[الجزء الاول]
مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين أخبرنا القاضي أَبُو بَكْر محمد بن عقيل بن زَيْد الشّهْرَزُوريّ- ﵁ قَالَ: حدثنا القاضي أَبو عَبْد اللَّه محمد بْن علي بن زادلج، قال: حدثنا عبد الخالق ابن الْحَسَن، قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بن ثَابِت «١» بن يعقوب الثوري المقري «٢» ، قَالَ: حدثنا أَبِي، قَالَ: حدثنا الْهُذَيْلُ بن حبيب أَبُو صَالِح الزيداني عن مُقَاتِلٍ بن سُلَيْمَان عن ثلاثين رَجُلا منهم اثني عشر رَجُلا من التابعين منهم من زاد عَلَى صاحبه الحرف ومنهم من وافق صاحبه فِي التفسير فَمن الاثني عشر عَطَاء بن أَبِي رباح، والضحاك بن مُزَاحِم، ونافع مَوْلَى ابن عُمَر، والزُّبَيْر وابن شهاب الزُّهْرِيّ، ومُحَمَّد بن سِيرِينَ، وابن أَبِي مَلِيكة، وشهر بن حَوْشَب، وعكرمة، وعطية الكوفي، وأَبُو إسحاق الشَّعْبِيّ، ومُحَمَّد بن على ابن الحسين بن علي، ومن بعد هَؤُلاءِ قَتَادَة ونظراؤه حَتَّى ألفت هَذَا الكتاب. قَالَ عَبْد الخالق بن الْحَسَن: وجدت عَلَى ظهر كتاب عُبَيْدُ اللَّهِ بن ثَابِت عن أَبِيهِ تمام الثلاثين الَّذِين رَوَى عَنْهُمْ مُقَاتِلٌ «٣» . قَالَ: حدثنا الْهُذَيْلُ، قَالَ: رجال مُقَاتِلٍ الَّذِين أَخَذَ التفسير عَنْهُمْ سوى من سمينا قَتَادَة بن دعامة، وسليمان بن مهران الأعمش، وحماد
стр. 2
ابن أَبِي سُلَيْمَان، وإسماعيل بن أَبِي خَالِد، وابن طاوس اليماني، وعبد الكريم وعبد القدوس صاحبي الْحَسَن، وأَبُو روق، وابن أَبِي نجيح، وليث بن سُلَيْم، وأيوب وعَمْرو بن دينار «١» ، وداود بن أَبِي هند، والقاسم بن «٢» محمد، وعَمْرو بن شُعَيْب، والحكم بن عُتْبَة، وهشام بن حَسَّان، وسفيان الثَّوْرِي. ثُمّ قَالَ أَبُو محمد:
قَالَ أَبِي. فقلت لأبي صَالِح: لم كتب عن سُفْيَان وَهُوَ أكبر منه؟ فَقَالَ: إن مُقَاتِلٍ عُمِّر فكتب عن الصغار والكبار.
قَالَ أَبُو محمد: قَالَ أَبِي: قَالَ أَبُو صَالِح: بِذَلِك أَخْبَرَنِي مُقَاتِلُ.
قَالَ: حدثنا عَبْد اللَّه، قَالَ: وحَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حدثنا الْهُذَيْلُ عن مُقَاتِلٍ، قَالَ: أنزل القرآن عَلَى خمسة أوجه أمره، ونهيه، ووعده، ووعيده، وخبر الأولين. قَالَ: حدثنا عبيد الله قال: وحدثني أبي قال: حَدَّثَنِي الْهُذَيْلُ عَنِ الْمُسَيِّبِ عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ- ﵁ قَالَ: تَعَلَّمُوا التَّأْوِيلَ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ أَقْوَامٌ يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ. قَالَ: حَدَّثَنَا عبيد الله، قال:
حدثني أبي، قال: حدثنا الْهُذَيْلُ عَنْ أَبِي قِلابَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ- كِتَابًا إِلا أَحَبَّ أَنْ يُعْلَمَ تَأْوِيلُهُ، قَالَ: حدثنا عبيد الله، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا الْهُذَيْلُ عن إسماعيل بن عَيَّاش الحِمْصِيّ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي مُعَاذ بن رِفَاعة عن إِبْرَاهِيم العُذْريّ قَالَ: يحمل هَذَا العلم من كُلّ خلف عدو له ينفون عَنْهُ تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، قال:
حدثنا عبيد الله، قال: وحدثني أبي، قَالَ: حدثنا الْهُذَيْلُ عن سُفْيَان الواسطي، قَالَ: إن مثل من قرأ القرآن وَلَم يعلم تفسيره كمثل رَجُل جاءه كتاب أعز الناس
стр. 3
عَلَيْه ففرح به فطلب من يقرؤه (لَهُ) فلم يجده وَهُوَ أمي. فهكذا من قرأ القرآن وَلَم يدر ما فِيهِ. قَالَ: حَدَّثَنَا عبيد الله، قال: وحدثني أبي عن الهذيل عن على ابن عَاصِمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كُنَّا إِذَا عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ الْعَشْرَ آيَاتٍ «١» مِنَ الْقُرْآنِ لَمْ نُجَاوِزْهُنَّ إِلَى غَيْرِهِنَّ حَتَّى نَعْلَمَ مَا فِيهِنَّ.
قال: حدثنا عبيد الله، قال: وحدثني أبي، قَالَ: حَدَّثَني الْهُذَيْلُ عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: الْقُرْآنُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: تَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ، وَعَرِبِيَّةٌ تَعْرِفُهَا الْعَرَبُ، وَحَلالٌ وَحَرَامٌ لا يَسَعُ النَّاسَ جَهْلُهُ، وَتَأْوِيلٌ لا يَعْلَمُهُ إِلا اللَّهُ- . قُلْتُ: وَمَا التَّأْوِيلُ؟ قَالَ:
مَا هُوَ كَائِنٌ. قَالَ: حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: وَحدثنا أَبِي عن الْهُذَيْلِ عن مُقَاتِلٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي القرآن خاص وعام، خاص للمسلمين «٢» وخاص في المشركين وعام لجميع الناس ومتشابه ومحكم ومفسر ومبهم وإضمار وتمام وصلات فِي الكلام مَعَ ناسخ ومنسوخ وتقديم وتأخير وأشباه مَعَ وجوه كثيرة وجواب فِي سورة أخرى وأمثال ضربها اللَّه- لنفسه وأمثال ضربها للكافر والصنم وأمثال ضربها للدنيا والبعث والآخرة وخبر الأولين وخبر ما في الْجَنَّةِ والنار وخاص لمشرك واحد وفرائض وأحكام وحدود وخبر ما في قلوب الْمُؤْمِنِين وخبر ما في قلوب الكافرين وخصومة مشركي العرب وتفسير وللتفسير تفسير. قَالَ: حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ:
حدثنا أَبِي عن الْهُذَيْلِ بن حبيب عن مُقَاتِلٍ قَالَ: من قرأ القرآن فلم يعلم تأويله فهو فِيهِ أمي. قَالَ: حدثنا عبيد اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ الْهُذَيْلِ عَنْ مقاتل عن عبد الكريم الجزوى قَالَ: ما أجد أعظم أجرا يوم الْقِيَامَة ممن علّم القرآن وعلّمه.
стр. 4
وذَكَر مُقَاتِلٌ حساب الجمل فَقَالَ: يبدأ «١» بحروف أبى جاد [٣ أ] فألحقها بها ألف واحد ب اثنين ج ثلاثة د أربعة هـ خمسة وستة ز سبعة ح ثمانية ط تسعة ي عشرة ك عشرون ل ثلاثون م أربعون ن خمسون ص ستون ع سبعون ف ثمانون س تسعون ق مائة ر مائتين ش ثلثمائة ت أربعمائة باقى المعجم: ث خمسمائة خ ستمائة ذ سبعمائة ض ثمانمائة ظ تسعمائة غ ألف.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبِي عَنِ الْهُذَيْلِ عَنْ مُقَاتِلٍ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : مَا أَنْزَلَ اللَّهُ- فِي الْقُرْآنِ سُورَةً مِثْلَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَلا نَزَلَ فِي كُتُبِ الأَنْبِيَاءِ مِثْلُهَا.
قَالَ: وَقَالَ النَّبِيُّ- ﷺ أُعْطِيتُ بِالتَّوْرَاةِ السَّبْعُ الطِّوَالُ وَهُنَّ الْقُرْآنُ، وَأُعْطِيتُ بِالإِنْجِيلِ الْمَثَانِي وَهُنَّ هُدَى الْقُرْآنِ، وَأُعْطِيتُ بِالزَّبُورِ الْمِئِينَ «٢» وَهُنَّ رَيْحَانُ الْقُرْآنِ وفضلني بالمفصل «٣» .
