← Тафсир

Тафсир · id 23613

تفسير النيسابوري = غرائب القرآن ورغائب الفرقان

النيسابوري، نظام الدين القمي

Полный текст (3 743 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

الأرض من إستبرق فما ظنك بظهائرها؟ ويجوز أن يكون ظهائرها السندس. والتحقيق أنه لا يعلمها إلا الله كقوله فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ [السجدة: ١٧] وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ أي ثمرها دانٍ قريب يناله القائم والقاعد والنائم. قال جار الله: فِيهِنَّ أي في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش والجنى. وقيل: في الفرش أي عليها. وقيل: في الجنان لأن ذكر الجنتين يدل عليه ولأنهما يشتملان على أماكن ومجالس ومتنزهات، وهذا الوجه عندي أظهر وسيجيء بيانه بنوع آخر عن قريب. قال الفراء: الطمث الاقتضاض وهو النكاح بالتدمية وقَبْلَهُمْ أي قبل أصحاب الجنتين واللفظ يدل عليه. قال مقاتل: هن من حور الجنة. وقال الكلبي والشعبي: هن من نساء الدنيا أنشئن خلقا آخر لم يجامعهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنسي ولا جني. قال في الكشاف: لم يطمث الإنسيات منهمن أحد من الإنس والجنيات أحد من الجن قلت: هذا التفصيل لعله لا حاجة إليه يعرف بأدنى تأمل. قال الزجاج: فيه دليل على أن الجن تطمث كما تطمث الإنس. ثم ذكر أنهن في صفاء الياقوت وبياض اللؤلؤ الصغار هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ في العمل إِلَّا الْإِحْسانُ في الجزاء. وخص ابن عباس فقال: هل جزاء من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله إلا الجنة. وحين فرغ من نعت جنتي المقربين شرع في وصف جنتين لأصحاب اليمين فقال وَمِنْ دُونِهِما أي ومن أسفل منهما في المكان أو في الفضل أو فيهما وهو الأظهر. روى أبو موسى عن النبي ﷺ «جنتان من فضة أبنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب أبنيتهما وما فيهما» «١» مُدْهامَّتانِ هو من الادهيمام إدهام يدهام فهو مدهام نظير اسواد يسواد فهو مسواد في اللفظ وفي المعنى، وذلك أن كل نبت أخضر فتمام خضرته من الري أن يضرب إلى السوادضَّاخَتانِ فوارتان، والنضخ بالخاء المعجمة أكثر من النضح وهو الرش. قال ابن عباس: تنضخ على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور، وانما خص النخيل والرمان بالذكر بعد اندارجهما في الفاكهة لفضلهما وشرفهما، فالنخل فاكهة وطعام والرمان فاكهة ودواء كامل ومنه قال أبو حنيفة ﵀: إذا حلف لا يأكل فاكهة فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث. وخالفه صاحباه ووافقهما الشافعي. والخيرات مخفف خيرات لأن الخير الذي هو بمعنى التفضيل لا يجمع جمع السلامة والمعنى أنهن فاضلات الأخلاق حسان الصور. واعلم أنه سبحانه قال في الموضعين عند ذكر الحور فِيهِنَّ وفي سائر المواضع

стр. 3362

فِيهِما والسر فيه أن تمام اللذة عند اجتماع النسوان للرجل الواحد هو أن يكون لكل منهن مسكن على حدة فتباعد من مسكن الأخرى، واسع بحيث يسع ما يليق بحاله أو بحالها من الجواري والغلمان وسائر الأسباب، فيحصل هناك منتزهات كثيرة كل منها جنة، وكأن في ضمير الجمع إشارة إلى ذلك. وأما العيون والفواكه فلم يكن شيء منها بهذه المثابة من كمال اللذة فأكتفي فيها بعود الضمير إلى الجنتين فقط. والمقصورات اللواتي قصرن أي حبسن في خدورهن. امرأة مقصورة أي مخدرة. روى قتادة عن ابن عباس: الخيمة درة مجوفة فرسخ في فرسخ فيها أربعة آلاف مصراع من ذهب. وعن النبي ﷺ «الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ستون ميلا في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون» «١» وقال أهل المعاني: كنى عن الجماع في الدنيا بنحو قوله مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [البقرة: ٢٣٧] وذكر الجماع في الآخرة بلفظ يقرب من الصريح وهو الطمث فما الحكمة في ذلك؟ والجواب أن المباشرة في الدنيا قبيحة لما فيها من قضاء الشهوة وإسقاط القوى وهي في الآخرة بخلاف ذلك فإنها داعية روحانية ولذة حقيقية فلم يحتج إلى الكناية لأن الكنايات إنما تجري في الهنيئات. قال جار الله: مُتَّكِئِينَ نصب على الاختصاص. قلت: ويجوز أن يكون حالا والعامل مضمر يدل عليه قوله لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ أي يطمثونهم في حال الاتكاء. قال أبو عبيدة والضحاك ومقاتل والحسن: الرفرف ضرب من البسط. وقيل: كل ثوب عريض فهو رفرف. ويقال لأطراف البسط وفضول الفسطاط رفارف. وقال الزجاج: الرفرف هاهنا رياض الجنة. وقيل: الوسائد. قال جار الله ال عَبْقَرِيٍّ منسوب إلى عبقر تزعم العرب أنه بلد الجن فينسبون إليه كل شيء غريب عجيب. وعن أبي عبيدة: كل شيء من البسط عبقري وهو جمع واحدة عبقرية. ومما يدل على أن صفات هاتين الجنتين تقاصرت عن الأوليين قوله مُدْهامَّتانِ فإنه دون قوله ذَواتا أَفْنانٍ وذلك أن كمال الخضرة لا يوجب كون البستان ذا فنن ونضاختان دون تجريان وفاكهة دون كل فاكهة وكذلك صفة الحور والمتكأ. قال أهل العلم: كرر قوله فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ إحدى وثلاثين مرة: ثمانية منها ذكرها عقيب تعداد عجائب خلقه وذكر المبدأ والمعاد، ثم سبعة منها عقيب ذكر النار وأهوالها على عدد أبواب جهنم، وبعد هذه السبعة أورد ثمانية في وصف الجنات وأهلها على عدد أبواب الجنة، وثمانية بعدها عقيب

стр. 3363

وصف الجنات التي هي دونهما. فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها استحق كلتا الثمانيتين من الله ووقاه السبعة السابقة. ثم نزه نفسه عما لا يليق بجلاله وختم السورة عليه. والاسم مقحم كما بينا وفائدة هذا التوسيط سلوك سبيل الكناية كما يقال «ساحة فلان بريئة عن المثالب» والله أعلم بحقائق كلامه.

стр. 3364

(سورة الواقعة) (مكية غير آية وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ حروفها ألف وسبعمائة وثلاثة كلمها ثلاثمائة وثمان وتسعون آياتها ست وتسعون) [سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ١ الى ٩٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (٧) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (٢٥) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً (٢٦) وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَماءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (٣٦) عُرُباً أَتْراباً (٣٧) لِأَصْحابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤) فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)

стр. 3365

القراآت: يُنْزِفُونَ من باب الأفعال: عاصم وحمزة وخلف. الباقون: بفتح الزاء حور عين بجرهما: يزيد وعلي وحمزة عربا بالسكون: حمزة وخلف ويحيى وحماد وإسماعيل أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا كما في «الرعد» إلا ابن عامر فإنه تابع عاصما، وإلا يزيد فإنه تابع قالون شُرْبَ بضم الشين: أبو جعفر ونافع وعاصم وحمزة وسهل. الباقون: بالفتح وكلاهما مصدر قدرنا بالتخفيف: ابن كثير اانا لمغرمون بهمزتين: أبو بكر وحماد. الآخرون: بهمزة واحدة مكسورة على الخبر. بموقع على الوحدة: حمزة وعلي وخلف تكذبون بالتخفيف: المفضل فروح بضم الراء: قتيبة ويعقوب. الوقوف: الْواقِعَةُ هـ لا بناء على أن العامل في الظرف هو ليس ولو كان منصوبا بإضمار «أذكر» أو كان الجواب محذوفا أي إذا وقعت الواقعة كان كيت وكيت صح الوقف كاذِبَةٌ هـ م لئلا يصير ما بعدها صفة رافِعَةٌ هـ لا لتعلق الظرف بخافضة أو لكونه بدلا من الأول رَجًّا هـ لا بَسًّا هـ لا مُنْبَثًّا هـ ثَلاثَةً هـ ط ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ هـ ط لتناهي استفهام التعجب ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ هـ ط السَّابِقُونَ هـ لا بناء على أن السَّابِقُونَ تأكيد والجملة بعده خبر الْمُقَرَّبُونَ هـ ج لاحتمال أن ما بعده خبر مبتدأ محذوف أي هم في جَنَّاتِ النَّعِيمِ هـ الْأَوَّلِينَ هـ لا الْآخِرِينَ هـ لا مَوْضُونَةٍ هـ

стр. 3366

لا مُتَقابِلِينَ هـ مُخَلَّدُونَ هـ لا مَعِينٍ هـ لا وَلا يُنْزِفُونَ هـ لا يَتَخَيَّرُونَ هـ لا يَشْتَهُونَ هـ ط لمن قرأ وَحُورٌ عِينٌ بالرفع الْمَكْنُونِ هـ ج يَعْمَلُونَ هـ تَأْثِيماً هـ لا سَلاماً هـ ط ما أَصْحابُ الْيَمِينِ هـ ط مَخْضُودٍ هـ لا مَنْضُودٍ هـ لا مَمْدُودٍ هـ لا مَسْكُوبٍ هـ لا كَثِيرَةٍ هـ لا مَمْنُوعَةٍ هـ لا مَرْفُوعَةٍ هـ ط إِنْشاءً هـ لا أَبْكاراً هـ لا أَتْراباً هـ لا الْيَمِينِ هـ ط الْأَوَّلِينَ هـ الْآخِرِينَ هـ ط ما أَصْحابُ الشِّمالِ هـ ط وَحَمِيمٍ هـ لا يَحْمُومٍ هـ لا وَلا كَرِيمٍ هـ مُتْرَفِينَ هـ ج الْعَظِيمِ هـ ج لَمَبْعُوثُونَ هـ لا الْأَوَّلُونَ هـ وَالْآخِرِينَ هـ لا مَعْلُومٍ هـ الْمُكَذِّبُونَ هـ لا زَقُّومٍ هـ لا الْبُطُونَ هـ ج والوقف أجوز الْحَمِيمِ هـ ج الْهِيمِ هـ ط الدِّينِ هـ تُصَدِّقُونَ هـ تُمْنُونَ هـ ط الْخالِقُونَ هـ بِمَسْبُوقِينَ هـ لا تَعْلَمُونَ هـ تَذَكَّرُونَ هـ تَحْرُثُونَ هـ ط الزَّارِعُونَ هـ تَفَكَّهُونَ هـ لَمُغْرَمُونَ هـ لا مَحْرُومُونَ هـ تَشْرَبُونَ هـ الْمُنْزِلُونَ هـ تَشْكُرُونَ هـ تُورُونَ هـ ط الْمُنْشِؤُنَ هـ لِلْمُقْوِينَ هـ ج الْعَظِيمِ هـ النُّجُومِ هـ لا عَظِيمٌ هـ لا كَرِيمٌ هـ لا مَكْنُونٍ هـ الْمُطَهَّرُونَ هـ ط الْعالَمِينَ هـ مُدْهِنُونَ هـ تُكَذِّبُونَ هـ الْحُلْقُومَ هـ لا تَنْظُرُونَ هـ لا تُبْصِرُونَ هـ مَدِينِينَ هـ لا صادِقِينَ هـ الْمُقَرَّبِينَ هـ لا نَعِيمٍ هـ الْيَمِينِ هـ لا الْيَمِينِ هـ لا الضَّالِّينَ هـ لا حَمِيمٍ هـ لا جَحِيمٍ هـ الْيَقِينِ هـ الْعَظِيمِ هـ التفسير: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ نظير قولك حدثت الحادثة «وكانت الكائنة» وهي القيامة التي تقع لا محالة. يقال: وقع ما كنت أتوقعه أي نزل ما كنت أترقب نزوله. واللام في لِوَقْعَتِها للوقت أي لا يكون حين تقع نفس تكذب على الله لأن الإيمان حينئذ بما هو غائب الآن ضروري إلا أنه غير نافع لأنه إيمان اليأس. ويجوز أن يراد ليس لها وقتئذ نفس تكذبها وتقول لها لم تكوني لأن إنكار المحسوس غير معقول. وجوز جار الله أن يكون من قولهم «كذبت فلانا نفسه في الخطب العظيم» إذا شجعته على مباشرته. وقالت له: إنك تطيقه. فيكون المراد أن القيامة واقعة لا تطاق شدة وفظاعة وأن الأنفس حينئذ تحدث صاحبها بما تحدثه به عند عظائم الأمور. وقيل: هي مصدر كالعافية فيؤل المعنى إلى الأول. وقال في الكشاف: هو بمعنى التكذيب من قولهم «حمل على قرنه فما كذب» أي فما جبن وما تثبط، وحقيقته فما كذب نفسه فيما حدثته به من طاقته له. والحاصل من هذا التوجيه أنها إذا وقعت لم تكن لها رجعة ولا ارتداد خافِضَةٌ رافِعَةٌ أي هي تخفض أقواما وترفع آخرين إما لأن الواقعات العظام تكون كذلك كما قال:

