الجزء الأول
لا اله الا الله بسم الله الرّحمن الرّحيم سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك أنت العليم الحكيم. سبحان من تجلى لذاته بذاته. في ملابس أسمائه وصفاته. وتعزز بكبريائه عن أن تصفه ألسنة مظاهره ومصنوعاته. جل جناب قدسه عن أن يكون شرعة كل وارد. ووجهة كل قاصد. فيا عجبا من المدرك وما الإدراك. في مقام لا يسع فيه سوى ما عرفناك
تعالى الحق عن همم الرجال ... وعن وصف التفرق والوصال
إذا ما جل شيء عن خيال ... يجل عن الاحاطة والمثال
بحمدك لنفسك نتوسل إليك. وبثنائك لذاتك نثنى عليك. لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
ونصلى على رسولك المؤيد من عندك. لتبليغ سرائر حكمك وأحكامك. الى خلص عبادك. ونتضرع إليك أن لا تزيغ قلوبنا بعد إذ هديت إذ بيدك أزمة الأمور. وبمشيئتك يجرى ما في الصدور. إخواني أبقاكم الله لا تلوموني بما أنا عليه. ولا تعيرونى بأمر قصدت اليه. إذ من سنته سبحانه اظهار ما خفى في علمه. وإبراز ما كمن في غيبه. يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد. لا حول ولا قوة الا بالله. وما بكم من نعمة فمن الله. هو يقول الحق وهو يهدى السبيل. وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه أنيب. عن جميع ما يعيبني ويريب. والملتمس من الاخوان. والمرجو من الخلان. أن لا ينظروا فيه إلا بعين العبرة. لا بنظر الفكرة. وبالذوق والوجدان. لا بالدليل والبرهان. وبالكشف والعيان. لا بالتخمين والحسبان. والله ما هذا الفقير الحقير من أصحاب القيود. المتشبثين بأذيال الحجج والحدود. ولا من المتصوفة المتصلفة من الوارد والمورود. المتفوهة عن الواجد والموجود. بل من خدام الفقراء المنسلخين عن جميع الرسوم والعادات. المنتظرين بما ظهر لهم من الحق في عموم الأوقات وشمول الحالات. نفعنا الله وإياكم بالقرآن العظيم. وشرح صدورنا وصدوركم بالآيات والذكر الحكيم. انه هو الجواد الكريم. الفتاح العليم.
стр. 2
التواب الرحيم. ثم لما كان ما ظهر فيه من جمل الفتوحات التي قد فتحها الحق ووهبها من محض جوده سمى من عنده بالفواتح الإلهية. والمفاتح الغيبية الموضحة للكلم القرآنية. والحكم الفرقانية. وقبل الخوض في المقصود لا بد من تمهيد أصل كلى جملي يتضمن على سرائر عموم المعارف والحقائق. والمكاشفات والمشاهدات الواردة على قلوب الكمل وعلى مطلق الأوامر والنواهي وعموم التكاليف والاحكام الواردة من الله الموردة في الكتب والصحف الإلهية وعلى أسرار مطلق الإنزال والإرسال وحكم عموم الوحى والإلهام ومصالح الولاية المطلقة والنبوة والرسالة وعلى وضع الملل والأديان وصور الطاعات والعبادات الدنيوية والمعتقدات الاخروية من الحشر والنشر والجنة والنار والصراط والسؤال والحساب والجزاء وما يترتب عليها من اللذات الجسمانية والروحانية. والدرجات العلية الجنانية.
والدركات الهوية النيرانية. وغير ذلك من الأمور الجارية على السنة الكتب والرسل وفي عرف عموم الشرائع والأديان. الموضوعة لإرشاد الإنسان. وتكميله ليصل الى مرتبة المعرفة والإيقان. ويتمكن في مقر التوحيد والعرفان" اعلم". ان الوجود البحت وان شئت قلت الذات الاحدية أو الحقيقة المتحدة المحمدية أو الهوية الشخصية السارية في عموم المظاهر والأكوان أو مسمى اسم الله المستجمع لعموم الأسماء والأوصاف الإلهية وكأنه قد وضع هذا الاسم له سبحانه وضع الأعلام وان كان وضع العلم «٤» بالنسبة اليه سبحانه محالا في نفسه الى غير ذلك من العبارات انما هو عبارة عن المبدأ الحقيقي والمنشأ الأصلي لعموم ما ظهر وبطن وغاب وشهد وهو ينبوع بحر الوجود وقبلة الواجد والموجود وهو الموجود حقيقة وما سواه معدوم باطل وظل زاهق زائل. وبالجملة ليس المقصود من العبارات المذكورة الا الإشارة والتنبيه على الحقيقة المتحدة الإلهية التي قد استقل بها في الوجود وتفرد بالتحقق والثبوت بلا تعدد فيه وشركة وكثرة أصلا الا وهو الوجود «٥» البحت الخالص عن مطلق القيود المخصصة والأوصاف المتخصصة وإياك إياك ان تفهم من لفظ الوجود المعنى المصدري او المفهوم الكلى المنقسم الى المتواطئ والمشكك او المفهوم الزائد على الماهيات أو العين لها الى غير ذلك من المزخرفات التي قد أوهمها أصحاب القيود المتشبثين بأذيال الحجج والحدود التي قد اعتبرتها أحلامهم السخيفة وعقولهم الكثيفة المموهة بتمويهات الأوهام والخيالات الباطلة الشيطانية المورثة لهم من القوى البهيمية الناسوتية المتفرعة على الشركة والثنوية قطعا من غير تفطن وتنبه لهم الى عالم اللاهوت ومقتضيات القوى الروحانية المترتبة على الوحدة الذاتية الحقيقية الحقية وما ذلك الا من ظلمات الفهم وعاداتهم بالمدركات الحسية وبمنتزعاتها الكلية والجزئية المستنبطة من المحسوسات الشهادية ومن الملكات الرديئة الكثيفة التقليدية الراسخة في نفوسهم من القوى والآلات الناسوتية بلا شعور منهم وانتباه الى الملكات اللطيفة الفطرية اللاهوتية التي هم جبلوا عليها وخلقوا لأجلها. وبالجملة من لم يجعل الله له نورا فماله من نور. بل لك أن تفهم من لفظ الوجود الكون والتحقق والثبوت الواقع في الواقع وفي نفس الأمر المعبر عنه بلغة الفرس بلفظة «هست» المقابل للفظة «نيست» والوجود بهذا المعنى يقابل للعدم تقابل العدم والملكة بحيث لا اتصاف لاحد المتقابلين بالآخر أصلا فيكون الوجود واجب الوجود البتة والعدم ممتنع الوجود البتة بلا امتزاج لهما
стр. 3
بالآخر وتركب بينهما أصلا لمنع الجمع فيكون الوجود وجودا وان شئت قلت موجودا بلا تفاوت بين الوجود والموجود أزلا وأبدا على ما كان عليه حيا قيوما دائما باقيا لاستحالة أن يزول عنه مقتضاه بل لا يزال هو على صرافة تحققه ووجوده وثبوته بلا مكيال زمان وآن. ومقدار شأن ومكان. بل له شأن لا يسع في شأن. وكذا العدم عدم ممتنع ان يزول عنه مقتضاه أصلا ولا ثالث لهما إذ لا واسطة بينهما لمنع الخلو والذي يقال له ممكن الوجود لا بد ان لا يخرج عن حيطتهما لانحصار مطلق المفهوم فيهما بلا واسطة بينهما كما صرح به علماء الرسوم ايضا والذي أثبته بعض المنحرفين عن جادة العدالة الفطرية والفطانة الحدسية المنصرفين عن مقتضى الشعور الجبلي وهم منهم واتباع بشيطانى الوهم والخيال لا يؤبه بهم ولا يعتد بقولهم هذا لا جائز ان يكون ممكن الوجود من حيطة الوجود إذ هو واجب الوجود دائما لا يزول مقتضاه عنه أصلا وما هو ممكن الوجود قد يزول عنه الوجود المستعار ويتصف بالعدم فتعين ان يكون من حيطة العدم فظهوره على صورة الموجود المتأصل وكونه مصدرا للآثار الظاهرة ظاهرا انما هو من ظهور الوجود وتجليه على مرآة العدم دائما ازلا وابدا بعموم أوصافه وأسمائه الذاتية. وبجميع شئونه وتطوراته الغير المتناهية. ومن انعكاس لمعات وجهه الكريم.
على صحيفة العدم حسب أوصافه وأسمائه العظيم. يتراءى من العدم الصقيل ما يتراءى من الصور والآثار الكونية الكيانية والغيبية والشهادية والدنيوية والاخروية والمثالية والبرزخية. وبالجملة ارتباط العالم بالحق ليس الا مثل ارتباط الصور المرئية في المرايا الى ذي الصورة وارتباط العكوس والاظلال الى الأضواء. والأمواج الى الماء فيكون العالم الذي هو ممكن الوجود على صرافة عدميته الاصلية ما شم رائحة من الوجود أصلا سوى ان الوجود قد انبسط وتجلى عليها فيتراءى من سراب العدم ما يتراءى.
مثل الصور المرئية في الماء والمرايا. واما دوام العالم على تجدداتها المرئية وتطوراتها المشاهدة منها وتبدلاتها بالأشباه والأمثال مثل تجدد الاعراض بل ما هي في الحقيقة إلا نسب وأعراض ولله در من قال
كل ما في الكون وهم او خيال ... او عكوس في المرايا او ظلال
لاح في ظل السوى شمس الضحى ... لا تكن حيران في تيه الضلال
فمبنى على ان للوجود البحت بالمعنى الذي ذكر شئوناتي. وتطورات لا تعد ولا تحصى. إذ للتحقق والثبوت الذي هو الواقع في نفس الأمر حقيقة ومعنى ازلا وابدا حيا قيوما شئون واطوار كاملة مترتبة في الكمال غير متناهية غير مكررة ابدا غير منقطعة أصلا إذ الوجود وجود دائما متجدد مستمر على شئون غير متكررة ازلا وابدا. فلك ان تصفى سرك عن مألوفات طبعك رأسا وعن مدركات قواك وآلاتك مطلقا وتراجع ذوقك ووجدانك بعد اطراح عموم الرسوم والعادات عن البين. وإسقاط جميع الكوائن والفواسد عن العين/ حتى تجد في سرك طورا غريبا وطرزا عجيبا وتذوق من وجدك ووجدانك لذة لدنية وشعورا حقيقيا معنويا ووحدانا تاما ذوقيا شوقيا حضوريا كشفيا شهوديا لا كمدركات العقول والافهام. بحسب الانطباع والحصول ولا مثل شعور القوى والأحلام.
بل له شأن لا يعرضه شأن. ولا يحيط به ذوق ووجدان. ولا يسبقه حين ولا زمان. ولا يشغله مكان واركان.
بل كل يوم وآن في شأن لا كشان. وكل ما انعكس منه في سراب الإمكان هو فان. ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام. ومتى تحققت بمقام قد اومأنا عليك. وذقت حلاوة ما أشرنا إليك. وصرت على يقين كامل وذوق تام من لذة التحقق والوجود والثبوت والحضور وترقيب أنت في كشفه وشهوده
стр. 4
من مرتبة العلم الى العين ومن العين الى الحق فقد نلت بما نلت وفزت بما فزت وليس وراء الله مرمى ومنتهى. وبعد ما قد وصلت الى هذا المشهد العظيم. وتمكنت في مقام الرضاء والتسليم. فقد تحققت بشئون الوجود ونشآته الغير المحدودة. وحينئذ قد ظهر عندك ولاح لديك كمالات الوجود المتجددة. دائما بالأمثال الى ما لا نهاية لها وتطوراته المتماثلة الغير المتكررة. وتشعشعاته المتشابهة الغير المتطابقة. وتجلياته المتناسبة الغير المتوافقة. وبعد ما قد شاهدت الوجود الحق الحقيق بالتحقق والثبوت على هذا المنوال وانكشفت لك لوامعه اللامعة ازلا وابدا على هذا المثال قد ظهر لك ولاح دونك احوال مطلق الصور والاظلال والعكوس المنعكسة منها والأمثال المترتبة عليها التي هي عبارة عن السوى والأغيار المسمى بالعالم المنعكس من مرآة العدم عند امتداد نور الوجود عليه وظهوره فيه وتبينه به ومنه إذ لا ضد للوجود سواه حتى يبينه ويكون مرآة له وظهور الوجود بلا مرآة مستحيل قطعا إذ قد احرق حينئذ سبحات وجهه ولمعات شروق تجلياته عموم ما انتهى اليه بصره مطلقا" واعلم" ان تشعشع الوجود الحق ازلا وابدا على هذا المنوال وتجدده دائما بتوهم الأشباه والأمثال انما هو دليل توحده وتشخصه سبحانه بالذات والحقيقة وان لم يكن تجليه كذلك فمن انى يعلم انفراد الذات ووحدتها وتشخصها مثلا لو فرض بقاء قرص الشمس ازلا وابدا على تشعشعها وبريقها ولمعانها الذاتية التي نشاهد منها الآن لا بد ان تكون متجلية دائما على هذا الوجه والشان المشاهد البتة بلا طريان اطوار أخر عليها وشئون شتى متخالفة لها بالذات حتى تكون باقية على حالها وشخصها وصرافة وحدتها والا فكيف يعلم انها هي شخصها وان كانت الشئون المتجددة المتواردة عليها آنا فآنا طرفة فطرفة غير متناهية في أنفسها وغير متكررة في حدود ذواتها وهكذا تجليات الحق وشئون الوجود ازلا وابدا بلا تكرر في نشآته وتجلياته أصلا بل، هو متجل دائما بتجليات متناسبة متشابهة في الكمال «٢» بلا تناه وتكرار «٣» وبالجملة العارف الفطن صاحب الذوق الصحيح والشهود التام إذا أمعن فيما أومأنا عليه وأشرنا نحوه
стр. 5
نطمع ونرجو منه طاب وقته ان يعتذر عنا ويعفو عن زلاتنا إذ لا يسع لاقدام الأرقام. ولا لألسنة التعبير والأقلام. الاقدام على سرائر الوجود والالتزام. على شرحه وإيضاحه وإفهامه على ما هو عليه في نفسه بل قصارى ما قيل في شانه وقصوى ما يقال في وصفه وبرهانه المتعالي عن مطلق الافهام والأحلام انما هو التنبه والتنبيه على وحدة ذاته وكثرة شئونه وتطوراته المترتبة على أسمائه وصفاته الذاتية والا فمنازل الوصول الى كنهه لا ينقطع ابد الآباد كما لم ينقطع في أزل الآزال. ولعمري انى مع قلة بضاعتي وضعف يقيني وكلال فهمي وتزلزل قدمي وتذبذب عزمي عن درك الوجود ووجده قد رمت وهممت مرارا ان اكتب ما ذقت وفزت من حلاوة فهمه ووجده وما نلت به منه وبسره حسب ما يسر الله لي وكشف على بمقتضى فضله وجوده والله لقد كل لساني وقصر نطقى وبيانى عن تقرير ما في ذوقى ووجداني وانحسر فطنتي وعقلي عن فحص ما في سرى وقلبي وصرت بحيث قد اعتزل عنى حينئذ عموم قواي وآلاتى ومدركاتها بالمرة وانعزل عنها وعن مقتضياتها جميعا في تلك الحالة الغريبة البديعة وقد بقي إذا في سرى سرور. وفي خلدي وروعي وجد وحضور. لا يحوم حوله فترة وفتور. ولا يعتريه غفلة وقصور. ولا شك ان التعبير عن مطلق الوجدانيات على وجهها متعذر عند جمهور العقلاء وذوى الأذواق الصحيحة والعزائم الخالصة من العرفاء الأمناء «٢» بخلاف الانطباعيات الحاصلة بوسائل القوى والآلات فان التعبير عنها على وجهها ميسر لكل من تصدى وقصد التعبير عنها والسر في ذلك والله اعلم ان في الانطباعيات قد تنفعل وتتأثر القوة المدركة المحصلة لها والقوى والآلات المؤدية إليها الممدة إياها فيمكن التعبير عن الصور الحاصلة المنطبعة في القوة العاقلة الحاملة لها وكذا عن جميع ما حصل في سائر المشاعر والآلات من الصور والأمثال بخلاف الوجدانيات فان فيها ومنها تتأثر الروح الذي هو من عالم الأمر الإلهي فكما لا يمكن التعبير عن الروح وعن لميته وكيفيته كذلك لا يمكن التعبير عن الوجدانيات ومطلق اللدنيات والحضوريات ايضا. وبعد ما قد ظهر من سياق ما قررنا لك وسباق ما تلونا عليك ان الوجود الحي القيوم الدائم الثابت ازلا وابدا على صرافة وحدانيته وفردانيته واستقلاله في ذاته وتحققه ووجوده يمكن ادراك انيته ووجدته وحضوره وكشفه وشهوده على الوجه الذي هو عليه وكذا ادراك اتصافه بالأوصاف والأسماء الذاتية وتجليه عليها دائما بلا فترة وتعطيل وبلا انقضاء وتحويل لكن لا يمكن ان يدرك لميته وكيفيته وحقيقته التي هو به هو إذ الخوض فيه وفي إيضاحه وشرحه والغوص في لججه وغوره خارج عن مشاعرنا ومداركنا مطلقا متعال عن طور البشر وفهمه بالمرة إذ البشر عاجز عن معرفة نفسه فكيف عن معرفة ربه «٣» ولهذا قال اصدق القائلين ﷺ في مقام العجز والقصور من عرف نفسه فقد عرف ربه إذ النفس والروح كلاهما من عالم الأمر الإلهي وما لنا اطلاع به على طريق اللمية والحصول بل بطريق الإنية والحضور. وبعد ما ثبت ان الوجود المطلق والحق المحقق والذات المتحقق الثابت ازلا وابدا قد كان معلوم الإنية والحضور مجهول اللمية والحصول ينكشف به الموحدون المكاشفون ويشهده المقربون المخلصون ويفنى فيه الهائمون الحائرون ويبقى ببقائه الوالهون الواصلون ولمثل هذا فليعمل العاملون ثبت ان ظهوره غيبا وشهادة صورة ومعنى دنيا وعقبى ازلا وابدا انما هو من وراء سرادقات آثار الأوصاف والأسماء
стр. 6
الذاتية الإلهية المتفرعة المترتبة عليها مطلق الصور والآثار الصادرة الظاهرة والباطنة المعقولة والمحسوسة.
وبالجملة العالم عبارة عن عموم الصور والآثار والاظلال المنعكسة من تلك الأسماء والصفات الإلهية المستندة الى الذات الاحدية فباعتبار انها آثار متكثرة وقوابل متعددة واظلال متخالفة وعكوس متلونة وأمثال متجددة متنوعة متفرعة على تلك الأوصاف والأسماء الذاتية الإلهية مستحدثة منها معلولة لها تسمى عالم الناسوت وعالم الملك وعالم الشهادة وعالم الحس وعالم الخيال وعالم المثال وعالم النقوش والأشباح الى غير ذلك من العوالم والعبارات المتكثرة الغير المنحصرة وباعتبار مؤثراتها ومصادرها وأصولها ومدبراتها وعللها وفواعلها واربابها واسبابها تسمى عالم اللاهوت وعالم الملكوت وعالم الجبروت وعالم الغيب وعالم الأمر وعالم الأسماء والصفات وعالم الأعيان الثابتة وعالم النفوس والأرواح وغير ذلك من العبارات والاعتبارات التي لا تعد ولا تحصى وباعتبار اندماج الكل في المرتبة الواحدية واندراجها في الهوية الشخصية وكمونها في الحقيقة المتحدة المحمدية وانطوائها في المرتبة الجامعة الجمعية واستهلاكها في حضرة الذات الاحدية المنزهة عن شوب الكثرة وشين الثنوية مطلقا تسمى باسم الله المستجمع لعموم الأوصاف والأسماء وبالغيب المطلق وبالعماء الذاتي وبالوجود المطلق البحت الخالص عن مطلق القيود والحدود وبالحق الحي القيوم المحقق المتحقق ازلا وابدا وبلفظة هو المعبر به عن الهوية المتحدة المتوحدة المتفردة بالذات مطلقا. وبالجملة عليك ان تتفطن من هذه العبارات المتلوة عليك.
والروايات المقروة عندك والإشارات المرموزة بها إليك. الى ما هو قبلة عموم مقاصدك. وقدوة جميع مطالبك ومآربك. مجردة عن اكسية عموم الألفاظ والعبارات. معراة عن تعبيرات مطلق الحروف والكلمات. وعن عموم الرموز والإشارات. المؤدية اليه والدرايات. المشعرة له والإدراكات. المشيرة إياه بل لك ان تخلى فطنة فطرتك وجودة سرك وفكرتك عن رذائل مطلق الرسوم والعادات الطارئة عليك من مألوفات طبعك ومدركات حواسك ومنتزعات آلاتك وقواك. وبالجملة عليك ان تصفى سرك عن نشآت ناسوتك رأسا وتحليها بالواردات الغيبية اللاهوتية المنصبغة بصبغ الحق الحقيق بالحقية الفائضة من لدنه سبحانه بمقتضى استعدادك وفطرتك التي قد فطرك الحق عليها في حضرة علمه الحضوري المحيط وفي لوح قضائه الأزلي السرمدي المحفوظ عن طريان تبديل وتغيير بلا تصرف فيهما منهم شياطين الأوهام والخيالات الناسوتية المستدعية المستتبعة لانواع الرسوم والقيود الامكانية والحدود المتفرعة على الكثرة المقتضية للشركة في الألوهية والربوبية المنافية لصرافة الوحدة الذاتية الحقية الحقيقية المستغنية في ذاته عن مطلق الكثرات الناسوتية مطلقا وإياك إياك ان تنظر الى منطوقات الألفاظ ومحتملاتها فإنها حجب غليظة وسدل كثيفة مسدولة مرخاة بينك وبين مقصدك الحقيقي فلولا ان التنبه والتنبيه والإفادة والاستفادة قد حصلا بالألفاظ والعبارات وبتأديتها وأدائها لما صح وجاز التنطق والتكلم بحجب الألفاظ والعبارات مطلقا سيما لأرباب المعارف والحقائق وذوى العزائم الصحيحة والأذواق الخالصة الذين هم قد خرقوا عموم الحجب والأستار عن البين. وفتقوا مطلق الاغطية والاغشية عن العين. بحيث صاروا ما صاروا بلا سترة وحجاب جعلنا الله من خدامهم وتراب اقدامهم وصل لهذا الأصل ثم لما كان ظهور الحق وبروزه ازلا وابدا من وراء أستار الآثار الناسوتية وحجب العكوس والاظلال الكونية والكيانية التي هي ملابس الأسماء والصفات اللاهوتية أراد سبحانه ان ينبه على ارباب العناية والقبول من العكوس والاظلال المجبولين على فطرة الايمان والعرفان.