قال: حدثنا عبيد الله، قال: حدثني الْهُذَيْلُ عن الْمُسَيِّب بن شريك عن أَبِي روق عن الضَّحَّاك فِي قول اللَّه- : الم، قَالَ: أَنَا اللَّه أَعْلَم.
قال: حدثنا عبيد الله، قال: حدثني أبي، قَالَ: حدثنا الْهُذَيْلُ عن أَبِي جَعْفَر الرَّازيّ عن أَبِي العالية فِي قوله- سُبْحَانَهُ- الم. قَالَ: هَذِهِ من الثمانية وعشرين حرفا التي دارت الألسن كلها بها وليس منها حرف إِلَّا وَهُوَ مفتاح اسم من أسماء اللَّه- وليس منها اسم إِلَّا وَهُوَ في الآية وبلا آية وليس منها حرف إِلَّا وَهُوَ فِي مدة قوم وآجالهم فالألف مفتاح اسم اللَّه- ﷻ . واللام مفتاح اسمه لطيف والميم مفتاح اسمه مجيد.
стр. 5
الألف آلاؤه واللام لطفه والميم مجده. قَالَ: حدثنا عبيد الله، قال:
وحدثني أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْهُذَيْلُ عَنْ أَبِي بَكْر الهذلي عن عِكْرمَة فِي قوله- : ذلِكَ الْكِتابُ يعني التوراة والإنجيل، قَالَ أَبُو روق: فِي قوله- سبحانه-: لا رَيْبَ فِيهِ لا شك فِيهِ وهُدىً لِلْمُتَّقِينَ قَالَ: كرامة لهم هداهم إليه. وأما قوله- سبحانه-: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ يعني بالغيب لا إله إِلَّا اللَّه وبما جاء به محمد- ﷺ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ يعني الصَّلاة المكتوبة وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ يعنى المفروضة وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ قَالَ روق: هَذِهِ للعرب «١» خاصة، قَالَ: وقَالَ أَبُو صَالِح، قَالَ الكلبي:
قَالَت: اليهود جُديّ وحُييّ ومن معهما نَحْنُ المتقون الَّذِين يؤمنون بالغيب آمنا بمحمد قبل أن يبعث. قَالَ الكلبي: هاتان الآيتان نزلتا فى اليهود.
بسم الله الرحمن الرحيم قَالَ: حدثنا عُبَيْدُ الله، قال: وحدثني أبى عن [٣ ب] الْهُذَيْلِ عن سُفْيَان عن مَنْصُور عن مُجَاهِد، قال: قَالَ «١» : فاتحة الكتاب مدنية.
قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، قال: وحدثني أبي عن الهذيل عن مُقَاتِلٍ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ- ﷺ قَالَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ مَدَنِيَّةٌ «٢» .
سُورَةُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ سَبْعُ آيَاتٍ كوفية وهي مدنية ويقال مكية «٣» .
стр. 9
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ- ١- الْحَمْدُ لِلَّهِ يعني الشكر للَّه رَبِّ الْعالَمِينَ- ٢- يعني الجن والإنس مثل قوله: لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ- ٣- اسمان رقيقان أَحَدهمَا أرق من الآخر الرَّحْمنِ يعني المترحم، الرَّحِيمِ يعني المتعطف بالرحمة.
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ- ٤- يعنى يوم الحساب كقوله- سبحانه- إِنَّا لَمَدِينُونَ «١» يعني لمحاسبون وذلك أن ملوك الدُّنْيَا يملكون فِي الدُّنْيَا فأخبر- سُبْحَانَهُ- أَنَّهُ لا يَمْلك يوم الْقِيَامَة أحد غيره فذلك قوله- تعالى-:
وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ «٢» .
إِيَّاكَ نَعْبُدُ يعني نوحد كقوله- سُبْحَانَهُ- فِي المفصل: عابِداتٍ «٣» يعني موحدات.
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ- ٥- عَلَى عبادتك اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ- ٦- يعني دين الإسلام لأن غير دين الإسلام لَيْسَ بمستقيم وَفِي قراءة ابْن مَسْعُود:
ارشدنا.
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يعني دلنا عَلَى طريق الَّذِين أنعمت عليهم يعني النبيين الَّذِين أنعم اللَّه عليهم بالنبوة كقوله- سُبْحَانَهُ: أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ «٤» .
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ يعني دلنا عَلَى دين غير اليهود الَّذِين غضب اللَّه عليهم «٥» فجعل «٦» منهم القردة والخنازير.
وَلَا الضَّالِّينَ- ٧- يَقُولُ وَلا دين المشركين يعني النصارى.
стр. 10
قَالَ: حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ الْهُذَيْلِ عَنْ مُقَاتِلٍ عَنْ مَرْثَدٍ عَنْ أََبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رسول الله- ﷺ قال: يَقُولُ اللَّهُ- : قَسَّمْتُ هَذِهِ السُّورَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. يَقُولُ اللَّهُ- : شَكَرَنِي عَبْدِي. فَإِذَا قَالَ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. يَقُولُ اللَّهُ: مَدَحَنِي عَبْدِي. فإذا قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. يَقُولُ اللَّهُ:
أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي. وَلِعَبْدِي بَقِيَّةُ السُّورَةِ. وَإِذَا قَالَ: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. يَقُولُ اللَّهُ: فَهَذِهِ لِعَبْدِي. وَإِذَا قَالَ: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. يَقُولُ اللَّهُ: فَهَذِهِ لِعَبْدِي.
وَلَا الضَّالِّينَ. فَهَذِهِ لِعَبْدِي «١» .
قَالَ: حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قال: حدثنا الهذيل عن مقاتل قال: إذا قرأ [٤ أ] أحدكم هَذِهِ السورة فبلغ خاتمتها، فَقَالَ: وَلَا الضَّالِّينَ فليقل آمين فَإِن الملائكة تؤمن فَإِن وافق تأمين الناس غفر للقوم ما تقدم من ذنوبهم.
قَالَ: حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ حَدَّثَنِي هُذَيْل عن وَكِيع عن منصور عن مُجَاهِد، قَالَ: لما نزلت فاتحة الكتاب رنَّ إبليس «٢» .
قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ السُّدِّيِّ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ عَلِيٍّ- ﵁ فِي قَوْلِهِ- : سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي قال: هي فاتحة الكتاب.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم- ١- ذلِكَ الْكِتابُ وذلك أن كَعْب بن الأشرف، وكعب بن أُسَيْد لما دعاهما النَّبِيّ- ﷺ إلى الْإِسْلام قَالا: ما أنزل اللَّه كتابا من بعد مُوسَى تكذيبا به فأنزل اللَّه- فِي قولهما: الم، ذلِكَ الْكِتابُ بمعنى هَذَا الكتاب الَّذِي كفرت به اليهود لا رَيْبَ فِيهِ يعني لا شك فيه أَنَّهُ من اللَّه جاء، وَهُوَ أنزله عَلَى محمد- ﷺ ثُمّ قَالَ:
هَذَا القرآن هُدىً من الضلالة لِلْمُتَّقِينَ- ٢- من الشرك. ثُمّ نعتهم فَقَالَ سُبْحَانَهُ-: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ يعني يؤمنون بالقرآن أَنَّهُ من اللَّه- تَعَالَى- جاء وَهُوَ أنزله عَلَى محمد- ﷺ فيحلون حلاله ويحرمون حرامه ويعملون بما فِيهِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ المكتوبة الخمس يعني يقيمون ركوعها وسجودها فِي مواقيتها وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ من الأموال يُنْفِقُونَ- ٣- يعني الزكاة المفروضة نظيرها فِي لقمان فهاتان الآيتان نزلتا فِي مؤمني أصحاب النَّبِيّ- ﷺ والمهاجرين «١» .
ثُمّ ذكر مؤمني أَهْل التوراة عَبْد اللَّه بن سلام وأصحابه منهم أُسَيْد بن زَيْد، وأسد بن كَعْب، وسلام بن قَيْس، وثعلبة بن عُمَر، وابن يامين «٢» واسمه سلام فَقَالَ:
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ يعني يصدقون بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ يا محمد من القرآن أَنَّهُ من اللَّه
стр. 14
_________
(مقصود السورة إجمالا) مدح مؤمنى أهل الكتاب، وذم كفار مكة ومنافقي المدينة والرد على منكري النبوة، وقصة التخليق والتعليم وتلقين آدم وملامة علماء اليهود فى مواضع عدة وقصة موسى، واستسقائه ومواعدته ربه ومنته على بنى إسرائيل، وشكواه منهم، وحديث البقرة، وقصة سليمان، وهاروت وماروت والسحرة، والرد على النصارى، وابتلاء إبراهيم- ﵇، وبناء الكعبة، ووصية يعقوب لأولاده وتحويل القبلة، وبيان الصبر على المصيبة وثوابه، ووجوب السعى بين الصفا والمروة، وبيان حجة التوحيد، وطلب الحلال وإباحة الميتة حال الضرورة، وحكم القصاص والأمر بصيام رمضان، والأمر باجتناب الحرام والأمر بقتال الكفار والأمر بالحج والعمرة وتعديد النعم على بنى إسرائيل، وحكم القتال فى الأشهر الحرم.
