فيما يجيء بإضمار دحى وأرسى على شريطة التفسير. قال المفسرون: أراد بالمرعى جميع ما يأكله الناس والأنعام فيكون الرعي مستعارا للإنسان ولهذا قال مَتاعاً أي فعل كل ذلك تمتيعا لكم ولأنعامكم. وحين فرغ من دلائل القدرة على البعث رتب عليه شرح يوم القيامة. والطامة الداهية التي لا تطاق من قولهم طم الفرس طميما إذا استفرغ جهده في المشي والجري فإذا وصفت بالكبرى كانت في غاية الفظاعة ونهاية الشدّة، وفي أمثالهم «جرى الوادي فطم على القري» وهو مفرد وجمعه أقرية وقريان وهي الجداول والأنهار.
وأصل الطم الدفن والغلب فكل ما غلب شيئا وقهره وأخفاه فقد طمه. وقيل: الطامة النفخة الثانية عن الحسن. وقيل: هي الساعة التي يساق بها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار. قال جار الله: يَوْمَ يَتَذَكَّرُ بدل من فَإِذا جاءَتِ لأنه إذا رأى أعماله مدوّنة مكتوبة تذكرها وكان قد نسيها. قوله وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى كقولهم «قد بين الصبح لذي عينين» وهو مثل في الأمر المنكشف الذي لا يخفى على أحد فعلى هذا يكون استعارة ولا يجب أن يراها كل أحد لأن الإخبار إنما وقع عن كونها بحيث لا تخفى على ذي بصر لا عن وقوع البصر. وقيل: إنها برزت الجحيم ليراها كل من له بصر وعلى هذا يجب أن يراها كل أحد إلا أن المؤمنين يمرون عليها كالبرق الخاطف، وأما الكافرون فيقعون فيها فكأنها برزت لأجلهم فقط، وبهذا الاعتبار قال في موضع آخر. وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ [الشعراء:
٩١] وقوله طَغى إشارة إلى فساد القوى النظرية فإن من عرف الله بالكمال عرف نفسه بالنقصان فلم يصدر عنه الطغيان. قوله وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا رمز إلى اختلال القوّة العملية فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة. واللام في الْمَأْوى للعهد الذهني أي مأواه اللائق به ولهذا استغنى عن العائد ولا حاجة إلى تكلف أن الألف، واللام بدل من الإضافة. قوله خافَ مَقامَ رَبِّهِ نقيض طغى. قوله وَنَهَى النَّفْسَ الأمارة وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فهذا الشخص إذا كامل في قوّته النظرية والعملية. وتفسير خافَ مَقامَ رَبِّهِ قد مر في سورة الرحمن. وَنَهَى النَّفْسَ ضبطها وتوطينها على متاعب التكاليف من الأفعال والتروك.
ثم إن المشركين كانوا يسمعون النبي ﷺ يذكر الطامة والحاقة وغيرهما من أسماء القيامة فيسألون أَيَّانَ مُرْساها أي زمان إرسائها وهو إقامة الله إياها وقد مر في آخر «الأعراف» . وعن عائشة ﵂ لم يزل رسول الله ﷺ يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت. وقوله فِيمَ أَنْتَ على هذا تعجب من كثرة ذكره لها كأنه قيل: في أي شغل واهتمام أنت من ذكرها والسؤال عنها حرصا على جوابهم إلى ربك منتهى علمها لم يؤته أحدا من خلقه. ويجوز أن يكون قوله فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها من تتمة السؤال أي يسألونك
стр. 3572
فيم أنت من العلم بها. ويحتمل أن يكون فيم إنكار سؤالهم أي فيم هذا السؤال. ثم قيل:
أنت من ذكراها أي إرسالك وأنت آخر الرسل وخاتم الأنبياء ذكر من أذكارها وعلامة من علاماتها فلا حاجة إلى الاستفهام عن وقتها بعد العلم باقترابها، فإن هذا القدر من العلم يكفي في وجوب الاستعداد لها بل لا يتم الغرض من التكليف إلا بإخفاء وقته كالموت إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ لا تتعداه إلى العلم بالغيب الذي العلم بالساعة جزئي منه. وخص الإنذار بأهل الخشية لأنهم المنتفعون بذلك. ثم أخبر أنهم حين يرون الساعة يستقصرون مدّة لبثهم في الدنيا. وقيل: في القبور. روى عطاء عن ابن عباس أن الهاء والألف صلة والمعنى لم يلبثوا إلا عشية أو ضحى. وقال النحويون: فيه إضمار والتقدير إلا عشية أو ضحى يوم تلك العشية على أن الإضافة في ضُحاها يكفي فيها أدنى ملابسة وهو هاهنا اجتماعهما في نهار واحد. قال صاحب الكشاف: فائدة الإضافة الدلالة على أن مدة لبثهم كانها لم تبلغ يوما كاملا. قلت: سلمنا أن هذه الفائدة مفهومة من عبارة القرآن إلا أنها تحصل أيضا بتقدير عدم الإضافة كما لا يخفى فلا يصح أن تسند الفائدة إلى الإضافة وحدها. فالوجه أن يقال: فائدة الإضافة أن يعلم أن مجموع مدة الدنيا في ظنهم كيوم واحد وزمان لبثهم في الدنيا كساعة منه عشية أو ضحاها نظيره قول القائل «ما سرت إلا عشية أو ضحى» فإنه لا يفهم منه إلا السير في بعض يوم ما، وقد تكون العشية من يوم والضحى من يوم آخر. ولو قال «إلا عشيته أو ضحاها» لم يمكن أن يكون السير إلا في أحد هذين الوقتين من يوم واحد. قال بعضهم: فائدة الترديد أن زمان المحنة يعبر عنه بالعشية وزمان الراحة يعبر عنه بالضحى فكأنه قيل: ما كان عمرنا في الدنيا إلا هاتين الساعتين. أقول: ويحتمل أن يقال إن مبدأ اليوم بليلته كان قبل شرعنا في أكثر الأديان من نصف النهار وقد صار المبدأ في شرعنا من أول الفجر وكأنهم حين أرادوا التعبير عن بعض اليوم. قالوا: إن كان المبدأ من نصف النهار فنحن لم نلبث إلا عشية وهو ما بعد الزوال إلى الغروب، وإن كان المبدأ من أول الفجر فلم نلبث إلا من الفجر إلى الضحى فلعل هذا هو السر في تقديم العشية على الضحى مع رعاية الفاصلة والله أعلم بأسرار كلامه.
стр. 3573
(سورة عبس)
(مكية حروفها خمسمائة وثلاثة وثلاثون كلمها مائة وثلاث وثلاثون آياتها اثنتان وأربعون)
[سورة عبس (٨٠) : الآيات ١ الى ٤٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤)
أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩)
فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤)
بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩)
ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤)
أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَباً وَقَضْباً (٢٨) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (٢٩)
وَحَدائِقَ غُلْباً (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٢) فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤)
وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩)
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)
القراآت:
كل آيات هذه السورة في الإمالة والتفخيم مثل سورة طه فَتَنْفَعَهُ بالنصب على أنه جواب لعل: عاصم غير الأعشى تَصَدَّى بتشديد الصاد للإدغام: أبو جعفر ونافع وابن كثير. الآخرون: بتخفيفها بناء على حذف تاء تتفعل أو الخطاب عنه تَلَهَّى بإشباع ضمة الهاء وتشديد التاء: البزي وابن فليح أَنَّا بالفتح على البدل من الطعام: عاصم وحمزة وخلف.
الوقوف:
وَتَوَلَّى هـ لا الْأَعْمى هـ ط يَزَّكَّى هـ لا الذِّكْرى هـ ط اسْتَغْنى هـ لا تَصَدَّى هـ ط يَزَّكَّى هـ يَسْعى هـ لا يَخْشى هـ تَلَهَّى هـ ز لأن كَلَّا للردع فلا يوقف أو بمعنى حقا فيوقف تَذْكِرَةٌ هـ ج للشرط بعده مع الفاء ذَكَرَهُ هـ م لأن الظرف لا يجوز أن يتعلق بما قبله ولكنه خبر مبتدأ محذوف أي هو في صحف مُكَرَّمَةٍ هـ لا مُطَهَّرَةٍ هـ لا سَفَرَةٍ هـ ز بَرَرَةٍ ط أَكْفَرَهُ هـ ط خَلَقَهُ هـ ز لأن
стр. 3574
الجواب محذوف أي خلقه من نُطْفَةٍ ط فَقَدَّرَهُ هـ لا يَسَّرَهُ هـ ز فَأَقْبَرَهُ هـ لا أَنْشَرَهُ هـ ط بناء على أن كَلَّا بمعنى حقا ولا يصلح للردع وجه كما يجيء أَمَرَهُ هـ ط إِلى طَعامِهِ هـ ز إلا لمن قرأ أَنَّا بالفتح صَبًّا هـ لا شَقًّا هـ لا حَبًّا هـ ز وَقَضْباً هـ ك وَنَخْلًا هـ ك غُلْباً هـ ك وَأَبًّا هـ لا وَلِأَنْعامِكُمْ هـ ط الصَّاخَّةُ هـ ز فإن الأوضح أن يكون يَوْمَ ظرف جاءَتِ وجوز أن يكون مفعول «اذكر» محذوفا والعامل مقدّر أي فإذا جاءت الصاخة كان ما كان أَخِيهِ لا وَأَبِيهِ هـ ك وَبَنِيهِ هـ ط يُغْنِيهِ هـ ك مُسْفِرَةٌ هـ لا مُسْتَبْشِرَةٌ هـ ج فصلا بين حالتي الفئتين مع اتفاق الجملتين غَبَرَةٌ هـ لا قَتَرَةٌ هـ الْفَجَرَةُ هـ.
التفسير:
أطبق المفسرون على أن الذي عبس هو الرسول ﷺ والأعمى هو ابن أم مكتوم واسمه عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الزهري. وذلك
أنه أتى رسول الله وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم. فقال: يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله، وكرر ذلك وهو لا يعلم شغله بالقوم، فكره رسول الله ﷺ قطعه لكلامه وعبس وأعرض عنه فنزلت، فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك يكرمه ويقول: إذا رآه: مرحبا بمن عاتبني فيه ربي ويقول له: هل لك من حاجة؟ واستخلفه على المدينة مرتين.
وقال أنس: رأيته يوم القادسية وعليه درع وله راية سوداء. والجار محذوف على القياس متعلق ب عَبَسَ أو ب تَوَلَّى على اختلاف في باب تنازع الفعلين للكوفيين والبصريين والتقدير: عبس لأن جاءه الأعمى وأعرض لذلك.
يروى أنه ﷺ ما عبس بعدها في وجه فقير قط ولا تصدّى لغني.
قال أهل المعاني: في الالتفات من الغيبة إلى الخطاب دلالة على مزيد الإنكار كمن يشكو جانيا بطريق الغيبة وهو حاضر ثم يقبل على الجاني مواجها بالتوبيخ. قالوا: وفي ذكر الأعمى نحو من الإنكار أيضا لأن العمى يوجب العطف والرأفة عند ذوي الآداب غالبا لا التولي والعبوس، ولا يخفى أن نظر النبي ﷺ كان على أمر كلي هو رجاء إسلام قريش فإنه في الظاهر أهم من إجابة رجل أعمى على الفور إلا أنه سبحانه عدّ هذا الجزئي كليا من جهة أخرى هي تطييب قلوب الفقراء والضعفاء وإهمال جانب أهل الغنى والثراء، فإن هذا أدخل في الإخلاص وابتغاء رضوان الله وذلك مظنة التهمة والرياء. يحكى عن سفيان الثوري أن الفقراء كانوا في مجلسه أمراء. وأيضا فائدة الإرشاد والتعليم بالنسبة إلى هذا الأعمى أمر معلوم وبالنسبة إلى أولئك أمر موهوم لأنه جاء طالبا مسترشدا وأنهم جاءوا مستهزئين معاندين، وترك المعلوم للموهوم خارج عن طريق الاحتياط وإلى هذا المعنى أشار بقوله
стр. 3575
وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ لعل الأعمى يَزَّكَّى عما لا ينبغي أَوْ يَذَّكَّرُ يتعظ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى فيفعل ما ينبغي. وقيل: الضمير في لَعَلَّهُ للكافر يعني أي شيء أدراك بحال كل من أولئك الكفرة حتى طمعت في تطهرهم من الأوزار وانتفاعهم بالاذكار. ثم زاد تصريحا لما فعل قائلا أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى أي بالمال. وقال عطاء: عن الإيمان. وقال الكلبي: أي عن الله. والأول أولى لأنهم كانوا أغنياء وما توجه الخطاب إلا من هذه الجهة وإن كان إسلامهم موهوما فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى تتعرض وأصله تتصدد من الصدد وهو ما استقبلك فصار قبالك وَما عَلَيْكَ يحتمل أن تكون «ما» استفهامية ونافية يعني أي وبال يعود عليك أو ليس عليك بأس في أن لا يتزكى ذلك المستغني إن عليك إلا البلاغ فما الموجب للحرص والتهالك على إسلامه حتى تكسر قلوب الفقراء بالعبوس والإعراض، وهذا معنى قوله وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى يسرع في طلب الخير وَهُوَ يَخْشى الله أو يخشى الكفار وأذاهم في إتيانك. وقيل: يخشى الكيوة لأنه أعمى ما كان له قائد فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى أي تتشاغل.
