← Тафсир

Тафсир · id 23614

تفسير مقاتل بن سليمان

مقاتل

Полный текст (2 431 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً يعني حسنة يعني كلمة الإخلاص وهي التوحيد كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ يعني بالطيبة الحسنة كما أنه ليس في الكلام شيء أحسن ولا أطيب من الإخلاص قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له «١» فكذلك ليس في الثمار شيء أحلى ولا أطيب من الرطبة وهي النخلة أَصْلُها ثابِتٌ في الأرض وَفَرْعُها يعني رأسها فِي السَّماءِ- ٢٤- يقول هكذا الإخلاص ينبت «٢» في قلب المؤمن كما تنبت النخلة في الأرض إذا تكلم بها المؤمن فإنها تصعد إلى السماء كما أن النخلة رأسها في السماء، كما أن النخلة لها فضل على الشجرة في الطول، والطيب، والحلاوة، فكذلك كلمة الإخلاص لها فضل على سائر الكلام تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ يقول إن النخلة تؤتي ثمرها كل ستة أشهر بِإِذْنِ رَبِّها يعني بأمر ربها فهكذا المؤمن يتكلم «٣» بالتوحيد ويعمل الخير ليلا، ونهارا، غدوة، وعشيا بمنزلة النخلة وهذا مثل المؤمن ثم قال- سبحانه-: وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ يعني ويصف الله الأشياء للناس لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ- ٢٥- أي يتفكرون في أمثال الله- تعالى- فيوحدونه ثم ضرب مثلا آخر للكافرين فقال- سبحانه-: وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ يعني دعوة الشرك كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ في المرارة يعني الحنظل اجْتُثَّتْ يعني انتزعت مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ- ٢٦- يقول ما لها من أصل فهكذا كلمة الكافر ليس لها أصل كما أن الحنظل أخبث الطعام فكذلك كلمة الكفر أخبث

стр. 737

الدعوة وكما أن الحنظل ليس فيه ثمر وليس لها بركة ولا منفعة فكذلك الكافر لا خير فيه، ولا فرع له في السماء يصعد فيه عمله، ولا أصل له في الأرض، بمنزلة الحنظلة يذهب بها «١» الريح، وكذلك الكافر، فذلك قوله- سبحانه-: «كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ «٢» » هاجت يمينا وشمالا مرة هاهنا ومرة هاهنا. ثم ذكر المؤمنين بالتوحيد في حياتهم وبعد موتهم فقال- سبحانه-: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ وهو التوحيد فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثم قال: وَيثبتهم فِي الْآخِرَةِ يعني في قبره «٣» في أمر منكر ونكير بالتوحيد وذلك أن المؤمن يدخل عليه ملكان أحدهما منكر والآخر نكير فيجلسانه في القبر فيسألانه «٤» : من ربك؟ وما دينك؟ ومن رسولك؟ [١٩٤ أ] فيقول: ربي الله- ، وديني الإسلام، ومحمد- ﷺ رسولي، فيقولان له: وقيت وهديت. ثم يقولان: اللهم إن عبدك أرضاك فأرضه، فذلك قوله- سبحانه-: «وَفِي الْآخِرَةِ» أي «٥» يثبت الله قول الذين آمنوا، ثم ذكر الكافر فى قبره حين يدخل عليه منكر ونكير يطئان «٦» في أشعارهما ويحفران الأرض بأنيابهما وينالان الأرض بأيديهما، أعينهما كالبرق الخاطف وأصواتهما كالرعد القاصف، ومعهما مرزبة من حديد لو اجتمع عليها أهل منى أن يقلوها ما أقلوها، فيقولان

стр. 738

له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: لا أدري. فيقولان له: لا دريت ولا تليت. ثم يقولان: اللهم إن عبدك قد أسخطك فاسخط عليه، فيضربانه بتلك المرزبة ضربة ينهشم كل عضو في جسده، ويلتهب قبره نارا، ويصيح صيحة يسمعها كل شيء غير الثقلين، فيلعنونه، فذلك قوله- : «وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ «١» » حتى إن شاة القصاب والشفرة على حلقها لا يهمها ما بها، فتقول: لعن الله هذا، كان يحبس عنا الرزق بسببه، هذا لمن يضله الله- عن التوحيد. فذلك قوله: وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ يعني المشركين حيث لا يوفق لهم ذلك حين يسأل في قبره من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشاءُ- ٢٧- فيهما فمشيئته أن يثيب المؤمنين ويضل الكافرين أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً هذه مدنية إلى آخر الآيتين وبقية السورة مكية «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً» وهم بنو أمية، وبنو المغيرة المخزومي، وكانت النعمة أن الله أطعمهم من جوع «٢» ، وآمنهم من خوف، يعني القتل والسبي، ثم بعث فيهم رسولا يدعوهم إلى معرفة رب هذه النعمة- ، فكفروا بهذه النعمة، وبدلوها، ثم قال الله- : وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ- ٢٨- يعني دار الهلاك بلغة عمان، فأهلكوا قومهم ببدر، ثم يصيرون بعد القتل إلى جهنم يوم القيامة، فذلك قوله- : جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ- ٢٩- يعني وبئس المستقر، ثم ذكر كفار قريش فقال- تعالى-: وَجَعَلُوا

стр. 739

يعني ووصفوا لِلَّهِ أَنْداداً يعني شركاء لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ يعني ليستنزلوا عن دينه الإسلام قُلْ تَمَتَّعُوا في داركم قليلا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ- ٣٠- قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ من الأموال سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ يعني لا فداء «١» وَلا خِلالٌ- ٣١- يعني ولا خلة، لأن الرجل إذا نزل به ما يكره في الدنيا قبل موته قبل منه الفداء أو يشفع له خليله، والخليل المحب. وليس في الآخرة من ذلك شيء وإنما هي أعمالهم [١٩٤ ب] يثابون عليها، اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً يعني المطر فَأَخْرَجَ بِهِ يعني بالمطر مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ يعني السفن لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ- ٣٢- وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ إلى يوم القيامة وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ- ٣٣- في هذه «٢» منفعة لبني آدم وَآتاكُمْ يقول وأعطاكم مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ يعني ما لم تسألوه ولا طلبتموه ولكن أعطيتكم من رحمتي يعني ما ذكر مما سخر للناس في هؤلاء الآيات فهذا كله من النعم، ثم قال- سبحانه-: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ لنفسه في خطيئته كَفَّارٌ- ٣٤- يعني كافر في نعمته التي ذكر فلم يعبده.

