من المؤمنين من العذاب مع رسلهم فهذه مشيئته وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا يقول لا يقدر أحد أن يرد عذابنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ- ١١٠- لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ يعني في خبرهم يعني نصر الرسل وهلاك قومهم حين خبر الله عنهم في كتابه في- طسم- الشعراء «١» ، وفى- اقتربت الساعة «٢» -، وفى سورة هود «٣» ، وفي الأعراف «٤» ، ماذا لقوا من الهلاك عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ يعني لأهل اللب والعقل مَا كانَ هذا القرآن حَدِيثاً يُفْتَرى يعني يتقول لقول كفار مكة إن محمدا تقوله من تلقاء نفسه وَلكِنْ تَصْدِيقَ الكتاب الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ يقول: يصدق «٥» القرآن الذي أنزل على محمد «٦» الكتب التي قبله كلها أنها من الله وَتَفْصِيلَ يقول فيه بيان كُلِّ شَيْءٍ وَهو هُدىً من الضلالة وَرَحْمَةً من العذاب لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ- ١١١- يعني يصدقون بالقرآن أنه من الله- .
سورة الرعد «١» مكية ويقال مدنية «٢» وهي ثلاث وأربعون آية. كوفية
стр. 706
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ لقول كفار مكة: إن محمدا تقول القرآن من تلقاء نفسه وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يعني أكثر كفار لا يُؤْمِنُونَ- ١- بالقرآن أنه من الله اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها فيها تقديم ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ قبل خلقهما وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يعني إلى يوم القيامة يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يقضي القضاء يُفَصِّلُ الْآياتِ يعني يبين صنعه الذي ذكره «١» في هذه الآية لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ- ٢- بالبعث إذا رأيتم صنعه في الدنيا فتعتبروا فى البعث وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ يعني بسط الأرض من تحت الكعبة فبسطها بعد الكعبة بقدر ألفى سنة [١٨٧ أ] فجعل طولها مسيرة «٢» خمسمائة عام وعرضها مسيرة خمسمائة عام وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ يعني الجبال أثبت بهن الأرض لئلا تزول بمن عليها وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها من كل زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يعني ظلمة الليل وضوء النهار إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ يعني فيما ذكر من صنعه عبرة لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ- ٣- في صنع الله فيوحدونه وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ يعنى بالقطع الأرض السبخة، والأرض
стр. 707
العذبة مُتَجاوِراتٌ يعني قريب بعضها «١» من بعض وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ يعنى الكرم وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ يعني النخيل التي رءوسها متفرقة وأصلها في الأرض واحد وَغَيْرُ صِنْوانٍ وهي «٢» النخلة أصلها وفرعها واحد يُسْقى هذا كله بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ يعني في الحمل فبعضها أكبر حملا «٣» من بعض إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ يعني ما ذكر من صنعه لعبرة لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ- ٤- فيوحدون ربهم وَإِنْ تَعْجَبْ يا محمد بما أوحينا إليك من القرآن كقوله في الصافات: «بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ «٤» » ثم قال: فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ يعني كفار مكة يقول لقولهم عجب فعجبه «٥» من قولهم يعني ومن تكذيبهم بالبعث حين قالوا: أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ تكذيبا بالبعث ثم نعتهم فقال: أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ- ٥- لا يموتون وَيَسْتَعْجِلُونَكَ وذلك أن النضر بن الحارث قال اللَّهُمَّ: «إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ «٦» » فقال الله- :
«وَيَسْتَعْجِلُونَكَ» يعني النضر بن الحارث بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ يعنى
стр. 708
بالعذاب قبل العافية كقول صالح لقومه: «لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ» يعنى بالعذاب «قَبْلَ الْحَسَنَةِ «١» » يعنى العافية وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ يعني أهل مكة الْمَثُلاتُ يعني العقوبات في كفار الأمم الخالية فسينزل بهم ما نزل بأوائلهم، ثم قال: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ يعنى ذو تجاوز لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ يعني على شركهم «٢» بالله «٣» في تأخير العذاب عنهم إلى وقت، يعني الكفار فإذا جاء الوقت عذبناهم بالنار، فذلك قوله: وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ- ٦- إذا عذب وجاء الوقت، نظيرها فى حم- السجدة «٤» وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا بتوحيد الله لَوْلا يعني هلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ: على محمد «٥» آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ محمد يقول الله: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ يا محمد هذه الأمة وليست الآية «٦» بيدك وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ- ٧- يعني لكل قوم فيما خلا داع مثلك يدعو إلى دين الله يعني الأنبياء. اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى من ذكر وأنثى كقوله في لقمان:
«وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ «٧» » سويا أو غير سوى ذكرا أو أنثى ثم قال [١٨٧ ب] :
وَما تَغِيضُ يعني وما تنقص الْأَرْحامُ كقوله «وَغِيضَ الْماءُ «٨» »
стр. 709
يعني ونقص الماء، يعني وما تنقص الأرحام من الأشهر التسعة وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ من تمام الولد والزيادة في بطن أمه عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ- ٨- يعني قدر خروج الولد من بطن أمه وقد مكنه في بطنها إلى خروجه فإنه يعلم ذلك كله ثم قال: عالِمُ الْغَيْبِ يعني غيب الولد في بطن أمه «ويعلم غيب كل شيء «١» » وَالشَّهادَةِ يعني شاهد الولد وغيره يقول الله إذا علمت هذا فأنا:
الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ- ٩- يعني العظيم لا أعظم منه الرفيع فوق خلقه سَواءٌ مِنْكُمْ عند الله مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ يعني بالقول «٢» وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ- ١٠- يقول من هو مستخف بالمعصية في ظلمه الليل، ومنتشر بتلك المعصية بالنهار معلن بها «٣» فعلم ذلك كله عند الله- تعالى- سواء، ثم قال لهذا الإنسان المستخفي «٤» بالليل، السارب «٥» بالنهار مع علمي بعمله لَهُ مُعَقِّباتٌ من الملائكة مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ يعني بأمر الله من الإنس والجن مما لم يقدر أن يصيبه حتى تسلمه المقادير فإذا أراد الله أن يغير ما به لم «٦» تغن عنه المعقبات شيئا. ثم قال: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ من النعمة حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ يعني كفار مكة نظيرها من الأنفال «ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ ... » إلى آخر الآية «٧» . والنعمة أنه بعث فيهم رسولا
стр. 710
من أنفسهم، وأطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف، فغيروا هذه النعمة فغير الله ما بهم، فذلك قوله: وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً يعني بالسوء العذاب فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ- ١١- يعني ولي يرد عنهم العذاب هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً للمسافر من الصواعق وَطَمَعاً للمزارع «١» المقيم في رحمته يعني المطر وَيُنْشِئُ يعني ويخلق مثل قوله: «وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ «٢» » يعني المخلوقات السَّحابَ الثِّقالَ- ١٢- من الماء وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ يقول ويذكر الرعد بأمره يحمده «٣» والرعد ملك من الملائكة اسمه الرعد وهو موكل بالسحاب صوته تسبيحه، يزجر السحاب ويؤلف بعضه إلى بعض ويسوقه بتسبيحه إلى الأرض التي أمر الله- تعالى- أن تمطر فيها، ثم قال: «وَ» تسبح الْمَلائِكَةُ بزجرته مِنْ خِيفَتِهِ يعني من مخافة الله- تعالى- فميز بين الملائكة وبين الرعد وهما سواء كما ميز بين جبريل، وميكائيل في البقرة «٤» وكما ميز بين الفاكهة، وبين النخل، والرمان، وهما سواء ثم قال: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ هذا أنزل «٥» في أمر عامر، والأربد بن قيس حين أراد «٦» قتل النبي- ﷺ وذلك
أن عامر بن الطفيل العامري دخل على رسول الله- ﷺ فقال: «أسلم على أن ذلك المدر ولي الوبر» فقال
стр. 711
له النبي- ﷺ : «إنما أنت امرؤ [١٨٨ أ] من المسلمين لك ما لهم وعليك ما عليهم» . قال: «فلك الوبر ولي المدر» «١» فقال له النبي- ﷺ : مثل ذلك. قال: «فلي الأمرين من بعدك» قال له النبي ﷺ : مثل قوله الأول «لك ما لهم وعليك ما عليهم» . فغضب عامر فقال: «لأملأنها عليك خيلا، ورجالا، ألف أشقر عليها ألف أمرد» ثم خرج مغضبا فلقي ابن عمه أربد بن قيس العامري، فقال عامر لأربد:
«ادخل بنا على محمد فألهيه في الكلام وأنا أقتله، وإن شئت ألهيته بالكلام وقتلته أنت» قال أربد: «ألهه أنت وأنا أقتله» . فدخلا على النبي- ﷺ فأقبل عامر على النبي- ﷺ يحدثه وهو ينظر «٢» إلى أربد متى يحمل عليه فيقتله، ثم طال مجلسه فقام عامر وأربد فخرجا فقال عامر لأربد: «ما منعك من قتله؟» قال: «كلما أردت قتله وجدتك تحول بيني وبينه» وأتى جبريل النبي- ﷺ «٣» - فأخبره بما أرادا فدعا النبي- ﷺ عليهما فقال: «اللهم اكفني عامرا وأربدا واهد بني عامر «٤» »
فأما أربد فأصابته صاعقة فمات، فذلك قوله- تعالى-:
«وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ» فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ يعني أربد بن قيس وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ يعني يخاصمون في الله. وذلك أن عامرا قال للنبي- صلى الله
стр. 712
عليه وسلم-: «أخبرني عن ربك أهو من ذهب «١» ، أو من فضة، أو من نحاس «٢» ، أو من حديد، أو ما هو؟» فهذا القول خصومته فأنزل الله- تعالى-:
«قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ «٣» » يقول ليس هو من نحاس ولا من غيره. وسلط الله عليه الطاعون في بيت امرأة من بني سلول فجعل يقول عامر قتيل بغير سلاح غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية ابرز يا ملك الموت «٤» حتى أقاتلك، فذلك قوله: وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ- ١٣- يعني الرب- تعالى- نفسه. يعني شديد الأخذ إذا أخذ نزلت في عامر بن الطفيل، وأربد بن قيس لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ يعني كلمة الإخلاص وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ يعني والذين يعبدون من دون الله من الآلهة وهي الأصنام لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ يقول لا تجيب الآلهة من يعبدها ولا تنفعهم كما لا ينفع العطشان الماء «يبسط يده إلى الماء وهو على شفير بئر يدعوه أن يرتفع إلى فيه «٥» » لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ حتى يموت من العطش فكذلك لا تجيب «٦» الأصنام، ثم قال: فادعوا يعني فادعوا الأصنام وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ يعني وما عبادة الكافرين إِلَّا فِي ضَلالٍ- ١٤- يعني خسران وباطل وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ
стр. 713
