← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23622

مسائل نافع بن الأزرق = غريب القرآن في شعر العرب

عبد الله بن عباس

Полный текст (276 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الإهداء يا آل بيت رسول الله حبّكم … فرض من الله في القرآن أنزله يكفيكم من عظيم الفخر أنكم … من لم يصلّ عليكم لا صلاة له الإمام الشافعي إلى الحبيب الأعظم ﷺ سيّد المرسلين وإلى أهل بيته الطاهرين وإلى أصحابه الطّيّبين نهدي هذا العمل المحققان

стр. 2

بسم الله الرّحمن الرّحيم هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ. صدق الله العظيم [سورة آل عمران] الآية (٧)

стр. 3

عن ابن عبّاس ﵄ قال: ضمني رسول الله ﷺ وقال: «اللهمّ علّمه الكتاب» - أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن عكرمة في كتاب العلم باب (١٧- ١٩) رقم (٧٥) و (١٤٣) و (٣٥٤٦) و (٦٨٤٢) . وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة باب: فضائل عبد الله بن عباس ﵄ رقم (٣٤٧٧) . وأخرجه الإمام الترمذي في سننه كتاب المناقب باب (٤٢) . وأخرجه الإمام بن ماجة في سننه في المقدمة باب (١١) . وأخرجه ابن سعد في طبقاته ج ٢ ق ٢ ص ١١٩ و ١٢٣. وأخرجه الإمام أحمد في مسنده ج ١ ص ٢١٤ و ٢٦٦ و ٢٦٩ و ٣٢٧ و ٣٢٨ و ٣٣٠ و ٢٣٥ و ٣٥٩.

стр. 4

المقدّمة الحمد لله خالق المصنوعات، وبارئ البريات، ومدبّر الكائنات، ومعرّف الألسن الناطقات، مفضّل لغة العرب على سائر اللغات، المنزل كتابه، والمرسل رسوله وحبيبه محمدا صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين بها تنويها بشأنها، وتعريفا بعظم محلها وارتفاع مكانها. أحمده أبلغ الحمد وأكمله وأزكاه وأشمله، وأشهد أن لا إله إلا الله اللطيف الكريم، الرؤوف الرحيم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وحبيبه وخليله صلوات الله وسلامه عليه وعلى أهل بيته وعلى سائر النبيين وآل كلّ وسائر الصالحين. أما بعد: فإن لغة العرب كان ولم يزل لها المكانة الأعلى، والمقام الأسمى، ذلك لأن بها يعرف كتاب ربّ العالمين، وسنّة خير الأولين والآخرين وأكرم السابقين واللاحقين. صلوات الله عليه وعلى سائر النبيين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. اجتهد أولو البصائر والأنفس الزاكيات، والهمم المهذبة العاليات في الاعتناء باللغة العربية، والتمكن من إتقانها بحفظ أشعار العرب وخطبهم ونثرهم، وغير ذلك من أمرهم، وكان هذا الاعتناء في زمن الصحابة الأجلّاء ﵃، مع فصاحتهم ومعرفتهم في أمور اللغة وأصولها. فلقد كان ابن عباس ﵄ يحفظ من الأشعار والأقوال ما لا يحصى، وما ضرب عمر بن الخطاب ﵁ لأولاده إلا لتفريطهم في حفظ العربية، وأما ثناء الإمام الجليل الشافعي ﵀،