стр. 740

«حدثنا «١» عبيد الله، قال: حدثني أبي، قال: سمعت أبا صالح في قوله- : «مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ» قال أعطاكم «٢» ما لم تسألوه. ومن قراءة «كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ» بدون من يقول استجاب لكم فأعطاكم ما سألتموه. والله أعلم «٣» » . وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً يعني مكة فكان أمنا لهم في الجاهلية وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ يعني وولدي أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ- ٣٥- وقد «٤» علم أن ذريته مختلفون في التوحيد قال: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ يعني الأصنام كَثِيراً مِنَ النَّاسِ يعني أضللن بعبادتهن كثيرا من الناس فَمَنْ تَبِعَنِي على ديني فَإِنَّهُ مِنِّي على ملتي وَمَنْ عَصانِي فكفر فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ- ٣٦- أن تتوب عليه فتهديه إلى التوحيد نظيرها- في الأحزاب «وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً «٥» » رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي يعني إسماعيل ابني خاصة بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ يعني لا حرث فيها ولا ماء يعني مكة عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ حرمه لئلا يستحل فيه ما لا يحل، فيها تقديم رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ يعني اجنبني وبني أن نعبد الأصنام لكي يصلوا لك عند بيتك المحرم ويعبدونك فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ يقول اجعل قوما من الناس تهوي إليهم يعني إلى إسماعيل وذريته وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ- ٣٧-

стр. 741

ولو قال اجعل أفئدة الناس تهوي إليهم لازدحم عليهم الحرز «١» والديلم ولكنه قال: اجعل أفئدة من الناس رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي يعني ما نسر من أمر إسماعيل في نفسي من الجزع عليه أنه في غير معيشة، ولا ماء في أرض غربة، ثم قال: وَما نُعْلِنُ يعني من قوله: «رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ «٢» » يعنى مكة فهذى الذي أعلن وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ- ٣٨- الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ بالأرض «٣» المقدسة بعد ما هاجر إليها إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ ووهب لي إسماعيل من هاجر جاريته وإبراهيم يومئذ [١٩٥ أ] ابن ستين سنة ووهب له إسحاق وهو ابن سبعين سنة فالأنبياء كلهم من إسحاق غير نبينا محمد «٤» ﷺ فإنه من ذرية إسماعيل «٥» ، ثم قال إبراهيم: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ- ٣٩- رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي فاجعلهم أيضا مقيمين الصلاة رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ- ٤٠- يقول ربنا واستجب دعائي في إقامة الصلاة لنفسه ولذريته رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ يعنى أبويه وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ- ٤١- وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ يا محمد «٦» غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ «٧» الظَّالِمُونَ يعنى مشركي مكة إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ عن

стр. 742

العذاب في الدنيا لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ- ٤٢- يعني فاتحة شاخصة أعينهم وذلك أنهم إذا عاينوا النار فيها تقديم في الآخرة شخصت أبصارهم فى يطرفون. فيها تقديم، وذلك قوله- سبحانه: لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ يعني لا يطرفون، ثم قال: مُهْطِعِينَ يعني مقبلين إلى النار ينظرون إليها، ينظرون في غير طرف مُقْنِعِي يعنى رافعي رُؤُسِهِمْ إليها لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ «١» وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ- ٤٣- وذلك أن الكفار إذا عاينوا النار شهقوا شهقة زالت منها قلوبهم عن أماكنها فتنشب في حلوقهم، فصارت قلوبهم «هواء» «٢» بين الصدور والحناجر فلا تخرج من أفواههم ولا ترجع إلى أماكنها فذلك قوله- سبحانه-: في «حم» المؤمن إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ «٣» يعني مكروبين فلما بلغت القلوب الحناجر ونشبت في حلوقهم انقطعت أصواتهم وغصت «٤» ألسنتهم وَأَنْذِرِ يا محمد- ﷺ النَّاسَ يعني كفار مكة يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ في الآخرة فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني مشركي مكة فيسألون الرجعة إلى الدنيا فيقولون في الآخرة رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ لأن الخروج من الدنيا إلى قريب «٥» نُجِبْ دَعْوَتَكَ إلى التوحيد وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ يعني النبي- ﷺ فقال لهم: أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ يعني حلفتم مِنْ قَبْلُ في الدنيا إذا

стр. 743

متم ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ- ٤٤- إلى البعث بعد الموت وذلك قوله- سبحانه- في النحل: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ «١» وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ يعني ضروا بأنفسهم يعني الأمم الخالية الذين عذبوا في الدنيا يعني قوم هود وغيرهم وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ يقول كيف عذبناهم وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ- ٤٥- يعني ووصفنا لكم الأشياء يقول وبينا لكم العذاب لتوحدوا ربكم- يخوف كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية لئلا يكذبوا بمحمد- ﷺ ثم أخبر عن فعل نمروذ بن كنعان الجبار فقال: وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ [١٩٥ ب] يقول فعلهم. يعني التابوت فيها الرجلان اللذان كانا في التابوت والنسور الأربعة وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ «٢» يقول عند الله مكرهم يعني فعلهم وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ- ٤٦- نظيرها في بني إسرائيل وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ «٣» يعني وقد كادوا. وقد كان «٤» نمروذ بن كنعان الذي حاج إبراهيم في ربه وهو أول من ملك الأرض كلها وذلك أنه بنى صرحا ببابل زعم ليتناول إله السماء فخر عليهم السقف وهو البناء من فوقهم. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ «٥» ، قَالَ: حدثني أبي، قال: حدثنا الهذيل عن مقاتل عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ دَانْيَالَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- ﵁

стр. 744

فى قوله- سبحانه-: وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ قَالَ: أَمَرَ «١» نُمْرُوذُ بْنُ كَنْعَانَ عَدُوُّ اللَّهِ فَنُحِتَ التَّابُوتُ وَجَعَلَ لَهُ بَابًا مِنْ أَعْلاهُ وَبَابًا مِنْ أَسْفَلِهِ ثُمَّ صَعِدَ إِلَى أَرْبَعِ نُسُورٍ ثُمَّ أَوْثَقَ «٢» كُلَّ نَسْرٍ بِقَائِمَةِ التَّابُوتِ ثُمَّ جَعَلَ فِي أَعْلَى التَّابُوتِ لَحْمًا شَدِيدَ الْحُمْرَةِ فِي «أَرْبَعَةِ نَوَاحِي التَّابُوتِ» «٣» حِيَالَ النُّسُورِ ثُمَّ جَعَلَ رَجُلَيْنِ فِي التَّابُوتِ فَنَهَضَتِ النُّسُورُ تُرِيدُ اللَّحْمَ فَارْتَفَعَ التَّابُوتُ إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ لِصَاحِبِهِ: افْتَحْ بَابَ التَّابُوتِ الأَسْفَلَ، فَانْظُرْ، كَيْفَ ترى الأرض؟ نفتح فَنَظَرَ. قَالَ: أَرَاهَا كَالْعُرْوَةِ الْبَيْضَاءِ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: افْتَحِ الْبَابَ الأَعْلَى فَانْظُرْ إِلَى السَّمَاءِ، هَلِ ازْدَدْنَا مِنْهَا قُرْبًا؟ قَالَ: فَفَتَحَ الْبَابَ الأَعْلَى، فَإِذَا هِيَ كَهَيْئَتِهَا، وَارْتَفَعَتِ النُّسُورُ تُرِيدُ اللَّحْمَ، فَلَمَّا ارْتَفَعَا جِدًّا لَمْ تَدَعْهُمَا الرِّيحُ أَنْ يَصْعَدَا. فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: افْتَحِ الْبَابَ الأَسْفَلَ فَانْظُرْ، كَيْفَ تَرَى الأَرْضَ؟ قَالَ فَفَتَحَ قَالَ: إِنَّهَا سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ، وَلا أَرَى مِنْهَا شَيْئًا. قَالَ: ارْدُدِ الْبَابَ الأَسْفَلَ، وَافْتَحِ الْبَابَ الأَعْلَى، فَانْظُرْ إِلَى السَّمَاءِ، هَلِ ازْدَدْنَا مِنْهَا قُرْبًا؟ فَفَتَحَ الْبَابَ الأَعْلَى فَقَالَ «٤» : أَرَاهَا كَهَيْئَتِهَا قَالَ لِصَاحِبِهِ: نَكِّسِ التَّابُوتَ فَنَكَّسَهُ فَتَصَوَّبَ «٥» اللَّحْمُ وَصَارَتِ النُّسُورُ فَوْقَ التَّابُوتِ وَاللَّحْمُ أَسْفَلُ ثُمَّ هَوَتِ النُّسُورُ مُنْصَبَّةٌ تُرِيدُ اللَّحْمَ فَسَمِعَتِ الْجِبَالُ حَفِيفَ التَّابُوتِ وَحَفِيفَ أَجْنِحَةِ النُّسُورِ فَفَزِعَتْ وَظَنَّتْ أَنَّهُ أَمْرٌ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ فَكَادَتْ أَنْ تَزُولَ مِنْ أَمَاكِنِهَا مِنْ مَخَافَةِ اللَّهِ-

