← Тафсир

Тафсир · id 23614

تفسير مقاتل بن سليمان

مقاتل

Полный текст (2 431 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم- ١- أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا نزلت في مهجع بن عَبْد اللَّه مَوْلَى عُمَر بن الخطاب- ﵁ كان أول قتيل من المسلمين يوم بدر وهو أول من يدعى إلى الجنة من [٧٠ ب] شهداء أمة محمد- ﷺ فجزع عليه أبواه. وكان «١» الله- ﵎ بين للمسلمين أنه لا بد لهم من البلاء والمشقة فِي ذات اللَّه- وقال النبي- ﷺ يومئذ: سيد الشهداء مهجع. وكان رماه عامر بن الحضرمي بسهم فقتله، فأنزل الله- في أبويه عبد الله وامرأته «الم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا» أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ- ٢- يقول أحسبوا أن يتركوا عن التصديق بتوحيد الله- ولا يبتلون في إيمانهم وَلَقَدْ فَتَنَّا يقول ولقد ابتلينا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني من قبل هذه الأمة من المؤمنين فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ يقول فليرين الله الذين صَدَقُوا في إيمانهم من هذه الأمة عند البلاء فيصبروا لقضاء الله- وَلَيَعْلَمَنَّ يقول وليرين الْكاذِبِينَ- ٣- فى إيمانهم فيشكوا عند البلاء، ثم وعظ كفار العرب، فقال- سبحانه-: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ يعنى الشرك «٢»

стр. 1192

نزلت في بني عبد شمس أَنْ يَسْبِقُونا يعني أن يفوتونا بأعمالهم السيئة حتى يجزيهم بها في الدنيا، فقتلهم الله- ببدر منهم شَيْبَة وعتبة ابنا رَبِيعَة، والوليد بن عتبة بن ربيعة، وحنظلة بن أبي سفيان بن حرب، وعبيدة بن سعد بن العاص بن أمية، وعقبة بن أبي معيط، والعاص بن وائل، ثم قال- : ساءَ ما يَحْكُمُونَ- ٤- يعني ما يقضون يعني بني عبد شمس بن عبد مناف، ثم قال- تعالى-: مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ يقول من خشي البعث في الآخرة فليعمل لذلك اليوم فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ يعني يوم القيامة وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ- ٥- لقول بني عبد شمس بن عبد مناف حين قالوا: إنا نعطى في الآخرة ما يعطى المؤمنون، يعني بالمؤمنين بني هاشم وبني عبد المطلب بن عبد مناف «العليم» به. نزلت «مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ» في بني هاشم وبني عبد المطلب ابني عبد مناف، منهم علي بن أبي طالب وحمزة وجعفر- ﵈ وعبيدة بن الحارث، والحصين «١» ، والطفيل ابنا «٢» الحارث بن المطلب، ومسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب، وزيد بن حارثة، وأبو هند «٣» ، وأبو «٤» ليلى مولى- النبي ﷺ وأيمن بن أم أيمن قتيل يوم حنين- ﵁ ثم قال- تعالى-: وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ يقول من يعمل الخير فإنما يعمل لنفسه يقول إنما أعمالهم لأنفسهم «٥» إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ- ٦- يعنى

стр. 1193

عن أعمال القبيلتين بني هاشم وبني عبد المطلب ابني «١» عبد مناف، ثم قال- أيضا يعنيهم وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ «٢» لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ [٧١ أ] وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ- ٧- فيجزيهم بإحسانهم ولا يجزيهم بمساوئهم يعني بني هاشم وبني المطلب، ثم قال الله- : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً نزلت في سعد بن أبي وقاص الزهري- ﵁ وأمه حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ بأن معي شريكا فَلا تُطِعْهُما في الشرك إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ في الآخرة فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ- ٨- يعني سعدا «٣» ﵁ وذلك أنه «٤» حين أسلم حلفت أمه لا تأكل طعاما، ولا تشرب شرابا، ولا تدخل «كنا» «٥» حتى يرجع سعد عن الإسلام، فجعل سعد يترضاها فأبت عليه، وكان بها بارا فأتى سعد- ﵁ النبي- ﷺ فشكى إليه فنزلت في سعد- ﵁ هذه الآية. فأمره النبي- ﷺ أن يترضاها ويجهد «٦» بها على أن تأكل وتشرب فأبت حتى يئس منها، وكان سعد أحب ولدها إليها،

стр. 1194

«وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ «١» - ٩- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ نزلت في عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عمرو بن مخزوم القرشي، وذلك أن عياشا أسلم فخاف أهلَ بيته فهرب إلى المدينة بدينه قبل أن يهاجر النَّبِيّ- ﷺ إليها فحلفت أمه أسماء بنت مخرمة بن أبي جندل بن نهشل التميمي ألا تأكل ولا تشرب ولا تغسل رأسها ولا تدخل «كنا» «٢» حتى يرجع إليها فصبرت ثلاثة أيام ثم أكلت وشربت فركب أبو جهل عدو الله والحارث ابنا هشام وهما أخواه لأمه وهما بنو عم حتى أتيا المدينة فلقياه فقال أبو جهل لأخيه عياش: قد علمت أنك كنت أحب إلى أمك من جميع ولدها وآثر عندها- لأنه كان أصغرهم سنا، وكان بها بارا- وقد حلفت أمك ألا تأكل «٣» ولا تشرب ولا تغسل رأسها ولا تدخل بيتا حتى ترجع إليها، وأنت تزعم أن في دينك بر الوالدين، فارجع إليها فإن ربك الذي بالمدينة هو بمكة فاعبده بها. فأخذ عياش عليهم المواثيق ألا يحركاه «٤» ، فاتبعهما، فأوثقاه ثم جلده كل واحد منهما مائة جلدة حتى يبرأ من دين محمد- ﷺ فأنزل الله- في عياش «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ» يعني صدقنا بتوحيد الله- «فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ» يعنى ضربهما إياه «جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ» يقول جعل عذاب الناس فى الدنيا

стр. 1195

كعذاب الله في الآخرة، كقوله- : «يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ» «١» يعني يعذبون، ثم استأنف وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ [٧١ ب] على عدوك بمكة وغيرها، إذا كان للمؤمنين دولة لَيَقُولُنَّ المنافقون للمؤمنين إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ على عدوكم وإذا رأوا دولة للكافرين شكوا في إيمانهم أَوَلَيْسَ اللَّهُ يعني- أو ما الله «بِأَعْلَمَ» «٢» بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ- ١٠- من الإيمان والنفاق وَلَيَعْلَمَنَّ «اللَّهُ» «٣» يعني وليرين الله الَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا عند البلاء والتمحيص وَلَيَعْلَمَنَّ يعني وليرين الْمُنافِقِينَ- ١١- في إيمانهم فيشكوا عند البلاء والتمحيص وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني أبا سفيان لِلَّذِينَ آمَنُوا نزلت في عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وخباب بن الأرت- ﵃ ختن عمر بن الخطاب- ﵁ على أخته أم جميل اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وذلك أن أبا سفيان بن حرب بن أمية قال لهؤلاء النفر: اتبعوا ملة آبائنا ونحن الكفلاء بكل تبعة من الله نصيبكم وأهل مكة علينا شهداء كفلاء، فذلك قوله- تعالى-: «وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ» ، يقول الله- : وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ - ١٢- فيما يقولون «٤» وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ يعني وليحملن أوزارهم التي عملوا، وأوزارا مع أوزارهم لقولهم للمؤمنين «اتَّبِعُوا سَبِيلَنا» ، «مَعَ» يعني إلى أوزارهم التي عملوا لأنفسهم وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ- ١٣-