стр. 3367

وما إن طبنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا وإما لأن للأشقياء الدركات وللسعداء الدرجات وإما لأن زلزلة الساعة تزيل الأشياء عن مقارها فتنثر الكواكب وتسير الجبال في الجو يؤيده قوله إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ أي حركت تحريكا عنيفا حتى ينهدم كل بناء عليها وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا أي فتتت حتى تعود كالسويق أو سيقت من بس الغنم إذا ساقها فَكانَتْ أي صارت غبارا متفرقا. ثم ذكر أحوال الناس يومئذ قائلا وَكُنْتُمْ لفظ الماضي لتحقق الوقوع أَزْواجاً أي أصنافا ثَلاثَةً ثم فصلها فقال فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهو تعجب من شأنهم كقولك «زيد ما زيد» سموا بذلك لأنهم يؤتون صحائفهم بأيمانهم، أو لأنهم أهل المنزلة السنية من قولهم «فلان مني باليمين» إذا وصفته بالرفعة عندك وذلك لتيمنهم بالميامن دون الشمائل وتبركهم بالسانح دون البارح، ولعل اشتقاق اليمين من اليمن والشمال من الشؤم، والسعداء ميامين على أنفسهم والأشقياء مشائيم عليها. روي أن أهل الجنة يؤخذ بهم إلى جانب اليمين وأهل النار يؤخذ بهم في الشمال وَالسَّابِقُونَ عرف الخبر للمبالغة كقوله الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه من التوحيد والإخلاص والطاعة هم السَّابِقُونَ عرف الخبر للمبالغة كقوله «وشعري شعري» يريد والسابقون من عرف حالهم وبلغك وصفهم، وعلى هذا يحسن الوقف السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ إلى مقامات لا يكشف المقال عنها من الجمال والعارفون يقولون لهم إنهم أهل الله، وفي لفظ السبق أشار إلى ذلك فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ إخفاء حالهم وبيان محل أجسادهم أو هي الجنة الروحانية النورانية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ أي جماعة كثيرة من لدن آدم إلى أول زمان نبينا ﷺ . قال أهل الاشتقاق: أصل الثلة من الثل وهو الكسر كما أن الأمة من الأم وهو الشج كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم، ثم اشتق الإمام منه إذ به يحصل الأمة المقتدية به. وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ أي من هذه الأمة. قال الزجاج: الذين عاينوا جميع النبيين وصدقوا بهم أكثر ممن عاين النبي ﷺ وهاهنا سؤال وهو أنه كيف قال هاهنا وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ وفيما بعده قال وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ والجواب أن الثلتين في آية أصحاب اليمين هما جميعا من أمة محمد ﷺ . جواب آخر وهو أن يقال: الخطاب في قوله وَكُنْتُمْ أَزْواجاً لأمة محمد ﷺ والأولون منهم هم الصحابة والتابعون كقوله وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ [التوبة: ١] والآخرون منهم هم الذين يلونهم إلى يوم الدين، ولا ريب أن السابقين يكونون في الأولين أكثر منهم في الآخرين. وأما أصحاب اليمين فيوجدون في كلا القبيلين كثيرا وعلى هذا يكون الترتيب المذكور ساقطا ولا نسخ لإمكان اجتماع مضموني الخبرين في الواقع. قال الزجاج وهو قول مجاهد والضحاك يعني جماعة ممن تبع النبي ﷺ وعاينه وجماعة ممن

стр. 3368

آمن به وكان بعده. وروى الواحدي في تفسيره بإسناده عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال «جميع الثلتين من أمتي» وأجاب بعضهم بأنه لما نزلت الآية الأولى شق على المسلمين فما زال رسول الله ﷺ يراجع ربه حتى نزلت ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ وزيفت هذه الرواية بظهور ورود الآية الأولى في السابقين والثانية في أصحاب اليمين، وبأن النسخ لا يتضح بل لا يصح في الأخبار، وبأن الآية الأولى لا توجب الحزن ولكنها تقتضي الفرح من حيث إنه إذا كان السابقون في هذه الأمة موجودين وإن كانوا قليلين وقد صح أنه لا نبي بعد محمد ﷺ لزم أن يكون بعض الأمة مع محمد ﷺ سابقين فيكونون في درجة الأنبياء والرسل الماضين، ولعل في قوله «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» إشارة إلى هذا. وأقول: عندي أن الجواب الصحيح هو أن السابقين في الأمم الماضية يجب أن يكونوا أكثر لأن فيض الله سبحانه المقدر للنوع الإنساني إذا وزع على أشخاص أقل يكون نصيب كل منهم أوفر مما لو قسم على أشخاص أكثر، ولعلنا قد كتبنا في هذا المعنى رسالة وعسى أن يكون هذا سببا لخاتمة نبينا ﷺ أما أصحاب اليمين وهم أهل الجنة كما قلنا فإنهم كثيرون من هذه الأمة لأنهم كل من آمن بالله ورسوله وعمل صالحا هذا ما سنح في الوقت والله تعالى أعلم بمراده. ثم وصف حال المقربين بقوله عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ قال المفسرون: أي منسوجة بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت وقد دوخل بعضها في بعض كما توضن حلق الدرع أي استقروا على السرر مُتَّكِئِينَ وقوله وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ أي غلمان لا يهرمون ولا يغيرون قال الفراء: والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط إنه لمخلد. قال: ويقال مخلدون مقرطون من الخلدة وهو القرط. وقيل: هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها، ولا سيئات فيعاقبوا عليها. قال جار الله: روي هذا عن علي ﵁. والحسن قال الحديث «أولاد الكفار خدام أهل الجنة» والأكواب الأقداح المستديرة الأفواه ولا آذان لها ولا عري، والأباريق ذوات الخراطيم الواحد إبريق وهو الذي يبرق لونه من صفائه. والباقي مفسر في «الصافات» إلى قوله مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ أي يختارون تخيرت الشيء أخذت خيره، قال ابن عباس: يخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. ومن قرأ وَحُورٌ عِينٌ بالرفع فمعناه ولهم أو عندهم حور. ومن خفضهما فعلى العطف المعنوي أي يكرمون أو يتنعمون بأكواب وبكذا وكذا. والكاف في قوله كَأَمْثالِ للمبالغة في التشبيه. قوله جَزاءً مفعول له أي يفعل بهم ذلك لأجل الجزاء. قوله وَلا تَأْثِيماً أي لا يقول بعضهم لبعض أثمت لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم. وانتصب سَلاماً على

стр. 3369

البدل من قِيلًا أو على أنه مفعول به أي لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاما عقيبه سلام. ثم عجب من شأن أصحاب اليمين. والسدر شجر النبق والمخضود الذي لا شوك له كأنه خضد شوكه. وقال مجاهد: هو من خضد الغصن إذا ثناه وهو رطب كأنه من كثرة ثمره ثنى أغصانه والطلح شجر الموز أو أم غيلان كثير النور طيب الرائحة وعن السدي: شجر يشبه طلح الدنيا ولكن له ثمر أحلى من العسل. وفي الكشاف أن عليا ﵇ أنكره وقال: ما شأن الطلح إنما هو طلع وقرأ قوله لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ فقيل: أو نحو لها؟ قال: آي القرآن لا تهاج اليوم ولا تحول قال: وعن ابن عباس نحوه. قلت: وفي هذه الرواية نظر لا يخفى. والمنضود الذي نضد بالحمل من أوله إلى آخره فليست له ساق بارزة وَظِلٍّ مَمْدُودٍ أي ممتد منبسط كظلي الطلوع والغروب لا يتقلص. ويحتمل أن يراد أنه دائم باق لا يزول ولا تنسخه الشمس، والعرب تقول لكل شيء طويل لا ينقطع إنه ممدود. والمسكوب المصبوب يسكب لهم أين شاؤا وكيف شاؤا، أو يسكبه الله في مجاريه من غير انقطاع، أو أراد أنه يجري على الأرض في خير أخدود لا مَقْطُوعَةٍ في بعض الأوقات وَلا مَمْنُوعَةٍ عن طالبيها بنحو حظيرة أو لبذل ثمن كما هو شأن البساتين والفواكه في الدنيا مَرْفُوعَةٍ أي نضدت حتى ارتفعت أو مرفوعة على الأسرة قاله علي ﵁. وقيل: هي النساء المرفوعة على الأرائك. والمرأة يكنى عنها بالفراش يدل على هذا قوله إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ وعلى التفسير الأول جعل ذكر الفرش وهي المضاجع دليلا عليهن. ومعنى الإنشاء أنه ابتدأ خلقهن من غير ولادة أو أعاد خلقهن إنشاء. روى الضحاك عن ابن عباس أنهن نساؤنا العجز الشمط يخلقهن الله بعد الكبر والهرم أَبْكاراً عُرُباً جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل أَتْراباً مستويات في السن بنات ثلاث وثلاثين كأزواجهن كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا من غير وجع. وقوله لِأَصْحابِ الْيَمِينِ متعلق بأنشأنا وجعلنا. ثم عجب من أصحاب الشمال. ومعنى فِي سَمُومٍ في حر نار ينفذ في المسام. والحميم الماء الكثير الحرارة. واليحموم الدخان الأسود «يفعول» من الأحم وهو الأسود. ثم نعت الظل بأنه حار ضار لا منفعة فيه ولا روح لمن يأوي إليه. قال ابن عباس: لا بارد المدخل ولا كريم المنظر. قال الفراء: العرب تجعل الكريم تابعا لكل شيء ينوي به المدح في الإثبات أو الذم في النفي تقول: هو سمين كريم وما هذه الدار بواسعة ولا بكريمة. ثم ذكر أعمالهم الموجبة لهذا العقاب فقال إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ أي في الدنيا مُتْرَفِينَ متنعمين متكبرين عن التوحيد والطاعة والإخلاص وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ وهو الذنب الكبير ووصفه بالعظم مبالغة على مبالغة تقول: بلغ الغلام الحنث أي الحلم ووقت المؤاخذة بالمئاثم وحنث في يمينه خلاف بر فيها. وخص جمع من

стр. 3370

المفسرين فقالوا. أعني به الشرك. وعن الشعبي: هو اليمين الغموس وذلك أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون يدل عليه ما بعده وقد مر مثله في «الصافات» . واعلم أنه سبحانه ذكر في تفصيل الأزواج الثلاثة نسقا عجيبا وأسلوبا غريبا. وذلك أنه لم يورد في التفصيل إلا ذكر صنفين. أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة. ثم بعد ما عجب منهما بين حال الثلاثة السابقين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال فأقول وبالله التوفيق: هذا كلام موجز معجز فيه لطائف خلت التفاسير عنها منها: أنه طوى ذكر السابقين في أصحاب الميمنة لأن كلا من السابقين ومن أصحاب اليمين أصحاب اليمن والبركة كما أن أصحاب الشمال أهل الشؤم والنكد، وكأن في هذا الطي إشارة إلى الحديث القدسي «أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري» ومنها أن ذكر السابقين وقع في الوسط باعتبار وخير الأمور أوسطها، وفي الأول باعتبار والأشراف بالتقديم أولى، وفي الآخر باعتبار ليكون إشارة إلى قوله ﷺ «نحن الآخرون السابقون» «١» ومنها أن مفهوم السابق متعلق بمسبوق، فما لم يعرف ذات المسبوق لم يحسن ذكر السابق من حيث هو سابق. فهذا ما سنح للخاطر وسمح به والله تعالى أعلم بمراده. ثم أمر نبيه ﷺ بأن يقرر لهم ما شكوا فيه فقال قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ أي ينتهي أمر جميعهم إلى وقت يَوْمٍ مَعْلُومٍ عند الله وفيه رجوع إلى أول السورة. ولما كرر ذكر المعاد بعبارات شتى ذكر طرفا من حال المكذبين المعاصرين ومن ضاهاهم فقال ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ عن الهدى الْمُكَذِّبُونَ بالبعث لَآكِلُونَ أي في السموم المذكور مِنْ شَجَرٍ هو للابتداء مِنْ زَقُّومٍ هو للبيان فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ أنت الضمير بتأويل الشجرة قال جار الله: عطف الشاربين على الشاربين لاختلافهما اعتبارا وذلك أن شرب الماء المتناهي الحرارة عجيب وشربه كشرب الهيم أعجب. والهيم الإبل التي بها الهيام وإذا شربت فلا تروى واحدها أهيم والمؤنث هيماء وزنه «فعل» كبيض. وجوز أن يكون جمع الهيام بفتح الهاء وهو الرمل الذي لا يتماسك كسحاب وسحب. ثم خفف وفعل به ما فعل بنحو جمع أبيض والمعنى أنه يسلط عليهم الجوع حتى يضطروا إلى أكل الزقوم. ثم يسلط عليهم العطش إلى أن يضطروا إلى شرب الحمم كالإبل الهيم نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ بالبعث بعد الخلق فإن من قدر على البدء كان على الإعادة أقدر. ثم برهن على أنه لا خالق إلا هو فقال أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ

стр. 3371

أي تقذفونه في الأرحام. يقال: أمنى النطفة ومناها وقد مر في قوله مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى [النجم: ٤٦] أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ تقدّرونه وتصورونه. ووجه الاستدلال أن المني إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع وهو كالطل المنبث في جميع الأعضاء ولهذا تشترك كل الأعضاء في لذة الوقاع ويجب اغتسال كلها لحصول الانحلال عنها جميعا. فالذي قدر على جمع تلك الأغذية في بدن الإنسان ثم على جمع تلك الأجزاء الطلية في أوعيتها ثم على تمكينها في الرحم إلى أن تتكون إنسانا كاملا يقدر على جمعها بعد تفريقها بالموت المقدر بينهم بحيث لا يفوته شيء منها وإلى هذا أشار بقوله وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أي نحن قادرون على ذلك لا يغلبنا عليه أحد. يقال: سبقته على الشيء إذا أعجزته عنه وغلبته عليه. والأمثال جمع المثل أي على أن نبدل مكانكم أشباهكم من الخلق وفِي ما لا تَعْلَمُونَ أي في خلق ما لا تعلمونها وما عهدتم بمثلها، يريد بيان قدرته على إنشائنا في جملة خلق تماثلنا أو خلق لا تماثلنا. وجوز جار الله أن يكون جمع مثل بفتحتين والمعنى إنا قادرون على تغيير صفاتكم التي أنتم عليها وإنشاء صفات لا تعلمونها. ثم ذكرهم النشأة الأولى ليكون تذكيرا بعد تذكير فقال وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الآية. ثم دل على كمال عنايته ورحمته ببريته مع دليل آخر على قدرته قائلا أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ من الطعام أي تبذرون حبه أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أي تجعلونه بحيث يكون نباتا كاملا يستحق اسم الزرع. وفي الكشاف عن رسول الله ﷺ «لا يقولن أحد زرعت وليقل حرثت» والحطام ما تحطم وتكسر من الحشيش اليابس. وقوله فَظَلْتُمْ أصله فظللتم حذفت إحدى اللامين للتخفيف وهو مما جاء مستعملا غير مقيس عليه. ومعنى تَفَكَّهُونَ تعجبون كأنه تكلف الفكاهة. وعن الحسن: تندمون على الإنفاق عليه والتعب فيه أو على المعاصي التي تكون سببا لذلك. من قرأ إِنَّا بالخبر فواضح ويحسن تقدير القول أو لا بد منه، ومن قرأ بالاستفهام فللتعجب ولا بد من تقدير القول أيضا. ومعنى لَمُغْرَمُونَ لمهلكون من الغرام الهلاك لهلاك الرزق، أو من الغرامة أي لملزمون غرامة ما أنفقنا بَلْ نَحْنُ قوم مَحْرُومُونَ لا حظ لنا ولو كنا مجدودين لما جرى علينا ما جرى ورفضوا العجب من حالهم، ثم أسندوا ذلك إلى ما كتب عليهم في الأزل من الإدبار وسوء القضاء نعوذ بالله منهما. ثم ذكر دليلا آخر مع كونه نعمة أخرى وهو إنزال الماء من المزن وهو السحاب الأبيض خاصة. والأجاج الماء الملح اكتفى باللام الأولى في جواب «لو» عن إشاعة الثانية وهي ثابتة في المعنى لأن «لو» شرطية غير واضحة ليس إلا أن الثاني امتنع لامتناع الأول وهذا أمر وهمي فاحتيج في الربط إلى الكلام التوكيدي. ويمكن أن يقال: إن المطعوم مقدم على أمر المشروب والوعيد بفقده أشد وأصعب فلهذا خصت آية المطعوم باللام المفيدة

