← Тафсир

Тафсир · id 23613

تفسير النيسابوري = غرائب القرآن ورغائب الفرقان

النيسابوري، نظام الدين القمي

Полный текст (3 743 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

يُقاتِلُونَكُمْ إخبار عن استمرار الكفار على عداوة المسلمين حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ كي يرودكم عنه كقولك «أسلمت حتى أدخل الجنة» بمعنى كي أدخل. ويجوز أن يكون بمعنى «إلى» كقوله وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة: ١٢٠] وقوله إِنِ اسْتَطاعُوا استبعاد لاقتدارهم كقول الرجل لعدوّه وهو واثق بأنه لا يظفر به «إن ظفرت بي فلا تبق عليّ» وَمَنْ يَرْتَدِدْ ومن يرجع مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ باق على الردة فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أما في الدنيا فلما يفوته من فوائد الإسلام العاجلة فيقتل عند الظفر به ويقاتل إلى أن يظفر به ولا يستحق من المؤمنين موالاة ولا نصرا ولا ثناء حسنا وتبين زوجته منه ويحرم الميراث، وأما في الآخرة فيكفي في تقريره قوله وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ واعلم أن الردة أغلظ أنواع الكفر حكما، وأنها تارة تحصل بالقول الذي هو كفر كجحد مجمع عليه، وكسبّ نبي من الأنبياء. وأخرى بالفعل الذي يوجب استهزاء صريحا بالدين كالسجود للشمس والصنم وإلقاء المصحف في القاذورات. وكذا لو اعتقد وجوب ما ليس بواجب. ويشترط في صحة الردة التكليف، فلا تصح ردة الصبي والمجنون. وهاهنا بحث أصولي وهو أن جماعة من المتكلمين ذهبوا إلى أن شرط صحة الإيمان والكفر حصول الموافاة. فالإيمان لا يكون إيمانا إلا إذا مات المؤمن عليه، والكفر لا يكون كفرا إلا إذا مات الكافر عليه. لأن من كان مؤمنا ثم ارتد- والعياذ بالله- فلو كان ذلك الإيمان الظاهر إيمانا في الحقيقة لكان قد استحق عليه الثواب الأبدي. فإما أن يبقي الاستحقاقان وهو محال، وإما أن يقال إن الطارئ يزيل السابق وهو أيضا محال، لأنهما متنافيان وليس أحدهما أولى بالتأثير من الآخر، بل السابق بالدفع أولى من اللاحق بالرفع لأن الدفع أسهل من الرفع. وأيضا شرط طريان الطارئ زوال السابق. فلو عللنا زوال السابق بطريان الطارئ لزم الدور. وبحث فروعي: وهو أن المسلم إذا صلى ثم ارتد ثم أسلم في الوقت فعند الشافعي: لا إعادة عليه لأن شرط حبوط العمل أن يموت على الردة لقوله تعالى عطفا على الشرط فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ وعند أبي حنيفة لزمه قضاء ما أدى وكذلك الحج لما جاء في موضع آخر مطلقا وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: ٨٨] والحبط في اللغة أن تأكل الإبل شيئا يضرها فتعظم بطونها فتهلك. وفي الحديث «وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم» «١» سمي بطلان الأعمال بهذا لأنه كفساد الشيء بسبب ورود المفسد عليه.

стр. 597

ولا شك أن المراد من إحباط العمل ليس هو إبطال نفس العمل، لأن العمل شيء كما وجد فني وزال وإعدام المعدوم محال. فقال المثبتون للإحباط والتكفير: المعنى أن عقاب الردة الحادثة يزيل ثواب الإيمان السابق. إما بشرط الوازنة كما هو مذهب أبي هاشم وجمهور المتأخرين من المعتزلة، أو لا بشرط الموازنة كما هو مذهب أبي علي. وقال المنكرون للإحباط: المراد بالإحباط الوارد في كتاب الله تعالى هو أن المرتد إذا أتى بالردة فتلك الردة عمل محبط لا يمكنه أن يأتي بدلها بعمل يستحق ثوابا، فمعنى حبط عمله أنه أتى بعمل ليس فيه فائدة، بل فيه مضرة عظيمة، أو المراد أنه تبين أن أعماله السابقة لم تكن معتدا بها شرعا. وروي أن عبد الله بن جحش وأصحابه حين قتلوا ابن الحضرمي ظن قوم أنهم إن سلموا من الإثم لم يكن لهم أخر فنزلت إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا الآية . لأن عبد الله كان مؤمنا وكان مهاجرا وصار بسبب هذا القتال مجاهدا. وقيل: إنه تعالى لما أوجب الجهاد بقوله كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وبين أن تركه سبب للوعيد، أتبع ذلك بذكر من يقوم به فقال إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا الآية ولا يكاد يوجد وعيد إلا ويعقبه وعد. ومعنى هاجروا فارقوا أوطانهم وعشائرهم من الهجر الذي هو ضد الوصل. والهجر الكلام القبيح لأنه مما ينبغي أن يهجر. وجاز أن يكون المراد أن الأحباب والأقارب هجروه بسبب هذا الدين وهو أيضا هجرهم بهذا السبب فكان ذلك مهاجرة. والمجاهدة من الجهد بالفتح الذي هو المشقة، أو من الجهد بالضم الطاقة لأنه يبذل الجهد في قتال العدو عند فعل العدو مثل ذلك، ويجوز أن يكون معناها ضم جهده إلى جهد أخيه في نصرة دين الله كالمساعدة ضم ساعده إلى ساعد أخيه لتحصيل القوة أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ يحتمل أن يكون الرجاء بمعنى القطع واليقين ولكن في أصل الثواب، والظن إنما دخل في كميته وكيفيته وفي وقته. ويحتمل أن يراد المنافع التي يتوقعونها، فإن عبد الله بن جحش ما كان قاطعا بالثواب في عمله بل كان يظن ظنا، وإنما جعل الوعد معلقا بالرجاء ليعلم أن الثواب على الإيمان والعمل غير واجب، وإنما ذلك بفضله ورحمته كما هو مذهبنا. ولو وجب أيضا صح لأنه متعلق بأن لا يكفر بعد ذلك وهذا الشرط مشكوك. وأيضا المذكور هاهنا هو الإيمان والهجرة والجهاد. ولا بد للإنسان مع ذلك من سائر الأعمال والتوفيق فيها مرجو من الله. وأيضا المراد وصفهم بأنهم يفارقون الدنيا مع هذه الخصال مستقصرين أنفسهم في نصرة دين الله، فيقدمون عليه راجين رحمته خائفين عقابه وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ [المؤمنون: ٦٠] . وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ يحقق لهم رجاءهم إن شاء بعميم فضله وجسيم طوله. عن

стр. 598

قتادة: هؤلاء خيار هذه الأمة. ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون وإنه من رجا طلب ومن خاف هرب. وقال شاه الكرماني: علامة الرجاء حسن الطاعة. وقيل: الرجاء رؤية الجلال بعين الجمال. وقيل: قرب القلب من ملاطفة الرب. روي عن لقمان أنه قال لابنه: خف الله تعالى خوفا لا تأمن فيه مكره، وأرجه رجاء أشد من خوفك. قال: فكيف أستطيع ذلك وإنما لي قلب واحد؟ قال: أما علمت أن المؤمن كذي قلبين يخاف بأحدهما ويرجو بالآخر؟ وهذا لأنهما من حكم الإيمان وهما للمؤمن كالجناحين للطائر، إذا استويا استوى الطير وتم في طيرانه. ومن هنا قيل: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا. [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢١٩ الى ٢٢١] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠) وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١) القراآت: إثم كثير بالثاء المثلثة: حمزة وعلي. الباقون: بالباء. قُلِ الْعَفْوَ بالرفع أبو عمرو. الباقون: بالنصب. لَأَعْنَتَكُمْ بغير همز: روى أبو ربيعة عن أصحابه. وعن حمزة وجهان في الوقف ترك الهمزة لبيان المذهب، والهمز ليدل على أصل الكلمة. الوقوف: وَالْمَيْسِرِ ط لِلنَّاسِ ز قد يجوز مع اتفاق الجملتين تنبيها على أن بيان الثانية أهم من الأولى مِنْ نَفْعِهِما ط يُنْفِقُونَ ط الْعَفْوَ ط تَتَفَكَّرُونَ لا لتعلق الجار. وَالْآخِرَةِ ط الْيَتامى ط خَيْرٌ ط فَإِخْوانُكُمْ ط الْمُصْلِحِ ط لَأَعْنَتَكُمْ ط حَكِيمٌ هـ يُؤْمِنَّ ط لأجل لام الابتداء بعده أَعْجَبَتْكُمْ ج لوقوع العارض وإن اتفقت الجملتان يُؤْمِنُوا ط أَعْجَبَكُمْ ط إِلَى النَّارِ ج والوصل أجوز لأن مقصود الكلام بيان تفاوت الدعوتين مع اتفاق الجملتين، ومن وقف أراد الفصل بين ذكر الحق والباطل بِإِذْنِهِ ج لأن جملة «والله يدعو» تقابل الجملة الأولى فلم يكن قوله «ويبين آياته» من تمامها إذ ليس في الجملة الأولى ذكر بيان، ومن وصل فلعطف المستقبل على المستقبل يَتَذَكَّرُونَ (هـ) .

стр. 599

التفسير: الحكم الثالث: بيان حرمة الخمر والميسر. قالوا: نزلت في الخمر أربع آيات نزلت بمكة وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً [النحل: ٦٧] فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال، ثم إن عمر ومعاذا ونفرا من أصحابه قالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال فنزلت هذه الآية، فشربها قوم وتركها آخرون. ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناسا منهم فشربوا وسكروا، فأمّ بعضهم فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون. فنزلت لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ [النساء: ٤٣] فقلّ من يشربها. ثم دعا عتبان بن مالك قوما فيهم سعد ابن أبي وقاص فلما سكروا افتخروا وتناشدوا حتى أنشد سعد شعرا فيه هجاء الأنصار، فضربه أعرابي بلحي بعير فشجه موضحة، فشكا إلى رسول الله ﷺ فقال عمر: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى قوله فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: ٩٠] فقال عمر: انتهينا يا رب. والحكمة في وقوع التحريم على هذا الوجه أن القوم قد ألفوا شرب الخمر وكان انتفاعهم بذلك كثيرا، فلو منعوا دفعة واحدة لشق ذلك عليهم فإن الفطام عن المألوف شديد، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج والرفق. واختلف العلماء في مفهوم الخمر فقال الشافعي: كل شراب مسكر فهو خمر. وقال أبو حنيفة: الخمر ما غلى واشتد وقذف بالزبد من عصير العنب. احتج الشافعي بما روى أبو داود في سننه عن الشعبي عن ابن عمر عن عمر قال: نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير. وهذا دليل على أن الخمر عندهم كل ما خامر العقل أي خالطه. والتركيب يدل على الستر والتغطية، ومنه خمار المرأة. وكذا ما روي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من العنب خمرا، وإن من التمر خمرا، وإن من العسل خمرا، وإن من البر خمرا وإن من الشعير خمرا» ، قال الخطابي: إنما جرى ذكر هذه الأشياء خصوصا لكونها معهودة في ذلك الزمان، وكل ما في معناها من ذرة أو سلت أو عصارة شجر فحكمها حكم هذه الخمسة. كما أن تخصيص الأشياء الستة بالذكر في خبر الربا لا يمنع من ثبوت حكم الربا في غيرها. وعن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام» «١» فمراد الشارع أن كل

стр. 600

مسكر فهو خمر لغة أو شرعا فيكون حقيقة لغوية أو شرعية كالصلاة، ولئن منع ذلك فلا أقل من أن يكون معناه أنه كالخمر في الحرمة وهو المراد. وعن عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن البتع- وهو شراب يتخذ من العسل- فقال ﷺ : «كل شراب مسكر فهو حرام» «١» وعن أم سلمة قالت: نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر. قال: الخطابي: والمفتر كل شراب يورث الفتور والخدر في الأعضاء. وأيضا الآيات الواردة في الخمر منها اثنتان بلفظ الخمر وغيرهما بلفظ المسكر مثل لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [النساء: ٤٣] وفيه دليل على أن المراد بالخمر هو المسكر. وكذا في قول عمر ومعاذ «الخمر مذهبة للعقل» . فإنه يوجب أن كل ما كان مساويا للخمر في هذا المعنى إما أن يكون خمرا وإما أن يكون مساويا للخمر في علة التحريم. وأيضا قال تعالى إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ [المائدة: ٩٠] ولا شك أن هذه الأفعال معللة بالسكر فيعلم منه أن حرمة الخمر معللة بالإسكار. فإما أن يجب القطع بأن كل مسكر خمر، وإما أن يلزم الحكم بالحرمة في كل مسكر. حجة أبي حنيفة قوله تعالى تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً [النحل: ٦٧] منّ الله علينا باتخاذ السكر والرزق الحسن، والنبيذ سكر ورزق حسن، فوجب أن يكون مباحا لأن المنة لا تكون إلا بالمباح، وأيضا ما روي في الصحيحين عن جابر أن رسول الله ﷺ استسقى فقال رجل: يا رسول الله، ألا أسقيك نبيذا؟ قال: بلى. فخرج يسعى فجاء بقدح فيه نبيذ فشرب. واعلم أن المسكر حرام جنسه قل أم كثر نيئا أو مطبوخا لقوله ﷺ «ما أسكر كثيره فقليله حرام» «٢» وعن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول «كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام» «٣» قال الخطابي: الفرق مكيال يسع ستة عشر رطلا. وفيه أبين البيان أن الحرمة شاملة لجميع أجزاء الشراب. وعن ابن عباس أنه جاء رجل فسأله عن العصير فقال: اشربه ما كان طريا. قال: إني أطبخه وفي نفسي منه شيء. قال: أكنت شاربه قبل أن تطبخه؟ قال: لا، قال: إن النار لا تحل شيئا وقد حرم. وقال

