نتركه في وقت الطاعة، وكان غيرهم يقفون بعرفة والذين كانوا يقفون بعرفة يفيضون قبل أن تغرب الشمس، والذين يقفون بمزدلفة إذا طلعت الشمس ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير أي نسرع للنحر. وقيل: أي ندفع من مزدلفة فندخل في غور الأرض. وثبير جبل هناك فأمر الله تعالى نبينا ﷺ بمخالفة القوم في الدفعتين فأمره بأن يفيض من عرفات بعد غروب الشمس. وبأن يفيض من المزدلفة قبل طلوع الشمس، فإن السنة أيضا من قبيل الوحي. قال الواحدي: المشعر الحرام هو المزدلفة سماه الله تعالى بذلك لأن الصلاة والمقام والمبيت به والدعاء عنده. وقال في الكشاف: المشعر الحرام قزح وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة، أي: يوقد هناك النار في الجاهلية، قال: وقيل المشعر الحرام ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادي محسر، وليس المأزمان ولا وادي محسر من المشعر الحرام. قال: والصحيح أنه الجبل لما
روى جابر أن النبي ﷺ لما صلى الفجر- يعني بالمزدلفة- بغلس ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام فدعا وكبر وهلل ولم يزل واقفا حتى أسفر.
وقال: عند المشعر الحرام معناه مما يلي المشعر الحرام قريبا منه وذلك للفضل كالقرب من جبل الرحمة وإلا فالمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر، أو جعلت أعقاب المزدلفة لكونها في حكم المشعر ومتصلة به عند المشعر. والمشعر المعلم لأنه معلم لعبادته ووصف بالحرام لحرمته. وأما الذكر المأمور به هناك فقيل: هو الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء. والصلاة تسمى ذكرا قال تعالى وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه: ١٤] والدليل عليه أن فَاذْكُرُوا أمر فهو للوجوب ولا ذكر يجب هناك إلا هذا، والجمهور على أن المراد ذكر الله بالتسبيح والتحميد والتهليل.
عن ابن عباس أنه نظر إلى الناس ليلة جمع فقال: لقد أدركت الناس هذه الليلة لا ينامون كَما هَداكُمْ «ما» مصدرية أو كافة. أطلق الأمر بالذكر أوّلا ثم قيده ثانيا. والمعنى:
اذكروه ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة كي تكونوا شاكرين والهداية إما كل أنواع الهدايات أو الهداية إلى سنة إبراهيم في مناسك الحج، أو اذكروا كما علمكم كيف تذكرونه لا تعدلوا عنه بحسب الرأي والقياس، فإن أسماء الله تعالى توقيفية أو الذكر الأول محمول على الذكر باللسان، والثاني على الذكر بالقلب. أو المعنى اذكروه بتوحيده كما ذكركم بهدايته، أو المراد بتثنية الأمر تكريره وتكثيره كقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً [الأحزاب: ٤١] وعلى هذا فيكون قوله كَما هَداكُمْ متعلقا بالأمرين جميعا، أو الذكر الأول مقيد بأنه عند المشعر الحرام والثاني مطلق يدل على وجوب ذكره في كل مكان وعلى كل حال. فالأول إقامة للوظيفة الشرعية والثاني ارتقاء إلى معارج
стр. 562
الحقيقة وهو أن ينقطع القلب عن المشعر الحرام بل عن كل ما سواه من حلال وحرام. أو المراد بالأول الجمع بين الصلاتين هناك وبالثاني التسبيح والتحميد وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ من قبل الهدى، أو من قبل الرسول، أو من قبل إنزال الكتاب الذي بين فيه معالم دينكم لَمِنَ الضَّالِّينَ الجاهلين لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه. «وإن» هي المحففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بينها وبين النافية ثُمَّ أَفِيضُوا في هذه الإفاضة قولان: أحدهما أنه الإفاضة من عرفات وعلى هذا فالأكثرون قالوا: إنه أمر لقريش وحلفائها وهم الحمس لأنهم كانوا لا يتجاوزون المزدلفة ويتعللون بأن الحرم أشرف من غيره، فالوقوف به أولى.
وبأنهم أهل الله وقطان حرمه فلا يليق بحالهم أن يساووا الناس بالوقوف في الموقف ترفعا وكبرا.
روي أن النبي ﷺ لما جعل أبا بكر أميرا في الحج أمره بإخراج الناس إلى عرفات.
فلما ذهب مر على الحمس وتركهم فقالوا له: إلى أين وهذا مقام آبائك وقومك؟ فلا تذهب. فلم يلتفت إليهم ومضى بأمر الله إلى عرفات ووقف بها وأمر سائر الناس بالوقوف بها.
والحاصل ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس الواقفون بعرفات لا من المزدلفة ومعنى «ثم» التفاوت بين الإفاضتين وأن الإفاضة المأمور بها صواب والأخرى خطأ كما تقول «أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم» تأتي بثم لتفاوت ما بين الإحسان إلى كريم والإحسان إلى غيره، وبهذا التحقيق لا يلزم عطف الشيء على نفسه. وصيرورة المعنى: فإذا أفضتم من عرفات فأفيضوا من عرفات، ولا أن يقدر تقديم هذه الآية على ما قبلها في الوضع. ومن القائلين بأن المراد الإفاضة من عرفات من قال إنه أمر الناس جميعا. وقوله مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ المراد به إبراهيم ﵇ وإسماعيل ﵇ فإن من سنتهما ذلك.
وروي أن النبي ﷺ كان يقف في الجاهلية بعرفة كسائر الناس ويخالف الحمس.
وإيقاع اسم الجمع على الواحد جائز إذا كان رئيسا مقتدى به. إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً [النحل: ١٢٠] الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ [آل عمران: ١٧٣] يعني نعيم بن مسعود إن الناس يعني أبا سفيان. ووجه ثالث وهو أن يكون قوله مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ عبارة عن تقادم الإفاضة من عرفات وأن ما عداه مبتدع كما يقال «هذا مما فعله الناس قديما» . القول الثاني عن الضحاك أن المراد الإفاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر قبل طلوع الشمس للرمي والنحر، وقوله مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ يعني إبراهيم وإسماعيل ومتبعيهما فإن طريقتهم الإفاضة من المزدلفة قبل طلوع الشمس على ما جاء به الرسول ﷺ ، والعرب الذين كانوا واقفين بالمزدلفة كانوا يفيضون بعد طلوع الشمس فأمرهم الله تعالى بأن تكون إفاضتهم من المزدلفة في الوقت الذي كان يحصل فيه إفاضة
стр. 563
إبراهيم وإسماعيل ﵉. وأورد على هذا القول أن استعمال «حيث» للزمان قليل، ويمكن أن يجاب بأن القرآن أولى ما يحتج به. وعن الزهري: أن الناس في هذه الآية آدم ﵇ واحتج بقراءة سعيد بن جبير مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ بكسر السين اكتفاء من الياء بالكسرة من قوله وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ [طه: ١١٥] والمعنى: أن الإفاضة من عرفات شرع قديم فلا تتركوه. وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ من مخالفتكم في الموقف ونحو ذلك من جاهليتكم، وليكن الاستغفار باللسان مع التوبة بالقلب وهي أن يندم على كل تقصير منه في طاعة الله ويعزم أن لا يقصر فيما بعده ابتغاء لمرضاة الله لا للمنافع العاجلة. والاستغفار بالحقيقة يجب على كل مكلف وإن لم يعلم من ظاهر حاله خطيئة فإن النقص لازم الإمكان، والقصور من خصائص الإنسان وكيف لا وقد قالت الملائكة وإنهم أرفع حالا ما عبدناك حق عبادتك. وصورة الاستغفار على ما
روى البخاري في صحيحه عن شداد بن أوس أن النبي ﷺ قال: «سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك وأبوء بذنبي فاغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» «١»
ولو اقتصر على قوله «أستغفر الله» كفى. ولو زاد فقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك وأنت التواب الرحيم. أو قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ذا الجلال والإكرام. من كل ذنب أذنبته ومعصية ارتكبتها، وأتوب إليه من الذنب الذي أعلم ومن الذي لا أعلم كان حسنا.
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ بناءان للمبالغة كما مر مرارا. واختلف أهل العلم في المغفرة الموعودة في هذه الآية. فمن قائل إنها عند الدفع من عرفات إلى جمع بناء على القول الأول في الإفاضة، ومن قائل إنها عند الدفع من جمع إلى منى بناء على القول الآخر.
قوله عز من قائل فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ أي فرغتم من عباداتكم التي أمرتم بها في الحج، أو من أعمال مناسككم إذ المناسك جمع المنسك. وأنه يحتمل أن يكون مصدرا وأن يكون اسم مكان. وعن مجاهد أن قضاء المناسك هو إراقة الدماء. عن ابن عباس:
أن العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم بعد أيام التشريق يقفون بين مسجد منى وبين الجبل ويذكر كل واحد منهم فضائل آبائه في السماحة والحماسة وصلة الرحم ويتناشدون فيها الأشعار وغرضهم الشهرة والترفع بمآثر سلفهم. فلما أنعم الله عليهم بالإسلام أمرهم أن
стр. 564
يكون ذكرهم لربهم لا لآبائهم. ثم الفاء في قوله فَاذْكُرُوا اللَّهَ تدل على أن الفراغ من المناسك يوجب هذا الذكر فلهذا قيل: هو الذكر على الذبيحة، وقيل: هو التكبيرات بعد الصلاة في أيام النحر والتشريق وقيل: هو الإقبال على الدعاء والاستغفار بعد الفراغ من الحج كالأدعية المأثورة عقيب الصلوات المكتوبة. وقيل: معناه فإذا قضيتم مناسككم وأزلتم آثار البشرية وقهرتم القوى الطبيعية وأمطتم الأذى من طريق السلوك، فاشتغلوا بعد ذلك بتنوير القلب بذكر الله فإن التخلية ليست مقصودة بالذات، وإنما الغرض منها التخلية بمواجب السعادات الباقيات، فالأولى نفي والثاني إثبات. ومعنى كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ توفروا على ذكر الله كما كنتم تتوفرون على ذكر الآباء، وأقيموا الثناء على الله مقام تعداد مفاخر الآباء فإنه إن كان كذبا أوجب الدناءة في الدنيا والعقوبة في العقبى، وإن كان صدقا استتبع العجب والتباهي، وإن كانوا يذكرون الآباء ليتوسلوا بذلك إلى إجابة الدعاء فالإقبال بالكلية على مولي النعماء أولى مع أن حسنات آبائهم محبطة لسبب إشراكهم. وعن الضحاك والربيع: اذكروا الله كذكركم آباءكم وأمهاتكم وذلك قول الصبي أول ما ينطق «أبه أبه أمه أمه» أي كونوا مواظبين على ذكر الله كما يكون الصبي في صغره مواظبا على ذكر أبيه وأمه، فاكتفي بالآباء عن الأمهات كقوله سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] وقال أبو مسلم: جرى ذكر الآباء مثلا لدوام الذكر. والمعنى: كما أن الرجل لا ينسى ذكر أبيه فكذلك يجب أن لا يغفل عن ذكر الله. وقال ابن الأنباري: العرب أكثر أقسامها في الجاهلية بالآباء فقال تعالى: عظموا الله كتعظيمكم آباءكم.
وقد نهى رسول الله ﷺ عن الحلف بالآباء وقال «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» «١»
وقيل: اذكروا الله بالوحدانية كذكركم آباءكم بالوحدانية فإن الواحد منكم لو نسب إلى والدين تأذى منه واستنكف. وقيل: كما أن الطفل يرجع إلى أبيه في طلب المهمات وكفاية الملمات فكونوا أنتم في ذكر الله كذلك.
وعن ابن عباس معنى الآية أن تغضب لله إذا عصي أشد من غضبك لوالدك إذا ذكر بسوء.
وقوله أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً إما في موضع جر عطفا على ما أضيف إليه الذكر في قوله كَذِكْرِكُمْ كما تقول «كذكر قريش آباءهم أو قوم أشد منهم ذكرا. وإما في موضع نصف عطفا على آباءَكُمْ بمعنى أو أشد ذكرا من آبائكم على أن ذِكْراً من فعل المذكور وهو الآباء لا فعل الذاكر وهو الأبناء، فإن الذكر بل كل فعل معتد له اعتبارات اعتبار
стр. 565
وقوعه على المفعول، واعتبار صدوره عن الفاعل. وذلك الفعل بأحد الاعتبارين مغاير له بالاعتبار الآخر. وإنما لزم اعتبار الفعل هاهنا من جهة وقوعه على المفعول لأنّ الآباء المفضل عليهم المذكورون لا الذاكرون. ويحتمل أن يقال: المعنى فاذكروا الله ذكرا مثل ذكركم آباءكم أو أشد ذكرا. ولكن برد عليه أن أفعل إنما يضاف إلى ما بعده إذا كان من جنس ما قبله كقولك: «وجهك أحسن وجه» أي أحسن الوجوه. فإذا نصب ما بعده كان غير الذي قبله كقوله «زيد أفره عبدا» . فالفراهة للعبد لا لزيد. والمذكور قبل أَشَدَّ هاهنا هو الذكر والذكر لا يذكر حتى يقال «أشد ذكرا إنما قياسه أن يقال: الذكر أشد ذكر جرا إضافة. وفيه وجه نصبه على ما قال أبو علي أن يجعل الذكر ذاكرا مجازا. ويجوز نسبة الذكر إلى الذكر بأن يسمع إنسان الذكر فيذكر، فكأن الذكر قد ذكر لحدوثه بسببه وعلى جميع الوجوه. فمعنى «أو» هاهنا ليس هو التشكيك وإنما المراد به النقل عن الشيء إلى ما هو أقرب وأولى كقول رجل لغيره «افعل هذا إلى شهر أو أسرع منه» . وإنما أمر الله تعالى أن يكون ذكره أشد لأن مفاخر آبائهم متناهية وصفاته الكمالية غير متناهية، وتلك مشكوكة وهذه متيقنة، وغاية الأول تضييع وحرمان، ولازم الثاني نور وبرهان. ثم إنه تعالى بعد ما أمر بالعبادة تصفية للنفس وتخلية لها عن ظلمات الكبر والضلال وأمر عقيب ذلك بتنوير الباطن بنور الجلال والجمال بكثرة الاشتغال بذكر الكبير المتعال، نبه على حسن طلب مزيد الإنعام والإفضال فذكر أن الناس فريقان: منهم من قصر دعاءه على طلب اللذات العاجلة، ومنهم من أضاف إلى ذلك الطلب نعيم الآخرة وأهمل القسم الثالث وهو أن يكون دعاؤه مقصورا على طلب الآخرة تنبيها على أن ذلك غير مشروع ومن حقه أن لا يوجد، فإن الإنسان خلق ضعيفا لا طاقة له بآلام الدنيا ولا بعذاب النار.
فالأولى به أن يستعيذ بربه من آفات الدنيا الآخرة.
عن أنس أن النبي ﷺ دخل على رجل يعوده وقد أنهكه المرض فقال له: ما كنت تدعو الله به؟ قال: كنت أقول: اللهم إذا كنت تعاقبني به في الآخرة فعجلنيه في الدنيا فقال النبي ﷺ : سبحان الله إنك لا تطيق ذلك ألا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؟ فدعا له رسول الله ﷺ فشفي.
