ويظهر من هذا ان مقاتلا وابن جريج كانا متعاصرين، لكن نشاة ابن جريج كانت بالحجاز، ونشاة مقاتل كانت بخراسان. ولذلك قيل عن ابن جريج انه أول من صنف الكتب بالحجاز.
وإذا عرفنا ان ابن جريج لم يطلب العلم الا فى الكهولة، وان مقاتلا قد دون تفسيره بمرو وهو فى شرخ الشباب او قوة الرجولة- ظهر لنا ان مقاتلا كان اسبق فى تدوين تفسيره من ابن جريج.
قال ابن خلدون فى العبر: (ان ابن جريج لم يطلب العلم الا فى الكهولة؟
ولو سمع فى عنفوان شبابه لحمل عن غير واحد من الصحابة، فانه قال كنت اتتبع الاشعار العربية والأنساب، فقيل لي لو لزمت عطاء؟ فلزمته ثمانية عشر عاما) «٢٧» .
والظاهر ان تأليف الكتب لم يكن متداولا بين العرب، نظرا لأنهم امة امية تعتمد على الحفظ والرواية والسماع «٢٨» .
وقد حث النبي على تعلم القراءة والكتابة، وكان فداء بعض اسرى بدر تعليم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة. وكان هناك كتاب الوحى لرسول الله ﷺ . وإذا كان العلماء اليوم يفرقون بين المؤرخ والاخبارى، فيذكرون ان لقب الاخبارى الصق بالواقدى، لأنه جمع الاخبار بدون تمحيص لها او دراسة لفلسفة التاريخ، اما المؤرخ بحق فهو الذي يروى الاخبار بعد تمحيصها ووزنها بميزان التحقيق والنقد- فنحن نرى ان هناك كتبا تم تدوينها فى التفسير بمعنى جمعها وكتابتها رواية، كتفسير سعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر المكي.
ولعل ابن جريج لكونه كان روميا نصرانيا قبل إسلامه كان ابرع فى ناحية الجمع والتنظيم والتأليف «٢٩» ، فنسب اليه انه أول من صنف الكتب، لكنه- وان عاصر مقاتلا- كان أول تدوينه للتفسير فى كهولته، اى بعد ان دون مقاتل تفسيره.
هذا وتفسير ابن جريح انما كان جمعا ورواية عن ابن عباس، اما تفسير مقاتل فهو ماثل بين أيدينا كمؤلف كامل، يظهر فيه اثر العقل المشرق، والإبداع والتأليف الفنى، والتبحر فى ادراك اهداف القرآن ومقاصده، والجمع بين آيات كل موضوع، والتوفيق بين كل آيتين ظاهرهما التناقض.
ان مقاتلا لم يجمع تفسير السابقين وآراءهم، وانما درسها ومحصها واختار أولاها بالصواب فى رأيه، ثم عرض تفسيره فى إيجاز وبساطة ووضوح. ولعل هذا
стр. 2242
هو الذي جعل الامام الشافعي يقول: (من أراد ان يتبحر فى التفسير فهو عيال على مقاتل بن سليمان) .
وأريد فى هذا المقام ان افرق بين رجل دون التفسير ونقله عن السابقين، ورجل فسر القرآن وأبدع التأليف فى التفسير.
وفى رأيي ان كل من سبق مقاتلا كانوا رواة للتفسير، وان من دونه منهم كان يغلب على تدوينه النقل والأثر.
اما تفسير مقاتل فهو أول تفسير كامل لكل آيات القرآن، كما انه أول تفسير فنى يشرح كل آية ويوضحها، ويبدو ان مقاتلا كان من أوائل من كتبوا فى علوم القرآن ايضا، فله كتاب (الوجوه والنظائر فى القرآن) «٣٠» .
وقد نقل الزركشي فى البرهان، والسيوطي فى الإتقان، كثيرا من هذا الكتاب او ممن نقل منه، واستفاد به اكثر المؤلفين فى علوم القرآن بعد مقاتل، ويظهر ذلك بمقارنة ما كتبه مقاتل فى الوجوه والنظائر بما كتبه من جاء بعده، فمن ذلك كليات مقاتل التي أوردها الملطي فى كتابه (التنبيه، والرد على اهل الأهواء) «٣١» .
فيقول مقاتل:
كل شيء فى القرآن: (بخس) يعنى نقصا، غير واحد فى يوسف (وشروه بثمن بخس) يوسف/ ٢٠ يعنى حراما.
وكل شيء فى القرآن: (بعل) يعنى الزوج. غير واحد فى الصافات (أتدعون بعلا) الصافات/ ١٢٥ يعنى ربا.
وقوله (ريب) يعنى شكا فى القرآن كله الا الذي فى الطور (ريب المنون) الطور/ ٣٠ يعنى حوادث الموت.
ونقل الزركشي فى البرهان: ١/ ١٠٥.
(ان ابن فارس قال فى كتاب «الافراد» :
стр. 2243
والبخس فى القرآن النقص، مثل: فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً «٣٢» .
الا حرفا واحدا فى سورة يوسف: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ «٣٣» فان اهل التفسير قالوا، بخس: حرام.
وما فى القرآن من ذكر البعل فهو الزوج كقوله تعالى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ «٣٤» الا حرفا واحدا فى الصافات أَتَدْعُونَ بَعْلًا «٣٥» ، فانه أراد صنما.
وكل شيء فى القرآن من (ريب) فهو شك غير حرف واحد. وهو قوله تعالى:
نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ «٣٦» فانه يعنى حوادث الدهر «٣٧» .
وفى البرهان ايضا: ١/ ١١٠:
«انتهى ما ذكره ابن فارس» .
«وزاد غيره: كل شيء فى القرآن: (لعلكم) فهو بمعنى «لكي» غير واحد فى الشعراء لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ «٣٨» فانه للتشبيه اى كأنكم.
وكل شيء فى القرآن (أقسطوا) فهو بمعنى العدل الا واحدا فى الجن:
أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً
«٣٩» يعنى العادلين الذين يعدلون به غيره.
هذا باعتبار صورة اللفظ، والا فمادة الرباعي تخالف مادة الثلاثي.
وكل (كسف) فى القرآن يعنى جانبا من السماء غير واحد فى سورة الروم وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً «٤٠» «يجعل» السحاب قطعا.
وكل (ماء معين) فالمراد به الماء الجاري، غير الذي فى سورة تبارك «٤١» فان المراد به الماء الطاهر «٤٢» الذي تناله الدلاء وهي زمزم.
стр. 2244
ويكاد هذا الذي زاده غير ابن فارس يكون منقولا بالحرف عما ذكره مقاتل ابن سليمان، مع بعض التحريف فى البرهان.
فمقاتل يقول: «وكل شيء فى القرآن: وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ سورة الحجرات/ ٩. يعنى واعدلوا ان الله يحب المعدلين. يقول الذين يعدلون فى القول والفعل. غير واحد فى قل اوحى أَمَّا الْقاسِطُونَ
يعنى العادلين الذين يعدلون بالله سبحانه وغيره كانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً
سورة الجن/ ١٥ «٤٣» » .
وكل شيء فى القرآن (لعلكم) يعنى لكي. الا الذي فى الشعراء لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ/ ١٢٩، يعنى كأنكم تخلدون «٤٤» .
وكل شيء فى القرآن (كسفا) يعنى جانبا من السماء غير واحد فى الروم وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً «٤٥» يعنى يجعل السحاب قطعا «٤٦» .
وكل شيء فى القرآن: (ماء معين) يعنى جاريا غير الذي فى تبارك: فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ يعنى ماء طاهرا تناله الدلاء «٤٧» .
وهكذا نجد ان الزركشي قد استفاد من كل ما ذكره مقاتل فى الوجوه والنظائر.
