هـ وَما فِي الْأَرْضِ ط بِالْحُسْنَى هـ ج لأن الَّذِينَ يصلح خبر مبتدأ محذوف وبدلا من الَّذِينَ أَحْسَنُوا اللَّمَمَ ط الْمَغْفِرَةِ ط أُمَّهاتِكُمْ ج أَنْفُسَكُمْ هـ ط اتَّقى هـ تَوَلَّى ج وَأَكْدى هـ يَرى هـ مُوسى هـ وَفَّى هـ لا أُخْرى هـ لا سَعى هـ لا يُرى هـ ص لوقوع العارض بين المعطوف على أن الْأَوْفى هـ لا الْمُنْتَهى هـ لا وَأَبْكى هـ لا وَأَحْيا هـ لا وَالْأُنْثى هـ تُمْنى هـ ص لما مر الْأُخْرى هـ لا وَأَقْنى هـ لا الشِّعْرى هـ ط الْأُولى هـ لا أَبْقى هـ لا وَأَطْغى هـ ط لأن الْمُؤْتَفِكَةَ منصوب بما بعده أَهْوى هـ لا ما غَشَّى هـ ج لابتداء الاستفهام مع الفاء تَتَمارى هـ الْأُولى هـ لا الْآزِفَةُ هـ للاستئناف والحال كاشِفَةٌ هـ تَعْجَبُونَ هـ لا وَلا تَبْكُونَ هـ لا سامِدُونَ هـ لا وَاعْبُدُوا هـ سجدة.
التفسير:
لما ختم السورة المتقدمة بالنجوم خص الأقسام في أول هذه السورة بالنجم. واللام فيه للعهد أو للجنس. والأول قول من قال: إنه الثريا وهو اسم غالب لها وصورتها في السماء كعنقود عنب. وأظهر كواكبها سبعة وهي المنزل الثالث من منازل القمر. قال: إذا طلع النجم عشاء ابتغى الراعي كساء. وذلك أن الشمس تكون في أول العقرب حينئذ في مقابلتها فتطلع بغروبها. وعلى الثاني فيه وجوه أحدها. نجوم السماء وهويها غروبها. وفائدة هذا القيد أن النجم إذا كان في وسط السماء لم يهتد به الساري لأنه لا يعلم المغرب من المشرق والجنوب من الشمال، فإذا مال إلى الأفق عرف به هذه الجهات والميل إلى أفق المغرب أولى بالذكر من الناظر إليه حينئذ يستدل بغروبها على أفوله في حيز الإمكان فيتم له اهتداء الدين مع اهتداء الدنيا. وقيل: هويها انتثارها يوم القيامة.
وثانيها النجم هو الذي يرجم به الشياطين وهويها انقضاضها. وثالثها النجم النبات إذا هوى إذا سقط على الأرض وهو غاية نشوه. ورابعها النجم أحد نجوم القرآن وقد نزل منجما في عشرين سنة فيكون كقوله وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [يس: ٢، ٣] وعلى القول الآخر فالثريا أظهر النجوم عند الناظرين وأشهر المنازل للسائرين وأنها تطلع عشاء في وقت إدراك الثمار. والنبي ﷺ تميز من سائر الأنبياء بالمعجزات الباهرات ولا سيما فإنه حين ظهر زال يبس الشكوك وحرارة الحمية الجاهلية وأدرك الحكمة ورجم به شياطين الإنس المضلين لعباد الله في أرضه، ونبت بوجوده أصناف الأغذية الروحانية تامة كاملة. قال جار الله: الضلال نقيض الهدى، والغي نقيض الرشد، والخطاب لقريش. قلت: هذا صادق من حيث الاستعمال لقوله قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ
стр. 3327
مِنَ الْغَيِ
[البقرة: ٢٥٦] مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ [الأعراف: ١٨٦] إلا أنه ينبغي أن يتبين الفرق بين الضلال والغواية. والظاهر أن الضلال أعم وهو أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقا أصلا، والغواية أن لا يكون له إلى المقصد طريق مستقيم ولهذا لا يقال للمؤمن من إنه ضال أو غير مهتد ويقال له إنه غوي غير رشيد.
قال عز من قائل فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً [النساء: ٦] فكأنه سبحانه نفى الأعم أولا ثم نفى الأخص ليفيد أنه على الجادة غير منحرف عنها أصلا. ويحتمل أن يكون قوله ما ضَلَّ نفيا لقولهم هو كاهن أو مجنون لأن الكهانة أيضا من مسيس الجن. وقوله وَما غَوى نفي لقولهم هو شاعر والشعراء يتبعهم الغاوون. ويحتمل أن يكون الأول عبارة عن صلاحه في أمور المعاد، والثاني إشارة إلى رشده في أمور المعاش ومنه يعلم أن أقواله كلها على سنن الصواب إلا أنه كان يمكن أن تكون مستنبطة من العقل أو العرف أو العادة، فأسندها الله سبحانه إلى طريق أخص وأشرف وهو أن تكون مستندة إلى الوحي فقال بصيغة تفيد الاستمرار وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى أي ليس كل ما ينطق به ولا بعضه بصادر عن الرأي والتشهي إنما وحي يوحى إليه من الله، واستدل به بعض من لا يرى الاجتهاد للأنبياء ﵈، وأجيب بأن الله تعالى إذا سوغ له الاجتهاد كان لك من قبيل الوحي أيضا. وأما من يخص النطق بالقرآن فلا اعتراض عليه. قال أهل اللغة: الهوى المحبة النفسانية، والتركيب يدل على النزول والسقوط ومنه الهاوية. ومبة النفس الأمارة لا أصل لها ولا تصدر إلا عن خسة ودناءة، وقوله إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ أبلغ مما لو قيل هو «وحي» وهو ظاهر. وقوله يُوحى لتحقيق الحقيقة كقوله وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [الأنعام: ٣٨] فإن الفرس الشديد العدو بما يقال إنه طائر، فإذا قيل يطير بجناحيه زال جواز ذلك المجاز فكذلك هاهنا ربما يقال للكلام الصادق الفصيح هو وحي أو سحر حلال. فلما قيل يُوحى اندفع التجوز.
ثم بين طريق الوحي بقوله عَلَّمَهُ أي الموحي أو محمدا شَدِيدُ الْقُوى وهو جبرائيل ﵇ أي قواه العلمية والعملية كلها شديدة مدح المعلم ليلزم منه فضيلة المتعلم. ولو قال «علمه جبرائيل ﵇» لم يفهم منه فضل المتعلم ظاهرا. وفيه رد على من زعم أنه يعلمه بشر لأن الإنسان خلق ضعيفا وما أوتي من العلم إلا قليلا. وفيه أن جبرائيل ﵇ أمين موثوق به من حيث قوته المدركة والحافظة ولو كان مختل الذهن أو الحفظ لم يوثق بروايته، وفيه تسلية للنبي ﷺ كيلا يضيق صدره حين علم بواسطة الملك فكأنه قيل له: ليس لك في ذلك نقص لأنه شديد القوى على أنه قال في موضع آخر وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
[النساء: ١١٣]
وأخبر النبي ﷺ عن حاله فقال «أدبني ربي فأحسن تأديبي»
стр. 3328
والمرة القوة. والظاهر أنها القوة الجسمانية كقوله وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [البقرة: ٢٤٧] فمن قوته أنه قلع قريات قوم لوط وقلبها بجناحه، وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، وكان ينزل إلى الأنبياء ويصعد في لمحة. ويجوز أن يراد بقوله شَدِيدُ الْقُوى قواه الجسمانية وبقوله ذُو مِرَّةٍ القوى العقلية. والتنكير للتعظيم. قوله فَاسْتَوى المشهور أن فاعله جبرائيل ﵇ أي فاستقام على صورته الحقيقية دون صورة دحية، وذلك أن رسول الله ﷺ أحب أن يراه في صورته التي جبل عليها فاستوى له في الأفق الأعلى أي الأشرف وهو الشرقي ثُمَّ دَنا جبرائيل من الرسول الله ﷺ على الصورة المعتادة فَتَدَلَّى قيل: فيه تقديم وتأخير أي فتعلق عليه في الهواء ثم دنا منه. وقيل: دنا أي قصد القرب من محمد أو تحرك من المكان الذي كان فيه، فنزل إلى النبي ﷺ . يقال:
تدلت الثمرة ودلى رجليه من السرير وقد يقال: الدنو والتدلي بمعنى واحد فلا يفيد إلا التأكيد. ثم زاد تأكيدا بقوله فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ قال أهل العربية. هو من باب حذف المضافات أي فكان مقدار مسافة قرب جبرائيل ﵇ مثل «قاب قوسين» . والقاب والقيب والقاد والقيد والقيس كلها المقدار. والعرب تقدر الأشياء بالقوس والرمح والسوط والذراع والباع وغيرها.
وفي الحديث «لا صلاة إلى أن ترتفع الشمس مقدار رمحين» «١»
وقال ﷺ «لقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قده خير من الدنيا وما فيها» «٢»
والقد السوط. وقوله أَوْ أَدْنى أي في تقديركم كقوله مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات ١٤٧] وقال بعضهم: الضمير في فَاسْتَوى لمحمد ﷺ وذلك أن تعليم جبرائيل إياه كان قبل كماله واستوائه، فحين تكاملت قواه النظرية والعلمية وصار بالأفق الأعلى أي بالرتبة العليا من المراتب الإنسانية دنا من الأمة فتدلى أي لان لهم ورفق بهم حتى قال إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ [الكهف: ١١٠] فكان الفرق بينه وبين جبرائيل قليلا جدا. وعلى هذا يمكن أن يكون الرجحان في الكمال للنبي ﷺ كما يقول أكثر أهل السنة، أو بالعكس كما تزعم طائفة منهم ومن غيرهم، ويحتمل على هذا القول أن يكون الضمير في دَنا لجبريل والمراد أن النبي ﷺ وإن زال عن الصفات البشرية من الشهوة والغضب والجهل وبلغ الأفق الأعلى الإنساني، ولكن نوعيته لم تزل عنه وكذلك جبرائيل.
стр. 3329
وإن ترك اللطافة المانعة من الرؤية ونزل إلى الأفق الأدنى من الآفاق الملكية ولكن لم يخرج عن كونه ملكا فلم يبقى بينهما إلا اختلاف حقيقتهما نظيره وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ [التكوير: ٢٣] أي رأى جبرائيل وهو أي محمد بالأفق الفارق بين درجة الإنسان ومنزلة الملك كقول القائل: «رأيت الهلال على السطح» أي وأنا على السطح. وقد يجعل ذكر القوس عبارة عن معنى آخر هو أن العرب كانوا إذا عاهدوا فيما بينهم طرحوا قوسا أو قوسين لتأكيد العهد بين الاثنين، فأخبر الله سبحانه أنه كان بين جبرائيل ومحمد ﵊ من المحبة وقرب المنزلة مثل ما تعرفونه فيما بينكم عند المعاقدة. وقيل:
الضمير لمحمد ﷺ أو لله والمراد قرب المكان بينهما. وهذا يشبه مذهب المجسمة إلا أن يقال: دنا دنو ألفة ولا دنو زلفة. دنا دنو إكرام لا دنو أجسام، دنا دنو أنس لا دنو نفس.
والقوسان أحدهما صفة الحدوث والأخرى صفة القدم. أخبر بالقصة إكراما وكتم الإسرار عظاما.
قوله فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
الضمير في الفعلين إما لله أو لجبرائيل، والمراد بالعبد إما محمد ﷺ أو جبريل ﵇ فيحصل تقديرات أحدها: فأوحى الله إلى محمد ﷺ عبده ما أوحى وفيه تفخيم لشأن الوحي. وقيل: أوحى إليه الصلاة. وقيل:
أوحى الله إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها. وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك.
والظاهر أنها أسرار وحقائق ومعارف لا يعلمها إلا الله ورسوله. ثانيها فأوحى الله إلى محمد ﷺ ما أوحى أولا جبرائيل يعني أن الوحي كان ينزل عليه أولا بواسطة جبرائيل وقد ارتفعت الآن تلك الواسطة. وعلى هذا يحتمل أن يقال «ما» مصدرية أي أوحى إلى محمد ﷺ الإيحاء أي العلم بالإيحاء كي يفرق بين الملك والجن، أو كلمه أنه وحي أو خلق فيه علما ضروريا. ثالثها فأوحى الله إلى عبده جبريل ما أوحى. رابعها فأوحى الله إلى جبرائيل ما أوحى جبريل إلى محمد ﷺ وغيره من الأنبياء قبله. وفيه إشارة إلى أن جبريل ﵇ أمين لم يجن قط في شيء مما أوحى إلى الأنبياء. خامسها فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد ﷺ ما أوحى الله إليه. سادسها فأوحى جبرائيل إلى عبد الله ما أوحى هو.
وفي هذين الوجهين لا يمكن أن يراد بالعبد إلا محمد ﷺ . قوله ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى الأشهر أن اللام للعهد وهو فؤاد محمد ﷺ أي ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك. ولو قال ذلك لكان كاذبا لأنه عرفه. ومن قرأ بالتشديد فظاهر أي صدق فؤاده ما عاينه ولم يشك في ذلك. وقيل: اللام للجنس والمراد أن جنس الفؤاد لا ينكر ذلك وإن كان الوهم والخيال ينكره. والمقصود نفي الجواز لا نفي الوقوع كقوله لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الأنعام: ١٠٣]
стр. 3330
وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ [الأنعام: ١٣٢] بخلاف قوله إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [التوبة: ١٢] لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: ٤٨] فإنه لنفي الوقوع. والظاهر أن فاعل رأى محمد ﷺ وقيل: الفؤاد أو البصر أي ما رآه الفؤاد ولم يقل له إنه جن أو شيطان أو لم يكذب الفؤاد ما رآه بصر محمد ﷺ . وما المرئي فيه أقوال: أحدها ما مر وهو أنه رأى جبريل في صورته بالأفق الشرقي. والثاني الآيات العجيبة الإلهية. والثالث الرب تعالى والمسألة مبنية على جواز الرؤية وقد تقدم البحث عن ذلك في قوله لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الأنعام: ١٠٣] ثم على وقوع الرؤية وقد تقدم خلاف الصحابة فيه في حديث معراج النبي ﷺ وذلك في أول «سبحان الذي» . ولعل القول الأول أصح.
يروي أنه ما رأى جبريل أحد من الأنبياء في صورته الحقيقية غير محمد ﷺ مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء،
وإليه إشارة بقوله أَفَتُمارُونَهُ من المراء أي أتجادلونه عَلى ما يَرى ومن قرأ أفتمرونه فمعناه أتغلبونه في المراء يقال: ماريته فمريته. ولما فيه من معنى الغلبة عدي ب «على» وقيل: معناه أفتجحدونه. ولا بد من تضمين معنى الغلبة. وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى أي مرة أخرى فانتصبت على الظرف لأن الفعلة صيغة المرة فكانت النزلة في حكم المرة أي نزل عليه جبريل في صورته تارة أخرى في ليلة المعراج ووجه الاستفهام الإنكاري أنه لما رآه وهو على بسيط الأرض احتمل أن يقال: إنه كان من الجن احتمالا بعيدا فلما رآه عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى لم يحتمل أن يكون هناك جن ولا إنس فلم يبق للجدال مجال.
