وبعد ذلك سألوا عنه تعيينه بان قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ اكبير أم صغير قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ كبير في السن وَلا بِكْرٌ صغير فيه بل عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ اى متوسط استكمل سن النمو ولا يميل الى الذبول وبعد ما تحققتم أمرها فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ به ثم لما اشتد خوفهم من الفضيحة بنزول الوحى زادوا في الاستفسار عن التعيين مكابرة وعنادا تسويفا وتأخيرا
حيث قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها من الألوان المتعارفة المشهورة حتى نذبحها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ اصيل في الصفرة كأنه وضع اسم الصفرة بإزائها أولا وبالجملة لَوْنُها كلون الذهب تَسُرُّ النَّاظِرِينَ والسرور عبارة عن الانبساط والانتعاش الحاصل في القلب عند فراغه عن جميع الشواغل في تلك الحالة يتعجب عن كل ذرة بل عن نفسه ويؤدى تعجبه الى التحير فإذا تحير غرق في بحر لا ساحل لها ولا قعر أدركنا يا دليل الحائرين
ثم لما جزموا الإلجاء فقطعوا النظر عن الخلاص كابروا وعاندوا ايضا مبالغين فيها حيث قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ اى ما هويتها وهيئتها المعينة المشخصة وقل له يا موسى حكاية عنا إِنَّ الْبَقَرَ المأمور به تَشابَهَ عَلَيْنا ومتى استوصفناه منك قد وصفتنا بالأوصاف المشتركة العامة وَإِنَّا بعد ما قد عينتها بتعيين الله إيانا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ بذبحها
قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ عجف مهزول بسبب تقليب الأرض واثارتها للزراعة وَلا ذلول سبب ذلتها وضعفها انها تَسْقِي الْحَرْثَ بالدلو والسقاية بل هي مُسَلَّمَةٌ من حين صغرها عن أمثال هذه المذلات بحيث لا شِيَةَ فِيها اى لا عيب ولا ضعف فيها ثم لما بالغوا في الاستفسار الى ان بلغوا على ما قد نووا في نفوسهم الزموا وأفحموا قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ الثابت الكائن في الواقع وفي نيتنا واعتقادنا حكى ان شيخا صالحا من صلحائهم قد كانت له هذه العجلة المتصفة بهذه الصفات فذهب بها الى ايكة فأودعها عند الله وقال اللهم انى استودعها عندك لولدي حتى يكبر ثم مات الشيخ وكانت تلك البقرة في حفظ الله وحمايته حتى يكبر الولد وحدثت تلك الحادثة فيما بينهم فأمر الله سبحانه بذبح تلك البقرة على سبيل الإلجاء فاشتروها بملإ مسكها ذهبا فَذَبَحُوها ملجئين مكرهين وَلولا الجاؤنا إياهم واكراهنا عليهم ما كادُوا وما قاربوا يَفْعَلُونَ لخوف الفضيحة وغلاء ثمنها
وَكيف تفعلونه أنتم مع انكم تعلمون في نفوسكم ان سبب نزوله تفضيحكم واظهار ما كتمتم في نفوسكم اذكروا وقت إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً بغير حق فَادَّارَأْتُمْ وتدافعتم فِيها اى في شانها بان أسقط كل منكم قتلها عن ذمته وقد سترتم أمرها وهدرتم دمها وَاللَّهُ المحيط بسرائركم وضمائركم مُخْرِجٌ مظهر ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ في نفوسكم
فَقُلْنا
لكم بعد ما قد تدارأتم وتدافعتم فيها وأنتم ذبحتم البقرة المأمورة اضْرِبُوهُ
اى المقتول بِبَعْضِها
اى ببعض البقرة اى بعض كان فضربوه فحي المقتول باذن الله فأخبر بقاتله فافتضحوا وارتفعت المداراة كَذلِكَ
اى مثل احياء هذا المقتول بلا سبب يقتضيه عقولكم ويرتضيه نفوسكم يُحْيِ اللَّهُ
القادر على عموم ما يشاء جميع الْمَوْتى
في يوم الحشر والجزاء بلا اسباب ووسائل اقتضتها عقول العقلاء إذ عنده الإبداء عين الإعادة والإعادة عين الإبداء بل الكل في مشيته وقدرته على السواء وَيُرِيكُمْ
قبل ظهور النشأة الاخرى آياتِهِ
الدالة على تحقق وقوعها لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
رجاء ان تتفكروا وتتفطنوا منها اليه وتؤمنوا بجميع المعقدات الشرعية الدنيوية والاخروية وتصدقوها على وجه التعبد والانقياد بلا مراء ومجادلة مع من اتى بها من الرسل والأنبياء ووارثهم
стр. 37
من الأولياء والأصفياء ولا يتيسر لكم هذه الرتبة العلية الا بعد ذبحكم بقرة النفس الامارة المسلطة بالقوة التامة عليكم المتلونة بألوان المسرة لنفوسكم وطباعكم المسلمة الممتنعة من التكاليف الشرعية من الأوامر والنواهي وضربكم بها على النفس المطمئنة المقهورة المقتولة ظلما لتصير حية بالحيوة الابدية باقية بالبقاء السرمدي فتخبركم عن صنائع امارتكم الظالمة المتجاوزة عن الحد خلصنا الله وعموم عباده من غوائلها
ثُمَّ قَسَتْ بالقساوة الاصلية والرين الجبلي قُلُوبُكُمْ المتكبرة المتجبرة الصلبة البليدة مِنْ بَعْدِ ذلِكَ الأحياء الملين للقلوب الخائفة الوجلة عن خشية الله وبعد ما لم يلين قلوبكم ولم يؤثر فيها هذه الآية الكبرى فَهِيَ اى فظهر انها اى القلوب القاسية في الصلابة والقساوة كَالْحِجارَةِ التي لا تقبل النقر والأثر أصلا أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً بل أشد صلابة من الحجارة فان من الحجارة ما تتأثر بالحيل وقلوبكم لا تقبل التأثر أصلا وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ ويتأثر منها وقلوبكم لا تتأثر بأنهار المعارف المنشعبة عن بحر الذات الجاري على جداول السنة الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ اى يتأثر بالشقوق الحادثة بأنفسها بالتحليل الحاصل من مر الدهور وكر الأعوام او من مؤثر خارجى وبعد ما تشقق فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ فيدخل فيه الماء وقلوبكم لا تتأثر لا بنفسها ولا بالمؤثر الخارجي وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ ينزل من أعلى الجبل مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ الناشئة من ظهور الآيات مثل المطر الهاطل والريح العاصفة والزلزلة القالعة وغير ذلك من الآيات الظاهرة في الآفاق وقلوبكم لا تتأثر بالآيات الباهرة النازلة عليكم من ربكم ترغيبا وترهيبا هذا تقريع وتوبيخ لهم على ابلغ وجه وآكده وحث على المؤمنين وتحذير لهم عن أمثالها بأنهم مع قابليتهم على التأثر لا يقبلون الأثر النافع لهم في الدارين والحجارة مع صلابتها وعدم قابليتها تتأثر فهم في أنفسهم أسوأ حالا وأشد قساوة وصلابة منها ومع ذلك تخادعون الله بالستر والإخفاء وتظنون غفلته وَمَا اللَّهُ المظهر لذواتهم وأشباحهم المحيط بعموم مخايلهم وحيلهم بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ولو طرفة وخطرة ولمحة
ثم لما ذكر سبحانه امتنانه على بنى إسرائيل وانعامه إياهم بأنواع النعم وذكر ايضا ظلمهم وعدوانهم وكفرانهم نعمه أراد أن ينبه على المؤمنين المحمديين المتمنين ايمان اليهود وانقيادهم على رسول الله ﷺ ومواخاتهم مع المؤمنين بان متمناكم وملتمسكم محال أَفَتَطْمَعُونَ يعنى الم تسمعوا قصتهم ولم تعرفوا خباثتهم ودناءتهم وذلتهم المضروبة عليهم وسوء معاملتهم مع أنبيائهم المبعوثين إليهم فترجون منهم طامعين أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ اى لنبيكم ويحابوا معكم لله مع علمكم بحالهم وَلم تسمعوا متواترا انه قَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ اى من أسلافهم قوم يَسْمَعُونَ ويتلون كَلامَ اللَّهِ النازل لهم يعنى التورية وفيه وصف نبينا ﷺ فيضطربون ويستثقلون بعثته ﷺ ثُمَّ لما قرب عهده ﷺ وظهر بعض علاماته استشعروا من اماراته انه ﷺ هو النبي الموعود في كتابهم أخذوا يُحَرِّفُونَهُ اى الكتاب حسدا وعنادا ويغيرونه مكابرة مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ جزموه وحققوه انه هو وَهُمْ ايضا في أنفسهم يَعْلَمُونَ مكابرتهم وعنادهم ويجزمون في نفوسهم حقيته ويقولون في خلواتهم انه وان كان النبي الموعود لكن لا نؤمن له لأنه من العرب لا منا ومنهم من آمن وصدق ظاهرا لمصلحة دنيوية وهو في نفسه على خباثته الاصلية ودنائته الجبلية بل أخبث منهم
وَعلامة خباثتهم انهم إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا وأخلصوا في ايمانهم قالُوا آمَنَّا برسولكم الذي
стр. 38
هو الرسول الموعود في التورية يقينا وصدقناه في جميع ما جاء به من عند ربه وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ يعنى المنافقين مع المصرين المجاهرين بالكفر قالُوا اى كل من الفريقين لآخر عند المشاورة وبث الشكوى أترون امر هذا الرجل كيف يعلو ويترقى وما هو الا النبي المؤيد الموعود في التورية اى شيء تعملون يا معاشر اليهود أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وأخبركم في كتابه من شيمه وأوصافه لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ ويغلبوا عليكم ويترقبوا عِنْدَ رَبِّكُمْ فالعار كل العار أم تحرفون كتابكم وتحكون منه أوصافه وبالجملة لا تسلموا غيرة وحمية أَفَلا تَعْقِلُونَ ولا تتفكرون ولا تتأملون ايها المتدينون بدين الآباء في امر هذا الرجل هكذا جرت وصدرت منهم دائما أمثال هذه الهذيانات الى ان يتفرقوا قل يا ايها الرسول في حقهم نيابة عنا على سبيل التعجب
أَوَلا يَعْلَمُونَ ولا يفقهون أولئك المجبولون على فطرة الدراية والشعور أَنَّ اللَّهَ المحيط بظواهرهم وبواطنهم يَعْلَمُ بعلمه الحضوري عموم ما يُسِرُّونَ من الكفر والتكذيب عنادا ومكابرة وَكذا عموم ما يُعْلِنُونَ من القول غير المطابق للاعتقاد هذا حال علمائهم وأحبارهم
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ ولا يفهمون من انزاله وإرساله والامتثال بما فيه من الأوامر والنواهي وجميع المعتقدات الشرعية والتكاليف الإلهية إِلَّا أَمانِيَّ كسائر الأماني الدنياوي وانما أخذوها تقليدا لرؤسائهم ورهابينهم وَإِنْ هُمْ اى ما هم في أنفسهم زمرة العقلاء من المميزين في المعتقدات الشرعية إِلَّا يَظُنُّونَ يعنى ما هم سوى انهم يظنون ظنا بليغا في تمييز علمائهم المحرفين للكتاب وبواسطة هذا الظن الفاسد لم يؤمنوا بنبينا ﷺ .