стр. 5

وحثه على تعلم العربية في أول رسالته، فهو مقتضى منصبه وعظم جلالته، ولا حاجة إلى الإطالة في الحث عليها. فالعلماء مجمعون على الدعاء إليها، بل شرّطوها في كتبهم واتفقوا على تعلمها وتعليمها من فروض الكفايات. لم يشتهر بالتفسير من الصحابة سوى عدد قليل، عدّهم السّيوطي وسمّاهم، وهم الخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير. أما الخلفاء ما سوى الإمام عليّ، فقد قلّ ما نقل عنهم، لانشغالهم بمهام الخلافة، وتقدم وفاتهم، ثم لوجودهم في وسط أغلبه عالمون بكتاب الله ، عارفون بمعانيه وأحكامه، عرب تقل لديهم الحاجة إلى الرجوع في التفسير إلى غيرهم. أما الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه، فكان أكثر الخلفاء رواية، فتأخّر الخلافة عنه مدة خلافة الثلاثة منحه فرصة يتفرغ بها للعلم والتعليم. ثم إن تأخر وفاته أوصله إلى زمن كثرت فيه حاجة الناس إلى من يفسر القرآن ويشرح الأحكام، وكادت فيه تضيع خصائص اللغة العربية بدخول الأعاجم في الإسلام، واختلاطهم بالعرب. أما ابن عباس «١» فبإجماع معاصريه، كان مفسر القرآن الأول. ولنعم ما وصفه

стр. 6

به ابن عمر إذ قال: (ابن عباس أعلم أمة محمد بما نزل على محمد) . وابن عباس رجل أمسك بالمجد من أطرافه. فقد نال شرف صحبة رسول الله ﷺ ، وشرف القرابة من الحبيب المصطفى: فهو ابن عمه العباس بن عبد المطلب. وفي الإمارة: فقد أمّره علي بن أبي طالب على البصرة، وفي الورع والتقى: كان صوّام النهار، قوّام الليل، متضرعا بكّاء من خشية الله ﵎. وفي العلم: كان حبر الأمة الإسلامية، وترجمان القرآن العظيم، وذلك كان لقبه، وحقّا كان يستحقه. فهو ذو المعارف الواسعة، والقلب الذكي، والعقل المستنير. أحب العلم واندفع إليه، وأحسّ أنه للعلم مخلوق. فمنذ أن أدناه منه رسول الله ﷺ وربّت على كتفه وقال داعيا: «اللهمّ فقّهه في الدّين وعلّمه التأويل» «١» بعدها انطلق ابن عباس بقلبه الواعي، وذهنه الصافي، وحافظته الخارقة، سالكا طريق العلم، فلم يضع من طفولته الواعية يوما دون أن يشهد مجالس الرسول الكريم ﷺ ، ويحفظ أقواله، ما جعله في يوم من الأيام رباني الأمة الإسلامية، وأعلمها بكتاب الله، وأفقهها بتأويل آياته، وأقدر المفسرين على النفوذ إلى أغواره، وفهم مراميه وأسراره، مما بوأه بين الصحابة مكانا مرموقا، فكان أكثرهم تفسيرا. ولأن معرفته وحكمته كانتا أسرع نموا من عمره. فقد نال في شبابه الغض حكمة الشيوخ وأناتهم، وعقل الخبراء وحصافتهم مما جعله موضع احترام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، الذي كان حريصا على مشورته في كبير الأمور وعظيمها، وكان يلقبه ب (فتى الكهول) .

стр. 7

يروي ابن عباس فيقول: كان الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ يدخلني مع أشياخ بدر، فكان بعضهم وجد في نفسه فقال: لم يدخل هذا معنا وإن لنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن علمتم. فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قول الله تعالى إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ «٣» ؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئا. فقال لي عمر: أكذلك تقول يا ابن عباس؟. فقلت: لا. فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له وقال: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ «٤» فذلك علامة أجلك. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً «٥» . فقال عمر: لا أعلم منها إلا ما تقول. وكان إعجاب عمر بن الخطاب بابن عباس يزداد كل يوم. حتى إنه كان يقول عنه: ذاكم فتى الكهول إن له لسانا سئولا وقلبا عقولا. وباللسان السؤول، وبالقلب العقول، وبتواضع ابن عباس ودماثة خلقه صار حبر الأمة أو بحر الأمة «٦» وموسوعتها الحيّة. فهو الذي يحدّث عن نفسه فيقول: إن كنت لأسأل عن الأمر الواحد ثلاثين من أصحاب رسول الله ﷺ وعن حرصه على حيازة العلم وأدبه في تعلمه. يقول: لما قبض رسول الله ﷺ قلت لفتى من الأنصار: هلمّ فلنسأل أصحاب رسول الله فإنهم اليوم كثير. فقال: لا.. يا عجبا لك يا ابن عباس، أترى الناس يفتقرون إليك وفيهم من أصحاب رسول الله من ترى؟ فترك ذلك وأقبلت أنا أسأل أصحاب رسول الله ﷺ ، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي إليه وهو قائل في الظهيرة، فأتوسد ردائي على بابه، يسفي الريح عليّ من التراب حتى ينتهي من

