[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٩٠ الى ١٩٥]
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)
القراآت:
وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ حمزة وعلي وخلف. الباقون:
من باب المفاعلة. وقيل: إنه من جملة ما يكتب في المصحف بغير ألف كالرحمن.
الوقوف:
وَلا تَعْتَدُوا ط الْمُعْتَدِينَ هـ مِنَ الْقَتْلِ ج للعارض بين الجملتين المتفقتين فِيهِ ج للابتداء بالشرط مع الفاء فَاقْتُلُوهُمْ ط الْكافِرِينَ هـ رَحِيمٌ هـ الدِّينُ لِلَّهِ ط لتبدل الحكم الظَّالِمِينَ هـ قِصاصٌ ط لأن الاعتداء خارج عن أصل الموجب وفرعه مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ص لعطف الجملتين المتفقتين الْمُتَّقِينَ هـ التَّهْلُكَةِ ج لاختلاف المعنى أي لا تقتحموا في الحرب فوق ما يطاق وَأَحْسِنُوا ج لاحتمال تقدير الفاء واللام الْمُحْسِنِينَ هـ
التفسير:
لما أمر في الآية المتقدمة بالتقوى، أمر في هذه الآية بأشق أقسامها على النفس وهو المقاتلة في سبيل الله.
عن أبي موسى أن النبي ﷺ سئل عمن يقاتل في سبيل الله فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ولا يقاتل رياء ولا سمعة»
الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ الذين يناجزونكم القتال دون المحاجزين أعني الذين هم بصدد القتال بالفعل دون التاركين. قيل: وعلى هذا يكون منسوخا بقوله: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التوبة:
٣٦] ومنع بأن الأمر بقتال من يقاتل لا يدل على المنع من قتال من لا يقاتل. وكذا ما
روي عن الربيع بن أنس: هي أول آية نزلت في القتال بالمدينة، فكان رسول الله ﷺ يقاتل من قاتل ويكف عمن كف.
أو الذين يناصبونكم القتال دون من ليس من أهل المناصبة من الشيوخ والصبيان والرهبان والنساء أي المستعدين للقتال سوى من جنح للسلم، أو الكفرة كلهم لأنهم جميعا مضادون للمسلمين قاصدون لمقاتلتهم مستحلون لها فهم في حكم المقاتلة قاتلوا أو لم يقاتلوا. وقيل في سبب نزول الآية إنه ﷺ خرج مع أصحابه لإرادة الحج، فلما نزل بالحديبية وهو موضع كثير الشجر والماء صدهم المشركون عن دخول البيت فأقام شهرا لا يقدر على ذلك، فصالحوه على أن يرجع ذلك العام ويعود إليهم في
стр. 527
العام القابل ويتركوا له مكة ثلاثة أيام حتى يطوف وينحر الهدى ويفعل ما يشاء، فرضي ﷺ بذلك وصالحهم عليه وعاد إلى المدينة. وتجهز في السنة القابلة ثم خاف أصحابه من قريش أن لا يفوا بالوعد ويصدوهم عن المسجد الحرام وأن يقاتلوهم. وكانوا كارهين لقتالهم في الشهر الحرام وفي الحرم. فأنزل الله هذه الآيات وبيّن له كيفية المقاتلة إن احتاجوا إليها فقال: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا بابتداء القتال. وإنما كان ذلك في أول الأمر لقلة المسلمين ولكون الصلاح في استعمال الرفق واللين، فلما قوي الإسلام وكثر الجمع وأقام من أقام منهم على الشرك بعد ظهور المعجزات وتكررها عليهم حصل اليأس من إسلامهم، فأمروا بالقتال على الإطلاق. أو لا تعتدوا بقتال من نهيتم عن قتاله من غير المستعدين كالنساء والشيوخ والصبيان والذين بينكم وبينهم عهد، أو بالمثلة، أو المفاجأة من غير دعوة إلى الإسلام. وهذه المعاني الثلاثة بإزاء التفاسير الثلاثة في الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ.
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ المتجاوزين عما شرع الله لهم. في الصحاح: ثقفته أي صادفته. وفي الكشاف، الثقف وجود على وجه الأخذ والغلبة، ومنه رجل ثقف أي سريع الأخذ لأقرانه قال:
فإما تثقفوني فاقتلوني ... فمن أثقف فليس إلى خلود
أمر في الآية الأولى بالجهاد بشرط إقدام الكفار على القتال، وفي هذه الآية زاد في التكليف فأمر بالجهاد معهم سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا. واستثنى منه المقاتلة عند المسجد الحرام، وسمي حراما لأنه ممنوع أن يفعل فيه ما منع من فعله وأصل الحرمة المنع مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ أي من الموضع الذي أخرجوكم وهو مكة، وقد فعل رسول الله ﷺ بمن لم يسلم منهم يوم الفتح. أو أخرجوهم من منازلهم كما أخرجوكم من منازلكم، وقد أجلى رسول الله ﷺ المشركين من المدينة بل
قال: «لا يجمع دينان في جزيرة العرب» «١»
والمراد بالإخراج تكليفهم الخروج قهرا أو تخويفهم وتشديد الأمر عليهم حتى اضطروا إلى الخروج وَالْفِتْنَةُ عن ابن عباس أنها الكفر بالله لأنه فساد في الأرض يؤدي إلى الظلم والهرج وفيه الفتنة. وأيضا الكفر ذنب يستحق العقاب الدائم بالاتفاق والقتل ليس كذلك والكفر يخرج به صاحبه عن الأمة دون القتل. روي أن صحابيا قتل رجلا من الكفار في الشهر الحرام فعابه المؤمنون على ذلك فنزلت. أن لا تستعظموا الإقدام على القتل في
стр. 528
الشهر الحرام، فإن إقدام الكفار على الكفر في الشهر الحرام أعظم من ذلك. وقيل الفتنة أصلها عرض الذهب على النار للخلاص من الغش، ثم صار اسما لكل محنة. والمعنى إن إقدام الكفار على تخويف المؤمنين وعلى تشديد الأمر عليهم حتى صاروا ملجئين إلى ترك الأهل والأوطان هربا من إضلالهم في الدين وإبقاء على مهجهم وحرمهم، أشد من القتل الذي أوجبته عليكم جزاء عن تلك الفتنة لأنه يقتضي التخلص، من غموم الدنيا وآفاتها.
لقتل بحد السيف أهون موقعا ... على النفس من قتل بحد فراق
وقيل: الفتنة العذاب الدائم الذي يلزمهم بسبب كفرهم، فكأنه قيل: اقتلوهم حيث ثقفتموهم، واعلموا أن وراء ذلك من عذاب الله ما هو أشد منه قال عز من قائل: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [الذاريات: ١٣] وقيل: فتنتهم إياكم بصدكم عن المسجد الحرام لأنه سعي في المنع عن الطاعة التي ما خلق الجن والإنس إلا لها، أشد من قتلكم إياهم في الحرم. وقيل: ارتداد المؤمن أشد من أن يقتل محقا. فالمعنى وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ولو أتى ذلك على أنفسكم فإنكم إن قتلتم وأنتم على الحق كان ذلك أولى بكم من أن ترتدوا على أدباركم أو تتكاسلوا عن طاعة معبودكم. يروى أن الأعمش قال لحمزة:
أرأيت قراءتك إذا صار الرجل مقتولا فبعد ذلك كيف يصير قاتلا لغيره؟ فقال حمزة: إن العرب إذا قتل منهم رجل قالوا قتلنا، وإذا ضرب منهم واحد قالوا ضربنا، وذلك أن وقوع القتل في بعضهم كوقوعه فيهم. فَإِنِ انْتَهَوْا قيل: أي عن القتال لأن المقصود من الإذن في القتال منع المقاتلة عن ابن عباس. وقيل: أي عن الشرك بدليل قوله: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ الدال على أنه يغفر لهم ويرحهم والكافر لا ينال غفران الله ورحمته بترك القتال بل بترك الكفر، عن الحسن. قلت: إن أريد بالقتال استحلالهم قتل المسلمين تلازم القولان، والانتهاء عن الكفر ظاهره التلفظ بكلمة الإسلام وأنه مؤثر في حقن الدم وعصمة المال، وباطنه هو التشبث بأركان الإسلام جميعا ويؤثر في استحقاق الرحمة والغفران.
وقد يستدل بقوله: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ على أن التوبة عن قتل العمد بل من كل ذنب. مقبولة لأن الشرك أعظم الذنوب، فإذا قبل الله تعالى توبة الكافر فقبول توبة القاتل أولى. وأيضا الكافر القاتل مقبول التوبة بالاتفاق إذا أسلم، فالقاتل غير الكافر أولى.
ويمكن أن يجاب بأن حق الله تعالى مبني على المساهلة فظهر الفرق. وأيضا الإيمان يجب ما قبله، فلا يلزم من عدم مؤاخذة الكافر بقتله إذا أسلم أن لا يؤاخذ المسلم بقتله، ولهذا يجب قضاء الصلوات الفائتة على المسلم إذا تاب عن ترك الصلاة، ولا يجب على الكافر إذا أسلم.
стр. 529
قوله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ وقيل: إنه ناسخ لقوله: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وهو وهم لأن البداءة بالمقاتلة عند المسجد الحرام نفت حرمته. غاية ما في الباب أن هذه الآية عامة وما قبلها مخصصة إياها وهذا جائز، فإن القرآن ليس على ترتيب النزول، ولو كان على الترتيب أيضا فلا يضرنا لجواز نزول الخاص قبل العام عندنا وذلك أن الخاص قاطع في دلالته تقدم أو تأخر، والعام دلالته على ما يدل عليه الخاص غير مقطوع بها فلا بد من التخصيص جمعا بينهما حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ قيل: أي شرك وكفر. وعلى هذا فالآية محمولة على الأغلب. فإن قتالهم لا يزيل الكفر رأسا، وإنما الغالب الإزالة لأن من قتل منهم فقد زال كفره ومن لم يقتل كان خائفا من الثبات على كفره. والحاصل قاتلوهم حتى تكون كلمة الله هي العليا وهو المراد أيضا من قوله: وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ أي ليس للشيطان فيه نصيب لوضوح شأنه وسطوع برهانه كما قال تعالى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [الصف: ٩] ولا يعبأ بالمخالف لقلة شوكته وسقوطه عن درجة الاعتداد به، أو محمولة على قصد إزالة الكفر فترتب هذا العزم على القتال كلي لا يتخلف عنه. وقيل: فتنتهم أنهم كانوا يضربون أصحاب النبي ﷺ ويؤذونهم حتى ذهب بعضهم إلى الحبشة ثم إلى المدينة، أي قاتلوهم حتى تظهروا عليهم ولا يفتنوكم عن دينكم. وعن أبي مسلم: معناه قاتلوهم حتى لا يكون منهم القتال الذي إذا بدأوا به كان فتنة على المؤمنين لما يخافون عنده من أنواع المضار.
ولا يخفى أن قوله: وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ يرجح القول الأول ليكون المعنى: وقاتلوهم حتى يزول الكفر ويظهر الإسلام فَإِنِ انْتَهَوْا عن الأمر الذي وجب قتالهم لأجله وهو إما الكفر أو القتال فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ أي فلا تعدوا على المنتهين فيكون مجموع قوله إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ قائما مقام على المنتهين. لأن مقاتلة المنتهين عدوان وظلم، فنهوا عنه بدليل انحصاره في غير المنتهين. أو فلا تظلموا إلا الظالمين غير المنتهين.
وعلى الوجهين سمي جزاء الظلم ظلما للمشاكلة كما يجيء في قوله تعالى: فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ أو أريد إنكم إن تعرضتم لهم بعد الانتهاء كنتم ظالمين فيتسلط عليكم من يعدو عليكم. قاتلهم المشركون عام الحديبية في الشهر الحرام وهو ذو القعدة سنة ست من الهجرة وصدّوهم عن البيت. فقيل لهم عند خروجهم لعمرة القضاء وكراهتهم القتال وذاك في ذي القعدة سنة سبع الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ أي هذا الشهر بذاك الشهر، وهتكه بهتكه. فلما لم تمنعكم حرمته عن الكفر والأفعال القبيحة فكيف تمنعنا عن القتال معكم دفعا لشروركم وإصلاحا لفسادكم؟ والحرمة ما لا يحل انتهاكه، والقصاص المساواة أي وكل حرمة يجري فيها القصاص من هتك حرمة أيّ حرمة
стр. 530
كانت، اقتص منه بأن يهتك له حرمة. والحرمات الشهر الحرام والبيت الحرام والإحرام، فلما أضاعوا هذه الحرمات في سنة ست فقد وفقتكم حتى قضيتموها على رغمهم في سنة سبع، وإن أقدموا على مقاتلتكم فقد أذنت لكم في قتالهم فافعلوا بهم مثل ما فعلوا ولا تبالوا. ثم أكد ذلك بقوله: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ حين تنتصرون ممن اعتدى عليكم حتى لا تعتدوا إلى ما لا يحل لكم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ بالنصر والتأييد والتقوية والتسديد، فإن الاستصحاب بالعلم أو بالمكان إن جاز شامل للمتقين وغيرهم. قوله عز من قائل وَأَنْفِقُوا وجه اتصاله بما قبله أنه تعالى لما أمر بالقتال وأنه يفتقر إلى العدد والعدد قد يكون ذو المال عاجزا عن القتال، وقد يكون القوي على القتال عديم المال فلهذا أمر الله الأغنياء بالإنفاق في سبيله إعدادا للرجال وتجهيزا للأبطال
ويروى أنه لما نزل الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ قال رجل من الحاضرين: والله يا رسول الله ما لنا زاد وليس أحد يطعمنا. فأمر ﷺ أن ينفقوا في سبيل الله وأن يتصدقوا وأن لا يكفوا أيديهم عن الصدقة ولو بشق تمرة ولو بمشقص يحمل في سبيل الله فيهلكوا فنزلت هذه الآية على وفق قول الرسول ﷺ .
والإنفاق صرف المال في وجوه المصالح. فلا يقال للمضيع: إنه منفق وإنما يقال: مبذر. وسبيل الله دينه فيشمل الإنفاق فيه الإنفاق في الحج والعمرة والجهاد والتجهيز والإنفاق في صلة الرحم وفي الصدقات أو على العيال أو في الزكاة والكفارات أو في عمارة بقاع الخير وغير ذلك.
الأقرب في هذه الآية. وقد تقدم ذكر القتال. أن يراد به الإنفاق في الجهاد، ولكنه تعالى عبر عنه بقوله فِي سَبِيلِ اللَّهِ ليكون كالتنبيه على السبب في وجوب هذا الإنفاق. فالمال مال الله فيجب إنفاقه في سبيل الله، ولأن المؤمن إذا سمع ذكر الله اهتز نفسه ونشط وهان عليه ما دعي إليه. والباء في بِأَيْدِيكُمْ مزيدة مثلها في «أعطى بيده للمنقاد» والمعنى:
ولا تقبضوا التهلكة أيديكم أي لا تجعلوها آخذة بأيديكم مالكة لكم. وقيل: الأيدي الأنفس كقوله: فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: ٣٠] بِما قَدَّمَتْ يَداكَ [الأنفال: ٥١] أي لا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة. وقيل: بل هاهنا حذف أي لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة كما يقال «أهلك فلان نفسه بيده» إذا تسبب لهلاكها. عن أبي عبيدة والزجاج: إن التهلكة والهلاك والهلك واحد. لم يوجد مصدر على تفعلة بضم العين سوى هذا، إلا ما حكاه سيبويه من قولهم «التضرة» «والتسرة» ونحوها في الأعيان «التنضبة» لشجر و «التتفلة» لولد الثعلب. ويجوز أن يقال: أصلها التهلكة بالكسر كالتجربة والتبصرة على أنها مصدر من هلك مشدد العين، فأبدلت من الكسرة ضمة كما جاء الجوار في الجوار. وليس الغرض
стр. 531
من هذا التكلف على ما ظن تصحيح لفظ القرآن كيلا تنخرم فصاحته فإنه أجل من أن يحتاج في تصحيحه إلى الاستشهاد بكلام الفصحاء من البشر، وكيف لا وهو حجة على غيره وليس لغيره أن يكون حجة عليه. وإنما الغرض الضبط والتسهيل ما أمكن فتنبه.