стр. 745

فَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ ثم خوف كفار مكة، فقال- سبحانه-: فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ يا محمد مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ في نزول العذاب بكفار مكة في الدنيا إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ يعني منيع في مكة ذُو انتِقامٍ- ٤٧- من أهل معصيته يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ يقول تبدل صورة الأرض التي عليها بنو آدم بأرض بيضاء نقية [١٩٦ أ] لم يسفك عليها دم ولم يعمل عليها معصية وهي أرض الصراط وعمق الصراط خمسمائة عام وَتبدل السَّماواتُ فلا تكون «١» شيئا وَبَرَزُوا لِلَّهِ يقول وخرجوا من قبورهم، ولا يستترون من الله بشيء في أرض مستوية مثل الأدم ممدودة ليس عليها جبل، ولا بناء، ولا نبت ولا شيء الْواحِدِ لا شريك له الْقَهَّارِ- ٤٨- يعني القاهر لخلقه وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يعني كفار مكة يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ- ٤٩- يعني موثقين في السلاسل والأغلال صفدت أيديهم إلى أعناقهم في الحديد سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ يعني قمصهم من نحاس ذائب «٢» وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ- ٥٠- لأنهم يتقون النار بوجوههم لِيَجْزِيَ «٣» أى ليجزيهم اللَّهُ فيها تقديم يقول وبرزوا من قبورهم لكي يجزي الله كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ يقول كل نفس بر وفاجر ما كسبت يعني ما عملت من خير أو شر إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ- ٥١- يقول كأنه قد جاء الحساب يخوفهم فإذا أخذ الله- فى حسابهم فرغ من حساب

стр. 746

الخلائق على مقدار نصف يوم من أيام الدنيا هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ يعني كفار مكة وَلِيُنْذَرُوا بِهِ يعني لينذروا بما في القرآن. وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ «١» لا شريك له «٢» وَلِيَذَّكَّرَ فيما يسمع من مواعظ القرآن أُولُوا الْأَلْبابِ- ٥٢- يعنى أهل اللب والعقل.

стр. 747

سورة الحجر [سورة الحجر (١٥) : الآيات ١ الى ٩٩] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٤) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٥) وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ (٨) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١١) كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥) وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ (٢٧) وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨) قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قالَ هَذَا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧) لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠) وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (٥٥) قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ (٥٦) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (٦٠) فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ (٦٩) قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (٧٠) قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (٧٩) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٨١) وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَا كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨٦) وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)

стр. 748

[سورة الحجر] «١» مكية كلها «٢» وهي تسع وتسعون آية باتفاق

стр. 749

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ- ١- يعني بين ما فيه رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة في الآخرة لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ- ٢- يعني مخلصين في الدنيا بالتوحيد، وذلك قوله- سبحانه: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا يقول خل يا محمد- ﷺ عن كفار مكة إذا كذبوك يأكلوا وَيَتَمَتَّعُوا في دنياهم وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ يعني طول الأمل عن الآخرة فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ- ٣- هذا وعيد، ثم خوف كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية فقال- سبحانه: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ يقول وما عذبنا من قرية إِلَّا وَلَها بهلاكها كِتابٌ مَعْلُومٌ- ٤- يعني موقوت «١» في اللوح المحفوظ إلى أجل وكذلك كفار مكة عذابهم إلى أجل معلوم يعني القتل ببدر مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ عذبت أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ- ٥- يقول ما يتقدمون من أجلهم ولا يتأخرون عنه «٢» وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ يعني القرآن إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ- ٦- يعني النبي- ﷺ نزلت في عبد الله بن أمية بن المغيرة المخزومي، والنضر بن الحارث هو ابن علقمة من بني عبد الدار [١٩٦ ب] بن قصي ونوفل بن خويلد بن أسد بن عبد العزى، كلهم من قريش والوليد بن المغيرة، قالوا للنبي- ﷺ : إنك

стр. 750

لمجنون. وقالوا له: لَوْ ما تَأْتِينا يعني أفلا تجيئنا بِالْمَلائِكَةِ فتخبرنا بأنك نبي مرسل إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ- ٧- بأنك نبي مرسل ولو نزلت الملائكة لنزلت إليهم بالعذاب مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ «١» وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ- ٨- يقول لو نزلت الملائكة بالعذاب إذا لم يناظروا حتى يعذبوا يعني كفار مكة، يقول الله- : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ يعني القرآن على محمد- ﷺ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ- ٩- لأن الشياطين لا يصلون إليه لقولهم للنبي- ﷺ إنك لمجنون يعلمك الري «٢» وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ يا محمد- ﷺ الرسل فِي شِيَعِ يعني في فرق الْأَوَّلِينَ- ١٠- يعني الأمم الخالية وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ ينذرهم بالعذاب في الدنيا إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ- ١١- بأن العذاب ليس بنازل بهم كَذلِكَ نَسْلُكُهُ يعني هكذا نجعله يعني الكفر بالعذاب فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ- ١٢- يعنى كفار مكة لا يُؤْمِنُونَ بِهِ يعني بالعذاب، ثم قال- سبحانه: وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ- ١٣- بالتكذيب لرسلهم بالعذاب يعني الأمم الخالية الذين أهلكوا بالعذاب في الدنيا وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ يعني على كفار مكة بَابًا مِنَ السَّماءِ فينظرون إلى الملائكة عيانا كيف يصعدون إلى السماء فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ- ١٤- يقول فمالوا في الباب يصعدون، ولو عاينوا ذلك لَقالُوا من كفرهم: إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا مخففة يعني سدت ولقالوا «٣» : بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ- ١٥- يقول إذا لقالوا قد سحرنا.