وفى كثير من أبواب البرهان يتضح تأثره بما ذكره مقاتل. خصوصا فى الأسباب الموهمة للاختلاف، كما فى مسألة خلق الإنسان من تراب، ومن صلصال، ومن ماء مهين «٤٨» .
وقد تاثر الزركشي فى البرهان بما ذكره مقاتل فى خلق آدم «٤٩» ، وفى التوفيق بين الآيات الموهمة للاختلاف «٥٠» عموما، ولعله لم يتأثر بمقاتل مباشرة، وانما تاثر بمن نقلوا عنه، فهو يقول فى البرهان: (النوع الرابع فى الوجوه والنظائر، وقد صنف فيه قديما مقاتل بن سليمان وجمع فيه من المتأخرين ابن الزاغونى «٥١» .
стр. 2245
وابو الفرج بن الجوزي «٥٢» ، والدامغاني «٥٣» الواعظ، وابو الحسين بن فارس «٥٤» وسمى كتابه (الافراد) «٥٥» .
وأخيرا يمكننا ان نسجل هذا الرأي وهو:
١- كان مقاتل أول من فسر القرآن تفسيرا عقليا كاملا.
٢- كان مقاتل من أوائل من كتبوا فى علوم القرآن كتابة جامعة.
- ٥- مؤلفات مقاتل فى التفسير وعلوم القرآن
١- التفسير الكبير، وهو تفسير كامل للقرآن وهو الذي حققناه مع هذه الدراسة.
٢- نوادر التفسير.
٣- الناسخ والمنسوخ.
٤- الرد على القدرية.
والثلاثة الاخيرة فى حكم المفقودة «٥٦» .
٥- الوجوه والنظائر فى القرآن.
وهو مصور بمعهد المخطوطات بالجامعة العربية بالقاهرة عن مكتبات تركيا «٥٧» .
٦- تفسير خمسمائة آية من القرآن الكريم.
стр. 2246
محفوظة بالمتحف البريطانى تحت رقم (٦٣٣٣) وهو تفسير مطول نوعا ويتضمن احكاما فقهية «٥٨» .
٧- الأقسام واللغات.
٨- الآيات المتشابهات.
وربما كانت الآيات المتشابهات هي الوجوه والنظائر فى القرآن، فيكون الكتاب واحدا واسمه متعدد.
стр. 2247
الباب الرابع مقاتل وعلم الكلام
الفصل الاول: مقاتل والذات الفصل الثاني: مقاتل والصفات الفصل الثالث: التجسيم عند مقاتل الفصل الرابع: كلمة انصاف لمقاتل
стр. 2248
«الفصل الاول»
١- ذات الله.
٢- تشبيه مقاتل فى ذات الله.
стр. 2249
- ١- ذات الله
جاء الإسلام بالأصول الكاملة للعقيدة الصحيحة، فقرر ان الله يتعالى عن احاطة العقول بكنهه، او ادراك ذاته، وان غاية ما كتب لها من إدراكه هو العجز عن إدراكه «١» ، فقال سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ «٢» ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً «٣» ، لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ «٤» ، هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ «٥» .
ولا يخفى ان هذا هو نهاية ما وصلت اليه الفلسفة فى القرن العشرين، فقد نصت على ان الله موجود ولكن العقل لا يمكن ان يدرك كنه وجوده ولا صورته، فهو روح الوجود وقيومه «٦» .
وبينما كانت الأمم تخوض فى تحديد الله وتعريفه وتركيبه وتأليفه «٧» ، وتطلق لخيالها العنان فى ذلك، إذا بالقرآن يهيب بذلك الخيال ان قف حيث أنت، هذا مقام ليس لك عليه سلطان، ولا لك فى الجولان فيه يدان «٨» .
وقد بعث محمد ﵊، بدين وشريعة، اما الدين فقد استوفاه الله كله فى كتابه الكريم ووحيه «ولم يكل الناس الى عقولهم فى شيء منه «٩» » ، واما الشريعة فقد استوفى أصولها، ثم ترك للنظر الاجتهادى تفصيلها، وجاء فى القرآن الكريم: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً «١٠» .
стр. 2250
وقد عاش النبي ﵇ وقضى والمسلمون على عقيدة واحدة هي ما جاء فى كتاب الله، «لأنهم أدركوا زمان الوحى وشرف الصحبة، وأزال نور الصحبة عنهم ظلم الشكوك والأوهام» «١١» .
فالمسلمون فى الصدر الاول كانوا يرون ان لا سبيل لتقرير العقائد الا بوحي اما العقل فمعزول عن الشرع وانظاره كما يقول ابن خلدون، «وكانوا يرون ان التناظر والتجادل فى الاعتقاد يؤدى الى الانسلاخ من الدين، فقد قررت عقائد الدين فى القرآن الكريم المقطوع به فى الجملة والتفصيل» «١٢» .
- ٢- تشبيه مقاتل فى ذات الله
نسب الى مقاتل «١٣» - والى غيره من المجسمة- القول (بان الله جسم، وانه جثة على صورة الإنسان، لحم ودم وشعر وعظم، لو جوارح وأعضاء، من يد ورجل وراس وعينين، مصمت، وهو مع هذا لا يشبهه «غيره» ) .
وقالت المقاتلية- اصحاب مقاتل بن سليمان- فى تعليل ذلك: (لأنا لم نشهد شيئا موسوما بالسمع والبصر والعقل والعلم والحياة والقدرة الا ما كان لحما ودما «١٤» .
وهذا راى فاسد بعيد عن عقائد الدين التي قررها الوحى، ونطق بها الصادق المصدوق، واجمع عليها الصحابة والسلف الصالح من هذه الامة.
قال ابو محمد عثمان بن الحسن العراقي «١٥» :
(واما المجسمة فهم طائفة يزعمون بان الله تعالى جسم لا كالأجسام، كما تقول هو شيء لا كالأشياء، ونفس لا كالانفس وعالم لا كالعلماء.
стр. 2251
الجواب، ونقول ان راى هذه الطائفة فاسد، وعقيدتهم شر العقائد، لأنا قد بينا الفرق بين الشيء والجسم، فالشيء عبارة عن الموجود، والجسم عبارة عن التأليف والتركيب، والتأليف عبارة عن جمع شيئين بعد ان يكونا متفرقين، وذلك من أمارات الحدوث، وهو منفي عن ذات الباري ﵎. والله اعلم) .
وقال عبد القاهر البغدادي:
(والمشبهة صنفان: صنف شبهوا ذات الباري بذات غيره، وكل صنف من هذين الصنفين متفرقون على اصناف شتى) «١٦» .
وقد كان السلف الصالح لا يحدون ولا يشبهون ولا يمثلون.
ومن لم يتق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه، فان ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس فى معناه احد من البرية، وهو سبحانه: يتنزه عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات) «١٧» .
وقول المقاتلية: هو لحم ودم وله صورة كصورة الإنسان، (لأنا لم نشهد شيئا موسوما بالسمع والبصر والعقل والعلم والحياة والقدرة الا ما كان لحما ودما) «١٨» ، هذا القول انما ينطبق على الحوادث والمخلوقات، اما الخالق فليس مشبها للحوادث، ولا تنطبق عليه صفاتها، وما أضيف اليه من صفات كالعلم والحياة والقدرة هي صفات خاصة به سبحانه.
ثم اننا ان جعلنا الله لحما ودما وجسما، اقتضى ذلك ان يكون له طول وعرض وعمق يمنع غيره من ان يوجد بحيث هو الا بان يتنحى من ذلك المكان. وذلك فى حق الله تعالى محال وهو مقدس عنه.
قال ابو حامد الغزالي:
(فمن خطر بباله ان الله جسم مركب من أعضاء فهو عابد صنم، فان كل جسم مخلوق، وعبادة المخلوق كفر، وعبادة الصنم كانت كفرا، لأنه مخلوق فمن عبد جسما فهو كافر بإجماع الامة: السلف منهم والخلف..) .