المصورين بصورة الرحمن المختصين بخلعة الخلافة والنيابة من لدنه سبحانه وحدة ذاته المتصفة بعموم
стр. 7
أوصاف الكمال ونعوت الجلال إذ لولا تنبيه الحق وإرشاده وهدايته سبحانه إياهم الى وحدة ذاته ووجوب وجوده وكمالات أسمائه وأوصافه لما تيسر لهم الاطلاع والوقوف على ذاته سبحانه أصلا مثلا لو فرض بقاء شروق الشمس واضاءتها ازلا وابدا على هذا المنوال بلا طريان افول وزوال.
وتعاقب ظلمة وليال. من انى يعلم ان الأنوار والأضواء المحسوسة قد صدرت منها ومن جملة خواصها وأشعتها ولمعانها وشمس الحقيقة الحقية ازلا وابدا على شئونها ولمعانها الذاتية بلا تعاقب افول وطريان تغير وتحول أصلا. وبالجملة لولا ارشاد الحق لعباده الى وحدته الذاتية لصاروا محجوبين منه ومن معرفته ازلا وابدا ولا يهتدون اليه سبيلا أصلا فاقتضت الحكمة الإلهية وضع الطرق والسبل الموصلة الى وحدة ذاته ووجوب وجوده واستقلاله فيه وتوحده في ألوهيته وتفرده في ربوبيته والى سريان سر وحدته الذاتية على ذرائر عموم مظاهره ومجاليه المتكثرة وانبساطه عليها حسب شئونه وتطوراته المترتبة على أوصافه وأسمائه الذاتية المنوطة على تشعشع تجلياته المتجددة دائما بحسب الكمالات الذاتية والنشآت الحبية اللازمة للوجود المطلق المنزه عن وصمة عموم الفتور والفطور. المعرى عن سمة مطلق النقص والقصور. بل يتلألأ دائما على شئون الكمال ازلا وابدا بلا انقضاء وزوال وبلا انصرام وانخرام فيترتب ازلا وابدا دائما مستمرا على نشآته وشئونه الآثار والأمثال. ويتراءى منها على الدوام العكوس والاظلال. فوضع سبحانه حسب حكمته المتقنة مراتب النبوة والرسالة والولاية المطلقة فيفرع عليها الايمان والعرفان والكشف والعيان الى غير ذلك من الحالات العلية والمقامات السنية الواردة لأرباب القلوب الصافية ويظهر ايضا في مقابلة هذه المراتب المذكورة مراتب نقائضها وأضدادها فتكثرت الشئون والنشآت وتشعبت الصور والآثار واختلفت الآراء والأفكار وتزاحمت الطرق والمذاهب وتخالفت الملل والأديان وانقلبت الأطوار والمشارب. وبالجملة قد تحزب نوع الإنسان المجبول على فطرة الدراية والشعور والمعرفة والايمان أحزابا مختلفة وتفرقوا فرقا شتى متخالفة وبالجملة قد بلغت الكثرة غايتها والخلاف والاختلاف نهايتها لذلك اقتضت الحكمة العلية الغالبة الإلهية ثانيا ايضا بوضع النشأة الاولى والاخرى فوضع في الاولى ما وضع من طرق التكاليف المشتملة على الأوامر والنواهي والمندوبات والمحظورات والمكروهات والمستحبات ومطلق المعروفات والمستحسنات الشرعية ومكروهاتها ومستقبحاتها الموضوعة بالوضع الإلهي المثبتة في الكتب المنزلة على الأنبياء والرسل وفي الاخرى التي هي دار المكافاة والمجازاة عن عموم ما جرى في النشأة الاولى كل لنظيرها او نقيضها فوضع سبحانه حسب حكمته المتقنة وفاقها وطباقها ما وضع بمقتضى العدل الإلهي والقسط الحقيقي من الجنة والنار والثواب والعقاب والسؤال والحساب ومطلق الدرجات الجنانية والدركات النيرانية وعموم المعتقدات الاخروية الجارية فيها بالوضع الإلهي ثم اعلم ان مطلق العوالم والنشآت الكلية الإلهية مثل الغيب والشهادة والملك والملكوت والاولى والاخرى وعالم الحس وعالم الخيال وعالم الأمر وعالم المثال وعالم الأشباح وعالم الأرواح وغير ذلك من العوالم والنشآت المحيطة والشئون المحتوية الكلية بل عالم السموات وعالم الأعيان الثابتات وعالم الطبائع والأركان قد يتمثل ويتصور في احد النظيرين او النقيضين منها ما في النظير او النقيض الآخر من الصور والأمثال. والهياكل والأشكال. بصور وهيآت متطابقة متوافقة لها في الحقيقة والمآل. متخالفة بحسب الصورة والحال. فيؤثر ما في احد العالمين في ما في العالم الآخر ويتأثر هو منه بناء على ارتباطات رقيقة ومناسبات دقيقة لا يعلمها الا هو وصور الرؤيا وتعبيراتها ايضا منها
стр. 8
وهذا من غوامض ما قد ينكشف لبعض ارباب المعارف والحقائق الواصلين الى مرتبة الكشف والشهود بحيث قد صار كمالاتهم كلها بالفعل بل بلا انتظار منهم وترقب وبالجملة هذا مبنى على ارتباط جميع أجزاء العالم بعضها ببعض واتصاف كل منها بصفة الآخر على سبيل الإبدال. واتحاد الكل في الحقيقة والمآل. والله اعلم بحقائق عموم المدارك والمقال. والحمد لله على كل حال وصل آخر وبعد ما قد بلغت الكثرة غايتها وانتهت المخالفة نهايتها اظهر سبحانه مرتبتي النبوة والولاية كما أشرنا اليه بان خص بعض النفوس القدسية بالإلهامات الغيبية والإلقاءات الكشفية المعدة للنفوس الزكية لان ينزل عليها سلطان الوحدة الذاتية حسب شئونها وأوصافها وأسمائها وبعد ما قد نزلت الوحدة الذاتية عليها على وجهها وتمكنت فيها بذاتها وتشرفت هي بنزولها وورودها قد فنيت حينئذ هويتها الناسوتية في لاهوتية الحق بالمرة فمنهم من انجذب
إليها بالكلية ولم ينزل عن تلك المرتبة أصلا بل قد بقيت في عالم اللاهوت منخلعة عن البسة عالم الناسوت رأسا بلا شائبة التفات ورجوع منهم الى جانب عالم الناسوت ومقتضياتها أصلا الا وهم البدلاء الأمناء العرفاء الحائرون الهائمون الوالهون الواصلون الفانون الفائزون الباقون الدائمون التائهون الآمنون وهم هم تحت قباب عز الوجوب متمكنون. وعن لوازم الإمكان منسلخون. الا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ومنهم من حاز كلتى مرتبتي الظاهر والباطن والغيب والشهادة والاولى والاخرى فاستقروا في مرتبة الخلافة والنيابة الإلهية واحاطوا عموم مراتب الملك والملكوت والناسوت واللاهوت والغيب والشهادة فاستحقوا بكمال التمجيد والتعظيم واختصوا بمزيد التربية والتكريم من لدنه سبحانه وكيف لا وهم قد تأيدوا من عنده سبحانه بالقوة القدسية والحدس الفطري والكشف الجبلي بتربية بعض الأسماء الإلهية إياهم وتقويته عليهم وتأييده إليهم فهؤلاء هم الأنبياء الأمناء الأصفياء الواصلون الى وحدة الذات المتمكنون في مقر الخلافة الإلهية والنيابة الحقيقية الحقية وبالجملة قد انتهت علومهم اللدنية وادراكاتهم الفطرية اللاهوتية الفائضة عليهم من العقل الكل المنشعب من حضرة العلم المحيط الإلهي الى مبدئها الأصلي ومنشأها الحقيقي وكذا عموم أعمالهم الصالحة المقبولة المرضية عند الله الفائضة عليهم من النفس الكلية المنشعبة من حضرة القدرة العلية الغالبة المحيطة الإلهية ايضا الى منشأها الأصلي ومبدئها الحقيقي وبالجملة قد انتهت عموم اوصافهم وأفعالهم ومواجيدهم وأحوالهم الى ما قد فاضت عليهم من المبدء الفياض وكيف لا وقد خلقهم الحق بأخلاقه بعد ما خلفهم عن نفسه وانابهم مناب قدس ذاته وبعثهم الى جميع خليقته وعموم بريته بالولاية المطلقة والدعوة العامة والهداية الكاملة والإرشاد التام الى وحدة ذاته وكمالات أسمائه وصفاته وأيدهم بأنواع الكرامات والارهاصات. والمعجزات الخارقة لمطلق الرسوم والعادات. وبوضع الملل والأديان والشرائع المنسوبة الى كل واحد منهم في زمان بعثته وأوان ظهوره وبروزه في أمته ومع ذلك قد خص المرسلين منهم بانزال الكتب والصحف المشتملة على الأخلاق الحميدة الإلهية وسننه السنية وشيمه العلية وخصاله المرضية الجملية المأمورة لهم من لدن حكيم عليم" واعلم" ان بعض ارباب المشارب والأذواق الصحيحة قدس الله أسرارهم قد وجدوا لبعض الأوصاف والأسماء الإلهية مزيد تربية واختصاص بالنسبة الى بعض من المنقطعين نحو الحق بالكلية بتوفيق من لدنه وجذب من جانبه ولهذا ترى بعض المرشدين المكملين يرشدون بعض ارباب الطلب والارادة المسترشدين منهم في أوائل أوان طلبهم وارادتهم باسماع أمهات الأوصاف والأسماء الذاتية الإلهية وتلاوتها عليهم وقراءتها عندهم على تؤدة وطمأنينة تامة وترتيل كامل ليتفرسوا منهم كمال المناسبة والاختصاص
стр. 9
بالنسبة الى بعض الأسماء وأشعروا منهم زيادة تأثرهم وانفعالهم عنه وقبول الأثر منه وبعد ما قد تفرسوا منهم ذلك بالنسبة الى اسم معين وصفة مخصوصة معينة قد ارشدوهم بها وامروهم بتكرارها وتذكارها الى ان قد أحاط بهم أثرها وتمثل عندهم ذلك الاسم والوصف بهيكل ملك ينزل على قلوبهم ويوحى إليهم من المغيبات اللاهوتية وبعد ما قد أتموا امر هذا الاسم ارشدوهم باسم آخر وهكذا الى ان يستوفوا جميع أمهات الأسماء والأوصاف الإلهية على وجهها وحينئذ تمكن في مقر الخلافة والنيابة والولاية المطلقة وصار ما صار بلا سترة وحجاب فحينئذ امروهم وأجازوا لهم بالإرشاد والتكميل ثم اعلم ان العوالم الكلية التي وقع مجالي لتجليات الحق وشئونه الذاتية ومظاهر وآثارا لأوصافه العلية وأسمائه السنية أجل من ان يحيط بها الآراء. او يضبطها العقول والأهواء. بل لا نهاية تحيطها ولا غاية تحصرها أصلا فمن وصل منها الى ما وصل فقد حصل دونه وصدقه وتحقق عنده ومن لم يصل اليه ولم يذعن به ولم يحصل عنده لا بد له ان لا يبادر الى نفيه وإنكاره بل ان يؤمن به ويذره في فضاء الوجود وسواد شئونه وتطوراته المتواردة عليه الى ما شاء الله وما يعلم جنود ربك الا هو وبالجملة ليس الشعور والاطلاع على شئون الوجود وتجليات الحق ونشآته الذاتية وآثار أسمائه وصفاته الغيبية منحصرا بطرق الإدراكات الرسمية والعلوم العادية بواسطة القوى والآلات الطبيعية
والمدارك الحسية او العقلية او الوهمية او الخيالية بل طرق العلوم اللدنية والإدراكات الحضورية والوجدانيات الفطرية والحدسيات الجبلية غير متناهية مثل المعلومات والمدركات الإلهية التي ذكرت بل لكل فرد فرد من افراد الإنسان بل لغيره من الحيوانات العجم بل لسائر المولدات وعموم المركبات من السماويات والأرضيات ومن الممتزجات الكائنة بينهما بل لعموم الذرائر والهباآت المتطايرة في عالم الشهود والفطرات المتتالية في بحر الوجود المترشحة منها على تعاقب الأزمان والعهود طرق اطلاع وشعور شتى وسبل عثور وإدراكات لا تكاد تتناهى كلها منتشئة منشعبة من العقل الكل المنشعب من حضرة العلم المحيط الإلهي وبعد ما ثبت ان العوالم الكلية غير منضبطة وغير متناهية وغير محدودة أصلا وان طرق الشعور والإدراك ايضا كذلك فكيف يسع لاحد ان ينفى ما لم يحط به علما وبالجملة من وصل الى سعة قلب الإنسان المصور بصورة الرّحمن واطلع على فسحة فضاء صدره الذي لا يقدر وسعته بمطلق المقادير أصلا قد انكشف بكثرة مظاهر الحق ومجاليه وعدم تناهيها حسب سعة قلبه وفسحة صدره فحينئذ لا يتأتى منه النفي والإنكار أصلا فلك ان تستحضر وتتذكر ما قال سلطان العارفين وبرهان الواصلين أنال الله براهينه وقدس الله اسراره مشيرا الى سعة قلب الإنسان لو أن العرش وما حواه مائة ألف ألف مرة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس وقد قال ايضا رأس الموحدين ورئيس المحققين محي الملة والدين قدس الله اسراره ورضى عنه وأرضاه مبالغا لو أن ما لا يتناهى وجوده قدر انتهاء وجوده في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس والحديث القدسي الذي اخبر به سبحانه حبيبه ﷺ مشيرا الى سعة عرشه وفسحة مجلاه بقوله لا يسعني ارضى ولا سمائي بل يسعني قلب عبدي المؤمن يغنيك عن كلا القولين المذكورين وبالجملة القلب الذي قد وسع الحق فيه لا يكتنه وسعته مطلقا ولا يدرك به ولا يحاط بفسحته أصلا ومن وصل اليه وحصل دونه لم يبق له مجال انكار وجدال جعلنا الله ممن وصل اليه وحصل دونه بمنه وجوده ثم اعلم ان مفتاح عموم الأسماء الإلهية والصفات الذاتية والفعلية انما هي صفة الحياة الازلية الابدية للوجود المطلق ومن لوازمها القيومية السرمدية والديمومية المطلقة الحقيقية الحقية والحي الحقيقي لا بد ان يكون واجب الوجود دائم التحقق والثبوت متصفا
стр. 10
بعموم الأوصاف والأسماء الكاملة الشاملة ازلا وابدا وصفة الحياة الحقيقية التي هي ثابتة للوجود المطلق مستتبعة لها مستدعية إياها البتة والقيومية المطلقة والديمومية ازلا وابدا لازمة لها غير منفكة عنها أصلا ليكون حيا قيوما دائما في نفسه قياما لما يترتب على أوصافه وأسمائه من الآثار والاظلال والصور والأمثال" واعلم" ايضا ان للاوصاف والأسماء الذاتية الإلهية الفائتة للحصر والإحصاء والحد والانتهاء آثارا بعضها الاعداد وإعطاء الاستعدادات والقابليات ليستعد البعض ويقبل الكمالات اللائقة الفائضة عليه من البعض الآخر في نشآت ومراتب وبالعكس في نشآت ومراتب اخرى وبالجملة بعض الأوصاف الإلهية والأسماء الذاتية يوجد ويظهر أثرا قابلا لقبول ما يفيضه البعض الآخر من الكمالات اللائقة الوجودية في مرتبة وشأن وهذا الفاعل ايضا قابل بالنسبة الى فاعل آخر في شأن آخر وكذا هذا القابل ايضا فاعل بالنسبة الى قابل آخر في مادة اخرى بل كل القوابل فواعل والفواعل قوابل بحسب الشئون والمواد وهكذا جريان التفاعل والتمازج ازلا وابدا بين مقتضيات الأسماء والأوصاف الذاتية والفعلية الإلهية والصور والآثار المترتبة عليها والشئون والتطورات الطارئة إياها وبالجملة سريان الوحدة الذاتية على عموم الكثرات الاسمائية والصفاتية ازلا وابدا على هذا المنوال بلا انقضاء وزوال فعليك ايها العارف المتفرج اعانك الله على ما يعنيك ان تنصرف أنت في نفسك عن تصرفات مداركك ومشاعرك مطلقا وتنعزل عن مقتضيات قواك وآلاتك جملة وعن لوازم حواسك ومدركاتها رأسا وبالجملة عليك ان تميت نفسك بالموت الإرادي عن مقتضيات الحياة المستعارة الصورية ولوازمها الناسوتية مطلقا حتى تكون أنت بلا أنت وكنت بلا كنت متصفا بالحياة الحقيقية الحقية ولوازمها اللاهوتية ومقتضياتها الروحانية الباقية ازلا وابدا وحينئذ يمكنك التحقق والتمكن والتقرر في مقر الخلافة
والنيابة الإلهية بلا تزلزل وتلوين فحينئذ حق لك ان تتفرج في مظاهر الحق ومجاليه التي هي متنزهات اليقين العلمي والعيني والحقي وتتنعم أنت بلا أنت في روضات المكاشفات والمشاهدات الجارية فيها انهار المعارف والحقائق المملوة بمياه العلوم اللدنية والإدراكات الفطرية الفائضة من العقل الكل والنفس الكلية المنشعبتين من حضرتى العلم المحيط الإلهي والقدرة الكاملة الشاملة المنبسطة من القوة القدسية المترشحة من بحر الوجود بمقتضى الجود الإلهي وإياك إياك ان تميل الى مزخرفات الدنيا الدنية ومقتضيات القوى البهيمية ومشتهيات النفس والهوى فإنها تعوقك عن المولى وتضلك عن طريق الرشد والهدى عصمنا الله وعموم اهل الطلب والارادة عن متابعة النفس ومشايعة الهوى بمنه وجوده ثم اعلم ان الأوصاف الكاملة والأسماء العامة الشاملة الإلهية المشتمل عليها الوجود المطلق الإلهي المندرجة في الوحدة الذاتية والهوية الشخصية السارية الحقيقية الحقية تقتضي الظهور والبروز حسب كمالاتها الذاتية الكامنة فيها إذ من لوازم عموم الكمالات الوجودية ومن مقتضياتها الكمالية التحقق والبروز على حسب الكمال الوجودي بمقتضى التجلي الحبى بحسب الجود الإلهي ولا شك ان ظهور الأوصاف والأسماء الذاتية الإلهية بحسب الكمال انما هو بصدور الآثار منها وبترتب الصور والاظلال عليها وحصول العكوس والأمثال من شئونها وتجلياتها في عموم العوالم والمجالى غيبا وشهادة وظهور الآثار والأمثال منها انما هو بتوهم الذوات والموصوفات والمسميات الحاملة إياها ظاهرا فمن ظهور الأوصاف والأسماء الذاتية ظهر الصور والآثار والاظلال الوهمية المستندة الى الذوات المعدومة والموصوفات الموهومة المنعكسة من تلك الأوصاف والأسماء الذاتية الكاملة في أنفسها المقتضية للظهور والبروز المربية لتلك الصور والاظلال والأشباح المرئية في عالم
стр. 11
الشهادة المستحدثة منها فيها فمن ظهور تلك الأوصاف العلية والأسماء السنية على هذا الوجه قد ظهرت مراتب الربوبية والعبودية والخالقية والمخلوقية والإيجاد والموجودية والصانعية والمصنوعية الى غير ذلك من العبارات الدالة على الشئون والكثرات المنتشئة من وحدة الذات فظهر ان مناط عموم التكاليف الإلهية ومنشأ مطلق الأوامر والنواهي وجميع الحكم والاحكام والأخلاق والأطوار الحميدة والخصال المرضية المأمور بها ونقائضها المنهي عنها وسائر المعتقدات الاخروية والطاعات والعبادات الدنيوية التي قد نطقت بجميعها السنة الرسل والكتب الإلهية انما هي واردة منوطة مربوطة على مرتبة العبودية القابلة للاسترشاد والاستكمال المعدة المستعدة للإرشاد والتكميل ليتخلق العباد المربوبون والاظلال المألوهون بأخلاق الحق ويتقربوا اليه ويتمكنوا على مقر الخلافة والنيابة الإلهية التي قد فطروا عليها وجبلوا لأجلها وكلفوا فيها حسب استعدادهم وايضا من ظهور هاتين المرتبتين قد ظهر منازل الجنة والنار ودرجات القرب والوصال ودركات البعد والفراق ولاح شياطين الأوهام والخيالات وانواع الكفر والضلالات وما يترتب عليها من العقارب والحيات وكذا طرق الهداية وسبل السلامة وما يترتب عليها من الغلمان والولدان والحور القاصرات الى غير ذلك من عموم المواعيد والوعيدات وانواع التبشيرات والإنذارات الواردات في الكتب الإلهية والصحف السماوية النازلة من عند الله العليم الحكيم ثم اعلم ان الأوصاف والأسماء الذاتية الإلهية ما هي الا عين الذات لا امور زائدة عليها منفصلة عنها منافية لصرافة وحدتها وإطلاقها الحقيقي وتجردها المعنوي بل ما هي عند التحقيق الا شئون الوجود وتجليات الحق وتطورات بقائه وثبوته وتحققه بحسب الكمال إذ للوجود البحت في كل آن شأن لا مثل شأن سابق ولا مثل شأن لا حق بل يتعاقب عليه الشئون والأطوار متجددة مترتبة ازلا وابدا بلا تكرر وتوارد أصلا فيترتب دائما على شئونه وتطوراته آثار واظلال وتنعكس منها صور وأمثال فيتراءى في سراب العالم ومرايا الاعدام بانبساطها عليها وامتدادها إياها ازلا وابدا هياكل وأمثال وأشباح واشكال لا نهاية لها ولا غاية تحصرها فباعتبار إيجادها الصور والآثار وإظهارها الأشباح والأمثال تسمى اسماء الهية وباعتبار انعكاس الاظلال والصور الكائنة والآثار المرئية المستحدثة منها تسمى اوصافا ذاتية وباعتبار اطلاق الذات وتجردها عن الكل في حد ذاتها وتشعشعها حسب كمالاتها تسمى شئون الوجود وتجليات الحق ولمعات شمس الذات فمن لا حظ كيفية تنزلات الذات الاحدية وهبوطها عن مكمن العماء الذاتي
والغيب المطلق ومرتبة البطون الى فضاء البروز ومرتبة الكشف والجلاء وعالم الظهور والانجلاء اثبت له سبحانه حسب المراتب العلمية على سبيل التفصيل العلمي اسماء واوصافا ذاتية هي علل موجبة وارباب موجدة واسباب مظهرة لمسببات عموم المظاهر والمجالى العلوية والسفلية من الصور والآثار والأشباح الكائنة في العوالم الكلية والجزئية الغيبية والشهادية الدنيوية والاخروية والبرزخية والمثالية وغير ذلك من العوالم والمجالى التي قد لمعته عليها بروق الوجود ولاحت دونها شروق شمس الذات الاحدية ومن ترقى من مرتبة العلم الى العين ورفع حجب الصور والأمثال عن البين ومحا وحك نقوش عموم العكوس والاظلال ومطلق الصور والأمثال والهياكل والأشكال المرتكزة المنعكسة في مرايا الاعدام عن دفتر الوجود وجرده عن امتزاج العدم واختلاط النسب والإضافات به وانعكاسه عنه مطلقا فقد رأى الحق وانكشف به وبدا له هو سبحانه بلا كيف واين ووضع وجهة على الوجه الذي بدا وطلع دونه شمس الذات الاحدية من آفاق عموم الذرات المترتبة على الأسماء والصفات
стр. 12
الإلهية فلم يبق عنده وفي بصر بصيرته وعين شهوده نقوش مطلق العكوس والسوى والاظلال والأغيار مطلقا بل ما شاهد وما رأى الا الحق وأوصافه وأسمائه في كل ما شاهد ورأى حسب إطلاقه الذاتي مجردا عن ملابس الكثرات والنسب والإضافات مطلقا بحسب ما زاغ بصره وما طغى حين رأى آيات ربه الكبرى وبالجملة ما كذب فؤاده ايضا في عموم ما علم ورأى إذ ليس وراء الله مريء ومرمى ومن ترقى من مرتبة العين الى الحق فقد هدى الى ما هدى ووصل الى ما وصل وحصل عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى وتشرف بشرف اللقيا وتكرم بكرامة قاب قوسين او ادنى وحينئذ قد اوحى اليه الحق ما اوحى فقد طويت دونه سجلات الأوصاف والأسماء واضمحل لديه نشآت الاولى والاخرى وارتفع عن بصر بصيرته ونظر كشفه وشهوده مطلق التعداد والإحصاء ولم يبق دونه لا الآراء ولا الأهواء بل قد تلاشى عنه الاسم والمسمى وقد فنى حينئذ هو وهويته وذاته وماهيته في هوية الحق وذاته مطلقا واضمحلت تعينه في عينه سبحانه وبالجملة قد لاحت عنده وبرزت دونه عماء في عماء مشتملة على صفاء في صفاء بحيث لا يتعاقب فيها لا الظلمة ولا الضياء ولا الصباح ولا المساء ولا اللذة ولا العناء ولا الوجد ولا الفقد ولا الجد ولا الجد ولا الفرح ولا الترح ولا العدد ولا المعدود ولا الحد ولا المحدود ولا الحامد ولا المحمود ولا الشاهد ولا المشهود ولا الحضور ولا الشهود ولا الوجود ولا الموجود ولا الوجدان ولا الفقدان بل هو نور على نور. وحضور في حضور. وسرور غب سرور. بحيث لا يعرضه فترة وفتور. ولا يحوم حوله غفلة وفطور.
