ويقفون بالألف قوارير قوارير غير مصروفين في الحالين: حمزة ويعقوب كلاهما بالتنوين والوقف بالألف والثاني بغير الألف في الحالين. الباقون كلاهما بغير تنوين والوقف على الأول بالألف. لُؤْلُؤاً بالواو في الأول: شجاع ويزيد وأبو بكر وحماد. الآخرون:
بهمزتين. عاليهم بسكون الياء وكسر الهاء: أبو جعفر ونافع وحمزة والمفضل الباقون:
بفتح الياء وضم الهاء خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ بالرفع فيهما وإستبرق بالخفض: ابن كثير والمفضل وأبو بكر وحماد. الآخرون: بالخفض فيهما وما يشاؤن على الغيبة: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو
الوقوف:
مَذْكُوراً هـ أَمْشاجٍ لا قد قيل يوقف عليه لئلا يوهم أن نَبْتَلِيهِ صفة له لأنه حال من خَلَقْنَا أي خلقناه مريدين ابتلاءه والوهم المذكور زائل لأن ضمير المفعول في نَبْتَلِيهِ واحد والأمشاج جمع. بَصِيراً هـ كَفُوراً هـ سَعِيراً هـ كافُوراً هـ ج لاحتمال أن يكون عَيْناً بدلا تَفْجِيراً هـ مُسْتَطِيراً هـ شُكُوراً هـ قَمْطَرِيراً هـ سُرُوراً هـ ج عَلَى الْأَرائِكِ ط لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف زَمْهَرِيراً هـ ج لما يعرف في التفسير تَذْلِيلًا هـ كانت قوارير هـ لا وقيل: بوقف عليه وليس به لأن الثانية بدل من الأولى تَقْدِيراً هـ زَنْجَبِيلًا هـ ج لما مر في كافُوراً سَلْسَبِيلًا هـ ج مُخَلَّدُونَ هـ بناء على أن حَسِبْتَهُمْ صفة الولدان والظرف عارض مَنْثُوراً هـ كَبِيراً هـ وَإِسْتَبْرَقٌ ك لاختلاف الجملتين مع أن وجه الحال في الواو واضح أي وقد حلوا فِضَّةٍ ج لأن الواو يحتمل الحال والاستئناف وهذا أولى لإفراد هذه النعمة العظيمة عن سائر النعم طَهُوراً هـ ط مَشْكُوراً هـ تَنْزِيلًا هـ ج للآية مع الفاء أَوْ كَفُوراً هـ أَصِيلًا هـ ج لما ذكرنا طَوِيلًا هـ ثَقِيلًا هـ أَسْرَهُمْ ج تَبْدِيلًا هـ تَذْكِرَةٌ ج سَبِيلًا هـ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ط حَكِيماً هـ والوصل أوجه بناء على أن الجملة صفة فِي رَحْمَتِهِ ط أَلِيماً هـ
التفسير:
اتفقوا على أن «هل» هاهنا وفي «الغاشية» بمعنى «قد» وهذا ما ذهب إليه سيبويه قال: وإنما تفيد معنى الاستفهام حيث تفيده لتقدير الهمزة، وإنما حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال والدليل على تقدير الهمزة، وإنما حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال والدليل على تقدير الهمزة، جواز إظهارها مع «هل» كقوله:
سائل فوارس يربوع بشدتنا ... أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم؟
ويربوع أبو حي من تميم، ومعنى الآية أقد أتى. فالاستفهام يفيد التقرير وقد تفيد التقريب
стр. 3538
فيكون حاصله أنه أَتى عَلَى الْإِنْسانِ قبل زمان قريب حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ وهو طائفة من الزمان غير محدودة. وعن ابن عباس وابن مسعود أن الإنسان هاهنا آدم والحين محدود وذلك أنه مكث أربعين سنة طينا إلى أن نفخ فيه الروح فصار شيئا مذكورا بعد أن كان كالمنسي وفي رواية عنه قال: أقام من طين أربعين سنة، ومن صلصال أربعين. ثم من حمأ مسنون أربعين، ثم خلقه بعد مائة وعشرين وإطلاق الإنسان عليه قبل نفخ الروح فيه من باب إطلاق الخمر على العصير. ويجوز أن يراد قد أتى على هذا الذي هو الآن إنسان بالفعل زمان لم يكن هو فيه إنسانا إلا بالقوّة وهذا صادق على آدم كما قلنا، وعلى بنيه أيضا عند الأكثرين. ولعل هذه الآية كالتقدمة والتوطئة للتي تعقبها، وكالتأكيد لخاتمة السورة المتقدمة. وقوله لَمْ يَكُنْ محله رفع على أنه نعت حِينٌ أو نصب على الحال من الإنسان لأنه في تقدير المفعول ويروى أن الصديق لما سمع هذه الآية قال: أيتها تمت أي ليت تلك الحالة تمت وهي كونه غير مذكور لم يخلق ولم يكلف. وقيل: الإنسان آدم كما ذكرنا ولكن الحين هو الستة الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض ثم فرغ لخلق آدم في عصر يوم الجمعة. وقيل: الإنسان عام والحين مدة فترة الرسل وقيل: الحين مدة لبثه في بطن أمه. قال ابن الأعرابي وطائفة من أهل اللغة: الأمشاج جمع مشيج وأمشاج فوصف المفرد بها جميعا نحو برمة أعشار للقدر المتكسرة قطعا، وثوب أكياش للذي فتل غزله مرتين. يقال عليك بالثوب الأكياش فإنه من لباس الأكياس. والمعنى من نطفة قد امتزج فيها الماءان ماء الرجل. وهو أبيض غليظ- وماء المرأة- وهو أصفر رقيق- والأول يخرج من الصلب، والثاني يخرج من الترائب، فما كان من عصب وعظم فمن نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم فمن ماء المرأة. عن ابن مسعود: هي عروق النطفة. وقال الحسن: أي مزجت بدم الحيض الذي فيه غذاء الجنين، وعن قتادة: هي أطوارها نطفة ثم علقة ثم مضغة وذهب إلى أنها العناصر وبالجملة فإنها عبارة عن انتقال النطفة من حال إلى حال ولهذا فسر الابتلاء بعضهم بهذا الانتقال ومنه قول ابن عباس نَبْتَلِيهِ أي نصرفه في بطن أمه نطفة ثم علقة. والأظهر أن حاصل المعنى خلقناه من أمشاج لا للعبث بل للإبتلاء والامتحان. ثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء وهو السمع والبصر اللذان هما أشرف الحواس ولهذا خصا بالذكر. وفيه إشارة إلى أن الحواس السليمة أسباب كلية لتحصيل الكمالات النفسية فمن فقد حسا فقد علما. وقيل: في الآية تقديم وتأخير، ونبتليه معناه لنبتليه كقولك لرجل:
جئتك أقضي حقك أي لأقضي حقك. والمعنى جعلناه سميعا بصيرا لنبتليه. ثم أخبر أنه بعد أن ركبه وأعطاه الحواس الظاهرة والباطنة أوضح له بواسطة أن آتاه العقل السليم سبيل
стр. 3539
الهدى والضلالة. فقوله شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً حالان من مفعول هَدَيْناهُ أي مكناه وأقدرناه في هاتين الحالتين وقيل: تقديره هديناه السبيل فيكون إما شاكرا أو كفورا. وفيه جهة الوعيد أي فإن شاء فليكفر وإن شاء فليشكر فإنا أعتدنا للكافرين كذا وللشاكرين كذا. وجوز أهل العربية أن يكونا حالين من السبيل على الإسناد المجازي لأن وصف السبيل بالشكر والكفر مجاز، وهذه الأقاويل تناسب أصول المعتزلة. أما الذي اختاره الفراء وهو مطابق لمذهب أهل السنة أن تكون «إما» في هذه الآية كما في قوله وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ [التوبة: ١٠٦] والمعنى هديناه السبيل ثم جعلناه تارة شاكرا تارة كفورا.
والمراد بالشكر الإقرار بالله وبالكفر إنكاره حتى لا يكون بين الفريقين واسطة. ويجوز أن يريد بالشاكر المطيع وبأهل الكفر كل من سواه كان كفرانه مطلقا وهو الكافر بالله، أو ببعض المعاصي وهو الفاسق. قوله سَلاسِلَ من قرأه بالتنوين فإنه صرفه لمناسبة. قال الأخفش: سمعنا من العرب صرف جميع مالا يصرف وهذه لغة الشعراء اضطروا إليه في الشعر فجرت ألسنتهم بذلك في النثر أيضا. وقيل: إنه مختص بهذه الجموع لأنها أشبهت الآحاد ولهذا جاز «صواحبات يوسف» . وجوز في الكشاف أن يكون هذا التنوين بدلا من حرف الإطلاق ويجري الوصل مجرى الوقف، ومثله وارِيرَ
فيمن قرأ بالتنوين، والاعتاد الإعداد، والسلاسل للأرجل والأغلال للأيدي والأبرار جمع برّ وبار. عن الحسن: هم الذين لا يؤذون الذّر مِنْ كَأْسٍ أي إناء فيه الشراب. وقال ابن عباس ومقاتل: هو الخمر بعينها، والمزاج ما يمزج به، والكافور اسم عين في الجنة ماؤها في بياض الكافور ورائحته وبرده ولكن لا يكون فيه طعم الكافور ولا مضرته، والمضاف محذوف ماء كافور.
والحاصل أن ذلك الشراب يكون ممزوجا بماء هذا العين قيل: «كان» زائدة والأظهر أنها مفيدة ولكنها مسلوبة الدلالة على المضي كقوله وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [النساء: ١٧] عن قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم لهم بالمسك. وقيل: يخلق فيه رائحة الكافور وبياضه وبرده فكأنها مزجت بالكافور. قال جار الله: فقوله عَيْناً على هذين القولين بدل من محل كَأْسٍ على تقدير حذف مضاف كأنه قال: يشربون خمرا خمر عين، أو نصب على الإختصاص. ولا خلاف بين العلماء أن عباد الله في الآية مختص بالمؤمنين الأبرار فغلب على ظنهم أن العباد المضاف إلى اسم الله سبحانه مخصوص في اصطلاح القرآن بالأخيار، وعلى هذا يسقط استدلال المعتزلة بقوله وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ [الزمر: ٧] كما مر في أول الزمر. وإنما قال أولا يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ وآخرا يَشْرَبُ بِها لأن الكأس هي مبدأ شربهم وأما العين فإنما يمزجون بها شرابهم فالباء بمعنى «مع» مثل «شربت الماء بالعسل»
стр. 3540
يُفَجِّرُونَها يجرونها حيث شاؤا من منازلهم تَفْجِيراً سهلا «قال مؤلف الكتاب» : لا يبعد أن يكون الخمر عبارة عن العلوم اللدنية الحاصلة بالذوق والمكاشفة. والكافور عبارة عن المعارف الحاصلة بواسطة البدنية، ومزاجها تركيبها على الوجه الموصل إلى تحصيل لذات وكمالات أخر، وتفجرها إشارة إلى اتصالها إلى أهلها من النفوس المستعدة لذلك. قال أهل النظم: حين وصف سعادة الأبرار كان لسائل أن يسأل: ما لهم يرزقون ذلك؟ فأجاب بقوله يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وفيه أن الذي وفى بما أوجبه على نفسه لوجه الله كان بما أوجبه الله عليه أوفى. ذكر الواحدي في البسيط والزمخشري في الكشاف وكذا الإمامية أطبقوا على أن السورة نزلت في أهل بيت النبي ﷺ ولا سيما في هذه الآي.
يروى عن ابن عباس أن الحسن والحسين مرضا فعادهما رسول الله ﷺ في ناس معه فقال: يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما إن أبرأهما الله يصوموا ثلاثة أيام فشفيا وما معهما شيء، فاستقرض علي من شمعون الخيبري اليهودي ثلاث أصوع من شعير فطحنت فاطمة منها صاعا واختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم يا أهل محمد، مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة فآثروه وباتوا ولم يذوقوا إلا الماء وأصبحوا صياما. فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه. ووقف عليهم في الثالثة أسير ففعلوا مثل ذلك. فلما أصبحوا أخذ علي ﵁ بيد الحسن والحسين إلى رسول الله ﷺ فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال: ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم. وقام وانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد لصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها فساءه ذلك فنزل جبرائيل وقال: خذها يا محمد هنأك الله في أهل بيتك فاقرأه السورة.
ويروى أن السائل في الليالي جبرائيل أراد بذلك ابتلاءهم بإذن الله سبحانه.
ووصفهم الله سبحانه بالخوف من أهوال القيامة في موضعين أولا في قوله وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً أي مكروهه مستطيرا فاشيا منتشرا من استطار الحريق، ومنه الفجر المستطير وأصله من طار. والغرض أنه تسع مكاره ذلك اليوم جميع المكلفين حتى الأنبياء يقولون: نفسي
إلا نبينا محمد فإنه يقول «أمتي أمتي»
والسموات يتفطرن والكواكب ينتثرن إلى غير ذلك من المكاره والأهوال.
ولا ينافي هذا أمن المسلمين في الآخرة على ما قال لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ [الأنبياء:
١٠٣] وثانيا في قوله إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً وإذا كان حال أهل بيت النبي ﷺ أو حال الأبرار على العموم في الخوف من الله إلى هذه الغاية فغيرهم أولى بالخوف. وأما الضمير في حُبِّهِ فللطعام أي مع اشتهائه والحاجة إليه كقوله لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا
стр. 3541
مِمَّا تُحِبُّونَ
[آل عمران: ٩٢] وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [الحشر:
٩] وقال الفضيل بن عياض: أي على حب الله نظير الآية قوله وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ [البقرة: ١٧٧] ومعنى المسكين واليتيم قد عرف مرارا، وأما الأسير فعن سعيد بن جبير وعطاء: هو الأسير من أهل القبلة. وعن أبي سعيد الخدري: هو المملوك والمسجون.
وسمى رسول الله ﷺ الغريم أسيرا فقال «غريمك أسيرك فأحسن أسيرك» وقد سمى الزوجة أسيرا أيضا فقال «اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم»
أي أسراء.
عن الحس: كان رسول الله ﷺ يؤتى بالأسير فيدفعه إلى بعض المسلمين فيقول: أحسن إليه فيكون عنده اليومين والثلاثة فيؤثره على نفسه.