ثم لما كان المحرفون ضالين في أنفسهم مضلين لغيرهم من اتباعهم استحقوا أشد العذاب فَوَيْلٌ اى حرمان عظيم عن لذة الوصول بعد ما قرب الحصول او طرد وتبعيد عن ذروة الوجوب الى حضيض الإمكان او عود وترجيع لهم من الحرية السرمدية الى الرقية الابدية في النشأة الاخرى لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ بعد تحريفهم بآرائهم السخيفة ثُمَّ يَقُولُونَ لسفلتهم وجهلتهم ترويجا لتحريفهم وتغريرا هذا ما نزل مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وانما قالوا كذلك لِيَشْتَرُوا بِهِ اى بنسبة هذا المحرف الى الله ثَمَناً قَلِيلًا على وجه التحف والهدايا من الضعفاء الذين يظنونهم عقلاء أمناء في امور الدين كما يفعله مشايخ زماننا انصفهم الله مع من يتردد حولهم من عوام المؤمنين ثم لما كان الويل عبارة عن نهاية مراتب مقتضى القهر والجلال وغاية البعد عن مقتضيات اللطف والجمال كرره سبحانه مرارا وفصله تكرارا تحذيرا للخائفين المستوحشين عن طرده وابعاده حيث قال فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ من المحرفات الباطلة وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ من الفتوحات والمعاملات الخبيثة ومن جملة هذياناتهم مع ضعفائهم انهم لما ظهر فيما بينهم واشتهر ما نزل في التورية ان الذين اتخذوا العجل آلها من دون الله يدخلون النار قد اضطربت الضعفاء منهم من هذا الكلام الى حيث خاف المحرفون من اضطرابهم ان يميلوا الى الإسلام
وَقالُوا لهم تسلية وتسكينا لا تضطربوا ولا تبالوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ بسبب عبادة العجل إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قلائل أربعين مقدار مدة عبادة العجل او اقل من ذلك قُلْ لهم يا أكمل الرسل توبيخا وتقريعا أَتَّخَذْتُمْ أنتم وأخذتم عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً او نزل عليكم في كتابكم بان لا تمسكم النار الا أياما معدودة فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ البتة ان ثبت وجرى منه سبحانه هذا العهد بل نحن ايضا من المؤمنين له المصدقين به أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ افتراء ما لا تَعْلَمُونَ ثبوته عنده فيجازيكم بما افتريتم البتة
بَلى اى بل الأمر الحق والشان المحقق الثابت
стр. 39
عنده سبحانه وجرى عليه السنة السنية المستمرة ان مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً اى خصلة شاغلة ملهية مبعدة عن الحق وَمع ذلك قد أَحاطَتْ اى شملت واحتوت بِهِ خَطِيئَتُهُ اى خطاياه المنتهية كل منها الى سيئة مبعدة فَأُولئِكَ البعداء عن طريق الحق المحاطون بالخطايا وانواع السيئات أَصْحابُ النَّارِ اى نار البعد والخذلان وملازموها لا نجاة لهم منها أصلا بل هُمْ فِيها خالِدُونَ دائمون مخلدون الى ما شاء الله
وَالَّذِينَ آمَنُوا واعتقدوا بوحدانية الله وأيقنوا ان لا وجود لغيره مطلقا وَمع الايمان والإيقان بالجنان قد عَمِلُوا بالجوارح والأركان الصَّالِحاتِ من الأعمال المقربة المترتبة على هذا الاعتقاد المثمر إياها أُولئِكَ المقربون والواصلون الى ما وصلوا من القرب والكرامة أَصْحابُ الْجَنَّةِ وملازمو القرب والوصول هُمْ فِيها خالِدُونَ متمكنون راسخون ما شاء الله إذ لا مرمى وراء الله ولا مقصد سوى الله لا اله الا الله لا حول ولا قوة الا بالله
وَاذكر يا أكمل الرسل للمؤمنين وقت إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ اى العهد الوثيق منهم حين ظهر منهم نقض العهود والمواثيق المؤكدة بان قلنا لهم على سبيل التأكيد والمبالغة لا تَعْبُدُونَ يعنى لا تتقربون وتتوجهون إِلَّا اللَّهَ الذي أظهركم من كتم العدم ورباكم بأنواع اللطف والكرم كي تعرفوه حق معرفته وَايضا لا تعاملون بِالْوالِدَيْنِ المربيين لكم باستخلاف الله إياهما الا إِحْساناً محسنين معهما خافضين لهما جناح الذل ببذل المال وخدمة الأركان وَكذا مع ذِي الْقُرْبى المنتمين إليكم بواسطتهما وَايضا لا تقهرون الْيَتامى والأطفال الذين لا متعهد لهم من الوالدين ولا من ذوى القربى بل تحسنون لهم وتشفقون إياهم وَكذا مع الْمَساكِينِ الذين لا يمكنهم اكتساب المعيشة لعدم مساعدة آلاتهم وَبالجملة قُولُوا لِلنَّاسِ اى لجميع الأجانب المستغنين عن امدادكم وانعامكم حُسْناً قولا حسنا هينا لينا منبئا عن المحبة والوداد وَلما امرناهم ونهيناهم كذلك بما يتعلق بمبدأهم ومعاشهم امرناهم ايضا بما يتعلق بمعادهم ورجوعهم إلينا حيث قلنا لهم أَقِيمُوا الصَّلاةَ يعنى داوموا على الميل والصلاة التي هي معراجكم الحقيقي الى ذروة التوحيد والعروج إليها لا يتحقق الا بترك العلائق وطرح الشواغل المانعة عنها وَكذلك آتُوا الزَّكاةَ المصفية لنفوسكم عن خبث الشح المزيلة عنها محبة الغير والسوى بل محبة نفوسكم الشاغلة عن الوصول الى شرف لقيا المولى ثُمَّ لما استثقلتم الأوامر والنواهي نقضتم العهود حيث تَوَلَّيْتُمْ وأعرضتم عنها ونبذتموها وراء ظهوركم إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وهم الذين ذكرهم الله في قوله ان الذين أمنوا والذين هادوا الآية وَبالجملة أَنْتُمْ في انفسكم قوم مُعْرِضُونَ شأنكم الاعراض عن الحق والانصراف عن اهله
وَكيف لا تكونون معرضين اذكروا قبح صنيعكم وقت إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ حيث لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ اى لا يسفك بعضكم دم بعض عدوانا وظلما بلا رخصة شرعية وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ اى لا يخرج بعضكم بعضا من دياره تعديا وظلما ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ طوعا واعترفتم رغبة بهذا العهد وَأَنْتُمْ بأجمعكم تَشْهَدُونَ وتحضرون وكلكم متفقون عليه راضون به
ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ الحمقاء الخبيثون الدنيون المفسدون المسرفون قد نقضتم العهد سيما بعد توكيدها حيث تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ اى بعضكم نفس بعض بغير حق وَتُخْرِجُونَ اى يخرج بعضكم فَرِيقاً بعضا منكم مِنْ دِيارِهِمْ المألوفة اجلاء وظلما وأنتم بأجمعكم تَظاهَرُونَ وتعينون عَلَيْهِمْ اى على المخرجين والظالمين بِالْإِثْمِ اى بالخصلة الفاحشة المستتبعة للحد
стр. 40
الشرعي وَالْعُدْوانِ اى الظلم المتجاوز عن الحد وَمن جملة عهودكم ايضا إِنْ يَأْتُوكُمْ اى ان يأت بعضكم بعضا أُسارى موثقين في يد العدو تُفادُوهُمْ وتعطوهم فديتهم وتنقذوهم من أيدي العدو تبرعا وأنتم لا تنقضون هذا العهد مع انه غير محرم عليكم ترك افدائهم وتنقضون العهد الوثيق المتعلق بالقتل والإخراج وَالحال انه هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ وقتلهم وبالجملة أَفَتُؤْمِنُونَ وتوفون بِبَعْضِ العهود الثابتة في الْكِتابِ وهو عهد الفدية وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ وهو عهد عدم القتل والاجلاء مع انه لا تفاوت بين العهود المنزلة من عند الله فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ الفصل والتفرقة بين عهود الله المنزلة حال كونه مِنْكُمْ ايها المسرفون المستكبرون في كتابه عتوا واستكبارا إِلَّا خِزْيٌ ذل يستكرهه جميع الناس فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ القائمة للعدل والجزاء يُرَدُّونَ أولئك الناقضون لعهود الله إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ الذي هو قعر بحر الإمكان لا نجاة لا حد منه وَمَا اللَّهُ المستوي على عروش الذرات الكائنة في العالم رطبها ويابسها شهادتها وغيبها بِغافِلٍ مشغول بشيء يشغله عَمَّا تَعْمَلُونَ أنتم بل شأنكم وحالكم وأعمالكم كلها عنده مكشوف معلوم له سبحانه يعلم الكل بعلمه الحضوري بحيث لا يشذ عن حيطة حضرة علمه المحيط الشامل شيء منها أصلا ثم لما ذكر سبحانه قبح معاشهم ومعادهم أراد أن ينبه على المؤمنين اسباب مقابحهم واعراضهم ليحذروا عن أمثالها ويحترزوا عنها
فقال مشيرا إليهم على سبيل التوبيخ أُولئِكَ البعداء عن منهج الصدق والصواب هم الَّذِينَ اشْتَرَوُا اى استبدلوا واختاروا الْحَياةَ الدُّنْيا الفانية الغير القارة بل اللاشيء المحض بِالْآخِرَةِ التي هي النعيم المقيم واللذة الدائمة المستمرة والحيوة الازلية السرمدية فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ اى عذاب الإمكان والافتقار وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ويصلون الى مناهم من الحوائج بل صاروا مفتقرين دائما محتاجين مضطرين مسودة الوجوه في النشأتين.
