يَعْلَمُ الله حين يغطون رءوسهم بالثياب مَا يُسِرُّونَ في قلوبهم، وذلك الخفي وَما يُعْلِنُونَ بألسنتهم إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ- ٥- يعني بما في القلوب من الكفر وغيره وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها حيثما توجهت وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها بالليل وَمُسْتَوْدَعَها حيث تموت كُلٌّ نفس كل المستقر والمستودع فِي كِتابٍ مُبِينٍ- ٦- يقول هو بين في اللوح المحفوظ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى على العرش: يعني استقر على العرش «١» وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ قبل خلق السموات والأرض وقبل أن يخلق شيئا لِيَبْلُوَكُمْ يعني خلقهما لأمر هو كائن. خلقهما وما فيهما من الآيات، ليختبركم. [١٧٠ ب] أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا لربه وَلَئِنْ قُلْتَ يا محمد لكفار مكة إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا من أَهْل مكة إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ- ٧- يقول ما هَذَا الذي يقول محمد- ﷺ إلا سحر بين. حين «٢» يخبرنا «٣» أنه يكون البعث بعد الموت وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ يعنى كفار مكة إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ يعني إلى سنين معلومة. نظيرها في يوسف
стр. 632
وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ «١» يعني بعد سنين، يعني القتل ببدر «٢» لَيَقُولُنَّ يا محمد مَا يَحْبِسُهُ عنا يعنون العذاب تكذيبا يقول الله أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ العذاب لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ يقول ليس أحد يصرف العذاب عنهم وَحاقَ يعنى ودار بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يعنى بالعذاب يَسْتَهْزِؤُنَ- ٨- بأنه ليس بنازل بهم وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ يعني آتينا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً يعني نعمة يقول أعطينا الإنسان خيرا وعافية ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ عند الشدة من الخير كَفُورٌ- ٩- لله في نعمة الرخاء وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ يقول ولئن آتيناه خيرا وعافية بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ يقول بعد شدة وبلاء أصابه يعني الكافر «٣» لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي الضراء الذي كان نزل به إِنَّهُ لَفَرِحٌ يعني لبطر في حال الرخاء والعافية، ثم قال: فَخُورٌ- ١٠- في نعم الله- إذ لا يأخذها بالشكر، ثم استثنى فقال: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا على الضر وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ليسوا كذلك «أُولئِكَ»
» لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم وَأَجْرٌ كَبِيرٌ- ١١- يعني وأجر عظيم في الجنة فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وذلك أن كفار قريش قالوا للنبي- ﷺ فى يونس: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا ليس فيه ترك عبادة آلهتنا ولا عيبها أَوْ بَدِّلْهُ «٥»
стр. 633
أنت من تلقاء نفسك، فهم النبي- ﷺ أن لا يسمعهم عيبها رجاء أن يتبعوه فأنزل الله- تعالى- فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ يعني ترك ما أنزل إليك من أمر الآلهة وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ في البلاغ «١» أراد أن يحرضه على البلاغ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا يعنى هلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ يعني المال من السماء فيقسمه بيننا أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ يعينه ويصدقه بقوله «٢» : إن كان محمد صادقا في أنه رسول ثم رجع إلى أول هذه الآية فقال: «٣» بلغ يا محمد إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ- ١٢- يعني شهيد بأنك رسول الله- تعالى- أَمْ يعني بل يَقُولُونَ إن محمدا افْتَراهُ قالوا: إنما يقول محمد هذا القرآن من تلقاء نفسه قُلْ لكفار مكة فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ يعنى مختلقات مثله يعني مثل القرآن وَادْعُوا يعني واستعينوا عليه مَنِ اسْتَطَعْتُمْ من الآلهة التي تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ- ١٣- بأن محمدا تقوَّله من تلقاء نفسه قال فى هذه السورة فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ فلم يأتوا، ثم قال فى سورة يونس: فَأْتُوا بِسُورَةٍ «٤» واحدة، وفي البقرة أيضا: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ «٥» فقال الله فى التقديم ولن
стр. 634
تفعلوا البتة أن تجيئوا بسورة: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا «١» يعنى فإذا لم تفعلوا وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ يعني النبي- ﷺ وحده يقول فإن لم يفعلوا ذلك يا محمد فقل لهم يا معشر كفار مكة:
فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ هذا القرآن بِعِلْمِ اللَّهِ يعني بإذن الله، وقراءة ابن مسعود «أنما أنزل بإذن الله» وَاعلموا أَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ بأنه ليس له شريك إن لم يجيئوا بمثل هذا القرآن قل لهم: فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ- ١٤- يعنى مخلصين بالتوحيد مَنْ كانَ من الفجار يُرِيدُ بعمله الحسن الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها لا يريد وجه الله نُوَفِّ يعني نوفي إِلَيْهِمْ ثواب أَعْمالَهُمْ فِيها يعني في الدنيا من الخير والرزق نظيرها في «حم عسق «٢» » ثم قال: وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ- ١٥- نسختها الآية التي في بني إسرائيل- عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ «٣» يقول وهم في الدنيا لا ينقصون من ثواب أعمالهم «٤» ثم أخبر بمنزلتهم في الآخرة فقال: أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها يقول بطل في الآخرة ما عملوا في الدنيا وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ- ١٦- فلم يقبل منهم أعمالهم لأنهم عملوها للدنيا فلم تنفعهم «٥» أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ يعنى القرآن شاهِدٌ مِنْهُ يقول
стр. 635
يقرؤه جبريل- ﵇ على محمد- ﷺ وهو شاهد لمحمد أن الذي يتلوه محمد من القرآن أنه جاء من الله- تعالى «١» - ثم قال: وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى يقول ومن قبل كتابك يا محمد قد تلاه جبريل على موسى يعني التوراة. إِماماً يقتدى به يعني التوراة وَرَحْمَةً لهم من العذاب لمن آمن به أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ يعني أهل التوراة يصدقون بالقرآن كقوله في الرعد: فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ «٢» بِهِ يعني بقرآن محمد- ﷺ أنه من الله- وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ بالقرآن مِنَ الْأَحْزابِ يعني ابن أمية، وابن المغيرة، وابن عبد الله المخزومي، وآل أبى طلحة ابن عبد العزى فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ يقول ليس الذي عمل على بيان من ربه كالكافر بالقرآن موعده النار ليسوا بسواء فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ «مِنْهُ» «٣» وذلك أن كفار قريش قالوا: ليس القرآن من الله. إنما تقوله محمد وإنما يلقيه الري «٤» ، وهو شيطان يقال له الري، على لسان محمد- ﷺ فأنزل الله:
فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ يقول في شك من القرآن إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ إنه من
стр. 636
الله- وإن القرآن حق من ربك وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ- ١٧- يعني ولكن أكثر أهل مكة لا يصدقون بالقرآن أنه من عند الله- تعالى. ثم ذكرهم فقال: وَمَنْ أَظْلَمُ يقول [١٧١ ب] فلا أحد أظلم مِمَّنِ افْتَرى يعني تقول «١» عَلَى اللَّهِ كَذِباً بأن معه شريكا أُولئِكَ الكذبة يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ يعني الأنبياء ويقال الحفظة ويقال الناس مثل قول الرجل: علي رءوس الأشهاد هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ يعني بالأشهاد يعني الأنبياء فإذا عرضوا على ربهم قالت الأنبياء: نحن نشهد عليكم أنا شهدنا بالحق فكذبونا ونشهد أنهم كذبوا على ربهم. وقالوا: إن مع الله شريكا أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ- ١٨- يعني المشركين نظيرها في الأعراف: أَنْ «٢» لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ «٣» ثم أخبر عنهم فقال: الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني دين الإسلام وَيَبْغُونَها عِوَجاً يقول ويريدون بملة الإسلام زيفا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ يعني بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال هُمْ كافِرُونَ- ١٩- يعني بأنه ليس بكائن ثم نعتهم فقال:
أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ يعني بسابقي الله فِي الْأَرْضِ هربا حتى يجزيهم «٤» بأعمالهم الخبيثة وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يعني أقرباء يمنعونهم من الله، يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ يعني ما كانوا على سمع إيمان بالقرآن وَما كانُوا يُبْصِرُونَ- ٢٠- الإيمان بالقرآن لأن الله جعل في آذانهم وقرا، وعلى أبصارهم غشاوة. ثم نعتهم فقال:
стр. 637
أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
يعني غبنوا أنفسهم وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كانُوا يَفْتَرُونَ
- ٢١- لا جَرَمَ حقا أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ- ٢٢- ثم أخبر عن المؤمنين وما أعد لهم فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ يعني وأخلصوا إلى ربهم أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ- ٢٣- لا يموتون ثم ضرب مثلا للمؤمنين والكافرين فقال: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ المؤمن والكافر كَالْأَعْمى عن الإيمان لا يبصر وَالْأَصَمِّ عن الإيمان فلا يسمعه يعني الكافر ثم ذكر المؤمن فقال: وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ للإيمان «١» هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا يقول هل يستويان في الشبه فقالوا: لا. فقال:
أَفَلا تَذَكَّرُونَ- ٢٤- أنهما لا يستويان فتعتبروا ولما كذب كفار مكة محمدا بالرسالة أخبر الله محمدا- ﵇ أنه أرسله رسولا كما أرسل نوحا، وهودا، وصالحا، ولوطا، وشعيبا، فى هذه السورة فقال: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فقال لهم: إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ من العذاب في الدنيا مُبِينٌ- ٢٥- يعني بين نظيرها فى- سورة نوح «٢» - ثم قال: أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ فى الدنيا عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ- ٢٦- يعني وجيع فَقالَ الْمَلَأُ الأشراف الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا [١٧٢ ا] يعني إلا آدميا مثلنا لا تفضلنا بشيء وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا يعني الرذالة من الناس السفلة بادِيَ الرَّأْيِ يعني بدا لنا أنهم سفلتنا وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ في ملك ولا مال ولا شيء فنتبعك يعنون نوحا بَلْ نَظُنُّكُمْ يعني نحسبك من ال كاذِبِينَ- ٢٧- حين
стр. 638
تزعم أنك رسول نبي قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي يعني بيان من ربي وَآتانِي رَحْمَةً يعني وأعطاني نعمة مِنْ عِنْدِهِ وهو الهدى فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ يعني فخفيت عليكم الرحمة أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها يعني الرحمة وهي النعمة والهدى كارِهُونَ- ٢٨- وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا يعني جعلا على الإيمان إِنْ أَجرِيَ يعني ما جزائي إِلَّا عَلَى اللَّهِ في الآخرة وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا يعني وما أنا بالذي لا أقبل الإيمان من السفلة عندكم، ثم قال: إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ فيجزيهم بإيمانهم كقوله إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ «١» يعني لو تعلمون إذا لقوه وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ- ٢٩- ما آمركم به وما جئت به وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي يمنعني مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ يعنى إن لم أقبل منهم الإيمان أي من السفلة «٢» أَفَلا يعني أفهلا تَذَكَّرُونَ- ٣٠- أنه لا مانع لأحد من الله وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ يعني مفاتيح الله بأنه يهدي السفلة دونكم وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ يقول: ولا أقول لكم عندي غيب ذلك إن الله يهديهم، وذلك قول نوح في الشعراء: وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ «٣» ثم قال لهم نوح: وَلا أَقُولُ لكم إِنِّي مَلَكٌ من الملائكة إنما أنا بشر لقولهم مَا نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا ... إلى آخر الآية «٤» وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ يعنى السفلة لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً يعني إيمانا وإن كانوا عندكم سفلة اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ
стр. 639
يعني بما في قلوبهم يعني السفلة من الإيمان قال نوح: إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ- ٣١- إن لم أقبل منهم الإيمان قالُوا يَا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا يعني ماريتنا «١» فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا يعني مراءنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا من العذاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ- ٣٢- بأن العذاب نازل بنا لقوله في هذه الآية الأولى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ «٢» وذلك أن الله أمر نوحا أن ينذرهم العذاب فى سورة نوح فكذبوه فقالوا: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ بأن العذاب نازل بنا فرد عليهم نوح: قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وليس ذلك بيدي وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ- ٣٣- يعني بسابقي الله بأعمالكم الخبيثة حتى يجزيكم بها وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي فيما أحذركم من العذاب إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ يعنى يضلكم عن الهدى [١٧٢ ب] ف هُوَ رَبُّكُمْ ليس له شريك وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ- ٣٤- بعد الموت فيجزيكم بأعمالكم ثم ذكر الله- تعالى- كفار أمة «٣» محمد- صلى الله
стр. 640
عليه وسلم- من أهل مكة، فقال: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ نظيرها في «حم» الزخرف: «أَمْ أَنَا خَيْرٌ» يعني بل أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ «١» .