يعني الملائكة وَالْأَرْضِ طَوْعاً يعني المؤمنين ثم قال: وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ يعني ظل الكافر كرها يسجد لله وهو بِالْغُدُوِّ حين تطلع الشمس وَالْآصالِ- ١٥- يعني بالعشي إذا زالت الشمس يسجد ظل الكفار لله وإن كرهوا قُلْ يا محمد لكفار مكة [١٨٨ ب] مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ فِي قراءة أَبِي بن كَعْب، وابن مسعود «قالوا الله» : قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ الله «١» أَوْلِياءَ تعبدونهم يعني الأصنام لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ يعني الأصنام لا يقدرون لأنفسهم نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى عن الهدى وَالْبَصِيرُ بالهدى يعني الكافر والمؤمن أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ يعني الشرك وَالنُّورُ يعني الإيمان ولا يستوي من كان فى الظلمة كمن كان في النور ثم قال يعنيهم: أَمْ جَعَلُوا يعني وصفوا لِلَّهِ شُرَكاءَ من الآلهة خَلَقُوا كَخَلْقِهِ يقول خلقوا كما خلق الله فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ يقول فتشابه ما خلقت الآلهة والأصنام وما خلق الله عليهم، فإنهم لا يقدرون أن يخلقوا، فكيف يعبدون ما لا يخلق شيئا، ولا يملك، ولا يفعل، كفعل الله- قُلْ لهم يا محمد: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ لا شريك له الْقَهَّارُ- ١٦- والآلهة مقهورة وذليلة. ثم ضرب الله- تعالى- مثل الكفر والإيمان، ومثل الحق والباطل فقال: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها وهذا مثل القرآن الذي علمه المؤمنون وتركه الكفار «٢» فسال الوادي الكبير على قدر كبره «منهم من حمل منهم كبيرا «٣» » والوادي الصغير على قدره
стр. 714
فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ يعني سيل الماء زَبَداً رابِياً يعني عاليا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ أيضا ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ يعني الذهب، والفضة ثم قال: أَوْ مَتاعٍ يعني المشبه «١» ، والصفر، والحديد، والرصاص، له أيضا زَبَدٌ مِثْلُهُ فالسيل زبد لا ينتفع به، والحلي، والمتاع له أيضا زبد، إذا أدخل النار أخرج خبثه، ولا ينتفع به، والحلي، والمتاع له أيضا زبد، إذا أدخل النار أخرج خبثه، ولا ينتفع به، والذهب والفضة والمتاع ينتفع به، ومثل الماء مثل القرآن وهو الحق، ومثل الأودية مثل القلوب، ومثل السيل مثل الأهواء. فمثل الماء، والحلي، والمتاع، الذي ينتفع به مثل الحق الذي في القرآن، ومثل زبد الماء، وحيث المتاع، الذي لا ينتفع به مثل الباطل فكما ينتفع بالماء وما خلص من الحلي والمتاع الذي ينتفع به أهله في الدنيا فكذلك الحق ينتفع به أهله في الآخرة. وكما لا ينتفع بالزبد وخبث الحلي والمتاع أهله في الدنيا فكذلك الباطل لا ينتفع أهله في الآخرة كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً يعني يابسا لا ينتفع به الناس كما لا ينتفع بالسيل وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ فيستقون ويزرعون عليه وينتفعون به يقول: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ- ١٧- يعني الأشباه فهذه الثلاثة الأمثال ضربها «٢» الله في مثل واحد لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى لهم في الآخرة وهي الجنة وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ [١٨٩ أ] بالإيمان وهم الكفار لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ فقدروا على أن يفتدوا به أنفسهم من العذاب لَافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ يعني شدة الحساب حين لا يتجاوز عن شيء من ذنوبهم وَمَأْواهُمْ يعنى مصيرهم
стр. 715
جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ- ١٨- يعني بئس ما مهدوا لأنفسهم ثم ضرب مثلا آخر فقال: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ يعنى القرآن نزل فى عمار ابن ياسر كَمَنْ هُوَ أَعْمى عن القرآن لا يؤمن بما أنزل من القرآن فهو أبو حذيفة بن المغيرة المخزومي لا يستويان هذان «١» وليسا بسواء ثم قال: إِنَّما يَتَذَكَّرُ فى هذا الأمر أُولُوا الْأَلْبابِ- ١٩- يعني عمار بن ياسر، يعني أهل اللب والعقل نظيرها في الزمر «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ «٢» » نزلت في عمار وأبي حذيفة «٣» بن المغيرة الاثنين جميعا ثم نعت الله أهل اللب فقال:
الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ فى التوحيد وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ- ٢٠- الذي أخذ الله عليهم على عهد آدم- ﵇ ويقال: هم مؤمنو أهل الكتاب وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ «أَنْ يُوصَلَ «٤» » من إيمان بمحمد- ﷺ والنبيين والكتب كلها وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ في ترك الصلة وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ- ٢١- يعني شدة الحساب حين لا يتجاوز عن شيء من ذنوبهم وَالَّذِينَ صَبَرُوا على ما أمر الله نزلت في المهاجرين والأنصار ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ من الأموال سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ يعني ويدفعون بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ إذا أذاهم كفار مكة فيردون عليهم معروفا أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ- ٢٢-
стр. 716
يعني عاقبة الدار فقال: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ يعني ومن آمن «١» بالتوحيد بعد هؤلاء مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ يدخلون عليهم أيضا معهم جنات عدن نظيرها في «حم» المؤمن ثم «٢» قال: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ- ٢٣- على مقدار أيام الدنيا ثلاث عشرة مرة، معهم التحف من الله- تعالى-، من جنة عدن ما ليس في جناتهم، من كل باب، فقالوا لهم: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ في الدنيا على أمر الله فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ- ٢٤- يثني الله على الجنة عقبى الدار. عاقبة حسناهم دار الجنة، ثم قال: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ يعني كفار أهل الكتاب مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ يعني من بعد إقرارهم بالتوحيد يوم آدم- ﵇ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ من الإيمان بالنبيين وبالتوحيد وبالكتاب وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ هؤلاء، يعنى يعملون فيها بالمعاص «٣» أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ- ٢٥- يعني شر الدار جهنم، اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ يعني يوسع الرزق على من يشاء وَيَقْدِرُ يعنى ويقتر على من يشاء [١٨٩ ب] وَفَرِحُوا يعني ورضوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ- ٢٦- يعني إلا قليل وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة وهم القادة لَوْلا أُنْزِلَ يعني هلا أنزل عَلَيْهِ يعني النبي- ﷺ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ عن