وفتور وقصور. ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور. أدركنا بلطفك يا رحيم يا غفور ثم اعلم ان مطلق الأوصاف والأسماء الذاتية الإلهية التي ما يشعر بها وما يدل عليها وعلى انيتها وثبوتها الا صدور الأفعال المتقنة منها وترتب الآثار المحكمة عليها وانعكاس الصور والأمثال العجيبة عنها ولا شك ان مطلق الآثار والأفعال. وعموم العكوس والاظلال. أعراض سريعة الزوال.
مسرعة على الانقضاء والارتحال. بلا قرار ومدار بل ما هي في الحقيقة الا نقوش معدومة. وتمثلات موهومة. وصور مموهة وهياكل مخيلة قد انعكست على مرآة العدم من اسباب الأسماء والصفات الإلهية فيتراءى بصور الموجودات المتأصلة كالصور المرئية في المرايا والأمواج الحادثة على سطح الماء فلكل اسم ووصف من الأوصاف الإلهية والأسماء الذاتية الوجودية له اثر خاص وصورة مخصوصة متعينة في عموم العوالم الكلية والجزئية القابلة للتمثل والانعكاس منها تدل تلك الأثر والصورة على ذلك الاسم والصفة المربية له وتستمد هي منه على الدوام متجددا متبدلا مثل تجدد الاعراض وتبدلها بالأمثال والأشباه هكذا تجليات عموم الأسماء والصفات الذاتية الإلهية ازلا وابدا على هذا المنوال بلا تبدل وانتقال وتغير وزوال وبالجملة الآثار والاظلال الكائنة في عوالم المظاهر والمجالى الإلهية مطلقا كلها اعدام عاطلة وخيالات باطلة واظلال زائغة زائلة لا ثبات لها حقيقة ولا قرار لها حكما ومعنى ومؤثراتها واربابها واسبابها وعللها وموجداتها اسماء شتى وأوصاف لا تحصى وشئون ذاتية لا تتناهى قائمة بذات الحق غير زائدة عليها وغير منفكة عنها ما هي الا عينها وعين شئونها وتجلياتها بحيث لا تغاير بينها وبينها أصلا كما أشرنا اليه فيما مضى. ومن جملة الأوصاف الكاملة الشاملة الإلهية القائمة بذاته سبحانه الكلام الحامل لمطلق الوحى والإلهام الإلهي المؤدى لعموم أوامره ونواهيه الجارية على السنة عموم الشرائع والأديان والملل والمذاهب القاضي المنفذ لمطلق الحكم والاحكام المتداولة بين المظاهر والمجالى الإلهية جملة وكذا لسائر التدبيرات والتصرفات الواقعة في نشآت اللاهوت والناسوت وعالم الملك وعالم الملكوت
стр. 13
وعالم الأمر وعالم الجبروت وهكذا جرى ويجرى حكمه في مطلق العوالم الكلية والجزئية وفي اظهار عموم المرادات والمقدورات ومطلق المعلومات والمدركات المندرجة في الاستعدادات الجبلية والقابليات الفطرية وبالجملة صفة الكلام وسيلة وآلة لعموم الأفعال الصادرة والتصرفات الواردة من الفاعل المطلق والمتصرف المختار بالإرادة والاختيار ولها بالنسبة الى كل عالم من العوالم الكلية ومجلى من المجالى الإلهية اثر خاص ومربوب مخصوص ينعكس منها له مناسبة وملائمة مخصوصة بالنسبة الى ذلك العالم ينسب الى ذلك الأثر المخصوص جميع الأمور المذكورة المفوضة إليها والتصرفات المشار بها آنفا في عالم عالم والأثر المخصوص لصفة الكلام الإلهي في عالم الإنسان المصور على صورة الرّحمن اثر الصوت الحاصل من تقاطعه في مخارج نوع الإنسان جواهر الحروف الحاصلة منها ومن تراكيبها الغير المحصورة هيآت الكلمات الملفوظة ومفردات الألفاظ المنطوقة والأسامي الموضوعة لوحدات المعاني وآحاد المسميات على سبيل التعداد ويحصل ايضا من تراكيب تلك الكلمات وانضمام بعضها الى بعض برقائق الامتزاجات والاختلاطات ودقائق الارتباطات صور الكلام وهيآت الجمل والآيات واسفار السور وصفائح الصحف والكتب وجرائد الآثار والاخبار وعموم القصص والقصائد ومطلق الحكايات والعبر والأمثال المعربة المفصحة عما في ضمائر اولى الأيدي والأبصار المظهرة لما في مكنونات مطلق القابليات ومطاوى عموم الاستعدادات الى فضاء البيان والعيان وبالجملة قد يترتب عليها وينشأ منها ما شاء الله من ارقام الأقلام على صفائح الأكوان وألواح الأعيان والأركان ومن ملتقطات الافهام وموهوبات منطوقات الوحى والإلهام الفائضة من حضرة العليم العلام القدوس السّلام النازلة على قلوب الأمناء العرفاء الظاهرة الصادرة من السنة الأنبياء والرسل الكرام والأولياء الكمل والأصفياء العظام الواصلين الى مرتبة الكشف والشهود والمستغرقين بمطالعة وجه الله الكريم الودود الواردين على الحوض المورود المتمكنين في المقام المحمود الذي هو عبارة عن وجوب الوجود وفضاء الوحدة الذاتية التي هي منبع مطلق الكرم والجود وينبوع بحر الوجود واليه ينتهى كل مأمول ومقصود. ثم لما أراد سبحانه من كمال فضله وجوده ان يرشد عباده الى كعبة ذاته وعرفات أسمائه وصفاته ويهديهم الى فضاء وحدته وكمالاته المترتبة على أسمائه وصفاته وينبه عليهم طريق الهداية والرشاد الموصل الى الفوز بأنواع السعادات السنية والدرجات العلية الجنانية. ويجنبهم عن سبل مطلق الغي والعناد الموصلة الى الدركات الهوية النيرانية. وبالجملة أراد سبحانه ان يوقظهم عن نعاس عالم الناسوت ويرفعهم عن حضيض عالم الحس واغوار اودية الإمكان
. الموصل الى دركات النيران. بأنواع الخيبة والحرمان. ويوصلهم الى أوج عالم اللاهوت وسعة فضاء وجوب الوجود وصفاء درجات القرب والشهود أرسل عليهم الأنبياء العظام والرسل الكرام من أبناء جنسهم واشخاص نوعهم وأفاض على قلوبهم ما أفاض من المعارف والحقائق والعلوم اللدنية والمعالم اليقينية والمراسم الدينية الموصلة الى المراتب العلية الوجوبية الوجودية وأيدهم بانزال الوحى والإلهام بسفارة العقل الجزئى المنشعب من العقل الكلى المستفيض من حضرة العلم المحيط الإلهي المفيض لهم انواع المعارف والحقائق والمكاشفات والمشاهدات اللدنية الفائضة المترشحة من بحر الوجود وينبوع الوحدة الذاتية وقد أيدهم ايضا بالنفس الجزئية المتفرعة على النفس الكلية المستفيدة المستفيضة من حضرة القدرة الكاملة الشاملة الإلهية المفيضة عليهم استعدات عموم الأعمال والطاعات وقابليات مطلق الخيرات والعبادات المقربة لهم الى فضاء عالم اللاهوت وحضرة الرحموت المبعدة المخلصة عن كدر مضيق الناسوت وقدر سجن الإمكان وكذا
стр. 14
عن سلاسل الزمان وأغلال المكان وانما أيدهم وشرفهم سبحانه بهاتين الوديعتين البديعتين اللتين إحداهما أب العلم اللدني المنشعب من حضرة العلم المحيط الإلهي وثانيتهما أم العمل المتفرعة على حضرة القدرة الغالبة الشاملة الإلهية ليتولد لهم من امتزاج هاتين البديعتين الغيبيتين اللاهوتيتين جميع الأعمال والأخلاق المرضية والخصال السنية والسجايا الفاضلة المؤدية الى التخلق بالأخلاق المرضية الإلهية والتقرر بمرتبة الخلافة والنيابة المودعة لهم من عنده سبحانه حسب فضله وجوده المترتبة على وجودهم الباعثة عن إيجادهم واظهارهم وفق الحكمة المتقنة البالغة. ثم لما كمل سبحانه ذوات الرسل والأنبياء بما كمل وقررهم في مقر خلافته ونيابته وفق ما أراد وشاء بعثهم سبحانه بالإرادة والاختيار الى من بعثهم من بريته وخليقته ممن صورهم على صورته وأظهرهم على نشأة خلته وفطرة خلافته ونيابته ليدعوهم الى زلال وحدته وسعة رحمته ويرشدوهم الى طريق الهداية والتوحيد ويبعدوهم عن سبل الضلالة والتقليد ويلقنوا عليهم الايمان ويبذروا في قلوبهم بذور اليقين والعرفان. وبالجملة يرغبوهم الى درجات الجنان التي هي عبارة عن فضاء الوجوب وصفاء الوصلة الذاتية ويجنبوهم عن دركات النيران التي هي عبارة عن عالم الكثرة ومضيق الإمكان ومع ذلك قد أيد الرسل منهم صلوات الرّحمن عليهم بمزيد الكرامة والإحسان بانزال الكتب والصحف المبينة لشرائعهم واديانهم الموضوعة بالوضع الإلهي المقتبسة من حضرة الكلام النفسي القديم الإلهي المنصبغة بصبغ الألفاظ والحروف الحاصلة من تقاطع الأصوات على الوجه الذي قد أشرنا اليه لتكون معجزة لهم وذريعة الى قبول دعوتهم وتصديقهم في عموم أقوالهم وأفعالهم وأحكامهم والى تأييد دينهم وشريعتهم وترويج مذهبهم وملتهم ووقاية لها بحفظها عن تطرق مطلق التبدل والتحريف نحوها والانصراف عنها والعمل بمقتضاها ومع ذلك لا يقبلها منهم الا اقل من القليل ثم اعلم ان أفضل من انزل اليه الكتاب. وأكمل من اوتى نحوه الحكمة وفصل الخطاب. انما هو الحضرة الحتمية الخاتمية التي قد طويت دون ظهور دينه وشرعه سجلات عموم الشرائع والأديان واضمحلت عند بعثته مراسم جميع الملل والنحل وغارت وانخفضت وتلاشت بظهوره ﷺ رسوم عموم اصحاب البدع والأهواء. وخمدت نيران جميع اهل الزيغ والآراء. وكيف لا وقد لاحت عند ظهوره ﷺ شمس الذات الاحدية من آفاق عموم الذرات وأشرق نور الحق الحقيق بالحقية على صفائح مطلق الأكوان والأعيان وغار ظلمة الليل الباطل على اغوار الإمكان ومهاوي الاعدام وأضاء صفاء سره وسريرته قلوب عموم الأولياء الأمناء المستخرجين من أمته المقتبسين من مشكاة نبوته ورسالته أنوار مرتبته ﷺ بحيث قد صار علماء أمته وعرفاء شرعه وملته مثل سائر الأنبياء الماضين بكرامة إرشاده وتربيته وبشرف متابعته وصحبته ولهذا ما تفوه احد من الأنبياء والرسل الذين مضوا من قبله ﷺ بالتوحيد الذاتي في دعوته بل كلهم قد مضوا على اظهار توحيد الصفات والأفعال وان كان بطانة دعوة الكل توحيد الذات الا انهم لم يتكلموا به ولم يتفوهوا عنه ولم يصرحوا به انتظارا لظهور مرتبته ﷺ وبروز نشأته وكيف وقد كانت جميع مناقبه وحليته وأوصافه وأطواره ﷺ وكذا
ظهور دينه وملته وشرعه وأمته وكتابه ونسخه عموم الكتب والأديان. وبالجملة جميع شمائله وخصاله ﷺ مكتوبة محفوظة في كتبهم وصحفهم ملهمة إياهم من قبل ربهم بزمان وهم كانوا مترقبين ظهوره ﷺ في عموم أوقاتهم. وبعد ما ظهر ﷺ وعلا قدره وانتشر
стр. 15
صيته في اقطار الآفاق وشاع خبره في جميع النواحي والجهات نسخ معالم دينه ومراسم شرعه وملته احكام جميع الملل والشرائع ورسوم عموم الأديان والمذاهب. وبالجملة قد جرى كلمة التوحيد الذاتي بعد بعثته ﷺ على السنة عموم العباد المسترشدين منه ﷺ والمتعطشين بزلال هدايته وإرشاده وكذا من أولاده وأحفاده الائمة الهادين المهديين وأصحابه المهاجرين والأنصار والتابعين الأخيار الأبرار رضوان الله عليهم وعلى من يتبع أثرهم ويقتدى بهم ويتابعهم الى يوم الدين ولهذا قد ختم ببعثة الحضرة الختمية الخاتمية وبنزول كتابه شأن التشريع والتديين ووضع الملل والمذاهب وطريق التوضيح والتبيين وسد باب الإنزال والإرسال وانسد طرق الوحى ونزول الملك بالكتب والصحف وغير ذلك من آيات الإرشاد والتكميل ولهذا قال ﷺ انا أتمم مكارم الأخلاق ونزل في شانه «اليوم أكملت لكم دينكم» الآية وبالجملة بعد ما لاح شمس الذات الاحدية عن المشكاة المحمدية وظهر طريق التوحيد الذاتي المبين بالقرآن العظيم لم يبق لعموم العباد حاجة الى تبيين مبين آخر وهداية هاد سواه وفقنا الله بشرف متابعته وبانقياد دينه وملته واطاعة كتابه وشريعته وحشرنا تحت لوائه ومن زمرته وفي حيطة حوزته بفضله وجوده. ثم اعلم ان القرآن الفرقان المنزل على خير الأنام. المبين لعموم البرايا احكام دين الإسلام. المبنى على التوحيد الذاتي أعظم الكتب الإلهية نفعا وأفضلها شأنا. وأوضحها حجة وبرهانا. وأتمها بيانا وتبيانا.
واجمعها حكما واحكاما وأكملها معرفة وإيقانا. وأهداها الى طريق الحق وسبيل الوحدة الذاتية التي هي مناط عموم التكاليف الواردة الموردة في الكتب الإلهية والصحف السماوية الا وهو المنشأ والمبدأ وكذا العلة الغائية والحكمة المتقنة السنية والمصلحة العلية لوضع مطلق الملل والأديان والمذاهب والمشارب. وبالجملة القرآن الفرقان منزل من الحق على الخلق بالحق لتبيين طريق الحق لأهل الحق بحيث لا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه وهو المشتمل على شرح كمال الإنسان.
المصور بصورة الرّحمن. المستخلف عن الله من بين عموم الأكوان. وهو الجامع لجميع أطواره الحسنة وأخلاقه المستحسنة المقبولة عند الله المرضية دونه سبحانه انما أنزله سبحانه على حبيبه الذي هو اشرف نوع الإنسان وأفضلهم وأكرم الناس على الله وأولاهم لينشرح صدره ﷺ بما ذكر فيه من الأوامر والنواهي والحكم والاحكام والمعارف والحقائق والرموز والإشارات والعبر والأمثال والحكايات الموردة فيه المتعلقة بعضها باصحاب الزيغ والضلال. المنحرفين عن جادة الاستقامة والاعتدال. وبعضها بأرباب القرب والوصال. المنخرطين في سلسلة الوجود. المتشبثين بحبل الله الممدود.
من أزل الذات الى ابد الأسماء والصفات بلا التفات لهم الى لوازم ناسوتهم أصلا وبعد ما انشرح صدره ﷺ قد وسع الحق فيه ونزل سلطان الوحدة على قلبه فقد فنى في الله وبقي ببقائه واضمحل ناسوته الباطل في لاهوت الحق فحينئذ قد حق الحق الحقيق بالتحقق والثبوت وبطل الباطل الزاهق الزائل فتخلق ﷺ بأخلاق الحق مطلقا. وبعد ما صار ﷺ ما صار امر بتبليغ القرآن الفرقان الى عموم عباد الله المنجذبين نحو الحق المجبولين على فطرة الخلافة والنيابة ليقتدوا به وبما فيه كي يهتدوا الى زلال وحدته سبحانه ويتخلقوا بأخلاقه ليتمكنوا على مقر الخلافة والنيابة وعلى صراط العدالة الإلهية التي هم جبلوا لأجلها. وبالجملة من أراد ان يصل الى مرتبة الإنسان المخلوق على صورة الرّحمن فعليه ان يتخلق بأخلاق القرآن ويمتثل بأوامره ويجتنب عن نواهيه ويحافظ على حدوده وأحكامه ايمانا واحتسابا مستبصرا يقظانا حتى يستشعر من سرائر
стр. 16
حكمه واسرار أحكامه. وبالجملة من استشعر بحكم القرآن واعتبر من عبره فقد استهدى منها الى معارفه وحقائقه ورموزه وإشاراته ومكاشفاته ومشاهداته التي ما نزل عموم ما نزل من عند الله الا لأجلها. وبالجملة من تشبث بالقرآن وامتثل بما فيه من الحكم والاحكام وتخلق بأخلاقه واتصف بآدابه فقد تحقق بمرتبة الإنسان الكامل الذي هو مرآة الحق يتراءى منه عموم أوصافه وأسمائه الذاتية جعلنا الله من زمرة من امتثل بأوامر القرآن واجتنب عن نواهيه واعتبر من عبره وأمثاله وتخلق بما فيه من أخلاقه المأمورة بها لخلص عباد الله ومن جملة من أطاع الله ورسوله واستن بسننه السنية وآدابه الرضية المرضية بمنه وجوده فها أنا اشرع فيما اقصد وافتتح ما أريد والله الموفق والملهم للخير والصواب وعنده أم الكتاب.