стр. 3372

للتأكيد. وإنما ختم الآية بقوله فَلَوْلا تَشْكُرُونَ لأنه وصف الماء بقوله الَّذِي تَشْرَبُونَ ولم يصف المطعوم بالأكل أو لأنه قال أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ وهذا لا عمل للآدمي فيه أصلا بخلاف الحرث أو لأن الشرب من تمام الأكل فيعود الشكر إلى النعمتين جميعا ثم عد نعمة أخرى من قبيل ما مر. ومعنى تُورُونَ تقدحونها وتستخرجونها من الشجر وقد سبق ذكرها في آخر «يس» . وأعلم أنه سبحانه بدأ في هذه الدلائل بذكر خلق الإنسان لأن النعمة فيه سابقة على جميع النعم. ثم أعقبه بذكر ما فيه قوام الناس وقيام معايشهم وهو الحب، ثم أتبعه الماء الذي به يتم العجين، ثم ختم بالنار التي بها يحصل الخبز، وذكر عقيب كل واحد ما يأتي عليه ويفسده فقال في الأولى نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وفي الثانية لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً وفي الثالثة لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً ولم يقل في الرابعة ما يفسدها بل قال نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً تتعظون بها ولا تنسون نار جهنم كما روي عن رسول الله ﷺ «ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم جزء من سبعين جزءا من جهنم» «١» وَمَتاعاً وسبب تمتع ومنفعة لِلْمُقْوِينَ للذين ينزلون القواء وهي القفر أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام في السفر من أقوى الرجل إذا لم يأكل شيئا من أيام. وفي نسق هذه الآيات بشارة للمؤمنين وذلك أنه سبحانه بدأ بالوعيد الشديد وهو تغيير ذات الإنسان بالكلية في قوله وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ ثم ترك ذلك المقام إلى أسهل منه وهو تغير قوته ذاتا فقال لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً ثم عقبه بأسهل وهو تغيير مشروبه نعتا لا ذاتا ولهذا حذف اللام في قوله لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً ويحتمل عندي أن يكون سبب حذف اللام هو كون «لو» بمعنى «أن» وذلك أن الماء باق هاهنا فيكون التعليق حقيقة بخلاف الزرع فإنه بعد أن حصد صار التعليق المذكور وهميا فافهم. ثم ختم بتذكير النار وفيه وعد من وجه ووعيد من وجه. أما الأول فلأنه لم يبين ما يفسدها كما قلنا يدل على أن الختم وقع على الرأفة والرحمة. وأما الثاني فلأن عدم ذكر مفسدها يدل على بقائها في الآخرة. وفي قوله تَذْكِرَةً إشارة إلى ما قلنا. ثم أمر بإحداث التسبيح بذكره أو بذكر اسمه العظيم تنزيها له عما يقول الكافرون به وبنعمته وبقدرته على البعث، ثم عظم شأن القرآن بقوله فَلا أُقْسِمُ أي فأقسم والعرب تزيد لا قبل فعل أقسم كأنه ينفي ما سوى المقسم عليه فيفيد

стр. 3373

التأكيد. ومواقع النجوم مساقطها ومغاربها ولا ريب أن لأواخر الليل خواص شريفة ولهذا قال سبحانه وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ [آل عمران: ١٧] وعن سفيان الثوري: إن لله تعالى ريحا تهب وقت الأسحار وتحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبار. وقوله وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ اعتراض فيه اعتراض. ومواقعها منازلها ومسايرها في أبراجها أو هي أوقات نزول نجوم القرآن الكريم الحسن المرضي من بين جنس الكتب. أو كرمه نفعه للمكلفين. أو هو كرامته على الله فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ مستورا لا على من أراد الله تعالى اطلاعه على أسراره من ملائكته المقربين وهو اللوح لا يَمَسُّهُ إن كان الضمير للكتاب فالمعنى أنه لا يصل إلى ما فيه إِلَّا عبيده الْمُطَهَّرُونَ من الأدناس الجسمية وهم الكروبيون، وإن كان للقرآن فالمراد أنه لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة الباطنة والظاهرة، فلا يمسه كافر ولا جنب ولا محدث. ومن الناس من حرم قراءة القرآن عند الحدث الأصغر أيضا. وعن ابن عباس في رواية وهو مذهب الإمامية إباحة قراءته في الجناية إلا في أربع سور فيها سجدة التلاوة لأن سجدتها واجبة عندهم. ثم وبخ المتهاونين بشأن القرآن فقال أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أي بالقرآن أو بهذا الكلام الدال على حقيقة القرآن أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ متهاونون من أدهن في الأمر إذا لان جانبه ولا يتصلب فيه وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أي شكر رزقكم أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ بالبعث وبما دل عليه القرآن، ومن أظلم ممن وضع التكذيب موضع الشكر كأنه عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو ذكر تعداد النعم من قوله أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ إلى قوله لِلْمُقْوِينَ وقيل: نزلت في الأنواء ونسبتهم الأمطار إليها يعني وتجعلون شكر ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله وتنسبونه إلى النجوم. ثم زاد في توبيخ الإنسان على جحد أفعال الله وآياته. وترتيب الآية بالنظر إلى أصل المعنى هو أن يقال: فلولا ترجعون الأرواح إلى الأبدان إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين فزاد في الكلام توكيدات منها تكرير فَلَوْلا التحضيضية لطول الفصل كما كرر قوله فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بعد قوله لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ [آل عمران: ١٨٨] ومنها تقديم الظرف وهو قوله إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ أي النفس. وإنما أضمرت للعلم بها كقوله ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها [فاطر: ٤٥] وإنما قدم الظرف للعناية فإنه لا وقت لكون الإنسان أحوج إلى التصرف والتدبير منه، ولأنه أراد أن يرتب الاعتراضات عليه. ومنها زيادة الجمل المعترضة وهي قوله وَأَنْتُمْ يا أهل الميت حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ إليه وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ بالقدرة والعلم أو بملائكة الموت وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ لا بالبصر ولا بالبصيرة. ومعنى مدينين مربوبين مملوكين مقهورين من دان السلطان الرعية إذا ساسهم.

стр. 3374

ومنها قوله إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فإنه شرط زائد على شرط أي إن كنتم صادقين إن كنتم غير مدينين فارجعوا أرواحكم إلى أبدانكم ممتنعين عن الموت، والحلقوم الحلق وهو مجرى النفس، والواو والميم زائدان، ووزنه «فعلوم» ويمكن أن يقال: إن فعل فَلَوْلا الأول محذوف يدل عليه ما قبله والمعنى تكذبون مدة حياتكم جاعلين التكذيب رزقكم ومعاشكم. فلولا تكذبون وقت الموت وأنتم في ذلك الوقت تعلمون الأحوال وتشاهدونها؟ ويحتمل أن يكون معنى مدينين مقيمين من مدن إذا أقام، والمعنى إن كنتم على ما تزعمون من أنكم لا تبقون في العذاب إلا أياما معدودة فلم لا ترجعون أنفسكم إلى الدنيا إن لم تكن الآخرة دار الإقامة. ويجوز أن يكون من الدين بمعنى الجزاء والمعنى يؤول إلى الأول لأن الجزاء نوع من القهر والتسخير. ويحتمل عندي أن يكون الضمير في تَرْجِعُونَها عائدا إلى ملائكة الموت بدليل قوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ والمعنى فلولا تردون عن ميتكم ملائكة الموت إن كنتم غير مقهورين تحت قدرتنا وإرادتنا. وحين بين أنه لا قدرة لهم على رجع الحياة والنفس إلى البدن وأنهم مجزيون في دار الإقامة فصل حال المكلف بعد الموت قائلا فَأَمَّا إِنْ كانَ المتوفى مِنَ الْمُقَرَّبِينَ أي من السابقين من الأزواج الثلاثة فَرَوْحٌ أي فله استراحة وهذا أمر يعم الروح والبدن وَرَيْحانٌ أي رزق وهذا للبدن وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وهذا للروح يتنعم بلقاء المليك المقتدر. ويروى أن المؤمن لا يخرج من الدنيا إلا ويؤتى إليه بريحان من الجنة يشمه وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ أيها النبي مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ أي أنت سالم من شفاعتهم. هذا قول كثير من المفسرين. وقال جار الله: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين كقوله وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ [يونس: ١٠] إِنَّ هذا القرآن أو الذي أنزل في هذه السورة لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ أي الحق الثابت من اليقين وهو علم يحصل به ثلج الصدر ويسمى ببرد اليقين. وقد يسمى العلم الحاصل بالبرهان فالإضافة بمعنى «من» كقولك «خاتم فضة» وهذا في الحقيقة لا يفيد سوى التأكيد كقولك «حق الحق» . «وصواب الصواب» أي غايته ونهايته التي لا وصول فوقه. أو المراد هذا هو اليقين حقا لا اليقين الذي يظن أنه يقين ولا يكون كذلك في نفس الأمر. هذا ما قاله أكثر المفسرين. وقيل: الإضافة فيه كما في «جانب الغربي» و «مسجد الجامع» أي حق الأمر اليقين. ويحتمل أن تكون الإضافة كما في قولنا «حق النبي أن يصلى عليه» و «حق المال أن تؤدى زكاته» ومنه قوله ﷺ «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم

стр. 3375

وأموالهم إلا بحقها» «١» أي إلا بحق هذه الكلمة. ومن حقها أداء الزكاة والصلاة فكذلك حق اليقين الاعتراف بما قال الله سبحانه في شأن الأزواج الثلاثة. وعلى هذا يحتمل أن يكون اليقين بمعنى الموت كقوله وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر: ٩٢] وقال أهل اليقين: للعلم ثلاث مراتب: أولها علم اليقين وهو مرتبة البرهان، وثانيها عين اليقين وهو أن يرى المعلوم عيانا فليس الخبر كالمعاينة، وثالثها حق اليقين وهو أن يصير العالم والمعلوم والعلم واحدا. ولعله لا يعرف حق هذه المرتبة إلا من وصل إليها كما أن طعم العسل لا يعرفه إلا من ذاقه بشرط أن لا يكون مزاجه ومذاقه فاسدين. روى جمع من المفسرين أن عثمان بن عفان دخل على ابن مسعود في مرضه الذي مات فيه فقال له: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي. قال: ما تشتهي؟ قال: رحمة ربي. قال: أفلا ندعو الطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني. قال: أفلا نأمر بعطائك؟ قال: لا حاجة لي فيه. قال: تدفعه إلى بناتك. قال: لا حاجة لهن فيه قد أمرتهن أن يقرأن سورة الواقعة فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول «من قرأ سورة الواقعة كل يوم لم تصبه فاقة أبدا»

стр. 3376

(سورة الحديد) (مدنية وقيل مكية حروفها ألف وأربعمائة وأربعة وسبعون كلماتها خمسمائة وأربعة وأربعون آياتها تسعة وعشرون) [سورة الحديد (٥٧) : الآيات ١ الى ٢٩] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٦) آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٩) وَما لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١) يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (١٣) يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥) أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٩) اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١) ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤) لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٦) ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)

стр. 3377

القراآت: أخذ مجهولا ميثاقكم بالرفع: أبو عمرو وكل بالرفع: ابن عامر انْظُرُونا من الأنظار: حمزة الأماني بسكون الياء: يزيد لا تؤخذ بالتأنيث: ابن عامر ويزيد وسهل ويعقوب وما نزل بالتشديد مجهولا: عباس نَزَلَ بالتخفيف من النزول: نافع وحفص. الباقون: بالتشديد ولا تكونوا على الخطاب: رويس