والسؤال عن الخمر والميسر ومال الأيتام والحيض والطلاق والمناكحات وذكر العدة والمحافظة على الصلاة وذكر الصدقات والنفقات، وملك طالوت وقتل جالوت، ومناظرة الخليل ﵇ ونمروذ وإحياء الموتى بدعاء إبراهيم وإثبات إيمان الرسول والمؤمنين بربهم.
وعدد كلمات سورة البقرة: ستة آلاف كلمة ومائة وإحدى وعشرون كلمة (٦١٢١) .
стр. 15
نزل وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ «١» عَلَى الْأَنْبِيَاء يعني التوراة والإنجيل والزبور وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ- ٤- يعني يصدقون بالبعث الَّذِي فِيهِ جزاء الأعمال [٤ ب] بأنه كائن.
ثُمّ جمعهم جميعًا فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ- ٥-.
فَلَمَّا سَمِع أَبُو ياسر بن أخطب اليهودي بهؤلاء الآيات، قَالَ لأخيه جدي بن أخطب: لقَدْ سَمِعْتُ من محمد كلمات أنزلهن اللَّه عَلَى مُوسَى بن عِمْرَانَ. فَقَالَ جدي لأخيه: لا تعجل حَتَّى تتثبت «٢» فِي أمره. فعمد أبو ياسر وجدي ابنا أخطب، وكعب ابن الأشرف، وكعب بن أسيد، ومالك بن الضيف، وحيي بن أخطب، وسعيد «٣» بن عمرو الشاعر، وأَبُو لبابة بن عمرو، ورؤساء اليهود، فأتوا النبي- ﷺ فقال جدي للنبي- ﷺ : يا أبا الْقَاسِم «٤» ، أَخْبَرَنِي أَبُو ياسر بكلمات تقولهن آنفا، فقرأهن النَّبِيّ- ﷺ فَقَالَ جدي: صدقتم «٥» أما الم، ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ فنحن هم وأما الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ فهو كتابك وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ فهو كتابنا وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فأنتم هُمْ قَدْ آمنتم بما أنزل إليكم وإلينا وآمنتم بالجنة والنار فآيتان فينا وآيتان فيكم. ثُمّ قَالُوا للنبي- ﷺ :
стр. 16
ننشدك بِاللَّه أنها نزلت عليك من السماء. فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ :
أشهد بِاللَّه أنها نزلت عليّ من السماء. فذلك قوله- سُبْحَانَهُ- فِي يُونُس وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي «١» يعني «٢» ويستخبرونك أحق هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي ويعني بلى وربي إنَّه لحق.
فَقَالَ جدي: لئن كُنْت صادقا فإنكم تملكون إحدى وسبعين سنة، ولقد بعث اللَّه- فِي بني إِسْرَائِيل ألف نَبِيّ كلهم يخبرون عن أمتك وَلَم يخبرونا كم تملكون حَتَّى أخبرتنا أَنْت الآن. ثُمّ قَالَ جدي لليهود: كيف ندخل فِي دين رَجُل منتهى ملك أمته إحدى وسبعون سنة. فَقَالَ عُمَر بن الخَطَّاب- رضوان اللَّه عَلَيْه: وما يدريك أنها إحدى وسبعون سنة؟ فَقَالَ جدي: أما ألف فِي الحساب فواحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون سنة. فضحك رسول اللَّه- ﷺ . فَقَالَ جدي: هَلْ غَيْر هَذَا؟ فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : نعم المص، كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ «٣» . فَقَالَ جدي: هَذِهِ أكبر من الأولى ولئن كنت صادقا فإنكم تملكون مائتي سنة واثنتين وثلاثين سنة. ثُمّ قَالَ «٤» : هَلْ غَيْر هَذَا؟ فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : الر، كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ «٥» فَقَالَ جدي: هَذِهِ أكبر من الأولى والثانية وَقَدْ حكم وفصل ولئن كُنْت صادقا فإنكم تملكون [٥ أ] أربعمائة سنة وثلاثا وستين «٦» سنة، فاتق اللَّه وَلا تقولن إِلَّا حقا. فهل غَيْر هَذَا؟ فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : المر، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ «٧» . فَقَالَ جدي: لئن كُنْت صادقا فإنكم تملكون سبعمائة سنة وأربعا «٨» وثلاثين سنة.
ثُمّ إن جدي قال: الآن لا نؤمن بما
стр. 17
تَقُولُ ولقد خلطت علينا فَمَا ندري بأي قولك نأخذ، وأيما أنزل عليك نتبع، ولقد لبست علينا حَتَّى شككنا فِي قولك الأول، ولولا ذَلِكَ لاتبعناك. قَالَ أَبُو ياسر:
أما أَنَا فأشهد أن ما أنزل عَلَى أنبيائنا حق وأنهم قَدْ بينوا لنا ملك هَذِهِ الأمة، فَإِن كان محمد صادقا فيما يَقُولُ ليجمعن لَهُ هَذِهِ السنون كلها ثُمّ نهضوا من عنده.
فَقَالَوا: كفرنا بقليله وكثيره. فَقَالَ جدي لعبد اللَّه بن سلام وأصحابه: أما تعرفون الباطل فيما خلط عليكم. فقالوا: بلى، نعرف الحق فيما يَقُولُ «١» فأنزل اللَّه- فِي كفار اليهود بالقرآن الم، اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ:
الَّذِي لا يموت الْقَيُّومُ: يعني القائم على كل شيء نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ يا محمد بِالْحَقِّ لَمْ ينزل باطلا مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ: يَقُولُ- سُبْحَانَهُ قرآن محمد يصدق الكتب التي كَانَتْ قبله وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ «٢» هُدىً لِلنَّاسِ يعني لبني إسرائيل من الضلالة. ثُمّ قَالَ- : وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ يعني قرآن محمد بعد التوراة والإنجيل يعني بالفرقان المخرج من الشبهات والضلالة. نظيرها فِي الْأَنْبِيَاء وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ «٣» يعني المخرج.
وَفِي البقرة: وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ «٤» . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ اليهود، كفروا بالقرآن يعني هَؤُلاءِ النفر الْمُسْلِمِين وأصحابهم لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ فِي ملكه وسلطانه ذُو انْتِقامٍ «٥» من أَهْل معصيته.
وأنزلت أيضا فِي اليهود فِي هَؤُلاءِ النفر وما يحسبون من المتشابه هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ.
стр. 18
فأما المحكمات فالآيات الثلاث اللاتي فِي الأنعام: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ.... إلى قوله سبحانه: ... لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ «١» فهن محكمات وَلَم ينسخهن شيء من الكتاب، وإنما سمين أم الكتاب لأن تحريم هَؤُلاءِ الآيات فِي كُلّ كتاب أنزله اللَّه- .
وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ يعني الم، المص، الر، المر «٢» ، شبهوا عَلَى هَؤُلاءِ النفر من اليهود كم تملك هَذِهِ الأمة من السنين فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ يعني ميل عن الهدى وهُمْ هَؤُلاءِ اليهود فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ يعني الكفر وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ: يعني منتهى كم يملكون.
يَقُولُ اللَّه- : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [٥ ب] : يعني كم تملك هَذِهِ الأمة من السنين «٣» وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يعني عَبْد اللَّه بن سلام وأصحابه، يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ: يعني بالقرآن كله. - كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ: يعني من كان لَهُ لب أَوْ عقل.
ثُمّ قَالَ ابْن سلام وأصحابه رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا كَمَا أزغت قلوب اليهود بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا إلى الإسْلام وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ «٤» .
стр. 19
فآيتان من أول هذه السورة نزلتا فِي أصحاب النَّبِيّ- ﷺ المهاجرين (والأنصار «١» .
والآيتان اللتان تليانهما نزلتا فى مشركي العرب.
وثلاث عشرة آية «٢» فِي المنافقين من أَهْل التوراة.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ- ٦- يعني لا يصدقون.