أما القائل بالقول الثالث فزعم أن النبي ﷺ رأى ربه بقلبه مرتين. والنزلة إما لله بمعنى الحركة والانتقال عند من يجوز ذلك، أو بمعنى قرب الرحمة والإفضال، وإما للنبي ﷺ لأنه نزل عن متن الهوى ومركب النفس. وقيل: أراد بالنزلة ضدها وهي العرجة، واختير هذه العبارة ليعلم أن هذه عرجة تتبعها النزلة ليست عرجة لا نزلة لها وهي عرجة الآخرة. وعلى القول الأول أيضا يحتمل أن تكون النزلة لمحمد ﷺ وذلك أن جبرائيل تخلف عنه في مقام «لو دنوت أنملة لاحترقت» ثم عاد النبي ﷺ إليه. ومعنى أخرى أنه ﷺ تردد في أمر الصلاة مرارا فلعله كان ينزل إلى جبرائيل كل مرة لا أقل من نزلتين. أما السدرة فالأكثرون على أنها شجرة في السماء السابعة: وقيل: في السادسة.
«نبقها كقلال هجر وورقها كآذان الفيلة، يسير الراكب في ظلها سبعين عاما لا يقطعها» «١»
وقد ورد الحديث بذلك. فعلى هذا عِنْدَ ظرف مكان. ثم إن كان المرئي جبريل فلا إشكال، وإن كان هو الله تعالى فكقول القائل
стр. 3331
«رأيت الهلال على السطح» وقد مر. وقال بعضهم عِنْدَ ظرف زمان كما يقال: صليت عند طلوع الفجر. والمعنى رآه عند الحيرة القصوى أي في وقت تحار عقول العقلاء فيه ولكنه ما حار ولم يعرض له سدر. وإضافة سدرة إلى المنتهى إما من إضافة الشيء إلى مكانه كما يقال «أشجار البلدة الفلانية كذا» وأشجار الجنة لا تيبس ولا تخلو من الثمار.
فالمنتهى حينئذ موضع لا يتعداه ملك ولا يعلم ما وراءه أحد وإليه ينتهي أرواح الشهداء.
وإما من إضافة الملك إلى الحال كما يقال «ظرف المداد» أي سدرة هي محل انتهاء الجنة.
وإما من إضافة الملك إلى مالكه كما يقال «دار زيد وأشجار عمرو» فيكون التقدير سدرة المنتهى إليه وهو الله سبحانه قال وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى فالإضافة للتشريف «نحو بيت الله وناقة الله» . وقال الحسن: جَنَّةُ الْمَأْوى هي التي يصير إليها المتقون. وقيل: يأوي إليها أرواح الشهداء والظاهر أن الضمير في عِنْدَها للسدرة. وقيل: للنزلة من ذهب إلى أن سدرة المنتهى معناها الحيرة القصوى. قال إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى معناه ورود حالة على حالة أي طرأ على محمد حين ما يحار العقل ما طرأ من فضل الله ومن رحمته.
والأكثرون قالوا فيه تعظيم وتكثير لما يغشى الشجرة من الخلائق الدالة على عظمة الله وجلاله مما لا يحيط بها الوصف.
وعن رسول الله ﷺ «رأيت على كل ورقة من ورقها ملكا قائما يسبح الله»
وعنه ﵇ «يغشاها رفرف من طير خضر»
والرفرف كل ما يبسط من أعلى إلى أسفل. وعن ابن مسعود وغيره: يغشاها فراش أو جراد من ذهب. والمحققون على أنها أنوار الله تعالى تجلى للسدرة كما تجلى للجبل لكن السدرة كانت أقوى من الجبل، ومحمد ﷺ كان أثبت من موسى فلم تضطرب الشجرة ولم يصعق محمد ﷺ . قوله ما زاغَ الْبَصَرُ
فيه وجهان: أشهرهما أنه بصر محمد ﷺ أي لم يلتفت إلى ما يغشاها.
فإن كان الغاشي هو الفراش أو الجراد من ذهب فمعناه ظاهر ويكون ذلك ابتلاء وامتحانا لمحمد ﷺ بالأمور الدنيوية، وإن كان الغاشي أنوار الله فالمراد أنه لم يلتفت إلى غير المقصود ولم يشتغل بالنور عن ذي النور. أو المراد ما زاغ البصر بالصعقة بخلاف موسى ﵇. وفي الأول بيان أدب محمد ﷺ ، وفي الثاني بيان مزيته. وذهب بعضهم إلى أن اللام للجنس أي ما زاغ بصره أصلا في ذلك الموضع هيبة وإجلالا. والظاهر أن الضمير في قوله وَما طَغى للبصر أي ما جاوز حده المعين المأمور برؤيته. ويحتمل أن يكون لمحمد ﷺ أي ما زاغ بصره بالميل إلى غير المقصود، وما طغى محمد بسبب الالتفات.
قال بعض العلماء: فيه بيان لوصول محمد ﷺ إلى سدرة اليقين الذي لا يقين فوقه إذ لم ير الشيء على خلاف ما هو عليه بخلاف الناظر إلى عين الشمس فإنه إذا نظر إلى شيء آخر
стр. 3332
رآه أبيض أو أصفر أو أخضر. قوله لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى الظاهر أن الكبرى صفة الآيات أي لقد رأى بعض آيات ربه الكبرى. وذلك البعض إما جبرائيل على صورته، وإما سائر عجائب الملكوت. ويحتمل أن يكون صفة لمحذوف أي لقد رأى من آيات ربه آية هي الكبرى. وعلى هذا لا تكون تلك الآية رؤية جبريل لما ورد في الاخبار أن لله ملائكمة أعظم منه كالملك الذي يسمى روحا. نعم لو قيل: إنها رؤية الله الأعظم كان له وجه عند من يقول بأنه ﷺ رأى الله ليلة المعراج. وفيه خلاف تقدم.
قوله أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى إلخ. أي عقيب ما سمعتم من عظمة الله تعالى ونفاذ أمره في الملأ الأعلى، وأن الذي سد الأفق ببعض أجنحته تخلف عند سدرة المنتهى، هل تنظرون إلى هذه الأصنام مع قلتها وفقرها حتى تعلموا فساد ما ذهبتم إليه وعولتم عليه؟
قال في الكشاف: اللات اسم صنم كان لثقيف بالطائف وأصله «فعلة» من لوى يلوي لأنهم كانوا يلوون عليها ويعكفون للعبادة، أو يتلوون عليها أي يطوفون فكأنه حذفت الياء تخفيفا وحركت الواو فانقلبت ألفا. والوقف عليه بالتاء كيلا يشبه اسم الله: وقيل: أصله اللات بالتشديد وقد قرئ به. زعموا أنه سمي برجل كان يلت عنده السمن بالزيت ويطعمه الحاج.
وعن مجاهد: كان رجل يلت السويق بالطائف وكانوا يعكفون على قبره فجعلوه وثنا. والعزى تأنيث الأعز وكان لغطفان وهي شجرة سمرة بعث إليها رسول الله ﷺ خالد ابن الوليد فقطعها فخرجت منها شيطانة مكشوفة الرأس ناشرة الشعر تضرب رأسها وتدعو بالويل والثبور فجعل خالد يضربها بالسيف حتى قتلها وهو يقول:
يا عز كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك فرجع إلى النبي ﷺ وأخبره بما فعل. فقال: تلك العزى ولن تعبد أبدا.
وأما مناة فهي صخرة كانت لهذيل وخزاعة كأنها سميت بذلك لأن دماء النسائك كانت تمنى عندها أي تراق. ومن قرأ بالمد فلعلها «مفعلة» من النوء كأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركا بها. والْأُخْرى لا يطلق إلا إذا كان الأول مشاركا كالثاني فلا يقال: رأيت رجلا وامرأة أخرى. وإنما يقال رأيت رجلا ورجلا آخر. وهاهنا ليست عزى ثالثة فكيف قال وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى؟ وأجيب بأن الأخرى صفة ذم لها أي المتأخرة الوضيعة المقدار كقوله قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ [الأعراف: ٣٨] أي وضعاؤهم لرؤسائهم. ويجوز أن تكون الأولية والتقدم عندهم للات والعزى وذلك أن الأول كان على صورة آدمي، والعزى كانت من النبات ومناة من الجماد. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي ومناة الأخرى. الثالثة.
стр. 3333
وقيل: إن الأصنام فيها كثرة فإذا أخذنا اللات والعزى مقدمين كانت لهما ثوالث كثيرة وهذه ثالثة أخرى. وقيل: فيه حذف والتقدير أفرأيتم اللات والعزى المعبودتين بالباطل ومناة الثالثة المعبودة الأخرى. ثم إنه تعالى حين وبخهم على الشرك فكأنهم قالوا نحن لا نشك في أن شيئا منها ليس مثلا لله تعالى ولكنا صورنا هذه الأشياء على صور الملائكة المعظمين الذين اعترف بهم الأنبياء وقالوا: إنهم يرتقون ويقفون عند سدرة المنتهى، ويرد عليهم الأمر والنهي ويصدر عنهم إلينا فوبخهم على قولهم إن هؤلاء الأصنام التي هي إناث أنداد الله تعالى، أو على قولهم الملائكة بنات الله فاستفهم منكرا أَلَكُمُ الذَّكَرُ الذي ترغبون فيه وَلَهُ الْأُنْثى التي تستنكفون عنها تِلْكَ القسمة إِذاً أي إذا صح ما ذكرتم قِسْمَةٌ ضِيزى أي جائزة غير عادلة من ضازه يضيزه إذا ضامه، وهي «فعلى» بالضم، وكان يمكن أن تقلب الياء واوا لتسلم الضمة إلا أنه فعل بالعكس أي قبلت الضمة كسرة لتسلم الياء فإن إبقاء الحرف أولى من إبقاء الحركة. ومن قرأ بالهمزة فمن ضأزه بالهمزة والمعنى واحد ولكنها «فعلى» بالكسر. قال بعضهم: إنهم ما قسموا ولم يقولوا لنا البنون وله البنات ولكنهم نسبوا إلى الله البنات وكانوا يكرهونهن، فلزم من هذه النسبة قسمة جائرة، فتقدير الكلام تلك النسبة قسمة غير عادلة إذ العدالة تقتضي أن يكون الشريف للشريف والوضيع للوضيع إِنْ هِيَ يعني ليس الأصنام أو أسماؤها المذكورات إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها وقد مر في «الأعراف» وفي «يوسف» . قال الإمام فخر الدين الرازي ﵀: اليتم يتم بقوله ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فإن إطلاق الاسم على المسمى إنما يجوز إذا لم يتبعه مفسدة دينية. وهاهنا يمكن أن يكون مرادهم من قولهم «الملائكة بنات الله» أنهم أولاد الله من حيث إنه لا واسطة بينهم وبينه في الإيجاد كما تقوله الفلاسفة. والعرب قد تستعمل البنت مكان الولد كما يقال «بنت الجبل وبنت الشفة» لما يظهر منهما بغير واسطة خصوصا إذا كان في اللفظ تاء التأنيث كالملائكة إلا أنه لم يجز في الشرع إطلاق هذا اللفظ على الملائكة لأنه يوهم النقص في حقه تعالى ثم قال: وهذا بحث يدق عن إدراك اللغوي إن لم يكن عنده من العلوم حظ عظيم. قلت: هذا البحث الدقيق يوجب أن يكون الذم راجعا إلى ترك الأدب فقط. وليس الأمر كذلك فإن الذم إنما توجه إلى المشرك لأنه ادعى الإلهية لما هو أبعد شيء منها. وما أمكن له على تصحيح دعواه حجة عقلية ولا سمعية.
ومعنى ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها أي بسببها وصحتها. وقال الرازي: الباء للمصاحبة كقول القائل «ارتحل فلان بأهله ومتاعه» أي ارتحل ومعه الأهل والمتاع. ومن قرأ إن تبعون على الخطاب فظاهر، ومن قرأ على الغيبة فإما للالتفات، واما لأن الضمير للآباء وصيغة الاستقبال
стр. 3334
حكاية الحال الماضية ويحتمل أن يكون المراد عامة الكفار. قوله وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ يجوز أن تكون «ما» مصدرية، وفائدة العدول عن صريح المصدر إلى العبارة الموجودة أن القاتل إذا قال: أعجبني صنعك. لم يعلم أن الإعجاب من أمر قد تتحقق أو من أمر هو فيه. وإذا قال:
أعجبني ما تصنع. شمل الحال والاستقبال. ويجوز أن تكون «ما» موصولة والفرق أن المتبع في الأول الهوى وفي الثاني مقتضى الهوى. وقوله الْأَنْفُسُ من باب مقابلة الجمع بالجمع.
والمعنى اتبع كل واحد منهم ما تهواه نفسه كقولك: خرج الناس بأهلهم أي كل واحد بأهله ولعل الظن يختص بالاعتقاد وهوى النفس بالعمل. ويجوز أن يكون الظن مقصودا به كل ماله محمل مرجوح والهوى يراد به ما لا وجه له أصلا. ويحتمل أن يراد بالظن ماله محمل راجح أيضا وهو إن كان واجب العمل به في المسائل الاجتهادية إلا أنه مذموم عند القدرة على اليقين وإلى هذا أشار بقوله وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى وهو القرآن أو الرسول أو المعجزة، وفي هذه الحالة لا يجوز البناء على الظن بل يجب التعويل على اليقين.
قوله أَمْ لِلْإِنْسانِ أم منقطعة والهمزة فيها للإنكار والمراد تمنيهم شفاعة الآلهة وأن لهم عند الله الحسنى على تقدير البعث إذ تمنى أشرافهم أن يكونوا أنبياء دون محمد ﷺ .