قال أهل المعاني: بناء الكلامين على ضمير المخاطب تقوية إنكار التصدي والتهلي عليه أي مثلك خصوصا لا ينبغي أن يتصدّى لغنى ويتلهى عن الفقير. قوله كَلَّا ردع عن المعاتب عليه وعن معاودة مثله أي لا تفعل مثل ذلك. ثم قال إِنَّها يعني آيات القرآن وهو قول مقاتل، أو هذه السورة وهو قول الكلبي واختاره الأخفش تَذْكِرَةٌ وهي في معنى الذكر والوعظ فلذلك قال فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ والمراد أن هذا القرآن أو هذا التأديب الذي عرفناكه في إجلال الفقراء وعدم الالتفات إلى أهل الدنيا ثبت في اللوح المحفوظ الذي قد وكل بحفظه أكابر الملائكة. وفيه أن القرآن الذي بلغ في العظمة إلى هذا الحد أيّ حاجة له إلى أن يقبله هؤلاء الكفرة، فسواء قبلوه أو لا فلا تلتفت إليهم واجتهد في تطيب قلوب الفقراء الذين هم أهل الإخلاص وحزب الله. ثم وصف الصحف بأنها مكرمة عند الله مرفوعة في السماء أو مرفوعة المقدار مطهرة عن أهل الخبائث لا يمسها إلا المطهرون من تلك الملائكة وتلك الصحف بِأَيْدِي سَفَرَةٍ قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل وقتادة: هم الكتبة من الملائكة واحدها سافر مثل كتبة وكاتب، وقد مرّ في أول التفسير أن التركيب يدل على الكشف فبالكتابة يتبين ما في الضمير ويتضح. قال الفراء: اشتقاق السفرة من السفارة لأن الملائكة سفرة بين الله ورسوله ولا يخفى ما في السورة من معنى الكشف أيضا كِرامٍ على ربهم. وقال عطاء: أراد أنهم يكرمون من أن يكونوا مع ابن آدم إذا خلا مع زوجته للجماع وعند قضاء الحاجة بَرَرَةٍ أتقياء واحدها بارّ. وقيل: هي صحف الأنبياء فيكون كقوله إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى [الأعلى: ١٨] وقيل: السفرة القراء. وقيل: الصحابة. ثم عجب من
стр. 3576
صناديد قريش وأضرابهم من أهل العجب والكفر المرتفعين على الفقراء مع أن أوّلهم نطفة مذرة وآخرهم جيفة قذرة وهم فيما بين الوقتين حملة عذرة فقال قُتِلَ الْإِنْسانُ وهو دعاء عليه أشنع دعوة لأنه لا أفظع من القتل وما أَكْفَرَهُ تعجب من حال إفراطه في الكفران وتلقي نعم خالقه بالجحود والطغيان، وهذا قد ورد على أسلوب كلام العرب وأنه لا يمكن أن يحمل في حقه تعالى إلا على إرادة إيصال العقاب الشديد وليكون لطفا للمعتبرين المتعجبين المتأملين في مراتب حدوثهم التي أوّلها نطفة وأشار إليها بقوله مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ والاستفهام لزيادة التقرير في التحقير.
ثم قال فَقَدَّرَهُ فحمله الفراء على أطواره بعد كونه نطفة إلى وقت إنشائه خلقا آخر، وعلى أحواله من كونه ذكرا أو أنثى وشقيا أو سعيدا. وقال الزجاج: قدره على الاستواء كقوله ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا [الكهف: ٣٧] ويحتمل أن يراد فقدر كل عضو في الكمية والكيفية على التقدير اللائق بمصلحته. وأما المرتبة الوسطى فإليها الإشارة بقوله ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ وهو نصب على شريطة التفسير فمن فسر التقدير بالأطوار فسر السبيل بمخرج الولد من بطن أمه. يقال: إن رأس المولود في بطن أمه يكون من فوق ورجله من تحت، فإذا جاء وقت الخروج انقلب بإلهام الله تعالى إياه على أن نفس خروج الولد حيا من ذلك المنفذ الضيق من أعجب العجائب وعلى التفاسير الأخر فالمراد تسهيل سبيل الخير والشر كقوله إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ [الدهر: ٣] وأشار إلى المرتبة الأخيرة بقوله ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ أي جعله ذا قبر فيكون متعديا إلى واحد، ويحتمل أن يكون الثاني محذوفا أي فأقبره غيره. يقال: قبر الميت إذا دفنه بنفسه، وأقبر غيره الميت إذا أمره بدفنه، فالمراد أن الله سبحانه أمر بدفن الأموات الإنسية تكرمة لهم دون أن يطرحوا على وجه الأرض طعمة للسباع كسائر الحيوان ثُمَّ إن في كل هذه الانتقالات دلالات واضحة على أنه سبحانه إِذا شاءَ أن ينشر الإنسان ببعثه من قبره أَنْشَرَهُ قوله كَلَّا يجوز أن يكون ردعا للإنسان عن تكبره وترفعه أو عن كفره وإنكاره المعاد. وقال في الكشاف: وهذا هو ردع للإنسان عما هو عليه فهذا قول مجاهد إن إنسانا لم يخل من تقصير قط فلم يقض أحد من لدن آدم إلى هذه الغاية جميع ما كان مفروضا عليه. وقال آخرون: معناه أن الإنسان الكافر لم يقض بعد ما أمره الله من التأمل في دلائل التوحيد والبعث. وقال الأستاذ أبو بكر بن فورك: القضاء بمعنى الحكم والضمير لله أي لم يقض الله لهذا الكافر ما أمره به من الإيمان وترك التكبر بل أمره بما لم يحكم له به. وحين فرغ من دلائل الأنفس أردفها بدلائل الآفاق قائلا فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ نظر استدلال وتدبر إِلى طَعامِهِ الذي يعيش به كيف دبرنا أمره من إنزال الماء من السماء، ثم شق
стр. 3577
الأرض بالنبات أو بالكراب على البقر فيكون إسناد الفعل إلى السبب. والحب ما يصلح للقوت كالحنطة والشعير، والقضب العلف بعينه قاله الحسن. وقال أكثر المفسرين: إنه القت لأنه يقضب مرة بعد أخرى أي يقطع. والغلب الغلاظ الأعناق في الأصل يقال: أسد أغلب، ثم استعير للحدائق أنفسها لتكاثف أشجارها ولأشجارها لعظمها وغلظها. ثم أجمل الفاكهة ليعم الكل وأجمل العلف بقوله وَأَبًّا للعموم وهو المرعى لأنه يؤب أي يؤم وينتجع. والأب والأم إخوان قاله جار الله. وقيل: الأب الفاكهة اليابسة المعدّة للبقاء. والفاء في قوله فَإِذا جاءَتِ مثل ما مر في «النازعات» والصَّاخَّةُ النفخة الأخيرة. قال الزجاج: أصل الصخ الطعن، والصك صخ رأسه بالحجر أي شدخه، والغراب يصخ بمنقاره في دبر البعير أي يطعن، والنفخة لشدّتها تصك الآذان. وقال جار الله: يقال صخ لحديثه مثل أصاخ له فوصف النفخة بالصاخة مجاز لأن الناس يصخون لها أي يستمعون. وفرار المرء من الجماعة المذكورين إما بالصورة وذلك للاحتراز عن المطالبة بالتبعات يقول الأخ: ما واسيتني بمالك. ويقول الأبوان: قصرت في برنا. وتقول الصاحبة: أطعمتني الحرام وفعلت كذا وكذا، والبنون يقولون: لم تعلمنا ولم ترشدنا. قال جار الله: إنما بدأ بالأخ ثم بالأبوين لأنهما أقرب منه، والفرار إنما يقع من الأبعد ثم من الأقرب، وأخر الصاحبة والبنين لأن البنين أقرب وأحب فكأنه قيل: يفر من أخيه بل من أبيه بل من صاحبته وبنيه. وأقول: هذا القول يستلزم أن تكون الصاحبة أقرب وأحب من الأبوين ولعله خلاف العقل والشرع، والأصوب أن يقال: أراد أن يذكر بعض من هو مطيف بالمرء في الدنيا من أقاربه في طرفي الصعود والنزول فبدأ بطرف الصعود لأن تقديم الأصل أولى من تقديم الفرع، وذكر أوّلا في كل من الطرفين من هو معه في درجة واحدة وهو الأخ في الأول، والصاحبة في الثاني على أن وجود البنين موقوف على وجود الصاحبة فكانت بالتقديم أولى. وقيل: أول من يفر من أخيه هابيل، ومن أبويه إبراهيم، ومن صاحبته نوح ولوط، ومن ابنه نوح. والأنسب عندي أن يكون الفار
قابيل وقد جاء هكذا في بعض الروايات، والأظهر أن الفرار المعنيّ هو قلة الاهتمام بشأن هؤلاء بدليل قوله لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ أي يصرفه ويصدّه عن قرابته. قال ابن قتيبة: ويقال أغن عني وجهك أي اصرفه. وعندي أن اشتقاقه من الغنى وذلك أن من أغناك فقد صرفك عن نفسه أو عن طلب حاجته. ثم ذكر أن الناس يومئذ فريقان وأن أهل الكمال تلوح على وجوههم أنوار الكمال من أسفر الصبح إذا أضاء يستبشرون بأنواع المسار، ويضحكون بدل ما كانوا يبكون في الدنيا خوفا من عقاب الله تعالى، وأن أهل النقائص يظهر على وجوههم سواد مع غبرة كوجوه الزنوج مثلا إذا
стр. 3578
أعبرت. والقترة سواد كالدخان جمع الله في وجوههم ظلمة الضلال والكفر مع غبار الفجور والفسق ولهذا نعى عليهم بقوله أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ أعاذنا الله في الدارين من مثل أحوالهم.
стр. 3579
(سورة التكوير)
(مكية حروفها خمسمائة وثلاثة وثلاثون كلها مائة وتسع وثلاثون آياتها تسع وعشرون)
[سورة التكوير (٨١) : الآيات ١ الى ٢٩]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤)
وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)
وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤)
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)
ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤)
وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩)
القراآت
سُجِّرَتْ بالتخفيف: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب. قتلت بالتشديد: يزيد ونُشِرَتْ مخففا: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعاصم غير يحيى وحماد الْجَوارِ ممالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو في رواية بظنين بالظاء: ابن كثير وعلي وأبو عمر ويعقوب. الباقون: بالضاد.
الوقوف
كُوِّرَتْ هـ ص انْكَدَرَتْ هـ ص سُيِّرَتْ هـ ك عُطِّلَتْ هـ ك حُشِرَتْ هـ ك سُجِّرَتْ هـ ك زُوِّجَتْ هـ ك سُئِلَتْ هـ ك قُتِلَتْ هـ ج لاعتراض الاستفهام بين النسق نُشِرَتْ هـ ص كُشِطَتْ هـ ك سُعِّرَتْ هـ ك أُزْلِفَتْ هـ ك أَحْضَرَتْ هـ ط لتمام الشرط والجزاء والتقدير إذا كورت الشمس كورت ارتفعت الشمس بفعل مضمر تفسيره الظاهر وكذلك ما بعدها. وقوله عَلِمَتْ جواب عن الكل وهو العامل في «إذا» وما عطف عليها بِالْخُنَّسِ هـ لا الْكُنَّسِ هـ لا عَسْعَسَ هـ ك تَنَفَّسَ هـ ك كَرِيمٍ هـ ك مَكِينٍ هـ ك أَمِينٍ هـ ط بناء على أن ما بعده مستأنف ومن جعل
стр. 3580
وَما صاحِبُكُمْ وما بعدها معطوف على جواب القسم لم يقف على أَمِينٍ إلى قوله فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ. بِمَجْنُونٍ هـ ج الْمُبِينِ هـ ج بِضَنِينٍ هـ ج رَجِيمٍ هـ ج تَذْهَبُونَ هـ ط لِلْعالَمِينَ هـ لا لأن ما بعده بدل البعض يَسْتَقِيمَ هـ الْعالَمِينَ هـ.
التفسير:
إنه سبحانه لما ذكر الطامة والصاخة في خاتمتي السورتين المتقدمتين أردفهما بذكر سورتين مشتملتين على أمارات القيامة وعلامات يوم الجزاء. أما هذه ففيها اثنا عشر شيئا أوّلها تكوير الشمس وفيه وجهان: أحدهما إزالة النور لأن التكوير هو التلفيف على جهة الاستدارة كتكوير العمامة.
وفي الحديث «نعوذ بالله من الحور بعد الكور» «١»
أي من التشتت بعد الألفة والاجتماع، ومنه كارة القصار وهي ثوب واحد يجمع ثيابه فيه. ولا يخفى أن الشيء الذي يلف يصير مخفيا عن الأعين فعبر عن إزالة النور عن جرم الشمس وصيرورتها غائبة عن الأعين بالتكوير. الثاني أن يكون من قولهم طعنه فحوره وكوره إذا ألقاه أي ألقيت ورميت عن الفلك. وثانيها انكدار النجوم أي تساقطها وتناثرها والأصل في الانكدار الانصباب وكل متراكب ففيه كدورة فلهذا يقال للجيش الكثير دهماء. قال الخليل:
انكدر عليهم القوم إذا جاءوا أرسالا فانصبوا عليهم. قال الكلبي: تمطر السماء يومئذ نجوما فقال عطاء: وذلك أنها في قناديل معلقة بين السماء والأرض بسلاسل من النور وتلك السلاسل في أيدي الملائكة، فإذا مات من في السماء والأرض تساقطت تلك السلاسل من أيدي الملائكة.
ويروى في الشمس والنجوم أنها تطرح في جهنم ليراها من عبدها.
وثالثها تسيير الجبال وقد مر في سورة «عم» . ورابعها تعطيل العشار وهي جمع عشراء كالنفاس في نفساء. والعشراء الناقة التي أتى عليها من يوم أرسل عليها الفحل عشرة أشهر، ثم هو اسمها إلى أن تضع الحمل لتمام السنة، وهي أنفس ما يكون عند أهلها وهم العرب فخوطبوا بما هو مركوز في أذهانهم مصوّر في خزانة خيالهم، والغرض بيان شدّة الاشتغال بأنفسهم حتى يعطلوا ويهملوا ما هو أهم شيء عندهم. وقيل: العشار هي السحاب تعطلت عما فيها من الماء، ولعله مجاز من حيث إن العرب تشبه السحاب بالحامل. قال الله تعالى فَالْحامِلاتِ وِقْراً [الذاريات: ٢] وخامسها حشر الوحوش والوحش ضد ما يستأنس به من دواب البر.
قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص، وفيه أنه سبحانه إذا كان لا يهمل أمر الوحوش فكيف يهمل أمر المكلفين. قال الإمام فخر الدين: وفيه دليل على أن هول ذلك
стр. 3581
اليوم بلغ مبلغا لا يفرغ الوحوش للنفار عن الإنسان ولا بعضها للاحتراز عن بعض مع العداوة الطبيعية بين بعض الأصناف حتى صار بعضها غذاء بعض. قلت: هذا الاستدلال ضعيف فإن الوحوش في الدنيا أيضا مجتمعة مع الناس ومع أضدادها لكن في أمكنة مختلفة، فلم لا يجوز أن تكون في القيامة أيضا كذلك. وعن ابن عباس في رواية إن حشر الوحوش عبارة عن موتها وذلك إذا قضى بينها فردّت ترابا فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم وإعجاب بصورته كالطاوس ونحوه. يقال: إذا اجتاحت السنة الناس وأموالهم حشرتهم السنة أي أماتتهم. السادس تسجير البحار أي تنشيف ما فيها من الرطوبة حتى لا يبقى فيها شيء من المياه وقد سبق في «الطور» . السابع تزويج النفوس وهو اقتران الأرواح بالأجساد. وقال الحسن: هو كقوله وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً [الواقعة: ٧] أي صنفتم أصنافا ثلاثة وقريب منه قول من قال: هو أن يضم كل واحد إلى من يجانسه ويكون في طبقته من خير أو شر. وقول من قال: هو أن يقرن بين الرجل وبين من كان يلازمه في الدنيا من ملك أو سلطان. وقال ابن عباس: زوّجت نفوس المؤمنين بالحور العين، ونفوس الكافرين بالشياطين، ويقرب منه قول الزجاج هو أن تقرن النفوس بأعمالها. الثامن سؤال الموؤدة. قال جار الله: وأد يئد مقلوب آد يؤد إذا أثقل لأنه إثقال بالتراب، وكانوا يدفنون بناتهم في الأرض أحياء خوفا من الفقر ولخوف العار كما مر في «النحل» وغيره. ومعنى هذا السؤال تبكيت قاتلها كما يخاطب عيسى بقوله أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ [المائدة: ١١٦] والغرض تبكيت النصارى. وقيل: الموؤدة هي التي تسأل نفسها فهي السائلة والمسئول عنها. وإنما قيل قُتِلَتْ ماضيا مجهولا غائبا بناء على أن الكلام إخبار عنها، ولو حكى ما خوطبت به حين سئلت لقيل قتلت مجهولا مخاطبا، ولو حكى كلامها حين سألت لقيل قتلت متكلما مجهولا وبه قرأ ابن عباس. قالت المعتزلة وبه يحتج صاحب الكشاف: إن في الآية دلالة على أن أطفال المشركين لا يعذبون لأنه تعالى إذا بكت الكافر بسببها فلأن لا يعذبها أولى. ويمكن أن يجاب بأن تعذيب الوائد للوأد من جهة أنه تصرف في ملك الله تعالى بغير حق لا ينافي تعذيب الموؤدة من جهة أخرى وهي أن حكمها في الإسلام والكفر حكم أبيها. التاسع نشر صحف الأعمال. عن قتادة: هي صحيفتك يا ابن آدم تطوى على عملك حين موتك ثم تنشر يوم القيامة فلينظر رجل يملى في صحيفته. ويجوز أن يراد نشرت بين أصحابها أي فرقت بينهم. وعن مرثد بن وداعة: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية وتقع صحيفة الكافر في يده في سموم وحميم أي مكتوب فيها ذلك وهي صحف غير صحف الأعمال قاله في الشكاف. العاشر كشط السماء كما يكشط
стр. 3582
الإهاب عن الذبيحة. والغطاء عن الشيء أي كشفت وأزيلت عما فوقها وهو الجنة وعرش الله تعالى. الحادي عشر والثاني عشر تسعير الجحيم أي إيقادها وإزلاف الجنة أي إدناؤها. استدل بعضهم بالآية على أن النار غير مخلوقة الآن لأنه علق تسعيرها بيوم القيامة، ويمكن المعارضة بأنها تدل على أن الجنة مخلوقة وإلا لم يمكن إزلافها على أن تعليق تسعير الجحيم بيوم القيامة لا ينافي وجودها قبل ذلك غير موقدة إيقادا شديدا. وقيل: يسعرها غضب الله وخطايا بني آدم.
وقوله عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ كقوله يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً [آل عمران: ٣٠] والتنوين في نَفْسٌ للتقليل على أنه مفيد للتكثير بحسب المقام نحو قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ [النور: ٦٣] رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [الحجر: ٢] ويجوز عندي أن يكون للتعظيم أو للنوع يعني النفس الإنسانية لا النباتية ولا الحيوانية ولا الفلكية عند القائلين بها. وإسناد الإحضار إلى الأنفس مجاز لأن الملائكة أحضروها في الصحف أو في الموازين إلا أنها لما تسبب منها ذلك أسند إليها على أن آثار أعمالها إنما تلوح عليها.
قال أهل التأويل: هذه الأحوال يمكن اعتبارها في وقت القيامة الصغرى وهي حالة الموت، فالشمس النفس الناطقة، وتكويرها قطع تعلقها، وانكدار النجوم تساقط القوى، وتسيير الجبال انعزال الأعضاء الرئيسة عن أفعالها، والعشار البدن يهمل أمرها، وحشر الوحوش ظهور نتائج الأفعال البهيمية والسبعية على الشخص، وتسجير البحار نفاد الأوهام الباطلة والأماني الفارغة فإنها بحر لا ساحل له دون الموت الاختياري أو الاضطراري، وتزويج النفوس انضمام كل ملكة إلى جنسها الظلمة إلى الظلمة والنور إلى النور، والموؤدة القوّة التي ضيعها المكلف في غير ما خلقت لأجله. وسمعت بعض المحققين من أساتذتي أنها كل مسألة سنحت للخاطر ولم تقيد بالكتابة حتى غابت. والسماء سماء الأرواح والباقي ظاهر. وحين أثبت المعاد شرع في النبوّات فأكدها بالحلف. والخنس جمع خانس، والكنس جمع كانس. والأكثرون على أنها السيارات الخمسة الجاريات مع النيرين في أفلاكها بالارتباطات المعلومة من الهيئة وقد ذكرنا طرفا منها في البقرة بقوله إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الآية: ١٦٤] وفي قوله فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ [البقرة: ٢٩] فخنوسها رجوعها ومنه الخناس للشيطان، وكنوسها اختفاؤها تحت ضوء الشمس ومنه كنس الوحش إذا دخل كناسه. والمنجمون يسمون زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد متحيرة لمشاهدة الوقوف والرجوع منها بعد الاستقامة وهي حركتها الخاصة من المغرب إلى المشرق على توالي البروج أي من الحمل إلى الثور ثم إلى الجوزاء وهكذا على الترتيب.
стр. 3583
فإذا تحركت القهقري بعكس هذا الترتيب شبه الحركة اليومية. يقال: إنها راجعة أقسم الله بها إذ أحوالها أغرب ورباطاتها مع الشمس أعجب كما بين في ذلك العلم.
وعن علي ﵁ وهو قول عطاء ومقاتل وقتادة أنها هي جميع الكواكب وخنوسها غيبتها عن البصر بالنهار وكنوسها ظهورها للبصر في الليل كما يظهر الوحش من كناسه.
وعن ابن مسعود والنخعي أنها بقر الوحش وخنوسها صفة لأنوفها ومنه «رجل أخنس وامرأة خنساء» وفي هذا القول بعد عن الخنس المقسم بها لأنه لا يناسب ما بعده. وقال أهل التأويل: هي الحواس الخمس تظهر آثارها تارة وتغيب أخرى. ثم أقسم بالليل والنهار. ومعنى عسعس أقبل وأدبر فهو من الأضداد، وتنفس الصبح مجاز عن تخلصه من ظلمة الليل كنفس المكروب إذا وجد راحة أو مجاز عما يكون عنده من روح ونسيم. والضمير في إِنَّهُ للقرآن، والرسول الكريم جبرائيل، وكرمه على ربه أن جعله واسطة بينه وبين أشرف عباده وهم الأنبياء، وكرمه في نفسه أنه لا يدل إلا على الخير والكمال. ومعنى كون القرآن قول جبرائيل أنه وصل منه إلى النبي ﷺ وذلك أن النزاع وقع من الكفرة في أنه قول محمد أو هو من السماء فأثبت الثاني ليلزم نفي الأول. وفي لفظ رسوله دلالة على أنه ليس قوله بالاستقلال. وقوله ذِي قُوَّةٍ كقوله ذي مرة [النجم:
٦] وقد مر بالنجم. وقوله عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ أي عند ربه بالقرب كقوله وَمَنْ عِنْدَهُ [الرعد: ٤٣] والمكين ذو الجاه الذي يعطى ما يسأل يقال مكن فلان بضم الكاف مكانة.
وقوله ثَمَّ إشارة إلى الظرف المذكور أي مطاع عند الله في الملائكة المقربين يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه أَمِينٍ على الوحي والسفارة وقد عصمه الله من الخيانة والزلل.
استدل في الكشاف بالآيات على تفضيل الملك على الأنبياء وقال: لأنه وصف جبرائيل بصفات الكرامة، ثم وصف النبي ﷺ بقوله وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ وشتان بين الوصفين.
قلت: أمثال هذا التغليط من باب الجنون وهذا نشأ من سماع لفظ المجنون. والتحقيق أن ذكر جبرائيل ومدحه وقع استطرادا لبيان مدح النبي ﷺ والمبالغة في صدقه فإن الكفرة زعموا أن القرآن إفك افتراه مجنون به وأعانه عليه قوم آخرون فلم يكن بد من نفي الجنون عنه. ووصف جبرائيل بالأمانة والمكانة وغيرهما فإن شرف الرسول يدل على شرف المرسل إليه وصدقه، فالعجب من الزمخشري أنه كيف سمع لفظ المجنون فاعتراه حتى استدل به على مفضولية أشرف المخلوقات، ولم يعلم أن ذكر جبرائيل ووصفه بأوصاف الكمال اتفق لغرض تزكية النبي ﷺ . والعجب من الإمام فخر الدين الرازي أيضا أنه كيف أورد حجته الواهية في تفسيره ولم يتعرض للجواب عنه مع كمال حرصه على تزييف أدلتهم. ثم حكى أنه قد رأى جبرائيل على صورته الأصلية بحيث حصل عنده علم ضروري بأنه ملك مقرب لا
стр. 3584
شيطان رجيم فقال وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ وهو أفق الشمس كما مر في «النجم» . ثم أخبر عن صدقه وإشفاقه فقال وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ومن قرأ بالظاء الذي مخرجه من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا كالذال والثاء فهو من الظنة التهمة أي ليس بمتهم بل هو ثقة فيما يؤدي عن الله بواسطة جبرائيل. ومن قرأ بالضاد الذي مخرجه من أصل حافة اللسان وما بينها من الأضراس ومن يمين اللسان أو يساره وإخراجه من الجانب الأيسر الأسهل، وقد يسهل على بعض الناس كلاهما فمعناه أنه لا يضن بالوحي أي لا يبخل به من الضن وهو البخل، وفيه أنه لا يكتم شيئا من الوحي مما أمر بإظهاره وأنه لا يمنع المستعدّين من الإرشاد والكمال فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ بعد هذه البيانات وفيه استضلال لهم كقولك لتارك لجادّة اعتسافا أين تذهب، مثلت حالهم في ترك الحق والعدول عنه إلى الباطل براكب التعاسيف الذي يستأهل أن يقال له أين تذهب. قوله لِمَنْ شاءَ فائدة هذا الإبدال أن نفع التذكير يعود إليهم فكأن غيرهم لم يوعظ والاستقامة هي سلوك الصراط المستقيم صراط الله الذي له ما في السموات والأرض. ولا يخفى ما بينها وبين قوله فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ من التناسب والطباق وفيه دليل القدرية إلا أن قوله وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ فيه دليل الجبرية كما مر في آخر هَلْ أَتى وغيره والله الموفق.
стр. 3585
(سورة انفطرت)
(مكية حروفها ثلاثمائة وسبعة وعشرون كلماتها ثمانون آياتها ١٩)
[سورة الانفطار (٨٢) : الآيات ١ الى ١٩]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)
عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)
يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)
القراآت
فجرت بالتخفيف: ابن شنبوذ عن أهل مكة فَعَدَلَكَ مخففا: يزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل رَكَّبَكَ كَلَّا مدغما: أبو عمرو وقتيبة عنه يكذبون على الغيبة: يزيد يوم لا بالرفع: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.
الآخرون: بالفتح.
الوقوف
انْفَطَرَتْ هـ ك انْتَثَرَتْ هـ ك فُجِّرَتْ هـ ك بُعْثِرَتْ هـ ك وَأَخَّرَتْ هـ ط الْكَرِيمِ هـ لا فَعَدَلَكَ هـ ط بناء على أن الظرف بعده متعلق ب رَكَّبَكَ ومن خفف فَعَدَلَكَ لم يقف بناء على أنه جعل «في» بمعنى «إلى» أي فعدلك إلى أي صورة ما شاء رَكَّبَكَ هـ ط بناء على أن «كلا» توكيد لتحقيق بل ومن جعله ردعا عن الاعتراف لم يقف بِالدِّينِ هـ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف والوصل أجوز إلا من قرأ يكذبون على الغيبة فإنه يقف مطلقا للعدول لَحافِظِينَ هـ لا كاتِبِينَ هـ ك تَفْعَلُونَ هـ نَعِيمٍ هـ ج جَحِيمٍ هـ ج لاحتمال أن ما بعده مستأنف أو صفة جحيم بِغائِبِينَ هـ ط لابتداء النفي أو الاستفهام الدِّينِ هـ يَوْمُ الدِّينِ هـ لا لمن قرأ يوم بالنصب أي ذلك في يوم ومن رفعه على أنه بدل من يوم الدين فلا وقف.