وَاذكر يا أكمل الرسل للمؤمنين ايضا من قبح صنائعهم ليعتبروا من أفعالهم لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى المبعوث إليهم الْكِتابَ اى التورية المشتملة على المصالح الدنيوية والاخروية فكذبوه ولم يلتفتوا الى كتابنا المنزل عليه وَبعد ما قضى وانقرض موسى قَفَّيْنا وعقبنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ المرسلة إليهم ذوى الدعوات الظاهرة والآيات الباهرة والمعجزات الساطعة القاهرة فكذبوا الكل ولم يلتفتوا بعموم ما جاءوا به وَبعد انقراض أولئك الثقات الهداة الباذلين مهجهم في طريق الحق آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ المبعوث إليهم الْبَيِّناتِ الواضحات الموضحات المبينات لأمور معاشهم ومعادهم وَمع ذلك قد أَيَّدْناهُ وخصصناه وقويناه بِرُوحِ الْقُدُسِ اى بلوازمه المنزه عن رذائل الإمكان لذلك رفعناه الى السماء وأحييناه الى انقراض الدنيا ومع ذلك قد كذبوه بل أرادوا قتله ولم يظفروا به أَفَكُلَّما اى الم تكونوا أنتم ايها الحمقاء الناقضون للعهود والمواثيق أولئك الجاهلون المفرطون المسرفون الذين متى جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ حتى يصلحكم ويرشدكم الى طريق الحق اسْتَكْبَرْتُمْ عليه واستحقرتموه فَفَرِيقاً من الرسل قد كَذَّبْتُمْ أنتم بهم وانكرتم نبوتهم كموسى وعيسى ﵉ وَفَرِيقاً منهم تَقْتُلُونَ كزكريا ويحيى ﵉ والقوم الذين شانهم هذا وهكذا كيف يرجى منهم الفلاح والفوز بالنجاح
وَمن غاية عداوتهم معك يا أكمل الرسل ومع من تبعك من المؤمنين قالُوا حين دعوتك إياهم الى الايمان والتصديق بدين الإسلام
стр. 41
مستهزأ معك منكرا لدعوتك لا نفقه حديثك ولا نفهم معناه إذ قُلُوبُنا التي هي وعاء الايمان والإذعان غُلْفٌ اى مغلوفة مغشاة بالاغطية الكثيفة لا تصل إليها دعوتكم وإخباركم فنحن معذورون عن السماع والاستماع قل لهم يا أكمل الرسل على سبيل التوبيخ والتقريع لا غطاء ولا غشاوة إلا عنادكم وحسدكم على ظهور دين الإسلام وبغيكم عليه مع انكم قد جزمتم بحقيته عقلا ونقلا بَلْ اعرض عنهم يا أكمل الرسل وذرهم وكفرهم إذ قد لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ اى طردهم وبعدهم عن ساحة عز حضوره بمقتضى اسمه المنتقم بشؤم كفرهم وشركهم المركوز في جبلتهم حسب الفطرة الاصلية وهم مقهورون تحت اسمه المضل المذل وإذا كان شانهم هذا فَقَلِيلًا ما اى نزرا يسيرا منهم يُؤْمِنُونَ ويهتدون الى طريق التوحيد إبقاء لحق الفطرة الاصلية التي هم فطروا عليها وهم الذين ذكرهم سبحانه في قوله ان الذين آمنوا والذين هادوا الآية وبالجملة لا يرجى منهم الايمان
وَايضا من شدة عتوهم وعنادهم ونهاية حسدهم على ظهور دين الإسلام لَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مشتمل على جميع الاحكام والمعتقدات الدينية وعموم الحقائق والمعارف اليقينية مع انهم جزموا في أنفسهم نزوله مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لتوافقه وتطابقه على ما في كتبهم واعجازه عموم من تحدى معه ومع ذلك مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ من الكتب المنزلة على الأنبياء الماضين وَالحال انهم قد كانُوا مِنْ قَبْلُ اى قبل ظهوره ونزوله يَسْتَفْتِحُونَ بهذا الكتاب ويستنصرون بمن ينزل عليه ويفتخرون به وبدينه وكتابه عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا بكتابهم ودينهم ونبيهم ويقولون سينصر ديننا بالنبي الموعود وبدينه المنزل عليه فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا في كتابهم من ظهور النبي الموعود الذي قد انتصروا به قبل مجيئه وافتخروا ببعثته على معاصريهم كَفَرُوا بِهِ عند مجيئه مكابرة وعنادا فاستحقوا بشؤم هذا الكفر والعناد مقت الله وطرده عن طريق التوحيد وتخليده إياهم في نيران الإمكان بأنواع الخيبة والخذلان نعوذ بالله من غضب الله فَلَعْنَةُ اللَّهِ الهادي للكل الى سواء السبيل نازلة دائما مستمرا عَلَى عموم الْكافِرِينَ المصرين على العناد المستكبرين على العباد
ثم لما ذكر سبحانه من ذمائم أخلاقهم ما ذكر وعد من قبائح أفعالهم وأطوارهم ما عد أراد ان يذكر كلاما جمليا على وجه العظة والنصيحة في ضمن تعييرهم وتقريعهم ليتذكر به المؤمنون ويتنبه بسببه الغافلون فقال بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ اى بئس شيأ باعوا واستبدلوا به معارف نفوسهم ومكاشفاتها ومشاهداتها أَنْ يَكْفُرُوا اى ينكروا ويكذبوا من شدة عتوهم وعنادهم بِما أَنْزَلَ اللَّهُ حسب حكمته على من هو قابل للهداية والإرشاد ليهدى به من ضل عن طريق الحق مع جزمهم بحقيته بلا شبهة ظهرت عندهم بل هم ما يكفرون وينكرون به الا بَغْياً وعدوانا وحسدا وطغيانا على أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ المستجمع المستحضر لعموم القابليات والاستعدادات مِنْ فَضْلِهِ بلا سبق علل وأغراض عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ الخلص وهم الذين قد ارتفعت هوياتهم وتلاشت هياكلهم وماهياتهم وبالجملة قد فنوا في الله وصاروا ما صاروا لا اله الا هو ولا شيء سواه ثم لما حسدوا على أنبياء الله وبخلوا بمقتضى فضله وجوده فَباؤُ ورجعوا مقارنين بِغَضَبٍ عظيم من الله المنتقم عن جريمتهم متراكم عَلى غَضَبٍ عظيم حسب ما شاء الله الظهور عليهم باسمه المنتقم وَبالجملة لِلْكافِرِينَ المستحقرين على كتاب الله وعلى دينه وعلى نبيه عَذابٌ مُهِينٌ لهم في النشأة الاولى والاخرى في الدنيا بضرب الذلة والمسكنة والجزية والصغار وانواع الهوان والخسار وفي الآخرة بطردهم وحرمانهم عن ساحة عز القبول
стр. 42
المترتب على النشأة الانسانية ولا عذاب أشد من ذلك
وَمن شدة انكارهم استكبارهم إِذا قِيلَ لَهُمْ على وجه العظة والتذكير آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ اى بجميع ما قد انزل عليكم لتزكية أخلاقكم وأعمالكم قالُوا في الجواب مكابرين حاصرين نحن نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا من عنده سبحانه ونصدق به جميعا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ اى سوى كتابهم وَالحال انه هُوَ الْحَقُّ المنزل من الحق بالحق على الحق لإظهار الحق وهم ايضا يعلمون حقيته ومع ذلك مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ من الكتاب الحق النازل على الحق يعنى التورية موافقا له في أكثر الاحكام وانما كفروا به للحسد والعناد الراسخ في طبائعهم وأحلامهم السخيفة ومبالغتهم في المكابرة والعناد والإصرار على تكذيب هذا الكتاب مع ان الايمان بأحد المتصادقين يوجب الايمان بالآخر وهو دليل على ان لا ايمان لهم بالتورية ايضا بل هم كافرون بها كفرهم بالفرقان لدلالة أفعالهم وأعمالهم على الكفر والإنكار وان أظهروا الايمان بها ظاهرا قُلْ
لهم يا أكمل الرسل إلزاما عليهم فَلِمَ تَقْتُلُونَ ايها المتدينون بدين اليهود المؤمنون المصدقون بالتورية سيما أَنْبِياءَ اللَّهِ الحاملين للتورية العاملين بمقتضاها مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بها مصدقين بجميع ما فيها فثبت انكم لستم بمؤمنين بها ايضا لتخلفكم عن مقتضاها وقتلكم الرسل العاملين بها وتكذيبكم إياهم
وَان أنكروا التكذيب اذكر لهم يا أكمل الرسل لَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى المؤيد من لدنا بِالْبَيِّناتِ الواضحات المبينات في التورية الموضحات لطريق التوحيد والايمان فكذبتم موسى ﵇ وانكرتم على جميع بيناته ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ المسترذل الها مِنْ بَعْدِهِ اى من بعد ما ذهب موسى الى الطور للفوائد الاخر المتعلقة لتكميلكم وَبالجملة أَنْتُمْ قوم ظالِمُونَ مجاوزون عن حدود الله ناكبون عن طريق الحق ومنهج الرشد وَان أردت يا أكمل الرسل زيادة إلزامهم واسكاتهم.