قوله فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى رد عليهم أي هو مالكها فهو المعطي والمانع ولا حكم لأحد عليه. ومعنى الفاء أنه إذا تقرر أن شيئا من الأشياء ليس بتمني الإنسان فلا حكم إلا لله. ثم بين أن الشفاعة عند الله لا تكون إلا برضاه. وفيه أصناف من المبالغة من جهة أن «كم» للتكثير والعرب تستعمل الكثير وتريد الكل كما قد تستعمل الكل وتريد به الكثير كقوله تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ [الأحقاف: ٢٥] ومن جهة لفظ الملك فإنهم أشرف المخلوقات سوى الأنبياء عند بعض، ومن قبل أنهم في السموات فإن ذلك يدل على علو مرتبتهم ودنو منزلتهم، ومن قبل اجتماعهم المدلول عليه بضمير الجمع في شفاعتهم وإذا كان حالهم هكذا فكيف يكون حال الجمادات؟ وقوله لِمَنْ يَشاءُ أي لمن يريد الشفاعة له وَيَرْضى أي ويراه أهلا أن يشفع له فههنا أيضا أنواع أخر من المبالغة. الأول توقيف الشفاعة على الإذن. والثاني تعليقها بالمشيئة فيهم منه أنه بعد أن يؤذن في مطلق الشفاعة يحتاج إلى الأذن في كل مرة معينة. والثالث رضا الله الشفاعة فقد يشاء ولكن لا يرضاه كقوله وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ [الزمر: ٧] وهذا عند أهل السنة واضح. ثم صرح بالتوبيخ على قولهم الملائكة بنات الله فقال إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ أي كل واحد منهم تَسْمِيَةَ الْأُنْثى لأنهم إذا جعلوا الكل بنات فقد جعلوا كل واحدة بنتا وبالعكس. وهاهنا سؤالان:
أحدهما: إن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعم من هؤلاء المسمين فكان الأولى أن يقال: إن
стр. 3335
الذين يسمون لا يؤمنون. وثانيهما أنه كيف يلزم من عدم الإيمان بالآخرة هذه التسمية؟
والجواب عن الأول أن اللام للعهد وبه خرج الجواب عن الثاني أيضا لأنه بخير عن جميع معهود أنهم يسمون. ولا يلزم من حمل شيء على شيء أن يكون بينهما ملازمة. ولو سلم أن اللام للعموم فالمراد بمثل هذا التركيب المبالغة والتوكيد كما تقول: الإنسان زيد.
وعلى هذا فإن أريد بالحمل مجرد الإخبار فلا إشكال وإن أريد الملازمة فمعناه المبالغة أيضا لأن غاية جهلهم بالآخرة وبالجزاء حملهم على ارتكاب مثل هذا الافتراء على الله، وإلى هذا أشار بقوله ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ واعلم أن الإمام فخر الدين الرازي ﵁ بحث مع هؤلاء المشركين الذين سموا الملائكة إناثا بحثا طويلا بناء على ظنه بهم أنهم رأوا في لفظ الملائكة تاء فلذلك جعلوه مؤنثا. وحاصل ذلك البحث يرجع إلى أن التاء لا يلزم أن تكون للتأنيث فقد تكون لتأكيد الجمع كحجارة وصقورة، أو لغير ذلك من المعاني، ونحن قد أسقطنا تلك البحوث لعدم فائدتها كما نبهناك عليه. ثم بين الله سبحانه قاعدة كلية فقال: وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً أي كل ما يجب أن يحصل منه المكلف على العلم واليقين فلا ينفع فيه الظن والتخمين، ومن جملته مسائل المبدأ والمعاد التي ينبني البحث فيها على البراهين العقلية والدلائل السمعية، ومن قنع في أمثالها بالوهم والظن لعدم الاستعداد أو لحفظ بعض المنافع الدنيوية وجب الإعراض عنه كما قال فَأَعْرِضْ أي إذا وقفت على قلة استعدادهم وعدم طلبهم للحق فأعرض يا محمد يا طالب الحق عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ويجوز أن يكون هذا الإعراض متضمنا للأمر بالقتال أي أعرض عن المقال وأقبل على القتال. وقوله ذلِكَ أي الذي ذكر من التسمية أو من اعتقاد كون الأصنام شفعاء مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ جملة معترضة. ثم بين علة الإعراض قائلا إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ إلى آخره، وفيه بيان أنه تعالى يجازي كل فريق بحسب ما يستحقه، وفيه تسلية للنبي ﷺ كيلا يتعب نفسه في تحصيل ما ليس يرجى حصوله وهو إيمان أهل العناد الذين قنعوا بالظن بدل العلم ووقفوا لدى الباطل دون الحق. ثم قرر أنه سوى الملك والملكوت لغرض الجزاء والإثابة.
والحسنى صفة المثوبة والأعمال، وإضافة الكبائر إلى الإثم إضافة النوع إلى الجنس لأن الإثم يشمل الكبائر والصغائر. واختلف في الكبائر وقد أشبعنا القول فيها في سورة النساء في قوله إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ [الآية: ٣١] والفواحش ما تزايد قبحه من الكبائر كأنها مع كبر مقدار عقابها قبيحة في الصورة كالشرك بالله. والمراد باللمم الصغائر، والتركيب يدل على القلة ومنه اللمم المس من الجنون وألم بالمكان إذا قل لبثه فيه قال:
стр. 3336
ألمت فحيت ثم قامت فودعت وإلا صفة كأنه قيل: كبائر الإثم وفواحشه غير اللمم، أو استثناء منقطع لأن اللمم ليس من الفواحش. عن أبي سعيد الخدري: اللمم هي النظرة والغمزة والقبلة. عن السدي:
الخطرة من الذنب. وعن الكلبي: كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا ولا عذابا.
وعن عطاء: هي ما تعتاده النفس حينا بعد حين.
قال جار الله: معنى قوله إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ أنه يكفر الصغائر باجتناب الكبائر ويكفر الكبائر بالتوبة. وأقول: فيه إشارة إلى أن اللمم ما لا يمكن فيه الاجتناب عنه لكل الناس أو لأكثرهم فالعفو عن ذلك يحتاج إلى سعة وكثرة، بل فيه بشارة أنه سبحانه يغفر الذنوب جميعا سوى الشرك لأن غفران اللمم لا يوجب الوصف بسعة المغفرة وإنما يوجب ذلك أن لو غفر معها الكبائر. وقوله هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إلى آخره. دليل على وجوب وقوع الغفران لأنه إذا كان عالما بأصلهم وفرعهم كان عالما بضعفهم ونقصهم فلا يؤاخذهم بما يصدر عنهم على مقتضى جبلتهم وطبعهم. فكل شيء يرجع إلى الأصل والأرض بطبعها تميل إلى الأسفل. والجنين أوله نطفة مذرة وآخره الاغتذاء بدماء قذرة، وإذا كان مبدأ حاله هكذا وهو في أوسط أمره متصف بالظلم والجهل والعاقبة غير معلومة وجب عليه أن لا يزكي نفسه فإن الله تعالى أعلم بالزكي والتقي أولا وآخرا باطنا وظاهرا، وما أحسن نسق هذه الجمل. وقد أبعد بعض أهل النظم فقال لما ذكر أنه أعلم بمن ضل كان للكافر أن يقول: كيف يعلم الله أمورا نعلمها في البيت الخالي وفي جوف الليل المظلم؟ فأجاب الله تعالى بأنا نعلم ما هو أخفى من ذلك وهو أحوالكم وقت كونكم أجنة. وقوله فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ للتأكيد فإنه إذا خرج من بطن الأم يدعى سقطا أو ولدا. وقيل: أراد أن الضال والمهتدي حصلا على ما هما عليه بتقدير الله وبأنه كتب عليهما في رحم أمهما أنه ضال أو مهتد. وقيل: فيه تقرير الجزاء وتحقيق الجزاء وتحقيق الحشر فإن العالم بأحوال المكلف وهو جنين القادر على إنشائه من الأرض أول مرة، عالم بأجزائه بعد التفرق، قادر على جمعه بعد التمزق.
والعامل في «إذ» هو «اذكر» أو ما يدل عليه أَعْلَمُ أي يعلمكم وقت الإنشاء. والخطاب للموجودين وقت نزول الآية وللآخرين بالتبعية. ويجوز أن يكون الإنشاء من الأرض إشارة إلى خلق أبينا آدم. وقوله وَإِذْ أَنْتُمْ يكون خطابا لنا. قوله أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى
قال بعض المفسرين: نزل في الوليد بن المغيرة جلس عند رسول الله ﷺ وسمع وعظه وأثرت الحكمة فيه تأثيرا قويا فقال له رجل: لم تترك دين آبائك؟ قال: أخاف. ثم قال له: لا تخف وأعطني كذا وأنا أتحمل عنك أوزارك فأعطاه ما ألزمه وتولى عن الوعظ واستماع
стр. 3337
كلام النبي ﷺ
وقال بعضهم: نزل في عثمان بن عفان كان يعطي ماله عطاء فقال له أخوه من أمه عبد الله بن سعد بن أبي سرح. ويوشك أن يفنى مالك فأمسك فقال له عثمان: إن لي ذنوبا وخطايا وإني أرجو أن يغفر الله لي بسبب العطاء. فقال عبد الله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن الإعطاء ومعنى تولي ترك المركز يوم أحد فعاد عثمان إلى خير من ذلك. يقال: أكدى الحافر إذا لقيته كدية وهي أرض صلبة كالصخرة ونحوه «أجبل الحافر وأجبل الشاعر» إذا أفحم. ثم وبخه بأنه لا يعلم الغيب فكيف يعلم أن أوزاره محمولة عنه؟ وقيل: نزلت في أهل الكتاب وذلك أنه لما بين حال المشركين المعاندين شرع في قصة هؤلاء والمعنى: أفرأيت الذي تولى أي صار متوليا لكتاب الله وأعطى قليلا من الزمان حق الله فيه، ولما بلغ عصر محمد ﷺ أمسك عن العمل به. قالوا: يؤيد هذا التفسير قوله أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى عينها أو جنسها وهو ما نبأهم به نبينا ﷺ . وجمع الصحف إما لأن موسى له صحيفة وإبراهيم له صحيفة فذكر التثنية بصيغة الجمع، وإما لأن كل واحد منهما له صحف لقوله تعالى وَأَلْقَى الْأَلْواحَ [الأعراف: ١٥] وكل لوح صحيفة. وتقديم صحف موسى إما لأنها أقرب وأشهر وأكثر وإما لأنه رتب وصف إبراهيم عليه، وإما لحسن رعاية الفاصلة وقد راعى في آخر «سبح اسم ربك» هذا المعنى مع ترتيب الوجود. والتشديد في قوله وَفَّى للمبالغة في الوفاء، أو لأنه بمعنى وفر وأتم كقوله فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة: ١٢٤] وأطلق الفعل ليتناول كل وفاء وتوفية من ذلك تبليغه الرسالة واستقلاله بأعباء النبوة والصبر على ذبح الولد وعلى نار نمرود وقيامه بأضيافه بنفسه.
يروى أنه كان يخرج كل يوم فيمشي فرسخا يطلب ضيفا فإن وافقه أكرمه وإلا نوى الصوم.
وعن عطاء بن السائب: عهد أن لا يسأل مخلوقا فلما رمي في النار قال له جبريل وميكائيل: ألك حاجة؟ فقال: أما إليكم فلا.
قالا: فسل الله. قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي.
وروي في الكشاف عن النبي ﷺ وفي عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار وهي صلاة الفجر والضحى.
وروي «ألا أخبركم لم سمى الله خليله الذي وفى؟ كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون إلى حين تظهرون»
وعن الهزيل بن شرحبيل كان بين نوح وإبراهيم ﷺ يؤخذ الرجل بجريرة غيره ويقتل الزوج بامرأته والعبد بسيده، وأول من خالفهم إبراهيم فلهذا قال سبحانه أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وهي مخففة من الثقيلة ولهذا لم ينصب الفعل وضمير الشأن محذوف ومحله الجر بدلا مما في صحف موسى، أو الرفع كأن قائلا قال: وما في صحف موسى وإبراهيم؟ فقيل: هو أنه لا تزر نفس من شأنها أن تزر وزر نفس أخرى إذا لم تحمل التي يتوقع منها ذلك فغيرها أولى بأن لا تحمل.
стр. 3338
ثم عطف على قوله أَلَّا تَزِرُ قوله وَأَنْ لَيْسَ وحكمه حكم ما يتلوه من المعطوفات فيما مر. وفيه مباحث: الأول الإنسان عام وقيل: هو الكافر. وأورد عليه أن الله سبحانه قال لَيْسَ لِلْإِنْسانِ ولو أراد الكافر لقال «ليس على الإنسان» وهذا بالحقيقة غير وارد فإن اللام قد تستعمل في مثل هذا المعنى قال تعالى وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها [الإسراء:
٧] وورد على الأول أن الدعاء والصدقة والحج ينفع الميت كما ورد في الأخبار، وأيضا قال تعالى مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها [الأنعام: ١٦٠] والأضعاف فوق ما سعى.
وأجاب بعضهم بأن قوله لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى كان في شرع من تقدم ثم إنه تعالى نسخه في شريعتنا وجعل للإنسان ما سعى وما لم يسع. وقال المحققون: إن سعي غيره وكذا الأضعاف لما لم ينفعه إلا مبنيا على سعي نفسه وهو أن يكون مؤمنا صالحا كان سعي غيره كأنه سعي نفسه. والثاني «ما» مصدرية والمضاف محذوف أي الأثواب أو جزاء سعيه.
ويجوز أن تكون موصولة أي إلا الجزاء الذي سعى فيه. الثالث في صيغة المضي إشارة إلى أنه لا يفيد الإنسان إلا الذي قد حصل فيه ووجد، وأما مجرد النية مع التواني والتراخي فذلك مما لا اعتماد عليه ولعل ذلك من مكايد الشيطان يمنيه ويعده إلى أن يحل الأجل بغتة. قوله وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى إن كان من الرؤية فكقوله اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ [التوبة: ١٠٥] وإن كان من الإراءة فالفائدة في إراءته وعرضه عليه أن يفرح به هو ويحزن الكافر والله قادر على إعادة كل معدوم عرضا كان أو جوهرا، والمراد أن يريه الله إياه على صورة جميلة إن كان عملا صالحا وبالضد إن كان بالضد. ويجوز أن يكون مجازا عن الثواب كما يقال «سترى إحسانك عند الملك» أي جزاءه إلا أن القول الأول أقوى لقوله ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى اللهم إلا أن يراد تراخي الرتبة والفائدة تعود إلى الوصف بالأوفى وهو الرؤية التي هي أوفى من كل واف أي يجزى العبد بسعيه الجزاء الأتم. وجوز أن يكون الضمير للجزاء ثم فسره بقوله الْجَزاءَ الْأَوْفى وأبدل عنه كقوله وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [الأنبياء: ٣] ومن لطائف الآية أنه قال في حق المسيء أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ولا يلزم منه أن يبقى الوزر على المذنب بل يجوز أن يسقط عنه بالمحو والعفو، ولو قال «كل وازرة تزر وزر نفسها» لم يكن بد من بقاء وزرها عليها. وقال في حق المحسن «ليس له ما سعى» ولم يقل «ليس له ما لم يسع» إذ العبارة الثانية لا يلزمها أن له ما سعى، والعبارة الأولى يلزمها ذلك لأنها في قوة كلامين إثبات ونفي والحاصل أنه قال في حق المسيء بعبارة لا تقطع رجاءه، وفي حق المحسن بعبارة توجب رجاءه كل ذلك لأن رحمته سبقت غضبه. قوله وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى المشهور أن فيه بيان المعاد كقوله عز
стр. 3339
من قائل وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [آل عمران: ٢٨] أي للناس بين يدي الله وقوف وفيه بيان وقت الجزاء. وقد يقال: المراد به التوحيد وهو تأويل أهل العرفان. والحكماء يستدلون به على وجود الصانع فإن الممكن لا بد أن ينتهي إلى الواجب. وقيل: أراد أن البحث والإدراك ينتهي عنده كما قيل: إذا بلغ الكلام إلى الله فأمسكوا.