стр. 717
الهدى وَيَهْدِي إِلَيْهِ «١» إلى دينه مَنْ أَنابَ- ٢٧- يعني من راجع التوبة «٢» ثم نعتهم فقال: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ يقول وتسكن قلوبهم بالقرآن يعني بما في القرآن من الثواب والعقاب يقول الله تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ- ٢٨- يقول ألا بالقرآن تسكن القلوب ثم أخبر بثوابهم فقال: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ يعني حسنى لهم وهي بلغة العرب «٣» ، وَحُسْنُ مَآبٍ- ٢٩- يعني وحسن مرجع وطوبى شجرة في الجنة لو أن رجلا ركب فرسا أو نجيبة وطاف على ساقها لم يبلغ المكان الذي ركب منه حتى يقتله الهرم، ولو أن طائرا طار من ساقها لم يبلغ فرعها حتى يقتله الهرم، كل ورقة منها تظل أمة من الأمم على كل ورقة منها ملك يذكر الله- تعالى- ولو أن ورقة منها وضعت في الأرض لأضاءت الأرض نورا كما تضيء الشمس تحمل هذه الشجرة لهم ما يشاءون من ألوان الحلي، والثمار غير الشراب «٤» كَذلِكَ يعني هكذا أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ يعني قد مضت قبل أهل مكة، يعني الأمم الخالية»
، لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يعني لتقرأ عليهم القرآن وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ
نزلت يوم الحديبية حين صالح النبي- ﷺ أهل مكة فكتبوا «٦» بينهم كتابا وولى
стр. 718
الكتاب علي بن أبي طالب فكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل بن عمرو القرشي: ما نعرف الرحمن «١» إلا مسيلمة ولكن اكتب باسمك اللهم. فأمره النبي- ﷺ ، أن «٢» يكتب باسمك اللهم. ثم قال له النبي- ﷺ : اكتب هذا ما صالح «٣» عليه محمد رسول الله- ﷺ أهل مكة. فقالوا: ما نعرف أنك رسول الله، لقد ظلمناك إذا إن كنت رسول الله ثم نمنعك عن دخول المسجد الحرام. ولكن اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله. فغضب أصحاب النبي- ﷺ وقالوا للنبي- ﷺ : دعنا نقاتلهم. فقال: لا. ثم قال لعلي: اكتب الذي يريدون أما إن لك يوما مثله، وقال «٤» النبي- ﷺ : أنا محمد بن عبد الله، وأشهد أني رسول الله فكتب هذا صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة على أن ينصرف محمد من عامه هذا، فإذا كان القابل «٥» دخل مكة فقضى عمرته وخلى «٦» أهل مكة [١٩٠ أ] بينه وبين مكة ثلاث ليال.
فأنزل الله- تعالى- في قول «٧» سهيل وصاحبيه مكرز بن حفص بن الأحنف، وحويطب بن عبد العزى، كلهم من قريش حين قالوا: ما نعرف الرحمن- إلا مسيلمة فقال تعالى: «وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ» قُلْ هُوَ رَبِّي يا محمد قل: الرحمن، الذي يكفرون به هو ربى
стр. 719
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ يقول به أثق وَإِلَيْهِ مَتابِ- ٣٠- يعني التوبة نظيرها في الفرقان «فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً» «١» وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ وذلك
أن أبا جهل بن هشام «٢» المخزومي قال لمحمد- ﷺ : سير لنا بقرآنك هذا الجبل عن مكة فإنها أرض ضيقة فنتسع فيها ونتخذ فيها المزارع والمصانع كما سخرت لداود- ﵇ إن كنت نبيا كما تزعم. قال النبي- ﷺ : لا أطيق ذلك. قال أبو جهل:
فلا عليك فسخر لنا هذه الريح فنركبها إلى الشام فنقضي ميرتنا ثم نرجع من يومنا فقد شق علينا طول السفر كما سخرت لسليمان كما زعمت، فلست بأهون على الله من سليمان إن كنت نبيا كما تزعم وكان يركبها سليمان وقومه غدوة فيسير مسيرة شهر. قال النبي- ﷺ : لا أطيق ذلك، قال أبو جهل:
فلا عليك ابعث لنا رجلين أو ثلاثة ممن مات من آبائنا منهم قصي بن كلاب فإنه كان شيخا صدوقا، فنسأله عما أمامنا مما تخبرنا «٣» أنه كائن «٤» بعد الموت أحق ما تقول أم باطل. فقد كان «٥» عيسى يفعل ذلك بقومه، كما زعمت، فلست بأهون على الله من عيسى إن كنت نبيا كما تزعم. قال النبي- ﷺ :
ليس إليَّ ذلك. قال أبو جهل: فإن كنت غير فاعل فلا ألفينك تذكر آلهتنا بسوء، فأنزل الله- تعالى-: «وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ»
стр. 720
أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى يقول لو أن قرآنا فعل ذلك به قبل هذا القرآن لفعلناه بقرآن محمد- ﵇ ولكنه «١» شيء أعطيه رسلي فذلك قوله: بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً يقول بل جميع ذلك الأمر كان من الله ليس من قبل القرآن أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ يقول تصيبهم بما كفروا بالله بائقة وذلك أن النبي- ﷺ كان لا يزال يبعث سراياه «٢» فيغيرون حول مكة فيصيبون من أنفسهم، ومواشيهم، وأنعامهم، فيها تقديم، ثم قال: أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ يقول أو تنزل يا محمد بحضرتهم يوم الحديبية قريبين «٣» حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ في فتح «٤» مكة وكان الله- تعالى- وعد النبي- ﷺ أن يفتح عليه مكة فذلك قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ- ٣١-[١٩٠ ب] وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ: من الرسل قبل محمد- ﷺ أخبروا قومهم بنزول العذاب عليهم في الدنيا فكذبوهم واستهزءوا منهم بأن العذاب ليس بنازل بهم «٥» فلما أخبر النبي- ﷺ كفار مكة استهزءوا منه فأنزل الله- تعالى- يعزي نبيه- ﵇ ليصبر على تكذيبهم إياه بالعذاب «وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ» فَأَمْلَيْتُ يعنى فأمهلت
стр. 721
لِلَّذِينَ كَفَرُوا فلم أعجل عليهم بالعقوبة ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ بالعذاب فَكَيْفَ كانَ عِقابِ- ٣٢- يعني عذاب. أليس وجدوه حقا؟ أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ من خير وشر يقول الله قائم على كل بر وفاجر، على الله رزقهم وطعامهم وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ يعني وصنعوا لله شبها وهو أحق أن يعبد من غيره قُلْ لهم يا محمد: سَمُّوهُمْ يقول ما أسماء هؤلاء الشركاء وأين مستقرهم يعني الملائكة لأنهم عبدوهم، ويقال الأوثان. ولو سموهم لكذبوا. ثم قال: أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ بأن معه شريكا أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ يقول: بل «١» بأمر باطل كذب كقوله.