стр. 8

مقيله، ويخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله ما جاء بك؟ هلا أرسلت إليّ فآتيك؟ فأقول: لا أنت أحق بأن أسعى إليك. فأسأله عن الحديث وأتعلم منه. وجدّ في طلبه للعلم. حتى أدهش بما بلغه فحول عصره. فقال عنه محمد بن الحنفية: كان ابن عباس حبر هذه الأمة. أما الإمام الحسن ﵁ فكان يقول: إن ابن عباس كان من القرآن بمنزل. وكان التابعون يرون فيه الأستاذ المثل والعالم الكامل، فكان أحد كبار التابعين مسروق بن الأجدع يقول: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس. فإذا نطق قلت: أفصح الناس، فإذا تحدث قلت: أعلم الناس. بل إن تنوّع ثقافته وشمول معرفته لمّا يأخذ بألباب معاصريه، فهو المتمكن من كل علم: في الفقه والتاريخ، وفي تفسير القرآن وتأويله، وفي لغة العرب وآدابهم. يقول عبيد الله بن عتبة: ما رأيت أحدا كان أعلم بما سبقه من حديث رسول الله ﷺ من ابن عباس، ولا رأيت أحدا أعلم بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ منه ولا أفقه في رأي منه، ولا أعلم بشعر ولا عربية، ولا تفسير للقرآن ولا بحساب وفريضة منه. ولما حاز ابن عباس ما قصد إليه من العلم تحوّل إلى معلم يعلم الناس، فيعظ العامة، ويعلم الخاصة، فكان بيته جامعة، فيها تلقى كل العلوم لكن ليس فيها إلا أستاذ واحد، أستاذ موسوعي يجد عنده الطالب كل ما يريد. يقول عبيد الله بن عتبة:.. ولقد كان يجلس يوما للفقه، ويوما للتأويل، ويوما للمغازي، ويوما للشعر، ويوما لأيام العرب وأخبارهم، وما رأيت عالما جلس إليه إلا خضع له ولا سائلا سأله إلا وجد عنده علما. لقد كان لا بد لابن عباس من تخصيص أيام الأسبوع كل يوم بعلم، فقد كان مقصد الباحثين والطالبين، يأتيه الناس من أقطار الإسلام أفواجا لينهلوا من بحر علمه، ويستغلوا فرصة وجوده «٧» .