اذكر لهم نيابة عنا وقت إِذْ أَخَذْنا منكم ايها الناقضون لعهودنا المنكرون لكتابنا مِيثاقَكُمْ الذي قد واثقتم معنا ثم تركتموه وَالجأناكم على إيفاء ما عهدتم بان رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ معلقا وقلنا لكم استعلاء وتجبرا خُذُوا جميع ما آتَيْناكُمْ على نبيكم من الأوامر والنواهي بِقُوَّةٍ اى جد واجتهاد كامل وَاسْمَعُوا جميع ما فيه من المعارف والحقائق بسمع الرضاء وعلى نية الكشف والشهود وبعد ما سمعوا منا قالُوا ظاهرا سَمِعْنا جميع ما أمرنا به ونهينا عنه وَخفية قالوا عَصَيْنا عنها مع الامتثال بها وَسبب عصيانهم انهم لخساستهم ودنائة طبعهم وركاكة رأيهم قد أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ يعنى تحببوا وتطيبوا في قلوبهم التي هي وعاء الايمان والتوحيد ومحل العرفان واليقين محبة العجل المسترذل المستقبح المستحدث من حليهم وما هي الا بِكُفْرِهِمْ اى بشؤم ما كفروا بالله وبكتبه ورسله وحصروا ظهور الحق في مظهر مخصوص ومع ذلك يدعون الايمان بموسى ﵇ قُلْ لهم يا أكمل الرسل تقريعا لهم على وجه التعريض بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ من انكار كتاب الله وتكذيب رسله وقتلهم بغير حق واعتقادكم الشركة مع الله إِنْ كُنْتُمْ صادقين في كونكم مُؤْمِنِينَ
ثم لما اشتهر بين الناس قولهم لن يدخل الجنة الا من كان هودا وامتنع عن قبول الإسلام كثير من القاصدين العازمين لقبوله وتغمم بسبب ذلك ضعفاء المسلمين أشار سبحانه الى دفع هذا المقال مخاطبا لحبيبه ﷺ فقال قُلْ لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ التي هي منازل الشهداء ومقام العرفاء الأمناء الواصلين الى مرتبة الفناء في الفناء
стр. 43
والبقاء بالبقاء الإلهي عِنْدَ اللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد خالِصَةً منحصرة مخصوصة مسلمة لكم مِنْ دُونِ الله شركة النَّاسِ المنسوبين الى الأديان الاخر فَتَمَنَّوُا عن صميم القلب ومحض الطوع والرغبة الْمَوْتَ الإرادي المقرب لكم إليها الموصل إياكم الى لذائذها كما يتمناه خلص المؤمنين الموقنين بوحدانية الله في اكثر أوقاتهم وحالاتهم قال المرتضى الأكبر كرم الله وجهه والله لابن ابى طالب أشوق الى الموت من الطفل بثدي امه وقال ايضا سلام الله عليه لا أبالي سقطت على الموت او سقط الموت على وقال ايضا ﵇
جزى الله عنا الموت خيرا فانه ... أبر بنا من كل خير وارأف
يعجل تخليص النفوس من الأذى ... ويدنى الى الدار التي هي اشرف
وقال عمار رضى الله عنه حين استشهد الآن ألاقي الأحبة محمدا وأصحابه وأنتم ايضا تمنوا الموت إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعويكم
وَالله لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ وكسبت أَيْدِيهِمْ وأنفسهم من الحرص وطول الأمل والاستلذاذ باللذات الحسية والوهمية من الجاه والمال والمكانة والاعتبار بين الناس والاستكبار عليهم الا تريهم يتوجهون ويرجعون الى الله عند نزول البلاء المشعر لتعجيل الموت المقرب نحوه سبحانه ويسئلون فرجا واستكشافا وإذا انكشف عنهم ولوا على ما هم عليه مدبرين وَبالجملة اللَّهُ المحيط بسرائر عباده وضمائرهم عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ منهم الخارجين عن مقتضى الحدود الإلهية القائلين بأفواههم ما ليس في قلوبهم
وَالله يا أكمل الرسل لو فتشت عن أحوالهم واستكشفت عما جرى في سرائرهم وضمائرهم لَتَجِدَنَّهُمْ اى اليهود ولتصادفنهم أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ دائمة مستمرة عموما وَخصوصا مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا واعتقدوا ان لا حيوة الا في دار الدنيا بل من نهاية حرصهم وطول أملهم يَوَدُّ أَحَدُهُمْ ويحب لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ او يزيد عليه الفا أخر وهكذا وَالحال انه بهذه المحبة ما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ اى ليس هو مبعد نفسه مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ الى غاية ما يتمناه ويحبه بل ما يزيد الا عذابا فوق العذاب حسب لوازم الإمكان وَاللَّهُ المجازى لهم على أعمالهم بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ اى بجميع أعمالهم طول اعمارهم بحيث لا يعزب عن علمه شيء منها ثم لما ظهر دين الإسلام وترقى امره وارتفع قدره واشتهر نزول القرآن الناسخ لجميع الكتب والأديان اضطرب اليهود ووقعوا فيما وقعوا ومن شدة قلقهم واضطرابهم سئلوا رسول الله ﷺ عمن انزل عليه من الملائكة فقال ﷺ أخونا جبرائيل قالوا هو عدونا القديم ليس هذا أول ظهوره علينا بالعداوة بل قد ظهر علينا من قبل مرارا وهو دائما بصدد نسخ ديننا
قال سبحانه مخاطبا لحبيبه قُلْ يا أكمل الرسل مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ اى لمن يدعى عداوة أمين وحينا جبرائيل ﵇ بواسطة إنزال القرآن إليك لا وجه لاتخاذكم جبرائيل ﵇ عدوا فَإِنَّهُ ﵇ انما نَزَّلَهُ اى القرآن عَلى قَلْبِكَ يا أكمل الرسل الذي هو وعاء الايمان والإسلام ومهبط الوحى والإلهام بِإِذْنِ اللَّهِ والقائه اليه ووحيه إياه بتنزيله إليك لا من عند نفسه حتى تتخذوه عدوا وان اتخذتم عدوا فاتخذوا الله الآمر المنزل الحقيقي عدوا مع انه لا وجه للعداوة أصلا لكون المنزل عليه مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتب المنزلة وَهُدىً يهدى الى طريق الايمان والتوحيد وَبُشْرى بالنعيم
стр. 44
الدائم الباقي لِلْمُؤْمِنِينَ المهتدين به جعلنا الله منهم وممن اقتفى باثرهم بمنه وجوده
وقل لهم ايضا يا أكمل الرسل مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ بنقض عهوده وبعدم الامتثال بأوامره والاجتناب عن نواهيه وَمَلائِكَتِهِ بنسبتهم الى ما هم منزهون عنه وَرُسُلِهِ بالتكذيب والقتل والاهانة والاستهزاء وَلا سيما جِبْرِيلَ وَمِيكالَ كلا الأمينين المقربين عند الله بنسبة الميل والخيانة إليهما فهو كافر بالله بأمثال هذه الخرافات فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ بكفرهم وإصرارهم عليه
وَمن جملة كفرهم وعنادهم لَقَدْ أَنْزَلْنا من كمال فضلنا وجودنا إِلَيْكَ يا من وسعت مظهريته جميع اوصافنا وأخلاقنا آياتٍ دلائل وشواهد بَيِّناتٍ واضحات لطريق المعرفة والايمان فكفروا بها وكذبوها وَما يَكْفُرُ بِها مع غاية وضوحها وجلائها إِلَّا الْفاسِقُونَ الخارجون عن ربقة العبودية بعدم الايمان والانقياد بالكتاب والنبي بل بالإنزال والمنزل أصلا
أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً يعنى هم لم لم يكونوا فاسقين خارجين عن مقتضيات الحدود الإلهية مع انهم هم من شدة غيهم وضلالهم كلما عاهدوا عهدا وثيقا مؤيدا مؤكدا مع الله ورسله نَبَذَهُ ونقضه فَرِيقٌ مِنْهُمْ بسبب الفسوق والخروج وعدم الوفاء والإيفاء ثم سرى نقضهم الى الكل جميعا بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ولا ينقادون بالعهود والمواثيق الجارية من الله على السنة رسله وكتبه
وَمن جملة عتوهم وعنادهم انهم لَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ المرسل للرسل لهداية الناس الى توحيده مع انه مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ من الكتب المنزلة على الرسل الهادين ليرتفع التعدد والاختلاف عن اهل التوحيد مع ان مجيء هذا الرسول موعود مثبت في كتابهم الذي هم يدعون الايمان به نَبَذَ وطرح فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعنى اليهود كِتابَ اللَّهِ يعنى التورية وَراءَ ظُهُورِهِمْ بحيث لم يلتفتوا اليه ولم يعملوا بمقتضى ما فيه بل صاروا من شدة عداوتهم وعنادهم مع الرسول المبعوث كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ولا يقرؤن كتابهم أصلا