وللمفسرين في هذا الإلقاء خلاف فمنهم من قال إنه راجع إلى الإنفاق. وروى البخاري في صحيحه عن حذيفة قال: نزلت هذه الآية في النفقة. وذلك أن لا ينفقوا في مهمات الجهاد أموالهم فيستولي العدو عليهم ويهلكهم، أو ينفقوا كل مالهم فيحتاجوا ويجتاحوا فيكون نهيا عن التقتير والإسراف وعنهما جميعا وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً [الفرقان: ٦٧] أو المعنى: أنفقوا في سبيل الله ولا تقولوا إن أنفقنا نهلك ذلا وفقرا. نهوا عن أن يحكموا على أنفسهم بالهلاك للإنفاق، أو أنفقوا ولا تلقوا ذلك الإنفاق في التهلكة والإحباط منا أو أذى أو رياء وسمعة مثل وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ [محمد: ٣٣] ومنهم من قال: إنه راجع إلى غير الإنفاق أي لا تخلوا بالجهاد فتتعرضوا للهلاك الذي هو سخط الله وعذاب النار، أو لا تقحموا في الحرب حيث لا ترجون النفع ولا يكون لكم فيه إلا قتل أنفسكم فإن ذلك لا يحل كما روي عن البراء بن عازب أنه قال في هذه الآية: هو الرجل يستقتل بين الصفين. وإنما يجب أن يتقحم إذا طمع في النكاية وإن خاف القتل.
روى الشافعي أن رسول الله ﷺ ذكر الجنة فقال له رجل من الأنصار:
أرأيت يا رسول الله إن قتلت صابرا محتسبا؟ قال: لك الجنة. فانغمس في جماعة العدو فقتلوه. وأن رجلا من الأنصار ألقى درعا كان عليه حين ذكر النبي ﷺ الجنة. ثم انغمس في العدو فقتلوه بين يدي الرسول.
وروي أن رجلا من الأنصار تخلف من أصحاب بئر معونة فرأى الطير عكوفا على من قتل من أصحابه. فقال لبعض من معه: سأتقدم إلى العدو فيقتلونني ولا أتخلف عن مشهد قتل فيه أصحابي ففعل ذلك. فذكروا للنبي ﷺ فقال فيه قولا حسنا.
وروى أسلم أبو عمران قال: كنا بمدينة الروم فأخرجوا لنا صفا عظيما من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيده إلى التهلكة! فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: أيها الناس، إنكم تأوّلون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار. لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه فقال بعضنا لبعض سرا دون النبي ﷺ : إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه. فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها. فأنزل الله تعالى على نبيه يرد علينا ما قلنا، فكانت التهلكة الإقامة في الأموال
стр. 532
وإصلاحها وترك الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم.
وقيل: إن الآية من تمام ما قبلها أي إن قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم فإن الحرمات قصاص، ولا تحملنكم حرمة الشهر على أن تستسلموا لمن قاتلكم فتهلكوا بترككم القتال.
وعن النعمان بن بشير: كان الرجل يذنب فيقول: لا يغفر لي فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وذلك أنه يرى أنه لا ينفعه معه عمل فيترك العبودية ويصر على الذنب فنهى عن القنوط من رحمة الله وَأَحْسِنُوا في الإنفاق بأن يكون مقرونا بطلاقة الوجه أو على قضية العدالة بين التقتير والإسراف أو في فرائض الله عن الحسن إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ إذ الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وهذا مقام القرب، والقرب يقتضي الإرادة الذاتية وهذا رمز والله ولي كل خير.
التأويل:
وَقاتِلُوا من يمنعكم عن السير في سبيل الله أو أراد أن يقطع عليكم طريقه من شياطين الإنس والجن حتى نفوسكم التي هي أعدى عدوكم وَلا تَعْتَدُوا لا تتجاوزوا عن حد الشرع فتجاهدوا بالطبع، ولكن كونوا ثابتين على قدم الاستقامة بقدر الاستطاعة من غير إفراط وتفريط، واقتلوا كفار النفس بسيف الرياضة حيث ظفرتم بهم، ومجاهدتها مخالفة هواها. وَأَخْرِجُوهُمْ من صفات النفس كما أَخْرَجُوكُمْ من جمعية القلب وحضوره وَالْفِتْنَةُ أي المحنة التي ترد على القلب من طوارق صفات النفس الحاجبة عن الله أَشَدُّ مِنَ قتل النفس بمخالفة هواها وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ لا تلتفتوا إلى النفس وصفاتها إذا كنتم آمنين مطمئنين في مقامات القلب والروح حتى يزاحموكم في الحضور وداعية الهوى فإن نازعوكم في الجمعية والحضور فَاقْتُلُوهُمْ بسيف الصدق واقطعوا مادة تلك الدواعي عن نفوسكم بكل ما أمكن لئلا يبقى لكم علاقة تصدكم عن الله فَإِنِ انْتَهَوْا بأن قنعت بما لا بد لها فلا تغلوا في مجاهدتها. الشَّهْرُ الْحَرامُ أي ما يفوتكم من الأوقات والأوراد بتواني النفس ونزاعها وغلبات صفاتها فتداركوه الشهر بالشهر واليوم باليوم فَمَنِ اعْتَدى فكل صفة غلبت واستولت فعالجوها بضدها البخل بالسخاء، والغضب بالحلم، والحرص بالزهد، والشهوة بالعفة، وَاتَّقُوا اللَّهَ في الإفراط والتفريط وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ بالتفريط في الحقوق والإفراط في الحظوظ أو بموافقة النفوس ومخالفة النصوص، أو بالركوب إلى الفتور بالحسبان والغرور والله المستعان على ما يصفون.
стр. 533
[سورة البقرة (٢) : آية ١٩٦]
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٩٦)
القراآت:
مِنْ رَأْسِهِ وكذلك «البأس» و «الكأس» كلها بغير همزة أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى وحمزة في الوقف.
الوقوف:
لِلَّهِ ط لأن عارض الإحصار خارج عن موجب الأصل مِنَ الْهَدْيِ ج لعطف المختلفتين مَحِلَّهُ ط لابتداء حكم كفارة الضرورة أَوْ نُسُكٍ ج لأن «إذا» للشرط مع الفاء وجوابه محذوف أي فإذا أمنتم من خوف العدو وضعف المرض فامضوا.
أمنتم وقف لحق الحذف ولابتداء الشرط في حكم آخر وهو التمتع مِنَ الْهَدْيِ ج رَجَعْتُمْ ط كامِلَةٌ ط الْحَرامِ ط الْعِقابِ هـ.
التفسير:
الحج في اللغة القصد كما مر في قوله فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ [البقرة: ١٥٨] وفي الشرع عبارة عن أفعال مخصوصة. وهي على ثلاثة أقسام: أركان وأبعاض وهيئات. لأن كل عمل يفرض فيه فإما أن يتوقف التحلل عليه وهو الركن، أو لا يتوقف. فإما أن يجبر بالدم وهو البعض، أو لا يجبر وهو الهيئة. والأركان عند الشافعي خمسة: الإحرام والوقوف بعرفة والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة وحلق الرأس أو تقصيره. وخالف أبو حنيفة في السعي، ولا مدخل للجبران في الأركان. وأما الأبعاض أعني الواجبات المجبورة بالدم، فالإحرام من الميقات والرمي وفاقا وفي الوقوف بعرفة إلى أن تغرب الشمس وفي المبيت بمزدلفة والمبيت بمنى، وفي طواف الوداع خلاف.
وأما الهيئات فالاغتسال وطواف القدوم والرمي والاضطباع في الطواف وفي السعي واستلام الركن وتقبيله والسعي في موضع السعي والمشي في موضع المشي والخطب والأذكار والأدعية إلى غير ذلك. وبالجملة ما سوى الأركان والأبعاض ولا دم في تركها. وأما في العمرة فما سوى الوقوف من أركان الحج أركان فيها. ثم إن قوله عز من قائل:
وَأَتِمُّوا أمر بالإتمام. وهل هذا الأمر مطلق أو مشروط؟ فالشافعي على أنه مطلق والمعنى: افعلوا الحج والعمرة على نعت التمام والكمال. وأبو حنيفة على أنه مشروط والمعنى: من شرح فيه فليتمه كما إذا كبر بالصلاة تطوعا لزمه الإتمام. وفائدة الخلاف تظهر في العمرة فإنها تصير واجبة على المعنى الأول دون الثاني. حجة الشافعي أن الإتمام قد يراد به فعل الشيء تاما كاملا كقوله وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة:
١٢٤] أي أدّاهن على التمام والكمال. وقوله ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة: ١٨٧]
стр. 534
أي افعلوا الصيام تاما إلى الليل وهذا أولى من تقدير أنكم إذا شرعتم فيه فأتموه، لأن الأصل عدم إضمار هذا الشرط، ولأن المفسرين أجمعوا على أن هذه أول آية نزلت في الحج، فحملها على الإيجاب ليكون تأسيسا أولى من حملها على الإتمام بشرط الشروع، فإنها تكون حينئذ تبعا، ولأنه قرىء أقيموا الحج والعمرة والشاذ يصلح للترجيح وإن لم يصلح للقطع كخبر الواحد، ولأن الوجوب المطلق يستلزم الإتمام، والإتمام بشرط الشروع لا يستلزم أصل الوجوب. فتأويلنا أكثر فائدة، فيكون أولى. وأيضا أنه أحوط.
واعتمر النبي ﷺ قبل الحج، ولو لم تكن العمرة واجبة لكان الأشبه أن يبادر إلى الحج الذي هو واجب. وقال تعالى يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ [التوبة: ٣] وفيه دليل على وجود حج أصغر وما ذاك إلا العمرة بالاتفاق. لكن الحج واجب على الإطلاق لقوله وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران: ٩٧] فيدخل فيه الأكبر والأصغر.
حجة أبي حنيفة
قصة الأعرابي الذي سأل النبي ﷺ عن أركان الإسلام فعلمه الصلاة والزكاة والحج والصوم فقال الأعرابي: لا أزيد على هذا ولا أنقص. فقال النبي ﷺ : أفلح الأعرابي إن صدق. وقال ﷺ : «بني الإسلام على خمس» «١» الحديث.
ولم يذكر العمرة.
وأجيب بأن العمرة حج أصغر فتدخل في مطلق الحج قالوا:
روي عن جابر أن النبي ﷺ سئل عن العمرة أواجبة هي أم لا؟ فقال: لا، وأن تعتمر خير لك.
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ «الحج جهاد والعمرة تطوع» «٢»
وأجيب بأنها أخبار آحاد فلا تعارض القرآن.
وأيضا لعل العمرة، ما كانت واجبة حينما ذكر النبي ﷺ تلك الأحاديث، ثم نزل بعدها وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وذلك في السنة السابعة من الهجرة. وأيضا إنها معارضة بأخبار تدل على وجوبها.
روى النعمان بن سالم عن عمرو بن أوس عن أبي رزين أنه سأل النبي ﷺ قال: إن أبي شيخ كبير أدرك الإسلام ولا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن، قال ﷺ : حج عن أبيك واعتمر أمر بهما
والأمر للوجوب. وروي عن ابن عباس أنه قال: إن العمرة لقرينة الحج، وحمله على أنهما يقترنان في الذكر تكلف. وعن عمر أن رجلا قال له: إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ أهللت بهما جميعا فقال: هديت لسنة نبيك وحمله على أن الوجوب مستفاد من الإهلال بهما لا يخلو من تعسف. قالوا: قرأ علي وابن مسعود والشعبي وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ بالرفع. فكأنهم قصدوا بذلك إخراجها عن حكم الحج في
стр. 535
الوجوب. وأجيب بأن الشاذة لا تعارض المتواترة، وبأنها ضعيفة من حيث العربية لعطف الاسمية على الفعلية، والخبرية على الطلبية، وبأن كون العمرة عبادة لله لا ينافي وجوبها. واعلم أن لأداء النسكين وجوها ثلاثة: الإفراد والتمتع والقران فالإفراد أن يحج ثم بعد الفراغ منه يعتمر من أدنى الحل، أو يعتمر قبل أشهر الحج ثم يحج في تلك السنة. والقران أن يحرم بالحج والعمرة معا في أشهر الحج بأن ينويهما بقلبه معا، وكذلك لو أحرم بالعمرة في أشهر الحج ثم قبل الطواف أدخل الحج عليها يصير قارنا. والتمتع هو أن يحرم بالعمرة من ميقات بلده في أشهر الحج ويأتي بأعمالها، ثم يحج في هذه السنة من مكة. سمي تمتعا لاستمتاعه بمحظورات الإحرام بينهما بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج، وأنه أيضا يربح ميقاتا لأنه لو أحرم بالحج من ميقات بلده لكان يحتاج بعد فراغه من الحج إلى أن يخرج إلى أدنى الحل فيحرم بالعمرة منه، وإذا تمتع استغنى عن الخروج لأنه يحرم بالحج من جوف مكة. ولا خلاف بين أئمة الأمة في جواز هذه الوجوه، وإنما الخلاف في الأفضلية فقال الشافعي: أفضلها الإفراد ثم التمتع ثم القران. وقال في اختلاف الحديث: التمتع أفضل من الإفراد وبه قال مالك. والإمامية قالوا: لا يجوز لغير حاضري المسجد الحرام العدول عن التمتع إلا لضرورة. وقال أبو حنيفة، القران أفضل ثم الإفراد ثم التمتع. وهو قول المزني وأبي إسحق المروزي. وقال أبو يوسف ومحمد: القران أفضل ثم التمتع ثم الإفراد. حجة الشافعي في أفضلية الإفراد قوله وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ وذلك أن العطف يقتضي المغايرة وأنها تحصل عند الإفراد، فأما عند القران فالموجود شيء واحد هو حج وعمرة معا. وأيضا الأعمال عند الإفراد أكثر فيكون الثواب أكثر وذلك هو الفضل. وما
روي عن أنس أنه قال: كنت واقفا عند جران ناقة رسول الله ﷺ وكان لعابها يسيل على كتفي فسمعته يقول: لبيك بعمرة وحجة معا.
معارض بما
روى مسلم في صحيحه عن عائشة أن النبي ﷺ أفرد بالحج، وهكذا روى جابر وابن عمر.
وقد رجح الشافعي رواية عائشة وجابر وابن عمر على رواية أنس بأنهم أعلم وأقرب إلى رسول الله ﷺ وأقدم صحبة، أن أنسا كان صغيرا في ذلك الوقت قليل العلم.
حجة القائلين بأفضلية القران: أن في القران مسارعة إلى النسكين، وفي الإفراد ترك المسارعة إلى أحدهما، فيكون أفضل لقوله وَسارِعُوا [آل عمران: ١٣٣] وأجيب بأنا لا نقول الحجة المفردة بلا عمرة أفضل من الحجة المقرونة، لكنا نقول: من أتى بالحج في وقته ثم بالعمرة في وقتها، فمجموع هذين الأمرين أفضل من الإتيان بالحجة المقرونة، واختلف في تفسير الإتمام في قوله تعالى وَأَتِمُّوا.
فعن علي ﵁ وابن عباس
стр. 536
وابن مسعود: أن إتمامهما أن تحرم من دويرة أهلك.