والإنصاف أنه سبحانه لو سلط الألم على عرق واحد في البدن أو على منبت شعرة واحدة عجز الإنسان عن الصبر عليه، وقد يفضي ذلك به إلى الجزع ويعوقه عن اكتساب الكمالات، ويحمله على إهمال وظائف الطاعات، ومن ذا الذي يستغني عن إمداد الله إياه في دنياه وعقباه؟! ثم المقصرون في الدعاء على طلب الدنيا من هم؟ عن ابن عباس: أنهم المشركون كانوا يقولون إذا وقفوا: اللهم ارزقنا إبلا وبقرا وغنما وإماء وعبيدا. وذلك
стр. 566
لإنكارهم البعث والمعاد. وعن أنس: كانوا يقولون: اسقنا المطر وأعطنا على عدوّنا الظفر، ويحكى عن أبي علي الدقاق أنه قال: أهل النار يستغيثون ثم يقولون: أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله في الدنيا. طلب المأكول والمشروب وفي النار طلب المأكول والمشروب، فلما غلبتهم شهواتهم افتضحوا في الدنيا والآخرة وقال الآخرون. يحتمل أن يكونوا مسلمين وعوقبوا لأنهم سألوا الله في أعظم المواقف وأشرف المشاهد أخس البضائع وأدون المطالب المشبه تارة بكنيف وأخرى بأحقر من جناح بعوضة، معرضين عن العيش الباقي والنعيم المقيم. وقوله رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا متروك المفعول الثاني لأنه كالمعلوم، ويحتمل أن يكون من قولهم «فلان معط» أي موجد الإعطاء، معناه اجعل إعطاءنا في الدنيا خاصة. واعلم أن مطامح النفس في الدنيا إحدى ثلاث خصال: روحانية هي تكميل القوة النظرية بالعلم وتتميم القوّة العملية بتحصيل الأخلاق الفاضلة، وبدنية هي الصحة والجمال، وخارجية هي الجاه والمال. وكل من لا يؤمن بالبعث فإنه لا يطلب فضيلة روحانية ولا جسمانية إلا لأجل الدنيا. فيطلب العلم لأجل الترفع على الأقران ويكتسب الأخلاق لتدبير الأمور المنزلية والمدنية. فلما قال عز من قائل وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ أي طلب نصيب حذف مفعول آتِنا لأن كل من ليس له في الآخرة طلب، ولا لهمته إلى اقتناء السعادات الباقيات نزاع وطموح، فمطلوبه عبث وسفه ووبال وضلال أي شيء فرضت علما وعملا روحانيا أو جسمانيا. اللهم اجعلنا ممن لا ينظر في أي شيء بنظر إلا إليك، ولا يرغب في كل ما يرغب إلا لأجل ما لديك إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. ثم إنه سبحانه لم يذكر في هذه الآية أن هذا الفريق مجابة دعوتهم أولا. فقال طائفة من العلماء: إنهم ليسوا بأهل للإجابة، لأن كون الإنسان مجاب الدعوة صفة مدح ولا يليق إلا بأولياء الله والمرتضين من عباده وقال آخرون قد يكون الإنسان مجابا لا كرامة واجتباء بل مكرا واستدراجا ويؤيده قوله سبحانه مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى: ٢٠] وعلى هذا يصح أن يقال في الآية إضمار أي يقول: ربنا آتنا في الدنيا فيؤتيه الله في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق. لأن همته مقصورة على الدنيا.
والحسنتان في دعاء الصالحين. أما في الدنيا فالصحة والأمن والكفاية والولد الصالح والزوجة الصالحة والنصرة على الأعداء، وقد سمى الله تعالى الخصب والسعة في الرزق وما أشبه ذلك حسنة إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ [التوبة: ٥٠] قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ [التوبة: ٥٢] قيل: إما النصرة وإما الشهادة. وأما في الآخرة فالفوز
стр. 567
بالثواب والخلاص من العقاب، ولأن دفع الضرر أهم من جلب النفع. صرح بذلك في قوله وَقِنا عَذابَ النَّارِ وهذه بالجملة كلمة جامعة لجميع خيرات الدنيا والآخرة. روى حماد بن سلمة عن ثابت أنهم قالوا لأنس: ادع لنا فقال: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. قالوا: زدنا فأعادها قالوا: زدنا قال: فما تريدون سألت لكم خير الدنيا والآخرة.
وعن علي ﵁ الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة، وفي الآخرة الحوراء. وعذاب النار امرأة السوء.
وقيل: الحسنة في الدنيا العمل النافع وهو الإيمان والطاعة، وفي الآخرة التنعم بذكر الله والإنس به وبرؤيته. قلت: لا تلذذ في الدنيا والآخرة إلا بهذا.
الجسم مني للجليس مجالس ... وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي
وعن قتادة الحسنتان طلب العافية في الدارين. وعن الحسن: هي في الدنيا فهم كتاب الله، وفي الآخرة الجنة. ومنشأ البحث مجيء الحسنة منكرة في حيز الإثبات، فكل من المفسرين حمل اللفظ على ما رآه أحسن أنواع الحسنة عقلا أو شرعا. ويمكن أن يقال: التنوين للتعظيم أي حسنة وأي حسنة أو يريد حسنة توافق حال الداعي وحكمة المدعو، وفيه من حسن الطلب ورعاية الطلب ورعاية الأدب ما ليس في التصريح به فإنه لا يكون إلا ما يشاء أو يريد حسنة ما وإن كانت قليلة، فإن النظر إلى المنعم لا إلى الإنعام. قليل منك يكفيني ولكن قليلك لا يقال له قليل. أُولئِكَ الداعون بالحسنتين لَهُمْ نَصِيبٌ وأي نصيب مِمَّا كَسَبُوا من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة. فمن للابتداء. ويحتمل التعليل أي من أجل ما كسبوا كقوله مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا [نوح: ٢٥] والكسب ما يناله المرء بعمله ومنه يقال للأرباح «إنها كسب فلان» أولهم نصيب مما دعوا به يعطيهم بحسب مصالحهم في الدنيا واستحقاقهم في الآخرة وسمي الدعاء كسبا لأنه من الأعمال والأعمال موصوفة بالكسب وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: ٣٠] ويجوز أن يكون أُولئِكَ للفريقين جميعا وأن لكل فريق نصيبا من جنس ما كسبوا. وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ السرعة نقيض البطء. والحساب مصدر كالمحاسبة وهو العدّ قال الزجاج: هو مأخوذ من قوله «حسبك كذا» أي كفاك. وذلك أن فيه كفاية وليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان.
ومعنى كون الله محاسبا لخلقه قيل: إنه يعلمهم ما لهم وعليهم بأن يخلق العلم الضروري في قلوبهم بمقادير أعمالهم وكمياتها وكيفياتها، أو بمقادير ما لهم من الثواب والعقاب.
ووجه هذا المجاز أن الحساب سبب لحصول علم الإنسان بماله وعليه، فإطلاق الحساب
стр. 568
على هذا الإعلام إطلاق اسم السبب على المسبب. عن ابن عباس أنه قال: لا حساب على الخلق بل يقفون بين يدي الله يعطون كتبهم بأيمانهم فيها سيئاتهم فيقال لهم: هذه سيئاتكم قد تجاوزت عنها، ثم يعطون حسناتهم ويقال: هذه حسناتكم قد ضعفتها لكم.
وقيل: المحاسبة المجازاة وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً [الطلاق: ٨] ووجه المجاز أن الحساب سبب للأخذ والإعطاء. وقيل: إنه تعالى يكلم العباد في أحوال أعمالهم وكيفية ما لها من الثواب والعقاب. فمن قال: إن كلامه ليس بحرف ولا صوت قال: إنه تعالى يخلق في أذن المكلف سمعا يسمع به كلامه القديم كما يخلق في عينه رؤية يرى بها ذاته القديمة. ومن قال: إنه صوت قال: إنه تعالى يخلق كلاما يسمعه كل مكلف. إما بأن يخلق ذلك الكلام في أذن كل واحد منهم أو في جسم يقرب من أذنه بحيث لا يبلغ قوة ذلك الصوت مبلغا يمنع الغير من فهم ما كلف به، فهذا هو المراد من كونه محاسبا لخلقه، ومعنى كونه سريع الحساب أو قدرته تعالى متعلقة بجميع الممكنات من غير أن يفتقر في أحداث شيء إلى فكر وروية ومدة وعدّة، ولذلك
ورد في الخبر أنه يحاسب الخلق في مقدار حلب شاة،
وروي في لمحة.
أو أنه سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم لأنه قادر على أن يعطي مطالب جميع الخلائق في لحظة واحدة كما
ورد في الدعاء المأثور «يا من لا يشغله سمع عن سمع»
، أو أن وقت جزائه وحسابه سريع يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد كقوله تعالى اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ [الأنبياء: ١] وقوله تعالى وَاذْكُرُوا اللَّهَ أي بالتكبير في أدبار الصلوات وعند الجمار يكبر مع كل حصاة. وفيه دليل على وجوب الرمي لأن الأمر بالتكبير أمر بالذي يتوقف التكبير على حضوره، وإنما اختير هذا النسق لأنهم ما كانوا منكرين للرمي وإنما كانوا يتركون ذكر الله تعالى عنده فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ هي أيام التشريق ثلاثة أيام بعد النحر: أولها يوم القر لأن الناس تستقر فيه بمنى. والثاني يوم النفر الأول لأن بعض الناس ينفرون في هذا اليوم من منى. والثالث يوم النفر الثاني.
عن عبد الرحمن بن معمر الديلي أن رسول الله ﷺ أمر مناديا ينادي الحج عرفة.
من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج وأيام منى ثلاثة من تعجل في يومين فلا إثم عليه واعلم أن التكبير المشروع في غير الصلاة وخطبة العيدين نوعان: مرسل ومقيد. فالمرسل هو الذي لا يتقيد ببعض الأحوال بل يؤتى به في المنازل والمساجد والطرق ليلا ونهارا كما مر في تفسير قوله تعالى وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ [البقرة: ١٨٥] وذكرنا صورة التكبير هناك أيضا.
ولا فرق في التكبير المرسل بين عيد الفطر والأضحى. وأما التكبير المقيد فأظهر الوجهين
стр. 569
أنه لا يستحب في عيد الفطر لم ينقلوا ذلك عن قول رسول الله ﷺ ولا أصحابه، وإنما يستحب في الأضحى. وتقييده هو أن يؤتى به في أدبار الصلوات خاصة. واختلفوا في ابتدائه وانتهائه فقيل: من طهر يوم النحر إلى ما بعد طلوع الصبح من آخر أيام التشريق، فيكون التكبيرات على هذا في خمس عشرة صلاة وهو قول ابن عباس وابن عمر وبه قال مالك والشافعي في أشهر أقواله، وحجتهم أن الناس فيه تبع للحجاج وهم يبتدؤن التكبير عقيب الظهر يوم النحر إلى مضي خمس عشرة صلاة. فيكون آخرها صلاة الصبح من آخر أيام منى وذكرهم قبل ذلك التلبية. والقول الثاني للشافعي أنه يبتدأ به من صلاة المغرب ليلة النحر إلى الصبح من آخر أيام التشريق، فيكون التكبير في أعقاب ثماني عشرة صلاة.
والقول الثالث أنه يبتدأ من صلاة الفجر يوم عرفة ويقطع بعد صلاة العصر من يوم النحر، فتكون التكبيرات بعد ثماني صلوات، وهو قول علقمة والأسود والنخعي وأبي حنيفة.
واعترض عليه بأن هذه التكبيرات تنسب إلى أيام التشريق، فوجب أن يؤتى بها فيها. وإن انضم معها زمن آخر فلا أقل من أن تكون هي أغلب. والقول الرابع يبتدأ به من صلاة الفجر يوم عرفة ويقطع بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق، فيكبر عقيب ثلاث وعشرين صلاة، وهو قول أكابر الصحابة كعمر وعلي وابن مسعود ﵃ وقول الثوري وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحق والمزني من الفقهاء لما
روى جابر أن النبي ﷺ الصبح يوم عرفة ثم أقبل علينا وقال: الله أكبر. ومد التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق،
ولأن هذا هو الأحوط فتكثير التكبير خير من تقليله. وعلى هذا القول إنما تكون التكبيرات مضافة إلى أيام التشريق لأنها أكثر تلك المدة. قال الجوهري: تشريق اللحم تقديده، ومنه أيام التشريق لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها في الشمس. وقيل: هو من قولهم «أشرق ثبير كيما نغير» . وقيل: سميت بذلك لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس. وأما رمي أيام أيام التشريق فإنه يجب أن يرمي كل يوم بين الزوال والغروب بكل جمرة من الجمرات الثلاث بالترتيب مبتدئا من الجمرة الأولى من جانب المزدلفة ومختتما برمي جمرة العقبة وهي التي تلي مكة رميات سبعا في سبع دفعات لأن النبي ﷺ كذلك رماها. وقال: خذوا عني مناسككم. فجملة ما يرمي في الحج سبعون حصاة، يرمي إلى جمرة العقبة يوم النحر سبع حصيات، وإحدى وعشرون في كل يوم من أيام التشريق إلى الجمرات الثلاث إلى كل واحدة سبع تواتر النقل به قولا وفعلا، ويكبر مع كل حصاة.
وعلى الحجيج أن يبيتوا بمنى الليلتين الأوليين من ليالي التشريق، فإذا رموا اليوم الثاني فمن أراد منهم أن ينفر قبل غروب الشمس فله ذلك ويسقط عنه مبيت الليلة الثالثة والرمي
стр. 570
من الغد وذلك قوله تعالى فَمَنْ تَعَجَّلَ أي عجل أو استعجل فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ومن لم ينفر حتى غربت الشمس فعليه أن يبيت الليلة الثالثة ويرمي يومها، وبه قال أحمد ومالك والشافعي. وعند أبي حنيفة يسوغ النفر ما لم يطلع الفجر، فإذا طلع لزم التأخر إلى تمام الأيام الثلاثة وذلك قوله تعالى وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى قال في الكشاف:
تعجل واستعجل يجيئان متعديين مثل تعجل الذهاب واستعجله، ويجيئان مطاوعين بمعنى عجل وهذا أوفق لقوله وَمَنْ تَأَخَّرَ والرمي في اليوم الثالث يجوز تقديمه على الزوال عند أبي حنيفة. وعند الشافعي لا يجوز كسائر الأيام. وقد سئل هاهنا أن المتأخر قد استوفى ما عليه من العمل فكيف ورد في حقه فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وهذا إنما يقال في حق المقصر الذي يظن أنه قد رهقه آثام فيما أقدم عليه. فأجيب بأن الرخصة قد تكون عزيمة كالقصر عند أبي حنيفة والشيعة لا يجوز في السفر غيره، فلمكان هذا الاحتمال رفع الحرج في الاستعجال والتأخر دلالة على أن الحاج مخير بين الأمرين، أو بأن أهل الجاهلية كانوا فريقين: منهم من يجعل المتعجل آثما، ومنهم من يجعل المتأخر آثما مخالفا لسنة الحج، فبيّن الله تعالى أن لا إثم على واحد منهما. وقيل: إن المعنى في إزالة الإثم عن المتأخر إنما هو لمن زاد على مقام الثلاثة. فكأنه قيل: إن أيام منى التي ينبغي المقام بها فيها ثلاثة، فمن نقص فلا إثم عليه، ومن زاد على الثلاثة ولم ينفر مع عامة الناس فلا شيء عليه. وقيل: إن الآية سيقت لبيان أن الحج مكفر للذنوب والآثام لا لبيان أن التعجل وتركه سيان كما أن الإنسان إذا تناول الترياق فالطبيب يقول له: الآن إذا تناولت السم فلا بأس، وإن لم تتناول فلا بأس، يريد أن الترياق دواء كامل في دفع المضار لا أن تناول السم وعدم تناوله يجريان مجرى واحدا. وقيل: إن جوار البيت مكروه عند كثير من العلماء لأن ذلك قد يفضي إلى نقص حشمة البيت ووقعه في قلبه وعينه فأمكن أن يختلج في قلب أحد أن التعجيل أفضل بناء على هذا المعنى، ولما في التعجل من المسارعة إلى طواف الزيارة، فبيّن تعالى أنه لا حرج في واحد منهما. وقال الواحدي: هذا من باب رعاية المقابلة والمشاكلة مثل وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى: ٤٠] بل هاهنا أولى لأن المندوب يصدق عليه أنه لا إثم على صاحبه فيه، وجزاء السيئة ليس بسيئة أصلا. وأما قوله تعالى لِمَنِ اتَّقى أي ذلك التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر لأجل الحاج المتقي كيلا يتخالج في قلبه إثم منهما فإن ذا التقوى متحرز من كل ما يريبه. وقيل: معناه أن هذه المغفرة إنما تحصل لمن كان متقيا قبل حجه كقوله إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: ٢٧] أو لمن كان متقيا عن جميع المحظورات حال اشتغاله بالحج. وقوله
стр. 571
وَاتَّقُوا اللَّهَ أي فيما يستقبل فيه حث على ملازمة التقوى فيما بقي من عمره وتنبيه على مجانبة الاغترار بالحج السابق كما أن قوله وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ توكيد للأمر بالتقوى وبعث على التشدد فيه لأن الحشر- وهو اسم يقع على ابتداء- خروج الناس من الأجداث إلى انتهاء الموقف يوجب تصوره، لزوم سيرة الاتقاء عن ترك الواجبات وفعل المحظورات. والمراد من قوله إِلَيْهِ أنه حيث لا مالك سواه ولا ملجأ إلا إليه، ولا مستعان إلا هو يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار: ١٩] .