(ومن نفى الجسمية عنه وعن يده، وإصبعه، فقد نفى العضوية واللحم
стр. 2252
والعصب، وقدس الرب ﷻ عما يوجب الحدوث، ليعتقد بعده انه معنى من المعاني- ليس بجسم ولا عرض فى جسم- يليق ذلك المعنى بالله تعالى) «١٩» .
وقال الشيخ محمد زاهد الكوثرى) «٢٠» :
(ومن المشبهة مقاتل بن سليمان المفسر. قال المطهر المقدسي فى «البدء والتاريخ» : واما المقاتلية فهم اصحاب مقاتل بن سليمان، زعم ان الله جسم من الأجسام، لحم ودم، وانه سبعة أشبار بشبر نفسه) «٢١» .
قال الكوثرى: (ويزعم السكسكي فى برهانه ان مقاتلا هذا ليس بمقاتل المفسر.
لكنه هو بعينه رغم من يزعم خلاف ذلك، وانباء جهم ومقاتل فى غاية الشهرة عند اهل العلم) «٢٢» .
ونلاحظ ان المقدسي لم ينسب الى مقاتل القول (بان الله سبعة أشبار بشبر نفسه) «٢٣» ، وانما نسب ذلك الى هشام بن الحكم «٢٤» . كما انى لم أجد فى
стр. 2253
(ولعل المؤلف اغتر بكلام الذين اثنوا عليه فى التفسير، لكن الثناء الإجمالي عليه لا يفيد تصويب آرائه كلها، بل كان مقاتل وجهم على طرفي نقيض: غلا مقاتل فى الإثبات حتى شبه، وغلا جهم فى التنزيه حتى عطل، ولذا يقول ابو حنيفة:
ان هذا معطل وذاك مشبه وان لهما رأيين خبيثين) «٢٥» .
وقد عرف الكوثرى الشدة فى الدفاع، والغلظة على جميع المشبهة والحشوية، وهي غلظة فى الدفاع عن الحق «٢٦» ، ولكن التزام طريقة القرآن اولى وأحق، قال تعالى: (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) «٢٧» .
ومع هذا أقول مخلصا نضر الله وجه الكوثرى وجزاه خير الجزاء.
стр. 2254
«الفصل الثاني» مقاتل وصفات الله
١- تمهيد.
٢- انكار الصفات.
٣- مقاتل وجهم بن صفوان.
٤- اتهام مقاتل بالتشبيه فى الصفات.
٥- تحقيق هذه التهمة:
(ا) براءة مقاتل من التشبيه فى الوجه.
(ب) براءة مقاتل من التشبيه فى اليد.
(ج) براءة مقاتل من التشبيه فى العين.
стр. 2255
١- تمهيد
ورد فى القرآن الكريم آيات تضيف لله تعالى وجها ويدا وجهة ومكانا، وقد آمن الصحابة بهذه الآيات كما وردت واثبتوا لله تعالى ما أطلقه على نفسه الكريمة من الوجه واليد ونحو ذلك مع نفى مماثلة المخلوقين.
(فاثبتوا- رضى الله عنهم- بلا تشبيه، ونزهوا من غير تعطيل، ولم يتعرض مع ذلك احد منهم الى تاويل شيء من هذا، ورأوا بأجمعهم اجراء الصفات كما وردت) «١» .
٢- انكار الصفات
كان الجعد بن درهم أول من قال بنفي الصفات عن الله «٢» .
ثم أخذ عنه الجهم بن صفوان «٣» هذا القول، فنفى عن الله تعالى العين، والوجه، واليد، والاستواء والتكلم «٤» .
٣- مقاتل وجهم بن صفوان
كان مقاتل معاصرا لجهم بن صفوان، وكان كلاهما من بلخ، وكلاهما كان مقررا لمذهب معين: جهم ينفى الصفات عن الله، ومقاتل يثبتها. وقد التقى جهم بمقاتل ابن سليمان فى مسجد مقاتل ببلخ «٥» ، وتناظرا فبالغ جهم فى نفى الصفات والتعطيل، وأسرف مقاتل فى الإثبات والتجسيم. ويبدو ان الغلبة كانت لمقاتل
стр. 2256
ابن سليمان، فقد كانت لمقاتل منزلة كبيرة فى بلخ، وكان مقربا الى سلم بن احوز المازني، قائد نصر بن سيار، فاستغل هذه المنزلة ونفى جهما الى ترمذ «٦» .
ويذكر المقدسي فى تهذيب الكمال «٧» ان لقاء جهم بمقاتل كان فى مرو فيقول:
(وقال العباس بن مصعب المروزي: مقاتل بن سليمان الأزدي أصله من بلخ، قدم الى مرو فنزل على الرزيق، وتزوج بأم ابى عصمة- نوح بن ابى مريم-، وكان حافظا فى التفسير، وكان لا يضبط الاسناد، وكان يقص فى الجامع بمرو، فقدم عليه جهم فجلس الى مقاتل، فوقعت العصبية بينهما، فوضع كل واحد منهما على الآخر كتابا ينقض على صاحبه [فيه] «٨» .
كما ذكر الذهبي فى ميزان الاعتدال (٣/ ١٩٦) : ان لقاء جهم بمقاتل كان فى مرو. ونسب ذلك للعباس بن مصعب فى تاريخ مرو.. وساق الرواية السابقة، على حين ذكر ابن كثير فى البداية والنهاية (٩/ ٣٥٠) ان لقاء جهم بمقاتل كان فى مسجد مقاتل ببلخ.
اما ابن حجر فى تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٧٩) ، فقد ساق رواية العباس بن مصعب المروزي السابقة. ولكنه أسقط منها مكان اللقاء قال: (.. وكان يقص فى الجامع فوقعت العصبية بينه وبين جهم، فوضع كل واحد منهما كتابا على الآخر ينقض عليه) .
ويمكن ان تجمع بين هذه الروايات بان لقاء جهم بمقاتل تكرر مرة فى بلخ ومرة فى مرو، فكلتاهما من مدن خراسان، وبين مرو وبلخ ١٢٢ فرسخا «٩» اثنان وعشرون منزلا «١٠» .
وقد نشا جهم فى بلخ، وتنقل فى مدن خراسان، تلك المنطقة التي كانت تموج بالفرق المختلفة، والإسلام لا يزال جديدا على أهلها «١١» .
وراى مقاتل بن سليمان لزاما عليه ان يتصدى لمنازلة جهم، ودحض دعاويه وأفكاره الدخيلة عن ذات الله وصفاته..
стр. 2257
قال يحيى بن شبل كنت جالسا عند مقاتل، فجاء شاب فسأله ما يقول فى قول الله تعالى كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ «١٢» ؟ فقال مقاتل: هذا جهمي. قال ما أدرى ما جهمي، ان كان عندك علم فيما أقول والا فقل لا أدرى.
فقال: ويحك، ان جهما والله ما حج هذا البيت، ولا جالس العلماء، انما كان رجلا اعطى لسانا، وقوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، انما هو كل شيء فيه الروح، كما قال لملكة سبا وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ «١٣» لم تؤت الا ملك بلادها.
وكما قال وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً «١٤» لم يؤت الا ما فى يده من الملك. ولم يدع فى القرآن من كل شيء وكل شيء الا سرده علينا) «١٥» .
٤- اتهام مقاتل بالتشبيه فى الصفات
غير ان مقاتلا اتهم بالتشبيه والكلام فى الصفات «١٦» بما لا يحل.
قال ابن حبان «كان مشبها يشبه الرب سبحانه بالمخلوقين» «١٧» .