[سورة الفاتحة]
فاتحة سورة الفاتحة «١»
[الآيات]
لا يخفى على من أيقظه الله تعالى من منام الغفلة ونعاس النسيان ان العوالم وما فيها انما هي من آثار الأوصاف الإلهية المترتبة على الأسماء الذاتية إذ للذات في كل مرتبة من مراتب الوجود اسم خاص وصفة مخصوصة لها اثر مخصوص هكذا بالنسبة الى جميع مراتب الوجود ولو حبة وذرة وطرفة وخطرة والمرتبة المعبر عنها بالأحدية الغير العددية والعمآء الذي لاحظ لأولى البصائر والنهى منها الا الحسرة والحيرة والوله والهيمان وهي غاية معارج عروج الأنبياء ونهاية مراتب سلوك الأولياء فهم بعد ذلك يسيرون فيه لا به واليه الى ان يستغرقوا فيتحيروا الى ان يفنوا لا اله الا هو كل شيء هالك الا وجهه ثم لما أراد سبحانه ارشاد عباده الى تلك المرتبة ليتقربوا إليها ويتوجهوا نحوها حتى ينتهى توجههم وتقربهم الى العشق والمحبة الحقيقية الحقية المؤدية الى إسقاط الاضافة المشعرة للكثرة والاثنينية وبعد ذلك خلص نيتهم وصح طلبهم للفناء فيه نبه سبحانه الى طريقه إرشادا لهم وتعليما في ضمن الدعاء له والمناجاة معه متدرجا من نهاية الكثرة الى كمال الوحدة المفنية لها متيمنا بِسْمِ اللَّهِ المعبر به عن الذات الاحدية باعتبار تنزلها عن تلك المرتبة العمائية إذ لا يمكن التعبير عنها باعتبار
стр. 17
تلك المرتبة أصلا وباعتبار شمولها واحاطتها جميع الأسماء والصفات الإلهية المستندة إليها المظاهر كلها المعبر عنها عند ارباب المكاشفة بالأعيان الثابتة وفي لسان الشرع باللوح المحفوظ والكتاب المبين" الرَّحْمنِ". المعبر به عن الذات الاحدية باعتبار تجلياتها على صفحات الأكوان وتطوراتها في ملابس الوجوب والإمكان وتنزلاتها عن المرتبة الاحدية الى المراتب العددية وتعيناتها بالتشخصات العلمية والعينية وانصباغها بالصبغ الكيانية والكونية الرَّحِيمِ المعبر به عن الذات الاحدية باعتبار توحيدها بعد تكثيرها وجمعها بعد تفريقها وطيها بعد نشرها ورفعها بعد خفضها وتجريدها بعد تقييدها
الْحَمْدُ والثناء الشامل لجميع الاثنية والمحامد الصادرة عن السنة ذرائر الكائنات المتوجهة نحو مبدعها طوعا المعترفة بشكر منعمها حالا ومقالا ازلا وابدا ثابتة مختصة لِلَّهِ اى للذات المستجمع لجميع الأسماء والصفات المظهرة المربية للعوالم وما فيها بأسرها رَبِّ الْعالَمِينَ ولولا تربيته إياها وإمداده لها طرفة لفنى العالم دفعة
الرَّحْمنِ المبدأ المبدع لها في النشأة الاولى بامتداد اظلال أسمائه الحسنى وصفاته العليا على مرآة العدم المنعكس منها العالم كله وجزؤه شهادته وغيبه أولاه وأخراه بلا تفاوت الرَّحِيمِ المعيد للكل في النشأة الاخرى بطى سماء الأسماء وارض الطبيعة السفلى الى ما منه الابتداء واليه الانتهاء
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ والجزاء المسمى في الشرع بيوم القيامة والطامة الكبرى المندكة فيها الأرض والسماء المطوية عند قيامها سجلات الاولى والاخرى إذ فيها ارتجت الآراء والأفكار وارتفعت الحجب والأستار واضمحلت اعيان السوى والأغيار ولم يبق الا الله الواحد القهار ثم لما تحقق العبد وتمكن في هذا المقام ووصل الى هذا المرام وفوض أموره كلها الى الملك العلام القدوس السّلام حق له ان يلازم ربه ويخاطب معه بلا ستر ولا حجاب تتميما لمرتبة العبودية الى ان يرتفع كاف الخطاب عن البين وينكشف الغين عن العين وعند ذلك قال لسان مقاله مطابقا بلسان حاله
إِيَّاكَ لا الى غيرك إذ لا غير في الوجود معك نَعْبُدُ نتوجه ونسئلك على وجه التذلل والخضوع إذ لا معبود لنا سواك ولا مقصد الا إياك وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اى ما نطلب الإعانة والأقدار على العبادة لك الا منك إذ لا مرجع لنا غيرك
اهْدِنَا بلطفك الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ الذي يوصلنا الى ذروة توحيدك
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ من المترددين الشاكين المنصرفين بمتابعة العقل المشوب بالوهم عن الطريق المستبين وَلَا الضَّالِّينَ بتغريرات الدنيا الدنية وتسويلات الشياطين عن منهج الحق ومحجة اليقين آمِّينَ اجابة منك يا ارحم الراحمين
خاتمة سورة الفاتحة
عليك ايها المحمدي المتوجه نحو توحيد الذات يسر الله أمرك وبلغك املك ان تتأمل في الأبحر السبعة المشتملة عليها هذه السبع المثاني من القرآن العظيم المتفرعة على الصفات السبع الذاتية الإلهية الموافقة للسماوات السبع والكواكب السبعة الكونية وتتدبر فيها حق التدبر وتتصف بما رمز فيها من الأخلاق المرضية حتى تتخلص من الأودية السبعة الجهنمية المانعة من الوصول الى جنة الذات المستهلكة عندها جميع الإضافات والكثرات ولا يتيسر لك هذا التأمل والتدبر الا بعد تصفية ظاهرك بالشرائع النبوية والنواميس المصطفوية المستنبطة من الكلم القرآنية وباطنك بعزائمه وأخلاقه ﷺ المقتبسة من حكمها المودعة فيها فيكون القرآن الجامع لهما خلق النبي صلّى الله عليه وسلّم
стр. 18
ظاهرا وباطنا الموروث له من ربه المستخلف له فالقرآن خلق الله المنزل على نبيه من تخلق به فاز بما فاز. لذلك قال النبي ﷺ تخلقوا بأخلاق الله التي هي القرآن والفاتحة منتخبة من جميع القرآن على ابلغ وجه وأوضح بيان من تأمل فيها نال بما نال من جميع القرآن لذلك فرض قراءتها عند الميل والتوجه الى الذات الاحدية المعبر عنه بلسان الشرع بالصلوة التي هي معراج اهل الايمان كما قال ﷺ الصلاة معراج المؤمن وقال ايضا لا صلاة الا بفاتحة الكتاب فعليك ايها المصلى المتوجه الى الكعبة الحقيقية الحقية والقبلة الاصلية الاحدية الصمدية ان تواظب على الصلوات المفروضة المقربة إليها وتلازم الحكم والأسرار المودعة في تشريعها بحيث إذا أردت الميل الى جنابه والتوجه نحو بابه لا بد لك أولا من التوضى والتطهر من الخبائث الظاهرة والباطنة كلها والتخلي عن اللذات والشهوات برمتها بحيث يتيسر لك التحريمة بلا وسوسة شياطين الأهواء المضلة فإذا قلت مكبرا لله محرما على نفسك جميع حظوظك من دنياك (الله اكبر) لا بد لك ان تلاحظ معناه بانه الذات الأعظم الأكبر في ذاته لا بالنسبة الى الغير إذ لا غير معه وافعل هذا للصفة لا للتفضيل وتجعلها نصب عينك وعين مطلبك ومقصدك وإذا قلت متيمنا متبركا بسم الله انبعثت رغبتك نحوه ومحبتك اليه وإذا قلت الرّحمن استنشقت من النفس الرحمانى ما يعينك على الترقي نحو جنابه وإذا قلت الرّحيم استروحت من نفحات لطفه ونسمات رحمته وجئت بمقام الاستيناس معه سبحانه بتعديد نعمه على نفسك وإذا قلت مثنيا عليه شاكرا لنعمه الحمد لله توسلت بشكر نعمه اليه وإذا قلت رب العالمين تحققت بمقام التوحيد وانكشفت باحاطته وشموله سبحانه وتربيته على عموم الأكوان وإذا قلت الرّحمن رجوت من سعة رحمته وعموم اشفاقه ومرحمته وإذا قلت الرّحيم نجوت من العذاب الأليم الذي هو الالتفات الى غير الحق ووصلت اليه بعد ما فصلت عنه بل اتصلت وإذا قلت مالك يوم الدين قطعت سلسلة الأسباب مطلقا وتحققت بمقام الكشف والشهود فحينئذ ظهر لك ولاح عليك ما ظهر فلك ان تقول في تلك الحالة بلسان الجمع إياك نعبد بك مخاطبين لك وإياك نستعين بإعانتك مستعينين منك وإذا قلت اهدنا الصراط المستقيم تمكنت بمقام العبودية وإذا قلت صراط الذين أنعمت عليهم تحققت بمقام الجمع وإذا قلت غير المغضوب عليهم استوحشت عن سطوة سلطة صفاته الجلالية وإذا قلت ولا الضالين خفت من الرجوع بعد الوصول فإذا قلت مستجيبا راجيا آمين أمنت من الشيطان الرجيم فلك ان تصلى على الوجه الذي تلى حتى تكون لك صلاتك معراجا الى ذروة الذات الاحدية ومرقاة الى السماء السرمدية ومفتاحا للخزائن الازلية والابدية وذلك لا يتيسر الا بعد الموت الإرادي عن مقتضيات الأوصاف البشرية والتخلق بالأخلاق المرضية والخصائل السنية الإلهية ولا يحصل لك هذا عند الميل الا بالعزلة والفرار عن الناس المنهمكين في الغفلة والانقطاع عنهم وعن رسومهم وعاداتهم بالمرة والا فالطبيعة سارقة والأمراض سارية والنفوس آمرة بالهوى مائلة عن المولى عصمنا الله من شرورها وخلصنا من غرورها بمنه وجوده
[سورة البقرة]
فاتحة سورة البقرة
لا يخفى على السالكين المتدرجين في مسالك التحقيق المتعطشين بزلال التوحيد ان الطرق الى الله بعدد أنفاس الخلائق إذ ما من ذرة من ذرائر العالم الا وله طريق منها وأقوم الطرق وأحسنها وأوضح السبل وأبينها هو الذي اختاره الله سبحانه لحبيبه ﷺ ولورثته من الأولياء زاد الله فتوحهم في كتابه
стр. 19
المسور بالسور المفصلة ب الآيات المنقسمة بالمحكمات والمتشابهات المشتملة كل سورة منها على احكام الشريعة وآداب الطريقة واسرار الحقيقة فلا بد للخصائص في لجج بحار القرآن. والغائص فيها لاستخراج فرائد اليقين والعرفان. ان يتأمل في كل سورة منها على وجه ينكشف له ما فيه من الأسرار بقدر استعداده وقابليته والا فغوره بعيد وقعره عميق منها سورة البقرة المشتملة اوائلها على الاحكام الشرعية المهذبة للظاهر عن الرذائل الردية والخصال الغير المرضية وأواسطها على آداب الطريقة من الشيم الجميلة والأخلاق الحميدة المصفية للباطن عن الكدورات البشرية وأواخرها على التوحيد الصرف الذاتي الخالص عن شوب الكثرة وشين الثنوية قطعا وانما خصص ﷺ بأواخر هذه السورة لأنه ﷺ هو المظهر للتوحيد الذاتي بخلاف الأنبياء السالفة صلوات الله عليهم فإنهم لم يظهروه لذلك ختم ببعثته ﷺ امر النبوة والرسالة وانسد طريق الوحى والإنزال ثم لما أراد سبحانه ارشاد عباده الى سبيل الهداية وابعادهم عن طريق الضلال انزل عليهم هذه السورة الجامعة لهما فقال متيمنا متبركا على وجه التعليم مخاطبا لنبيه المبعوث على الخلق العظيم بِسْمِ اللَّهِ المتوحد المتفرد المستغنى بذاته عن جميع الأكوان المتلبس بواسطة أسمائه وصفاته ملابس الحدوث والإمكان الرَّحْمنِ لعباده الذين هم مظاهر أسمائه وصفاته برش نوره عليهم ومد ظله إليهم في معاشهم الرَّحِيمِ لهم في معادهم ينجيهم عن ظلمة الإمكان المعبر عنها بلسان الشرع بالسعير والجحيم ويهديهم الى روضة الرضى وجنة التسليم
[الآيات]
الم ايها الإنسان الكامل اللائق لخلافتنا الملازم لاستكشاف اسرار ربوبيتنا وكيفية سريان هويتنا الذاتية السارية على صفحات المكونات المداوم للاستفادة والاستنباط من حضرة علمنا المحيط المنتزع عنها والمأخوذ منها
ذلِكَ الْكِتابُ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه البعيدة درجة كماله عن افهام البشر الجامع لجميع مراتب الأسماء والصفات في عالم الغيب والشهادة المنزل على مرتبتك الجامعة لجميع مراتب الكائنات من الأزل الى الأبد بحيث لا يشذ عنها مرتبة أصلا لا رَيْبَ فِيهِ بانه منزل من عندنا لفظا ومعنى اما لفظا فلعجز جماهير البلغاء ومشاهير الفصحاء عن معارضة اقصر آية منه مع وفور دواعيهم واما معنى فلاشتماله على جميع احوال الحقائق العينية والأسرار الغيبية مما كان وسيكون في النشأتين ولا يتيسر الاطلاع عليها والإتيان بها على هذا النمط البديع الا لمن هو علام الغيوب وانما أنزلناه إليك ايها اللائق لأمر الرسالة والنيابة لتهتدى به أنت الى بحر الحقيقة وتهدى به ايضا من تبعك من التابعين في بيداء الضلالة. إذ فيه هُدىً عظيم لِلْمُتَّقِينَ
الَّذِينَ يحفظون بامتثال أوامره واجتناب نواهيه نفوسهم عن خبائث المعاصي المانعة عن الطهارة الحقيقية ومن الوصول الى المرتبة الاصلية التي هي الوحدة الذاتية والذين يُؤْمِنُونَ يوقنون ويذعنون باسراره ومعارفه بِالْغَيْبِ اى غيب الهوية الوحدانية التي هي ينبوع بحر الحقيقة وإليها منتهى الكل وبعد ذلك يتوجهون بمقتضيات أحكامها نحوها ويهتدون إليها بسببها وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ اى يديمون الميل بجميع الأعضاء والجوارح على وجه الخضوع والتذلل الى جنابه إذ هو المقصد للكل اجمالا وتفصيلا ولكل عضو وجارحة تذلل خاص وله طريق مخصوص يناسبه يرشدك الى تفاصيل الطرق فعله ﷺ في صلاته على الوجه الذي وصل إلينا من الرواة المجتهدين رضوان الله عليهم أجمعين وَلما تنبهوا له بمتابعته ومالوا نحو جنابه سبحانه بالميل الحقيقي بالكلية لم يبق لهم ميل الى ما سواه من المزخرفات الفانية بل الى أنفسهم ايضا لذلك مِمَّا رَزَقْناهُمْ وسقنا إليهم ليكون مبقيا لحياتهم ومقوما لمزاجهم يُنْفِقُونَ في سبيلنا طلبا لمرضاتنا وهربا عما يشغلهم عنا فكيف
стр. 20
انفاق الفواضل منه
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ينقادون ويمتثلون بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ من الكتاب الجامع اسرار جميع ما انزل من الكتب السالفة على الوجه الأحسن الأبلغ ومن السنن والأخلاق الملهمة إليك وَمع ذلك يعتقدون صريحا ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ من الكتب المنزلة على الأنبياء الماضين وَمع الايمان بجميع الكتب المنزلة وان كان كل كتاب متضمنا للايمان بالنشأة الآخرة بل هو المقصد الأقصى من جميعها بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أفردها بالذكر اهتماما بشأنها لكثرة المرتابين فيها
وبالجملة أُولئِكَ المؤمنون المعتقدون بجميع الكتب المنزلة على الرسل والموقنون المذعنون بالنشأة الآخرة خاصة عَلى هُدىً عظيم مِنْ رَبِّهِمْ الذي رباهم بأنواع اللطف والكرم الى ان يبلغوا الى هذه المرتبة التي هي الاهتداء الى جناب قدسه وَمع ذلك الجزاء العظيم والنفع الجسيم أُولئِكَ السعداء المقبولون هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون الى فضاء الوجوب الناجون عن مضائق الإمكان رزقنا الله النجاة عنه والوصول اليه
ثم قال سبحانه على مقتضى سنته السنية في كتابه هذا من تعقيب الوعد بالوعيد إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اى ستروا الحق واعرضوا عنه وأظهروا الباطل وأصروا عليه عنادا واستكبارا لا ينفعهم إنذارك يا أكمل الرسل وعدمه بل سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ بك وبكتابك
لأنهم قد خَتَمَ اللَّهُ المحيط بذواتهم واوصافهم وأفعالهم عَلى قُلُوبِهِمْ كيلا يكونوا من ارباب المكاشفة وَعَلى سَمْعِهِمْ كيلا يصيروا من اصحاب المجاهدة وَعَلى أَبْصارِهِمْ كيلا يكونوا من ارباب المشاهدة غِشاوَةٌ ستر عظيم وغطاء كثيف لا يمكنك رفعها بل وَلَهُمْ فيها عَذابٌ عَظِيمٌ هو عذاب الطرد والبعد عن ساحة عز الحضور في مقعد الصدق ولا عذاب أعظم منه وبالجملة أولئك الأشقياء المردودون هم الضالون في تيه الحرمان الباقون في ظلمة الإمكان بأنواع الخيبة والخذلان أعاذنا الله من ذلك
وَمِنَ النَّاسِ الذين نسوا العهود السابقة التي عهدوها مع الله في مبدأ الفطرة مَنْ يَقُولُ قولا لا يوافق اعتقادهم وهو انهم يقولون تزويرا وتلبيسا آمَنَّا واذعنا بِاللَّهِ الذي انزل علينا الكتاب والرسول وَقد أيقنا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الموعود به لجزاء الأعمال وَالحال انه ما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ موقنين بهما في بواطنهم
بل ما غرضهم من هذا التلبيس والتزوير الا انهم يظنون انهم يُخادِعُونَ اللَّهَ المحيط بجميع أحوالهم وأفعالهم مخادعتهم مع آحاد الناس تعالى عن ذلك وَايضا يخادعون الموحدين الَّذِينَ آمَنُوا باحاطة الله بتوفيقه والهامه وانما خادعوا بما خادعوا وقالوا ما قالوا حفظا لدمائهم وأموالهم منهم وَهم لم يعلموا انهم ما يَخْدَعُونَ بهذا الخداع إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لان الله سبحانه ومن هو في حمايته من المؤمنين أجل وأعلى من ان ينخدعوا منهم فثبت انهم ما يخدعون بهذا الخداع الا أنفسهم وَما يَشْعُرُونَ بخداعهم وانخداعهم
لأنه كان فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ اى غشاوة وغطاء مختوم على قلوبهم لا ينكشف الا بكتاب الله المنزل على رسوله ﷺ ولما لم يؤمنوا به ولم يلتفتوا اليه عن ظهر القلب بل كذبوا رسوله المنزل عليه كتابه فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً غشاوة وغطاء لأجل ذلك احكاما لختمه وتأكيدا لحكمه وَلَهُمْ مع ذلك في يوم الجزاء عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم وهو ابعادهم وطردهم عن ساحة عز الحضور كل ذلك جزاء بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ويقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم تغريرا وخداعا
وَمع ظهور حالهم وخداعهم عند الله وعند المؤمنين إِذا قِيلَ لَهُمْ امحاضا للنصح لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بتكذيب كتاب الله ورسوله المنزل عليه حتى لا تخرجوا من مرتبة الخلافة لان خلافة
стр. 21
البشر انما هي بالتوحيد وإسقاط الإضافات والتوحيد انما يحصل بالإيمان بالله وكتابه وبرسوله قالُوا في الجواب على وجه الحصر والقصر إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ لا نتجاوز عن الصلاح أصلا وما قالوا ذلك ايضا الا تتميما وتأكيدا لخداعهم الفاسد الكاسد وترويجا له على المؤمنين تغريرا وتلبيسا
أَلا تنبهوا ايها المؤمنون الموقنون بكتاب الله المصدقون لرسوله إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ المقصورون على الفساد لا يرجى منهم الصلاح والفلاح أصلا لكونهم مجبولون على الغواية الفطرية والفساد الجبلي وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ بمشاعرهم لغشاوة قلوبهم وأبصارهم واسماعهم
وَمن شدة قسوتهم ونهاية غفلتهم وسكرتهم إِذا قِيلَ لَهُمْ تلطفا ورفقا من جانب نبينا ﷺ او من جانب أصحابه الكرام آمِنُوا بالله وبكتابه ورسوله كَما آمَنَ النَّاسُ الذين نسوا مزخرفات آبائهم بالإيمان بالله وبكتابه ورسوله وفازوا في الدارين فوزا عظيما بسبب ايمانهم وعرفانهم قالُوا في الجواب توبيخا وتقريعا أَنُؤْمِنُ ونصدق بهذا الرجل الحقير الساقط عن أعيننا وبهذه الأساطير الكاذبة ونترك دين آبائنا وأسلافنا كَما آمَنَ السُّفَهاءُ منا التاركون دين آبائهم بتغرير هذا المدعى المفترى أَلا تنبه ايها المبعوث لإهداء المضلين المجبولين على فطرة الهداية إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ المجبولون المقصورون على الغواية في بدأ الفطرة لا يمكنك هدايتهم أصلا لعدم قابليتهم واستعدادهم للايمان وَان ظنوا في زعمهم الفاسد بأنهم من العقلاء لكِنْ لا يَعْلَمُونَ ولا يعقلون أصلا لتركب جهلهم في جبلتهم فيسلب قابليتهم الفطرية
وَمن امارات نفاق هؤلاء الضالين المخادعين انهم إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا بالله وكتابه ورسوله قالُوا على طريق الاخبار عن الأمور المحققة ترويجا وتغريرا على المؤمنين آمَنَّا بالجملة الفعلية الماضوية بلا مبالغة وتأكيد لحكمهم وجزمهم بسفاهة المؤمنين واعتقادهم بان السفيه يقبل الاخبار بلا تأكيد لعدم تفطنه على انكار المتكلم فنزلوهم وان كان من حقهم الإنكار حقيقة منزلة خالي الذهن لسفاهتهم وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ اى بقوا خالين مع أصحابهم المستمرين على الكفر المجاهرين به بلا خداع ونفاق كالشيطان المصر على الضلال المستمر على الإضلال قالُوا على وجه المبالغة والتأكيد قلعا لما اعتقدوا من ظاهر حالهم ومقالهم موافقتهم مع المؤمنين سرا وجهرا وتحقيقا لمواخاتهم معهم حقيقة إِنَّا وان كنا في الظاهر مداهنون مع أولئك الحمقاء الجاهلين لمصلحة دنيوية متفقون مَعَكُمْ لفائدة دينية وقد أتوا بالجملة الاسمية المصدرة بان تحقيقا واهتماما واعلموا ان قولنا آمنا استهزاء منا إياهم لا تصديق لمدعاهم وبالجملة ما نحن مؤمنون لهم بمجرد هذا القول المزخرف بل إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ مستخفون بهم تجهيلا وتسفيها وتغريرا لهم بمجرد القول الكاذب الغير المطابق للاعتقاد والواقع وبالجملة هم من غاية انهماكهم في الغي والضلال مغرورون جازمون بأنهم مستهزؤن بل ما هم في الحقيقة الا مستهزؤن