التأويل:
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ هي مدة الحياة الفانية، وقيل إلى أربعين سنة، ولهذا قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد. نعم لو صدق طلبه قبل الأربعين وما أمكنه الوصول فقريب أن يحصل مقصوده بعد الأربعين، ومن فاته الطلب في عنفوان شبابه إلى أن بلغ الأربعين فحري منه عليه الحيف إذ ضيع اللبن في الصيف، لكنه يصلح للعبادة التي أجرها الجنة. فَلا رَفَثَ لا يميل إلى الدنيا وزينتها وليهجرها كالمحرم بعد الاغتسال بماء الإنابة يتزر بإزار التواضع والانكسار، ويتردى برداء التذلل والافتقار. وَلا فُسُوقَ ولا خروج من الأوامر والنواهي بل لا يخرج من حكم الوقت ولا يدخل فيما يورث المقت وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ لا نزاع للسالك الصادق في طلب الوصول لا بالفروع ولا بالأصول فلا في مالها مع أحد يخاصم ولا في جاهها لأحد يزاحم، فمن نازعه في شيء من ذلك يسلمها إليه ويسلم عليه وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [الفرقان: ٦٣] وتزودوا لكل سالك زاد. فزاد أولي القشور كعك وسويق وهم الذين مقصدهم البيت ومقصودهم الجنة، وزاد أولي الألباب التقوى وهم من مقصدهم ومقصودهم رب البيت. وتقوى أهل القشور مجانبة الزلات ومواظبة الطاعات، وتقوى أولي الألباب مجانبة الصفات بالصفات والذات بالذات. فلما كان مقصودهم خير المقاصد كان زادهم خير الزاد أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مقام ابتغاء الفضل بمعنى الرحمة بترك الموجود وبذل المجهود وهو في سيره إلى عرفات، ومقام ابتغائه بمعنى مواهب القربة ببذل الوجود عند الوقوف بعرفات، لأن الحج عرفة وعرفة المعرفة ومقام ابتغائه بمعنى الرزق هو قبل سيره إلى عرفات. وقال جمع من المحققين: إنه بعد استكمال الحج الحقيقي لأنه لقوة عرفانه بالله لا تضره الدنيا بل يكون تصرفه فيها بالله في الله لله عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ يعني القلب الذي حرام عليه الاطمئنان بغير ذكر الله وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ أي كما هدى قلوبكم يهدي نفوسكم كيلا تقع في خطر حب الدنيا. وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قبل الوقوف بعرفات المعرفة لَمِنَ الضَّالِّينَ في طلب الدنيا وحظوظ النفس مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ يعنى محمدا وسائر الأنبياء والأولياء أي
стр. 572
لتكن الإفاضة من عرفات المعرفة لأجل أداء الحقوق بالتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ لأجل إزالة غين المخالطة مع الخلق كقوله إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ إلى قوله وَاسْتَغْفِرْهُ [النصر: ١- ٣] أي إذا وجدت هذا لا تخلو عن خط ما فاستغفره فَإِذا قَضَيْتُمْ مناسك الوصال وبلغتم مبلغ الرجال فلا تأمنوا مكر الله وواظبوا على الذكر كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ في صغركم للافتقار وفي كبركم للافتخار أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً لأنه يمكن الاستغناء من الأب ولا يمكن الاستغناء من الله وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ لأن أثر الطاعة وأثر المعصية تظهر في الحال على القلب فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ هي أيام البداية والوسط والنهاية فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ وقف على الوسط ليكون من أهل الجنة فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ إلى أن يصل يوم النهاية حتى يكون من أهل الله فذاك لمن اتقى الرجوع و الوقوف ، والله ولي التوفيق وهو حسبي.
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٠٤ الى ٢١٠]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (٢٠٤) وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (٢٠٥) وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٢٠٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)
فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)
القراآت:
مَرْضاتِ بالإمالة والوقف بالهاء: علي. وكذلك يقف على هَيْهاتَ هيهاه وعلى حَدائِقَ ذاتَ ذاه وعلى أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ اللاه وعلى وَلاتَ حِينَ ولاه، وعلى مَرْيَمَ ابْنَتَ ابنه. وافق أبو عمر وفي وَلاتَ حِينَ بالهاء السِّلْمِ بفتح السين.
أبو جعفر ونافع وابن كثير وعلي. الباقون: بالكسر. وَالْمَلائِكَةُ بالجر: يزيد عطفا على «ظلل» أو على «الغمام» أو للجوار وإن كان فاعل «يأتهم» . الباقون: بالرفع تُرْجَعُ الْأُمُورُ حيث كان بفتح التاء وكسر الجيم: حمزة وعلي وخلف وابن عامر وسهل ويعقوب.
الباقون: بضم التاء وفتح الجيم.
الوقوف:
قَلْبِهِ لا لأن الواو للحال الْخِصامِ هـ وَالنَّسْلَ ط الْفَسادَ ط جَهَنَّمُ ط الْمِهادُ هـ مَرْضاتِ اللَّهِ ط بِالْعِبادِ هـ كَافَّةً ص لعطف الجملتين المتفقتين الشَّيْطانِ ط مع احتمال الجواز مُبِينٌ هـ حَكِيمٌ هـ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ط الْأُمُورُ هـ
стр. 573
التفسير:
لما آل أمر بيان الحج إلى تعديد فرق الناس بحسب أغراضهم في الدعاء، ناسب أن يعطف على ذلك تقسيم آخر يعرف منه مطامح أنظار الناس على الإطلاق ليعرف أرباب النفاق. من أصحاب الوفاق. عن السدي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي وهو حليف بني زهرة. أقبل إلى النبي ﷺ بالمدينة فأظهر له الإسلام وزعم أنه يحبه وقال: والله يعلم أني لصادق. فلما خرج من عند النبي ﷺ مر بزرع لقوم من المسلمين وحمر، فأحرق الزرع وعقر الحمر.
وقيل: إنه أشار على بني زهرة بالرجوع يوم بدر وقال لهم: إن محمدا ابن أختكم فإن يك كاذبا كفاكموه سائر الناس، وإن يك صادقا كنتم أسعد الناس به.
فقالوا: نعم الرأي ما رأيت. ثم خنس بثلاثمائة رجل من بني زهرة عن قتال رسول الله ﷺ فسمى بهذا السبب أخنس- وكان اسمه أبي بن شريق- فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأعجبه.
وعن ابن عباس والضحاك: أن كفار قريش بعثوا إلى النبي ﷺ أنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفرا من علماء أصحابك فبعث إليهم جماعة، فلما كانوا ببعض الطريق ركب من الكفار سبعون راكبا فأحاطوا بهم فقتلوهم وصلبوهم ففيهم نزلت.
وقوله بعد ذلك وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي إشارة إلى هؤلاء الشهداء. واختيار المحققين من المفسرين أنه لا يمتنع أن تكون الآية نازلة في الرجل ثم تكون عامة في أمثاله. فهذه الآية عامة في المنافقين، فإن ألسنتهم تحلو لي وقلوبهم أمر من الصبر. والضمير في يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ يعود إلى «من» ويحتمل أن يكون جمعا ولكنه أفرد نظرا إلى اللفظ. ومعنى يعجبك يروقك ويعظم في قلبك وفِي الْحَياةِ الدُّنْيا إما أن يتعلق بقوله أي يعجبك ما يقوله في باب الدنيا طلبا للمصالح العاجلة فقط كالأمان من القتل والأخذ من المغانم، وإما أن يتعلق بيعجبك لأن قوله وحلو كلامه إنما يعجب السامع في الدنيا ولا يعجبه في الآخرة لما يرهقه في الموقف من الهيبة والحيرة، أو لأنه لا يؤذن له في الكلام. والخطاب إما للنبي ﷺ ، أو لكل سامع. وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ يحتمل أن يكون ذلك الاستشهاد بالحلف، وأن يكون بقوله «شهد الله على ما في قلبي من محبتك ومن الإسلام» . وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ الألد الشديد الخصومة، واللديدان جانبا الوادي. كأن كلا من المتخاصمين في جانب. ومنه اللدود وهو ما يصب من الأدوية في أحد شقي الفم. وإضافة الألد بمعنى «في» كقولهم «ثبت الغدر» و «قتيل الصف» أو جعل الخصام ألد على المبالغة نحو «جد جده» . والخصام جمع خصم كصعاب في صعب. والمعنى: هو أشد الخصوم خصومة. والحاصل إنه جدل بالباطل شديد الفسوق في معصية الله عالم اللسان جاهل العمل، وإذا تولى عنك وذهب بعد إلانة القول وإحلاء المنطق سعى في الأرض ليفسد فيها كما فعل بأولئك المسلمين من إحراق الزروع
стр. 574
وعقر المواشي. وأصل السعي المشي بسرعة، وقد يستعار لإيقاع الفتنة والتخريب بين الناس. وقيل: لما انصرف من بدر مر ببني زهرة وكان بينه وبين ثقيف خصومة، فبيتهم ليلا وأهلك مواشيهم وأحرق زروعهم، وعلى هذا فيقع قوله وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ تفصيلا لما أجمله قوله لِيُفْسِدَ وقيل: إفساده هو إلقاء الشبه في عقائد المسلمين، وعلى هذا فيكون إهلاك الحرث والنسل بمعنى آخر. وهذا تفسير مناسب لأن كمال الإنسان بالعلم والعمل ونقصه بضدهما، فيكون الإفساد إشارة إلى نقص قوّته النظرية والإهلاك عبارة عن فعل المنكرات وفيه نقصان قوّته العملية. وقيل: وَإِذا تَوَلَّى أي إذا كان واليا فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل. وقيل: يظهر الظلم حتى يمنع الله بشؤم ظلمه القطر فيهلك الحرث والنسل. فالحرث الزرع، والنسل الولد. ونسلت الناقة بولد كثير، والتركيب يدل على الخروج. وقيل: إهلاك الحرث قتل النسوان نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ [البقرة: ٢٢٣] وإهلاك النسل إفناء الصبيان وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ قالت المعتزلة: معناه لا يريد الفساد. وفيه دليل على أنه يريد القبائح وإذا لم يردها لم يخلقها لأن الخلق لا يمكن إلا بالإرادة. ومنع من أن المحبة نفس الإرادة، بل المحبة عبارة عن مدح الشيء وذكره بالتعظيم. ثم الدليل الدال على أن لا مرجح لأحد جانبي كل ممكن على الآخر إلا الله وإلا انسد باب إثبات الصانع يدل على أن الكل بإرادته ومشيئته، وقد مر تحقيق ذلك فيما سلف. واعلم أنه سبحانه حكى عن المنافق جملة من الأفعال الذميمة.
أولها حسن كلامه في طلب الدنيا، وثانيها استشهاده بالله كذبا وبهتانا، وثالثها لحاجة في إبطال الحق وإثبات الباطل، ورابعها سعيه في الأرض للإفساد، وخامسها سعيه في إهلاك الحرث والنسل. فوقع قوله وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ جمله معترضة. ثم ذكر خصلة سادسة أشنع من الكل دالة على جهله المركب وخروجه عن أن يرجى منه خير وذلك مثله وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ في ارتكاب شيء من هذه المنهيات. والقائل إما الرسول ﷺ قولا خاصا أو عاما لجميع المكلفين فيدخل المنافق فيه، وإما كل واعظ وناصح أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ من قولهم «أخذت فلانا بأن يفعل كذا» أي ألزمته ذلك وحملته عليه أي أخذته الغلبة والاستيلاء والأنفة وحمية الجاهلية أن يعمل الإثم، وذلك الإثم هو ترك الالتفات إلى هذا الوعظ وعدم الإصغاء إليه، أو من قوله «أخذته الحمى» أي لزمته، و «أخذه الكبر» أي اعتراه ذلك والمعنى لزمته العزة الحاصلة بسبب الإثم الذي في قلبه، وذلك الإثم هو الكفر والجهل وعدم النظر في الدلائل فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ كافية هي جزاء له يستوي فيه الواحد والجمع والتثنية والمذكر والمؤنث لأنه مصدر. ورفعه على الخبرية أو على الابتداء إذا كان ما بعده
стр. 575
معرفة، أو على الابتداء فقط إن كان نكرة مثل «حسبك درهم» . وعلى هذا تكون الإضافة معنوية البتة، وعلى تقدير كونه خبر الوقوع المعرفة بعده تكون الإضافة لفظية أي فحسب وكاف له. قال يونس وأكثر النحويين: جهنم اسم للنار التي يعذب الله بها في الآخرة وهي أعجمية وفيها العلمية والتأنيث. وقال آخرون: إنه اسم عربي سميت نار الآخرة بها لبعد قعرها. حكي عن رؤبة أنه قال: ركية جهنام بكسر الجيم والهاء أي بعيدة القعر. وقيل:
اشتقاقها من الجهومة وهي الغلظ. ومنه رجل جهم الوجه أي غليظه. سميت بذلك لغلظ أمرها في العذاب والعقاب. وَلَبِئْسَ الْمِهادُ أي ما يمهد لأجله فإن المعذب في النار يلقى على النار كما يوضع الشخص على الفراش. ويحتمل أن يكون مصدرا بمعنى التمهيد والتوطئة.
قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي الآية.
قال سعيد بن المسيب: أقبل صهيب مهاجرا نحو النبي ﷺ فاتبعه نفر من قريش فنزل عن راحلته وانتشل ما في كنانته وأخذ قوسه ثم قال: والله لا تصلون إليّ أو أرمي بكل سهم معي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي. وإن شئتم دللتكم على مال دفنته بمكة وخليتم سبيلي ففعلوا. فلما قدم على رسول الله ﷺ نزلت، فقال رسول الله ﷺ : ربح البيع أبا يحيى وتلا الآية.
