسكين والتحريك فراخ الزرع التي تنبت إلى جانب الأصل، ومنه شاطئ النهر. فَآزَرَهُ من المؤازرة المعاونة. ويجوز أن يكون أفعل من الأزر القوة أي أعان الزرع الشطء أو بالعكس. فَاسْتَغْلَظَ الزرع أو الشطء أي صار من الرقة إلى الغلظ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ فاستقام على قصبته أي تناهى وصار كالأصل بحيث يعجب الزارعين. والسوق جمع ساق وقد يخص الساق بالشجر فيكون ساق الزرع مجازا مستعارا. ووجه التشبيه أن النبي ﷺ خرج وحده ثم أتبعه من هاهنا قليل ومن هاهنا حتى كثروا وقوي أمرهم. وقوله لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ تعليل لوجه التشبيه أو للتشبيه أي ضرب الله ذلك المثل وقضى وحكم بذلك ليغيظ بمحمد ﷺ وأصحابه كفار مكة والعجم. وقيل: هذا الزرع يغيظ بكثرته الكفار أي سائر الزرّاع الذين ليس لهم مثل زرعهم وفيه بعد، ولكن الكلام لا يخلو عن فصاحة لفظية من قبل المناسبة بين الزراع والكفار لاشتراكهما بالجملة في معنى من المعاني وإن لم يكن مقصودا هاهنا. وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله وَالَّذِينَ مَعَهُ أبو بكر أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ عمر رُحَماءُ بَيْنَهُمْ عثمان تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً علي ﵇ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً طلحة والزبير سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ سعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة ابن الجراح. وعن عكرمة: أخرج شطأه بأبي بكر فآزره بعمر فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعليّ. وقوله مِنْهُمْ لبيان الجنس. ويجوز أن يكون قوله لِيَغِيظَ تعليلا للوعد لأن الكفار إذا سمعوا بما أعدّ لهم في الآخرة مع ما حصل لهم في الدنيا من الغلبة والاستعلاء غاظهم ذلك والله أعلم.

стр. 3283

(سورة الحجرات) (مدنية حروفها ألف وأربعمائة وستة وسبعون كلماتها ثلاثمائة وأربعون آياتها ثمان عشرة) [سورة الحجرات (٤٩) : الآيات ١ الى ١٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨) وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢) يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣) قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨)

стр. 3284

القراآت: لا تُقَدِّمُوا بالفتحات من التقدّم: يعقوب الحجرات بفتح الجيم: يزيد. إخوتكم على الجمع: يعقوب وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان وَلا تَجَسَّسُوا وَلا تَنابَزُوا ولِتَعارَفُوا بالتشديدات للإدغام: البزي وابن فليح ميتا مشدّدا: أبو جعفر ونافع يألتكم بالهمز: أبو عمرو وسهل ويعقوب وقد لا يهمز في رواية. الآخرون: بالحذف بما يعملون على الغيبة: ابن كثير. الوقوف: وَاتَّقُوا اللَّهَ ط عَلِيمٌ هـ ج لا تَشْعُرُونَ هـ لِلتَّقْوى ط عَظِيمٌ هـ لا يَعْقِلُونَ هـ خَيْراً لَهُمْ ط رَحِيمٌ هـ نادِمِينَ هـ رَسُولَ اللَّهِ ط وَالْعِصْيانَ ط الرَّاشِدُونَ هـ لأن فَضْلًا مفعول له وَنِعْمَةً ط حَكِيمٌ هـ بَيْنَهُما ج للشرط مع الفاء أَمْرِ اللَّهِ ج لذلك وَأَقْسِطُوا ط الْمُقْسِطِينَ هـ تُرْحَمُونَ هـ مِنْهُنَّ ج للعدول عن الغيبة إلى الخطاب بِالْأَلْقابِ ط بَعْدَ الْإِيمانِ هـ ج لابتداء الشرط مع احتمال وَمَنْ لَمْ يَتُبْ عما ذكر من اللمز والنبز الظَّالِمُونَ هـ مِنَ الظَّنِّ ز للابتداء بأن إلا إنه للتعليل أي لأن بَعْضاً ج فَكَرِهْتُمُوهُ ط وَاتَّقُوا اللَّهَ ط رَحِيمٌ هـ لِتَعارَفُوا ط أَتْقاكُمْ ط خَبِيرٌ هـ آمَنَّا ط قُلُوبِكُمْ ط شَيْئاً ط رَحِيمٌ هـ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ط الصَّادِقُونَ هـ فِي الْأَرْضِ ط عَلِيمٌ هـ أَسْلَمُوا ط إِسْلامَكُمْ ج لأن «بل» للإضراب عن الأول صادِقِينَ هـ وَالْأَرْضِ ط تَعْمَلُونَ هـ. التفسير: لما بين محل النبي ﷺ وعلو منصبه بقوله هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ إلى آخر السورة افتتح الآن بقوله لا تُقَدِّمُوا الآية. ففيه تأكيد لما ذكر هناك من وجوب إتباعه والإذعان له. والأظهر أن هذا إرشاد عام. وذكر المفسرون في أسباب النزول وجوها منها ما روي عن ابن أبي مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبر أنه قدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ فقال أبو بكر لرسول الله ﷺ : أمّر القعقاع بن معبد وقال عمر: بل أمر الأقرع بن جابس. فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي. فقال عمر: ما أردت خلافك. فتماريا حتى