في الزخرف «٢» : «أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي» يقول بل أنا خير، ثم قال:
بَلْ يعني لكن «٣» زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة مَكْرُهُمْ يعني قول الشرك وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ يعني وصدوا الناس عن السبيل يعني دين الله الإسلام «٤» وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ يقول ومن يضله الله فَما لَهُ مِنْ هادٍ- ٣٣- إلى دينه لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
يعنى القتل ببدر وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُ
مما أصابهم من القتل ببدر وضرب الملائكة الوجوه والأدبار وتعجيل أرواحهم النار وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ
- ٣٤- يعنى بقي العذاب عنهم مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ يعني شبه الجنة في الفضل والخير كشبه النار
стр. 722
في شدة العذاب. ثم نعت الجنة فقال: «تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» «١» أُكُلُها دائِمٌ يعني طعامها لا يزول ولا ينقطع وهكذا وَظِلُّها ثم قال: تِلْكَ الجنة عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا عاقبة حسناهم الجنة وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ- ٣٥- يعني وعاقبة الذين كفروا بتوحيد الله النار وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يقول أعطيناهم التوراة، وهم «٢» عبد الله بن سلام وأصحابه مؤمنو أهل التوراة يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ من القرآن ثم قال: وَمِنَ الْأَحْزابِ يعني ابن أمية، وابن المغيرة، وآل أبي طلحة بن عبد العزى بن قصي، مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ أنكروا الرحمن، والبعث، ومحمدا- ﵇ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ يعنى أوحد الله وَلا أُشْرِكَ بِهِ شيئا إِلَيْهِ أَدْعُوا يعني إلى معرفته وهو التوحيد أدعو وَإِلَيْهِ مَآبِ- ٣٦- يعني وإليه المرجع وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ [١٩١ أ] يعني حين دعى إلى ملة آبائه بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ يعني من البيان مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ يعني قريبا «٣» ينفعك وَلا واقٍ- ٣٧- يعني يقي العذاب عنك وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ يعني الأنبياء قبلك وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً يعني النساء والأولاد وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ وذلك أن كفار مكة سألوا النبي- ﷺ أن يأتيهم بآية فقال الله- تعالى-: «وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ» إلى قومه إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ يعني إلا بأمر الله لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ- ٣٨-
стр. 723
يقول لا ينزل من السماء كتاب إلا بأجل يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ يقول ينسخ «١» الله ما يشاء من القرآن وَيُثْبِتُ يقول ويقر من حكم الناسخ ما يشاء فلا ينسخه وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ
- ٣٩- يعني أصل الكتاب يقول الناسخ من الكتاب والمنسوخ فهو «٢» في أم الكتاب يعني بأم الكتاب اللوح المحفوظ.
وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ يعني وإن نرينك يا محمد في حياتك بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ من العذاب في الدنيا يعني القتل ببدر وسائر بهم العذاب بعد الموت «٣» .
ثم قال: أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ يقول أو نميتك يا محمد قبل أن نعذبهم في الدنيا، يعني كفار مكة فَإِنَّما عَلَيْكَ يا محمد الْبَلاغُ من الله إلى عباده وَعَلَيْنَا الْحِسابُ- ٤٠- يقول وعلينا الجزاء الأوفى في الآخرة كقوله- في الشعراء «إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي «٤» » يعنى ما جزاءهم إلا على ربى أَوَلَمْ يَرَوْا يعني كفار مكة أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ يعنى أرض مكة نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها يعني ما حولها يقول لا يزال النبي- ﷺ والمؤمنون يغلبون على ما حول مكة من الأرض فكيف لا يعتبرون بما يرون أنه ينقص من أهل الكفر ويزاد في المسلمين «٥» وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ يقول والله يقضي لا راد لقضائه في نقصان ما حول مكة ونصر محمد- ﷺ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ- ٤١- يقول كأنه قد جاء فحاسبهم وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
стр. 724
يعني قبل كفار مكة من الأمم الخالية يعني قوم صالح- ﵇ حين أرادوا قتل صالح- ﵇ فهكذا كفار مكة حين أجمع أمرهم على قتل محمد- ﷺ في دار الندوة يقول الله- : فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يقول جميع ما يمكرون بإذن الله- والله يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ يعني ما تعمل كل نفس بر وفاجر من خير أو شر وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ: كفار مكة فى الآخرة لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ- ٤٢- يعني دار الجنة ألهم أم للمؤمنين وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا يقول قالت اليهود: لَسْتَ مُرْسَلًا يا محمد «١» لم يبعثك الله رسولا فأنزل الله- قُلْ لليهود: كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً فلا شاهد أفضل من الله- بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ بأنى نبى رسول [١٩١ ب] وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ- ٤٣- يقول ويشهد من عنده التوراة»
عبد الله بن سلام فهو يشهد أني نبي رسول مكتوب فى التوراة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ يا محمد- ﷺ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يعني من الشرك إلى الإيمان بِإِذْنِ رَبِّهِمْ يعني بأمر ربهم إِلى صِراطِ يعني إلى دين الْعَزِيزِ في ملكه الْحَمِيدِ- ١- في أمره عند خلقه. ثم دل على نفسه- تعالى ذكره- فقال: الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ من أهل مكة بتوحيد الله «١» مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ- ٢- ثم أخبر عنهم فقال تعالى: الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا الفانية عَلَى الْآخِرَةِ الباقية وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني عن دين الإسلام وَيَبْغُونَها عِوَجاً يعني سبيل الله عوجا يقول ويريدون بملة الإسلام زيغا وهو الميل أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ- ٣- يعني في خسران طويل وذلك أن رءوس كفار مكة كانوا ينهون الناس عن اتباع محمد- ﷺ «وعن اتباع دينه «٢» » ثم قال- سبحانه: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ يعني بلغة قومه ليفهموا قول رسول الله- ﷺ فذلك قوله- سبحانه: لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ على ألسنة الرسل عن دينه الهدى وَيَهْدِي إلى دينه الهدى على ألسنة الرسل مَنْ يَشاءُ ثم رد- تعالى ذكره- المشيئة إلى نفسه فقال: وَهُوَ الْعَزِيزُ