وعن أنس أن النبي ﷺ قال «إذا ذكر الرب فانتهوا»
والخطاب عام لكل سامع مكلف وفيه تهديد للمسيء ووعد للمحسن: وقيل: الخطاب للنبي ﷺ وفيه تسلية له. ثم بين غاية قدرته وهي إيجاده الضدين الضحك والبكاء والإماتة والإحياء في شخص واحد، وكذا الذكورة والأنوثة في مادة واحدة هي النطفة نطفت إذا تمنى تدفق في الرحم. يقال: منى وأمنى. وقال الأخفش: تخلق والمنى والتقدير وفيه إبطال قول الطبيعيين أن مبدأ الضحك قوة التعجب، ومبدأ البكاء رقة القلب، وإن الحياة مستندة إلى الطبيعة كالنبات، والموت أمر ضروري وهو تداعي الأجزاء العنصرية إلى الانفكاك بعد اجتماعها على سبيل الاتفاق أو لاقتضاء سبب سماوي من اتصال أو انفصال وذلك أن انتهاء كل ممكن إلى الواجب واجب. قوله أَماتَ وَأَحْيا إما لأجل الفاصلة أو لأنه اعتبر حالة كون الإنسان نطفة ميتة. قال الأطباء: الذكر أسخن وأجف والأنثى أبرد وأرطب. وقالوا في نبات شعر الرجل: إن الشعور تتكون من بخار دخاني منجذب إلى المسام فإذا كانت المسام في غاية الرطوبة والتحلل كما في مزاج الصبي والمرأة، لا ينبت الشعر لخروج تلك الأدخنة من المسام الرطبة بسهولة قبل أن يتكون شعرا. وإذا كانت في غاية اليبوسة والتكاثف لم ينبت لعسر خروجه من المخرج الضيق وإنما يندفع كثرة تلك الأبخرة إلى الرأس حتى رأس المرأة والصبي لأنه مخلوق كقبة فوق الأبخرة والأدخنة فيتصاعد إليها. وأما في الرجل فيندفع إلى صدره كثيرا لحرارة القلب. وإلى آلات التناسل لحرارة الشهوة، وإلى اللحيين لكثرة الحرارة بسبب الأكل والكلام ومع حرارة الأبخرة، ومن شأن الحرارة جذب الرطوبة كجذب السراج الزيت. هذا أقوى ما قالوا في هذا الباب. ويرد عليه أنه ما السبب لتلازم شعر اللحية وآلة التناسل فإنها لو قطعت لم تنبت اللحية، ولو سلم التلازم من حيث إن حرارة الخصيان تقل بسبب قطع آلة الشهوة فلا بد أن يعترفوا بانتهاء جميع الممكنات إلى الواجب بالذات.
واعلم أنه سبحانه في هذه الآية وسط الفصل بين الاسم والخبر حيث كان توهم الحملية فيه أكثر وترك الفصل حيث لم يكن كذلك. ففي آيات الضحك والبكاء والإماتة والإحياء وسط الفصل للتوهمات المذكورة حتى قال نمرود أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة:
стр. 3340
٢٥٨] وأما خلق الذكر والأنثى فلم يتوهم أحد أنه بفعل المخلوقين فلم يؤكد بالفصل وعلى هذا القياس قوله وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى ظاهره وجوب وقوع الحشر في الحكمة الإلهية للمجازاة على الإحسان والإساءة وقال في التفسير الكبير: هو كقوله ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ [المؤمنون: ١٤] أي بعد خلقته ذكرا وأنثى نفخ فيه الروح الإنساني ثم أغناه بلبن الأم وبنفقة الأب في صغره، ثم أقناه بالكسب بعد كبره أي أعطاه القنية وهي المال الذي تأثلته وعزمت أن لا تخرجه من يدك، وبالجملة فالإغناء بكل ما تدفع به الحاجة والإقناء بما زاد عليه. وإنما وسط الفصل لأن كثيرا من الناس يزعم أن الفقر والغنى بكسب الإنسان واجتهاده، فمن كسب استغنى ومن كسل افتقر. وذهب بعضهم إلى أنه بالبخت أو النجوم فقال ردا عليهم وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى وهما شعريان شامية ويمانية وهذه أنورهما. وخصت بالذكر لأن أبا كبشة أحد أجداد رسول الله ﷺ من قبل أمه قال: لا أرى شمسا ولا قمرا ولا نجما تقطع السماء عرضا غيرها فليس شيء مثلها فعبدها وعبدتها خزاعة فخالفوا قريشا في عبادة الأوثان. وكانت قريش يقولون لرسول الله ﷺ «أبو كبشة» تشبيها له لمخالفته إياهم في دينهم. وحين ذكر أنه أغنى وأقنى وذلك كان بفضل المولى لا بعطاء الشعرى، ذكرهم حال الأقدمين الهلكى. وعاد الأولى قوم هود والأخرى، إرم ميزوا عن قوم كانوا بمكة. وقيل: أراد التقدم في الدنيا وأنهم كانوا أشرافا قوله وَثَمُودَ عطف على عاداً أي ما رحم عليهم. ومن المفسرين من قال فما أبقى أي ما ترك أحدا منهم كقوله فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ [الحاقة: ٨] وبه تمسك الحجاج على من زعم أن ثقيفا من ثمود. وإنما وصف قوم نوح بأنهم كانوا هم أظلم وأطغى فبالغ بتوسيط الفصل وبناء التفضيل لأن نوحا ﵇ كان أول الرسل إلى أهل الأرض، وكان قومه أول من سن التكذيب وإيذاء النبي والبادي أظلم، ومن سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها.
ولأنهم كانوا مجاوزين حد الاعتدال يضربون نبيهم حتى لم يربه حراك وينفرون عنه الناس ويخوفون صبيانهم وما نجع فيهم وعظه ألف سنة إلا خمسين عاما. وليس قوله إِنَّهُمْ كانُوا تعليلا للإهلاك حتى يرد عليه أن غيرهم من الظالمين والطاغين لا يلزم أن يهلكوا وإنما هي جملة معترضة بيانا لشدة طغيانهم وفرط ظلمهم. وَالْمُؤْتَفِكَةَ يعني قريات قوم لوط لأنها ائتفكت بأهلها أي انقلبت وقد مر في هود أَهْوى أي رفعها إلى السماء على جناح جبريل فأسقطها إلى الأرض فَغَشَّاها ما غَشَّى من الحجارة المسومة وفيه تهويل وتفخيم لما صب عليهم من العذاب. وجوز أن يكون «ما» فاعلا كقوله وَالسَّماءِ وَما بَناها [الشمس: ٥] هذا كله حكاية ما في الصحف إلا فيمن قرأ وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى بالكسر على الابتداء وكذا ما بعده أما قوله فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى فقد قيل: هو أيضا مما في
стр. 3341
الصحف وقيل: هو ابتداء كلام، والخطاب لكل سامع ولرسول الله ﷺ كقوله لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥] والمراد أنه لم يبق فيها إمكان الشك، وقد عد نعما ونقما وجعل كلها آلاء لأن النقم أيضا نعم إن أراد أن يعتبر. ويحتمل أن يقال لما عد نعمه على الإنسان من خلقه وإغنائه وإقنائه. ثم ذكر أنه أهلك من كفر بها، وبخ الإنسان على جحد شيء من نعمه فيصيبه مثل ما أصاب المتمارين: أو يقال: لما حكى الإهلاك قال للشاك: أنت ما أصابك الذي أصابهم وذلك بحفظ الله إياك فبأي آلاء ربك تتمارى وسيجيء له مزيد بيان في سورة الرحمن هذا القرآن أو الرسول نَذِيرٌ أي إنذار أو منذر من جنس الإنذارات أو المنذرين. وقال الْأُولى على تأويل الجماعة. وحين فرغ من بيان التوحيد والرسالة ختم السورة بذكر اقتراب الحشر فقال أَزِفَتِ الْآزِفَةُ أي قربت الموصوفة بالقرب في قوله اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ [الأنبياء: ١] وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [الشورى: ١٧] وفيه تنبيه على أن قرب الساعة يزداد كل يوم وأنها تكاد تقوم لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ نفس كاشِفَةٌ للتأنيث كما مر، أو للمبالغة أي لا أحد يكشف حقيقتها، أو هي مصدر كالعافية، و «من» زائدة والتقدير ليس لها كاشفة دون الله، ويحتمل أن يراد ليس لها في الوجود نفس تكشف عنها من غير الله بل إنما يكشفها من عند الله ومن قبل علمه وإخباره. ثم وبخهم على التعجب من القرآن ومن حديث القيامة وضحكهم من استهزاء وإنكارا. وفي قوله وَلا تَبْكُونَ إلى آخره تنبيه على أن البكاء والخشوع وحضور القلب حق عليهم عند سماع القرآن كما قال إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا [مريم: ٥٧] والسمود الغفلة وقد يكون مع اللهو. وعن مجاهد: كانوا يمرون بالنبي ﷺ غضابا مبرطمين. وقال:
البرطمة الإعراض ثم إنهم كانوا أنصفوا من أنفسهم وقالوا: لا نعجب ولا نضحك ولا نسمد بل نبكي ونخشع فلا جرم قال فَاسْجُدُوا أي إذا اعترفتم لله بالعبودية فاخضعوا له وأقيموا وظائف العبادة. وقد مر في سورة الحج في قوله أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الآية: ٥٢]
أن رسول الله ﷺ قرأ هذه السورة في الصلاة ثم سجد فسجد معه المؤمنون والمشركون والجن والإنس
وذكرنا سببه.
القراآت
مُسْتَقِرٌّ بالجر: يزيد الداعي إلى الداعي بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير غير ابن فليح وزمعة وأفق أبو عمرو وأبو جعفر ونافع غير قالون في الوصل فيهما بالياء يَدْعُ الدَّاعِ بغير ياء في الحالين إِلَى الدَّاعِ في الوصل: قالون.
الباقون: بغير ياء في الحالين شيء نكر بسكون الكاف: ابن كثير خاشعا بالألف:
أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف. الآخرون خُشَّعاً كركع. ففتحنا بالتشديد: ابن عامر ويزيد وسهل ويعقوب وفجرنا بالتخفيف: أبو زيد عن المفضل ونذري وما بعده بالياء في الحالين: يعقوب وأفق ورش وسهل وعباس في الوصل.
أو لقي مثل أو «نبئكم» ستعلمون على الخطاب: ابن عامر وحمزة سنهزم بالنون الجمع بالنصب: روح وزيد عن يعقوب.
الوقوف
الْقَمَرُ هـ مُسْتَمِرٌّ هـ مُسْتَقِرٌّ هـ مُزْدَجَرٌ هـ لا بناء على أن قوله حِكْمَةٌ بدل من «ما» أو من مُزْدَجَرٌ النُّذُرُ هـ لا للعطف مع اتصاله المعنى عَنْهُمْ م لأنه لو وصل لأوهم أن الظرف متصل به وليس كذلك بل هو ظرف يَخْرُجُونَ نُكُرٍ هـ لا لاتصال الحال بالظرف من قبل اتحاد عاملهما مُنْتَشِرٌ هـ لا لأن مُهْطِعِينَ حال بعد حال الدَّاعِ ط عَسِرٌ هـ وَازْدُجِرَ هـ فَانْتَصِرْ هـ مُنْهَمِرٍ هـ ز للعطف مع اتحاد مقصود الكلام قُدِرَ هـ ج للعارض من الجملتين المتفقتين وللآية مع احتمال الحال أي وقد حملناه وَدُسُرٍ هـ لا لأن تَجْرِي صفة لها بِأَعْيُنِنا ج لأن جزاء مفعول له أو مصدر لفعل محذوف كُفِرَ هـ مُدَّكِرٍ هـ وَنُذُرِ هـ مُدَّكِرٍ هـ وَنُذُرِ هـ مُسْتَمِرٍّ هـ لا لأن ما بعده صفة الناس لا لأن كَأَنَّهُمْ حال مُنْقَعِرٍ هـ وَنُذُرِ هـ مُدَّكِرٍ هـ بِالنُّذُرِ هـ نَتَّبِعُهُ لا لتعلق «إذا» بها وَسُعُرٍ هـ أَشِرٌ هـ الْأَشِرُ هـ وَاصْطَبِرْ هـ لا للعطف بَيْنَهُمْ ج لأن كل مبتدأ مع أن الجملة من بيان ما تقدم مُحْتَضَرٌ هـ فَعَقَرَ هـ وَنُذُرِ هـ الْمُحْتَظِرِ هـ مُدَّكِرٍ هـ بِالنُّذُرِ هـ لُوطٍ ط
стр. 3344
لأن الجملة لا تصلح صفة للمعرفة بِسَحَرٍ هـ لا عِنْدِنا ط شَكَرَ هـ بِالنُّذُرِ هـ وَنُذُرِ هـ مُسْتَقِرٌّ هـ ج للفاء أي فقيل لهم ذقوا وَنُذُرِ هـ مُدَّكِرٍ هـ النُّذُرُ هـ ج لاتصال المعنى بلا عطف مُقْتَدِرٍ هـ فِي الزُّبُرِ هـ ج لأن ما بعده يصلح استفهام إنكار مستأنف ويصلح بدلا عن «أم» قبلة مُنْتَصِرٌ هـ الدُّبُرَ هـ وَأَمَرُّ هـ وَسُعُرٍ ط بناء على أن يَوْمَ ليس ظرفا لضلال وإنما هو ظرف لمحذوف أي يقال لهم ذقوا وُجُوهِهِمْ ط سَقَرَ هـ بِقَدَرٍ هـ بِالْبَصَرِ ج مُدَّكِرٍ هـ الزُّبُرِ هـ مُسْتَطَرٌ هـ وَنَهَرٍ هـ لا لأن ما بعده بدل مُقْتَدِرٍ هـ.