стр. 1196

من الكذب لقولهم نحن الكفلاء بكل تبعة تصيبكم من الله- وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً يدعوهم إلى الإيمان بالله- فكذبوه فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ- ١٤- يعني الماء طغى على كل شيء فأغرقوا فَأَنْجَيْناهُ يعني نوحا- ﵇ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ من الغرق وَجَعَلْناها يعني السفينة آيَةً لِلْعالَمِينَ- ١٥- يعني لمن بعدهم من الناس وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني وحدوا الله وَاتَّقُوهُ يعني واخشوه «١» ذلِكُمْ يعني عبادة الله خَيْرٌ لَكُمْ من عبادة الأوثان إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ- ١٦- ولكنكم لا تعلمون إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً يعنى أصناما وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً يعنى تعلمونها بأيديكم ثم تزعمون أنها آلهة كذبا وأنتم تنحتونها، فذلك قوله- : «وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ» «٢» بأيديكم من الأصنام، فقال- سبحانه-: إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من الآلهة لا يَمْلِكُونَ يقول لا يقدرون لَكُمْ رِزْقاً على رزق فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ يعني وحدوه وَاشْكُرُوا لَهُ واشكروا الله في النعم فإن مصيركم إليه [٧٢ أ] فذلك قوله- تعالى-: إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ- ١٧- أحياء بعد الموت وَإِنْ تُكَذِّبُوا يعنى كفار مكة يكذبوا محمدا- ﷺ بالعذاب وبالبعث فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ «يعني من قبل كفار مكة كذبوا رسلهم بالعذاب «٣» .

стр. 1197

وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ- ١٨- يقول وما على النبي- ﷺ إلا أن يبين لكم أمر العذاب أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ كما خلقهم يقول أو لم يعلم كفار مكة كيف بدأ الله- خلق الإنسان مِنْ نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِنْ مضغة، ثم عظاما، ثم لحما، ولم يكونوا شيئا ثم هلكوا، ثم يعيدهم في الآخرة إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ- ١٩- يقول إعادتهم في الآخرة على الله- هين، «١» ثم «٢» قال للنبي- ﷺ قُلْ لهم: سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ليعتبروا في أمر البعث فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ يعني خلق السموات والأرض وما فيها من الخلق لأنهم يعلمون أن الله- خلق الأشياء كلها ثُمَّ إن اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ يعني يعيد الخلق الأول يقول هكذا يخلق الخلق الآخر يعني البعث بعد الموت كما بدأ الخلق الأول، إنما ذكر النشأة الآخرة لأنها بعد الخلق الأول إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من البعث وغيره قَدِيرٌ- ٢٠- يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ- ٢١- يعني وإليه ترجعون بعد الموت يوم القيامة فيجزيكم بأعمالكم وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ يعني كفار مكة بمعجزين يعني بسابقين الله- فتفوتوه فِي الْأَرْضِ كنتم وَلا فِي السَّماءِ كنتم أينما كنتم حتى يجزيكم بأعمالكم السيئة وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ يعني من قريب لينفعكم وَلا نَصِيرٍ- ٢٢- يعني وَلا مانع يمنعكم من الله- وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ يعني بالقرآن «٣» وَلِقائِهِ

стр. 1198

وكفروا بالبعث أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي يعني من جنتي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ- ٢٣- يعني وجيعا. ثم ذكر إبراهيم- ﵇ في التقديم «١» قال: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ يعني قوم إبراهيم- ﵇ حين دعاهم إلى الله- ونهاهم عن عبادة الأصنام إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ بالنار فقذفوه في النار فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ يعني- إن في النار التي لم تحرق إبراهيم- ﵇ لعبرة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ- ٢٤- يعني يصدقون بتوحيد الله- وَقالَ لهم إبراهيم- ﵇: إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ الأوثان آلهة مِنْ دُونِ اللَّهِ- [٧٢ ب] أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا «٢» يعني بين الأتباع والقادة مودة على عبادة الأصنام ثُمَّ إذا كان يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ يقول تتبرأ القادة من الأتباع وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً يقول ويلعن الأتباع القادة من الأمم الخالية وهذه الأمة، ثم قال لهم إبراهيم- ﵇: وَمَأْواكُمُ النَّارُ يعني مصيركم إلى النار وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ- ٢٥- يعني مانعين من العذاب يمنعونكم منه فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ يعني فصدق بإبراهيم لوط- ﵉ وهو أول من صدق بإبراهيم حين رأى إبراهيم لم تضره النار «٣» وَقالَ إبراهيم- ﵇: إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي يعني هجر قومه المشركين من أرض كوثا هو ولوط وسارة أخت لوط- ﵈ إلى الأرض المقدسة «إِلَى رَبِّي» يعني إلى رضا

стр. 1199

ربي. وقال في الصافات: « ... إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي» يعنى إلى رضا ربى، «سيهدين» «١» فهاجر وهو ابن خمس وسبعين سنة إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ- ٢٦- وَوَهَبْنا لَهُ يعني لإبراهيم إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ابن إسحاق بالأرض «٢» المقدسة وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ يعني ذرية إبراهيم النُّبُوَّةَ يعني إسماعيل وإسحاق ويعقوب- ﵈ وَالْكِتابَ يعني صحف إبراهيم وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ يعني أعطيناه جزاءه فِي الدُّنْيا يعني الثناء الحسن والمقالة الحسنة من أهل الأديان كلها، لمضيه على رضوان الله حين ألقي في النار، «وكسر» «٣» الأصنام، ومضيه على ذبح ابنه، فجميع أهل الأديان يقولون إبراهيم منا لا يتبرأ منه «أحد» «٤» وَإِنَّهُ يعني إبراهيم فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ- ٢٧- نظيرها في النحل «٥» . «وَلُوطاً» «٦» إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ يعني المعصية يعني إتيان الرجال في أدبارهم ليلا «٧» مَا سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ- ٢٨- فيما مضى قبلكم وكانوا لا يأتون إلا الغرباء، ثم قال- : أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ يعني المسافر، وذلك أنهم إذا جلسوا في ناديهم يعني في مجالسهم رموا ابن السبيل بالحجارة والخذف فيقطعون سبيل المسافر، فذلك قوله- عز

стр. 1200

وجل-: وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ يعني في مجالسكم المنكر يعني الحذف «١» بالحجارة فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ أي قوم لوط- ﵇ حين نهاهم عن الفاحشة والمنكر إِلَّا أَنْ قالُوا للوط- ﵇: ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ- ٢٩- يعني بأن العذاب نازل بهم في الدنيا فدعا لوط ربه- ف قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ- ٣٠- يعني العاصين يعني بالفساد إتيان الرجال في أدبارهم، يقول رب انصرني بتحقيق قولي في العذاب عليهم «بما كذبون» يعنى بتكذيبهم إياى [٧٣ أ] حين قالوا أن العذاب ليس بنازل بهم في الدنيا، فأهلكهم الله- بالخسف والحصب، وكان لوط- ﵇ قد أنذرهم العذاب، فذلك قوله «وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا ... » «٢» يعنى عذابنا وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا يعني الملائكة إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى بالولد قالُوا لإبراهيم: إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ يعنون قرية لوط إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ- ٣١- قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ يعني لوطا، ثم استثنى فقال: إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ- ٣٢- يعني الباقين في العذاب وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا الملائكة لُوطاً وحسب أنهم من الإنس سِيءَ بِهِمْ يعني كرههم لوط لصنيع قومه بالرجال وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً يعني بضيافة الملائكة ذرعا يعني مخافة عليهم أن يفضحوهم وَقالُوا وقالت الرسل للوط- ﵇: لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ لأن قومه وعدوه فقالوا معك رجال سحروا «٣» أبصارنا، فستعلم ما تلقى