وعند عامة العلماء يجوز الإحسان إلى الكفار في دار الإسلام ولا تصرف إليهم الواجبات. والإحسان إليهم في الحال إلى أن يرى الإمام فيهم ما يرى من قتل أو من أو فداء أو استرقاق، لا ينافي احتمال حكم الإمام عليهم بالقتل في المآل لأن سد خلتهم بالإطعام واجب على الفور وذلك يحتمل التراخي كما في حق من يلزمه القصاص ولم يكن له مال. ثم هذا الإطعام يجب أولا على الإمام فإن لم يفعله وجب على المسلمين. قال قتادة: كان أسيرهم يومئذ المشرك فأخوك المسلم أحق أن تطعمه. ثم الإطعام ليس بواجب على التعيين ولكن الواجب مواساتهم بأي وجه كان. وإنما عبر عن ذلك بالإطعام لأن سبب النزول كان كذلك، ولأن المقصود الأعظم من أنواع الإحسان الطعام الذي به قوام البدن. يقال: أكل فلان مال فلان إذا أتلفه بأي وجه كان، وإن لم يكن بالأكل نفسه. قوله إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لرضاه خاصة. ولا بد من إضمار القول. ثم إن هذا القول يجوز أن يكون منهم باللسان منعا للسائل عن المجازاة بمثله، أو بالشكر ليقع إطعامهم خالصا لله. ويجوز أن يكون بنطق الحال. قال مجاهد: إما إنهم ما تكلموا بذلك ولكن الله علم ذلك منهم فكشف عن نيتهم وأثنى عليهم. وفيه تنبيه على ما ينبغي أن يكون عليه المطعم بل كل عامل من إخلاص عمله لله. عن عائشة ﵂ أنها كانت تبعث بالصدقة إلى أهل بيت ثم تسأل الرسول ما قالوا فإن ذكر دعاء دعت لهم بمثله ليبقى ثواب الصدقة لها خالصا. والشكور مصدر كالكفور ولو فتحت أولهما عاد المعنى مبالغة في شاكر وكافر. قوله إِنَّا نَخافُ ظاهره أنه تعليل للإطعام ويجوز أن يكون تعليلا لعدم إرادة المجازاة. ووصف اليوم بالعبوس مجاز وذلك بطريقين أحدهما: أن يشبه في ضرره وشدته بالأسد العبوس أو بالشجاع الباسل. والثاني أن يوصف بصفة أهله من الأشقياء.
يروى أن الكافر يعبس يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران.
والقمطرير أشد ما يكون من الأيام وأطوله بلاء وأصله الشديد العبوس الذي يجمع ما بين عينيه.
стр. 3542
والتركيب يدل على الجمع ومنه القمطر خريطة يجمع فيه الكتب، واقمطرت الناقة إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها وزمت بأنفها قاله الزجاج: فأصله من القطر وجعل الميم زائدة والظاهر أنها أصلية. وحين أخبر عن أعمال الأبرار وإخلاصهم ذكر ما سيجزيهم على ذلك وأكد تحقيق الوعد بأن عبر عنه بصيغة الماضي قائلا فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ أي مكروهه فإن كل ما يشق على النفس وتكرهه فهو شر بالإضافة إليها، وإن كان خيرا في نفس الأمر مشتملا على الحكم والفوائد كالقصاص وسائر الحدود وَلَقَّاهُمْ أعطاهم نَضْرَةً في الوجوه سُرُوراً في القلوب بدل عبوس الكفرة وحزنهم وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا على التكاليف أو الإيثار المؤدي إلى إفناء المال المستتبع للجزع جَنَّةً وَحَرِيراً أي بستانا فيه مأكل هنيّ ولباسا له منظر بهيّ قال الأخفش والزجاج مُتَّكِئِينَ نصب على الحال من مفعول جَزاهُمْ وقيل: على المدح. وقيل: حال من الجنة. وضعف لأنه يستدعي إبراز الضمير بأن يقال: متكئين فيها هم. والزمهرير شدة البرد. والأظهر أن الميم والهاء أصليتان لعدم النظير لو جعل أحدهما زائدا، والمعنى أن هواءها معتدل.
وفي الحديث «هواء الجنة سجسج لا حر ولا قر» .
وعن ثعلب أن الزمهرير هو القمر بلغة طي واشتقاقه من الزهر، والمراد أن الجنة لضيائها لا تحتاج إلى شمس ولا قمر. قوله وَدانِيَةً ذكر الأخفش والكسائي والفراء والزجاج أنه معطوف على مُتَّكِئِينَ كما تقول في الدار عبد الله متكئا ومرسلة عليه الحجال، وإن جعلنا قوله لا يَرَوْنَ حالا صارت الأحوال ثلاثا والتقدير.
وجزاهم متكئين فيها على الأرائك غير رائين فيها هواء مؤذيا ودانية عليهم الظلال. ودخلت الواو في الثالثة للدلالة على الاجتماع كأنه قيل: وجزاهم جنة متكئين فيها على الأرائك جامعين فيها بين البعد عن الحر والبرد وبين الدنو من الظلال. ويجوز أن يكون دانِيَةً معطوفا على جَنَّةً لأنهم وصفوا بالخوف. وقد قال سبحانه وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ [الرحمن: ٤٦] والتقدير: وجزاهم جنة أخرى دانية عليهم ظلالها. وقوله لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً من باب «علفتها تبنا وماء باردا» وذلك لأن الزمهرير لا يرى أي ولا ينالون زمهريرا وإن أريد بالشمس نكاية شعاعها وحرها فمعنى لا يرون لا ينالون، ولا يخفى أن هذا الظل ليس بالمعنى المصطلح في الدنيا وهو الضوء النوراني فإنه لا شمس هناك، فمعنى دنو الظلال أن أشجار الجنة خلقت بحيث لو كان هناك شمس لكانت تلك الأشجار قريبة الظلال على أهل الجنة وقد أكد هذا المعنى بقوله وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا أي لا تمتنع على قطافها كيف شاؤا. وقال ابن قتيبة: ذللت أي أدنيت من قولهم «حائط ذليل» إذا كان قصيرا قال البراء ابن عازب: من أكل قائما لم يؤذه، ومن أكل جالسا ومضجعا أمكنه. وحين وصف طعامهم
стр. 3543
ولباسهم ومسكنهم واعتدال هوائه وكيفية جلوسهم فيه أخبر عن شرابهم وقد ذكر الأواني. ومعنى قوارير من فضة أن جنس الآنية من الفضة إلا أن تلك الفضة في صفاء القوارير وشفافتها حتى يرى باطنها من ظاهرها، وإذا كانت قوارير الدنيا وأصلها من الحجر في غاية الصفاء والرقة بحيث تحكي ما في جوفها فما ظنك بقوارير الجنة وأصلها من الفضة؟ ومعنى كانت كما مر في قوله كانَ مِزاجُها كافُوراً وقال في الكشاف: هو من قوله كُنْ فَيَكُونُ [يس:
٨٢] أي تكونت قوارير بتكوين الله والمراد تفخيم تلك الخلقة العجيبة الجامعة بين صفتي الجوهرين المتباينين. والضمير في قَدَّرُوها إما لأهل الجنّة أي إنها جاءت كما قدروا في أنفسهم حسب شهوتهم وحاجتهم، وإما للطائفين أي قدروا شرابها على مقدار ري كل أحد من غير زيادة ونقصان. وقريب منه قول مجاهد: لا تنقص ولا تفيض. وقال الربيع بن أنس: إن تلك الأواني تكون مقدار ملء الكف لم تعظم فيثقل حملها. قوله وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً أي في الجنة إناء مملوأ من الخمر، ويجوز أن يكون الضمير للأواني، والكأس الخمر نفسها والعرب تحب طعم الزنجبيل في المشروب وتستلذه ولذلك وصف الله مشروبهم في الآخرة بذلك. قال ابن عباس: وكل ما ذكر الله في القرآن مما في الجنة فليس منه في الدنيا إلا الاسم. أما السلسبيل فقد قال ابن الأعرابي: لم أسمعه إلا في القرآن. وقال الأكثرون اشتقاقه من السلاسة. يقال شراب سلسل وسلسال وسلسبيل أي عذب سهل المساغ فكأن الباء واللام زيدتا للمبالغة حتى صارت الكلمة خماسية. ويرد عليه أن الباء ليست من حروف الزيادة. قال الزجاج: السلسبيل في اللغة صفة لما كان في غاية السلاسة. والفائدة في تسميتها بالسلسبيل بعد تسميتها بالزنجبيل هي أنها في طعم الزنجبيل ولذته ولكن ليس فيها اللذاع الذي هو مناف للسلاسة.
وقد نسب إلى علي بن أبي طالب ﵇ أن معناه سل سبيلا إليها.
ووجه أن صحت الرواية بأنها حينئذ جملة سميت بها مثل «تأبط شرا» وسبب التسمية في الأصل أنه لا يشرب منها إلا من سأل إليها سبيلا بالإيمان والعمل الصالح. وفي بعض شعر المتأخرين:
سل سبيلا فيها إلى راحة النف ... س براح كأنها سلسبيل
والظاهر منع صرفه للعملية والتأنيث ولكن لم يقرأ به إلا في الشواذ والمتواترة التنوين، ووجهه ما مر في سلاسلا على أن رعاية المشاكلة أولى لكونه رأس آية. ثم وصف خدمهم بقوله وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ويجوز أن يكون هذا بيانا للطائفين في قوله وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ وقد صرح به في الواقعة وزاد هاهنا أن شبههم في حسنهم وصفائهم وبقائهم وتفرقهم في المجلس لأصناف الخدمة باللؤلؤ المنثور. يحكى أن المأمون ليلة زفت إليه بوران بنت الحسن بن سهل وهو على بساط منسوج من ذهب وقد نثرت عليه
стр. 3544
نساء دار الخلافة اللؤلؤ، فنظر إليه منثورا على ذلك البساط فاستحسن المنظر وقال: لله در أبي نواس كأنه شاهد مجلسنا هذا حيث قال البيت:
كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب
وقيل: شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا نثر من صدفه لأنه أحسن وأكثر ماء، ثم أجمل نعيمهم لأنه مما لا يحصر ولا يخطر ببال أحد ما دام في الدنيا فخاطب نبيه ﷺ أو كل راء قائلا وَإِذا رَأَيْتَ قال الفراء: مفعوله وهو الموصول مضمر تقديره ما ثَمَّ كقوله لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ [الأنعام: ٩٤] يريد ما بينكم. وأنكر الزجاج وغيره حذف الموصول والاكتفاء بالصلة. والذي اختاره أصحاب المعاني أن يكون المفعول متروكا ليشيع ويعم.
والمعنى أن الرائي أينما وجد الرؤية لم يتعلق إدراكه إلا بنعيم وَمُلْكاً كَبِيراً أي واسعا هنيئا. و «ثم» ظرف مكان أشير به إلى الجنة.
روي أن أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام.
وقيل: الملك الكبير هو الذي لا زوال له. وقيل: هو أنه إذا أراد شيئا كان. ومنهم من حمله على التعظيم وهو أن يأتي الرسول بكرامة من الكسوة والطعام والشراب والتحف إلى ولي الله وهو في منزله فيستأذن عليه ولا يدخل عليه رسول رب العزة وإن كان من الملائكة المقربين إلا بعد الاستئذان قاله الكلبي: وقال أهل العرفان: الملك الكبير هو اللذات الحقيقية والمعارف الإلهية والأسرار الربانية التي تستحقر عندها اللذات البدنية. وعن علي أنه قرأ مُلْكاً كَبِيراً بفتح الميم وكسر اللام هو الله. من قرأ عالِيَهُمْ بسكون الياء فعلى أنه مبتدأ وثِيابُ سُندُسٍ خبر أي ما يعلوهم من لباسهم ثياب سندس.
ومن قرأ بالنصب فعلى أنه ظرف بمعنى فوق فيكون خبرا مقدما. ويجوز أن يكون نصبا على الحال من ضمير الأبرار أي ولقاهم نضرة وسرورا. حال ما يكون عاليهم ثياب سندس. أو يطوف عليهم أي على الأبرار ولدان حال ما يكون عاليهم ثياب سندس. ويحتمل أن يكون العامل رَأَيْتَ والمضاف محذوف والتقدير رأيت أهل نعيم وملك عاليهم ثياب سندس.
من قرأ خُضْرٌ بالرفع فظاهر، ومن قرأ بالجر فعلى الجوار أو على أنه صفة سندس بالاستقلال لأنه جنس فكان في معنى الجمع كما يقال: أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض. وأما الرفع في إِسْتَبْرَقٌ فللعطف على ثياب، والجر للعطف على سندس.
وكلاهما ظاهر. قوله وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ إن كان الضمير للولدان فلا إشكال لأن أساور المخدومين تكون من ذهب كما قال سبحانه في مواضع يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ [الكهف: ٣١] وأساور الخدام تكون من فضة. وإن كان الضمير للأبرار فلا إشكال
стр. 3545
أيضا فلعلهم يسورون بالجنسين إما على المعاقبة وإما على الجمع. وما أحسن بالمعصم أن يكون فيه سواران سوار من ذهب وسوار من فضة. وأيضا فالطباع مختلفة فرب إنسان يكون استحسانه لبياض الفضة، ورب إنسان يكون استحسانه لصفرة الذهب فالله تعالى يعطي كل أحد بفضله ما تكون رغبته فيه أتم. وقال بعض أهل التأويل: أساور اليد أعمالها وأكسابها التي صارت ملكات نورانية بها يتوسل إلى جوار الحضرة الصمدية كما أن الذهب والفضة في الدنيا وسائل إلى تحصيل المطالب العاجلة. ثم ختم جزاء الأبرار بقوله وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً هو إما مبالغة طاهر والمراد أنها ليست بنجسة كخمور الدنيا ولا مستقذرة طبعا لمساس الأيدي الوضرة والأقدام النجسة والدنسة، ولا تؤل إلى النجاسة ولكنها ترشح عرقا من أبدانهم له ريح كريح المسك. وإما مبالغة مطهر. قال أبو قلابة: يؤتون بالطعام والشراب ممزوجا بالكافور والزنجبيل فإذا كان ذلك سقوا هذا الشراب فتظهر بذلك بطونهم ويفيض عرق من جلودهم كريح المسك. وذكر أصحاب التأويل أن الأنوار الفائضة من العالم العلوي متفاوتة في الصفاء والقوة والتأثير فبعضها كافورية طبعها البرد واليبس ويكون صاحبها في الدنيا في مقام الخوف والبكاء والقبض، وبعضها زنجبيليا على طبع الحر واليبس ويكون صاحبها قليل الالتفات إلى ما سوى الله قليل المبالاة بالجسمانيات، ثم لا يزال الروح الإنساني ينتقل من نوع إلى نوع ومن مقام إلى مقام إلى أن ينتهي إلى حضرة نور الأنوار فيضمحل في نور تجليه سائر الأنوار، وهذا آخر سير الصديقين ومنتهى درجاتهم في الارتقاء إلى مدارج الكمال، فلهذا أضاف السقي إلى ذاته قائلا وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ ثم ختم وعدهم بقوله إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً عن ابن عباس أن هذا المعنى إنما يقال لهم بعد دخولهم الجنة، فالقول مقدر والغرض إعلامهم أن كل ما تقدم من أصناف العطاء إنما هو جزاء أعمالهم والغرض إذاقة لذة الآخرة فإن سرورهم يزيد بذلك. وقال آخرون: إنه ابتداء خبر من الله تعالى لعباده في الدنيا ليعلموا في دار التكليف أن هذه الأشياء معدة في الآخرة لمن بر وأطاع. واعلم أنه سبحانه بين في أول السورة أن الإنسان وجد بعد العدم، ثم ذكر أنه خلقه من أمشاج وهي العناصر والأخلاط والماءان ماء الرجل وماء المرأة، والأطوار المتعاقبة على النطفة أو النفس أو البدن، وعلى جميع التقادير فلذلك يدل على كونه فاعلا مختارا صانعا حكيما. ثم أخبر أنه ما خلقه لأجل العبث ماطلا باطلا ولكنه خلقه للابتلاء والامتحان وأعطاه كل ما هو محتاج إليه من العقل والحواس ثم إن مآل أمره بالجبر أو بالقدر إلى الشكر أو الكفر، أما الكافر فله السلاسل والأغلال، وأما الشاكر فله النعيم والظلال. واختصر في العقاب وأطنب في ذكر الثواب إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه.