وقال أبو مسلم: المعنى أن من نوى الحج والعمرة لله وجب عليه الإتمام قال: ويدل على صحة هذا التأويل أن الآية نزلت بعد أن منع الكفار النبي ﷺ في السنة الماضية عن الحج والعمرة. فالله تعالى أمر رسوله في هذه الآية بأن لا يرجع حتى يتم الفرض. ويعلم منه أن تطوع الحج والعمرة كفرضهما في وجوب الإتمام. وقال الأصم: المراد إتمام الآداب المعتبرة فيهما وهي عسرة على ما ذكر في الإحياء الأول: في المال، فينبغي أن يبدأ بالتوبة ورد المظالم وقضاء الديون وإعداد النفقة لكل من تلزمه نفقته إلى وقت الرجوع، ويرد ما عنده من الودائع ويستصحب من المال الطيب الحلال ما يكفيه لذهابه وإيابه من غير تقتير، بل على وجه يمكنه معه التوسع في الزاد والرفق بالفقراء، ويتصدق بشيء قبل خروجه ويشتري لنفسه دابة قوية على الحمل أو يكتريها. الثاني: الإخوان والرفقاء المقيمون يودعهم ويلتمس أدعيتهم فإن الله تعالى جعل في دعائهم خيرا. والسنة في الوداع أن يقول: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك. الثالث: إذا هم بالخروج صلى ركعتين يقرأ في الأولى بعد «الفاتحة» ، قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ وفي الثانية «الإخلاص» وبعد الفراغ يتضرع إلى الله تعالى بالإخلاص. الرابع: إذا حصل على باب الدار قال: بسم الله، توكلت عل الله، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وكلما كانت الدعوات أكبر كان أولى. الخامس: إذا ركب قال: بسم الله وبالله والله أكبر، توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ [الزخرف: ١٣] السادس: في النزول. والسنة أن يكون أكثر سيره بالليل ولا ينزل حتى يحمى النهار، وإذا نزل صلى ركعتين ودعا الله كثيرا. السابع: انق قصده عدوّ أو سبع بالليل أو بالنهار فليقرأ آية الكرسي وشَهِدَ اللَّهُ [آل عمران: ١٨] و «الإخلاص» و «المعوذتين» ثم يقول: تحصنت بالله العظيم واستعنت بالحي الذي لا يموت. الثامن: مهما علا نشزا من الأرض في الطريق يستحب أن يكبر ثلاثا. التاسع: أن لا يكون هذا السفر مشوبا بشيء من الأغراض العاجلة كالتجارة وغيرها. العاشر: أن يصون لسانه عن الرفث والفسوق والجدال، ثم بعد الإتيان بهذه المقدمات يأتي بجميع أركان الحج على الوجه الأصح الأقرب إلى موافقة الكتاب والسنة، ويكون غرضه في كل هذه الأمور ابتغاء مرضاة الله تعالى ليكون مؤتمرا لقوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ اقتداء بإبراهيم ﵇ حين ابتلي. بكلمات فأتمهن. وقيل: المراد من قوله:
وَأَتِمُّوا أفردوا كل واحد منهما بسفره ويؤيد هذا تأويل من قال الإفراد أفضل. وأقرب هذه الأقوال ما يرجع حاصله إلى معنى ائتوا بالحج والعمرة تامين كاملين بمناسكهما
стр. 537
وشرائطهما وآدابهما لوجه الله بدليل قوله فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ قال أحمد بن يحيى أصل الحصر والإحصار الحبس ومنه الحصير للملك لأنه كالمحبوس في الحجاب. والحصير معروف سمي به لانضمام بعض أجزائه إلى بعض. فكأن كلا منها محبوس مع غيره، والحصير المحبس أيضا. والأكثرون على أن لفظ الحصر مخصوص بمنع العدو. يقال: حصره العدو إذا منعه عن مراده وضيق عليه. وعن أبي عبيدة وابن السكيت والزجاج وغيرهم: أن لفظ الإحصار مختص بالمرض ونحوه من خوف وعجز قال تعالى الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة: ٢٧٣] وقيل: الإحصار مختص بمنع العدو. ومنه ما يروى عن ابن عمر وابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو. وفائدة الخلاف في الآية تظهر في مسألة فقهية وهي أنهم اتفقوا على أن حكم الإحصار عند حبس العدو ثابت. وهل يثبت بسبب المرض وسائر الموانع؟ قال أبو حنيفة: يثبت. وقال الشافعي ومالك وأحمد: لا يثبت، بل يصبر حتى يبرأ. نعم لو شرط أنه إذا مرض تحلل صح الشرط لما
روي أنه ﷺ مر بضباعة بنت الزبير فقال: أما تريدين الحج؟ فقالت: إني شاكية. فقال: حجي واشترطي أن تحلي حيث حبست.
وفي حكم المرض كل غرض صحيح كضلال الطريق ونفاد الزاد، حجة أبي حنيفة ظاهر كلام أكثر أهل اللغة، وما
روي عن النبي ﷺ «من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل» «١»
وحجة الشافعي قول ابن عمر وابن عباس وطائفة من أهل اللغة. وأيضا الهمزة في أُحْصِرُوا ليس للتعدية لمساواته حصر في اقتضاء المفعول فتكون للوجود، أو لصيرورته ذا كذا فيؤوّل المعنى إلى أنكم إن وجدتم أو صرتم محصورين فلا يبقى النزاع، وأيضا المانع إنما يتحقق عند وجود المقتضي، والمريض لا قدرة له على الفعل فلا مانع بالنسبة إليه، فثبت أن لفظ الإحصار حقيقة في العدو دون المرض. وأيضا لفظ المانع على المرض غير معقول لأنه عرض لا يبقى زمانين. وأيضا لو كان المريض داخلا في المحصر لكان في قوله فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً نوع تكرار ولزم عطف الشيء على نفسه. واعتذر عن هذا بأن المريض إنما خص بالذكر لأن له حكما خاصا وهو حلق الرأس، فصار تقدير الآية إن منعتم لمرض تحللتم بدم، وإن تأذى رأسكم بمرض حلقتم وكفّرتم، وأيضا فإذا أمنتم يناسب الخوف من العدو إذ يقال في المرض شفي وعوفي لا أمن. ولو قيل: إن خصوص آخر الآية لا يقدح في عموم أولها قلنا: لا يلزم من عدم القدح وجود المناسبة.
стр. 538
وقيل: إنه منع المرض خاصة وهو باطل بالدلائل المذكورة وزيادة وهي أن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزول الآية أن الكفار أحصروا النبي ﷺ بالحديبية. والأئمة وإن اختلفوا في أن الآية هل تتناول غير سبب النزول أم لا، إلا أنهم اتفقوا على أن خروج ذلك السبب غير جائز. ثم في الآية إضماران، والتقدير: فتحللتم أو أردتم التحلل فعليكم ما استيسر، أو فاهدوا ما استيسر أي ما تيسر مثل استعظم وتعظم واستكبر وتكبر. أما الإضمار الأول فلأن نفس الإحصار لا يوجب هديا وإنما الموجب هو التحلل أو نية التحلل. وأما الإضمار الثاني فلأن قوله: فَمَا اسْتَيْسَرَ إما مرفوع على الابتداء وخبره محذوف، أو منصوب على المفعولية وناصبه محذوف. والهدي جمع هدية كما يقال في جدية السرج وهي شيء محشو تحت دفتي السرج جدي. وقرىء من الهدي جمع هدية كمطية ومطيّ، وهذه لغة تميم. ومعنى الهدي ما يهدى إلى بيت الله تقربا إليه بمنزلة الهدية.
عن علي وابن عباس والحسن وقتادة ﵃: أعلاها بدنة وأوسطها بقرة وأدونها شاة.
فعليه ما تيسر له من هذه الأجناس، والمحصر المحرم إذا أراد التحلل وذبح، وجب أن ينوي التحلل. البتة قبل الذبح، وأكثر الفقهاء على أن حكم العمرة في الإحصار حكم الحج، وعن ابن سيرين: أنه لا إحصار فيها لأنها غير موقتة. ورد بأن قوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ مذكور عقيب الحج والعمرة فكان عائدا إليهما، وبأنه ﷺ تحلل بالإحصار عام الحديبية وكان معتمرا.
وما حد الإحصار؟ قالت العلماء: لو منعوا ولم يتمكنوا من المسير إلا ببذل مال فلهم أن يتحللوا ولا يبذلوا المال وإن قل إذ لا يجب احتمال الظلم في أداء الحج بل يكره البذل إن كان الطالبون كفارا، والأكثرون على إنه لا يجب القتال على الحجيج وإن كان العدو كفارا وكان في مقابلة كل مسلم أقل من مشركين ولو قاتلوا فلهم لبس الدروع والمغافر، لكنهم يفدون كما لو لبسوا المخيط لدفع حر أو برد، لا فرق على الأصح في جواز التحلل بين أن يمنعوا من المضي دون الرجوع أو يمنعوا من جميع الجوانب، لأنهم يستفيدون بالتحليل الأمن من العدو المواجه. ولو صد عن طريق وهناك طريق آخر ووجدوا شرائط الاستطاعة فيه لزمهم سلوكه ولم يكن لهم التحلل في الحال، وإذا سلكوه ففاتهم الحج لحزونته أو لطوله تحلّلوا بعمل عمرة ولا يلزمهم القضاء على الأظهر من قولي الشافعي، لأنهم بذلوا مجهودهم فصاروا كالمصدودين مطلقا، نعم لو استوى الطريقان من كل وجه وجب القضاء لأن الموجود فوات محض. وفي قوله تعالى: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ حذف لأن الرجل لا يتحلل ببلوغ الهدي محله،
стр. 539
بل لا يحصل التحلل إلا بالنحر. فالتقدير: حتى يبلغ الهدي محله وينحر. وإنما جاز تذكير الهدي لأن كل ما يفرق بين واحده وبينه بالتاء وعدمه جاز تذكيره وتأنيثه. قال تعالى: أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [القمر: ٢٠] وفي موضع آخر: أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ [الحاقة: ٧] والمحل اسم للزمان الذي يحصل فيه الحل، ومنه محل الدين لوقت وجوب قضائه أو اسم للمكان. قال الشافعي: يجوز إراقة دم الإحصار في الحرم بل حيث حبس.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك إلا في الحرم يبعث به ويجعل للمبعوث على يده يوم أمار. حجة الشافعي أنه ﷺ أحصر بالحديبية فنحر هناك. وأجيب بأن محصره طرف الحديبية الذي هو أسفل مكة وهو من الحرم.
وعن الزهري: أن النبي ﷺ نحر هدية في الحرم
وقال الواقدي: الحديبية هي طرف الحرم على تسعة أميال من مكة. ورد بقوله تعالى هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ [الفتح: ٢٥] فإن هذه الآية صريحة في أنهم نحروا الهدي في غير الحرم. وأيضا قوله فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ يتناول كل من كان محصرا سواء كان في الحل أو في الحرم. وقوله:
فَمَا اسْتَيْسَرَ يدل على وجوب النحر فيجب أن يكون المحصر قادرا على إراقة الدم حيث أحصر. وأيضا التحلل موقوف على النحر فلو توقف النحر على وصوله إلى الحرم لم يحصل التحلل في الحال وهذا يناقض ما هو المقصود من شرع الحكم وهو تخليص النفس من العدو في الحال. وأيضا لو كان الموصل إلى الحرم هو المحصر فكيف يؤمر بهذا الفعل مع قيام الخوف؟ وإن كان غيره فقد لا يجد ذلك الغير فماذا يفعل؟ حجة أبي حنيفة أن المحل عبارة عن مكان الحل. وقوله حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ يدل على أنه غير بالغ في الحال إلى ذلك المكان. وأيضا هب أن لفظ المحل يشمل الزمان والمكان إلا أن قوله تعالى: ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: ٣٣] وقوله هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة:
٩٥] يزيل احتمال الزمان والبيت نفسه لا يراق فيه الدماء، فتعين أن يكون هو الحرم، وأجيب بأن كل ما وجب على المحرم في ماله من فدية وجزاء وهدي لا يجزىء إلا في الحرم لمساكين أهله إلا إذا عطب الهدي فيذبح في طريقه ويخلى بينه وبين المساكين، وإلا إذا أحصر فإنه ينحر هديه حيث حبس بالدلائل المذكورة. قالوا: الهدية لا تكون هدية إلا إذا بعثها إلى دار المهدي إليه، فالهدي كذلك. وردّ بأن هذا تمسك بالاسم وهو محمول على الأفضل عند القدرة. والمحصر إذا كان عادما للهدي فهل له بدل ينتقل إليه؟
للشافعي فيه قولان: أحدهما لا بدل له ويكون الهدي في ذمته أبدا وبه قال أبو حنيفة لأنه تعالى أوجب له الهدي وما أثبت له بدلا، وعلى هذا فماذا يفعل؟ فيه قولان: أصحهما أنه يتحلل في الحال كما لو صام بدله كيلا تعظم المشقة، والآخر وإليه ميل أبي حنيفة أنه
стр. 540
يقيم على إحرامه حتى يجده. والقول الثاني أن له بدلا وهذا أصح وبه قال أحمد قياسا على سائر الدماء الواجبة على المحرم، وعلى هذا فما ذلك البدل؟ الأصح الطعام لأن قيمة الهدي أقرب إليه من الصيام، وإذا لم يرد النص إلا بالهدي فالرجوع إلى الأقرب أولى. ثم الصيام عن كل مدّ يوما. وفي قول صوم المتمتع عشرة أيام. وقيل: صوم الأذى ثلاثة أيام. وبالجملة فالآية دلت على أن المحصرين لا ينبغي لهم أن يحلوا فيحلقوا رؤوسهم إلا بعد تقديم ما استيسر من الهدي كما أنه أمرهم أن لا يناجوا الرسول إلا بعد تقديم الصدقة ومعنى حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ حتى تنحروا هديكم حيث حبستم، أو حتى تعلموا أن الهدي الذي بعثتموه إلى الحرم بلغ مكانه الذي يجب أن ينحر فيه أي الحرم. ولكن الأفضل في الحج منى وفي العمرة المروة. ولا بد من نية التحلل عند الذبح لأن الذبح قد يكون للتحلل وقد يكون لغيره، فلا بد من قصد صارف فإن كان مصدودا عن البيت دون أطراف الحرم فهل له أن يذبح في الحل؟ أصح الوجهين عند الشافعي أن له ذلك، وإذا أحصر فتحلل نظر إن كان نسكه تطوعا فلا قضاء عليه وبه قال مالك وأحمد لأن المصدودين مع النبي ﷺ كانوا ألفا وأربعمائة، والذين اعتمروا معه في عمرة القضاء كانوا نفرا يسيرا ولم يأمر الباقين بالقضاء، وقال أبو حنيفة: عليه القضاء. وإن لم يكن نسكه تطوعا نظر إن لم يكن مستقرا عليه كحجة الإسلام فيما بعد السنة الأولى من سني الإمكان وكالنذر والقضاء فهو باق في ذمته كما لو شرع في صلاة ولم يتمها تبقى في ذمته، ومهما أحصر بمرض ونحوه. وقد صححناه بالآية فحكم الهدي ما مر في الإحصار بالعدوّ وإن صححناه بأن كان قد شرط التحلل به إذا مرض فهل يلزمه الهدي للتحلل؟ فإن كان قد شرط التحلل بالهدي فنعم، وإن كان قد شرط التحلل بلا هدي فلا وكذا إن أطلق على الأظهر لمكان الشرط.