стр. 1201

عذابهم، فقالت الرسل: إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ ثم استثنى امرأته، فذلك قوله- : إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ- ٣٣- يعني من الباقين في العذاب، فهلك قوم لوط، ثم أهلكت بعد، بحجر أصابها فقتلها إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً يعني عذابا مِنَ السَّماءِ على قرى لوط يعني الخسف والحصب بِما كانُوا يَفْسُقُونَ- ٣٤- يعني يعصون وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً يعني من قرية لوط آية بَيِّنَةً يعني علامة واضحة، يعني هلاكهم لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ- ٣٥- بتوحيد الله- كانت قرية لوط بين المدينة والشام، وولد للوط بعد هلاك قومه ابنتان وكان له ابنتان قبل هلاكهم «١» . ثم مات لوط وكان أولاده مؤمنين من بعده. وَأرسلنا إِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً بن نويب بن مدين ابن إبراهيم خليل الرحمن- ﷻ لصلبه فَقالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني وحدوا الله وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ يعني واخشوا البعث الذي فيه جزاء الأعمال وَلا تَعْثَوْا يعني ولا تسعوا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ- ٣٦- يعنى بالمعاصي فى نقصان الكيل والميزان وهو الفساد في الأرض فَكَذَّبُوهُ بالعذاب حين أوعدهم أنه نازل بهم في الدنيا فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ يعني- في محلتهم وعسكرهم جاثِمِينَ- ٣٧- أمواتا خامدين مثل النار إذا أطفئت، بينما هي تَقِدُ إذا هي طفئت، فشبه أرواحهم في أجسادهم وهم أحياء مثل النار إذا تَقِدُ «ثم شبه هلاكهم بالنار» «٢» إذا طفئت، [٧٣ ب] بينما هم أحياء إذ صاح بهم جبريل

стр. 1202

- ﵇ فصعقوا أمواتا أجمعين وَأهلكنا عاداً وَثَمُودَ وهما ابنا عم وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ يا أهل مكة مِنْ مَساكِنِهِمْ يعني منازلهم آية في هلاكهم وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ السيئة فَصَدَّهُمْ الشيطان عَنِ السَّبِيلِ أي طريق الهدى وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ- ٣٨- في دينهم يحسبون أنهم على هدى وَأهلكنا قارُونَ وَفِرْعَوْنَ واسمه فيطوس وَهامانَ قهرمان فرعون ودستوره «١» . وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ «٢» أخبرهم أن العذاب نازل بهم في الدنيا فكذبوه وادعوا أنه غير نازل بهم في الدنيا. فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ- ٣٩- يعني فتكبروا بذنوبهم يعني بتكذيبهم الرسل، كقوله- تعالى-: « ... اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ «٣» ... » يعني بتكذيبهم الرسل وكفروا به « ... فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ «٤» ... » يعني بتكذيبهم صالحا. قال- : «فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ» «٥» فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً يعني من الحجارة وهم قوم لوط وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ يعني صيحة جبريل- ﵇ وهم قوم صالح، وقوم شعيب، وقوم هود، وقوم إبراهيم

стр. 1203

وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ يعنى قارون وأصحابه وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا يعني قوم نوح، وقوم فرعون وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ فيعذبهم على غير ذنب وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ- ٤٠- يخوف كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية لئلا يكذبوا محمد- ﷺ ، ثُمّ قَالَ- مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ يعني الآلهة وهي الأصنام اللات والعزى ومناة وهبل كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ وذلك أن الله- ضرب مثل الصنم في الضعف يعني كشبه العنكبوت إذا اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ يعني أضعف الْبُيُوتِ كلها لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ فكذلك ضعف الصنم هو أضعف من بيت العنكبوت لَوْ يعني إن كانُوا يَعْلَمُونَ- ٤١- ولكن لا يعلمون، ثم قال- تعالى-: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ يعني الأصنام وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ- ٤٢- يعني العزيز في ملكه الحكيم في أمره، ثم قال- : وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ يقول وتلك الأشباه نبينها لكفار مكة، فيما ذكر من أمر الصنم وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ- ٤٣- يقول الذين يعقلون عن الله- الأمثال خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ لم يخلقهما باطلا لغير شيء خلقهما لأمر هو كائن إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ- ٤٤- يقول إن فى [٧٤ أ] خلقهما لعبرة للمصدقين بتوحيد الله- اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ يعني اقرأ على أهل الكتاب ما أنزل إليك من القرآن، ثم قال- تعالى-: وَأَقِمِ يعني وأتم الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ يعنى عن المعاصي وَعن الْمُنْكَرِ يعنى بالمنكر ما لا يعرف يقول إن الإنسان ما دام يصلي لله- عز وجل

стр. 1204

- فقد انتهى عن الفحشاء والمنكر لا يعمل بهما ما دام يصلي حتى ينصرف، ثم قال- وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ يعنى إذا صليت لله- تعالى- فذكرته فذكرك الله بخير، وذكرُ الله إياك أفضلُ من ذكرك إياه في الصلاة وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ- ٤٥- فى صلاتكم وَلا تُجادِلُوا يعني النبي- ﷺ وحده أَهْلَ الْكِتابِ البتة يعني مؤمنيهم عبد الله بن سلام وأصحابه إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فيها تقديم يقول جادلهم قل لهم بالقرآن وأخبرهم عن القرآن نسختها آية السيف في براءة فقال- تعالى-: «قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ... » «١» إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ «٢» وَقُولُوا لهم يعني ظلمة اليهود آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا يعني القرآن وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ يعني التوراة وَقولوا لهم إِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ ربنا وربكم واحد وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ- ٤٦- يعني مخلصين بالتوحيد وَكَذلِكَ يعني وهكذا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ كما أنزلنا التوراة على أهل الكتاب، - ليبين لهم- يعني ليخبرهم، ثُمّ ذكر مؤمني أَهْل التوراة عَبْد اللَّه بن سلام وأصحابه فقال- سبحانه-: فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعنى أعطيناهم التوراة يعنى بن سلام وأصحابه يُؤْمِنُونَ بِهِ يصدقون بقرآن محمد- صلى الله

стр. 1205

عليه وسلم- أنه من الله- ، ثم ذكر مسلمي مكة فقال: وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ يعني يصدق بقرآن محمد- ﷺ أنه من الله جاء، ثم قال: وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا يعني آيات القرآن بعد المعرفة لأنهم يعلمون أن محمدا- ﷺ نبي وأن القرآن حق «١» من الله- إِلَّا الْكافِرُونَ- ٤٧- من اليهود وَما كُنْتَ يا محمد تَتْلُوا يعني تقرأ مِنْ قَبْلِهِ يعني من قبل القرآن مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ فلو كنت يا محمد تتلوا القرآن أو تخطه، لقالت اليهود إنما كتبه من تلقاء نفسه وإِذاً لَارْتابَ يقول وإذًا لشك الْمُبْطِلُونَ- ٤٨- يعني الكاذبين يعني كفار اليهود إذا لشكوا فيك يا محمد، إذا لقالوا إن الذي نجد في التوراة نعته «٢» ، هو أمى لا يقرأ الكتاب [٧٤ ب] ولا يخطه بيده، ثم ذكر مؤمني أهل التوراة فقال: «بَلْ هُوَ» «٣» يا محمد آياتٌ بَيِّناتٌ يعني علامات واضحات بأنه أمي لا يقرأ الكتاب ولا يخطه بيده فِي صُدُورِ يعني في قلوب الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ بالتوراة يعني عَبْد اللَّه بن سلام وأصحابه ثُمّ قال- : وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا يعني ببعث محمد- ﷺ في التوراة بأنه أمي لا يقرأ الكتاب ولا يخطه بيده، وهو مكتوب في التوراة فكتموا أمره وجحدوا، فذلك قوله- : «وَمَا يجحد بآياتنا» يعنى يبعث محمد- ﷺ في التوراة إِلَّا الظَّالِمُونَ- ٤٩-