إذ اللَّهُ المحيط بجميع مخايلهم الباطلة وافكارهم الفاسدة يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ في كل لحظة وطرفة آنا فآنا وَلم يشعرهم باستهزائه إياهم بل يَمُدُّهُمْ يمهلهم ويسوقهم فِي طُغْيانِهِمْ المتجاوز عن الحد في الضلالة بتلبيس الأمر على الله وعلى المؤمنين يَعْمَهُونَ يترددون اقداما واحجاما
وبالجملة أُولئِكَ البعداء الضالون عن طريق الهداية هم الَّذِينَ اشْتَرَوُا اى استبدلوا واختاروا الضَّلالَةَ المتقررة في نفوسهم بتقليد آبائهم بِالْهُدى المتفرع على الايمان بالله وبرسوله فَما رَبِحَتْ بهذا الاختيار والاستبدال تِجارَتُهُمْ اى ما يتجرون به وَما كانُوا مُهْتَدِينَ رابحين هادين بسبب هذا الاستبدال بل
стр. 22
خاسرين ضالين به او المعنى فما يثمر تجارتهم اى اتجارهم هذا الربح والهداية وما كانوا مهتدين بهذا الاتجار
مَثَلُهُمْ اى شانهم وحالهم بهذا الاستبدال والاتجار في يوم الجزاء كَمَثَلِ اى كحال الشخص الَّذِي طلب شيأ في الظلمة وترقبه ولم يهتد اليه ولذلك اسْتَوْقَدَ ناراً ليستضيء بها للفوز بمبتغاه فَلَمَّا استوقد وأَضاءَتْ النار ما حَوْلَهُ اى حول المستوقد وترقب حينئذ وجدان مطلوبه ذهب ضوءها وسكن لهبها فضل عن مطلوبه وخسر خسرانا عظيما كما قال سبحانه ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ اى اطفأ الله شعل نيران المنافقين وأنوار سرجهم التي هي كفرهم ونفاقهم على زعمهم الفاسد وأفسد اضاءتها لهم في يوم الجزاء حين ترقبهم بوجدان مطالبهم بحيث لم يهتدوا بها بل قد عذبهم الله بسببها وَتَرَكَهُمْ لأجلها فِي ظُلُماتٍ ظلمة الضلالة المتقررة الراسخة في نفوسهم بتقليد آبائهم المنتجة للكفر والنفاق وظلمة فقدان المطلوب المترتب عليها في زعمهم مع ترقبهم والظلمة العارضة لهم بعد استضاءتهم وبسبب هذه الظلمات المتراكمة لا يُبْصِرُونَ سبيل الهداية ولا يرجى نجاتهم في عذاب الله بل قد صاروا مخلدين فيه ابدا وكيف لا يخلدون وهم في أنفسهم حين دعوة الرسل إياهم
صُمٌّ لعدم اصغائهم لقول الحق على السنة الرسل صلوات الله عليهم بُكْمٌ لعدم قولهم بالإيمان المقارن بالتصديق عُمْيٌ لعدم التفاتهم الى الدلائل الظاهرة والمعجزات الباهرة مع قابليتهم الفطرية واستعدادهم الجبلي فَهُمْ في هذه الحالة لا يَرْجِعُونَ اى لا يطمعون الرجوع الى الهداية بتذكرهم الإفراط والتفريط الذي قد صدر عنهم في النشأة الاولى المستتبع لهذا العذاب
أَوْ كَصَيِّبٍ اى مثلهم في هذا الاستبدال والا تجار كسحاب نازل مِنَ جانب السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ متوالية متتالية بعضها فوق بعض شدة وضعفا بحسب تخلخل السحب وتكاثفها وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ مستحدث من الابخرة والادخنة المحتبسة فيه متى أبصرها الناس وسمعوا أصوات بروقه ورعوده يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ اى انا ملها فِي آذانِهِمْ خوفا مِنَ الصَّواعِقِ النازلة منها المهلكة غالبا لمن أصيب بها وانما يجعلون ويفعلون ذلك كذلك حَذَرَ الْمَوْتِ اى حذر ان يموتوا من اصابتها يعنى انهم لما شبهوا في نفوسهم دين الإسلام بالصيب المذكور في ابتداء ظهوره من غير ترقب واشتماله في زعمهم على ظلمات التكاليف المتفاوتة المتنوعة ورعود الوعيدات الهائلة وبروق الاحكام الخاطفة وجب عليهم الاحتراز عن غوائله بمقتضى أحلامهم السخيفة لذلك مالوا عنه واعرضوا وانصرفوا مرعوبين فجعلوا أصابع أحلامهم وعقولهم في آذان قبولهم خوفا من الصواعق النازلة المصيبة المفنية ذواتهم في ذات الله حذر الموت الإرادي وهم بسبب هذا الميل والاعراض يعتقدون بل يظنون انهم قد خلصوا عن الفناء في ذاته وَلم يعلموا انهم هم المستهلكون فيها المقصورون على الاضمحلال والهلاك إذ اللَّهُ المتجلى في ذاته لذاته مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ الساترين بذواتهم الباطلة حسب زعمهم الفاسد ذات الله سبحانه غافلين عن شروق تجلياته الجمالية والجلالية عليهم وعلى غيرهم دائما وكيف يغفلون عنها أولئك الغافلون الجاهلون
مع انها يَكادُ ويقرب الْبَرْقُ اى برق التجلي اللطفى من غاية قربه يَخْطَفُ ويعمى أَبْصارَهُمْ التي يرون بها أنفسهم ذوات متأصلات في الوجود بل كُلَّما أَضاءَ وأشرق لَهُمْ التجلي اللطفى وأمد عليهم بحسب البسط والجمال مَشَوْا وساروا فِيهِ باقين ببقائه وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ وقبض ظله عنهم بمقتضى التجلي القهرى حسب القبض والجلال قامُوا سكنوا وبقوا على ما هم عليه من العدم وَبالجملة لَوْ شاءَ اللَّهُ المنتقم الغيور
стр. 23
المتجلى عليهم بالقهر دائما لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وبعموم تعيناتهم التي ظنوا أنفسهم بسببها انهم موجودات حقيقية وصيرهم فانين معدومين بحيث لا وجود لهم أصلا كما هم عليه حقيقة دائما عند العارف المحقق المتحقق بوحدة الوجود المسقطة لعموم الكثرات قل لهم يا أكمل الرسل بلسان الجمع إِنَّ اللَّهَ المتجلى بالتجلى اللطفى عَلى إبقاء كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وعلى افنائه ايضا بالتجلى القهرى إذ لا يجرى في ملكه الا ما يشاء
ثم نبه سبحانه على كيفية رجوعهم اليه سبحانه وتنبههم على تجلياته فناداهم إشفاقا لهم وامتنانا عليهم ليقبلوا منه ويتوجهوا نحوه فقال يا أَيُّهَا النَّاسُ الذين نسوا حقوق الله بمتابعة آبائهم اعْبُدُوا على وجه التذلل والتضرع وانقادوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ أخرجكم وأظهركم من كتم العدم باشراق تجلياته اللطفية الى فضاء الوجود وَايضا اخرج آباءكم واسلافكم الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وتحذرون من تجلياته القهرية هذا في بدء الوجود
وفي المعاش اعبدوا ربكم الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً مبسوطا لتستقروا عليها وتسترزقوا فيها وَالسَّماءَ بِناءً وسقفا مرفوعا لترتقى الابخرة والادخنة المتصاعدة إليها وتتراكم السحب الماطرة منها فيها بمقتضى الحكمة المتقنة البالغة وَبعد إيجاد هذه الأسباب أَنْزَلَ بمحض فيضه وفضله مِنَ جانب السَّماءِ ماءً منبتا لكم الزروع والأثمار المقومة لا مزجتكم فَأَخْرَجَ بِهِ سبحانه بعد ما انزل أنواعا مِنَ الثَّمَراتِ لتكون رِزْقاً لَكُمْ مقوما لأمزجتكم كي تعيشوا بها وتتمكنوا بسببها الى الطاعة والعبادة والتوجه نحو توحيده وتفريده سبحانه الذي هو غاية ايجادكم والحكمة في وجودكم وخلقكم ومعظم ما يترتب على بدئكم وظهوركم وإذا كان الأمر كذلك فَلا تَجْعَلُوا ايها المنعمون بأنواع النعم لِلَّهِ الواحد الأحد القهار لعموم الأغيار أَنْداداً اشباها وأمثالا في استحقاق العبادة والأقدار على الإيجاد والتكوين والترزيق والإنبات والأحياء وغير ذلك مما يتعلق بالالوهية وَأَنْتُمْ وصلتم الى مرتبة التوحيد الذاتي الذي هو المقصد الأقصى من ايجادكم ووجودكم تَعْلَمُونَ يقينا ان سلسلة الأسباب منتهية اليه سبحانه ولا موجد لها سواه بل لا موجود الا هو وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها الا هو والتحقق بهذا المقام والوصول الى هذا المرام لا يتيسر الا بعد التخلق بأخلاق الله والتخلق بأخلاقه سبحانه لا يحصل الا بمتابعة المتخلق الكامل وأكمل المتخلقين نبينا ﵇ وتخلقه ﷺ انما يكون بالكتاب الجامع لجميع اخلاق الله المنزل على مرتبته الجامعة لجميع مراتب المظاهر
وَإِنْ كُنْتُمْ ايها المحجوبون بالأديان الباطلة فِي رَيْبٍ شك وارتياب مِمَّا نَزَّلْنا بمقتضى تربيتنا وإرشادنا عَلى عَبْدِنا الذي هو خليفتنا ومرآتنا ومظهر جميع اوصافنا وحامل وحينا من الكتاب المنزل عليه من لدنا المشتمل على جميع أخلاقنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ او جملة قصيرة مِنْ مِثْلِهِ في الاشتمال على الأخلاق الإلهية إذ من خواص هذا الكتاب ان مجموعه مشتمل على عموم الأخلاق الإلهية وكذا كل سورة منه ايضا مشتمل على ما اشتمل عليه المجموع اجمالا وتفصيلا تأمل تفز وَان عجزتم أنتم عن آياتنا ادْعُوا شُهَداءَكُمْ اى حضراءكم وظهراء كم التي أنتم تشهدون بالوهيتهم وترجعون في الخطوب والملمات نحوهم مِنْ دُونِ اللَّهِ المحيط بكم وبهم فأمروهم بإتيانها كذلك إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ انهم آلهة غير الله سبحانه تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولم تأتوا بها أنتم ايها الجاهلون المعاندون في حين التحدي والمعارضة وَلَنْ تَفْعَلُوا ايضا ابدا مع تلك التماثيل الباطلة العاطلة بعد ما رجعتم إليهم فلا تكابروا بعد ذلك ولا تنازعوا بل
стр. 24
انقادوا وامتثلوا بأوامر الكتاب المنزل على عبدنا واجتنبوا عن نواهيه فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي قد اخبر الله في الكتاب المنزل مكررا بانه وَقُودُهَا اى ما يتقد به النَّاسُ الذي نسوا الله ويعبدون غيره وَالْحِجارَةُ التي هي معبوداتهم الباطلة التي قد نحتوها بأيديهم وما أُعِدَّتْ وهيئت هذه النار الموصوفة بهذه الصفة الا لِلْكافِرِينَ الجاهلين الجاحدين طريق توحيد الحق والمنكرين المكذبين كتاب الله ورسوله
وَبَشِّرِ المؤمنين الموقنين الموحدين الَّذِينَ آمَنُوا بالكتاب المنزل على عبدنا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ المأمورة لهم فيه واجتنبوا عن الفاسدات المنهية عنها فيه أَنَّ اى قد حق وثبت لَهُمْ بعد رفع القيود وإسقاط الإضافات جَنَّاتٍ متنزهات العلم والعين والحق التي هي المعارف الكلية المخلصة عن جميع القيود المنافية لصرافة التوحيد الذاتي تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ اى انهار المعارف الجزئية المترتبة على تلك المعارف الكلية وهم كُلَّما رُزِقُوا وحظوا مِنْها اى من تلك المعارف الكلية اللدنية مِنْ ثَمَرَةٍ حاصلة من شجرة اليقين المغروسة في قلوبهم رِزْقاً حظا كاملا ونصيبا شاملا يخلصهم من ربقة الإمكان قالُوا متذكرين العهود السابقة هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ في الأعيان الثابتة او في عالم الأسماء والصفات او في اللوح المحفوظ او في عالم الأرواح الى غير ذلك من العبارات وَمن غاية التذاذهم ونهاية شوقهم واحتظاظهم بالثمرة المحظوظ بها أُتُوا بِهِ متماثلا مُتَشابِهاً متجددا بتجدد الأمثال وَلَهُمْ فِيها اى في تلك المراتب الكلية اللدنية أَزْواجٌ اعمال صالحة ونيات خالصة مُطَهَّرَةٌ عن شوائب العوائق المانعة عن الوصول الى دار القرار وَهُمْ فِيها اى تلك المراتب الجنانية خالِدُونَ دائمون بدوامه باقون ببقائه مستغرقون بمشاهدة لقائه سبحانه اللهم أذقنا بلطفك حلاوة التحقيق وبرد اليقين ثم لما طعن الكفار من غاية استكبارهم وعتوهم ونهاية استعظامهم في نفوسهم واعتقادهم الاصالة في الوجود والاستقلال بالآثار المترتبة عليه الصادرة منهم ظاهرا على هذا الكتاب والرسول المنزل عليه قائلين بان ما جئت به وسميته وحيا نازلا إليك من عند الله الحكيم لا يدل على انه كلام من يعتد به ويعتمد عليه فضلا عن ان يدل على انه كلام الحكيم المتصف بجميع أوصاف الكمال المستحق للعبادة لان ما مثل به فيه هي الأشياء الخسيسة الخبيثة والضعيفة الحقيرة مثل الكلب والحمار والذباب والنحل والنمل والعنكبوت وغيرها
والكلام المشتمل على أمثال هذه الأمثال لا يصدر من الكبير المتعال رد الله عليهم وروج امر نبيه صلوات الله عليه فقال إِنَّ اللَّهَ المستجمع لجميع الأوصاف والأسماء المقتضية لظواهر الكائنات المربية لمراتب الموجودات الظاهر على جميع المظاهر بلا تفاوت كظهور الشمس وإشراقها على جميع الآفاق وسريان الروح في جميع الأعضاء لا يَسْتَحْيِي استحياء من في فعله ضعف وله عاقبة وخيمة بل له سبحانه أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا بمظهر ما من المظاهر الغير المتفاوتة في المظهرية اذله سبحانه بذاته ومع جميع أوصافه وأسمائه ظهور في كل ذرة من ذرائر العالم بلا اضافة فلا تفاوت في المظاهر بالنسبة الى ظهوره سبحانه إذ ما ترى في خلق الرّحمن من تفاوت سواء كانت بَعُوضَةً مستحقرة عندكم او احقر منها فَما فَوْقَها في الحقارة والخساسة كالبق والذباب والنمل فلا يبالى الله في تمثيلها إذ عنده الكل على السواء فَأَمَّا الَّذِينَ صدقوا النبي ﷺ الأمي حيث آمَنُوا بجميع ما جاء به من عند ربه فَيَعْلَمُونَ علما يقينيا أَنَّهُ اى التمثيل بهذه الأمثال الْحَقُّ الثابت الصادر مِنْ رَبِّهِمْ الذي رباهم بكشف الأمور على ما هي عليه وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا واعرضوا عن تصديق الحق ورسوله
стр. 25
فَيَقُولُونَ مستهزئين متهكمين على سبيل الاستفهام ماذا أَرادَ اللَّهُ المقدس عن جميع الرذائل المتصف بجميع الأوصاف الحميدة على زعمهم بِهذا الدنى الحقير الخسيس بان يضرب مَثَلًا هذا تعريض على رسول الله ﷺ بأبلغ وجه وآكده يعنى جميع ما جئت به كلمات مفتريات بعضها فوق بعض وانما نسبته بالوحي وأسندته الى الله لتروجها على ذوى الأحلام الضعيفة ومن غاية استكبارهم ونهاية جهلهم المقتضى لعمى القلب لم يروا الحكمة في تمثيله ولم يعلموا انه سبحانه يُضِلُّ بِهِ اى بإنكار هذا التمثيل بمقتضى اسمه المنتقم كَثِيراً من المستكبرين المستحقرين بعض المظاهر وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً من الموحدين الموقنين الذين لا يرون في عموم المظاهر الا الله الظاهر إذ في هذا المشهد العظيم لا تسع الإضافات المستلزمة للاستعظام والاستحقار بل سقط هناك عموم الاضافة والاعتبار ثم بين سبحانه سبب إضلاله
فقال وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الَّذِينَ يخرجون عن طريق التوحيد باستحقار بعض المظاهر حيث يَنْقُضُونَ اى يفصمون ويقطعون عَهْدَ اللَّهِ الذي هو حبله الممدود من أزل الذات الى ابد الأسماء والصفات سيما مِنْ بَعْدِ توكيده بذكر مِيثاقِهِ الموثق به بقوله الست بربكم وقولهم بلى وَبعد ما نقضوا العهد الوثيق الذي من شانه ان لا ينقض لم يفزعوا ولم يتوجهوا الى جبره ووصله بل يَقْطَعُونَ التوجه عن امتثال ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ في كتابه المنزل أَنْ يُوصَلَ اى لان يوصل به ما نقض من عهده وَمع ذلك لا يقنعون ولا يقتصرون بنقض العهد وقطع الوصل المختصين بهم بل يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بأنواع الفسادات السارية في أقطارها من إفساد عقائد الضعفاء والبغض مع العرفاء الأمناء والمخاصمة مع الأنبياء والأولياء وبالجملة أُولئِكَ البعداء الضالون عن منهج التوحيد هُمُ الْخاسِرُونَ المقصورون على الخسران الكلى الذي لا خسران أعظم منه أعاذنا الله وعموم عباده من ذلك
ثم استفهم سبحانه مخاطبا لهم مستبعدا لما صدر عنهم من الكفر والطغيان على سبيل الكناية تحريكا لحمية الفطرة الاصلية التي فطر الناس عليها وتذكيرا لهم عن العهد الوثيق الذي عهدوا مع الله في مبدأ فطرتهم بقوله كَيْفَ تَكْفُرُونَ وتشركون بِاللَّهِ الذي قدر وجودكم في علمه السابق وَكُنْتُمْ أَمْواتاً اعداما صرفا لا امتياز لها ولم تكونوا مذكورين وبعد ما قدر وجودكم أراد ايجادكم فَأَحْياكُمْ وأظهركم من كتم العدم بمد ظله عليكم وبعد ما أظهركم أنعم عليكم ورباكم في النشأة الاولى بأنواع النعم لتعرفوا المنعم وتشكروا له في مقابلتها ثُمَّ بعد ما رباكم بأنواع النعم يُمِيتُكُمْ ويخرجكم من النشأة الاولى إظهارا لقدرته وقهره ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ايضا في النشأة الاخرى لتجزى كل نفس بما كسبت في النشأة الاولى ثُمَّ بعد ما قطعتم المنازل وطويتم المراتب والمراحل إِلَيْهِ لا الى غيره من العكوس والاظلال تُرْجَعُونَ إذ لا وجود لغيره ليرجع اليه فثبت ان لا مبدأ سوى الله ولا منتهى ولا مرجع الا هو ولا رجوع الا اليه لا اله الا هو كل شيء هالك الا وجهه له الحكم واليه ترجعون
وبالجملة هُوَ الَّذِي جعلكم خلائف في الأرض وصوركم على صورته وصيركم مظاهر جميع أوصافه وأسمائه وكرمكم على عموم مظاهره ومصنوعاته حيث خَلَقَ اى قدر ودبر لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً يعنى قد سخر لكم جميع ما في العالم السفلى من آثار الأسماء والصفات تتميما لجسمانيتكم وحصة ناسوتكم لتتصرفوا فيها وتنتفعوا بها متى شئتم ثُمَّ لما تم تقدير ما في العالم السفلى ترقى عنه حيث اسْتَوى وتوجه إِلَى السَّماءِ اى الى تقدير ما في العالم العلوي تتميما لحصة لاهوتكم فَسَوَّاهُنَّ وعدلهن وهيأهن سَبْعَ
стр. 26
سَماواتٍ مطبقات مشتملات على ملائكة ذوى علوم وإدراكات واعمال ومعاملات وعلى كواكب ذوى خواص وآثار كثيرة كلها من مقتضيات أسمائه وأوصافه ومظاهر لهما وَبالجملة لا يخفى عليه تعالى شيء مما في العالمين إذ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ثم لما قدر سبحانه لنوع الإنسان جميع ما في العالم العلوي والسفلى أشار الى اصطفاء شخص من هذا النوع وانتخابه من بين عموم الأشخاص الانسانية ليكون مظهرا جامعا لائقا لأمر الخلافة والنيابة الإلهية فقال مخاطبا لنبيه وحبيبه ﷺ لاستعداده ومرتبته الجامعة لعموم المراتب مذكرا له محضرا إياه
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ استحضر أنت يا أكمل الرسل وذكر لمن تبعك وقت قول ربك على طريق المشورة لِلْمَلائِكَةِ الذين هم مظاهر لطفه ومجالي جماله بحيث لا يظهر عليهم اثر من آثار الجلال والقهر الإلهي إِنِّي أريد ان اطالع ذاتى وألاحظ عموم أسمائي وأوصافي على التفصيل فانا جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ اى العالم السفلى خَلِيفَةً مرآة مجلوة عن صدأ الإمكان ورين التعلق لا تجلى فيها بجميع أوصافي وأسمائي ليصلح خليفتي هذا مفاسد عموم عبادي ويحسن أخلاقهم نيابة عنى وبعد ما شاور سبحانه معهم قالُوا في الجواب بمقتضى علمهم من العالم السفلى الذي هو عالم الكون والفساد ومحل الجدال والعناد ما نرى في العالم السفلى الا اللدد والفساد والخصومة المستمرة بين العباد والخروج من حدودك من سفك الدماء ونهب الأموال وسبى الذراري وبالجملة أَتَجْعَلُ يعنى أنسلم ونجوز بعد ما شاورت معنا يا ربنا ان تجعل وتخلق بمقتضى عزك وجلالك خليفة لك نائبا عنك فِيها اى في الأرض سيما مَنْ يُفْسِدُ فِيها بأنواع الفسادات مع انا ننزهك ونقدسك من مطلق الرذائل وَلا سيما من يَسْفِكُ الدِّماءَ المحرمة وبالجملة ليس من وسعنا هذا التسليم ولا نرى هذا الأمر لائقا بعظمتك وجلالك يا مولانا وَان شئت بمقتضى فضلك وجودك ان تصلح بين عبادك وتدبر أمورهم نَحْنُ اولى باصلاحهم وتدبيرهم وحفظ حدودك فيهم إذ نُسَبِّحُ ونشتغل دائما بِحَمْدِكَ وثنائك ونشكرك مستمرا على آلائك ونعمائك وَنُقَدِّسُ لَكَ اى ننزه ذاتك عن جميع ما يشعر بالعلل والأغراض فنحن اولى بخلافتك وبعد ما بسطوا ما بسطوا من الكلام قالَ سبحانه بلسان الجمع في جوابهم إرشادا لهم وامتنانا على آدم إِنِّي أَعْلَمُ من آدم الذي هو مظهر ذاتى وعموم أسمائي وصفاتي ما لا تَعْلَمُونَ أنتم اى من الجمعية التي أنتم لا تشعرون بها لعدم جامعيتكم