стр. 601

أبو حنيفة: المطبوخ من عصير العنب إن ذهب أقل من ثلثيه فهو حرام لكن لا حد على شاربه إلا إذا سكر، وإن ذهب ثلثاه فهو حلال إلا القدر المسكر فيحرم ويتعلق بشربه الحد. يروى أن عمر بن الخطاب كتب إلى بعض عماله «أما بعد فاطبخوا شرابكم حتى يذهب منه نصيب الشيطان فإن له اثنين ولكن واحدا» . ونقيع التمر والزبيب إذا اشتد فهو حرام ولكن لا حد فيه ما لم يسكر، فإن طبخ فهو حلال إلا المقدار الذي يسكر فإن ذلك حرام ويحد به، ولا يعتبر في النقيع ذهاب الثلثين. ونبيذ الحنطة والشعير والعسل وغيرها حلال نيئا كان أو مطبوخا، ولا يحرم منه إلا القدر المسكر. وذكروا في حد السكران عبارات فعن الشافعي: أنه الذي اختلط كلامه المنظوم وانكشف سره المكتوم. وقيل: الذي لا يفرق بين السماء والأرض وقيل: الذي يتمايل في مشيه ويهذي في كلامه. والأقرب أن الرجوع فيه إلى العادة. ثم إن قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ليس فيه بيان أنهم عن أي شيء سألوا، فيحتمل أنهم سألوا عن حقيقته وماهيته، ويحتمل أنهم سألوا عن حل الانتفاع وحرمته، ويحتمل أنهم سألوا عن حل شربه وحرمته إلا أنه تعالى لما أجاب بذكر الحرمة بل تخصيص الجواب على أن ذلك السؤال كان واقعا عن الحل والحرمة أي يسألونك عما في تعاطيهما. وأما كيفية دلالة الآية على الحرمة فهي أنها مشتملة على أن في الخمر إثما والإثم حرام لقوله تعالى قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ [الأعراف: ٣٣] ومما يؤكد هذا أن السؤال كان واقعا عن مطلق الخمر وقد جعل الله تعالى الإثم لازما لهذه الماهية فيلزمها الإثم على جميع التقادير من الشرب وغير ذلك من وجوه الانتفاع والاستعمال. وصرح أيضا بأن الإثم الحاصل منها أكبر من النفع المتوهم فيها عاجلا، وإنما لم يقنع كبار الصحابة بهذه الآية طلبا لما هو آكد في التحريم ثقة واطمئنانا كما التمس إبراهيم ﵇ مشاهدة إحياء الموتى طلبا لمزيد الإيقان وركونا إلى سكون النفس بالعيان. فإن قيل: لما كان الإثم لازما لماهية الخمر من حيث هي، فلم لم تكن محرمة في سائر الشرائع؟ قلت: كم من نقص في الأديان السالفة تممه شرع خاتم النبيين! وأيضا هذا لزوم شرعي، ويمكن أن تختلف الشرائع بحسب اختلاف الأزمان ولا سيما إذا اعتبرت مصالح الإنسان. والميسر القمار مصدر من يسر كالموعد والمرجع من فعليهما. يقال: يسرته أي قمرته مشتق من اليسار لأنه يسلب يساره. عن ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله. أو من اليسر لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة من غير ما كدّ وتعب. وقال ابن قتيبة: الميسر من التجزئة والاقتسام يقال: يسروا الشيء إذا اقتسموه. فالجزور نفسه يسمى ميسرا لأنه يجزأ أجزاء والياسر الجازر. ثم يقال

стр. 602

للقامر: ياسر لأنه بسبب ذلك الفعل يجزىء لحم الجزور. وقال الواحدي: يسر الشيء أي وجب، والياسر الواجب بسبب القداح. وأما صفة الميسر على ما في الكشاف فهي: إنه كانت لهم عشرة أقداح- وهي الأزلام والأقلام- أساميها: الفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافس والمسبل والمعلى والمنيح والسفيح والوغد. لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزؤنها عشرة أجزاء. وقيل: ثمانية وعشرين. لا نصيب لثلاثة وهي المنيح والسفيح والوغد، وللفذ سهم، والتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة. يجعلونها في الربابة- وهي خريطة- ويضعونها على يدي عدل ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحا منها. فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح مما لا نصيب له لم يأخذ شيئا وغرم ثمن الجزور كله، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم. قال العلماء: وفي حكم الميسر سائر أنواع القمار من النرد والشطرنج وغيرهما. روي عن النبي ﷺ «إياكم وهاتين الكعبتين المشئومتين فإنهما من ميسر العجم» «١» وعن ابن سيرين ومجاهد وعطاء: كل شيء فيه خطر فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز. وروي أن عليا ﵁ مر بقوم وهم يلعبون بالشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟. إلا أن الشافعي رخص في الشطرنج إذا خلا عن الرهان، وكف اللسان عن الطغيان، وحفظ الصلاة عن النسيان. فإن الميسر ما يوجب دفع مال وأخذ مال وهذا ليس كذلك. ويحكى اللعب به عن ابن الزبير وأبي هريرة وكثير من السلف. وأما السبق في النصل والخف والحافر فجائز بالاتفاق لقوله ﷺ «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر» «٢» وذلك لما فيها من التأهب للجهاد، والكلام في تفاصيلها وشروطها مذكور في كتب الفقه. قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ أي إنهما من الكبائر. ومن قرأ بالثاء فمعنى الكثرة أن أصحاب الشرب والقمار يقترفون فيهما الآثام من وجوه كثيرة. أما في الخمر فلأنها عدوّ العقل الذي هو عقال الطبع وأشرف خصائص الإنسان ومقابل الأشرف يكون أخس الأشياء. حكى بعض الأدباء أنه مر على سكران وهو يبول في يده ويمسح به وجهه كهيئة المتوضئ ويقول: الحمد لله الذي جعل الإسلام نورا والماء طهورا. وعن العباس بن مرداس أنه قيل

стр. 603

له في الجاهلية: لم لا تشرب الخمر فإنها تزيد في جرأتك؟ فقال: ما أنا بآخذ جهلي بيدي فأدخله في جوفي، ولا أرضى أن أصبح سيد قوم وأمسي سفيههم، ومن خواصها أن الإنسان كلما كان اشتغاله بها أكثر كان الميل إليها أتم، وقوة النفس عليها أقوى. بخلاف سائر المعاصي كالزنا وغيره، وكفى بقوله إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ [المائدة: ٩٠] وبقوله ﷺ «الخمر أم الخبائث» «١» ذما لها وتقريرا لإثم شاربها. وقد لعن رسول الله ﷺ بسبب الخمر عشرة. وقال ﷺ : «كل مسكر حرام» «٢» «وإن على الله عهدا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال قالوا يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار أو عصارة أهل النار» «٣» وكذا الكلام في الميسر مع أن فيه أكل الأموال بالباطل. وأما المنافع المذكورة فهي أنهم كانوا يغالون بها إذا جلبوها من النواحي، وكان المشتري إذا ترك المماكسة في الثمن يعدّ ذلك فضيلة ومكرمة، وكان يكثر أرباحهم بذلك السبب قال أبو محجن: أقومها زقا يحق بذا كم يساق إلينا تجرها ونسوقها. قال أبقراط: في الخمر عشر منافع. خمس جسمانية وخمس نفسانية. فالجسمانية أنها تجوّد الهضم وتدرّ البول وتحسن البشرة وتطيب النكهة وتزيد في الباه. والنفسانية أنها تسر النفس وتقرب الأمل وتشجع النفس وتحسن الخلق وتزيل البخل. ومن منافع الميسر التوسعة على ذوي الحاجات لأنهم كانوا يفرقونه على المساكين فيكتسبون به الثناء والمدح. ولا ريب أن منافع الخمر والميسر لكونها مظنونة عاجلة أقل من إثمهما لكونه متيقن. الحساب الدائم العذاب، والعاقل لا يختار النفع القليل الزائل بعقاب أبدي لا نهاية له. الحكم الرابع: وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ وقد تقدم ذكر هذا السؤال وأجيب عنه بذكر المصرف وأعيد هنا فأجيب بذكر الكمية. وذلك أن الناس لما رأوا الله ورسوله يحضان على الإنفاق وينبهان على عظم ثوابه، سألوا عن مقدار ما كلفوا به هل هو كل المال أو بعضه؟ ومعنى العفو ما تيسر وسهل مما يكون فاضلا عن الكفاية. ويشبه أن يكون العفو عن الذنب راجعا إلى التيسير والتسهيل. ويقال للأرض السهلة: العفو. ومن

стр. 604

قال إن العفو هو الزيادة، فهو أن الغالب أن ذلك إنما يكون فيما يفضل عن حاجة الإنسان في نفسه وعياله. وحاصل الأمر يرجع إلى التوسط في الإنفاق والنهي عن التبذير والتقتير. وعن النبي ﷺ أنه كان يحبس لأهله قوت سنة. وقال ﷺ : «خير الصدقة ما أبقت غنى ولا يلام على كفاف» «١» وللعلماء في هذا الإنفاق خلاف. فعن أبي مسلم: أنه يجوز أن يكون العفو هو الزكوات، ذكرها هاهنا مجملة وتفصيلها في السنة، وقيل: إنه تطوع ولو كان مفروضا لبين مقداره ولم يفوّض إلى رأي المكلف. وقيل: إن هذا كان قبل نزول آية الصدقات، وكانوا مأمورين بأن يأخذوا من مكاسبهم ما يكفيهم في عامهم وينفقون ما فضل ثم نسخ بالزكاة. كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ أي كما بين لكم وجوه الإنفاق ومصارفه فهكذا يبين لكم في مستأنف أيامكم جميع ما تحتاجون إليه. لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فتأخذون بما هو أصلح لكم من سلوك سبيل العدالة للإنفاق وغيره، أو تتفكرون في الدارين فتؤثرون أبقاهما وأكثرهما منافع. ويجوز أن يكون إشارة إلى قوله وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما أي لتتفكروا في عقاب الإثم في الآخرة والنفع في الدنيا حتى لا تختاروا الأدنى على الأعلى. ويجوز أن يتعلق ب «يبين» أي يبين لكم الآيات في أمر الدارين وفيما يتعلق بهما لعلكم تتفكرون. الحكم الخامس: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً [النساء: ١٠] عزلوا أموالهم عن أموالهم فنزلت. وعنه عن ابن عباس قال: لما أنزل الله تعالى وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الأنعام: ١٥٢] وقوله إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ [النساء: ١٠] نطلق من كان عنده مال اليتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، وجعل يحبس له ما يفضل من طعامه حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت. قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وهو كلام جامع لمصالح اليتيم والولي. أما لليتيم فلأنه يتضمن صلاح نفسه بالتقويم والتأديب، وصلاح ماله بالتبقية والتثمير لئلا تأكله النفقة عليه والزكاة منه. وأما الولي فلأن إحراز الثواب خير له من التحرز عن مال اليتيم حتى تختل مصالحه وتفسد معيشته، وقيل: الخبر عائد إلى الولي يعني إصلاح أموالهم من غير عوض ولا أجرة خير للولي وأعظم أجرا، وقيل: عائد إلى اليتيم أي مخالطتهم بالإصلاح خير لهم من التفرد عنهم والإعراض عن أمورهم، والأصوب هو القول الأول، فإن جهات المصالح مختلفة غير مضبوطة فينبغي أن يكون نظر المتكفل لأمور اليتيم على تحصيل الخير في الدنيا والآخرة

стр. 605

لنفسه ولليتيم في ماله ونفسه. وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ أي فهم إخوانكم في الإسلام، والمخالطة جمع يتعذر فيه التمييز. قيل: المراد وإن تخالطوهم في الطعام والشراب والمسكن والخدم بما لا يتضمن إفساد أموالهم فذلك جائز كما يفعله المرء بمال ولده ومع إخوانه في الدين، فإن هذا أدخل في حسن العشرة والمؤالفة. وقيل: المراد بهذه المخالطة أخذ مقدار أجرة المثل في ذلك العمل، وسنشرح المذاهب في ذلك إن شاء الله تعالى إذا انتهينا إلى تفسير قوله تعالى وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ [النساء: ٦] وقيل: المراد أن يخالطوا أموال اليتامى بأموالهم وأنفسهم على سبيل الشركة بشرط رعاية جهات المصلحة والغبطة للصبي وحمل بعضهم المخالطة على المصاهرة واختاره أبو مسلم، لأن هذا خلط اليتيم نفسه والشركة خلط لماله. وأيضا الشركة داخلة في قوله قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ والخلط من جهة النكاح وتزويج البنات منهم لم يدخل في ذلك، فحمل الكلام على هذا الخلط أقرب. وأيضا إنه تعالى قال بعد هذه الآية وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ فكان المعنى إن المخالطة المندوب إليها إنما هي في اليتامى الذين هم لكم إخوان في الإسلام لتتأكد الألفة بالمناكحة، فإن كان اليتيم من المشركين فلا تفعلوا ذلك وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ لأمورهم مِنَ الْمُصْلِحِ لها، أو يعلم ضمائر من أراد الإفساد والطمع في مالهم بالنكاح من المصلح فيجازيه على حسب غرضه ومقصده، فأحذروه ولا تتحروا غير الإصلاح، وفيه تهديد عظيم فكأنه قال: أنا المتكفل بالحقيقة لأمر اليتيم، وأنا المطالب لوليه إن قصر. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ لحملكم على العنت وهو المشقة بأن ضيق عليكم طريق المخالطة معهم. وعن ابن عباس: لو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقا. وذلك أنهم كانوا في الجاهلية قد اعتادوا الانتفاع بأموال اليتامى وربما تزوجوا باليتيمة طمعا في مالها، أو يزوجها من ابن له كيلا يخرج مالها من يده. وقد يستدل بالآية على أنه تعالى لا يكلف العبد ما لا يقدر عليه وعلى أنه تعالى قادر على خلاف العدل لأنه لو امتنع وصفه بالقدرة على الإعنات ما جاز أن يقول «ولو شاء لأعنت» ولهذا قال: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب يقدر على أن يعنت عباده ويحرجهم ولكنه حَكِيمٌ لا يكلف إلا ما يتسع فيه طاقتهم. الحكم السادس: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ أكثر المفسرين على أن هذه الآية ابتداء شرع وحكم آخر في بيان ما يحل ويحرم. وعن أبي مسلم: أنه متعلق بقصة اليتامى ترغيبا في مخالطتهنّ دون مخالطة المشركات. عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ بعث مرثد بن أبي مرثد الغنوي- وكان حليفا لبني هاشم- إلى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين، وكان

стр. 606

يهوى امرأة في الجاهلية اسمها عناق. فأتته وقالت: ألا نخلو؟ فقال: ويحك إن الإسلام حال بيننا. فقالت: فهل لك أن تتزوّج بي؟ قال: نعم. ولكن أرجع إلى رسول الله ﷺ فاستأمره فنزلت هذه الآية. ثم العلماء اختلفوا في الآية في موضعين: الأوّل في لفظ النكاح فقال أكثر أصحاب الشافعي: إنه حقيقة في العقد لقوله ﷺ «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» «١» ولا شك أن المتوقف على الولي والشاهد هو العقد لا الوطء. ولقوله ﷺ أيضا «ولدت من نكاح لا من سفاح» ولقوله تعالى وَأَنْكِحُوا الْأَيامى [النور: ٣٢] وقال الجمهور من أصحاب أبي حنيفة: إنه حقيقة في الوطء لقوله تعالى حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة: ٢٣٠] والنكاح الذي ينتهي إليه الحرمة ليس هو العقد بل هو الوطء بدليل قوله ﷺ «لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» «٢» وقال ﷺ : «ناكح اليد ملعون وناكح البهيمة ملعون» ومن الناس من قال: النكاح عبارة عن الضم. يقال: نكح المطر الأرض إذا وصل إليها، ونكح النعاس عينيه. والضم حاصل في العقد وفي الوطء، فيحسن استعمال اللفظ فيهما جميعا. قال ابن جني: سألت أبا علي عن قولهم «نكح المرأة» فقال: فرقت العرب بالاستعمال فرقا لطيفا. فإذا قالوا: نكح فلان فلانة، أرادوا أنه تزوّجها وعقد عليها. وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته. لم يريدوا غير المجامعة. إلا أن المفسرين أجمعوا على أن المراد بالنكاح في هذه الآية هو العقد أي لا تعقدوا على المشركات. الثاني لفظ المشرك هل يتناول الكفار من أهل الكتاب أم لا؟ قال الأكثرون: نعم لقوله تعالى وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ إلى قوله سبحانه عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة: ٣١] ولقوله إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ٤٨] فلو كان كفر اليهود والنصارى غير الشرك لاحتمل أن يغفر الله لهم وذلك باطل بالاتفاق. وأيضا النصارى قائلون بالتثليث وليس ذلك في الصفات، فإن أكثر المسلمين أيضا يثبتون لله تعالى صفات قديمة، فإذن هو في الذات وهذا شرك محض. وروي أن النبي ﷺ أمّر أميرا وقال: إذا لقيت عدوّا من المشركين فادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا فادعهم إلى الجزية وعقد الذمة، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. سمى من يقبل الجزية وعقد الذمة بالمشرك. وقال أبو بكر الأصم: كل من جحد رسالته فهو مشرك من حيث إن تلك المعجزات التي