стр. 1206

يعني كفار اليهود وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قال كفار مكة هلا أنزل على محمد- ﷺ آيات من ربه إلينا كما كان تجيء إلى قومهم، فأوحى الله- ﵎ إلى النبي- ﷺ قال: قُلْ لهم إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ فإذا شاء أرسلها وليست بيدي وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ- ٥٠- فلما سألوه الآية قال الله- تعالى-: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ بالآية من القرآن أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ فيه خبر ما قبلهم وما بعدهم إِنَّ فِي ذلِكَ يعني- في القرآن لَرَحْمَةً لمن آمن به وعمل به وَذِكْرى يعني وتذكرة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ- ٥١- يعني يصدقون بالقرآن أنه من الله- فكذبوا بالقرآن فنزل قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يعني فلا شاهد أفضل من الله بيننا يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ يعني صدقوا بعبادة الشيطان وَكَفَرُوا بِاللَّهِ بتوحيد الله أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ- ٥٢- وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ استهزاء وتكذيبا به نزلت في النضر بن الحارث حيث قال: « ... فَأَمْطِرْ عَلَيْنا» في الدنيا «حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» «١» يقول ذلك استهزاء وتكذيبا فنزلت فيه «وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ» وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى في الآخرة لَجاءَهُمُ الْعَذابُ الذي استعجلوه في الدنيا وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ العذاب في الآخرة بَغْتَةً يعني فجأة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ- ٥٣- يعني لا يعلمون به حتى ينزل بهم العذاب، ثم قال- سبحانه-: يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ

стр. 1207

يعني النضر بن الحارث وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ- ٥٤- ثم أخبر بمنازلهم يوم القيامة، فقال- تعالى-: يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ وهم في النار مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ يعنى بذلك «لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ... » «١» [٧٥ أ] يعني بين طبقتين من نار وَيَقُولُ لهم الخزنة: ذُوقُوا جزاء مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ- ٥٥- من الكفر والتكذيب يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا نزلت فى ضعفاء مسلمين أهل مكة إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار الإيمان ف إِنَّ أَرْضِي يعني أرض الله بالمدينة «٢» واسِعَةٌ من الضيق فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ - ٥٦- يعني فوحدوني بالمدينة علانية، ثم خوفهم الموت ليهاجروا فقال- تعالى-: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ- ٥٧- في الآخرة بعد الموت فيجزيكم بأعمالكم، ثم ذكر المهاجرين فقال- سبحانه-: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ يعني لننزلنهم مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها لا يموتون في الجنة نِعْمَ أَجْرُ يعني جزاء الْعامِلِينَ- ٥٨- لله- ، ثم نعتهم فقال- : الَّذِينَ صَبَرُوا على الهجرة وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ- ٥٩- يعني وبالله يثقون في هجرتهم، وذلك أن أحدهم كان يقول بمكة أهاجر إلى المدينة وليس لي بها مال، ولا معيشة، فوعظهم الله ليعتبروا فقال: وَكَأَيِّنْ يعني وكم مِنْ دَابَّةٍ في الأرض أو طير لا تَحْمِلُ يعني لا ترفع رِزْقَهَا معها اللَّهُ يَرْزُقُها حيث توجهت وَإِيَّاكُمْ يعنى

стр. 1208

يرزقكم إن هاجرتم إلى المدينة وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ- ٦٠- لقولهم إنا لا نجد ما ننفق في المدينة، ثم قال- للنبي- ﷺ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ يعني ولئن سألت كفار مكة مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ وحده خلقهم فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ- ٦١- يعني- من أين تكذبون يعني بتوحيدي، ثم رجع إلى الذين رغبهم في الهجرة، والذين قالوا لا نجد ما ننفق، فقال- : اللَّهُ يَبْسُطُ يعني يوسع الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ يعني ويقتر على من يشاء إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ- ٦٢- من البسط على من يشاء، والتقتير عليه «١» وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ يعني كفار مكة مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً يعني المطر فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ يفعل ذلك قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بإقرارهم بذلك «بَلْ» «٢» أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ- ٦٣- بتوحيد ربهم وهم مقرون بأن الله- خلق الأشياء كلها وحده، ثم قال- تعالى-: وَما هذِهِ الْحَياةُ «٣» الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ يعنى وباطلا وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ يعنى الجنة لَهِيَ الْحَيَوانُ يقول [٧٥ ب] لهي دار الحياة لا موت فيها لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ- ٦٤- ولكنهم لا يعلمون فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ يعني السفن يعني كفار مكة يعظهم ليعتبروا دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ يعنى موحدين له التوحيد «٤» فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ- ٦٥-

стр. 1209

فلا يوحدون كما يوحدونه- في البحر لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ يعني لئلا يكفروا بما أعطيناهم في البحر من العافية حين سلمهم الله- من البلاء وأنجاهم من اليم «وَلِيَتَمَتَّعُوا» «١» إلى منتهى آجالهم فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ- ٦٦- هذا وعيد أَوَلَمْ يَرَوْا يعني كفار مكة يعظهم ليعتبروا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ فيقتلون ويسبون فأدفع عنهم وهم يأكلون رزقي ويعبدون غيري فلست أسلط عليهم عدوهم إذا أسلموا نزلت في الحارث بن نوفل القرشي، نظيرها في «طسم» القصص «٢» ، ثم بين لهم ما يعبدون فقال- سبحانه-: أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ؟ يعني أفبالشيطان يصدقون أن لله- تعالى- شريكا وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ الذي أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف يَكْفُرُونَ- ٦٧- فلا يؤمنون برب هذه النعمة فيوحدونه- ، ثم قال- تعالى ذكره-: وَمَنْ أَظْلَمُ يقول فلا أحد أظلم مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ يعني بالتوحيد لَمَّا جاءَهُ يعني حين جاءه، ثم قال- تعالى-: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ يقول أما لهذا المكذب بالتوحيد في جهنم مَثْوىً يعني مأوى لِلْكافِرِينَ- ٦٨- بالتوحيد وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا يعني عملوا بالخير لله- ، مثلها فى

стр. 1210

آخر الحج «١» لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا يعني ديننا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ- ٦٩- لهم فى العون «٢» لهم.

стр. 1211

سورة الرّوم

стр. 1212

[سورة الروم (٣٠) : الآيات ١ الى ٦٠] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (٧) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (٨) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (١٦) فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي مَا رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٩) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢) وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧) فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠) ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٤٥) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠) وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١) فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٦٠)

стр. 1213

سورة الروم «١» سورة الروم مكية وهي ستون آية كوفية «٢» .