قوله عز من قائل: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً قيل: إنه مختص بالمحصر. وذلك أنه قبل بلوغ الهدي محله ربما لحقه مرض أو أذى في رأسه إن صبر فالله تعالى أذن له في إزالة ذلك المؤذي بشرط بذل الفدية. والأكثرون على أنه كلام مستأنف في كل محرم لحقه مرض في بدنه فاحتاج إلى علاج أو أذى في رأسه فاضطر إلى الحلق. والنسك العبادة وقرىء بالتخفيف، وقيل: جمع نسيكة وهي الذبيحة. قال ابن الأعرابي: النسك سبائك الفضة، كل سبيكة منها نسيكة، ثم قيل: للمتعبد «ناسك» لأنه خلص نفسه من دنس الآثام وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث. ثم قيل للذبيحة نسك لأنها من أشرف العبادات التي يتقرب بها إلى الله، واتفقوا في النسك على أن أقله شاة كما في الأضاحي، وأما
стр. 541
الصيام والإطعام فليس في الآية ما يدل على كميتهما وكيفيتهما وبماذا يحصل بيانه؟ فيه قولان: أحدهما وعليه أكثر الفقهاء. ومنهم الشافعي وأبو حنيفة أن بيانه في
حديث كعب بن عجرة قال: حملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا أما تجد شاة؟ فقلت: لا. قال صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك. فنزلت فيّ خاصة وهي لكم عامة
وثانيهما عن ابن عباس والحسن الصيام كصيام المتمتع عشرة أيام والإطعام مثل ذلك في القدر. قال العلماء المرض قد يحوج إلى اللباس أو إلى الطيب أو إلى الدهن وفي كل منها نوع استمتاع فألحقوا فدية نحو هذه المحظورات بفدية الحلق لاشتراك الجميع في الترفه. والحاصل أنه يدخل فيه كل محظورات الإحرام سوى الجماع ففيه بدنة ثم بقرة ثم سبع شياه ثم طعام بقيمة البدنة ثم صيام بعدد الأمداد كما يجيء في قوله تعالى فَلا رَفَثَ [البقرة: ١٩٧] وسوى الصيد ففيه الجزاء على ما يجيء تفصيله في المائدة. وفي هذه الآية أيضا إضماران أي فحلق فعليه فدية فَإِذا أَمِنْتُمْ إن كان معناه الأمن بعد الخوف قبل التحلل فجواب الشرط وهو فامضوا محذوف. وإن كان معناه إذا لم تحصروا وكنتم في حال أمن وسعة فقوله فَمَنْ تَمَتَّعَ الشرط مع الجزاء جواب الشرط الأول ولا وقف على أَمِنْتُمْ ومعنى التمتع التلذذ. وأصله الطول حبل مانع أي طويل. وكل من طالت صحبته مع الشيء فهو متمتع به. وقد عرفت معنى التمتع بالعمرة إلى الحج وهو أن يقدم مكة فيعتمر في أشهر الحج ثم يقيم حلالا بمكة حتى ينشىء منها الحج فيحج من عامه ذلك.
والتمتع بهذا الوجه صحيح لا كراهة فيه. وما يروى أن عمر خطب وقال: متعتان على عهد رسول الله ﷺ أنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج، ذكر الأئمة أن تلك المتعة هي أن يجمع بين الإحرامين ثم يفسخ الحج إلى العمرة ويتمتع بها إلى الحج.
وروي أن النبي ﷺ أذن لأصحابه في ذلك ثم نسخ.
وعن أبي ذر أنه قال: ما كانت متعة الحج إلا لنا خاصة. يعني الركب الذين كانوا مع النبي ﷺ . وكان السبب فيه أنهم كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج ويعدّونها من أفجر الفجور، فلما أراد النبي ﷺ إبطال ذلك الاعتقاد عليهم بالغ فيه بأن نقلهم في أشهر الحج من الحج إلى العمرة. وهذا سبب لا يشاركهم فيه غيرهم، فلهذا المعنى كان نسخ الحج في أشهر الحج خاصا بهم. ومعنى التمتع بالعمرة إلى الحج أنه يتمتع بمحظورات الإحرام بسبب إتيانه بالعمرة إلى أوان الحج، وقيل: استمتاعه بالعمرة إلى وقت الحج انتفاعه بالتقرب بها إلى الله قبل الانتفاع بتقربه بالحج ولوجوب الدم على المتمتع شروط منها: أن لا يكون من حاضري المسجد
стр. 542
الحرام لقوله تعالى ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ويجيء تمام الكلام فيه عما قريب ومنها أن يحرم بالعمرة من الميقات فإن جاوزه مريدا النسك ثم أحرم بها فإن كان الباقي أقل من مسافة القصر فليس عليه دم التمتع ولكن يلزمه دم الإساءة، وإن كان الباقي مسافة القصر فعليه دمان. ومنها أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، فلو أحرم وفرغ من أعمالها قبل أشهر الحج ثم حج لم يلزمه الهدي لأنه أشبه الإفراد، ولو أحرم بها قبل أشهر الحج وأتى بجميع أفعالها في أشهره فأصح قولي الشافعي أنه لا يلزمه الدم، وبه قال أحمد لأنه لم يجمع بين النسكين في أشهر الحج لتقدم أحد أركان العمرة. ولو سبق الإحرام مع بعض الأعمال قبل أشهر الحج فعدم وجود الدم أولى. وعن مالك أنه مهما حصل التحلل في أشهر الحج وجب الدم. وعند أبي حنيفة إذا أتى بأكثر أعمال العمرة في الأشهر كان متمتعا. ومنها أن يقع الحج والعمرة في سنة واحدة، فلو اعتمر ثم حج في السنة القابلة فلا دم عليه سواء أقام بمكة إلى أن حج أو رجع وعاد لأن الدم إنما يجب إذا زاحم بالعمرة حجة في وقتها وترك الإحرام بحجة من الميقات مع حصوله في وقت الإمكان ولم يوجد. وعن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يعتمرون في أشهر الحج وإذا لم يحجوا في عامهم ذلك لم يهدوا. ومنها أن يحرم بالحج من جوف مكة بعد الفراغ من العمرة، فإن عاد إلى ميقاته الذي أنشأ العمرة منه وأحرم بالحج فلا دم عليه لأنه لم يربح ميقاتا. وفي اشتراط نية التمتع وجهان: أصحهما لا تشترط كما لا تشترط نية القران، وهذا لأن الدم منوط بربح أحد السفرين. ولا يختلف ذلك بالنية وعدمها ويخالف اشتراط نية الجمع بين الصلاتين من حيث إن أشهر الحج كما هي وقت الحج فهي وقت العمرة بخلاف وقت الصلاة. ثم إن دم التمتع دم جبران الإساءة حتى لا يجوز له أن يأكل منه، أو دم نسك حتى يجوز أن يأكل. ذهب أبو حنيفة إلى الثاني ومال الشافعي إلى الأول لما
روي أن عثمان كان ينهى عن المتعة فقال له علي ﵁:
أعمدت إلى رخصة أثبتها رسول الله ﷺ للغريب للحاجة فأبطلتها؟ فسمى المتعة رخصة،
وهذا دليل النقص. وأيضا التمتع تلذذ وأنه ينافي العبادة لأنها مشقة وتكليف. وأيضا إنه تعالى أوجب الهدي على المتمتع بلا توقيت، ولو كان نسكا كان موقتا. وأيضا للصوم فيه مدخل ودم النسك لا يبدل بالصوم، والكلام في مراتب هذا الهدي كما مرّ وينبغي أن يكون الإبل ثنيا وهو الطاعن في السنة السادسة، وكذا البقر وهو الطاعن في السنة الثالثة، ويجزىء كل من الإبل والبقر عن سبعة شركاء. ولو اقتصر على الغنم فليكن ثني المعز وهو الذي دخل في السنة الثالثة، أو جذع الضأن وهو أيضا في السنة الثانية، يستوي في
стр. 543
هذا الباب الذكر والأنثى ويستحب أن يذبح يوم النحر، ولو ذبح بعد ما أحرم بالحج جاز لأن التمتع قد تحقق فترتب عليه الهدي جبرا له. وكذا قبل الإحرام بالحج وبعد التحلل من العمرة على الأصح، لأنه حق مالي تعلق بسببين وهما الفراغ من العمرة والشروع في الحج. فإذا وجد أحدهما بأن إخراجه كالزكاة والكفارة. وعند أبي حنيفة لا يجوز بناء على أنه نسك كدم الأضحية فيختص بيوم النحر وبه قال مالك وأحمد. فمن لم يجد الهدي وقيس عليه ما إذا لم يجد ما يشتريه به أو بيع بثمن غال، فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج.
قال الشافعي: أي بعد الإحرام بالحج لأنه تعالى جعل الحج ظرفا للصوم، ولا يصلح سائر أفعال الحج ظرفا له فلا أقل من الإحرام. وأيضا ما قبل الإحرام بالحج ليس وقتا للهدي الذي هو أصل فكذا لبدله، وقال أبو حنيفة، أي في وقت الحج وهو أشهره فجاز أن يصوم بعد الإحرام بالعمرة. وبمثله قال أحمد في رواية، وفي أخرى قال: يجوز بعد التحلل من العمرة، ولا يجوز أن يصوم شيئا منها في يوم النحر ولا في أيام التشريق كما مر في الصوم. والمستحب أن يصوم الأيام الثلاثة قبل يوم عرفة، فإن الأحب للحاج يوم عرفة أن يكون مفطرا كيلا يضعف عن الدعاء وأعمال الحج، ولم يصمه النبي ﷺ بعرفة بل
يروى أنه ﷺ نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة.
ويحكى عن أبي حنيفة أن الشخص إن كان بحيث لا يضعف فالأولى أن يصوم حيازة للفضيلتين. ويعلم مما ذكرنا أنه يستحب أن يحرم بالحج قبل يوم عرفة بثلاثة أيام ليصوم فيها. وأما الواجد للهدي فالمستحب له أن يحرم يوم التروية بعد الزوال متوجها إلى منى لما
روي عن جابر أن النبي ﷺ قال: «إذا توجهتم إلى منى فأهلوا بالحج» «١»
وإذا فاته صوم الأيام الثلاثة في الحج لزمه القضاء عند الشافعي لأنه صوم واجب فلا يسقط بفوات وقته كصوم رمضان، وإذا قضاها لم يلزمه دم خلافا لأحمد. وعند أبي حنيفة يسقط الصوم بالفوات ويستقر الهدي في ذمته وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ للشافعي في المراد من الرجوع قولان: أصحهما الرجوع إلى الأهل والوطن لما
روي أنه ﷺ قال للمتمتعين «من كان معه هدي فليهد ومن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم إلى أمصاركم»
والثاني أن المراد منه الفراغ من أعمال الحج وبهذه قال أبو حنيفة وأحمد كأنه بالفراغ رجع عما كان مقبلا عليه من الأعمال. وعلى الأصح لو توطن مكة بعد فراغه من الحج صام بها، وإن لم يتوطنها لم يجز صومه بها ولا في الطريق على الأصح لأنه تقديم العبادة البدنية على وقتها. ثم إذا لم يصم الثلاثة في الحج حتى فرغ ورجع لزمه صوم العشرة عند الشافعي. وهل يجب التفريق في القضاء بين الثلاثة
стр. 544
والسبعة؟ الأصح عند إمام الحرمين وطائفة وبه قال أحمد أنه لا يجب لأن التفريق في الأداء يتعلق بالوقت فلا يبقى حكمه في القضاء كالتفريق في الصلوات المؤداة. والأصح عند أكثر أصحاب الشافعي وجوب التفريق كما في الأداء. ويفارق تفريق الصلوات فإن ذلك التفريق يتعلق بالوقت، وهذا يتعلق بالفعل وهو الحج. والرجوع وما قدر ما يقع به التفريق أصح الأقوال التفريق بأربعة أيام، ومدة إمكان مسيره إلى أهله على العادة الغالبة بناء على أصلين سبقا أحدهما: أن المتمتع ليس له صوم أيام التشريق، والثاني أن المراد بالرجوع الرجوع إلى أهله تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ طعن فيه بعض الملحدين أن هذا من إيضاح الواضحات. فمن المعلوم بالضرورة أن الثلاثة والسبعة عشرة وأيضا قوله كامِلَةٌ يوهم أن هاهنا عشرة غير كاملة وهو محال، فذكر العلماء من فوائده أن الواو في قوله وَسَبْعَةٍ ليس نصا قاطعا في الجمع بل قد يكون للإباحة بمعنى أو كما في قوله مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ [فاطر: ١] وكما في قولك «جالس الحسن وابن سيرين» لو جالسهما جميعا أو واحدا منهما كان ممتثلا ففذلكت نفيا لتوهم الإباحة. وأيضا ففائدة الفذلكة في كل حساب أن يعلم العدد جملة كما علم تفصيلا وعلى هذا مدار علم السياقة وكفى به إفادة. وأيضا المعتاد أن البدل أضعف حالا من المبدل كالتيمم من الوضوء، فلعل المراد أن هذا البدل كامل في كونه قائما مقام المبدل وهما في الفضيلة سواء، وذكر العشرة لصحة التوصل به إلى هذا الوصف إذ لو اقتصر على تلك جاز أن يعود إلى الثلاثة أو إلى السبعة. وأيضا قوله تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ يدفع التخصيص الذي يتطرق إلى كثير من العمومات في الشرع ويصرف الكلام إلى التنصيص. وأيضا إن مراتب الأعداد ثلاث: الآحاد والعشرات والمئات. وهذه من وسائطها فكأنه قال: إنما أوجبت هذا العدد لكونه موصوفا بصفة التوسط والكمال. وأيضا التوكيد طريقة مسلوكة في كلام العرب يعرف منه كون المذكور مما يعقد به الهمم، ففيه زيادة توصية بصيامها وأن لا يتهاون بها ولا ينقص من عددها وأيضا هذا الخطاب مع العرب ولم يكونوا أهل حساب فبين الله تعالى بذلك بيانا قاطعا كما
روي أنه ﷺ قال في الشهر هكذا وهكذا وهكذا ثم أشار بيده ثلاث مرات وأمسك إبهامه في الثالثة تنبيها بالإشارة الأولى على الثلاثين، وبالثانية على التسعة والعشرين.
وأيضا فيه إزالة الاشتباه والتصحيف الذي يمكن أن يتولد من تشابه سبعة وتسعة في الخط.
وأيضا يحتمل أن يراد كاملة في الإجزاء حتى لا يتوهم أنها بسبب التفريق غير مجزئة كما لا يجزىء في كفارات الظهار والقتل ووقاع رمضان إلا الصوم المتتابع. وأيضا يحتمل أن يكون خبرا في معنى الأمر أي فلتكن تلك الصيامات كاملة لتسد الخلل ويكون الحج
стр. 545
المأمور به تاما كاملا كما قال وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ.