وقال ابو حنيفة: أتانا من المشرق رأيان خبيثان جهم معطل ومقاتل مشبه «١٨» وقال محمد بن سماعة عن ابى يوسف عن ابى حنيفة: (أفرط جهم فى النفي حتى قال انه ليس بشيء، وأفرط مقاتل فى الإثبات حتى جعل الله مثل خلقه) «١٩» وقد وجهت هذه التهم الى مقاتل فى حياته فدافع عن نفسه، وقال (انما اثبت ما جاء فى القرآن ولا أزيد عليه) . قال على بن الحسين بن واقد: (سال الخليفة مقاتل بن سليمان، فقال له: بلغني انك تشبه! فقال: انما أقول: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) . فمن قال غير ذلك فقد كذب) «٢٠» .
стр. 2258
٥- تحقيق هذه التهمة
وإذا قرانا تفسير مقاتل وجدنا ان هذه التهم مبالغ فيها، فتفسير مقاتل تفسير رجل مؤمن بالله، مقر بالتوحيد، بيد انه بالغ فى اثبات بعض الصفات حتى اتهم بالتشبيه والتجسيم.
والآن وقد رأينا ما قال الناس عن مقاتل- نرى لزاما علينا ان نرى ما قال مقاتل نفسه فى تفسير آيات الصفات، وهي الآيات التي يوهم ظاهرها مشابهة الله سبحانه للمخلوقات.
من ذلك الآيات التي تثبت ان لله وجها، وان لله يدا، وان لله عينا، وان الله استوى على العرش، ونحو ذلك.
براءة مقاتل من التشبيه
(ا) فى نسبة (الوجه) لله تعالى:
قال تعالى: فى سورة (الرحمن/ ٢٦- ٢٧) : (كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ. وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) .
وقال تعالى فى سورة (القصص/ ٨٨) : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
قال مقاتل «٢١» : يقول سبحانه كل شيء من الحيوان ميت، ثم استثنى نفسه ﷻ بأنه تعالى حي دائم لا يموت فقال ﷻ الا وجهه يعنى الا هو.
فمقاتل يفسر وجه الله على انه هو الله، وهذا ما ذهب اليه ابو عبيدة «٢٢» ، والطبري «٢٣» ، والبغدادي «٢٤» .
اما المعتزلة، فهم يرون فى معنى قوله تعالى: «وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ» اى «ويبقى الله من غير ان يكون له وجه» ، يقال انه الله، ولا يقال ذلك فيه «٢٥» .
وقالوا ان كلمة الوجه فى هاتين الآيتين زائدة، فيكون المعنى «ويبقى ربك» ،
стр. 2259
وذهب بعض المعتزلة الى ان وجه الله تعالى «هو قبلته او ثوابه او جزاؤه «٢٦» » .
وتفسير مقاتل هنا قريب من تفسير المعتزلة الذين سموا معطلة، اى عطلوا صفات الله.
وتفسيره موافق لتفسير الطبري وابى عبيدة والبغدادي، وهؤلاء لم يتهموا بالتشبيه فمقاتل ليس مشبها هنا.
(ب) فى نسبة (اليد او اليدين) لله تعالى .
١- قال تعالى خطابا للرسول ﷺ فى سورة الفتح/ ١٠:
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ، يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ.
قال مقاتل «٢٧» (يد الله) بالوفاء لهم بما وعدهم من الخير.
٢- وقال تعالى فى سورة آل عمران/ ٧٣: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ.
٣- وقال تعالى فى خطاب إبليس فى سورة (ص) / ٧٥: قالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ.
ولم يفسر مقاتل اليد فى آية آل عمران، ولا اليدين فى آية (ص) ، اعتمادا على وضوح معناهما من سياق الكلام.
ومن سياق الكلام نستنتج انه يؤول اليد بالقوة، فمعنى آية آل عمران- عند مقاتل-: قل ان الفضل بقوة الله وبقضائه وقدره «٢٨» . ومعنى آية (ص) :
ما منعك ان تسجد لما خلقت بقوتي وقدرتي وحكمتى «٢٩» .
٤- وقال تعالى فى سورة المائدة/ ٦٤: «وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ» .
قال مقاتل «٣٠» : (وقالت اليهود) يعني ابْن صوريا وفنحاص اليهوديين وعازر بن أَبِي عازر (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) يعني ممسكة أمسك اللَّه يده عنا، فلا يبسطها علينا بخير، وليس بجواد، وذلك أن اللَّه بسط عليهم فِي الرزق، فلما عصوا واستحلوا ما حرم الله أمسك عَنْهُم الرزق، فقالوا عِنْد ذَلِكَ يد اللَّه محبوسة عن البسط، يَقُولُ اللَّه : (غلت أيديهم) يعني أمسكت أيديهم عن الخير.
ومقاتل- وان لم يذكر شرحا مستقلا لليد هنا- يمكن ان يفهم من سياق تفسيره انه يؤول يد الله هنا بمعنى نعمته او ملكه وخزائنه، فمعنى (وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) اى نعمته او ملكه وخزائنه ممسكة.
стр. 2260
اما تفسير مقاتل (لآية الفتح/ ١٠) (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) فهو وان لم يذكر تفسيرا خاصا باليد، يبدو من سياق كلامه انه يؤول اليد بالنصرة والقوة، او العهد والميثاق.
وقد اختلف المفسرون فى تفسير معنى اليد المذكورة فى القرآن الكريم:
وأجمل ذلك الطبري فى تفسيره فنقل عن السدى انها اليد الحقيقة «٣١» ، وعن بعضهم ان المراد بيديه نعمتاه، وان ذلك بمعنى يد الله على خلقه، وذلك نعمته عليهم، وقال: ان العرب تقول: لك عندي يد يعنون بذلك نعمة.
وقال آخرون منهم عنى بذلك القوة، وقالوا: ذلك نظير قول الله تعالى ذكره:
وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي (ص/ ٤٥) . وقال آخرون منهم بل يده ملكه، وقال معنى قوله وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ (المائدة/ ٦٤) ملكه، وخزائنه. وقالوا ذلك كقول العرب للملوك، هو ملك يمينه، وفلان بيده عقد نكاح فلانة، اى يملك ذلك. وكقول الله تعالى: فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً (المجادلة/ ١٢) .
وقال آخرون منهم: بل يد الله صفة من صفاته هي يد، غير انها ليست بجارحة كجوارح بنى آدم.
قالوا: وذلك ان الله- تعالى ذكره- اخبر عن خصوصية آدم بما خصه إياه من خلقه (بيده) ، إذ جميع خلقه مخلوقون بقدرته، ومشيئته فى خلقه نعمة، وهو لجميعهم مالك «٣٢» .
ويمكن ان نوجز آراء المفسرين فى اليد فى ثلاثة مذاهب:
١- انها يد حقيقية.
٢- انها من المتشابه الذي نؤمن به كما ورد، ونفوض المراد منه الى الله تعالى.
وتلك طريقة السلف.
٣- ان اليد مجاز عن القوة او عن الجود.
اما المذهب الاول فهو ممنوع عقلا وشرعا، لما يفضى اليه من التجسيم والتشبيه.
والإله منزه عن ذلك.
بقي المذهبان الثاني والثالث، وهما يتفقان على تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه، وعلى ان المراد باليد غير اليد الجارحة، اى انهما اتفقا على اصل التأويل.
وانحصر الخلاف بينهما فى ان الخلف حددوا المعنى المراد بانه القوة او الجود اما السلف ففوضوا الى الله.
стр. 2261
وقد كان تفسير مقاتل لليد قريبا من راى الخلف، فقد أول اليد بمعنى القدرة والقوة فى آية الفتح/ ٩، وآية آل عمران/ ٧٣، وآية ص/ ٧٥، وأولها بمعنى النعمة فى آية المائدة/ ٦٤.