стр. 3378

المصدقين والمصدقات بتشديد الدال فقط: ابن كثير وأبو بكر وحماد بما أتاكم مقصورا من الإتيان: أبو عمرو فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ بغير الفصل: أبو جعفر ونافع وابن عامر إبراهام كنظائره. الوقوف: الْأَرْضِ ج لعطف الجملتين المختلفتين الْحَكِيمُ هـ وَالْأَرْضِ ج لاحتمال أن يكون قوله يُحْيِي مستأنفا لا محل له أو له محل بتقدير هو يحيى وأن يكون حالا من المجرور في قوله لَهُ والجار عاملا فيها. وَيُمِيتُ ج قَدِيرٌ هـ وَالْباطِنُ ج عَلِيمٌ هـ الْعَرْشِ ط فِيها ط كُنْتُمْ ط بَصِيرٌ هـ وَالْأَرْضِ ط الْأُمُورُ هـ فِي اللَّيْلِ ط الصُّدُورِ هـ فِيهِ ط كَبِيرٌ هـ بِاللَّهِ ط مُؤْمِنِينَ هـ إِلَى النُّورِ ط رَحِيمٌ هـ وَالْأَرْضِ ط وَقاتَلَ ط وَقاتَلُوا ط الْحُسْنى ط خَبِيرٌ هـ كَرِيمٌ ج لاحتمال تعلق الظرف بقوله وَلَهُ أَجْرٌ أو بقوله بُشْراكُمُ أي يقال لهم ذلك يومئذ أو هو مفعول «اذكر» فِيها ط الْعَظِيمُ هـ ج وإن وصل وقف على نُورِكُمْ لأن يَوْمَ قد يتعلق بالنور فيوقف على نُورِكُمْ وقد يتعلق بقوله قِيلَ ارْجِعُوا نُوراً ط بابٌ ط الْعَذابُ ط مَعَكُمْ ط الْغَرُورُ هـ كَفَرُوا ط النَّارُ ط مَوْلاكُمْ ط الْمَصِيرُ هـ الْحَقِّ ط إلا لمن قرأ ولا تكونوا على النهي قُلُوبُهُمْ ط فاسِقُونَ هـ مَوْتِها ط تَعْقِلُونَ هـ كَرِيمٌ هـ الصِّدِّيقُونَ هـ والوصل أولى ومن وقف على الصديقين لم يقف على رَبِّهِمْ وَنُورُهُمْ ط الْجَحِيمِ هـ وَالْأَوْلادِ ط حُطاماً ط وَرِضْوانٌ ط الْغُرُورِ هـ وَرُسُلِهِ ط مَنْ يَشاءُ ط الْعَظِيمِ هـ نَبْرَأَها ط يَسِيرٌ هـ ج لاحتمال تعلق اللام بما قبله أو بمحذوف أي ذلك لكيلا آتاكُمْ ط فَخُورٍ هـ لا لأن ما بعده بدل بِالْبُخْلِ ط الْحَمِيدُ هـ بِالْقِسْطِ ط هـ للعطف ظاهرا مع أن إنزال الحديد ابتداء إخبار غير مختص بالرسل بِالْغَيْبِ ط عَزِيزٌ هـ مُهْتَدٍ ج لأن الجملتين وإن اتفقتا لفظا إلا أن الأولى للبعض القليل والثانية للكثير فيبنى على الاستئناف فاسِقُونَ هـ وَرَحْمَةً ط لأن ما بعدها منصوب بابتدعوا المقدر رِعايَتِها ط لأن الجملتين وإن اتفقتا لفظا إلا أن قوله فَآتَيْنَا ليس جزاء ترك الرعاية إنما هو تمام بيان التفرقة بين الفريقين فيرجع إلى قوله فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ أَجْرَهُمْ هـ ط لما مر فاسِقُونَ هـ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ط رَحِيمٌ هـ لا وقد يجوز الوقف بناء على أن المراد ذلك ليعلم يَشاءُ ط الْعَظِيمِ هـ التفسير: معنى تسبيح الموجودات قد تقدم في قوله وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء: ٤٤] والآن نقول: إنه بدأ في سورة بني إسرائيل بلفظ المصدر وهو

стр. 3379

سُبْحانَ وفي هذه السورة وفي الحشر والصف بلفظ الماضي. وفي الجمعة والتغابن بلفظ المستقبل، وفي سورة الأعلى بلفظ الأمر استيعابا للأقسام وذلك دليل على أن التسبيح لله تعالى مستمر دائم في الأوقات كلها من الأزل إلى الأبد. وتفسير أسماء الله الحسنى المذكورة في أول هذه السورة قد سبق في البسملة فلا حاجة إلى إعادة كلها إلا أننا نذكر ما أورده الإمام فخر الدين هاهنا على سبيل الإيجاز مع تنقيح ما يجب تنقيحه. قال: هذا مقام مهيب والبحث فيه من وجوه: الأول أن تقدم الشيء على الشيء إما تقدم التأثير كتقدم حركة الإصبع على حركة الخاتم، وإما التقدم بالحاجة لا بالتأثير كتقدم الإمام على المأموم، أو معقول كما إذا جعلنا المبدأ هو الجنس العالي، وإما بالزمان كتقدم الأب على الابن قال: وتقدم بعض أجزاء الزمان على الزمان عندي ليس من هذه الأقسام الخمسة، أما التأثير والحاجة فلأنه لو كان كذلك لوجدا معا كما أن العلة والمعلول يوجدان معا وكذا الواحد والاثنان. وأما الشرف والمكان فظاهران، وأما بالزمان فإن الزمان لا يقع في الزمان وإلا تسلسل. قلت: لم لا يجوز أن يكون تقدم أجزاء الزمان بعضها على بعض بالحاجة أي بالطبع فإن الزمان كما لا يخفى حين كان كما متصلا غير قار الذات اقتضت حقيقته أن يكون له وجود سيال يعقب بعض أجزائه بعضا لا تنتهي النوبة إلى جزء مفروض منه إلا وقد انقضى منه جزء مفروض على الاتصال. وقال: إذا عرفت ذلك فنقول: القرآن دال على أنه تعالى قبل كل شيء والبرهان أيضا يدل على هذا لأن انتهاء الممكنات لا بد أن يكون إلى الواجب إلا أن تلك القبلية ليست بالتأثير لأن المؤثر من حيث هو مؤثر مضاف إلى الأثر من حيث هو أثر والمضافان معا، والمعي لا يكون قبل ولا بالحاجة لأنهما قد يكونان معا كما قلنا، ولا لمحض الشرف فإن تلك القبلية ليست مرادة هاهنا ولا بالمكان وهو ظاهر، ولا بالزمان لأن الزمان بجميع أجزائه ممكن الوجود، والتقدم على جميع الأزمنة لا يكون بالزمان فإذن تقدم الواجب تعالى على ما عداه خارج عن هذه الأقسام الخمسة وكيفيته لا يعلمها إلا هو. قلت: إنه سبحانه متقدم على ما سواه بجميع أقسام التقدمات الخمسة. أما بالتأثير فظاهر قوله والمضافان معا. قلنا: إن أردت من الحيثية المذكورة فمسلم ولا محذور.، وإن أردت مطلقا فممنوع. وأما بالطبع فلأن ذات الواجب من حيث هو لا تفتقر إلى الممكن من حيث هو وحال الممكن بالخلاف، وأما بالشرف فظاهر، وأما بالمكان فلأنه وراء كل الأماكن ومعها لقوله فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة: ١١٥] وقد جاء في الحديث «لو أدليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله» «١»

стр. 3380

ثم قرأ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهاهنا سر لعلنا قد رمزنا إليه في هذا الكتاب تفهمه بإذن الله إن كنت أهلا له. وأما بالزمان فأظهر قوله والتقدم على الزمن لا يكون بالزمان. قلنا: ممنوع لأن الزمان عند المحققين هو أمر وهمي، والزمان الذي يتكلم هو فيه إنما هو مقدار حركة الفلك الأعظم، ولا ريب أن قبل هذه الحركة لا يوجد لها مقدار إلا أن قبل كل شيء يوجد امتداد وهمي يحصل فيه وجود الواجب سبحانه، ومن هذا التحقيق يرتفع ما أشكل على الإمام من التمييز بين الأزل وما لا يزال فإن المبادئ الوهمية تتغير بتغير الاعتبارات وباختلافها تختلف حقائقها إذ ليس لها وجود سواها فقد يصير ما هو في جانب الأزل في جانب لا يزال، وبالعكس إذا تغيرت المبادئ المفروضة. قال: أما البحث عن كونه تعالى آخرا بمعنى أنه يبقى وكل شيء يفنى فمنهم من أوجب ذلك حتى يتقرر كونه آخرا وهو مذهب جهم فإنه زعم أنه سبحانه يوصل الثواب إلى أهل الثواب، والعقاب إلى أهل العقاب، ثم يفني الجنة وأهلها والنار وأهلها والعرش والكرسي والملك والفلك ولا يبقى مع الله شيء أصلا في أبد الآباد كما لم يكن قبله شيء في أزل الآزال قال: ومن حجج جهم أنه تعالى إما أن يكون عالما بعدد حركات أهل الجنة والنار أولا. فإن كان عالما لزم تناهيه فإن الإحاطة بما لا يتناهى مستحيلة. وإن لم يعلم لزم نسبة الجهل إليه تعالى وذلك محال. وأيضا الحوادث المستقبلة قابلة للزيادة والنقصان وكل ما كان كذلك فهو متناه. وأجاب عن الأول بأن إمكان استمرار هذه الأشياء حاصل إلى الأبد، والدليل عليه أن هذه الماهيات لو زال إمكانها لزم انقلاب الممكن إلى الممتنع، ولزم أن تنقلب قدرة الله من صلاحية التأثير إلى امتناع التأثير. قلت: هذه مغالطة فإنه لا يلزم من الإمكان الذاتي للشيء وقوعه في الخارج ولا من عدم وقوعه في الخارج الامتناع الذاتي وأجاب عن الثاني بأنه لا يعلم أن عددها ليس بمعين وهذا لا يكون جهلا إنما الجهل أن يكون له عدد معين ولا يعلمه. قلت: الذي علمه متناه يجب أن يكون معلومه متناهيا، أما الذي لا نهاية لعلمه فلم يبعد بل يجب أن تكون معلوماته غير متناهية. وأجاب عن الثالث بأن الخارج منه إلى الوجود أبدا يكون متناهيا. قلت: الزيادة والنقصان لا يوجبان التناهي كتضعيف الألف والألفين مرارا غير متناهية قال: فالمتكلمون حين أثبتوا إمكان بقاء العالم عولوا في أبدية الجنة والنار على إجماع المسلمين. واختلفوا في معنى كونه تعالى آخرا على وجوه أحدها: أنه تعالى يفني جميع العالم ليتحقق كونه آخرا، ثم إنه يوجدها ويبقيها أبدا. قلت: هذا حقيق بأن لا يسمى آخرية بل يسمى توسطا. وثانيها أن صحة آخرية كل الأشياء مختصة به فلا جرم وصف بكونه آخرا.

стр. 3381

أقول: هذا أول المسألة لأن الكلام لم يقع في اختصاص وجوده وعدمه وإنما النزاع في معنى قوله آخرا. وثالثها أنه أول في الوجود آخر في الاستدلال لأن المقصود من جميع الاستدلالات معرفة ذات الصانع وصفاته، وأما سائر الاستدلالات التي لا يراد بها معرفة الصانع فهي حقيرة خسيسة. قلت: أراد أنه غاية الأفكار ونهاية الأنظار وهذا معنى حسن في نفسه إلا أنه لا يطابق معنى الأول كل المطابقة. ورابعها أنه أول في ترتيب الوجود وآخر إذا عكس الترتيب. قلت: هذا تصور صحيح ينطبق على السلسلة المترتبة من العلل والمعلولات، وعلى المترتبة من الأشرف إلى الأخس. وعلى الآخذة من الوحدة إلى الكثرة، وكما يلي الأزل إلى ما يلي الأبد، ومما يلي المحيط إلى ما يقرب من المركز فهو سبحانه أول بالترتيب الطبيعي وآخر بالترتيب المنعكس فقد وضح بهذا البيان صحة إطلاق التقدمات الخمسة ومقابلاتها عليه تعالى، وهذا من غوامض الأسرار وقد وفقني الله تعالى لحلها وبيانها فالشكر على آلائه. أما تفسير الظاهر والباطن فالمحققون قالوا: إنه الظاهر بالأدلة الدالة على وجوده. والباطن لأنه جل عن إدراك الحواس والعقول إياه إما في الدنيا أو فيها وفي الآخرة جميعا. وقيل: معنى الظاهر الغالب، والباطن العالم بما بطن أي خفي. قال الليث: يقال أنت أبطن بهذا الأمر أي أخبر به. وباقي الآيات قد سبق تفسيرها في مواضع إلا قوله يَعْلَمُ ما يَلِجُ فإنه قد مر في أول «سبأ» فقط فلا حاجة إلى الإعادة. وقوله وَهُوَ مَعَكُمْ معية العلم والقدرة أو استصحاب المكان عند بعض قوله لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وبعده مثله ليس بتكرار لأن الأول في الدنيا لقوله يُحْيِي وَيُمِيتُ والثاني في العقبى لقوله وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ قوله مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ أراد أن المال مال الله والعباد عباد الله إلا أنه قد جعل أرزاقهم متداولة بيد حكمته متعلقة بالوسائط والروابط، فالسعيد من وفقه الله تعالى لرعاية حق الاستخلاف فيتصرف فيما آتاه الله على وفق ما أمره الله من الإنفاق في سبيل الله قبل أن ينتقل منه إلى غيره بإرث أو حادث كما انتقل من غيره إليه بأحد السببين. قوله لا تُؤْمِنُونَ حال من معنى الفعل كقولك «مالك قائما» أي ما تصنع. والواو في قوله وَالرَّسُولُ للحال من ضمير لا تُؤْمِنُونَ فهما حالان متداخلتان. وأخذ الميثاق إشارة إلى الأقوال المذكورة في تفسير قوله وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ [الأعراف: ١٧٢] ، والمراد أنه قد تعاضدت الدلائل السمعية والبراهين العقلية على الإيمان بالله فأي عذر لكم في تركه إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ لموجب ما فإن هذا الموجب لا مزيد عليه ولا ريب أن الإيمان بالله شامل للتصديق بجميع أوامره وأحكامه ومن جملتها الإيمان بالرسول وبالقرآن وبما فيه. استدل القاضي بقوله وَما