واعلم أن الصوم مضاف إلى الله تعالى في
قول النبي ﷺ حكاية عن الله تعالى «الصوم لي وأنا أجزي به» «١»
والحج أيضا مضاف إليه تعالى في الآية وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ وكما دل النقل على هذا الاختصاص فالعقل أيضا يدل على ذلك. أما الصوم فلأنه عبادة لا يطلع عليها إلا الله سبحانه وهو مع ذلك شاق على النفس جدا، وأما الحج فلأنه عبادة لا يطلع العقل البتة على وجوه الحكمة فيها وهو مع ذلك شاق جدا لأنه يوجب مفارقة الأهل والولد ويقتضي التباعد عن أكثر اللذات والاستمتاعات، فكل منهما لا يؤتى به إلا لمحض ابتغاء مرضاة الله تعالى. ثم إن هذا الصوم بعضه واقع في زمان الحج فيكون جمعا بين مشقتين، وبعضه واقع بعد الفراغ من الحج وهو انتقال من مشقة إلى مشقة، والأجر على قدر النصب، فلا جرم وصفه الله تعالى بالكمال في باب العبادة والتنكير في اللفظ أيضا يؤيد ذلك زادنا الله اطلاعا على لطائف قرآنه العظيم ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ اختلف العلماء في أن المشار إليه ماذا؟ فقال أبو حنيفة وأصحابه: إنه إشارة إلى التمتع وما ترتب عليه لأنه ليس البعض أولى من البعض فيعود إلى كل ما تقدم فلا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام. وقال الشافعي: بل عودة إلى الأقرب أولى وهو الحكم بوجوب الهدي على المتمتع. وأيضا قوله فَمَنْ تَمَتَّعَ عام يشمل الحرمي والميقاتي والآفاقي. وأيضا إنه تعالى شرع القرآن والمتعة إبانة لنسخ ما كان عليه أهل الجاهلية في تحريمهم العمرة في أشهر الحج، والنسخ يثبت في حق الناس كافة. ويتفرع على مذهب أبي حنيفة أن من تمتع أو قرن من حاضري المسجد الحرام كان عليه دم وهو دم جناية لا يأكل منه. وعلى مذهب الشافعي أن يصح تمتعهم وقرانهم ولا يجب عليهم شيء، فإن لزوم الهدي على الآفاقي بسبب أنه أحرم من الميقات عن العمرة ثم أحرم عن الحج لا من الميقات فيلزمه جبر الخلل بدم. والمكي لا يجب عليه أن يحرم من الميقات فلا خلل في حجة تمتع أو قرن أو أفرد، فلا يلزمه الهدي ولا بد له. ثم اختلفوا في حاضري المسجد الحرام فعن مالك أنهم أهل مكة وأهل ذي طوى. وعن طاوس هم أهل الحرم. وعن الشافعي هم الذين يكونون على أقل من مسافة القصر من مكة، فإن
стр. 546
كانوا على مسافة القصر فليسوا من الحاضرين، وبه قال أحمد. وعن أبي حنيفة أنهم أهل المواقيت فمن دونها إلى مكة. والمواقيت: ذو الحليفة على عشر مراحل من مكة وعلى ميل من المدينة، والجحفة لأهل الشام ومصر والمغرب على خمسين فرسخا من مكة، ويلملم من صوب اليمن وقرن لنجد الحجاز، وذات عرق من صوب المشرق والعراق وخراسان وكل هذه الثلاثة من مكة على مرحلتين. فهذه هي المذاهب وأوفقها للآية. مذهب مالك لأن أهل مكة هم الذين يحضرون المسجد الحرام. إلا أن الشافعي قال: قد يطلق المسجد الحرام على الحرم قال تعالى سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [الإسراء: ١] ورسول الله ﷺ أسري به من الحرم لا من المسجد. وقد يقال: حضر فلان فلانا إذا دنا منه. ومن كان مسكنه دون مسافة القصر فهو قريب نازل منزلة المقيم في نفس مكة. وفي مذهب أبي حنيفة بعد، فإن يؤديّ إلى إخراج القريب من الحاضرين وإدخال البعيد لتفاوت مسافات المواقيت، ثم إن مسافة القصر مرعية من نفس مكة أو من الحرم الأعراف هو الثاني لما قلنا إن المسجد الحرام يراد به جميع الحرم. قال الفراء: ذلك لمن لم يكن معناه ذلك الفرض الذي هو الدم أو الصوم لازم على من لم يكن من أهل مكة
كقوله ﷺ «اشتراطي لهم الولاء»
أي عليهم وذكر حضور الأهل والمراد حضور الحرم لأن الغالب على الرجل أنه يسكن حيث أهله ساكنون وَاتَّقُوا اللَّهَ في محافظة حدوده وما أمركم به ونهاكم عنه في الحج وغيره وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن تهاون بحدوده. قال أبو مسلم: العقاب والمعاقبة سيان، واشتقاقهما من العاقبة كأنه يراد عاقبة فعله السيء كقول القائل «لتذوقن فعلك» .
التأويل:
حج الخواص حج رب البيت وشهوده وهذه سيرة إبراهيم ﷺ كما قال إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي [الصافات: ٩٩] ولكنه أحصر في السماء السابعة فلا جرم أهدى بإسماعيل، ولما أسري بالنبي ﷺ وكان ذهابه بالله ما أحصره شيء فقيل له وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ وجرى ما جرى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى [النجم: ٩، ١٠] ثم قال لأمته: اسعوا في إتمام صورة الحج بقدر استطاعتكم، وفي الحقيقة بأن تخرجوا وجودكم فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ بأعداء النفس والهوى أو لملال القلب أو لكلال الروح أو باستجلاء الأحوال أو بتمني الآمال فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ أعلاها الروح وأوسطها القلب وأدناها النفس يهدي ما كان الإحصار به. وَلا تَحْلِقُوا لا تشتغلوا بغير الله حتى تبلغوا المقصد، فإن عرض مرض في الإرادة أو يعلوه أذى من المزاحمات من غير فترة من نفسه فلم يجد بدا من الإناخة بفناء الرخص، فليجتهد أن يتداركه بالفدية فقد
стр. 547
قيل: من أقبل على الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ناله، والصيام هو الإمساك عن المشارب والصدقة الخروج عن المعلوم، والنسك ذبح النفس في مقاساته الشدائد فَإِذا أَمِنْتُمْ الإحصار وأقبل الجد الصاعد والزمان المساعد فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ واستراح في الطلب فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ من ترك مشارب الروح والقلب والنفس فَمَنْ لَمْ يَجِدْ لَمْ يَسْتَطِعْ ترك تلك المشارب لعلو شأنها وعظم مكانها فعليه الإمساك عن مشارب القوى الثلاث المدركة للمعاني والمتصرفة فيها وهي الوهم والحافظة والمتخيلة، هذا إذا كان في عالم المعنى، فإذا رجع إلى عالم الصورة أمسك عن القوى السبع مشار بها وهي الحس المشترك والخيال، لأن الأولى مدركة الصور، والثانية معينتها على الحفظ وبعدهما الحواس الخمس الظاهرة تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ هي الحواس الظاهرة والباطنة ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ لأن الحاضر في مقام القرب والأنس لا يخاطب ولا يعاتب وإنما يلزم العتب، والطلب للسالك والسائر، فإذا وصل فقد استراح. وَاتَّقُوا أن تسكنوا في فترة أو وقفة أو تركنوا إلى مشرب من هذه المشارب وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ للغافلين عن هذا الخطاب القانعين بذل الحجاب.
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٩٧ الى ٢٠٣]
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (١٩٧) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ (٢٠١)
أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٢٠٢) وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)
القراآت:
فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ بالرفع فيهما: أبو عمرو ويعقوب وابن كثير ويزيد.
وزاد يزيد وَلا جِدالَ بالرفع. الباقون: بفتح الثلاثة وكذلك يروي القطعي عن أبي زيد من طريق الحسن الهاشمي، وَاتَّقُونِ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل. وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل بالياء. وَمَنْ تَأَخَّرَ روى هبة الله بن
стр. 548
جعفر عن الأصفهاني عن ورش والشموني وحمزة في الوقف بالتليين.
الوقوف:
مَعْلُوماتٌ ط فِي الْحَجِّ ط يَعْلَمْهُ اللَّهُ ط التَّقْوى ز للعارض بين الجملتين المتفقتين الْأَلْبابِ هـ مِنْ رَبِّكُمْ ط لأن «إذا» أجيبت بالفاء فكانت شرطا في ابتداء حكم آخر الْحَرامِ ص لعطف المتفقتين هَداكُمْ ج لأن الواو تصلح حالا واستئنافا. الضَّالِّينَ هـ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ج رَحِيمٌ هـ ذِكْراً ط مِنْ خَلاقٍ هـ النَّارِ هـ مِمَّا كَسَبُوا ط الْحِسابِ هـ نصف الجزء. مَعْدُوداتٍ ط لأن الشرط في بيان حكم آخر عَلَيْهِ الأولى ط لابتداء شرط آخر مع العطف عَلَيْهِ الثانية لا لتعليق اللام. اتَّقى ط لاختلاف النظم تُحْشَرُونَ هـ.
التفسير:
من المعلوم أن الحج ليس نفس الأشهر، فالتقدير أشهر الحج أو وقته أشهر معلومات كقولك «البلد شهران» . أو الحج حج أشهر معلومات أي لا حج إلا فيها خلاف ما كان عليه أهل الجاهلية من النسيء. وقيل: يمكن أن يقال: جعل الحج نفس الأشهر كما في قولهم «ليل قائم ونهار صائم» واتفق المفسرون على أن شوّالا وذا القعدة من أشهر الحج. واختلفوا في ذي الحجة فعن عروة بن الزبير ومالك كله لأن أقل الجمع ثلاثة، وقد يفعل الإنسان بعد النحر ما يتصل بالحج من رمي الجمار ونحوه. والمرأة إذا حاضت فقد تؤخر الطواف الذي لا بد منه إلى أيام بعد الشهر، من هنا ذهب عروة إلى جواز تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر. وعن أبي حنيفة: عشر ذي الحجة وهو قول ابن عباس وابن عمرو النخعي والشعبي ومجاهد والحسن قالوا: لفظ الجمع يشترك فيما وراء الواحد بدليل قوله تعالى فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [التحريم: ٤] ونزل بعض الشهر منزلة كله كما يقال «رأيتك سنة كذا» وإنما رآه في ساعة منها. ورمي الجمار يفعله الإنسان وقد حل بالحلق والطواف والنحر من إحرامه فكأنه ليس من أعمال الحج. والحائض إذا طاف بعده فهو في حكم القضاء. وإنما قلنا إن يوم النحر من أشهر الحج لأنه وقت لركن من أركان الحج وهو طواف الزيارة. ومن المفسرين من زعم أن يوم الحج الأكبر يوم النحر.
وعن الشافعي: التسعة الأولى من ذي الحجة من ليلة النحر، لأن الحج يفوت بطلوع يوم النحر ولا تفوت العبادة مع بقاء وقتها. قيل: إنه تعالى جعل كل الأهلة مواقيت للحج في قوله قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة: ١٨٩] وفي هذه الآية جعل وقت الحج أشهر معلومات. وأجيب بأن تلك الآية عامة وهذه خاصة والخاص مقدم على العام.
وأقول: الميقات علامة الوقت فلولا الأهلة لم يعلم مدخل كل شهر على التعيين. فجميع الأهلة في الإعلام سواء بالنسبة إلى وقت مفروض، فلا منافاة بين كون جميع الأهلة
стр. 549
علامات الحج من حيث إنها تؤذن بما بقي من السنة إلى أوان الحج، وبين كون الأشهر المعلومات وقتا للحج، ومعنى قوله مَعْلُوماتٌ أن الحج إنما يكون في السنة مرة واحدة في أشهر معينة من شهورها ليس كالعمرة التي يؤتى بها في السنة مرارا، وأحالهم في معرفة تلك الأشهر على ما كانوا علموه قبل نزول هذا الشرع. وعلى هذا فهذا الشرع لم يأت على خلاف ما عرفوه وإنما جاء موافقا مقررا له. أو المراد أنها معلومات ببيان الرسول، أو المراد أنها مؤقتة بأوقات معينة لا يجوز تقديمها وتأخيرها كما يفعله أصحاب النسيء. ثم إن الشافعي استدل بالآية على أنه لا يجوز لأحد أن يهل بالحج قبل أشهر الحج، وبه قال أحمد وإسحق. وأيضا الإحرام بالعبادة قبل وقت الأداء لا يصح قياسا على الصلاة. وأيضا الخطبة في صلاة الجمعة لا تجوز قبل الوقت لأنها أقيمت مقام ركعتين من الظهر حكما، فلأن لا يصح الإحرام وهو شروع في العبادة أولى. وأيضا الإحرام لا يبقى صحيحا لأداء الحج إذا ذهب وقت الحج قبل الأداء، فلأن لا ينعقد صحيحا لأداء الحج قبل الوقت أولى لأن البقاء أسهل من الابتداء. وعن أبي حنيفة ومالك والثوري: جواز الإحرام في جميع السنة لقوله تعالى قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة: ١٨٩] والجواب ما مر. قالوا: الإحرام التزام الحج فجاز تقدمه قبل الوقت كالنذر. والجواب الفرق بين النذر والإحرام، فإن الوقت معتبر للأداء ولا اتصال للنذر بالأداء بدليل أن الأداء لا يتصور إلا بعقد مبتدأ، وأما الإحرام مع كونه التزاما فهو أيضا شروع في الأداء وعقد عليه فلا جرم افتقر إلى الوقت. قالوا: اشتهر عن أكابر الصحابة أنهم قالوا: من إتمام الحج أن يحرم المرء من دويرة أهله. وقد تبعد داره بعدا شديدا يحتاج إلى أن يحرم قبل شوال. والجواب أن النص لا يعارضه الأثر على أنه يمكن تخصيص الأثر في حق من لا يكون داره سحيقا فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فمن ألزم نفسه في هذه الشهور أن يحج. وبماذا يحصل هذا الإلزام المسمى بالإحرام لأنه يحرم عليه حينئذ أشياء كانت حلالا له. قال الشافعي: إنه ينعقد الإحرام بمجرد النية من غير حاجة إلى التلبية. نعم إنها سنة عند النية وبه قال أحمد ومالك لقوله تعالى فَمَنْ فَرَضَ وفرض الحج على النية أدل منه على التلبية أو سوق الهدي. وفرض الحج موجب لانعقاد الحج بدليل قوله فَلا رَفَثَ فوجب أن تكون النية كافية في انعقاد الحج. وأيضا
قال ﷺ «لكل امرئ ما نوى»
وأيضا إنه عبادة ليس في آخرها ولا في أثنائها نطق واجب، فكذلك في ابتدائها كالطهارة والصوم. وعند أبي حنيفة: التلبية شرط انعقاد الإحرام لإطباق الناس على الاعتناء به عند الإحرام إلا أن سوق الهدي وتقليده والتوجه معه يقوم مقام التلبية. وعن ابن عمر أنه قال:
стр. 550
إذا قلد أو أشعر فقد أحرم. وعن ابن عباس: إذا قلد الهدي وصاحبه يريد العمرة أو الحج فقد أحرم. وروى أبو منصور الماوردي في تفسيره عن عائشة أنها قالت: لا يحرم إلا من أهل أو لبى. وأيضا إن الحج عبادة لها تحليل وتحريم فلا يشرع فيها بنفس النية كالصلاة.
وصورة التلبية ما
روي عن النبي ﷺ أنه قال: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك،
ولا تكره الزيادة على هذا.
روي عن ابن عمر أنه كان يزيد فيها. لبيك لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك لبيك والرغبى إليك والعمل.
فإن رأى شيئا يعجبه قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة. ثبت ذلك عن رسول ﷺ .
وفي بعض الروايات أنه قال في تلبيته: لبيك حقا تعبدا ورقا.
قال الشافعي في أصح قوليه:
الأفضل أن ينوي ويلبي حين تنبعث به راحلته إن كان راكبا، وحين يتوجه إلى الطريق إن كان ماشيا لما
روي أنه ﷺ لم يهل حتى انبعثت به دابته،
قال إمام الحرمين: ليس المراد من انبعاث الدابة ثورانها، بل المراد استواؤها في صوب مكة. فإذا استوت به راحلته متوجها إلى الطريق نوى: اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني ولبى. وإن كان يريد القرآن نوى الحج والعمرة، وإن كان يريد العمرة نوى العمرة ولبى. والقول الثاني وبه قال أحمد ومالك وأبو حنيفة أن الأفضل أن ينوي ويلبي كما تحلل من الصلاة أي من ركعتي الإحرام وهو قاعد. ثم يأخذ في السير
لرواية ابن عباس أن النبي ﷺ صلى بذي الحليفة ركعتين ثم أحرم،
وتكثير التلبية في دوام إلا حرام مستحب قائما كان أو قاعدا راكبا أو ماشيا حتى في حالة الجنابة والحيض لأنه ذكر لا إعجاز فيه فأشبه التسبيح،
قال ﷺ لعائشة ﵂ حين حاضت: افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت.
قوله عز من قائل فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ من قرأ بفتح الثلاثة أو برفعها فلا إشكال، ومن قرأ برفع الأولين وفتح الأخير فقيل: لأن الأولين محمولان على معنى النهي كأنه قيل: فلا يكونن رفث ولا فسوق، ثم أخبر بانتفاء الجدال أي لا شك ولا خلاف في الحج. وذلك أن قريشا كانت تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام، وسائر العرب يقفون بعرفة، وكانوا يقدمون الحج سنة ويؤخرونه سنة وهو النسيء، فرد إلى وقت واحد، ورد الوقوف إلى عرفة فأخبر الله تعالى أنه قد ارتفع الخلاف في الحج، وربما يستدل على أن المنهي عنه هو الرفث والفسوق دون الجدال
بقوله ﷺ «من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كهيئته يوم ولدته أمه» «١»
وإنه لم يذكر الجدال. وقيل: الاهتمام بنفي الجدال
стр. 551
أشد من الاهتمام بنفي الرفث والفسوق فلذلك قرىء كذلك. أما الأوّل فلأن الرفث عبارة عن قضاء الشهوة، والجدال مشتمل على ذلك لأن المجادل يشتهي تمشية قوله، والفسوق عبارة عن مخالفة أمر الله، والمجادل لا ينقاد للحق. وكثيرا ما يقدم على الإيذاء والإيحاش المؤدي إلى العداوة والبغضاء، فدل على أن الجدال مشتمل على جميع أنواع القبح. وأما أن القراءة تفيد ذلك فلأن الفتح يقتضي نفي الماهية، وانتفاؤها يوجب انتفاء جميع أفرادها. وأما الرفع فلا يوجب انتفاء جميع أفراد الماهية بل يجوّز، فيكون الفتح أدل على عموم النفي.