وقيل: أخذ المشركون صهيبا فعذبوه فقال لهم صهيب: إني شيخ كبير لا يضركم، أمنكم كنت أم من غيركم. فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني؟ ففعلوا ذلك. وكان قد شرط عليهم راحلة ونفقة فخرج إلى المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر في رجال، فقال له أبو بكر: ربح بيعك أبا يحيى. قال صهيب: وبيعك. أفلا تخبرني ما ذاك؟ فقال: نزلت فيك كذا وقرأ الآية. عن الحسن: نزلت في أن المسلم أتى الكافر فقاتل حتى قتل. وقيل: نزلت في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. سمع عمر بن الخطاب إنسانا يقرأ هذه الآية فقال عمر: إنا لله قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل.
وقيل: نزلت في علي ﵁ بات على فراش رسول الله ﷺ ليلة خروجه إلى الغار.
ويروى أنه لما نام على فراشة قام جبريل عند رأسه وميكائيل عند رجليه وجبريل ينادي بخ بخ. من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة ونزلت الآية.
ثم إن الآية تدل على أن هاهنا مبايعة، فأكثر المفسرين على أن العامل هو البائع. ومعنى يشري يبيع وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ [يوسف: ٢٠] والله هو المشتري إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ [التوبة:
١١١] وعمل المكلف وهو بذل نفسه في طاعة الله من الصلاة والصيام والحج والجهاد هو الثمن والجنة هي المثمن. وقيل: يحتمل أن يراد بالشراء هاهنا الاشتراء وذلك أن من أقدم
стр. 576
على الكفر والمعاصي. فكأن نفسه خرجت عن ملكه وصارت حقا للنار، وإذا أقدم على الطاعة صار كأنه اشترى نفسه من النار فصار حال المؤمن كالمكاتب يبذل دراهم معدودة ويشتري بها نفسه، والمؤمن يبذل أنفاسا معدودة ويشتري بها نفسه، لكن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم. فكذا المكلف لا ينجو عن ربقة العبودية ما دام بقي له نفس واحد في الدنيا، وهذا كقول عيسى ﵇ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا [مريم:
٣١] وقوله عز من قائل لنبيه وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر: ٩٩] وابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ أي طلب رضوانه نصب على العلة الغائية. وفيه دليل على أن كل مشقة يتحملها الإنسان يجب أن تكون على وفق الشرع ومطلوبا بها جانب الحق وإلا كان عمله ضلالا وكده وبالا. وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ فمن رأفته جعل النعيم الدائم جزاء على العمل القليل، وجوز لهم كلمة الكفر إبقاء على النفس إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [النحل: ١٠٦] ومن رأفته أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، ومن رأفته أن المصر على الكفر مائة سنة إذا تاب ولو في لحظة أسقط عقابه وأعطاه ثوابه، ومن رأفته أن النفس له والمال له ثم إنه يشتري ملكه بملكه فضلا منه وامتنانا ورحمة وإحسانا.
قوله سبحانه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً أصل السلم بالكسر، والفتح الاستسلام والطاعة. ويطلق أيضا على الصلح وترك الحرب والمنازعة. وهو أيضا راجع إلى هذا وإنه يذكر ويؤنث. واختلف في المخاطبين فقيل: أمر للمسلمين بما يضاد حال المنافقين أي يا أيها الذين آمنوا بالألسنة والقلوب دوموا على الإسلام فيما تستأنفونه من أيامكم ولا تخرجوا منه ولا من شيء من شرائعه. وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ لا تلتفتوا إلى الشبهات التي يلقيها إليكم أهل الغواية، والكائن في الدار إذا علم أن له في المستقبل خروجا منها لا يمتنع أن يؤمر بدخولها في المستقبل حالا بعد حال. ومعلوم أن المؤمنين قد يخرجون عن خصال الإيمان بالنوم والسهو وغيرهما من الأحوال، فلا يبعد أن يأمرهم الله بالدخول في الإسلام فيما يستأنف من الزمان. أو أمرهم بأن يكونوا مجتمعين في نصرة الدين واحتمال البلوى فيه. ولا تتبعوا آثار الشيطان بالإقبال على الدنيا والجبن والخور في أمر الدين مثل وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا [الأنفال: ٤٦] أو يكون المراد بالدخول في السلم ترك الذنوب والمعاصي، فإن من مذهبنا أن الإيمان باق مع الذنب والعصيان، أو يكون المراد الرضا بالقضاء والتلقي لجميع المكاره بالبشر والطلاقة كما
ورد في الخبر «الرضا بالقضاء باب الله الأعظم»
أو يكون المراد ترك الانتقام وسلوك طريق العفو والإغماض وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [الفرقان: ٦٣] وقوله: كَافَّةً يصلح أن يكون حالا من المأمورين أي ادخلوا بأجمعكم في السلم ولا تتفرقوا ولا تختلفوا وأن يكون حالا من السلم على أنها
стр. 577
مؤنث كالحرب أي ادخلوا في شرائع الإسلام كلها وأصل الكف المنع فسمي الجميع كافة لأن الاجتماع بمنع التفرق والشذوذ. ورجل مكفوف أي كف بصره من أن ينظر.
وكفة القميص لأنها تمنع الثوب من الانتشار. والكف طرف اليد لأنه يكف بها عن سائر البدن. وقيل: الخطاب للمنافقين والتقدير: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم ادخلوا بكليتكم في الإسلام ولا تتبعوا آثار تزيين الشيطان وتسويله بالإقامة على النفاق. وقيل: نزلت في مسلمي أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه حين أرادوا أن يقيموا على بعض شرائع موسى كتعظيم السبت وقراءة التوراة واستأذنوا رسول الله ﷺ في ذلك، فأمروا أن يدخلوا في شرائع الإسلام كافة ولا يتمسكوا بشيء من أحكام التوراة لثبوت نسخها بالكلية، فإن التمسك بها بعد تبين نسخها من اتباع آثار الشيطان، وقيل: السلم الإسلام، والخطاب لأهل الكتاب، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بالكتاب المتقدم كملوا طاعتكم بالإيمان بجميع أنبيائه وكتبه، ولا تتبعوا خطوات الشيطان بالشبهات التي يتمسكون بها في بقاء تلك الشريعة إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ عن أبي مسلم أن المبين من صفات البليغ الذي يعرب عن ضميره، ولا يخفى أنه أعرب عن عداوته لآدم ونسله. وقيل: مبين من الإبانة القطع وذلك أنه يقطع المكلف بوسوسته عن طاعة الله وثوابه ورضوانه. قوله فَإِنْ زَلَلْتُمْ المخاطبون هاهنا هم المخاطبون في قوله ادْخُلُوا فيجيء الخلاف هاهنا بحسب الخلاف هناك.
والمعنى العام: فإن دحضت أقدامكم وانحرفتم عن الطريق الذي أمرتم به مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ الدلائل العقلية والسمعية على أن ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحق فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب لا يعجزه الانتقام منكم وهذه نهاية في الوعيد كما لو قال الوالد لولده: إن عصيتني فأنت عارف بي وبشدّة سطوتي. كان أبلغ في الزجر من التصريح بضرب من ضروب العذاب. وكما أن قوله عَزِيزٌ يشتمل على الوعيد البليغ فقوله حَكِيمٌ يشتمل على الوعد الحسن. فإن اللائق بالحكمة تمييز المحسن من المسيء وأن لا يسوّي بينهما في الثواب والعقاب. روي أن قارئا قرأ غفور رحيم فسمعه أعرابي فأنكره ولم يقرأ القرآن وقال: إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا. الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل لأنه يكون إغراء عليه. قوله هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ الآية معنى النظر هاهنا الانتظار. وأما إتيان الله فقد أجمع المفسرون على أنه سبحانه منزه عن المجيء والذهاب لأن هذا من شأن المحدثات والمركبات وأنه تعالى أزلي فرد في ذاته وصفاته فذكروا في الآية وجهين:
الأول: وهو مذهب السلف الصالح السكوت في مثل هذه الألفاظ عن التأويل وتفويضه إلى مراد الله تعالى كما يروى عن ابن عباس أنه قال: نزل القرآن على أربعة
стр. 578
أوجه: وجه لا يعذر أحد بجهالته، ووجه يعرفه العلماء ويفسرونه، ووجه يعرف من قبل العربية فقط، ووجه لا يعلمه إلا الله.
الثاني: وهو قول جمهور المتكلمين: أنه لا بد من التأويل على سبيل التفصيل.
فقيل: جعل مجيء الآيات مجيئا له تفخيما لها كما يقال «جاء الملك» إذا جاء جيش عظيم من جهته. وقيل: المراد إتيان أمره وبأسه فحذف المضاف بدليل قوله في موضع آخروْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ
[النحل: ٣٣] جاءَهُمْ بَأْسُنا وأيضا اللام في قوله وَقُضِيَ الْأَمْرُ تدل على معهود سابق وما ذاك إلا الذي أضمرناه. لا يقال أمر الله عندكم صفة قديمة فالإتيان عليها محال. وعند المعتزلة أصوات فتكون أعراضا. فالإتيان عليها أيضا محال لأنا نقول:
الأمر قد يطلق على الفعل وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ [هود: ٩٤] وحينئذ فالمراد ما يليق بتلك المواقف من الأهوال وإظهار الآيات المهيبة. وإن حملنا الأمر على ضد النهي فلا يبعد أن مناديا ينادي يوم القيامة ألا إن الله يأمركم بكذا. ومعنى كونه في ظلل من الغمام أن سماع ذلك النداء ووصول تلك الظلل يكون في آن واحد، أو يكون المراد حصول أصوات مقطعة مخصوصة في تلك الغمامات تدل على حكم الله تعالى على أحد بما يليق به من السعادة والشقاوة، أو أنه تعالى يخلق نقوشا منظومة في ظلل من الغمام لشدة بياضها. وسواد تلك الكتابة يعرف بها حال أهل الموقف في الوعد والوعيد، وتكون فائدة الظلل أنه تعالى جعلها أمارة لما يريد إنزاله بالقوم ليعلموا أن الأمر قد حضر. وقيل:
المأتي به محذوف والمعنى إلا أن يأتيهم الله ببأسه أو بنقمته الدالة عليه بقوله عَزِيزٌ.
وفائدة الحذف كونه أبلغ في الوعيد لانقسام خواطرهم وذهاب فكرتهم في كل وجه.
وقيل: إن «في» بمعنى الباء أي يأتيهم الله بظلل من الغمام، والمراد العذاب الذي يأتيهم في الغمام مع الملائكة. وقيل: الغرض من ذكر إتيان الله تصوير غاية الهيبة ونهاية الفزع كقوله تعالى وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧] ولا قبض ولا طي ولا يمين وإنما الغرض تصوير عظمة شأنه. وقيل: بناء علي أن الخطاب في ادخلوا وزللتم لليهود المراد أنهم لا يقبلون دين الحق إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة، وذلك أن اليهود كانوا على اعتقاد التشبيه ويجوّزون المجيء والذهاب على الله تعالى ويقولون: إنه تعالى تجلى لموسى ﵇ على الطور في ظلل من الغمام، فطلبوا مثل ذلك في زمن محمد ﷺ . فعلى هذا يكون الكلام حكاية عن معتقد اليهود ولا يبقى إشكال فإن الآية لا تدل إلا على أن قوما ينتظرون إتيان الله وليس فيها دلالة على أنهم محقون في ذلك الانتظار أم مبطلون. والظلل جمع ظلة وهي ما أظلك
стр. 579
والغمام لا يكون كذلك إلا إذا كان مجتمعا ومتراكما. فالظلل من الغمام عبارة عن قطع متفرقة، كل قطعة منها تكون في غاية الكثافة والعظم، فكل قطعة ظلة والجمع ظلل.
والاستفهام هاهنا في معنى النفي أي ما ينتظرون إلا أن يأتيهم عذاب الله في ظلل من الغمام، وفيه تفظيع شأن العذاب وتهويله لأن الغمام مظنة الرحمة، وإذا نزل منه العذاب كان أشنع لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغم، كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أسر، فكيف إذا جاء الشر من حيث يتوقع الخير؟ أو نزول الغمام علامة لظهور الأهوال في القيامة قال: يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً [الفرقان: ٢٥، ٢٦] واستعير لتتالي العذاب تتابع القطر وإتيان الملائكة ليقوموا بما أمروا به من تعذيب وتخريب ولا حاجة إلى التأويل لأن إتيانهم ممكن. وَقُضِيَ الْأَمْرُ فرغ من أمر إهلاكهم وتدميرهم أو عما كانوا يوعدون به، فلا تقال لهم عثرة ولا تصرف عنهم عقوبة ولا ينفع في دفع ما نزل بهم حيلة. والتقدير: إلا أن يأتيهم الله ويقضي الأمر، فوضع الماضي موضع المستقبل. إما للتنبيه في قرب العذاب أو الساعة «كل ما هو آت قريب» ، وإما لأن إخبار الله تعالى كالواقع المقطوع به. وقيل: الأمر المذكور هاهنا هو فصل القضاء بين الخلائق وأخذ الحقوق لأربابها وإنزال كل أحد من المكلفين منزله من الجنة والنار. وعن معاذ بن جبل وقضاء الأمر مصدر مرفوع عطفا على لفظي الله والملائكة. وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ وذلك أنه ملك في الدنيا عباده كثيرا من أمور خلقه، أما إذا صاروا إلى الآخرة فلا مالك للحكم بين العباد سواه وهذا كقولهم «رجع أمرنا إلى الأمير» إذا كان هو يختص بالنظر فيه. فعلى المكلف أن يدخل في السلم كما أمر ويحترز عن اتباع آثار الشيطان كما نهى. ثم إن الأمور ترجع إليه ﷻ ، وهو تعالى يرجعها إلى نفسه بإفناء الدنيا وإقامة القيامة. فهذا معنى القراءتين في تُرْجَعُ وأيضا قراءة ضم التاء وفتح الجيم على مذهب العرب في قولهم «فلان معجب بنفسه» ويقول الرجل لغيره: إلى أين ذهب بك؟ وإن لم يكن أحد يذهب به. أو المراد أن العباد يردّون أمورهم إلى خالقهم ويعترفون برجوعها إليه. أما المؤمنون فبالمقال، وأما الكافرون فبشهادة الحال وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ [الرعد: ١٥] .
التأويل:
النفس الأمارة تظهر الأشياء المموهة والأقوال المزخرفة وترى أنها أولى الأولياء، ولكنها أعدى الأعداء وتسعى في تخريب أرض القلب وإبطال حرث الصدق في طلب السعادة إهلاك نسل ما يتولد من الأخلاق الحميدة وتشمخ بأنفها عن قبول الحق
стр. 580
فحسبه جهنم الميعاد وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي هذا شأن الأولياء باعوا أنفسهم خالصا لوجه الله لا لأجل الجنة ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً أي بجميع الأجزاء والأعضاء الظاهرة والباطنة. ودخول القلب في الإسلام يكون بدخول الإيمان في القلب، ودخول الروح في الإسلام يكون بتخلقه بأخلاق الله وتسليم الأحكام والأقضية لله، ودخول السر في الإسلام بفنائه في الله وبقائه بالله، وهذا مقام يضيق عن إعلانه نطاق النطق ولا يسع إظهاره ظروف الحروف.
وإن قميصا خيط من نسج تسعة ... وعشرين حرفا من معانيه قاصر
الله ولي التوفيق وهو حسبي.
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢١١ الى ٢١٤]
سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢١٢) كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)
القراآت:
لِيَحْكُمَ بضم الياء وفتح الكاف: يزيد. وكذلك في آل عمران والنور في موضعين. الباقون بفتح الياء وضم الكاف يَقُولَ برفع اللام: نافع. الباقون:
بالنصب.