«افْتَراهُ» قالوا: محمد يقول هذا القرآن من تلقاء نفسه وليس من الله قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ يعني تقولته من تلقاء نفسي فَعَلَيَّ إِجْرامِي فعلي خطيئتي بافترائي على الله وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ- ٣٥- يعنى برئ من خطاياكم يعني كفركم بالله- ، ثم ذكر نوحا فقال: وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ يعني إلا من صدق بتوحيد الله فَلا تَبْتَئِسْ يعني فلا تحزن بِما كانُوا يَفْعَلُونَ- ٣٦- يعني بكفرهم بالله- وَاصْنَعِ الْفُلْكَ يعني السفينة واعمل فيها بِأَعْيُنِنا يعني بعلمنا وَوَحْيِنا كما نأمرك فعملها نوح فى أربعمائة سنة وكانت السفينة من ساج وَلا تُخاطِبْنِي يقول ولا تراجعني فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني الذين أشركوا وهو ابنه كنعان بن نوح فإنه من الذين ظلموا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ- ٣٧- لقول نوح رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ «٢» وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ يعني يعمل فيها وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ يعني كلما أتى عليه مَلَأٌ يعني أشراف مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ حين يزعم أنه يصنع بيتا يسير على الماء ولم يكونوا رأوا سفينة قط قالَ لهم نوح: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا لصنعنا «٣» السفينة فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ
стр. 641
إذا نزل بكم الغرق كَما تَسْخَرُونَ- ٣٨- فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ هذا وعيد مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ يعني يذله يعني الغرق وَيَحِلُّ عَلَيْهِ ويجب عليه عَذابٌ مُقِيمٌ- ٣٩- يعني في الآخرة دائما لا يزول عن أهله حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا يعني قولنا في نزول العذاب بهم وَفارَ التَّنُّورُ فار الماء من التنور الذي يخبز فيه وكان بأقصى دار نوح بالشام بعين وردة «١» قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يعني صنفين اثنين ذكرا وأنثى فهو زوجان ولولا أنه قال: اثنين لكان الزوجان «٢» أربعة. وَاحمل أَهْلَكَ واسمها والغة، واسم امرأة لوط والهة في السفينة إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ يعني العذاب في اللوح المحفوظ من أهلك، يعني كنعان بن نوح فلا تحملهم معك فاستثنى من «٣» أهله ابنه وامرأته وَمَنْ آمَنَ يعني ومن صدق بتوحيد الله فاحمله في السفينة، يقول الله تعالى: وَما آمَنَ مَعَهُ مع نوح إِلَّا قَلِيلٌ- ٤٠- يقال بأنهم أربعون رجلا وأربعون امرأة عددهم ثمانون نفسا واسم القرية اليوم قرية الثمانين وهي بالجزيرة قريبة من الموصل «٤» وهي بافردي «٥» .
وَقالَ ارْكَبُوا فِيها في السفينة بِسْمِ اللَّهِ إذا ركبتموها فقولوا باسم الله مَجْراها حين تجري وَمُرْساها حين تحبس إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ
стр. 642
للذنوب رَحِيمٌ- ٤١- بنا حين نجانا من العذاب «وَهِيَ تَجْرِي «١» » بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ كنعان سبع مرات وكان ابنه من صلبه وَكانَ فِي مَعْزِلٍ كان معتزلا عنه يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ- ٤٢- فتغرق معهم قالَ ابنه سَآوِي يعني سأنضم إِلى جَبَلٍ أصعده يَعْصِمُنِي يعني يمنعني مِنَ غرق الْماءِ قالَ نوح:
لا عاصِمَ الْيَوْمَ يعني لا مانع اليوم «مِنْ أَمْرِ اللَّهِ» «٢» يعني به الغرق ثم استثنى فقال: إِلَّا مَنْ رَحِمَ ربي. يقول من عصم من المؤمنين فركب معي في السفينة فإنه لن يغرق يقول الله- تعالى-: وَحالَ يعني وحجز بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ يعني بين نوح وابنه كنعان «فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ- ٤٣- وغضب الله على كنعان «٣» » حين ظن أن الجبل يمنعه من الله فلا يغرق وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ بعد ما غرقتهم «٤» أجمعين. فابتلعت الأرض ما خرج منها من الماء وَيا سَماءُ أَقْلِعِي يعني أمسكي قال: فلم تقع قطرة.
وَغِيضَ الْماءُ يعني ونقص الماء وطهرت الجبال وَقُضِيَ الْأَمْرُ يعني العذاب بالغرق على الكافرين فغرقوا وَاسْتَوَتْ السفينة عَلَى الْجُودِيِّ شهرا وهو جبل قريب من الموصل، لأن الجبال تطاولت وتواضع الجودي وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ- ٤٤- يعني المشركين يعني بالبعد الهلاك وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ يعني دعا نوح ربه فيها تقديم «٥» فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي
стр. 643
الذين «١» وعدتني أن تنجيهم من الغرق وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ يعنى الصدق ولا خلف له فى النجاة «٢» وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ- ٤٥- يعني خير الحاكمين لا تجور في القضاء قالَ الله- تعالى-: يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ الذين «٣» وعدتك أن أنجيهم إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ يعنى عمل شركا «٤» فَلا تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ يعنى أؤدبك «٥» أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ- ٤٦- لسؤالك إياي قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ بعد النهي مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي ذنبي يعني مقالي وَتَرْحَمْنِي فلا تعذبني «٦» أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ- ٤٧- فى العقوبة قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ من السفينة بِسَلامٍ مِنَّا فسلمه الله ومن معه من الغرق ثم قال: وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ في السفينة يعني بالبركة أنهم توالدوا وكثروا بعد ما خرجوا من السفينة ثم قال: وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ في الدنيا إلى آجالهم ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا يقول يصيبهم منا عَذابٌ أَلِيمٌ- ٤٨- يعني وجيع يعني بالأمم قوم هود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب، الذين أهلكهم الله فى
стр. 644
الدنيا بالعذاب بعد قوم نوح ثم قال: تِلْكَ القصة مِنْ أَنْباءِ يعني من أحاديث الْغَيْبِ غاب عنك. لم تشهدها يا محمد ولم تعلمها إلا بوحينا [١٧٣ ب] «نُوحِيها «١» » إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ يا محمد وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا القرآن حتى أعلمناك أمرهم في القرآن يعني الأمم الخالية قوم نوح، وهود، وصالح، وغيرهم فَاصْبِرْ على تكذيب كفار مكة وعلى أذاهم إِنَّ الْعاقِبَةَ يعني الجنة لِلْمُتَّقِينَ- ٤٩- الشرك.
وَإِلى عادٍ أرسلنا أَخاهُمْ هُوداً قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني وحدوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ يعني ليس لكم رب غيره إِنْ أَنْتُمْ يعني ما أنتم إِلَّا مُفْتَرُونَ- ٥٠- الكذب حين تقولون إن لله شريكا وذلك أنهم قالوا لأنبيائهم تريدون أن تملكوا علينا في أموالنا، فذلك قول الأنبياء لهم يَا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً «٢» يعنى ما جزائي إِلَّا عَلَى اللَّهِ.