أما تفسير الرفث فعن ابن عباس هو الجماع، وله في العمرة والحج نتائج منها. فساد النسك يروى ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وغيرهم من الصحابة
، واتفق الفقهاء عليه بعدهم، وإنما يفسد الحج بالجماع إذا وقع قبل التحللين لقوّة الإحرام. ولا فرق بين أن يقع قبل الوقوف بعرفة أو بعده خلافا لأبي حنيفة حيث قال: لا يفسد بالجماع بعد الوقوف ولكن يلزمه الفدية. وأما الجماع بين التحللين فلا أثر له في الفساد على الصحيح. وعن مالك وأحمد أنه يفسد ما بقي شيء من إحرامه، وتفسد العمرة أيضا بالجماع قبل حصول التحلل. ووقت التحلل عنها بعد الفراغ من الحلق بناء على أنه نسك وهو الأصح، فتفسد العمرة بالجماع قبل الحلق، واعلم أن للعمرة تحللا واحدا وذلك إذا طاف وسعى وحلق، وللحج تحللان وذلك أنه إذا أتى باثنين من الرمي والنحر والحلق والطواف أعني الرمي والحلق، أو الرمي والطواف، أو الحلق والطواف، حصل التحلل الأول وهو إباحة جميع المحظورات من التطيب والقلم ولبس المخيط وقتل الصيد وعقد النكاح إلا الجماع فإنه لا يحل إلى الإتيان بالأمر الثالث، فإذا أتى به حل الجماع أيضا وهو المراد بالتحلل الثاني قال الأئمة: الحج يطول زمانه وتكثر أعماله بخلاف العمرة فأبيح بعض محظوراته دفعة وبعضها أخرى.
قال ﷺ «إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب واللباس وكل شيء إلا النساء»
واللواط وإتيان البهيمة في الإفساد كالوطء في الفرج وبه قال أحمد خلافا لأبي حنيفة فيهما ولمالك في إتيان البهيمة، ثم سائر العبادات لا حرمة لها بعد الفساد ويصير الشخص بالفساد خارجا منها، لكن الحج والعمرة وإن فسدا يجب المضي فيهما وذلك بإتمام ما كان يفعله لولا عروض الفساد
روي عن عمر وعلي وابن عباس وغيرهم من أفسد حجه مضى في فاسده وقضى من قابل.
ومن نتائج الفساد الكفارة يستوي فيها الحج والعمرة. وخصالها خمس على الترتيب بدنة إن وجدها لأن
стр. 552
الصحابة نصوا على البدنة وإلا فبقرة وإلا فسبع من الغنم وإلا قومت البدنة دراهم والدراهم طعاما فإن لم يجد الطعام صام عن كل مد يوما. ومن النتائج القضاء باتفاق لما روينا عن كبار الصحابة وقضى من قابل، سواء كان المقضي عنه فرضا أو تطوعا فإن القضاء واجب، وأصح الوجهين في القضاء أنه على الفور لا على التراخي، لأنه لزم وتضيق بالشروع ويدل عليه ظاهر قول الصحابة و «قضى من قابل» . وكذا الكلام فيمن ترك الصوم أو الصلاة بعدوان على الأشبه، لأن جواز التأخير نوع ترفيه وتخفيف والمتعدي لا يستحق ذلك. ولو كانت المرأة محرمة نظر إن جامعها وهي نائمة أو مكرهة لم يفسد حجها وإلا فسد، ولكن لا يجب على أصح القولين إلا بدنة واحدة عنهما جميعا. وإذا أفسد حجه بالجماع ثم جامع ثانيا فإن لم يفد عن الأول لزم بدنة أخرى. وإن فدى لم يلزم إلا شاة. وعن الحسن: الرفث كل ما يتعلق بالجماع، فليس للمحرم التقبيل بالشهوة ولا المباشرة فيما دون الفرج. فلو باشر شيئا منها عمدا فالفدية.
روي عن علي وابن عباس أنهما أوجبا بالقبلة شاة وإن كان ناسيا لم يلزمه شيء ولا يفسد شيء من مقدمات الجماع الحج ولا يوجب البدنة بحال سواء أنزل أو لم ينزل،
وبه قال أبو حنيفة، وعند مالك يفسد الحج إذا أنزل وهو أظهر الروايتين عن أحمد. وقيل: الرفث باللسان ذكر المجامعة وما يتعلق بها. والرفث باليد اللمس والغمز، والرفث بالفرج الجماع. وقيل: الرفث هو قول الخنا والفحش
لقوله ﷺ «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ شاتمه فليقل إني صائم» «١»
وعن أبي عبيدة: الرفث الإفحاش وعنه الرفث اللغو في الكلام. وأما الفسوق فهو الخروج عن الطاعة وحدود الشريعة فيشمل كل المعاصي قال تعالى فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف: ٥٠] وقيل: هو التنابز بالألقاب والسباب قال تعالى وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ
وقال ﷺ «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» «٢»
وقيل الإيذاء والإيحاش وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ [البقرة:
٢٨٢] وعن ابن زيد: هو الذبح للأصنام وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [الأنعام: ١٢١] وقيل: الرفث هو الجماع ومقدماته مع الحليلة والفسوق ذلك مع
стр. 553
الأجنبية. وأما الجدال فإنه فعال من المجادلة وأصله من الجدل والفتل كأن كل واحد من الخصمين يروم أن يفتل صاحبه عن رأيه. واختلف المفسرون فيه. فعن الحسن: هو الجدال الذي يفضي إلى السباب والتكذيب والتجهيل، وإنه واجب الاجتناب في كل حال إلا أنه مع الرفقاء وفي الحج أسمج كلبس الحرير في الصلاة، وقال محمد بن كعب القرظي: إن قريشا كانوا إذا اجتمعوا بمنى قال بعضهم: حجنا أتم. وقال آخرون: بل حجنا أتم. وقال آخرون: بل حجنا أتم. فنهاهم الله عن ذلك. وقال مالك في الموطأ:
الجدال في الحج أن قريشا كانوا يقفون عند المشعر الحرام في المزدلفة بقزح وإنه جبل هناك، وكان غيرهم يقفون بعرفات، وكل من الفريقين يقول: نحن أصوب. وقال القاسم بن محمد: كانوا يجعلون الشهور على العدد فيختلفون في يوم النحر بسبب ذلك.
فبعضهم يقول هذا يوم عيد، ويقول آخرون بل غدا فكأنه قيل لهم: قد بينا لكم أن الأهلة هي مواقيت الحج فاستقيموا على ذلك ولا تجادلوا فيه. قال القفال: ويدخل في هذا النهي ما جادلوا فيه رسول الله ﷺ حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة فشق ذلك عليهم وقالوا: نروح إلى منى ومذاكيرنا تقطر منيا.
فقال ﷺ «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة»
فتركوا الجدال حينئذ. وقال عبد الرحمن بن زيد: جدالهم في الحج اختلافهم في أن أيهم المصيب مقام إبراهيم. وقيل: إنه النسيء نهوا عن ذلك فإن الزمان قد عاد إلى ما كان عليه الحج في وقت إبراهيم ﷺ ، قال القاضي أبو بكر الباقلاني:
لو حمل النفي في الألفاظ الثلاثة على الخبر وجب أن يحمل الرفث على الجماع، والفسوق على الزنا، والجدال على الشك في الحج، ليصح خبر الله تعالى بأن هذه الأشياء لا توجد مع الحج المعتبر. وإن حملنا الكلام على النهي صح أن يراد بالرفث الجماع ومقدماته وقول الفحش، وبالفسوق جميع أنواعه، وبالجدال جميع أصنافه، فعلى هذا يكون في الآية بعث على الأخلاق الحميدة والآداب الحسنة. وبالحقيقة لا رفث نهي عن طاعة القوّة الشهوية التي توجب الانهماك في الفجور، ولا فسوق إشارة إلى قهر القوّة الغضبية الداعية إلى التمرد والاستعلاء، ولا جدال رمز إلى تسخير القوّة الوهمية التي تحمل الإنسان على الخلاف في ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله وأحكامه، فمنه تنشأ الآراء المتخالفة والأهواء المتصادمة والعقائد الفاسدة والمذاهب الباطلة. واعلم أن الجدال ليس منهيا عنه بجميع أقسامه وإنما المذموم منه هو الذي منشأه صرف العصبية ومحض المراء لتنفيذ الآراء الزائفة وتحصيل الأعراض الزائلة والأغراض الفارغة، وأما الذب عن الدين القويم والدعاء إلى الصراط المستقيم وإلزام الخصم الألد وإفحام المعاند اللجوج بمقدمات
стр. 554
مشهورة وآراء محمودة حتى يستقر الحق في مركزه ويضمحل صولة الباطل ويركد ريحه فمأمور به في قوله عز من قائل وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥] وإنه إحدى شعب البيان وقد يكون أنجع من قاطعة البرهان وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ لم يتعرض لمقابل الخير وإن كان عالما به أيضا لنكتة هي أني إذا علمت منك الخير ذكرته وشهرته، وإذا علمت منك ضده أخفيته وسترته لتعلم أنه إذا كانت رحمتي بك هكذا في الدنيا فكيف تكون في العقبى؟ وفيه ترغيب للمطيعين وإيذان بأنهم من المحسنين
«الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» «١»
والعبد الصالح إذا علم اطلاع مولاه على سرائره وخفاياه اجتهد في أداء ما أمره به، واحترز عن ارتكاب ما نهاه عنه، ومن غاية عنايته حثهم على الخير بعد ما نهاهم عن الشر ليستعملوا مكان الرفث التفث، وبدل الفسوق رعاية الحقوق، ومقام الجدال والشقاق الوفاق مع الرفاق تتميما لمكارم الأخلاق وتنبيها على شرف النفس وطيب الأعراق بدليل قوله وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى أي اجعلوا زادكم إلى الآخرة اتقاء القبائح فإن ذلك خير الزاد. وليس السفر من الدنيا أهون من السفر في الدنيا، وهذا لا بد له من زاد فكذا ذلك. بل يزداد فإن زاد الدنيا يخلصك عن عذاب منقطع موهوم، وزاد الآخرة ينجيك من عذاب أبديّ معلوم. زاد الدنيا يوصلك إلى متاع الغرور، وزاد الآخرة يبلغك دار السرور. وزاد الدنيا سبب حصول حظوظ النفس، وزاد الآخرة سبب الوصول إلى عتبة الجلال والقدس.
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... ولاقيت بعد الموت من قد تزوّدا
ندمت على أن لا تكون كمثله ... وأنك لم ترصد كما كان أرصدا
وقيل: نزلت في ناس من اليمن كانوا يحجون بغير زاد ويقولون: نحن متوكلون. ثم كانوا يسألون الناس وربما ظلموهم وغصبوهم فأمرهم الله سبحانه أن يتزوّدوا ما يتبلغون به فإن خير الزاد ما تكفون به وجوهكم عن السؤال وأنفسكم عن الظلم. وفيه دليل على أن القادر على استصحاب الزاد في السفر، إذا لم يستصحب عصى الله في ذلك، ففيه إبطال حكمة الله تعالى ورفع الوسائط والروابط التي عليها تدور المناجح وبها تنتظم المصالح.
روي أن بعض العارفين زهد فبلغ من زهده أن فارق الناس وخرج من الأمصار وقال: لا أسأل أحدا شيئا حتى يأتيني رزقي. فأخذ يسيح فأقام في سفح جبل سبعا لم يأته شيء
стр. 555
حتى كاد يتلف. فقال: يا رب إن أحببتني فأتني برزقي الذي قسمت لي وإلا فاقبضني إليك. فألهمه الله تعالى في قلبه: وعزتي وجلالي لا أرزقك حتى تدخل الأمصار وتقيم بين الناس فدخل المدينة وأقام بين ظهراني الناس فجاء هذا بطعام وهذا بشراب فأكل وشرب فأوجس في نفسه من ذلك، فسمع أردت أن تبطل حكمته بزهدك في الدنيا، أما علمت أنه يرزق العباد بأيدي العباد أحب إليه من أن يرزقهم بيد القدرة. وقيل: في الآية حذف أي تزودوا لعاجل سفركم وللآجل فإن خير الزاد التقوى واتقون وخافوا عقابي. وفيه تنبيه على كمال عظمته كقوله «أنا أبو النجم وشعري شعري» يا أُولِي الْأَلْبابِ يعني أن قضية العقل تقوى الله ومن لم يتقه فلا لب له في التحقيق. ولما منع الناس عن الجدال اختلج في قلب المكلف شبهة أن التجارة لكونها مفضية في الأغلب إلى النزاع في قلة القيمة وكثرتها يجب أن تكون منهية. وأيضا أنها كانت محرمة في الجاهلية وقت الحج وأنه أمر غير مستحسن ظاهرا لأن المشتغل بخدمة الله تعالى يجب أن لا يتلوث بالأطماع الدنيوية. وأيضا كان من الممكن أن تقاس التجارة على سائر المباحات من الطيب والمباشرة والاصطياد في كونها محظورة بالإحرام فلدفع هذه الشبهة نزلت.
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا أي في أن تطلبوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ عطاء منه وتفضلا أو زيادة في الرزق بسبب التجارة والربح بها كقوله وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [المزمل: ٢٠] عن أبي مسلم: أنه حمل الآية على ما بعد الحج.
قال: والتقدير واتقون في كل أفعال الحج، ثم بعد ذلك ليس عليكم جناح أن تبتغوا كقوله فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة: ١٠] وزيف بأن حمل الآية على موضع الشبهة أولى من حملها لا على موضع الشبهة، ومحل الاشتباه هو التجارة في زمان الحج، وأما بعد الفراغ فالحل معلوم، وقياس الحج على الصلاة فاسد، فإن الصلاة أعمالها متصلة فلا يحل في أثنائها التشاغل بغيرها، وأعمال الحج متفرقة تحتمل التجارة في خلالها. وأيضا الفاء في قوله فَإِذا أَفَضْتُمْ ظاهرة في أن هذه الإفاضة حصلت عقيب ابتغاء الفضل وذلك يدل على أن المراد وقوع التجارة في زمان الحج ويؤيده قراءة ابن عباس فضلا من ربكم في مواسم الحج وقال ابن عباس في سبب نزول الآية كانوا يتأثمون أن يتجروا أيام الحج وإذا دخل العشر بالغوا في الكف عن البيع والشراء فلم يقم لهم سوق، ويسمون من يخرج للتجارة الداج ويقولون: هؤلاء الداج وليسوا بالحاج ومعنى الداج الأعوان والمكارون من الدجيج وهو الدبيب في السير. قال ابن السكيت: لا يطلق الدجيج إلا إذا كان جماعة ولا يقال ذلك للواحد. وقيل: كانت
стр. 556
عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقهم في الجاهلية يتجرون فيها في أيام الموسم، وكانت معايشهم منها. فلما جاء الإسلام تأثموا فرفع عنهم الحرج. ومن المعلوم أنه إنما يباح ما لم يشغل عن العبادة.