стр. 751

حدثنا عبيد الله قال: حدثني أبي، قال: حَدَّثَنِي الْهُذَيْلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُقَاتِلٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ حَسَّانٍ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ- ﷺ أَنَّهُ: سُئِلَ عَنْ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ «١» فَقَالَ: الْكَوَاكِبِ، وَسُئِلَ عَنِ «٢» «الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً» «٣» قَالَ: الْكَوَاكِبُ، مِثْلُ الْبُرُوجِ مُشَيَّدَةٌ «٤» قَالَ الْقُصُورُ وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً قال الكواكب وَزَيَّنَّاها يعني السماء بالكواكب لِلنَّاظِرِينَ- ١٦- إليها يعني أهل الأرض وَحَفِظْناها يعني السماء بالكواكب مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ- ١٧- يعني ملعون لئلا يستمعوا إلى كلام الملائكة ثم استثنى من الشياطين فقال سبحانه: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ يعني من اختطف السمع من كلام الملائكة فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ- ١٨- يعني الكوكب المضيء وهو الثاقب ونظيرها في الصافات: فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ «٥» ثاقب يعنى مضيء «٦» وَالْأَرْضَ مَدَدْناها يعنى بسطناها يعنى مسيرة خمسمائة عام طولها وعرضها وغلظها مثله فبسطها من تحت الكعبة، ثم قال- : وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ يعنى الجبال [١٩٧ أ] الراسيات في الأرض الطوال أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ «٧» يقول لئلا تزول بكم الأرض وتمور بمن عليها وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ- ١٩- يقول وأخرجنا من الأرض كل شيء موزون يعني من كل ألوان النبات معلوم وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها يعني في الأرض مَعايِشَ مما عليها من النبات، ثم قال سبحانه: وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ- ٢٠-

стр. 752

يقول لستم أنتم ترزقونهم ولكن أنا أرزقهم يعني الدواب، والطير معايشهم مما في الأرض من رزقي، ثم قال سبحانه: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ يقول ما من شيء من الرزق إلا عندنا مفاتيحه وهو بأيدينا ليس بأيديكم وَما نُنَزِّلُهُ يعني الرزق وهو المطر وحده إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ- ٢١- يعنى موقوت وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ وذلك أن الله يرسل الريح فتأخذ الماء بكيل معلوم من سماء الدنيا ثم تثير الرياح والسحاب فتلقي الريح السحاب بالماء الذي فيها من ماء النبت ثم تسوق تلك الرياح السحاب إلى الأرض التي أمر الرعد أن يمطرها، فذلك قوله سبحانه: فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً يعني المطر فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ يعني يا بني آدم لَهُ بِخازِنِينَ- ٢٢- يقول لستم أنتم بخازنيها فتكون مفاتيحها بأيديكم ولكنها بيدي «١» وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ يقول الله- تعالى-: أنا أحى الموتى، وأميت الأحياء وَنَحْنُ الْوارِثُونَ- ٢٣- يعني ونميت الخلق ويبقى الرب- تعالى- ويرثهم وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ يعني من بني آدم من مات منكم وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ- ٢٤- يقول من بقي منكم فلم يمت ونظيرها في «ق والقرآن» : قَدْ عَلِمْنا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ «٢» وَإِنَّ رَبَّكَ يا محمد- ﷺ هُوَ يَحْشُرُهُمْ يعني من تقدم منهم ومن تأخر يقول وهو يجمعهم في الآخرة إِنَّهُ حَكِيمٌ حكم البعث، ثم قال: عَلِيمٌ- ٢٥- ببعثهم وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ يعني آدم مِنْ صَلْصالٍ.

стр. 753

حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي الْهُذَيْلُ عَنْ مُقَاتِلٍ، وَالضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الصَّلْصَالُ الطين الجيد يعنى الحر إِذَا ذَهَبَ عَنْهُ الْمَاءُ تَشَقَّقَ، فَإِذَا «حُرِّكَ» «١» تَقَعْقَعَ مِنْ حَمَإٍ يعني الأسود مَسْنُونٍ- ٢٦- يعني المنتن فكان التراب مبتلا «٢» فصار أسود منتنا، ثم قال: وَالْجَانَّ يعني إبليس خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ آدم مِنْ نارِ السَّمُومِ- ٢٧- يعنى صافى «٣» ليس فيه دخان وهو المارج من نار يعني الجان وإنما سمي إبليس الجان لأنه من حي من الملائكة يقال لهم الجن، والجن جماعة والجان «٤» واحد. وَإِذْ قالَ يعني وقد قال: رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ الذين في الأرض منهم إبليس قال لهم قبل أن يخلق آدم- ﵇: إِنِّي خالِقٌ بَشَراً يعنى آدم مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ يعني أسود مَسْنُونٍ- ٢٨- يعني منتن فَإِذا سَوَّيْتُهُ يعنى سويت خلقه [١٩٧ ب] وَنَفَخْتُ فِيهِ يعني آدم مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ- ٢٩- يقول فاسجدوا لآدم فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ الذين هم في الأرض كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ- ٣٠- ثم استثنى من الملائكة إبليس، فقال سبحانه: إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ- ٣١- لآدم- ﵇ قالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ في السجود مَعَ السَّاجِدِينَ- ٣٢- يعني الملائكة الذين سجدوا لآدم- ﵇ قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ يعنى آدم خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ يعنى

стр. 754

الطين مِنْ حَمَإٍ يعني أسود مَسْنُونٍ- ٣٣- يعني منتن فأول ما خلق من آدم- ﵇ عجب الذنب ثم ركب فيه سائر خلقه، وآخر ما خلق من آدم- ﵇ أظفاره وتأكل الأرض عظام الميت كلها غير عجب الذنب- غير عظام «١» الأنبياء- ﵈ فإنها لا تأكلها الأرض. وفي العجب يركب بنو آدم يوم القيامة ثم: قالَ فَاخْرُجْ مِنْها يعني من ملكوت السماء فَإِنَّكَ رَجِيمٌ- ٣٤- يعني ملعون وهو إبليس وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ- ٣٥- قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ- ٣٦- يعني يبعث الناس بعد الموت يقول أجلني إلى يوم النفخة الثانية كقوله سبحانه: فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ «٢» يعني فأجله إلى ميسرة قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ٣٧- لا تموت إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ- ٣٨- يعني إلى أجل موقوت وهي النفخة الأولى وإنما أراد عدو الله الأجل إلى يوم يبعثون لئلا يذوق الموت لأنه قد علم أنه لا يموت بعد البعث قالَ إبليس: رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي يقول أما إذ أضللتني لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ- ٣٩- يعني ولأضلنهم عن الهدى أجمعين، ثم استثنى عدو الله إبليس فقال: إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ- ٤٠- يعني أهل التوحيد وقد علم إبليس أن الله استخلص عبادا لدينه ليس له عليهم سلطان، فذلك قوله سبحانه: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ يعنى ملك أن تضلهم عن الهدى وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا «٣» يعنى حرزا ومانعا لعباده قالَ