شَيْئاً ط لِلَّهِ هـ ط.
التفسير:
إنه سبحانه يذكر طرفا آخر من أشراط الساعة في هذه السورة. فأوّلها انفطار السماء أي انشقاقها كقوله في الفرقان وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ [الفرقان: ٢٥] وكما
стр. 3586
يجيء في قوله إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] وفيه كذا في قوله وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ إبطال قول من زعم أن الفلكيات لا تنخرق. أما الدليل المعقول الذي ذكره الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره وهو أن الأجسام متماثلة في الجسمية فيصح على كل واحد منها ما يصح على الباقي لكن السفليات يصح عليها الانخراق فيصح على العلويات أيضا فغير مفيد ولا مقنع، لأن الخصم لو سلم الصحة فله أن ينازع فى الوقوع لمانع كالصورة الفلكية وغيرها. وأما تفجير البحار فقد فسروها بفتح بعضها إلى بعض حتى تصير البحار كلها بحرا واحدا وذلك لتزلزل الأرض وتصدعها حتى يرتفع الحاجز الذي بين البحار الشرقية وبين البحار الغربية. وقد فسره في الكشاف بزوال البرزخ بين العذب والمالح حتى يختلطا وهو تصوّر فاسد نشأ من مجرّد سماع لفظ ارتفاع البرزخ. وعن الحسن: إن الأرض تنشف الماء بعد امتلاء البحار فتصير مستوية وهو معنى التسجير عنده كما مر في السورة المتقدّمة. قال جار الله: بعثر وبحثر بمعنى وهما من البعث والبحث زيد فيهما الراء والمعنى بحثت القبور وأخرج موتاها. ولأهل التأويل أن يحملوا بعثرة القبور على كشف الأسرار والأحوال الخفية، ومعنى التقديم والتأخير قد سبق في القيامة في قوله يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ
[القيامة: ١٣] والمراد جميع أعمالها وإنما يحصل بها العلم الإجمالي عند الموت أو في أوائل أشراطه ثم يزيد شيئا فشيئا إلى حين مطالعة صحيفة العمل. ولما أخبر عن وقوع الساعة والحشر بين ما يدل عليه عقلا فقال يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ هو الكافر المنكر للبعث عند طائفة لقوله بعد ذلك كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ وقد يخص ببعضهم فروي عن ابن عباس أنها نزلت في الوليد بن المغيرة. وعن الكلبي ومقاتل في الأشد بن كلدة. وذلك أنه ضرب النبي ﷺ فلم يعاقبه الله تعالى وأنزل الآية. والأقرب أنها تتناول جميع العصاة وخصوص السبب لا يقدح في العموم، وهاهنا سؤال وهو أنه تعالى وصف نفسه في هذا المقام بالكرم وهذا الوصف يقتضي الاغترار به حتى قالت العقلاء: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه. وسمع الموبذ في مجلس أنوشروان ضحك الخدم فقال: أما يهاب هؤلاء الغلمان. فقال:
إنما يهابنا أعداؤنا.
وعن علي ﵁ أنه دعا غلامه مرات فلم يجبه فنطر فإذا هو بالباب فقال لم لم تجبني؟ فقال: لثقتي بتحملك وأمني من عقوبتك فاستحسن جوابه فأعتقه.
«قال مؤلف الكتاب» : إني في عنفوان الشباب رأيت فيما يرى النائم أن القيامة قد قامت وقد دار في خلدي أن الله تعالى لو خاطبني بقوله يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فمادّا أقول؟ ألهمني الله في المنام أن أقول: غرني كرمك يا رب. ثم إني وجدت هذا المعنى قد ذكر في بعض التفاسير. وعن الفضيل بن عياض أنه قال: أقول في الجواب غرتني ستورك المرخاة. وإذا ثبت أن الكرم يقتضي أن يغتر بصاحبه فكيف وقع الإنكار عليه؟
стр. 3587
والجواب من وجهين: الأول أن كل كريم فهو حكيم لأن إيصال النعم إلى الغير لو لم يكن مبنيا على داعية الحكمة كان تبذيرا لا كرما فكأنه سبحانه قال: كيف اغتررت بكرمي وكرمي حقيقي صادر عن الحكمة وهي تقتضي أن لا يهمل وإن أمهل، وأن ينتقم للمظلوم من الظالم ولو بعد حين، وأن يعيد الناس لأجل المجازاة حتى يظهر المحسن من المسيء والبر من الفاجر لا يضيع حقوق الناس؟.
والحاصل أن الكرم بالخلق والتسوية وهي انتصاب القامة أو سلامة الأعضاء، وبالتعديل وهو تناسبها أو جعله مستعدّا لقبول الكمالات لا يقتضي أن لا يعيده إلى الحالة الأولى لأجل المجازاة، بل يجب أن يعيده تتميما للنعمة وإظهارا للحكمة. الثاني أن كرمه السابق بالخلق وغيره لا يوجب كرما لا حقا بالعفو والغفران لجميع المعاصي لأن غاية الكرم هو أن يبتدئ بالنعم من غير عوض ولا غرض، أما الكريم إذا أمر المنعم عليه بشيء وإنه يتلقاه بالعصيان فليس من الكرم أن يغمض عن جرمه بل قد يعدّ ذلك ضعفا وذلة ولا سيما إذا كان المأمور به هو معرفة المنعم ولهذا روي عن عمر مرفوعا «غره جهله» . وعن الحسن: غره والله شيطانه الخبيث حتى طمع في الكرم اللاحق لأجل الكرم السابق.
خصوصا إذا لم يكن ممن حصل له معرفة ربه في الدنيا. قال النحويون: «ما» في ما شاءَ مزيدة قلت: وذلك بالنظر إلى أصل المعنى وإلا فهي مفيدة للتأكيد أي في كل صورة من الصور شاء كقوله هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ [آل عمران: ٦] وإنما لم يقل «ففي أي صورة» بالفاء العاطفة على نسق ما تقدّمها لأنها كالبيان بعد ذلك. والجارّ متعلق بركب أي ركبك في أي صورة اقتضتها حكمته أو بمحذوف أي حاصلا في بعض الصور المرادة. وجوّز جار الله أن يتعلق ب فَعَدَلَكَ ويكون في أيّ معنى التعجب أي فعدّلك في صورة عجيبة ثم قال ما شاء أي ركبك ما شاء من التركيب. قال الحسن: منهم من صوّره ليستخلصه له، ومنهم من صوّره ليشغله بغيره. قلت: الأوّلون مظاهر اللطف والجمال، والآخرون مظاهر القهر والجلال. ثم زجرهم عن الاغترار بقوله كَلَّا وهي حرف وضع في اللغة لنفي ما تقدم وتحقيق غيره أي ليس الأمر كما تقولون من أنه لا بعث ولا نشور، ولئن فرض فالله كريم غفار للذنوب، ولئن قدّر أنه معاقب فلعله غير عالم بالجزئيات فكيف يحاسب فنبههم الله تعالى على خطئهم بأن تكذيبهم بالجزاء إنما وقع في حال تسليط الحفظة عليهم، وهذا التكذيب أيضا من جملة ما يكتبونه. أو نقول: لما ردعهم عن الطمع الفارغ والأمل المنكر أضرب عنه إلى ما هو شر منه وهو إنكار الجزاء أصلا. وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم إشارة إلى أن أمر الجزاء عند الله تعالى من عظائم الأمور
стр. 3588
والاشغال. قال بعضهم: من لم يزجره عن المعاصي مراقبة الله إياه كيف يردّه عنها الكرام الكاتبون؟ قلت: لا ريب أن الأول أصل والثاني فرع إلا أن المكلف لإلفه بالمحسوسات يزجره ما هو أقرب إلى عالم الحس أكثر ما يزجره ما هو أقرب إلى عالم الأرواح ولهذا تقع الزواجر والروادع في المدينة الفاضلة. ثم ذكر فائدة كتابة الحفظة وغايتها فقال إِنَّ الْأَبْرارَ إلى آخره. يحكى أن سليمان بن عبد الملك مر بالمدينة وهو يريد مكة فقال لأبي حازم:
كيف القدوم على الله غدا؟ فقال: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه. قال: فبكى ثم قال: ليت شعري مالنا عند الله فقال أبو حازم:
اعرض عملك على كتاب الله قال: في أي مكان؟ قال في قوله إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
قال جعفر الصادق: النعيم المعرفة والمشاهدة، والجحيم ظلمات الشهوات.
وقال آخرون: النعيم القناعة والتوكل، والجحيم الطمع والحرص، وقال العارفون: النعيم الاشتغال بالله والجحيم الاشتغال بما سواه. وقوله وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ كقوله وما هم بخارجين منها أو أراد ما كانوا يغيبون عنها قبل ذلك أي في قبورهم فيكون قد بين حال البرزخ كما شرح حال المبدأ والمنتهى. ثم نبه بقوله وَما أَدْراكَ مرتين أن يوم الدين مما لا يكتنه كنه شدته، والخطاب للنبي ﷺ لأنه لم يعرفه إلا بالوحي. وقيل:
للكافر. ثم وصفه مجملا بقوله يَوْمَ لا تَمْلِكُ إلى آخره أي لا ملك ولا تصرف في ذلك بظاهر وحقيقة الإله تعالى.
الوقوف
لِلْمُطَفِّفِينَ هـ لا يَسْتَوْفُونَ هـ للفصل بين تناقض الحالين ولكن يلزم تفريق الوصفين مع اتفاق الجملتين يُخْسِرُونَ هـ للاستفهام عَظِيمٍ هـ لا لأن التقدير لأمر يوم عظيم في يوم كذا وهو بدل بني على الفتح للإضافة إلى الجملة لِرَبِّ الْعالَمِينَ هـ ط لأن «كلا» لتحقيق أنّ بمعنى «ألا» التي للتنبيه أو حقا أو هو ردع عن التطفيف وكذا أخواتها في السورة سِجِّينٍ هـ ط ما سِجِّينٌ هـ ط للحذف أي هو كتاب مَرْقُومٌ هـ ط لأن وَيْلٌ مبتدأ لِلْمُكَذِّبِينَ هـ لا الدِّينِ هـ ط للابتداء بالنفي أَثِيمٍ هـ لأن الشرطية بعده صفة أخرى له الْأَوَّلِينَ هـ والوقف لما ذكر يَكْسِبُونَ هـ لَمَحْجُوبُونَ هـ لأن «ثم» لترتيب الأخبار الْجَحِيمِ هـ ك لاختلاف الجملتين تُكَذِّبُونَ هـ ك عِلِّيِّينَ هـ ك عِلِّيُّونَ هـ ك مَرْقُومٌ هـ لا لأن ما بعده صفة الْمُقَرَّبُونَ هـ ط نَعِيمٍ هـ لا لأن ما بعده حال أو صفة يَنْظُرُونَ هـ لا لذلك النَّعِيمِ هـ ج لأن ما بعده يصلح مستأنفا أو حالا مَخْتُومٍ هـ لا لأن ما بعده وصف مِسْكٌ ط الْمُتَنافِسُونَ هـ ط تَسْنِيمٍ هـ لا بناء على أن عَيْناً حال كما قال الزجاج. فإن أريد النصب على المدح جاز الوقف الْمُقَرَّبُونَ هـ ط يَضْحَكُونَ هـ ط للآية ولكن إتمام الكلام أولى يَتَغامَزُونَ
هـ ك لذلك فَكِهِينَ هـ ك لَضالُّونَ هـ لا لأن المنفية حال حافِظِينَ هـ ط لتبدل الكلام معنى يَضْحَكُونَ هـ لا يَنْظُرُونَ هـ ط يَفْعَلُونَ هـ.
التفسير:
إنه سبحانه لما ذكر في السورة المتقدمة بعض أشراط الساعة وأخبر عن طرف من أحوالها وأهوالها صدّر هذه السورة بالنعي على قوم آثروا الحياة الزائلة على الحياة الباقية، وتهالكوا في الحرص على استيفاء أسبابها حتى اتسموا بأخس السمات وهي التطفيف. والتركيب يدل على التقليل وطف الشيء جانبه وحرفه، وطف الوادي والإناء إذا بلغ الشيء الذي فيه حرفه ولم يمتلئ. وقال الزجاج: إنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان مطفف لأنه لا يكون الذي يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف.
روي أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وكانوا من أخبث الناس كيلا فنزلت فأحسنوا الكيل.
قلت: إن كانت السورة مدنية فظاهر، وإن كانت مكية فلعل النبي حين قدم المدينة قرأها عليهم. وهكذا الوجه فيما
روي أن أهل المدينة كانوا تجارا يطففون وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة يعني بيع الغرر كالطير في الهواء فنزلت، فخرج رسول الله ﷺ فقرأها عليهم فقال «خمس بخمس. قيل: يا رسول الله وما خمس بخمس؟ قال: ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوّهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا
стр. 3591
الزكاة إلا حبس عنهم القطر» «١»
وعن علي ﵁ مر برجل يزن الزعفران وقد أرجح فقال له: أقم الوزن بالقسط ثم أرجح بعد ذلك ما شئت.