стр. 1214

بسم الله الرحمن الرحيم تفسير سورة الروم «١» حدثنا عبيد الله قال: حدثني أبي قال: حَدَّثَنَا الْهُذَيْلُ عَنْ أَبِي بَكْر الْهُذَلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ «٢» قَالَ: اقْتَتَلَ الرُّومُ وَفَارِسُ فَهُزِمَتِ الرُّومُ فبلغ ذَلِكَ النَّبِيّ- ﷺ وَأَصْحَابَهُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ وَهُمْ بِمَكَّةَ، وَفَرِحَ الْكُفَّارُ وشمتوا فلقوا أَصْحَابَ النَّبِيِّ- ﷺ ، فَقَالُوا لَهُمْ: إِنَّكُمْ أَهْلُ كِتَابٍ وَالرُّومُ أَهْلُ كِتَابٍ فَقَدْ ظَهَرَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ فَارِسَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ مِنَ الرُّومِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ- ﵎ «الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ» وَأَدْنَى الأَرْضِ يَوْمَئِذٍ أَذْرَعَاتٌ فِيهَا كَانَ الْقِتَالُ «وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ» أَنْ يَظْهَرَ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ «وَمِنْ بَعْدِ» «٣» مَا ظَهَرَتْ، قَالَ: فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ

стр. 1215

- رضوان الله عليه-[٧٦ أ] إِلَى الْكُفَّارِ فَقَالَ: أَفَرِحْتُمْ لِظُهُورِ إِخْوَانِكُمْ عَلَى إِخْوَانِنَا فَلا تَفْرَحُوا وَلا يُقِرُّ اللَّهُ أَعْيُنَكُمْ لَيُظْهِرَنَّ اللَّهُ الرُّومَ عَلَى فَارِسَ، أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ نَبِيُّ اللَّهِ- ﷺ فَقَالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ: كَذَبْتَ يَا أبا فصيل. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ- ﵁: أَنْتَ أَكْذَبُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ. فَقَالَ: أُنَاجِيكَ عَشْرَ قَلائِصَ مِنِّي وَعَشْرَ قَلائِصَ مِنْكَ إِلَى ثَلاثِ سِنِينَ. ثُمَّ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ- ﵁ إِلَى النَّبِيِّ- ﷺ فَقَالَ: نَاجَيْتُ عَدُوَّ اللَّهِ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ أن يظهر الله- الروم على فَارِسَ إِلَى ثَلاثِ سِنِينَ فَقَالَ النَّبِيُّ- ﷺ : مَا كَذَلِكَ ذَكَرْتُ لَكَ، إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ- : «بِضْعِ سِنِينَ» وَالْبِضْعُ مَا بَيْنَ الثَّلاثِ إِلَى التِّسْعِ فَاذْهَبْ فَزَايِدْهُمْ فِي الْخَطْرِ وَمَادِّهِمْ فِي الأَجَلِ فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ- ﵁ فَلَقِيَ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، فَقَالَ: لَعَلَّكَ نَدِمْتَ يَا أَبَا عَامِرٍ. قَالَ: فَقَالَ تَعَالَ أُزَايِدُكَ فِي الْخَطْرِ، وَأُمَادُّكُمْ فِي الأَجَلِ فَنَجْعَلُهَا مِائَةَ قَلُوصٍ إِلَى تِسْعِ سِنِينَ. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. قَالَ: وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بِفَارِسَ لا تَلِدُ إِلا مُلُوكًا أَبْطَالا، فدعاها كسرى. فقال: إنى أريد أن أبعت إِلَى الرُّومِ جَيْشًا وَأَسْتَعْمِلُ رَجُلا مِنْ بَنِيكِ فَأَشِيرِي عَلَيَّ أَيَّهُمْ أَسْتَعْمِلُ فَقَالَتْ: هَذَا فُلانٌ وَسَمَّتْهُ وَهُوَ أَرْوَغُ مِنْ ثَعْلَبٍ وَأَجْبَنُ مِنْ صقر، وهذا الفرخان وهو أنفذ من السنان، وهذا شهر بران وَهُوَ «أَحْلَمُ» «١» مِنَ الأَرْزَانِ فَاسْتَعْمِلْ أَيَّهُمْ شِئْتَ. قال: إنى أستعمل الحليم فبعث «شهر بران» «٢» على الجيش فسار إلى الروم أَرْضِ فَارِسَ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ وَخَرَّبَ مَدَائِنَهُمْ وَقَطَعَ زَيْتُونَهُمْ، فَلَمَّا ظَهَرَتْ فَارِسُ عَلَى الرُّومِ جَلَسَ الْفَرُّخَانُ يَشْرُبُ فَقَالَ لأَصْحَابِهِ: قَدْ رَأَيْتُ فِي المنام أنى جالس على سرير

стр. 1216

كِسْرَى فَعَمِدَ الْمُلاقُونَ الْمُبَلِّغُونَ بِالأَحَادِيثِ فَكَتَبُوا إِلَى كِسْرَى أَنَّ عَبْدَكَ الْفَرُّخَانَ يَتَمَنَّى فِي الْمَنَامِ أَنْ يَقْعُدَ عَلَى سَرِيرِكَ فَكَتَبَ كِسْرَى إِلَى شهر بران إِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَابْعَثْ بِرَأْسِ أَخِيكَ الفرخان فكتب إليه شهر بران أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّ الْفَرُّخَانَ لَهُ صَوْلَةٌ وَنِكَايَةٌ فِي الْعَدُوِّ فَلا تَفْعَلْ فَكَتَبَ إِلَيْهِ كِسْرَى إِنَّ فِي رِجَالِ فَارِسَ مِنْهُ خَلَفًا وَبَدَلا فَعَجِّلْ عَلَيَّ بِرَأْسِهِ فَرَاجَعَهُ. فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ مِنَ الْفَرُّخَانِ بَدَلا صَوْلَةً وَنِكَايَةً، فَغَضِبَ كِسْرَى فَلَمْ يُجِبْهُ وَبَعَثَ «بَرِيدًا» «١» إِلَى أَهْلِ فَارِسَ الَّذِينَ بِالرُّومِ: إِنِّي قَدْ نزعت عنكم «شهر بران» «٢» وَاسْتَعْمَلْتُ عَلَيْكُمُ الْفَرُّخَانَ وَدَفَعَ إِلَى صَاحِبِ الْبَرِيدِ صحيفة صغيرة [٧٦ ب] فَقَالَ إِذَا وُلِّيَ الْفَرُّخَانُ وَانْقَادَ لَهُ أَخُوهُ فادفع إليه الصحيفة. فلما قرأ شهر بران الْكِتَابَ قَالَ: «سَمْعًا» «٣» وَطَاعَةً وَوَضَعَ تَاجَهُ عَلَى رأس أخيه ونزل على سَرِيرِهِ وَجَلَسَ عَلَيْهِ الْفَرُّخَانُ وَدَفَعَ الرَّسُولُ الصَّحِيفَةَ إليه فقال: ائتوني «بشهر بران» «٤» فأتى به ليضرب عنقه فقال شهر بران لا تَعْجَلْ حَتَّى أَكْتُبَ وَصِيَّتِي قَالَ: فَكَتَبَهَا فدعا بسفط فِيهِ ثَلاثُ صَحَائِفَ. وَقَالَ: وَيْحَكَ أَنْتَ ابْنُ أُمِّي وَأَبِي وَهَذِهِ ثَلاثُ صَحَائِفَ جَاءَتْنِي فِي قَتْلِكَ فَرَاجَعْتُ فِيكَ كِسْرَى ثَلاثَ مَرَّاتٍ. فَقَالَ الْفَرُّخَانُ: أُمُّنَا وَاللَّهِ كَانَتْ أَعْرَفَ بِنَا، أَنْتَ «أحلم» «٥» من الأرزق حِينَ رَاجَعْتَ فِيَّ ثَلاثَ مَرَّاتٍ وَأَنَا أَنْفَذُ مِنَ السِّنَانِ حِينَ أَرَدْتُ قَتْلَكَ بِكِتَابٍ وَاحِدٍ ثُمَّ رَدَّ الْمُلْكَ إِلَى أَخِيهِ وَكَانَ أَكْبَرَ منه فكتب شهر بران