стр. 755

الله- تعالى: هذا صِراطٌ عَلَيَّ يقول هذا طريق الحق الهدى إلي مُسْتَقِيمٌ- ٤١- يعني الحق «١» كقوله: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ «٢» يعني للناس. نظيرها في هود قوله: إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ «٣» يعني المستقيم الحق المبين «٤» . ثم قال سبحانه: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ- ٤٢- يعني من المضلين وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ- ٤٣- يعني كفار الجن والإنس وإبليس وذريته لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ بعضها أسفل من بعض كل باب أشد حرا من الذي فوقه بسبعين جزءا بين كل بابين سبعين سنة أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم الجحيم، ثم الهاوية، ثم سقر. لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ [١٩٨ أ] جُزْءٌ مَقْسُومٌ- ٤٤- يعني عدد معلوم من كفار الجن والإنس يعني الباب الثاني يضعف على الباب الأعلى «٥» في شدة العذاب سبعين ضعفا إِنَّ الْمُتَّقِينَ الشرك فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ- ٤٥- يعني بساتين وأنهار جارية ادْخُلُوها بِسَلامٍ سلم «٦» الله- لهم أمرهم وتجاوز عنهم نظيرها- في الواقعة- ثم قال: آمِنِينَ- ٤٦- من الخوف وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ يقول أخرجنا ما في قلوبهم من الغش الذي كان في الدنيا بعضهم لبعض فصاروا متحابين إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ- ٤٧- فى الزيارة يرى بعضهم بعضا

стр. 756

متقابلين على الأسرة يتحدثون ثم أخبر عنهم- سبحانه- فقال: لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ يقول لا تصيبهم فيها مشقة في أجسادهم كما كان في الدنيا وَما هُمْ مِنْها من الجنة بِمُخْرَجِينَ- ٤٨- أبدا ولا بميتين أبدا قال الله- تعالى- للنبي- ﷺ : نَبِّئْ عِبادِي يقول أخبر عبادي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ لذنوب المؤمنين الرَّحِيمُ- ٤٩- لمن تاب منهم وَأخبرهم أَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ- ٥٠- يعني الوجيع لمن عصاني وَنَبِّئْهُمْ يعني وأخبرهم عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ- ٥١- ملكان أحدهما جبريل، والآخر ميكائيل إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ على إبراهيم «١» فَقالُوا سَلاماً «٢» فسلموا عليه وسلم عليهما قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ- ٥٢- يعني خائفين وذلك أن إبراهيم- ﵇ قرب إليهم العجل فلم يأكلوا منه فخاف إبراهيم- ﵇ وكان في زمان إبراهيم- ﵇ إذا أكل الرجل عند الرجل طعاما أمن من شره، فلما رأى إبراهيم- ﵇ أيديهم لا تصل إلى العجل خاف شرهم قالُوا «٣» قال له جبريل- ﵇: لا تَوْجَلْ يقول لا تخف إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ- ٥٣- وهو إسحاق- ﵇ قالَ لهم إبراهيم- ﵇: أَبَشَّرْتُمُونِي بالولد عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ على كبر سني فَبِمَ تُبَشِّرُونَ- ٥٤- قال ذلك إبراهيم- ﵇ تعجبا لكبره وكبر امرأته قالُوا «٤» قال جبريل- ﵇: بَشَّرْناكَ يعني نبشرك

стр. 757

بِالْحَقِّ يعني بالصدق أن الولد لكائن فَلا تَكُنْ بإبراهيم مِنَ الْقانِطِينَ- ٥٥- يعني لا تيأس «١» قالَ «٢» إبراهيم- ﵇: وَمَنْ يَقْنَطُ يعني ومن ييئس مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ- ٥٦- يعنى المشركين قالَ إبراهيم: فَما خَطْبُكُمْ يعني فما أمركم أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ- ٥٧- قالُوا «٣» أي قال جبريل- ﵇: إِنَّا أُرْسِلْنا بالعذاب إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ- ٥٨- إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ- ٥٩- ثم استثنى جبريل- ﵇ امرأة لوط، فقال: إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ- ٦٠- يعني الباقين في العذاب فخرجوا من عند إبراهيم- ﵇ بالأرض المقدسة «٤» فأتوا لوطا بأرض سدوم من ساعتهم فلم يعرفهم لوط- ﵇[١٩٨ ب] وظن أنهم رجال، فذلك قوله- سبحانه-: فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ- ٦١- فيها تقديم يقول جاء المرسلون إلى لوط قالَ لهم لوط: إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ- ٦٢- أنكرهم ولم يعلم أنهم ملائكة لأنهم كانوا في صورة الرجال قالُوا بَلْ «٥» قال جبريل- ﵇: قد «٦» جِئْناكَ يا لوط بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ- ٦٣- يعني بما كان «٧» قومك بالعذاب يمترون يعني يشكون في العذاب أنه ليس بنازل بهم

стр. 758

في الدنيا وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ جئناك بالصدق وَإِنَّا لَصادِقُونَ- ٦٤- بما تقول إنا جئناهم بالعذاب فقالوا للوط: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ يعنى امرأته وابنته ريثا وزعوثا «١» بِقِطْعٍ يعنى بعض وهو السحر مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ يعني سر من وراء أهلك تسوقهم وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ البتة يقول ولا ينظر أحد منكم وراءه وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ- ٦٥- إلى الشام وَقَضَيْنا إِلَيْهِ يقول وعهدنا إلى لوط ذلِكَ الْأَمْرَ يعني أمر العذاب أَنَّ دابِرَ يعني أصل هؤُلاءِ القوم مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ- ٦٦- يقول إذا أصبحوا نزل بهم العذاب وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ- ٦٧- بدخول الرجال منزل لوط. ثم قالَ لهم لوط: إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ- ٦٨- فيهم ولوط- ﵇ يرى أنهم رجال وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ - ٦٩- فيهم قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ- ٧٠- أن تضيف منهم أحدا لأن لوطا كان يحذرهم «٢» لئلا يؤتون في أدبارهم فعرض عليهم ابنتيه من الحياء تزويجا واسم إحداهما ريثا والأخرى زعوثا فذلك قوله: «قالَ» «٣» هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ- ٧١- لا بد فتزوجوهن يقول الله- : لَعَمْرُكَ كلمة من كلام العرب إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ- ٧٢- يعنى لفي ضلالتهم يترددون فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ يعني صيحة جبريل- ﵇ مُشْرِقِينَ- ٧٣- يعنى