стр. 3546
وحين فرغ من شرح أحوال الآخرة بدأ بكيفية صدور القرآن الذي منه تعليم هذه العلوم والحقائق فقال إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا وفيه أنواع من المبالغة من قبل إيقاع الضمير اسما لأن «ثم» تكريره ومن جهة ذكر المصدر بعد الفعل ومن جهة لفظ التنزيل دون الإنزال لأن تنزيل القرآن منجما مفرقا أقرب إلى تسلية النبي ﷺ وتثبيت فؤاده، وحيث سلى قلبه أمره بالصبر على أذى الكفار إلى أوان تنزيل آية القتال ونهاه عن طاعة كل آثم منهم وخصوصا الكفور فإن الكفر أعظم الآثام قال النحويون: كلمة أو مفيدة لأحد الشيئين أو الأشياء، فأورد عليه أنه يلزم في الآية أنه لا يجوز طاعة الآثم والكفور إذا تخالفا. أما إذا توافقا فإنه يجوز طاعتهما إذ لا يبعد أن يقول السيد لعبده إذا أمرك أحد هذين الرجلين فخالفه. أما إذا توافقا فلا تخالفهما. والجواب أنه لا ريب أن قولك «لا تضرب زيدا أو عمرا» معناه في الأظهر لا تضرب زيدا ولا عمرا. ويحتمل احتمالا مرجوحا «لا تضرب أحدهما واضرب الآخر» إلا أن هذا الاحتمال مدفوع في الآية لقرينة الإثم والكفر فإن أحدهما إذا كان منهيا عنه فكلاهما معا
أولى لأن زيادة الشرّ شرّ. ولهذا قال الفراء: لا تطع واحدا منهما سواء كان آثما أو كفورا. ولو كان العطف بالواو كان نصا في النهي عن طاعتهما معا، ولا يلزم منه النهي عن طاعة كل منهما على الانفراد. وقد خص بعض المفسرين فقال: الآثم هو عتبة لأنه كان متعاطيا لأنواع الفسوق. والكفور هو الوليد لأنه كان شديد الشكيمة في الكفر.
يروى أن عتبة بن ربيعة قال للنبي ﷺ : ارجع عن هذا الأمر حتى أزوجك ولدي فإني من أجمل قريش ولدا. وقال الوليد: أنا أعطيك من المال حتى ترضى فإني من أكثرهم مالا. فقرأ عليهم رسول الله من أول «حم السجدة» إلى قوله فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ فانصرفا عنه. وقال أحدهما: ظننت أن الكعبة ستقع.
وقال الحسن: الآثم هو المنافق، والكفور مشركو العرب، أمره بالصبر على التكاليف مطلقا. ثم قسمها إلى نهي وأمر على هذا الترتيب لأن التخلية مقدمة على التحلية. أما النهي فقد مر، وأما الأمر فأوله ذكر الله ولا سيما في الصلاة أول النهار وآخره وهو المراد بقوله بُكْرَةً وَأَصِيلًا ويشمل صلوات الفجر والظهر والعصر وأول الليل وهو المراد بقوله وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ أي وفي بعض الليل فصل له يعني صلاة المغرب والعشاء وأوسطه وهو المعنى بقوله وَسَبِّحْهُ أي وتهجد له طويلا من الليل ثلثيه أو نصفه أو ثلثه كما مر في «المزمل» . ثم شرع في توبيخ المتمردين عن طاعته مستحقرا إياهم قائلا إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الدار الْعاجِلَةَ ونعميها الزائل وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا أي شديدا كقوله ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الأعراف: ١٨٧] ثم بين كمال قدرته قائلا نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا
стр. 3547
أَسْرَهُمْ
أي ربطهم وتوثيقهم ومنه أسر الرجل إذا أوثق بالقد وبه سمى القد أسرا. والمعنى ركبناهم تركيبا محكما وتقنا مفاصلهم بالأعصاب والربط والأوتار حسب ما يحتاجون إليه في التصرف لوجوه الحوائج وَإِذا شِئْنا أهلكناهم بالنفخة وبَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ في شدة الأسر عند النفخة الثانية. وقال جار الله: قيل معناه بدلنا غيرهم ممن يطيع وحقه أن يجيء بأن لا بإذا كقوله وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ [محمد: ٣٨] ممن يطيع إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [إبراهيم: ١٩] قال الإمام فخر الدين الرازي: هذا الكلام كأنه طعن في لفظ القرآن وهو ضعيف لأن كل واحد من «إذا» «وإن» حرف الشرط. قلت: ما ذكره جار الله ليس طعنا في القرآن وإنما هو طعن في نفس ذلك القول بناء على أن «إذا» لا تستعمل إلا فيما كان مقطوع الوقوع كالإماتة بالنفخة الأولى والإحياء في النشأة الأخرى. أما الإهلاك على سبيل الاستئصال فذلك غير مقطوع به فلهذا ألا يحسن تفسير اللفظ به وتعين التفسير الأول، والمبادرة بالاعتراض قبل الفهم التام ليس من دأب العلماء المتقين فعجب من مثله ذلك. قوله إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ قد مر في «المزمل» والمقصود من إعادته أن هذه السورة بما فيها من الترتيب الأنيق تبصرة للمتأملين المتخذين إلى كرامة الله سبيلا بالطاعة والانقياد، وفيه دليل للقدري. وفي قوله وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إلى آخر السورة دليل للجبري والتوفيق بينهما مفوض إلى فهم أهل التوفيق وقدمنا فيه التحقيق. وانتصب الظَّالِمِينَ بفعل يفسره معنى أعد أو وعدت ونحوهما أوعد، وبالله التوفيق وإليه المصير والمآب.
وبالتشديد أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مظهرا روى النقاش عن ابن ربيعة عن أصحابه والحلواني عن قالون وحفص والنجاري وعن ورش فقدرنا مشددا: أبو جعفر عن نافع وعلي، انطلقوا إلى ظل بفتح اللام: رويس: جمالت على التوحيد: حمزة وعلي وخلف وحفص وجمالات بضم الجيم مجموعة: يعقوب. الآخرون: بالكسر مجموعا.
الوقوف:
عُرْفاً هـ لا عَصْفاً هـ لا نَشْراً هـ لا فَرْقاً هـ لا ذِكْراً هـ لا نُذْراً هـ لا لَواقِعٌ هـ ط طُمِسَتْ هـ لا فُرِجَتْ هـ لا نُسِفَتْ هـ لا أُقِّتَتْ هـ لا بناء على أن عامل «إذا» محذوف أي إذا كانت هذه الأمور يفصل بين الخلق أُجِّلَتْ هـ ط للفصل بين الجواب والسؤال الْفَصْلِ ج لِلْمُكَذِّبِينَ هـ الْأَوَّلِينَ هـ ط لأن ما بعده مستأنف أي ثم نحن نتبعهم الْآخِرِينَ هـ بِالْمُجْرِمِينَ هـ مَهِينٍ هـ لا مَعْلُومٍ هـ لا فَقَدَرْنا هـ الْقادِرُونَ هـ كِفاتاً هـ لا وَأَمْواتاً هـ لا فُراتاً هـ لا لِلْمُكَذِّبِينَ هـ تُكَذِّبُونَ هـ ج للتكرار مع الآية ووجه الوقف لمن قرأ بفتح اللام أوضح لأنه ابتداء إخبار عن موجب عملهم بما أمروا به شُعَبٍ هـ لا اللَّهَبِ هـ ط كَالْقَصْرِ هـ ج لأن ما بعده وصف لشرر لا للقصر صُفْرٌ هـ ط لِلْمُكَذِّبِينَ هـ لا يَنْطِقُونَ هـ لا فَيَعْتَذِرُونَ هـ لِلْمُكَذِّبِينَ هـ الْفَصْلِ هـ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال أي أشير إلى يوم مجموعا فيه وَالْأَوَّلِينَ هـ فَكِيدُونِ هـ لِلْمُكَذِّبِينَ هـ يَشْتَهُونَ هـ تَعْمَلُونَ هـ الْمُحْسِنِينَ هـ لِلْمُكَذِّبِينَ هـ مُجْرِمُونَ هـ لِلْمُكَذِّبِينَ هـ لا يَرْكَعُونَ هـ لِلْمُكَذِّبِينَ هـ يُؤْمِنُونَ هـ
التفسير:
الكلمات الخمس في أول هذه السورة يحتمل أن يكون المراد بها جنسا واحدا أو أجناسا مختلفة. أما الاحتمال الأول فذكروا فيه وجوها الأول: أنها الملائكة أقسم رب العزة بطوائف الملائكة الذين أرسلهم بأوامره حال كونهن عرفا أي متتابعة كشعر العرف. يقال: جاؤا عرفا واحدا وهم عليه كعرف الضبع إذا اجتمعوا عليه، ويجوز أن يكون العرف خلاف النكر أي أرسلهن للاحسان والمعروف. فإن هؤلاء الملائكة إن كانوا بعثوا للرحمة فمعنى الإحسان حينئذ ظاهر، وإن كانوا قد بعثوا لأجل العذاب فذلك إن لم يكن معروفا للكفار فإنه معروف للأنبياء والمؤمنين الذين انتقم الله من الكفار لأجلهم. ومعنى الفاء في فَالْعاصِفاتِ أنهن عقيب الأمر عصفن في مضيهن كما عصفت الرياح بدرا إلى امتثال الأمر. قيل: هو من قولهم «عصفت الحرب بالقوم» أي ذهبت بهم وأهلكتهم. ويقال «ناقة عصوف» أي عصفت براكبها فمضت كأنها ريح من السرعة فالمراد أنهن حين أرسلن للعذاب طرن بروح الكافر. ثم أقسم بطوائف من الملائكة نشرن أجنحتهن في الجو عن
стр. 3550
انحطاطهن بالوحي أو نشرن الشرائع في الأرض. أو أحيين النفوس الميتة بما أوحين ففرقن بين الحق والباطل فألقين ذكرا إلى الأنبياء عُذْراً للمحقين أَوْ نُذْراً للمبطلين. قال الأخفش والزجاج: هما بالسكون مصدران كالشكر والكفر، والضم لغة في كل منهما كالنكر والنكر، والمعنى إعذارا أو إنذارا وكل منهما بدل من ذِكْراً أو مفعول له. وقال أبو عبيد:
بالثقل جمع عذير بمعنى المعذرة وجمع نذير بمعنى الإنذار أو بمعنى العاذر والمنذر فيكونان حالين من الإلقاء أي عاذرين أو منذرين الوجه الثاني أنها الرياح أقسم الله سبحانه برياح عذاب أرسلهن متتابعة فعصفن عصفا ورياح رحمة نشرن السحاب في الجو ففرقن بينه كقوله وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً [الروم: ٤٨] فألقين ذكرا إي صرن سببا في حصول الذكر لأن الإنسان العاقل إذا شاهد تلك الرياح التجأ إلى ذكر الله والتضرع إليه فيكون عذرا للذين يعتذرون إلى الله بالتوبة والاستغفار، وإنذارا للذين يغفلون عن الله ويغفلون شكره إذ ينسبونها إلى الأنواء. والوجه الثالث إنها القرآن وآياته أرسلت متتابعة أو بكل معروف وخير فعصفت أي قهرت سائر الملل والأديان والكتب أي ابتدأن بالقهر والنسخ عقيب الإرسال، ونشرن بعد ذلك بالتدريج آثار الحكم وأنوار الهداية في قلوب العالمين ففرقت بين الحق والباطل وألقت الذكر والشرف إلى النبي ﷺ وأمته كما قال وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف:
٤٤] الرابع أنها طوائف الأنبياء أرسلوا بالوحي المستعقب لكل خير ومفتاحه «لا إله إلا الله» فأخذ أمرهم في العصوف والاشتداد إلى أن بلغ غايته وانتشرت دعوتهم ففرقوا بين المؤمن والكافر، والمقر والجاحد، وألقوا الذكر والتوحيد إلى الناس كافة أو إلى طائفة معينين.