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ يعني طبع اللَّه عَلَى قلوبهم فهم لا يعقلون الهدى وَعَلى سَمْعِهِمْ يعني آذانهم فلا يسمعون الهدى. وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ يعني غطاء فلا يبصرون الهدى. وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ- ٧- يعني وافر لا انقطاع لَهُ. نزلت هاتان الآيتان فِي مشركي العرب منهم شَيْبَة وعتبة ابنا ربيعة، والوليد ابن المُغِيرَة، وأَبُو جهل بن هِشَام- اسمه عمرو-، وعبد اللَّه بن أَبِي أمية، وأمية بن خلف، وعَمْرو بن وَهْب، والعاص بن وائل، والحارث بن عمرو «٣» ، والنضر بن الْحَارِث، وعدي بن مطعم بن عَدِيّ، وعامر بن خَالِد، أبو البختري
стр. 20
ابن هشام، ثُمّ رجع إلى المنافقين فَقَالَ- : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ- يعني صدقنا بِاللَّه بأنه واحد لا شريك لَهُ وصدقنا بالبعث الَّذِي فِيهِ جزاء الأعمال بأنه كائن فكذبهم اللَّه- فَقَالَ: وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ- ٨- يعني بمصدقين بالتوحيد وَلا بالبعث الَّذِي فِيه جزاء الأعمال يُخادِعُونَ اللَّهَ حين أظهروا الْإِيمَان بمحمد، وأسروا التكذيب وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ- ٩- نزلت فِي منافقي أَهْل الكتاب اليهود منهم عبد الله بن أبى بن سلول، وجد بن قيس، والحارث ابن عمرو، ومغيث بن قشير، وعَمْرو بن زَيْد، فخدعهم اللَّه فِي الآخرة حين يَقُولُ فِي سورة الحديد: ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً «١» . فَقَالَ لهم استهزاء بِهِمْ «٢» كَمَا استهزءوا فِي الدُّنْيَا بالمؤمنين حين قَالُوا: آمنا وليسوا بمؤمنين، وذلك قوله- : إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ
«٣» : أيضا عَلَى الصراط حين يُقَالُ لهم ارْجِعُوا وراءكم فالتمسوا نورا.
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعنى الشك بالله وبمحمد نظيرها فى سورة محمد أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ «٤» يعنى الشك [٦ أ] .
فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً يعني شكا فِي قلوبهم وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني وجيع فِي الآخرة بِما كانُوا يَكْذِبُونَ- ١٠- لقولهم آمنا بالله وباليوم الآخر وذلك أن عَبْد اللَّه بن أُبَيٍّ المنافق قَالَ لأصحابه: انظروا إليّ وإلى ما أصنع فتعلموا مني وانظروا دفعي فِي هَؤُلاءِ القوم كيف أدفعهم عن نفسي وعنكم. فَقَالَ أصحابه:
أَنْت سيدنا ومعلمنا، ولولا أَنْت لَمْ نستطع أن نجتمع مَعَ هَؤُلاءِ. فَقَالَ عَبْد اللَّه
стр. 21
ابن أُبَيٍّ لأبي بَكْر الصِّدِّيق وأخذ بيده: مرحبا بسيد بني تميم بن مرة، ثاني اثنين، وصاحبه فِي الغار، وصفيه من أمته الباذل نفسه وماله. ثُمّ أَخَذَ بيد عُمَر بن الخَطَّاب فَقَالَ: مرحبا بسيد بني عَدِيّ بن كَعْب، القوي فِي أمر اللَّه الباذل نفسه وماله. ثُمّ أَخَذَ بيد عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب فَقَالَ: مرحبا بسيد بني هَاشِم، غَيْر رَجُل واحد اختصه اللَّه بالنبوة لما علم من صدق نيته ويقينه. فَقَالَ عُمَر بن الخطاب- ﵁: ويحك يا ابن أُبَي اتق اللَّه، وَلا تنافق وأصلح، وَلا تفسد، فَإِن المنافق شر خليقة اللَّه، وأخبثهم خبثا، وأكثرهم غشا. فَقَالَ عَبْد اللَّه بن أبى بن سلول: يا عُمَر، مهلا فواللَّهِ، لقَدْ آمنت كإيمانكم، وشهدت كشهادتكم، فافترقوا عَلَى ذَلِكَ. فانطلق أَبُو بَكْر وعمر وعلي- رحمة اللَّه عليهم- إلى رَسُول اللَّهِ- ﷺ فأخبروه بالذي قاله عَبْد اللَّه فأنزل اللَّه- عَلَى نبيه- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ يعني لا تعملوا فِي الأرض بالمعاصي قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ- ١١- يعنى مطيعين.
يَقُولُ اللَّه- سُبْحَانَهُ: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ يعنى العاصين وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ- ١٢- بأنهم مفسدون وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ نزلت فى منذر ابن معاذ، وأبي لبابة، ومعاذ بن جبل، وأسيد، قَالُوا لليهود: صدقوا بمحمد أنَّه نَبِيّ، كَمَا صدق به عَبْد اللَّه بن سلام وأصحابه فقالت اليهود: قالُوا أَنُؤْمِنُ «١» يعني نصدق كَما آمَنَ السُّفَهاءُ يعني الجهال يعنون عَبْد اللَّه بن سلام وأصحابه يَقُولُ اللَّه- ردا عليهم: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ
стр. 22
- ١٣- بأنهم السفهاء ثُمّ أخبر عَنْهُمْ فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا من أصحاب النَّبِيّ- ﷺ قالُوا لهم: آمَنَّا صدقنا بمحمد وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ يعني رؤساء اليهود كَعْب بن الأشرف وأصحابه قالُوا لهم: إِنَّا مَعَكُمْ عَلَى دينكم إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ- ١٤- بمحمد وأصحابه فَقَالَ اللَّه- سُبْحَانَهُ: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ فى الآخرة إذا ضرب [٦ ب] بينهم وبَيْنَ الْمُؤْمِنِين بسور لَهُ باب عَلَى الصراط فيبقون فِي الظلمة حَتَّى يُقَالُ لهم: ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فهذا من الاستهزاء بهم. ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ:
وَيَمُدُّهُمْ ويلجهم فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ- ١٥- يعنى فى ضلالتهم يترددون ثُمّ نعتهم فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وذلك أن اليهود وجدوا نعت محمد النَّبِيّ- ﷺ فِي التوراة قبل أن يبعث فآمنوا به وظنوا أَنَّهُ من ولد إسحاق- ﵇ فَلَمَّا بعث محمد- ﷺ من العرب من ولد إسماعيل- ﵇ كفروا به حسدا، واشتروا الضلالة بالهدى، يَقُولُ: باعوا الهدى الَّذِي كانوا فِيهِ من الْإِيمَان بمحمد- ﷺ قبل أن يبعث بالضلالة التي دخلوا فيها بعد ما بعث من تكذيبهم بمحمد- ﷺ فبئس التجارة فذلك قوله- سُبْحَانَهُ:
فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ- ١٦- من الضلالة ثُمّ ضرب اللَّه للمنافقين مثلا فَقَالَ- : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ طفئت ناره، يَقُولُ اللَّه- مثل المنافق إذا تكلم بالإيمان كان لَهُ نور بمنزلة المستوقد نارا يمشي بضوئها ما دامت ناره تتقد «١» فإذا ترك الْإِيمَان كان فِي ظلمة كظلمة من طفئت ناره فقام لا يهتدى ولا يبصر فذلك قوله
стр. 23
- سبحانه-: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ يعنى بإيمانهم نظيرها فى سورة النور وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ «١» - يعني به الْإِيمَان، وقَالَ- سُبْحَانَهُ- فِي الأنعام: وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ «٢» يعني يهتدي به الَّذِين تكلموا به وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ يعنى الشرك لا يُبْصِرُونَ- ١٧- الهدى ثُمّ نعتهم فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: صُمٌّ لا يسمعون يعني لا يعقلون بُكْمٌ خرس لا يتكلمون بالهدى عُمْيٌ «٣» فهم لا يبصرون الهدى حين ذهب اللَّه بنورهم يعني بإيمانهم فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ- ١٨- عن الضلالة إلى الهدى ثُمّ ضرب للمنافقين مثلا فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ يعنى المطر فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ مثل المطر مثل القرآن، كَمَا أن المطر حياة الناس فكذلك القرآن حياة لمن آمن به. ومثل الظلمات يعني الكافر بالقرآن يعني الضلالة التي هُمْ فيها، ومثل الرعد ما خوفوا به من الوعيد فِي القرآن، ومثل البرق الذي في المطر مثل الإيمان وهو النور الذي في القرآن يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ يَقُولُ مثل المنافق إذا سَمِع القرآن فصم أذنيه كراهية للقرآن كمثل الَّذِي جعل أصبعيه فِي أذنيه من شدة الصواعق حَذَرَ الْمَوْتِ [٧ أ] يعني مخافة الموت يَقُولُ كَمَا كره الموت من الصاعقة فكذلك يكره الكافر القرآن فالموت خير لَهُ من الكفر بِاللَّه- والقرآن وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ- ١٩- يعنى أحاط علمه بالكافرين ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: يَكادُ الْبَرْقُ الَّذِي فِي المطر يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ يعني يذهب بأبصارهم من شدة نوره. يَقُولُ- سُبْحَانَهُ مثل الْإِيمَان إذا تكلم به المنافق مثل نور البرق الذي يكاد أن يذهب بأبصارهم كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ البرق مَشَوْا فِيهِ يقول كلما تكلموا بالإيمان مضوا فيه
стр. 24
يَقُولُ: ويضيء لهم نورا يهتدون به «١» وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ البرق أَي ذهب ضوءه قامُوا فِي ظلمة لا يبصرون الهدى وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ فلا يسمعون وَأَبْصارِهِمْ فلا يرون أبدا عقوبة لهم إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ- ٢٠- من ذلك وغيره.