стр. 759

حين طلعت الشمس فَجَعَلْنا المدائن الأربع عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ سدوم، ودامورا، وعاموا، وصابورا، وأمطرنا على من كان خارجا من المدينة حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ- ٧٤- ولعل الرجل منهم يكون في قرية أخرى فيأتيه الحجر فيقتله «مِنْ سِجِّيلٍ» يعني الحجارة خلطها الطين إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ يقول إن في هلاك قوم لوط لعبرة لِلْمُتَوَسِّمِينَ- ٧٥- يقول للناظرين من بعدهم فيحذرون مثل عقوبتهم وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ- ٧٦- يعني قرى لوط التي أهلكت بطريق مستقيم يعني واضح مقيم يمر عليها أهل مكة وغيرهم وهي بين مكة والشام إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يعني إن في هلاك قوم لوط لعبرة لِلْمُؤْمِنِينَ- ٧٧- يعني للمصدقين بتوحيد الله- لمن بعدهم فيحذرون عقوبتهم يخوف كفار مكة بمثل عذاب [١٩٩ أ] الأمم الخالية وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ- ٧٨- يعني لمشركين فهم قوم شعيب- ﵇ والأيكة الغيضة «١» من الشجر وكان أكثر الشجر «٢» الدوم وهو المقل فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ بالعذاب وَإِنَّهُما يعني قوم لوط، وقوم شعيب لَبِإِمامٍ يعني طريق مُبِينٍ- ٧٩- يعني مستقيم وكان عذاب قوم شعيب- ﵇ أن الله- حبس عنهم الرياح فأصابهم حر شديد لم ينفعهم من الحر شيء وهم في منازلهم، فلما أصابهم ذلك الحر خرجوا من منازلهم إلى الغيضة ليستظلوا «٣» بها من الحر فأصابهم من الحر أشد مما أصابهم في منازلهم ثم بعث الله- لهم سحابة فيها عذاب فنادى بعضهم بعضا

стр. 760

ليخرجوا من الغيضة فيستظلون «١» تحت السحابة لشدة حر الشمس يلتمسون بها «٢» الروح فلما لجئوا إليها أهلكهم الله- فيها حرا وغما تحت السحابة. قال: حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ، سمعت أبي، قال: سمعت أبا صالح «٣» ، يقول: غلت أدمغتهم فى رءوسهم، كما يغلى الماء في المرجل على النار من شدة الحر تحت السحابة «٤» فذلك قوله سبحانه: فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ «٥» . وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ- ٨٠- يعني قوم صالح واسم القرية الحجر وهو بوادي القرى، يعني بالمرسلين صالحا «٦» وحده- ﵇ يقول كذبوا صالحا وَآتَيْناهُمْ آياتِنا يعني الناقة آية لهم فكانت ترويهم من اللبن في يوم شربها من غير أن يكلفوا مؤنة فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ- ٨١- حين لم يتفكروا في أمر الناقة وابنها فيعتبروا، فأخبر عنهم، فقال سبحانه: وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ- ٨٢- من أن تقع عليهم الجبال إذا نحتوها وجوفوها فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ يعني صيحة جبريل- ﵇ مُصْبِحِينَ- ٨٣- يوم السبت فخمدوا أجمعون «٧» يقول الله- :

стр. 761

فَما أَغْنى عَنْهُمْ من العذاب الذي نزل بهم مَا كانُوا يَكْسِبُونَ- ٨٤- من الكفر والتكذيب فعقروا الناقة يوم الأربعاء فأهلكهم الله يوم السبت وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ يقول لم يخلفهما الله- باطلا خلقهما «١» لأمر هو كائن وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ يقول القيامة كائنة فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ- ٨٥- يقول للنبي- ﷺ فأعرض عن كفار مكة الإعراض الحسن فنسخ السيف الإعراض والصفح «٢» إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ لخلقه في الآخرة بعد الموت الْعَلِيمُ- ٨٦- ببعثهم وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي يعني ولقد أعطيناك فاتحة الكتاب وهي سبع آيات وَالْقُرْآنَ كله مثاني ثم قال: الْعَظِيمَ- ٨٧- يعني سائر القرآن كله [١٩٩ ب] لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ يعنى أصنافا منهم من المال وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ إن تولوا عنك وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ- ٨٨- يقول لين جناحك للمؤمنين فلا تغلظ لهم وَقُلْ لكفار مكة: إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ- ٨٩- من العذاب قال سبحانه: كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ- ٩٠- فيها تقديم يقول أنزلنا المثاني والقرآن العظيم كما أنزلنا التوراة والإنجيل على النصارى واليهود فهم المقتسمون فاقتسموا الكتاب فآمنت اليهود بالتوراة وكفروا بالإنجيل والقرآن وآمنت النصارى بالإنجيل وكفروا بالقرآن والتوراة هذا الذي اقتسموا آمنوا ببعض ما أنزل إليهم من الكتاب وكفروا ببعض ثم نعت اليهود والنصارى فقال

стр. 762

- سبحانه-: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ- ٩١- جعلوا القرآن أعضاء كأعضاء الجزور. فرقوا الكتاب ولم يجتمعوا على الإيمان بالكتب كلها فأقسم الله- تعالى- بنفسه للنبي- ﷺ قال- سبحانه: فَوَ رَبِّكَ يا محمد- ﷺ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ- ٩٢- عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ- ٩٣- من الكفر والتكذيب فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وذلك أن النبي- ﷺ أسر النبوة وكتمها سنتين فقال الله- لنبيه- ﷺ : «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ» يقول امض لما تؤمر من تبليغ الرسالة فلما بلغ عن ربه- استقبله كفار مكة بالأذى والتكذيب في وجهه فقال تعالى: وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ- ٩٤- يعني عن أذى المشركين إياك فأمره الله- بالإعراض والصبر على الأذى ثم نسختها آية السيف. ثم قال- سبحانه-: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ- ٩٥- وذلك أن الوليد بن المغيرة المخزومي حين حضر الموسم قال، يا معشر قريش إن محمدا «١» قد علا أمره في البلاد وما أرى الناس براجعين حتى يلقونه وهو رجل حلو الكلام إذا كلم الرجل ذهب بعقله وإني لا آمن أن يصدقه بعضهم فابعثوا رهطا من ذوي الحجى والرأي فليجلسوا على طريق مكة مسيرة ليلة أو ليلتين فمن سأل عن محمد فليقل «٢» بعضهم: إنه ساحر يفرق بين الاثنين. ويقول «٣» بعضهم: إنه كاهن يخبر بما يكون في غد لئلا تروه خير من أن