الخامس وهو بالتأويل أشبه أن المرسلات هي الدواعي والإلهامات الربانية أرسلت فأخذت في العصوف والاشتداد بحيث أزالت عن القلب حب ما سوى الله وانبثت آثارها في سائر الأعضاء والجوارح، فلا يسمع إلا بالله ولا يبصر إلا بالله، وكذا البطش والمشي وسائر الحركات والسكنات، ففرقت بين الوجود المجازي وهو وجود سوى الله وبين الوجود الحقيقي وهو البقاء بالله، وألقت الذكر على كل الجوارح فلم يذكر غير الله. وأما الاحتمال الثاني ففيه وجوه أيضا أحدها: وهو المنقول عن الزجاج واختاره القاضي أن الثلاث الأول هي الرياح كما في الوجه الثاني من الوجوه المتقدمة، والباقيتان الملائكة كما مر في الوجه الأول منها. ووجه الجمع بين الرياح والملائكة هو اللطافة وسرعة الحركة. وثانيها أن الأولين هما الرياح والثلاثة الأخيرة هي الملائكة لأنها تنشر الوحي، ثم يعقبه أثران ظهور الفرق بين أولياء الله وأعدائه ودوران ذكر الله على القلوب والألسن. وقد يتأيد هذا الوجه بعطف الثانية على الأولى بفاء الوصل المنبئ عن التعقيب والتسبيب. ثم التنسيق بالواو
стр. 3551
وعطف الباقيين عليها بالفاء وثالثها أن الأولى ملائكة العذاب والباقية آيات القرآن على منوال ما سبق. قوله إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ جواب القسم ومعناه على ما قال الكلبي: كل ما توعدون به من الخير والشر لواقع. والأكثرون يخصونه بمجيء القيامة بدليل ذكر أماراتها بعده وهو قوله فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ أي أزيلت عن أماكنها بالانتثار وأذهب ضوءها بالانكدار وقد ورد كل منهما وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ [فاطر: ٢] وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ [التكوير: ٢] فذكروا في وجه الجمع بينهما أنه يجوز أن يمحق نورها ثم تنتثر بمحوق النور. وفسر الانتثار في الكشاف بمحق الذوات وفيه بعد لأن الانتثار غير الانعدام وإن أراد بالمحق غير هذا فعليه بالبيان قوله وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ أي فتحت السماء فكانت أبوابا وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ أي سيرت أجزاؤها في الهواء كالحب إذا نسف بالمنسف وقد مر في «طه» في قوله وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً [طه: ١٠٥] قال مجاهد والزجاج: المراد بأقتت الرسل تعيين الوقت الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم، وكان هذا الوقت مبهما عليهم قبل ذلك وقريب منه قول جار الله: إن معنى وقتت بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره وهو يوم القيامة. ثم عجب العباد من هول ذلك اليوم فقال لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ الأمور المتعلقة بهؤلاء الرسل وهي تعذيب من كذبهم وتعظيم من صدقهم وظهور ما كانوا يوعدون الأمم إليه ويخوفونهم به من العرض والحساب ونشر الدواوين ووضع الموازين. ثم أجاب بأنهم أجلوا لِيَوْمِ الْفَصْلِ بين الخلائق، ثم عظم ذلك اليوم ثانيا فقال وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ وأي شيء شدته ومهابته. ثم عقبه بتهويل ثالث فقال وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ أي يوم إذ كان كذا وكذا من الأهوال لِلْمُكَذِّبِينَ وإعرابه كإعراب سَلامٌ عَلَيْكَ [مريم: ٤٧] وقد سبق. وقد كرر هذا التهويل في تسعة مواضع أخر لمزيد التأكيد والتقرير كما مر في سورة الرحمن. ثم هددهم بقوله أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ كعاد وثمود وغيرهما إلى زمن محمد ﷺ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ وهم كفار مكة أهلكهم الله يوم بدر وغيره من المواطن قوله كَذلِكَ أي مثل ذلك الإهلاك الفظيع نَفْعَلُ بكل مجرم. ثم وبخهم بتعديد النعم وآثار القدرة عليهم فقال أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ حقير لا يعبأ به وهو النطفة فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ وهو الرحم وهو أنه يتمكن فيه ما يتكون منه الولد إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ أي إلى مقدار معلوم من الزمان المقدر ولهذا قال فَقَدَرْنا بالتشديد فَنِعْمَ الْقادِرُونَ أي فنعم المقدرون له نحن. ومن قرأ بالتخفيف فبمعنى التقدير أيضا لتتوافق القراءتان. قال الفراء:
قدر وقدّر بالتخفيف والتشديد لغتان، ويجوز أن يكون المخفف من القدرة أي فقدرنا على خلقه وتصويره كيف شئنا فنعم أصحاب القدرة نحن حيث خلقناهم في أحسن تقويم. وفي
стр. 3552
قوله وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ توبيخ وتخويف من وجهين أحدهما: أن النعمة كلما كانت أعظم كان كفرانها أفحش. والثاني أن القادر على الإبداء أقدر على الإعادة فالمنكر لهذا الدليل الواضح يستحق غاية التوبيخ. ثم عد عليهم نعم الآفاق بعد ذكر الأنفس. والكفات اسم ما يكفت أي يضم ويجمع، ويجوز أن يكون اسما لما يكفت به مبينا للمفعول كالشداد لضمام يشد به رأس القارورة. وانتصب أَحْياءً وَأَمْواتاً بفعل مضمر دل عليه هذا الاسم أي تكفت أحياء على ظهرها وأمواتا في بطنها. والتنكير للتفخيم أي أحياء وأمواتا لا تعد ولا تحصى. وجوز انتصابهما على الحال والضمير الذي هو ذو الحال محذوف للعلم به أي تكفتكم في حال حياتكم وفي حال مماتكم. وقيل: معنى كونها كفاتا أنها تجمع ما ينفصل منهم من المستقذرات وقيل: معناه أنه جامعة لما يحتاجون إليه في التعيش. وقيل: هما راجعان إلى الأرض يعني ما ينبت وما لا ينبت. والكل بتكلف. والوجه هو الأول. وباقي الآية ظاهر مما سلف مرارا. ثم أخبر عما يقال للمكذبين في يوم الفصل فقال انْطَلِقُوا أي يقال لهم انطلقوا لما كذبتم به من العذاب. ثم بين ما أجمل بقوله انْطَلِقُوا
يروى أن الشمس تقرب يوم القيامة لرؤوس الخلائق وليس عليهم يومئذ لباس فتلفحهم الشمس وتسفعهم وتأخذ بأنفاسهم، ويحمي الله برحمته من يشاء إلى ظل من ظلاله
فهناك يقولون فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ [الطور: ٢٥] ويقال للمكذبين انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ قال الحسن: ما أدري ما هذا الظل ولا سمعت فيه بشيء فقال قوم: سمى النار بالظل مجازا. وشعبها الثلاث كونها من فوقهم ومن تحت أرجلهم ومحيطة بهم. وعن قتادة: هو الدخان شعبة عن يمينهم وأخرى عن يسارهم والثالثة من فوق، تظلهم حتى يفرغ من حسابهم والمؤمنون في ظل العرش. وقال في الكشاف: هو عبارة عن عظم الدخان. فالدخان العظيم تراه يتفرق ذوائب وقال أهل
التأويل:
الشعب الثلاث هي القوة الغضبية ومنشؤها القلب في الجانب الأيسر، والشهوية ومنشؤها الكبد في الجانب الأيمن، والشيطانية ومنشؤها الدماغ من فوق، فيتولد من اتباع هذه الثلاثة ثلاثة أنواع من الظلمات. وقال أبو مسلم: هي الأوصاف الثلاثة التي ذكرها الله تعالى عقيبه وهي لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ وفيه تهكم بهم وتعريض بأن ظلهم غير ظل المؤمنين أي ذلك الظل غير مانع حر الشمس وغير مغن من حر اللهب شيئا أي لا روح كما قال في الواقعة لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ [الآية: ٤٤] يقال أغن عني وجهك أي أبعده لأن الغني عن الشيء يباعده كما أن المحتاج إليه يقاربه. وإنما عدي في الآية ب «من» لأنه أراد أن ابتداء الإغناء منه، وعن قطرب أن اللهب هاهنا هو العطش. ثم شبه الشرر وهو ما يتطاير
стр. 3553
من النار متبددا في كل جهة بالقصر. والأكثرون على أنه واحد القصور. وعن سعيد بن جبير ومقاتل والضحاك أنه الغليظ من أصول الشجر العظام الواحدة قصرة كجمرة وجمر. وروي عن ابن عباس أنه سئل عن القصر فقال: خشب كنا ندخره للشتاء. ثم زاد في البيان أن أتبعه تشبيها آخر قائلا كأنه جمالات صفر وهي جمع جمالة بمعنى جمل. ويجوز أن يكون جمع جمال كرجالات وقال أبو علي: التاء في جِمالَتٌ لتأكيد الجمع كحجر وحجارة. أما الجمالة بالضم فهي قلوس سفن البحر أي حبالها كما مر في قوله حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ [الأعراف: ٤٠]
وعن علي بن أبي طالب ﵁ وابن عباس أنها قطع النحاس.
ومعظم أهل اللغة لا يعرفونه. وقال الفراء: يجوز أن يكون الجمالات بالضم من الشيء المجمل. يقال: أجملت الحساب وجاء القوم جملة أي مجتمعين. والمعنى أن هذه الشرر ترتفع كأنها شيء مجموع غليظ أصفر والأكثرون على أن المراد بهذه الصفرة سواد يعلوه صفرة. قال الفراء: لا ترى أسود في الليل إلا وهو مشرب صفرة والشرر إذا تطاير فسقط وفيه بقية من لون النار كأنه أشبه شيء بالجمل الأسود الذي يشوبه شيء من الصفرة.
وقال آخرون: الشرر إنما يسمى شررا ما دام مرتفعا وحينئذ يكون نارا وإذا كان نارا كان أصفر فاقعا. واعلم أنه عز اسمه شبه الشرر في العظم والارتفاع بالقصر ثم شبهه مع ذلك في اللون والكثرة والتابع وسرعة الحركة بالجمالات الصفر. ثم نقل عن ابن عباس أنه قال: هذا التشبيه إنما ورد على ما هو معتاد في بلاد العرب. وقصورهم قصيرة السمك جارية مجرى الخيمة. فسمع أبو العلاء ذلك فشبه الشرر بالطراف وهو الخيمة من الأديم قال:
حمراء ساطعة الذوائب في الد ... جى ترمي بكل شرارة كطراف
فزعم صاحب الكشاف أنه أراد معارضة المعجز. قال الإمام فخر الدين الرازي: كان الأولى بصاحب الكشاف أن لا يذكر ذلك لأنه أخذ مقتبسا تابعا، والمعجز أظهر حالا وأجل منصبا من أن يتصدى لمعارضته أحد بعد استقرار أمره ويلتفت إلى المعارض، وإذ قد ذكر صاحب الكشاف ذلك فلنذكر التفاوت بين القرآن وبين كلام أبي العلاء وذلك من وجوه الأول: قيل: إن لون الأديم قريب من لون الشرارة إلا أن الجمالات متحركة كالشرارة دون الخيمة. الثاني أن القصر موضع الأمن وتشيبه الشرارة به إشارة إلى أن الكافر إنما يعذب بآفة من الموضع الذي يتوقع منه الأمن وهو دينه وملته التي ظن أنه منها على شيء، وليست الخيمة موضع الأمن الكلي الثالث أن الشرر متتابعة كالجمال ولا كذلك الطراف الرابع أن العرب اعتقدوا أن الجمال في ملك الجمال وتمام النعم في حصول النعم. ففي الآية إشارة إلى أنكم كنتم تعدون الجمال فخذوا هذه الشرارات التي هي كالجمالات وهذا التهكم غير
стр. 3554
موجود في الشعر. الخامس أن الإبل إذا نفرت وشردت متتابعة نال من وقع فيما بينها بلاء شديد. فتشبيه الشرر بها يفيد كمال الضرر والطراف ليس كذلك. السادس أن القصر يكون أعظم غالبا من الطراف والجمالات وهي جمع الجمع تكون أكثر عددا من الطراف والغرض التوكيد فيكون تشبيه القرآن أبلغ في المعنى المقصود. السابع أن التشبيه بشيئين كالقصر والجمالات في إثبات الوصفين كالعظم والصفرة أقوى في ثبوت الوصفين من التشبيه بشيء واحد للوصفين بعينهما، لأن الأول كالمبين المفصل، والثاني كالمجمل المبهم إذ يحتمل أن يكون وجه التشبيه واحدا منهما فقط. الثامن أن الإنسان إنما يكون طيب العيش إذا كان وقت الانطلاق راكبا ووقت النزول راقدا في الظل فكأنه قيل في الآية على سبيل التهكم مركوبكم هذه الجمالات من الشرر وظلكم في مثل هذا القصر ولو شبه بالطرف لم يحصل هذا المقصود. التاسع أن تطاير القصر وهو من اللبن والحجر والخشب في الهواء أغرب من تطاير الخيمة وهي خفيفة الحجم. العاشر أن سقوط القصر أفظع وأهول من سقوط الطراف هذه خلاصة كلام الإمام في هذا المقام أوردناها لئلا يكون كتابنا خاليا من فوائد تفسيره. قوله هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ يروى أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس عن الجمع بين هذه الآية وبين نحو قوله ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ [الزمر: ٣١] فأجاب بتغاير الزمانين وتباين الموطنين. وقال الحسن: أراد لا ينطقون بحجة صحيحة وعذر واضح فكأنهم لم ينطقوا ولم يعتذروا. قوله وَلا يُؤْذَنُ إنما لم يقل «فيعتذروا» بسقوط النون للنصب كقوله لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا [فاطر: ٣٦] لأنه لو نصب لأوهم أنهم إنما لم يعتذروا لأجل أنهم لم يؤذوا في الاعتذار ولولا المنع لاعتذروا وهذا غير جائز، ولكن المراد أن لا عذر لهم في نفس الأمر كما لا إذن فالفاء لمطلق النسق لا للتسبب. هذا مع أنه فيه رعاية الفاصلة وهي من جملة الفصاحة اللفظية، ولهذا لم يقرأ في سورة «اقتربت» إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ [الآية: ٦] لا مثقلا. وقريء قوله في آخر «الكهف» و «الطلاق» عَذاباً نُكْراً [الآية: ٨] بالوجهين قالوا:
وإنما لم يؤذن لهم في الاعتذار لأنه سبحانه أزاح الاعتذار في الدنيا بتقديم الإنذار بدليل قوله فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً عُذْراً أَوْ نُذْراً ولهذا قال في آخر هذا الأخبار وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ثم أشار لمزيد التهديد والتوبيخ إلى اليوم المذكور بقوله هذا يَوْمُ الْفَصْلِ ثم أوضح هذه الجملة بقوله جَمَعْناكُمْ أيها المتأخرون وَالْأَوَّلِينَ لأن الفصل بين الخلائق لا يجوز إلا بإحضار الكل. وقد يستدل به على عدم جواز القضاء على الغائب. ثم عجزهم وحقر أمرهم بقوله فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ وقد علم أنه لا حيلة لهم في رفع البلاء عن أنفسهم يومئذ كما كانوا يحتالون في الدنيا يؤذون بذلك أنبياء الله وأولياءه، وهذا التعجيز
стр. 3555
والتخجيل من جنس العذاب الروحاني فلهذا عقبه بقوله وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ثم زاد في حسرتهم وغمهم بتعديد ما أعد للمطيعين المتقين من الظلال والعيون والفواكه بدل ظلالهم التي لا روح فيها ولا تغني عن الحر والعطش، استقروا في تلك النعم مقولا لهم كُلُوا وَاشْرَبُوا وهو أمر إكرام لا أمر تكليف وهذا أيضا من جنس العذاب الروحاني بالنسبة إلى الكافرين حين يرون الذين اتقوا الشرك في النعيم المقيم ولذا أردفه بقوله وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ثم ذكر أن هذا الويل ثابت لهم في حال ما يقال في الآخرة كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قال جار الله: هذا في طريقة قول القائل:
إخوتي لا تبعدوا أبدا ... وبلى والله قد بعدوا
أي كنتم أحقاء في حياتكم بأن يدعى لكم بهذا، وفيه توبيخ وتذكير بحالهم السمجة وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل على النعيم المقيم، وعلل ذلك بكونهم مجرمين إيعادا لكل مجرم، وجوز أن يكون كُلُوا وَتَمَتَّعُوا كلاما مستأنفا خطابا للمكذبين في الدنيا. ثم ذمهم على ترك الخشوع والتواضع لله بقبول وحيه. وقيل: ما كان على العرب أشد من الركوع والسجود.
يروى أن وفد ثقيف أمرهم رسول الله ﷺ بالصلاة فقالوا: لا ننحني أي لا نركع ولا نسجد فإنها مسبة علينا. فقال ﷺ : لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود. وأنزل الله الآية.
ثم ختم السورة بالتعجب من حال الكفار وإصرارهم على جهالاتهم وضلالاتهم بعد القرآن وبياناته وقد مر في أول «الجاثية» نظيره والله أعلم. تم.
تم الجزء التاسع والعشرون ويليه الجزء الثلاثون وأوله تفسير سورة النبأ
стр. 3556
الجزء الثلاثون من أجزاء القرآن الكريم
(سورة النبأ)
(وهي مكية حروفها سبعمائة وسبعون كلماتها مائة وثلاث وسبعون آياتها أربعون)
[سورة النبإ (٧٨) : الآيات ١ الى ٤٠]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٤)
ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩)
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (١٢) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً (١٣) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً (١٤)
لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (١٦) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (١٨) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (١٩)
وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآباً (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (٢٤)
إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً (٢٥) جَزاءً وِفاقاً (٢٦) إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (٢٩)
فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذاباً (٣٠) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ وَأَعْناباً (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْراباً (٣٣) وَكَأْساً دِهاقاً (٣٤)
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً (٣٥) جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً (٣٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (٣٨) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً (٣٩)
إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (٤٠)
القراآت
كلا ستعلمون بتاء الخطاب في الموضعين: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان وَفُتِحَتِ بالتخفيف: عاصم وحمزة وعليّ وخلف لبثين مقصورا: حمزة ولا كذابا مخففا. عليّ رب بالرفع بتقدير هو رب: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو والمفضل. الباقون: بالجر على البدل الرَّحْمنِ بالجر على البدل أو البيان: ابن عامر وسهل ويعقوب وعاصم غير المفضل. الآخرون: بالرفع على «هو الرحمن» أو على أنه خبر آخر.