стр. 3382

لَكُمْ على أن العبد قادر على الإيمان وعلى الاستطاعة قبل الفعل وإلا لم يصح التوبيخ كما لا يقال مالك لا تطول ولا تبيض. والبحث في أمثاله مذكور في مواضع. والضمير في قوله لِيُخْرِجَكُمْ لله تعالى أو لعبده والميراث مجاز عن بقائه بعد فناء الخلق وقد مر في «آل عمران» : قال المفسرون: إن أبا بكر أول من أنفق في سبيل الله فنزل فيه وفي أمثاله السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ أي فتح مكة وتمامه أن يقال: ومن أنفق بعد الفتح فحذف لدلالة قوله أُولئِكَ الذين أنفقوا قبل الفتح وهم الذين قال فيهم رسول الله ﷺ «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» «١» أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وسبب الفضل أنهم أنفقوا قبل عز الإسلام وقوة أهله فكانت الحاجة إلى الإنفاق حينئذ أمسّ مع أنه كان أصدق إنباء عن ثقة صاحبه بهذا الدين وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى المثوبة الحسنى وهي الجنة مع تفاوت الدرجات. ومن قرأ بالرفع فتقديره وكل وعده الله والقرض مجاز عن إنفاق المال في سبيل الله. وقد مر في أواخر «البقرة» . قال أهل السنة: إنه تعالى كتب في اللوح المحفوظ أن كل من صدر عنه الفعل الفلاني فله كذا من الثواب وهو الأجر الكريم، فإذا ضم إلى ذلك مثله فهو المضاعفة. وقال الجبائي: إن الأعواض تضم إلى الثواب فهو المضاعفة. وإنما وصف الأجر بالكريم لأنه جلب ذلك الضعف وبسببه حصلت لكل الزيادة فكان كريما من هذا الوجه. ثم أكد الإيمان بالله ورسوله والإنفاق في سبيله بتذكير يوم المحاسبة فقال يَوْمَ تَرَى يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب وقد مر إعرابه. عن ابن مسعود وقتادة مرفوعا أن كل إنسان مؤمن فإنه يحصل له النور يوم القيامة على قدر ثوابه منهم من يضيء له نور كما بين عدن إلى صنعاء، ومنهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه، وأدناهم نورا من يكون نوره على إبهامه ينطفئ مرة ويتقد أخرى. وقال مجاهد: ما من عبد إلا وينادى يوم القيامة يا فلان هذا نورك، ويا فلان لا نور لك. هذا وقد بينا لك في هذا الكتاب مرارا أن الكمالات والخيرات كلها أنوار وأكمل الأنوار معرفة الله سبحانه. وإنما قال بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ لأن ذلك جعل إمارة النجاة ولهذا ورد أن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ووراء ظهورهم. ومعنى سعي النور سعيه بسعيهم جنيبا لهم ومتقدما

стр. 3383

ويقول لهم الذين يتلقونهم من الملائكة بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ قوله يَوْمَ يَقُولُ بدل من قوله يَوْمَ تَرَى ومنصوب ب «أذكر» مقدرا. قال جمع من العلماء: الناس كلهم يوم القيامة في الظلمات ثم إنه تعالى يعطي المؤمنين هذه الأنوار والمنافقون يطلبونها منهم قائلين انْظُرُونا لأنهم إذا نظروا إليهم والنور قدامهم استضاؤا بتلألؤ تلك الأنوار. قال الفارسي: حذف الجار وأوصل الفعل وأنشد أبو الحسن: ظاهرات الجمال والحسن ينظرن ... كما ينظر الأراك الظباء والمعنى ينظرن إلى الأراك فإن كانت هذه الحالة عند الموقف فالمراد انظروا إلينا، وإن كانت هذه الحالة عند سير المؤمنين إلى الجنة احتمل أن يكون النظر بمعنى الانتظار لأنهم يسرع بهم إلى الجنة كالبروق الخاطفة على الركاب وهؤلاء مشاة في القيود والسلاسل. ومن قرأ انْظُرُونا أي أمهلونا جعل استبطاءهم في المضي إلى أن يلحقوا بهم إمهالا لهم. قال الحسن: يعطى يوم القيامة كل أحد نورا على قدر عمله. ثم إنه يؤخذ من جمر جهنم وما فيه من الكلاليب والحسك وتلقى على الطريق فتمضي زمرة من المؤمنين وجوههم كالقمر ليلة البدر، ثم تمضي زمرة أخرى كأضواء الكواكب في السماء. ثم على ذلك ثم على ذلك، ثم تغشاهم الظلمة فينطفئ نور المنافقين فهناك يقول المنافقون للمؤمنين انظرونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ والاقتباس أخذ القبس أي الشعلة من النار قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ أي إلى الموقف حيث أعطينا هذا النور فاطلبوا نورا وهو تهكم بهم أو إلى الدنيا فَالْتَمِسُوا نُوراً بتحصيل سببه وهو الإيمان والعمل الصالح أو اكتساب المعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة كأنها خدعة خدع بها المنافقون كقوله يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ [البقرة: ٩] وعلى هذا فالسور هو امتناع العود إلى الدنيا وعلى الأول قالوا: إنهم يرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم فيجدون السور مضروبا بينهم وبين المؤمنين وهو حائط الجنة أو هو الأعراف باطِنُهُ أي باطن السور أو الباب وهو الشق الذي يلي الجنة فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ وهو ما ظهر لأهل النار مِنْ قِبَلِهِ أي من جهته الْعَذابُ قال أبو مسلم: المراد من قول المؤمنين ارْجِعُوا منع المنافقين عن الاستضاءة كقول الرجل لمن يريد القرب منه «وراءك أوسع لك» والمراد أنه لا سبيل لهم إلى هذا النور، والمراد من السور منعهم من رؤية المؤمنين قال الأخفش: الباء في قوله بِسُورٍ صلة وفائدته التوكيد وأرادوا بقوله أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ مرافقتهم في الظاهر. ومعنى فَتَنْتُمْ محنتم أَنْفُسَكُمْ بالنفاق وأهلكتموها وَتَرَبَّصْتُمْ بالمؤمنين الدوائر وَارْتَبْتُمْ وشككتم في وعيد الله أو في نبوة محمد ﷺ أو في البعث أو

стр. 3384

في كل ما هو من عند الله وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ بكثرة الآمال وطول الآجال حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ بالموت على النفاق ثم أوقعكم في النار وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الشيطان الْغَرُورُ فنفخ في خيشومكم إن الله غفور إن باب التوبة مفتوح فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ أيها المنافقون فِدْيَةٌ قيل أي توبة والأولى العموم ليشمل كل ما يفتدى به وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا في الظاهر. فالحاصل أنه لا فرق بين الذين أضمروه فإن كلا منكم مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وقيل: المراد أنها تتولى أموركم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار وقيل: أراد هي أولى بكم. قال جار الله حقيقته هي محراكم ومقمنكم أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كما قيل هو مئنة للكرم أي مكان لقول القائل «إنه لكريم» . قال في التفسير الكبير: هذا معنى وليس بتفسير للفظ من حيث اللغة، وغرضه أن الشريف المرتضى لما تمسك في إمامة علي ﵁ بقوله ﷺ «من كنت مولاه فعلى مولاه» فهذا علي مولانا احتج بقول الأئمة في تفسير الآية أن المولى معناه الأولى، وإذا ثبت أن اللفظ محتمل وجب حمله عليه لأن ما عداه بين الثبوت ككونه ابن العم والناصر، أو بين الانتفاء كالمعتق والمعتق فيكون على التقدير الأول عبثا، وعلى التقدير الثاني كذبا. قال: وإذا كان قول هؤلاء معنى لا تفسيرا بحسب اللغة سقط الاستدلال. قلت: في هذا الإسقاط بحث لا يخفى. وجوز أن يراد في الآية نفي الناصر لأنه إذا قال هي ناصركم على سبيل التهكم وليس لها نصرة لزم نفي الناصر رأسا كقوله تعالى يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ [الكهف: ٢٩] ويقال ناصره الخذلان ومعينه البكاء. قوله سبحانه أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا من أنى الأمر يأني إذا جاء إناه أي وقته. قال جمع من المفسرين: نزل في المنافقين الذين أظهروا الإيمان وفي قلوبهم النفاق المباين للخشوع. وقال آخرون: نزل في المؤمنين المحقين. روى الأعمش أن الصحابة لما قدموا المدينة أصابوا لينا في العيش ورفاهية فغيروا بعض ما كانوا عليه فعوتبوا بهذه الآية. وعن أبي بكر الصديق أن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من اليمامة فبكوا بكاء شديدا فنظر إليهم فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب. وعن ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين. وعن ابن عباس أنه عاتبه على رأس ثلاث عشرة. وقوله لِذِكْرِ اللَّهِ من إضافة المصدر إلى الفاعل أي ترق قلوبهم لمواعظ الله التي ذكرها في القرآن وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وأراد أن القرآن جامع للوصفين الذكر والموعظة ولكونه حقا نازلا من السماء. ويجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى المفعول أي لذكرهم الله والقرآن كقوله إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ

стр. 3385

إِيماناً [الأنفال: ٢] ويحتمل أن تكون اللام للتعليل أي يجب أن يورثهم الذكر خشوعا ولا يكونوا كمن يذكره بالغفلة. ومن قرأ ولا تكونوا بالتاء الفوقانية فهي الناهية. ومن قرأ بالياء التحتانية احتمل أن يكون منصوبا عطفا على أن تخشع والأمد الأجل والأمل أي طالت المدة بين اليهود والنصارى وبين أنبيائهم، أو طالت أعمارهم في الغفلة والأمل البعيد فحصلت القسوة في قلوبهم بسببه فاختلفوا فيما أحدثوا من التحريف والبدع. وقال مقاتل بن سليمان: طال عليهم أمد خروج النبي ﷺ ، أو طال عليهم عهدهم بسماع التوراة والإنجيل فزال وقعهما في قلوبهم قاله القرطبي، وقرئ الأمد بالتشديد أي الوقت الأطول وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين، وفيه إشارة إلى أن عدم الخشوع في أول الأمر يفضي إلى الفسوق في آخر الأمر. قال الحسن: أما والله لقد استبطأ قلوب المؤمنين وهم يقرأون من القرآن أقل مما تقرءون فانظروا في طول ما قرأتم منه وما ظهر فيكم من الفسوق. قوله اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ فيه وجهان: الأول أنه تمثيل والمعنى أن القلوب التي ماتت بسبب القساوة فالموظبة على الذكر سبب لعود حياة الخشوع إليها كما يحيي الله الأرض بالغيث، الثاني أنه زجر لأهل الفسق وترغيب في الخشوع لأنه يذكر القيامة وبعث الأموات. ثم استأنف وعد المنفقين ووعيد أضدادهم بقوله إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وأصله المتصدقين وعطف عليه قوله وَأَقْرَضُوا اللَّهَ لأن الألف واللام بمعنى الذي كأنه قال: إن الذين تصدقوا وأقرضوا. والظاهر أن الأول هو الواجب والثاني هو التطوع لأن تشبيهه بالقرض كالدلالة على ذلك. وأيضا ذكر الأول بلفظ اسم الفاعل الدال على الاستمرار ينبئ عن الالتزام والوجوب. ومن قرأ بتشديد الدال فقط فمعناه إن الذين صدقوا الله ورسوله وأقرضوا ويندرج تحت التصديق الإيمان وجميع الأعمال الصالحات إلا أنه أفرد الإنفاق بالذكر تحريضا عليه كما أنه أفرد الإيمان لتفضيله والترغيب فيه. وقال وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ الكاملون في الصدق إذ لا قول أصدق من التوحيد والاعتراف بالرسالة، أو هم الكثير والصدق من حيث إنهم ضموا صدقا إلى صدق وهو الإيمان بالله ورسوله أو به وبرسول رسوله. ثم حث على الجهاد بقوله وَالشُّهَداءُ وهو مبتدأ حبره عِنْدَ رَبِّهِمْ وفيه بيان أنهم من الله بمنزلة وسعة وقد بين ثوابهم الجسماني لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ويجوز أن يكون قوله عِنْدَ رَبِّهِمْ حالا أو صفة للشهداء كقوله «مررت على اللئيم يسبني» وما بعده خبر. وقال الفراء والزجاج: هم الأنبياء لقوله فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ [النساء: ٤١] ومن جعل الشُّهَداءُ عطفا على ما قبله قال: أراد أنهم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء وهم الذين سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل الله. قال مجاهد: كل مؤمن فهو صديق وشهيد. وقال جار الله: المعنى أن الله يعطي

стр. 3386

المؤمنين أجرهم ويضاعفه لهم بفضله حتى يساوي أجرهم مع أضعافه أجر أولئك. وقيل: أريد أنهم شهداء عند ربهم على أعمال عباده. وعن الحسن: كل مؤمن فإنه يشهد كرامة ربه. وعن الأصم. إن المؤمن قائم لله تعالى بالشهادة فيما تعبدهم به من الإيمان والطاعة. ثم ذكر ما يدل على حقارة أمور الدنيا وشبهها في سرعة تقضيها مع قلة جدواها بنبات أنبته الغيث ورباه إلى أن يتكامل نشؤه. ومعنى إعجاب الكفار أنهم جحدوا نعمة الله فيه بعد أن راق في نظرهم فبعث الله عليه العاهة فصيره كلا شيء كما فعل بأصحاب الجنتين في «الكهف» وفي «سبأ» وبأصحاب الجنة في «نون» . ومن جعل الكفار بمعنى الزراع فظاهر قاله ابن مسعود وصيرورته حطاما هي عودة إلى كمال حاله في النضج واليبس. ثم عظم أمور الآخرة بتنوين التنكير في قوله وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ للكافرين وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ للمؤمنين قال سعيد بن جبير: الدنيا متاع الغرور إذا ألهتك عن طلب الآخرة. فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله ولقائه فنعم المتاع ونعم الوسيلة. ثم حث على المسابقة إلى المغفرة وإلى الجنة وقد مر نصير في «آل عمران» إلا أن البشارة هاهنا أعم لأنه قال هناك أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ [الآية: ١٣٣] إلى آخره. وهاهنا قال أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ولأن هؤلاء أدون حالا من أولئك جعل عرض الجنة هنا أقل فقال وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ فلم يجمع السماء وأدخل حرف التشبيه الدال على أن المشبه أدون حالا من المشبه به. وفي لفظ سابِقُوا هاهنا إشارة إلى أن مراتب هؤلاء مختلفة بعضها أسبق من بعض كالمسابقة في الخيل وفي لفظ سارِعُوا هنالك رمز إلى أن كلهم مستوون في القرب أو متقاربون لأن المرتبة العليا واحدة وهي مرتبة السابقين المقربين وإنها غاية الرتب الإنسانية فافهم هذه الأسرار فإن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. قال الزجاج: لما أمرنا بالمسابقة إلى المغفرة بين أن الوصول إلى الجنة والحصول في النار بالقضاء والقدر فقال ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ أي لا يوجد مصيبة فِي الْأَرْضِ من القحط والوباء والبلاء وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ من المرض والفتن إِلَّا فِي كِتابٍ أي هو مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ وإنما قيد المصائب بكونها في الأرض والأنفس لأن الحوادث المطلقة كلها ليست مكتوبة في اللوح لأن حركات أهل الجنة والنار غير متناهية فإثباتها في الكتاب محال ولهذا قال «جف القلم بما هو كائن إلى يوم الدين» «١» ولم يقل إلى الأبد.