стр. 607

ظهرت على يده كانت خارجة عن حدّ البشر، وهم أنكروها وأضافوها إلى الجن والشياطين، فقد أثبتوا شريكا لله سبحانه في خلق هذه الأشياء الخارجة عن قدرة البشر. واعترض عليه بأن اليهودي حيث لا يسلم أن ما ظهر على يد محمد ﷺ هو من جنس ما لا يقدر العباد عليه، لم يلزم أن يكون مشركا بسبب إضافة ذلك إلى غير الله. والجواب أنه لا اعتبار بإقراره، وإنما الاعتبار بالدليل، فإذا ثبت بالدليل أن ذلك المعجز خارج عن قدرة البشر، فمن أضاف ذلك إلى غير الله كان مشركا كما لو أسند خلق الحيوان والنبات إلى الأفلاك والكواكب. احتج المخالف بأنه تعالى فصل بين أهل الكتاب والمشركين في الذكر حيث قال ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ [البقرة: ١٠٥] لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ [البينة: ١] والعطف يقتضي التغاير. وأجيب بأن كفر الوثني أغلظ وهذا القدر يكفي في العطف، أو لعله خص أوّلا ثم عمم. هذا وقد سلف في تفسير قوله عز من قائل فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً [البقرة: ٢٢] أن أكثر عبدة الأوثان مقرون بأن إله العالم واحد، وأنه ليس له في الإلاهية بمعنى خلق العالم وتدبيره شريك ونظير، فظهر أن وقوع اسم المشرك عليهم ليس بحسب اللغة بل بالشرع كالصلاة والزكاة. وإذا كان كذلك فلا يبعد بل يجب اندراج كل كافر تحت هذا الاسم، لا سيما وقد تواتر النقل عن النبي ﷺ بأنه يسم كل من كان كافرا بأنه مشرك. التفريع إن قيل: المشركات تشمل الحربيات والكتابيات جميعا فالآية منسوخة أو مخصصة بقوله وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة: ٥] لأن سورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ شيء منها قط وهو قول ابن عباس والأوزاعي. لا يقال: لعل المراد من آمن بعد أن كان من أهل الكتاب لأن قوله وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ [المائدة: ٥] يشمل من آمن منهنّ فيبقى قوله وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [المائدة: ٥] ضائعا ولإجماع الصحابة على جواز نكاح الكتابيات نقل أن حذيفة تزوّج بيهودية أو نصرانية فكتب إليه عمر أن خل سبيلها. فكتب إليه: أتزعم أنها حرام؟ فقال: لا، ولكني أخاف. وعن جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ أنه قال: «نتزوّج نساء أهل الكتاب ولا يتزوّجون نساءنا» وعن عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ قال في المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم» ولو لم يكن نكاح نسائهم جائزا لكان هذا الاستثناء خاليا عن الفائدة. وإن قيل: إن المشركات تختص بالحربيات، فالآية ثابتة وباقية على عمومها. ومن الناس من زعم أن هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من التزوج بالمشركات. روي هذا عن الحسن وزيف بأن رفع مباح الأصل ليس

стр. 608

بنسخ لأن الناسخ والمنسوخ يجب أن يكونا حكمين شرعيين إلا أن يقال: إن تجويز نكاح المشركة قبل نزول الآية كان ثابتا من قبل الشرع. قوله حَتَّى يُؤْمِنَّ اتفق الكل على أن المراد منه الإقرار بالشهادة والتزام أحكام الإسلام، ولكن لا يدل هذا على أن الإيمان في عرف الشرع عبارة عن الإقرار فقط لما مر في تفسير قوله الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: ٣] أنه لا بد في الإيمان الحقيقي من التصديق القلبي، إلا أنه اكتفي هاهنا بالإقرار اللساني لأنه هو أمارة الإيمان بالنسبة إلينا، فلا اطلاع لنا على صميم القلب، والسرير موكولة إلى علام الخفيات. فإن وافق سره العلن كان مؤمنا حقا وإلا كان منافقا جدا وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ هذه اللام في إفادة التوكيد تشبه لام القسم. والمراد بالأمة وكذا بالعبد في قوله وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ أمة الله وعبده لأن الناس كلهم عبيدا لله وإماؤه أي ولا مرأة مؤمنة حرة كانت أو مملوكة خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ للمبالغة والجواب محذوف أي ولو كانت المشركة تعجبكم بمالها وجمالها ونسبها، فالمؤمنة خير منها لأن الإيمان يتعلق بالدين والمال، والجمال والنسب يتعلق بالدنيا، ورعاية الدين أولى من رعاية الدنيا إن لم يتيسر الجمع بينهما. وقد تحصل المحبة والتآلف عند التوافق في الدين فتكمل منافع الدنيا أيضا من حسن الصحبة والعشرة وحفظ الغيب وضبط الأموال والأولاد، وأما عند اختلاف الدين فتنعكس هذه القضايا. وقد يرى أضداد ما توقع منها ولهذا قال رسول الله ﷺ «تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسنها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك» «١» وقد ظن بعضهم أن المراد بالأمة ضد الحرة فقال: التقدير: ولأمة مؤمنة خير من حرة مشركة. ولهذا ذهب بعض آخر إلى أن في الآية دلالة على أن القادر على طول الحرة يجوز له التزوّج بالأمة على ما هو مذهب أبي حنيفة، لأن الآية دلت على أن الواجد لطول الحرة المشركة يكون لا محالة واجدا لطول الحرة المسلمة، لأنه بسبب التفاوت في الإيمان والكفر لا يتفاوت قدر المال المحتاج إليه في أهبة النكاح، فيلزم قطعا أن يكون الواجد لطول الحرة المسلمة يجوز له نكاح الأمة وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا لا خلاف هاهنا في أن المراد به الكل، وأن المؤمنة لا يحل تزويجها من الكافر على اختلاف أقسام الكفر أُولئِكَ المشركات والمشركون يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ أي إلى ما يؤدي إليها، فإن الزوجية مظنة الألفة والمحبة في الظاهر، وقد تحمل المودة على الاتفاق في الدين

стр. 609

فلعل المؤمن يوافق الكافر، والاحتراز عن مظنة الارتداد أهم من الطموح إلى إسلام المشرك. فحقهم أن لا يوالوا ولا يصاهروا ولا يكون بينهم وبين المؤمنين إلا المناصبة والقتال. وقيل: المراد أنهم يدعون إلى ترك المحاربة والجهاد، وفي ترك الجهاد استحقاق النار والعذاب. وغرض هذا القائل أن يجعل هذا فرقا بين الذمية وغيرها، فإن الذمية لا تحمل زوجها على ترك الجهاد. وقيل: إن الولد الذي يحدث ربما دعاه الكافر إلى الكفر فيصير الولد من أهل النار فهذا هو الدعوة إلى النار. وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ حيث أمر بالتزوج بالمسلمة حتى يكون الولد مسلما من أهل الجنة، أو المراد أن أولياء الله وهم المؤمنون يدعون إلى الجنة المغفرة وما يؤدي إليهما، فهم الذين تحب موالاتهم ومصاهرتهم وأن يؤثروا على غيرهم بِإِذْنِهِ بتوفيق الله وتيسيره للعمل الذي يستحق به الجنة والغفران وقرى الحسن وَالْمَغْفِرَةِ بالرفع على الابتداء أي المغفرة كائنة بتيسيره وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ معناه واضح. وقد عرفت فيما مر أن التذكر محاولة استرجاع الصورة المحفوظة، فكان الآيات تليه على ما هو مركوز في العقول من حقيقة دين الإسلام فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم: ٣٠] . التأويل: إن خمر الظاهر كما يتخذ من أجناس مختلفة كالعنب والتمر والعسل والحنطة والشعير وغيرها، فكذلك خمر الباطن من أجناس مختلفة كالغفلة والشهوة والهوى وحب الدنيا وأمثالها. وهذه تسكر النفوس والعقول الإنسانية التي هي مناط التكليف فلهذا حرمت في عالم التكليف، وأما ما يسكر القلوب والأرواح والأسرار فهو شراب الواردات في أقداح المشاهدات من ساقي تجلي الصفات إذا دارت الكؤوس انخمدت شهوات النفوس، فتسكر القلوب بالمواجيد عن المواعيد، والأرواح بالشهود عن الوجود، والأسرار بمطالعة الجمال من ملاحظة الكمال، وهذا شراب حلال لأنه فوق عالم التكليف، وإنه يمزج الكثيف باللطيف فيه مَنافِعُ لِلنَّاسِ وملاذ لأهل القرب والاستئناس. فصحوك من لفظي هو الوصل كله ... وسكرك من لحظي يبيح لك الشربا فما مل ساقيها وما مل شارب ... عقار لحاظ كأسه يسكر اللبا قوم أسكرهم وجود الشراب وقوم أسكرهم شهود الساقي. فأسكر القوم دور كأس ... وكان سكري من المدير الكأس والشراب والساقي والمسقي هاهنا واحد كما قيل:

стр. 610

رق الزجاج وراقت الخمر ... فتشابها وتشاكل الأمر فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر. وإثم الإعراض عن كؤوس الوصال في النهاية أكبر من نفع الطلب ألف سنة في البداية. أما الميسر فإثمه كبير عند الأخيار وإنه بعيد عن خصال الأبرار، ولكن نفعه عدم الالتفات إلى الكونين، وبذل نفوس العالمين في فردانية نقش الكعبتين. وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما لأن إثمهما للعوام ونفعهما للخواص، والعوام أكثر من الخواص. وبعبارة أخرى الإثم في الخمر الظاهر والميسر الظاهر، والنفع في الخمر الباطن والميسر الباطن، وأهل الظاهر أكثر من أهل الباطن والله أعلم. [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٢٢ الى ٢٢٧] وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣) وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥) لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) القراآت: حَتَّى يَطْهُرْنَ بالتشديد والأصل «يتطهرن» فأدغم التاء في الطاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص. الباقون يَطْهُرْنَ بالتخفيف من الطهارة. أَنَّى بالإمالة المفرطة: حمزة وعلي وخلف. وقرأ العباس بالإمالة اللطيفة كل القرآن. الباقون بالتفخيم لا يُؤاخِذُكُمُ وبابه وكل همزة تحركت وتحرك ما قبلها مثل يُؤَخِّرَ ويَؤُدُهُ وأشباه ذلك بغير همز: يزيد وورش والشموني وحمزة في الوقف. الوقوف: عَنِ الْمَحِيضِ ط أَذىً ط لأن لكونه أذى تأثيرا بليغا في وجوب الاعتزال فِي الْمَحِيضِ لا للعطف. حَتَّى يَطْهُرْنَ ج لأن «إذا» متضمنة الشرط للفاء في جوابه مع فاء التعقيب فيها أَمَرَكُمُ اللَّهُ ط الْمُتَطَهِّرِينَ هـ حَرْثٌ لَكُمْ ص لأن الفاء كالجزاء أي إذا كن حرثا فأتوهن وإلا فقد اختلف الجملتان شِئْتُمْ ز قد يجوز لوقوع العارض. لِأَنْفُسِكُمْ ط مُلاقُوهُ ط الْمُؤْمِنِينَ هـ بَيْنَ النَّاسِ ط عَلِيمٌ هـ قُلُوبُكُمْ ط حَلِيمٌ هـ عَلِيمٌ هـ عَزَمُوا هـ. التفسير: الحكم السابع: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قيل: إنه تعالى جمع في هذا الموضع بين ستة أسئلة، فذكر الثلاثة الأول بغير الواو والباقية بالواو. والسبب أن سؤالهم

стр. 611

عن تلك الحوادث وقع في أحوال متفرقة فلم يؤت بحرف العطف، لأن كل واحد من تلك السؤالات سؤال مبتدأ، وسألوا عن الوقائع الأخر في وقت واحد فجيء بحرف الجمع لذلك كأنه قيل: يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر والسؤال عن كذا وعن كذا. روي أن اليهود والمجوس كانوا يبالغون في التباعد عن المرأة حال حيضها، والنصارى كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض، وكان أهل الجاهلية إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجالسوها على فرش، ولم يساكنوها في بيت. فقال ناس من الأعراب يا رسول الله، البرد شديد والثياب قليلة. فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت، وإن استأثرنا بها هلكت الحيض فنزلت الآية، فقال ﷺ : «إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن، ولم يأمركم بإخراجهن من البيوت» يعني أن المراد من قوله تعالى فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فاعتزلوا مجامعتهن. واتفق المسلمون على حرمة الجماع في زمان الحيض، واتفقوا على حل الاستمتاع بالمرأة بما فوق السرة وتحت الركبة، واختلفوا فيما دون السرة وفوق الركبة. فالشافعي وأبو حنيفة وأبو يوسف قالوا: يجب اعتزال ما اشتمل عليه الإزار بناء على أن المحيض مصدر كالمجيء والمبيت، والتقدير: فاعتزلوا تمتع النساء في زمان الحيض. ترك العمل بالآية فيما فوق السرة وتحت الركبة للإجماع فبقي الباقي على الحرمة. وعن زيد بن أسلم أن رجلا سأل النبي ﷺ ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها، وقيل: ما سوى الفرج حلال، لأن المراد بالمحيض موضع الحيض فالمعنى فاعتزلوا موضع الحيض من النساء، نعم المحيض الأول مصدر فيصلح عود الضمير إليه في قوله قُلْ هُوَ أَذىً أي الحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه نفرة وكراهة على أنه يحتمل أن يكون بمعنى المكان والتقدير هو ذو أذى، وإنما قدم قوله هُوَ أَذىً لترتب الحكم وهو وجوب الاعتزال عليه. وذلك أن دم الحيض دم فاسد يتولد من فضلة تدفعها طبيعة المرأة من طريق الرحم، حتى لو احتبست تلك الفضلة لمرضت المرأة. فذلك الدم جار مجرى البول والغائط فكان أذى وقذرا. ولا يرد عليه دم الاستحاضة حيث لا يوجب الاعتزال، لأن ذاك دم صالح يسيل من عرق يتفجر في عنق الرحم، ويؤيده ما روي في الصحيحين عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: لا، إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي. ومعنى العرق أنه علة حدثت بها من تصدع العروق. وأصل الحيض في اللغة السيل. يقال: حاض السيل وفاض. قال الأزهري: منه قيل الحوض لأن الماء يحيض إليه