стр. 730
في ملكه الْحَكِيمُ- ٤- حكم الضلالة والهدى لمن يشاء وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا اليد والعصا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ يعني أن ادع قومك بني إسرائيل مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يعني من الشرك إلى الإيمان وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ يقول عظهم وخوفهم بمثل عذاب الأمم الخالية فيحذروا فيؤمنوا إِنَّ فِي ذلِكَ يقول إن في هلاك الأمم الخالية لَآياتٍ يعني لعبرة لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ- ٥- يعني المؤمن صبور على أمر الله- عند البلاء الشديد شكور لله- تعالى- في نعمه وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ بني إسرائيل اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ يعنى أنقذكم مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يعني أهل مصر يَسُومُونَكُمْ يعني يعذبونكم سُوءَ يعني شدة الْعَذابِ ثم بين العذاب فقال: وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ فى حجور [١٩٢ أ] أمهاتهم وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ يعني قتل البنين وترك البنات قتل فرعون منهم ثمانية عشر طفلا وَفِي ذلِكُمْ يعني فيما أخبركم من قتل الأبناء وترك البنات بَلاءٌ يعني نقمة مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ- ٦- كقوله سبحانه «إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ «١» » يعني النعمة «٢» البينة، وكقوله: «وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ «٣» » يعنى نعمة بينة «٤» وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ نظيرها في الأعراف «وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ «٥» » وإذ قال ربكم:
стр. 731
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ يعني لئن وحدتم الله- كقوله سبحانه:
«وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» «١» يعني الموحدين، لأزيدنكم خيرا في الدنيا وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ بتوحيد الله إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ- ٧- لمن كفر بالله- في الآخرة وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عن عبادة خلقه حَمِيدٌ- ٨- عن خلقه في سلطانه ثم خوف كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية لئلا يكذبوا بمحمد- ﷺ فقال سبحانه: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا يعني حديث الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ من الأمم حديث قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ من الأمم التي عذبت عاد، وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وغيرهم لا يَعْلَمُهُمْ يعني لا يعلم عدتهم أحد إِلَّا اللَّهُ- جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني أخبرت الرسل قومهم بنزول العذاب بهم نظيرها في الروم «وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ «٢» » يعني بنزول العذاب بهم في الدنيا فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ يقول وضع الكفار أيديهم في أفواههم، ثم «٣» قالوا للرسل: اسكتوا فإنكم كذبة يعنون الرسل وأن العذاب ليس بنازل بنا في الدنيا وَقالُوا للرسل: إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ يعني بالتوحيد وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ- ٩- يعني بالريبة أنهم لا يعرفون شكهم قالَتْ لهم رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ يقول أفي التوحيد لله شك فاطِرِ يعني خالق السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ إلى معرفته لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ
والمن هاهنا
стр. 732
صلة كقوله سبحانه: «شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ «١» » وَيُؤَخِّرَكُمْ في عافية إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يقول إلى منتهى آجالكم فلا يعاقبكم بالسنين «٢» فردوا على الرسل قالُوا لهم: إِنْ أَنْتُمْ يعني ما أنتم إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا لا تفضلونا فى شيء تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا يعنى تمنعونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا يعنى دين آبائهم فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ- ١٠- يعني بحجة بينة قالوا للرسل ائتونا من عند الله بكتاب فيه حجة بأنكم رسله، فإن أتيتمونا كان لكم حجة بأنكم رسله «٣» . قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ يعني ما نحن إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ يعني ينعم عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فيخصه بالنبوة والرسالة وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ [١٩٢ ب] يعني بكتاب من الله بالرسالة إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ يعني إلا بأمر الله وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ يقول وبالله فليثق الْمُؤْمِنُونَ- ١١- لقولهم للرسل لنخرجنكم من أرضنا ثم قال سبحانه: وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ يعني وما لنا ألا نثق بالله وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا يعنى لدينا «٤» وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى مَا آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ- ١٢- يعنى وبالله فليثق الواثقون وكان أذاهم للرسل أن قالوا: «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ «٥» » لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا يعني دينهم الكفر فهذا الأذى الذي صبروا عليه فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ
стр. 733
يعني إلى الرسل لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ- ١٣- يعني المشركين في الدنيا ولننصرنكم يعني وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ يعني هلاكهم ذلِكَ الإنسان في الدنيا لِمَنْ خافَ مَقامِي يعني مقام ربه- فى الآخرة وَلمن خافَ وَعِيدِ- ١٤- في الآخرة. وَاسْتَفْتَحُوا يعني دعوا ربهم واستنصروا وذلك أن الرسل أنذروا قومهم العذاب في الدنيا فردوا عليهم إنكم كذبة. ثم قالوا: اللهم إن كانت رسلنا صادقين فعذبنا، فذلك قوله تعالى: «فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ «١» » فذلك قوله سبحانه:
«وَاسْتَفْتَحُوا» يعني مشركي مكة وفيهم أبو جهل يعني ودعوا ربهم يقول الله- تعالى- لنبيه- ﷺ وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ- ١٥- يعني وخسر عند نزول العذاب كل متكبر عن توحيد الله- نزلت في أبي جهل «عَنِيدٍ» يعني معرض عن الإيمان مجانبا له. ثم قال لهذا الجبار وهو فى الدنيا: مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ من بعدهم يعني من بعد موته وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ- ١٦- يعنى خليطة القيح والدم الذي يخرج من أجداث الكفار يسقى الأشقياء «٢» يَتَجَرَّعُهُ تجرعا وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ البتة نظيرها «إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها «٣» » يقول لا يراها البتة وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ في النار مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ هذا يعني ومن بعد إحدى وعشرين ألف سنة يفتح عليهم باب يقال له الهيهات فتأكل ناره نار جهنم، وأهلها، كما تأكل نار الدنيا القطن المندوف ويأتيه الموت في النار من كل
стр. 734
مكان وما هو بميت. ومن ورائه عَذابٌ غَلِيظٌ- ١٧- يعني شديد لا يفتر عنهم مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يعني بتوحيد ربهم مثل أَعْمالُهُمْ الخبيثة في غير إيمان كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ فى يوم [١٩٣ أ] شديد الريح فلم ير منه شيء فكذلك أعمال الكفار لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ يقول لا يقدرون على ثواب شيء مما عملوا في الدنيا ولا تنفعهم أَعْمَالَهُمْ لأنها لم تكن في إيمان. ثم قال: ذلِكَ الكفر هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ- ١٨- يعني الطويل أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ لم يخلقهما باطلا لغير شيء ولكن خلقهما لأمر هو كائن، ثم قال- سبحانه- لكفار هذه الأمة: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ بالهلاك إن عصيتموه وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ- ١٩- يعني بخلق غيركم أمثل وأطوع لله منكم وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ- ٢٠- يقول هذا على الله هين يسير «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ» نظيرها فى الملائكة «١» ، ثم قال- سبحانه-: وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً
يقول وخرجوا من قبورهم إلى الله جميعا يعني بالجميع أنه لم يغادر منهم أحد إلا بعث بعد موته فَقالَ الضُّعَفاءُ وهم الأتباع من كفار بني آدم لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا يعني للذين تكبروا عن الإيمان بالله- وهو التوحيد وهم الكبراء في الشرف والغنى القادة إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً لدينكم في الدنيا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا معشر الكبراء مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ باتباعنا إياكم قالُوا يعني قالت الكبراء للضعفاء: لَوْ هَدانَا اللَّهُ لدينه لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا ذلك أن أهل النار قال بعضهم لبعض: تعالوا نجزع
стр. 735
من العذاب لعل ربنا يرحمنا، فجزعوا مقدار خمسمائة عام فلم يغن عنهم الجزع شيئا.
ثم قالوا: تعالوا نصبر لعل الله يرحمنا فصبروا مقدار خمسمائة عام فلم يغن عنهم الصبر شيئا. فقالوا عند ذلك: «سَواءٌ عَلَيْنا» أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا مَا لَنا مِنْ مَحِيصٍ- ٢١- من مهرب عنها وَقالَ الشَّيْطانُ يعني إبليس لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ يعني حين قضى العذاب وذلك أن إبليس لما دخل هو ومن معه على أثره «١» النار «٢» . قام خطيبا في النار فقَالَ: يا أهل النار: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ على ألسنة الرسل وَعْدَ الْحَقِّ يعني وعد الصدق أن هذا اليوم كائن وَوَعَدْتُكُمْ أنه ليس بكائن فَأَخْلَفْتُكُمْ الوعد وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ يعني من ملك في الشرك فأكرهكم على متابعتي يعني على ديني إلا في الدعاء فذلك قوله- : إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ يعني إلا أن زينت لكم فَاسْتَجَبْتُمْ لِي بالطاعة وتركتم طاعة ربكم فَلا تَلُومُونِي باتباعكم إياي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ بترككم أمر ربكم مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ يقول ما أنا بمغيثكم وما أنتم بمغيثي إِنِّي كَفَرْتُ يقول تبرأت اليوم بِما أَشْرَكْتُمُونِ مع الله في الطاعة مِنْ قَبْلُ في الدنيا إِنَّ الظَّالِمِينَ يعني إن المشركين لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ- ٢٢- يعني وجيع وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا [١٩٣ ب] يعني صدقوا بتوحيد الله- وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وأدوا الفرائض جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يعني تجري العيون من تحت بساتينها خالِدِينَ فِيها لا يموتون بِإِذْنِ رَبِّهِمْ يعني بأمر ربهم أدخلوا الجنةَ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ- ٢٣- يقول تسلم الملائكة عليهم فى الجنة
стр. 736
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً يعني حسنة يعني كلمة الإخلاص وهي التوحيد كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ يعني بالطيبة الحسنة كما أنه ليس في الكلام شيء أحسن ولا أطيب من الإخلاص قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له «١» فكذلك ليس في الثمار شيء أحلى ولا أطيب من الرطبة وهي النخلة أَصْلُها ثابِتٌ في الأرض وَفَرْعُها يعني رأسها فِي السَّماءِ- ٢٤- يقول هكذا الإخلاص ينبت «٢» في قلب المؤمن كما تنبت النخلة في الأرض إذا تكلم بها المؤمن فإنها تصعد إلى السماء كما أن النخلة رأسها في السماء، كما أن النخلة لها فضل على الشجرة في الطول، والطيب، والحلاوة، فكذلك كلمة الإخلاص لها فضل على سائر الكلام تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ يقول إن النخلة تؤتي ثمرها كل ستة أشهر بِإِذْنِ رَبِّها يعني بأمر ربها فهكذا المؤمن يتكلم «٣» بالتوحيد ويعمل الخير ليلا، ونهارا، غدوة، وعشيا بمنزلة النخلة وهذا مثل المؤمن ثم قال- سبحانه-: وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ يعني ويصف الله الأشياء للناس لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ- ٢٥- أي يتفكرون في أمثال الله- تعالى- فيوحدونه ثم ضرب مثلا آخر للكافرين فقال- سبحانه-: وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ يعني دعوة الشرك كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ في المرارة يعني الحنظل اجْتُثَّتْ يعني انتزعت مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ- ٢٦- يقول ما لها من أصل فهكذا كلمة الكافر ليس لها أصل كما أن الحنظل أخبث الطعام فكذلك كلمة الكفر أخبث