التفسير:
أول هذه السورة مناسب لآخر السورة المتقدمة أَزِفَتِ الْآزِفَةُ [النجم:
٥٧] إلا أنه ذكر هاهنا دليلا على الاقتراب وهو قوله وَانْشَقَّ الْقَمَرُ في الصحيحين عن أنس أن الكفار سألوا رسول الله ﷺ آية فانشق القمر مرتين. وعن ابن عباس: انفاق فلقتين فلقة ذهبت وفلقة بقيت. وقال ابن مسعود: رأيت حراء بين فلقتي القمر. وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال: ألا إن الساعة قد اقتربت وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم ﷺ هذا قول أكثر المفسرين. وعن بعضهم أن المراد سينشق القمر وصيغة الماضي على عادة إخبار الله.، وذلك أن انشقاق القمر أمر عظيم الوقع في النفوس فكان ينبغي أن يبلغ وقوعه حد التواتر وليس كذلك. وأجيب بأن الناقلين لعلهم اكتفوا بإعجاز القرآن عن تشهير سائر المعجزات بحيث يبلغ التواتر. وأيضا إنه سبحانه جعل انشقاق القمر آية من الآيات لرسوله ولو كانت مجرد علامة القيامة لم يكن معجزة له كما لم يكن خروج دابة الأرض وطلوع الشمس من المغرب وغيرهما معجزات له، نعم كلها مشتركة في نوع آخر من الإعجاز وهو الإخبار عن الغيوب. وزعم بعض أهل التنجيم أن ذلك كان حالة شبه الخسوف ذهب بعض جرم القمر عن البصر وظهر في الجو شيء مثل نصف جرم القمر نحن نقول: إخبار الصادق بأن يتمسك به أولى من قول الفلسفي. هذا مع أن استدلالهم على امتناع الخرق في السماويات لا يتم كما بينا في الحكمة. وكيف يدل انشقاق القمر على اقتراب الساعة نقول: من جهة إن ذلك يدل على جواز انخراق السماويات وخرابها خلاف ما زعمه منكرو الحشر من الفلاسفة وغيرهم. ومن هاهنا ظن بعضهم وإليه ميل الإمام فخر الدين الرازي أن المراد باقتراب الساعة ليس هو القرب الزماني وإنما المراد قربها في العقول وفي الأذهان كأنه لم يبق بعد ظهور هذه الآية للمنكر مجال. واستعمال لفظ الاقتراب هاهنا مع أنه مقطوع به كاستعمال «لعل» في قوله لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً [الأحزاب: ٦٣] والأمر عند الله معلوم. قال: وإنما ذهبنا إلى هذا التأويل لئلا يبقى للكافر مجال الجدال فإنه قد مضى
стр. 3345
قرب سبعمائة سنة ولم تقم الساعة ولا يصح إطلاق لفظ القرب على مثل هذا الزمان.
والجواب أن كل ما هو آت قريب وزمان العالم زمان مديد والباقي بالنسبة إلى الماضي شيء يسير قال أهل اللغة: في «افتعل» مزيد تشجم ومبالغة فمعنى اقترب دنا دنوا قريبا، وكذلك اقتدر أبلغ من قدر. ثم بين أن ظهور آيات الله لا يؤثر فيهم بل يزيد في عنادهم وتمردهم حتى سموها سحرا مستمرا أي دائما مطردا كأنهم قابلوا ترادف الآيات وتتابع المعجزات باستمرار السحر، وكان رسول الله ﷺ يأتي كل أوان بمعجزة قولية أو فعلية سماوية أو أرضية. وقيل: هو من قولهم «حبل مرير الفتل» من المرة وهي الشدة أي سحر قوي محكم. وقيل: من المرارة يقال: استمر الشيء إذا اشتد مراراته أي سحر مستبشع مر في مذاقنا. وقيل: مستمر أي مار ذاهب زائل عما قريب. عللوا أنفسهم بالأماني الفارغة فخيب الله آمالهم بإعلاء الدين وتكامل قوته كل يوم. والظاهر أن قوله وَإِنْ يَرَوْا إلى آخر الآية. جملة معترضة بيانا لما اعتادوه عند رؤية الآيات. وقوله وَكَذَّبُوا عطف على قوله اقْتَرَبَتِ كأنهم قابلوا الاقتراب والانشقاق بالتكذيب واتباع الأهواء.
والمعنى وكذبوا بالأخبار عن اقتراب الساعة وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ في أن محمد ﷺ ساحر أو كاهن أو كذبوا بانشقاق القمر واتبعوا آراءهم الفاسدة في أنه خسوف عرض للقمر وكذلك كل آية وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ صائر إلى غاية وأن أمر محمد ﷺ سيصير إلى حد يعرف منه حقيقته وكذلك أمرهم مستقر على حالة البطلان والخذلان. ومن قرأ بالجر فلعطف كُلُّ على الساعة أي اقتربت الساعة واقترب كل أمر مستقر وبين حاله. ثم أشار بقوله وَلَقَدْ جاءَهُمْ إلى أن كل ما هو لطف بالعباد قد وجد فأخبرهم الرسول باقتراب القيامة وأقام الدليل على صدقه ووعظهم بأحوال القرون الخالية وأهوال الدار الآخرة.
وفي كل ذلك مُزْدَجَرٌ لهم أي ازدجار أو موضع ازدجار ومظنة ادكار وهو افتعال من الزجر قلبت التاء دالا. وقوله حِكْمَةٌ يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذا الترتيب في إرسال الرسول وإيضاح الدليل والإنذار بمن مضى من القرون حكمة بالغة كاملة قد بلغت منتهى البيان فما تغنى نفي أو استفهام إنكار معناه أنك أتيت بما عليك من دعوى النبوة مقرونة بالآية الباهرة وأنذرتهم بأحوال الأقدمين فلم يفدهم فأي غناء تغنى النذر أي الإنذارات بعد هذا فَتَوَلَّ عَنْهُمْ لعلمك أن الإنذار لا يفيد فيهم ولا يظهر الحق لهم إلى يوم البعث والنشور. والداعي إسرافيل أو جبريل ينادي إلى شيء منكر فظيع تنكره النفوس لأنها لم تعهد بمثله وهو هول يوم القيامة. وتخصيص المدعوين بالكافرين من حيث إنهم هم الذين يكرهون ذلك اليوم من ضيق العطن قوله خاشِعاً حال من الخارجين والفعل للأبصار. وليس قراءة من قرأ خُشَّعاً على الجمع من باب «أكلوني
стр. 3346
البراغيث» كما ظن في الكشاف، ولكنه أحسن من ذلك ولهذا تواترت قراءته لعدم مشابهة الفعل صورة. تقول في السعة «قام رجل قعود غلمانه» وضعف «قاعدون» وضعف منه «يقعدون» لأن زيادة الحرف ليست في قوة زيادة الاسم. وجوز أن يكون في خُشَّعاً ضميرهم ويقع أبصارهم بدلا عنه. وخشوع الأبصار سكونها على هيئة لا تلتفت يمنة ويسرة كقوله لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ [إبراهيم: ٤٣] والأجداث القبور شبههم بالجراد المنتشر للكثرة والتموج والذهاب في كل مكان. وقيل: المنتشر مطاوع أنشره إذا أحياه فكأنهم جراد يتحرك من الأرض ويدب فيكون إشارة إلى كيفية خروجهم من الأجداث وضعف حالهم. ومعنى مهطعين مسرعين وقد مر في إبراهيم ﵇.
ثم إنه سبحانه أعاد بعض الأنباء وقدم قصة نوح على عاد وفائدة، قوله فَكَذَّبُوا عَبْدَنا بعد قوله كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ هي فائدة التخصيص بعد التعميم أي كذبت الرسل أجمعين فلذلك كذبوا نوحا. ويجوز أن يكون المراد التكرير أي تكذيبا عقيب تكذيب، كلما مضى منهم قرن تبعه قرن آخر مكذب. وقوله عَبْدَنا تشريف وتنبيه على أنه هو الذي حقق المقصود من الخلق وقتئذ ولم يكن على وجه الأرض حينئذ عابد لله سواه فكذبوه وَقالُوا هو مَجْنُونٌ وازدجروه أي استقبلوه بالضرب والشتم وغير ذلك من الزواجر عن تبليغ ما أمر به. وجوز أن يكون من جملة قولهم أي قالوا ازدجرته الجن ومسته وذهبت بلبه فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ غلبني قومي بالإيذاء والتكذيب. وقيل:
غلبتني نفسي بالدعاء عليهم حين أيست من إجابتهم لي فَانْتَصِرْ منهم فانتقم منهم لي أو لدينك روي أن الواحد من قومه كان يلقاه فيخنقه حتى يخر مغشيا عليه فيفيق وهو يقول:
اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. وأبواب السماء وفتحها حقيقة عند من يجوز لها أبوابا وفيها مياها. وعند أهل البحث والتدقيق هو مجاز عن كثرة انصباب الماء من ذلك الصوب كما يقال في المطر الوابل «جرت ميازيب السماء وفتحت أفواه القرب» . والباء للآلة نحو:
فتحت الباب بالمفتاح. ونظيره قول القائل «يفتح الله لك بخير» . وفيه لطيفة هي جعل المقصود مقدما في الوجود والتقدير يفيض الله لك خيرا يأتي ويفتح لك الباب. ويجوز أن يراد فتحنا أبواب السماء مقرونة بِماءٍ مُنْهَمِرٍ منصب في كثرة وتتابع أربعين يوما. قال علماء البيان: قوله فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً أبلغ من أن لو قال «وفجرنا عيون الأرض» أي جعلنا الأرض كلها كأنها عيون منفجرة نظيره وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [مريم: ٤] وقد مر فَالْتَقَى الْماءُ أي جنسه يعني مياه السماء والأرض يؤيده قراءة من قرأ فالتقى الماءان عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ أي على حال قدرها الله كيف شاء، أو على حال جاءت
стр. 3347
مقدرة متساوية أي قدر ماء السماء كقدر ماء الأرض، ولعله إشارة إلى أن ماء الأرض ينبع من العيون حتى إذا ارتفع وعلا لقيه ماء السماء. ويحتمل أن يقال: اجتمع الماء على أمر هلاكهم وهو مقدر في اللوح وذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ هي السفينة وهي من الصفات التي تؤدي مؤدى الموصوف فتنوب منابه. وهذا الإيجاز من فصيح الكلام وبديعه. والدسر المسامير جمع دسار من دسره إذا دفعه لأنه يدسر به منفذه. فعلنا كل ما ذكرنا من فتح أبواب السماء وغيره جَزاءً أو جزيناهم جزاء لِمَنْ كانَ كُفِرَ وهو نوح ﵇ لأن وجود النبي ﷺ نعمة من الله وتكذيبه كفرانها. يحكى أن رجلا قال للرشيد: الحمد لله عليك.
فسئل عن معناه قال: أنت نعمة حمدت الله عليها. والضمير في تَرَكْناها للسفينة أو للفعلة كما مر في «العنكبوت» فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ [الآية:
١٥] والمدكر المعتبر وأصله «مذتكر» افتعال من الذكر والاستفهام فيه وفي قوله فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ أي إنذاراتي للتوبيخ والتخويف وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ سهلناه للادّكار والاتعاظ بسبب المواعظ الشافية والبيانات الوافية. وقيل: للحفظ والأول أنسب بالمقام. وإن
روي أنه لم يكن شيء من كتب الله محفوظا على ظهر القلب سوى القرآن.
سؤال: ما الحكمة في تكرير ما كرر في هذه السورة من الآي؟ والجواب أن فائدته تجديد التنبيه على الادكار والاتعاظ والتوقيف على تعذيب الأمم السالفة ليعتبروا بحالهم، وطالما قرعت العصا لذوي الحلوم وأصحاب النهي وهكذا حكم التكرير في سورة الرحمن عند عد كل نعمة، وفي سورة المرسلات عند عد كل آية لتكون مصورة للأذهان محفوظة في كل أوان. ونفس هذه القصص كم كررت في القرآن بعبارات مختلفة أوجز وأطنب لأن التكرير يوجب التقرير والتذكير ينبه الغافل على أن كل موضع مختص بمزيد فائدة لمن يعرف من غيره، وإنما كرر قوله فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ مرتين في قصة عاد لأن الاستفهام الأول أورده للبيان كما يقول المعلم لمن لا يعرف كيف المسألة الفلانية ليصير المسئول سائلا فيقول: كيف هي؟ فيقول المعلم: إنها كذا وكذا. والاستفهام الثاني للتوبيخ والتخويف. فأما في قصة ثمود فاقتصر على الأول للاختصار وفي قصة نوح اقتصر على الثاني لذلك. ولعله ذكر الاستفهامين معا في قصة عاد لفرط عتوهم وقولهم مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥] وقد مر في حم السجدة تفسير الصرصر والأيام النحسات. وإنما وحد هاهنا لأنه أراد مبدأ الأيام ووصفه بالمستمر أغنى عن جمعه أي استمر عليهم ودام حتى أهلكهم. قيل: استمر عليهم جميعا على كبيرهم وصغيرهم حتى لم يبق منهم نسمة.
وقيل: المستمر الشديد المرارة. تَنْزِعُ النَّاسَ تقلعهم عن أماكنهم فتكبهم وتدق رقابهم
стр. 3348
كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ منقلع عن مغارسه. وفي هذا التشبيه إشارة إلى جثثهم الطوال العظام، ويجوز أن الريح كانت تقطع رؤوسهم فتبقى أجسادا بلا رؤوس كأعجاز النخل أصولا بلا فروع. قال النحويون: اسم الجنس الذي تميز واحده بالتاء جاز في وصفه التذكير كما في الآية، والتأنيث كما في قوله أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ [الحاقة: ٧] هذا مع أن كلا من السورتين وردت على مقتضى الفواصل. قوله أَبَشَراً من باب ما أضمر عامله على شريطة التفسير وإنما أولى حرف الاستفهام ليعلم أن الإنكار لم يقع على مجرد الاتباع ولكنه وقع على اتباع البشر الموصوف وأنه من جهات إحداها كونه بشرا وذلك لزعمهم أن الرسول لا يكون بشرا. الثانية كونه منهم وفيه بيان قوة المماثلة، وفيه بيان مزيد استكبار أن يكون الواحد منهم مختصا بالنبوة مع أنهم أعرف بحاله. الثالثة كونه واحدا، أي كيف تتبع الأمة رجلا أو أرادوا أنه واحد من الآحاد دون الأشراف. والسعر النيران جميع سعير للمبالغة، أو لأن جهنم دركات، أو لدوام العذاب كأن يقول: إن لم تتبعوني كنتم في ضلال عن الحق وفي سعر فعكسوا عليه قائلين: إن اتبعناك كنا إذا كما تقول. وقيل: الضلال البعد عن الصواب، والسعر الجنون ومنه «ناقة مسعورة» وفي قوله أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا تصريح بما ذكرنا من أن واحدا منهم كيف اختص بالنبوة. وفي الإلقاء أيضا تعجب آخر منهم وذلك أن الإلقاء إنزال بسرعة كأنهم قالوا: الملك جسم والسماء بعيدة فكيف نزل في لحظة واحدة؟ أنكروا أصل الإلقاء ثم الإلقاء عليه من بينهم. والأشر البطر المتكبر أي حمله بطره وشطارته على ادعاء ما ليس له. ثم قال سبحانه تهديدا لهم ولأمثالهم سَيَعْلَمُونَ غَداً أي فيما يستقبل من الزمان هو وقت نزول العذاب أو يوم القيامة مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ بالتشديد أي الأبلغ في الشرارة. وحكى ابن الأنباري أن العرب تقول: هو أخير وأشر. وذلك أصل مرفوض. ومن قرأ ستعلمون على الخطاب فإما حكاية جواب صالح أو هو على طريقة الالتفات. ثم إنه تعالى خاطب صالحا بقوله إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ أي مخرجوها من الصخرة كما سألوا فتنة وامتحانا لهم. فَارْتَقِبْهُمْ وتبصر ما هم فاعلون بها وَاصْطَبِرْ على إيذائهم وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ أي مقسوم بَيْنَهُمْ خص العقلاء بالذكر تغليبا كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ فيه يوم لها ويوم لهم كما قال عز من قائل لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الشعراء: ١٥٥] وقد مر في «الشعراء» . وقال في الكشاف:
محضور لهم وللناقة وفيه إبهام. وقيل: يحضرون الماء في نوبتهم واللبن في شربها فَنادَوْا صاحِبَهُمْ وهو قدار نداء المستغيث وكان أشجع وأهجم على الأمور أو كان رئيسهم.