غير ان مقاتلا لم يصرح بهذا التأويل هنا كما صرح به فى الوجه والعين، فصار تفسيره لليد موافقا لراى السلف. ويمكن ان نستنتج منه موافقته لراى الخلف، وبخاصة ان الفرق بين الاثنين ليس شاسعا كما ذكره الامام النووي رضى الله عنه «٣٣» .
(ج) فى نسبة (العين او الأعين) لله تعالى:
(ا) قال تعالى فى سورة (هود/ ٣٧) : «وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا» .
قال مقاتل: (بِأَعْيُنِنَا) يعني بعلمنا (وَوَحْيِنَا) كما نأمرك، فعملها نوح فى اربعمائة سنة، وكانت السفينة من ساج «٣٤» .
(ب) وقال تعالى فى سورة (القمر/ ١٣- ١٤) : وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ، تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ.
قال مقاتل: تجري السفينة في الماء بعين الله تعالى «٣٥» .
(ج) وقال تعالى خطابا لموسى ﵇ فى سورة (طه/ ٣٩) : «وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي» .
قال مقاتل (وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي) حين قذف فى التابوت في البحر، وحين التقط، وحين غذي، فكل ذلك بعين الله «٣٦» .
(د) وقال تعالى خطابا لمحمد ﵊ فى سورة (الطور/ ٤٨) :
وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا.
قال مقاتل: يقول انك بعين الله تعالى «٣٧» .
ونرى ان مقاتلا فسر العين فى سورة هود/ ٣٧، بالعلم حيث قال (بأعيننا) :
بعلمنا.
وفسر العين فى الآيات الثلاثة (القمر/ ١٤، وطه/ ٣٩، والطور/ ٤٨) بأنها عين الله تعالى.
стр. 2262
اى ان مقاتلا استعمل طريقة التأويل (وهي طريقة الخلف) فى آية هود/ ٣٧.
وفى الآيات الثلاث استعمل طريقة السلف (اى انها من المتشابه الذي نؤمن به كما ورد، ونفوض المراد منه الى الله تعالى) .
ومذهب السلف ومذهب الخلف لا غبار عليهما، فالسلف عظموا الله، والخلف نزهوا الله.
وقد اختلف المفسرون فى معنى العين الواردة فى القرآن الكريم مضافة الى الله تعالى.
- فابن جريج يفسر: «وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي» بمعنى ولتعمل على عيني «٣٨» .
وابو عبيدة يجعله مجازا فيفسرها: «ولتغذى ولتربى على ما أريد وأحب، يقال:
اتخذه لي على عيني، اى على ما أردت وهويت» «٣٩» .
وابن قتيبة يفسرها: «ولتربى بمرأى منى، على محبتى فيك» «٤٠» .
اما الطبري فيفسر كلمة العين فى أماكن كثيرة من تفسيره بدون ذكر لرجال السند «بمرأى منا اى ونحفظك، ونحيط بك» «٤١» .
ولفظ العين مما اتفق لفظه واختلف معناه فى القرآن الكريم بحسب الاستعمال والتركيب «٤٢» .
فالعين من المشترك اللفظي، اى ان لها عدة معان فى اللغة فقد تأتي بمعنى سحابة تجيء من قبل القبلة.
كما يسمى منبع الماء عين الماء، وبمعنى التجسس، والحسد، والرقيب كقول ذؤيب:
ولو انى استودعته الشمس لاتقت ... اليه المنايا عينها ورسولها
وقال جميل:
رمى الله فى عيني بثينة بالقذى ... وفى الغر من أنيابها بالقوادح
стр. 2263
وتأتي العين ايضا بمعنى حقيقة الشيء، يقال جاء الأمر من عين صافية «٤٣» .
ولابن فارس احمد بن زكريا اللغوي (ت ٣٦٩ هـ/ ٩٧٩ م) قصيدة، قافية كل بيت منها عين فى معنى من معاني العين «٤٤» .
وهكذا يلاحظ ان المفسرين واللغويين اختلفوا فى تفسير معنى العين، وذلك لان هذه الكلمة تستعمل فى معان عدة.
стр. 2264
الفصل الثالث التجسيم عند مقاتل
التجسيم فى:
١- الاستواء.
٢- الكرسي.
٣- العرش.
٤- يمين الله.
٥- الساق.
٦- تجسيم بالتلميح.
стр. 2265
تمهيد:
هناك آيات معدودة فسرها مقاتل تفسيرا يشعر بالتجسيم، من ذلك تفسيره الاستواء على العرش بالاستقرار، وقوله فى هذا ان الله فوق العرش «١» .
وفى سورة طه/ ٥، يقول سبحانه: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى.
قال مقاتل يعنى استقر «٢» .
وقال مقاتل، كل شيء فى القرآن: (واستوى) يعنى ابن اثنتين وثلاثين سنة، واستقر «٣» .
وقد ذهب مقاتل الى ان خلق العرش والاستواء عليه كان قبل خلق السموات والأرض.
ثم خلق الله السموات بعد الاستواء على العرش، ثم خلق الله الأرض بعد خلق السموات.
وقد أول مقاتل الآيات التي تخالف ما ذهب اليه.
فى سورة الأعراف/ ٥٤ يقول تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ «٤» .
«اى ان الله استوى على العرش قبل خلق السموات والأرض» .
وفى سورة الرعد/ ٢، يقول سبحانه: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ. قال مقاتل: قبل خلقهما «٥» .
وفى سورة طه/ ٥، يقول سبحانه: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى.
قال مقاتل: قبل خلق السموات والأرض «٦» .
стр. 2266
وفى سورة الحديد/ ٤، يقول سبحانه: هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) .
قال مقاتل: قبل خلقهما «٧» .
اى ان الله استوى على العرش قبل خلق السموات والأرض.
وهكذا نجد فى تفسير مقاتل ان كل آية ذكر فيها ان الله استوى على العرش بعد خلق السموات والأرض يؤولها مقاتل بما يفيد ان الاستواء كان سابقا على الخلق.
كما ذهب مقاتل فى تفسيره الى ان الله خلق السموات قبل الأرض، اعتمادا على ما ورد فى القرآن الكريم من مثل قوله تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها «٨» .
وأول مقاتل الآيات التي وردت فى القرآن تفيد ان خلق الأرض كان قبل خلق السموات.
ففي سورة فصلت الآيات ٩- ١١ يقول سبحانه:
قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ: وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ. ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ) .
قال مقاتل قبل ذلك «٩» ، «اى قبل خلق الأرض» .
ومقاتل لا يرى غضاضة فى ذلك التأويل بل يعتقد ان هذا التأويل مما خص به اهل الفهم فى القرآن الكريم، حتى يلحقوا المتشابه بالمحكم، فان القرآن كله واضح لا لبس فيه، ولا يضرب بعضه بعضا.
قال مقاتل: «باب تفسير اشتباه التقديم فى الكلام» اما قوله : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ «١٠» . وقوله سبحانه: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ «١١» . فكان هذا عند من يجهل التفسير ينقض بعضه بعضا، وليس بمنتقض، ولكن تفسيرهما فى وجوه تقديم الكلام مشتبه.
стр. 2267
اما تفسير قوله: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) ففيها تقديم يقول كان استواؤه على العرش قبل خلق السموات والأرض والله تعالى فوق العرش فهذا تفسيرهما «١٢» .
قال مقاتل: واما قوله (قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ. ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ) «١٣» .
وقوله فى آية اخرى: أَمِ السَّماءُ بَناها. رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها الى قوله وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها «١٤» ، فكان هذا عند من يجهل التفسير ينقض بعضه بعضا، وليس بمنتقض ولكن تفسيرهما فى وجوه تقديم الكلام مشتبه.
اما قوله: أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ الى قوله ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ ففيها تقديم: «اى» وكان استوى الى السماء قبل ذلك.