стр. 9

ولم يكن ابن عباس ذا ذاكرة قوية خارقة فقط، بل وذا ذكاء نافذ وفطنة بالغة، كانت حجته إذا حاجج كما الشمس في رابعة النهار- بهجة ووضوحا وألقا- وما كان يحاور ويحاجج زهوا بعلمه ولا إظهارا لقوة منطقة وصلابة موقفه، بل كان يرى ذلك سبيلا لإظهار الحق ومعرفة الصواب. عرف له ذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فوجهه إلى الخوارج فحاورهم حوارا رائعا، بيّن فيه الحق، وساق الحجة بشكل يبهر الألباب، فما كاد ينتهي النقاش حتى نهض منهم عشرون ألفا راجعين عن خروجهم على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، معلنين أحقّيّة الإمام علي فيما يسير إليه. وما نسوقه في هذا الكتاب من مسائل، مظهر آخر من مظاهرة قوة الرجل في علمه وحجته، وما كان لابن عباس من الثروة العلمية بأقل مما له من ثروة الخلق والكرم، وسخاؤه بالمال لم يكن بأقل من سخائه بالعلم. يقول عنه أحد معاصريه: ما رأيت بيتا أكثر طعاما ولا شرابا ولا فاكهة ولا علما من بيت ابن عباس. تخلّق ابن عباس بأخلاق الإسلام، وتمثّل آداب العلماء، فكان طاهر القلب، نقي النفس لا يحمل ضغنا لإنسان، يتمنى الخير لكل مخلوق. يقول عن نفسه: إني لآتي على الآية من كتاب الله فأود لو أن الناس جميعا علموا مثل الذي أعلم، وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يقضي بالعدل ويحكم بالقسط. فأفرح به، وأدعو له، ومالي عنده قضية، وإني لأسمع بالغيث يصيب للمسلمين أرضا فأفرح به، وما لي بتلك الأرض سائمة» . ولئن قال الله ﷻ : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ «٩» ، فإن ابن عباس لمن أشد الناس خشية لله، وأكثرهم تعبدا وتضرعا، بكّاء إذا صلى أو قرأ القرآن، فأبدا لم يكن من الذين يقولون ما لا يفعلون، وإنما صوّاما لنهاره، قوّاما ليله. حدّث عبد الله بن مليكة فقال: صحبت ابن عباس ﵁ من مكة إلى

стр. 10

المدينة، فكنا إذا نزلنا منزلا قام شطر الليل والناس نيام، ولقد رأيته ذات ليلة يقرأ: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ «١٠» . فظل يكررها وينشج حتى طلع عليه الفجر. أما بالنسبة لذكاء ابن عباس فحدّث ولا حرج. روى الأصبهاني في الأغاني قال: بينا ابن عباس في المسجد الحرام، وعنده نافع بن الأزرق «١١» ، وناس من

стр. 11

الخوارج يسألونه، إذ أقبل عمر بن أبي ربيعة في ثوبين مصبوغين مورّدين حتى دخل وجلس، فأقبل عليه ابن عباس فقال: أنشدنا فأنشده: أمن آل نعم أنت غاد فمبكر … غداة غد أم رائح فمهجّر «١٢» حتى أتى على آخر القصيدة، فأقبل عليه نافع بن الأزرق فقال له: الله يا ابن عباس! إنا نضرب إليك أكباد الإبل من أقاصي البلاد، نسألك عن الحلال والحرام، فتتثاقل عنا، ويأتيك غلام مترف من مترفي قريش فينشدك: رأيت رجلا أمّا إذا الشمس عارضت … فيخزى وأما بالعشيّ فيخسر فقال ابن عباس: ليس هكذا قال: قال نافع: فكيف؟ قال: رأيت رجلا أما إذا الشمس عارضت … فيضحى وأما بالعشيّ فيخصر «١٣» قال نافع: ما أراك إلا وقد حفظت البيت؟ قال: نعم، وإن شئت أن أنشدك القصيدة أنشدتك إياها «١٤» . قال: فإني أشاء. فأنشده القصيدة حتى أتى على آخرها، وما سمعها قط إلا تلك المرة صفحا «١٥» . ولقد بلغ ابن عباس من مجد العلم مبلغا سارت بحديثه الركبان. فقد روي أن عبد الله بن عباس الذي ليس له صولة ولا إمارة، خرج حاجا في سنة خرج فيها للحج خليفة المسلمين معاوية بن أبي سفيان. فكان لمعاوية موكب من رجال دولته، أما ابن عباس فقد كان له موكب من طلاب العلم يفوق موكب الخليفة. ولعل من أهم أسباب تفوق ابن عباس نشأته في بيت النبوّة لعظيم الأثر فيما بلغه