стр. 763

تروه فبعثوا في كل طريق بأربعة من قريش وأقام الوليد بن المغيرة بمكة فمن دخل مكة في غير طريق سالك يريد النبي- ﷺ تلقاهم «١» الوليد فيقول هو ساحر كذاب. ومن دخل من طريق لقيه الستة عشر فقالوا: هو شاعر [٢٠٠ أ] ، وكذاب، ومجنون. ففعلوا ذلك وانصدع الناس عن قولهم فشق ذلك على النبي- ﷺ وكان يرجو أن يلقاه الناس فيعرض عليهم أمره فمنعه هؤلاء المستهزءون من قريش ففرحت قريش حين تفرق الناس عن قولهم وقالوا: ما عند صاحبكم إلا غرورا. يعنون النبي- ﷺ فقالت «٢» قريش: هذا دأبنا ودأبك فذلك قوله- سبحانه: «وَإِذا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» «٣» وكان منهم من يقول: بئس وافد القوم أنا إن انصرفت قبل أن ألقى صاحبي فيدخل مكة فيلقى المؤمنين. فيقول: ما هذا الأمر؟ فيقولون: خيرا أنزل الله- كتابا وبعث رسولا، فذلك قوله سبحانه: «مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً» «٤» فنزل جبريل- ﵇ والنبي- ﷺ عند الكعبة فمر به الوليد بن المغيرة بن عبد الله. فقال جبريل- ﵇ للنبي- ﷺ كيف تجد هذا؟ فقال النبي- ﷺ بئس «٥» عبد الله هذا فأهوى جبريل بيده إلى فوق كعبه، فقال: قد كفيتك، فمر الوليد في حائط فيه نبل لبنى المصطلق وهي حي من خزاعة

стр. 764

يتبختر فيهما فتعلق السهم بردائه قبل أن يبلغ منزله فنفض السهم وهو يمشي برجله فأصاب السهم أكحله «١» فقطعه فلما بات تلك الليلة انتفضت به جراحته، ومر به العاص بن وائل، فقال جبريل «٢» : كيف تجد هذا؟ قال: بئس عبد الله «٣» هذا. فأهوى جبريل بيده إلى باطن قدمه، فقال: قد كفيتك. وركب العاص حمارا من مكة يريد الطائف، فاضطجع الحمار به على شبرقة «٤» ذات شوك، فدخلت شوكة في باطن قدمه، فانتفخت فقتله الله- تلك الليلة. ومر به الحارث بن قيس بن عمرو بن ربيعة بن سهم. فقال جبريل- ﵇: كيف تجد هذا؟ فقال النبي- ﷺ بئس عبد الله «٥» هذا. فأهوى جبريل- ﵇ إلى رأسه، فانتفخ رأسه فمات منها، ومر به الأسود ابن عبد العزى بن وهب بن عبد مناف بن زهرة، فقال جبريل- ﵇ كيف تجد هذا؟ فقال النبي- ﷺ : بئس عبد الله «٦» هذا إلا أنه ابن خالي. فأهوى جبريل- ﵇ بيده إلى بطنه، فقال: قد كفيتك «٧» . فعطش فلم يروا من الشراب حتى مات. ومر الأسود بن عبد المطلب بن المنذر ابن عبد العزى بن قصي فقال جبريل «٨» : كيف تجد هذا؟ قال النبي- صلى الله

стр. 765

عليه وسلم- بئس عبد الله «١» هذا- قال: قد كفيتك أمره. ثم ضرب ضربة بحبل «٢» من تراب، رمى في وجهه فعمي فمات منها. وأما بعكك، وأحرم فهما أخوان [٢٠٠ ب] ابنا الحجاج بن السياق بن عبد الدار بن قصي. فأما أحدهما فأخذته الدبيلة، وأما الآخر فذات الجنب فماتا كلاهما فأنزل الله- : «إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ» يعني هؤلاء السبعة من قريش «٣» ، ثم نعتهم، فقال سبحانه: الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ- ٩٦- هذا وعيد لهم بعد القتل «٤» . وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ- ٩٧- حين قالوا: إنك ساحر، ومجنون، وكاهن، وحين قالوا: هذا دأبنا ودأبك. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ يقول فصل بأمر ربك وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ- ٩٨- يعني المصلين وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ- ٩٩- فإن عند الموت يعاين الخير والشر «٥» .

стр. 766

سورة النّحل

стр. 767

[سورة النحل (١٦) : الآيات ١ الى ١٢٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩) وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٤) وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٣٥) وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٧) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (٣٩) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠) وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤) أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥٠) وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥) وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٥٩) لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢) تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ (٦٦) وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠) وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٨٠) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (٨٣) وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨) وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١) وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٩٤) وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦) مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٠٥) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١١٣) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا مَا قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤) ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)

стр. 768

سورة النحل «١» مكية كلها

стр. 769

غير قوله تعالى: «وَإِنْ عاقَبْتُمْ ... » إلى آخر السورة «١» . وقوله تعالى: «ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا ... » الآية «٢» . وقوله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ ... الآية «٣» . وقوله تعالى: وَالَّذِينَ هاجَرُوا ... الآية «٤» . وقوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً ... الآية «٥» . فإن هذه الآيات مدنيات. وهي مائة وثمان «٦» وعشرون آية كوفية.

стр. 770

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَتى أَمْرُ اللَّهِ وذلك أن كفار مكة لما أخبرهم النبي- ﷺ الساعة فخوفهم بها أنها كائنة فقالوا: متى تكون تكذيبا بها؟ فأنزل الله- يا عبادي: «أَتى أَمْرُ اللَّهِ» فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ «١» أي فلا تستعجلوا وعيدي أنزل الله- أيضا في قولهم «حم عسق» يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها «٢» فلما سمع النبي- ﷺ من جبريل- ﵇ «أَتى أَمْرُ اللَّهِ» وثب قائما وكان جالسا مخافة الساعة فقال جبريل- ﵇: «فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ» فاطمأن النبي- ﷺ عند ذلك، ثم قال: سُبْحانَهُ نزه الرب- تعالى- نفسه عن شرك أهل مكة، ثم عظم نفسه- ﷻ فقال: وَتَعالى يعني وارتفع عَمَّا يُشْرِكُونَ- ١- يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ يعني جبريل- ﵇ بِالرُّوحِ يقول بالوحي مِنْ أَمْرِهِ يعني بأمره عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ من الأنبياء- ﵈ ثم أمرهم الله- أن ينذروا «٣» الناس فقال: أَنْ أَنْذِرُوا «٤» ) أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ- ٢- يعنى فاعبدون خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يقول لم يخلقهما باطلا لغير شيء ولكن