الوقوف
يَتَساءَلُونَ هـ ج لاحتمال أن الجار متصل بالفعل المذكور والمراد التهديد.
стр. 3557
قال الفراء: «عن» بمعنى اللام أي لأي شيء، أو متصل بمحذوف كأن سائلا سأل عن أي شيء يتساءلون فأجيب عن النبأ. الْعَظِيمِ هـ لا مُخْتَلِفُونَ هـ ط بناء على أن معنى كلا حقا سَيَعْلَمُونَ لا هـ سَيَعْلَمُونَ هـ ج مِهاداً هـ لا أَوْتاداً هـ ص أَزْواجاً هـ سُباتاً هـ لا لِباساً هـ لا مَعاشاً هـ ص شِداداً هـ لا وَهَّاجاً هـ ص ثَجَّاجاً هـ لا وَنَباتاً هـ ك أَلْفافاً هـ ط مِيقاتاً هـ ط لأن ما بعده بدل أَفْواجاً هـ ك أَبْواباً هـ ك سَراباً هـ ط مِرْصاداً هـ لا مَآباً هـ لا أَحْقاباً هـ ج لأن ما بعده يصلح استئنافا وحالا، ويجوز أن يكون صفة ل أَحْقاباً لمكان عود الضمير في فِيها إليها شَراباً هـ لا غَسَّاقاً هـ ك وِفاقاً هـ حِساباً هـ كِذَّاباً هـ م لأن التقدير أحصينا كل شيء أحصيناه كِتاباً هـ لا عَذاباً هـ مَفازاً هـ وَأَعْناباً هـ أَتْراباً هـ ك دِهاقاً هـ ط لأنه لو وصل اشتبه بالصفة وللموصوف وجه كما يجيء في التفسير . كِذَّاباً هـ ط لأن جَزاءً يصلح مصدرا ومفعولا له حِساباً هـ ط لمن قرأ رَبِّ بالرفع وقف على بَيْنَهُمَا إلا لمن قرأ الرحمن بالرفع رَبِّ بالجر على الرحمن وقف على الوجوه إلا إن جعله مبتدأ لا يَمْلِكُونَ خبره خِطاباً هـ لا بناء على أن يَوْمَ ظرف لا يَمْلِكُونَ صَفًّا هـ لا بناء على أن يَوْمَ ظرف لا يَتَكَلَّمُونَ صَواباً هـ لحق الشرط مع الفاء مَآباً هـ رِيباً
هـ ج لأن وْمَ
متعلق باذكر أو بذاباً
راباً
هـ.
التفسير:
حرف الجر إذا دخل على «ما» الاستفهامية تحذف ألفها نحو «بم» و «عم» و «علام» و «لم» هـ لشدّة الاتصال وكثرة الاستعمال. ثم إن كان الكلام مبنيا على السؤال والجواب فالسائل والمجيب واحد وهو الله، والفائدة في هذا الأسلوب أن يكون إلى التفهيم أقرب. ومعنى هذا الاستفهام تفخيم شأن ما وقع فيه التساؤل وبيان أن مطلب ما وضع للسؤال عن حقائق الأشياء المجهولة والشيء العظيم الذي تعجز العقول عن إدراكه أو يدعي فيه العجز يكون مجهولا، فوقع بين المسئول بما هو وبين الشيء العظيم مشابهة من هذا الوجه، والمشابهة أحد أسباب المجاز. والنبأ العظيم القيامة بدليل الردع عن الإختلاف وللتهديد بعده. وتقديم الضمير وبناء الكلام عليه لتقوى الكلام لا للاختصاص فإن غير قريش أيضا مختلفون في أمر البعث فمنهم من يثبت الروحاني في المعاد فقط، ومنهم من يشك فيه كقوله وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً [الكهف: ٣٦] ومنهم من يقطع بعدم البعث إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا [المؤمنون: ٣٧] كان يسأل بعضهم بعضا عن القيامة ويتحدثون عنها متعجبين من وقوعها. ويجوز أن يكون المفعول محذوفا أي يتساءلون النبي والمؤمنين نحو تراءينا الهلال فيكون التساؤل بطريق الاستهزاء ويحتمل أن يكون الضمير للمسلمين والكافرين
стр. 3558
جميعا فقد كانوا جميعا يتساءلون عنه، أما المؤمن فليزداد خشية واستعداد، وأما الكافر فلأجل الاستهزاء. وقيل: النبأ العظيم القرآن، واختلافهم فيه أن بعضهم جعلوه سحرا وبعضهم شعرا وكهانة. وقيل: نبوّة محمد كانوا يقولون ما هذا الذي حدث بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ [ق: ٢] وقالت الشيعة: هو عليّ قال القائل في حقه هو النبأ العظيم وفلك نوح وباب الله وانقطع الخطاب. قال أهل المعاني: تكرير الردع مع الوعيد دليل على غاية التهديد. وفي «ثم» إشارة إلى أن الوعيد الثاني أبلغ، ويجوز أن يكون الأول في الدنيا والثاني في الآخرة، أو الأول للكفار والثاني للمؤمنين. وقيل: الأول ردع عن الاختلاف والثاني عن الكفر. وحذف المفعول به أي سيعلمون أن ما يتساءلون عنه مختلفين فيه حق وصدق وذلك إذا اتصل العيان بالخبر. ومن قرأ الخطاب فقد سلك سبيل الالتفات. ثم عدد دلائل القدرة على البعث ودلائل الحكمة في الجزاء على أن كلا منهما نعمة يجب أن تشكر بالتوفر على الطاعة ولا تكفر بالإقدام على المعصية. والمهاد الفراش، والأوتاد ما يشدّ بها أطناب الخيمة، شبهت الجبال الراسيات بها لأنها تحفظ الأرض أن تميد بما عليها وقد سبق تقريره. والأزواج الأصناف المتقابلات القبيح بإزاء الحسن والطويل بحذاء القصير وغير ذلك من الأضداد.
والسبات الراحة. والتركيب يدل على القطع والإزالة ومنه سبت الرجل رأسه إذا حلقه، والنوم يزيل التعب عن الإنسان فيستعقب الراحة قاله ابن الأعرابي والمبرد. وقال الزجاج وغيره: هو الموت وهذا التفسير لا يناسبه مقام تعداد النعم. واللباس ما يتغطى به والليل أخفى للويل. والمعاش مصدر أو اسم زمان لأن الناس يتقلبون فيه لوجوه تعيشهم. والشداد المحكمة التي لا تقبل الشق والخرق إلا ما شاء الله. والوهاج المتلألئ الوقاد. وفي كتاب الخليل: الوهج النار. ولا شك أن الشمس جامعة للنور والحرارة. والمعصرات السحاب بلغة قريش من أعصرت إذا شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر كقولك «أحصد الزرع» أي حان أن يحصد، ومنه أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض وهذا القول مروي عن ابن عباس واختاره أبو العالية والربيع والضحاك. وقال مجاهد والكلبي ومقاتل وقتادة: هي الرياح التي تنشئ السحاب وتدرّ أخلافه فكأنها مبادئ الإنزال. الثجاج المنصب بكثرة يقال «ثجه وثج بنفسه»
وفي الحديث «أفضل الحج العج والثج» «١»
فالعج رفع الصوت بالتلبية والثج صب دماء الهدي. ثم بين غاية الإنزال وهي إخراج الحب للإنسان، والنبات للأنعام غالبا، والجنات الملتفة لأجل التلذذ والتفكه. قال الكسائي والأخفش: والألفاف جمع لف بالكسر ويحتمل
стр. 3559
أن يكون جمع لفيف كشريف وأشراف. وقال في الكشاف: إنه لا واحد له كالأوزاع للجماعات المتفرقة ومنه قولهم «أخوة أخياف» أي مختلفة. واعلم أن هذه التسعة نظرا إلى حدوثها وإمكانها تدل على الفاعل المختار، ونظرا إلى ما فيها من الإتقان والإحكام تدل على كمال علمه وحكمته الذاتية. وبعد ثبوت كماله في هذه الأوصاف لم يبق للمتأمل شك في إمكان الحشر وقد أخبر الصادق عن وقوع هذا الممكن فوجب الجزم به على أن في إخراج النبات بعد جفافه ويبسه دليلا ظاهرا على إمكان إخراج الموتى من القبور وبعثهم فلهذا رتب على هذه البيانات قوله إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً أي حدا توقت به الدنيا أو حدا لفصل الحكومات تنتهي الخلائق إليه. والنفخة هاهنا هي الثانية التي تكون عندها الحياة بدليل قوله فَتَأْتُونَ أَفْواجاً أي طائفة طائفة إلى أن يتكامل اجتماعهم. وقال عطاء: كل نبي يأتي مع أمته.
وروى صاحب الكشاف عن معاذ أنه سأل رسول الله ﷺ عنه فقال ﵇: «يا معاذ سألت عن أمر عظيم من الأمور ثم أرسل عينيه وقال: تحشر عشرة أصناف من أمّتي بعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسون أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها، وبعضهم عمي، وبعضهم صم بكم، وبعضهم يمضغون ألسنتهم وهي مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار، وبعضهم أشدّ نتنا من الجيف، وبعضهم ملبسون جبابا سابغة من قطران لازقة بجلودهم. فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس، وأما الذين على صورة الخنازير فآكل السحت، وأما المنكسون فأكلة الربا، وأما العمي فالذين يجورون في الحكم، وأما الصم والبكم فالمعجبون بأعمالهم، وأما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين خالف قولهم أعمالهم، وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران، وأما المصلبون على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السلطان، وأما الذين هو أشد نتنا من الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ومنعوا حق الله في أموالهم، وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء» .
وفتح السماء شقها وانفطارها أو معنى آخر مغاير لهما. والضمير في فَكانَتْ للسماء كأنها لكثرة أبوابها المفتوحة لنزول الملائكة صارت بكليتها أبوابا كقوله وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً [القمر: ١٢] ويحتمل أن يعود إلى مقدر دل عليه الكلام أي فكانت تلك المواضع المفتوحة أبوابا. وقال الواحدي: المضاف محذوف أي فكانت ذات أبواب. وأما الجبال فإنه تعالى ذكر حالها بعبارات مختلفة، ويمكن الجمع بينها بأن تدرك أوّلا وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً [الحاقة: ١٤] ثم تصير كالعهن ثم تصير كالهباء
стр. 3560
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا وهي في كل هذه الأحوال باقية في مواضعها ثم تنسف بإرسال الرياح عليها وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ [الانفطار: ٤] ثم تطير هاهنا أحوال إذا برزت من تحتها وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً [الكهف: ٤٧] والثاني للجبال فتطيره في الهواء كالهباء فمن نظر إليها حسبها لتكاثفها أجساما جامدة وهي بالحقيقة مارة بتحريك الهواء كما قال وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [النمل: ٨٨] والثالث لها باعتبار أماكنها الأصلية فمن نظر إلى المواضع من بعيد ظن أن الجبال هناك حتى إذا دنا منها لم يجد فيها شيئا كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً [النور: ٣٩] وقد أشار إلى هذه الحالة بقوله وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً.
ثم أخبر عن أحوال السعداء والأشقياء يومئذ. وقدم ذكر هذا المقام غير محرر فلينظر الأشقياء لأن الكلام في السورة بني على التهديد فقال إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ أي في علم الله أو هي مسلوبة الدلالة على المضي. والمرصاد إما اسم للمكان الذي يرصد فيه كالضمار للذي تضمر فيه الخيل، والمنهاج اسم للمكان الذي ينهج فيه. والمعنى أن خزنة جهنم يرصدون الكفار هناك، أو أن خزنتها يستقبلون المؤمنين عندها لأن جوازهم عليها بدليل قوله وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [مريم: ٧١] ولهذا قال الحسن وقتادة: يعني طريقا إلى الجنة. وإما صفة نحو «مقدام» بمعنى أنها ترصد أعداء الله. وقوله لِلطَّاغِينَ متعلق بما بعده أو بما قبله، وعلى التقديرين لا بد من إضمار وهو لفظة لهم أو لأهل الجنة. ثم ذكر كيفية استقرارهم هناك فقال لابِثِينَ ومن قرأ بغير ألف فهو أدل على الثبات. قال جار الله: اللابث من وجد منه اللبث فقط، واللبث من لا يكاد يبرح المكان أما الأحقاب فزعم الفراء أن أصله الترادف والتتابع أي دهورا مترادفة لا تكاد تتناهى كلما مضى حقب تبعه آخر. وقال الحسن: الأحقاب لا يدري أحد ما هي ولكن الحقب الواحد سبعون ألف سنة اليوم منها كألف سنة مما تعدّون. وسأل هلال الهجري عليا فقال: الحقب مائة سنة السنة اثنا عشر شهرا والشهر ثلاثون يوما واليوم ألف سنة. وقال عطاء والكلبي ومقاتل عن ابن عباس:
الحقب الواحد بضع وثمانون سنة والسنة ثلاثمائة وستون يوما واليوم ألف سنة من أيام الدنيا.
ونحو هذا يروى عن ابن عباس وقطرب مرفوعا. فإن قيل: عذاب أهل النار ولا سيما الطاغين غير متناه والأحقاب بالتفاسير المذكورة وإن كثر مبلغها متناهية، فما وجه الجمع بينهما؟ قلنا: الحقب متناه ولكن الأحقاب لا نسلم أنها متناهية فإن الجمع لا يلزم تناهي آحاده فيجوز أن يكون المعنى كلما مضى حقب تبعه آخر. قال الفراء: سلمنا أن الأحقاب تفيد التناهي لكن بالمفهوم والنصوص الدالة على التأبيد كقوله يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ
стр. 3561
وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها
[المائدة: ٣٧] تدل بالمنطوق ولا شك أن المنطوق راجح. وقال الزجاج: المعنى أنهم يلبثون فيها أحقابا غير ذائقين بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا، ثم ينقلون إلى جنس آخر غير الحميم والغساق. وذكر في الكشاف وجها آخر وهو أن يكون أحقابا من حقب عامنا هذا إذا قل خيره. وحقب فلان إذا أخطأ الرزق فهو حقب كحذر وجمعه أحقاب فينتصب حالا منهم أي لابثين في أسوأ حال. والبرد معروف أي لا يجدون هواء باردا ولا ماء باردا. وقال الأخفش والفراء: هو النوم وذلك أن البرد لازم للنوم ولهذا يسكن العطش. وسببه توجه الحرارة الغريزية إلى الباطن عند فتور الحواس الظاهرة والحركات الاختيارية وفي أمثالهم «منع البرد البرد» أي أصابني من البرد ما منعني من النوم.