стр. 12

من العلم والفهم، فنشأته تلك تعني ملازمة دائمة للنبي ﷺ ، يضاف إلى ذلك ملازمة ابن عباس لأكابر الصحابة بعد وفاة المصطفى يتعلم منهم، ويعرّفونه من أسباب النزول وتواريخ التشريع ما لم يعرفه لصغره. وابن عباس عالم العربية الذي لا يدرك شأوه، عرف اللغة، وحفظ غريبها، وتعمق بخصائصها وآدابها، وأدرك أساليبها، حتى إنه كان له طريقة مميزة في التفسير، فكان كثيرا ما يرجع إلى الشعر الجاهلي إذا سئل عن غريب القرآن. يروي الأنباري عنه أنه قال: إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر فإن الشعر ديوان العرب. ولعل أستاذه في هذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فقد كان عمر يسأل أصحابه عن معنى قول الله تعالى: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ «١٦» . فيقوم له شيخ من هذيل فيقول له: هذه لغتنا. التخوف: التنقص. فيقول له عمر: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها. فيقول له نعم، ويروي له قول الشاعر: تخوّف الرحل منها نامكا قردا … كما تخوّف عود النبعة السّفن فيقول عمر لأصحابه: عليكم بديوانكم لا تضلوا. قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية فإنّ فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم «١٧» . وكما رأى عمر بن الخطاب ﵁، كان يرى ابن عباس أن الرجوع إلى الشعر الجاهلي ضروري للاستعانة به على فهم غريب القرآن فيقول: الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا ذلك منه. وسار التابعون من تلامذة ابن عباس على طريقته اللغوية في التفسير، حتى قامت الخصومة بين بعض الفقهاء واللغويين ومن فسّر بهذه الطريقة فاتهموهم أنهم بذلك يجعلون الشعر الجاهلي المذموم حديثا وقرآنا أصلا للقرآن، والحقيقة والواقع

стр. 13

ليسا كذلك، فما الأمر إلا بيان للحرف الغريب من القرآن بالشعر. والله العلي القدير يقول: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا «١٨» . ويقول: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ «١٩» . آثرنا أن ننشر سؤالات نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن عباس لمكانتها التاريخية في علم التفسير من جهة، ولمكانتها الأدبية من جهة أخرى. وقد أضفنا إلى العنوان الرئيسي عنوانا جديدا وضروريا وهو: غريب القرآن في شعر العرب كي يقع هذا العنوان على نظر القارئ ويتفهم المراد منه. وقد نشر الكثير منها الإمام جلال الدين عبد الرحمن السيوطي المتوفى سنة (٩١١ هـ) في كتابه: الإتقان في علوم القرآن من صفحة ١٢٠ حتى ١٣٣. طبعة المكتبة الثقافية في بيروت عام (١٩٧٣ م) مصورة عن طبعة سابقة. بحجم ١٩ ٢٧. وتشتمل الصفحة على ٣٤ سطرا. ولكن نسخ (الإتقان) على طبعاتها الكثيرة مشحونة بالخطإ. كذلك أعاد الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي نشر هذه المسائل في نهاية كتابه (معجم غريب القرآن) طبعة دار المعرفة في بيروت مصورة عن طبعة القاهرة عام (١٩٥٠) . اعتمد الأستاذ الفاضل محمد عبد الباقي الترتيب الألف بائي في ترتيب المسائل. من أجل ذلك عمدنا إلى نشر هذه المسائل كما وردت في الأصل المخطوط المحفوظ في دار الكتب المصرية تحت رقم ١١٦ مجاميع م. والأصل المخطوط يمتاز بخطه النسخي الجميل لكنه خال من تاريخ النسخ واسم الناسخ، ومقاس الورقة ٢٦ ١٥. وتشتمل الصفحة على ٢٩ سطرا. وكان عملنا في نشر هذا الأثر منصبا على ضبط النص، وتحقيقه مستعينين بكتب الأدب واللغة والتفسير والدواوين. مع تعريف كامل وشامل للشعراء المستشهد بشعرهم وشرح غريب اللغة. كذلك اعتمدنا الفهارس المكثفة في نهاية عملنا لتعم الفائدة والمنفعة، ولنسهل