ثم لما علم سبحانه استحقاق آدم للنيابة ولياقته للخلافة وأجاب عن شبههم التي قد أوردوها حين المشورة اجمالا أشار الى تفصيل ما أجمل عليهم إرشادا لهم على مرتبة الجمع وتنبيها على جلالة قدر المظهر الجامع فقال وَعَلَّمَ الأسماء آدَمَ اى ذكر سبحانه وفصل له الْأَسْماءَ التي قد اودعها في ذاته وأظهره بمقتضاها وأوجد بها ايضا ما في العالم من الآثار البديعة كُلَّها بحيث لم يبق من الأوصاف المتقابلة والأسماء المتخالفة المتضادة شيء الا ما استأثر الله به في غيبه ثُمَّ عَرَضَهُمْ اى الأسماء المودعة باعتبار مسمياتها وآثارها الظاهرة في الآفاق عَلَى الْمَلائِكَةِ الذين هم يدعون الأولوية لأنفسهم في امر الخلافة فَقالَ سبحانه مخاطبا لهم على سبيل الإسكات والتبكيت أَنْبِئُونِي وأخبروني عن روية صائبة وبصيرة تامة بِأَسْماءِ هؤُلاءِ المسميات وبأسباب هؤلاء الآثار والمسببات إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعوى الأولوية والأحقية للنيابة محقين في الاعتراض على آدم لا عن علم بحاله
قالُوا مستوحشين من هذه الكلمات الهائلة المهولة معتذرين متذللين خائفين
стр. 27
من عتابه سبحانه وجلين من سوء الأدب مع الله مستحيين عن سؤالهم من فعله الذي لا يسأل عنه مطلقا قائلين سُبْحانَكَ ننزهك ان نعترض عليك ونسأل عن فعلك نحن او غيرنا من المظاهر والمصنوعات فلك الحكم في ملكك وملكوتك والتصرف في مقتضيات أسمائك وصفاتك يا مولانا وانما بسطنا الكلام معك يا ربنا لانبساطك بنا إذ لا عِلْمَ لَنا منها إِلَّا ما عَلَّمْتَنا حسب استعداداتنا وقابلياتنا الفائضة منك علينا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ بجميع القابليات الْحَكِيمُ بافاضة ما ينبغي لمن ينبغي بلا علل وأغراض وبعد ما اعترفوا بذنوبهم واعتذروا عن قصورهم واجترائهم قبل الله عنهم عذرهم وتوبتهم
ثم اظهر عليهم الحكمة المقتضية لخلافة آدم صلوات الله عليه جبرا لانكسارهم ورفعا لحجابهم امتنانا عليهم حيث قالَ يا آدَمُ المستجمع لآثار عموم الأسماء المتخالفة أَنْبِئْهُمْ عن خبرة وحضور تام بِأَسْمائِهِمْ المركوزة في هويتك عن هؤلاء المسميات والمسببات المعروضة عليك المعبر عنها بالعالم ثم لما سمع آدم نداء ربه بادر الى الجواب بمقتضى الوحى والإلهام الإلهي وأجاب بما أجاب فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بتوفيق الله بِأَسْمائِهِمْ على التفصيل الذي أودعه الحق فيه لان المرآة تظهر وتحاكى جميع ما في الرائي ثم لما سمع الملائكة منه ما سمعوا من تفصيل الأسماء المعروضة عليه استحيوا من انبائه وندموا عما صدر عنهم في حقه وزادوا الاستحياء من الله وتوجهوا نحوه ساكتين لائمين أنفسهم حتى لطف سبحانه معهم وأدركتهم العناية الشاملة وشملتهم الرحمة الواسعة حيث تكلم سبحانه معهم وخاطبهم مذكرا لهم عما جرى بينه سبحانه وبينهم مستفهما لهم على وجه التأديب لئلا يصدر عنهم أمثاله ولئلا يغتروا بعلومهم ومعاملاتهم ولا يستحقروا مظاهر الحق مطلقا ولا ينظروا إليها بنظر الاهانة والاستحقار بل بنظر العبرة والاعتبار ولا يتوهموا إخفاء شيء من الله المحيط لعموم الأشياء احاطة حضور وشهود حيث قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ أولا اجمالا إِنِّي أَعْلَمُ منكم غَيْبَ السَّماواتِ اى عالم الأسباب التي قد ادعيتم العلم بتفاصيل أحوالها وَغيب الْأَرْضِ اى عالم المسببات التي قلتم فيها كلاما على التخمين والحسبان وبحسب الظاهر وَأَعْلَمُ ايضا ما تُبْدُونَ وتظهرون في حق آدم باللسان من الاستحقار والاستكسار وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ في سرائركم وضمائركم من المراقبة له وافراط المحبة معى ودعوى الاستقلال فيها والانحصار عليها. ثم لما اعترفوا بذنوبهم وأقروا قصورهم وتضرعوا نحو الحق تائبين نادمين عن اجترائهم ومجادلتهم معه سبحانه مستحيين عنه سبحانه وعمن استخلفه عن نفسه يعنى آدم بنسبة انواع المكاره اليه خائبين عما نووا في نفوسهم من الأولوية في الاستحقاق تقبل الله سبحانه منهم عذرهم وأسقط حق آدم عنهم ثم أمرهم بسجوده استحلالا منه وتكريما له وإيفاء لحقه ليسقط عن ذممهم
فقال وَإِذْ قُلْنا اى اذكر يا أكمل الرسل وقت قولنا لِلْمَلائِكَةِ النادمين عن الجرأة التي صدرت عنهم في حق آدم اسْجُدُوا تذللوا وتواضعوا تكريما لِآدَمَ وامتثالا لأمرنا فَسَجَدُوا له مجتمعين متذللين واضعين جباههم على تراب المذلة والندامة إِلَّا إِبْلِيسَ منهم قد أَبى اى امتنع عن السجود وَاسْتَكْبَرَ عن الانقياد له وأصر على ما هو عليه من العناد والجحود وَكانَ بعدم امتثال الأمر الوجوبي مِنَ الْكافِرِينَ المطرودين عن ساحة الحضور والسر في استثنائه سبحانه إبليس عن هذا الحكم وعدم توفيقه واقداره إياه على السجود ان يظهر سر الظهور والإظهار والربوبية والعبودية والايمان والكفر والجنة والنار وجميع المعتقدات الشرعية والتكاليف الإلهية إذ بسببه يظهر الاثنينية ويتعدد الطرق وتتفاوت الآراء والمقالات وتتبين المخالفات
стр. 28
والمنازعات وبتغريره وتضليله يستتر الحق ويظهر الباطل وبالجملة هو الرقيب الحاجب الحافظ المحافظ لآدابه سبحانه والمعتكف ببابه حتى لا يكون شرعة لكل وارد او يتوجه اليه واحد بعد واحد غيرة منه على الله وحمية لحمى قدس ذاته وفضاء لاهوته ولهذا قد تمنى كثير من المحققين مرتبته ومن كمال غيرته على ربه الهاء بنى آدم واغرارهم بالمستلذات والمزخرفات التي مالت إليها نفوسهم بالطبع ليشغلهم ويلهيهم بها عن التوجه الى جنابه والعكوف حول بابه والسرفى طرده ولعنه وابعاده عن ساحة عز الحضور تحذيرهم من الانقياد له والاقتداء به على ابلغ وجه وآكده وتمرين لعداوته لهم ورقابته معهم في نفوسهم لئلا يغفلوا عنه ومع ذلك لم يتركوا متابعته ولم يجتنبوا من اقطاعه الملهية نعوذ بالله من شرور أنفسنا وبعد ما جعلنا آدم خليفة في الأرض أزلنا عنه قوادح القادحين وأمرنا جميع خصمائه بتعظيمه وسجوده وامتثلوا بالمأمور به جميعا الا إبليس من بينهم قد تركه للحكمة المذكورة آنفا ولئلا يتكبر آدم ويتجبر بسبب انقياد جميعهم كما تجبر كثير من ابنائه في الأرض بانقياد الشرذمة القليلة الى ان ادعوا الألوهية لأنفسهم
وَقُلْنا له على سبيل الشفقة والنصيحة يا آدَمُ المستخلف المختار لازم العبودية ولا تغتر بالخلافة وداوم على التوجه ولا تغفل عن المعاتبة واعلم ان العبودية انما تحصل بامتثال أوامرنا واجتناب نواهينا وبعد قبولك الامتثال والاجتناب اسْكُنْ أَنْتَ ايها الخليفة اصالة وَزَوْجُكَ تبعا لك الْجَنَّةَ التي هي دار السرور ومنزل الفراغ والحضور ومقام الانس مع الرب الغفور وبعد سكونكما فيها وَكُلا مِنْها اى من جميع محظوظاتها ومستلذاتها الروحانية والجسمانية رَغَداً واسعا كثيرا بلا مقدار وعدد حَيْثُ شِئْتُما بلا مزاحمة ضد ومنازعة احد وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ المخصوصة المعينة حتى لا تخرجا من ربقة العبودية وان تخرجا فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضى الحدود الإلهية بارتكاب المنهي عنه ثم لما استشعر إبليس بالتوصية والمعاهدة المذكورة المنبئة عن كمال العناية الإلهية بالنسبة الى آدم وبنيه بادر الى دفعها ونقضها فوسوس لهما بان القى في قلبهما الدغدغة في تخصيص هذه الشجرة المعينة المعنية بالنهى وبالغ في وسوستهما الى حيث انساهما الوصية الإلهية والمعاهدة المذكورة في العبودية
وبالجملة فَأَزَلَّهُمَا والجأهما الى ارتكاب الزلة بالوسوسة الشَّيْطانُ المضل المغوى فتناولا عَنْها اى عن الشجرة المنهية فَأَخْرَجَهُما الحق بسبب تلك التناول مِمَّا كانا فِيهِ اى من الحضور الذي كانا فيه في دار السرور وَبعد ظهور زلتهما قُلْنَا لهما ولناصحهما اهْبِطُوا من دار السرور الى دار الحزن والغرور ومن دار الكرامة الى دار الابتلاء والملامة وعيشوا فيها مع انواع النزاع والخصومة إذ فيها بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ينتهز الفرصة لمقته وَلَكُمْ بعد هبوطكم فِي الْأَرْضِ التي هي محل التفرقة وموطن الفتن والمحن مُسْتَقَرٌّ موضع قرار وَمَتاعٌ اى استمتاع بمزخرفاتها ومستلذاتها الغير القارة التي ألهاكم الشيطان بها عن النعيم الدائم إِلى حِينٍ اى الى قيام الساعة التي هي الطَّامَّةُ الْكُبْرى.
ثم لما لم يكن زلة آدم من نفسه وبمقتضى طبعه بل بتغرير عدوه وبمقتضى اغرائه ووسوسته اشفق سبحانه عليه وتلطف معه فَتَلَقَّى واستفاد آدَمُ المذنب العاصي مِنْ رَبِّهِ المستخلف له المستقبل عليه كَلِماتٍ مشتملات على الرجوع والانابة عما صدر عنه من الزلة وهي قوله بإلقاء الله إياه ربنا ظلمنا أنفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين وبعد ما تلقى ما تلقى من الكلمات التامات واستغفر بها ورجع عن إتيان أمثال ما صدر فَتابَ الله عَلَيْهِ ترحما وقبل توبته تفضلا وكيف لا إِنَّهُ سبحانه
стр. 29
هُوَ التَّوَّابُ الرجاء للمذنبين المنهمكين في المعاصي بالإنابة اليه عن ظهر الجنان الرَّحِيمُ لهم عما صدر عنهم من المعاصي والآثام بلا عتاب وانتقام
ثم لما لقناه الكلمات التي تاب بها وقبلنا عنه توبته أخرجناه من اليأس والقنوط واطمعناه الرجوع الى الجنة بان قُلْنَا له ولذريته المتفرعة عليه منبهين عليهم طريق الرجوع والانابة اهْبِطُوا والزموا مكان الهبوط واستقروا عليها حال كونكم خارجين مِنْها جَمِيعاً اى من الجنة وترقبوا دخولها باذن منا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ ايها المترقبون مِنِّي هُدىً من وحى والهام فهو علامة إذني ودليل رضائى برجوعكم فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ ورجع بمقتضاه فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ حين المراجعة الى المقام الأصلي والموطن الحقيقي وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ بعد رجوعهم اليه بل كما بدأكم تعودون
وَالَّذِينَ لم يترقبوا الرجوع ونسوا ما هم عليه في الجنة ولم يلتفتوا الى الهدى المؤتى به بل كَفَرُوا به وأنكروا به وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وبرسلنا الذين أتوا بها وكذا بعموم دلائلنا الدالة على صدقهم من المعجزات الظاهرة والآيات الباهرة أُولئِكَ الهابطون الناسون الموطن الأصلي والمقام الحقيقي المستبدلون الجنة الباقية بعرض هذا الأدنى الفاني الكافرون بطريق الحق المكذبون بالرسل الهادين هم أَصْحابُ النَّارِ التي هي محل البعد والخذلان ومنزل الطرد والحرمان هُمْ فِيها خالِدُونَ بسبب نسيانهم وتكذيبهم الى ما شاء الله ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك أنت الوهاب
ثم لما بين سبحانه طريق الهداية والضلال ونبه على جزاء كل منهما اجمالا أشار الى تفصيله وتوضيحه بإيراد قصص القرون الماضية والأمم السالفة ليعتبر المؤمنون منها ومن جملتها قصة ندائه سبحانه بنى إسرائيل يعنى أولاد يعقوب مخاطبا لهم آمرا بتذكرهم بالنعم التي أنعمها عليهم ليكونوا من الشاكرين لنعمه الموقنين بعهود كرمه بقوله يا بَنِي إِسْرائِيلَ المتنعمين بالنعم الجليلة اذْكُرُوا واشكروا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وعلى من استخلفكم من اسلافكم وَأَوْفُوا بعد اعداد النعم وتعديدها على انفسكم بِعَهْدِي الذي قد عهدتم معى من متابعة الهدى النازل منى على السنة انبيائى ورسلي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ايضا بارجاعكم وايصالكم الى مقامكم الأصلي الذي كنتم فيها قبل هبوطكم الى دار المحن وبعد رجوعكم إليها في النشأة الاخرى لا يبقى لكم خوف من الأغيار بل لا بد لكم حينئذ ان ترهبوا من سطوة سلطتى وقهري حسب جلالي وَإِيَّايَ عند عروض تلك الرهبة فَارْهَبُونِ وارجعوا الى وتحننوا نحوي لأؤانس معكم وازيل رهبتكم عنكم
وَاعلموا ان علامة وفائكم بعهدي هي الايمان فأذعنوا وآمِنُوا على وجه الإخلاص والإيقان بِما أَنْزَلْتُ بمقتضى فضلي وطولى على عموم رسلي سيما بالقرآن المنزل على الحضرة الختمية الخاتمية المؤيد بالدلائل القاطعة والحجج الساطعة والمعجزات الباهرة والآيات الظاهرة مع كونه مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ من الكتب المنزلة على الأنبياء الماضين مشتملا على عموم ما في الكتب السالفة من الاحكام والقصص والمواعظ والحقائق مع لطائف أخر قد خلت عنها جميعها وَبعد ظهور المنزل به وادعاء من انزل عليه الرسالة والهدى لا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ اى لا تكونوا مبادرين على الكفر بالهادي وما هدى به بل كونوا أول من آمن وصدق بعموم ما جاء به من عند ربه وانتهزوا الفرصة للايمان ولا تغفلوا عنه وَبعد نزوله وظهوره لا تَشْتَرُوا ولا تستبدلوا بِآياتِي المنزلة على رسلي ثَمَناً قَلِيلًا من المزخرفات الفانية وَان عسر عليكم ترك هذا الاستبدال بميل نفوسكم اليه بالطبع إِيَّايَ فَاتَّقُونِ عند عروض ذلك لأحفظكم
стр. 30
منه وأسهله عليكم
وَبالجملة لا تَلْبِسُوا الْحَقَّ الظاهر الثابت بِالْباطِلِ الموهوم المزخرف للضعفاء الذين لا تمييز لهم وَلا تَكْتُمُوا الْحَقَّ ايضا في نفوسكم وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ حقيقته عقلا وسمعا
وَبعد ما آمنتم بالله وكتبه المنزلة على رسله واجتنبتم عما نهيتم عنه أَقِيمُوا الصَّلاةَ اى داوموا على الميل والتقرب الى جنابه والتوجه نحو بابه بجميع الأعضاء والجوارح قاصدين فيه تخلية الظاهر والباطن عن الشواغل النفسية والعوائق البدنية المانعة من الميل الحقيقي وَآتُوا الزَّكاةَ المطهرة لنفوسكم عن العلائق الخارجة والعوارض اللاحقة المثمرة لانواع الأمراض في الباطن من البخل والحسد والحقد وغير ذلك وَان قصدتم التقرب والتوجه على الوجه الأتم الأكمل ارْكَعُوا اى تذللوا وتضرعوا نحوه سبحانه مَعَ الرَّاكِعِينَ الذين قد خرجوا عن هوياتهم الباطلة بالموت الإرادي ووصلوا الى ما وصلوا بل اتصلوا لا مع الذين يراؤن الناس ويقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم
لذلك خاطبهم سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع فقال أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ ايها المراؤون المدعون لليقين والعرفان على سبيل النصح والتذكير بِالْبِرِّ المقرب الى الله وَتَنْسَوْنَ أنتم أَنْفُسَكُمْ من امتثال ما قلتم وَالحال انه أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ المشتمل على الأوامر والنواهي وتدعون علمه فحقكم ان تمتثلوا به أولا أَتلتزمون تذكير الغير وأنتم منهمكون في الغفلة والضلال فَلا تَعْقِلُونَ ولا تفهمون قبح صنيعكم هذا ايها المسرفون المفرطون
وَبعد ما أمرتم بعد الايمان بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة المطهرتين لنفوسكم ظاهرا وباطنا فعليكم الإتيان والامتثال بالمأمور على الوجه الأتم الأكمل ولا يتيسر لكم هذا على الوجه الذي ذكر الا بادامة الاستقامة والاستعانة والمظاهرة من الخصلتين الكريمتين لذلك أمركم سبحانه باستعانتهما بقوله اسْتَعِينُوا في التوجه والتقرب الى الله بِالصَّبْرِ عن المستلذات الجسمانية والمشتهيات النفسانية وَالصَّلاةِ الميل الى الله والاعراض عن ما سوى الله ولا تستحقروا امر هذه الاستعانة ولا تخففوها وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ شاقة ثقيلة على كل احد إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ الخاضعين الموقنين
الَّذِينَ يرفعون رين الغيرية عن العين ويسقطون شين الاثنينية عن البين بل يَظُنُّونَ ويعتقدون أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ في هذه النشأة لأنهم يعبدون الله كأنهم يرونه وَهم يعلمون يقينا أَنَّهُمْ إِلَيْهِ سبحانه لا الى غيره من الوسائل والأسباب راجِعُونَ عائدون صائرون في النشأة الاخرى اللهم اجعلنا منهم ومن متابعيهم ومحبيهم
ثم لما من سبحانه عليهم بالنعم التي يظهر آثارها وثمراتها في العالم الروحاني بحسب النشأة الاخرى من عليهم ايضا بالنعم التي ظهرت آثارها عليهم في العالم الجسماني بحسب النشأة الاولى فناداهم ايضا مبتدئا مذكرا بقوله يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا واشكروا ولا تكفروا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وعلى اسلافكم وَاعلموا أَنِّي بمقتضى كمال حولي وقوتي قد فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ من أبناء نوعكم بفضائل قد اغنت شهرتها عن الإحصاء والتعديد وبعد ما ذكرتم النعمة وعرفتم المنعم المفضل لا تغتروا بفضلي ولطفي بل احذروا عن قهري وبطشى
وَاتَّقُوا يَوْماً واى يوم يوما تحشرون الى للجزاء والحساب وفي ذلك اليوم لا تَجْزِي ولا تسقط نَفْسٌ مطيعة كانت او عاصية عَنْ نَفْسٍ عاصية شَيْئاً من جزائها وعذابها وَلا يُقْبَلُ ايضا فيه مِنْها اى من النفس العاصية شَفاعَةٌ من شافع ولا صديق حميم وَكذا لا يُؤْخَذُ مِنْها فيه كفيل عَدْلٌ لتمهل مدة وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ فيه
стр. 31
بالأنصار والأعوان بل كل نفس يومئذ رهينة بما كسبت ضمينة بما اقترفت
وبعد ما أمرهم سبحانه بتذكر النعم اجمالا وحذرهم عن جزاء الكفران أشار الى تعداد النعم العظام التي هم مختصون بها امتنانا عليهم فقال وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ اى اذكروا وقت انجائنا إياكم مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ الذين يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ اى يكلمونكم ويفضحونكم بسوء العذاب الذي لا عذاب أسوأ منه وهو انهم يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ لئلا يبقى ذكركم في الدنيا إذ بالابن يذكر الأب ويحيى اسمه لأنه سره وَاشنع من ذلك انهم يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وبناتكم باستبقائهن ليلحق العار عليكم بتزويجهم اياهن بلا نكاح ولا عار اشنع من ذلك ولذلك عد موت البنات من المكرمات وَفِي ذلِكُمْ يعنى واعلموا ان في هذه المحن المشار إليها بَلاءٌ واختبار لكم مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ليجزيكم بنعم هي أعظم منها وهي انجاءكم عنهم واستيلاءكم عليهم
وَبعد ما ابتليناكم باحتمال الشدائد والمتاعب ومقاساة الأحزان أردنا انجاءكم من عذابهم وإهلاكهم بالمرة فامرناكم بالسير والفرار من العدو ففررتم ليلا فأصبحتم مصادفين البحر والعدو ايضا قد صادفكم اذكروا إِذْ فَرَقْنا بِكُمُ اى وقت تفريقنا بالفرق الكثيرة الْبَحْرَ المتصل في نفسه ليسهل عبوركم منه ونجاتكم منهم وبالجملة فَأَنْجَيْناكُمْ من أيديهم وعبرناكم سالمين وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ المقتحمين بالفور خلفكم باجتماع تلك الفرق واتصال البحر على ما هو عليه في نفسه وَأَنْتُمْ حينئذ تَنْظُرُونَ الافتراق والاجتماع المتعاقب وكيف لا تذكرون هذه النعم الجليلة ولا تشكرون لها