فَتَعاطى فاجترأ على الأمر العظيم فتناول العقر وأحدثه بها أو تعاطى الناقة أو السيف أو
стр. 3349
الأجر. والهشيم الشجر اليابس المتهشم أي المتكسر والمحتظر الذي يعمل الحظيرة، ووجه التشبيه أن ما يحتظر به ييبس بطول الزمان وتتوطؤه البهائم فيتكسر وأنهم صاروا موتى جاثمين ملقى بعضهم فوق بعض كالحطب الذي يكسر في الطرق والشوارع. ويحتمل أن يكون ذلك لبيان كونهم وقودا للجحيم كقوله كانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً
والحاصب الريح التي ترميهم بالحجارة وقد مرّ في «العنكبوت» . ولعل التذكير بتأويل العذاب. والسحر القطعة من الليل وهو السدس الآخر كما مر في «هود» و «الحجر» . وصرف لأنه نكرة وإذا أردت سحر يومك لم تصرفه. والظاهر أن الاستثناء من الضمير في عَلَيْهِمْ لأنه أقرب ولأنه المقصود. وجوز أن يكون استثناء من فاعل كذبت وهو بعيد نِعْمَةً مفعول له أي إنعاما.
وقوله كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ أكثر المفسرين على أنه إشارة إلى أنه تعالى يصون من عذاب الدنيا كل من شكر نعمة الله بالطاعة والإيمان. وقيل: إنه وعد بثواب الآخرة أي كما نجيناهم من عذاب الدنيا ننعم عليهم يوم الحساب بالثواب.
وحين أجمل قصتهم فصلها بعض التفصيل قائلا وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ أي لوط بَطْشَتَنا شدة أخذنا بالعذاب فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ فتشاكوا بالإنذارات وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ معناها قريب من المطالبة كما مر في «يوسف» . والضمير للقوم باعتبار البعض لأن بعضهم راودوه وكان غيرهم راضين بذلك فكانوا جميعا على مذهب واحد. فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ مسخناها وجعلناها مع الوجه صفحة ملساء لا يرى لها شق. وإنما قال في «يس» وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ [الآية: ٦٦] بزيادة حرف الجر لأنه أراد به إطباق الجفنين على العين وهو أمر كثير الوقوع قريب الإمكان بخلاف ما وقع للمراودين من قوم لوط فإنه أنذر وأبعد والكل بالإضافة إلى قدرة الله تعالى واحد، إلا أنه حين علق الطمس بالمشيئة ذكر ما هو أقرب إلى الوقوع كيلا يكون للمنكر مجال كثير. ونقل عن ابن عباس أن المراد بالطمس المنع عن الإدراك فما جعل على بصرهم شيئا غير أنهم دخلوا ولم يروا هناك شيئا. ولعل في هذا النقل خللا لأنه لا يناسب قوله عقيب ذكر الطمس فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ أي فقلت لهم على ألسنة الملائكة ذوقوا ألم عذابي وتبعة إنذاراتي. ثم حكى العذاب الذي عم الكل بقوله وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ ولقائل أن يسأل: مع الفائدة في قوله بُكْرَةً مع قوله صَبَّحَهُمْ والجواب أن صَبَّحَهُمْ يشمل من أول الصبح إلى آخر الإسفار وأنه تعالى وعدهم أول الصبح كما قال إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ [هود: ٨١] فأراد بقوله بُكْرَةً تحقيق ذلك الوعد. ويمكن أن يقال: قد يذكر الوقت المبهم لبيان أن تعيين الوقت غير مقصود كما تقول: خرجنا في بعض الأوقات ولا فائدة فيه إلا قطع المسافة. فإنه ربما يقول السامع متى
стр. 3350
خرجتم فيحتاج إلى أن تقول في وقت كذا أو في وقت من الأوقات. فإذا قال من أول الأمر في وقت من الأوقات أشار إلى أن غرضه بيان الخروج لا تعيين وقته وبمثله أجيب عن قوله سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الإسراء: ١] ويحتمل أن يقال: صَبَّحَهُمْ معناه قال لهم بكرة عموا صباحا وهو بطريق التهكم كقوله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ [آل عمران: ٢١] ويجوز أن يكون التصبيح بمعنى الإغاثة من قولهم «يا صباحاه» والعذاب المستقر الثابت الذي لا مدفع له أو الذي استقر عليهم ودام إلى الاستئصال الكلي أو إلى القيامة وما بعدها. قوله وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ يعني موسى وهارون وغيرهما وأنهما عرضا عليه ما أنذر به المرسلون وهو بمعنى الإنذارات بِآياتِنا كُلِّها هي الآيات التسع أو جميع معجزات الأنبياء ﵈ لأن تكذيب البعض تكذيب الكل العزيز المقتدر الغالب الذي لا يعجزه شيء. ثم خاطب كفار أهل مكة بقوله أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ المكذبين وهو استفهام إنكار لأن الأقدمين كانوا أكثر عددا وقوة وبطشا أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ الكتب المتقدمة أن من كفر منكم كان آمنا من سخط الله فأمنتم بتلك البراءة كما أن البيداء وهو من في يده قانون أصل الخراج إذا استوفى الخراج من أهله كتب لهم البراءة أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ جمع مجتمع أمرنا مُنْتَصِرٌ منتقم عن أبي جهل أنه ضرب فرسه يوم بدر فتقدم في الصف فقال: نحن ننصر اليوم من محمد ﷺ وأصحابه فنزلت سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ أي الأدبار. عن عكرمة: لما نزلت هذه الآية قال عمر: أي جمع يهزم؟ فلما رأى رسول الله ﷺ يثب في الدرع ويقول سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ عرف تأويلها بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى من أنواع عذاب الدنيا أو أدهى الدواهي. والداهية اسم فاعل من دهاه أمر كذا إذا أصابه ويختص بأمر صعب كالحادثة والنازلة. وَأَمَرُّ من المرارة. وقيل: من المرور أي أدوم وأكثر مرورا. وقيل: من المرة الشدة. قوله إِنَّ الْمُجْرِمِينَ الآية.
روى الواحدي في تفسيره بإسناده عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى قوله خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ
وعن عائشة أن النبي ﷺ قال «مجوس هذه الأمة القدرية»
وهو المجرمون الذين سماهم الله في قوله إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ عن الحق في الدنيا وَسُعُرٍ وهو نيران في الآخرة أو في ضلال وجنون في الدنيا لا يهتدون ولا يعقلون. أو في ضلال وسعر في الآخرة لأنهم لا يجدون إلى مقصودهم وإلى الجنة سبيلا. والنيران ظاهر أنها في الآخرة، وسقر علم لجهنم من سقرته النار وصقرته إذا لوحته، والمشهور بناء على الحديث المذكور أن قوله إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ متعلق بما قبله كأنه قال: إن مس النار جزاء من أنكر هذا المعنى وهو منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر. قال النحويون: النصب في مثل هذا الصور لازم لئلا يلتبس
стр. 3351
المفسر بالصفة، وذلك أن النصب نص في المعنى المقصود وأما الرفع فيحتمل معنيين:
أحدهما كل شيء فإنه مخلوق بقدر وهو يؤدي مؤدى النصب، والآخر كل شيء مخلوق لنا فإنه بقدر وهذا غير مقصود بل فاسد إذ يفهم منه أن شيئا من الأشياء غير مخلوق لله ليس بقدر والقدر التقدير أي كل شيء خلقناه مرتبا على وفق الحكمة أو مقدرا مكتوبا في اللوح ثابتا في سابق العلم الأزلي.
واعلم أنه قد مر في هذا الكتاب أن الجبري يقول القدرية التي ذمها النبي ﷺ هو المعتزلي الذي ينفي كون الطاعة والمعصية بتقدير الله. والمعتزلة تقول: الجبري الذي يدعي أن الزنا والسرقة وغيرهما من القبائح كلها بتقدير الله تعالى. وكذا حال السني لأنه وإن كان يثبت للعبد كسبا إلا أنه يسند الخير والشر إلى القضاء والقدر وقال بعض العلماء:
إن كل واحد من الفريقين لا يدخل في اسم القدرية إلا إذا كان النافي نافيا لقدرة الله لا أن يقول: هو قادر على أن يجلىء العبد إلى الطاعة ولكن حكمته اقتضت بناء التكليف على الاختيار وإلا كان المثبت منكرا للتكليف وهم أهل الإباحة القائلين بأن الكل إذا كان بتقدير الله فلا فائدة في التكليف. ولعل وجه تشبيههم بالمجوس أنهم في أمة محمد ﷺ كالمجوس فيما بين الكفار المتقدمين فكما أن المجوس نوع من الكفرة أضعف شبهة وأشد مخالفة للعقل فكذلك القدرية في هذه الأمة وبهذا التأويل لا يلزم الجزم بأنهم من أهل النار، وأيضا لعل اسم القدرية لأهل الإثبات أولى منه لأهل النفي كما تقول: دهري لأنه يقول بالدهر والثنوية لإثباتهم إلهين اثنين أو نورا وظلمة. وقال بعضهم: هذا الاسم بأهل النفي أولى لأن الآية نزلت في منكري القدرة وهم المشركون القائلون بأن الحوادث كلها مستندة إلى اتصالات الكواكب وانصرافاتها فلا قدرة لله على شيء من ذلك. قوله وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ أي إلا كلمة واحدة وهي «كن» تأكيد لإثبات القدرة له وقد مر مثله في «النحل» . وقوله كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ تأكيد على تأكيد وهذا تمثيل وإلا فتكوينه وإيجاده عين مشيئته وأرادته. ومعنى الخلق والأمر أيضا تقدم مشتبعا في «الأعراف» ثم هددهم مرة أخرى بقوله وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ أي أشباهكم في الكفر من الأمم. ثم ذكر نوعا آخر من التهديد مع بيان كمال القدرة والعلم فقال وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ أي في صحف الحفظة. قال النحويون: هذا مما التزم فيه الرفع لأن النصب يكون نصا في معنى غير مقصود بل فاسد إذ يلزم منه أن يكون كُلُّ شَيْءٍ مفعولا فِي الزُّبُرِ وهذا معنى غير مستقيم كما ترى. وأما الرفع فيحتمل معنيين. أحدهما صحيح مقصود وهو أن يقدر قوله فعلوهن صفة ل شَيْءٍ والظرف خبر أي كل شيء مفعول للناس فإنه في الزبر. والآخر أن
стр. 3352
تقدر الجملة خبر أو يبقى الظرف لغوا فيؤدي الكلام حينئذ مؤدي النصب، ولا ريب أن الوجه الذي يصح المعنى فيه على أحد الاحتمالين أولى من الذي يكون نصا في المعنى الفاسد. ثم أكد المعنى المذكور بقوله وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ من الأعمال بل مما وجد ويوجد مُسْتَطَرٌ أي مسطور في اللوح. ثم ختم السورة بوعد المتقين. والنهر جنس أريد به الأنهار اكتفى به للفاصلة. ولما سلف مثله مرارا كقوله إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [الذاريات: ١٥] وقيل: معناه السعة والضياء من النهار فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ وفي مكان مرضيّ من الجنة مقربين عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ لا يكتنه كنه عظمته واقتداره نظيره قول القائل «فلان في بلدة كذا في دار كذا مقرب عند الملك» . ويحتمل أن يكون الظرف صفة مَقْعَدِ صِدْقٍ كما يقال «قليل عند أمين خير من كثير عند خائن» . قال أهل اللغة: القعود يدل على المكث بخلاف الجلوس ولهذا يقال للمؤمن «مقعد دون مجلس» ومنه قواعد البيت، وكذا في سائر تقاليبه من نحو وقع أي لزق بالأرض وعقد. والإضافة في مَقْعَدِ صِدْقٍ كهي في قولك «رجل صدق» أي رجل صادق في الرجولية كامل فيها. ويجوز أن يكون سبب الإضافة أن الصادق قد أخبر عنه وهو الله ورسوله، أو الصادق اعتقد فيه وهو المكلف، أو يراد مقعد لا يوجد فيه كذب فإن من وصل إلى الله استحال عليه إلا الصدق وهو ﵎ أعلم وأجل وأكرم.
القراآت:
والحب ذا العصف والريحان بالنصب فيهما: ابن عامر. والحب ذو العصف بالرفع فيهما والريحان بالجر: حمزة وعلي وخلف. الباقون: برفع الريحان يخرج مجهولا من الإخراج: أبو جعفر ونافع وأبو عمر وسهل ويعقوب اللُّؤْلُؤُ كنظائره والْجَوارِ ممالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو وخلف طريق ابن عبدوس.
المنشآت بكسر الشين. حمزة ويحيى طريق الصر يعيني سيفرغ بالياء: حمزة وعلي وخلف. الباقون: بالنون على طريق الالتفات أيه الثقلان بضم الهاء مثل أيه المؤمنون [النور: ٣١] أيه الساحر [الزخرف: ٤٩] شواظ بكسر الشين: ابن كثير ونحاس. بالجر: ابن كثير وأبو عمرو وسهل لم يطمثهن بضم الميم في إحداهما تخيرا: علي. وروى أبو الحرث عنه في الأولى بالضم مِنْ إِسْتَبْرَقٍ بنقل حركة الهمزة إلى النون: رويس وورش والشموني وحمزة في الوقف ذُو الْجَلالِ بالرفع: ابن عامر.