كأنه أخبره بالتسوية أوّلا ليعتادها ويفصل الواجب من النفل. وعن أبيّ: لا تلتمس الحوائج ممن رزقه في رؤوس المكاييل وألسن الموازين. والاكتيال الأخذ بالكيل كالاتزان الأخذ بالوزن. قال الفراء: «من» و «على» يعتقبان في هذا الموضع. فمعنى اكتلت عليك أخذت ما عليك، ومعنى أكتلت منك استوفيت منك. وقال أهل البيان: وضع «على» مكان «من» للدلالة على أن اكتيالهم من الناس اكتيال فيه ضرر. وجوز أن يتعلق الجار ب يَسْتَوْفُونَ والتقديم للتخصيص أي يستوفون على الناس خاصة، فأما أنفسهم فيستوفون لها. والضمير في كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ منصوب راجع إلى الناس والأصل كالوا لهم ووزنوا لهم فحذف الجار وأصل الفعل. قال الكسائي والفراء: هذه لغة الحجاز ومنه المثل «الحريص يصيدك لا الجواد» أي الحريص يصيد لك لا الفرس الجواد. ويجوز أن يكون على حذف المضاف والتقدير وإذا كالوا مكيلهم أو وزنوا موزونهم. وعن عيسى بن عمر وحمزة أنهما كانا يجعلان الضميرين للمطففين على أنهما توكيد للمرفوع ويقفان عند الواوين وقفة يبينان بها ما أرادا. وخطأهما بعضهم بأن الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ثابتة فيه، ولو كان الضميران للتأكيد لم يكن يد من الألف، وزيفت هذه التخطئة بأن خط المصحف لا يقاس عليه فكم من أشياء فيه خارجة عن اصطلاح الخط. وقد ذكر الزمخشري في إبطال قولهما أن المعنى حينئذ يؤل إلى قول القائل وإذا تولوا الكيل والوزن هم على الخصوص بأنفسهم اخسروا أي نقصوا، وهذا كلام متنافر لأن الحديث واقع في الفعل لا في المباشر. قلت:
النظم على قولهما باق على حالته من الإعجاز والفصاحة لأنه يفيد ضربا من التوبيخ، فإنهم إذا أخسروا وقد تولوا الكيل أو الوزن بأنفسهم ولم يمنعهم من ذلك مانع من الدين والمروءة، فلأن يرضوا بالإخسار وقد تولاه لأجلهم من تعلق بهم يكون أولى، ومن قلة مروأتهم ودينهم أنهم كانوا متمكنين في الإعطاء من البخس في الكيل وفي الوزن جميعا ولهذا قال سبحانه وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ وأما في الأخذ فالميزان غالبا يكون بيد البائع فلا يتمكن المشتري من التصرف فيه بالزيادة المعتد بها فإن الكفة تميل بأدنى ثقل، وإنما يتمكن في الاكتيال بأن يحتال في مكياله بالتحريك ووضع اليد عليه بقوّة فلهذا لم يقل هناك «أو اتزنوا» . وأعلم أن أمر المكيال والميزان عظيم لأن مدار معاملات الخلق عليهما، ولهذا جرى على قوم شعيب بسببه ما جرى. وذهب بعض العلماء إلى أن المطفف لا يتناوله
стр. 3592
الوعيد إلا إذا بلغ تطفيفه نصاب السرقة. والأكثرون على أن قليله وكثيره يوجب الوعيد.
وبالغ بعضهم حتى عد العزم عليه من الكبائر.
وقال الشيخ أبو القاسم القشيري ﵀: لفظ المطفف يتناول التطفيف في الوزن والكيل، وفي إظهار العيب وإخفائه، وفي طلب الإنصاف والانتصاف، ومن لم يرض لأخيه المسلم ما يرضاه لنفسه فليس بمنصف. والذي يرى عيب الناس ولا يرى عيب نفسه فهو من هذه الجملة، ومن طلب حق من الناس ولا يعطيهم حقوقهم كما يطلب لنفسه فهو من هذه الجملة، والفتى من يقضي حقوق الناس ولا يطلب من أحد لنفسه حقا. ويحكى أن أعرابيا قال لعبد الملك بن مروان: إن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ووزن؟ ثم زاد في توبيخهم بقوله أَلا يَظُنُّ فإن كانوا من أهل الإسلام كما روي أن أهل المدينة كانوا يفعلون ذلك فالظن بمعنى العلم، وإن كانوا كفارا منكري البعث فالظن بمعناه الأصلي. والمراد به أنهم لا يقطعون بالبعث أفلا يظنونه أيضا كقوله إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ [الجاثية: ٣٢] وفي الإشارة إليهم ب أُولئِكَ وقد ذكرهم عما قريب تبعيد لهم عن رتبة الإعتبار بل عن درجة الإنسانية. وفي هذا الإنكار ووصف اليوم بالعظم وقيام الناس فيه لرب العالمين بيان بليغ لعظم هذا الذنب كما إذا قال الحالف والله الطالب الغالب الحي القيوم. ففيه تعظيم شأن المقسم عليه.
عن النبي ﷺ «يقوم الناس مقدار ثلاثمائة سنة من الدنيا لا يؤمر فيهم بأمر» .
قال ابن عباس: هو في حق المؤمنين كقدر انصرافهم من الصلاة. وفيه أنه إذا ظهر التطفيف الذي يظن به أنه حقير فكيف بسائر الظلامات؟ وحمل بعضهم هذا القيام على ردّ الأرواح إلى أجسادها حتى يقوموا من مراقدهم. وعن أبي مسلم: أراد به الخضوع التام كقوله وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ [البقرة:
٢٣٨] ثم بيّن أن كل ما يعمل من خير أو شر فإنه مكتوب عند الله. وقدم ديوان الشرور لأن المذكور قبله هو وعيد أهل الفجور. وسجين «فعيل» من السجن وهو الحبس والتضييق جعل علما لديوان الشر الجامع لأعمال الكفرة والفسقة والشياطين، وهو منصرف لأنه ليس فيه إلا العلمية كِتابٌ مَرْقُومٌ ليس تفسيرا للسجين بل التقدير: كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وإن كتاب الفجار مرقوم. وموقع قوله وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ اعتراض تعظيما لأمر السجين، ولأن ذلك لم يكن مما كانت العرب تعرفه أي ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك. وقيل: مرقوم أي مطروح وعلى هذا يكون سجين اسم مكان. ثم اختلفوا، فعن ابن عباس في رواية عطاء وقتادة ومجاهد والضحاك وعن البراء مرفوعا أنه أسفل أرضين وفيها إبليس وذريته. وعن أبي هريرة مرفوعا أنه جب في جهنم. وقال الكلبي: صخرة تحت
стр. 3593
الأرض السابعة. والتحقيق أنه سبحانه أجرى أمور عباده على ما تعارفوه فيما بينهم، ولا شك أن السفلة والظلمة والضيق وحضور الشياطين الملاعين من صفات البغض فوصف الله كتاب الفجار بأنه في هذا الموضع استهانة بهم وبأعمالهم، كما أنه وصف كتاب الأبرار بأنه في عليين وتشهده الملائكة المقربون تعظيما لحالهم. ثم أوعد المكذبين ووصفهم بقوله الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ للذم لا للبيان لأن كل مكذب فالوعيد يتناوله سواء كان مكذبا بالبعث أو بسائر آيات الله تعالى فهو كقولك «فعل فلان الفاسق الخبيث» . وإنما خص التكذيب بالبعث لتقدّم ذكره وذكر ما يتعلق به. ثم بالغ في الذم بقوله وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ متجاوز عن حد الاعتدال في استعمال القوة النظرية إما في طرف الإفراط وهو الجريرة حتى عدّ الممكن محالا وأقدم على التكذيب، وإما في طرف التفريط وهو البله والغباوة حتى قنع بالاستبعاد المحض وأعرض عن النظر في دلائل البعث من الخلق الأوّل وغيره. أثيم في إعمال القوى البدنية في غير مواقعها حتى أثمر له الباطل بدل الحق، وحكم على آيات الله بأنها أساطير الأوّلين، وفيه إنكار للنبوّة أيضا. ثم أضرب عن أن يكون لهم اختيار فيما قالوه أو يكون لهم ارعواء عما ارتكبوه، لأن ما كسبوه قدران على قلوبهم أي ركبها كما يركب الصدأ وغلب عليها. قال أهل اللغة: ران النعاس والخمر في الرأس يرين رينا وريونا إذا رسخ فيه، ولهذا قال الحسن: هو الذنب بعد الذنب حتى يسود القلب. قلت: الغين هو الحجاب الرقيق الذي يزول عن كثب ومثله الغيم. والرين هو الغليظ الذي لا يرجى زواله ولهذا
جاء في الحديث «إنه ليغان على قلبي»
وأما الرين فمن صفة الكفار الذين صارت ملكاتهم الذميمة في غاية الرسوخ حتى أظلم سطوح قلوبهم بل دخلت الظلمة أجوافها وبلغت الكدورة صفاقها.
ثم قال كَلَّا حقا وهو ردع عن الكسب الرائن على القلب إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ وذلك أن النور لا يرى إلا بالنور، فإذا كانت نفوسهم في غاية الظلمة الذاتية والعرضية الحاصلة من الملكات الردية احتجبوا عن نور الله ومنعوا من رؤيته. قال أهل السنة كثرهم الله: وفي تخصيصهم بالحجب دلالة على أن أهل الإيمان والأعمال الصالحة لا يكونون محجوبين عن ربهم. وقالت المعتزلة: المضاف محذوف أي عن رحمة ربهم أو كرامته. وقال في الكشاف: هو تمثيل للاستخفاف بهم لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للوجهاء المكرمين. ثم أخبر بقوله ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ أي داخلوها عن بقية حالهم وأنهم لا يتركون على حجب الحرمان بل يعذبون بنار القطيعة والهجران لأنهما متلازمان ثُمَّ يُقالُ في معرض التوبيخ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ جمعا بين عذاب الوجل وعذاب الخجل.
стр. 3594
ثم شرع في قصة الأبرار. وعليون جمع «عليّ» «فعيل» من العلو وإعرابه كإعراب الجمع لأنه على صورته وإن صار مفردا كقنسرين من حيث إنه جعل علما لديوان الخير الذي فيه أعمال الملائكة وصلحاء الثقلين، إما لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنة، وإما لأنه مرفوع في السماء السابعة حيث يحضره الملائكة المقربون. وقال مقاتل: هو في ساق العرش. وعن ابن عباس: هو لوح من زبرجد معلق تحت العرش. وبالجملة كتاب الأبرار ضد كتاب الفجار بجميع معانية كما عرفت من بقية حال الأبرار. ومفعول يَنْظُرُونَ محذوف ليشمل أنواع نعيمهم في الجنة من الحور العين والأطعمة والأشربة والملابس والمراكب والمساكن وكل ما أعدّ الله لهم.
قال ﵇ «يلحظ المؤمن فيحيط بكل ما آتاه الله وإن أدناهم منزلة من له مثل سعة الدنيا»
وقال مقاتل: ينظرون إلى عدوّهم حين يعذبون ولا يحجب الحجاب أبصارهم عن الإدراك. وقال بعضهم: ينظرون إلى الله تعالى بدليل قوله تَعْرِفُ يا من له أهل العرفان فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ وقوله في موضع آخر وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢، ٢٣] ولا ريب أن هناك قرائن وأحوالا تعرف بها بهجتهم وازدهاؤهم بالضحك والاستبشار بل بتجلي الأنوار والآثار. والرحيق الخمر الصافية التي لا غش فيها مَخْتُومٍ أوانيه خِتامُهُ أي ما يختم به مِسْكٌ مكان الطينة أو الشمعة. وإنما ختم تكريما وصيانة على ما جرت به العادة فكأنها أشرف من الخمر الجارية في أنهارها من الجنة. وقيل: ختامه أي مقطعه رائحة المسك إذا شرب. وهذا قول علقمة والضحاك وسعيد بن جبير ومقاتل وقتادة. قال الفراء: الختام آخر كل شيء ومنه يقال: ختمت القرآن، والأعمال بخواتيمها، والخاتم مثله وأنت خاتم النبيين. والتركيب يدل على القطع والانتهاء بجميع معانيه. عن أبي الدرداء مرفوعا: هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به آخر شربهم، لو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل فيه يده ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد ريحه الطيبة. قال بعضهم: مزج الخمر بالأدوية الحارة مما يعين على الهضم وتقوية الشهوة، فلعل فيه إشارة إلى قوة شهوتهم وصحة أبدانهم. ثم رغب في العمل الموجب لهذه الكرامة قائلا وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله. قال أهل اللغة: نفست عليه الشيء نفاسة إذا ضننت به وأن لا تحب أن يصير إليه، والتنافس تفاعل منه فإن كل واحد من الشخصين يريد أن يستأثر به لما يظهر من نفسه من الجد والاعتمال في الطاعة والعبودية. والجملة معترضة، وفي تقديم الجار إشارة إلى أن السعي والإتعاب يجب أن يكون في مثل ذلك النعيم لا في النعيم الزائل. وتسنيم علم لعين بعينها في الجنة من سنمه إذا رفعه لأنها أرفع شراب هناك، ولأنها تأتيهم من فوق على ما
стр. 3595
روي أنها تجري في الهواء متسنمة فتصب في أوانيهم، أو لأنها لكثرة مائها تعلو على كل شيء تمرّ به، أو يرى فيها ارتفاع وانخفاض. والتركيب يدل على الارتفاع ومنه سنام البعير عن ابن عباس: أشرف شراب أهل الجنة هو التسنيم فالمقرّبون يشربونها صرفا وتمزج لأصحاب اليمين. فقال بعض أهل العرفان: وذلك أن المقرّبين السابقين لا يشتغلون إلا بمطالعة وجه الله الكريم، وأما أهل اليمين فإنه يكون شرابهم ممزوجا لأن نظرهم تارة إلى الله وتارة إلى الخلق. ثم حكى قبائح أفعال الكافرين على أن التكلم واقع في يوم القيامة بدليل قوله عقيبه فَالْيَوْمَ قال المفسرون: هم مشركو مكة أبو جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهما، كانوا يضحكون من عمار وصهيب وبلال وغيرهم من فقراء المؤمنين.
وقيل: جاء علي بن أبي طالب ﵁ في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم الأصلع فضحكوا منه فنزلت هذه الآي قبل أن يصل علي كرم الله وجهه إلى النبي ﷺ .