الوقوف:
بَيِّنَةٍ ط لانتهاء الاستفهام إلى الشرط مع تقدير حذف أي فبدّلوا ومن يبدل إلخ الْعِقابِ هـ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا م لأن و «الذين» مبتدأ و «فوقهم» خبره. ولو وصل صار «فوقهم» ظرفا ليسخرون أو حالا لفاعل «يسخرون» وقبحه ظاهر. يَوْمَ الْقِيامَةِ ط حِسابٍ هـ وَمُنْذِرِينَ ص لعطف المتفقتين فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ط بَيْنَهُمْ ج لعطف المختلفتين بِإِذْنِهِ ط مُسْتَقِيمٍ هـ مِنْ قَبْلِكُمْ ط للفصل بين الاستفهام والإخبار لأن قوله «ولما يأتكم» عطف على «أم حسبتم» تقديره أحسبتم ولم يأتكم. مَتى نَصْرُ اللَّهِ ط قَرِيبٌ هـ.
التفسير:
أنه سبحانه لما أمر بالسلم ونهى عن مقابلها ثم قال: فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ [البقرة: ٢٠٩] أي فإن أعرضتم عن هذا التكليف صرتم مستحقين
стр. 581
للتهديد. ثم بين ذلك التهديد بقوله فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: ٢٠٩] ثم ثنى ذلك التهديد بقوله هَلْ يَنْظُرُونَ [البقرة: ٢١٠] الآية ثم ثلث التهديد بقوله سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ والخطاب للرسول ﷺ أو لكل أحد. وهذا السؤال سؤال تقريع كما يسأل الكفرة يوم القيامة، وإلا فكثرة الآيات التي أوتوها معلومة بإعلام الله تعالى. والمراد سل هؤلاء الحاضرين أنا لما آتينا أسلافهم آيات بينات فأنكروها لا جرم استوجبوا العقاب من الله تعالى، وذلك تنبيه لهؤلاء الحاضرين على أنهم لو زلوا عن آيات الله لوقعوا في العذاب كما وقع أولئك المتقدمون كي يعتبروا ويتعظوا. و «كم» تحتمل الاستفهامية والخبرية، ومِنْ آيَةٍ مميزها، وقد فصل بين المميز وبينها بالفعل. فإن كانت استفهامية فالتقدير:
سلهم عن عدد إيتائنا الآيات إياهم حتى يخبروك عن كميتها. وإن كانت خبرية فالمعنى:
سلهم عن أنا كثيرا من الآيات آتيناهم. والآيات الواضحات إما معجزات موسى ﵇ كفرق البحر وتظليل الغمام وتكليم الله إياه والعصا واليد ونحوها وهي تسع وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ [الإسراء: ١٠١] وإما الدلائل الدالة على صحة دين الإسلام فمنهم من أمن وأقر ومنهم من جحد وبدل وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ قيل: إنها الآيات والدلائل الدالة على صحة دين الإسلام وهي أجل أقسام النعم، لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة. ثم إن قلنا: الآيات معجزات موسى فتبديلها أن الله تعالى أظهرها لتكون أسباب هدايتهم فجعلوها أسباب ضلالتهم كقوله فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة:
١٢٥] وإن قلنا: الآية البينة هي ما في التوراة والإنجيل من الدلائل على صحة نبوة محمد ﷺ فتبديلها تحريفها وإدخال الشبه فيها. وقيل: المراد بنعمة الله ما آتاهم من أسباب الصحة والأمن والكفاية، فتبديلها أنهم لم يجعلوها واسطة الطاعة والقيام بما وعليهم من التكاليف، بل استعملوها في غير ما أوتيت هي لأجله. وعلى هذا فقوله مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ معناه ظاهر، وأما على القول الأول وهو أن المراد من النعمة لآيات فمعنى مجيئها التمكن من معرفتها أو عرفانها كقوله ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ [البقرة: ٧٥] لأنه إذا لم يتمكن من معرفتها أو لم يعرفها فكأنها غائبة. فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ قال الواحدي: الرابطة محذوفة أي له. والتحقيق أن ترك هذا الإضمار أولى فإنه إذا علم كونه تعالى موصوفا بهذا الوصف لزم من ذلك أنه يعاقب المبدل إن شاء، ولكن لا يلزم من كونه شديد العقاب للمبدّل كونه متصفا بذلك وصفا ذاتيا. ثم قال الواحدي. والعقاب عذاب يعقب الجرم. ثم إنه تعالى ذكر السبب الذي لأجله كان التبديل سيرتهم فقال: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الآية. والغرض تعريف المؤمنين ضعف عقول الكفار في ترجيح الفاني من زينة الدنيا على الباقي من نعيم الآخرة، والتذكير في زين إما لأن الحياة والإحياء واحد،
стр. 582
أو للفصل مع أن التأنيث ليس بحقيقي. عن ابن عباس أن الآية نزلت في أبي جهل وأضرابه من كبار قريش. وقيل: رؤساء اليهود وعلمائهم. وعن مقاتل: نزلت في المنافقين. ولا مانع من نزولها في جميعهم لأن كلهم وهم في التنعم والراحة كانوا يسخرون من فقراء المؤمنين والمهاجرين. ثم المزين من هو؟ فعن المعتزلة أنهم غواة الجن والإنس قبحوا أمر الآخرة في أعين الكفار وأوهموا أن لا صحة لها فلا تنغصوا عيشكم في الدنيا كقول من قال:
أتترك لذة الصهباء نقدا ... بما وعدوك من لبن وخمر؟
قالوا: وأما الذي يقوله المجبرة من أنه تعالى زين ذلك فباطل. لأن المزين للشيء هو المخبر عن حسنه، وإذا كان المزين هو الله تعالى فلا بد أن يكون صادقا في ذلك الإخبار، فيكون فاعله المستحسن له مصيبا. وإن كان كافرا وإصابة الكافر كفر فهذا القول كفر، وزيف بأن مزين الكفر لجميع الكفار لا بد أن يكون خارجا منهم. وقولهم: «المزين للشيء هو المخبر عن حسنه» مردود، وإنما المزين من يجعل الشيء موصوفا بالأوصاف الحسنة. سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن الله تعالى يكون مخبرا عن حسنه من حيث إنه أخبر عما فيها من اللذات والراحات؟ وهذا إخبار عما ليس بكذب والتصديق به ليس بكفر. وقال أبو مسلم: الكفار زينوا لأنفسهم والعرب تقول: «أين يذهب بك» لا يريدون أن ذاهبا ذهب به ومنه قوله تعالى أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المائدة: ٧٥] أَنَّى يُصْرَفُونَ [غافر:
٦٩] . ولما كان الشيطان لا يملك أن يحمل الإنسان على الفعل قهرا فالإنسان بالحقيقة هو الذي زين لنفسه. والتحقيق أن المزين هو الله تعالى كما صرح بذلك في قوله إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الكهف: ٧] وكيف لا وانتهاء جميع الحوادث إليه أظهر في الدنيا من الزهرة والنضارة والطيب والحلاوة، وركب في الطبائع حب الشهوات والميل إلى الطيبات، لا على سبيل الإلجاء الذي لا يمكن تركه، بل مع إمكان رد النفس عنها ليجاهد المؤمن هواه فيقصر نفسه على المباح ويكفها عن الحرام ويتم غرض الابتلاء. أو نقول: المراد من التزيين أنه تعالى أمهلهم في الدنيا ولم يمنعهم عن الإقبال عليها والحرص الشديد في طلبها.
وقيل: إن الله تعالى زين من الحياة الدنيا ما كان من المباحات دون المحظورات وهو ضعيف، لأن الله تعالى خص بهذا التزيين الكفار وتزيين المباحات لا يختص بالكفار. وإن قيل: المراد من تزيين المباح للكافر أنه دائم السرور به.
وإن قلت: ذات يده لكونه معقود الهمة به لا عيش عنده إلا عيش الدنيا، بخلاف
стр. 583
المؤمن فإن تمتعه من طيبات الدنيا وبهجتها وإن كثر ماله وجاهه مكدر بالخوف والوجل من الحساب في الآخرة. قلنا: تزيين المباح في نظر الكافر بحيث يفضي به إلى الاشتغال عن الآخرة مستقبح. أيضا فالكلام فيه كالكلام في تزيين المحظور فيبقى الإشكال بحاله ولا مخلص إلا بإسناد الكل إليه تعالى بعد تذكر ما سلف لنا مرارا في حقيقة الجبر والقدر. ولما أخبر الله تعالى عنهم بأنه زين لهم الحياة العاجلة أخبر عنهم بعد ذلك بفعل يديمونه فقال: وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا كابن مسعود وعمار وصهيب وغيرهم يقولون: هؤلاء المساكين تركوا طيبات الدنيا وتحملوا المتاعب لطلب الآخرة. ولا يخفى أنه لو بطل حديث المعاد لكان لهذه السخرية وجه، لكنه لو ثبت القول بالمعاد وصح كانت السخرية منقلبة عليهم لأنهم أعرضوا عن الملك الأبدي والنعيم المقيم بسبب لذات حقيرة في أنفاس معدودة فلهذا قال سبحانه وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أما بالمكان فلأنهم في عليين وهم في سجين، وأما بالرتبة والشرف فلأنهم في معارج الأنس وهم في هاوية الهوان. ويحتمل أن يراد أنهم فوقهم بالحجة لأن حجج الكفار وشبههم كان تؤثر بوسوسة الشيطان، وبمجرد استبعاد أمر المعاد وحجج المتقين يوم القيامة تستند إلى العيان وبمدد الرحمن وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ [الأعراف: ٤٤] أو يراد أن سخرية المؤمنين بالكافرين يوم القيامة لكونها حقة وباقية فوق سخرية الكافرين بالمؤمنين في الدنيا لكونها باطلة ومنقضية. وفي قوله وَالَّذِينَ اتَّقَوْا دون أن يقول آمنوا كما قال: مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بعث على التقوى وأن كرامة المؤمن منوطة بها. وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ بغير تقدير. وذلك أن الكفار كانوا يستدلون بحصول الزخارف الدنيوية لهم على أنهم على الحق وبحرمان فقراء المؤمنين عنها على أنهم على الباطل، فرد الله تعالى عليهم قولهم بأن ذلك متعلق بمحض المشيئة، وقد يستتبع غاية هي الاستدراج في حق الكافر والابتلاء في حق المؤمن، أو يرزق من يشاء من مؤمن وكافر بغير حساب يكون لأحد عليه ولا مطالبة ولا سؤال سائل، فالأمر أمره والحكم حكمه ولا يسأل عما يفعل. أو من حيث لا يحتسب كما يقول الرجل «إذا جاءه ما لم يكن قد قدره ما كان هذا في حسابي» والمعنى أن الكفار وإن كانوا يسخرون من فقراء المؤمنين فلعل الله تعالى يرزق المؤمنين من حيث لم يحتسبوا، ولقد فعل ذلك بهم فأغناهم بما أفاء عليهم من أموال صناديد قريش ورؤساء اليهود، ويسر لهم الفتوح حتى ملكوا كنوز كسرى وقيصر، أو المراد أن ما يرزق العبد في الدنيا من الدنيا فلحرامها عذاب ولحلالها حساب، وما يرزق العبد في الآخرة من النعيم المقيم فبغير عذاب وبغير حساب.
ويحتمل أن يخص الرزق في الآية بالمؤمنين في الآخرة، وعلى هذا يكون معنى بِغَيْرِ
стр. 584
حِسابٍ
أي رزقا واسعا وغذاء لا فناء له ولا انقطاع ولا حصر كقوله يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ [غافر: ٤٠] أو يقال: إن المنافع الواصلة إليهم في الجنة بعضها ثواب وبعضها تفضل كما قال فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:
١٧٣] فالفضل بلا حساب إذ الحساب إنما يحتاج إليه إذا كان بحيث إذا أعطى شيئا ينقص قدر الواجب عما كان والثواب ليس كذلك، فإنه بعد انقضاء الأدوار والأعصار يكون الثواب المستحق بحكم الوعد والفضل باقيا. فعلى هذا لا يتطرق الحساب البتة إلى الثواب. أو أراد أن الذي يعطى لا نسبة له إلى ما في خزائن ملكه وقدرته، فلا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي. أو معنى بغير حساب بغير استحقاق، وإنما يعطى بمجرد الفضل والإحسان. أو معناه أنه يزيد على قدر الكفاية إلى عشرة بل سبعمائة من قولهم «فلان ينفق بالحساب» إذا كان لا يزيد على قدر الكفاية. أو أنه لا يخاف نفاد ما عنده فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه.
قوله سبحانه كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً الآية. فيه إشارة إلى أن التباغي والتحاسد والتنازع في طلب الدنيا وطيباتها لا يختص بهذا الزمان، وإنما ذلك داء قديم في الإنسان.
ثم الأمة كواحدة كانوا على الحق أو على الباطل فيه للمفسرين أقوال:
الأول: أنهم كانوا على الحق واختاره المحققون لوجوه منها: قوله تعالى لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وهذا يدل على أن النبيين ﵈ بعثوا حين الاختلاف وصيرورة بعضهم مبطلا، ولو كانوا قبل ذلك مجتمعين على الكفر لكان بعث الأنبياء إليهم حينئذ أولى. ومنها النقل المتواتر إن آدم وأولاده كانوا مسلمين مطيعين لله تعالى إلى أن قتل قابيل هابيل حسدا وبغيا. وعن ابن عباس أنه كان بين آدم وبين نوح عشرة قرون على شريعة من الحق. ومنها أن وقت الطوفان لم يبق إلا أهل السفينة وكلهم كانوا على الحق والدين الصحيح، فلعل الناس إشارة إليهم. ومنها أن الدين الحق يتوقف على النظر، والنظريات مستندة بالآخرة إلى مقدمات تعلم صحتها بضرورة العقل وإلى ترتيب. كذلك فالعقل السليم لا يغلط لو لم يعرض له سبب من خارج، فالصواب له بالذات والخطأ بالعرض وما بالذات أقدم مما بالعرض بحسب الاستحقاق وبحسب الزمان أيضا. فالأولى أن يقال: كان الناس على الحق ثم اختلفوا لأسباب خارجة كالبغي والحسد ويؤيده
قوله ﷺ «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصرانه وبمجسانه» «١» .
стр. 585
القول الثاني: وهو مروي عن ابن عباس والحسن وعطاء أنهم كانوا على الباطل لأن بعثة الأنبياء مترتبة على ذلك، ولو كانوا على الحق لم يحتج إلى بعثتهم. ولو قيل: إن تقدير الآية فاختلفوا فبعث الله كما قرأ به ابن مسعود، فالأصل عدم الإضمار، والقراءة الشاذة لا يعتد بها. ومتى كان الناس متفقين على الكفر؟ قالوا: من وفاة آدم إلى زمان نوح ﵇. كانوا كفارا بحكم الأغلب وإن كان فيهم بعض المسلمين كهابيل وشيث وإدريس ﵈ كما يقال: دار الكفر وإن كان فيها مسلمون.
القول الثالث: عن أبي مسلم والقاضي أبي بكر أنهم كانوا أمة واحدة في التمسك بالشرائع العقلية وهي الاعتراف بوجود الصانع وصفاته والاشتغال بخدمته وشكر نعمته والاجتناب عن القبائح العقلية كالظلم والكذب والعبث. واحتجا بأن لفظ النبيين جمع معرف فيفيد العموم، والفاء توجب التعقيب فيعلم من ذلك أن تلك الواحدة متقدمة على جميع الشرائع، فلا تكون الاستفادة من العقل، ثم سأل القاضي نفسه فقال: أو ليس أول الناس آدم وأنه كان نبيا مبعوثا؟ وأجاب بأنه يحتمل أن يكون مع أولاده متمسكين بالشرائع العقلية أولا، ثم إن الله تعالى بعثه إلى أولاده. ويحتمل أن شريعته قد صارت مندرسة ثم رجع الناس إلى الشرائع العقلية.