والسماء خلقت قبل الأرض، وذلك «قوله» أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً «١٥» ، كلاهما كانتا ماء ففتقهما الله، فأبان بعضهما من بعض، وخرج البخار من الماء كشبه الدخان، فخلق سبع سموات منه فى يومين قبل خلق الأرض، وكان موضع الكعبة زبدة على ظهر الماء، فخلق الأرض بعد ذلك فبسطها من تحت الكعبة، فذلك قوله: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها يعنى بعد خلق السموات (دحاها) يعنى بسطها من تحت الكعبة «١٦» .
والخلاصة:
ان مقاتلا فسر الاستواء على العرش بالاستقرار، وذكر ان الله تعالى فوق العرش.
وهذا يفيد التجسيم، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وقد ذهب مقاتل الى ان الاستواء على العرش كان قبل خلق السماء والأرض، وان الله خلق السماء أولا، ثم خلق الأرض ثانيا.
стр. 2268
١- الاستواء
نسب الى ابن عباس ان (استوى الى السماء) سورة البقرة: ٢٩ معناها (عمد الى خلق السماء) «١٧» او (قصدها) «١٨» .
وفسرها ابو عبيدة ب «الاستواء والظهور «١٩» » .
اما ابن قتيبة فقد فسر الاستواء الى السماء على انه عمد لها (وكل من كان يعمل عملا فتركه- بفراغ او غير فراغ- وعمد لغيره فقد استوى له واستوى اليه) «٢٠» .
والاستواء فى «كلام العرب على جهتين: إحداهما ان يستوي الرجل وينتهى شبابه او يستوي عن اعوجاج، فهذان وجهان، ووجه ثابت ان تقول كان مقبلا على فلان ثم استوى على يشاتمنى والى سواء، على معنى اقبل الى فهو قوله تعالى: «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ» ٢» .
ويطلق الاستواء على الاستيلاء، كقولهم استوى فلان على المملكة بمعنى استولى عليها وحازها، ويطلق على العلو والارتفاع كقول القائل: استوى فلان على سريره بمعنى علوه عليه «٢٢» .
وقد نفت المعتزلة الاستواء المادي لافضائه الى التجسيم، فقالوا: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى سورة طه: ٥. اى استوى وملك وقهر «٢٣» كما يقال استوى الخليفة على العرش قال الشاعر:
стр. 2269
قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق «٢٤»
وقال بعض المعتزلة ان كلمة استوى «معناها قصد او اقبل على خلق السموات» «٢٥» .
وفى النهاية نرى ان تفسير مقاتل للاستواء بمعنى الاستقرار «والتمكن والقعود والجلوس» فوق العرش- تفسير يشعر بالتجسيم (اى بان الإله جسم) ، وهو تفسير غريب عن الإسلام، لعل مقاتلا تاثر فيه بالاديان الاخرى التي نشأت فى بلدته بلخ، كالزرادشتية والمانوية والبوذية والنصرانية.
وقد ذهب السلف الى ان الاستواء من المتشابه الذي نؤمن به مع التفويض والتنزيه.
اما الخلف فقد حملوه على معنى الملك والاستئثار بالملك ونحو ذلك.. على مقتضى اللغة ولسان والتخاطب.
ولا يسع المنصف الا ان يختار واحدا من هذين المذهبين بدون تجسيم ولا تعطيل.
٢- الكرسي
(ا) ذهب مقاتل الى تفسير الكرسي تفسيرا ماديا، وهذا مما يشعر بالتجسيم، ويترتب عليه الاستقرار المكاني ولا يكون ذلك الا للجسم «٢٦» والإله منزه عن ذلك.
جاء ذلك فى تفسير آية الكرسي (البقرة/ ٢٥٥) :
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ قال مقاتل- فى تفسير سنة- يعني ريح من قبل الرأس، فيغشى العينين وَهُوَ وسنان، بين النائم واليقظان.
ثُمّ قال جل ثناؤه: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ، وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ. وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) .
стр. 2270
قال مقاتل فى تفسير الكرسي: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كلها كل قائمة للكرسي طولها مثل السموات السبع والأرضين السبع وما بينهما، والسموات السبع والأرضون السبع تحت الكرسي فى الصغر كحلقة بأرض فلاة.
قال مقاتل: يحمل الكرسي أربعة أملاك، لكل ملك أربعة وجوه، اقدامهم تحت الصخر التي تحت الأرض السفلى مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل ارض مسيرة خمسمائة عام.
ملك وجهه عَلَى صورة الإِنْسَان وَهُوَ سيد الصور، وهو يسال «الله» الرزق للآدميين. وملك وجهه عَلَى صورة سيد الانعام- وهو الثور- يسال الرزق للبهائم، ولم يزل الملك الَّذِي عَلَى صورة الثور على وجهه كالغضاضة منذ عُبِدَ العجل من دون الرَّحْمَن ، وملك وجهه عَلَى صورة سيد الطير وَهُوَ يسأل اللَّه الرزق للطير- وَهُوَ النسر- وملك عَلَى صورة سيد السباع- وهو الأسد- وهو يسال الرزق للسباع «٢٧» .
نرى مما سبق ان مقاتلا يفسر الكرسي تفسيرا ماديا، ويذهب الى ان الكرسي يحمله اربعة أملاك.
ولم يذكر مقاتل الاسناد الذي اعتمد عليه، بل أورد الأثر محذوف الاسناد، مع انه من السمعيات التي لا تقبل الا إذا وردت فى القرآن، او رويت عن المعصوم ﷺ .
وقد أورد الملطي فى كتابه التنبيه والرد الأثر الذي ذكره مقاتل واستنده الى وهب بن منبه «٢٨» .
وذلك يجعلنا نعتقد انه من الاسرائيليات المرفوضة.
ثم ان القرآن الكريم قد اثبت العرض والاستواء فى آيات كثيرة «٢٩» ، وليس فى تلك الآيات شيء يدل على الاستقرار الحسى على العرش. او على التمكن بمكان.
(ب) لقد ذكر الملطي حديث الأوعال للرد على جهم بن صفوان الذي أنكر ان يكون الله على العرش، وحديث الأوعال فيه علل قادحة «٣٠» وإليك نصه:
стр. 2271
(عن العباس بن عبد المطلب قال: كنا مع رسول الله ﷺ جلوسا فى البطحاء، إذ مرت سحابة فقال: اتدرون ما هذه؟ قلنا: سحاب، قال: والمزن.
قلنا: والمزن. قال: والقتار فسكتنا. قال: اتدرون كم بين السماء والأرض قلنا: الله ورسوله اعلم. قال: بينهما مسيرة خمسمائة عام، الى ان ذكر السموات السبع، ثم قال: وفوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، وفوق ذلك ثمانية او عال، ما بين ركبهم واظلافهم كما بين السماء والأرض، وفوق ذلك العرش وما بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله فوق ذلك، ولا يخفى عليه شيء من اعمال بنى آدم) «٣١» .
«وحديث الأوعال أخرجه احمد فى مسنده بطريق عبد الرزاق، عن يحيى بن العلاء، عن شعيب بن خالد، عن سماك بن حرب، عن عبد الله بن عميرة، عن العباس.
«وأخرجه ابو داود والترمذي وابن ماجه بطريق سماك، عن ابن عميرة، عن الأحنف بن قيس، عن العباس، بزيادة الأحنف بين ابن عميرة والعباس.
«وقد تواترت نصوص ابن معين واحمد والبخاري ومسلم وابراهيم الحربي والنسائي وابن عدى وابن العربي وابن الجوزي وابى حيان على انه غير صحيح» .
قال ابن معين: لا تزول الجهالة عن الرجل برواية مثل سماك عنه، كما فى شرح علل الترمذي لابن رجب.
وعبد الله بن عميرة المذكور فى السند لم يرو عنه سوى سماك مطلقا، وقال احمد عن يحيى بن العلاء فى سنده «كذاب يضح الحديث» «٣٢» .