وَبعد ما قد أنجيناكم من البحر سالمين وأغرقنا عدوكم بالمرة واورثناكم ارضهم وديارهم وأموالهم اذكروا وقت إِذْ واعَدْنا مُوسى المتحير في ضبط المملكة في أول استيلائه حيث قلنا له على سبيل التوصية والمعاهدة ان أخلصت التوجه والميل إلينا مدة أَرْبَعِينَ لَيْلَةً متوالية خصصها سبحانه لخلوها عن الشواغل المانعة من الإخلاص قد أنزلنا عليك تأييدا لأمرك كتابا جامعا لمرتبتى الايمان والعمل حاويا على جميع التدابير والحكم المتعلقة بالظاهر والباطن ثُمَّ لما اشتغل موسى بإنجاز الوعد وإيفاء العهد فذهب الى الميقات مخلصا قد اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ الذي صوغتهم أنتم بأيديكم من حليكم بتعليم السامري المضل إياكم بسبب صدور الخوار الذي ظهر منه ابتلاء لكم وفتنة الها من دون الله وادعيتم شركته معه سبحانه مكابرة بل قد حصرتم الألوهية له بقولكم هذا إلهكم واله موسى وبالجملة قد أخلفتم الوعد والعهد جميعا مِنْ بَعْدِهِ اى من بعد ذهاب موسى الى الميقات وقبل رجوعه منه وَأَنْتُمْ بسبب خلف الموعود والاتخاذ المذكور ظالِمُونَ خارجون عن ربقة الايمان والتوحيد العياذ بالله من ذلك
ثُمَّ لما تبتم ورجعتهم نحونا نادمين عَفَوْنا عَنْكُمْ وأزلنا عن ذممكم جزاء ذلك الظلم الذي ظلمتم مِنْ بَعْدِ ذلِكَ الاجتراء لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ رجاء ان تواظبوا على أداء شكر نعمه بالعفو الذي هو من آثار اللطف والجمال بعد ظلم المعفو عنه الذي هو من آثار القهر والجلال حتى تكونوا من زمرة الشاكرين الذين يشكرون الله في السراء والضراء
وَبعد اخلافكم الوعد قبل تمامها وظلمكم لأنفسكم باتخاذكم العجل لم نهمل امر موسى ولم نخلف الوعد الذي قد واعدناه به واذكروا وقت إِذْ آتَيْنا مُوسَى انجازا لوعدنا إياه الْكِتابَ الموعود الجامع لأسرار الربوبية وَالْفُرْقانَ الفارق بين الحق والباطل وبين الهداية والضلال لَعَلَّكُمْ تقتدون له وتَهْتَدُونَ به الى طريق التوحيد وتجاهدون فيه الى ان تتخلصوا عن مطلق الشواغل المانعة عنا
وَبعد ما أنجزنا وعد موسى
стр. 32
ورجع الى قومه غضبان أسفا اذكروا وقت إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ المؤمنين به المعاهدين له بعد رجوعه من الميقات والتورية معه يا قَوْمِ الناقضين لعهدي المتجاوزين عن حدود الله إِنَّكُمْ قد ظَلَمْتُمْ أنتم أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ الها مستحقا للعبادة فَتُوبُوا عن هذا الاعتقاد والاتخاذ وارجعوا متذللين متضرعين إِلى بارِئِكُمْ الذي قد برأكم وأظهركم من العدم ليبرأ كم عن هذا الظلم وبعد ما تبتم ورجعتم نادمين فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ الامارة بهذا الظلم بأنواع الرياضات وترك المشتهيات والمستلذات وقطع المألوفات وترك المستحسنات لائمين عليها بأنواع الملامات حتى تكون مطمئنة بما قسم لها الحق راضية بجريان حكم القضاء الإلهي مرضية بالفناء الكلى في الله بل فانية عن الفناء ايضا ذلِكُمْ المشار اليه من الانابة والرجوع وإبراء الذمة والإذلال بأنواع الرياضات والفناء المطلق خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ وخالقكم الذي قد خلقكم لمصلحة التوحيد والعرفان وبعد ما تحقق انابتكم وإخلاصكم فيها فَتابَ عَلَيْكُمْ وقبل توبتكم ورضى عنكم إِنَّهُ سبحانه هُوَ التَّوَّابُ الرجاع للعباد الى التوبة والانابة الرَّحِيمُ لهم يقبل توبتهم وان عظمت زلتهم
وَاذكروا ايضا وقت إِذْ قُلْتُمْ لموسى عند دعوتكم الى الايمان والهداية يا مُوسى المدعى للرسالة الداعي الى الله بمجرد الاخبار لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ولما جئت به من عند ربك حَتَّى نَرَى اللَّهَ الذي ادعيت الرسالة منه جَهْرَةً ظاهرة بلا سترة وحجاب كما نرى بعضنا بعضا وبعد ما قد أفرطتم في حقنا فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ النازلة من قهرنا وغضبنا لإنكاركم ظهورنا الذي هو اظهر من الشمس بل الشمس ايضا انما هي من جملة عكوس لمعاتنا الذاتية ومن اظلال اشعة اوصافنا الجمالية والجلالية وَأَنْتُمْ حال نزول تلك الصاعقة الهائلة تَنْظُرُونَ متحيرين والهين بلا تدبير وتصرف الى ان صرتم فانين مغلوبين تحت قهرنا وجلالنا
ثُمَّ بَعَثْناكُمْ وانشأناكم احياء بمقتضى التجلي اللطفى مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ وفنائكم بالقهر والغضب ترحما عليكم وامتنانا لكم لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ نعمة الوجود بعد العدم والحيوة بعد الموت وتعتقدون الحشر الموعود في يوم الجزاء وتؤمنون به
وَاذكروا ايضا وقت إذ ظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ يوم لا ظل وأنتم حينئذ تائهون في التيه في ايام الصيف بان سار معكم حيث شئتم ولا يزال يظل عليكم وَمع ذلك قد أنعمنا عليكم أعظم من ذلك بان أَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ الترنجبين من جانب السماء تسكينا لحرارتكم وتبريد أمزجتكم وَأنزلنا ايضا منها لغذائكم السَّلْوى وهو السمانى او مثله في النزول من جانب السماء وأبحنا لكم تناولهما حيث قلنا لكم كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ من خصائص النعم واشكروا لها ولا تكفروا بها وَبالجملة ما ظَلَمُونا بكفران النعم ونسيان حقوق الكرم وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ويحرمون من الفوائد العائدة لنفوسهم من نعمنا وازديادها عليهم بدوام شكرنا والمواظبة على اقامة حدودنا
وَاذكروا ظلمكم ايضا وقت إِذْ قُلْنَا لكم بعد خروجكم من التيه إشفاقا لكم وامتنانا عليكم ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ التي هي منازل الأنبياء والأولياء يعنى بيت المقدس فَكُلُوا مِنْها اى من مأكولاتها ومشروباتها حَيْثُ شِئْتُمْ بلا مزاحم ولا مخاصم رَغَداً واسعا بلا خوف من السقم والمرض حتى يتقوى بها مزاجكم ويزول ضعفكم وبعد تقويتكم المزاج بنعمنا ارجعوا إلينا وتوجهوا نحو بيتنا الذي قد بنينا فيها وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً متذللين خاضعين واضعين جباهكم على تراب المذلة والهوان وعند سجودكم وتذللكم استغفروا ربكم من خطاياكم وَقُولُوا متضرعين رجاؤنا منك يا مولانا
стр. 33
حِطَّةٌ اى حط ما صدر عنا وجرى علينا من المعاصي والآثام وإذا دخلتم على الوجه الذي أمرتم واستغفرتم كما علمتم نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ التي قد جئتم بها واستغفرتم لها أنتم وَسَنَزِيدُ بمقتضى فضلنا وجودنا الْمُحْسِنِينَ منكم تفضلا منا إياهم وتكريما بالرضوان الذي لا مرتبة عندنا أعلى منه واكبر والمحسنون هم الذين لم يتجاوزوا الحد ولم يخالفوا الأمر الإلهي ثم لما امرناهم بالدخول على هذا الوجه وعلمناهم طريق الدعاء والاستغفار خالف بعضهم المأمور ظلما وتأويلا
فَبَدَّلَ واستبدل القوم الَّذِينَ ظَلَمُوا بالخروج عن مقتضى أمرنا قولنا لهم لإصلاح حالهم تعليما وإرشادا قَوْلًا آخر لفظا ومعنى غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ حيث أرادوا من القول الملقى إليهم لفظا آخر ومعنى آخر برأيهم الفاسد وطبعهم الكاسد وهو قولهم حطا سمتاتا اى حنطة حمراء ولما لم يأتوا بالمأمور به ومع ذلك قد بدلوه الى ما تهوى أنفسهم أخذناهم بها فَأَنْزَلْنا بمقتضى قهرنا وجلالنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا تنصيصا عليهم وتخصيصا لهم ليعلم ان سبب أخذهم وانتقامهم انما هو ظلمهم رِجْزاً طاعونا نازلا مِنَ قبل السَّماءِ مقدرا أسبابه فيها بِما كانُوا يَفْسُقُونَ اى بشؤم ما يخرجون عن مقتضى الحدود الإلهية المنزلة من عنده على السنة رسله
وَاذكروا ايضا جلائل نعمنا إياكم وقت إِذِ اسْتَسْقى مُوسى وطلب السقي منا بانزال المطر لِقَوْمِهِ حين بثوا الشكوى عنده من شدة العطش في التيه فَقُلْنَا له مشيرا الى ما يترقب منه مطلوبه بل يستبعد حصوله عند أشد استبعاد اضْرِبْ يا موسى بِعَصاكَ الْحَجَرَ الذي بين يديك ولا تستبعد حصول مطلوبك منها فتفطن موسى بنور النبوة بمضمون الأمر الوجوبي فضربه دفعة بلا تردد فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ فجاءة على الفور اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً متمايزة منفردة كل منها عن صاحبته بعدد رؤس الفرق الاثنى عشر بحيث قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ من كل فرقة مَشْرَبَهُمْ المعين لهم رفعا للتزاحم والتنازع ثم أمرناكم بما ينفعكم ظاهرا وباطنا بان قلنا لكم كُلُوا وَاشْرَبُوا متنعمين مترفهين مِنْ رِزْقِ اللَّهِ الذي قد أفاض عليكم من حيث لا تحتسبون وَنهيناكم عما يضركم صورة ومعنى بان قلنا لكم لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ ولا تظهروا عليها خيلاء متكبرين مُفْسِدِينَ بأنواع الفسادات مفتخرين بها واعلموا ان الله المنتقم الغيور لا يحب كل مختال فخور
وَاذكروا ايضا وقت إِذْ قُلْتُمْ لموسى في التيه بعد إنزال المن والسلوى وانفجار العيون من الحجر الصماء قولا خاليا عن الإخلاص والمحبة ناشئا عن محض الغفلة والفساد وكفران النعم يا مُوسى على طريق سوء الأدب لَنْ نَصْبِرَ معك في التيه عَلى طَعامٍ واحِدٍ مع انه غير ملائم لأمزجتنا وطباعنا فَادْعُ لَنا رَبَّكَ الذي قد ادعيت تربيته إيانا يُخْرِجْ لَنا ويهيء لغذائنا من جنس ما تنبت الأرض التي هي معظم عناصرنا مما يناسب لمزاجنا سواء كان مِنْ بَقْلِها خضرواتها التي يأكلها الإنسان للتفكه والتلذذ بحرافتها وحموضتها ومرارتها الملايمة لطبعه وَقِثَّائِها التي يتفكه بها لتبريد المزاج وَفُومِها حنطتها التي يتقوت بها لشدة ملاءمتها مزاجه لذلك ما أزل الشيطان أبانا آدم الا بتناولها وكذا ما نهى سبحانه عباده عنها لكمال ملاءمتهم بها وميل طباعهم إياها وَعَدَسِها الممد لهضم الغذاء وَبَصَلِها التي تشتهيها النفوس المتنفرة عن الحلاوة والدسومة ثم لما سمع موسى منهم ما سمع ايس وقنط من صلاحهم وإصلاحهم لذلك قالَ في جوابهم موبخا ومقرعا أَتَسْتَبْدِلُونَ وتختارون ايها الناكبون عن طريق الحق الراكنون الى الهوى الَّذِي هُوَ أَدْنى
стр. 34
المخرج من الأدنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ وأعلى المنزل من الأعلى وبالجملة انا استحى من الله بسؤال ما سألتم وإنجاح ما املتم اهْبِطُوا وانزلوا مِصْراً ارض العمالقة وديار الفراعنة فَإِنَّ لَكُمْ فيه ما سَأَلْتُمْ بالكد والفلاحة وانواع التعب والعنا وَبعد ما أذلوا نفوسهم بطلب الأشياء الدنية الخسيسة ضُرِبَتْ اى قد غلبت وختمت عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ لخباثة نفوسهم وقساوة قلوبهم وتمكن النفاق في جبلتهم لذلك ما ترى يهوديا الا ذليلا في نفسه خبيثا في معاشه وَضربت عليهم ايضا الْمَسْكَنَةُ والهوان المذموم المتفرع على الذلة المتفرعة على الدناءة والخباثة وَبعد ما قد ضربت عليهم الذلة باؤُ وصاروا مقارنين بِغَضَبٍ نازل مِنَ اللَّهِ المطلع على سرائرهم وضمائرهم ذلِكَ اى السبب الموجب لنزول الغضب بِأَنَّهُمْ كانُوا من خبث طينتهم وشدة نفاقهم وضغينتهم يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ونعمه النازلة عليهم عطاء وامتنانا وَلا يقتصرون على كفران النعم فقط بل يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ المنبئين لهم معالم دينهم الناهين لهم عن قبح صنيعهم بِغَيْرِ الْحَقِّ الذي ظهر عندهم من الجنايات الموجبة للقتل بل ما ذلِكَ الكفر والقتل الا بِما عَصَوْا عصيانا فاحشا على الله وعلى خلص عباده وَكانُوا في العصيان والفسوق يَعْتَدُونَ ويتجاوزون عن حدود الله عنادا واستكبارا ثم لما بالغوا في الاعراض عن الله والتجاوز عن حدوده وكفران نعمه وصاروا من نهاية افراطهم وتفريطهم مظنة ان لا يرجى منهم الفلاح والفوز بالنجاح أصلا تقاعد موسى صلوات الله عليه وسلامه عن تبليغهم وايس عن اهتدائهم بالمرة
ثم أشار سبحانه الى ان منهم ومن أمثالهم من ذوى الأديان والملل من يهتدى الى الحق ويتوجه الى طريق مستقيم فقال إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بدين محمد ﷺ وَالَّذِينَ هادُوا وانقادوا بدين موسى ﵇ وَالنَّصارى الذين قد آمنوا بدين عيسى ﵇ وَالصَّابِئِينَ وهم الذين تدينوا بدين نوح ﵇ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعنى أيقن بوحدانية الله وأقر باستقلاله في ربوبيته واعترف وعرف ان لا موجود الا الله الواحد الأحد الفرد الصمد ومع ذلك صدق واعترف بيوم الجزاء وَعَمِلَ عملا صالِحاً موافقا لما امر خالصا لوجه الله مخلصا فيه فَلَهُمْ فيه أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ الذي يوفقهم على التوحيد والإخلاص وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من العقاب والعذاب وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ عن سوء المنقلب والمآب
وَاذكروا ايضا إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ اى قد طلبنا منكم العهد الوثيق بان تتبعوا موسى وتمتثلوا بأوامر كتابه وتجتنبوا عن نواهيه فامتنعتم عن متابعته وأبيتم عن انقياده مستثقلين أنتم ما في كتابه من الأوامر والنواهي فألجأناكم اليه بان أمرنا جبرائيل ﵇ بقلع جبل طور من مكانه وَبعد ما قلعه رَفَعْنا بتوفيقنا إياه فَوْقَكُمُ الطُّورَ معلقا عليكم وقلنا لكم حينئذ ملجأ خُذُوا جميع ما آتَيْناكُمْ من الدين والكتاب بِقُوَّةٍ جد كامل واجتهاد تام وَاذْكُرُوا جميع ما فِيهِ على التفصيل لنفوسكم وان لم تأخذوا وتذكروا نسقط عليكم الجبل فنستأصلكم فعهدتم ملجئين خوفا من سقوطه وانما فعلنا ذلك بكم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ يعنى لكي تحذروا عن مقتضى قهرنا وانتقامنا
ثُمَّ لما أمهلناكم زمانا قد تَوَلَّيْتُمْ وأعرضتم عن العهد مِنْ بَعْدِ ما قد أزلنا عنكم ذلِكَ الخوف والرعب وبالجملة أنتم في جبلتكم قوم ظالمون مجاوزون عن الحدود والعهود الإلهية مجبولون على الظلم والعدوان فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بارادة ايمانكم وصلاحكم وَرَحْمَتُهُ الواسعة الشاملة لكم بإرسال الرسل وإنزال الكتب لَكُنْتُمْ في
стр. 35
انفسكم مِنَ الْخاسِرِينَ الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيمة الا ذلك هو الخسران المبين وكيف لا تكونون أنتم من جملة الخاسرين الناقضين للعهود الإلهية وأنتم قوم شأنكم هذا
وَالله لَقَدْ عَلِمْتُمُ وحفظتم أنتم قصة المسرفين المفرطين الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ ومن اسلافكم متجاوزين عن مقتضى العهد الإلهي في زمن داود ﵇ فِي اصطياد يوم السَّبْتِ وذلك انهم سكنوا على شاطئ البحر في قرية يقال لها ايلة وكان معاشهم من صيد البحر فأرسل الله عليهم داود ﵇ فدعاهم فآمنوا له وعهد عليهم معهم على لسان داود بان لا يصطادوا في يوم السبت بل يخصونه ويعينونه للتوجه والتعبد فقبلوا العهد وأكدوه بالميثاق وكانت حيتان البحر بعد العهد يحضرن في يوم السبت على شاطئ البحر ويخرجن خراطيمهن من الماء ثم لما مضى عليها زمان احتالوا لصيدها حيث حفروا حياضا وأخاديد على شاطئ البحر وأحدثوا جداول منه إليها ولما كان يوم السبت يفتحون الجداول ويرسلون الماء الى الحياض واجتمعت الحيتان فيها وفي يوم الأحد يصطادونها منها وبالجملة قد نقضوا عهدنا بهذه الحيلة واغتروا بامهالنا إياهم زمانا بل ظنوا انهم قد خادعونا ثم انتقمنا عنهم فَقُلْنا لَهُمْ حينئذ بعد ما قد أفسدتم على انفسكم لوازم الانسانية التي هي الإيفاء والوفاء على العهود والتكاليف قد افسدنا ايضا انسانيتكم بالمرة كُونُوا إذا الساعة قِرَدَةً صورة ومعنى خاسِئِينَ مهانين مبتذلين فمسخوا عن لوازم الانسانية من العلم والإدراك والمعرفة والايمان على الفور ولحقوا بالبهائم بل صاروا أسوأ حالا منها
فَجَعَلْناها اى قصة مسخهم وشانهم هذا نَكالًا وعبرة لِما بَيْنَ يَدَيْها من الحاضرين المشاهدين حالهم وقصتهم وَما خَلْفَها ممن يوجد بعدها من المذكرين السامعين قصصهم وتواريخهم وَمَوْعِظَةً وتذكيرا لِلْمُتَّقِينَ الذين يحذرون عن المناهي مطلقا ويحفظون نفوسهم عنها دائما
وَاذكر يا أكمل الرسل لمن تبعك من المؤمنين من سوء معاملة بنى إسرائيل مع أخيك موسى الكليم ﵇ وقبح صنيعهم معه ومجادلتهم بما جاء به من عندنا جهلا وعنادا ليتنبهوا ويتفطنوا على ان الايمان بنبي يوجب الانقياد والإطاعة له وترك المراء والمجادلة معه ودوام المحبة والإخلاص بالنسبة اليه وتفويض الأمور اليه ليتم سر الربوبية والعبودية والنبوة والرسالة والتشريع والتكليف والاقتداء والانقياد والتوسل والتقرب والوصول وذلك وقت إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ حين حدثت الفتنة العظيمة فيما بينهم وهي انه كان فيهم رجل من صناديدهم له اموال وضياع وعقارات كثيرة وله ابن واحد وبنوا أعمام كثيرة فطمعوا في ماله وقتلوا ابنه ليرثوه وطرحوا المقتول على الباب فأصبحوا صائحين فزعين يطلبون القاتل فأراد الله تفضيحهم وتشهيرهم فأمر موسى ﵇ بان قال لهم مخبرا إِنَّ اللَّهَ المطلع على سرائر الأمور يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً حتى ينكشف لكم امر المقتول ثم لما سمعوا من موسى ما سمعوا استبعدوا قوله وتحيروا في امره وقوله هذا ومن غاية استبعادهم قالُوا له على طريق المعاتبة أَتَتَّخِذُنا هُزُواً يعنى أتعتقد أنت يا موسى الداعي للخلق الى الحق انا محل استهزائك وسخريتك مع انه لا يليق بك ولا بنا هذا قالَ موسى مستنزها نفسه عن الاستهزاء مستعيذا أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ المستهزئين بالناس بل ما اتبع الا ما يوحى الى ثم لما سمعوا منه الاستبراء والاستعاذة خافوا من ابتلاء الله إياهم فأوجس كل منهم خيفة في نفسه لكونهم خائنين واشتغلوا بتدبير الدفع وشاوروا بينهم واستقر رأيهم على ان نووا تلك البقرة المخصوصة المعلمة المعينة المعهودة عندهم المعلومة بالشخص
стр. 36
وبعد ذلك سألوا عنه تعيينه بان قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ اكبير أم صغير قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ كبير في السن وَلا بِكْرٌ صغير فيه بل عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ اى متوسط استكمل سن النمو ولا يميل الى الذبول وبعد ما تحققتم أمرها فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ به ثم لما اشتد خوفهم من الفضيحة بنزول الوحى زادوا في الاستفسار عن التعيين مكابرة وعنادا تسويفا وتأخيرا
حيث قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها من الألوان المتعارفة المشهورة حتى نذبحها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ اصيل في الصفرة كأنه وضع اسم الصفرة بإزائها أولا وبالجملة لَوْنُها كلون الذهب تَسُرُّ النَّاظِرِينَ والسرور عبارة عن الانبساط والانتعاش الحاصل في القلب عند فراغه عن جميع الشواغل في تلك الحالة يتعجب عن كل ذرة بل عن نفسه ويؤدى تعجبه الى التحير فإذا تحير غرق في بحر لا ساحل لها ولا قعر أدركنا يا دليل الحائرين