стр. 1217

إِلَى قَيْصَرَ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً لا تَحْمِلُهَا الْبُرُدُ «١» وَلا تَبْلُغُهَا الصُّحُفُ فَالْقَنِي وَلا تَلْقَنِي إِلا فِي خَمْسِينَ رُومِيًّا فَإِنِّي أَلْقَاكَ فى خمسين فارسيا فأقبل قيصر فى خمسمائة أَلْفِ رُومِيٍّ فَجَعَلَ يَبُثُّهُمْ فِي الطُّرُقِ وَبَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ الْعُيُونَ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ مَكْرًا مِنْهُ حَتَّى أَتَتْهُ عُيُونُهُ أَنْ لَيْسَ مَعَهُ إِلا خَمْسِينَ رَجُلا ثُمَّ بُسِطَتْ لَهُمْ «بُسُطٌ» «٢» فَمَشَيَا عَلَيْهَا وَنَزَلا عَنْ بِرْذَوْنَيْهِمَا إِلَى قُبَّةٍ من ديباج ضربت «لهما» «٣» عراها ذهب وَأَزْرَارُهَا فِضَّةٌ وَأَطْنَابُهَا إِبْرِيسِمُ مَعَ أَحَدِهِمَا سِكِّينٌ نصلبها زُمُرُّدٌ أَخْضَرُ وَقِرَابُهَا مِنْ ذَهَبٍ وَمَعَ الآخَرِ سكين نصابها من فارهرة خَضْرَاءَ وَقِرَابُهَا مِنْ ذَهَبٍ وَدَعَوْا تَرْجُمَانًا بَيْنَهُمَا فقال شهر بران لِقَيْصَرَ: إِنَّ الَّذِينَ كَسَرُوا شَوْكَتَكَ وَأَطْفَئُوا جَمْرَتَكَ وَخَرَّبُوا مَدَائِنَكَ وَقَطَّعُوا شَجَرَكَ أَنَا وَأَخِي بِكَيْدِنَا وَشَجَاعَتِنَا وَإِنَّ كِسْرَى حَسَدَنَا عَلَى ذَلِكَ وَأَرَادَنِي عَلَى قَتْلِ أَخِي وَأَرَادَ أَخِي عَلَى قَتْلِي فَأَبَيْنَا فَخَالَفْنَاهُ جَمِيعًا فَنَحْنُ نُقَاتِلُهُ مَعَكَ فَقَالَ: أَصَبْتُمَا فَأَشَارَ أَحَدُهُمَا إِلَى الآخَرِ السِّرُّ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَإِذَا جَاوَزَهُمَا فَشَا فَقَتَلا التَّرْجُمَانَ بِسِكِّينَيْهِمَا وَأَهْلَكَ اللَّهُ- كِسْرَى وَجَاءَ الْخَبَرُ إِلَى النَّبِيِّ- ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ فَفَرِحَ النَّبِيُّ- ﷺ ومن معه «بظهور الروم» «٤» وبأخذ الحظ فَذَلِكَ قَوْلُهُ- . «وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ» «٥» .

стр. 1218

بسم الله الرحمن الرحيم «١» سورة الروم «٢» الم- ١- غُلِبَتِ الرُّومُ- ٢- وذلك أن أهل فارس غلبوا على الروم فِي أَدْنَى الْأَرْضِ يعني أرض الأردن وفلسطين، ثم قال- : وَهُمْ يعني الروم مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ- ٣- أهل فارس فِي بِضْعِ سِنِينَ «يعني خمس سنين أو سبع سنين إلى تسع» «٣» لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ حين ظهرت «٤» فارس على الروم وَمِنْ بَعْدُ ما ظهرت الروم على فارس وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ- ٤- وذلك أن فارس غلبت الروم ففرح بذلك كفار مكة فقالوا: إن فارس ليس لهم كتاب ونحن منهم وقد غلبوا أهل الروم وهم أهل كتاب قبلكم فنحن أيضا نغلبكم كما غلبت فارس الروم. فخاطرهم أبو بكر الصديق- ﵁ على أن يظهر الله- الروم على فارس فلما كان يوم بدر غلب

стр. 1219

المسلمون كفار مكة وأتى المسلمين الخير بعد ذلك والنبي- ﷺ والمؤمنون بالحديبية أن الروم قد غلبوا أهل فارس ففرح المسلمون بذلك، فذلك قوله- ﵎: «وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ» بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ فنصر الله- الروم على فارس، ونصر المؤمنين على المشركين يوم بدر، قال أبو محمد: سألت أبا العباس ثعلب عن البضع والنيف، فقال: البضع من ثلاث إلى تسع والنيف من واحد إلى خمسة، وربما أدخلت كل واحدة على صاحبتها فتجوز مجازها، فأخذ أبو بكر الصديق- ﵁ الخطر من صفوان بن أمية والنبي- ﷺ بالحديبية مقيم حين صده المشركون عن دخول مكة وَهُوَ الْعَزِيزُ يعني المنيع في ملكه الرَّحِيمُ- ٥- بالمؤمنين حين نصرهم وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وذلك أن الله- وعد المؤمنين فى أول السورة أن يظهر الروم على فارس حين قال- تعالى-: «وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ» «١» على أهل فارس، وذلك قوله- : «وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ» بأن الروم تظهر على فارس وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ- ٦- يعني كفار مكة يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا يعني «٢» حرفتهم وحيلتهم ومتى يدرك زرعهم «٣» ، وما يصلحهم في معايشهم لصلاح دنياهم وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ- ٧- حين لا يؤمنون بها، ثم وعظهم

стр. 1220

ليعتبروا فقال- تعالى-: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ يقول- سبحانه- لم يخلقهما عبثا لغير شيء خلقهما لأمر هو كائن وَأَجَلٍ مُسَمًّى يقول السموات والأرض لهما أجل ينتهيان إليه يعني يوم القيامة وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ يعني- كفار مكة بِلِقاءِ رَبِّهِمْ بالبعث بعد الموت لَكافِرُونَ- ٨- لا يؤمنون أنه كائن، ثم خوفهم فقال- : أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ [٧٧ ب] فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني الأمم الخالية فكان عاقبتهم العذاب في الدنيا كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ من أهل مكة قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها يعني وعاشوا في الأرض أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها أكثر مما عاش فيها كفار مكة وَجاءَتْهُمْ يعنى الأمم الخالية رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني أخبرتهم بأمر العذاب فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ فيعذبهم على غير ذنب وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ- ٩- ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا يعني أشركوا السُّواى بعد العذاب في الدنيا أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ يعنى بأن كذبوا بالعذاب بأنه ليس بنازل بهم في الدنيا وَكانُوا بِها يعنى بالعذاب يَسْتَهْزِؤُنَ- ١٠- تكذيبا به أنه لا يكون، ثم قال- سبحانه-: اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ يقول الله بدأ الناس فخلقهم، ثم يعيدهم في الآخرة بعد الموت أحياء كما كانوا ثُمَّ إِلَيْهِ «تُرْجَعُونَ» «١» - ١١- في الآخرة، فيجزيهم بأعمالهم وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يعنى يوم القيامة يُبْلِسُ يعني ييأس الْمُجْرِمُونَ- ١٢- يعني كفار مكة من شفاعة الملائكة وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ من الملائكة شُفَعاءُ