والتغامز تفاعل من الغمز وهو الإشارة بالعين أو الحاجب أو الشفة، وأكثر ذلك إنما يكون على سبيل الخبث. ومعنى فَكِهِينَ متلذذين بذكرهم والسخرية منهم. قوله وَما أُرْسِلُوا حال معترضة إنكارا من الله عليهم وتهكما بهم أي ينسبون المسلمين إلى الضلال والحال أنهم لم يرسلوا على المسلمين موكلين بهم حافظين عليهم أحوالهم. وجوز في الكشاف أن تكون المنفية من جملة قول الكفار فيكون إنكارا لصدّهم إياهم عن الشرك ودعائهم إلى الإسلام. قلت: لو كان من جملة قولهم لكان الظاهر أن يقال: وما أرسلوا أي المسلمون علينا. يروى أنه يفتح للكفار باب إلى الجنة فيقال لهم: اخرجوا إليها. فإذا وصلوا إليها أغلق الباب دونهم يفعل ذلك بهم مرارا فيضحك المؤمنون منهم ناظرين إليهم على الأرائك. ولا يخفى ما في هذا الإخبار والحكاية من تسلية المؤمنين وتثبيتهم على الإسلام والتصبر على متاعب التكاليف وأذية الأعداء في أيام معدودة لنيل ثواب لا نهاية له ولا غاية. قال المبرد: ثوّب وأثاب بمعنى، وقد تستعمل الإثابة في الشر كالمجازاة، ويجوز أن يراد التهكم نحو فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ [آل عمران: ٢١] وفي هذا القول مزيد غيظ وتوبيخ للكافرين ونوع سرور وتنفيس للمؤمنين.
ويحتمل أن يكون الاستفهام للتقرير أي هل قدرنا على الإثابة نحو فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا [الأعراف: ٤٤]
стр. 3596
(سورة الانشقاق)
(مكية حروفها أربعمائة وأربعون كلمها مائة وسبع كلمات آياتها خمسة وعشرون)
[سورة الانشقاق (٨٤) : الآيات ١ الى ٢٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (٤)
وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (٩)
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (١١) وَيَصْلى سَعِيراً (١٢) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)
بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً (١٥) فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩)
فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤)
إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)
القراآت
وَيَصْلى ثلاثيا مفتوح العين مبنيا للفاعل: أبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد وحمزة وعاصم وخلف. الباقون يصلى بالتشديد مبنيا للمفعول لَتَرْكَبُنَّ بفتح الباء للتوحيد والخطاب للإنسان: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف. الآخرون: بالضم على خطاب أفراد الجنس.
الوقوف
انْشَقَّتْ هـ لا وَحُقَّتْ هـ ك مُدَّتْ هـ ك وَتَخَلَّتْ هـ ك وَحُقَّتْ هـ ط لأن الجواب محذوف أي إذا كانت هذه الأمارات ظهر ما ظهر فَمُلاقِيهِ هـ ط وقد يقال عامل «إذا» فَمُلاقِيهِ أي إذا السماء انشقت لاقى كدحه فلا وقف إلى قوله فَمُلاقِيهِ وقيل: قوله فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ الشرط مع جوابه جواب للشرط الأول، وقوله يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إلى قوله فَمُلاقِيهِ اعتراض ولا وقف على بِيَمِينِهِ يَسِيراً هـ ك مَسْرُوراً هـ ط ظَهْرِهِ هـ لا ثُبُوراً هـ لا سَعِيراً هـ ط مَسْرُوراً هـ يَحُورَ هـ لا بَلى ج لجواز تعلق بلى بما قبله وبما بعده بَصِيراً هـ ط للإبتداء بالقسم بِالشَّفَقِ هـ لا وَسَقَ هـ لا اتَّسَقَ هـ لا طَبَقٍ هـ ك لا يُؤْمِنُونَ هـ ك لا يَسْجُدُونَ هـ ط
стр. 3597
يُكَذِّبُونَ هـ ز للآية والوصل أوجب لأن الواو للحال يُوعُونَ هـ ز لفاء التعقيب أَلِيمٍ هـ لا مَمْنُونٍ هـ.
التفسير:
عن علي ﵁ أن السماء تنشق من المجرّة.
ومعنى أَذِنَتْ لِرَبِّها استمعت له ومنه
قوله ﷺ «ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن» «١»
والمراد أنها لم تمتنع عن قبول ما أريد بها من الانشقاق والانفطار فعل المأمور والمطواع الذي أصغى لحديث آمره وَحُقَّتْ بذلك لأن الممكن لا بدّ له أن يقع تحت قدرة الواجب لذاته. ومدّ الأرض تسوية جبالها وآكامها بحيث لا يبقى فيها عوج. عن ابن عباس: مدّت مدّ الأديم العكاظي لأن الأديم إذا مدّ زال ما فيه من الانثناء واستوى. وقيل: من مدّه بمعنى أمدّه أي زيد في سعتها أو بسطتها ليمكن وقوف الخلائق الأوّلين والآخرين عليها وَأَلْقَتْ ما فِيها أي رمت بما في جوفها من الكنوز والأموات وَتَخَلَّتْ أي خلت غاية الخلو كأنها تكلفت أقصى ما يمكنها من الفراغ. وقوله وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ ليس بمكرر لأن الأوّل في السماء وهذا في الأرض وحذف جواب «إذا» ليذهب الوهم كل مذهب، أو اكتفاء بما مر في سورتي «التكوير» و «الانفطار» . وقيل: في الكلام تقديم وتأخير. والمعنى يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ إذا السماء انشقت، والأقرب أن الإنسان للجنس بدليل التفصيل بعده. وقيل: هو رجل بعينه إما محمد ﷺ والمعنى إنك تكدح فى تبليغ رسالات الله فأبشر فإنك تلقى الله بهذا العمل، وإما أمية بن خلف وإنه يجتهد في إيذاء النبي ﷺ قاله ابن عباس. والكدح جهد النفس في العمل حتى تأثرت من كدحت جلده إذا خدشته أي جاهد إلى وقت لقاء ربك وهو الموت وما بعده. وفيه أن الدنيا دار عناء وتعب ولا راحة ولا فرح فيها. والضمير في قوله فَمُلاقِيهِ للرب أي فملاق له البتة فهو كالتأكيد للمذكور، ويجوز أن يكون للكدح أي لجزائه يؤيده التفصيل الذي بعده. عن عائشة أن الحساب اليسير هو أن يعرّف ذنوبه ثم يتجاوز عنه.
وعن النبي ﷺ أنه قال «من يحاسب يعذب فقيل: يا رسول الله فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً قال: ذلكم العرض من نوقش في الحساب عذب» «٢»
أقول فَسَوْفَ من الكريم إطماع فيمكن أن تكون الفائدة في إيراده أن يكون
стр. 3598
المؤمن على ثقة واطمئنان بالوعد، ويمكن أن يكون إشارة إلى طول الامتداد بين مواقف ذلك اليوم وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ من الحور العين في الجنة أو إلى قرنائه من المؤمنين أو إلى عشيرته كقوله جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ [الرعد:
٢٣] ومعنى وَراءَ ظَهْرِهِ أن تغل يمناه إلى عنقه ويجعل شماله وراء ظهره ويؤتى كتابه بشماله ومن وراء ظهره. وقيل: تخلع يده اليسرى من وراء ظهره. وقيل: تجعل وجوههم إلى خلف فيكون الكتاب قد أوتي من جانب ظهره ولكن بشماله كما في «الحاقة» . والوراء هاهنا بمعنى مجرد الجانب، أو معنى قدام. والثبور الهلاك ودعاؤه أن يقول «وا ثبوراه» .
وسمي المواطأة على الشيء مثابرة لأنه كأنه يريد أن يهلك نفسه في طلبه والنفس تمنعه عن ذلك أنه كان أي في الدنيا مسرورا في أهله كقوله وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ [المطففين: ٣١] وفيه أن الفرح في الدنيا يعقب الغم في الآخرة لقوله فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً [التوبة: ٨٢] ومن كان في الدنيا حزينا متفكرا في أمر الآخرة كان حاله في الآخرة بالعكس. والفرح المنهي عنه ما يتولد من البطر والترفه لا الذي يكون من الرضا بالقضاء ومن حصول بعض الكمالات والفضائل النفسية لقوله قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [يونس: ٥٨] ثم بين أن سروره إنما كان لأجل أن البعث والنشور لم يكن محققا عنده فقال إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ أي أن يرجع إلى الله أو إلى خلاف حاله من السرور والتنعم. عن ابن عباس: ما كنت أدري ما معنى يحور حتى سمعت أعرابية تقول لبنت لها:
حوري أي ارجعي. ثم نفى منطوقه بقوله بَلى أي بلى يحور. وفي قوله إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً إشارة إلى أن العلم التام بأحوال المكلفين يوجب إيصال الجزاء إليهم، فلا بد من دار سوى دار التكليف وإلا كان قدحا في القدرة والحكمة. قال الكلبي: كانَ بِهِ بَصِيراً من يوم خلقه إلى أن بعثه. وقال عطاء: بصيرا بما سبق عليه في أم الكتاب من الشقاء ثم أكد وقوع القيامة وما يتبعها من الأهوال بقوله فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ وهو الحمرة الباقية من آثار الشمس في الأفق الغربي قاله ابن عباس والكلبي ومقاتل. وعن الفراء: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصبوغ كأنه الشفق وكان أحمر. وعن أبي حنيفة في إحدى الروايتين أنه البياض، وأنه روى أنه رجع عنه لأن البياض يمتد وقته فلا يصلح للتوقيت، ولأن التركيب يدل على الرقة ومنه الشفقة لرقة القلب. ثم إن الضوء يأخذ من عند غيبة الشمس في الرقة والضعف. وعن مجاهد أن الشفق هاهنا النهار لما في النور من الرقة واللطافة كما أن في الظلمات الغلظ والكثافة، لأن القسم بالنهار يناسب القسم بالليل في قوله وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ والتركيب يدل على الاجتماع والضم ومنه الوسق لأنه جامع لستين صاعا.
واستوسقت الإبل إذا اجتمعت وانضمت، وقد وسقها الراعي أي جمعها ونظيره في وقوع
стр. 3599
«افتعل» و «استفعل» مطاوعين لفعل «اتسع» و «استوسع» . أقسم الله سبحانه بجميع ما ضمه الليل وآواه وستره من النجوم والدواب وغيرها. ويمكن أن يكون من جملته أعمال العباد الصالحين. ثم أقسم بالقمر إذا اتسق أي اجتمع نوره وتكامل كما يقال «أمور فلان متسقة» أي مجتمعه على الصلاح كما يقال منتظمة. والطبق ما يطابق غيره ومنه قيل للغطاء «الطبق» . ثم قيل للحال المطابقة لغيرها طبق.
وقوله عَنْ طَبَقٍ حال من فاعل لَتَرْكَبُنَّ أو صفة أي طبقا مجاوزا لطبق، ف «عن» تفيد البعد والمجاوزة أي حالا بعد حال، كل واحدة مطابقة لأختها في الشدة والهول.
وجوز أن يكون جمع طبقة أي أحوالا بعد أحوال هي طبقات في الشدّة، فبعضها أرفع من بعض وهي الموت وما بعده من أهوال القيامة كأنهم لما أنكروا البعث أقسم الله سبحانه أن ذلك كائن وأن الناس يلقون بعد الموت شدائد متنوّعة وأحوالا مترتبة حتى يتبين السعيد من الشقي والمحسن من المسيء. وقيل: لتركبن سنة الأولين من المكذبين المهلكين. عن مكحول: كل عشرين عاما تجدون أمرا لم تكونوا عليه. والركوب على هذه التفاسير مجاز عن الحصول على تلك الحالة. وقد يقال على قراءة فتح الباء: إنها صيغة الغائبة والضمير للسماء وأحوالها المختلفة انشقاقها ثم انفطارها، ولعل هذا كمال الانحراف ثم صيرورتها وردة كالدهان أو كالمهل وهذا القول مناسب لأول السورة وهو مرويّ عن ابن مسعود.
وقيل: الخطاب للنبي ﷺ والمراد أعباء الرسالة وأنه يجب عليه أن يتلقاه بالصبر والتحمل إلى أوان الظفر والغلبة كقوله لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ [آل عمران: ٨٦] وعن ابن عباس وابن مسعود أن المراد حديث الإسراء وأن النبي ﷺ ركب أطباق السماء. وبين القسم والمقسم عليه مناسبة لأنه أقسم بتغيرات واقعة في الأفلاك والعناصر على صحة إيجاد سائر التغايير من أحوال القيامة وغيرها، ولا شك أن القادر على بعض التغايير المعتبرة قادر على أمثالها فلا جرم قال على سبيل الاستبعاد فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وتأويل الآية أن النفس إذا استغرقت في بعض المجهولات التصورية والتصديقية كانت المناسبة شبيهة بالشمس الغاربة، فإذا أقبلت على تحصيل قضية من تلك القضايا المجهولة مثلا تجلى عليها نور من النفس يترجح به عندها أحد طرفي النقيض على الآخر، لكن ما لم تكن جازمة فذلك النور كالشفق بالنسبة إلى ضياء الشمس، ثم إذا سبحت في لجة المعلومات لها طالبة للحد الأوسط عرضت هناك شبهة شبيهة بالليل وما وسقه، فإذا حصل الحدّ الأوسط بالتحقيق وانتقل الذهن منه إلى النتيجة الحقة صارت المسألة كالبدر التم وهو المستفاد ضوءه من النفس الناطقة القدسية التي يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار. وطَبَقاً عَنْ طَبَقٍ هي مراتب العلوم النظرية من
стр. 3600
أوّل بدايتها وهي كونها عقلا هيولانيا إلى نهايتها وهي كونها عقلا مستفادا فكأنه سبحانه أقسم بأحوال المعلومات المستخلصة على إمكان حصول العلم بها. ثم وبخهم على أنهم لا ينظرون في الدلائل حتى يورثهم الإيمان والسجود عند تلاوة القرآن. وقوله لا يُؤْمِنُونَ ولا يَسْجُدُونَ في موضع الحال والعامل معنى الفعل في فَما لَهُمْ عن ابن عباس، عباس والحسن وعطاء والكسائي ومقاتل: المراد من السجود هاهنا الصلاة. وقال أبو مسلم وغيره:
أراد به الخضوع والاستكانة. والأكثرون على أنه السجود نفسه. ثم اختلفوا فعن أبي حنيفة وجوبه لأنه ذمهم على الترك. وعن الحسن وهو قول الشافعي أنه سنة كسائر سجدات التلاوة عنده. ثم بين بقوله بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ أن الدلائل الموجبة للإيمان وتوابعه وإن كانت جلية ظاهرة لكن الكفار يكذبون بها تقليدا للإسلاف أو عنادا. ثم أجمل وعيدهم بقوله وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ أي يجمعون ويضمرون في صدورهم من الشرك والعناد وسائر العقائد الفاسدة والنيات الخبيثة فهو يجازيهم على ذلك. وقيل: بما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء. ثم صرح بالوعيد قائلا فَبَشِّرْهُمْ وقوله إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا استثناء منقطع عند الزمخشري ولا بأس بكونه متصلا كأنه قال: إلا من آمن منهم فله أجر غير مقطوع أو هو من المنة، بني الكلام هاهنا على الاستئناف فلم يحتج إلى الفاء، وعلى التعقيب في التين فأورد الفاء والاستئناف أجمع مقدّمة.