стр. 612

أي يسيل. والواو والياء من حيز واحد. وقد ورد في الحديث لدم الحيض صفات منها السواد ويراد به أنه يعلوه حمرة متراكبة فيضرب من ذلك إلى السواد، ومنها الثخانة، ومنها المحتدم وهو المحرق من شدة حرارته، ومنها أنه ذو دفعات أي يخرج برفق ولا يسيل سيلا، ومنها أن له رائحة كريهة، ومنها أنه بحراني وهو الشديد الحمرة. وقيل: ما يحصل فيه كدورة تشبيها له بماء البحر. فمن الناس من قال: إن كان الدم موصوفا بهذه الصفات فهو الحيض وإلا فلا، وما اشتبه الأمر فيه فالأصل بقاء التكاليف، وزوالها إنما كان بعارض الحيض. فإذا كان غير معلوم الوجود بقيت التكاليف الواجبة على ما كانت. ومنهم من قال: هذه الصفات قد تشتبه على المكلف فإيجاب التأمل في تلك الدماء وفي تلك الصفات يقتضي عسرا ومشقة، فالشارع قدر وقتا مضبوطا متى حصلت الدماء فيه كان حكمها حكم الحيض، ومتى حصلت خارج ذلك الوقت لم يكن حكمها حكم الحيض كيف كانت صفة تلك الدماء. أما السن المحتمل للحيض فأصح الوجوه أنها تسع سنين فإن رأت الصبية دما قبل استكمال التسع فهو دم فساد. قال الشافعي: وأعجل من سمعت من النساء يحضن نساء تهامة يحضن لتسع سنين. وقيل: إن أول وقت الإمكان يدخل بالطعن في السنة التاسعة. وقيل: بمضي ستة أشهر من السنة التاسعة. والاعتبار على الوجوه بالسنين القمرية تقريبا على الأظهر لا تحديدا، حتى لو كان بين رؤية الدم وبين استكمال التسع على الوجه الأصح ما لا يسع حيضا وطهرا، كان ذلك الدم حيضا وإلا فلا، وأقل مدة الحيض عند الشافعي يوم وليلة، وعند أبي حنيفة ثلاثة أيام، وعن مالك لا حد لأقله. وأما أكثر الحيض فهو خمسة عشر يوما وليلة لقول علي ﵁ وكرم الله وجهه: ما زاد على خمسة عشر فهو استحاضة. وعن عطاء: رأيت من تحيض يوما ومن تحيض خمسة عشر يوما. وأما الطهر فأكثره لا حد له. فقد لا ترى المرأة الدم في عمرها إلا مرة واحدة، وأقله خمسة عشر يوما، وقال أحمد أقله ثلاثة عشر. وقال مالك: ما أعلم بين الحيضتين وقتا يعتمد عليه لنا الرجوع إلى الوجود، وقد ثبت ذلك من عادات النساء، وروي أنه ﷺ قال: «تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلي» «١» أشعر ذلك بأقل الطهر وأكثر الحيض. وغالب عادات النساء في الحيض ست أو سبع، وفي الطهر باقي الشهر. قال ﷺ لحمنة بنت جحش: «تحيضي في علم الله ستا أو سبعا كما تحيض النساء ويطهرن» . ومعنى: «في علم الله» ، أي مما

стр. 613

علمك الله من عادتك أو من غالب عادات النساء. ويحرم في الحيض عشرة أشياء: الصلاة والصوم والاعتكاف والمكث في المسجد والطواف ومس المصحف وقراءة القرآن والسجود والغشيان بنص القرآن والطلاق في حق بعضهن ثم إن أكثر فقهاء الأمصار على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا يحل مجامعتها إلا بعد أن تغتسل عن الحيض، وهذا قول مالك والأوزاعي والشافعي والثوري. والمشهور عن أبي حنيفة أنها إن رأت الطهر دون عشرة أيام لم يقربها زوجها حتى تغتسل ويمضي عليها وقت صلاة، وإن رأته عشرة أيام جاز له أن يقربها قبل الاغتسال. حجة الشافعي أن القراءة المتواترة حجة بالإجماع فإذا حصلت قراءتان متواترتان وجب الجمع بينهما ما أمكن. فمن قرأ «يطهرن» بالتخفيف فانتهاء الحرمة عنده انقطاع الدم، ومن قرأ «يطهرن» بالتثقيل فالنهاية تطهرها بالماء، والجمع بين الأمرين ممكن بأن يكون النهاية حصول الشيئين. ومعنى قوله وَلا تَقْرَبُوهُنَّ أي لا تجامعوهن وهذا كالتأكيد لقوله فَاعْتَزِلُوا ويحتمل أن يكون ذلك نهيا عن المباشرة في موضع الدم وهذا نهي عن الالتذاذ بما يقرب من ذلك الموضع. وأيضا قوله فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ تعليق للإتيان على التطهر بكلمة «إذا» ، فوجب أن لا يجوز الإتيان عند عدم التطهر. والمراد بالتطهر الاغتسال لأن هذا الحكم عائد إلى ذات المرأة، فوجب أن يحصل في كل بدنها لا في بعض من أبعاض بدنها. وعن عطاء وطاوس هو أن تغسل الموضع وتتوضأ. وقال بعضهم: غسل الموضع. ثم القائلون بوجوب الاغتسال أجمعوا على أن التيمم يقوم مقامه عند إعواز الماء مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أي من المأتي الذي أمركم به وحلله لكم وهو القبل. عن ابن عباس ومجاهد وإبراهيم وقتادة وعكرمة. وقال الأصم والزجاج: فأتوهن من حيث يحل لكم غشيانهن وذلك بأن لا يكنّ صائمات ولا معتكفات ولا محرمات. وعن محمد ابن الحنيفة: فأتوهن من قبل الحلال دون الفجور. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ مما عسى أن يبدر عنهم من ارتكاب ما نهوا عنه من ذلك بمجامعة الحائض والطاهرة قبل الغسل وإتيان الدبر وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ المتنزهين عن تلك الفواحش. فالتائب هو الذي فعله ثم تركه، والمتطهر هو الذي ما فعله تنزها عنه لأن الذنب كأنه نجاسة روحانية حكمية إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة: ٢٨] أو يحب التوابين الذين يطهرون أنفسهم بطهرة التوبة من كل ذنب، ويحب المتطهرين من جميع الأقذار والأوزار. الحكم الثامن نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ وإنه جار مجرى البيان والتوضيح لقوله فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ دلالة على أن الغرض الأصلي في الإتيان هو طلب النسل لا قضاء الشهوة فينبغي أن يؤتى المأتي الذي هو مكان الحرث، وعن جابر رضي

стр. 614

الله عنه قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول فنزلت هذه الآية. وعن ابن عباس: جاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله هلكت. قال: وما أهلكك؟ قال: حوّلت رحلي الليلة. قال: فلم يرد عليّ شيئا. فأوحى إلى رسول الله ﷺ هذه الآية. وتحويل الرحل قيل: ظاهره الكناية عن الإتيان في غير المحل المعتاد. وقيل: إنه الإتيان في المحل المعتاد لكن من جهة ظهرها. وعنه كانت الأنصار تنكر أن يأتي الرجل المرأة مجبية أي في قبلها من دبرها وكانوا أخذوا ذلك من اليهود وكانت قريش تفعل ذلك ولما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فنزلت نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ أي مقبلات ومدبرات ومستكفيات بعد أن يتقى الدبر والحيضة، وذلك أن قوله حَرْثٌ لَكُمْ أي مزرع ومنبت للولد وهذا على سبيل التشبيه. ففرج المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات، وإنما وحد الحرث لأنه مصدر أقيم مقام المضاف أي هن مواضع حرث فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم، لا تحظر عليكم جهة دون جهة، بعد أن يكون المأتي واحدا وهو موضع الحرث أعني القبل دون الدبر، هذا ما عليه أكثر العلماء ويؤيده قوله عز من قائل قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا جعل ثبوت الأذى علة للاعتزال ولا معنى للأذى، إلا ما يتأذى الإنسان منه بنتن وتلوث وتنفر طبع، والأذى في الدبر حاصل أبدا فالاعتزال عنه أولى بالوجوب. فمعنى أَنَّى شِئْتُمْ كيف شئتم من قبلها قائمة أو باركة أو مضطجعة. وقيل: «أنى» بمعنى «متى» أي فأتوا حرثكم أي وقت شئتم من أوقات الحل يعني إذا لم تكن أجنبية أو محرمة أو صائمة أو حائضا. وعن ابن عباس: المعنى إن شاء عزل وإن شاء لم يعزل. وقيل: متى شئتم من ليل أو نهار والأصح الأول وعن مالك والشيعة تجويز إتيان النساء في أدبارهن ويحكى أن نافعا نقل عن ابن عمر مثل ذلك واحتجوا بأن الحرث اسم المرأة لا الموضع المعين وبأن قوله أَنَّى شِئْتُمْ معناه من أين شئتم كقوله أَنَّى لَكِ هذا [مريم: ٣٧] أي من أين. وكلمة «أين» تدل على تعدد الأمكنة فيلزم أن يكون المأتي بها متعددا. وبقوله إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ [المؤمنون: ٦] ترك العمل بعمومه في حق الذكور لدلالة الإجماع فوجب أن يبقى معمولا به في حق الإناث. ولا يخفى ضعف هذه الحجج ولو سلم مساواتها دلائل الحرمة في القوة فالاجتناب أحوط، وكيف لا وقد روي عن رسول الله ﷺ «ملعون من أتى امرأة في دبرها» ولو لم يكن فيه إلا فوات غرض التوالد والتناسل الذي به بقاء النوع الإنساني الذي هو أشرف أنواع الكائنات لكفى به منقصة وذما، وإذا كان لزنا لكونه مزيلا

стр. 615

للنسب محرما، وكذا الخمر لكونها رافعة للعقل، والقتل لكونه مفنيا للشخص، فلأن يحرم هذا الفعل لكونه متضمنا لفناء النوع أولى كاللواط وإتيان البهيمة والاستمناء ولهذا عقبه بقوله وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ أي افعلوا ما تستوجبون به الجنة والكرامة كقول الرجل لغيره «قدم لنفسك عملا صالحا» وذلك أن الآية اشتملت على الإذن في أحد الموضعين والمنع عن الموضع الآخر فكأنه قيل: لا تكونوا في قيد قضاء الشهوة وإنما يجب أن تكونوا في ربقة الإخلاص وتقديم الطاعة، ثم إنه أكد ذلك بقوله وَاتَّقُوا اللَّهَ ثم زاد التأكيد بقوله وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وهذه التهديدات الثلاثة المتوالية لا تحسن إلا إذا كانت مسبوقة بالنهي عن مشتهي. فقوله وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ تحريض على فعل الطاعات ويندرج فيه ابتغاء لولد والتسمية عند الوقاع وغير ذلك من بآداب الخلوة، وقوله وَاتَّقُوا اللَّهَ زجر عن المحظورات والمنكرات، وقوله وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ تذكير ليوم البعث والحساب الذي لولاه لضاع فعل الطاعات وترك المنهيات وما أحسن هذا الترتيب! ثم قال وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ كيلا يخلو الوعيد من الوعد. ولم يذكر المبشر به وهو الثواب والكرامة ونحوهما إما لأنه كالمعلوم من نحو قوله وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً [الأحزاب: ٤٧] ، وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ [البقرة: ٢٥] وإما لأن الغرض نفس البشارة مثل «فلان يعطى» . الحكم التاسع: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ وهو نهي عن الجراءة على الله بكثرة الحلف، فإن من أكثر ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله عرضة أي معرضا له قال: فلا تجعلوني عرضة للوائم. وقد ذم الله تعالى من أكثر الحلف بقوله وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ [القلم: ١٠] ، والحكمة فيه أن من حلف في كل قليل وكثير بالله انطلق لسانه بذلك فلا يؤمن إقدامه على الأيمان الكاذبة. وأيضا كلما كان الإنسان أكثر تعظيما لله كان أكمل في العبودية، ومن كمال التعظيم أن يكون ذكر الله تعالى أجل وأعلى عنده من أن يبتذله ويستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية. وقوله أَنْ تَبَرُّوا علة النهي اي إرادة أن تبروا وتتقوا وتصّلحوا بين الناس لأن الخلاف مجترئ على الله غير معظم له فلا يكون برا متقيا، فإذا ترك الحلف لاعتقاده أن الله أعظم وأجل من أن يستشهد باسمه العظيم في مطالب الدنيا اعتقد الناس في صدق لهجته وبعده من الأغراض الفاسدة فعدوه برا متخذا من الإخلال بواجب حق الله فيدخلونه في وساطاتهم وإصلاح ذات بينهم. ومعنى آخر وهو أن تكون العرضة «فعلة» بمعنى «مفعول» كالقبضة والغرفة فيكون اسما للشيء الذي يوضع في عرض الطريق فيصير مانع الناس من السلوك، ومنه «عرض العود على الإناء» وتقول

стр. 616

«فلان عرضة دون الخير» . وذلك أن الرجل كان يحلف على بعض الخيرات من صلة لرحم أو إصلاح أو إحسان أو عبادة ثم يقول: أخاف الله أن أحنث في يميني. فيترك البر إرادة البر في يمينه فقيل: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أي حاجزا لما حلفتم عليه. وسمي المحلوف عليه يمينا لتلبسه باليمين كما قال النبي ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك» «١» أي على شيء مما يحلف عليه. فيكون قوله أَنْ تَبَرُّوا عطف بيان لِأَيْمانِكُمْ أي للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى أو الإصلاح بين الناس، وعلى هذا فاللام في لِأَيْمانِكُمْ إما أن تتعلق بالفعل أي ولا تجعلوا الله لأيمانكم برزخا وحاجزا، وإما أن تتعلق ب عُرْضَةً لما فيها من معنى الاعتراض بمعنى لا تجعلوا شيئا يعترض البر. ويجوز أن تكون اللام للتعليل ويتعلق أَنْ تَبَرُّوا بالعرضة أي لا تجعلوا الله لأجل أيمانكم به عرضة لأن تبروا وَاللَّهُ سَمِيعٌ إن حلفتم به عَلِيمٌ بنياتكم إن تركتم الحلف إجلالا لذكره، واليمين في الأصل عبارة عن القوة فسمي الحلف بذلك لأن المقصود بها تقوية جانب البر على جانب الحنث. اللغو الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره ولهذا قيل: لما لا يعتد به ولا يخطر من أولاد الإبل في الدية «لغو» وهو في الأصل مصدر لغا يلغو. قال ﷺ : «من قال يوم الجمعة لصاحبه صه والإمام يخطب فقد لغا» «٢» واختلف الفقهاء في اللغو من اليمين فذهب الشافعي- وهو قول عائشة والشعبي وعكرمة- أنه قول العرب «لا والله» و «بلى والله» مما يؤكدون به كلامهم ولا يخطر ببالهم الحلف. فلو قيل لواحد منهم: سمعتك اليوم تحلف في المسجد الحرام لا ننكر ذلك ولعله قال: لا والله ألف مرة. ومذهب أبي حنيفة وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد والنخعي والزهري وسليمان بن يسار وقتادة والسدي ومكحول- أن اللغو هو أن يحلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن. وفائدة الخلاف أن الشافعي لا يوجب الكفارة في قول الرجل «لا والله» و «بلى والله» ويوجبها فيما إذا حلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن، وأبو حنيفة يحكم بالضد من ذلك. حجة الشافعي أن الآية تدل على أن لغو اليمين كالمقابل المضاد لما يحصل بسبب كسب القلب، لكن المراد من قوله بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ هو الذي يقصده الإنسان على سبيل