стр. 3285

ارتفعت أصواتهما فأنزل الله الآية. وقال الحسن والزجاج: نزلت في رجل ذبح الأضحية قبل الصلاة وقبل ذبح النبي ﷺ فأمره بإعادتها وهو مذهب أبي حنيفة إلى أن تزول الشمس. وعند الشافعي يجوز الذبح إذا مضى من الوقت مقدار الصلاة. وعن عائشة أنها نزلت في صوم يوم الشك. وروي أنها في القتال أي لا تحملوا على الكفار في الحرب قبل أن يأمر النبي ﷺ . وقدّم إما متعد وحذف المفعول للعموم حتى يتناول كل فعل وقول، أو ترك مفعوله كما في قوله «فلان يعطي ويمنع» لأن النظر إلى الفعل لا إلى المفعول كأنه قيل: يجب أن لا يصدر منكم تقدم أصلا في أيّ فعل كان. وإما لازم نحو بين وتبين بمعنى يؤيده قراءة يعقوب. قال جار الله: حقيقة قولهم «جلست بين يدي فلان» أن يجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله حتى ينظر إليك من غير تقليب حدقة وذكر الله للتعظيم. وفيه أن التقديم بين يدي رسول الله ﷺ كالتقديم بين يدي الله. قال ابن عباس: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه بل عليهم أن يصغوا ولا يتكلموا. وقيل: معناه لا تخالفوا كتاب الله وسنة رسوله. وعن الحسن في رواية أخرى: لما استقر رسول الله ﷺ بالمدينة أتته الوفود من الآفاق فأكثروا عليه بالمسائل فنهوا أن يبتدؤه بالمسألة حتى يكون هو المبتدئ وَاتَّقُوا اللَّهَ في التقديم أو أمرهم بالتقوى ليحملهم على ترك التقدمة فإن المتقي حذر عن كل ما فيه تبعة وريب إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لأقوالكم عَلِيمٌ بنياتكم وأفعالكم. ثم أعاد النداء عليهم مزيدا للتنبيه، وفيه نوع تفصيل بعد إجمال وتخصيص بعد تعميم. وعن ابن عباس أن ثابت ابن قيس بن شماس كان في أذنه وقر وكان جهوريّ الصوت وكان يتأذى رسول الله ﷺ بصوته إذا كلمه، فحين نزلت الآية فقد ثابت فتفقده رسول الله ﷺ فاعتذر بأنه رجل جهير الصوت يخاف أن تكون الآية نزلت فيه. فقال له رسول الله ﷺ : لست هناك إنك تعيش بخير وتموت بخير وإنك من أهل الجنة. وعن الحسن: نزلت في المنافقين كانوا يرفعون بأصواتهم فوق صوت رسول الله ﷺ استخفافا واستهانة وليقتدي بهم ضعفة المسلمين فنهى المؤمنون عن ذلك. وعلى هذا فإما أن يكون الإيمان أعم من أن يكون باللسان أو به وبالقلب، وإما أن يكون الإيمان حقيقة فيكون تأديبا للمؤمنين الخلص حتى يكون حالهم بخلاف حال أهل النفاق، ويكون كلامهم لرسول الله ﷺ أخفض من كلامه لهم رعاية لحشمته وصيانة على مهابته. قوله وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ أي جهرا مثل جهر بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ قيل: تكرار للمعنى الأوّل لأجل التأكيد فإن الجهر هو رفع الصوت والجمهور على أن بين النهيين فرقا. ثم اختلفوا فقيل: الأول فيما إذا نطق ونطقوا أو أنصت ونطقوا في أثناء كلامه فنهوا أن يكون جهرهم باهر الجهر. والثاني فيما إذا سكت

стр. 3286

ونطقوا فنهوا عن جهر مقيد بما اعتادوه فيما بينهم وهو الخالي عن مراعاة أبهة النبوّة. وقيل: النهي الأول أعم مما إذا نطق ونطقوا أو أنصت ونطقوا والمراد بالنهي الثاني أن لا ينادي وقت الخطاب باسمه أو كنيته كنداء بعضهم لبعض فلا يقال: يا أحمد يا محمد يا أبا القاسم ولكن يا نبي الله يا رسول الله. ثم علل كلا من النهيين بقوله أَنْ تَحْبَطَ أي كراهة حبوط أعمالكم وذلك أن الرفع والجهر إذا كان عن استخفاف وإهانة كان كفرا محبطا للأعمال السابقة. والمفعول له يتعلق بالفعل الأول في الظاهر عند الكوفيين وبالعكس عند البصريين. وجوز في الكشاف أن يقدر الفعل في الثاني مضموما إليه المفعول له كأنهما شيء واحد ثم يصب عليهما الفعل جميعا صبا واحدا، والمعنى أنهم نهوا عن الفعل الذي فعلوه لأجل الحبوط لأنه كان بصدد الأداء إليه فجعل كأنه سبب في إيجاده كقوله لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص: ٨] وفي قوله وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ إشارة إلى أن ارتكاب المآثم يجر الأعمال إلى الحبوط من حيث لا يشعر المرء به. ومثله قول الحكيم: إن كلا من الأخلاق الفاضلة والرذيلة تكون أوّلا حالا ثم تصير ملكة راسخة وعادة مستمرة. ومنه قول أفلاطون: لا تصحب الشرير فإن طبعك يسرق وأنت لا تدري. فالعاقل من يجتهد في الفضائل أن تصير ملكات، وفي الرذائل أن تزول عنه وهي أحوال. قال ابن عباس: لما نزلت الآية قال أبو بكر: يا رسول الله والله لا أكلمك إلا السرار أو كأخي السرار حتى ألقى الله فأنزل الله فيه وفي أمثاله إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ هو افتعل من المحنة وهو اختبار بليغ يقال: امتحن فلان لأمر كذا أي جرب له فوجد قويا عليه، أو وضع الامتحان موضع المعرفة لأن تحقق الشيء باختباره فكأنه قيل: عرف الله قلوبهم كائنة للتقوى فاللام متعلقة بالمحذوف كقولك: أنت لهذا الأمر. أو ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف لأجل التقوى وحصولها فيها سابقة ولا حقة لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم وَأَجْرٌ عَظِيمٌ لطاعتهم. وفي تنكير الوعد وغير ذلك من مؤكدات الجملة تعريض بعظم ما ارتكب غيرهم واستحقاقهم أضداد ما استحق هؤلاء. يروى أنه كان إذا قدم على رسول الله ﷺ وفد أرسل إليهم أبو بكر من يعلمهم كيف يسلمون ويأمرهم بالسكينة والوقار. قال العلماء: إن النهي لا يتناول رفع الصوت الذي ليس باختيار المكلف كما مر في حديث ثابت بن قيس، ولا الذي نيط به صلاح في حرب أو جدال معاند أو إرهاب عدوّ. ففي الحديث أنه ﷺ قال للعباس ابن عبد المطلب لما انهزم الناس يوم حنين: أصرخ بالناس وكان العباس أجهر الناس صوتا. وفيه قال نابغة بني جعدة:

стр. 3287

زجر أبي عروة السباع إذا ... أشفق أن يختلطن بالغنم وأبو عروة كنية العباس. زعمت الرواة أنه كان يزجر السباع عن الغنم فيشق مرارة السبع في جوفه. ويروى أن غارة أتتهم يوما فصاح العباس يا صباحاه فأسقطت الحوامل لشدّة صوته. ثم علمهم أدبا أخص فقال إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أي من جانب البر والخارج مناداة الأجلاف بعضهم لبعض. والحجرة البقعة التي يحجرها المرء لنفسه كيلا يشاركه فيها غيره من الحجر وهو المنع «فعلة» بمعنى مفعولة، وجمعت لأن كلا من أمهات المؤمنين لها حجرة. روي أن وفدا من بني تميم قدم على النبي ﷺ وهو سبعون رجلا منهم الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن. فدخلوا المسجد ونادوا النبي ﷺ من خارج حجراته كأنهم تفرقوا على الحجرات أو أتوها حجرة حجرة فنادوه من ورائها أو نادوه من وراء الحجرة التي كان فيها، ولكنها جمعت إجلالا له ﷺ . والفعل وإن كان مستندا إلى جميعهم فإنه يجوز أن يتولاه بعضهم لأن رضا الباقين به كالتولي له. وحكى الأصم أن الذي ناداه عيينة والأقرع قالا: أخرج إلينا يا محمد فإن مدحنا زين منا شين. فتأذى رسول الله ﷺ من ذلك فخرج إليهم وهو يقول: إنما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمه شين. فقال لهم: فيم جئتم؟ فقالوا: جئنا بخطيبنا وشاعرنا نفاخرك ونشاعرك. فقال: ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت ولكن هاتوا. فقام خطيبهم فخطب وقام شاعرهم وأنشد فأمر النبي ﷺ ثابت بن قيس فقام وخطب وأمر حسانا فقام وأنشد. فلما فرغوا قام الأقرع وقال: والله ما أدري ما هذا، تكلم خطيبنا وكان خطيبهم أحسن قولا، وأنشد شاعرنا وكان شاعرهم أشعر. ثم دنا من رسول الله ﷺ وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله. وعن زيد بن أرقم أنهم قالوا: نمتحنه فإن يكن ملكا عشنا في جنابه، وإن يكن نبيا كان أولى بأن نكون أسعد الناس به. وقيل: إنهم وفدوا شافعين في أسرى بني العنبر. أما إخبار الله تعالى عنهم بأن أكثرهم لا يعقلون فإما لأن الأكثر أقيم مقام الكل على عادة الفصحاء كيلا يكون الكلام بصدد المنع، وإما لأن الحكم بقلة العقلاء فيهم عبارة عن العدم فإن القلة تقع موقع النفي في كلامهم، وإما لأن فيهم من رجع وندم على صنيعه فاستثناه الله تعالى. وإنما حكم عليهم بعدم العقل لأنهم لم يعقلوا أن هذا النحو من النداء خارج عن قانون الأدب ومنبئ عن عدم الوقار والأناة ولا سيما في حق النبي ﷺ فإنه لم يكن يحتجب عن الناس إلا عند الخلوة والاشتغال بمهامّ أهل البيت فلذلك قال وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ وفائدة قوله إِلَيْهِمْ أنه لو خرج لا لأجلهم لزمهم الصبر إلى أن يكون خروجه إليهم لأجلهم لَكانَ