وقد يضعف هذا القول أنهم لا يقولون ذقت البرد ويقولون «ذقت الكرى» وبأنهم يجدون الزمهرير فكيف يصح نفي البرد عنهم. وقد يجاب عن الأول بأن الذوق في الصورتين مجاز فأي ترجيح لأحدهما على الآخر. وعن الثاني بأن المراد برد له روح لا الذي فيه عذاب.
والحميم الماء البالغ في الحرارة، والغساق صديد أهل النار. قوله جَزاءً نصب على المصدر أي جزاهم جزاء. وانتصب وِفاقاً على الوصف أي ذا وفاق أو موافقا لعملهم في القبح والفظاعة والدوام. ثم ذكر علة التأبيد فقال إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً لا يخافون أو لا يتوقعون حسابا وهذه إشارة إلى نقصانهم بحسب القوة العلمية فإن الذي اعتقد أنه لا حشر ولا حساب لا يبالي بأي شيء ترك من القبائح والمظالم أو أي شيء ترك من الخيرات والفضائل. قوله وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً إشارة إلى فساد عقائدهم حتى جحدوا الحق وكذبوا الرسل. ومصدر «فعل» مشدد العين يجيء على «فعال» بالتشديد وهو الأكثر، وبالتخفيف عند بعضهم ولهذا لم يقرأ به إلا في الشواذ. قال جار الله: هو مصدر كذب بدليل قوله:
فصدّقتها وكذبتها ... والمرء ينفعه كذابه
وهو مثل قوله أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً [نوح: ١٧] يعني وكذبوا بآياتنا وكذبوا كذابا أو تنصبه ب كَذَّبُوا لأنه يتضمن معنى كذبوا لأن كل مكذب بالحق كاذب. وإن جعلته بمعنى المكاذبة فمعناه وكذبوا بآياتنا فكاذبوا مكاذبة أو كذبوا بها مكاذبين، لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين وكان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة، أو لأنهم يتكلمون بما هو إفراط في الكذب فعل من يبالغ في أمر فبلغ فيه أقصى جهده. أقول: أراد بهذا الوجه الأخير أن باب المغالبة يبنى على المفاعلة فيمكن أن يستدل بالمفاعلة على المبالغة بطريق العكس الجزئي وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ من باب الإضمار على شريطة التفسير. قوله كِتاباً مصدر لأنه والإحصاء يتلاقيان في معنى الضبط والتحصيل، ويجوز أن يكون حالا
стр. 3562
أي مكتوبا في اللوح أو في صحف الأعمال. قال جار الله: هذه جملة معترضة. أقول: إنها من تمام التعليل المذكور أي فعلوا كذا وكذا ونحن عالمون بجميع الكليات والجزئيات فلهذا كتبنا جزاء العاصين على وفق أعمالهم.
ثم أظهر غاية السخط بطريق الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، والتعقيب بفاء الجزاء الدال على أن المذكور سبب عن كفرهم بالحسنات وتكذيبهم بالآيات. وزيادة العذاب يحتمل أن تكون لأجل أن المؤثر إذا استمرّ ودام ازداد الإحساس بأثره، ويحتمل أن يكون لازدياد كفرهم وعتوّهم حينا بعد حين كقوله فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة: ١٢٥] ويحتمل أن تكون زيادة العذاب عبارة عن نفس استمراره لأنه يتزايد بمرور الزمان، والمراد انا لن نخلصكم من العذاب إلى خلافه. ثم شرع في شرح أحوال السعداء قائلا إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً فوزا وظفرا بالمطالب والأماني أو موضع فوز ثم فسره بقوله حَدائِقَ إلخ. والحدائق البساتين فيها أنواع الشجر وقد مرّ في قوله حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ [النمل: ٦٠] وخص منها الأعناب لشأن مزيته على سائر الفواكه. والكواعب النواهد واحدها كاعب كطالق وطامث وهي التي ظهر ثديها كالكعب لها نتوّ قليل. والأتراب اللدات. والدهاق المترعة المملوءة وهذا قول أكثر أهل اللغة كأبي عبيدة والزجاج والكسائي والمبرد. يروى أن ابن عباس دعا غلاما له فقال: اسقنا دهاقا فجاء الغلام بها ملانة فقال ابن عباس: هذا هو الدهاق. وعن أبي هريرة وسعيد بن جبير ومجاهد: هي المتتابعة. قال الواحدي: وأصل هذا من قول العرب أدهقت الحجارة إدهاقا وهو شدّة تلازمها ودخولها بعضها في بعض. وعن عكرمة: دهاقا أي صافية. والدهاق على هذا القول يجوز أن يكون جمع دهق وهي خشبتان يعصر بهما. والكأس الخمر أي خمرا ذات دهاق وهي التي عصرت وصفيت بالدهاق. ولا يَسْمَعُونَ فِيها أي في الجنة وهو الأظهر أو في الكأس وشربها لَغْواً كلاما باطلا وَلا كِذَّاباً أي لا يكذب بعضهم بعضا لأنهم إخوان الصفاء وأخذان الوفاء. ومن قرأ بالتخفيف فمعناه أنه لا يجري بينهم كذب أو مكاذبة. قال جار الله: جَزاءً مصدر مؤكد منصوب بمعنى قوله إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً كأنه قال: جازى المتقين بمفاز وعَطاءً نصب ب جَزاءً نصب المفعول به أي جزاهم عطاء.
وقال الزجاج: المعنى جازاهم بذلك جزاء وأعطاهم عطاء. ومعنى حِساباً كافيا من أحسبه الشيء إذا كفاه حتى قال: حسبي. وقيل: أي على حسب أعمالهم فمعنى الحساب العدّ والتقدير لبعضهم عشرة ولبعضهم سبعمائة وأكثر. وقال ابن قتيبة: هو من أحسبت فلانا أي أكثرت له يعني عطاء كثيرا. وإنما قال في الأول جَزاءً وِفاقاً لأن جزاء السيئة
стр. 3563
سيئة مثلها أي موافقة لها. وأما هاهنا فالمراد ثواب المؤمنين وليس ذلك بتقدير العمل فقط ولكن بمقدار ما يكفيه. ثم مدح نفسه بقوله رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ وقد تقدّم إعرابه في الوقوف. والضمير في لا يَمْلِكُونَ قيل للكافرين نقله عطاء عن ابن عباس، يريد لا يخاطب المشركون الله، وأما المؤمنون فيشفعون ويقبل الله ذلك منهم. وقيل للمؤمنين لأن ذكرهم أقرب من ذكر الكفار، والمراد أنه ما تحيف حقهم فبأي سبب يخاطبونه. والأكثرون على أن الضمير لأهل السموات والأرض فإن أحدا من المخلوقين لا يملك خطابا من جهة الله إذ كل من هو سواه فهو مملوكه، والمملوك لا يملك من جهة مالكه شيئا وإلا لم يكن للمالك كمال الملك. وقالت المعتزلة: إنه عالم بقبح القبيح غني عن فعله وعالم بغناه فلا يفعل إلا الحسن وحينئذ لا وجه للمطالبة والمخاطبة. ثم أكد المعنى المذكور بقوله يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وهو أعظم المخلوقات قدرا كما مرّ في سورة سبحان في تفسير قوله تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ [الإسراء: ٨٥] والصف مصدر في الأصل لا يثنى ولا يجمع غالبا فلهذا جاز أن يكون المراد أنهم يقومون صف من الروح وحده ومن الملائكة بأسرهم صف، وجاز أن يكون يراد يقوم الكل صفا واحدا أو يقومون صفوفا لقوله وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢] ثم بين أنهم مع جلالة قدرهم لا يتكلمون إلا بشرطين: أحدهما الإذن من الله، والضمير في لَهُ إما للشافع أو للمشفوع. والثاني أن يقول صَواباً والضمير في قالَ أيضا إما للشافع فالمراد أنهم لا ينطقون إلا بعد ورود الإذن في الكلام، ثم بعد الإذن يجتهدون حتى لا يتكلمون إلا بما هو حق وصواب. وإما للمشفوع. والقول الصواب على هذا التفسير شهادة أن لا إله إلا الله وذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ أي لا باطل فيه ولا ظلم أو هو الكائن لا محالة فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ بالطاعة إِلى رَبِّهِ مَآباً ومرجعا. والظاهر أن الضمير عائد في شاءَ إلى فَمَنْ وفيه دليل للمعتزلة. ويروى عن الخدري وابن عباس أن الضمير لله ذاباً قَرِيباً
هو عذاب الآخرة لأن ما هو آت قريب. وفي المرء أقوال: فعن عطاء أنه الكافر لتقدّم ذكر الإنذار وقوله الكافر ظاهر وضع موضع الضمير لزيادة الذم. وعن الحسن وقتادة: إنه المؤمن لمجيء ذكر الكافر بعده، ولأن المؤمن لما قدّم الخير والشر فهو منتظر لأمر الله كيف يحدث، وأما الكافر فإنه قاطع بالعذاب ومع القطع لا يحصل الانتظار. والأظهر أنه عام في كل مكلف. و «ما» استفهامية منصوبة بدَّمَتْ
أو موصولة منصوبة بنْظُرُ
فيلزم إضمار «إن» حذف العائد من قدّمته، وحذف الجار لأن الأصل أن يقال ينظر إليه. قوله نْتُ تُراباً
فيه وجوه أحدها: ليتني لم أبعث غير محشور. الثاني ما
ورد في الأخبار أن البهائم تحشر فيقتص
стр. 3564
للجماء من القرناء ثم تردّ ترابا فيودّ الكافر حالها ليتخلص من العذاب.
وأنكر بعض المعتزلة ذلك لأنه تعالى إذا أعادها فهي بين معوّض وبين متفضل عليه، وعلى التقديرين لا يجوز أن يقطعها عن المنافع لأن ذلك كالإضرار بها. قال القاضي: إذا وفر الله أعواضها وهي غير كاملة العقل لم يبعد أن يزيل الله حياتها على وجه لا يحصل لها شعور بالألم فلا يكون ضررا. وقال بعضهم: إن الحيوانات إذا انتهت مدّة أعواضها جعل الله تعالى كل ما كان منها حسن الصورة ثوابا لأهل الجنة، وما كان قبيح الصورة عقابا لأهل النار. الثالث قال بعض الصوفية: أراد يا ليتني كنت متواضعا في طاعة الله كالتراب لا مرتفعا كالنار. الرابع قيل:
الكافر إبليس يرى آدم وثواب أولاده فيتمنى أن يكون الشيء الذي احتقره حين قال خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ص: ٧٦] .
стр. 3565
(سورة النازعات)
(وهي مكية حروفها سبعمائة وثلاثون وآياتها ست وأربعون وكلمها مائة وسبعون)
[سورة النازعات (٧٩) : الآيات ١ الى ٤٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً (١) وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً (٢) وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً (٣) فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً (٤)
فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) أَبْصارُها خاشِعَةٌ (٩)
يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً (١١) قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩)
فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢) فَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤)
فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩)
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣) فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤)
يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩)
وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (٤١) يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤)
إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (٤٦)
القراآت:
وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً بالإدغام فيهما: أبو عمرو غير عباس أثنا أَإِذا كما مر في «الرعد» إلا ابن عامر فإنه وافق الكسائي ناخرة بالألف: حمزة وعلي غير نصير وعتيبة وخلف ورويس وعاصم غير المفضل وحفص وطُوىً كما مر في «طه» وكذا ما بعدها إلا حمزة وخلف في اختياره فإنهما يفتحان. ومنها تَزَكَّى بتشديد الزاي: أبو جعفر ونافع وابن كثير وعباس ويعقوب منذر من بالتنوين: يزيد وعباس.
الآخرون: بالإضافة للتخفيف.
стр. 3566
الوقوف
غَرْقاً هـ لا نَشْطاً هـ لا سَبْحاً هـ لا سَبْقاً هـ لا أَمْراً هـ م لأن جواب القسم محذوف وهو ليبعثن ولأنه لو وصل لأوهم أن يَوْمَ ظرف فَالْمُدَبِّراتِ وليس كذلك لأن تدبير الملائكة قد انقضى وقتئذ بل عامل يَوْمَ تتبعها الرَّاجِفَةُ هـ لا الرَّادِفَةُ هـ ط واجِفَةٌ هـ ط خاشِعَةٌ هـ م لتناهي وصف القيامة وابتداء حكاية قولهم في الدنيا فِي الْحافِرَةِ ط لمن قرأ اإذا مستفهما نَخِرَةً هـ ط خاسِرَةٌ هـ م لتناهي قولهم بالإنكار وابتداء أخبار الله تعالى واحِدَةٌ هـ ط بِالسَّاهِرَةِ هـ ط مُوسى هـ م لأن إِذْ ناداهُ يجوز أن يكون ظرفا لا ذكر قاله السجاوندي. ويحتمل عندي تعلقه بالحديث وإن لم يجز تعلقه بإتيان الحديث طُوىً هـ ج لاحتمال أن يكون اذْهَبْ مفعول ناداهُ لأنه في معنى القول واحتمال أن يكون مفعول القول المحذوف طَغى هـ للآية مع اتفاق الجملتين والوصل أوجه للفاء تَزَكَّى هـ لا للعطف فَتَخْشى ط للآية وانتهاء الاستفهام مع العطف بفاء التعقيب الْكُبْرى هـ ز لذلك إنما كان الوصل أوجه للفاء واتصال المقصود وَعَصى هـ يَسْعى هـ فَنادى هـ الْأَعْلى هـ والوصل هاهنا ألزم للعبرة بتعجيل المؤاخذة وَالْأُولى هـ ط يَخْشى هـ ط لتبدل الكلام لفظا ومعنى وابتداء الاستفهام أَمِ السَّماءُ هـ ط بناء على أن الجملة لا تقع صفة للمعرفة وتقدير حذف الموصول من ضيق العطن فاعرفه بَناها هـ لا فَسَوَّاها هـ لا ضُحاها هـ ص دَحاها هـ ط بناء على أن ما بعده ك التفسير للدحو وهو تمهيدها لأجل السكنى، وجوز أن يكون أَخْرَجَ حالا بإضمار «قد» فلا وقف مَرْعاها هـ ص أَرْساها هـ وَلِأَنْعامِكُمْ هـ ط الْكُبْرى هـ ز لأن يَوْمَ ظرف جاءَتِ وعامل «إذا» مقدّر تقديره أي ترون أو كان ما كان، وجوز أن يكون يَوْمَ مفعول «اذكر» وعامل «إذا» مقدّر قبل يوم، ويجوز أن يكون مجموع الشرط والجزاء وهو قوله فَأَمَّا مَنْ طَغى إلى آخره جوابا لقوله فَإِذا جاءَتِ. سَعى هـ ط لِمَنْ يَرى هـ طَغى هـ لا الدُّنْيا هـ لا الْمَأْوى ط الْهَوى هـ لا الْمَأْوى هـ ط مُرْساها ط ذِكْراها هـ ط مُنْتَهاها هـ ط يَخْشاها هـ ط ضُحاها هـ.