وَبعد نبذهم التورية وراء ظهورهم باشتمالها على اوصافك وظهورك يا أكمل الرسل أخذوا في معارضتك بالسحر واتَّبَعُوا ما تَتْلُوا اى تنسبوا وتفتروا الشَّياطِينُ اى المردة من الجن عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ بان استيلائه وتسلطه وتسخيره الجن والانس والوحوش والطيور والرياح انما هو بالسحر وَالحال انه ما كَفَرَ وسحر سُلَيْمانَ قط بل شانه مقصور على الوحى والإلهامات الإلهية والواردات الغيبية وَلكِنَّ الشَّياطِينَ يسترقون من الملائكة وينسبون الأمور الى الوسائط اصالة وبسبب ذلك قد كَفَرُوا وبعد كفرهم بالله وشركهم به سبحانه يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ المستلزم لانواع الفسوق والعصيان والكفر والطغيان وَلا سيما يسترقون ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ المحبوسين بِبابِلَ المسميين هارُوتَ وَمارُوتَ مع ان المنزل إليهما انما هو من مكر الله وإيقاعه الفتنة بين عباده ابتلاء لهم واختبارا وَمع ذلك ما يُعَلِّمانِ كلا الملكين السحر مِنْ أَحَدٍ من الناس حَتَّى يَقُولا له توصية وتذكيرا إِنَّما نَحْنُ الظاهرون بالسحر الخارق للعادة فِتْنَةٌ من الله العليم الحكيم وابتلاء منه لعباده فَلا تَكْفُرْ بنسبة الأمور إلينا ولا تكن بصدد التعلم ايضا وبعد ما اوصى الملكان بما أوصيا فَيَتَعَلَّمُونَ اى الشياطين المسترقون مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ مما يورث قطع المحبة والعلاقة المستلزمتين لحفظ النسب المتفرعة على الحكمة البالغة الإلهية المقتضية للزواج والازدواج إضرارا للدين القويم وانحرافا عن الطريق المستقيم وَالحال انه ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا
стр. 45
بِإِذْنِ اللَّهِ وبمقتضى تقديره ومشيته إذ لا يجرى في ملكه الا ما يشاء وَبالجملة هم بادعائهم العلم والعقل لأنفسهم يَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ ضررا فاحشا في النشأة الاولى والاخرى وَلا يَنْفَعُهُمْ نفعا حسب النشأتين أصلا وَالله لَقَدْ عَلِمُوا اى اليهود لَمَنِ اشْتَراهُ واستبدله اى كتاب الله بالسحر والشعبذة ما لَهُ اى للمستبدل فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ حظ ونصيب ولو علموا علم يقين لامتنعوا من الاستبدال البتة لكنهم لم يعلموا فاستبدلوا فثبت انهم ليسوا من العقلاء العالمين وبعد ما عيرهم سبحانه بما عيرهم وجهلهم على ابلغ وجه وآكده كرر تعييرهم تشديدا ومبالغة ليكون تذكيرا للمتذكرين بها فقال ايضا مقسما وَالله لَبِئْسَ ما شَرَوْا وباعوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ اى حقائقها ومعارفها ولذاتها الروحانية بالسحر المتفرع على الكفر بالله وكتبه ورسله وملائكته لان المشهور من اصحاب السحر ان سحرهم لا يؤثر الا بالكفر وغاية الخباثة والكثافة لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ويفهمون قباحته لما ارتكبوا لكنهم لم يعلموا فارتكبوا فثبت جهلهم وغباوتهم ومع ذلك هم يدعون الايمان بالله والرسل والكتب
وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا بالله على وجه الإخلاص وكتبه ورسله بلا مراء ومجادلة وَاتَّقَوْا نفوسهم عن محارم الله لَمَثُوبَةٌ اى لكانت فائدة قليلة عائدة إليهم مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عندهم خَيْرٌ من الدنيا وما فيها من المزخرفات الفانية كما هو عند المؤمنين الموقنين بوحدانيته لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ خيريتها لم يكفروا بالله لكنهم قد كفروا فثبت انهم هم جاهلون جاهدون في مقتضى أحلامهم السخيفة ثم لما سمع اليهود من المؤمنين قولهم راعنا عند رجوعهم اليه ﷺ في الخطوب والوقائع قالوا هؤلاء ليسوا مؤمنين منقادين له مطيعين لأمره لدلالة قولهم له راعنا عند محاورتهم معه راعنا على انك محتاج إلينا ممنون منا فلك ان تراعينا حق الرعاية
ولما كان فيه من إيهام سوء الأدب وان كان غرضهم الترقب والالتفات أشار سبحانه الى نهى المؤمنين عن هذا القول الموهم تأديبا للمؤمنين وتعظيما لحبيبه ﷺ فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا مع نبيكم عند الخطاب له راعِنا وان كان مقصودكم صحيحا ظاهرا لكن العبارة توهم خلاف المقصود بل الاولى والأليق بحالكم ان لا تخاطبوا رسولكم إكراما له وتعظيما وَان اضطررتم الى خطابه ﷺ قُولُوا بدل قولكم راعنا انْظُرْنا بنظر الرحمة والشفقة وَاسْمَعُوا هذا التذكير والوصاية منا بسمع الرضاء والقبول وواظبوا على مقتضاه لئلا تنسبوا الى الإساءة معه ﷺ وَاعلموا ان لِلْكافِرِينَ المغتنمين الفرصة في أمثال هذه الكلمات المذكورة المنهية عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم لهم أشد الإيلام في الدنيا والآخرة ثم لما عجزوا عن معارضتكم صريحا أخذوا في التلبيس والتحميق وادعاء المحبة واظهار المودة على سبيل النفاق ليحفظوا به دماءهم وأموالهم عنكم فعليكم ان لا تغتروا بودادتهم ولا تسمعوا منهم أقوالهم الكاذبة
إذ ما يَوَدُّ ويحب الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ لإصلاح حالكم وزيادة انعامكم وافضالكم مِنْ خَيْرٍ وحى نازل مِنْ رَبِّكُمْ الذي اجتباكم واصطفاكم على جميع الأمم بغضا لكم وحسدا مركوزا في طباعهم بالنسبة إليكم وبخلا على ما اعطى الله إياكم من الخير وَلم يمكنهم منع إعطائه تعالى إذ اللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ الواسعة ونعمته العامة الشاملة التي هي عبارة عن المعرفة والتوحيد مَنْ يَشاءُ من خلص عباده بلا علة وغرض ومرجح ومخصص مع كمال اختيار وارادة بلا إيجاب وتوليد كما زعمت الحكماء والمعتزلة الفاقدين للبصيرة سيما في الإلهيات ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور وَ
стр. 46
لا تشكوا في سعة رحمة الله وفضله بحرمان البعض وطرده إذ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ يفضل على من يفضل حسب مشيته وحكمته ومصلحته المختفية عن عقول عباده الا من اطلعه الله على سرائر أفعاله من الكمل جعلنا الله من محبيهم ومتبعيهم ثم اعلم ان الحوادث الكائنة في الآفاق كلية كانت او جزئية غيبا او شهادة وهما او خيالا انما هي بمقتضيات الأوصاف والأسماء الإلهية الكلية المشتملة كل منها على أوصاف جزئية غير متناهية بلا تكرر وتوارد فما من حادثة حدثت في عالم الكون والفساد إلا وهي ناشئة من وصف خاص الهى واسم خاص يخصه ويربيه بحيث لا يوجد في غيره لذلك قيل لا يتجلى الله في صورة مرتين لئلا يلزم التكرار المنافى للقدرة الكاملة ولا في صورة واحدة لاثنين لئلا يلزم العجز عن إتيان الصورة الاخرى
والى هذا أشار سبحانه بقوله ما نَنْسَخْ نغير ونبذل مِنْ آيَةٍ نازلة حاكمة في وقت وزمان يقتضيه نزولها من اسم مخصوص الهى أَوْ نُنْسِها نمحها ونحكها من القلوب كأنها لم تنزل قط نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها اى متى ننسخها او ننسها نأت بخير منها حسب اقتضاء الزمان الثاني والاسم الخاص له إذ سريان الوجود دائما على الترقي في الكمال حسب الحكمة المتقنة البالغة أَوْ مِثْلِها إذ التجدد انما يكون بالأمثال والإعادة على طبق الابتداء ثم استفهم سبحانه لحبيبه ﷺ تعظيما له وتذكيرا للمؤمنين فقال أَلَمْ تَعْلَمْ أنت يا أكمل الرسل يقينا أَنَّ اللَّهَ المتجلى بالتجليات الغير المتناهية عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الإبداء والإعادة والإنزال والتغيير قَدِيرٌ لا تنتهي قدرته عند المراد بل له التصرف فيه ما شاء بالإرادة والاختيار
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يتصرف فيهما كم شاء وكيف يشاء بلا فتور ولا فطور هذا في الآفاق وارجعوا الى انفسكم وَاعلموا انه ما لَكُمْ في ذواتكم وهوياتكم مِنْ دُونِ اللَّهِ المحيط بكم وبجميع اوصافكم مِنْ وَلِيٍّ يولى أموركم وَلا نَصِيرٍ يعين عليكم من دونه بل هو بذاته محيط بهوياتكم وماهياتكم كما اخبر به سبحانه في قوله كنت سمعه وبصره ويده ورجله الحديث أتسلمون وتفوضون أموركم الى الله ورسوله ايها المؤمنون وتقبلون دين الإسلام تعبدا وانقيادا
أَمْ تُرِيدُونَ وتقصدون أَنْ تَسْئَلُوا وتقترحوا عن سرائر الآيات النازلة عليكم لإصلاح حالكم رَسُولَكُمْ عنادا ومكابرة كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ من الآيات النازلة لإصلاح بنى إسرائيل فما نزل عليهم من آية الا وقد سئلوا سرها من موسى ﵇ على وجه الإلحاح والاقتراح فجازاهم الله بمقتضى اقتراحهم وان اقترحتم ايضا كما اقترحوا يجازيكم الله ايضا كما جازاهم وَاعلموا ان مَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ الموهوم المذموم بِالْإِيمانِ المحقق المجزوم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ اى عن الصراط السوى الموصل الى التوحيد الذاتي كما ضل بنوا إسرائيل عن طريق الحق بمخالفة كتاب الله وتكذيب رسله