стр. 771

خلقهما لأمر هو كائن تَعالى يعني ارتفع عَمَّا يُشْرِكُونَ- ٣- به خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ يعني أبي بن خلف الجمحي قتله النبي- ﷺ يوم أحد فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ- ٤- قال للنبي [٢٠١ أ] ﷺ : كيف يبعث الله هذه العظام وجعل يفتها ويذريها في الريح نظيرها فى آخر- يس-: «قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ» «١» ثم قال- تعالى-: وَالْأَنْعامَ يعني الإبل، والبقر، والغنم. خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ يعني ما تستدفئون به من أصوافها، وأوبارها، وأشعارها أثاثا وَمَنافِعُ في ظهورها، وألبانها وَمِنْها تَأْكُلُونَ- ٥- يعني من لحم الغنم وَلَكُمْ فِيها يعني فى الأنعام جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ يعني حين تروح من مراعيها إليكم عند المساء وَحِينَ تَسْرَحُونَ- ٦- من عندكم بكرة إلى الرعي وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ يعني الإبل، والبقر إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ يعنى بجهد الأنفس إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ يعني لرفيق رَحِيمٌ- ٧- بكم فيما جعل لكم من الأنعام من المنافع، ثم ذكرهم النعم: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً يقول لكم في ركوبها جمال وزينة يعني الشارة الحسنة وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ- ٨- من الخلق كقوله- تعالى: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ «٢» يعني في شارته، قال سبحانه: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ يعني بيان الهدى وَمِنْها جائِرٌ يقول ومن السبيل ما تكون «٣» جائرة على الهدى

стр. 772

وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ- ٩- إلى دينه هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ يعني المطر لكم منه شراب وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ- ١٠- يعني وفيه ترعون أنعامكم يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ بالمطر الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً فيما ذكر لكم من النبات لعبرة لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ- ١١- في توحيد الله- وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ يقول فيما سخر لكم في هذه الآيات «١» لعبرة لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ- ١٢- في توحيد الله- وَما ذَرَأَ لَكُمْ يعني وما خلق لكم فِي الْأَرْضِ من الدواب، والطير، والشجر مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ يعني فيما ذكر من الخلق في الأرض لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ- ١٣- في توحيد الله- وما ترون من صنعه وعجائبه وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وهو السمك ما أصيد «٢» أو ألقاه الماء وهو حي وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها يعني اللؤلؤ وَتَرَى الْفُلْكَ يعني السفن مَواخِرَ فِيهِ يعني في البحر مقبلة ومدبرة بريح واحد وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ يعني سخر لكم الفلك لتبتغوا من فضله وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ- ١٤- ربكم في نعمه- وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ يعني الجبال أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ يعني لئلا تزول بكم الأرض فتميل بمن عليها وَأَنْهاراً تجري وَسُبُلًا يعني وطرقا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ- ١٥- يعنى تعرفون طرقها

стр. 773

وَعَلاماتٍ يعنى الجبال [٢٠١ ب] كقوله سبحانه: «كَالْأَعْلامِ» «١» يعنى الجبال وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ- ١٦-. حدثنا عبيد الله قال: حدثني أبي، قال: حدثنا الْهُذَيْلُ، قال مُقَاتِلُ: هي بنات نعش، والجدي، والفرقدان، والقطب قال: بعينها لأنهن لا يزلن عن أماكنهن شتاء ولا صيفا يعني بالجبال والكواكب يهتدون وبها يعرفون الطرق في البر والبحر، كقوله سبحانه: لا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا «٢» يعني لا يعرفون، ثم قال- : أَفَمَنْ يَخْلُقُ هذه الأشياء من أول السورة إلى هذه الآية كَمَنْ لا يَخْلُقُ شيئا من الآلهة اللات، والعزى، ومناة، وهبل، التي تعبد من دون الله- أَفَلا تَذَكَّرُونَ- ١٧- يعني أفلا تعتبرون في صنعه فتوحدونه- وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ في تأخير العذاب عنهم رَحِيمٌ- ١٨- بهم حين لا يعجل عليهم بالعقوبة وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ في قلوبكم يعني الخراصين الذي أسروا «الكيد» بالبعثة «٣» في طريق مكة ممن «٤» يصد الناس عن النبي- ﷺ بالموسم وَيعلم ما تُعْلِنُونَ- ١٩- يعني يعلم ما تظهرون بألسنتكم حين قالوا للنبي- ﷺ : هذا دأبنا ودأبك. ثم ذكر الآلهة فقال- سبحانه- لكفار مكة: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ يعنى

стр. 774

يعبدون «١» مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني اللات، والعزى، ومناة، وهبل، لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً ذبابا ولا غيرها وَهُمْ يُخْلَقُونَ- ٢٠- وهم ينحتونها بأيديهم ثم وصفهم فقال تعالى: أَمْواتٌ لا تتكلم، ولا تسمع، ولا تبصر «٢» ، ولا تنفع، ولا تضر غَيْرُ أَحْياءٍ لا أرواح فيها، ثم نعت كفار مكة فقال: وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ- ٢١- يعنى متى يبعثون نظيرها فى سورة النمل لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ «٣» وهم الخراصون ثم قال سبحانه: إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فلا تعبدوا غيره ثم نعتهم- تعالى- فقال: فَالَّذِينَ «٤» لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يعني لا يصدقون بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، ثم نعتهم فقال- سبحانه: قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ لتوحيد الله- أنه واحد وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ- ٢٢- عن التوحيد لا جَرَمَ قسما أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ في قلوبهم حين أسروا وبعثوا في كل طريق من الطرق رهطا ليصدوا الناس عن النبي- ﷺ وَما يُعْلِنُونَ حين أظهروا للنبي- ﷺ وقالوا: هذا دأبنا ودأبك إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ- ٢٣- يعنى المتكبرين عن التوحيد، ثم وصفهم فقال سبحانه: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ يعني الخراصين «٥» مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ- ٢٤- وذلك أن الوليد بن المغيرة المخزومي قال لكفار

стр. 775

قريش: إن محمدا- ﷺ : حلو اللسان، إذا كلم الرجل ذهب بعقله، فابعثوا رهطا من ذوى الرأى منكم والحجا فى طريق مكة [٢٠٢ أ] على مسيرة ليلة أو ليلتين، إني لا آمن أن يصدقه بعضهم فمن سأل عن محمد- ﷺ فليقل بعضهم: إنه ساحر يفرق بين الاثنين، وليقل بعضهم: إنه لمجنون يهذي في جنونه، وليقل «١» بعضهم: إنه شاعر لم يضبط الروى، وليقل بعضهم: إنه كاهن يخبر بما يكون في غد. وإن لم تروه خيرا «٢» من أن تروه، لم «٣» يتبعه على دينه إلا العبيد والسفهاء، يحدث عن حديث الأولين، وقد فارقه خيار قومه وشيوخهم، فبعثوا ستة عشر رجلا من قريش في أربع طرق على كل طريق أربعة نفر، وأقام الوليد بن المغيرة بمكة على الطريق فمن جاء يسأل عن النبي- ﷺ لقيه الوليد فقال له: مثل مقالة الآخرين فيصدع «٤» الناس عن قولهم، وشق ذلك على النبي- ﷺ ، وكان يرجو أن يتلقاه الناس فيعرض عليهم أمره، ففرحت «٥» قريش حين تفرق الناس عن قولهم وهم يقولون: ما عند صاحبكم خير «٦» . يعنون النبي- ﷺ وما بلغنا عنه إلا الغرور، وفيهم المستهزءون «٧» من قريش، فأنزل الله- فيهم:
следующие страницы →