وذلك قول قوم هود: يَا قَوْمِ «٣» لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ يعني ما جزائي إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي يعني خلقني أَفَلا تَعْقِلُونَ- ٥١- أنه ليس مع الله شريك وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ من الشرك ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً يعني المطر متتابعا وقد كان الله- تعالى- حبس عنهم المطر ثلاث سنين وحبس عنهم الولد، فمن ثم قال: وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ يعني عددا إلى عددكم وتتوالدون «٤» وتكثرون، ثم قال لهم هود:
стр. 645
وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ- ٥٢- يقول ولا تعرضوا عن التوحيد مشركين قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ يعني ببيان أنك رسول إلينا من الله وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ يعنون عبادة الأوثان وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ- ٥٣- يعني بمصدقين بأنك رسول إِنْ يعني ما نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ يعنون جنونا أصابك به بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ يعنون أنه يعتريك من آلهتنا الأوثان بجنون أو بخبل. ولا نحب أن يصيبك أو يعتريك ذلك فاجتنبها سالما.
«قال عبد الله قال الفراء الخبل مسكنة الباء العلة المانعة من الحركة المعطلة للبدن. والخبل: الجنون محركة الباء «١» » . فرد عليهم هود: قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ- ٥٤- مِنْ دُونِهِ من الآلهة فَكِيدُونِي جَمِيعاً أنتم والآلهة ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ- ٥٥- يعني ثم لا تناظرون يعني لا تمهلون.
إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ يعني وثقت بالله رَبِّي وَرَبِّكُمْ حين «٢» خوفوه آلهتهم أنها تصيبه ما مِنْ دَابَّةٍ يعنى ما من شيء إِلَّا وهُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها يقول إلا الله يميتها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ- ٥٦- يعني على الحق المستقيم فَإِنْ تَوَلَّوْا يعني «فإن تعرضوا عن الإيمان «٣» » فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ
стр. 646
من نزول العذاب بكم في الدنيا وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي بعد هلاككم قَوْماً غَيْرَكُمْ أمثل وأطوع لله منكم وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً يقول ولا تنقصونه من ملكه شيئا إنما تنقصون أنفسكم إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ [١٧٤ ا] من أعمالكم حَفِيظٌ «١» - ٥٧- وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا يعني قولنا في نزول العذاب نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ من العذاب بِرَحْمَةٍ مِنَّا يعني بنعمة منا عليهم «٢» وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ- ٥٨- يعني شديد وهي الريح الباردة لم تفتر عنهم حتى أهلكتهم وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ يعني كفروا بعذاب الله بأنه غير نازل بهم في الدنيا وَعَصَوْا رُسُلَهُ يعني هودا وحده وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ- ٥٩- يعني متعظما عن التوحيد، فهم الأتباع اتبعوا قول الكبراء في تكذيب هود «عَنِيدٍ» يعني معرضا عن الحق، وكان هذا القول من الكبراء للسفلة فى سورة المؤمنين «٣» «ما هذا» يعني هودا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ «٤» من الشراب.
وقال للأتباع «٥» وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ «٦» يعني لعجزة فهذا قول الكبراء للسفلة. فاتبعوهم على قولهم: وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً
стр. 647
يعني العذاب وهي الريح التي أهلكتهم وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يعني عذاب النار أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ يعني بتوحيد ربهم أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ- ٦٠- فى الهلاك وَإِلى ثَمُودَ أرسلنا أَخاهُمْ صالِحاً ليس بأخيهم في الدين ولكنه أخوهم في النسب وهو صالح بن آسف «١» قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني وحدوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ يعني هو خلقكم من الأرض وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها يعني وعمركم في الأرض فَاسْتَغْفِرُوهُ من الشرك ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ منه»
إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ منكم فى الاستجابة مُجِيبٌ- ٦١- للدعاء كقوله: فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ «٣» قالُوا يَا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا يعني مأمولا قبل هذا كنا نرجو أن ترجع إلى ديننا، فما هذا الذي تدعونا إليه؟
أَتَنْهانا «٤» أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا من الآلهة وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ من التوحيد مُرِيبٍ- ٦٢- يعني بالمريب أنهم لا يعرفون شكهم قالَ صالح يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي يعني على بيان من ربي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً يقول أعطاني نعمة من عنده وهو الهدى فَمَنْ يَنْصُرُنِي يعني فمن يمنعني مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ يعنى إن رجعت إلى دينكم لقولهم صالح «قد كنت فينا مرجو قبل هذا الذي تدعونا إليه» فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ- ٦٣- يقول فما تزيدونني إلا خسارا.
стр. 648
قال عبد الله: قال الفراء: المعنى كلما دعوتكم زدتموني تباعدا مني فأنتم بذلك تخسرون يعني تهلكون «١» .
وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً يعني عبرة فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ لا تكلفكم مؤنة ولا علفا وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ يقول ولا تصيبوها بعقر فَيَأْخُذَكُمْ في الدنيا عَذابٌ قَرِيبٌ- ٦٤- منكم لا تمهلون حتى تعذبوا فَعَقَرُوها [١٧٤ ب] ليلة الأربعاء بالسيف فماتت فَقالَ لهم صالح: تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ يعني محلتكم في الدنيا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ العذاب وَعْدٌ من الله غَيْرُ مَكْذُوبٍ- ٦٥- ليس فيه كذب. بأن العذاب نازل بهم بعد ثلاثة الأيام «٢» فأهلكهم الله صبيحة يوم الرابع يوم السبت فذلك قوله: فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا يعني قولنا في العذاب «نَجَّيْنا صالِحاً «٣» » وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا يعني بنعمة عليهم منا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ يعني ونجيناهم من عذاب يومئذ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ في نصر أوليائه الْعَزِيزُ- ٦٦- يعني المنيع في ملكه وسلطانه حين أهلكهم وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني الذين أشركوا الصَّيْحَةُ صيحة جبريل- ﵇ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ- ٦٧- يعني في منازلهم خامدين كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها يقول كأنهم لم يكونوا في الدنيا قط أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا بتوحيد رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ- ٦٨- فى الهلاك وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا
стр. 649
وهو جبريل ومعه ملكان وهما ملك الموت وميكائيل «١» إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى في الدنيا الولد: بإسحاق ويعقوب «٢» .