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ يعني المنافقين واليهود وحدوا ربكم الَّذِي خَلَقَكُمْ ولم تكونوا شيئا وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ «٢» من الأمم الخالية لَعَلَّكُمْ يعني لكي تَتَّقُونَ- ٢١- الشرك وتوحدوا اللَّه- إذا تفكرتم فِي خلقكم وخلق الَّذِين من قبلكم ثُمّ دل عَلَى نفسه بصنعه ليوحدوه وذكرهم النعم فَقَالَ- سُبْحَانَهُ- اعبدوا ربكم الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً يعني بساطا وَالسَّماءَ بِناءً يعني سقفا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً يعني المطر فَأَخْرَجَ بِهِ يَقُولُ فأخرج بالمطر من الأرض أنواعا مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً يَقُولُ لا تجعلوا مَعَ اللَّه شركاء وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ- ٢٢- أن هَذَا الَّذِي ذكر كله من صنعه فكيف تعبدون غيره؟ قَالَت اليهود منهم رِفَاعة بن زَيْد، وزيد بن عمرو، ما يشبه هَذَا الكلام الوحي وإنا لفي شك منه. فأنزل اللَّه- وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ يعني فِي شك مِمَّا نَزَّلْنا من القرآن عَلى عَبْدِنا يعني محمدا- ﷺ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ اللَّه مِثْلِهِ يعني مثل هذا القرآن وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ يَقُولُ واستعينوا بالآلهة التي تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ٢٣- بأن محمدا- ﷺ يَقُولُ من تلقاء نفسه، ثُمّ يَقُولُ- سُبْحَانَهُ-:
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا يعني تجيئوا به فيها تقديم تقديمها ولن تفعلوا ذلك
стр. 25
فإن تفعلوا فأتوا بسورة من مثل هَذَا القرآن فلم يجيبوه «١» وسكتوا، يَقُولُ- اللَّه سُبْحَانَهُ-: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ وتلك الحجارة تحت الأرض الثانية مثل الكبريت تجعل فِي أعناقهم إذا اشتعلت فيها النار احترقت عامة اليوم «٢» فكان وهجها عَلَى وجوههم وذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ [٧ ب] يعني شدة العذاب يَوْمَ الْقِيامَةِ «٣» ثُمّ قَالَ:
أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ- ٢٤- بالتوحيد يخوفهم اللَّه- فلم يخافوا فقالوا من تكذيبهم: هَذِهِ النار وقودها الناس فَمَا بال الحجارة، فرق المؤمنون عند التخويف، فأنزل اللَّه- وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يعني البساتين كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ كلما أطعموا منها من الجنة من ثمرة رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وذلك أن لهم فِي الجنة رزقهم فيها بكرة وعشيا فإذا أتوا بالفاكهة فِي صحاف الدر والياقوت فِي مقدار بكرة الدُّنْيَا وأتوا بالفاكهة غيرها عَلَى مقدار عشاء الدُّنْيَا فإذا نظروا إِلَيْهِ «٤» متشابه الألوان قَالُوا هَذَا الَّذِي رزقنا من قبل يعني أطعمنا بكرة فإذا أكلوا وجدوا طعمه غَيْر الَّذِي أتوا به بكرة فذلك قوله- سُبْحَانَهُ: وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً يعني يشبه بعضه بعضا فِي الألوان مختلفا فى الطعم وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ خلقن فِي الجنة مَعَ شجرها وحللها مطهرة من الحيض والغائط والبول والأقذار كلها وَهُمْ فِيها «٥» خالِدُونَ- ٢٥- لا يموتون إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا وذلك أن اللَّه- ذكر العنكبوت والذباب فِي القرآن فضحكت اليهود وقالت: ما يشبه
стр. 26
هَذَا من الأمثال. فَقَالَ- سُبْحَانَهُ: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا يعني أن اللَّه- لا يمنعه الحياء أن يصف للخلق مثلا مَا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا يعني يصدقون بالقرآن فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ «١» أَي هَذَا المثل هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا بالقرآن يعني اليهود فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا الَّذِي ذكر مَثَلًا إِنَّمَا يقوله محمد من تلقاء نفسه وليس من اللَّه فأنزل اللَّه- يُضِلُّ بِهِ أي يضل اللَّه بِهَذَا المثل كَثِيراً من الناس يعني اليهود وَيَهْدِي بِهِ أي بهذا المثل كَثِيراً من الناس يعنى المؤمنين وَما يُضِلُّ بِهِ أَي بِهَذَا المثل إِلَّا الْفاسِقِينَ- ٢٦- يعني اليهود ثُمّ أخبر فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-:
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ فنقضوا العهد الأول، ونقضوا ما أَخَذَ عليهم فِي التوراة، أن يعبدوا اللَّه. وَلا يشركوا به شيئًا، وأن يؤمنوا بالنَّبِيّ- ﷺ وكفروا بعيسى وبمُحَمَّد- ﵉ وآمنوا ببعض الْأَنْبِيَاء، وكفروا ببعض، وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ «٢» وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ يعني ويعملون فيها بالمعاصي أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ- ٢٧- فِي العقوبة يعني اليهود ونظيرها فِي الرعد الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [٨ أ] من إيمان بمحمد- ﷺ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ «٣» .
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ بأنه واحد لا شريك لَهُ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً يعني نطفا فَأَحْياكُمْ يعني فخلقكم وذلك قوله- سبحانه-:
стр. 27
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ «١» ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عِنْد إحيائكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ من بعد الموت يوم الْقِيَامَة ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ- ٢٨- فيجزيكم بأعمالكم فأما اليهود فعرفوا وسكتوا وأمّا المشركون فقالوا أإذا كُنَّا ترابا من يقدر أن يبعثنا من بعد الموت فأنزل اللَّه- : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً من شيء ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فبدأ بخلقهن وخلق الأرض فَسَوَّاهُنَّ يعني فخلقهن سَبْعَ سَماواتٍ فهذا أعظم من خلق الْإِنْسَان وذلك قوله- سبحانه-:
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ «٢» وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ من الخلق عَلِيمٌ- ٢٩- بالبعث وغيره وَإِذْ يعني وَقَدْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً وذلك أن اللَّه- خلق الملائكة والجن قبل خلق الشياطين والإنس. وَهُوَ آدم- ﵇ فجعلهم سكان الأرض وَجَعَل الملائكة سكان السماوات فوقع فِي الجن الفتن والحسد فاقتتلوا فبعث اللَّه جندا من أَهْل سماء الدُّنْيَا- يُقَالُ لهم الجن، إبليس عدو اللَّه منهم، خلقوا جميعًا من نار وهم خزان الجنة رأسهم إبليس- فهبطوا إلى الأرض فلم يكلفوا من العبادة فِي الأرض ما كلفوا فِي السماء فأحبوا القيام فِي الأرض فأوحى الله- إليهم إني جاعل فِي الأرض خليفة سواكم ورافعكم إليّ فكرهوا ذَلِكَ لأنهم كانوا أهون الملائكة أعمالا قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها يَقُولُ أتجعل فِي الأرض مَنْ يُفْسِدُ فِيها يعنى من يعمل فيها بالمعاصي وَيَسْفِكُ الدِّماءَ بغير حق كفعل الجن وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ يَقُولُ نَحْنُ نذكرك بأمرك كقوله- سُبْحَانَهُ-: وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ «٣» يعني يذكره بأمره ونقدس لك ونصلي لك ونعظم أمرك قالَ
стр. 28
اللَّه- سُبْحَانَهُ-: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ- ٣٠- إن فِي علمي أنكم سكان السماء ويكون آدم وذريته سكان الأرض ويكون منهم من يسبح بحمدي ويعبدني فخلق آدم- ﵇ من طين أحمر وأبيض من السبخة والعذبة فَمنْ ثَمّ نسله أبيض وأحمر وأسود مؤمن وكافر، فحسد إبليس تِلْكَ الصورة فَقَالَ للملائكة الَّذِين هُمْ معه أرأيتم هَذَا الَّذِي لَمْ تروا شيئًا من الخلق عَلَى خلقته إن فضل [٨ ب] عَلَيّ ماذا تصنعون؟ قَالوا: نسمع ونطيع لأمر اللَّه، وأسر عدو اللَّه إبليس فِي نفسه لئن فضل آدم عليه لا يطيعه وليستفزنه. فترك آدم طينا أربعين سنة مصورا فجعل إبليس يدخل من دبره ويخرج من فِيهِ، وَيَقُولُ أَنَا نار وهذا طين أجوف والنار تغلب الطين «١» ولأغلبنه فذلك قوله- : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ «٢» يعنى قوله يومئذ لأغلبنه وقوله لأحتنكن يعني لأحتوين عَلَى ذريته إِلَّا قليلا. فَقَالَ للروح: ادخلي هَذَا الجسد. فقالت:
أَي رب أَيْنَ تدخلني هذا الجسد المظلم؟ فَقَالَ اللَّه- ﵎: ادخليه كرها فدخلته كرها وهي لا تخرج منه إِلَّا كرها ثُمّ نفخ فِيهِ الروح من قبل رأسه، فترددت الروح فِيهِ حَتَّى بلغت نصف جسده موضع السرة فجعل للقعود فذلك قوله- تَعَالَى-: وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا «٣» فجعلت الروح تتردد فِيهِ حَتَّى بلغت أصابع الرجلين، فأرادت أن تخرج منها فلم تجد منفذا، فرجعت إلى الرأس فخرجت من المنخرين، فعطس عِنْد ذَلِكَ لخروجها من منخريه فَقَالَ: الحمد لله.