стр. 3601
(سورة البروج)
(مكية حروفها أربعمائة وثمانية وخمسون)
[سورة البروج (٨٥) : الآيات ١ الى ٢٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤)
النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩)
إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤)
ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩)
وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)
القراآت
المجيد بالجر صفة للعرش: حمزة وعلي وخلف والمفضل. الآخرون:
بالرفع خبرا بعد خبر محفوظ بالرفع صفة للقرآن: نافع.
الوقوف
الْبُرُوجِ هـ لا الْمَوْعُودِ هـ وَمَشْهُودٍ هـ ط بناء على أن جواب القسم محذوف وأن معنى قتل لعن وأصحاب الأخدود هم أهل الظلم، وإن جعل قتل بمعناه الأصلي وأصحاب الأخدود هم المظلومون صح جوابا للقسم بتقدير: لقد قتل ولا وقف على الْأُخْدُودِ لأن النار بدل اشتمال منه الْوَقُودِ هـ لا قُعُودٌ هـ لا شُهُودٌ هـ ط الْحَمِيدِ هـ لا وَالْأَرْضِ ط شَهِيدٌ هـ ط الْحَرِيقِ هـ ط الْأَنْهارُ ط الْكَبِيرُ هـ ط إلا لمن جعل إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ جوابا للقسم وسائر الوقوف هاهنا لا بد منها لطول الكلام لَشَدِيدٌ هـ ك وَيُعِيدُ هـ ج لاختلاف الجملتين الْوَدُودُ هـ لا الْمَجِيدُ هـ لا يُرِيدُ هـ ج لابتداء الاستفهام الْجُنُودِ هـ لا لأن ما بعده بدل وَثَمُودَ هـ ط للإضراب تَكْذِيبٍ هـ لا لأن الواو للحال مُحِيطٌ هـ ج مَجِيدٌ هـ لا مَحْفُوظٍ هـ.
стр. 3602
التفسير:
لما أخبر في خاتمة السورة المتقدمة أن في الأمة مكذبين سلى نبيه ﷺ بأن سائر الأمم السالفة كانوا كذلك كأصحاب الأخدود وكفرعون وثمود. أما البروج فأشهر الأقوال أنها الأقسام الاثنا عشر من الفلك الحمل والثور إلى آخرها. وإنما أقسم بها لشرفها حيث نيط تغيرات العالم السفلي بحلول الكواكب فيها. وقيل: هي منازل القمر الثمانية والعشرون. وقيل: وقت انشقاق السماء وانفطارها وبطلان بروجها. أما الشاهد والمشهود فأقوال المفسرين فيهما كثيرة، وقد ضبطها القفال بأن اشتقاقهما إما من الشهود الحضور، وإما من الشهادة والصلة محذوفة أي مشهود عليه أو به. والاحتمال الأول فيه وجوه الأول:
وهو
مروي عن ابن عباس والضحاك ومجاهد والحسن بن عليّ وابن المسيب والنخعي والثوري، أن المشهود يوم القيامة والشاهد الجمع الذي يحضرون فيه من الملائكة والثقلين الأولين والآخرين لقوله مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ [مريم: ٣٧]
ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ [هود: ١٠٣] قال جار الله: وطريق تنكيرهما ما مرّ في قوله عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ [التكوير: ١٤] كأنه قيل: وما أفرطت كثرته من شاهد ومشهود. ويجوز أن يكون للتعظيم أي شاهد ومشهود لا يكتنه وصفهما. وإنما حسن القسم بيوم القيامة لأنه يوم الفصل والجزاء وتفرد الله بالحكم والقضاء. الثاني وهو قول ابن عمر وابن الزبير أن المشهود يوم الجمعة وأن الشاهد الملائكة.
روى أبو الدرداء أن رسول الله ﷺ قال «أكثروا الصلاة عليّ يوم الجمعة فإنه يوم مشهود نشهده الملائكة» .
الثالث أنّه يوم عرفة والشاهد من يحضره من الحجاج قال الله تعالى يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ [الحج:
٢٧] وحسن القسم به تعظيما لأمر الحج.
يروى أنه تعالى يقول للملائكة يوم عرفة «انظروا إلى عبادي شعثا غبرا أتوني من كل فج عميق أشهدكم أني قد غفرت لهم وأن إبليس يصرخ ويضع التراب على رأسه لما يرى في ذلك اليوم من نزول الرحمة» «١»
الرابع أنه يوم النحر لأن أهل الدنيا يحضرون في ذلك اليوم بمنى والمزدلفة. الخامس أنهما كل يوم فيه اجتماع عظيم للناس فيتناول الأقوال المذكورة كلها، والدليل عليه تنكيرهما لأن القصد لم يكن فيه إلى يوم بعينه. والاحتمال الثاني فيه أيضا وجوه أحدها: أن الشاهد هو الله تعالى والمشهود به هو التوحيد لقوله شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [آل عمران: ١٨] وثانيها الشاهد هو الأنبياء والمشهود عليه النبي ﷺ لقوله فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ [النساء: ٤١] وثالثها العكس لقوله وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [النساء: ٤١] ورابعها الشاهد الحفظة والمشهود عليه المكلفون لقوله وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ [ق: ٢١]
стр. 3603
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ [الانفطار: ١١] وخامسها وهو قول عطاء الخراساني: الشاهد الجوارح والمشهود عليه الإنسان يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ [النور: ٢٤] وسادسها الشاهد والمشهود عيسى وأمته كقوله وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ [المائدة: ١١٧] وسابعها أمة محمد ﷺ وسائر الأمم وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: ١٤٣] وثامنها قال الإمام في تفسيره: الشاهد جميع الممكنات والمشهود له واجب الوجود أخذا من قول الأصوليين إنه استدلال بالشاهد على الغائب.
وتاسعها الحجر الأسود والحجيج
للحديث «الحجر الأسود يمين الله في أرضه يؤتى به يوم القيامة له عينان يبصر بهما يشهد على من زاره»
أو لفظ هذا معناه. وعاشرها الأيام والليالي وأعمال بني آدم كما روي عن الحسن: ما من يوم إلا وينادي إني يوم جديد وإني على ما تعمل فيّ شهيد.
أما جواب القسم فعن الأخفش أنه قُتِلَ واللام مقدّر والكلام على التقديم والتأخير أي قتل أصحاب الأخدود والسماء ذات البروج. وعن ابن مسعود وقتادة واختاره الزجاج أن الجواب هو قوله إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ وقيل: إن الذين فتنوا وما بينهما اعتراض. واختار الزمخشري وطائفة من المتقدمين أنه محذوف. ثم اختلفوا فقال المتقدمون: المحذوف هو إن الأمر حق في الجزاء على الأعمال. وقال في الكشاف: هو ما دل عليه قتل فكأنه أقسم بهذه الأشياء أن كفار قريش ملعونون كما لعن أصحاب الأخدود، وذلك أن السورة وردت في تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على أذى أهل مكة وتذكيرهم بما جرى على من قبلهم من التعذيب على الإيمان حتى يقتدوا بهم ويصبروا على أذى قومهم ويعلموا أن كفارهم أحقاء بأن يقال فيهم قتلت قريش، أي لعنوا كما قتل أصحاب الأخدود وهو الخد أي الشق في الأرض يحفر مستطيلا ونحوهما بناء. ومعنى الخق والأخقوق بالخاء الفوقانية منه
الحديث «فساخت قوائمه في أخاقيق جرذان»
عني به فرس سراقة حين تبع رسول الله ﷺ بعد خروجه من الغار. والمعتمد من قصص أصحاب الأخدود ما
جاء في الصحاح عن النبي ﷺ أنه كان لبعض الملوك ساحر، فلما كبر ضم إليه غلاما ليعلمه السحر. وكان في طريق الغلام راهب يتكلم بالمواعظ لأجل الناس، فمال قلب الغلام إلى حديثه. فرأى في طريقه ذات يوم دابة أو حية قد حبست الناس فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها بهذا الحجر فقتلها. وكان الغلام بعد ذلك يتعلم من الراهب إلى أن صار بحيث يبرئ الأكمه والأبرص ويشفي من الداء. وعمي جليس للملك فأبرأه فأبصره الملك فسأله:
من ردّ عليك بصرك؟ فقال: ربي. فغضب فعذبه فدل على الغلام، فعذب الغلام حتى دل
стр. 3604
على الراهب، فلم يرجع الراهب عن دينه فقدّ بالمنشار، وأبى الغلام فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته فدعا فرجف بالقوم فطاحوا ونجا، فذهبوا به إلى قرقور وهي سفينة صغيرة فلججوا به ليغرقوه فدعا فانكفأت بهم السفينة فغرقوا ونجا. وقال للملك: لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد وتصلبني على جذع وتأخذ سهما من كنانتي وتقول: بسم الله رب الغلام. ثم ترميني به فرماه فوقع في صدغه فوضع يده عليه ومات فقال الناس: آمنا برب الغلام. فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذر فأمر بأخاديد في أفواه السكك، وأوقدت فيها النيران فمن لم يرجع منهم طرحه فيها، حتى جاءت امرأة معها صبي فتقاعست أن تقع فيها فقال الصبي: يا أماه اصبري فإنك على الحق، وما هي إلا غميضة فصبرت واقتحمت.
وعن علي ﵁ أنهم حين اختلفوا في أحكام المجوس، وكان بعض ملوكهم أهل كتاب وكانوا متمسكين بكتابهم، وكانت الخمر قد أحلت لهم فتناولها فسكر فوقع على أخته، فلما صحا ندم وطلب المخرج فقالت: إن المخرج أن تخطب الناس فتقول: إن الله أحل لكم نكاح الأخوات ثم تخطبهم إن الله حرمه. فخطب فلم يقبلوا منه قالت له: ابسط فيهم السوط فلم يقبلوا. فقالت: ابسط فيهم السيف فلم يقبلوا. فأمرته بالأخاديد وإيقاد النيران وطرح من أبى فيها.
وقيل: وقع إلى نجران رجل ممن كان على دين عيسى فدعاهم فأجابوه فسار إليهم ذو نواس اليهودي بجنود من حمير، فخيرهم بين النار واليهودية فأبوا فأحرق منهم اثني عشر ألفا في الأخاديد. وقيل: سبعين ألفا. وذكر أن طول الأخدود أربعون ذراعا وعرضه اثنا عشر وقد أشار سبحانه إلى عظم النار إشارة مجملة بقوله ذاتِ الْوَقُودِ أي لها ما يرتفع به لهبها من الحطب الكثير وأبدان الناس. وهذه الروايات لا تعارض بينها ولا منافاة فيحتمل أن يكون الكل واقعا والمجموع مراد الله أو بعضه هو أعلم به.
وعن النبي ﷺ أنه كان إذا وصل إلى ذكر أصحاب الأخدود قال: نعوذ بالله من جهد البلاء.
وإِذْ ظرف لقتل وهُمْ عائد إلى الأصحاب وقُعُودٌ جمع قاعد فإن كانوا مقتولين فمعنى قعودهم على النار إما أن يكون هو أن طرحوا عليها وقعدوا حواليها للإحراق وذلك أنهم كانوا يعرضون المؤمنين على النار فكل من ترك دينه تركوه ومن صبر على دينه ألقوه في النار، وإما أن يكون «على» بمعنى «عند» كقوله وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ أي عندي فالمراد بالقتل على هذا التفسير اللعن ويعضده قوله وَهُمْ أي الظالمون عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ أي حضور، وفيه وصفهم بقسوة القلب، ووصف المؤمنين بالصلابة في دينهم حيث لم يلتفتوا إليهم وبقوا مصرين على الحق، أو هو من الشهادة والمعنى أنهم
стр. 3605
وكلوا بذلك وجعلوا شهودا يشهد بعضهم لبعض عند الملك أن أحدا منهم لم يفرط فيما أمر به من التعذيب، ويجوز أن يراد شهادة جوارحهم على ذلك يوم القيامة. ثم ذم أولئك الجبابرة بما في ضمنه مدح المؤمنين قائلا وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ أي وما عابوا وما أنكروا عليهم إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا وإنما اختير بناء الاستقبال رمزا إلى أنهم كانوا يطلبون منهم ترك الإيمان في المستقبل ولم يعذبوهم على الإيمان في الماضي أي عذبوهم على ثباتهم وصبرهم على إيمانهم بمن يستحق أن يؤمنوا به لكونه إلها قادرا لا يغالب بليغا في الكمال بحيث استأهل الحمد كله مالكا لجميع المخلوقات. وفيه إشارة إلى أنه لو شاء لمنعهم عن ذلك التعذيب لكنه أخرهم إلى يوم الجزاء ودل عليه بقوله وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ثم عم الوعيد في آيتين أخريين والفتنة البلاء والإيذاء والإحراق. وفي قوله ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا دلالة على أن توبة القاتل عمدا مقبولة خلاف ما يروى عن ابن عباس. وعذاب جهنم وعذاب الحريق إما متلازمان كقوله:
إلى الملك القرم ... وابن الهمام
والغرض التأكيد وإما مختلفان في الدركة: الأول لكفرهم، والثاني لأنهم فتنوا أهل الإيمان.