القول الرابع: التوقف فلا دلالة في الآية على أنهم كانوا محقين أو مبطلين.
القول الخامس: أن المراد من الناس أهل الكتاب الذين آمنوا بموسى ﵇ ثم اختلفوا بسبب البغي والحسد فبعث الله النبيين ومعهم الكتب كما بعث داود ومعه الزبور وعيسى ومعه الإنجيل ومحمدا ﷺ ومعه الفرقان لتكون تلك الكتب حاكمة في تلك الأشياء التي اختلفوا فيها. وهذا القول يوافق قول من قال: إن الخطاب في يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ لأهل الكتب. فيراد بالناس إذن ناس معهودون. ثم إنه تعالى وصف النبيين بصفات ثلاث: الأولى: كونهم مبشرين، والثانية: كونهم منذرين وقدمت البشارة على الإنذار لأن البشارة تجري مجرى حفظ الصحة، والإنذار يجري مجرى إزالة المرض. أو الأول لكونه مقصود الغذاء، والثاني كتناول الدواء. والأول لكونه مقصودا بالذات مقدم على الثاني لأنه مقصود بالعرض. الصفة الثالثة: قوله وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وفي قوله «معهم» والضمير يعود إلى عامة النبيين دليل على أنه لا نبي إلا ومعه كتاب منزل فيه بيان الحق والباطل، طال ذلك الكتاب أم قصر، ودوّن ذلك الكتاب أو لم يدوّن، معجزا كان أو غير معجز. قيل: إنزال الكتاب قبل وصول الأمر والنهي إلى المكلفين، ووصول الأمر والنهي إليهم قبل التبشير والإنذار، فلم قدم التبشير والإنذار على إنزال الكتاب؟
стр. 586
وأجيب بأن الوعد والوعيد منهم قبل بيان الشرع ممكن فيما يتصل بالعقليات من المعرفة بالله وترك الظلم وغيرهما، وبأن المكلف إنما يتحمل النظر في دلالة المعجز على الصدق.
وفي الفرق بين العجز والسحر إذا خاف أنه لو لم ينظر فربما ترك الحق فيصير مستحقا للعقاب والخوف إنما يقوى عند التبشير والإنذار فلهذا قدم ذكرهما على إنزال الكتاب.
قلت: فيه فائدة أخرى لفظية هي أن لا يقع فاصلة كثيرة بين الثالثة وبين الأولين، أو بين الثالثة وبين ما رتب عليها من قوله لِيَحْكُمَ أي الكتاب لأنه أقرب. ولا محذور في نسبة الحكم إليه تجوزا كما لا محذور في كونه هدى وشفاء. واللام للجنس، أو أريد مع كل واحد كتابه. وقيل: ليحكم الله لأنه الحاكم في الحقيقة لا الكتاب. وقيل: ليحكم النبي المنزل عليه بين الناس فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ أي في الحق ودين الإسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق، أو في كل ما اختلفوا فيه ولم يعرفوا وجه الصواب في ذلك بحسب حكم الله وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ في الحق إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ أي أعطوا الحق وأدّوه لمباشرة أسبابه القريبة التي هي مجيء البينات. وقيل: الضمير للكتاب أي إلا الذين أوتوا الكتاب المنزل لإزالة الاختلاف، كأنهم عارضوا الكتاب بنقيض ما أنزل لأجله، أنزل لئلا يختلفوا فزادوا في الاختلاف. وفيه دليل على أن الاختلاف في الحق لم يوجد إلا بعد بعثة الأنبياء، وإنزال الكتب كما مر في القول الأول. وقال كثير من المفسرين: المراد بالذين أوتوا الكتاب اليهود والنصارى. واختلافهم إما تكفير بعضهم بعضا، وإما تحريفهم أو تبديلهم مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ يحتمل أن يكون كالبيان لإيتاء الكتاب أي وما اختلف فيه من اختلف إلا من بعد مجيء البينات التي هي الكتب كقوله تعالى وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ [البينة: ٤] ويحتمل أن تكون هذه البينات مغايرة لإيتاء الكتاب ويعني بها الدلائل العقلية التي نصبها الله تعالى إثبات الأصول التي لا يمكن إثباتها بالدلائل السمعية، وإذا حصلت الدلائل العقلية والسمعية لم يكن في العدول عذر ولا علة، ولو حصل الإعراض كان سببه بغيا بينهم وحسدا وظلما لحرصهم على الدنيا ولقلة الإنصاف وكثرة الاعتساف، ومِنَ الْحَقِّ بيان لما اختلفوا فيه أي فهدى الله الذين آمنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف. واللام بمعنى «إلى» أي هداهم إلى ما اختلفوا فيه كقوله تعالى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا [المجادلة: ٣] أي إلى ما قالوه بِإِذْنِهِ قال الزجاج: بعلمه. وقيل: بأمره فبالأمر يحصل التمييز بين الحق والباطل فتحصل الهداية. وقيل: في الآية إضمار أي فهداهم فاهتدوا بإذنه إذ لا جائز أن يأذن لنفسه وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ هو الحق الموصل إلى كمال الدارين، أو هو طلب الجنة. ولما كان ذلك الحق أو الطلب لا
стр. 587
يتأتى إلا باحتمال شدائد التكليف وأعباء الإرشاد والتعليم قال سبحانه: أَمْ حَسِبْتُمْ على طريقة الالتفات التي هي أبلغ تشجيعا لرسول الله ﷺ والمؤمنين على الثبات والصبر مع المخالفين من أهل الكتاب والمشركين، فإن من كان نظره أعلى في مراتب قرب المولى فبلاؤه أقوى وهو بالابتلاء أولى. قال في الكشاف: «أم» منقطعة ومعنى الهمزة فيها التقرير وإنكار الحسبان واستبعاده. وقال القفال ﵁: تقدير الآية: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه حين صبروا على استهزاء قومهم أفتسلكون سبيلهم أم تحسبون أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ من غير سلوك سبيلهم وَلَمَّا يَأْتِكُمْ فيه معنى التوقع. وفيه دليل على أن الإيتاء متوقع منتظر.
عن ابن عباس: لما دخل النبي ﷺ المدينة اشتد الضرر عليهم لأنهم خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم في أيدي المشركين، وأظهرت اليهود العداوة له فأنزل الله تعالى تطييبا لقلوبهم أَمْ حَسِبْتُمْ
وقال قتادة والسدي: نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والخوف وكان كما قال سبحانه وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [الأحزاب: ١٠] وقيل: نزلت في حرب أحد لما قال عبد الله ابن أبي لأصحاب النبي ﷺ إلى متى تقتلون أنفسكم وتنصرون الباطل؟ لو كان محمد نبيا ما سلط الله عليكم الأسر والقتل. والمعنى أم حسبتم أيها المؤمنون أنكم تدخلون الجنة بمجرد الإيمان بي والتصديق لرسولي دون أن تعبدوا الله بكل ما تعبدكم به وابتلاكم بالصبر عليه، وأن ينالكم من أذى الكفار، ومن احتمال الفقر والفاقة ومكابدة الضر والبؤس في المعيشة ومقاساة الأهوال في جهاد العدو كما نال ذلك من قبلكم من المؤمنين؟ ومَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا حالهم التي هي مثل في الشدة ومَسَّتْهُمُ بيان للمثل وهو استئناف كأن قائلا قال: كيف كان ذلك المثل؟ فقيل: مستهم الْبَأْساءُ وهي عبارة عن تضييق جهات الخير والمنفعة عليه وَالضَّرَّاءُ وهي إشارة إلى انفتاح أبواب الشر والآفة إليه وَزُلْزِلُوا حركوا وأزعجوا بأنواع البلايا والرزايا إزعاجا شديدا شبيها بالزلزلة وهي من زل الشيء عن مكانه، والتضعيف في اللفظ للتضعيف في المعنى. وقيل: معناه خوّفوا وليس ببعيد، لأن الخائف لا يستقر بل يضطرب لقلقه ولهذا لا يقال ذلك إلا في الخوف المقيم المقعد. ثم إنه تعالى ذكر بعد ذلك شيئا هو الغاية في الدلالة على كمال الضر والبؤس والمحنة فقال:
حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ لأن الرسل لا يقادر قدر ثباتهم واصطبارهم فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا كان ذلك غاية في الشدة لا مطمح وراءها.
من قرأ «يقول» بالنصب فعلى إضمار أن، ومعنى الاستقبال بالنظر إلى ما قبل «حتى» وإن لم يكن مستقبلا عند الإخبار. ومن رفع فعلى الحال الماضية المحكية كقولهم «شربت
стр. 588
الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنه» أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ أي فقيل لهم ذلك إجابة إلى طلبتهم، فكونوا أنتم معاشر المؤمنين كذلك في تحمل الأذى والمتاعب في طلب الحق، فإن نصر الله قريب لأنه آت وكل ما هو آت قريب، والحاصل أن أصحاب رسول الله ﷺ كان ينالهم من المشركين والمنافقين أذى كثير، ولما أذن لهم في القتال نالهم من الجراح وذهاب الأموال والأنفس ما لا يخفى فعزاهم تعالى في ذلك، وبيّن أن حال من قبلهم في طلب الدين كان ذلك، والمصيبة إذا عمت طابت. وذكر الله تعالى من قصة إبراهيم ﵇ وإلقائه في النار، ومن أمر أيوب ﵇ وما ابتلاه به، ومن أمر سائر الأنبياء في مصابرتهم على أنواع المكاره ما صار ذلك سلوة للمؤمنين.
روى خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا. فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون.
وهاهنا سؤال، وهو أنه كيف يليق بالرسول القاطع بصحة وعد الله ووعيده أن يقول على سبيل الاستبعاد: مت نصر الله؟ والجواب أن كونه رسولا لا يمنع من أن يتأذى من كيد الأعداء، فإذا ضاق قلبه وقلت حيلته وكان قد سمع من الله تعالى أنه ينصره إلا أنه ما عين له ذلك الوقت قال: - عند ضيق قلبه- متى نصر الله؟ حتى إنه إذا علم قرب الوقت زال همه وطاب وقته، ولهذا أجيب بأن نصر الله قريب لا بأن نصر الله كائن. وهذا الجواب يحتمل أن يكون من الله، ويحتمل أن يكون قولا لقوم منهم إذا رجعوا إلى أنفسهم وعلموا أن الله لا يخلف الميعاد. وقيل: إنه تعالى أخبر عن الرسول والذين آمنوا أنهم قالوا قولا ثم ذكروا كلامين: أحدهما متى نصر الله، والثاني ألا إن نصر الله قريب. فهذا الثاني قول الرسول، والأول قول المؤمنين كقوله وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [القصص: ٧٣] والمعنى لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله بالنهار. ثم في الآية دليل على أن كل من لحقه شدة يجب أن يعلم أنه سيظفر بزوالها لأنه إما أن يتخلص عنها وإما أن يموت، وإذا مات فقد وصل إلى من لا يهمل أمره ولا يضيع حقه وذلك من أعظم النصرة. اللهم انصرنا من عندك فإنك نعم المولى ونعم النصير.
التأويل:
إنه تعالى إذا فتح باب الملكوت على قلب عبد من خواصه يريد آياته وكراماته، فإن اغتر بأحواله تعجب بكماله فيضل على حظوظ النفس ويبدل نعمة الله
стр. 589
بموافقتها ورضاها فإن الله شديد العقاب بأن يغير أحواله ويسلب عنه كماله. كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً على الحق وعلى الفطرة يوم الميثاق وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ الذي جف به القلم للسعادة أو الشقاوة
كقوله ﷺ «ما من نفس منفوسة إلا قد كتب مكانها من الجنة أو النار»
وَمَا اخْتَلَفَ كل فريق إلا وقد أوتوا السعادة أو الشقاوة في حكم الله وقضائه، ولكن ما حصلت السعادة والشقاوة للفريقين إلا من بعد البينات وهي معاملاتهم فبها يتبين السعيد من الشقي وبالعكس، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع المآب.
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢١٥ الى ٢١٨]
يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢١٦) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)
الوقوف:
يُنْفِقُونَ ط السَّبِيلِ ط للابتداء بالشرط عَلِيمٌ هـ كُرْهٌ لَكُمْ ج خَيْرٌ لَكُمْ ج لتفصيل الأحوال شَرٌّ لَكُمْ ط لا تَعْلَمُونَ هـ قِتالٍ فِيهِ ط كَبِيرٌ ط على أن قوله «وصدّ» مبتدأ وما بعده معطوف عليه، وقوله «أكبر عند الله» خبره، وقد يقال: «وصد» عطف على «كبير» أي القتال فيه كبير، وسبب صد عن سبيل الله وكفر بالله تعالى وبنعمة المسجد الحرام، أو صد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام فيوقف هاهنا، ويجعل «وإخراج أهله» مبتدأ. وقيل: «وصد» عطف الوقف على «سبيل الله» . و «كفر به» مبتدأ. والوجه هو الأول لانتظام المعنى أي القتال منا وإن كان كبيرا ولكن الصد والكفر والإخراج التي كانت منكم أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ط اسْتَطاعُوا ط وَالْآخِرَةِ ج لأن الجملتين وإن اتفقنا فتكرار «أولئك» ينبه على الابتداء مبالغة في تعظيم الأمر النَّارِ ج خالِدُونَ هـ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا لأن ما بعده خبر «إن» رَحْمَةِ اللَّهِ ط رَحِيمٌ هـ.
المستقبل على المستقبل. يَتَذَكَّرُونَ هـ.
التفسير:
إنه سبحانه لما بالغ في وجوب الإعراض عن العاجل والإقبال على الآجل بكل ما يمكن من الدخول في السلم وبذل المهج والأموال والصبر على مواجب التكاليف والدعاء إلى الدين القويم انتظارا لنصرة الله، شرع بعد ذلك في بيان الأحكام وهو من هذه
стр. 590
الآية إلى قوله أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ [البقرة: ٢٤٣] جريا على سننه المرضى من خلط بيان التوحيد وذكر النصيحة والوعظ ببيان الأحكام، ليكون كل منهما مؤكدا للآخر. الحكم الأول: بيان مصرف الإنفاق يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ
عن ابن عباس: نزلت الآية في رجل أتى النبي ﷺ فقال: إن لي دينارا فقال: أنفقه على نفسك.
فقال: إن لي دينارين. فقال: أنفقهما على أهلك. فقال: إن لي ثلاثة فقال: أنفقها على خادمك. فقال: إن لي أربعة قال: أنفقها على والديك. قال: إن لي خمسة قال: أنفقها على قرابتك. قال: إن لي ستة. قال: أنفقها في سبيل الله وهو أخسها أي أقلها ثوابا.