стр. 3387

وفي الآية تخصيص آخر وهو أنه لم يذكر أحوال أهل السموات وفيه سر قال أهل البرهان: فصل في هذه السورة وأجمل في «التغابن» فقال ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [الحديد: ٢٢] والتفصيل بهذه السورة أليق لأنه فصل أحوال الدنيا والآخرة بقوله اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إلى آخره قوله مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها من قبل أن نخلق المصائب والأنفس أو الأرض أو المخلوقات إِنَّ ذلِكَ الإثبات أو الحفظ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ وإن كان عسيرا على غيره. ثم بين وجه الحكمة في ذلك الإثبات قائلا لِكَيْلا تَأْسَوْا أي لكيلا تحزنوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ نظيره ما ورد في الخبر: من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب لأنه لما علم وجوب وقوعه من حيث تعلق علم الله وحكمه وقدرته به عرف أن الفائت لا يرده الجزع والمعطى لا يكاد يثبت ويدوم لأنه عرضة للزوال ونهزة للانتقال فلا يشتد به فرحه. روى عكرمة عن ابن عباس: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا للمصيبة صبرا وللخير شكرا أو المراد أنه لم ينف الأسى والفرح على الإطلاق ولكنه نفى ما بلغ الجزع والبطر ولا لوم على ما يخلو منه البشر. والباقي ظاهر وقد مر في النساء. والمقصود أن البخيل يفرح فرحا مطغيا لحبه المال ليفتخر به ويتكبر على الناس ويحمل غيره على إمساك المال لمقتضى شحه الطبيعي وَمَنْ يَتَوَلَّ عن أوامر الله ونواهيه ولا يعرف حق الله فما أعطاه فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ عن طاعة المطيعين الْحَمِيدُ في ذاته وإن لم يحمده الحامدون. وقيل: إن الآية نزلت في اليهود الذين كتموا صفة محمد ﷺ وبخلوا ببيان نعته. ثم أراد أن يبين الغرض من بعثة الرسل المؤيدين بالمعجزات ومن إنزال الكتاب والميزان معهم. يروى أن جبرائيل نزل بالميزان فدفعه إلى نوح فقال: مر قومك يزنوا به. وروي عن النبي ﷺ أن الله تعالى أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض. أنزل الحديد والنار والماء والملح. وعن الحسن: إنزالها تهيئتها كقوله وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ [الزمر: ٦] وقال قطرب: هو من النزل يقال: أنزل الأمير على فلان نزلا حسنا منهم من قال: هو من باب «علفتها تبنا وماء باردا» . وللعلماء في المناسبة بين الكتاب والميزان والحديد وجوه. أحدها أن مدار التكليف على فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي. والثاني لا يتم إلا بالحديد الذي فيه بأس شديد والأول إما أن يكون من باب الاعتقادات ولن يتم إلا بالكتاب السماوي ولا سيما إذا كان معجزا. وإما أن يكون من باب المعاملات ولا ينتظم إلا بالميزان فأشرف الأقسام ما يتعلق بالقوة النظرية الروحانية، ثم ما يتعلق بالعملية الجسمانية، ثم ما يتعلق بالزواجر وقد روعي في الآية هذا النسق. وثانيها

стр. 3388

المعاملات إما مع الخالق وطريقها الكتاب أو مع الخلق وهم، إما أحباب ويفتقر في نظام أمور تمدنهم إلى الميزان، وإما أعداء فيدفعون بالسيف. وثالثها السابقون يعاملون بمقتضى الكتاب فينصفون ولا ينتصفون ويحترزون عن مواقع الشبهات، والمقتصدون ينصفون وينتصفون فلا بد لهم من الميزان، والظالمون ينتصفون من غير إنصاف فلا بدّ لهم من السيوف الزواجر. ورابعها أن الإنسان في مقام الحقيقة وهو مقام النفس المطمئنة والمقربين لا يسكن إلا بكتاب الله أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: ٢٨] أو هو في مقام الطريقة وهو النفس اللوامة. وأصحاب اليمين لا بد لهم من الميزان في معرفة الأخلاق المتوسطة غير المائلة إلى طريق الإفراط والتفريط، أو هو في مقام الشريعة والنفس الأمارة لا تنزجر إلا بحديد المجاهدة وسيف الرياضة. وخامسها السالك إما أن يكون صاحب المكاشفة والوصول فانتبه بميزان الكتاب، أو صاحب الطلب والاستدلال فانتبه بميزان الدليل والحجة، وإن كان صاحب العناد واللجاج فلا بد له من الحديد. وسادسها الأقوال تصحح بالكتاب والأعمال تقوم بالميزان، وميزان العدل والأحوال يعتبر بحديد الرياضة. أو نقول: الأقوال تصحح بالكتاب والأعمال تقوّم بالميزان، والمنحرفون من أحد الموضوعين يولون بالسيف. وسابعها الكتاب للعلماء والميزان للعوام والسيف للملوك. قال أهل التجارب: في منافع الحديد ما من صناعة إلا والحديد آلة فيها. أو ما يعمل بالحديد بيانه أن أصول الصناعات أربعة: الزراعة والحياكة والبناء والإمارة. أما الزراعة فتحتاج إلى الحديد في كراية الأرض وإصلاحها وحفرها وتنقية آبارها. ثم الحبوب لا بد من طحنها وخبزها وكل منهما يحتاج إلى شيء من حديد وأكل الفواكه واللحوم وغيرها يفتقر أيضا في التغيير والتقطيع إلى الحديد وأما الحياكة فتحتاج إلى آلات الحراثة وإلى آلات الغزل وإلى أدوات الحياكة والخياطة، وأما البناء فلا يكمل الحال فيه إلا بآلات حديدية وأما الإمارة فلا تتم إلا بأسباب الحرب وآلات السياسة فظهر أن أكثر مصالح العالم لا تتم إلا بالحديد ولا يقوم الذهب ولا الجواهر في أكثرها مقام الحديد فلو لم يوجد الذهب والجواهر في الدنيا لم يختل شيء من المهمات ولو لم يوجد الحديد لاختلت المصالح فعند هذا يظهر أثر عناية الله بحال عبيده، فإن كل شيء تكون حاجاتهم إليه أكثر يكون وجوده أسهل. قال بعضهم: سبحان من خص الفلز بعزه ... والناس مستغنون عن أجناسه وأذل أنفاس الهواء وكل ذي ... نفس فمحتاج إلى أنفاسه نظيره الحاجة إلى الطعام ثم إلى الهواء، فالطعام قلما يوجد إلا بالثمن والماء قد يباع في بعض الأمكنة والزمان والهواء لا يباع أصلا لأن الحاجة إلى النفس أمس. قال بعض المحققين هاهنا إن العلم أبلغ ما يحتاج الإنسان إليه إذ به قوام روحه وصلاح معاده فلا جرم

стр. 3389

لا يقع في عرضة البيع وكثيرا ما يعطى الأجر على تعلمه قوله وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ ظاهره أنه معطوف على المعنى التقدير: وأنزلنا الحديد لأجل المنافع الدنيوية ولأجل المصالح الدينية وهو ظهور معلوم الله وتعلق علمه بما سيقع من نصرة دينه ورسله باستعمال السيوف والرماح وغيرها. ويجوز أن يكون المعطوف عليه محذوفا بدليل ما تقدمه أي وأنزلنا الحديد ليقوم الناس بالقسط خوفا من أن يجعل وليعلم الله ومعنى بِالْغَيْبِ غائبا عنهم. قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه، وفيه إشارة إلى أن الجهاد المعتبر هو الذي يوجد عن إخلاص القلب خاليا من النفاق والرياء وفي قوله إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ رمز إلى أنه تعالى قادر على إهلاك أعداء الدين وإعلاء كلمته بدون واسطة الجهاد، ولكنه كلفهم ذلك ليتوسلوا به إلى نيل درجة الصديقين والشهداء. وحين حكى قصة الرسل مجملة أعقبها بنوع من التفصيل والكتاب ظاهره الوحي. عن ابن عباس هو الخط بالقلم والضمير في فَمِنْهُمْ للذرية أو للمرسل إليهم بدليل الإرسال. والفاسقون إما العاصون بارتكاب الكبائر، وإما الكافرون ولعل هذا أظهر لوقوعه في طباق المهتدين إلا أن يحمل الفاسق على الذي لا يهتدي لوجه رشده قال مقاتل: المراد بالرأفة والرحمة هو ما أوقع الله تعالى في قلوبهم من التواد والتعاطف كما جاء في نعت أصحاب محمد ﷺ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: ٢٩] قال أبو علي الفارسي: الرهبانية لا يستقيم حمل نصبها على جَعَلْنا لأن ما يبتدعونه لا يجوز أن يكون مجعولا لله قال في التفسير الكبير: هذا الكلام إنما يتم لو ثبت امتناع مقدور بين قادرين من أين يليق بأبي علي أن يخوض في أمثال هذه الأشياء. قلت: الظن بالعلماء ينبغي أن يكون أحسن من هذا ولا حاجة إلى إحالة تمام الكلام على المسألة المذكورة ولكن يرد على أبي علي أنه إذا جاز أن يكون الكفر والفسوق وسائر المعاصي الصادرة عن العبد منسوبة إلى تخليق الله، فلم لا يجوز أن يكون الابتداع وهو إحداث أمر من عند نفسه لا على ألسنة الرسل. مجعولا لله سبحانه؟ قال المفسرون: إن الجبابرة ظهروا على أمة عيسى بعد رفعه فقاتلوهم ثلاث مرات فقتلوهم حتى لم يبق منهم إلا القليل، فترهبوا على رؤوس الجبال فارين من الفتنة متحملين كلفا ومشاق زائدة على العبادات المكتوبة عليهم من الخلوة والاعتزال والتعبد في الغيران والكهوف، روى ابن مسعود أن النبي ﷺ قال «يا ابن مسعود أما علمت أن بني إسرائيل تفرقوا سبعين فرقة كلها في النار إلا ثلاث فرق فرقة آمنت بعيسى ﵇ وقاتلوا أعداءه في نصرته حتى قتلوا وفرقة لم يكن لها طاقة بالقتال فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وفرقة لم يكن لها طاقة بالأمرين فلبسوا العباء وخرجوا إلى القفار والفيافي وهو قوله وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً» الآية قال العلماء: لم يرد الله تعالى بقوله

стр. 3390

ابْتَدَعُوها طريقة الذم ولكن المراد أنهم أحدثوها من عند أنفسهم ونذورها. والرهبانية بفتح الراء مصدر وهو الفعلة المنسوبة إلى الرهبان بالفتح أيضا وهو الخائف «فعلان» من رهب كخشيان من خشي. وقرئ بالضم وهو نسبة إلى الرهبان جمع الراهب. وقوله إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ استثناء منقطع عند الأكثر أي ما فرضناها نحن عليهم ولكنهم ابتدعوها طلب رضوان الله. وقال آخرون: إنه متصل والمعنى ما تعبدناهم بها إلا على وجه تحصيل مرضاة الله فتكون ندبا إن أتى بها ارتضاها الله وإن لم يأت بها فلا حرج. وفي قوله فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها أقول: أحدها أنهم ما أقاموا على تلك السيرة ولكنهم ضموا إليه التثليث والإلحاد إلا أناسا منهم أقاموا على دين عيسى حتى أدرجوا محمد ﷺ فآمنوا به، وثانيها أن أكثرهم لم يتوسلوا بها إلى مرضاة الله ولكنهم جعلوها سلما إلى المنافع الدنيوية. وثالثها أن يكون في الكلام إضمار أي لم نفرضها أولا عليهم بل كانت على جهة الاستحباب، ثم فرضناها عليهم فمارعوها إلا قليلا منهم آمنوا بمحمد ﷺ بعد أن استقاموا على الطريقة. ورابعها أن الصالحين من قوم عيسى ابتدعوا الرهبانية وانقرضوا عليها ثم جاء بعدهم من لم يرعها كما رعاها الحواريون. ثم خاطب المؤمنين منهم بقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي بعيسى اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ محمد ﷺ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ نصيبين مِنْ رَحْمَتِهِ لإيمانكم أولا بعيسى وثانيا بمحمد ﷺ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وهو النور المذكور في قوله يَسْعى نُورُهُمْ أو النور المذكور في قوله أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [الأنعام: ١٢٢] ويجوز أن يكون الخطاب لأمة محمد ﷺ والمراد اثبتوا على إيمانكم برسول الله ﷺ يؤتكم ما وعد مؤمني أهل الكتاب في قوله أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ [القصص: ٥٤] وذلك أن مؤمني أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المؤمنين بأنهم يؤتون أجرهم مرتين وادعوا الفضل عليهم فنزلت وفيه أنهم مثلهم في الإيمانين لأنهم لا يفرقون بين أحد من رسله على أنه يجوز أن يكون النصيب الواحد من الأجر أزيد من نصيبين فإن المال إذا قسم نصفين كان الكفل الواحد نصفا، وإذا قسم عشرة أقسام كان الكفل الواحد جزءا من عشرة. ولا شك أن النصيب الواحد من القسمة الأولى أزيد من النصيب الواحد من القسمة الثانية. قوله لِئَلَّا يَعْلَمَ الآية. أكثر المفسرين والنحويين على أن «لا» زائدة والمعنى ليعلم أَهْلُ الْكِتابِ الذين لم يسلموا أن الشأن لا ينالون ولا يقدرون على شيء من الكفلين. والنور والمغفرة لأنهم لم يؤمنوا بمحمد ﷺ فلم ينفعهم إيمانهم من قبله، أو المراد أنا بالغنا في هذا البيان وأمعنا في الوعد لهم والوعيد ليعلم أهل الكتاب أن الشأن هو أنهم لا يقدرون على تخصيص فضل الله بقوم معينين، ولا يمكنهم حصر الأجر في طائفة مخصوصين. وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ

стр. 3391

يَشاءُ وقيل: غير زائدة والضمير في أَلَّا يَقْدِرُونَ للرسول وأصحابه. والعلم بمعنى الاعتقاد والمعنى لئلا يعتقد أهل الكتاب أن النبي ﷺ والمؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل الله، ولكي يعتقدوا أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وقد خص بذلك محمدا ﷺ ومن آمن به وبالله التوفيق وإليه المرجع والمآب والله أعلم. تم الجزء السابع والعشرون ويليه الجزء الثامن والعشرون أوله تفسير سورة المجادلة

стр. 3392

بسم الله الرحمن الرحيم الجزء الثامن والعشرون من أجزاء القرآن الكريم (سورة المجادلة مدنية حروفها ألف وتسعمائة واثنان وتسعون كلمها أربعمائة وثلاث وتسعون آياتها اثنتان وعشرون) [سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ١ الى ٢٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٣) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٩) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)

стр. 3393

القراآت يظهرون من المظاهرة: عاصم يظهرون بتشديد الظاء والهاء من الظهر وأصله «يتظهرون» أدغمت التاء في الظاء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب. والباقون يظهرون بتشديد الظاء وزيادة الألف من التظاهر وأصله «يتظاهرون» ما هن أمهاتهم بالرفع: المفضل. الآخرون: بكسر التاء على إعمال «ما» عمل ليس هذه هي الفصحى ما تكون بتاء التأنيث: يزيد وهو ظاهر. الآخرون: على التذكير بناء على أن التقدير ما يقع شيء من نجوى. ولا أكثر بالرفع: يعقوب إما على الابتداء كقولك «لا حول ولا قوة» أو للعطف على محل مِنْ نَجْوى الباقون: بالنصب على أن «لا» لنفي الجنس أو على أنهما مجروران عطفا على نَجْوى كأنه قيل: ما يكون من أدنى ولا أكثر إلا هو معهم. أو عطفا على العدد والتقدير: ما يكون من نجوى أكثر من ذلك وتَتَناجَوْا من باب الافتعال: حمزة ورويس وفَلا تَتَناجَوْا من الافتعال أيضا. رويس. الْمَجالِسِ على الجمع: عاصم انْشُزُوا بضم الشين فيهما: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعاصم غير يحيى وحماد والخراز. الآخرون: بالكسر فيهما وهما لغتان مثل يَعْرِشُونَ ويَعْرِشُونَ ورسلي بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر عشيراتهم على الجمع: الشموني كتب مجهولا الإيمان بالرفع: المفضل.

стр. 3394

الوقوف: تَحاوُرَكُما ط بَصِيرٌ هـ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ ط وَلَدْنَهُمْ ط وَزُوراً ط غَفُورٌ هـ يَتَمَاسَّا ط بِهِ ط خَبِيرٌ هـ يَتَمَاسَّا ج مِسْكِيناً ط وَرَسُولِهِ ط اللَّهِ ط أَلِيمٌ هـ بَيِّناتٍ ق مُهِينٌ هـ ط لاحتمال تعلق الظرف بما قبله وكونه مفعولا لا ذكر عَمِلُوا ط وَنَسُوهُ ط شَهِيدٌ هـ وَما فِي الْأَرْضِ هـ كانُوا ج لأن «ثم» للعطف أو لترتيب الاخبار الْقِيامَةِ ط عَلِيمٌ هـ الرَّسُولِ ز لعطف الجملتين المتفقتين معنى مع أن جاؤُكَ فعل ماض لفظا بِهِ اللَّهُ لا لأن ما بعده حال أو عطف على جاؤُكَ لمستقبل معنى نَقُولُ ط جَهَنَّمُ ط لاحتمال الحال وكونه مستأنفا يَصْلَوْنَها ج الْمَصِيرُ هـ وَالتَّقْوى ج تُحْشَرُونَ هـ بِإِذْنِ اللَّهِ ط الْمُؤْمِنُونَ هـ يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ج لابتداء شرط آخر مع العطف مِنْكُمْ لا للعطف دَرَجاتٍ ط خَبِيرٌ هـ صَدَقَةً ط وَأَطْهَرُ ط رَحِيمٌ هـ صَدَقاتٍ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط وَرَسُولَهُ ط تَعْمَلُونَ هـ عَلَيْهِمْ ط لتناهي الاستفهام إلى الإخبار مِنْهُمْ لا بناء على أن ما بعده حال والعامل معنى الفعل في الجار أي وهم يحلفون قاله السجاوندي ولا يبعد عندي أن يكون مستأنفا فيحسن الوقف. يَعْلَمُونَ هـ شَدِيداً ط يَعْمَلُونَ هـ مُهِينٌ هـ شَيْئاً ط النَّارِ ط خالِدُونَ هـ عَلى شَيْءٍ ط الْكاذِبُونَ هـ ذِكْرَ اللَّهِ ط أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ ط الْخاسِرُونَ هـ هـ الْأَذَلِّينَ هـ وَرُسُلِي ط عَزِيزٌ هـ عَشِيرَتَهُمْ ط بِرُوحٍ مِنْهُ ط للعدول عن الماضي إلى المستقبل فِيها ط عَنْهُ ط أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ط الْمُفْلِحُونَ هـ. التفسير: عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد كلمت المجادلة رسول الله ﷺ في جانب البيت وأنا عنده لا أسمع وقد سمع الله لها. وعن عمر أن النبي ﷺ كان إذا دخلت عليه أكرمها وقال: قد سمع الله لها أي أجاب وهي خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخي عبادة. ورآها وهي تصلي وكانت حسنة الجسم فلما سلمت راودها فأبت فغضب وكان به حدة فظاهر منها، فأتت رسول الله ﷺ فقالت: إن أوسا تزوّجني وأنا شابة مرغوب فيّ، فلما كبر سني ونثرت بطني أي كثر منه ولدي جعلني منه كأمه. وفي رواية أنها قالت: إن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إليّ جاعوا. فقال ﷺ لها: ما عندي في أمرك شيء. وروي أنه قال لها مرارا: حرمت عليه. وهي تقول: أشكو إلى الله فاقتي ووجدي فنزلت. ومعنى فِي زَوْجِها في شأنه ومعنى «قد» في قَدْ سَمِعَ اللَّهُ التوقع لأن رسول الله ﷺ والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله مجادلتها وشكواها وينزل في شأنها ما يفرج عنها. والتحاور التراجع في الكلام وفي

стр. 3395

الآية دلالة على أن من انقطع رجاؤه عن الخلق كفاه الله همه. يروى أنه ﷺ أرسل إلى زوجها وقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: الشيطان، فهل من رخصة؟ فقال ﷺ : نعم وقرأ عليه الآيات الأربع وقال ﷺ له: هل تستطيع العتق؟ فقال: لا والله. فقال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟ فقال: لا والله يا رسول الله إلا أن تعينني منك بصدقة فأعانه بخمسة عشر صاعا وأخرج أوس من عنده مثله فتصدق به على ستين. وعلم أن الظهار كان من أشد طلاق الجاهلية لأنه في التحريم غاية فإن كان شرعا متقدما فالآية ناسخة له ولا سيما فيمن روى أنه ﷺ قال لها: حرمت عليه. وإن كان عادة الجاهلية فلا نسخ لأن النسخ لا يوجد إلا في الشرائع. ثم إنه سبحانه وبخ العرب أوّلا بقوله الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ ثم بين الحكم العام في الآية الثانية ولهذا لم يورد لفظة منكم ونحن نبني تفسير الآية على أبحاث الأول في معنى الظهار وهو عبارة عن قول الرجل لامرأته «أنت عليّ كظهر أمي» فاشتقاقه من الظهر. وقال صاحب النظم: ليس الظهر بذلك أولى في هذا المطلوب من سائر الأعضاء التي هي موضع التلذذ فهو مأخوذ من ظهر إذا علا وغلب وبه سمي المركوب ظهرا لأن راكبه يعلوه، وكذلك امرأة الرجل مركبه وظهر له. والدليل على صحة هذا المعنى أن العرب تقول في الطلاق: نزلت عن امرأتي أي طلقتها. وفي لفظ الظهار إضمار والتقدير: ظهرك عليّ أي علوي وركوبي عليك حرام علي كعلو أمي. ثم لا مناقشة بين العلماء في الصلات فلو قال: أنت معي أو عندي أو مني أو لي كظهر أمي صح ظهاره. وكذا لو ترك الصلات كلها وقال: أنت كظهر أمي كما أن قوله «أنت طالق» صريح وإن لم يقل «مني» أما إذا شبهها بغير الظهر فذهب الشافعي إلى أن ذلك العضو إن كان مشعرا بالإكرام كقوله أنت علي كروح أمي أو عين أمي صح ظهاره إن أراد الظهار لا الإكرام وإلا فلا. وإن لم ينو شيئا ففيه قولان، وإن لم يكن مشعرا بالكرامة كقوله أنت كرجل أمي أو كيدها أو بطنها ففي الجديد ظهار، وفي القديم لا، وقد يرجح هذا بالبراءة الأصلية. وقال أبو حنيفة: إن شبهها بعضو من الأم يحل له النظر إليه كاليد أو الرأس لم يكن ظهارا، وإن شبهها بعضو يحرم النظر إليه كالبطن والفخذ كان ظهارا. وفي التشبيه بالمحرمات الأخر من النسب أو الرضاع سوى الأم في الجديد وعليه أبو حنيفة أنه ظهار لعموم قوله يَظْهَرُونَ ومن قصره على الأم احتج بقوله بعده ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ وبأن حرمة الأم أشد. البحث الثاني في المظاهر وفيه مسائل: الأولى: قال الشافعي: كل من صح طلاقه صح ظهاره وإن كان خصيا أو مجبوبا، ويتفرع عليه أن ظهار الذمي صحيح. حجة الشافعي عموم قوله تعالى وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ وأيضا تأثير الظهار في التحريم والذمي أهل لذلك

стр. 3396

بدليل صحة طلاقه. وأيضا إيجاب الكفارة للزجر عن هذا الفعل الذي هو منكر من القول وزور وهذا المعنى قائم في حق الذمي. وقال أبو حنيفة ومالك: لا يصح ظهاره. واحتج أبو بكر الرازي لهما بأن قوله الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ خطاب للمؤمنين. وأيضا من لوازم الظهار تصحيح وجوب الصوم على العائد العاجز عن الإعتاق وإيجاب الصوم على الذمي ممتنع لأنه مع الكفر باطل، وبعد الإسلام غير لازم لأنه يجب ما قبله. وأجيب عن الأول بأن قوله مِنْكُمْ خطاب للحاضرين فلم قلتم: إنه يختص بالمؤمنين؟ على أن التخصيص بالذكر عندكم لا يدل على نفي ما عداه. وأيضا العام عندكم إذا أورد بعد الخاص كان ناسخا للخاص. وعن الثاني أن من لوازم الظهار أيضا أنه حين عجز عن الصوم اكتفي منه بالإطعام فهو هاهنا إن تحقق العجز وجب أن يكتفي فيه بالإطعام، وإن لم يتحقق العجز زال السؤال. وأيضا الصوم بدل عن الإعتاق والبدل أضعف عن المبدل. ثم إن العبد عاجز عن الإعتاق مع أنه يصح ظهاره بالاتفاق فإذا كان فوات أقوى اللازمين لا يوجب منع الظهار ففوات الأضعف كيف يمنع؟ وقال القاضي حسين من أصحاب الشافعي في الجواب: نقول للذمي إن أردت الخلاص من التحريم فأسلم وصم قوله الإسلام يجب ما قبله. قلنا: إنه عام والتكفير خاص والخاص مقدّم على العام. الثانية قال مالك وأبو حنيفة والشافعي: لا يصح ظهار المرأة من زوجها وهو ظاهر ولو قال شهرا فقد قال أبو حنيفة والشافعي: بطل ظهاره بمضي المدة وكان قبل ذلك صحيحا لما روي أن سلمة بن صخر ظاهر من امرأته حتى ينسلخ رمضان ثم وطئها في المدة فأمره النبي ﷺ بتحرير رقبة. وأما بطلان ظهاره بعد المدة فلمقتضى اللفظ كما في الأيمان، فإذا مضت المدة حل الوطء لارتفاع الظهار وبقيت الكفارة في ذمته. وقال مالك وابن أبي ليلى: هو مظاهر أبدا. البحث الثالث في المظاهر عنها. ويصح الظهار عن الصغيرة والمجنونة والأمة المتزوّجة والذمية والرتقاء والحائض والنفساء، ولا يصح عن الأجنبية سواء أطلق أو علق بالنكاح فقال «إذا نكحتك فأنت عليّ كظهر أمي» . ويصح عن الرجعية ولا يصح عن الأمة وأم الولد عند أبي حنيفة والشافعي لأن قوله تعالى وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ يتناول الحرائر دون الإماء كما في قوله أَوْ نِسائِهِنَّ [النور: ٣١] بدليل أنه عطف عليه قوله أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ [النور: ٣١] وقال مالك والأوزاعي: يصح لأن قوله مِنْ نِسائِهِمْ يشمل ملك اليمين لغة. وفي الآية سؤال وهو أن المظاهر شبّه الزوجة بالأم ولم يقل إنها أم فكيف أنكر الله عليه بقوله ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ وحكم بأنه منكر وزور؟ والجواب أن قوله «أنت عليّ كظهر أمي» إن كان إخبارا فهو كذب لأن الزوجة حلال والأم حرام وتشبيه المحللة