وقال ابو حيان فى تفسير قوله تعالى (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ) «٣٣» : وذكروا فى صفات هؤلاء الثمانية اشكالا متكاذبة ضربنا عن ذكرها صفحا.
وقد آيد ابن جرير تفسير الثمانية بثمانية صفوف من الملائكة بأسانيد سردها واغفل عن ذكر خرافة الأوعال فى تفسير الآية.
والعرش فى الآية هو العرش الذي يستظل به يوم القيامة من يستحق الاظلال، وإضافته الى الله تعالى اضافة تشريف كما لا يخفى.
стр. 2272
ومن راجع أساطير اليونانيين الأقدمين فى آلهتهم وركوبهم عروشا ومراكب علم مصدر تلك الخرافة «٣٤» .
(ج) الكرسي عند المفسرين:
ذهب سعيد بن جبير وابن عباس الى ان الكرسي علمه تعالى، وذلك لدلالة قوله تعالى ذكره فى آية الكرسي «ولا يؤوده حفظهما» ، على ان ذلك كذلك. فأخبر انه لا يؤوده حفظ ما علم، وأحاط به مما فى السموات والأرض، كما اخبر عن ملائكته انهم قالوا فى دعائهم: رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً «٣٥» فأخبر تعالى ذكره ان علمه وسع كل شيء، فكذلك وسع كرسيه السموات والأرض. واصل الكرسي العلم، ومنه قيل للصحيفة يكون فيها علم مكتوب: كراسة، ومنه قول الراجز- فى صفة قانص:
حتى إذا ما اجتازها تكرسا «٣٦» وقد فسر ابو موسى، والسدى، والضحاك، وسفيان، وعمار الكرسي بانه (موضع القدمين، وهو الذي يوضع تحت العرش الذي يجعل الملوك عليه اقدامهم) «٣٧» .
(وذهب الضحاك والحسن الى ان الكرسي: العرش «٣٨» .
(وروى عن ابى عبد الله جعفر بن محمد انه قال: العرش والسموات والأرضون
стр. 2273
وجميع ما خلق الله فى جوف الكرسي كحلقة ألقيتها فى فلاة، وذلك قوله :
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ «٣٩» (البقرة/ ٢٥٥) .
وعن ابى ذر قال: «سمعت رَسُول اللَّه ﷺ يَقُولُ: ما الكرسي فى العرش الا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهر فلاة من الأرض «٤٠» » .
وقد اختلف اللغويون فى تفسير معنى الكرسي، فالأصمعى قال: الكراسة:
الكتاب، سميت بذلك لأنه جمع فيها العلم والحكمة «٤١» .
ويقال للعلماء (الكراسي) لأنه المعتمد عليهم، كما يقال ارتاد الأرض، يعنى بذلك ان الأرض تصلح بهم. ومنه قول الشاعر:
يحف بهم بيض الوجوه وعصبة ... كراسي بالأحداث حين تنوب «٤٢»
والعرب تسمى اصل كل شيء الكرسي، يقال: فلان كريم الكرسي: اى كريم الأصل «٤٣» .
ويذهب الزجاج الى ان الكرسي فى اللغة الشيء الذي يعتمد عليه ويجلس عليه «٤٤» .
اما الزمخشري فيذهب الى ان الكرسي منسوب الى كرسي الملك، كقولهم دهري «٤٥» .
وأخيرا، نرى ان مقاتلا فسر الكرسي تفسيرا ماديا واعتمد فى وصفه على الاسرائيليات، ولذلك نرفض ما رواه مقاتل فى وصف الكرسي، ونقول: اما ان يكون من المتشابه الذي نؤمن به مع التفويض والتنزيه، او نحمله على معنى من المعاني اللغوية التي أوردناها.
стр. 2274
٣- العرش .
جمع مقاتل فى تفسير العرش بين التجسيم والتفويض، ففي تفسير الآية ١٧ من سورة الحاقة: قال مقاتل: (ويحمل عرش ربك فوقهم) على رءوسهم (يومئذ ثمانية) من الكروبيين لا يعلم كثرتهم أحد إلا الله «٤٦» .
كما فسر العرش فى سورة يوسف بالسرير، قال (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ) رفع يوسف أبويه على السرير وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره وكانت أمه راحيل قد ماتت وخالته تحت يعقوب ﵇ وهي التي رفعها على السرير «٤٧» .
وقد جسم تجسيما صريحا حين ذكر ان الله استقر «٤٨» فوق العرش «٤٩» .
وفى سورة المؤمن: (غافر) / ١٥ يقول مقاتل: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ) يقول:
أنا فوق السموات، لأنها ارتفعت من الأرض سبع سموات (ذُو الْعَرْشِ) يعنى هو عليه يعنى على العرش «٥٠» .
وكلمة العرش لها فى اللغة عدة معان مختلفة، فتاتى بمعنى السرير الذي يتخذه الملك «٥١» . وقد اختار هذا مقاتل فى تاويل قوله تعالى: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ) قال: اى رفعهما على السرير «٥٢» .
وقد ذهب الى هذا التفسير مفسرون آخرون «٥٣» كابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك «٥٤» .
وقال ابو عبيدة فى قوله تعالى: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ) مجازه على السرير وقال ايضا فى قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الأعراف/ ٥٤، يونس/ ٣» ،
стр. 2275
مجازه ظهر على العرش وعلا عليه، ويقال استويت على ظهر الفرس وعلى ظهر البيت «٥٥» .
كذلك جاءت كلمة العرش بمعنى الملك «٥٦» ، وبمعنى المظلة وسقف البيت «٥٧» .
كقوله تعالى: وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها «٥٨» .
ونقول فى العرش ما قلناه فى الاستواء والكرسي، فاما ان يكون من المتشابه الذي نؤمن به مع التفويض والتنزيه واما ان نحمله على معنى من المعاني اللغوية المذكورة.
٤- يمين الله
قال تعالى فى سورة الزمر/ ٦٧: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ.
قال مقاتل فى تفسيرها:
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ نزلت في المشركين يقول: وما عظموا الله حق عظمته وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ مطويات يوم القيامة بيمينه فيها تقديم، فهما كلاهما في يمينه يعني في قبضته اليمنى، قال ابن عباس: يقبض على الأرض والسموات جميعا فما يرى طرفهما من قبضته ويده الاخرى يمين) «٥٩» .
٥- الساق
قال تعالى فى سورة القلم/ ٤٢: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ.
وقد روى مقاتل عن ابن مسعود في قوله: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ) يعنى عن ساقه اليمنى فيضيء نور ساقه الأرض فذلك قوله: (أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها) يعنى نور ساقه اليمنى. هذا قول عبد الله بن مسعود. ﵁.
стр. 2276
قال مُقَاتِلُ: وقال ابن عباس ﵁ في قوله (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ) يعنى عن شدة الآخرة كقوله قامت الحرب على ساق، قال: يكشف عن غطاء الآخرة وأهوالها «٦٠» .
وقال تعالى فى سورة الزمر/ ٦٩: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها. قال مقاتل: يعني بنور ساقه فذلك قوله تعالى، يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ «٦١» .
٦- تجسيم بالتلميح لا بالتصريح
هناك آيات فسرها مقاتل تفسيرا يشعر بالتجسيم او يحتمل التجسيم، وكان من المحتمل ان تمر هذه الآيات بدون اى اعتراض، لولا ما سبق لنا معرفته عن مقاتل بانه من المجسمة.
من ذلك تفسير قوله تعالى فى الأنفال/ ٤٣: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ «٦٢» .
وفى سورة الإنسان/ ٢٠ يقول تعالى: (وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً) وقد جمع مقاتل فى تفسيرها بين الاسرائيليات والتشبيه «٦٣» .
وأخيرا نقول، فسر مقاتل اليمين بالقبضة.