стр. 14

على ذوي الاختصاص الرجوع لأي مادة من مواد الكتاب بواسطة هذه الفهارس. والفهارس التي اعتمدناها في كتابنا هي. ١- فهرس القوافي. ٢- فهرس المسائل غير الواردة في (الإتقان في علوم القرآن) . ٣- فهرس أوائل الآيات القرآنية الكريمة. ٤- فهرس الأعلام. ٥- فهرس القبائل. ٦- فهرس الأماكن. ٧- فهرس الكتب. ٨- الفهرس العام. وإنا نضرع إلى الله جلاله وعزّ سلطانه كما منّ علينا بإتمام هذا الكتاب أن يتم النعمة بقبوله، وأن يجعلنا من السابقين الأولين من أتباع رسوله ﷺ ، وأن لا يخيب أملنا، فهو الجواد الذي لا يخيب من أمله، ولا يخذل من انقطع عمن سواه، وأمّ له. وصلى الله على من لا نبي بعده، سيدنا وحبيبنا ورسولنا محمد وآله وصحبه وسلم. كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون. والحمد لله أولا وآخرا. المحققان

стр. 15

بسم الله الرّحمن الرّحيم حدثنا أبو الحسين عبد الصمد بن علي بن محمد مكرم المعروف بابن الطسيّ «١» قراءة عليه من لفظه في مسجده بدرب رباح «٢» يوم الخميس لعشر خلون من ربيع الآخر من سنة أربع وأربعين وثلاثمائة (٣٤٤ هـ) . قال: حدثنا أبو سهل السري بن سهل بن حربان «٣» الجنديسابوري بجنديسابور «٤» قراءة عليه سنة ثمان وثمانين ومائتين (٢٨٨ هـ) . قال: حدثنا يحيى بن عبيدة [المكي] «٥» . واسم أبي عبيدة بحر بن فروخ، قال:

стр. 16

أخبرنا سعيد بن أبي سعيد «٦» قال: حدثنا عيسى بن دأب «٧» عن حميد الأعرج «٨» وعبد الله بن أبي بكر بن محمد «٩» عن أبيه قال: بينا عبد الله بن عباس «١٠» جالس بفناء الكعبة قد أسدل «١١» رجله في حوض زمزم «١٢» ، إذ الناس قد اكتنفوه «١٣» من كل ناحية يسألونه عن تفسير القرآن «١٤» . وعن الحلال والحرام، وإذا هو يتعايى «١٥» بشيء يسألونه عنه. فقال نافع بن الأزرق «١٦» لنجدة بن عريم «١٧» :

стр. 17

قم بنا إلى هذا الذي يجترئ على تفسير القرآن والفتيا «١٨» بما لا علم له به. فقاما إليه فقالا: يا ابن عباس، ما يحملك على تفسير القرآن والفتيا بما لا علم لك به. آشيئا «١٩» سمعته من رسول الله ﷺ أم هذا منك تخرّصا «٢٠» ، فإن كان هذا منك تخرّصا فهذه والله الجرأة على الله . فقال ابن عباس مجيبا لنافع بن الأزرق: لا والله، ما هذا مني تخرّصا، لكنه علم علمنيه الله، ولكني سأدلك على من هو أجرأ مني يا ابن الأزرق؟. قال: دلّني عليه. فقال: رجل تكلم بما لا علم له به، أو رجل كتم الناس علما علّمه الله ، فذاك أجرأ مني يا ابن الأزرق. وقال نجدة: فإنك تريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله ، فتفسره لنا، وتأتينا بمصداقه من كلام العرب، فإن الله أنزل القرآن بلسان عربي مبين. قال ابن عباس: سلاني عما بدا لكما تجدا علمه عندي حاضرا إن شاء الله تعالى.