الوقوف:
الرَّحْمنُ هـ لا الْقُرْآنَ هـ ط الْإِنْسانَ هـ الْبَيانَ هـ بِحُسْبانٍ هـ ص لعطف الجملتين المتفقتين يَسْجُدانِ هـ الْمِيزانَ هـ لا لتعلق أن الْمِيزانِ هـ لِلْأَنامِ هـ لا لأن الجملة بعدها حال فاكِهَةٌ ص الْأَكْمامِ هـ ص وَالرَّيْحانُ هـ ج لابتداء الاستفهام مع دخول فاء التعقيب، والوقف أجوز لأن الابتداء بالاستفهام مبالغة في التنبيه وكذلك في جميع السورة تُكَذِّبانِ هـ كَالْفَخَّارِ هـ لا نارٍ هـ ج تُكَذِّبانِ هـ
стр. 3355
الْمَغْرِبَيْنِ هـ ج تُكَذِّبانِ هـ يَلْتَقِيانِ هـ لا لأن ما بعده حال من الضمير في يَلْتَقِيانِ ولا يَبْغِيانِ هـ حال بعد حال تُكَذِّبانِ هـ وَالْمَرْجانُ هـ ج تُكَذِّبانِ هـ كَالْأَعْلامِ هـ ج تُكَذِّبانِ هـ فانٍ هـ ج لعطف الجملتين المختلفتين والأولى الوصل لأن الكلام الأول يتم بالثاني. وَالْإِكْرامِ هـ ج تُكَذِّبانِ هـ وَالْأَرْضِ ط شَأْنٍ هـ ج تُكَذِّبانِ هـ الثَّقَلانِ هـ تُكَذِّبانِ هـ فَانْفُذُوا هـ ط بِسُلْطانٍ هـ ج تُكَذِّبانِ هـ فَلا تَنْتَصِرانِ هـ ج تُكَذِّبانِ هـ كَالدِّهانِ هـ ج تُكَذِّبانِ هـ وَلا جَانٌّ هـ ج تُكَذِّبانِ هـ وَالْأَقْدامِ هـ ج تُكَذِّبانِ هـ الْمُجْرِمُونَ هـ م لأنه لو وصل صار ما بعده حالا من المجرمين وليس كذلك آنٍ ج تُكَذِّبانِ هـ جَنَّتانِ هـ ج تُكَذِّبانِ هـ لا لأن قوله ذَواتا صفة أَفْنانٍ هـ ج تُكَذِّبانِ هـ تَجْرِيانِ هـ تُكَذِّبانِ هـ زَوْجانِ هـ تُكَذِّبانِ هـ ج لأن مُتَّكِئِينَ حال إلا أن الكلام قد تطاول مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ط دانٍ هـ ج تُكَذِّبانِ هـ الطَّرْفِ لا لأن لَمْ يَطْمِثْهُنَّ حال عنهن جَانٌّ هـ ج تُكَذِّبانِ هـ وَالْمَرْجانُ هـ ج تُكَذِّبانِ هـ إِلَّا الْإِحْسانُ ج تُكَذِّبانِ هـ جَنَّتانِ هـ تُكَذِّبانِ هـ مُدْهامَّتانِ هـ تُكَذِّبانِ هـ ضَّاخَتانِ
هـ تُكَذِّبانِ هـ وَرُمَّانٌ هـ ج تُكَذِّبانِ هـ ج حِسانٌ هـ تُكَذِّبانِ هـ فِي الْخِيامِ هـ ج تُكَذِّبانِ هـ جَانٌّ هـ ج تُكَذِّبانِ هـ ج حِسانٍ هـ ج تُكَذِّبانِ هـ وَالْإِكْرامِ هـ.
التفسير:
افتتح السورة المتقدمة بذكر معجزة تدل على الهيبة والعظمة وهي انشقاق القمر. وافتتح هذه السورة بذكر معجزة تدل على الرحمة والعناية وهي القرآن الكريم الذي فيه شفاء القلوب والطهارة عن الذنوب، وهو أسبق الآلاء قدما وأجل النعماء منصبا. وبين السورتين مناسبة أخرى من جهة أنه ذكر هناك ما يدل على الانتقام والغضب كقوله فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ [القمر: ٣٩] وقوله فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ [القمر: ٢١] وذكر في هذه السورة بعد تعداد كل نعمة فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ مرة بعد مرة وتذكير النعمة على نعمة لأنها مما توقظ الوسنان وتنبه أهل الغفلة والنسيان. قال جار الله الرَّحْمنُ مبتدأ والأفعال بعده مع ضمائرها أخبار مترادفة، وإخلاؤها عن العاطف إما لأن العائد قام مقام الصدر وإما لمجيئها على نمط التعديد كما تقول: زيد أغناك بعد فقر أعزك بعد ذل كثرك بعد قلة فعل بك ما لم يفعله أحد بأحد فما تنكر من إحسانه. قلت: فعلى هذا لو لم يوقف على الْقُرْآنَ جاز. وقيل: الرحمن خبر مبتدأ أي هو الرحمن. ثم استأنف قائلا عَلَّمَ الْقُرْآنَ وما مفعوله الأول؟ قيل: هو متعد إلى واحد والمعنى جعل القرآن علامة وآية للنبوة. وقيل: هو جبرائيل أي علم جبرائيل القرآن حتى نزل به على محمد. وقيل: علم
стр. 3356
محمدا أو الإنسان القرآن كما يليق بفهمهم على حسب استعدادهم ولعله يلزم من الوجه الأخير شبه تكرار من قوله خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ فالأول إشارة إلى قواه البدنية والثاني إشارة إلى قواه النطقية، ويلزم منه أيضا أن يكون التعليم قبل الخلق ظاهرا إلا أن يكون تفصيلا لما أجمله. وقد نقل عن ابن عباس أن الإنسان آدم علمه الأسماء كلها، أو محمد ﷺ . والبيان القرآن فيه بيان ما كان وما سيكون إلى يوم القيامة. قوله الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ أي بحسبانه استغنى عن الوصل اللفظي بالربط المعنوي لرعاية الفاصلة يعني أنهما يجريان في بروجهما ومنازلهما بحساب معلوم وَالنَّجْمُ وهو النبات بغير ساق وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ بالانقياد له. وإنما وسط العاطف بين هاتين الجملتين لما بين العلوي والسفلي من تناسب التقابل، ولما بين الحسبان والسجود من تناسب التجانس، وذلك لأن سيرهما بحساب مقدّر مقرر وهو من جنس الانقياد لأمر الله وَالسَّماءَ رَفَعَها قال في الكشاف: أي خلقها مرفوعة مسموكة حيث جعلها منشأ أحكامه ومصدر قضاياه ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه. قلت: إنه حمل الرفع على ارتفاع المنزلة ولعل المراد به الرفع الحسي ليطابق قوله وَالْأَرْضَ وَضَعَها أي خفضها في مركز العالم مدحوة محاطة بالماء. نعم لو جعل وضع الأرض عبارة عن ذلها وتسخيرها كقوله هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا [الملك: ١٥] صح تفسيره وإنما وسط قوله وَوَضَعَ الْمِيزانَ بين رفع السماء ووضع الأرض لأنه لا ينتفع بالميزان إلا إذا كان معلقا في الهواء بين الأرض والسماء وهذا أمر حسي، وأما العقلي فهو أنه بدأ أولا من النعم بذكر القرآن الذي هو بيان الشرائع والتكاليف، ثم أتبعه ذكر كيفية خلق الإنسان وقواه النفسانية وما يتم به معاشه من السماويات والأرضيات، ثم ذكر أنه خلق لأجلهم آلة الوزن بها يقيمون العدالة في ومعاملاتهم وأمور تمدنهم فصار كما مر في حم عسق اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ الشورى: ١] وكما يجيء في الحديد وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ [الآية: ٢٥] وأن في قوله أَلَّا تَطْغَوْا مفسرة أو ناصبة أي لأن لا تتجاوز حد الاعتدال في شأن هذه الآية أي في شأن الوزن. ثم أكد بقوله إثباتا ونفيا وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ قوّموه أو قوموا لسان الميزان بالعدل وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ أي لا تجعلوها سببا للخسران والتطفيف.
وفي تكرير لفظ الميزان بل في ورود هذه الجمل المتقاربة الدلالة مكررة إشارة إلى الاهتمام بأمر العدل وندب إليه وتحريض عليه. وقيل: الأول ميزان الدنيا والثاني ميزان الآخرة والثالث ميزان العقل. وقيل: نزلت متفرقة فاقتضى الإظهار. قوله لِلْأَنامِ أي لكل ما على ظهر الأرض من دابة. وقيل: للإنسان. وخص بالذكر لشرفه ولأن الباقي خلق لأجله فِيها فاكِهَةٌ التنوين للتعظيم وهي كل ما يتفكه به. وقد أفرد النخل بالذكر للتفضيل ولأنه فاكهة
стр. 3357
غذائية. والأكمام جمع كم وهو وعاء الثمر. ثم ذكر أقوات البهائم والإنسان قائلا وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وهو ورق الزرع أو التبن. وقال الفراء والسدي: وهو أول ما ينبت من الزرع وَالرَّيْحانُ الورق. ومن رفع فعلى حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أي وذو الريحان. وقال الحسن وابن زيد. على هذه القراءة وهو ريحانكم الذي يشم.
ثم خاطب الجن والإنس بقوله فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
عن جابر بن عبد الله قال: قرأ علينا رسول الله ﷺ سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال: مالي أراكم سكوتا؟ للجن كانوا أحسن منكم ردا ما قرأت عليهم هذه الآية مرة إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد.
قال جار الله: الخطاب في رَبِّكُما للثقلين بدلالة الأنام عليهما قلت: ربما يصرح به قوله أيها الثقلان سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض أو بما سيذكر عقيبه من قوله خَلَقَ الْإِنْسانَ والجان خلقناه. وقيل: التكذيب إما باللسان والقلب معا وإما بالقلب دون اللسان كالمنافقين فكأنه قال: فيا أيها المكذبان بأي آلاء ربكما تكذبان. وقيل: أراد فيا أيها المكذبان بالدلائل السمعية والعقلية أو بدلائل الآفاق ودلائل الأنفس، والاستفهام للتوبيخ والزجر. قوله خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ قد مر في سورة «الحجر» إلا أنه شبهه هاهنا بالفخار وهو الخزف بيانا لغاية يبس طينته وكزازته، والتركيب يدل عليه ومنه الفخور ولولا يبس دماغه لم يفخر ومنه الفرخ لأنه تنشق البيضة عنه. وكل يابس عرضة للتشقق ومنه الخزف لغاية يبوسة مزاجه. والجان أبو الجن. وقيل: هو إبليس. والمارج اللهب الصافي الذي لا دخان فيه من مرج إذا اضطرب ولعلها المخلوطة بسواد النار من مرج الشيء اختلط. وقوله مِنْ نارٍ بيان لمارج كأنه قيل: من صاف من نار. ويجوز أن يكون نارا مخصوصة فيكون صفة رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ يعني مشرق الصيف ومشرق الشتاء، والأول مطلع أول السرطان، والثاني مطلع أول الجدي. هذا في بلادنا الشمالية والحال في الجنوبية بالعكس. قوله مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ وقد مر في «الفرقان» معناه أرسلهما ملحا وعذبا متلاقيين بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ أي لا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة يَخْرُجُ مِنْهُمَا أي من كل منهما. وقال في الكشاف: أعاد الضمير إلى البحرين لاتحادهما فالخارج من العذب كأنه خارج من الملح تقول: خرجت من البلد ولم تخرج إلا من محلة بل من دار. وقال أبو علي الفارسي: أراد من أحدهما فحذف المضاف. قلت: ونحن قد سمعنا أن الأصداف تخرج من البحر المالح ومن الأمكنة التي فيها عيون عذبة في مواضع من البحر الملح ويؤيده قوله سبحانه في «فاطر» وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها [الآية: ١٢] فلا حاجة إلى هذه التكلفات. قال الفراء وغيره من أهل
стр. 3358
اللغة: اللؤلؤ الدر، والمرجان ما صغر منه. وعن مقاتل: بالضد. ويشبه أن يكون اللؤلؤ هذا الجنس المعروف والمرجان البسذ. يقال: إنه ينبت في بحر الروم والإفرنج كالشجر وهو الفصل المشترك بين المعدن والنبات، والجواري السفن الجارية حذف الموصوف للعلم به. ومن قرأ الْمُنْشَآتُ بفتح الشين فمعناها المرفوعات الشرع والتي رفع خشبها بعضها على بعض وركب حتى ارتفعت. والقارئ بالكسر أراد الرافعات الشرع أو اللائي يبتدئن في السير أو ينشئن الأمواج بجريهن، والأعلام الجبال الطوال شبههن في البحر بالجبال في البر. والضمير في عَلَيْها للأرض بدلالة المقال أو الحال. والوجه عبارة عن الذات كما مر في تفسير البسملة وفي قوله كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: ٨٨] وقوله ذُو صفة للوجه وهو على القياس. وفيه دلالة على أن الوجه والرب ذات واحد بخلاف قوله في آخر السورة تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ فإن الاسم غير المسمى في الأصح فلهذا قال ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ومعناه ذو النعمة والتعظيم كما سبق في البسملة. والنعمة في فناء ما على الأرض هو مجيء وقت الجزاء يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ من الملائكة وَمن في الْأَرْضِ من الثقلين الملائكة لمصالح الدارين والثقلان لمصالح الدارين. وعن مقاتل: يسأل أهل الأرض الرزق والمغفرة وتسأل الملائكة أيضا الرزق والمغفرة للناس كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
سئل رسول الله ﷺ عن ذلك الشأن فقال: من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين.
قلت: هذا التفسير يطابق ما مر في الحكمة. وما ذكرنا في الكتاب مرارا من أن القضاء هو الحكم الكلي الواقع في الأزل، والقدر هو صدور تلك الأحكام في أزمنتها المقدرة. فبالاعتبار الأول
قال «جف القلم بما هو كائن» «١»
وبالاعتبار الثاني قال: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ وهذا بالنسبة إلى المقضيات ولا تغير في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. وبالجملة إنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها. وروى الواحدي في البسيط عن ابن عباس: إن مما خلق الله لوحا من درة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور، ينظر الله فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء. وحين بين أن كل زمان مقدر لأجل شأن قال سَنَفْرُغُ لَكُمْ قال أهل البيان: هو مستعار من قول الرجل لمن يتهدده «سأفرغ لك» .
والمراد تجرد داعيته للإيقاع به من النكاية فيه. والمراد شؤونه ستنتهي إلى شأن الجزاء
стр. 3359
وقصد المحاسبة. ثم هدد الثقلين بأنهم لا يستطيعون الهرب من أحكامه وأقضيته فيهما.
نفذ من الشيء إذا خلص منه كالسهم ينفذ من الرمية. وأقطار السموات والأرض نواحيهما.