стр. 1221

فيشفعوا لهم وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ- ١٣- يعني تبرأت الملائكة ممن كان يعبدها وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يوم القيامة يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ- ١٤- بعد الحساب إلى الجنة وإلى النار فلا يجتمعون أبدا، ثم أخبر بمنزلة الفريقين جميعا فقال- سبحانه-: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ- ١٥- يعني في بساتين يكرمون وينعمون فيها وهي الجنة وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا بتوحيد الله- وَكَذَّبُوا بِآياتِنا يعنى القرآن وَلِقاءِ الْآخِرَةِ يعنى البعث فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ- ١٦- فَسُبْحانَ اللَّهِ يعني فصلوا لله- حِينَ تُمْسُونَ يعني صلاة المغرب وصلاة «العشاء» «١» وَحِينَ تُصْبِحُونَ- ١٧- يعنى صلاة الفجر وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «٢» يحمده الملائكة في السموات ويحمده المؤمنون في الأرض وَعَشِيًّا يعني صلاة العصر وَحِينَ تُظْهِرُونَ- ١٨- يعني صلاة الأولى، يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ يقول يخرج الناس والدواب والطير من النطف وهي ميتة وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ يعني النطف مِنَ الْحَيِّ يعني من الناس والدواب والطير وَيُحْيِ الْأَرْضَ بالماء بَعْدَ مَوْتِها فينبت العشب فذلك حياتها، ثم قال: وَكَذلِكَ يعني وهكذا تُخْرَجُونَ- ١٩- يا بني آدم من الأرض يوم القيامة بالماء كما يخرج العشب من الأرض بالماء، وذلك [٧٨ أ] أن الله- يرسل يوم القيامة ماء «الحيوان» «٣» من السماء السابعة من البحر

стр. 1222

المسجور على الأرض بين النفختين فتنبت عظام الخلق ولحومهم وجلودهم كما ينبت العشب من الأرض وَمِنْ آياتِهِ يعني ومن علامات ربكم أنه واحد- وإن لم تروه فاعرفوا توحيده بصنعه أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ يعنى آدم- صلى الله عليه- خلقه من طين ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ يعني ذرية آدم بشر تَنْتَشِرُونَ- ٢٠- في الأرض يعني «تتبسطون» «١» في الأرض كقوله- سبحانه-: « ... وَيَنْشُرُ ... » «٢» يعنى ويبسط رحمته وَمِنْ آياتِهِ يعني علاماته أن تعرفوا توحيده وإن لم تروه أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ يعني بعضكم من بعض أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ وبين أزواجكم مَوَدَّةً يعني الحب وَرَحْمَةً ليس بينها وبينه رحم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ يعني إن في هذا الذي ذكر لعبرة لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ- ٢١- فيعتبرون في توحيد الله- وَمِنْ آياتِهِ يعني ومن علامة «٣» الرب- أنه واحد فتعرفوا «٤» توحيده بصنعه أن خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وأنتم تعلمون ذلك، كقوله- سبحانه-: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ... » «٥» وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ عربي وعجمي وغيره وَاختلاف أَلْوانِكُمْ أبيض وأحمر وأسود إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ يعني إن في هذا الذي ذكر لعبرة لِلْعالِمِينَ في توحيد الله- وَمِنْ آياتِهِ يعني ومن علامات الرب- تعالى- أن يعرف توحيده بصنعه

стр. 1223

مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ يعنى النوم، ثم قال: وَب النَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ يعني الرزق إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ يعني إن في هذا الذي ذكر لعبرة لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ- ٢٣- المواعظ فيوحدون ربهم- وَمِنْ آياتِهِ يعني ومن علاماته أن تعرفوا توحيد الرب- ﷻ بصنعه وإن لم تروه يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً «من الصواعق لمن كان بأرض» «١» نظيرها في الرعد «٢» وَطَمَعاً في رحمته يعني المطر وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً يعنى المطر فَيُحْيِي بِهِ بالمطر الْأَرْضَ بالنبات بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ يعني- في هذا الذي ذكر لَآياتٍ يعنى لعبرة لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ- ٢٤- عن الله- فيوحدونه وَمِنْ آياتِهِ يعني علاماته أن تعرفوا توحيد الله- تعالى- بصنعه أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ يعني السموات السبع والأرضين السبع قال ابن مسعود قامتا على غير عمد بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ يدعو إسرافيل- ﷺ من صخرة بيت المقدس فى الصور [٧٨ ب] عن أمر الله- «دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ» «٣» - ٢٥- وفى هذا كله الذي ذكره من صنعه، «عبرة وتفكرا» «٤» في توحيد الله- ثم عظم نفسه- تعالى ذكره- فقال: وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ من الملائكة وَمن فى الْأَرْضِ من الإنس والجن ومن

стр. 1224

يعبد من دون الله- كلهم عبيده وفي ملكه، قال- سبحانه-: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ- ٢٦- يعني كل ما فيهما من الخلق لله «قانتون» يعني مقرون بالعبودية له يعلمون أن الله- ﷻ ربهم وهو خلقهم ولم يكونوا شيئا ثم يعيدهم، ثم يبعثهم في الآخرة أحياء بعد موتهم كما كانوا، ثم قال- : «وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ» «١» وهو الذي بدأ الخلق، يعني خلق آدم، فبدأ خلقهم ولم يكونوا شيئا ثم يعيدهم، يعني يبعثهم في الآخرة أحياء بعد موتهم كما كانوا «٢» . وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ يقول البعث أيسر عليه عندكم، يا معشر الكفار، في المثل من الخلق الأول حين بدأ خلقهم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما ثم لحما، فذلك قوله- : وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فإنه- ﵎ رب واحد لا شريك له وَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه لقولهم إن الله- لا يقدر على البعث الْحَكِيمُ- ٢٧- في أمره حكم البعث ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ نزلت في كفار قريش وذلك أنهم كانوا يقولون في إحرامهم «لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك» فقال- تعالى-: «ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ» يقول وصف لكم يا معشر الأحرار، من كفار قريش مثلا يعني شبها من عبيدكم هَلْ لَكُمْ استفهام مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من العبيد مِنْ شُرَكاءَ فِي مَا رَزَقْناكُمْ من الأموال فَأَنْتُمْ وعبيدكم فِيهِ سَواءٌ في الرزق، ثم قال: تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ يقول- تخافون عبيدكم أن يرثوكم بعد الموت كما تخافون أن يرثكم الأحرار من أوليائكم، فقالوا للنبي- ﷺ لا، قال لهم

стр. 1225

النبي- ﷺ : أفترضون لله- الشركة في ملكه وتكرهون الشرك في أموالكم فسكتوا ولم يجيبوا النبي- ﷺ . إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك، يعنون الملائكة. قال: فكما لا تخافون أن يرثكم عبيدكم فكذلك ليس لله- شريك كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ يعنى هكذا نبين الآيات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ- ٢٨- عن الله- الأمثال فيوحدونه، ثم ذكرهم «١» فقال- سبحانه- بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ يعلمونه بأن معه شريكا فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ يقول فمن يهدي إلى توحيد الله من قد أضله الله- عنه وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ- ٢٩-[٧٩ أ] يعنى مانعين من الله- ، ثم قال للنبي- ﷺ إن لم يوحد كفار مكة ربهم فوحد أنت ربك يا محمد فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ يعني فأخلص دينك الإسلام لله- حَنِيفاً يعني مخلصا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها يعني ملة الإسلام التوحيد الذي خلقهم عليه ثم أخذ الميثاق مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ «٢» « ... وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ... «٣» » ربنا، وأقروا له بالربوبية والمعرفة له- ﵎ ثم قال- سبحانه- لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ يقول لا تحويل لدين الله- الإسلام يعنى التوحيد ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ يعنى التوحيد وهو الدين