стр. 18

(١) ع ز و [عزين] فقالا: يا ابن عباس: أخبرنا عن قول الله : عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ «١» . قال: عزين: الحلق الرفاق «٢» . قالا: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت عبيد بن الأبرص «٣» وهو يقول: فجاءوا يهرعمون إليه حتّى … يكونوا حول منبره عزينا «٤»

стр. 19

(٢) وس ل [الوسيلة] قال نافع: يا ابن عباس أخبرني عن قول الله : وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ «١» . - الحاجة. قال: أو تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت عنترة العبسي «٢» وهو يقول: إنّ الرّجال لهم إليك وسيلة … إن يأخذوك تكحّلي وتخضّبي «٣»

стр. 20

(٣) ن هـ ج [منهاجا] قال: يا ابن عباس أخبرني عن قول الله شِرْعَةً وَمِنْهاجاً «١» . قال: الشرعة: الدّين. والمنهاج: الطّريق. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب «٢» وهو يقول: لقد نطق المأمون بالصّدق والهدى … وبيّن للإسلام دينا ومنهجا «٣» قال: يعني به النبي ﷺ «٤» .

стр. 21

(٤) ي ن ع [وينعه] قال: يا ابن عباس أخبرني عن قول الله : إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ «١» . قال: نضجه وبلاغه. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم أما سمعت الشاعر وهو يقول: إذا ما مشت وسط النّساء تأوّدت … كما اهتزّ غصن ناعم النّبت يانع «٢»

стр. 22

(٥) ر ي ش [وريشا] قال: يا ابن عباس أخبرني عن قول الله : يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً «١» . قال: الرياش: المال. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول: فرشني بخير طالما قد بريتني … وخير الموالي من يريش ولا يبري «٢»

стр. 23

(٦) ك ب د [كبد] قال: يا ابن عباس أخبرني عن قول الله : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ «١» . قال: في اعتدال واستقامة «٢» . قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة «٣» وهو يقول: يا عين هلّا بكيت أربد إذ … قمنا وقام الخصوم في كبد «٤»

стр. 24

(٧) س ن و [سنا] قال: يا ابن عباس أخبرني عن قول الله : يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ «١» . قال: السّنا الضّوء الذي يدخل في الكوّة «٢» . قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب «٣» وهو يقول: يدعو إلى الحقّ لا يبغي به بدلا … يجلو بضوء سناه داجي الظّلم «٤»

стр. 25

(٨) ح ف د [حفدة] قال: يا ابن عباس: أخبرني عن قول الله : بَنِينَ وَحَفَدَةً «١» . قال: ولد الولد. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: أما سمعت الشاعر وهو يقول: حفد الولائد حولهنّ وأسلمت … بأكفّهنّ أزمّة الإجمال «٢»

стр. 26

(٩) ح ن ن [حنانا] قال: يا ابن عباس: أخبرني عن قول الله : وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا «١» . قال: رحمة من عندنا. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت طرفة بن العبد «٢» وهو يقول: أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا … حنانيك بعض الشّرّ أهون من بعض «٣»

стр. 27

(١٠) ي أس [ييأس] قال: يا ابن عباس: أخبرني عن قول الله : أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا «١» . قال: أفلم يعلم الذين آمنوا، بلغة بني مالك «٢» . قال: فهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت مالك بن عوف «٣» وهو يقول: لقد يئس الأقوام أنّي أنا ابنه … وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا «٤»

стр. 28

(١١) ث ب ر [مثبورا] قال: يا ابن عباس: أخبرني عن قول الله : … يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً «١» . قال: ملعونا محبوسا من الخير. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت عبد الله بن الزّبعري «٢» وهو يقول: إذ أتاني الشّيطان في سنة النّو … م ومن مال ميله مثبورا «٣»

стр. 29

ممم صفحة فارغة قبل الضاد ممم

стр. 30

(١٢) م خ ض [المخاض] قال: يا ابن عباس: أخبرني عن قول الله : فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ «١». قال: فألجأها المخاض «٢» إلى جذع النخلة. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الشاعر «٣» وهو يقول: إذ شددنا شدّة صادقة … فأجأناكم إلى سفح الجبل «٤»