стр. 617

الجد ويربط به قلبه فيكون اللغو ما تعوّده الناس في الكلام «لا والله» و «بلى والله» فأما إذا حلف على شيء أنه كان حاصلا جدا ثم ظهر أنه لم يكن فقد قصد الإنسان بذلك اليمين المتصل تصديق قوله وربط قلبه بذلك فلم يكن لغوا البتة، وأيضا إنه سبحانه ذكر قبل هذه الآية النهي عن كثرة الحلف فذكر عقيب ذلك حال هؤلاء الذين يكثرون الحلف على سبيل الاعتياد في الكلام على سبيل القصد إلى الحلف، وبيّن أنه لا مؤاخذة عليهم ولا كفارة لأن إيجاب الكفارة والمؤاخذة عليهم يفضي إما إلى أن يمنعوا عن الكلام أو يلزمهم في كل لحظة كفارة وكلاهما حرج في الدين، فظهر أن تفسير اللغو بما ذكرنا هو المناسب ويؤده ما روت عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: «لغو اليمين قول الرجل بين كلامه لا والله وبلى والله» وروي أنه ﷺ مر بقوم ينتضلون ومعه رجل من أصحابه فرمى رجل من القوم فقال: أصبت والله ثم أخطأ فقال الذي مع النبي ﷺ : حنث الرجل يا رسول الله، فقال ﷺ : «كل أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة» وعن عائشة أنها قالت: أيمان اللغو ما كان في الهزل والمراء والخصومة التي لا يعقد عليها القلب. وأثر الصحابي في تفسير كلام الله حجة. وقال أبو حنيفة: اليمين معنى لا يلحقه الفسخ فلا يعتبر فيه القصد كالطلاق والعتاق. وأيضا إنه ﷺ قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه» أوجب الكفارة على الحانث مطلقا من غير فصل بين المجد والهازل. وقيل: إن يمين اللغو هو الحلف على ترك طاعة أو فعل معصية، فبين الله تعالى أنه لا يؤاخذ بترك هذه الأيمان وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ أي بإقامتكم على ذلك الذي حلفتم عليه من ترك الطاعة وفعل المعصية وعن الضحاك أن اللغو هي اليمين المكفرة كأنه قيل: لا يؤاخذكم الله بإثم الحلف إذا كفرتم. وقيل: هي ما يقع سهوا، والمراد بما كسبت قلوبكم هو العمد، واختاره القاضي أبو بكر. ثم إن الشافعي قال: معنى لا يؤاخذكم لا يلزمكم الكفارة بلغو اليمين الذي لا قصد معه، ولكن يلزمكم الكفارة بما نوت قلوبكم وقصدت من الأيمان ولم يكن كسب اللسان وحده. وقال أبو حنيفة: معناه لا يعاقبكم بلغو اليمين الذي يحلفه أحدكم بالظن، ولكن يعاقبكم بما اقترفته قلوبكم من إثم القصد أي الكذب في اليمين، وهو أن يحلف على ما يعلم أنه خلاف ما يقوله وهو اليمين الغموس. وقال مالك في الموطأ: أحسن ما سمعت في ذلك أن اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذلك ثم يوجد بخلافه فلا كفارة. قال: والذي يحلف على شيء وهو يعلم أنه فيه آثم كاذب ليرضي به أحدا أو يعتذر لمخلوق أو يقتطع به مالا فهذا لا أعلم أن يكون فيه كفارة، وإنما الكفارة على من حلف أن لا يفعل الشيء المباح الذي له فعله ثم يفعله، أو أن يفعله ثم لا يفعله مثل: أن حلف ألا يبيع ثوبه بعشرة دراهم ثم يبيع بذلك، أو يحلف ليضربن غلامه ثم لا يضربه. فَإِنَّ اللَّهَ

стр. 618

غَفُورٌ رَحِيمٌ حيث لم يؤاخذكم باللغو في أيمانكم وأخر عقوبتكم بما كسبت قلوبكم لعلكم تتفكرون أو تتوبون عنها. الحكم العاشر: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ يقال في اللغة: آلى يؤلي إيلاء وائتلى ائتلاء وتألى تأليا. والإلية والقسم واليمين والحلف كلها واحد. وفي الحديث القدسي «آليت أن أفعل» «١» خلاف المقدرين والإيلاء في الشرع هو الحلف على الامتناع من وطء لزوجة مطلقا أو مدة تزيد على أربعة أشهر. وكان الإيلاء طلاقا في الجاهلية فغيّر الشرع حكمه. قال سعيد بن المسيب. كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحب أن يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها وكان يتركها بذلك لا أيما ولا ذات بعل، والغرض منه مضارة المرأة. ثم إن أهل الإسلام كانوا يفعلون ذلك أيضا فأزال الله تعالى ذلك وأمهل الزوج مدة حتى يتروى ويتأمل. فإن رأى المصلحة في ترك هذه المضارة فعلها، وإن رأى المصلحة في المفارقة عن المرأة فارقها. ثم المتعارف أن يقال: آليت على كذا وإنما عدي هاهنا بمن لأنه أريد لهم من نسائهم تربص أربعة أشهر كما يقال: «لي منك كذا» أو ضمن في هذا القسم المخصوص معنى البعد فكأنه قيل: يبعدون من نسائهم أو يعتزلون مولين أو مقسمين. والتربص التلبث والانتظار وإضافته إلى أربعة أشهر إضافة المصدر إلى الظرف كقوله «بينهما يوم» أي مسيرة في يوم فَإِنْ فاؤُ فإن رجعوا عما حلفوا عليه من ترك جماعها فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يغفر للمولين ما عسى يقدمون عليه من طلب الضرار بالإيلاء وهو الغالب، وإن كان من الجائز كونه على رضا منهن إشفاقا منهن على الولد من القتل أو لغير ذلك من الأسباب وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ بان عقدوا القلب على حل رابطة النكاح فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وعيد على إصرارهم وتركهم الفيئة التي هي مثل التوبة. واعلم أن الإيلاء له أركان أربعة. الحالف والمحلوف به والمحلوف عليه ومدة هي ظرف المحلوف عليه. الركن الأول: الحالف وهو كل زوج يتصور منه الوقاع وكان تصرفه معتبرا في الشرع، فيصح إيلاء الذمي لعموم قوله لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ وبه قال أبو حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يصح إيلاؤه بالله تعالى ويصح بالطلاق والعتاق، وأيضا لا فرق عندنا بين الحر والرقيق في الحد. وعند أبي حنيفة يتنصف برق المرأة، وعند مالك برق الرجل كما قالا في الطلاق لنا أن التخصيص خلاف الظاهر، ولأن تقدير هذه المدة إن كان لأجل

стр. 619

معنى يرجع إلى الجبلة والطبع وهو قلة الصبر على مفارقة الزوج فيستوي فيه الحر والرقيق كالحيض ومدة الرضاع ومدة العنة. ويصح الإيلاء في حالتي الرضا والغضب بعموم الآية. وقال مالك: لا يصح إلا في حال الغضب. وأيضا يصح الإيلاء من المرأة سواء كانت في صلب النكاح أو كانت مطلقة طلقة رجعية، لأن الرجعية يصدق عليه أنها من نسائه بدليل أنه لو قال: نسائي طوالق. وقع الطلاق عليها فتدخل تحت ظاهر قوله يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ولهذا لو قال لأجنبية: والله لا أجامعك لم يكن موليا. وإيلاء الخصي صحيح لأنه يجامع كما يجامع الفحل غير أنه لا ينزل. ومن جبّ جميع ذكره لم يصح إيلاؤه على الأظهر لأنه لا يتحقق منه قصد الإيلاء لامتناع الأمر في نفسه. وكذا الأشل ومن بقي من ذكره بعد الجب ما دون قدر الحشفة. فإن آلى ثم جب فالأصح ثبوت الخيار لها فإن لم تفسخ بقي الإيلاء على الأظهر لأن العجز عارض وقد قصد الإضرار في الابتداء وإذا كانت المرأة رتقاء أو قرناء فالحكم كما في الجب ولا يصح إيلاء الصبي والمجنون بحال. الركن الثاني: المحلوف به وهو إما الله تعالى وصفاته أو غيره. فإن حلف بالله كان موليا، ثم إن جامعها في مدة الإيلاء خرج عن الإيلاء. وهل يجب عليه كفارة اليمين؟ الجديد وقول أبي حنيفة أنه يجب عليه كفارة اليمين، لأن الدلائل الدالة على وجوب الكفارة عند الحنث باليمين عامة. وأي فرق بين أن يقول: والله لا أقربك» ثم يقربها وبين أن يقوا. «والله لا أكلمك» ثم يكلمها. وإنما ترك ذكر الكفارة في الآية لأنها مبينة في سائر المواضع من القرآن وعلى لسان الرسول. وقوله تعالى فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يدل على عدم العقاب وأنه لا ينافي الكفارة كالتائب عن الزنا أو القتال لا عقاب عليه، ومع ذلك يجب عليه الحد والقصاص. وأما إن كان الحلف في الإيلاء بغير الله كما إذا قال: إن وطئتك فلله علي عتق رقبة أو صدقة أو حج أو صوم أو صلاة. فهل يكون موليا؟ الجديد وهو قول أبي حنيفة ومالك وجماعة من العلماء أنه يكون موليا لأن العتق والطلاق المعلقين بالوطء يحصلان لو وطئ فيكون ما يلزمه الوطء مانعا له من الوطء، ويكون هو بتعليقه بالوطء مضرا بها فيثبت لها المطالبة كما في اليمين بالله تعالى حتى يضيق الأمر عليه بعد مضي أربعة أشهر ليفيء أو يطلق. ولا يخفى أنه لو كان المعلق به إلزام قربة في الذمة فعليه ما في نذر اللجاج. وفيه أقوال أصحها أن عليه كفارة اليمين، والثاني عليه الوفاء بما سمى، والثالث التخيير بين كفارة اليمين وبين الوفاء. الركن الثالث: المحلوف عليه وهو الجماع وهذا من صرائح ألفاظه، وكذا النيك والوطء والإصابة ومن كناياتها المباضعة والملامسة والمباشرة فلا تعمل إلا بالنية.

стр. 620

الركن الرابع: المدة. فعن ابن عباس أنه لا يكون موليا حتى يحلف أن لا يطأها أبدا، وعن الحسن وإسحق أنه مول وإن حلف يوما. وهذان المذهبان في غاية البعد. وعن أبي حنيفة والثوري أنه لا يكون موليا حتى يحلف على أن لا يطأها أربعة أشهر أو فيما زاد. وعن مالك وأحمد والشافعي أنه لا يكون موليا حتى تزيد المدة على أربعة أشهر. فعند الشافعي إذا آلى منها أكثر من أربعة أشهر أجل لأربعة أشهر. وهذه المدة تكون حقا للزوج فإذا مضت طالبت المرأة الزوج بالفيئة أو الطلاق، فإن امتنع الزوج منهما طلقها الحاكم عليه. وعند أبي حنيفة إذا مضت أربعة أشهر يقع الطلاق بنفسه، حجة الشافعي أن الفاء في قوله فَإِنْ فاؤُ تقتضي كون ما بعدها من حكمي الفيئة والطلاق مشروعا متراخيا عن انقضاء الأشهر الأربعة. وأيضا قوله وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ صريح في أن وقوع الطلاق وإنما يكون بإيقاع الزوج، وفي أن الزوج لا بد أن يصدر عنه شيء يكون مسموعا وما ذاك إلا إيقاع الطلاق. أجاب أبو حنيفة بأن قوله فَإِنْ فاؤُ تفصيل للحكم المتقدم كما تقول: «أنا نزيلكم هذا الشهر. فإن حمدتكم أقمت عندكم إلى آخره وإلا لم أقم وأتحول» وأيضا الإيلاء طلاق في نفسه، فالطلاق إشارة إليه. وأيضا الغالب أن العازم للطلاق والضرار وترك الفيئة لا يخلو من مقاولة ودمدمة وحديث نفس، فذلك الذي يسمعه الله كما يسمع وسوسة الشيطان. واستدل على صحة مذهبه في أن الفيئة لا بد أن تقع في الأشهر بقراءة عبد الله بن مسعود فإن فاؤا فيهن ورد بأنها شاذة فلا معول عليها والرجوع إلى الحق أولى الله حسبي. التأويل: كما أن النساء محيضا في الظاهر وهو سبب نقصان إيمانهن يمنعهن عن الصلاة والصيام فكذا للرجال محيض في الباطن وهو سبب نقصان إيمانهم يمنعهم عن حقيقة الصلاة وهي المناجاة، وعن حقيقة الصوم وهي الإمساك عن مشتهيات النفوس. وكما أن المحيض هو غلبة الدم فكذلك الهوى هو غلبة دواعي الصفات البشرية والحاجات الإنسانية، فكلما غلب الهوى تكدر الصفا وحصل الأذى. وقد قيل: قطرة من الهوى تكدر بحرا من الصفا. ولذلك نودي من سرادقات الجلال: يا قلوب الرجال اعتزلوا نساء النفوس في محيض غلبات الهوى حَتَّى يَطْهُرْنَ يفرغن من قضاء الحوائج الضرورية للإنسان من المأكول والمشروب والمنكوح فَإِذا تَطَهَّرْنَ بماء التوبة والإنابة ورجعن إلى الحضرة في طلب القربة فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ يعني عند ظهور شواهد الحق لزهوق باطل النفس واضمحلال هواها إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ عن أوصاف الوجود وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ بأخلاق المعبود بل يحب التوابين عن بقاء الوجود ويحب المتطهرين