قالُوا سَلاماً قالوا تحية «٣» لإبراهيم فسلموا على إبراهيم فرد إبراهيم عليهم ف قالَ سَلامٌ يقول رد إبراهيم خيرا «٤» وهو يرى أنهم من البشر فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ إبراهيم بِعِجْلٍ حَنِيذٍ- ٦٩- يعنى الحنيذ النضيج لأنه كان البقر أكثر أموالهم والحنيذ الشواء الذي أنضج بحر النار من غير أن تمسه النار بالحجارة تحمى وتجعل في سرب فتشوى فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ أي إلى العجل نَكِرَهُمْ يعني أنكرهم وخاف شرهم وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً يقول فوقع عليه الخوف منهم فرعد قالُوا «٥» أي قالت الملائكة: لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ- ٧٠- بهلاكهم ولوط بن حازان «٦» وامرأة سارة بنت حازان «٧» أخت لوط وإبراهيم عم لوط وختنه على أخته «وَامْرَأَتُهُ» «٨» وهي سارة قائِمَةٌ وإبراهيم جالس فَضَحِكَتْ من خوف إبراهيم ورعدته من ثلاثة نفر وإبراهيم في حشمه وخدمه فقال جبريل- ﵇ لسارة: إنك ستلدين غلاما
стр. 650
فذلك قوله: فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ- ٧١- قالَتْ سارة: يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً وهو ابن سبعين سنة إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ- ٧٢- يعني لأمر عجيب أن يكون الولد من الشيخين الكبيرين «قالُوا» «١» قال جبريل لها: أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أن يخلق ولدا من الشيخين رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ يعني نعمة الله وبركاته عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ يعني بالبركة ما جعل الله منهم من الذرية إِنَّهُ حَمِيدٌ في خلقه مَجِيدٌ- ٧٣- يعني كريم فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ يعني الخوف وَجاءَتْهُ الْبُشْرى في الولد يُجادِلُنا [١٧٥ ا] يعنى يخاصمنا إبراهيم فِي قَوْمِ لُوطٍ- ٧٤- كقوله فى الرعد:
يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ «٢» ومثل قوله: قالُوا يَا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا «٣» .
وخصومة إبراهيم- ﵇ أنه قال: يا رب أتهلكهم إن كان في «٤» قوم لوط خمسون «٥» رجلا مؤمنين؟ قال جبريل- ﵇: لا فما زال إبراهيم- ﵇ ينقص خمسة خمسة حتى انتهى إلى خمسة أبيات قال- تعالى-: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ يعني لعليم أَوَّاهٌ يعني موقن مُنِيبٌ- ٧٥- مخلص «٦» .
стр. 651
وقال جبريل لإبراهيم: يَا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا الجدال حين قال: أتهلكهم إن كان فيهم كذا وكذا. ثم قال جبريل- ﵇:
إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ يعني قول ربك في نزول العذاب بهم وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ- ٧٦- يعني غير مدفوع عنهم يعني الخسف والحصب بالحجارة.
قوله: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت لُوطاً سِيءَ بِهِمْ يعني كرههم لصنيع قومه بالرجال مخافة أن يفضحوهم وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ جبريل «١» هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ- ٧٧- يعنى فظيع فاش شره عليهم وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ يعني يسرعون إليه مشاة إلى لوط وَمِنْ قَبْلُ أن نبعث لوطا كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ يعني نكاح الرجال وقالَ لوط يَا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي ريثا، وزعوثا فتزوجوهما هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ يعني أحل لكم من إتيان الرجال. فَاتَّقُوا اللَّهَ في معصيته وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ- ٧٨- يقول ما منكم رجل مرشد قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ يعنون من حاجة وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ- ٧٩- أنهم يريدون الأضياف قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً يعني بطشا أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ- ٨٠- يعني منيع يعني رهط يعني عشيرة لمنعتكم مما تريدون.
قالُوا يَا لُوطُ قال جبريل للوط: إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بسوء «لأنهم قالوا للوط إنا نرى معك رجالا سحروا أبصارنا فستعلم غدا
стр. 652
ما تلقى أنت في أهلك «١» » فقال جبريل- ﵇: إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ يعني امرأته وابنتيه بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ يعني ببعض الليل وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ البتة إِلَّا امْرَأَتَكَ فإنها تلتفت، يقول لا ينظر منكم أحد وراءه ثم استثنى إِلا امْرَأَتَكَ تلتفت إِنَّهُ مُصِيبُها من العذاب مَا أَصابَهُمْ يعني قوم لوط فالتفتت فأصابها حجر فقتلها، ثم قال:
إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ثم يهلكون قال لوط لجبريل: عجل علي بهلاكهم الآن فرد عليه جبريل أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ؟ - ٨١- يقول الله فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا يعني قولنا فى نزول العذاب جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها يعني الخسف وَأَمْطَرْنا عَلَيْها يعني على أهلها من كان خارجا من المدائن الأربع حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ يعنى حجارة خالطها الطين [١٧٥ ب] مَنْضُودٍ- ٨٢- يعني ملزق الحجر بالطين مُسَوَّمَةً يعني معلمة عِنْدَ رَبِّكَ يعني جاءت من عند الله- ثم قال: وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ- ٨٣- لأنها قريب من الظالمين يعني من مشركي مكة فإنها تكون قريبا، يخوفهم منها. وسيكون ذلك في آخر الزمان يعني ما هي ببعيد لأنها قريب منهم والبعيد ما ليس بكائن «٢» فذلك قوله: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً «٣» يعنى كائنا.