стр. 3288

الصبر خَيْراً لَهُمْ في دينهم وهو ظاهر وفي دنياهم بأن ينسبوا إلى وفور العقل وكمال الأدب. وقيل: بإطلاق أسرائهم جميعا فقد روي أن النبي ﷺ أطلق النصف وفادى النصف وَاللَّهُ غَفُورٌ مع ذلك لمن تاب رَحِيمٌ في قبول التوبة. سئل رسول الله ﷺ عن وفد بني تميم فقال: إنهم جفاة بني تميم ولولا أنهم من أشد الناس قتالا للأعور الدجال لدعوت الله عليهم أن يهلكهم. ويحكى عن أبي عبيدة وهو المشهور بالعلم والزهادة وثقة الرواية أنه قال: ما وقفت بباب عالم قط حتى يخرج في وقت خروجه. ثم أرشدهم إلى أدب آخر فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ وقد أجمع المفسرون على أنها نزلت في الوليد بن عقبة بعثه رسول الله ﷺ إلى بني المصطلق مصدقا وكان بينهما إحنة، فلما سمعوا به ركبوا إليه فلما سمع بهم خافهم فرجع فقال: إن القوم هموا بقتلي ومنعوا صدقاتهم. فهم النبي ﷺ بغزوهم، فبيناهم في ذلك إذ قدم وفدهم وقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نكرمه ونؤدي إليه ما قبلنا من الصدقة فاتهمهم النبي ﷺ وقال: لتنتهن أو لأبعثن إليكم رجلا هو عندي كنفسي يقاتل مقاتلتكم ويسبي ذراريكم، ثم ضرب بيده على كتف علي ﵁ فقالوا: نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله. وقيل: بعث إليهم خالد بن الوليد فوجدهم منادين بالصلاة متهجدين فسلموا إليه الصدقات فرجع. قال جار الله: في تنكير الفاسق والنبأ عموم كأنه قيل: أيّ فاسق جاءكم بأيّ نبأ فتوقفوا فيه واطلبوا البيان لأن من لا يتجافى جنس الفسوق لا يتجافى بعض أنواعه الذي هو الكذب. والفسوق الخروج عن الشيء والانسلاخ منه فسقت الرطبة عن قشرها، ومن مقلوبه «فقست البيضة» إذا كسرتها وأخرجت ما فيها. ومن تقاليبه أيضا «قفست الشيء» بتقديم القاف إذا أخرجته من يد مالكه غصبا. والنبأ الخبر الذي يعظم وقعه. واختبر لفظة «إن» التي هي للشك دون «إذا» تنبيها على أنه ﷺ ومن معه بمنزلة لا يجسر أحد أن يخبرهم بكذب إلا على سبيل الفرض والندرة، فعلى المؤمنين أن يكونوا بحيث لا يطمع فاسق في مخاطبتهم بكلمة زور. ثم علل التبين بقوله أَنْ تُصِيبُوا أي كراهة إصابتكم قَوْماً حال كونكم جاهلين بحقيقة الأمر. والندم ضرب من الغم وهو أن تغتم على ما وقع منك متمنيا أنه لم يقع ولا يخلو من دوام وإلزام. ومن مقلوباته «أدمن الأمر» إذا دام عليه. ومدن بالمكان أقام به. قال الأصوليون من الأشاعرة: إن خبر الواحد العدل يجب العمل به لأن الله تعالى أمر بالتبين في خبر الفاسق، ولو تبينا في خبر العدل لسوّينا بينهما. وضعف بأنه من باب التمسك بالمفهوم. واتفقوا على أن شهادة الفاسق لا تقبل لأن باب الشهادة أضيق من باب التمسك بمفهوم الخبر. وأكثر المفسرين على أن الوليد كان ثقة عند رسول الله ﷺ فصار

стр. 3289

فاسقا بكذبه. وقيل: إن الوليد لم يقصد الكذب ولكنه ظن حين اجتمعوا لإكرامه أن يكونوا هموا بقتله. ولقائل أن يقول: لفظ القرآن وسبب النزول يدل على خلافه. نعم لو قيل: إنه تاب بعد ذلك لكان له وجه. ثم أرشدهم إلى أمر آخر قائلا وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ وليس هذا الأمر مقصودا بظاهره لأنه معلوم مشاهد فلا حاجة إلى التنبيه عليه، وإنما المراد ما يستلزم كونه فيهم كما يقال لمن يغلط في مسألة أو يقول فيها برأيه: اعلم أن الشيخ حاضر. ثم قيل: المراد لا تقولوا الباطل والكذب فإن الله يخبره ويوحي إليه. وقيل: أراد أن الرأي رأيه فلا تعدوا رأيه وقد صرح بهذا المعنى في قوله لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ لوقعتم في العسر والمشقة والحرج لأنه أعلم منكم بالحنيفية السهلة السمحاء، ومن جملة ذلك قصة الوليد فإنه لو أطاعه وقبل قوله لقتل وقتلتم وأخذ المال وأخذتم فاتهمتم. قال جار الله: الجملة المصدّرة بلو ليس كلاما مستأنفا لاختلال النظم حينئذ ولكنها حال من أحد الضميرين في فِيكُمْ وهو المستتر المرفوع أو البارز المجرور. والمعنى أن فيكم رسول الله على حالة يجب تغييرها وهي أنكم تطلبون منه اتباع آرائكم. قلت: قد ذكرنا في وجه النظم بيانا آخر. ثم قال: فائدة تقديم خبر «أن» هو أن يعلم أن التوبيخ ينصب إلى هذا الغرض. وفائدة قوله يُطِيعُكُمْ بلفظ الاستقبال الدلالة على ما أرادوه من استمرار طاعته لهم وأنه لا يخالفهم في كثير مما عنّ لهم من الآراء والأهواء. وفي قوله فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ مراعاة لجانب المؤمنين حيث لم ينسب جميع آرائهم إلى الخطأ، وفيه أيضا تعليم حسن وتأديب جميل في باب التخاطب. ويمكن أن يكون إشارة إلى تصويب رأي بعضهم لا إلى تصويب بعض رأيهم فقد قيل: إن بعضهم زينوا لرسول الله ﷺ الإيقاع ببني المصطلق وتصديق قول الوليد، وبعضهم كانوا يرون التحلم عنهم إلى أن يتبين أمرهم، وقد أشار إلى هذا البعض بقوله وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ أي إلى بعضكم وإلا لم يحسن الاستدراك يعني ب لكِنَّ فإن من شرطه مخالفة ما بعده لما قبله. فلو كان المخاطبون في الطرفين واحدا لم يكن للاستدراك معنى بل يؤدّي إلى التناقض لأنه يكون قد أثبت لهم في ثاني الحال محبة الإيمان وكراهة العصيان، وذكر أوّلا أنه توجب إجابتهم الوقوع في العنت. قال أهل اللغة: الطاعة موافقة الداعي غير أن المستعمل في حق الأكابر الإجابة، وفي حق الأصاغر الطاعة، وقد ورد القرآن على أصل اللغة. استدلت الأشاعرة بقوله حَبَّبَ وكَرَّهَ على مسألة خلق الأفعال. وحملها المعتزلة على نصب الأدلة أو اللطف والتوفيق أو الوعد والوعيد. والمعنى ولكن الله حبب إليكم الإيمان فأطعتموه فوقاكم العنت والكفر واضح. وأما الفسوق والعصيان فقيل: الأوّل الكبائر والثاني