стр. 3397

بالمحرمة في وصف الحل والحرمة كذب، وإن كان إنشاء كان معناه أن الشرع جعله سببا في حصول الحرمة، ولما لم يرد الشرع بهذا السبب كان الحكم به كذبا وزورا ولهذا أوجب الله سبحانه الكفارة على صاحب القول بعد العود. سؤال آخر قوله تعالى إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ظاهره يقتضي أنه لا أم إلا الوالدة لكنه قال في موضع آخر وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [النساء: ٢٣] وقال وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [الأحزاب: ٦] أجاب في الكشاف بأنه يريد أن الأمهات على الحقيقة إنما هن الوالدات وغير هن ملحقات بهن لدخولهن في حكمهن بسبب الإرضاع، أو لكونها زوجة النبي ﷺ الذي هو أبو الأمة. وأما الزوجات فلسن من أحد القبيلين وكان قول المظاهر منكرا لمخالفة الحقيقة وزورا لعدم موافقة الشرع. قوله ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا قال الفراء: لا فرق في اللغة بين قولك عاد لما قال وإلى ما قال وفيما قال. وقال أبو علي الفارسي: كلمة إلى واللام يتعاقبان قال الله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا [الأعراف: ٤٣] وقال فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ [الصافات: ٢٣] وقال أهل اللغة: إذا قال قائل عاد لما فعل جاز أن يريد أنه فعله مرة أخرى وهذا ظاهر، وجاز أن يريد أنه نقض ما فعل لأن التصرف في الشيء بالإعدام لا يمكن إلا بالعودة إليه، وإلى هذا ذهب أكثر المجتهدين إلا أن الشافعي قال: معنى العود لما قالوا السكوت عن الطلاق بعد الظهار زمانا يمكنه أن يطلقها فيه، وذلك أنه لما ظاهر فقد قصد التحريم فإن وصل ذلك بالطلاق فقد تمم ما شرع فيه من إيقاع التحريم ولا كفارة عليه، فإذا سكت عن الطلاق دل على أنه ندم على ما ابتدأه من التحريم فحينئذ تجب عليه الكفارة. واعترض أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عليه من وجهين: الأول أنه تعالى قال ثُمَّ يَعُودُونَ وكلمة «ثم» تقتضي التراخي. وعلى قول الشافعي يكون المظاهر عائدا عقيب القول بلا تراخ وهذا خلاف مفهوم الآية. الثاني أنه شبهها بالأم والأم لا يحرم إمساكها فلا يكون إمساك الزوجة نقضا لما قال. وأجيب عن الأول بأنه يوجب أن لا يتمكن المظاهر من العود إليها بهذا التفسير عقيب فراغه من التلفظ بلفظ الظهار حتى يحصل التراخي مع أن الأمة مجمعة على أن له ذلك. والتحقيق أن العبرة بالحكم ونحن لا نحكم بالعود ما لم ينقض زمان يمكنه أن يطلقها فيه فقد تأخر كونه عائدا عن كونه مظاهرا بهذا القدر من الزمان وهذا يكفي في العمل بمقتضى كلمة «ثم» . وعن الثاني أن المراد إمساكها على سبيل الزوجية واللفظ محتمل لهذا وإمساك الأم بهذا الوجه محرم. وقال أبو حنيفة: معناه استباحة الوطء والملامسة والنظر إليها بالشهوة، وذلك أنه لما شبهها بالأم في حرمة هذه الأشياء ثم قصد استباحتها كان مناقضا لقوله «أنت عليّ كظهر أمي» . وقال مالك: العود إليها عبارة عن

стр. 3398

العزم على جماعها، وضعف بأن العزم على جماعها لا يناقض كونها محرمة إنما المناقض لكونها محرمة هو القصد إلى استحلال جماعها فيرجع إلى قول أبي حنيفة. ولا يرد عليه إلا أنه خص وجه التشبيه من غير دليل، والذي ذكره الشافعي أعم وأقل ما يطلق عليه اسم العود فكان أولى. وعن طاوس والحسن أن العود إليها عبارة عن جماعها وخطئ لقوله فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا وإذا كان التكفير قبل الجماع والتكفير لا يثبت إلا بعد العود فالعود غير الجماع. وأما الاحتمال الأول وهو أن العود لما فعل هو فعله مرة أخرى ففيه أيضا وجوه: الأول: قول الثوري: إن العود هو الإتيان بالظهار في الإسلام وزيف بأنه يرجع حاصل المعنى إلى قوله وَالَّذِينَ كانوا يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ في الجاهلية ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا في الإسلام فَكَفَّارَتُهُ كذا وكذا وهذا إضمار من غير دليل مع أنه خلاف الأصل. الثاني قال أبو العالية: إذا كرر لفظ الظهار فهو عود وإلا فلا. وضعف بحديث أوس وحديث سلمة بن صخر قال رسول الله ﷺ : لزمهما الكفارة مع أنهما لم يكررا الظهار. الثالثة: قال أبو مسلم الأصفهاني: العود هو أن يحلف على ما قال أوّلا من لفظ الظهار فإذا لم يحلف لم تلزمه الكفارة قياسا على ما لو قال في بعض الأطعمة «إنه حرام عليّ كلحم الآدمي» فإنه لا يلزمه الكفارة إلا إذا حلف عليه. ورد بأن الكفارة قد تجب بالإجماع في المناسك ولا يمين. وعندي أن هذا الرد مردود لأنه لا يلزم من وجوب الكفارة في الصورتين من غير يمين وجوبها في كل صورة بلا يمين. نعم يرد على أبي مسلم أن تفسير العود بالحلف إثبات اللغة بالقياس، ولا يخفى أن العود لما قالوا على هذا الاحتمال ظاهر لأنه أريد بالقول اللفظ. وأما الاحتمال الآخر فيحتاج إلى تأويل القول بالمقول فيه وهو ما حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار كما مر في قوله وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ [مريم: ٨١] أي المال والواو للحال. مسائل: الأولى: الجديد وأبو حنيفة أن الظهار يحرم جميع جهات الاستمتاعات لأن قوله سبحانه مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا يعم جميع ضروب المس من المس بيد وغيرها. وروى عكرمة أن رجلا ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر فأتى النبي ﷺ فأخبره بذلك فقال: اعتزلها حتى تكفّر. الثانية: اختلفوا فيمن ظاهر مرارا فقال أبو حنيفة والشافعي: لكل ظهار كفّارة إلا أن يكون في مجلس واحد وأراد التكرار للتأكيد. وقال مالك: من ظاهر من امرأته في مجالس متفرقة فليس عليه إلا كفّارة واحدة. حجتهما أنه تعالى رتب الكفّارة على التلفظ بكلمة الظهار والمعلول يتكرر بتكرر العلة، ويتفرع عليه أنه لو كانت تحته أربع نسوة وقال لهن: أنتن عليّ كظهر أمي لزمه أربع كفارات لأن الحكم يتكرر ويتعدّد بتعدّد المحل. حجته

стр. 3399

أنه رتب الكفارة على مطلق الظهار والمطلق شامل للمتعدد، ونوقض باليمين فإن الكفارة لازمة في كل يمين. الثالثة: دلت الآية على إيجاب الكفارة قبل التماس فإن جامع قبل أن يكفر لم يجب عليه إلا كفارة واحدة وهو قول أكثر أهل العلم كمالك وأبي حنيفة والشافعي وسفيان وأحمد وإسحق، لأن سلمة بن صخر قال لرسول الله ﷺ : ظاهرت من امرأتي ثم أبصرت خلخالها في ليلة قمراء فواقعتها. فقال ﵊: استغفر ربك ولا تعد حتى تكفّر. وقال بعضهم ومنهم عبد الرحمن بن مهدي: إذا واقعها قبل أن يكفر فعليه كفارتان. الرابعة: لا ينبغي للمرأة أن تدع الزوج يقربها حتى يكفّر فإن تهاون حال الإمام بينهما ويجبره على التكفير وإن كان بالضرب حتى يوفيها حقها من الجماع. قال الفقهاء: ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار لأن ترك التكفير إضرار بالمرأة وامتناع من إيفاء حقها. الخامسة: قد ذكرنا أن الاستمتاعات محرمة عليه إلى أن يكفّر وذلك صريح في تحرير الرقبة وفي الصيام والآن نقول: إن التكفير بالإطعام أيضا كذلك وإن لم يتعرض للتماس في قوله فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً حملا للمطلق على المقيد عند اتحاد الواقعة، وللأقل وهو صورة واحدة على الأكثر وهذه من فصاحات القرآن. السادسة: مذهب أبي حنيفة أن هذه الرقبة تجزي وإن كانت كافرة لإطلاق الآية. وقال الشافعي: لا بد أن تكون مؤمنة قياسا على كفارة القتل. والجامع أن الإعتاق إنعام والمؤمن أولى به، ولأن المشركين نجس وكل نجس خبيث بالإجماع. وقال الله تعالى وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ [البقرة: ٢٦٧] ولا تجزي أم الولد ولا المكاتب عند الشافعي لضعف الملكية فيه ولا يحصل الجزم بالخروج عن العهدة. وقال أبو حنيفة: إن أعتقه قبل أن يؤدي شيئا جاز عن الكفارة لأنه رقبة بدليل قوله وَفِي الرِّقابِ [البقرة: ١٧٧] وإن أعتقه بعد أن يؤدي شيئا لم يجز. والمدبر يجزي عند الشافعي ولا يجزي عند أبي حنيفة. السابعة: يعتبر في الرقبة بعد الإيمان على خلاف فيه السلامة عن العيوب لا التي يثبت بها الرد في البيع ولكن التي تخل بالعمل والاكتساب لأن المقصود هناك المالية وهاهنا تكميل حاله ليتفرغ للعبادات والوظائف المخصوصة بالأحرار، فلا يجزي مقطوع اليدين أو الرجلين أو إحداهما ولا المجنون، ويجزي الأعور والأصم والأخرس ومقطوع الأذنين أو الأنف أو أصابع الرجلين لا أصابع اليد لأن البطش والعمل يتعلق بها. والعبد الغائب. إن انقطع خبره لا يجزي ولو أعتق عبده عن كفارته شرط أن يردّ دينارا أو غيره لم يجز بل يجب أن يكون الإعتاق خاليا عن شوائب العوض. الثامنة: كفارة الظهار مرتبة على ما في الآية. فإن كان في ملكه عبد فاضل عن حاجته فواجبه هو، وإن احتاج إلى خدمته لمرض أو كبر أو لأن منصبه يأبى أن يخدم نفسه لم يكلف صرفه إلى الكفارة، ولو وجد ثمن العبد فكالعبد. والشرط أن يفضل عن حاجة

стр. 3400

نفقته وكسوته ونفقة عياله وكسوتهم وعن المسكن وما لا بدّ له من الأثاث ولو كانت له ضيعة أو رأس مال يتجر فيه ويفي ما يحصل منهما بكفايته بلا مزيد ولو باعهما لارتدّ إلى حد المساكين لم يكلف صرفه إلى الكفارة. ولو وجد ثمن العبد فكالعبد والشرط بيعها وإن كان ماله غائبا أو لم يجد الرقبة في الحال لم يجز العدول إلى الصوم بل يصبر، وإن كان يتضرر بامتناع الابتياع لأنه تعالى قال فَمَنْ لَمْ يَجِدْ وهو واجد. أما من كان مريضا في الحال ولا يقدر على الصوم فإنه ينتقل إلى الإطعام لأنه تعالى قال فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ وهو غير مستطيع، والمآل غير معلوم ولا هو متعلق باختياره بخلاف إحضار المال أو تحصيل الرقبة فإن ذلك قد يمكنه. التاسعة: لو أطعم مسكينا واحدا ستين مرة لا يجزي عند الشافعي لظاهر الآية، ولأن إدخال السرور في قلب ستين أجمع وأقرب من رضا الله. وقال أبو حنيفة: يجزي. العاشرة: الشبق المفرط والغلمة عذر عند الأكثرين في الانتقال إلى الإطعام كما في قصة الأعرابي وهل أتيت إلا من قبل الصوم فأمره النبي ﷺ وقال: أطعم. وحمله آخرون على خاصة الأعرابي. ولنكتف بهذا القدر من المسائل الفقهية في تفسير آية الظهار. قال الزجاج ذلِكُمْ تُوعَظُونَ أي ذلكم التغليظ وعظ لكم حتى تتركوا الظهار. وحين ذكر حكم الآية عقبه بقوله ذلك فيحتمل أن يعود إلى مطلق بيان كفارة الظهار، ويحتمل أن يعود إلى التخفيف والتوسيع لتصدقوا بالله ورسوله فإن التخفيف مناسب للتصديق والعمل بالشريعة وَلِلْكافِرِينَ الذين استمروا على أحكام الجاهلية عَذابٌ أَلِيمٌ وإنما قال في الآية الثانية عَذابٌ مُهِينٌ ليناسب قوله كُبِتُوا أي أخزوا وأهلكوا. قيل: أريد كبتهم يوم الخندق. وفي الحدود مع المحادة نوع من التجانس، والمحادّة المشاقة من الحد الطرف كأن كلا من المتخاصمين في طرف آخر كالمشاقة من الشق. وقال أبو مسلم: هي من الحديد كأن كلا منهما يكاد يستعمل الحديد أي السيف وهم المنافقون أو الكافرون على الإطلاق. قوله أَحْصاهُ اللَّهُ أي أحاط بما عمل كل منهم كما وكيفا وزمانا ومكانا وَنَسُوهُ لكثرته أو لقلة اكتراثهم بالمعاصي وإنما يحفظ معظمات الأمور. ثم قرر كمال علمه بقوله ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ نفر ويجوز أن يكون ثلاثة وصفا للنجوى على حذف المضاف أي من أهل نجوى، أو لأنهم جعلوا نجوى مبالغة وكذلك كل مصدر وصف به. قال الزجاج: هي مشتقة من النجوة المكان المرتفع لأن الكلام المذكور سرا يجل عن استماع الغير. سؤال: لم ذكر الثلاثة والخمسة وأهمل ذكر الاثنين والاربعة؟ الجواب من وجوه أحدها: أن الآية نزلت في قوم من المنافقين اجتمعوا على التناجي مغايظة للمؤمنين
следующие страницы →