стр. 31

(١٣) ن د و [نديّا] قال: يا ابن عباس: فأخبرني عن قول الله : وَأَحْسَنُ نَدِيًّا «١» . قال: النادي المجلس والتكأة «٢» . قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الشاعر «٣» وهو يقول: يومان يوم مقامات وأندية … ويوم سير إلى الأعداء تأويب «٤»

стр. 32

(١٤) أث ث [أثاثا] قال: يا ابن عباس: أخبرني عن قول الله : أَثاثاً وَرِءْياً «١» . قال: الأثاث: المتاع. والري: من الشراب. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الشاعر «٢» وهو يقول: كأنّ على الحمول غداة ولّوا … من الرّئي الكريم من الأثاث «٣»

стр. 33

(١٥) ص ف ص ف [صفصفا] قال: يا ابن عباس: أخبرني عن قول الله : فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً «١» . قال: القاع: الأملس. والصفصف: المستوي. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول: بملمومة شهباء لو قذفوا بها … شماريخ من رضوى إذا عاد صفصفا «٢»

стр. 34

(١٦) ض ح و [تضحى] قال: يا ابن عباس: أخبرني عن قول الله : وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى «١» . قال: لا تعرف فيها من شدة حرّ الشّمس. قال: فهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر «٢» وهو يقول: رأت رجلا، أمّا إذا الشّمس عارضت … فيضحى، وأيما بالعشيّ فيخصر «٣»

стр. 35

(١٧) خ ور [خوار] قال: يا ابن عباس: فأخبرني عن قول الله : عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ «١» . قال: يعني له صياح. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: أما سمعت الشاعر وهو يقول: كأنّ بني معاوية بن بكر … إلى الإسلام صائحة تخور «٢»

стр. 36

(١٨) ون ي [تنيا] قال: يا ابن عباس: أخبرني عن قول الله : وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي «١» . قال: أي لا تضعفا عن أمري، يعني موسى «٢» وهارون «٣» . قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول: إنّي وجدّك ما ونيت ولم أزل … أبغي الفكاك له بكلّ سبيل «٤»

стр. 37

(١٩) ع ر ر [والمعترّ] قال: يا ابن عباس: أخبرني عن قول الله : الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ «١» . قال: القانع: الذي يقنع بما يعطي. والمعتر: الذي يعترض الأبواب. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الشاعر «٢» وهو يقول: على مكثريهم حقّ من يعتريهم … وعند المقلّين السّماحة والبذل «٣»

стр. 38

(٢٠) ش ي د [مشيد] قال: يا ابن عباس: أخبرني عن قول الله : وَقَصْرٍ مَشِيدٍ «١» . قال: مشيد بالجصّ «٢» والآجر «٣» . قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت عدي بن زيد «٤» وهو يقول: شاده مرمرا وجلله كل … سا فللطّير في ذراه وكور «٥»

стр. 39

(٢١) ش وظ [شواظ] قال: يا ابن عباس: أخبرني عن قول الله : شُواظٌ مِنْ نارٍ «١» . قال: الشّواظ: اللهب الذي لا دخان له. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت أمية بن أبي الصلت «٢» يهجو حسّان بن ثابت «٣» وهو يقول: ألا من مبلغ حسّان عنّي … مغلغلة تدبّ إلى عكاظ «٤» أليس أبوك فينا كان قينا … لدى القينات فسلا في الحفاظ «٥»

стр. 40

يمانيّا يظلّ يشدّ كيرا … وينفخ دائبا لهب الشّواظ «٦» فأجابه حسّان بن ثابت: أتاني عن أميّ ثنا كلام … وما هو في المغيب بذي حفاظ ستأتيه قصائد محكّمات … وتنشد بالمجاز إلى عكاظ همزتك فاختضعت بذلّ لفظ … بقافية تأجّج كالشّواظ «٧»
следующие страницы →