стр. 29
فكان أول كلامه فرد ربه- : يرحمك اللَّه لهذا خلقتك تسبح بحمدي وتقدس لي. فسبقت رحمته لآدم- ﵇ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها «١» ثُمّ إن اللَّه- ﵎ حشر الطير والدواب وهوام الأرض كلها فعلم آدم- ﵇ أسماءها فَقَالَ: يا آدم هَذَا فرس، وهذا بغل، وهذا حمار، حَتَّى سمى لَهُ كُلّ دابة، وكل طير باسمه ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ ثُمّ عرض أَهْل تِلْكَ الأسماء عَلَى الملائكة الَّذِين هُمْ فِي الأرض فَقالَ أَنْبِئُونِي يعني أخبروني بِأَسْماءِ هؤُلاءِ يعني دواب الأرض كلها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ- ٣١- بأني جاعل فِي الأرض من يفسد فيها ويسفك الدماء قالُوا «٢» قَالَت الملائكة:
سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ- ٣٢- قال «٣» : حدثنا عبيد الله، قال: حدثني أبي، قَالَ: حدثنا الْهُذَيْلُ، قَالَ: قَالَ مُقَاتِلٌ:
قال اللَّه- : لهم كيف تدعون العلم فيما لَمْ يخلق بعد وَلَم تروه وأنتم لا تعلمون من ترون قالَ اللَّه- لآدم: يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ يَقُولُ أخبر الملائكة بأسماء دواب الأرض والطير كلها ففعل قَالَ اللَّه- : فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ ما يكون فى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ يعني ما أظهرت الملائكة لإبليس من السمع والطاعة للرب وَأعلم ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ- ٣٣- يعني إبليس وحده ما كان أسر إبليس فِي نفسه من المعصية للَّه- فى السجود لآدم ثُمّ قَالَ: وَإِذْ يعني وَقَدْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ [٩ أ] الَّذِين خلقوا من مارج من نار السموم اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ وحده فاستثنى «٤» لَمْ يسجد أَبى وَاسْتَكْبَرَ يعني وتكبر عن السجود لآدم وإنما
стр. 30
أمره اللَّه- بالسجود لآدم لما علم اللَّه منه فأحب أن يظهر ذَلِكَ للملائكة ما كان أسر فى نفسه قالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ وَكانَ إبليس مِنَ الْكافِرِينَ- ٣٤- الَّذِين أوجب اللَّه- لَهُم الشقاء «١» فِي علمه فَمنْ ثُمّ لَمْ يسجد وَقُلْنا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ يعني حواء خلقا يوم الجمعة وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ يعني ما شِئْتُما وإذا شئتما من حيث شئتما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ يعني السنبلة وهي الحنطة فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ- ٣٥- لأنفسكما فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها يقول- سبحانه- فاستزلهما الشيطان عنها يعني عن الطاعة وَهُوَ إبليس فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ من الخير في الجنة وَقُلْنَا اهْبِطُوا منها يعني آدم وحواء وإبليس بوحي منه فهبط آدم بالهند وحواء بجدة وإبليس بالبصرة وهي الأيلة «٢» وهبط آدم فِي واد اسمه نوذ في شعب يقال له سرنديب فاجتمع آدم وحواء بالمزدلفة فمن ثم جمع لاجتماعهما بها ثم قال:
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فإبليس لهما عدو وهما لإبليس عدو ثُمّ قَالَ: وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ- ٣٦- يعنى بلاغا إلى منتهى آجالكم: الموت.
وهبط إبليس قبل آدم فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ بعد ما هبط إلى الأرض يوم الجمعة يعني بالكلمات أن قَالَ رب أكان هَذَا شيء كُنْت قدرته علي قبل أن تخلقني فسبق لي به الكتاب أني عامله وسبقت لي منك الرحمة، حين خلقتني قَالَ: نعم، يا آدم قَالَ: يا رب خلقتني بيدك فسويتني ونفخت من روحك فعطست فحمدتك فدعوت لي برحمتك فسبقت رحمتك إلي غضبك قَالَ: نعم، يا آدم. قال: أخرجتنى من الجنة وأنزلتنى الأرض يا رب. إن تبت وأصلحت ترجعني إلى الجنة قَالَ اللَّه- لَهُ: نعم يا آدم فتاب آدم وحواء يَوْم الجمعة
стр. 31
فعند ذَلِكَ قَالا: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ «١» فَتابَ اللَّه- عَلَيْهِ يوم الجمعة إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ- ٣٧- لخلقه قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً يعني من الجنة جميعًا آدم وحواء وإبليس فأوحى الله إليهم بعد ما هبطوا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ يعني ذرِّيَّة آدم فَإِن يأتيكم يا ذرِّيَّة آدم مِنِّي هُدىً يعني رسولا وكتابا فِيهِ البيان ثُمّ أخبر بمستقر من اتبع الهدى فِي الآخرة قَالَ- سُبْحَانَهُ-: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ يعنى رسولي [٩ ب] وكتابي فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ- ٣٨- من الموت ثُمّ أخبر بمستقر من ترك الهدى فَقَالَ: وَالَّذِينَ كَفَرُوا برسلي وَكَذَّبُوا بآياتي القرآن أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ- ٣٩- لا يموتون يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ يعني أجدادهم فكانت النعمة حين أنجاهم من آل فرعون، وأهلك عدوهم وحين فرق البحر لهم، وحين أنزل عليهم المن والسلوى، وحين ظلل عليهم الغمام بالنهار من حر الشمس وَجَعَل لهم عمودا من نور يضيء لهم بالليل إذا لَمْ يَكُنْ ضوء القمر وفجر لهم اثني عشر عينا من الحجر وأعطاهم التوراة فيها بيان كُلّ شيء فدلهم عَلَى صنعه ليوحدوه- وَأَوْفُوا بِعَهْدِي يعني اليهود وذلك أن اللَّه- عهد إليهم فِي التوراة أن يعبدوه وَلا يشركوا به شيئا وأن يؤمنوا بمحمد- ﷺ وبالنبيين والكتاب فأخبر اللَّه- عَنْهُمْ فِي المائدة فَقَالَ-: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي بمحمد- ﷺ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ يعني ونصرتموهم وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً «٢» فهذا الَّذِي قَالَ اللَّه وَأَوْفُوا بِعَهْدِي الذي عهدت إليكم
стр. 32
في التوراة فإذا فعلتم ذلك أُوفِ لكم بِعَهْدِكُمْ يعني المغفرة والجنة فعاهدهم إن أوفوا لَهُ بما قَالَ المغفرة والجنة، فكفروا بمحمد- ﷺ وبعيسى- ﵇ فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فهذا وفاء الرب- لهم، وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ- ٤٠- يعني وإياي فخافون فِي محمد- ﷺ «١» فَمنْ كذب به فَلَه النار. ثم قال: وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً نزلت فِي كَعْب بن الأشرف وأصحابه رءوس اليهود يَقُولُ صدقوا بما أنزلت من القرآن عَلَى محمد مصدقا لِما مَعَكُمْ يَقُولُ محمد تصديقه معكم أَنَّهُ نَبِيّ رسول وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ يعني محمدا فتتابع «٢» اليهود كلها عَلَى كفر به فَلَمَّا كفروا تتابعت اليهود كلها: أَهْل خيبر، وأهل فدك، وأهل قريظة، وَغَيْرُهُمْ عَلَى الكفر بمحمد- ﷺ ثُمّ قال لرؤوس اليهود: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وذلك أن رؤوس اليهود كتموا أمر محمد- ﷺ فِي التوراة وكتموا أمره عن سفلة اليهود وكانت للرؤساء منهم مأكلة «٣» فِي كُلّ عام من زرعهم وثمارهم ولو تابعوا محمدا- ﷺ لحبست تِلْكَ المأكلة عَنْهُمْ فَقَالَ اللَّه لهم وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا [١٠ أ] : يعني بكتمان بعث محمد- ﷺ عرضا قليلا من الدُّنْيَا مما تصيبون من سفلة اليهود ثم يخوفهم وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ- ٤١- فِي محمد فَمنْ كذب به فله النار. ثُمّ قَالَ لليهود: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وذلك أن اليهود يقرون ببعض أمر محمد ويكتمون بعضا ليصدقوا فِي ذَلِكَ فَقَالَ اللَّه- : وَلا تخلطوا الحق بالباطل نظيرها
стр. 33
فِي آل عِمْرَانَ «١» والأنعام وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ «٢» يعني وَلَم يخلطوا بشرك وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ أَي وَلا تكتموا أمر محمد- ﷺ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ- ٤٢- أن محمدا نَبِيّ ونعته فى التوراة.