стр. 3290

الصغائر. ويحتمل أن يكون الكفر مقابل التصديق بالجنان، والفسوق مقابل الإقرار باللسان لأن الفسق هاهنا أمر قولي بدليل قوله إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ سماه فاسقا لكذبه والعصيان مقابل العمل بالأركان أُولئِكَ البعض المتبينون هُمُ الرَّاشِدُونَ وهذه جملة معترضة. وقوله فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً كل منهما مفعول له والعامل فيهما حَبَّبَ وكَرَّهَ ويجوز أن يكونا منصوبين عن الراشدين لأن الرشد عبارة عن التحبيب والتكريه المستندين إلى الله، فكأن الرشد أيضا فعله فاتحد الفاعل في الفعل والمفعول له بهذا الاعتبار. ويجوز أن يكونا مصدرين من غير لفظ الفعل وهو الرشد فكأنه قيل: فأولئك هم الراشدون رشدا لأن رشدهم إفضال وإنعام منه. قال بعض العلماء: الفضل بالنظر إلى جانب الله الغنيّ، والنعمة بالنظر إلى جانب العبد الفقير وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأحوال الخلق وما بينهم من التمايز والتفاضل حَكِيمٌ في تدابيره وأفضاله وأنعامه. ثم علمهم حكما آخر. في الصحيحين عن أنس أنه قيل لرسول الله ﷺ : يا نبي الله لو أتيت عبد الله بن أبيّ. فانطلق إليه على حمار وانطلق المسلمون يمشون وهي أرض سبخة فبال الحمار فقال: إليك عني فو الله لقد آذاني نتن حمارك. فقال عبد الله بن رواحة: والله إن بول حماره أطيب ريحا منك فغضب لعبد الله رجل من قومه وغضب لكل واحد منهما أصحابه فوقع بينهم حرب بالجريد والأيدي والنعال فأنزل الله فيهم وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا جمع لأن الطائفتين في معنى القوم، أو الناس، أو لأن أقل الجمع اثنان فرجع إليهم رسول الله ﷺ فأصلح بينهم. وعن مقاتل: قرأها عليهم فاصطلحوا. وقال ابن بحر: القتال لا يكون بالنعال والأيدي وإنما هذا في المنتظر من الزمان. والطائفة الجماعة وهي أقل من الفرقة لقوله فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ [التوبة: ١٢٢] وارتفاعها بمضمر دل عليه ما بعده أي إن اقتتلت طائفتان واختير «أن» دون «إذا» مع كثرة وقوع القتال بين المؤمنين ليدل على أنه مما ينبغي أن لا يقع إلا نادرا وعلى سبيل الفرض والتقدير، ولهذه النكتة بعينها قال طائِفَتانِ ولم يقل «فريقان» تحقيقا للتقليل كما قلنا. وفي تقديم الفاعل على الفعل إشارة أيضا إلى هذا المعنى لأن كونهما طائفتين مؤمنين يقتضي أن لا يقع القتال بينهما ولهذا اختير المضيّ في الفعل ولم يقل يقتتلون لئلا ينبئ عن الاستمرار. وفيه أيضا من التقابل ما فيه. وإنما قدم الفعل في قوله إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ ليعلم أن المجيء بالنبإ الكاذب يورث كون الجائي به فاسقا سواء كان قبل ذلك فاسقا أم لا، ولو أخر الفعل لم تتناول الآية إلا مشهور الفسق قبل المجيء بالنبإ. قال بعض العلماء: إنما