стр. 1226

المستقيم وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يعني كفار مكة لا يَعْلَمُونَ- ٣٠- توحيد الله- ثم أمرهم بالإنابة إليه من الكفر وأمرهم بالصلاة فقال- مُنِيبِينَ إِلَيْهِ يقول راجعين إليه من الكفر إلى التوحيد لله- تعالى ذكره- «وَاتَّقُوهُ» «١» يعني واخشوه وَأَقِيمُوا «٢» يعني وأتموا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ- ٣١- يقول لكفار مكة كونوا من الموحدين لله- ولا تكونوا مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ يعني أهل الأديان فرقوا دينهم الإسلام وَكانُوا شِيَعاً يعني أحزابا في الدين يهود ونصارى ومجوس وغيره ونحو ذلك كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ- ٣٢- كل أهل ملة بما عندهم من الدين راضون به وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ يعني كفار مكة ضر يعني السنين وهو الجوع يعني قحط المطر عليهم سبع سنين دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ يقول- راجعين إليه يدعونه أن يكشف عنهم الضر لقوله- تعالى- في «حم» الدخان: «رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ» يعنى الجوع «إِنَّا مُؤْمِنُونَ» «٣» ، قال- تعالى-: ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً يعني إذا أعطاهم من عنده، نعمة يعني المطر إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ- ٣٣- يقول تركوا توحيد ربهم في الرخاء وقد وحدوه في الضر لِيَكْفُرُوا «يعني لكي يكفروا» «٤» «بِما آتَيْناهُمْ» «٥» بالذي أعطيناهم من الخير

стр. 1227

لا تجري الأنهار، وأهل العمود «١» ، ثم قال: «ظَهَرَ الْفَسادُ» يعنى قحط المطر [٨٠ أ] ونقص الثمار في البحر يعني في الريف يعني القرى حيث تجري فيها الأنهار «٢» بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ من المعاصي يعني كفار مكة لِيُذِيقَهُمْ الله الجوع بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا يعني الكفر والتكذيب في السنين السبع لَعَلَّهُمْ يعني لكي يَرْجِعُونَ- ٤١- من الكفر إلى الإيمان، ثم خوفهم فقال- سبحانه-: «قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ» «٣» يعني قبل كفار مكة من الأمم الخالية «٤» كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ- ٤٢- فكان عاقبتهم الهلاك في الدنيا، ثم قال: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ يعني فأخلص دينك للإسلام المستقيم فإن غير دين الإسلام ليس بمستقيم مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ يعنى يوم القيامة لا مَرَدَّ لَهُ يعني لا يقدر أحد على رد ذلك اليوم مِنَ اللَّهِ- يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ- ٤٣- يعني بعد الحساب يتفرقون إلى الجنة وإلى النار مَنْ كَفَرَ بالله فَعَلَيْهِ إثم كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ- ٤٤- يعنى

стр. 1228

يقدمون لِيَجْزِيَ يعني لكي يجزي الله- في القيامة الَّذِينَ آمَنُوا بتوحيد الله- وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ- ٤٥- بتوحيد الله- وَمِنْ آياتِهِ يعني ومن علاماته- وإن لم تروه أن تعرفوا توحيده بصنعه- أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ يعني يستبشر بها الناس رجاء المطر وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ يقول وليعطيكم من نعمته يعني المطر «وَلِتَجْرِيَ» «١» الْفُلْكُ فى البحر بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا في البحر مِنْ فَضْلِهِ يعني الرزق كل هذا بالرياح وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ- ٤٦- رب هذه النعم فتوحدونه، ثم خوف كفار مكة لكي لا يكذبوا النبي- ﵌ فقال- سبحانه-: لَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فأخبروا قومهم بالعذاب أنه نازل بهم في الدنيا إن لم يؤمنوا فكذبوهم بالعذاب أنه غير نازل بهم في الدنيا، فعذبهم الله- فذلك قوله- : انْتَقَمْنا «٢» بالعذاب نَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا يعنى الذين أشركوا كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ - ٤٧- يعني المصدقين للأنبياء- ﵈، بالعذاب «٣» ، فكان نصرهم أن الله- أنجاهم من العذاب مع الرسل، ثُمّ أخبر عن صنعه ليعرف توحيده، فَقَالَ- : اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً

стр. 1229

يقول يجعل الريح السحاب قطعا يحمل بعضها على بعض فيضمه ثم يبسط السحاب [٨٠ ب] في السماء كيف يشاء الله- تعالى-، إن شاء بسطه على مسيرة يوم أو بعض يوم أو مسيرة أيام يمطرون، فذلك قوله- فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ يعني المطر يخرج مِنْ خِلالِهِ يعني من خلال السحاب فَإِذا أَصابَ بِهِ يعني بالمطر مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ- ٤٨- يعني إذا هم يفرحون بالمطر عليهم وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ «عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ» «١» يعني من قبل نزول المطر في السنين السبع حين قحط عليهم المطر لَمُبْلِسِينَ- ٤٩- يعني آيسين من المطر فَانْظُرْ يا محمد إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ يعنى النبت من آثار المطر كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها بالمطر فتنبت من بعد موتها حين لم يكن فيها نبت، ثم دل على نفسه فقال: إِنَّ ذلِكَ يقول إن هذا الذي فعل ما ترون لَمُحْيِ الْمَوْتى في الآخرة فلا تكذبوا بالبعث يعني كفار مكة، ثم قال- تعالى-: وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ- ٥٠- من البعث وغيره، ثم وعظهم ليعتبروا فقال- : وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً على هذا النبت الأخضر فَرَأَوْهُ النبت مُصْفَرًّا من البرد بعد الخضرة «لَظَلُّوا» «٢» مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ- ٥١- «برب» «٣» هذه النعم، ثم عاب كفار مكة فضرب لهم مثلا فقال- : فَإِنَّكَ يا محمد لا تُسْمِعُ الْمَوْتى النداء فشبه الكفار بالأموات يقول فكما لا يسمع الميت النداء فكذلك الكفار لا يسمعون

стр. 1230

الإيمان ولا يفقهون، ثم قال: وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ- ٥٢- فشبهوا أيضا بالصم إذا ولوا مدبرين، يقول إن الأصم إذا ولى مدبرا ثم ناديته لا يسمع الدعاء، فكذلك الكافر لا يسمع الإيمان إذا دعى وَما أَنْتَ يعنى النبي- ﷺ بِهادِ الْعُمْيِ للإيمان يقول عموا عن الإيمان عَنْ ضَلالَتِهِمْ «يعني كفرهم الذي هم عليه» «١» ثم أخبر النبي- ﵌ فمن يسمع الإيمان فقال- سبحانه-: «إِنْ تُسْمِعُ» «٢» بالإيمان إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا يعني يصدق بالقرآن أنه جاء من الله- : فَهُمْ مُسْلِمُونَ- ٥٣- يعنى فهم مخلصون بالتوحيد، ثم أخبرهم عن خلق أنفسهم ليتفكر المكذب بالبعث في خلق نفسه فقال- : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ يعني من نطفة ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً يعني شدة تمام خلقه ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً يقول فجعل من بعد قوة الشباب الهرم وَجعل شَيْبَةً يعنى الشمط يَخْلُقُ ما يَشاءُ يعني هكذا يشاء أن يخلق الإنسان «٣» كما وصف خلقه [٨١ أ] ، ثم قال: وَهُوَ يعني الرب نفسه- ﷻ الْعَلِيمُ يعني العالم بالبعث الْقَدِيرُ- ٥٤- يعني القادر عليه، ثم قال- وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يعني يوم القيامة يُقْسِمُ يعني يحلف الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا فى القبور غَيْرَ ساعَةٍ وذلك أنهم استقلوا ذلك، يقول الله- : كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ- ٥٥- يقول هكذا كانوا يكذبون بالبعث في الدنيا كما كذبوا أنهم لم يلبثوا في قبورهم إلا ساعة
следующие страницы →