قوله: وَإِلى مَدْيَنَ وهو ابن إبراهيم خليل الرحمن «٤» ، وشعيب بن نويب ابن مدين بن إبراهيم «وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ» يعنى أرسلنا أَخاهُمْ شُعَيْباً
стр. 653
وليس بأخيهم في الدين ولكن في النسب قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني وحدوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ يقول ليس لكم رب غيره وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إذا كلتم ووزنتم إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ يعني موسرين في نعمة وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ فى الدنيا عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ- ٨٤- يعني «١» أحاط بهم العذاب فلم ينج منهم أحد وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ يعنى بالعدل وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ يعني ولا تنقصوا الناس حقوقهم وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ- ٨٥- يقول لا تعملوا فيها المعاصي، يعني بالفساد نقصان الكيل والميزان. بَقِيَّتُ اللَّهِ يعني ثواب الله في الآخرة خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني لو كنتم مؤمنين بالله- لكان ثوابه خير لكم من نقصان الكيل والميزان كقوله: مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ «٢» يعني ثوابه باق. وَما أَنَا عَلَيْكُمْ يعني على أعمالكم بِحَفِيظٍ- ٨٦- يعني برقيب والله الحافظ لأعمالكم قالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ يعني أن نعتزل مَا كان يَعْبُدُ آباؤُنا وكانوا يعبدون الأوثان أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا يعنون إن شئنا نقصنا الكيل والميزان وإن شئنا وفينا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ يعنون السفيه الرَّشِيدُ- ٨٧- يعنون الضال، قالوا ذلك لشعيب استهزاء. قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً يعني الإيمان وهو الهدى وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ يعني وما أريد أن أنهاكم عن أمر ثم أركبه، لقولهم لشعيب في الأعراف: «أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا
стр. 654
«١» » ثم قال: إِنْ أُرِيدُ يعني ما أريد إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي في الإصلاح بالخير إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ يقول به وثقت لقولهم لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ والذين آمنوا معك من قريتنا وَإِلَيْهِ أُنِيبُ- ٨٨- وإليه المرجع بعد الموت وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي يقول لا تحملنكم عداوتي أَنْ يُصِيبَكُمْ من العذاب في الدنيا مِثْلُ مَا أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ من الغرق أَوْ قَوْمَ هُودٍ من الريح أَوْ قَوْمَ صالِحٍ [١٧٦ ا] من الصيحة وَما قَوْمُ لُوطٍ «أي ما أصابهم من «٢» » الخسف والحصب «٣» مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ- ٨٩- كان عذاب قوم لوط أقرب العذاب إلى قوم شعيب من غيرهم وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ من الشرك ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ منها «٤» إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ لمن تاب وأطاعه وَدُودٌ- ٩٠- يعني مجيب قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ يعنى ما نعقل كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ لنا من التوحيد ومن وفاء الكيل والميزان وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً يعني ذليلا لا قوة لك ولا حيلة وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ يعني عشيرتك وأقرباءك لقتلناك وَما أَنْتَ عَلَيْنا يعني عندنا بِعَزِيزٍ- ٩١- يعني بعظيم مثل قول السحرة «بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ «٥» » يعنون بعظمة
стр. 655
فرعون يقولون أنت علينا هين قالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ يعني أعظم عندكم من الله- وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا يقول أطعتم قومكم ونبذتم الله وراء ظهوركم فلم تعظموه فمن لم يوحده لم يعظمه إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ- ٩٢- يعني من نقصان الكيل والميزان يعني أحاط علمه بأعمالكم وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ هذا وعيد يعني على جديلتكم التي أنتم عليها «إِنِّي عامِلٌ «١» » سَوْفَ تَعْلَمُونَ هذا وعيد مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ يعنى يذله وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ بنزول العذاب بكم أنا أو أنتم لقولهم ليس بنازل بنا وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ- ٩٣- يعني انتظروا العذاب فإني منتظر بكم العذاب في الدنيا وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا يعني قولنا في العذاب نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا يعني بنعمة منا عليهم وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ يعني صيحة جبريل- ﵇ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ- ٩٤- يعني في منازلهم موتى «٢» كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها يعني كأن لم يكونوا فى الدنيا قط أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ فى الهلاك كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ- ٩٥- يعني كما هلكت ثمود لأن كل واحدة منهما هلكت بالصيحة فمن ثم اختص ذكر ثمود من بين الأمم. وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا يعني اليد والعصى وَسُلْطانٍ مُبِينٍ- ٩٦- إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ يعنى أشراف قومه فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ فى
стр. 656
المؤمن «١» حين قال: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرى «٢» فأطاعوا فرعون في قوله، يقول الله- وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ- ٩٧- لهم يعني بهدي «٣» يَقْدُمُ قَوْمَهُ القبط يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني فرعون قائدهم إلى النار ويتبعونه كما يتبعونه في الدنيا فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ فأدخلهم وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ- ٩٨- المدخل المدخول وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً يعني العذاب وهو الغرق وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لعنة أخرى فى النار «٤» بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ- ٩٩- فكأن اللعنتين أردفت «٥» إحداهما الأخرى ذلِكَ يعنى هذا الخبر الذي أخبرت مِنْ أَنْباءِ يعني من حديث الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ فحذر قومك مثل عذاب الأمم الخالية مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ- ١٠٠- يقول من القرى ما ينظر إليها ظاهرة [١٧٦ ب] ومنها خامدة قد ذهبت ودرست وَما ظَلَمْناهُمْ فنعذبهم على غير ذنب وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني التي يعبدون من دون الله مِنْ شَيْءٍ حين عذبوا لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ يعني حينما جاء قول ربك في العذاب وَما زادُوهُمْ يعني الآلهة غَيْرَ تَتْبِيبٍ- ١٠١- يعني غير تخسير حيث لم ينفعوهم عند الله.
стр. 657
قَالَ عبد الله «١» : قال الفراء: نحن أعز من أن نظلم «وَما ظَلَمْناهُمْ» نحن أعدل من أن نظلم وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ أي مشركة إِنَّ أَخْذَهُ يعني بطشة أَلِيمٌ يعني وجيع شَدِيدٌ- ١٠٢- إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يعني إن في هلاك القرى لعبرة لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ- ١٠٣- شهد الرب والملائكة لعرض الخلائق وحسابهم وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ- ١٠٤- يعني وما نؤخر يوم القيامة إلا لأجل موقوت. يَوْمَ يَأْتِ ذلك اليوم لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ بإذن الله- تعالى- فَمِنْهُمْ يقول الله- تعالى- فمن الناس شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ- ١٠٥- ثم بين ثوابهم فقال: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها في الخلود زَفِيرٌ يعني آخر نهيق الحمار قال: وَشَهِيقٌ- ١٠٦- في الصدور يعني أول نهيق الحمار.
«قال أبو محمد يعني عبد الله بن ثابت: قال أبو العباس ثعلب: الزفير من البدن كله والشهيق من الصدر «٢» » .
خالِدِينَ فِيها لا يموتون ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ يقول كما تدوم السموات والأرض لأهل الدنيا، ولا يخرجون
стр. 658
منها «١» فكذلك يدوم الأشقياء في النار ثم قال: إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ فاستثنى الموحدين الذين يخرجون من النار لا يخلدون يعني الموحدين إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ- ١٠٧- قال عبد الله بن ثابت: قال الفراء: إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ يعنى سوى ما شاء ربك من زيادة الخلق في النار وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ كما تدومان لأهل الدنيا ثم لا يخرجون منها «٢» . وكذلك السعداء في الجنة، ثم استثنى فقال:
إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ يعني الموحدين الذين يخرجون من النار «٣» ثم قال: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ- ١٠٨- يعني غير مقطوع عنهم أبدا فَلا تَكُ يا محمد فِي مِرْيَةٍ يعني في شك مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ يعني كفار مكة أنها ضلال «٤» مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ الأولون مِنْ قَبْلُ يعني من قبلهم وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ يقول إنا لموفون لهم حظهم من العذاب غَيْرَ مَنْقُوصٍ- ١٠٩- عنهم وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ يعنى أعطينا
стр. 659
موسى التوراة فَاخْتُلِفَ فِيهِ يعني من بعد موسى يقول آمن بالتوراة بعضهم وكفر بها بعضهم وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ يا محمد في تأخير العذاب عنهم إِلَى وقت لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ في الدنيا بالهلاك حين اختلفوا في الدين وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ [١٧٧ ا] يعني من الكتاب الذي أوتوه مُرِيبٍ- ١١٠- يعني بالمريب الذين لا يعرفون شكهم ثم رجع إلى أول الآية فقال:
وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ ولما هاهنا صلة يقول يوفر لهم ربك جزاء أعمالهم إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ- ١١١- فَاسْتَقِمْ يعني فامض يا محمد بالتوحيد كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ من الشرك فليستقيموا معك فامضوا على التوحيد وَلا تَطْغَوْا فيه يقول ولا تعصوا الله فى التوحيد فتخلطوه بشك إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ- ١١٢- وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني ولا تميلوا إلى أهل الشرك يقول ولا تلحقوا بهم «١» فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ يعني فتصيبكم النار وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يعني من أقرباء يمنعونكم يقول لا يمنعونكم من النار ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ- ١١٣- وَأَقِمِ الصَّلاةَ يعنى وأتم الصلاة يعنى ركوعها وسجودها طَرَفَيِ النَّهارِ يعني صلاة الغداة، وصلاة الأولى والعصر ثم قال: وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ يعني صلاة المغرب والعشاء إِنَّ الْحَسَناتِ يعني الصلوات الخمس يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ يعني يكفرن الذنوب ما اجتنبت الكبائر.