ثم لما جزموا الإلجاء فقطعوا النظر عن الخلاص كابروا وعاندوا ايضا مبالغين فيها حيث قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ اى ما هويتها وهيئتها المعينة المشخصة وقل له يا موسى حكاية عنا إِنَّ الْبَقَرَ المأمور به تَشابَهَ عَلَيْنا ومتى استوصفناه منك قد وصفتنا بالأوصاف المشتركة العامة وَإِنَّا بعد ما قد عينتها بتعيين الله إيانا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ بذبحها
قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ عجف مهزول بسبب تقليب الأرض واثارتها للزراعة وَلا ذلول سبب ذلتها وضعفها انها تَسْقِي الْحَرْثَ بالدلو والسقاية بل هي مُسَلَّمَةٌ من حين صغرها عن أمثال هذه المذلات بحيث لا شِيَةَ فِيها اى لا عيب ولا ضعف فيها ثم لما بالغوا في الاستفسار الى ان بلغوا على ما قد نووا في نفوسهم الزموا وأفحموا قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ الثابت الكائن في الواقع وفي نيتنا واعتقادنا حكى ان شيخا صالحا من صلحائهم قد كانت له هذه العجلة المتصفة بهذه الصفات فذهب بها الى ايكة فأودعها عند الله وقال اللهم انى استودعها عندك لولدي حتى يكبر ثم مات الشيخ وكانت تلك البقرة في حفظ الله وحمايته حتى يكبر الولد وحدثت تلك الحادثة فيما بينهم فأمر الله سبحانه بذبح تلك البقرة على سبيل الإلجاء فاشتروها بملإ مسكها ذهبا فَذَبَحُوها ملجئين مكرهين وَلولا الجاؤنا إياهم واكراهنا عليهم ما كادُوا وما قاربوا يَفْعَلُونَ لخوف الفضيحة وغلاء ثمنها
وَكيف تفعلونه أنتم مع انكم تعلمون في نفوسكم ان سبب نزوله تفضيحكم واظهار ما كتمتم في نفوسكم اذكروا وقت إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً بغير حق فَادَّارَأْتُمْ وتدافعتم فِيها اى في شانها بان أسقط كل منكم قتلها عن ذمته وقد سترتم أمرها وهدرتم دمها وَاللَّهُ المحيط بسرائركم وضمائركم مُخْرِجٌ مظهر ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ في نفوسكم
فَقُلْنا
لكم بعد ما قد تدارأتم وتدافعتم فيها وأنتم ذبحتم البقرة المأمورة اضْرِبُوهُ
اى المقتول بِبَعْضِها
اى ببعض البقرة اى بعض كان فضربوه فحي المقتول باذن الله فأخبر بقاتله فافتضحوا وارتفعت المداراة كَذلِكَ
اى مثل احياء هذا المقتول بلا سبب يقتضيه عقولكم ويرتضيه نفوسكم يُحْيِ اللَّهُ
القادر على عموم ما يشاء جميع الْمَوْتى
في يوم الحشر والجزاء بلا اسباب ووسائل اقتضتها عقول العقلاء إذ عنده الإبداء عين الإعادة والإعادة عين الإبداء بل الكل في مشيته وقدرته على السواء وَيُرِيكُمْ
قبل ظهور النشأة الاخرى آياتِهِ
الدالة على تحقق وقوعها لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
رجاء ان تتفكروا وتتفطنوا منها اليه وتؤمنوا بجميع المعقدات الشرعية الدنيوية والاخروية وتصدقوها على وجه التعبد والانقياد بلا مراء ومجادلة مع من اتى بها من الرسل والأنبياء ووارثهم
стр. 37
من الأولياء والأصفياء ولا يتيسر لكم هذه الرتبة العلية الا بعد ذبحكم بقرة النفس الامارة المسلطة بالقوة التامة عليكم المتلونة بألوان المسرة لنفوسكم وطباعكم المسلمة الممتنعة من التكاليف الشرعية من الأوامر والنواهي وضربكم بها على النفس المطمئنة المقهورة المقتولة ظلما لتصير حية بالحيوة الابدية باقية بالبقاء السرمدي فتخبركم عن صنائع امارتكم الظالمة المتجاوزة عن الحد خلصنا الله وعموم عباده من غوائلها
ثُمَّ قَسَتْ بالقساوة الاصلية والرين الجبلي قُلُوبُكُمْ المتكبرة المتجبرة الصلبة البليدة مِنْ بَعْدِ ذلِكَ الأحياء الملين للقلوب الخائفة الوجلة عن خشية الله وبعد ما لم يلين قلوبكم ولم يؤثر فيها هذه الآية الكبرى فَهِيَ اى فظهر انها اى القلوب القاسية في الصلابة والقساوة كَالْحِجارَةِ التي لا تقبل النقر والأثر أصلا أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً بل أشد صلابة من الحجارة فان من الحجارة ما تتأثر بالحيل وقلوبكم لا تقبل التأثر أصلا وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ ويتأثر منها وقلوبكم لا تتأثر بأنهار المعارف المنشعبة عن بحر الذات الجاري على جداول السنة الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ اى يتأثر بالشقوق الحادثة بأنفسها بالتحليل الحاصل من مر الدهور وكر الأعوام او من مؤثر خارجى وبعد ما تشقق فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ فيدخل فيه الماء وقلوبكم لا تتأثر لا بنفسها ولا بالمؤثر الخارجي وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ ينزل من أعلى الجبل مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ الناشئة من ظهور الآيات مثل المطر الهاطل والريح العاصفة والزلزلة القالعة وغير ذلك من الآيات الظاهرة في الآفاق وقلوبكم لا تتأثر بالآيات الباهرة النازلة عليكم من ربكم ترغيبا وترهيبا هذا تقريع وتوبيخ لهم على ابلغ وجه وآكده وحث على المؤمنين وتحذير لهم عن أمثالها بأنهم مع قابليتهم على التأثر لا يقبلون الأثر النافع لهم في الدارين والحجارة مع صلابتها وعدم قابليتها تتأثر فهم في أنفسهم أسوأ حالا وأشد قساوة وصلابة منها ومع ذلك تخادعون الله بالستر والإخفاء وتظنون غفلته وَمَا اللَّهُ المظهر لذواتهم وأشباحهم المحيط بعموم مخايلهم وحيلهم بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ولو طرفة وخطرة ولمحة
ثم لما ذكر سبحانه امتنانه على بنى إسرائيل وانعامه إياهم بأنواع النعم وذكر ايضا ظلمهم وعدوانهم وكفرانهم نعمه أراد أن ينبه على المؤمنين المحمديين المتمنين ايمان اليهود وانقيادهم على رسول الله ﷺ ومواخاتهم مع المؤمنين بان متمناكم وملتمسكم محال أَفَتَطْمَعُونَ يعنى الم تسمعوا قصتهم ولم تعرفوا خباثتهم ودناءتهم وذلتهم المضروبة عليهم وسوء معاملتهم مع أنبيائهم المبعوثين إليهم فترجون منهم طامعين أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ اى لنبيكم ويحابوا معكم لله مع علمكم بحالهم وَلم تسمعوا متواترا انه قَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ اى من أسلافهم قوم يَسْمَعُونَ ويتلون كَلامَ اللَّهِ النازل لهم يعنى التورية وفيه وصف نبينا ﷺ فيضطربون ويستثقلون بعثته ﷺ ثُمَّ لما قرب عهده ﷺ وظهر بعض علاماته استشعروا من اماراته انه ﷺ هو النبي الموعود في كتابهم أخذوا يُحَرِّفُونَهُ اى الكتاب حسدا وعنادا ويغيرونه مكابرة مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ جزموه وحققوه انه هو وَهُمْ ايضا في أنفسهم يَعْلَمُونَ مكابرتهم وعنادهم ويجزمون في نفوسهم حقيته ويقولون في خلواتهم انه وان كان النبي الموعود لكن لا نؤمن له لأنه من العرب لا منا ومنهم من آمن وصدق ظاهرا لمصلحة دنيوية وهو في نفسه على خباثته الاصلية ودنائته الجبلية بل أخبث منهم
وَعلامة خباثتهم انهم إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا وأخلصوا في ايمانهم قالُوا آمَنَّا برسولكم الذي
стр. 38
هو الرسول الموعود في التورية يقينا وصدقناه في جميع ما جاء به من عند ربه وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ يعنى المنافقين مع المصرين المجاهرين بالكفر قالُوا اى كل من الفريقين لآخر عند المشاورة وبث الشكوى أترون امر هذا الرجل كيف يعلو ويترقى وما هو الا النبي المؤيد الموعود في التورية اى شيء تعملون يا معاشر اليهود أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وأخبركم في كتابه من شيمه وأوصافه لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ ويغلبوا عليكم ويترقبوا عِنْدَ رَبِّكُمْ فالعار كل العار أم تحرفون كتابكم وتحكون منه أوصافه وبالجملة لا تسلموا غيرة وحمية أَفَلا تَعْقِلُونَ ولا تتفكرون ولا تتأملون ايها المتدينون بدين الآباء في امر هذا الرجل هكذا جرت وصدرت منهم دائما أمثال هذه الهذيانات الى ان يتفرقوا قل يا ايها الرسول في حقهم نيابة عنا على سبيل التعجب
أَوَلا يَعْلَمُونَ ولا يفقهون أولئك المجبولون على فطرة الدراية والشعور أَنَّ اللَّهَ المحيط بظواهرهم وبواطنهم يَعْلَمُ بعلمه الحضوري عموم ما يُسِرُّونَ من الكفر والتكذيب عنادا ومكابرة وَكذا عموم ما يُعْلِنُونَ من القول غير المطابق للاعتقاد هذا حال علمائهم وأحبارهم
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ ولا يفهمون من انزاله وإرساله والامتثال بما فيه من الأوامر والنواهي وجميع المعتقدات الشرعية والتكاليف الإلهية إِلَّا أَمانِيَّ كسائر الأماني الدنياوي وانما أخذوها تقليدا لرؤسائهم ورهابينهم وَإِنْ هُمْ اى ما هم في أنفسهم زمرة العقلاء من المميزين في المعتقدات الشرعية إِلَّا يَظُنُّونَ يعنى ما هم سوى انهم يظنون ظنا بليغا في تمييز علمائهم المحرفين للكتاب وبواسطة هذا الظن الفاسد لم يؤمنوا بنبينا ﷺ .
ثم لما كان المحرفون ضالين في أنفسهم مضلين لغيرهم من اتباعهم استحقوا أشد العذاب فَوَيْلٌ اى حرمان عظيم عن لذة الوصول بعد ما قرب الحصول او طرد وتبعيد عن ذروة الوجوب الى حضيض الإمكان او عود وترجيع لهم من الحرية السرمدية الى الرقية الابدية في النشأة الاخرى لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ بعد تحريفهم بآرائهم السخيفة ثُمَّ يَقُولُونَ لسفلتهم وجهلتهم ترويجا لتحريفهم وتغريرا هذا ما نزل مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وانما قالوا كذلك لِيَشْتَرُوا بِهِ اى بنسبة هذا المحرف الى الله ثَمَناً قَلِيلًا على وجه التحف والهدايا من الضعفاء الذين يظنونهم عقلاء أمناء في امور الدين كما يفعله مشايخ زماننا انصفهم الله مع من يتردد حولهم من عوام المؤمنين ثم لما كان الويل عبارة عن نهاية مراتب مقتضى القهر والجلال وغاية البعد عن مقتضيات اللطف والجمال كرره سبحانه مرارا وفصله تكرارا تحذيرا للخائفين المستوحشين عن طرده وابعاده حيث قال فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ من المحرفات الباطلة وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ من الفتوحات والمعاملات الخبيثة ومن جملة هذياناتهم مع ضعفائهم انهم لما ظهر فيما بينهم واشتهر ما نزل في التورية ان الذين اتخذوا العجل آلها من دون الله يدخلون النار قد اضطربت الضعفاء منهم من هذا الكلام الى حيث خاف المحرفون من اضطرابهم ان يميلوا الى الإسلام
وَقالُوا لهم تسلية وتسكينا لا تضطربوا ولا تبالوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ بسبب عبادة العجل إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قلائل أربعين مقدار مدة عبادة العجل او اقل من ذلك قُلْ لهم يا أكمل الرسل توبيخا وتقريعا أَتَّخَذْتُمْ أنتم وأخذتم عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً او نزل عليكم في كتابكم بان لا تمسكم النار الا أياما معدودة فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ البتة ان ثبت وجرى منه سبحانه هذا العهد بل نحن ايضا من المؤمنين له المصدقين به أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ افتراء ما لا تَعْلَمُونَ ثبوته عنده فيجازيكم بما افتريتم البتة
بَلى اى بل الأمر الحق والشان المحقق الثابت
стр. 39
عنده سبحانه وجرى عليه السنة السنية المستمرة ان مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً اى خصلة شاغلة ملهية مبعدة عن الحق وَمع ذلك قد أَحاطَتْ اى شملت واحتوت بِهِ خَطِيئَتُهُ اى خطاياه المنتهية كل منها الى سيئة مبعدة فَأُولئِكَ البعداء عن طريق الحق المحاطون بالخطايا وانواع السيئات أَصْحابُ النَّارِ اى نار البعد والخذلان وملازموها لا نجاة لهم منها أصلا بل هُمْ فِيها خالِدُونَ دائمون مخلدون الى ما شاء الله
وَالَّذِينَ آمَنُوا واعتقدوا بوحدانية الله وأيقنوا ان لا وجود لغيره مطلقا وَمع الايمان والإيقان بالجنان قد عَمِلُوا بالجوارح والأركان الصَّالِحاتِ من الأعمال المقربة المترتبة على هذا الاعتقاد المثمر إياها أُولئِكَ المقربون والواصلون الى ما وصلوا من القرب والكرامة أَصْحابُ الْجَنَّةِ وملازمو القرب والوصول هُمْ فِيها خالِدُونَ متمكنون راسخون ما شاء الله إذ لا مرمى وراء الله ولا مقصد سوى الله لا اله الا الله لا حول ولا قوة الا بالله
وَاذكر يا أكمل الرسل للمؤمنين وقت إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ اى العهد الوثيق منهم حين ظهر منهم نقض العهود والمواثيق المؤكدة بان قلنا لهم على سبيل التأكيد والمبالغة لا تَعْبُدُونَ يعنى لا تتقربون وتتوجهون إِلَّا اللَّهَ الذي أظهركم من كتم العدم ورباكم بأنواع اللطف والكرم كي تعرفوه حق معرفته وَايضا لا تعاملون بِالْوالِدَيْنِ المربيين لكم باستخلاف الله إياهما الا إِحْساناً محسنين معهما خافضين لهما جناح الذل ببذل المال وخدمة الأركان وَكذا مع ذِي الْقُرْبى المنتمين إليكم بواسطتهما وَايضا لا تقهرون الْيَتامى والأطفال الذين لا متعهد لهم من الوالدين ولا من ذوى القربى بل تحسنون لهم وتشفقون إياهم وَكذا مع الْمَساكِينِ الذين لا يمكنهم اكتساب المعيشة لعدم مساعدة آلاتهم وَبالجملة قُولُوا لِلنَّاسِ اى لجميع الأجانب المستغنين عن امدادكم وانعامكم حُسْناً قولا حسنا هينا لينا منبئا عن المحبة والوداد وَلما امرناهم ونهيناهم كذلك بما يتعلق بمبدأهم ومعاشهم امرناهم ايضا بما يتعلق بمعادهم ورجوعهم إلينا حيث قلنا لهم أَقِيمُوا الصَّلاةَ يعنى داوموا على الميل والصلاة التي هي معراجكم الحقيقي الى ذروة التوحيد والعروج إليها لا يتحقق الا بترك العلائق وطرح الشواغل المانعة عنها وَكذلك آتُوا الزَّكاةَ المصفية لنفوسكم عن خبث الشح المزيلة عنها محبة الغير والسوى بل محبة نفوسكم الشاغلة عن الوصول الى شرف لقيا المولى ثُمَّ لما استثقلتم الأوامر والنواهي نقضتم العهود حيث تَوَلَّيْتُمْ وأعرضتم عنها ونبذتموها وراء ظهوركم إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وهم الذين ذكرهم الله في قوله ان الذين أمنوا والذين هادوا الآية وَبالجملة أَنْتُمْ في انفسكم قوم مُعْرِضُونَ شأنكم الاعراض عن الحق والانصراف عن اهله
وَكيف لا تكونون معرضين اذكروا قبح صنيعكم وقت إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ حيث لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ اى لا يسفك بعضكم دم بعض عدوانا وظلما بلا رخصة شرعية وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ اى لا يخرج بعضكم بعضا من دياره تعديا وظلما ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ طوعا واعترفتم رغبة بهذا العهد وَأَنْتُمْ بأجمعكم تَشْهَدُونَ وتحضرون وكلكم متفقون عليه راضون به
ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ الحمقاء الخبيثون الدنيون المفسدون المسرفون قد نقضتم العهد سيما بعد توكيدها حيث تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ اى بعضكم نفس بعض بغير حق وَتُخْرِجُونَ اى يخرج بعضكم فَرِيقاً بعضا منكم مِنْ دِيارِهِمْ المألوفة اجلاء وظلما وأنتم بأجمعكم تَظاهَرُونَ وتعينون عَلَيْهِمْ اى على المخرجين والظالمين بِالْإِثْمِ اى بالخصلة الفاحشة المستتبعة للحد
стр. 40
الشرعي وَالْعُدْوانِ اى الظلم المتجاوز عن الحد وَمن جملة عهودكم ايضا إِنْ يَأْتُوكُمْ اى ان يأت بعضكم بعضا أُسارى موثقين في يد العدو تُفادُوهُمْ وتعطوهم فديتهم وتنقذوهم من أيدي العدو تبرعا وأنتم لا تنقضون هذا العهد مع انه غير محرم عليكم ترك افدائهم وتنقضون العهد الوثيق المتعلق بالقتل والإخراج وَالحال انه هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ وقتلهم وبالجملة أَفَتُؤْمِنُونَ وتوفون بِبَعْضِ العهود الثابتة في الْكِتابِ وهو عهد الفدية وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ وهو عهد عدم القتل والاجلاء مع انه لا تفاوت بين العهود المنزلة من عند الله فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ الفصل والتفرقة بين عهود الله المنزلة حال كونه مِنْكُمْ ايها المسرفون المستكبرون في كتابه عتوا واستكبارا إِلَّا خِزْيٌ ذل يستكرهه جميع الناس فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ القائمة للعدل والجزاء يُرَدُّونَ أولئك الناقضون لعهود الله إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ الذي هو قعر بحر الإمكان لا نجاة لا حد منه وَمَا اللَّهُ المستوي على عروش الذرات الكائنة في العالم رطبها ويابسها شهادتها وغيبها بِغافِلٍ مشغول بشيء يشغله عَمَّا تَعْمَلُونَ أنتم بل شأنكم وحالكم وأعمالكم كلها عنده مكشوف معلوم له سبحانه يعلم الكل بعلمه الحضوري بحيث لا يشذ عن حيطة حضرة علمه المحيط الشامل شيء منها أصلا ثم لما ذكر سبحانه قبح معاشهم ومعادهم أراد أن ينبه على المؤمنين اسباب مقابحهم واعراضهم ليحذروا عن أمثالها ويحترزوا عنها
فقال مشيرا إليهم على سبيل التوبيخ أُولئِكَ البعداء عن منهج الصدق والصواب هم الَّذِينَ اشْتَرَوُا اى استبدلوا واختاروا الْحَياةَ الدُّنْيا الفانية الغير القارة بل اللاشيء المحض بِالْآخِرَةِ التي هي النعيم المقيم واللذة الدائمة المستمرة والحيوة الازلية السرمدية فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ اى عذاب الإمكان والافتقار وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ويصلون الى مناهم من الحوائج بل صاروا مفتقرين دائما محتاجين مضطرين مسودة الوجوه في النشأتين.
وَاذكر يا أكمل الرسل للمؤمنين ايضا من قبح صنائعهم ليعتبروا من أفعالهم لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى المبعوث إليهم الْكِتابَ اى التورية المشتملة على المصالح الدنيوية والاخروية فكذبوه ولم يلتفتوا الى كتابنا المنزل عليه وَبعد ما قضى وانقرض موسى قَفَّيْنا وعقبنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ المرسلة إليهم ذوى الدعوات الظاهرة والآيات الباهرة والمعجزات الساطعة القاهرة فكذبوا الكل ولم يلتفتوا بعموم ما جاءوا به وَبعد انقراض أولئك الثقات الهداة الباذلين مهجهم في طريق الحق آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ المبعوث إليهم الْبَيِّناتِ الواضحات الموضحات المبينات لأمور معاشهم ومعادهم وَمع ذلك قد أَيَّدْناهُ وخصصناه وقويناه بِرُوحِ الْقُدُسِ اى بلوازمه المنزه عن رذائل الإمكان لذلك رفعناه الى السماء وأحييناه الى انقراض الدنيا ومع ذلك قد كذبوه بل أرادوا قتله ولم يظفروا به أَفَكُلَّما اى الم تكونوا أنتم ايها الحمقاء الناقضون للعهود والمواثيق أولئك الجاهلون المفرطون المسرفون الذين متى جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ حتى يصلحكم ويرشدكم الى طريق الحق اسْتَكْبَرْتُمْ عليه واستحقرتموه فَفَرِيقاً من الرسل قد كَذَّبْتُمْ أنتم بهم وانكرتم نبوتهم كموسى وعيسى ﵉ وَفَرِيقاً منهم تَقْتُلُونَ كزكريا ويحيى ﵉ والقوم الذين شانهم هذا وهكذا كيف يرجى منهم الفلاح والفوز بالنجاح
وَمن غاية عداوتهم معك يا أكمل الرسل ومع من تبعك من المؤمنين قالُوا حين دعوتك إياهم الى الايمان والتصديق بدين الإسلام