стр. 621

ببقاء الشهود نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ الرجال البالغون الواصلون إلى عالم الحقيقة المتصرفون فيما سوى الله بتصرف الحقّ فهم رجال وما دون الله نساؤهم وهم الأنبياء والأولياء القائمون بالله الداعون إلى الله بإذنه. فكما أن الدنيا مزرعة الآخرة لقوم، فالدنيا والآخرة مزرعتهم ومحرثهم يحرثون فيها أنى شاءوا وكيف شاءوا وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [التكوير: ٢٩] فقد فنيت مشيئتهم في مشيئته تعالى وبقيت قدرة تصرفهم بتقويته لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ القلب كالأرض للزراعة، والجوارح كآلات الحراثة، والأعمال والأقوال كالبذر. فالبذر ما لم يقع في الأرض المرتبة للزراعة لا ينبت وإن كان فيها آلة من آلات الحراثة. أما إن كان لما يجري على الظواهر من الخبر أدنى أثر في القلب ولو كان مثقال ذرة فإن الله تعالى من كمال فضله وكرمه لا يضيعه بل يضاعفه، وإن كان ما يجري عليه في الظاهر شرا فإن لم يكن له أثر في القلب كان لغوا ولا يؤاخذه، وإن كان له أثر في القلب فهو بصدد المؤاخذة وإن شاء الله غفره. لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ من وقع له من أهل القصد وقفة أو فترة في أثناء السلوك من ملالة النفس أو نفرة الطبع فعلى الشيخ والأصحاب أن لا يفارقوه في الحقيقة ويعاونوه بالهمم العلية ويتربصوا أربعة أشهر للرجوع لأن هذه مدة تعلق الروح بالجنين كما جاء في الحديث «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك» «١» إلى آخره فَإِنْ فاؤُ الفيئة إلى صدق الطلب ورعاية حق الصحبة ونفخ فيه روح الإرادة مرة أخرى لا حظوه معين القبول، فإن هذا ربيع لا يرعاه إلا المهزولون، وربع لا يسكنه إلا المعزولون، بل شراب لا يذوقه إلا العارفون، وغناء لا يطرب عليه إلا العاشقون وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ لعزمه على طلاق منكوحة المواصلة فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لمقالتهم عَلِيمٌ بحالتهم وهو حسبي. [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٢٨ الى ٢٣٢] وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨) الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخافا أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)

стр. 622

القراآت: أَنْ يَخافا بضم الياء: يزيد وحمزة ويعقوب الباقون بفتح الياء نبينها بالنون المفضل. الباقون بياء الغيبة يَفْعَلْ ذلِكَ مدغما حيث كان: أبو الحرث عن علي فَقَدْ ظَلَمَ مظهرا: ابن كثير وأبو جعفر ونافع غير ورش وعاصم غير الأعشى. الوقوف: قُرُوءٍ ط الْآخِرِ ط إِصْلاحاً ط بِالْمَعْرُوفِ ص لعطف المتفقتين ولا تمام المقصود في تفضيل الرجال دَرَجَةٌ ط حَكِيمٌ هـ مَرَّتانِ ص لعطف المتفقتين بِإِحْسانٍ ط حُدُودَ اللَّهِ الأول ط افْتَدَتْ بِهِ ط تَعْتَدُوها ج الظَّالِمُونَ هـ غَيْرَهُ ص لأن الطلاق للزوج الثاني على خطر الوجود لا منتظر معهود فكان خارجا من مقتضى الجملة الأولى أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ط يَعْلَمُونَ هـ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ص لطول الكلام لِتَعْتَدُوا ج نَفْسَهُ ط هُزُواً ص لطول ما بعده يَعِظُكُمْ بِهِ ط بِالْمَعْرُوفِ ط الْآخِرِ ط وَأَطْهَرُ ط لا تَعْلَمُونَ هـ التفسير: الحكم الحادي عشر: الطلاق. ويشتمل على أحكام أولها: وجوب العدة. واعلم أن المطلقة وهي التي أوقع الطلاق عليها إما أن تكون أجنبية ولا يقع الطلاق عليها في عرف الشرع بالإجماع وإما أن تكون منكوحة وحينئذ إما أن لا تكون مدخولا بها ولا عدة عليه لقوله تعالى إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها [الأحزاب: ٤٩] وإما أن تكون مدخولا بها وحينئذ إن كانت حاملا فعدتها بوضع الحمل قال تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: ٤] وإن كانت حائلا فإن امتنع الحيض في حقها إما للصغر المفرط أو الكبر المفرط فعدتها بالأشهر لا بالأقراء لقوله سبحانه وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق: ٤] وإن كان الحيض في حقها ممكنا فإن كانت رقيقة فعدتها قرآن، وإن كانت حرة فعدتها ثلاثة أقراء لهذه الآية، فظهر أن قوله وَالْمُطَلَّقاتُ لا يتناول إلا المنكوحة الحرة المدخول بها كالحائل من ذوات الحيض. لا يقال: العام إنما يحسن تخصيصه إذا كان الباقي أكثر من حيث إنه جرت العادة بإطلاق

стр. 623

لفظ الكل على الغالب لا المغلوب. فيقال: الثوب أسود إذا كان الغالب عليه السواد لا البياض. وهاهنا الباقي قسم واحد من الأقسام الخمسة فكيف يحسن إطلاق لفظ العام عليه؟ لأنا نقول: أما الأجنبية فتخرج بعرف الشرع كما مر، وأما غير المدخول بها فالقرينة تخرجها لأن المقصود من العدة براءة الرحم، وكذا الحامل والآيسة لأن إيجاب الاعتداء بالأقراء إنما يكون حيث يحصل الأقراء ولا أقراء في حقهما. وأما الرقيقة فتزويجها كالنادر فثبت أن اللفظ باق على تناوله الأغلب. وإنما لم يقل وليتربصن المطلقات بل أخرج الأمر في صورة الخبر إشعارا بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن فهو يخبر عن موجود. وبناء الكلام على المبتدأ مما زاده أيضا فضل تأكيد وتقوّ. ولو قيل: «وليتربصن المطلقات» لم يكن بتلك الوكادة وفي ذكر الأنفس دون أن يقال «يتربصن ثلاثة قروء» تهييج لهن على التربص لأن فيه ما يستنكفن منه، فإن أنفس النساء طوامح إلى الرجال، نوازع إليهم، فأمرن أن يقبضن أنفسهن. والقروء جمع قرء بفتح القاف أو ضمها، والراء ساكنة في الحالين. وفي الصحاح بفتح القاف فقط. ولا خلاف أن اسم القرء يقع على الطهر والحيض، والمشهور أنه حقيقة فيهما. وقيل: حقيقة في الحيض مجاز في الطهر. وقيل بالعكس. وقيل: إنه موضوع لمعنى واحد مشترك بينهما إما لأن القرء هو الاجتماع ثم في وقت الحيض يجتمع الدم في الرحم وفي وقت الطهر يجتمع الدم في البدن وهو قول الأصمعي والأخفش والفراء والكسائي، وإما لأنه عبارة عن الانتقال من حالة إلى حالة وهو قول أبي عبيد، وإما لأن القرء هو الوقت. وقيل: «هذا قارئ الرياح» لوقت هبوبها. ولا يخفى أن لكل من الطهر والحيض وقتا معينا وهذا قول أبي عمرو بن العلاء. ثم إن الله تعالى أمر المطلقة بثلاثة أشياء تسمى أقراء، لكن العلماء أجمعوا على أن الثلاثة يجب أن تكون من أحد الجنسين. ثم اختلفوا فذهب الشافعي إلى أنها الأطهار، ويروى ذلك عن ابن عمر وزيد وعائشة ومالك وربيعة وأحمد في رواية. وقال عمر وعلي وابن مسعود: هي الحيض. وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى. وفائدة الخلاف أن مدة العدة عند الشافعي أقصر حتى لو طلقها في حال الطهر يحسب بقية الطهر قراءا وإن حاضت عقيبه في الحال إذا شرعت في الحيضة الثالثة انقضت عدتها. وعند أبي حنيفة ما لم تطهر من الحيضة الثالثة إن كان الطلاق في حال الطهر، أو من الحيضة الرابعة إن كان في حال الحيض لا يحكم بانقضاء عدتها. ثم قال: إذا طهرت لأكثر الحيض تنقضي عدتها قبل الغسل، وإن طهرت لأقل الحيض لم تنقض عدتها حتى تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء أو يمضي عليها وقت صلاة حجة الشافعي قوله تعالى فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١] أي في زمان عدتهن. وأجيب بأن معنى الآية

стр. 624

مستقبلات لعدتهن كما تقول: «لثلاث بقين من الشهر» أي مستقبلا لثلاث. وقيل: هذا يقوي استدلال الشافعي لأن قول القائل: «لثلاث بقين من الشهر» معناه لزمان يقع الشروع في الثلاث عقيبه. فمعنى الآية طلقوهن بحيث يحصل الشروع في العدة عقيبه. ولما كان الإذن حاصلا بالتطليق في جميع زمان الطهر وجب أن يكون الطهر الحاصل عقيب زمان التطليق من العدة. وروي عن عائشة أنها قالت: هل تدرون ما الأقراء؟ الأقراء الأطهار. ثم قال الشافعي: النساء بهذا أعلم. وأيضا التركيب يدل على الجمع. وأكثر أحوال الرحم اجتماعا واشتمالا على الدم آخر الطهر، إذ لو لم تمتلىء بذلك الفائض لما سالت إلى الخارج. فمن أول الطهر يأخذ في الاجتماع والازدياد إلى آخره، والآخر هو حال كمال الاجتماع فآخر الطهر هو القرء بالحقيقة. وأيضا الاعتداد بالأطهار أقل زمانا من الاعتداد بالحيض، فيلزم المصير إليه لأن الأصل- أن لا يكون لأحد على غيره حق الحبس والمنع. ولما كانت المدة أقل كان أقرب إلى هذا الأصل وأوفق له. وأيضا الآية تدل على أنها إذا اعتدت بثلاثة أشياء تسمى أقراء خرجت عن العهدة فتكون متمكنة من الاعتداد بالأطهار التي مدتها أقل، ومن الاعتداد بالحيض التي مدتها أكثر، فيكون الاعتداد بالقدر الزائد على مدة الأطهار غير واجب. حجة أبي حنيفة قوله ﷺ «دعي الصلاة أيام أقرائك» «١» وقوله «طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان» «٢» ولأن الغرض الأصلي من العدة استبراء الرحم والحيض هو الذي يستبرأ به الأرحام، ولأن الأصل في الأبضاع الحرمة، وفي تقليل مدة العدة تحليل بضعها للزوج الثاني. فالتكثير أحوط ولأن إطلاق طهر كامل على بعض الطهر خلاف الظاهر، وإذا تعارضت الوجوه ضعفت الترجيحات ويكون حكم الله تعالى في كل أحد ما أدى اجتهاده إليه. وانتصاب ثَلاثَةَ قُرُوءٍ على أنه مفعول به كقولهم «المحتكر يتربص الغلاء» أي يتربصن مضي ثلاثة قروء. أو على الظرفية أي مدة ثلاثة قروء. وإنما جاء المميز على جمع الكثرة دون القلة التي هي الأقراء للاتساع فإنهم يستعملون كل واحد من الجمعين مكان الآخر ولهذا قال: بِأَنْفُسِهِنَّ وما هي إلا نفوس كثيرة. وأيضا فلعل القروء أكثر استعمالا فنزلا القليل بمنزلة المهمل فيكون مثل قولهم «ثلاثة شسوع» . ثم إن أمر العدة لما

стр. 625

كان مبنيا على انقضاء القرء في حق ذوات الأقراء وعلى وضع الحمل في حق الحامل وكان الوصول إلى معرفة ذلك متعذرا على الرجال، جعلت المرأة أمينة في العدة، وجعل القول قولها إذا ادعت انقضاء قرئها في مدة يمكن ذلك فيها، وهو عند الشافعي اثنان وثلاثون يوما وساعة. لأنها إذا طلقت طاهرا فحاضت بعد ساعة ثم حاضت يوما وليلة- وهو أقل الحيض- ثم طهرت خمسة عشر يوما- وهو أقل الطهر- ثم حاضت مرة أخرى يوما وليلة، ثم طهرت خمسة عشر ثم رأت الدم، فقد انقضت عدتها لحصول ثلاثة أطهار. فمتى ادعت هذا أو أكثر منه قبل قولها، وكذلك إذا كانت حاملا فادعت سقوط الولد كان القول قولها لأنها على أصل أمانتها ولهذا قال سبحانه: وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ فأكثر المفسرين قالوا: إن الكتمان راجع إلى الحبل والحيض معا. وذلك أن المرأة لها أغراض كثيرة في كتمانهما. أما كتمان الحمل فإذا كتمت الحمل قصرت مدة عدتها فتتزوج بسرعة، وربما كرهت مراجعة الزوج الأول، وربما أحبت التزوج بزوج آخر وأحبت أن تلصق ولدها بالزوج الثاني. وأما كتمان الحيض فغرضها فيه أن المرأة إذا طلقها الزوج وهي من ذوات الأقراء، فقد تحب تطويل عدتها لكي يراجعها الزوج الأول، وقد تحب تقصير عدتها لتبطل رجعته، فإذا حاضت أولا فكتمته ثم أظهرت عند الحيضة الثانية أن ذلك أول حيضها فقد طولت العدة، وهكذا إن كتمت الحيضة الثالثة. وإذا كتمت أن حيضها باق فقد قطعت الرجعة على زوجها. وقيل: المراد النهي عن كتمان الحبل فقط لأن المخلوق في الأرحام هو الحبل لا الحيض، ولأن حمل المعنى على ما هو شريف أولى لقوله تعالى هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ [آل عمران: ٦] وقيل: المراد النهي عن كتمان الحيض لأن الآية وردت عقيب ذكر الأقراء ولم يتقدم ذكر الحمل. وقيل: يجوز أن يراد اللائي يبغين إسقاط ما في بطونهن من الأجنة فلا يعترفن به ويجحدنه لذلك، فجعل كتمان ما في أرحامهن كناية عن إسقاطه. وفي قوله إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تعظيم لفعلهن، وإن من آمن بالله وبعقابه لا يجترىء على مثله من العظائم. وفيه أن من جعل أمينا في شيء فخان فيه فأمره عند الله شديد. الحكم الثاني للطلاق الحكم الثاني للطلاق: الرجعة وذلك قوله وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ والبعل الزوج والجمع البعولة. والتاء لتأكيد التأنيث في الجماعة كصقورة. وليس هذا في كل جمع وإنما هو مقصور على السماع. ويقال للمرأة أيضا بعل وبعلة كما يقال زوج وزوجة والبعل: السيد المالك. يقال: من بعل هذه الناقة؟ أي من ربها وصاحبها؟ ويجوز أن يراد بالبعولة المصدر من قوله «بعل حسن البعولة» وعلى هذا فالمضاف محذوف أي أهل بعولتهن أحق بردهن برجعتهن. قال