وعنه في رواية أبي صالح أنها نزلت في عمرو بن الجموح وهو الذي قتل يوم أحد وكان شيخا كبيرا هرما وعنده ملك عظيم فقال: ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟ أما بحث «ماذا» فقد تقدم في قوله ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا [المدثر: ٣١] وأما أن القوم سألوا عما ينفقون لا عمن تصرف النفقة إليهم فكيف طابق قوله في الجواب قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الآية. فالوجه فيه أنه حصل في الآية ما يكون جوابا عن السؤال، وضم إليه زيادة بها يكمل المقصود. وذلك أن قوله ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ تضمن بيان ما ينفقونه وهو كل خير، وبنى الكلام على ما هو أهم وهو بيان المصرف لأن النفقة لا يعتد بها إلا إذا صرفت إلى جهة الاستحقاق. وقال القفال: السؤال وإن كان واردا بلفظ «ما» إلا أن المقصود هو الكيفية. فمن المعلوم لهم أن الذي أمروا بإنفاقه مال يخرج قربة إلى الله تعالى، وحينئذ يكون الجواب مطابقا للسؤال كما طابق قوله إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ [البقرة:
٧١] سؤالهم عن البقرة ما هي، حيث كان من المعلوم أن البقرة بهيمة شأنها كذا وكذا، فتوجه الطلب إلى تعيين الصفة لا الماهية. وقيل: إنهم لما سألوا هذا السؤال أجيبوا بأن السؤال فاسد، أنفق أي شيء كان ولكن بشرط كونه مالا حلالا ومصروفا إلى مصبه، كما لو سأل شخص صحيح المزاج طبيبا حاذقا أي طعام آكل؟ والطبيب يعلم أنه لا يضره أكل الطعام أي طعام كان، فيقول له: كل في اليوم مرتين أي كل ما شئت. لكن بهذا الشرط، فكذا هاهنا المعنى لينفق أي شيء أراد، لكن بشرط وهو أن يراعي الترتيب في الإنفاق فيقدم الوالدين لأنهما كالسبب لوجوده وقد ربياه صغيرا، ثم الأقربين لأن الإنسان لا يمكنه أن يقوم بمصالح جميع الفقراء، الترجيح لا بدّ له من مرحج والقرابة تصلح للترجيح لأنه أعرف بحاله. والإطلاع على غنى الغني مما يحمل المرء على الإنفاق. وأيضا لو لم يعطه قريبه احتاج إلى الرجوع إلى غيره وذلك عار وشنار. وأيضا قريب المرء كجزء منه والإنفاق على النفس أولى من الإنفاق على الغير، ثم اليتامى لعدم قدرتهم على الاكتساب
стр. 591
لصغرهم، ثم المساكين الذين هم غير اليتامى، وأبناء السبيل لأنهم بسبب الاشتراك في دار الإقامة من أنفسهم، ثم أبناء السبيل المنقطعون عن بلدهم ومالهم ما يتبلغون به إلى أوطانهم، وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ من إنفاق شيء من مال بناء على أن الخير هو المال أو من كل ما يتعلق بالبر والطاعة طلبا لجزيل الثواب وهربا من أليم العقاب. فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ فيجازيكم أحسن الجزاء. عن السدي: أن الآية منسوخة بفرض الزكاة. وقال المحققون: ويروى عن الحسن أنها ثابتة، فقد يكون الإنفاق على الفروع والأصول واجبا، ويحتمل أن يكون المراد: من أحب التقرب إلى الله تعالى في باب النفقة تطوعا فليراع هذا الترتيب.
قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ كان النبي ﷺ غير مأذون له في القتال مدة إقامته بمكة، فلما هاجر أذن في قتال من يقاتله من المشركين، ثم أذن في قتال المشركين عامة، ثم فرض الله تعالى الجهاد. قال بعض العلماء: إن هذه الآية تقتضي وجوب القتال على الكل فرض عين لا كفاية. أما الوجوب فمستفاد من لفظ الإيجاب ويكفي العمل به مرة واحدة، وقوله كُتِبَ وأما العموم فلأن قوله عَلَيْكُمُ لا يمنع من الوجوب على الموجودين وعلى من سيوجد كما في قوله كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ [البقرة: ١٧٨] وكُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [البقرة:
١٨٣] وعن مكحول أنه كان يحلف عند البيت بالله أن الغزو واجب. وعن ابن عمر وعطاء أن قوله كُتِبَ يقتضي الإيجاب ويكفي العمل به مرة واحدة، وقوله عَلَيْكُمُ يقتضي تخصيص هذا الكتاب بالموجودين في ذلك الوقت. والعموم في عَلَيْكُمُ الصِّيامُ مستفاد من دليل منفصل هو الإجماع. وذلك الدليل معقود هاهنا بل الإجماع منعقد على أنه من فروض الكفاية إلا أن يدخل المشركون ديار المسلمين فإنه يتعين الجهاد حينئذ على الكل.
وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ليس المراد أن المؤمنين ساخطون لأوامر الله تعالى فإن ذلك ينافي الإسلام، وإنما المراد كون القتال شاقا على النفس وهكذا شأن سائر التكاليف، وكيف لا والتكليف إلزام ما فيه كلفة ومشقة وأنها في القتال أكثر لأن الحياة أعظم ما يميل إليه الطباع فبذلها ليس بهين؟
والجود بالنفس أقصى غاية الجود وأيضا كراهتهم للقتال قبل أن فرض لما فيه من الخوف من كثرة الأعداء وإنارة نوائر الفتن، فبيّن تعالى أن الذي تكرهونه من القتال خير لكم من تركه للمصالح التي نذكرها.
والكره الكراهة وضع المصدر موضع الوصف مبالغة، ويجوز أن يكون بمعنى «مفعول» كالخبز بمعنى المخبوز أي هو مكروه لكم. وقرىء بالفتح بمعنى المضموم كالضعف والضعف، ويجوز أن يكون بمعنى الإكراه على سبيل المجاز كأنهم أكرهوا عليه لشدة
стр. 592
كراهتهم له أو مشتقة عليهم كقوله تعالى حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وقال بعضهم:
الكره بالضم ما كرهته مما لم تكره عليه، وإذا كان بالإكراه فبالفتح. وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ فربما كان الشيء شاقا عليكم في الحال وهو سبب للمنافع الجليلة في الاستقبال وبالضد، ولهذا حسن شرب الدواء المر في الحال لتوقع حصول الصحة في الاستقبال، وحسن تحمل الأخطار في الأسفار لتحصيل الربح في المال، وكذا تحمل المتاعب في طلب العلم للفوز بالسعادة العظمى في الدنيا والعقبى.
العلم أوله مر مذاقته ... لكنّ آخره أحلى من العسل
وهاهنا كذلك لأن ترك الجهاد وإن كان يفيد في الحال صون النفس عن خطر القتل وصون المال عن الإنفاق، ولكن فيه أنواع من المفاسد والمضار أدناها تسلط الكفار واستيلاؤهم على ديار المسلمين، وربما يؤدي إلى أن استباحوا بيضة الإسلام واستناخوا بحريمهم واستأصلوهم عن آخرهم. وأما منافع الجهاد فمنها الظفر بالغنائم، ومنها الفرح العظيم بالاستيلاء على العدو. وأما ما يتعلق بالدين فالثبات عليه والثواب في الآخرة.
وترغيب الناس في الإسلام وإعلاء كلمة الله، وتوطين النفس للفراق عن دار البلاء والانقطاع عن عالم الحس قال الخليل: «عسى» من الله واجب في القرآن. قال: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ [المائدة: ٥٢] وقد وجد عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً [يوسف:
٨٣] وقد حصل. والتحقيق أن معنى الرجاء فيه يعود إلى المكلف وإن كان المرجو حاله معلوما لله تعالى كما بينا في «لعل» وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وذلك أن علمه تعالى فعلي يعلم الأسباب وما يترتب عليها، والحوادث وما نشأت هي منها، يحيط علمه بالمبادىء والغايات لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ [سبأ: ٣] وعلمكم انفعالي فلعلكم تعكسون التصورات فتظنون المبادئ غايات وبالعكس، والمصالح مفاسد وبالضد. وفيه ترغيب عظيم في أداء وظائف التكاليف. وتخويف شديد عن تبعة العصيان والمرود، فإن الإنسان إذا تصور قصور نفسه وكمال علم الله تعالى علم أنه لا يأمر العبد إلا بما فيه خيره وصلاحه، فيلزم نفسه امتثاله وإن كرهه طبعه فكأنه تعالى يقول: يا أيها العبد، علمي أكمل من علمك فكن مشتغلا بطاعتي ولا تلتفت إلى مقتضى طبعك وهواك. فهذه الآية في هذا المقام تجري مجرى قوله تعالى في جواب الملائكة إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [البقرة: ٣٠] الحكم الثاني في قوله سبحانه يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ أكثر المفسرين على أن هؤلاء السائلين هم المسلمون حيث اختلج في صدورهم أن يكون الأمر بالقتال مقيدا بغير
стр. 593
الشهر الحرام، والمسجد الحرام، فسألوا النبي ﷺ هل يحل لهم القتال في هذا الزمان وهذا المكان أم لا؟ ويؤيده ما
روي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن جحش- وهو ابن عمة النبي ﷺ في جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين، على رأس سبعة عشر شهرا من مقدمة المدينة، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين: سعد بن أبي وقاص الزهري، وعكاشة بن محصن الأسدي، وعتبة بن غزوان السلمي، وأبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبد الله، وخالد بن بكير. وكتب لأميرهم عبد الله بن جحش كتابا وقال: سر على اسم الله ولا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين. فإذا نزلت منزلتين فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك ثم امض لما أمرتك، ولا تستكرهن أحدا من أصحابك على السير معك. فسار عبد الله يومين ثم نزل وفتح الكتاب فإذا فيه «بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فسر على بركة الله بمن تبعك من أصحابك حتى تنزل على بطن نخلة فترصد بها عير قريش، لعلك أن تأتينا منه بخبر» فلما نظر عبد الله في الكتاب قال: سمع وطاعة. ثم قال لأصحابه ذلك وقال: إنه قد نهاني أن أستكره أحدا منكم. حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع قد أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه فاستأذنا أن يتخلفا في طلب بعيرهما فأذن لهما فتخلفا في طلبه.
ومضى عبد الله ببقية أصحابه حتى نزلوا بطن نخلة- بين مكة والطائف- فبينما هم كذلك مرت بهم عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة الطائف، فيهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله بن المغيرة ونوفل بن عبد الله المخزوميان.
فلما رأوا أصحاب رسول الله ﷺ هابوهم فقال عبد الله بن جحش: إن القوم قد ذعروا منكم فاحلقوا رأس رجل منك فليتعرض لهم، فإذا رأوه محلوقا أمنوا وقالوا: قوم عمار. فحلقوا رأس عكاشة ثم أشرف عليهم فقالوا: قوم عمار لا بأس عليكم فأمنوهم. وكان ذلك في آخر يوم من جمادى الآخرة، وكانوا يرون أنه من جمادى وهي رجب. فتشاور القوم فيهم وقالوا: لئن تركتموهم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن منكم. فأجمعوا أمرهم في مواقعة القوم، فرمى واقد بن عبد الله السهمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله فكان أول قتيل من المشركين. واستأسر الحكم وعثمان فكان أول أسيرين في الإسلام، وأفلت نوفل فأعجزهم. واستاق المؤمنون العير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله ﷺ بالمدينة.
فقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام شهرا يأمن فيه الخائف ويذعر فيه الناس لمعايشهم. سفك فيه الدماء وأخذ فيه الحرائب وعيّر بذلك أهل مكة من كان فيها من المسلمين. فقال رسول الله ﷺ لابن جحش وأصحابه: ما أمرتكم بالقتال في الشهر
стр. 594
الحرام، ووقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا. فعظم ذلك على أصحاب السرية وظنوا أن قد هلكوا وسقطوا في أيديهم وقالوا: يا رسول الله إن قتلنا ابن الحضرمي ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادى وأكثر الناس في ذلك فنزلت يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ فأخذ رسول الله ﷺ العير فعزل منها الخمس فكان أول خمس، وقسم الباقي بين أصحاب السرية فكان أول غنيمة في الإسلام.
وبعث أهل مكة في فداء أسيريهم فقال: بل نقفهما حتى يقدم سعد وعتبة، وإن لم يقدما قتلناهما بهما. فلما قدما فأداهما. فأما الحكم بن كيسان فأسلم وأقام مع رسول الله ﷺ بالمدينة فقتل يوم بئر معونة شهيدا، وأما عثمان بن عبد الله فرجع إلى مكة فمات بها كافرا، وأما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق على المسلمين فوقع في الخندق مع فرسه فتحطما جميعا وقتله الله، وطلب المشركون جيفته بالثمن فقال رسول الله ﷺ : خذوه فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية. وقيل: إن هذا السؤال كان من الكفار، سألوا رسول الله ﷺ عن القتال في الشهر الحرام حتى لو أخبرهم بأنه حرام استحلوا قتاله فيه فنزلت يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ
خفض على أنه بدل الاشتمال من الشهر. وفي قراءة ابن مسعود عن قتال فيه بتكرير العامل. وقرأ عكرمة قتل فيه قل قتال فيه كبير أي عظيم مستنكر كما يسمى الذنب العظيم كبيرة. وإنما جاز وقوع قتال مبتدأ لكونه موصوفا بالظرف. فإن قيل: كيف نكّر القتال في قوله تعالى قُلْ قِتالٌ ومن حق النكرة إذا تكررت أن يكون المذكور ثانيا معرفا مشارا به إلى الأول وإلا كان الثاني مغايرا للأول؟ قلنا: لأن المراد بالقتال الأول الذي سألوا عنه القتال الذي أقدم عليه عبد الله بن جحش. فلو جيء بالثاني معرفا لزم أن يكون ذلك من الكبائر، مع أن الغرض منه كان نصرة الإسلام وإعلاء كلمته، فاختير التنكير ليكون تنبيها على أن القتال المنهي عنه هو الذي فيه تقوية الكفر وهدم قواعد الدين لا الذي سألوا عنه. ثم الجمهور اتفقوا على أن حكم هذه الآية حرمة القتال في الشهر الحرام، وهل بقي ذلك الحكم أو نسخ؟ عن ابن جريج أنه قال: حلف لي بالله عطاء أنه لا يحل للناس الغزو في الحرم ولا في الشهر الحرام إلا على سبيل الدفع.
وروى جابر قال: لم يكن رسول الله ﷺ يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى.
وسئل سعيد بن المسيب هل يصلح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام؟ قال: نعم. قال أبو عبيد: والناس بالثغور اليوم جميعا على هذا القول، يرون الغزو مباحا في الأشهر الحرم كلها، ولم أر أحدا من علماء الشام والعراق ينكره عليهم. وكذلك أحسب قول أهل الحجاز والحجة في إباحته. قوله تعالى فَاقْتُلُوا
стр. 595
الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
[التوبة: ٥] ويمكن أن يقال أن قوله قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ نكرة في حين الإثبات فيتناول فردا واحدا لا كل الأفراد، فلا يلزم منه تحريم القتال في الشهر الحرام مطلقا، فلا حاجة فيه إلى تقدير النسخ والله أعلم.
وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ من القتال في الأشهر الحرم فإذا لم تمتنعوا عنها في الشهر الحرام فكيف تعيبون عبد الله بن جحش على ذلك القتال مع أنه ظن أنه في جمادى الآخرة؟ واعلم أن قوله وَصَدٌّ قد مر وجوه إعرابه في الوقوف. أما قوله: وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ فقيل: إنه معطوف على الهاء في «به» عند من يجوز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، كقراءة حمزة تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ [النساء: ١] بالخفض. والكفر بالمسجد الحرام منع الناس عن الصلاة فيه والطواف به وقيل:
إنه معطوف على سبيل الله أي صد عن سبيل الله وصد عن المسجد الحرام. واعترض بأنه يلزم الفصل بين صلة المصدر الذي هو الصد، وبين المصدر بالأجنبي الذي هو قوله وَكُفْرٌ بِهِ وأجيب بأن الصد عن سبيل الله والكفر به كالشيء الواحد في المعنى، فكأنه لا فصل وبأن التقديم لفرط العناية مثل وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص: ٤] وكان حق الكلام «ولم يكن أحد كفوا له» . وقيل: والمسجد الحرام عطف على الشهر الحرام أي يسألونك عن قتال في الشهر الحرام والمسجد الحرام وهذا قول الفراء وأبي مسلم. وقيل: الواو في «والمسجد الحرام» للقسم. والصد عن سبيل الله هو المنع عن الإيمان بالله وبمحمد أو عن الهجرة. وقيل: منعهم المسلمين عام الحديبية عن عمرة البيت وزيف بأن الآية نزلت قبل غزوة بدر كما مر في قصة ابن جحش. وعام الحديبية كانت بعد غزوة بدر. وأجيب بأن معلوم الله كالواقع. والمراد بإخراج أهله، إخراج المسلمين من مكة. وإنما جعلهم أهلا له إذ كانوا هم القائمين بحقوق المسجد ولهذا قال عز من قائل وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها [الفتح: ٢٦] وإنما كانت هذه الأمور أكبر لأن كل واحد منها كفر والكفر أعظم من القتال. وأيضا إنها أكبر من قتال في الشهر الحرام وهو قتال عبد الله بن جحش، ولم يكن قاطعا بأنه وقع في الشهر الحرام. وأما الكفار فيعلمون بأن هذه الأمور تصدر عنهم في الشهر الحرام وَالْفِتْنَةُ أي الشرك، أو إلقاء الشبهات في قلوب المؤمنين، أو التعذيب كفعلهم ببلال وصهيب وعمار. أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ لأن الفتنة تفضي إلى القتل في الدنيا وإلى استحقاق العذاب الدائم في الآخرة، فيصح أن الفتنة أكبر من القتل، فضلا عن ذلك القتل الذي وقع السؤال عنه وهو قتل ابن الحضرمي. يروى أنه لما نزلت الآية كتب عبد الله بن جحش إلى مؤمني مكة «إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج الرسول ﷺ من مكة ومنع المؤمنين عن البيت الحرام» وَلا يَزالُونَ
стр. 596
يُقاتِلُونَكُمْ
إخبار عن استمرار الكفار على عداوة المسلمين حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ كي يرودكم عنه كقولك «أسلمت حتى أدخل الجنة» بمعنى كي أدخل. ويجوز أن يكون بمعنى «إلى» كقوله وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة: ١٢٠] وقوله إِنِ اسْتَطاعُوا استبعاد لاقتدارهم كقول الرجل لعدوّه وهو واثق بأنه لا يظفر به «إن ظفرت بي فلا تبق عليّ» وَمَنْ يَرْتَدِدْ ومن يرجع مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ باق على الردة فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أما في الدنيا فلما يفوته من فوائد الإسلام العاجلة فيقتل عند الظفر به ويقاتل إلى أن يظفر به ولا يستحق من المؤمنين موالاة ولا نصرا ولا ثناء حسنا وتبين زوجته منه ويحرم الميراث، وأما في الآخرة فيكفي في تقريره قوله وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ واعلم أن الردة أغلظ أنواع الكفر حكما، وأنها تارة تحصل بالقول الذي هو كفر كجحد مجمع عليه، وكسبّ نبي من الأنبياء.
وأخرى بالفعل الذي يوجب استهزاء صريحا بالدين كالسجود للشمس والصنم وإلقاء المصحف في القاذورات. وكذا لو اعتقد وجوب ما ليس بواجب. ويشترط في صحة الردة التكليف، فلا تصح ردة الصبي والمجنون. وهاهنا بحث أصولي وهو أن جماعة من المتكلمين ذهبوا إلى أن شرط صحة الإيمان والكفر حصول الموافاة. فالإيمان لا يكون إيمانا إلا إذا مات المؤمن عليه، والكفر لا يكون كفرا إلا إذا مات الكافر عليه. لأن من كان مؤمنا ثم ارتد- والعياذ بالله- فلو كان ذلك الإيمان الظاهر إيمانا في الحقيقة لكان قد استحق عليه الثواب الأبدي. فإما أن يبقي الاستحقاقان وهو محال، وإما أن يقال إن الطارئ يزيل السابق وهو أيضا محال، لأنهما متنافيان وليس أحدهما أولى بالتأثير من الآخر، بل السابق بالدفع أولى من اللاحق بالرفع لأن الدفع أسهل من الرفع. وأيضا شرط طريان الطارئ زوال السابق. فلو عللنا زوال السابق بطريان الطارئ لزم الدور. وبحث فروعي: وهو أن المسلم إذا صلى ثم ارتد ثم أسلم في الوقت فعند الشافعي: لا إعادة عليه لأن شرط حبوط العمل أن يموت على الردة لقوله تعالى عطفا على الشرط فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ وعند أبي حنيفة لزمه قضاء ما أدى وكذلك الحج لما جاء في موضع آخر مطلقا وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: ٨٨] والحبط في اللغة أن تأكل الإبل شيئا يضرها فتعظم بطونها فتهلك.
وفي الحديث «وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم» «١»
سمي بطلان الأعمال بهذا لأنه كفساد الشيء بسبب ورود المفسد عليه.
стр. 597
ولا شك أن المراد من إحباط العمل ليس هو إبطال نفس العمل، لأن العمل شيء كما وجد فني وزال وإعدام المعدوم محال. فقال المثبتون للإحباط والتكفير: المعنى أن عقاب الردة الحادثة يزيل ثواب الإيمان السابق. إما بشرط الوازنة كما هو مذهب أبي هاشم وجمهور المتأخرين من المعتزلة، أو لا بشرط الموازنة كما هو مذهب أبي علي. وقال المنكرون للإحباط: المراد بالإحباط الوارد في كتاب الله تعالى هو أن المرتد إذا أتى بالردة فتلك الردة عمل محبط لا يمكنه أن يأتي بدلها بعمل يستحق ثوابا، فمعنى حبط عمله أنه أتى بعمل ليس فيه فائدة، بل فيه مضرة عظيمة، أو المراد أنه تبين أن أعماله السابقة لم تكن معتدا بها شرعا.
وروي أن عبد الله بن جحش وأصحابه حين قتلوا ابن الحضرمي ظن قوم أنهم إن سلموا من الإثم لم يكن لهم أخر فنزلت إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا الآية
. لأن عبد الله كان مؤمنا وكان مهاجرا وصار بسبب هذا القتال مجاهدا. وقيل: إنه تعالى لما أوجب الجهاد بقوله كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وبين أن تركه سبب للوعيد، أتبع ذلك بذكر من يقوم به فقال إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا الآية ولا يكاد يوجد وعيد إلا ويعقبه وعد. ومعنى هاجروا فارقوا أوطانهم وعشائرهم من الهجر الذي هو ضد الوصل. والهجر الكلام القبيح لأنه مما ينبغي أن يهجر. وجاز أن يكون المراد أن الأحباب والأقارب هجروه بسبب هذا الدين وهو أيضا هجرهم بهذا السبب فكان ذلك مهاجرة. والمجاهدة من الجهد بالفتح الذي هو المشقة، أو من الجهد بالضم الطاقة لأنه يبذل الجهد في قتال العدو عند فعل العدو مثل ذلك، ويجوز أن يكون معناها ضم جهده إلى جهد أخيه في نصرة دين الله كالمساعدة ضم ساعده إلى ساعد أخيه لتحصيل القوة أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ يحتمل أن يكون الرجاء بمعنى القطع واليقين ولكن في أصل الثواب، والظن إنما دخل في كميته وكيفيته وفي وقته. ويحتمل أن يراد المنافع التي يتوقعونها، فإن عبد الله بن جحش ما كان قاطعا بالثواب في عمله بل كان يظن ظنا، وإنما جعل الوعد معلقا بالرجاء ليعلم أن الثواب على الإيمان والعمل غير واجب، وإنما ذلك بفضله ورحمته كما هو مذهبنا. ولو وجب أيضا صح لأنه متعلق بأن لا يكفر بعد ذلك وهذا الشرط مشكوك. وأيضا المذكور هاهنا هو الإيمان والهجرة والجهاد. ولا بد للإنسان مع ذلك من سائر الأعمال والتوفيق فيها مرجو من الله. وأيضا المراد وصفهم بأنهم يفارقون الدنيا مع هذه الخصال مستقصرين أنفسهم في نصرة دين الله، فيقدمون عليه راجين رحمته خائفين عقابه وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ [المؤمنون: ٦٠] .
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ يحقق لهم رجاءهم إن شاء بعميم فضله وجسيم طوله. عن
стр. 598
قتادة: هؤلاء خيار هذه الأمة. ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون وإنه من رجا طلب ومن خاف هرب. وقال شاه الكرماني: علامة الرجاء حسن الطاعة. وقيل: الرجاء رؤية الجلال بعين الجمال. وقيل: قرب القلب من ملاطفة الرب.
روي عن لقمان أنه قال لابنه: خف الله تعالى خوفا لا تأمن فيه مكره، وأرجه رجاء أشد من خوفك. قال: فكيف أستطيع ذلك وإنما لي قلب واحد؟ قال: أما علمت أن المؤمن كذي قلبين يخاف بأحدهما ويرجو بالآخر؟ وهذا لأنهما من حكم الإيمان وهما للمؤمن كالجناحين للطائر، إذا استويا استوى الطير وتم في طيرانه.
ومن هنا قيل: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا.
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢١٩ الى ٢٢١]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠) وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)
القراآت:
إثم كثير بالثاء المثلثة: حمزة وعلي. الباقون: بالباء. قُلِ الْعَفْوَ بالرفع أبو عمرو. الباقون: بالنصب. لَأَعْنَتَكُمْ بغير همز: روى أبو ربيعة عن أصحابه. وعن حمزة وجهان في الوقف ترك الهمزة لبيان المذهب، والهمز ليدل على أصل الكلمة.
الوقوف:
وَالْمَيْسِرِ ط لِلنَّاسِ ز قد يجوز مع اتفاق الجملتين تنبيها على أن بيان الثانية أهم من الأولى مِنْ نَفْعِهِما ط يُنْفِقُونَ ط الْعَفْوَ ط تَتَفَكَّرُونَ لا لتعلق الجار. وَالْآخِرَةِ ط الْيَتامى ط خَيْرٌ ط فَإِخْوانُكُمْ ط الْمُصْلِحِ ط لَأَعْنَتَكُمْ ط حَكِيمٌ هـ يُؤْمِنَّ ط لأجل لام الابتداء بعده أَعْجَبَتْكُمْ ج لوقوع العارض وإن اتفقت الجملتان يُؤْمِنُوا ط أَعْجَبَكُمْ ط إِلَى النَّارِ ج والوصل أجوز لأن مقصود الكلام بيان تفاوت الدعوتين مع اتفاق الجملتين، ومن وقف أراد الفصل بين ذكر الحق والباطل بِإِذْنِهِ ج لأن جملة «والله يدعو» تقابل الجملة الأولى فلم يكن قوله «ويبين آياته» من تمامها إذ ليس في الجملة الأولى ذكر بيان، ومن وصل فلعطف المستقبل على المستقبل يَتَذَكَّرُونَ (هـ) .
стр. 599
التفسير:
الحكم الثالث: بيان حرمة الخمر والميسر. قالوا: نزلت في الخمر أربع آيات نزلت بمكة وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً [النحل: ٦٧] فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال، ثم إن عمر ومعاذا ونفرا من أصحابه قالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال فنزلت هذه الآية، فشربها قوم وتركها آخرون. ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناسا منهم فشربوا وسكروا، فأمّ بعضهم فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون. فنزلت لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ [النساء: ٤٣] فقلّ من يشربها. ثم دعا عتبان بن مالك قوما فيهم سعد ابن أبي وقاص فلما سكروا افتخروا وتناشدوا حتى أنشد سعد شعرا فيه هجاء الأنصار، فضربه أعرابي بلحي بعير فشجه موضحة، فشكا إلى رسول الله ﷺ فقال عمر: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى قوله فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: ٩٠] فقال عمر: انتهينا يا رب. والحكمة في وقوع التحريم على هذا الوجه أن القوم قد ألفوا شرب الخمر وكان انتفاعهم بذلك كثيرا، فلو منعوا دفعة واحدة لشق ذلك عليهم فإن الفطام عن المألوف شديد، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج والرفق.
واختلف العلماء في مفهوم الخمر فقال الشافعي: كل شراب مسكر فهو خمر. وقال أبو حنيفة: الخمر ما غلى واشتد وقذف بالزبد من عصير العنب. احتج الشافعي بما روى أبو داود في سننه عن الشعبي عن ابن عمر عن عمر قال: نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير. وهذا دليل على أن الخمر عندهم كل ما خامر العقل أي خالطه. والتركيب يدل على الستر والتغطية، ومنه خمار المرأة.
وكذا ما
روي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من العنب خمرا، وإن من التمر خمرا، وإن من العسل خمرا، وإن من البر خمرا وإن من الشعير خمرا»
، قال الخطابي: إنما جرى ذكر هذه الأشياء خصوصا لكونها معهودة في ذلك الزمان، وكل ما في معناها من ذرة أو سلت أو عصارة شجر فحكمها حكم هذه الخمسة. كما أن تخصيص الأشياء الستة بالذكر في خبر الربا لا يمنع من ثبوت حكم الربا في غيرها.
وعن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام» «١»
فمراد الشارع أن كل
стр. 600
مسكر فهو خمر لغة أو شرعا فيكون حقيقة لغوية أو شرعية كالصلاة، ولئن منع ذلك فلا أقل من أن يكون معناه أنه كالخمر في الحرمة وهو المراد.
وعن عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن البتع- وهو شراب يتخذ من العسل- فقال ﷺ : «كل شراب مسكر فهو حرام» «١»
وعن أم سلمة قالت: نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر.
قال: الخطابي:
والمفتر كل شراب يورث الفتور والخدر في الأعضاء. وأيضا الآيات الواردة في الخمر منها اثنتان بلفظ الخمر وغيرهما بلفظ المسكر مثل لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى
[النساء: ٤٣] وفيه دليل على أن المراد بالخمر هو المسكر. وكذا في قول عمر ومعاذ «الخمر مذهبة للعقل» . فإنه يوجب أن كل ما كان مساويا للخمر في هذا المعنى إما أن يكون خمرا وإما أن يكون مساويا للخمر في علة التحريم. وأيضا قال تعالى إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ [المائدة: ٩٠] ولا شك أن هذه الأفعال معللة بالسكر فيعلم منه أن حرمة الخمر معللة بالإسكار. فإما أن يجب القطع بأن كل مسكر خمر، وإما أن يلزم الحكم بالحرمة في كل مسكر. حجة أبي حنيفة قوله تعالى تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً [النحل: ٦٧] منّ الله علينا باتخاذ السكر والرزق الحسن، والنبيذ سكر ورزق حسن، فوجب أن يكون مباحا لأن المنة لا تكون إلا بالمباح، وأيضا ما
روي في الصحيحين عن جابر أن رسول الله ﷺ استسقى فقال رجل: يا رسول الله، ألا أسقيك نبيذا؟ قال: بلى. فخرج يسعى فجاء بقدح فيه نبيذ فشرب.
واعلم أن المسكر حرام جنسه قل أم كثر نيئا أو مطبوخا
لقوله ﷺ «ما أسكر كثيره فقليله حرام» «٢»
وعن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول «كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام» «٣»
قال الخطابي: الفرق مكيال يسع ستة عشر رطلا. وفيه أبين البيان أن الحرمة شاملة لجميع أجزاء الشراب. وعن ابن عباس أنه جاء رجل فسأله عن العصير فقال: اشربه ما كان طريا. قال: إني أطبخه وفي نفسي منه شيء. قال: أكنت شاربه قبل أن تطبخه؟ قال: لا، قال: إن النار لا تحل شيئا وقد حرم. وقال