وقد ذهب كثير من المفسرين فى تفسير اليمين الى انها لا تعنى اليد الحقيقة، وأخرجوها على سبيل الاستعارة والمجاز.
وفسر ثعلب قوله تعالى: وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ (الزمر/ ٦٧) فقال:
هو كما تقول الدر بيدي، والشيء فى يدي «٦٤» .
اما الساق فيكفى فيها ما رواه مقاتل عن ابن عباس فى قوله- تعالى-: «يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ» يعنى عن شدة الآخرة كما تقول قامت الحرب على ساق.
ونحن إزاء جميع ما ورد فى القرآن من المتشابه نؤمن به مع التفويض والتنزيه.
او نؤوله بما يناسب السياق ومقتضى اللغة.
стр. 2277
«الفصل الرابع تعقيب وانصاف
١- كلمة انصاف لمقاتل المتكلم.
٢- الرؤية عند مقاتل.
٣- مقاتل والارجاء.
стр. 2278
- ١- كلمة انصاف لمقاتل المتكلم
انفردت كتب الفرق بنسبتها الى مقاتل القول «بان الله لحم ودم ... » ولم يرد ذلك فى تفسير مقاتل مطلقا.
وما صحت نسبته اليه من التجسيم والتشبيه فى الاستواء، والفوقية، وصفة العرش والكرسي، واليمين والساق- اقوال يشترك فيها مقاتل مع بعض السلف.
بقي قوله باللحم والدم. وقد كانت بعض هذه الكتب تروى كلام خصومها بشيء من التحامل وربما أضافت الى الرجل ما لم يقله. رغبة فى تنفير الناس من معتقده السيئ، مما حمل السكسكي فى برهانه على ان يذهب الى ان مقاتل بن سليمان المفسر غير مقاتل بن سليمان القائل باللحم والدم «١» .
غير ان الكوثرى خالفه وقال انهما شخص واحد «٢» .
وبعض أئمة الكلام ومؤرخى الفرق اثنوا على مقاتل واعتبروه أساسا وركيزة لدفع الزيغ والإلحاد.
فالشهرستاني جعل مقاتلا من أئمة السلف. وقرنه بالإمام مالك بن انس حيث قال:
(ان السلف من اصحاب الحديث لما رأوا توغل المعتزلة فى علم الله ومخالفة السنة التي عهدوها من الائمة الراشدين. ونصرهم جماعة من بنى أمية على قولهم بالقدر، وجماعة من خلفاء بنى العباس على قولهم بنفي الصفات وخلق القرآن تحيروا فى تقرير مذهب اهل السنة والجماعة فى متشابهات آيات الكتاب واخبار النبي ﷺ .
فاما احمد بن حنبل وداود بن على الاصفهانى وجماعة من أئمة السلف- فجروا على منهاج السلف المتقدمين عليهم من اصحاب الحديث مثل مالك بن انس ومقاتل ابن سليمان وسلكوا طريق السلامة فقالوا نؤمن بما ورد به الكتاب والسنة، ولا نتعرض للتأويل بعد ان نعلم قطعا ان الله لا يشبه شيئا من المخلوقات وان كل ما تمثل فى الوهم فانه خالقه ومقدره. وكانوا يتحرزون عن التشبيه الى غاية ان قالوا من حرك يده عند قراءته «خلقت بيدي» او أشار بأصابعه عند رواية- قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن- وجب قطع يده وقطع إصبعه) «٣» .
стр. 2279
اما الامام الشافعي فقد جعل الناس فى تفسير القرآن عيالا على مقاتل ابن سليمان.
ويذكر الدكتور صبحى الصالح ان مقاتلا من كبار علماء المسلمين ومفسريهم «٤» .
ونحن نذكر جيدا قول الامام على لابنه: يا بنى اعرف الرجال بالحق، ولا تعرف الحق بالرجال.
فنقول سحقا لمقاتل ان كان قد قال بان الله لحم ودم، بيد ان الإنصاف يقتضينا ان نذكر ان هذا القول لم ينسب لمقاتل فى اى كتاب من كتب التراجم او التاريخ، وانما نسب اليه فى كتب الفرق وحدها، وكتب الفرق كانت تحكى كلام الخصوم بشيء من المبالغة أحيانا.
فواجبنا ان نأخذ آراء مقاتل من كتبه هو، ومن حسن الحظ ان بعضها مخطوط فى المتاحف، ونحن فى سبيلنا اليه.
يقول الدكتور محمد يوسف موسى «٥» :
(ونعتقد انه اولى بالباحث المنصف ان يتشدد فى قبول كلام الخصم عن الخصم وفى نسبة ما ينسبه له، وبخاصة كتاب الفرق بين الفرق للبغدادي، وكتاب الملل والنحل للشهرستاني- من أهم المراجع فى المذاهب الاسلامية، وصاحب الاول- كما يذكر الامام فخر الدين الرازي- كان شديد التعصب على المخالفين ولا يكاد يحكى مذاهبهم على وجوهها، وعنه أخذ الشهرستاني مذاهب الفرق الاسلامية) «٦» .
وإذا طالعنا كتاب التنبيه والرد للملطى المتوفى سنة ٣٧٧ هـ «وهو من اقدم ما الف فى شرح احوال الفرق «٧» » - رأيناه يثنى على مقاتل بن سليمان بل يعتبره ملجأ وسندا فى الرد على الزنادقة الذين شكوا فى القرآن، وزعموا ان فيه متشابها، ويقول: (فمن طلب علم ما أشكل عليه من ذلك عند اهل العلم به من ثقات العلماء وجد مطلبه، ولعمري ان اهل الأهواء فى مثل ذلك اختلفوا وضلوا، وهذه جملة جاءت بها الرواية، وأخذناها عن الثقات عن مقاتل بن سليمان ان تدبرت ذلك نفعك ان شاء الله. قال مقاتل ... ) «٨» ونقل عنه أربعا وعشرين صفحة فى تاويل متشابه القرآن.
стр. 2280
والظاهرة الجديرة بالملاحظة ان تفسير مقاتل قد خلا خلوا تاما من القول باللحم والدم المنسوب اليه فى كتب النحل، فاما ان يكون مقاتل قال ذلك فى صدر حياته ثم عدل عنه، او يكون خصومه تقولوه عليه، او يكون القائل باللحم والدم مقاتل ابن سليمان آخر، غير مقاتل بن سليمان المفسر، كما ذكر ذلك السكسكي فى برهانه، او يكون رواة تفسير مقاتل هذبوه وحذفوا منه القول باللحم والدم، او يكون مقاتل قال ذلك فى علم الكلام، او عند جداله مع جهم فى الصفات، ولم يقله فى تفسير القرآن الكريم.
اما ترجيح احد هذه الفروض، فهو ما أرجو ان اهتدى اليه ان شاء الله.
- ٢- رؤية الله عند مقاتل
ذهب مقاتل الى اثبات الصفات، كما فسر القرآن على اثبات رؤية الله يوم القيامة.
وقد أنكر جهم رؤية الله يوم القيامة «٩» ، اعتمادا على قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ «١٠» .
اما مقاتل فقد اثبت الرؤية اعتمادا على قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ- (القيامة/ ٢٢، ٢٣) .
وقوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (المطففين/ ١٥) .
وقوله سبحانه: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (البقرة/ ٢١٠) «١١» .
وقوله تعالى: (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ (الأحزاب/ ٤٤) .
وقد فسر هذه الآيات على اثبات رؤية الله تعالى يوم القيامة، اما الآيات التي تنفى رؤية الله مثل لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ فقد أولها مقاتل بان الخلق لا يرون الله فى الدنيا دون الآخرة، ولا فى السموات «١٢» دون الجنة. قال مقاتل: «واما قوله جل ثناؤه لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ «١٣» وقال فى آية اخرى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