стр. 626

تعالى في موضع: وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي [الكهف: ٣٦] وفي موضع آخر وَلَئِنْ رُجِعْتُ [فصلت: ٥٠] فكأنه يردها من التربص إلى خلافه، ومن الحرمة إلى الحل في ذلك أي في مدة التربص، لأنه إذا انقضى ذلك الوقت بطل حق الرد والرجعة. وإنما تكون البعولة أحق عند الله تعالى برجعتهن إن أرادوا إصلاحا لما بينهم وبينهن وإحسانا إليهن لا الضرار وتطويل العدة كما في قوله وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا فلو راجعها لقصد المضارة استوجب من الله العقاب، وإن صحت رجعته شرعا لأنا نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر. فإن قيل: كيف جعلوه أحق بالرجعة كأن للنساء حقا فيها؟ فالجواب أن الرجل إن أراد الرجعة وأبتها المرأة وجب إيثار قوله على قولها فهذا هو المعنى بالأحقية أو نقول: إنهن إن كتمن ما في أرحامهن لأجل أن يتزوّج بهن آخر، فإذا فعلن ذلك كان الزوج الأول أحق بردهن، وإن ثبت للزوج الثاني حق في الظاهر ولهن من الحق على الرجال مثل الذي للرجال عليهن بالمعروف بالوجه الذي لا ينكر في الشرع وعادات الناس فلا يكلفنهم ما ليس لهن ولا يكلفونهن ما ليس لهم. والمراد بالمماثلة مماثلة الواجب في كونهما من الحسنة لا في جنس الفعل. فإذا غسلت ثيابه أو خبزت لا يجب عليه أن يفعل نحو ذلك ولكن يقابله بما يليق بالرجال. قال أبو هريرة: قيل لرسول الله ﷺ : أي النساء خير؟ قال: «التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخونه في نفسها وماله بما يكره» وفي حديث حجة الوداع «ألا إن لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن» «١» وعن ابن عباس أنه قال: إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي لقوله تعالى وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَ وقيل: معنى الآية ولهن على الزوج من إرادة الإصلاح عند المراجعة مثل ما عليهن من ترك الكتمان. وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ زيادة في الحق وفضيلة وهي واحدة الدرجات الطبقات من المراتب. أصلها من درج الرجل. والضب يدرج دروجا أي مشى ودرج أي مضى لسبيله. ودرج القوم إذا انقرضوا. وفي المثل «أكذب من دبّ ودرج» أي أكذب الأحياء والأموات. وقد فضل الله الرجال على النساء في أمور: في العقل وفي الدية وفي الميراث وفي نصيبه من المغنم، وفي صلاحية الإمامة والقضاء والشهادة، وفي أن له أن يتزوج عليها ويتسرى وليس لها ذلك، وفي أن له أن

стр. 627

يطلقها وإذا طلقها راجعها شاءت المرأة أم أبت ولا قدرة للمرأة على التطليق ولا على الرجعة فإذن المرأة كالأسير العاجز في يد الرجل ولهذا قال ﷺ : «استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عندكم عوان» «١» وفي خبر آخر «اتقوا الله الضعيفين اليتيم والمرأة» وذلك أن من كانت نعمة الله عليه أكثر كان صدور الذنب عنه أقبح، واستحقاقه للزجر أشد، وقيل: بل الغرض من الآية أن فوائد الزوجية هي السكن والازدواج والألفة والمودة واشتباك الأنساب واستكثار الأعوان والأحباب وحصول اللذة، وكل ذلك مشترك بين الجانبين، بل يمكن أن يقال: نصيب المرأة منها أوفر. ثم إن الزوج اختص بأنواع من الكلفة وهي التزام المهر والنفقة والذب عنها والقيام بمصالحها، فيكون وجوب الخدمة على المرأة أشد رعاية لهذه الحقوق الزائدة فيكون هذا كقوله تعالى الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ [النساء: ٣٤] وعن النبي ﷺ «لو أمرت أحدا بالسجود لغير الله لأمرت المرأة بالسجود لزوجها» «٢» وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ غالب لا يمنع مصيب في أفعاله، وأحكامه لا يتطرق إليها احتمال العبث والسفه والغلط والباطل. الحكم الثالث للطلاق: هو الطلاق الذي يثبت فيه الرجعة. وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يطلق امرأته ثم يراجعها قبل أن تنقضي عدتها، ولو طلقها ألف مرة كانت القدرة على المراجعة ثابتة له. فجاءت امرأة إلى عائشة فشكت أن زوجها يطلقها ويراجعها يضارها بذلك، فذكرت عائشة ذلك لرسول الله ﷺ فنزل الطَّلاقُ مَرَّتانِ فعلى هذا تكون الآية متعلقة بما قبلها. والمعنى أن الطلاق الرجعي مرتان ولا رجعة بعد الثلاث. وهذا تفسير من جوز الجمع بين الطلقات الثلاث وهو مذهب الشافعي وهو أليق بنظم الكلام لأنه تعالى بيّن في الآية الأولى أن حق الرجعة ثابت للزوج ولم يذكر أن ذلك الحق ثابت دائما أو إلى غاية معينة فكان ذلك كالمجمل أو العام فيفتقر إلى مبين أو مخصص، فذكر عقيبه أن الطلاق المعهود السابق الذي يثبت فيه للزوج حق الرجعة هو أن يوجد طلقتان فقط، فإذا وصلت التطليقة إلى هذه الغاية بطل حق الرجعة. والطلاق بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم. وقيل: إن هذا كلام مبتدأ والمعنى: أن التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة ولم يرد بالمرتين التثنية ولكن التكرير

стр. 628

كقوله تعالى ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ [الملك: ٤] أي كرة بعد كرة، وقولهم «لبيك وسعديك» . وهذا التفسير قول من قال: الجمع بين الثلاث حرام. وزعم أبو زيد الدبوسي في الأسرار أن هذا هو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعمران بن الحصين وأبي موسى الأشعري وأبي الدرداء وحذيفة ﵃، ويؤكده العدول عن لفظ الأمر وهو «طلقوا مرتين أو دفعتين» إلى لفظ الخبر كما مر في قوله وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ ثم من هؤلاء من قال: لو طلقها ثنتين أو ثلاثا لا يقع إلا واحدة وهذا هو الأقيس، واختاره كثير من علماء أهل البيت لأن النهي يدل على اشتمال المنهي عنه على مفسدة راجحة، والقول بالوقوع سعي في إدخال تلك المفسدة في الوجود ومنهم من قال: - وهو اختيار أبي حنيفة- إنه وإن كان محرما إلا أنه يقع ويكون بدعة، والسنة أن لا يوقع عليها إلا واحدة في طهر لم يجامعها فيه. وهذا منه بناء على أن النهي لا يدل على الفساد، ومما يؤيد مذهب الشافعي حديث العجلاني الذي لاعن امرأته فطلقها بين يدي رسول الله ﷺ فلم ينكر عليه، ومما يؤكد مذهب أبي حنيفة حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال له: إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالا فتطلقها لكل قرء تطليقة. وأما قوله فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ أي أمركم بعد الرجعة أو بعد معرفة كيفية التطليق أحد هذين. فالتسريح الإرسال والإطلاق والإمساك نقيضه. ومعنى الإمساك بالمعروف هو أن يراجعها لا على قصد المضارة بل على قصد الإصلاح ومعنى التسريح بإحسان قيل: هو أن يوقع عليها الطلقة الثالثة. روي أنه لما نزل قوله تعالى الطَّلاقُ مَرَّتانِ قيل له ﷺ : فأين الثالثة؟ فقال: هو قوله أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وقيل: هو أن يترك المراجعة حتى تبين بانقضاء العدة. ويروى عن الضحاك والسدي وهو أقرب لولا الخبر الذي رويناه لأن الفاء في قوله فَإِنْ طَلَّقَها تقتضي وقوع هذه الطلقة متأخرة عن ذلك التسريح. فلو كان المراد بالتسريح هو الطلقة الثالثة لكان قوله فَإِنْ طَلَّقَها طلقة رابعة وإنه غير جائز. وأيضا لو حملنا التسريح على ترك المراجعة كانت الآية متناولة لجميع الأقسام، لأنه بعد الطلقة الثانية إما أن يراجعها وهو قوله فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أو لا يراجعها بل يتركها حتى تنقضي عدتها وتحصل البينونة وهو قوله أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ أو يطلقها وذلك قوله فَإِنْ طَلَّقَها فلو جعلنا التسريح طلاقا لزم إهمال أحد الأقسام وتكرير بعضها. وأما الحكمة في إثبات حق الرجعة فهي أن النعم مجهولة إذا فقدت عرفت، فلو كانت الطلقة الواحدة مانعة عن الرجعة فربما ظهرت المحبة بعد المفارقة وعظمت المشقة. ثم إن كمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة فلهذا ثبت حق المراجعة بعد المفارقة مرتين ليجرب الإنسان أحوال قلبه، فإن كان الأصلح له إمساكها راجعها وأمسكها بالمعروف،

стр. 629

وإن كان الأصلح تسريحها سرحها على أحسن الوجوه وهو أن يؤدي حقوقها المالية، ولا يذكرها بعد المفارقة بسوء ولا ينفر الناس عنها، وهذا التدريج والترتيب يدل على كمال رأفته بعبده. الحكم الرابع من أحكام الطلاق: بيان الخلع وذلك قوله وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً وسبب ارتباط هذا بما قبله أنه تعالى لما أمر بالتسريح مقرونا بإحسان بيّن عقيبه أن من جملة الإحسان أنه إذا طلقها لا يأخذ منها شيئا مما أعطاها من المهر والثياب وسائر ما تفضل به عليها، لأنه ملك بضعها واستمتع بها في مقابلة ما أعطاها إلا إذا فارقها على عوض ويدخل فيه النهي من أن يضيق عليها ليلجئها إلى الافتداء كما قال في سورة السناء وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ [النساء: ١٩] والخطاب في قوله وَلا يَحِلُّ لَكُمْ للأزواج وفي قوله فَإِنْ خِفْتُمْ للأئمة والحكام. ويجوز أن يكون الخطاب الأول أيضا للأئمة لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم فكأنهم الآخذون والمؤتون روي أن الآية نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي. وفي سنن أبي داود أن المرأة كانت حبيبة بنت سهل الأنصارية، كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس وكانت تبغضه أشد البغض وكان يحبها أشد الحب. فأتت رسول الله ﷺ وقالت: فرق بيني وبينه، والله ما أعيب عليه في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإسلام ما أطيقه بغضا إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة فإذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها. فقال ثابت: مرها فلترد علي الحديقة التي أعطيتها، فقال لها: ما تقولين؟ قالت: نعم وأزيده. فقال ﷺ : لا، حديقته فقط. ثم قال لثابت: خذ منها ما أعطيتها وخل سبيلها ففعل، وكان ذلك أول خلع في الإسلام. ومعنى قوله إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ إلا أن يخاف الزوجان ترك إقامة حدود الله فيما يلزمهما من مواجب الزوجية واختلفوا في مقدار ما يجوز به الخلع. فعن الشعبي والزهري والحسن وعطاء وطاوس أنه لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها وهو قول علي كرم الله وجهه لقوله تعالى وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً ثم قال: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أي فلا جناح على الرجل فيما أخذ، ولا عليها فيما أعطت. ومعنى فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ فيما افتدت نفسها واختلعت به فوجب أن يكون هذا راجعا إلى ما آتاها، ولقوله ﷺ لا حديقته فقط. حين قالت جميلة: نعم وأزيده. ولأن ذلك إجحاف بجانب المرأة وضرار بالمرأة بعد ما استبيح من بضعها ولهذا قال سعيد بن المسيب: لا يأخذ إلا دون ما أعطاها حتى يكون الفضل له. وأما سائر الفقهاء فإنهم قالوا: الخلع عقد معاوضة فينبغي أن لا يتقدر بمقدار معين. فكما أن للمرأة عند النكاح

стр. 630

أن لا ترضى إلا بالصداق الكثير، فكذلك للزوج أن لا يرضى عند المخالعة إلا بالبذل الكثير لا سيما وقد أظهرت الاستخفاف بالزوج حيث أظهرت بغضه وكراهته، ويتأكد هذا بما روي أن امرأة نشزت على زوجها فرفعت إلى عمر فأباتها في بيت الزبل ثلاث ليال ثم دعاها فقال: كيف وجدت مبيتك؟ قالت: ما بت منذ كنت عنده أقر ليعين منهن. فقال عمر لزوجها: اخلعها ولو بقرطها أي حتى قرطها. ولهذا قال قتادة يعني بمالها كله. وقيل: هو من قولهم «خذه ولو بقرطي مارية» وذلك فيهما درّتان قيمتهما أربعون ألف دينار. ويصح الخلع في حالتي الشقاق والوفاق عند أكثر المجتهدين لقوله تعالى فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً [النساء: ٤] فإذا جاز لها أن تهب مهرها من غير أن يحصل لنفسها شيئا بإزاء ما بذلت، كان ذلك في الخلع الذي تصير بسببه مالكة لنفسها أولى. وذهب الزهري والنخعي وداود إلى أنه لا يباح الخلع إلا عند الغضب والخوف من أن لا يقيما حدود الله كما في الآية، وإن وقع الخلع في غير هذه الحالة فالخلع فاسد. والجمهور على أنه لا كراهة في الخلع إن جرى في حال الشقاق، أو كانت تكره صحبته لسوء خلقه أو دينه كما في الآية، أو وقع وتحرجت عن الإخلال ببعض حقوقه لما بها من الكراهة فافتدت ليطلقها، أو ضربها الزوج تأديبا فافتدت، أو منعها حقها من النفقة وغيرها فافتدت لتتخلص منه وإن كان الزوج يكره صحبتها فأساء العشرة ومنعها بعض حقها حتى ضجرت وافتدت، فالخلع مكروه وإن كان نافذا والزوج مأثوم بما فعل. فالخلع المباح هو أن تكون المرأة بحيث تخاف الفتنة على نفسها والزوج يخاف أنها إذا لم تطعه اعتدى عليها. ويجوز أن يكون الخوف بمعنى الظن كما سبق في قوله فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً [البقرة: ١٨٢] ومن قرأ إِلَّا أَنْ يَخافا على البناء للمفعول جعل أَلَّا يُقِيما بدلا من ألف الضمير بدل الاشتمال مثل «خيف زيد تركه إقامة حدود الله» ثم الفرقة الحاصلة على العوض إن كان بلفظ الطلاق فهو طلاق، وإن لم يجر إلا لفظ الخلع فللشافعي فيه قولان: الجديد أنه طلاق ينتقص به العدد وإذا خالعها ثلاث مرات لم ينكحها إلا بمحلل، ويروى هذا عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود ﵃ وبه قال أبو حنيفة ومالك واختاره المزني ووجه بأنها فرقة لا يملكها غير الزوج فيكون طلاقا كما لو قال: أنت طالق على كذا. ولأنه لو كان فسخا لما صح بالزيادة على المهر المسمى كالإقالة في البيع. وإذا خالعها ولم يذكر المهر وجب أن يرد عليها المهر كالإقالة فإن الثمن يجب رده وإن لم يذكراه. والقديم أنه فسخ لا ينتقص به العدد ويجوز تحديد النكاح بعد الخلع من غير حصر. ويروى هذا عن ابن عمر وابن عباس قالوا: لأنه لو كان طلاقا