стр. 3291

قال اقْتَتَلُوا على الجمع ولم يقل «فأصلحوا بينهم» لأن عند القتال يكون لكل منهم فعل برأسه، أما عند العود إلى الصلح فإنه تتفق كلمة كل طائفة وإلا لم يتحقق الصلح فكان كل من الطائفتين كنفس واحدة فكانت التثنية أقعد. والبغي الاستطالة وإباء الصلح، والفيء الرجوع وبه سمي الظل لأنه يرجع بعد نسخ الشمس، أو لأن الناس يرجعون إليه، والغنيمة لأنها ترجع من الكفار إلى المسلمين. ومعنى قوله إِلى أَمْرِ اللَّهِ قيل: إلى طاعة الرسول أو من قام مقامه من ولاة الأمر بقوله أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩] وقيل: إلى الصلح لقوله وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ [الأنفال: ١] وقيل: إلى أمر الله بالتقوى فإن من خاف الله حق خشيته لا تبقى له عداوة إلا مع الشيطان. وإنما قال فَإِنْ بَغَتْ ولم يقل «فإذا» بناء على أن بغي إحداهما مع صلاح الأخرى كالنادر، وكذا قوله فَإِنْ فاءَتْ لأن الفئة الباغية مع جهلها وعنادها وإصرارها على حقدها كالأمر النادر نظيره قول القائل لعبده: «إن مت فأنت حر» . مع أن الموت لا بد منه وذلك لأن موته بحيث يكون العبد حيا باقيا في ملكه غير معلوم. واعلم أن الباغية في اصطلاح الفقهاء فرقة خالفت الإمام بتأويل باطل بطلانا بحسب الظن لا القطع، فيخرج المرتد لأن تأويله باطل قطعا، وكذا الخوارج وهم صنف من المبتدعة يكفرون من أتى بكبيرة ويسبون بعض الأئمة. وهكذا يخرج مانع حق الشرع لله أو للعباد عنادا لأنه لا تأويل له. ولا بد أن يكون له شوكة وعدد يحتاج الإمام في دفعهم إلى كلفة ببذل مال أو إعداد رجال، فإن كانوا أفرادا يسهل ضبطهم فليسوا بأهل بغي. والأكثرون على أن البغاة ليسوا بفسقة ولا كفرة لقوله تعالى وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا وعن عليّ ﵁: إخواننا بغوا علينا ولكنهم يخطؤن فيما يفعلون ويذهبون إليه من التأويل كما وقع للخارجة عن عليّ ﵁ حيث اعتقدوا أنه يعرف قتلة عثمان ويقدر عليهم ولا يقتص لمواطأته إياهم. وكما قال مانعو الزكاة لأبي بكر: أمرنا بدفع الزكاة إلى من صلاته سكن لنا وصلاة غير النبي ﷺ ليست بسكن لنا. واتفقوا على أن معاوية ومن تابعه كانوا باغين للحديث المشهور «إن عمارا تقتله الفئة الباغية» «١» وقد يقال: إن الباغية في حال بغيها ليست بمؤمنة وإنما سماهم المؤمنين باعتبار ما قبل البغي كقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ [المائدة: ٥٤] والمرتد ليس بمؤمن

стр. 3292

بالاتفاق. أما الذي يتلفه العادل على الباغي وبالعكس في غير القتال فمضمون على القاعدة الممهدة في قصاص النفوس وغرامة الأموال، وأما في القتال فلا يضمن العادل لأنه مأمور بالقتال ولا الباغي على الأصح، لأن في الوقائع التي جرت في عصر الصحابة والتابعين لم يطلب بعضهم بعضا بضمان نفس ومال، ولأنه لو وجبت الغرامة لنفرهم ذلك عن العود إلى الطاعة. والأموال المأخوذة في القتال تردّ بعد انقضاء الحرب إلى أربابها من الجانبين. والمراد من متلف القتال ما يتلف بسبب القتال ويتولد منه هلاكه حتى لو فرض إتلاف في القتال من غير ضرورة القتال كان كالإتلاف في غير القتال، والذين لهم تأويل بلا شوكة لزمهم ضمان ما أتلفوا من نفس ومال وإن كان على صورة القتال، وحكمهم حكم قطاع الطريق إذا قاتلوا، ولو أسقطنا الضمان لأبدت كل شرذمة من أهل الفساد تأويلا وفعلت ما شاءت وفي ذلك إبطال السياسات، ولهذه النكتة قرن بالإصلاح. والثاني قوله بِالْعَدْلِ لأن تضمين الأنفس والأموال يحتاج فيه إلى سلوك سبيل العدل والنصفة لئلا يؤدي إلى ثوران الفتنة مرة أخرى. واحتج الشافعي لوجوب الضمان إذا لم يكن قتال بأن ابن ملجم قتل عليا ﵁ زاعما أن له شبهة وتأويلا فأمر بحبسه وقال لهم: إن قتلتم فلا تمثلوا به فقتله الحسن بن علي ﵁ وما أنكر عليه أحد. وأما الذين لهم شوكة ولا تأويل فالظاهر عند بعضهم نفي الضمان وعند آخرين الوجوب. وأما كيفية قتال الباغين فإن أمكن الأسر لم يقتلوا، وإن أمكن الإثخان فلا يذفف عليه كدفع الصائل إلا إذا التحم القتال وتعسر الضبط. قوله وَأَقْسِطُوا أمر باستعمال القسط على طريق العموم بعد ما أمر به في إصلاح ذات البين. قال أهل اللغة: القسط بالفتح والسكون الجور من القسط بفتحتين وهو اعوجاج في الرجلين. وعود قاسط يابس، والقسط بالكسر العدل والهمزة في أقسط للسلب أي أزال القسط وهو الجور. وحين بين إصلاح الخلل الواقع بين الطائفتين أراد أن يبين الخلل الواقع بين اثنين بالتشاتم والسباب ونحو ذلك فقال إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ أي حالهم لا يعدو الأخوة الدينية إلى ما يضادّها فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ بإيصال المظلوم إلى حقه وبدفع إثم الظلم عن الظالم. والتثنية بحسب الأغلب، ويحتمل أن يقال: إنه شامل لما دون الطائفتين. روي أن النبي ﷺ قال «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يعيبه ولا يتطاول عليه في البنيان فيستر عنه الريح إلا بإذنه ولا يؤذيه بقتار قدره ثم قال احفظوا ولا يحفظ منكم إلا قليل» وَاتَّقُوا اللَّهَ في سائر الأبواب راجين أن يرحمكم ربكم. ثم شرع في تأديبات أخر. والقوم الرجال خاصة لقيامهم على الأمور. قال جمهور المفسرين: إن ثابت بن قيس بن شماس كان في أذنيه وقر وكان إذا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 3293

أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه فيسمع ما يقول. فجاء يوما وقد أخذ الناس مجالسهم فجعل يتخطى رقاب الناس ويقول: تفسحوا تفسحوا. فقال له رجل: أصبت مجلسا فاجلس. فجلس ثابت مغضبا ثم قال للرجل: يا فلان ابن فلانة يريد أمّا كان يعير بها في الجاهلية فسكت الرجل استحياء فنزلت. وقيل: نزلت في الذين نادوا رسول الله ﷺ من وراء الحجرات واستهزؤا بالفقراء. وقيل: في كعب بن مالك قال لعبد الله: يا أعرابي. فقال له عبد الله: يا يهودي. وقيل: نزلت وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ في عائشة وقد عابت أم سلمة بالقصر. ويروى أنها ربطت حقويها بثوب أبيض وأسدلت طرفها خلفها وكانت تجره فقالت عائشة لحفصة: انظري ماذا تجر خلفها كأنه لسان كلب. وعن عكرمة عن ابن عباس: أن صفية بنت حييّ أتت رسول الله ﷺ فقالت: إن النساء يعيرنني ويقلن يا يهودية بنت يهوديين. فقال لها رسول الله ﷺ : هلا قلت إن أبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد. وتنكير القوم والنساء للبعضية أو لإفادة الشياع. وإنما لم يقل «رجل من رجل ولا امرأة من امرأة» زيادة للتوبيخ وتنبيها على أن السخرية قلما تصدر عن واحد ولكن ليشاركه في ذلك جمع من الحاضرين لأن ميل الطباع إلى التلهي والدعابة والازدراء بالضعفاء وأهل السآمة أكثريّ. وإنما لم يقل «رجل من امرأة» وبالعكس لأن سخرية الجنس من الجنس أكثر فاقتصر على ذلك والباقي فيه بالأولى. وقوله عَسى أَنْ يَكُونُوا كلام مستأنف ينبىء عن سبب النهي. عن عبد الله بن مسعود: البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب لخشيت أن أحوّل كلبا. قوله سبحانه وَلا تَلْمِزُوا تأديب آخر واللمز الطعن باللسان. والمعنى حضوا أنفسكم بالانتهاء عن الطعن في أمثالكم من أهل هذا الدين ولا عليكم أن تعيبوا غير أهل دينكم. قيل: اللمز والسب خلف الإنسان، والهمز العيب في وجهه الإنسان. وقيل: بل الأمر بالعكس لأن من تقاليب همز هزم، وهو يدل على البعد، ومن مقلوب اللمز اللزم وهو يدل على القرب فيشمل العيب بالإشارة أيضا. قوله وَلا تَنابَزُوا تأديب آخر والنبز بالسكون القذف بالمكروه من الألقاب، واللقب من الأعلام ما دل على مدح أو ذم، والنبز بالفتح اللقب القبيح فهو أخص من اللقب كما أن اللقب أخص من العلم. وإنما قال وَلا تَنابَزُوا ولم يقل ولا تنبزوا على منوال وَلا تَلْمِزُوا لأن النبز لا يعجز الإنسان عن جوابه غالبا فمن ينبز غيره بالحمار كان لذلك الغير أن ينبزه بالثور مثلا ولا كذلك اللمز فإن الملموز كثيرا ما يغفل عن عيب اللامز فلا يحضره في الجواب شيء فيقع اللمز من جانب واحد فقط. ثم أكد النهي عن التنابز بقوله بِئْسَ الِاسْمُ أي الذكر الْفُسُوقُ وفي قوله بَعْدَ الْإِيمانِ وجوه أحدها: استقباح الجمع بين الأمرين كما تقول «بئس الشأن الصبوة