وجوز أن يكون الحريق في الدنيا لما
روي أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم.
ثم رغب ورهب بوجه آخر في آيات والبطش الأخذ بالعنف فإذا وصف بالشدّة كان نهاية. ثم أكده بقوله إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ البطش وَيُعِيدُ أي يبطش بالجبابرة في الدنيا والآخرة. ويجوز أن يدل باقتداره على الإبداء والإعادة على شدّة بطشه وقوته. وفيه وعيد للكفرة بأنه يعيدهم كما بدأهم ليبطش بهم إذ كفروا بنعمة الإبداء وكذبوا بالإعادة. قال ابن عباس: إن أهل جهنم تأكلهم النار حتى يصيروا فحما ثم يعيدهم خلقا جديدا فذلك قوله هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ والودود بليغ الودادة والمراد به إيصال الثواب لأهل طاعته إلى الوجه الأتم فيكون كقوله ويحبهم [المائدة: ٥٤] وإن شئت قلت: هو بمعنى مفعول فيكون كقوله وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤] وقال القفال: ويكون بمعنى الحليم من قولهم «فرس ودود» وهو المطيع القياد. قال في الكشاف فَعَّالٌ خبر مبتدأ محذوف. قلت: الأصل عدم الإضمار فالأولى أن يكون خبرا آخر بعد الأخبار السابقة، ولعله حمله على ذلك كونه نكرة وما قبله معارف والعذر عنه من وجهين: أحدهما قطع النسق بقوله ذُو الْعَرْشِ ولا سيما عند من يجوّز الْمَجِيدُ صفة العرش. والثاني تخصيص فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ فإنه صيره مضارعا للمضاف. قال: وإنما قيل فَعَّالٌ لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة. قلت: ويجوز أن يكون المعنى أن ما يريده فإنه يفعله البتة لا يصرفه عنه صارف. ثم ذكرهم وسلى نبيه ﷺ بقصة فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ من
стр. 3606
متأخري الكفار ومتقدميهم، والمراد بفرعون هو وجنوده. ثم أضرب عن التذكير إلى التصريح بتكذيب كفار قريش والتنبيه على أنه محيط أي عالم بهم فيجازيهم، ويجوز أن يكون مثلا لغاية اقتداره عليهم وأنهم في قبضة حكمه كالمحاط إذا أحيط به من ورائه فسدّ عليه مسلكه بحيث لا يجد مهربا. ويجوز أن تكون الإحاطة بمعنى الإهلاك وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ [يونس: ٢٢] ثم سلى رسوله ﷺ بوجه آخر وهو أن هذا القرآن الذي كذبوا به شريف الرتبة في نظمه وأسلوبه حتى بلغ حد الإعجاز وهو مصون عن التغيير والتحريف بقوله وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩] قال بعض المتكلمين: اللوح شيء يلوح للملائكة فيقرأونه وأمثال هذه الحقائق مما يجب به التصديق سمعا الله حسبي.
стр. 3607
(سورة الطارق)
(مكية حروفها مائتان وأحد وتسعون كلمها اثنتان وسبعون)
[سورة الطارق (٨٦) : الآيات ١ الى ١٧]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤)
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩)
فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (١٠) وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤)
إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (١٧)
القراآت:
لَمَّا بالتشديد: ابن عامر وعاصم وحمزة ويزيد.
الوقوف
الطَّارِقِ هـ لا الطَّارِقُ هـ ك الثَّاقِبُ هـ ك حافِظٌ هـ ط مِمَّ خُلِقَ هـ ط للفصل بين الاستخبار والإخبار. دافِقٍ هـ لا وَالتَّرائِبِ هـ ط لَقادِرٌ هـ ك بناء على أن الظرف مفعول «اذكر» ومن جعل يَوْمَ ظرفا للرجع وهو أولى لم يقف.
السَّرائِرُ هـ لا وَلا ناصِرٍ هـ ط الرَّجْعِ هـ الصَّدْعِ هـ ك فَصْلٌ هـ ك بِالْهَزْلِ هـ ط كَيْداً هـ لا كَيْداً ج هـ رُوَيْداً هـ.
التفسير:
إنه سبحانه أكثر في كتابه الكريم الأقسام بالسماويات لأن أحوالها في مطالعها ومغاربها ومسيراتها عجيبة. أما الطارق فهو كل ما ينزل بالليل ولهذا جاء في الحديث التعوّذ من طوارق الليل. وذكر طروق الخيال في أشعار العرب كثير لأن تلك الحالة تحصل في الأغلب ليلا،
وقد نهى رسول الله ﷺ أن يأتي الرجل أهله طروقا.
ثم إنه تعالى بين أنه أراد بالطارق في الآية النَّجْمُ الثَّاقِبُ أي هو طارق عظيم الشأن رفيع القدر وهو جنس النجم الذي يهتدى به في ظلمات البحر والبر. قال علماء اللغة: سمي ثاقبا لأنه يثقب الظلام بضوئه كما سمي دريا لأنه يدرأوه أي يدفعه، أو لأنه يطلع من المشرق نافذا في الهواء كالشيء الذي يثقب الشيء، أو لأنه إذا رمي به الشيطان ثقبه أي نفذ فيه وأحرقه. وقد خصه
стр. 3608
بعضهم بزحل لأنه يثقب بنوره سمك سبع سموات. وقال ابن زيد: هو الثريا.
وروي أن أبا طالب أتى النبي ﷺ فأتحفه بخبز ولبن، فبينما هو جالس يأكل إذ انحط نجم فامتلأ ما ثم نورا ففزع أبو طالب وقال: أي شيء هذا؟ فقال ﷺ : هذا نجم رمي به وهو آية من آيات الله فعجب أبو طالب ونزلت السورة.
من قرأ لَمَّا مشدّدة بمعنى «إلا» ف «إن» نافية. ومن قرأها مخففة على أن «ما» صلة كالتي في قوله فَبِما رَحْمَةٍ [آل عمران: ١٥٩] ف «إن» مخففة من المثقلة. والآية على التقديرين جواب القسم. والحافظ هو الله أو الملك الذي يحصي أعمال العباد كقوله وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ [الانفطار: ١٠] أو الذي يحفظ الإنسان من المكاره حتى يسلمه إلى القبر.
وعن النبي ﷺ «وكل بالمؤمن مائة وستون ملكا يذبون عنه كما يذب عن قصعة العسل الذباب ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين»
أو الذي يحفظ عليه رزقه وأجله حتى يستوفيهما. وحين ذكر أن على كل نفس حافظا أتبعه بوصيته للإنسان بالنظر في مبدئه ومعاده. والدفق صب فيه دفع، ولا شك أن الصب فعل الشخص فهو من الإسناد المجازي أو على النسبة أي ماء ذي دفق كما مر في عِيشَةٍ راضِيَةٍ [الحاقة: ٢١] ومعنى خروجه من بين الصلب والترائب أن أكثره ينفصل من هذين الموضعين لإحاطتهما بسور البدن، والذي ينفصل من اليدين ومن الدماغ يمر عليهما أيضا.
وطالما أعطى للأكثر حكم الكل وهذا المعنى يشمل ماء الرجل وماء المرأة، ويحتمل أن يقال: أريد به ماء الرجل فقط إما بناء على حكم التغليب وإما بناء على مذهب من لا يرى للمرأة ماء ولا سيما دافقا. وذهب جم غفير إلى أن الذي يخرج من بين الصلب ومادّته من النخاع الآتي من الدماغ هو ماء الرجل، والذي يخرج من الترائب وهي عظام الصدر الواحدة تربية هو ماء المرأة. وإنما لم يقل من ماءين لاختلاطهما في الرحم واتحادهما عند ابتداء خلق الجنين. وقد يقال: العظم والعصب من ماء الرجل، واللحم والدم من ماء المرأة، وقد ورد في الخبر أن أيّ الماءين علا وغلب فإن الشبه يكون منه. ثم بين قدرته على الإعادة بقوله إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ أي على إعادة الإنسان لَقادِرٌ يعني بعد ثبوت قدرته على تكوين الإنسان ابتداء من نطفة حقيرة وجب الحكم بأنه قادر على رجعه. وعن مجاهد أن الضمير في رَجْعِهِ يعود إلى الماء والمراد إنه قادر على ردّ الماء إلى الإحليل. وقيل: إلى الصلب والترائب وهذا قول عكرمة والضحاك. وقال مقاتل بن حيان: إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبا، ومن الصبا إلى النطفة. والقول هو الأول بدليل قوله يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ أي يمتحن ما أسر في القلوب من العقائد والنيات وما أخفى من الأعمال الحسنة أو القبيحة، وحقيقة البلاء في حقه تعالى ترجع إلى الكشف والإظهار كقوله وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ [محمد: ٣١] ويحتمل أن يعود البلاء إلى المكلف كقوله هُنالِكَ تَبْلُوا
стр. 3609
كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ
[يونس: ٣٠] ومثله قول ابن عمر: يبدي الله يوم القيامة كل سرّ منها فيكون زينا في الوجوه وشينا في الوجوه. يعني من أدّاها كان وجهه مشرقا ومن ضيعها كان وجهه مغبرا. ثم نفى القوة الذاتية والقوة العرضية الخارجية عن الإنسان يومئذ بقوله فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ ثم أكد حقية القرآن الذي فيه هذه البيانات الشافية والمواعظ الوافية فقال وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ أي المطر لأن الله يرجعه وقتا فوقتا أو على سبيل التفاؤل أو زعما منهم أن السحاب يحمل الماء من البحار ثم يرجعها إليها. والصدع ما تتصدع عنه الأرض من النبات. وقيل: الرجع الشمس والقمر يرجعان بعد مغيبهما، والصدع الجبلان بينهما شق وطريق. والضمير في إِنَّهُ للقرآن والفصل الفاصل بين الحق والباطل كما قيل له «فرقان» . وقال القفال: أراد إن هذا الذي أخبرتكم به من قدرتي على الرجع كقدرتي على الإبداء قول حق. ثم أكد حقيته بقوله وَما هُوَ بِالْهَزْلِ لأن البيان الفصل لا يذكر إلا على سبيل الجد والاهتمام بشأنه وأعلاها أن يكون خاشعا باكيا كقوله إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا [مريم: ٥٨] ثم سلى نبيه وحثه على الصبر الجميل فقال إِنَّهُمْ يعنى أشراف مكة يَكِيدُونَ كَيْداً في إطفاء نور الحق وذلك بإلقاء الشبهات والطعن في النبوّة والتشاور في قتل النبي ﷺ كقوله وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال:
٣٠] وَأَكِيدُ كَيْداً سمي جزاء الكيد بالاستدراج والإمهال المؤدي إلى زيادة الإثم الموجبة لشدّة العذاب كيدا. ثم أنتج من ذلك قوله فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أي لا تدع بهلاكهم ولا تستعجل به. ثم كرر ذلك المعنى للمبالغة ووصف الإمهال بقوله رُوَيْداً أي سهلا يسيرا.
والتركيب يدل على الرفق والتأني ومنه قولهم في باب أسماء الأفعال «رويد زيدا» أي أروده إروادا وأرفق به فكأنه سبحانه قال: مهل مهل مهل ثلاث مرات بثلاث عبارات وهذه نهاية الإعجاز. وأجل الإمهال يوم بدر أو يوم القيامة وهذا أولى ليعم التحذير عن مثل سيرتهم ويتم الترغيب في خلاف طريقهم والله المستعان على ما تصفون.
стр. 3610
(سورة الأعلى)
(وهي مكية حروفها مائتان واحد وتسعون كلمها اثنتان وسبعون آياتها تسع عشرة)
[سورة الأعلى (٨٧) : الآيات ١ الى ١٩]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤)
فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩)
سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى (١٢) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (١٩)
القراآت:
فَسَوَّى وجميع آياتها مثل «طه» وكذلك في سورة و «الشمس» و «الليل» و «الضحى» و «اقرأ باسم ربك» من قوله أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى إلى آخر السورة. قدر بالتخفيف: علي بل يؤثرون على الغيبة: قتيبة وأبو عمرو ويعقوب.
الوقوف:
الْأَعْلَى هـ لا فَسَوَّى هـ ص فَهَدى هـ ك الْمَرْعى هـ ك أَحْوى هـ ط فَلا تَنْسى هـ لا اللَّهُ ط يَخْفى ج هـ للعدول. وقيل: قوله وَنُيَسِّرُكَ معطوف على سَنُقْرِئُكَ وقوله إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى اعتراض فلا وقف لِلْيُسْرى هـ ك والوصل أليق الذِّكْرى هـ ج يَخْشى هـ لاَْشْقَى
هـ لا الْكُبْرى ج هـ لأن «ثم» لترتيب الأخبار وَلا يَحْيى هـ ط لأن ما بعده مستأنف تَزَكَّى هـ لا فَصَلَّى هـ ط لأن «بل» للإضراب الدُّنْيا هـ بناء على أن الواو للاستئناف أو الحال أوجه وَأَبْقى هـ ط الْأُولى هـ لا وَمُوسى هـ.
التفسير:
روي أن النبي ﷺ كان يحب هذه السورة،
وأكثر السلف كانوا يواظبون على قراءتها في التهجد ويتعرفون بركتها.
وعن عقبة بن عامر أنه قال: لما نزل قوله فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة: ٧٤] قال لنا رسول الله ﷺ : اجعلوها في ركوعكم. ولما نزل قوله سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال: اجعلوها في سجودكم.
ومن الناس من تمسك بالآية في أن الاسم نفس