التفسير:
في الكلمات الخمس المذكورة في أول السورة وجوه على نسق ما سبق في المرسلات أحدها: أنها صفات طوائف الملائكة الذين ينزعون نفوس الكفرة من بني آدم غرقا أي نزعا بشدّة من أقاصي الأجساد من أناملها وأظفارها. والغرق والإغراق في اللغة واحد يقال: نزع في القوس فأغرق أي بلغ غايته حتى انتهى إلى النصل، وبالذين يجذبون نفوس المؤمنين برفق ولين كما ينشط الدلو من البئر، وبالطوائف التي تسبح في مضيها أي
стр. 3567
تسرع فتسبق إلى ما أمروا به فتدبر بإذن الله أمرا من أمور العباد أو جنس الأمر. قال مقاتل:
يعني بهذه الطوائف جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وأعوان كل منهم. فجبريل موكل بالرياح والجنود، وميكائيل موكل بالقطر والنبات، وإسرافيل بنفخ الصور، وملك الموت عزرائيل وأعوانه بقبض الأرواح. قال الإمام فخر الدين الرازي: النازعات هم الذين نزعوا أنفسهم عن الصفات البشرية والأخلاق الذميمة من الشهوة والغضب والموت والهرم والسقم لأنهم جواهر روحانية مجردة، والناشطات إشارة إلى أن خروجهم من هذه الأحوال ليس على سبيل الكلفة والمشقة ولكنه بمقتضى الطبيعة والماهية، والسابحات هم الذين سبحوا في بحار جلال الله فسبق بعضهم بعضا في ميدان العرفان وحلبة البرهان فدبروا أمر العالم العلوي والعالم السفلي بإذن مبدعهم المنّان. أقول: ويمكن حمل هذه الأمور على مراتب النفس الإنسانية بمثل التقدير المذكور. الوجه الثاني وهو قول الحسن البصري أنها النجوم وتلخيص ذلك على الوجه المطابق للغة والشريعة أنها تغرق شبه النزع من المشرق إلى المغرب بالحركة السريعة، وتنشط نشطا أي تخرج من برج إلى برج من قولك «ثور ناشط» إذا خرج من بلد إلى بلد، وهذا بحركته البطيئة الثابتة. وأما السابحات فهي السيارة كقوله كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [الأنبياء: ٣٣] ولأن سيرها المتفاوت يصير سببا لسبق بعضها بعضا، ويترتب على السبق الاتصالات والانصرافات ومعرفة الفصول والأوقات وتقدّم العلم بالكائنات بل العالم السفلي وتدبيراتها مناط بتلك الحركات بإذن خالق الأرض وفاطر السموات فلهذا أدخل الفاء في القرينتين الأخريين دون الأوليات. الوجه الثالث أنها صفات خيل الغزاة تنزع في أعنتها نزعا، تغرق الأعنة فيه لطول أعناقها لأنها عراب، وهى ناشطات تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب، وهي سابحات تسبح في جريها فتسبق إلى الغاية فتدبر أمر الغلبة والظفر وتتسبب فيه. الوجه الرابع وهو اختيار أبي مسلم النازعات أيدي الغزاة وأنفسهم تنزع القسي بإغراق السهام، والناشطات السهام الخارجة من أيديهم أو قسيهم، والسابحات الخيل العاديات أو الإبل، والمدبرات بمعنى المعقبات لأنها تأتي في أدبار هذه الأفاعيل بأمر الغلبة والنصر. قال جار الله: يَوْمَ تَرْجُفُ منصوب بجواب القسم المحذوف وهو «لتبعثن» . وقوله تَتْبَعُهَا حال. ثم أورد على نفسه أن هذا يوجب أن يكون البعث عند النفخة الأولى وأجاب عنه بأنهم يبعثون في الوقت الواسع الذي يقع فيه النفختان كما يقال «رأيته عام كذا» وإنما رؤيته في ساعة منها. والراجفة الواقعة التي ترجف عندها الأرض والجبال وهي النفخة الأولى فهي من الإسناد المجازي. والرادفة رجفة أخرى تتبع الأولى فتضطرب الأرض لإحياء الموتى كما اضطربت في الأولى لموت الأحياء،
وقد ورد
стр. 3568
الخبر أن ما بين النفختين أربعون عاما.
ويروى أنه تعالى يمطر الأرض في هذه الأربعين ويصير ذلك الماء عليها كالنطف فيكون سببا في الإحياء
ولله تعالى أن يفعل ما يشاء. وقيل:
الراجفة هي النفخة الأولى، والرادفة هي قيام الساعة من قوله تعالى عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ [النمل: ٧٢] وقيل: الراجفة الأرض والجبال من قوله يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ [المزمل: ١٤] والرادفة السماء والكواكب لأنها تنفطر وتنتثر على أثر ذلك. وقيل: الراجفة هي الأرض تتحرك وتتزلزل، والرادفة زلزلة ثانية تتبع الأولى حتى تنقطع الأرض وتفنى. قال أبو مسلم بناء على تفسيره الذي روينا عنه إن كلا من الراجفة والرادفة هي خيل المشركين وأريد بهما طائفتان من المشركين حاربوا رسول الله ﷺ فتبعت إحداهما الأخرى. والقلوب الواجفة أي القلقة، والأبصار الخاشعة هي أبصار المنافقين وعلى الأقوال القلوب الموصوفة مبتدأ. وقوله أَبْصارُها خاشِعَةٌ خبره وفي الكلام إضمار أي أصحابها خاشعة بدليل قوله يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ أي الحالة الأولى وهي الحياة وأصله من قولهم «رجع فلان في حافرته» أي طريقه التي جاء فيها، جعل أثر قدميه حفرا فالطريق في الحقيقة محفورة إلا أنها سميت حافرة على الإسناد المجازي أو على وتيرة النسبة أي ذات حفر كما قلنا في «عيشة راضية» ونحوه كَرَّةٌ خاسِرَةٌ كما يجيء.
ثم زادوا في الإنكار مع إشارة إلى وجه الإحالة قائلين أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً نردّ أو نبعث. يقال: نخر العظم فهو نخر وناخر مثل حذر وحاذر وهو الأجوف البالي الذي تمر فيه الريح فيسمع له نخر وهما لغتان فصيحتان، لأن النخر وإن كان أبلغ في المعنى إلا أن الناخرة بالألف أشبه بأخواتها من رؤوس الآي. ثم أخبر أنهم قالوا على سبيل الاستهزاء تِلْكَ الكرة إِذاً أي إذا نحشر ونردّ ونرجع كَرَّةٌ خاسِرَةٌ رجعة ذات خسران لأنا كذبنا بها. ثم أفحمهم بقوله فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ أي لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله فما هي إلا صيحة واحِدَةٌ يقال: زجر البعير إذا صاح عليه وهي صيحة إسرافيل في النفخة الثانية. يروى أنه تعالى يحييهم في بطون الأرض فيسمعونها فيقومون. والساهرة الأرض البيضاء المستوية سميت بذلك لأن ساكنها لا ينام خوف الهلاك، أو لأن السراب يجري فيها من قولهم عين ساهرة أي جارية. والأظهر أنها أرض الآخرة. وقيل: هي أرض الدنيا ثم ذكرهم بقصة موسى لأنه أبهر الأنبياء المتقدّمين معجزة وفيها تسلية للنبي ﷺ لأن فرعون كان أكثر جمعا وأشدّ قوة من كفار قريش. والوادي المقدّس المبارك المطهر، وطوى اسم واد بالشأم عند الطور وقد مر في «طه» . قوله هَلْ لَكَ الجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف أي هل لك حاجة أو ميل أو التفات ونحو ذلك، وهذه كلمة جامعة لمواجب
стр. 3569
التكاليف لأن المكلف لا يصير زاكيا إلا بالتخلية عن كل ما لا ينبغي، ويجوز أن يكون التزكي إشارة إلى تطهير النفس الفاسدة. قوله وَأَهْدِيَكَ إشارة إلى التحلي بالأخلاق الفاضلة أقلها وأفضلها التوحيد المرتب عليه الخشية التي منها تنشأ جوامع الخيرات ولهذا
قال النبي ﷺ «من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل»
وعن بعض الحكماء: اعرفوا الله فمن عرفه لم يقدر أن يعصيه طرفه عين. ثم هاهنا إضمار كأنه قال: فذهب موسى إلى فرعون فقال له ما أمر به فلم يصدقه فرعون وجحد نبوته فَأَراهُ وفي ابتداء المخاطبة بالاستفهام الذي معناه العرض من التلطف والمداراة ما لا يخفى فهو كقوله فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً [طه: ٤٤] والآية الكبرى العصا أو اليد أو هما كما مر في «طه» فَكَذَّبَ بالقلب واللسان إذ نسب المعجز إلى السحر وَعَصى بإظهار التمرد والطغيان ثُمَّ أَدْبَرَ خوفا من الثعبان يَسْعى هاربا أو يتحيل في دفع موسى أو تولى عن موسى إظهارا للجحود. وجوز أن يكون أَدْبَرَ موضوعا مكان «أقبل» كما يقال: أقبل فلان يفعل كذا بمعنى طفق يفعل فكنى عن الإقبال بالإدبار إظهارا للسخط ولقصد التفاؤل عليه. ومعنى الفاء في فَكَذَّبَ أنه لم يلبث عقيب رؤية الآية الكبرى أن بادرها بنقيض مقتضاها لفرط عتوّه ورسوخ تفر عنه.
ومعنى «ثم» في ثُمَّ أَدْبَرَ تراخي الرتبة فإن الهرب من الحية مع ادعاء الربوبية مما لا يجتمعان وكذا السعاية والمكيدة بين الناس فَحَشَرَ جنوده للتشاور أو لجمع السحرة فَنادى في المقام الذي اجتمعوا فيه معه أو أمر مناديا. وقيل: قام فيهم خطيبا فقال ما قال. وانتصب نَكالَ الْآخِرَةِ على أنه مصدر مؤكد كأنه قيل: نكل الله به نكالا وهو مصدر كالتنكيل مثل السلام والتسليم. قال الحسن وقتادة: عذاب الآخرة الإحراق وعذاب الأولى الإغراق. وقيل: الآخرة والأولى صفتان لكلمتي فرعون. ثم اختلفوا فعن مجاهد والشعبي وسعيد بن جبير ومقاتل ورواية عطاء والكلبي عن ابن عباس أن كلمته الأولى ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [القصص: ٣٨] والثانية أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [النازعات: ٢٤] وبينهما أربعون سنة أو عشرون، وفيه دليل على أنه تعالى يمهل ولا يهمل. وذكر قوم واستحسنه القفال أن كلمته الأولى تكذيب موسى حين أراه الآية، والأخرى هي قوله أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى وقد يدور في الخلد أن كلمته الأولى هي قوله أَنَا رَبُّكُمُ والآخرة وصفه بالأعلى فإنه لو اقتصر على الأولى لم يكن كفرا بدليل قول يوسف ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ [يوسف: ٥٠] إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ [يوسف: ٢٣] لكنه لما وصفه بالأعلى صار كفرا فأخذه بالأولى والآخرة.
قال الإمام فخر الدين الرازي: إن العاقل لا يشك في نفسه أنه ليس خالق السموات
стр. 3570
والأرض وما بينهما، فالوجه أن يقال: إن فرعون كان دهريا منكرا للصانع والحشر والجزاء وكان يقول ليس لأحد عليكم أمر ولا نهي سواي فأنا ربكم بمعنى مربيكم والمحسن إليكم.
وأقول: كما أن نسبة الإنسان خلق العالم إلى نفسه يوجب الحكم عليه بالجنون وسخافة العقل فالقول بنفي الصانع ونسبة وجود الأشياء إلى ذواتها مع تغيرها في أنفسها يوجب الحكم عليه بعدم العقل فما الفرق بين الأمرين؟ وأيّ استبعاد في ذلك وقد قال الله تعالى إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [العلق: ٧] وسكر الدنيا أشدّ من سكر الخمر فإن الثمل من الخمر يرجى صحوه والثمل من شراب حب المال والجاه الطافح من خيال الرياسة لا ترجى إفاقته. ثم ختم القصة بقوله إِنَّ فِي ذلِكَ الحديث أو النكال وهو في العرف يقع على ما يفتضح به صاحبه ويعتبر به المعتبر لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى أي يكون من أهل الخشية لا القسوة. ثم خاطب منكري البعث بقوله أَأَنْتُمْ أَشَدُّ أي أصعب خَلْقاً أَمِ السَّماءُ فنبههم على أمر معلوم بالمشاهدة وهو أن خلق السماء أعظم وأبلغ في القدرة. وإذا كان الله قادرا على إنشاء العالم الأكبر يكون على خلق العالم الأصغر بل على إعادته أقدر. ثم أشار إلى كيفية خلق السماء فقال بَناها وفيه تصوير للأمر المعقول وهو الإبداع والاختراع بالأمر المحسوس وهو البناء. ثم ذكر هيئة البناء فقال رَفَعَ سَمْكَها وهو الامتداد القائم على كل من امتدادي الطول والعرض. فإذا اعتبر من السفل إلى العلو يسمى سمكا، وإذا اعتبر بالعكس يسمى عمقا. وذكر أهل التفسير أن ما بين كل سماء مسيرة خمسمائة عام.
ولأهل الهيئة طريقة أخرى قد برهنوا عليها في كتبهم. قوله فَسَوَّاها زعم أصحاب الهيئة أن المراد بهذه التسوية جعلها كرية ولا ضرر في الدين من هذا الاعتقاد. وحملها المفسرون على تمام التأليف أو على نفي الفطور عنها. وأقول: من الجائز أن يراد بها جعلها طبقات مرتبة كقوله فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ [البقرة: ٢٩] الغطش الظلمة يقال: غطش الليل وأغطشه الله. ويقال: أغطش الليل أيضا مثل أضاء وأظلم. وعبر بالضحى عن النهار لأن الضحى أكمل أجزائه في النور والضوء. وإنما أضاف الليل والنهار إلى السماء لأنهما بسبب غروب الشمس وطلوعها الحادثين بسبب حركة الفلك قوله وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها قد مر تفسير الدحو في أول سورة «البقرة» وأن بعدية دحو الأرض لا تنافي تقدّم خلق الأرض على السماء في قوله هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ [البقرة: ٢٩] قال أهل اللغة: دحوت أدحو ودحيت أدحى لغتان
في حديث عليّ: اللهم داحي المدحيات
أي باسط الأرضين السبع. وقد يروى عن ابن عباس ومجاهد والسدّي وابن جريج أن قوله بَعْدَ ذلِكَ يعنى مع ذلك كقوله فَكُّ رَقَبَةٍ إلى قوله ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [البلد: ١٧] أي كان مع هذا من أهل الإيمان بالله. ونصب الْأَرْضَ وَالْجِبالَ
стр. 3571
فيما يجيء بإضمار دحى وأرسى على شريطة التفسير. قال المفسرون: أراد بالمرعى جميع ما يأكله الناس والأنعام فيكون الرعي مستعارا للإنسان ولهذا قال مَتاعاً أي فعل كل ذلك تمتيعا لكم ولأنعامكم. وحين فرغ من دلائل القدرة على البعث رتب عليه شرح يوم القيامة. والطامة الداهية التي لا تطاق من قولهم طم الفرس طميما إذا استفرغ جهده في المشي والجري فإذا وصفت بالكبرى كانت في غاية الفظاعة ونهاية الشدّة، وفي أمثالهم «جرى الوادي فطم على القري» وهو مفرد وجمعه أقرية وقريان وهي الجداول والأنهار.