وعن ابن عمر أن رجلا قال له: إنا قوم نكرى في هذا الوجه يعني في طريق الحج، وإن قوما يزعمون أن لا حج لنا. فقال: سأل رجل رسول الله ﷺ عما سألت عنه فلم يرد عليه حتى نزل لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فدعا به فقال: أنتم حجاج.
وعن عمر أنه قيل له: هل كنتم تكرهون التجارة في الحج؟ فقال: وهل كانت معايشنا إلا من التجارة في الحج؟!
وعن جعفر الصادق ﵁: أن ابتغاء الفضل هاهنا طلب أعمال أخر زائدة على أعمال الحج موجبة لفضل الله تعالى ورحمته كإعانة الضعيف وإغاثة الملهوف وإطعام الجائع وإرواء العطشان.
واعلم أن الفضل ورد في القرآن بمعان، منها ما يتعلق بالمصالح الدنيوية من المال والجاه والغذاء واللباس وهو المسمى بالرزق فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة: ١٠] ومنها ما يتعلق بالمصالح الأخروية وهو الفضل والثواب والجنة والرحمة تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ [الفتح: ٢٩] وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ [النساء: ٨٣] ومنها ما يتعلق بمواهب القربة ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ [الحديد: ٢١] وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
[النساء: ١١٣] ورفع الجناح قد يستعمل في الواجب والمندوب مثل ما يستعمل في المباح كما مر في قوله فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما [البقرة: ١٥٨] .
فَإِذا أَفَضْتُمْ أي دفعتم بكثرة ومنه إفاضة الماء وهو صبه بكثرة. التقدير: أفضتم أنفسكم. فترك ذكر المفعول كما ترك في قولهم دفعوا من موضع كذا وصبوا. وعرفات جمع عرفة وكلاهما علم للموقف كأن كل قطعة من تلك الأرض عرفة فسمي مجموع تلك القطعة بعرفات كما قيل في باب الصفة «ثوب أخلاق» و «برمة أعشار» ثم سئل: هلا منعت الصرف وفيها سببان التعريف والتأنيث؟ فقيل: إنه لم يبق علما بعد ما جمع ثم جعل علما لمجموع القطع فتركوها بعد ذلك على أصلها في الصرف. وقيل: إن هذا التنوين تنوين المقابلة في نحو «مسلمات» ومن ذهب إلى أن تنوين المقابلة لا وجود له كجار الله وكثير من المتأخرين. وأن هذا التنوين تنوين الصرف. قالوا: إنما لم يسقط لأن التأنيث في نحو «مسلمات وعرفات» ضعيف. فإن التاء التي هي لمحض التأنيث سقطت، والباقية علامة لجمع المؤنث، وزيف بأن عرفات مؤنث. وإن قلنا إنه لا علامة تأنيث فيها لا متمحضة للتأنيث ولا مشتركة لأنه لا يعود الضمير إليها إلا مؤنثا تقول «هذه عرفات مباركا فيها» ولا يجوز «مباركا فيه» إلا بتأويل بعيد كما في قوله «ولا أرض أبقل إبقالها» فتأنيثها لا يقصر
стр. 557
عن تأنيث مصر الذي هو بتأويل البقعة. وقال بعض المتأخرين: الأولى أن يقال: إن التنوين للصرف وإنما لم يسقط في نحو «عرفات» لأنه لو سقط لتبعه الكسر في السقوط وتبع النصب وهو خلاف ما عليه الجمع السالم، إذ الكسر فيه متبوع لا تابع فهو فيه كالتنوين في غير المنصرف للضرورة لم يحذفا لمانع. هذا مع أنه جوز المبرد والزجاج هاهنا مع العلمية حذف التنوين وإبقاء الكسر كبيت امرئ القيس في رواية.
تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عالي
وبعضهم يفتح التاء في مثله مع حذف التنوين كسائر ما لا ينصرف. فعلى هذين الوجهين التنوين للظرف بلا خلاف، والأشهر بقاء التنوين في مثله مع العلمية. وقيل:
التنوين عوض من منع الفتحة. واعلم أن اليوم الثامن من ذي الحجة يسمى بيوم التروية، واليوم التاسع منه يسمى بيوم عرفة. وعرفة وعرفات هي الموضع المخصوص. فقيل:
التروية التفكر. وسببه أن آدم ﵇ لما أمر ببناء البيت فبناء تفكر فقال: يا رب إن لكل عامل أجرا فما أجري على هذا العمل؟ قال: إذا طفت به غفرت لك ذنوبك بأول شوط من طوافك. قال: يا رب زدني قال: أغفر لأولادك إذا طافوا به. قال: زدني، فقال: أغفر لكل من استغفر له الطائفون من موحدي أولادك. قال: حسبي يا رب حسبي.
وقيل: ان إبراهيم ﵇ رأى في منامه ليلة التروية كأنه يذبح ابنه فأصبح متفكرا هل هذا من الله أو من الشيطان، فلما رآه ليلة عرفة يؤمر به أصبح فقال: عرفت يا رب أنه من عندك. وقيل: إن أهل مكة يخرجون يوم التروية إلى منى فيروّون في الأدعية التي يذكرونها في الغد بعرفات. وقيل: التروية الإرواء فإن أهل مكة كانوا يجمعون الماء للحجيج الذي يقصدونهم من الآفاق فيتسعون في الماء بعد ما تعبوا في الطريق من قلة الماء، أو لأنهم يتزوّدون الماء إلى عرفة، أو لأن المذنبين كالعطاش وردوا بحار الرحمة فشربوا منها حتى رووا. أما يوم عرفة فقيل: إنه من المعرفة لأن آدم وحوّاء ﵉ التقيا بعرفة فعرف أحدهما صاحبه، عن ابن عباس أو لأن جبريل ﵇ علم آدم مناسك الحج فلما وقف بعرفات قال له: أعرفت؟ قال: نعم.
أو لأن إبراهيم ﵇ عرفها حين رآها بما تقدم من النعت والصفة. عن علي ﵇ وابن عباس وعطاء والسدي.
أو لأن جبريل عرف بها إبراهيم المناسك وقد مر في قوله وَأَرِنا مَناسِكَنا [البقرة: ١٢٨] أو لأن إبراهيم وضع ابنه إسماعيل وأمه هاجر بمكة ورجع إلى الشام ولم يتلاقيا سنين ثم التقيا يوما بعرفات، وقد سبقت القصة في بناء البيت في قوله وَإِذْ يَرْفَعُ
стр. 558
إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ
[البقرة: ١٢٧] ولما ذكرنا آنفا من مقام إبراهيم أو لأن الحاج يتعارفون فيه إذا وقفوا، أو لأنه تعالى يتعرف فيه إلى الحاج بالمغفرة والرحمة. وقيل: اشتقاقها من الاعتراف لأن الناس يعترفون هنالك للحق بالربوبية والجلال، ولأنفسهم بالفقر واختلاف الحال. يقال: إن آدم ﵇ وحوّاء لما وقفا بعرفات قالا ربنا ظلمنا أنفسنا، فقال الله سبحانه: الآن عرفتما أنفسكما. وقيل: من العرف وهو الرائحة الطيبة لأن المذنبين يكتسبون بالمغفرة روائح طيبة عند الله مقام ضدها.
قال ﷺ «خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك» «١»
وقد يسمى يوم عرفة يوم إياس الكفار من الإسلام ويوم إكمال الدين ويوم إتمام النعمة ويوم الرضوان أخذا من قوله تعالى في المائدة الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: ٣]
عن عمر وابن عباس: نزلت هذه الآية عشية يوم عرفة وكان يوم الجمعة والنبي ﷺ واقف بعرفة في موقف إبراهيم ﵇ في حجة الوداع وقد اضمحل الكفر وهدم منار الجاهلية. فقال النبي ﷺ : لو يعلم الناس مالهم في هذه الآية لقرت أعينهم.
قال يهودي لعمر: لو أن هذه الآية أنزلت علينا لاتخذنا ذلك اليوم عيدا فقال عمر: أما نحن فجعلناه عيدين. وكان ذلك يوم عرفة ويوم جمعة يوم صلة الواصلين الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة: ٣] يوم قطيعة القاطعين أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ [التوبة: ٣] يوم إقالة عثرة النادمين وقبول توبة التائبين رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الأعراف: ٢٣] يوم وفد الوافدين
في الخبر «الحاج وفد الله والحاج زوّار الله وحق على المزور الكريم أن يكرم زائره»
يوم الحج الأكبر وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ [التوبة: ٣] يوم خص صومه بكثرة الثواب
قال ﷺ «صوم يوم التروية كفارة سنة وصوم يوم عرفة كفارة سنتين»
وقال «من صام يوم التروية أعطاه الله مثل ثواب أيوب على بلائه، ومن صام يوم عرفة أعطاه الله مثل ثواب عيسى بن مريم»
أقسم الله تعالى به في قوله عز من قائل وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] عن ابن عباس: الشفع يوم التروية وعرفة، والوتر يوم النحر يوم خص بكثرة الرحمة وسعة المغفرة.
وعن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبيدا من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو يتجلى ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء اشهدوا
стр. 559
ملائكتي أني قد غفرت لهم»
ولا ضير أن نشير هاهنا إلى أعمال الحج إشارة خفيفة. اعلم أنه من دخل مكة محرما في ذي الحجة أو قبله فإن كان مفردا أو قارنا طاف طواف القدوم وأقام على إحرامه حتى يخرج إلى عرفات، وإن كان متمتعا طاف وسعى وحلق وتحلل من عمرته وأقام إلى وقت خروجه إلى عرفات، وحينئذ يحرم من جوف مكة بالحج ويخرج، وكذلك من أراد الحج من أهل مكة. والسنة للإمام أن يخطب بمكة اليوم السابع من ذي الحجة بعد ما صلى الظهر خطبة واحدة يأمر الناس فيها بالذهاب غدا بعد أن يصلوا الصبح إلى منى، ويعلمهم تلك الأعمال. ثم إن القوم يذهبون يوم التروية إلى منى بحيث يوافون الظهر بمنى ويصلون بها مع الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح من يوم عرفة، ثم إذا طلعت الشمس على ثبير توجهوا إلى عرفات، فإذا دنوا منها فالسنة أن لا يدخلوها بل تضرب قبة الإمام بنمرة.
روي أن النبي ﷺ مكث حتى طلعت الشمس ثم ركب وأمر بقبة من شعر أن تضرب له بنمرة فنزل بها.
فإذا زالت الشمس خطب الإمام خطبتين يبين لهم مناسك الحج ويحرضهم على إكثار الدعاء والتهليل بالموقف، وبعد الفراغ من الخطبة الأولى جلس ثم قام وافتتح الخطبة الثانية والمؤذنون يأخذون في الأذان معه. ويخفف بحيث يكون فراغه منها مع فراغ المؤذنين من الأذان، ثم ينزل فيقيم المؤذنون فيصلي بهم الظهر، ثم يقيمون في الحال فيصلي. بهم العصر، وهذا الجمع متفق عليه. ثم بعد الفراغ من الصلاة يتوجهون إلى عرفات فيقفون عند الصخرات لأن النبي ﷺ وقف هناك، وإذا وقفوا استقبلوا القبلة ويذكرون الله تعالى ويدعونه إلى غروب الشمس.
والوقوف ركن لا يدرك الحج إلا به، ومن فاته ذلك فقد فاته الحج
لقوله ﷺ «الحج عرفة»
فمن فاته عرفة فقد فاته الحج. وقد يستدل بالآية أيضا على ذلك لأنها دلت على ذكر الله عند المشعر الحرام عقيب الإفاضة من عرفات. والإفاضة من عرفات لا تتصور إلا بعد الحصول بعرفات. وجمهور الفقهاء على أن الوقوف بالمشعر الحرام ليس بركن لأنه تعالى أمر بالذكر عنده، فالوقوف به تبع لا أصل بخلاف الوقوف بعرفة لأنه جعله أصلا حيث لم يقل فإذا أفضتم عن الذكر بعرفات. ووقت الوقوف يدخل بزوال الشمس يوم عرفة ويمتد إلى طلوع الفجر من يوم النحر وذلك نصف يوم وليلة كاملة، وإذا حضر الحاج هناك في هذا الوقت لحظة واحدة من ليل أو نهار كفى. وقال أحمد: وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر. وإذا غربت الشمس دفع الإمام من عرفات وأخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء بالمزدلفة. قيل: سمي بها لأنهم يقربون فيها من منى والازدلاف القرب. وقيل: لأن الناس يجتمعون بها، والازدلاف الاجتماع. وقيل:
стр. 560
لأنهم يزدلفون إلى الله أي يتقربون بالوقوف فيها. ويقال: للمزدلفة جمع لأنه يجمع فيها بين صلاتي المغرب والعشاء عن قتادة: وقيل: لأن آدم ﵇ اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها أي دنا منها. ثم إذا أتى الإمام المزدلفة جمع بين المغرب والعشاء بإقامتين.
ثم يبيتون بها فإن لم يبت بها فعليه دم شاة. فإذا طلع الفجر صلوا الصبح بغلس.
والتغليس بالفجر هاهنا أشد استحبابا منه في غيرها وهو متفق عليه. فإذا صلوا الصبح أخذوا منها الحصى للرمي، يأخذ كل إنسان سبعين حصاة ثم يذهبون إلى المشعر الحرام، وهو جبل يقول له قزح فيرقى فوقه إن أمكنه أو وقف بالقرب منه إن أمكنه، ويحمد الله ويهلله ويكبره، ولا يزال كذلك حتى يسفر جدا، ثم يدفع قبل طلع الشمس. ويكفي المرور كما في عرفة ثم يذهبون منه إلى وادي محسر، فإذا بلغوا بطن محسر فمن كان راكبا يحرك دابته، ومن كان ماشيا يسعى سعيا شديدا قدر رمية حجر. فإذا أتى منى رمى جمرة العقبة من بطن الوادي بسبع حصيات ويقطع التلبية إذا رمى، ثم بعد ما رمى جمرة العقبة ذبح الهدي إن كان معه هدي وذلك سنة لو تركه لا شيء عليه لأنه ربما لا يكون معه هدي. ثم بعد ما ذبح الهدي يحلق رأسه أو يقصر، ثم بعد الحلق أتى مكة ويطوف بالبيت طواف الإفاضة وهو الركن ويصلي ركعتي الطواف ويسعى بين الصفا والمروة، ثم بعد ذلك يعود إلى منى في بقية يوم النحر، وعليهم البيتوتة بمنى ليالي التشريق لأجل الرمي.
واعلم أن من مكة إلى منى فرسخين، ومن منى إلى عرفات فرسخين، ومزدلفة متوسطة بين منى وعرفات منها إلى كل واحد منهما فرسخ، ولا يقفون بها في سيرهم من منى إلى عرفات. والحاصل أن أعمال الحج يوم النحر إلى أن يعود إلى منى أربعة: رمي جمرة العقبة والذبح والحلق والتقصير والطواف طواف الإفاضة ويسمى طواف الزيارة أيضا لأنهم يأتون من منى زائرين للبيت ويعودون في الحال. والترتيب في الأعمال الأربعة على النسق المذكور مسنون وليس بواجب. أما أنه مسنون فلأن النبي ﷺ كذلك فعلها، وأما أنه ليس بواجب فلما
روي عن عبد الله بن عمرو قال: وقف رسول الله ﷺ بمنى للناس يسألونه فجاء رجل فقال: يا رسول الله إني حلقت قبل أن أرمي. قال: ارم ولا حرج. وأتاه آخر فقال: إني ذبحت قبل أن أرمي قال: ارم ولا حرج. وأتاه آخر فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي فقال: ارم ولا حرج، فما سئل عن شيء قدم أو أخر إلا قال: افعل ولا حرج.