نزلت في أبي مقبل واسمه عامر بن قيس الأنصاري من بني النجار أتته امرأة تشتري منه تمرا فراودها ثم أنى النبي- ﷺ فقال: إني خلوت بامرأة
стр. 660
فما شيء يفعل بالمرأة إلا وفعلته بها إلا أني لم أجامعها فنزلت «وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ ... » إلى آخر الآية. ثم عمد الرجل فصلى المكتوبة وراء النبي- ﷺ فلما انصرف النبي- ﷺ قال له: أليس قد توضأت وصليت معنا. قال: بلى. قال: فإنها كفارة لما صنعت ثم قال:
ذلِكَ الذي ذكره من الصلاة طرفي النهار، وزلفى من الليل من الصلاة ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ
- ١١٤- كقوله لموسى: «وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي «١» » وَاصْبِرْ يا محمد على الصلاة فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ- ١١٥- يعني جزاء المخلصين فَلَوْلا كانَ يعني لم يكن مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ يعني الشرك فِي الْأَرْضِ يقول لم يكن من القرون من ينهى عن المعاصي في الأرض بعد الشرك، ثم استثنى فقال:
إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ يعني مع الرسل من العذاب، مع الأنبياء. فهم الذين كانوا ينهون عن الفساد في الأرض وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا يقول وآثر الذين ظلموا دنياهم مَا أُتْرِفُوا فِيهِ يعني ما أعطوا فيه من دنياهم على آخرتهم وَكانُوا مُجْرِمِينَ- ١١٦- يعني الأمم الذين كذبوا فى الدنيا وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ يعني ليعذب في الدنيا الْقُرى بِظُلْمٍ يعني على غير ذنب يعني القرى التي ذكر الله- تعالى- فى هذه السورة الذين عذبهم الله وهم قوم نوح، وعاد، [١٧٧ ب] وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وقوم شعيب، ثم قال:
وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ- ١١٧- يعني مؤمنون يقول لو كانوا مؤمنين ما عذبوا وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً يعني عَلَى مَلَّة الْإِسْلام وحدها، ثم قال وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ- ١١٨- يقول لا يزال أهل الأديان مختلفين
стр. 661
في الدين غير دين الإسلام، ثم استثنى بعضهم إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ: أهل التوحيد «١» لا يختلفون في الدين وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ يعني للرحمة خلقهم يعني الإسلام وَتَمَّتْ يقول وحقت كَلِمَةُ رَبِّكَ العذاب على المختلفين والكلمة التي تمت قوله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ- ١١٩- يعني الفريقين جميعا وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ وأممهم وما يذكر فى هذه السورة ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ يعني قلبك أنه حق، فذلك قوله: وَجاءَكَ فِي هذِهِ السورة الْحَقُّ مما ذكر من أمر الرسل وأمر قومهم وَمَوْعِظَةٌ يعني ما عذب الله به الأمم الخالية وما ذكر في هذه السورة فهو موعظة يعني مأدبة «٢» لهذه الأمة وَذِكْرى يعني وتذكرة لِلْمُؤْمِنِينَ- ١٢٠- يعني للمصدقين بتوحيد الله وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ يعني لا يصدقون بما في القرآن اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ هذا وعيد يقول اعملوا على جديلتكم التي أنتم عليها إِنَّا عامِلُونَ- ١٢١- على جديلتنا التي نحن عليها وَانْتَظِرُوا العذاب إِنَّا مُنْتَظِرُونَ- ١٢٢- بكم العذاب يعني القتل ببدر وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم وتعجيل أرواحهم إلى النار وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يقول ولله غيب نزول العذاب وغيب ما فى الأرض وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ يعني أمر العباد يرجع إلى الله يوم القيامة وذلك قوله «وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ» يعني أمور العباد فَاعْبُدْهُ يعني وحده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ يقول وثق بالله وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ- ١٢٣- هذا وعيد.
سورة يوسف مكية كلها وهي مائة وإحدى عشرة آية كوفى وحسبنا الله ونعم الوكيل «١»
стр. 665
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ- ١- يعنى بين ما فيه إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ يعني لكي تَعْقِلُونَ- ٢- ما فيه لو كان القرآن غير عربي ما فهموه ولا عقلوه نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ يعنى القرآن بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ بالذي أوحينا إليك نظيرها في يس «بِما غَفَرَ لِي رَبِّي «١» » هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ يعني من قبل نزول القرآن عليك لَمِنَ الْغافِلِينَ- ٣- عنه إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يعقوب يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ في المنام أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [١٧٨ ا] هبطوا إلى الأرض من السماء ف رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ- ٤- فالكواكب الأحد عشر إخوته والشمس أم يوسف وهي راحيل بنت لاتان، ولاتان هو خال يعقوب، والقمر أبوه يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وقد علم تعبير ما رأى يوسف قالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فيحسدوك إضمار فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً فيعلموا بك شرا إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ- ٥- يعني بين. وقال «٢» يعقوب ليوسف: وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ يقول وهكذا يستخلصك ربك بالسجود وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ يعني ويعلمك تعبير الرؤيا: وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ يعنى بآل
стр. 666