ثم اعلموا ايها المؤمنون انه قد وَدَّ وأحب كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ سيما اليهود والنصارى لَوْ يَرُدُّونَكُمْ بأنواع الحيل والنفاق مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ بالله وكتبه ورسله كُفَّاراً مرتدين واجب القتل والمقت عند الله وليس ودادتهم كفركم لغاية تشددهم وتصلبهم في دينهم ونهاية غيرتهم عليه بل حَسَداً عليكم ناشئا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ من غاية عداوتهم معكم مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ وظهر عندهم ان دينكم الْحَقُّ المطابق للواقع بشهادة كتابهم ونبيهم وإذا فهمتم أمرهم وعرفتم عداوتهم فَاعْفُوا عن الانتقام والعقوبة وَاصْفَحُوا اى اعرضوا وانصرفوا عن التعيير والتقريع واصبروا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ويحكم بحكمه المبرم من ضرب
стр. 47
الذلة والمسكنة والغضب عليهم دائما إِنَّ اللَّهَ المتجلى باسمه المنتقم عَلى كُلِّ شَيْءٍ من انواع الانتقامات قَدِيرٌ على الوجه الأشد الأبلغ
وَبعد ما فوضتم أموركم الى الله واتخذتموه وكيلا حسيبا لكم حفيظا عن شرور أعدائكم أَقِيمُوا الصَّلاةَ اى رابطوا ظواهركم وبواطنكم اليه سبحانه دائما على وجه التذلل والخضوع وغاية الانكسار والخشوع وَآتُوا الزَّكاةَ اى طهروا قلوبكم عن الميل الى ما سوى الحق وَاعلموا ان ما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ في هذه النشأة مِنْ خَيْرٍ توجه دائم نحو الحق وأعراض مستمر عن محبة غيره تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ حين انكشافكم بتوحيده وتجريده وتفريده وبالجملة إِنَّ اللَّهَ المحيط بذواتكم بِما تَعْمَلُونَ من خير بَصِيرٌ عليم خبير
وَمن جملة حيلهم وخداعهم إياكم وودادتهم كفركم انهم قالُوا على وجه العظة والتذكير لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ من اهل الملل والأديان إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ المهملات وأمثالها ما هي الا أَمانِيُّهُمْ التي يخمرونها في نفوسهم بلا مستند عقلي او نقلي وان ادعوا دليلا قُلْ لهم يا أكمل الرسل إلزاما لهم وتبكيتا هاتُوا ايها المدعون المبهوتون بُرْهانَكُمْ من آيات الله وسنن رسله إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعوى الاختصاص قل لهم يا أكمل الرسل بعد ما بهتوا كلاما ناشئا عن محض الحكمة والإخلاص لا وجه لدعوى الاختصاص بالنسبة الى الجنة الموعودة لا منكم ولا منا
بَلى اى بل مبنى الأمر والشان في استحقاق الجنة على ان مَنْ أَسْلَمَ وجه وسلّم وَجْهَهُ المنسوب اليه مجازا لِلَّهِ المنسوب اليه حقيقة وَالحال انه هُوَ في نفسه مُحْسِنٌ عارف مشاهد مكاشف بالله فَلَهُ أَجْرُهُ مرجعه ومقصده من الجنة الموعودة عِنْدَ رَبِّهِ اى مرتبته المخصوصة له المربية إياه عند الله وَبالجملة لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ لفنائهم عن قابلية الخوف والحزن ومقتضيات الطبيعة مطلقا وبقائهم بتربية مربيهم
وَمن عدم تفطنهم للايمان والإذعان وغفلتهم عن طريق التوحيد والعرفان قالَتِ الْيَهُودُ الدين ديننا والكتاب كتابنا والنبي نبينا لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ في امر الدين وشانه بل هم ضالون عن طريق الحق لا يهتدون اليه أصلا الا ان يؤمنوا ويقتدوا بديننا وَايضا قالَتِ النَّصارى ديننا حق وشرعنا مؤبد ونبينا مخلد لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ في الدين والايمان بل الدين الحق ديننا وَالحال انه هُمْ اى كلا الفريقين يَتْلُونَ الْكِتابَ المنزل على نبيهم ويدعون الايمان والإذعان ومع ذلك لم يخلصوا عن الجهل والعناد ولم يتنبهوا على التوحيد المزيح لمطلق الخلاف والاختلاف المشعر على كمال العرفان والائتلاف بل لا فرق بينهم وبين سائر المشركين النافين للصانع إذ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ الكتاب والنبي والدين والايمان مِثْلَ قَوْلِهِمْ بان الحق ما نحن عليه بلا كتاب ولا نبي لان الإنسان مجبول على ترجيح ما هو عليه سواء كان حقا او باطلا صلاحا او فسادا والأنبياء انما يرسلون ويبعثون ليميزوا لهم الحق عن الباطل والصالح عن الفاسد وهم مع بعثة الرسل إليهم صاروا سواء مع المشركين الذين لا كتاب لهم ولا نبي فَاللَّهُ المحيط بسرائرهم وضمائرهم يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ على مقتضى علمه بأعمالهم وأحوالهم يَوْمَ الْقِيامَةِ المعد لجزاء الأعمال فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ على مقتضى آرائهم واهوائهم فيجازيهم بمقتضى ما يعلمون ويعملون به
وَمَنْ أَظْلَمُ على الله المظهر للعباد ليعرفوه ويتوجهوا نحوه في الأمكنة والبقاع المعدة للتوجه مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ المعدة الموضوعة أَنْ يُذْكَرَ اى لان يذكر فِيهَا اسْمُهُ اى يذكر المؤمنون فيها أسماءه الحسنى
стр. 48
وَلا يقتصر على المنع بل سَعى واجتهد فِي خَرابِها وتخريبها ليستأصلها ويخرجها عما تعد له مطلقا أُولئِكَ البعداء المشركون ما كانَ وما صح وجاز لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها اى المساجد لنجاستهم وخباثة طينتهم وان دخلوها أحيانا لحاجة فلا بد لهم ان لا يدخلوها إِلَّا خائِفِينَ خاضعين متذللين مستوحشين بحيث لم يتوجهوا يمنة ويسرة استحياء من الله بل منكسين رؤسهم على الأرض الى ان يخرجوا قل يا أكمل الرسل نيابة عنا لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ قتل واجلاء وسبى وذلة وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ حرمان عن الكمال الإنساني بكفرهم وظلمهم
وَقل للمؤمنين يا أكمل الرسل تسلية لهم وتفريحا لا تغتموا عن منعهم عنها وسعيهم في تخريبها ولا تحصروا توجهكم الى الله في الأمكنة المخصوصة بل لِلَّهِ المتجلى في الآفاق الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ هما كنايتان عن طرفي العالم فَأَيْنَما تُوَلُّوا وتوجهوا نحوه فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ اى ذاته إذ هو سبحانه بذاته منتهى عموم الأماكن والجهات مع انه خال عن جميعها محيط بكلها منزه عنها مطلقا إِنَّ اللَّهَ المتعالي عن مطلق التحديد والتقدير واسِعٌ أجل من ان يحيط به القلوب الا من وسعه الله بسعة رحمته كما اخبر سبحانه بقوله لا يسعني ارضى ولا سمائي بل يسعني قلب عبدى المؤمن عَلِيمٌ لا يغيب عن علمه شيء وحيث اتجهتم نحوه وتوجهتم اليه قد علمه سبحانه قبل توجهكم بل توجهكم انما هو منه فلا يتوجه اليه الا هو لا اله الا هو كل شيء هالك الا وجهه
ومن غاية جهلهم بالله الواسع العليم الذي لا يسعه الأرض والسماء ولا يحيطون بشيء من علمه الا بما شاء انهم حصروه سبحانه في شخص وخيلوه جسما واثبتوا له لوازم الأجسام وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً كعيسى وعزير ﵉ الصمد الفرد الذي شانه انه لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد عن ان يتخذ صاحبة وولدا بَلْ لَهُ مظاهر ما فِي السَّماواتِ وَكذا مظاهر ما في الْأَرْضِ يظهر عليها ويتجلى لها إظهارا لكمالاته المرتبة على صفاته المندرجة في ذاته ونسبته تعالى الى جميع المظاهر في التكوين والخلق على السواء من غير تفاوت وعيسى وعزير ﵉ ايضا من جملة المظاهر ولا شك ان مرجع جميع المظاهر والمجالى الى الظاهر والمتجلى إذ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ خاضعون منقادون معترفون على ما هم عليه قبل ظهورهم من العدم
مقرون بانه بَدِيعُ اى مبدع السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من العدم بلا سبق مادة ومدة وَمن بدائع ابداعه انه إِذا قَضى وأراد أن يوجد ويظهر أَمْراً من الأمور التي في خزائن علمه ولوح قضائه وكتابه المبين فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ إمضاء لحكمه وانفاذا لمقتضى ارادته كُنْ فَيَكُونُ بلا تراخ ولا مهلة بحيث لا يسع حرف التعقيب ايضا الا لضرورة التعبير والتقريب فالالفاظ بمعزل عن أداء سرعة نفوذ قضائه
وَلما ظهر واشتهر ان القرآن ناسخ لجميع الكتب السالفة مع كونه مصدقا لها ناطقا بان الكل منزلة من عند الله على الرسل الماضين الهادين الى طريق الحق وان حكم الناسخ ماض نافذ وحكم المنسوخ قد مضى ولم يبق اثره مع ان كلا منهما كلام الله المؤدى لحكمه حسب الزمانين قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ولا يعرفون ظهور الله وتجلياته سبحانه بحسب أسمائه الحسنى وصفاته العليا في كل آن وشأن لا كشان لا نقبل هذا الحكم ولا نؤمن به لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ مشافهة بان هذا ناسخ راجح وذاك منسوخ مرجوح أَوْ تَأْتِينا على يدي من يدعى الرسالة آيَةٌ ملجئة تدل على هذا الحكم بلا احتمال آخر وبعد ما لم يكن لا هذا ولا ذاك لا نقبله ولا نؤمن به ولا تستبعد منهم يا أكمل الرسل أمثال هذا القول الباطل إذ كَذلِكَ اى مثل ذلك الذي سمعت منهم