стр. 3294

بعد الشيخوخة» أي معها. وثانيها بئس الذكر أن يذكروا الرجل بالفسق أو باليهودية بعد إيمانه، وكانوا يقولون لمن أسلم من اليهود يا يهودي يا فاسق فنهوا عنه. وثالثها أن يجعل الفاسق غير مؤمن كما يقال للمتحوّل عن التجارة إلى الفلاحة «بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة» فمعنى بعد الإيمان بدلا عن الإيمان وَمَنْ لَمْ يَتُبْ عما نهي عنه فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ لأن الإصرار على المنهي كفر إذ جعل المنهي. كالمأمور فوضع الشيء في غير موضعه قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ فيه تأديب آخر. ومعنى اجتنبوا كونوا منه في جانب. وإنما قال كَثِيراً ولم يقل الظن مطلقا لأن منه ما هو واجب كحسن الظن بالله وبالمؤمنين كما جاء في الحديث القدسي «أنا عند ظن عبدي بي» «١» قال النبي ﷺ «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله» «٢» وقال «إن حسن الظن من الإيمان» ومنه ما هو محظور وهو سوء الظن بالله وبأهل الصلاح. عن النبي ﷺ «إن الله حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء» . وهو الذي أمر في الآية باجتنابه. ومنه ما هو مندوب إليه وهو إذا كان المظنون به ظاهر الفسق وإليه الإشارة بقوله ﷺ «من الحزم سوء الظن» وعن النبي ﷺ «احترسوا من الناس بسوء الظن» ومنه المباح كالظن في المسائل الاجتهادية. قال أهل المعاني: إنما نكر كَثِيراً ليفيد معنى البعضية المصرح بها في قوله إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ولو عرّف لأوهم أن المنهي عنه هو الظن الموصوف بالكثرة والذي يتصف بالقلة مرخص فيه. والهمزة في الإثم عوض عن الواو كأنه يثم الأعمال أي يكسرها بإحباطه. تأديب آخر وَلا تَجَسَّسُوا وقد يخص الذي بالحاء المهملة بتطلب الخبر والبحث عنه كقوله فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ [يوسف: ٨٧] فبالجيم تفعل من الجس، وبالحاء من الحس. قال مجاهد: معناه خذوا ما ظهر ودعوا ما ستره الله. عن النبي ﷺ أنه قال في خطبته «يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه لا تتبعوا عورات المسلمين فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته حتى يفضحه ولو كان في جوف بيته» «٣» وهذا الأدب كالسبب لما قبله. فلما نهى عن ذلك نهى عن سببه أيضا. تأديب آخر وَلا يَغْتَبْ يقال غابه واغتابه بمعنى، والاسم الغيبة بالكسر وهي ذكر العيب بظهر الغيب، وسئل

стр. 3295

رسول الله ﷺ عنها فقال «أن تذكر أخاك بما يكره فإن كنت صادقا اغتبته وإن كنت كاذبا فقد بهته» «١» ثم مثل ما يناله المغتاب من عرض صاحبه على أفظع وجه فقال أَيُحِبُّ إلى آخره. وفيه أنواع من المبالغة منها الاستفهام للتقرير ومحبة المكروه، ومنها إسناد الفعل إلى أَحَدُكُمْ ففيه إشعار بأنه لا أحد يحب ذلك، ومنها تقييد المكروه بأكل لحم الإنسان، ومنها تقييد الإنسان بالأخ، ومنها جعل الأخ أو اللحم ميتا ففيه مزيد تنفير للطبع. وإنما مثل بالأكل لأن العرب تقول لمن ذكر بالسوء إن الناس يأكلون فلانا ويمضغونه، وفلان مضغة للماضغ. شبهوا إدارة ذكره في الفم بالأكل. والميت لمزيد التنفير كما قلنا، أو لأن الغائب كالميت من حيث لا يشعر بما يقال فيه. أما الفاء في قوله فَكَرِهْتُمُوهُ ففصيحة أو نتيجة لأنها للإلزام أي بل عافته نفوسكم فكرهتموه. أو فتحققت بوجوب الإقرار وبحكم العقل وداعي الطبع كراهتكم للأكل أو اللحم أو الميت فليتحقق أيضا أن تكرهوا لما هو نظيره وهي الغيبة. وقال ابن عباس: هي إدام كلاب الناس. وعنه أن سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة ويسوّي لهما طعامهما فنام عن شأنه يوما فبعثاه إلى رسول الله ﷺ فقال: ما عندي شيء فأخبرهما سلمان فعند ذلك قالا: لو بعثناه إلى بئر سميحة «لبئر من آبار مكة» لغار ماؤها. فلما راحا إلى رسول الله ﷺ قال لهما: ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما؟ فقالا: ما تناولنا لحما. فقال: إنكما قد اغتبتما فنزلت. قلت: قد تبين في الحديث أن في الآية مبالغة أخرى وهي أنه أراد باللحم الميت المدوّد المنتن المخضر، وقد عبر رسول الله ﷺ بالأمر الحسي عن الأمر المعنوي الذي أدركه بنور النبوّة منهما. واعلم أن الغيبة وإن كانت منهية إلا أنها مباحة في حق الفاسق. ففي الحديث «اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس» وروي «من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له واتقوا الله فيما نهاكم وتوبوا فيما وجد منكم» . وحين علم المؤمنين تلك الآداب الجميلة عمم الخطاب منعا من السخرية واللمز وغير ذلك على الإطلاق فقال يا أَيُّهَا النَّاسُ الآية. قال بعض الرواة: إن ثابت بن قيس حين قال «فلان ابن فلانة» قال النبي ﷺ : من الذاكر فلانة؟ فقام ثابت فقال: أنا يا رسول الله. فقال: انظر في وجوه القوم فنظر فقال: ما رأيت يا ثابت؟ قال: رأيت أبيض وأسود وأحمر. قال: فإنك لا تفضلهم إلا بالتقوى والدين، فأنزل الله هذه الآية. وعن مقاتل: لما كان يوم فتح مكة أمر النبي ﷺ بلالا حتى أذن على ظهر الكعبة فقال عتاب بن أسيد:
следующие страницы →