وقَالَ لليهود: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ فِي مواقيتها وَآتُوا الزَّكاةَ يعني وأعطوا الزكاة من أموالكم وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ- ٤٣- يعني اليهود صلوا مَعَ المصلين يعني مَعَ الْمُؤْمِنِين من أصحاب النَّبِيّ محمد- ﷺ .
أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وذلك أن اليهود قَالُوا لبعض أصحاب النَّبِيّ- ﷺ : إن محمدا حق فاتبعوه ترشدوا، فَقَالَ اللَّه- لليهود أتأمرون الناس بالبر يعنى أصحاب محمد وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ يَقُولُ وتتركون أنفسكم فلا تتبعوه وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ يعني التوراة فيها بيان أمر محمد ونعته أَفَلا تَعْقِلُونَ- ٤٤- أنتم فتتبعونه ثُمّ قَالَ: وَاسْتَعِينُوا عَلَى طلب الآخرة بِالصَّبْرِ عَلَى الفرائض وَالصَّلاةِ الخمس حافظوا عَلَيْهَا فِي مواقيتها وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ يعني حين صرفت القبلة عن بيت المَقْدِس إلى الكعبة فكبر ذَلِكَ عَلَى اليهود منهم جدي بن أخطب، وسعيد بن عمرو الشاعر، وَغَيْرُهُمْ ثُمّ استثنى فَقَالَ: إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ- ٤٥- يعني إِلَّا عَلَى المتواضعين من الْمُؤْمِنِين لَمْ يكبر عليهم تحويل القبلة ثُمّ نعت الخاشعين فَقَالَ: الَّذِينَ يَظُنُّونَ يعني يعلمون يقينا أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ يعنى فى الآخرة وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ- ٤٦- فيجزيهم بأعمالهم يا بَنِي إِسْرائِيلَ يعني اليهود بالمدينة اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ
стр. 34
يعني أجدادكم والنعمة عليهم «١» حين أنجاهم من آل فرعون فأهلك عدوهم والخير الَّذِي أنزل عليهم فِي أرض التيه وأعطاهم التوراة ثم قال:
وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ- ٤٧- يعني عالمي ذلك الزمان يعني أجدادهم من غير بنى إسرائيل ثُمّ خوفهم فَقَالَ: وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ يَقُولُ لا تغني نفس كافرة عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً من المنفعة فِي الآخرة وَلا يُقْبَلُ مِنْها يعني من هَذِهِ النَّفْس الكافرة شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ يعني فداء كفعل أَهْل الدُّنْيَا بعضهم من بعض ثم قال: وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ- ٤٨- يقول ولا هم يمنعون من العذاب ثم ذكرهم النعم ليوحدوه [١٠ ب] فقال سبحانه: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ يعنى أنفذناكم مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يعنى أهل مصر يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يعني يعذبونكم شدة العذاب يعني ذبح الأبناء واستحياء النّساء لأن فرعون أمر بذبح البنين فِي حجور أمهاتهم ثُمّ بين العذاب فَقَالَ: يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ فِي حجور أمهاتهم وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ يعني قَتْل البنين وترك البنات قَتَل منهم فرعون ثمانية عشر طفلا «٢» مخافة أن يَكُون فيهم مولود يَكُون هلاكه «٣» فِي سببه يَقُولُ اللَّه- :
وَفِي ذلِكُمْ يعني فيما يخبركم من قتل الأبناء وترك البنات بَلاءٌ يعنى نقمة مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ- ٤٩- فاذكروا فضله عليكم حين أنجاكم من آل فرعون وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ وذلك أَنَّهُ فرق البحر يمينا وشمالا كالجبلين المتقابلين كُلّ واحد منهما على الآخر وبينهما كوى من طريق إلى طريق ينظر كُلّ سِبْط إلى الآخر ليكون آنَس لهم فَأَنْجَيْناكُمْ من الغرق وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ يعنى أهل مصر يعنى
стр. 35
القبط وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ- ٥٠- أجدادهم يعلمون أن ذَلِكَ حق وكان ذَلِكَ من النعم.
وَإِذْ واعَدْنا مُوسى يعني الميعاد أَرْبَعِينَ لَيْلَةً يعني ثلاثين من ذِي القعدة وعشر ليال من ذِي الحجَّة فكان الميعاد الجبل ليعطي التوراة وكان مُوسَى- ﵇ أخبر بني إِسْرَائِيل بمصر فَقَالَ لهم إذا خَرَجْنَا منها أتيناكم من اللَّه- بكتاب يبين لَكُمْ فِيهِ ما تأتون وما تتقون فَلَمَّا فارقهم مُوسَى مَعَ السبعين واستخلف هَارُون أخاه عليهم اتخذوا العجل فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-:
ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ يَقُولُ من بعد انطلاق مُوسَى إلى الجبل وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ- ٥١- وذلك أن مُوسَى قطع البحر يوم العاشر من المحرم فَقَالَ بنو إِسْرَائِيل: وعدتنا يا مُوسَى أن تأتينا بكتاب من ربنا إلى شهر فأتنا بما وعدتنا فانطلق مُوسَى وأخبرهم أَنَّهُ يرجع إلى أربعين يومًا عن أمر ربه- فَلَمَّا سار مُوسَى فدنا من الجبل أمر السبعين أن يقيموا فِي أصل الجبل وصعد مُوسَى الجبل فكلم ربه- تبارك اسمه- وأخذ الألواح فيها التوراة فَلَمَّا مضى عشرون يومًا قَالُوا «١» : أخلفنا مُوسَى العهد فعدوا عشرين يومًا وعشرين ليلة، فقالوا:
هَذَا أربعون يومًا فاتخذوا العجل فأخبر اللَّه- مُوسَى بِذَلِك عَلَى الجبل فَقَالَ مُوسَى لربه: من صنع لهم العجل؟ قَالَ: السامري صنعه «٢» لهم، قَالَ مُوسَى لربه: فمن نفخ فيه الروح؟ قَالَ الرب- : أَنَا. فَقَالَ مُوسَى:
يا رب، السامري صنع لهم العجل فأضلهم، وصنعت فِيهِ الخوار فأنت فتنت قومي [١١ أ] . فَمنْ ثُمّ قَالَ اللَّه- : فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ «٣» يعني الَّذِين خلفهم مَعَ هَارُون سوى السبعين
стр. 36
حين أمرهم بعبادة العجل فَلَمَّا نزل مُوسَى من الجبل إلى السبعين أخبرهم بما كان وَلَم يخبرهم بأمر العجل، فَقَالَ السبعون لموسى: نَحْنُ أصحابك جئنا معك، وَلَم نخالفك فِي أمر، ولنا عليك حق فأرنا اللَّه جهرة- يعني معاينة- كَمَا رَأَيْته فَقَالَ مُوسَى:
واللَّه ما رَأَيْته، ولقد أردته عَلَى ذَلِكَ فأبى وتجلى للجبل فجعله دكا. يعني فصار دكا وكان أشد مني وأقوى. فقالوا: إنا لا نؤمن بك وَلا نقبل ما جئت به حَتَّى تريناه معاينة.
فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ أخذتهم الصاعقة، يعني الموت عقوبة. فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-:
فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ «١» يعني الموت نظيرها وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً «٢» يعني ميتا وكقوله- : فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ «٣» يعني فمات وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ يعني السبعين ثُمّ أنعم اللَّه عليهم فبعثهم وذلك أنهم لما صعقوا قام مُوسَى يبكي وظن أنهم إِنَّمَا صعقوا بخطيئة أصحاب العجل فقال- فى سورة الأعراف: رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ، أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا «٤» - وقَالَ: يا رب ما أقول لبني إِسْرَائِيل إذا رجعت إليهم وَقَدْ أهلكت أحبارهم فبعثهم اللَّه- لما وجد مُوسَى من أمرهم. فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ «٥» - ٥٢- يَقُولُ لكي تشكروا ربكم فِي هَذِهِ النعمة فبعثوا يَوْم ماتوا ثُمّ انصرفوا مَعَ مُوسَى راجعين فلما دنوا من المعسكر عَلَى ساحل البحر سمعوا اللغط حول العجل، فقالوا هَذَا قتال فِي المحلة فَقَالَ مُوسَى- ﵇ لَيْسَ بقتال ولكنه صوت الفتنة فَلَمَّا دخلوا المعسكر «٦» رَأَى مُوسَى ماذا يصنعون حول العجل، فغضب وألقى الألواح فانكسر منها لوحان
стр. 37
فارتفع من اللوح بعض كلام اللَّه- فأمر بالسامري فأخرج من محلة بني إِسْرَائِيل ثُمّ عمد إلى العجل فبرده بالمبرد وأحرقه بالنار ثُمّ ذراه فِي البحر فذلك قوله: لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً «١» فَقَالَ مُوسَى: إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ- أَي ضررتم- أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ إلها من دون اللَّه- فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ يعني خالقكم وندم القوم عَلَى صنيعهم فذلك قوله- سُبْحَانَهُ: وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا يعني أشركوا بالله- قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ «٢» فقالوا كيف لنا بالتوبة يا مُوسَى قَالَ اقتلوا أنفسكم يعني يقتل بعضكم بعضا كقوله سبحانه فى النساء [١١ ب] وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ يقول لا يقتل بعضكم بعضكم إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً «٣» يعني ذَلِكَ القتل والتوبة خير لَكُمْ عِنْد بارئكم يعني عند خالقكم قَالُوا قَدْ فعلنا فَلَمَّا أصبحوا أمر مُوسَى- ﵇ البقية الاثني عشر ألفا الَّذِين لَمْ يعبدوا العجل أن يقتلوهم بالسيف والخناجر فخرج كُلّ بني أب عَلَى حدة من منازلهم فقعدوا بأفنية بيوتهم فَقَالَ بعضهم لبعض: هَؤُلاءِ إخوانكم أتوكم شاهرين السيوف فاتقوا اللَّه واصبروا فلعنة اللَّه عَلَى رَجُل حل جيوبه أَوْ قام من مجلسه أَوْ اتقى بيد أَوْ رَجُل أَوْ حار إليهم طرفة عين. قَالُوا: آمين فقتلوهم من لدن طلوع الشمس إلى انتصاف النهار يوم الجمعة وأرسل اللَّه- عليهم الظلمة حَتَّى لا يعرف بعضهم بعضا فبلغت القتلى سبعين ألفا ثُمّ أنزل اللَّه- الرحمة فلم يحد «٤» فيهم السلاح فأخبر الله- موسى- ﵇ أنه قد نزلت
стр. 38
الرحمة. فَقَالَ لهم: قَدْ نزلت الرحمة ثُمّ أمر مُوسَى المنادي فنادى أن ارفعوا سيوفكم عن إخوانكم فجعل اللَّه- القتلى شهداء وتاب اللَّه عَلَى الأحياء وعفي عن الَّذِين صبروا للقتل فلم يقتلوا فَمنْ مات قبل أن يأتيهم مُوسَى- ﵇ عَلَى عبادة العجل دخل النار ومن هرب من القتل لعنهم الله وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ، فذلك قوله: سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وذلك قوله سُبْحَانَهُ-: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ «١» .
فكان الرَّجُل يَأْتِي نادى قومه وهم جلوس فيقتل من العشرة ثلاثة ويدع البقية ويقتل الخمسة من العشرين ومن كتب عليهم الشهادة ويبقى الَّذِين لَمْ يقض لهم أن يقتلوا. فذلك قوله- ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ فلم نهلككم جميعا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ يعني بعد العجل لَعَلَّكُمْ يعني لكي تَشْكُرُونَ ربكم فِي هَذِهِ النعم يعني العفو فتاب عليكم إنَّه هو التواب الرحيم وذلك قوله- سُبْحَانَهُ- فِي الأعراف: وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها يعني من بعد عبادة العجل وَآمَنُوا يعني وصدقوا بأن اللَّه واحد لا شريك لَهُ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ «٢» لذو تجاوز عَنْهُمْ رحيم بهم عِنْد التوبة.
وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ يعني التوراة وَالْفُرْقانَ يعني النصر حين فرق بين الحق والباطل ونصر مُوسَى وأهلك فرعون نظيرها فِي الأنفال قوله- سُبْحَانَهُ-:
وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يعنى يوم النصر يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ «٣»
стр. 39
فنصر اللَّه- الْمُؤْمِنِين وهزم المشركين لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ «١» - ٥٣-[١٢ أ] من الضلالة بالتوراة يعني بالنور «٢» .
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ- ٥٤- وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ- ٥٥- ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ- ٥٦- «٣» .
وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ وذلك أن مُوسَى- ﵇ قَالَتْ لَهُ بنو إِسْرَائِيل وهم فِي التيه: كيف لنا بالأبنية، وَقَدْ نزلنا فِي القفر، وخرجنا من العمران، من حر الشمس «٤» . فظلل اللَّه- عليهم الغمام الأبيض يقيهم حر الشمس ثُمّ إنهم سألوا مُوسَى- ﵇ الطعام فأنزل اللَّه عليهم طعام الجنة وَهُوَ الْمَنَّ وَالسَّلْوى أما المن فهو الترنجبين فكان ينزل بالليل عَلَى شجرهم أبيض كالثلج حلو مثل العسل، فيغدون عليه لكل إنسان صاع لكل ليلة فيغدون عليه فيأخذون ما يكفيهم ليومهم ذَلِكَ لكل رَجُل صاع وَلا يرفعون منه فِي غد ويأخذون»
يوم الجمعة ليومين لأن السبت كان عندهم لا يشخصون فِيهِ وَلا يعملون «٦» كان هَذَا لهم في التيه وتنبت ثيابهم مَعَ أولادهم فأما الرجال فكانت
стр. 40
ثيابهم عليهم لا تبلى وَلا تنخرق وَلا تدنس. وأما السلوى فهو الطير، وذلك أن بني إسرائيل سألوا موسى اللحم، وهم في التيه، فسأل مُوسَى ربه- فَقَالَ الله: لأطعمنهم أقل الطير لحما فبعث الله- سبحانه- السماء فأمطرت لهم السلوى وهي السمانا، وجمعتهم ريح الجنوب. وهي طير حمر تكون فِي طريق مصر فأمطرت قدر ميل فِي عرض الأرض «١» وقدر رمح فِي السماء بعضه عَلَى بعض.
فَقَالَ اللَّه- لهم: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ يعني من حلال. كقوله:
فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً «٢» يعني حلالا طيبا فِي غَيْر مأثم، وإذا وجدوا الماء فهو حرام: فَمنْ ثُمّ قَالَ طيبا يعني حلالا من ما رَزَقْناكُمْ من السلوى، وَلا تطغوا فِيهِ يعني تعصوا اللَّه فِي الرزق فيما رزقكم وَلا ترفعوا منه لغد فرفعوا وقددوا مخافة أن ينفد، وَلو لَم يفعلوا لدام لهم ذَلِكَ فقددوا منه ورفعوا فدود وتغير ما قددوا منه وما رفعوا فعصوا ربهم فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: وَما ظَلَمُونا يعني وما ضرونا يعني ما نقصونا من ملكنا بمعصيتهم شيئًا حين رفعوا وقددوا منه فِي غد وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ- ٥٧- يعني أنفسهم يضرون نظيرها فِي الأعراف قوله- سبحانه-: مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ «٣» إلى آخر الآية.
وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ يعني إيلياء وهم يومئذ من وراء البحر فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً يعني ما شئتم، وإذ شئتم، وحيث شئتم وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً يعني باب إيلياء سجدا فدخلوا متحرفين عَلَى شق وجوههم وَقُولُوا حِطَّةٌ