стр. 49
قالَ الَّذِينَ كفروا للأنبياء الماضين مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ هذا وهكذا بلا تفاوت واختلاف بل قد تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ المنكرة المخمرة بهذه الأباطيل الزائغة المموهة سابقا ولاحقا مع انا قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ المنزلة الدالة على توحيدنا لِقَوْمٍ ذوى قلوب صافية عن كدر الإنكار يُوقِنُونَ بها سرائر الآيات الظاهرة على الآفاق والأنفس وهم لأنهما هم في كدر الإمكان والإنكار لا يرجى منهم الايمان والإقرار
إِنَّا من مقام عظيم جودنا قد أَرْسَلْناكَ يا أكمل الرسل ملتبسا بِالْحَقِّ بَشِيراً نحو طريق الحق وَنَذِيراً عن طرق الباطل وَان لم يبشروا ولم ينذروا بعد ما بلغت إليهم التبشير والإنذار لا تُسْئَلُ أنت عَنْ أعراض أَصْحابِ الْجَحِيمِ المجبولين على الكفر والعناد في اصل قطرتهم بل نحن نسئل عنهم وعن اسباب اعراضهم وانصرافهم في يوم الجزاء فنجازيهم على مقتضى أعمالهم
وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى ابدا بمجرد المؤانسة واظهار المحبة وإرخاء العنان إياهم حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ التي ادعوا حقيتها بل قد حصروا الحقية والهداية عليها قُلْ لهم يا أكمل الرسل كلاما على وجه التذكير وإمحاض النصح إِنَّ هُدَى اللَّهِ الذي يهدى به عباده هُوَ الْهُدى النازل من عنده الا وهو دين الإسلام فاتبعوه ليهتدوا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ يا أكمل الرسل أنت ومن تبعك بعد ما ايستم أنتم عن اتباعهم بكم أَهْواءَهُمْ الباطلة بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ من لدنا على هدايتك وإهداء من تبعك ما لَكَ وقت تعلق مشية الله بمقتك وهلاكك مِنَ غضب اللَّهِ الهادي للكل الى سواء السبيل مِنْ وَلِيٍّ يحفظك من الضلال وَلا نَصِيرٍ يدفع عنك النكال
ثم قال سبحانه الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ واصطفيناهم من بين الأمم بإرسال الرسل وهم يَتْلُونَهُ اى الكتاب متأملين متدبرين لما يشتمل عليه من الأوامر والنواهي والمعارف والحقائق مراعين حَقَّ تِلاوَتِهِ بلا تحريف ولا تبديل أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وبما فيه من الاحكام والآيات والاخبار وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ بتحريفه وتبديله الى ما تهوى أنفسهم فَأُولئِكَ المحرفون المغيرون كتاب الله لمصلحة نفوسهم هُمُ الْخاسِرُونَ المقصورون على الخسران المؤبد والحرمان المخلد وهم الذين قد خسروا أنفسهم في الدنيا والآخرة بسبب تحريف كتاب الله وتبديله ثم لما خاطب سبحانه بنى إسرائيل أولا بايفاء العهد الذي هو شعار اهل الايمان وما يتعلق بايفاء العهد من الرجوع اليه سبحانه والايمان بكتبه ورسله وعدم المبادرة الى الكفر وعدم استبدال آيات الله الدالة على ذاته علما وعينا وحقا بالمزخرفات الفانية التي لا مدار لها أصلا وعدم لبس الحق الظاهر المكشوف المحقق بالباطل الموهوم المعدوم وباقام الصلاة وإيتاء الزكاة المنبئين عن التوجه الفطري والرجوع الحقيقي الأصلي بالركوع والسجود والخشوع على وجه التذلل والانكسار الى ان يصل العبد بإتيانه الى مقام الفناء في ذاته سبحانه بل الى فناء الفناء لينعكس البقاء الحقيقي ثم عير سبحانه تعييرا فوق تعيير على الناسين نفوسهم في الغفلة من غير توجه ورجوع ثم امر سبحانه خلص عباده باستعانة الصبر المورث للتمكين والصلاة المشعرة بالتوجه التام المسقط لجميع المعاصي والآثام لتصفية ذواتهم ثم خاطبهم سبحانه ثانيا وأوصاهم بشكر نعم تفضيلهم وتكريمهم على بنى نوعهم بأنواع الكرامات الدينية والدنياوية ثم حذرهم وخوفهم عن يوم الجزاء على وجه المبالغة والتأكيد لتصفية اوصافهم المتعلقة لأمور معاشهم في النشأة الاولى
ثم لما ذكر سبحانه كفرانهم وطغيانهم وعدم انقيادهم بالكتب والرسل وتكذيبهم الأنبياء وقتلهم إياهم من خباثة
стр. 50
طينتهم ودنائة طبعهم وقساوة قلبهم وشدة عداوتهم مع المؤمنين وسوء صنيعهم مع الأنبياء الماضين كرر خطابه سبحانه إليهم ثالثا بما سبق ثانيا مبالغة وتأكيدا تلطيفا وامهالا كي يتنبهوا ومع ذلك لم يتنبهوا لخبث طينتهم فقال يا بَنِي إِسْرائِيلَ المعرضين عنى بأنواع الاعراضات والمعترضين على آياتي بأصناف الاعتراضات قد مضى ما مضى اذْكُرُوا واشكروا عموم نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ بمقتضى فضلي وإحساني إليكم وَلا سيما نعمة الجاه والتفضيل على جميع البرايا أَنِّي بحولي وطولى قد فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ من بنى نوعكم وامتثلوا لامرى ولا تتجاوزوا عن حكمى واحذروا عن قهري وانتقامي
وَاتَّقُوا يَوْماً صفته انه لا تَجْزِي ولا تحمل نَفْسٌ مطيعة عَنْ نَفْسٍ عاصية شَيْئاً قليلا من أوزارها وَمع ذلك لا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ فدية حتى تخلص بها عن بطش الله وَايضا لا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ من شفيع حميم حتى يخفف عذابها لأجلها وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ من غيرهم في تحمل العذاب بل ما يحمل رزاياهم الا مطاياهم ومع هذه المبالغة والتأكيد قليلا منهم يؤمنون بخلاف الملة الحنيفية البيضاء الخليلية فإنهم بأجمعهم يرجى منهم الايمان بوحدانية الله ان أقاموا الصلاة اليه مخلصين الا المصلين الذينهم في صلاتهم ساهون بما يلهيهم من محبة المال والجاه عصمنا الله من ذلك
ثم لما ذكر سبحانه قصة بنى إسرائيل وانعامه عليهم بأنواع النعم وكفرانهم لنعمه من خبث طينتهم أراد أن يذكر طيب طينة الملة الخليلية وصفاء عقائدهم وتحملهم على الاختبارات والابتلاءات الإلهية فقال وَإِذِ ابْتَلى اى واذكر يا أكمل الرسل وقت ابتلاء أبيك إِبْراهِيمَ رَبُّهُ الذي قد ابتلاه واختبر خلته بأنواع البلاء من عذاب النار والمنجنيق وذبح الولد والاجلاء من الوطن وغير ذلك من البليات النازلة عليه بِكَلِماتٍ صادرة من ربه حين أراد اختباره فَأَتَمَّهُنَّ على الوجه المأمور بلا فتور ولا قصور تتميما لرتبة الخلة والخلافة ثم لما اختبر سبحانه خلة خليله بأنواع المحن والبلاء اظهر مقتضيات خلته إياه بأنواع العطاء حيث قالَ سبحانه إِنِّي من غاية محبتي وخلتي معك ايها الخليل الجليل جاعِلُكَ لِلنَّاسِ الناسين التوجه والرجوع الى إِماماً مقتدى لهم هاديا يهديهم الى طريق التوحيد ولما رأى ابراهيم ﵇ انبساط ربه معه وإحسانه اليه واظهار الخلة له قالَ وَاجعل يا رب مِنْ ذُرِّيَّتِي ايضا ائمة الى يوم الدين قالَ سبحانه تلطفا له وامتنانا عليه ومن ذريتك ايضا الصالحين منهم لا الفاسقين إذ لا يَنالُ عَهْدِي الذي هو خلعة نيابتي وخلافتي الظَّالِمِينَ المتجاوزين عن مقتضى حدودي وعهودى
وَبعد ما جعلناه اماما للناس هاديا لهم الى طريق الحق هيأنا له طريق الهداية والإرشاد إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ اى الكعبة المعدة للتوجه إلينا بترك المألوفات وقطع التعلقات من الأهل والمال والوطن والاجتناب عن التصرفات المانعة عن التوجه الحقيقي من الرفث والفسوق والجدال والقتل وغير ذلك من الأمور المتعلقة للحياة المستعارة مَثابَةً موضع ثواب لِلنَّاسِ ليتقربوا إلينا ويتوجهوا نحونا فيها وَأَمْناً من جميع المخاوف الدينية إذا كان الطواف والزيارة على نية الإخلاص وَبعد ما جعلنا البيت مثابة للناس قلنا للزائرين لها والطائفين حولها اتَّخِذُوا ايها الزوار مِنْ مَقامِ خليلنا إِبْراهِيمَ مُصَلًّى موضع ميل وتوجه اقتداء له صلوات الرّحمن عليه وَبعد ما أمرنا الزوار بما أمرنا قد عَهِدْنا ووصينا إِلى خليلنا إِبْراهِيمَ وَذبيحنا إِسْماعِيلَ ابنه ﵉ أَنْ طَهِّرا بالمظاهرة والمعاونة بَيْتِيَ المعد للطهارة الحقيقية عن جميع الشواغل لِلطَّائِفِينَ الذين قصدوا الميل الى جنابنا ببذل المهج
стр. 51
وَالْعاكِفِينَ المقيمين ببابنا رجاء ان تنكشف لهم اسرار التكاليف التي كلفوا بها وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ اى الراكعين الساجدين إلينا على وجه التذلل والانكسار حتى يتحققوا بمقام العبودية