стр. 631

وقد قال عقيب ذلك فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ لكان الطلاق أربعا، ولأن النبي ﷺ أذن لثابت في مخالعته امرأته ولم يستكشف عن الحال مع أن الطلاق في زمان الحيض وفي الطهر الذي حصل الجماع فيه حرام، ولما روى عكرمة عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس لما اختلعت منه جعل النبي ﷺ عدتها حيضة ولو كانت مطلقة لم يقتصر لها على قرء واحد تِلْكَ أي المذكورات من أحكام الطلاق حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها فلا تتجاوزوا عنها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ والظالم اسم ذم وتحقير. فوقوع هذا الاسم عليه يكون جاريا مجرى الوعيد. وكيف لا والظالم ملعون أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ثم إنه ظلم من الإنسان على نفسه حيث أقدم على المعصية، وظلم على الغير أيضا بتقدير أن لا تتم المرأة عدته أو كتمت شيئا مما خلق في رحمها، أو ترك الرجل الإمساك بالمعروف أو التسريح بإحسان، أو أخذ من جملة ما آتاها شيئا لا بسبب نشوز من جهة المرأة. الحكم الخامس من أحكام الطلاق: بيان أن الطلقة الثالثة قاطعة لحق الرجعة وذلك قوله فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ والسبب في إيقاع آية الخلع بين آية الرجعة وبين هذه بعد ما مر من مناسبتها للتسريح بإحسان، هو أن الرجعة والخلع لا يصحان إلا قبل الطلقة الثالثة، ومعنى الآية فإن طلقها مرة ثالثة بعد المرتين فلا تحل له من بعد ذلك التطليق حتى تنكح أي تتزوج غيره. والنكاح يسند إلى المرأة كما يسند إلى الرجل كالتزوج فيقال: فلانة ناكح في بني فلان أي لها زوج منهم. هذا عند من يفسر قوله الطَّلاقُ مَرَّتانِ بالطلاق الرجعي. وأما عند من يفسره بأن التطليق الشرعي هو الذي يوقع على التفريق. فالمعنى عنده أنه إن طلقها الطلاق الموصوف بالتكرار في قوله الطَّلاقُ مَرَّتانِ واستوفى نصابه فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ ذلك حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ. ومذهب جمهور المجتهدين أن النكاح هاهنا بمعنى الوطء، لأن قوله زَوْجاً يدل على العقد. وقد نقلنا هذا عن أبي علي فيما سلف في تفسير قوله وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ [البقرة: ٢٢١] ويؤيد هذا ما روي عن عائشة أن امرأة رفاعة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن رفاعة طلقني فبت طلاقي وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني. وإن ما معه مثل هدبة الثوب. فقال رسول الله ﷺ : تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك. كنى بالعسيلة عن لذة الجماع وإنما أنث لأن من العرب من يؤنث العسل. ويروى أنها لبثت ما شاء الله ثم رجعت فقالت: إنه قد كان مسني فقال لها: كذبت في قولك الأول فلن

стр. 632

أصدقك في الآخر، فلبثت حتى قبض رسول الله ﷺ فأتت أبا بكر فقالت: أرجع إلى زوجي الأول فقال: قد عهدت رسول الله ﷺ حين قال لك ما قال فلا ترجعي إليه. فلما قبض أبو بكر قالت مثله لعمر فقال: إن أتيتني بعد مرتك هذه لأرجمنك فمنعها. وأيضا المقصود من توقيت حصول الحل على هذا الشرط زجر الزوج عن الطلاق لأن الغالب أن الزوج يستنكر أن يستفرش زوجته رجل آخر ولهذا قال بعض أهل العلم: إنما حرم الله على نساء النبي ﷺ أن ينكحن زوجا غيره لما فيه من الغضاضة. ومعلوم أن هذا الزجر إنما يحصل بتوقيف الحل على الدخول، فأما مجرد العقد فليس فيه زيادة نفرة فلا يصلح جعله مانعا وزاجرا. ثم قال الشافعي: إذا طلق زوجته واحدة أو ثنتين ثم نكحت زوجا آخر وأبانها ثم عادت إلى الأول بنكاح جديد لم يكن له عليها إلا طلقة واحدة وهي التي بقيت من الطلقات، لأن هذه طلقة ثالثة من حيث إنها وجدت بعد طلقتين، والطلقة الثالثة توجب الحرمة الغليظة، وقال أبو حنيفة: بل يملك عليها ثلاثا كما لو نكحت زوجا بعد الثلاث وإذا تزوج الغير بالمطلقة ثلاثا على أنه إذا أحلها للأول بأن أصابها فلا نكاح بينهما فهذا متعة بأجل مجهول وهو باطل. ولو تزوجها بشرط أن يطلقها إذا أحلها للأول فقولان: أحدهما لا يصح، والثاني يصح ويبطل الشرط وبه قال أبو حنيفة. ولو تزوجها مطلقا مضمرا أنه إذا أحلها طلقها فالنكاح صحيح ويكره ذلك ويأثم به. وقال مالك وأحمد والثوري: هذا النكاح باطل. وحيث حكمنا بفساد النكاح فالوطء لا يقع به التحليل على الأصح. وعن النبي ﷺ «لعن المحلل والمحلل له» «١» وعن عمر: لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما. فَإِنْ طَلَّقَها أي الزوج الثاني الذي تزوجها بعد الطلقة الثالثة فَلا جُناحَ عَلَيْهِما على المرأة المطلقة والزوج الأول في أَنْ يَتَراجَعا بنكاح جديد إلى ما كانا عليه من النكاح فهذا تراجع لغوي وظاهر الآية يقتضي أن يحل للزوج الأول هذا التراجع عقيب ما يطلقها الزوج الثاني من غير عدة بدلالة فاء التعقيب في قوله فَلا جُناحَ عَلَيْهِما ولهذا ذهب سعيد بن المسيب إلى أن النكاح هاهنا بمعنى العقد، وأن التحليل يحصل بمجرد العقد لأن الوطء لو كان معتبرا لكانت العدة واجبة. والجواب أن الآية مخصوصة بقوله تعالى وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ إن كان في ظنهما وفي عزيمتهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية، ولم يقل إن علما، ولا يجوز أن يفسر الظن هاهنا

стр. 633

بالعلم لأن اليقين في الاستقبال مغيب عن الإنسان، فإن لم يحصل هذا الظن وخافا عند المراجعة من نشوز منها أو إضرار منه فالرجوع مذموم إلا أنه يصح شرعا. من قرأ نبينها بالنون فمن طريقة الالتفات والنون للتعظيم، ومن قرأ بالياء فظاهر وصيغة المضارع أريد بها هاهنا الحال فلا إشكال. وجوز بعضهم أن يكون المراد بها الاستقبال، وذلك أن النصوص التي تقدمت أكثرها عامة يدخل فيها التخصيص وذلك يعرف بالسنة. فكان المراد- والله أعلم- إن هذه الأحكام التي تقدمت هي حدود الله، وسيبينها الله على لسان نبيه كمال البيان فهو كقوله تعالى وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ [النحل: ٤٤] وإنما خص البيان بالعلماء لأنهم هم المنتفعون بذلك. ثم إنه تعالى لما بين الأحكام المهمة للطلاق استأنف لحكمي الإمساك والتسريح ببيانين آخرين في آيتين متعاقبتين، لأن جملة الأمر في الطلاق يؤل الى أحد هذين: الأول قوله سبحانه وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ أي آخر عدتهن وشارفن منتهاها. والأجل يقع على المدة كلها وعلى آخرها. يقال لعمر الإنسان أجل، وللموت الذي ينتهي به أجل، ويتسع في البلوغ أيضا يقال: بلغ البلد إذا شارفه وداناه، ويقول الرجل لصاحبه: إذا بلغت مكة فاغتسل بذي طوى يريد به مشارفة البلوغ. فهذا من باب المجاز الذي يطلق فيه اسم الكل على الأكثر، ولأنه قد علم أن الإمساك بعد تقضي الأجل لا وجه له لأنها بعد تقضيه غير زوجة له وفي غير عدة منه فلا سبيل له عليها فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ راجعوها من غير توخي ضرار بالمراجعة أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ خلوها حتى تنقضي عدتها ونبين. ولما أمر بعد الطلاق بأحد الأمرين، استأنف حكم كل منهما فقدم حكم الإمساك على طريقة النهي لا الأمر، لأن المأمور يمتثل بمرة واحدة فلعله يمسكها بمعروف في الحال لكن في قلبه أن يضارها في الاستقبال، والمنهي لا يمتثل إلا إذا انتهى في كل الأوقات فيكون أدل على الدوام والثبات فقال: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً مضارة وتشمل موجبات النفرة والعداوة كلها، وروي أن الرجل كان يطلق المرأة ثم يدعها فإذا قارب انقضاء القرء الثالث راجعها، وهكذا يفعل بها في العدة تسعة أشهر أو أكثر. وقيل: الضرار سوء العشرة. وقيل: تضييق النفقة وكانوا يفعلون في الجاهلية أكثر هذه الأفعال رجاء أن تختلع المرأة منه بماله. ومعنى قوله لِتَعْتَدُوا أي لا تضاروهن ليكون عاقبة أمركم الاعتداء كقوله فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا [القصص: ٨] أو لا تضاروهن على قصد الاعتداء عليهن فتكونون متعمدين لتلك المعصية. وقيل: لتلجؤهن إلى الافتداء وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ بتعريضها لعقاب الله، أو بتفويته عليها منافع الدنيا والدين. أما الدنيا فلأنه إذا اشتهر بتلك المعاملة

стр. 634

لم يرغب في التزويج منه ولا في معاملته أحد، وأما منافع الدين فالثواب الحاصل على حسن العشرة مع الأهل وعلى الانقياد لأحكام الله تعالى وتكاليفه وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً فمن أقربائه يجب طاعة الله وطاعة رسوله ثم وصلت إليه هذه التكاليف المذكورة في أبواب العدة والرجعة والخلع وترك المضارة ولم يتشمر لأدائها كان كالمستهزىء بها. أو المراد لا تتهاونوا بتكاليف الله كما يتهاون بما يكون من باب الهزء والعبث. وعن أبي الدرداء: كان الرجل يطلق في الجاهلية ويعتق ويتزوج ويقول: كنت لاعبا. فنزلت فقرأها رسول الله ﷺ وقال: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة» «١» وروي «الطلاق والعناق والنكاح» «٢» وعن عطاء: المعنى أن المستغفر من الذنب إذا كان مصرا عليه أو على مثله كان كالمستهزىء بآيات الله. ثم إنه تعالى لما رغبهم في أداء التكاليف بما ذكر من التهديد رغبهم أيضا في أدائها بأن ذكرهم أقسام نعمه عليهم. فبدأ أولا بذكرها على الإجمال فقال: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وهذا يتناول كل نعمة لله على العبد في الدنيا والدين وقيل: المراد بها الإسلام ونبوة محمد ﷺ ، ثم خصص نعم الدين بالذكر لشرفها فقال: وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ عطفا على النعمة مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ من القرآن والسنة وذكرها مقابلتها بالشكر والقيام بحقها يَعِظُكُمْ بِهِ في محل النصب حالا مما أنزل أو من فاعل «أنزل» . ويحتمل أن يكون ما أَنْزَلَ الصلة والموصول مبتدأ، وقوله يَعِظُكُمْ بِهِ خبرا وَاتَّقُوا اللَّهَ في أوامره ونواهيه وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فيه وعد ووعيد وترغيب وترهيب الثاني: وهو حكم المرأة المطلقة بعد انقضاء العدة قوله عز من قائل وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ بلوغ الأجل هاهنا على الحقيقة. عن الشافعي: دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين فَلا تَعْضُلُوهُنَّ لا تحبسوهن ولا تضيقوا عليهن. وأصل العضل الضيق ومنه عضلت الدجاجة، إذا نشب بيضها فلم يخرج، وعضلت الأرض بالجيش إذا ضاقت بهم لكثرتهم، وأعضل الداء الأطباء إذا أعياهم، والعضلة اللحمة المجتمعة المكتنزة في عصبة. والخطاب للأزواج الذين يمنعون نساءهم بعد انقضاء العدة ظلما وقسرا ولحمية الجاهلية من أن ينكحن أزواجهن الذين يرغبن فيهم ويصلحون لهن إذا تراضوا- أي الرجال والنساء- تراضيا واقعا بينهم بالمعروف بما يحسن في الدين والمروءة من الشرائط كالعقد الحلال والمهر الجائز والشهود والعدول. وقيل: بمهر المثل وفرعوا عليه مسألة فقهية توافق

стр. 635

مذهب أبي حنيفة وهي: أنها إذا زوجت نفسها بأقل من مهر مثلها فالنكاح صحيح لكن للولي أن يعترض عليها بسبب النقصان عن المهر دفعا للشين عن الأولياء ولأن نساء العشيرة يتضررن بذلك فقد يعتبر مهورهن بمهرها. وزعم كثير من المفسرين أن الخطاب في قوله فَلا تَعْضُلُوهُنَّ للأولياء لما روى البخاري في صحيحه أن معقل بن يسار قال: كانت لي أخت تخطب إلي وأمنعها من الناس. فأتاني ابن عم لي فأنكحتها إياه فاصطحبا ما شاء الله ثم طلقها طلاقا له رجعة، ثم تركها حتى انقضت عدتها. فلما خطبت إلي أتاني يخطبها مع الخطاب فقلت له: خطبت إلي فمنعتها الناس وآثرتك بها وزوجتك ثم طلقتها طلاقا لك رجعة، ثم تركتها حتى انقضت عدتها، فلما خطبت إلي أتيتني تخطبها مع الخطاب، والله لا أنكحتهكها أبدا. قال: ففيّ نزلت هذه الآية فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه. وعن مجاهد والسدي أن جابر بن عبد الله كانت له بنت عم فطلقها زوجها وأراد رجعتها بعد العدة فأبى جابر فنزلت. وأجيب بأن رعاية نظم كلام الله أولى من محافظة خبر الواحد، ولا يخفى تفكك النظم لو قيل: «وإذا طلقتم النساء أيها الأزواج فلا تعضلوهن أيها الأولياء» لأنه لا يبقى بين الشرط والجزاء مناسبة، قالوا: ليس بعد انقضاء العدة قدرة للزوج على عضل المرأة. والجواب أنه قد يقدر على الظلم وقد يجعد الطلاق أو يدعي أنه كان راجعها في العدة، أو يدس إلى من يخطبها بالوعيد والتهديد، أو ينسبها إلى أمور تنفر الناس عنها. قالوا: أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ يدل على أن الأولياء كانوا يمنعونهن من العود إلى أولئك الذين كانوا أزواجا لهن. والجواب أن العرب قد تسمي الشيء بما يؤل إليه. فالمراد من يردن أن يتزوّجنهم فيكونوا أزواجا لهن. وقيل: الوجه أن يكون خطابا للناس أي لا يوجد فيما بينكم عضل، لأنه إذا وجد بينهم وهم راضون كانوا في حكم العاضلين. ثم ن الشافعي تمسك بالآية في أن النكاح لا يجوز إلا بولي، لأنه لو جاز للمرأة أن تزوج نفسها أو توكل من يزوجها لما كان الولي قادرا على عضلها من النكاح، وهذا مبني على أن الخطاب في فَلا تَعْضُلُوهُنَّ للأولياء وفيه ما فيه. ولو سلم فلم يجوز أن يكون الاستبداد الشرعي حاصلا لهن، ولكن يمنعها الولي من بعض الجهات التي قلنا في الزوج. وأيضا فثبوت العضل في حق الولي ممتنع لأنه مهما عضل انعزل، وإذا انعزل لا يبقى لعضله أثر. وتمسك أبو حنيفة بقوله تعالى أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ على أن النكاح بغير ولي جائز، وذلك أنه تعالى أضاف النكاح إليها إضافة الفعل إلى فاعله والتصرف إلى مباشره، ونهى الولي عن منعها من ذلك. ولو كان ذلك التصرف فاسدا لما نهى الولي عن منعها منه، ويتأكد هذا النص بقوله حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ وأجيب بأن الفعل كما يضاف
следующие страницы →