يعقوب: هو وامرأته وإخوته الأحد عشر بالسجود لك كَما أَتَمَّها يعني النعمة عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ يعني بأبويه إِبْراهِيمَ حين رأى في المنام أن يذبح ابنه إسحاق، وألقي إبراهيم في النار فنجاه الله- تعالى- منها وأراد ذبح ابنه فخلصه الله بالسجود «١» وَإِسْحاقَ في رؤيا إبراهيم في ذبح إسحاق إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ بتمامها حَكِيمٌ- ٦- يعني القاضي لها لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ يعني علامات لِلسَّائِلِينَ- ٧- وذلك أن اليهود لما سمعوا ذكر يوسف- ﵇ من النبي- ﷺ منهم كعب بن الأشرف، وحيي وجدي ابنا أخطب، والنعمان بن أوفى، وعمرو، وبحيرا، وغزال «٢» بن السموأل، ومالك بن الضيف، فلم يؤمن بالنبي- ﷺ منهم غير جبر غلام بن الحضرمي، ويسار أبو فكيهة «٣» ، وعداس، فكان ما سمعوا من النبي- ﷺ من ذكر يوسف وأمره «آياتٌ لِلسَّائِلِينَ» وذلك أن اليهود سألوا النبي- ﷺ عن أمر يوسف فكان ما سمعوا علامة لهم وهم السائلون عن أمر يوسف- ﵇ وكان يوسف قد فضل في زمانه بحسنه على الناس كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب إِذْ قالُوا إخوة يوسف وهو روبيل أكبرهم سنا، ويهوذا أكبرهم في العقل وهو الذي قال الله «قالَ كَبِيرُهُمْ «٤» » في العقل ولم يكن كبيرهم في السن، وشمعون، ولاوى، ونفتولن،
стр. 667
وربولن «١» ، وآشر «٢» ، واستاخر، وجاب «٣» ودان، ويوسف، وبنيامين «٤» ، بعضهم لبعض لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ وهو بنيامين أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ يعني عشرة إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ- ٨- يعني خسران مبين يعني في شقاء بين نظيرها فى سورة القمر «إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ «٥» » يعني في شقاء، من حب يعقوب لابنه يوسف وذكره ثم قال بعضهم لبعض: اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً بعيدة: يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ فيقبل عليكم بوجهه وَتَكُونُوا يعني وتصيروا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ- ٩- يعني يصلح أمركم وحالكم عند أبيكم قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ وهو يهوذا بن يعقوب [١٧٨ ب] لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ فإن قتله عظيم وَلكن أَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ على طريق الناس فيأخذونه فيكفونكم أمره. يعني الزائغة «٦» من البئر ما يتوارى عن العين ولا يراه أحد فهو غيابت الجب «٧» يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ فيذهبوا به فيكفونكم أمره إِنْ كُنْتُمْ لا بد فاعِلِينَ- ١٠- من الشر الذي تريدون به فأتوا يعقوب ف قالُوا يَا أَبانا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ- ١١- أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ يعني ينشط ويفرح والعرب تقول: رتعت لك يعنى فرحت لك وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ- ١٢-
стр. 668
من الضيعة قال يعقوب لهم: إني أخاف عليه فقالوا لأبيهم «مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ» في الحفظ له قالَ أبوهم: إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ- ١٣- لا تشعرون به، وكانت أرضا مذئبة فمن ثم قال يعقوب: «أَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ» قالُوا أي العشرة»
لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ يعنى ونحن جماعة إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ- ١٤- يعنى لعجزة فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ بيوسف وَأَجْمَعُوا أمرهم أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ على رأس ثلاثة «٢» فراسخ فألقوه في الجب والماء يومئذ كدر غليظ فعذب الماء وصفا حين ألقي فيه وقام على صخرة في قاصية البئر فوكل الله به ملكا يحرسه في الجب ويطعمه وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ- ١٥- وذلك أن الله أوحى إلى يوسف- ﵇ بعد ما انصرف إخوته إنك ستخبر «٣» إخوتك بأمرهم هذا الذي ركبوا «٤» منك ثم قال: «وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ» أنك يوسف حين تخبرهم فأنبأهم يوسف بعد ذلك حين قال لهم: وضرب «٥» الإناء. فقال: إن الإناء ليخبرني بما فعلتم «٦» بيوسف من الشر ونزع الثياب.
стр. 669
«قال أبو محمد عبد الله بن ثابت «١» » وسمعت أبي يحدثني عن الْهُذَيْلِ عن مُقَاتِلٍ في قوله: «وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ» «قال لا يشعرون «٢» » أنك يوسف.
قال: وذلك أن يوسف لما استخرج الصاع من وعاء «٣» أخيه بنيامين قطع بالقوم وتحيروا فأحضرهم وأخذ بنيامين مكان سرقته ثم تقدم إلى أمينه. فقال له: أحضر الصاع إذا حضروا وانقره ثلاث نقرات واستمع طنين كل نقرة حتى تسكن ثم قل في النقرة الأولى كذا، وفي الثانية كذا، وفي الثالثة كذا، وأوهمهم «٤» أنك إنما تخبرني عن شيء تفهمه من طنين الصاع قال: فأمر بهم فجمعوا. ثم قال يوسف للذي استخرج الصاع: وهو أمينه أحضر الصاع الذي سرقوه وتقدم إليه ألا يكتمنا من أخبارهم شيئا فإنه غضبان عليهم ويوشك أن يصدق عنهم، قال: «فأحضره والقوم «٥» » وقال له الأمين: أيها الصاع، إن الملك يأمرك [١٧٩ أ] أن تبين له أمر هؤلاء القوم ولا تكتمه شيئا من أمرهم ثم نقره نقرة شديدة وأصغى إليه يسمعه كأنه يستمع منه شيئا فقال: أيها الملك، إن الصاع يقول لك: إنهم أخبروك أنهم لأم واحدة، وأنهم لأمهات شتى ولذلك وقع بينهم ما يقع بين الأولاد العتاة.
стр. 670
قال: قل له لا يكتمنا من أخبارهم شيئا، ثم نقره الثانية وأصغى إليه يسمعه. فلما سكن قال: أيها الملك، إنهم أخبروك أن لهم أخا مفقودا ولن تنصرم الأيام والليالي حتى يأتي ذلك الغلام فيتبين الناس أخبارهم.
قال: مره ألا يكتمنا من أخبارهم شيئا، قال: فطن الثالثة فلما سكن قال:
أيها الملك «١» إنه ما دخل على أبيهم غم ولا هم ولا حزن إلا بسببهم وجرائرهم، قال:
أوعز «٢» إليه ألا يكتمنا من أخبارهم شيئا.
قال: فنظر بعضهم إلى بعض وخافوا أن يظهر عليهم ما كتموه من أمر يوسف- ﵇ فقاموا إليه بجمعهم يقبلون رأسه وعينيه ويقولون:
بالذي أشبهك بالنبيين وفضلك على العالمين ألا أقلت العثرة وسترت العورة وحفظتنا في أبينا يعقوب فرق لهم، وقال: لولا حفاظي لكم في أبيكم لنكلت بكم ولألحقتكم بالسراق واللصوص اعزبوا عني فلا حاجة لي فيكم.
قال: فلما قدموا على أبيهم أخبروه بأخبارهم، قال فردهم بالبضاعة المزجاة «٣» وكتب معهم كتابا إليه فيه بسم الله الرحمن الرحيم من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني ما سرقت ولا ولدت سارقا ولكنا أهل بيت البلاء موكل بنا، أما جدي فألقي في النار فجعلها الله عليه بردا وسلاما.