стр. 737
الدعوة وكما أن الحنظل ليس فيه ثمر وليس لها بركة ولا منفعة فكذلك الكافر لا خير فيه، ولا فرع له في السماء يصعد فيه عمله، ولا أصل له في الأرض، بمنزلة الحنظلة يذهب بها «١» الريح، وكذلك الكافر، فذلك قوله- سبحانه-:
«كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ «٢» » هاجت يمينا وشمالا مرة هاهنا ومرة هاهنا. ثم ذكر المؤمنين بالتوحيد في حياتهم وبعد موتهم فقال- سبحانه-: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ وهو التوحيد فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثم قال: وَيثبتهم فِي الْآخِرَةِ يعني في قبره «٣» في أمر منكر ونكير بالتوحيد وذلك أن المؤمن يدخل عليه ملكان أحدهما منكر والآخر نكير فيجلسانه في القبر فيسألانه «٤» : من ربك؟ وما دينك؟ ومن رسولك؟ [١٩٤ أ] فيقول: ربي الله- ، وديني الإسلام، ومحمد- ﷺ رسولي، فيقولان له: وقيت وهديت. ثم يقولان: اللهم إن عبدك أرضاك فأرضه، فذلك قوله- سبحانه-: «وَفِي الْآخِرَةِ» أي «٥» يثبت الله قول الذين آمنوا، ثم ذكر الكافر فى قبره حين يدخل عليه منكر ونكير يطئان «٦» في أشعارهما ويحفران الأرض بأنيابهما وينالان الأرض بأيديهما، أعينهما كالبرق الخاطف وأصواتهما كالرعد القاصف، ومعهما مرزبة من حديد لو اجتمع عليها أهل منى أن يقلوها ما أقلوها، فيقولان
стр. 738
له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: لا أدري. فيقولان له: لا دريت ولا تليت. ثم يقولان: اللهم إن عبدك قد أسخطك فاسخط عليه، فيضربانه بتلك المرزبة ضربة ينهشم كل عضو في جسده، ويلتهب قبره نارا، ويصيح صيحة يسمعها كل شيء غير الثقلين، فيلعنونه، فذلك قوله- :
«وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ «١» » حتى إن شاة القصاب والشفرة على حلقها لا يهمها ما بها، فتقول: لعن الله هذا، كان يحبس عنا الرزق بسببه، هذا لمن يضله الله- عن التوحيد. فذلك قوله: وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ يعني المشركين حيث لا يوفق لهم ذلك حين يسأل في قبره من ربك؟ وما دينك؟
ومن نبيك؟ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشاءُ- ٢٧- فيهما فمشيئته أن يثيب المؤمنين ويضل الكافرين أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً هذه مدنية إلى آخر الآيتين وبقية السورة مكية «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً» وهم بنو أمية، وبنو المغيرة المخزومي، وكانت النعمة أن الله أطعمهم من جوع «٢» ، وآمنهم من خوف، يعني القتل والسبي، ثم بعث فيهم رسولا يدعوهم إلى معرفة رب هذه النعمة- ، فكفروا بهذه النعمة، وبدلوها، ثم قال الله- : وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ- ٢٨- يعني دار الهلاك بلغة عمان، فأهلكوا قومهم ببدر، ثم يصيرون بعد القتل إلى جهنم يوم القيامة، فذلك قوله- : جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ- ٢٩- يعني وبئس المستقر، ثم ذكر كفار قريش فقال- تعالى-: وَجَعَلُوا
стр. 739
يعني ووصفوا لِلَّهِ أَنْداداً يعني شركاء لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ يعني ليستنزلوا عن دينه الإسلام قُلْ تَمَتَّعُوا في داركم قليلا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ- ٣٠- قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ من الأموال سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ يعني لا فداء «١» وَلا خِلالٌ- ٣١- يعني ولا خلة، لأن الرجل إذا نزل به ما يكره في الدنيا قبل موته قبل منه الفداء أو يشفع له خليله، والخليل المحب. وليس في الآخرة من ذلك شيء وإنما هي أعمالهم [١٩٤ ب] يثابون عليها، اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً يعني المطر فَأَخْرَجَ بِهِ يعني بالمطر مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ يعني السفن لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ- ٣٢- وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ إلى يوم القيامة وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ- ٣٣- في هذه «٢» منفعة لبني آدم وَآتاكُمْ يقول وأعطاكم مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ يعني ما لم تسألوه ولا طلبتموه ولكن أعطيتكم من رحمتي يعني ما ذكر مما سخر للناس في هؤلاء الآيات فهذا كله من النعم، ثم قال- سبحانه-: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ لنفسه في خطيئته كَفَّارٌ- ٣٤- يعني كافر في نعمته التي ذكر فلم يعبده.
стр. 740
«حدثنا «١» عبيد الله، قال: حدثني أبي، قال: سمعت أبا صالح في قوله- : «مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ» قال أعطاكم «٢» ما لم تسألوه. ومن قراءة «كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ» بدون من يقول استجاب لكم فأعطاكم ما سألتموه. والله أعلم «٣» » .
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً يعني مكة فكان أمنا لهم في الجاهلية وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ يعني وولدي أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ- ٣٥- وقد «٤» علم أن ذريته مختلفون في التوحيد قال: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ يعني الأصنام كَثِيراً مِنَ النَّاسِ يعني أضللن بعبادتهن كثيرا من الناس فَمَنْ تَبِعَنِي على ديني فَإِنَّهُ مِنِّي على ملتي وَمَنْ عَصانِي فكفر فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ- ٣٦- أن تتوب عليه فتهديه إلى التوحيد نظيرها- في الأحزاب «وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً «٥» » رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي يعني إسماعيل ابني خاصة بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ يعني لا حرث فيها ولا ماء يعني مكة عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ حرمه لئلا يستحل فيه ما لا يحل، فيها تقديم رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ يعني اجنبني وبني أن نعبد الأصنام لكي يصلوا لك عند بيتك المحرم ويعبدونك فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ يقول اجعل قوما من الناس تهوي إليهم يعني إلى إسماعيل وذريته وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ- ٣٧-