وأصل الطم الدفن والغلب فكل ما غلب شيئا وقهره وأخفاه فقد طمه. وقيل: الطامة النفخة الثانية عن الحسن. وقيل: هي الساعة التي يساق بها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار. قال جار الله: يَوْمَ يَتَذَكَّرُ بدل من فَإِذا جاءَتِ لأنه إذا رأى أعماله مدوّنة مكتوبة تذكرها وكان قد نسيها. قوله وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى كقولهم «قد بين الصبح لذي عينين» وهو مثل في الأمر المنكشف الذي لا يخفى على أحد فعلى هذا يكون استعارة ولا يجب أن يراها كل أحد لأن الإخبار إنما وقع عن كونها بحيث لا تخفى على ذي بصر لا عن وقوع البصر. وقيل: إنها برزت الجحيم ليراها كل من له بصر وعلى هذا يجب أن يراها كل أحد إلا أن المؤمنين يمرون عليها كالبرق الخاطف، وأما الكافرون فيقعون فيها فكأنها برزت لأجلهم فقط، وبهذا الاعتبار قال في موضع آخر. وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ [الشعراء:
٩١] وقوله طَغى إشارة إلى فساد القوى النظرية فإن من عرف الله بالكمال عرف نفسه بالنقصان فلم يصدر عنه الطغيان. قوله وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا رمز إلى اختلال القوّة العملية فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة. واللام في الْمَأْوى للعهد الذهني أي مأواه اللائق به ولهذا استغنى عن العائد ولا حاجة إلى تكلف أن الألف، واللام بدل من الإضافة. قوله خافَ مَقامَ رَبِّهِ نقيض طغى. قوله وَنَهَى النَّفْسَ الأمارة وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فهذا الشخص إذا كامل في قوّته النظرية والعملية. وتفسير خافَ مَقامَ رَبِّهِ قد مر في سورة الرحمن. وَنَهَى النَّفْسَ ضبطها وتوطينها على متاعب التكاليف من الأفعال والتروك.
ثم إن المشركين كانوا يسمعون النبي ﷺ يذكر الطامة والحاقة وغيرهما من أسماء القيامة فيسألون أَيَّانَ مُرْساها أي زمان إرسائها وهو إقامة الله إياها وقد مر في آخر «الأعراف» . وعن عائشة ﵂ لم يزل رسول الله ﷺ يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت. وقوله فِيمَ أَنْتَ على هذا تعجب من كثرة ذكره لها كأنه قيل: في أي شغل واهتمام أنت من ذكرها والسؤال عنها حرصا على جوابهم إلى ربك منتهى علمها لم يؤته أحدا من خلقه. ويجوز أن يكون قوله فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها من تتمة السؤال أي يسألونك
стр. 3572
فيم أنت من العلم بها. ويحتمل أن يكون فيم إنكار سؤالهم أي فيم هذا السؤال. ثم قيل:
أنت من ذكراها أي إرسالك وأنت آخر الرسل وخاتم الأنبياء ذكر من أذكارها وعلامة من علاماتها فلا حاجة إلى الاستفهام عن وقتها بعد العلم باقترابها، فإن هذا القدر من العلم يكفي في وجوب الاستعداد لها بل لا يتم الغرض من التكليف إلا بإخفاء وقته كالموت إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ لا تتعداه إلى العلم بالغيب الذي العلم بالساعة جزئي منه. وخص الإنذار بأهل الخشية لأنهم المنتفعون بذلك. ثم أخبر أنهم حين يرون الساعة يستقصرون مدّة لبثهم في الدنيا. وقيل: في القبور. روى عطاء عن ابن عباس أن الهاء والألف صلة والمعنى لم يلبثوا إلا عشية أو ضحى. وقال النحويون: فيه إضمار والتقدير إلا عشية أو ضحى يوم تلك العشية على أن الإضافة في ضُحاها يكفي فيها أدنى ملابسة وهو هاهنا اجتماعهما في نهار واحد. قال صاحب الكشاف: فائدة الإضافة الدلالة على أن مدة لبثهم كانها لم تبلغ يوما كاملا. قلت: سلمنا أن هذه الفائدة مفهومة من عبارة القرآن إلا أنها تحصل أيضا بتقدير عدم الإضافة كما لا يخفى فلا يصح أن تسند الفائدة إلى الإضافة وحدها. فالوجه أن يقال: فائدة الإضافة أن يعلم أن مجموع مدة الدنيا في ظنهم كيوم واحد وزمان لبثهم في الدنيا كساعة منه عشية أو ضحاها نظيره قول القائل «ما سرت إلا عشية أو ضحى» فإنه لا يفهم منه إلا السير في بعض يوم ما، وقد تكون العشية من يوم والضحى من يوم آخر. ولو قال «إلا عشيته أو ضحاها» لم يمكن أن يكون السير إلا في أحد هذين الوقتين من يوم واحد. قال بعضهم: فائدة الترديد أن زمان المحنة يعبر عنه بالعشية وزمان الراحة يعبر عنه بالضحى فكأنه قيل: ما كان عمرنا في الدنيا إلا هاتين الساعتين. أقول: ويحتمل أن يقال إن مبدأ اليوم بليلته كان قبل شرعنا في أكثر الأديان من نصف النهار وقد صار المبدأ في شرعنا من أول الفجر وكأنهم حين أرادوا التعبير عن بعض اليوم. قالوا: إن كان المبدأ من نصف النهار فنحن لم نلبث إلا عشية وهو ما بعد الزوال إلى الغروب، وإن كان المبدأ من أول الفجر فلم نلبث إلا من الفجر إلى الضحى فلعل هذا هو السر في تقديم العشية على الضحى مع رعاية الفاصلة والله أعلم بأسرار كلامه.
стр. 3573
(سورة عبس)
(مكية حروفها خمسمائة وثلاثة وثلاثون كلمها مائة وثلاث وثلاثون آياتها اثنتان وأربعون)
[سورة عبس (٨٠) : الآيات ١ الى ٤٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤)
أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩)
فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤)
بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩)
ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤)
أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَباً وَقَضْباً (٢٨) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (٢٩)
وَحَدائِقَ غُلْباً (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٢) فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤)
وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩)
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)
القراآت:
كل آيات هذه السورة في الإمالة والتفخيم مثل سورة طه فَتَنْفَعَهُ بالنصب على أنه جواب لعل: عاصم غير الأعشى تَصَدَّى بتشديد الصاد للإدغام: أبو جعفر ونافع وابن كثير. الآخرون: بتخفيفها بناء على حذف تاء تتفعل أو الخطاب عنه تَلَهَّى بإشباع ضمة الهاء وتشديد التاء: البزي وابن فليح أَنَّا بالفتح على البدل من الطعام: عاصم وحمزة وخلف.
الوقوف:
وَتَوَلَّى هـ لا الْأَعْمى هـ ط يَزَّكَّى هـ لا الذِّكْرى هـ ط اسْتَغْنى هـ لا تَصَدَّى هـ ط يَزَّكَّى هـ يَسْعى هـ لا يَخْشى هـ تَلَهَّى هـ ز لأن كَلَّا للردع فلا يوقف أو بمعنى حقا فيوقف تَذْكِرَةٌ هـ ج للشرط بعده مع الفاء ذَكَرَهُ هـ م لأن الظرف لا يجوز أن يتعلق بما قبله ولكنه خبر مبتدأ محذوف أي هو في صحف مُكَرَّمَةٍ هـ لا مُطَهَّرَةٍ هـ لا سَفَرَةٍ هـ ز بَرَرَةٍ ط أَكْفَرَهُ هـ ط خَلَقَهُ هـ ز لأن
стр. 3574
الجواب محذوف أي خلقه من نُطْفَةٍ ط فَقَدَّرَهُ هـ لا يَسَّرَهُ هـ ز فَأَقْبَرَهُ هـ لا أَنْشَرَهُ هـ ط بناء على أن كَلَّا بمعنى حقا ولا يصلح للردع وجه كما يجيء أَمَرَهُ هـ ط إِلى طَعامِهِ هـ ز إلا لمن قرأ أَنَّا بالفتح صَبًّا هـ لا شَقًّا هـ لا حَبًّا هـ ز وَقَضْباً هـ ك وَنَخْلًا هـ ك غُلْباً هـ ك وَأَبًّا هـ لا وَلِأَنْعامِكُمْ هـ ط الصَّاخَّةُ هـ ز فإن الأوضح أن يكون يَوْمَ ظرف جاءَتِ وجوز أن يكون مفعول «اذكر» محذوفا والعامل مقدّر أي فإذا جاءت الصاخة كان ما كان أَخِيهِ لا وَأَبِيهِ هـ ك وَبَنِيهِ هـ ط يُغْنِيهِ هـ ك مُسْفِرَةٌ هـ لا مُسْتَبْشِرَةٌ هـ ج فصلا بين حالتي الفئتين مع اتفاق الجملتين غَبَرَةٌ هـ لا قَتَرَةٌ هـ الْفَجَرَةُ هـ.
التفسير:
أطبق المفسرون على أن الذي عبس هو الرسول ﷺ والأعمى هو ابن أم مكتوم واسمه عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الزهري. وذلك
أنه أتى رسول الله وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم. فقال: يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله، وكرر ذلك وهو لا يعلم شغله بالقوم، فكره رسول الله ﷺ قطعه لكلامه وعبس وأعرض عنه فنزلت، فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك يكرمه ويقول: إذا رآه: مرحبا بمن عاتبني فيه ربي ويقول له: هل لك من حاجة؟ واستخلفه على المدينة مرتين.
وقال أنس: رأيته يوم القادسية وعليه درع وله راية سوداء. والجار محذوف على القياس متعلق ب عَبَسَ أو ب تَوَلَّى على اختلاف في باب تنازع الفعلين للكوفيين والبصريين والتقدير: عبس لأن جاءه الأعمى وأعرض لذلك.
يروى أنه ﷺ ما عبس بعدها في وجه فقير قط ولا تصدّى لغني.
قال أهل المعاني: في الالتفات من الغيبة إلى الخطاب دلالة على مزيد الإنكار كمن يشكو جانيا بطريق الغيبة وهو حاضر ثم يقبل على الجاني مواجها بالتوبيخ. قالوا: وفي ذكر الأعمى نحو من الإنكار أيضا لأن العمى يوجب العطف والرأفة عند ذوي الآداب غالبا لا التولي والعبوس، ولا يخفى أن نظر النبي ﷺ كان على أمر كلي هو رجاء إسلام قريش فإنه في الظاهر أهم من إجابة رجل أعمى على الفور إلا أنه سبحانه عدّ هذا الجزئي كليا من جهة أخرى هي تطييب قلوب الفقراء والضعفاء وإهمال جانب أهل الغنى والثراء، فإن هذا أدخل في الإخلاص وابتغاء رضوان الله وذلك مظنة التهمة والرياء. يحكى عن سفيان الثوري أن الفقراء كانوا في مجلسه أمراء. وأيضا فائدة الإرشاد والتعليم بالنسبة إلى هذا الأعمى أمر معلوم وبالنسبة إلى أولئك أمر موهوم لأنه جاء طالبا مسترشدا وأنهم جاءوا مستهزئين معاندين، وترك المعلوم للموهوم خارج عن طريق الاحتياط وإلى هذا المعنى أشار بقوله
стр. 3575
وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ لعل الأعمى يَزَّكَّى عما لا ينبغي أَوْ يَذَّكَّرُ يتعظ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى فيفعل ما ينبغي. وقيل: الضمير في لَعَلَّهُ للكافر يعني أي شيء أدراك بحال كل من أولئك الكفرة حتى طمعت في تطهرهم من الأوزار وانتفاعهم بالاذكار. ثم زاد تصريحا لما فعل قائلا أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى أي بالمال. وقال عطاء: عن الإيمان. وقال الكلبي: أي عن الله. والأول أولى لأنهم كانوا أغنياء وما توجه الخطاب إلا من هذه الجهة وإن كان إسلامهم موهوما فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى تتعرض وأصله تتصدد من الصدد وهو ما استقبلك فصار قبالك وَما عَلَيْكَ يحتمل أن تكون «ما» استفهامية ونافية يعني أي وبال يعود عليك أو ليس عليك بأس في أن لا يتزكى ذلك المستغني إن عليك إلا البلاغ فما الموجب للحرص والتهالك على إسلامه حتى تكسر قلوب الفقراء بالعبوس والإعراض، وهذا معنى قوله وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى يسرع في طلب الخير وَهُوَ يَخْشى الله أو يخشى الكفار وأذاهم في إتيانك. وقيل: يخشى الكيوة لأنه أعمى ما كان له قائد فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى أي تتشاغل.
قال أهل المعاني: بناء الكلامين على ضمير المخاطب تقوية إنكار التصدي والتهلي عليه أي مثلك خصوصا لا ينبغي أن يتصدّى لغنى ويتلهى عن الفقير. قوله كَلَّا ردع عن المعاتب عليه وعن معاودة مثله أي لا تفعل مثل ذلك. ثم قال إِنَّها يعني آيات القرآن وهو قول مقاتل، أو هذه السورة وهو قول الكلبي واختاره الأخفش تَذْكِرَةٌ وهي في معنى الذكر والوعظ فلذلك قال فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ والمراد أن هذا القرآن أو هذا التأديب الذي عرفناكه في إجلال الفقراء وعدم الالتفات إلى أهل الدنيا ثبت في اللوح المحفوظ الذي قد وكل بحفظه أكابر الملائكة. وفيه أن القرآن الذي بلغ في العظمة إلى هذا الحد أيّ حاجة له إلى أن يقبله هؤلاء الكفرة، فسواء قبلوه أو لا فلا تلتفت إليهم واجتهد في تطيب قلوب الفقراء الذين هم أهل الإخلاص وحزب الله. ثم وصف الصحف بأنها مكرمة عند الله مرفوعة في السماء أو مرفوعة المقدار مطهرة عن أهل الخبائث لا يمسها إلا المطهرون من تلك الملائكة وتلك الصحف بِأَيْدِي سَفَرَةٍ قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل وقتادة: هم الكتبة من الملائكة واحدها سافر مثل كتبة وكاتب، وقد مرّ في أول التفسير أن التركيب يدل على الكشف فبالكتابة يتبين ما في الضمير ويتضح. قال الفراء: اشتقاق السفرة من السفارة لأن الملائكة سفرة بين الله ورسوله ولا يخفى ما في السورة من معنى الكشف أيضا كِرامٍ على ربهم. وقال عطاء: أراد أنهم يكرمون من أن يكونوا مع ابن آدم إذا خلا مع زوجته للجماع وعند قضاء الحاجة بَرَرَةٍ أتقياء واحدها بارّ. وقيل: هي صحف الأنبياء فيكون كقوله إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى [الأعلى: ١٨] وقيل: السفرة القراء. وقيل: الصحابة. ثم عجب من