واحدها قطر. وهو في الهندسة عبارة عن الخط المنصف للدائرة. والسلطان القوة والغلبة، أراد أنه لا مفر من حكمه إلا بتسلط تام ولا سلطان فلا مفر. قال الواحدي: أراد أنه لاخلاص من الموت. ويحتمل أن يخص هذا بيوم الجزاء المشار إليه بقوله سَنَفْرُغُ لَكُمْ ويؤيده ما
روي أن الملائكة تنزل فتحيط بجميع الخلائق فإذا رآهم الجن والإنس هربوا فلا يأتون وجها إلا وجدوا الملائكة أحاطت به،
ويعضده قوله عقيبه يُرْسَلُ عَلَيْكُما الآية.
جاء في الخبر: يحاط على الخلق بلسان من نار ثم ينادون يا معشر الجن والإنس الآية.
وذلك قوله يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ وهو اللهب الذي لا دخان له معه. وقرأ ابن كثير بكسر الشين لغة أهل مكة يقولون صوار بالضم والكسر. والنحاس الدخان. ومن قرأ بالرفع فمعناه يرسل عليكما هذا مرة وهذا مرة. ويجوز أن يرسلا معا من غير أن يمزج أحدهما بالآخر. ومن قرأ بالجر فبتقدير وشيء من نحاس. وعن أبي عمرو أن الشواظ يكون من الدخان أيضا. وقيل: هو الصفر المذاب يصب على رؤوسهم. وعن ابن عباس:
إذا خرجوا من قبورهم ساقهم شواظ إلى المحشر فَلا تَنْتَصِرانِ فلا تمتنعان فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ لنزول الملائكة فَكانَتْ وَرْدَةً أي حمراء كَالدِّهانِ وهو جمع الدهن أو اسم ما يتدهن به كالحزام والإدام شبهها بدهن الزيت كقوله كَالْمُهْلِ [المعارج: ٨] وهو دردي الزيت. وقيل: الدهان الأديم الأحمر. عن ابن عباس: نصير كلون الفرس الورد.
وقيل: تحمر احمرار الورد ثم تذوب ذوبان الدهن. وقال قتادة: هي اليوم خضراء ولها يوم القيامة لون آخر يضرب إلى الحمرة. والفاء في قوله فَإِذَا للتعقيب وفي فَكانَتْ للعطف، والجواب محذوف كما سيجيء في قوله إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] والمراد أنهما لا ينتصران حين إرسال الشواظ عليهما فحين تنشق السماء وصارت الأرض والجو والهواء كلها نارا وتذوب السماء كما يذوب النحاس الأحمر كيف تنتصران؟ ويمكن أن يكون وجه تشبيه السماء يومئذ بالدهن هو الميعان والذوبان بسرعة وعدم رسوب الخبث كخبث الحديد ونحوه، والغرض بيان بساطة السماء وأنه لا اختلاف للأجزاء فيها. فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ وضع الجان الذي هو أبو الجن موضع الجن كما يقال هاشم ويراد ولده. والضمير في ذَنْبِهِ عائد إلى الإنس لأن الفاعل رتبته التقديم وكأنه قيل: لا يسأل بعض الإنس عن ذنبه ولا بعض الجن. والجمع بين هذه الآية وبين قوله فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ [الحجر: ٩٢] هو ما مرّ من أن المواطن مختلفة، أو لا يسأل سؤال
стр. 3360
استعلام وإنما يسأل سؤال توبيخ وتقريع. وعندي أن بيان عدم احتياج المذنب إلى السؤال عن حاله لأن كل ما هو اليوم فيه كامن فذلك في يوم القيامة يظهر ويبرز من ظلمة الطبيعة والعصيان، أو من نور الطاعة والإيمان وإليه الإشارة بقوله يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ من سواد الوجه وزرقة العين فَيُؤْخَذُ كل منهم أو جنس المجرم بِالنَّواصِي
أي بسببها. ولعل المراد أن تجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي من خلفها أو من قدام ويلقون في النار.
روى الحسن عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «والذي نفسي بيده لقد خلقت ملائكة جهنم قبل أن تخلق جهنم بألف عام فهم كل يوم يزدادون قوة إلى قوتهم حتى يقبضوا من قبضوا عليه بالنواصي والأقدام»
ويجوز أن يكون الفعل مسندا إلى قوله بِالنَّواصِي نحو ذهب بزيد. ثم ذكر أنهم يوبخون بقول الملائكة لهم هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ والأصل الخطاب والالتفات للتبعيد والتسجيل عليهم بالإجرام. والآني الذي بلغ منتهى حره. قال الزجاج: أني يأني أنا إذا انتهى في النضج والحرارة. والمعنى أنهم لا يزالون طائفين بين عذاب الجحيم وبين الحميم وذلك حين ما يستغيثون كقوله وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ [الكهف: ٢٩] قال جار الله: نعمته فيما ذكره من الأهوال وأنواع المخاوف هي نجاة الناجي منه وما في الإنذار به من اللطف، ويمكن أن يراد بأي الآلاء المعدودة في أول السورة تكذبان فتستحقان هذه الأشياء المذكورة من العذاب. ثم شرع في ثواب أهل الخشية والطاعة قائلا وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وقد مر نظيره في «إبراهيم» قوله ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي [الآية: ١٤] قال المفسرون: الجنتان إحداهما للخائف الإنسي والثانية للخائف الجني، أو إحداهما لفعل الطاعات والثانية لترك المنكرات، أو إحداهما للجزاء والأخرى للزائد عليه تفضلا، أو هما جنة عدن وجنة النعيم، أو إحداهما جسمانية والأخرى روحانية. وقيل: التثنية للتأكيد كقوله أَلْقِيا [ق: ٢٤] وهو ضعيف. والأفنان جمع الفنن وهو الغصن المستقيم طولا قاله مجاهد وعكرمة والكلبي وغيرهم، وإنما خصها بالكر لأنها هي التي تورق وتثمر وتظل والساق لأجل ضرورة القيام ولا ضرورة في الجنة ولا كلفة. وعن سعيد بن جبير: هي جمع فن والمعنى أنهما صاحبتا فنون النعم وعلى هذا يكون قوله فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ أي صنفان كتفصيل بعد إجمال والصنفان رطب ويابس أو معروف وغريب فِيهِما أي في كل منهما عَيْنانِ تَجْرِيانِ من جبل من مسك إحداهما في الأعالي والأخرى في الأسافل. وقال الحسن: تجريان بالماء الزلازل إحداهما التسنيم والأخرى السلسبيل مُتَّكِئِينَ حال من الخائفين المذكورين في قوله لِمَنْ خافَ وجوز أن يكون نصبا على المدح. قال المفسرون: إذا كان بطائن الفرش وهي التي تحت الظهارة مما يلي
стр. 3361
الأرض من إستبرق فما ظنك بظهائرها؟ ويجوز أن يكون ظهائرها السندس. والتحقيق أنه لا يعلمها إلا الله كقوله فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ [السجدة: ١٧] وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ أي ثمرها دانٍ قريب يناله القائم والقاعد والنائم. قال جار الله: فِيهِنَّ أي في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش والجنى. وقيل: في الفرش أي عليها. وقيل: في الجنان لأن ذكر الجنتين يدل عليه ولأنهما يشتملان على أماكن ومجالس ومتنزهات، وهذا الوجه عندي أظهر وسيجيء بيانه بنوع آخر عن قريب. قال الفراء:
الطمث الاقتضاض وهو النكاح بالتدمية وقَبْلَهُمْ أي قبل أصحاب الجنتين واللفظ يدل عليه. قال مقاتل: هن من حور الجنة. وقال الكلبي والشعبي: هن من نساء الدنيا أنشئن خلقا آخر لم يجامعهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنسي ولا جني. قال في الكشاف:
لم يطمث الإنسيات منهمن أحد من الإنس والجنيات أحد من الجن قلت: هذا التفصيل لعله لا حاجة إليه يعرف بأدنى تأمل. قال الزجاج: فيه دليل على أن الجن تطمث كما تطمث الإنس.
ثم ذكر أنهن في صفاء الياقوت وبياض اللؤلؤ الصغار هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ في العمل إِلَّا الْإِحْسانُ في الجزاء. وخص ابن عباس فقال: هل جزاء من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله إلا الجنة. وحين فرغ من نعت جنتي المقربين شرع في وصف جنتين لأصحاب اليمين فقال وَمِنْ دُونِهِما أي ومن أسفل منهما في المكان أو في الفضل أو فيهما وهو الأظهر.
روى أبو موسى عن النبي ﷺ «جنتان من فضة أبنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب أبنيتهما وما فيهما» «١»
مُدْهامَّتانِ هو من الادهيمام إدهام يدهام فهو مدهام نظير اسواد يسواد فهو مسواد في اللفظ وفي المعنى، وذلك أن كل نبت أخضر فتمام خضرته من الري أن يضرب إلى السوادضَّاخَتانِ
فوارتان، والنضخ بالخاء المعجمة أكثر من النضح وهو الرش. قال ابن عباس: تنضخ على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور، وانما خص النخيل والرمان بالذكر بعد اندارجهما في الفاكهة لفضلهما وشرفهما، فالنخل فاكهة وطعام والرمان فاكهة ودواء كامل ومنه قال أبو حنيفة ﵀: إذا حلف لا يأكل فاكهة فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث. وخالفه صاحباه ووافقهما الشافعي. والخيرات مخفف خيرات لأن الخير الذي هو بمعنى التفضيل لا يجمع جمع السلامة والمعنى أنهن فاضلات الأخلاق حسان الصور. واعلم أنه سبحانه قال في الموضعين عند ذكر الحور فِيهِنَّ وفي سائر المواضع
стр. 3362
فِيهِما والسر فيه أن تمام اللذة عند اجتماع النسوان للرجل الواحد هو أن يكون لكل منهن مسكن على حدة فتباعد من مسكن الأخرى، واسع بحيث يسع ما يليق بحاله أو بحالها من الجواري والغلمان وسائر الأسباب، فيحصل هناك منتزهات كثيرة كل منها جنة، وكأن في ضمير الجمع إشارة إلى ذلك. وأما العيون والفواكه فلم يكن شيء منها بهذه المثابة من كمال اللذة فأكتفي فيها بعود الضمير إلى الجنتين فقط. والمقصورات اللواتي قصرن أي حبسن في خدورهن. امرأة مقصورة أي مخدرة. روى قتادة عن ابن عباس:
الخيمة درة مجوفة فرسخ في فرسخ فيها أربعة آلاف مصراع من ذهب.
وعن النبي ﷺ «الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ستون ميلا في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون» «١»
وقال أهل المعاني: كنى عن الجماع في الدنيا بنحو قوله مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [البقرة: ٢٣٧] وذكر الجماع في الآخرة بلفظ يقرب من الصريح وهو الطمث فما الحكمة في ذلك؟ والجواب أن المباشرة في الدنيا قبيحة لما فيها من قضاء الشهوة وإسقاط القوى وهي في الآخرة بخلاف ذلك فإنها داعية روحانية ولذة حقيقية فلم يحتج إلى الكناية لأن الكنايات إنما تجري في الهنيئات. قال جار الله: مُتَّكِئِينَ نصب على الاختصاص. قلت: ويجوز أن يكون حالا والعامل مضمر يدل عليه قوله لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ أي يطمثونهم في حال الاتكاء. قال أبو عبيدة والضحاك ومقاتل والحسن: الرفرف ضرب من البسط. وقيل: كل ثوب عريض فهو رفرف. ويقال لأطراف البسط وفضول الفسطاط رفارف. وقال الزجاج: الرفرف هاهنا رياض الجنة. وقيل: الوسائد. قال جار الله ال عَبْقَرِيٍّ منسوب إلى عبقر تزعم العرب أنه بلد الجن فينسبون إليه كل شيء غريب عجيب.
وعن أبي عبيدة: كل شيء من البسط عبقري وهو جمع واحدة عبقرية. ومما يدل على أن صفات هاتين الجنتين تقاصرت عن الأوليين قوله مُدْهامَّتانِ فإنه دون قوله ذَواتا أَفْنانٍ وذلك أن كمال الخضرة لا يوجب كون البستان ذا فنن ونضاختان دون تجريان وفاكهة دون كل فاكهة وكذلك صفة الحور والمتكأ. قال أهل العلم: كرر قوله فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ إحدى وثلاثين مرة: ثمانية منها ذكرها عقيب تعداد عجائب خلقه وذكر المبدأ والمعاد، ثم سبعة منها عقيب ذكر النار وأهوالها على عدد أبواب جهنم، وبعد هذه السبعة أورد ثمانية في وصف الجنات وأهلها على عدد أبواب الجنة، وثمانية بعدها عقيب
стр. 3363
وصف الجنات التي هي دونهما. فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها استحق كلتا الثمانيتين من الله ووقاه السبعة السابقة. ثم نزه نفسه عما لا يليق بجلاله وختم السورة عليه. والاسم مقحم كما بينا وفائدة هذا التوسيط سلوك سبيل الكناية كما يقال «ساحة فلان بريئة عن المثالب» والله أعلم بحقائق كلامه.
القراآت:
يُنْزِفُونَ من باب الأفعال: عاصم وحمزة وخلف. الباقون: بفتح الزاء حور عين بجرهما: يزيد وعلي وحمزة عربا بالسكون: حمزة وخلف ويحيى وحماد وإسماعيل أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا كما في «الرعد» إلا ابن عامر فإنه تابع عاصما، وإلا يزيد فإنه تابع قالون شُرْبَ بضم الشين: أبو جعفر ونافع وعاصم وحمزة وسهل. الباقون: بالفتح وكلاهما مصدر قدرنا بالتخفيف: ابن كثير اانا لمغرمون بهمزتين: أبو بكر وحماد.
الآخرون: بهمزة واحدة مكسورة على الخبر. بموقع على الوحدة: حمزة وعلي وخلف تكذبون بالتخفيف: المفضل فروح بضم الراء: قتيبة ويعقوب.
الوقوف:
الْواقِعَةُ هـ لا بناء على أن العامل في الظرف هو ليس ولو كان منصوبا بإضمار «أذكر» أو كان الجواب محذوفا أي إذا وقعت الواقعة كان كيت وكيت صح الوقف كاذِبَةٌ هـ م لئلا يصير ما بعدها صفة رافِعَةٌ هـ لا لتعلق الظرف بخافضة أو لكونه بدلا من الأول رَجًّا هـ لا بَسًّا هـ لا مُنْبَثًّا هـ ثَلاثَةً هـ ط ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ هـ ط لتناهي استفهام التعجب ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ هـ ط السَّابِقُونَ هـ لا بناء على أن السَّابِقُونَ تأكيد والجملة بعده خبر الْمُقَرَّبُونَ هـ ج لاحتمال أن ما بعده خبر مبتدأ محذوف أي هم في جَنَّاتِ النَّعِيمِ هـ الْأَوَّلِينَ هـ لا الْآخِرِينَ هـ لا مَوْضُونَةٍ هـ