وعن مالك وأحمد وأبي حنيفة أن الترتيب بينها واجب ولو تركه فعليه دم على تفصيل ليس هاهنا موضع بيانه. ثم إن أهل الجاهلية كانوا قد غيروا مناسك الحج من سنة إبراهيم ﷺ . وذلك أن الحمس كانوا لا يقفون بعرفات ويقولون: لا نخرج من الحرم ولا
стр. 561
نتركه في وقت الطاعة، وكان غيرهم يقفون بعرفة والذين كانوا يقفون بعرفة يفيضون قبل أن تغرب الشمس، والذين يقفون بمزدلفة إذا طلعت الشمس ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير أي نسرع للنحر. وقيل: أي ندفع من مزدلفة فندخل في غور الأرض. وثبير جبل هناك فأمر الله تعالى نبينا ﷺ بمخالفة القوم في الدفعتين فأمره بأن يفيض من عرفات بعد غروب الشمس. وبأن يفيض من المزدلفة قبل طلوع الشمس، فإن السنة أيضا من قبيل الوحي. قال الواحدي: المشعر الحرام هو المزدلفة سماه الله تعالى بذلك لأن الصلاة والمقام والمبيت به والدعاء عنده. وقال في الكشاف: المشعر الحرام قزح وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة، أي: يوقد هناك النار في الجاهلية، قال: وقيل المشعر الحرام ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادي محسر، وليس المأزمان ولا وادي محسر من المشعر الحرام. قال: والصحيح أنه الجبل لما
روى جابر أن النبي ﷺ لما صلى الفجر- يعني بالمزدلفة- بغلس ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام فدعا وكبر وهلل ولم يزل واقفا حتى أسفر.
وقال: عند المشعر الحرام معناه مما يلي المشعر الحرام قريبا منه وذلك للفضل كالقرب من جبل الرحمة وإلا فالمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر، أو جعلت أعقاب المزدلفة لكونها في حكم المشعر ومتصلة به عند المشعر. والمشعر المعلم لأنه معلم لعبادته ووصف بالحرام لحرمته. وأما الذكر المأمور به هناك فقيل: هو الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء. والصلاة تسمى ذكرا قال تعالى وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه: ١٤] والدليل عليه أن فَاذْكُرُوا أمر فهو للوجوب ولا ذكر يجب هناك إلا هذا، والجمهور على أن المراد ذكر الله بالتسبيح والتحميد والتهليل.
عن ابن عباس أنه نظر إلى الناس ليلة جمع فقال: لقد أدركت الناس هذه الليلة لا ينامون كَما هَداكُمْ «ما» مصدرية أو كافة. أطلق الأمر بالذكر أوّلا ثم قيده ثانيا. والمعنى:
اذكروه ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة كي تكونوا شاكرين والهداية إما كل أنواع الهدايات أو الهداية إلى سنة إبراهيم في مناسك الحج، أو اذكروا كما علمكم كيف تذكرونه لا تعدلوا عنه بحسب الرأي والقياس، فإن أسماء الله تعالى توقيفية أو الذكر الأول محمول على الذكر باللسان، والثاني على الذكر بالقلب. أو المعنى اذكروه بتوحيده كما ذكركم بهدايته، أو المراد بتثنية الأمر تكريره وتكثيره كقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً [الأحزاب: ٤١] وعلى هذا فيكون قوله كَما هَداكُمْ متعلقا بالأمرين جميعا، أو الذكر الأول مقيد بأنه عند المشعر الحرام والثاني مطلق يدل على وجوب ذكره في كل مكان وعلى كل حال. فالأول إقامة للوظيفة الشرعية والثاني ارتقاء إلى معارج
стр. 562
الحقيقة وهو أن ينقطع القلب عن المشعر الحرام بل عن كل ما سواه من حلال وحرام. أو المراد بالأول الجمع بين الصلاتين هناك وبالثاني التسبيح والتحميد وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ من قبل الهدى، أو من قبل الرسول، أو من قبل إنزال الكتاب الذي بين فيه معالم دينكم لَمِنَ الضَّالِّينَ الجاهلين لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه. «وإن» هي المحففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بينها وبين النافية ثُمَّ أَفِيضُوا في هذه الإفاضة قولان: أحدهما أنه الإفاضة من عرفات وعلى هذا فالأكثرون قالوا: إنه أمر لقريش وحلفائها وهم الحمس لأنهم كانوا لا يتجاوزون المزدلفة ويتعللون بأن الحرم أشرف من غيره، فالوقوف به أولى.
وبأنهم أهل الله وقطان حرمه فلا يليق بحالهم أن يساووا الناس بالوقوف في الموقف ترفعا وكبرا.
روي أن النبي ﷺ لما جعل أبا بكر أميرا في الحج أمره بإخراج الناس إلى عرفات.
فلما ذهب مر على الحمس وتركهم فقالوا له: إلى أين وهذا مقام آبائك وقومك؟ فلا تذهب. فلم يلتفت إليهم ومضى بأمر الله إلى عرفات ووقف بها وأمر سائر الناس بالوقوف بها.
والحاصل ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس الواقفون بعرفات لا من المزدلفة ومعنى «ثم» التفاوت بين الإفاضتين وأن الإفاضة المأمور بها صواب والأخرى خطأ كما تقول «أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم» تأتي بثم لتفاوت ما بين الإحسان إلى كريم والإحسان إلى غيره، وبهذا التحقيق لا يلزم عطف الشيء على نفسه. وصيرورة المعنى: فإذا أفضتم من عرفات فأفيضوا من عرفات، ولا أن يقدر تقديم هذه الآية على ما قبلها في الوضع. ومن القائلين بأن المراد الإفاضة من عرفات من قال إنه أمر الناس جميعا. وقوله مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ المراد به إبراهيم ﵇ وإسماعيل ﵇ فإن من سنتهما ذلك.
وروي أن النبي ﷺ كان يقف في الجاهلية بعرفة كسائر الناس ويخالف الحمس.
وإيقاع اسم الجمع على الواحد جائز إذا كان رئيسا مقتدى به. إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً [النحل: ١٢٠] الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ [آل عمران: ١٧٣] يعني نعيم بن مسعود إن الناس يعني أبا سفيان. ووجه ثالث وهو أن يكون قوله مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ عبارة عن تقادم الإفاضة من عرفات وأن ما عداه مبتدع كما يقال «هذا مما فعله الناس قديما» . القول الثاني عن الضحاك أن المراد الإفاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر قبل طلوع الشمس للرمي والنحر، وقوله مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ يعني إبراهيم وإسماعيل ومتبعيهما فإن طريقتهم الإفاضة من المزدلفة قبل طلوع الشمس على ما جاء به الرسول ﷺ ، والعرب الذين كانوا واقفين بالمزدلفة كانوا يفيضون بعد طلوع الشمس فأمرهم الله تعالى بأن تكون إفاضتهم من المزدلفة في الوقت الذي كان يحصل فيه إفاضة
стр. 563
إبراهيم وإسماعيل ﵉. وأورد على هذا القول أن استعمال «حيث» للزمان قليل، ويمكن أن يجاب بأن القرآن أولى ما يحتج به. وعن الزهري: أن الناس في هذه الآية آدم ﵇ واحتج بقراءة سعيد بن جبير مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ بكسر السين اكتفاء من الياء بالكسرة من قوله وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ [طه: ١١٥] والمعنى: أن الإفاضة من عرفات شرع قديم فلا تتركوه. وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ من مخالفتكم في الموقف ونحو ذلك من جاهليتكم، وليكن الاستغفار باللسان مع التوبة بالقلب وهي أن يندم على كل تقصير منه في طاعة الله ويعزم أن لا يقصر فيما بعده ابتغاء لمرضاة الله لا للمنافع العاجلة. والاستغفار بالحقيقة يجب على كل مكلف وإن لم يعلم من ظاهر حاله خطيئة فإن النقص لازم الإمكان، والقصور من خصائص الإنسان وكيف لا وقد قالت الملائكة وإنهم أرفع حالا ما عبدناك حق عبادتك. وصورة الاستغفار على ما
روى البخاري في صحيحه عن شداد بن أوس أن النبي ﷺ قال: «سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك وأبوء بذنبي فاغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» «١»
ولو اقتصر على قوله «أستغفر الله» كفى. ولو زاد فقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك وأنت التواب الرحيم. أو قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ذا الجلال والإكرام. من كل ذنب أذنبته ومعصية ارتكبتها، وأتوب إليه من الذنب الذي أعلم ومن الذي لا أعلم كان حسنا.
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ بناءان للمبالغة كما مر مرارا. واختلف أهل العلم في المغفرة الموعودة في هذه الآية. فمن قائل إنها عند الدفع من عرفات إلى جمع بناء على القول الأول في الإفاضة، ومن قائل إنها عند الدفع من جمع إلى منى بناء على القول الآخر.
قوله عز من قائل فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ أي فرغتم من عباداتكم التي أمرتم بها في الحج، أو من أعمال مناسككم إذ المناسك جمع المنسك. وأنه يحتمل أن يكون مصدرا وأن يكون اسم مكان. وعن مجاهد أن قضاء المناسك هو إراقة الدماء. عن ابن عباس:
أن العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم بعد أيام التشريق يقفون بين مسجد منى وبين الجبل ويذكر كل واحد منهم فضائل آبائه في السماحة والحماسة وصلة الرحم ويتناشدون فيها الأشعار وغرضهم الشهرة والترفع بمآثر سلفهم. فلما أنعم الله عليهم بالإسلام أمرهم أن
стр. 564
يكون ذكرهم لربهم لا لآبائهم. ثم الفاء في قوله فَاذْكُرُوا اللَّهَ تدل على أن الفراغ من المناسك يوجب هذا الذكر فلهذا قيل: هو الذكر على الذبيحة، وقيل: هو التكبيرات بعد الصلاة في أيام النحر والتشريق وقيل: هو الإقبال على الدعاء والاستغفار بعد الفراغ من الحج كالأدعية المأثورة عقيب الصلوات المكتوبة. وقيل: معناه فإذا قضيتم مناسككم وأزلتم آثار البشرية وقهرتم القوى الطبيعية وأمطتم الأذى من طريق السلوك، فاشتغلوا بعد ذلك بتنوير القلب بذكر الله فإن التخلية ليست مقصودة بالذات، وإنما الغرض منها التخلية بمواجب السعادات الباقيات، فالأولى نفي والثاني إثبات. ومعنى كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ توفروا على ذكر الله كما كنتم تتوفرون على ذكر الآباء، وأقيموا الثناء على الله مقام تعداد مفاخر الآباء فإنه إن كان كذبا أوجب الدناءة في الدنيا والعقوبة في العقبى، وإن كان صدقا استتبع العجب والتباهي، وإن كانوا يذكرون الآباء ليتوسلوا بذلك إلى إجابة الدعاء فالإقبال بالكلية على مولي النعماء أولى مع أن حسنات آبائهم محبطة لسبب إشراكهم. وعن الضحاك والربيع: اذكروا الله كذكركم آباءكم وأمهاتكم وذلك قول الصبي أول ما ينطق «أبه أبه أمه أمه» أي كونوا مواظبين على ذكر الله كما يكون الصبي في صغره مواظبا على ذكر أبيه وأمه، فاكتفي بالآباء عن الأمهات كقوله سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] وقال أبو مسلم: جرى ذكر الآباء مثلا لدوام الذكر. والمعنى: كما أن الرجل لا ينسى ذكر أبيه فكذلك يجب أن لا يغفل عن ذكر الله. وقال ابن الأنباري: العرب أكثر أقسامها في الجاهلية بالآباء فقال تعالى: عظموا الله كتعظيمكم آباءكم.
وقد نهى رسول الله ﷺ عن الحلف بالآباء وقال «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» «١»
وقيل: اذكروا الله بالوحدانية كذكركم آباءكم بالوحدانية فإن الواحد منكم لو نسب إلى والدين تأذى منه واستنكف. وقيل: كما أن الطفل يرجع إلى أبيه في طلب المهمات وكفاية الملمات فكونوا أنتم في ذكر الله كذلك.
وعن ابن عباس معنى الآية أن تغضب لله إذا عصي أشد من غضبك لوالدك إذا ذكر بسوء.
وقوله أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً إما في موضع جر عطفا على ما أضيف إليه الذكر في قوله كَذِكْرِكُمْ كما تقول «كذكر قريش آباءهم أو قوم أشد منهم ذكرا. وإما في موضع نصف عطفا على آباءَكُمْ بمعنى أو أشد ذكرا من آبائكم على أن ذِكْراً من فعل المذكور وهو الآباء لا فعل الذاكر وهو الأبناء، فإن الذكر بل كل فعل معتد له اعتبارات اعتبار
стр. 565
وقوعه على المفعول، واعتبار صدوره عن الفاعل. وذلك الفعل بأحد الاعتبارين مغاير له بالاعتبار الآخر. وإنما لزم اعتبار الفعل هاهنا من جهة وقوعه على المفعول لأنّ الآباء المفضل عليهم المذكورون لا الذاكرون. ويحتمل أن يقال: المعنى فاذكروا الله ذكرا مثل ذكركم آباءكم أو أشد ذكرا. ولكن برد عليه أن أفعل إنما يضاف إلى ما بعده إذا كان من جنس ما قبله كقولك: «وجهك أحسن وجه» أي أحسن الوجوه. فإذا نصب ما بعده كان غير الذي قبله كقوله «زيد أفره عبدا» . فالفراهة للعبد لا لزيد. والمذكور قبل أَشَدَّ هاهنا هو الذكر والذكر لا يذكر حتى يقال «أشد ذكرا إنما قياسه أن يقال: الذكر أشد ذكر جرا إضافة. وفيه وجه نصبه على ما قال أبو علي أن يجعل الذكر ذاكرا مجازا. ويجوز نسبة الذكر إلى الذكر بأن يسمع إنسان الذكر فيذكر، فكأن الذكر قد ذكر لحدوثه بسببه وعلى جميع الوجوه. فمعنى «أو» هاهنا ليس هو التشكيك وإنما المراد به النقل عن الشيء إلى ما هو أقرب وأولى كقول رجل لغيره «افعل هذا إلى شهر أو أسرع منه» . وإنما أمر الله تعالى أن يكون ذكره أشد لأن مفاخر آبائهم متناهية وصفاته الكمالية غير متناهية، وتلك مشكوكة وهذه متيقنة، وغاية الأول تضييع وحرمان، ولازم الثاني نور وبرهان. ثم إنه تعالى بعد ما أمر بالعبادة تصفية للنفس وتخلية لها عن ظلمات الكبر والضلال وأمر عقيب ذلك بتنوير الباطن بنور الجلال والجمال بكثرة الاشتغال بذكر الكبير المتعال، نبه على حسن طلب مزيد الإنعام والإفضال فذكر أن الناس فريقان: منهم من قصر دعاءه على طلب اللذات العاجلة، ومنهم من أضاف إلى ذلك الطلب نعيم الآخرة وأهمل القسم الثالث وهو أن يكون دعاؤه مقصورا على طلب الآخرة تنبيها على أن ذلك غير مشروع ومن حقه أن لا يوجد، فإن الإنسان خلق ضعيفا لا طاقة له بآلام الدنيا ولا بعذاب النار.
فالأولى به أن يستعيذ بربه من آفات الدنيا الآخرة.
عن أنس أن النبي ﷺ دخل على رجل يعوده وقد أنهكه المرض فقال له: ما كنت تدعو الله به؟ قال: كنت أقول: اللهم إذا كنت تعاقبني به في الآخرة فعجلنيه في الدنيا فقال النبي ﷺ : سبحان الله إنك لا تطيق ذلك ألا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؟ فدعا له رسول الله ﷺ فشفي.
والإنصاف أنه سبحانه لو سلط الألم على عرق واحد في البدن أو على منبت شعرة واحدة عجز الإنسان عن الصبر عليه، وقد يفضي ذلك به إلى الجزع ويعوقه عن اكتساب الكمالات، ويحمله على إهمال وظائف الطاعات، ومن ذا الذي يستغني عن إمداد الله إياه في دنياه وعقباه؟! ثم المقصرون في الدعاء على طلب الدنيا من هم؟ عن ابن عباس: أنهم المشركون كانوا يقولون إذا وقفوا: اللهم ارزقنا إبلا وبقرا وغنما وإماء وعبيدا. وذلك