وَبعد ما امرناهما بطهارة البيت واقدرناهما على امتثال المأمور اذكر إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ منيبا إلينا داعيا راجيا في دعائه النفع العام رَبِّ اجْعَلْ بيتك هذا بَلَداً آمِناً ذا أمن وأمان للمتوجهين إليها والعاكفين ببابها عن العلائق المانعة عن التوجه المعنوي وَبعد ما توجهوا نحو بيتك ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ المترتبة على سرائر تعيينه وتخصيصه ووجوب طوافه على المستطيعين المنهمكين في الشواغل المانعة عن التوجه الى الكعبة الحقيقية الممثلة عنها هذا البلد ولما دعا ابراهيم بهذا الدعاء المجمل المطلق لهم فصل سبحانه اجابة دعائه بقوله مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ اى المتوجهين الزائرين بِاللَّهِ الواحد الأحد تعبدا وانقيادا وَالْيَوْمِ الْآخِرِ المحقق الوقوع إذعانا وتصديقا فلهم ما دعوت لهم من انواع الإفضال والانعام جزاء لهم واجابة لدعائك إياهم ثم قالَ سبحانه وَمَنْ كَفَرَ منهم وجحد بعد ما وضح لهم طريق الحق فَأُمَتِّعُهُ متاعا قَلِيلًا من مفاخرة الأقران والاستكبار على الاخوان وتفرج البلدان ثُمَّ أَضْطَرُّهُ بعد الجحود والإنكار إِلى عَذابِ النَّارِ بل أشد منه الا وهو حرمانه عن الفوائد المترتبة على الطواف والزيارة المنبئة عن الوصول الى مرتبة العبودية المخلصة عن جهنم الإمكان الذي هو مصير اهل الكفر والطغيان وَبِئْسَ الْمَصِيرُ مصيرهم إذ لا نجاة لاحد منه عصمنا الله وعموم عباده منه بمنه وجوده
وَاذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ يَرْفَعُ ويحمل جدك إِبْراهِيمُ الاواه المنيب الْقَواعِدَ اى التكاليف الشاقة الناشئة مِنَ إنشاء الْبَيْتِ المعد للاهتداء الى كعبة الوصول من التجريد عن لوازم الحيوة ومقتضيات الأوصاف المترتبة عليها وترك المألوفات وقطع التعلقات العائقة عن الموت الإرادي الموصل الى مقر الوحدة المفنية للكثرة الموهومة المستتبعة للبعد والفراق عن فضاء التوحيد وَأبوك ايضا إِسْماعِيلُ الراضي بقضاء الله المرضى بعموم ما جرى عليه من البلاء واذكر ايضا دعائهما ومناجاتهما مع ربهما بعد ما احتملا المتاعب والمشاق بقولهما رَبَّنا يا من ربانا بأنواع المنح والعطايا التي ليست في وسعنا وقدرتنا تَقَبَّلْ مِنَّا ما اقدرتنا عليه إِنَّكَ أَنْتَ القادر المقتدر بجميع حاجاتنا السَّمِيعُ المجيب لعموم مناجاتنا قبل لقائنا إليك يا مولانا الْعَلِيمُ بنياتنا واخلاصنا فيها
رَبَّنا وَاجْعَلْنا بفضلك مُسْلِمَيْنِ لَكَ مفوضين جميع أمورنا إليك مخلصين فيها ربنا وَاجعل ايضا مِنْ ذُرِّيَّتِنا المنتسبين إلينا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ مطيعة لأمرك وَأَرِنا واكشف لنا ولهم مَناسِكَنا اى سرائر أعمالنا التي نعملها على مقتضى أمرك وتكليفك وَان أخطأنا وانصرفنا عما امرتنا به تُبْ عَلَيْنا واعف عما جرى علينا من لوازم بشريتنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرجاع للعباد العاصين الخاطئين عن خطاياهم الرَّحِيمُ بقبول توبتهم وان نقضوها مرارا وتابوا عنها تكرارا ثم لما كان الغالب عليهما ﵉ توحيد الصفات والأفعال دعوا ربهما متضرعين ان يبعث من ذريتهما من يغلب عليه توحيد الذات
فقالا رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ اى في الامة المسلمة المسلمة رَسُولًا مِنْهُمْ هاديا إلى توحيد الذات يَتْلُوا عَلَيْهِمْ أولا آياتِكَ الدالة على وحدة ذاتك ظاهرا وَثانيا يُعَلِّمُهُمُ ويفهمهم الْكِتابَ المبين لسرائر الآيات وَثالثا يكشف ويوضح لهم الْحِكْمَةَ التي هي عبارة عن سلوك طريق التوحيد الذاتي وَ
стр. 52
رابعا يُزَكِّيهِمْ ويطهرهم عن رؤية الغير في الوجود مطلقا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الغالب القاهر للاغيار الْحَكِيمُ في إيجادها وإظهارها على وفق مشيتك وارادتك
وَبعد ما قد جعلنا الخليل الجليل اماما مقتدى للأنام هاديا لهم الى دار السّلام مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ اى من يعرض ويميل عن ملته الحنيفية الطاهرة عن الميل الى الآراء الباطلة المستتبعة لانواع الجرائم والآثام البيضاء المنورة لقلوب اهل التفويض والتسليم المبتنية على محض الوحى والإلهام إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ اى لا ينصرف عن ملته الغراء الا من ترك نفسه في ظلمة الإمكان من غير رجوع الى فضاء الوجوب ليتبع طريقه الموصل اليه وَالله لَقَدِ اصْطَفَيْناهُ وانتخبناه من بين الأنام فِي الدُّنْيا للرسالة والنبوة ليرشد عموم العباد الى طريق التوحيد وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ للتحقق والوصول الى ينبوع بحر الوجود التي هي الوحدة الذاتية لا على وجه الاتحاد والحلول بل بطريق التوحيد الذاتي المسقط لعموم الاعتبارات والإضافات واذكر يا أكمل الرسل وقت
إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ اختبارا له أَسْلِمْ اى توجه الى حسب علمك وكشفك منى قالَ على مقتضى علمه بربه أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ لأنه قد انكشف له ربه من ذرات الكائنات لذلك لم يخصصه ولم يقيده بمظهر دون مظهر
وَوَصَّى بِها اى بالتوحيد الذاتي إِبْراهِيمُ بَنِيهِ إرشادا لهم الى طريق الحق ووصى بها ايضا بنوه بنيه وَايضا قد وصى بها يَعْقُوبُ بنيه بما وصى به أبوه وجده وقال اى كل منهم لأبنائهم يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ اى دين الإسلام المشتمل على توحيد الذات والصفات والأفعال فَلا تَمُوتُنَّ اى فلا تكونن في حال من الأحوال عند الموت إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ موحدون بالتوحيد الذاتي ثم لما اعتقد اليهود ان يعقوب وبنيه كانوا هودا والنصارى قد اعتقدوهم نصارى أراد سبحانه ان يظهر فساد عقائدهم فقال اتسمعون ايها اليهود والنصارى يهودية يعقوب وبنيه ونصرانيتهم ممن انزل عليكم من الرسل والكتب
أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ حضراء وقت إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ لا هذا ولا ذاك بل كنتم مفترين عليهم جاهلين بحالهم اذكر لهم يا أكمل الرسل وقت إِذْ قالَ يعقوب حين اشرف على الموت لِبَنِيهِ إرشادا لهم ماذا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي يا بنى قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً أحدا صمدا فردا وترا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وَنَحْنُ لَهُ لا لغيره من الآلهة الباطلة مُسْلِمُونَ منقادون متوجهون قل يا أكمل الرسل للناس الذين بعثت فيهم قولا مطلقا ناشئا عن محض النصح والإرشاد خاليا عن المكابرة والعناد قالعا عرق عموم التقليدات والتخمينات الراسخة في قلوب العباد
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ومضت لَها ما كَسَبَتْ من العزائم الدينية وعليها ما اكتسبت من الجرائم المتعلقة به بحسب تلك الحال والزمان وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ من فوائد الايمان والإسلام وعليكم ما اكتسبتم من غوائل الكفر والطغيان حسب زمانكم هذا إذ كل منكم ومنهم لم يجز الا بما عمل وكسب وَلا تُسْئَلُونَ ولا تؤاخذون أنتم عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ من السيئات كما لا تثابون من حسناتهم بل كل امرئ بما كسب رهين
وَان قالُوا اى كل من الفريقين لكم كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى كي تَهْتَدُوا الى طريق الحق قُلْ لهم نحن لا نتبع آراءكم الفاسدة وأهواءكم الباطلة بَلْ نتبع مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً مائلا عن الآراء الباطلة مبرأ منها وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بالله باعتقاد الوجود
стр. 53
لغير الله في حال من الأحوال
بل قُولُوا لهم في مقابلة قولهم ايها المؤمنون المتبعون لملة ابراهيم إرشادا لهم واسماعا إياهم طريق الحق قد آمَنَّا بِاللَّهِ الواحد الأحد المتجلى في الآفاق بالاستحقاق بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وَآمنا ايضا ما أُنْزِلَ إِلَيْنا بوسيلة رسولنا من الكتاب المبين لمصالحنا المتعلقة بمبدئنا ومعادنا في زماننا وَآمنا ايضا بجميع ما أُنْزِلَ إِلى متبوعينا الماضين إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ المورثين لملتنا وديننا وَكذلك قد آمنا بعموم ما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى من الكتب والآيات الدالة على توحيد الذات والصفات والأفعال وصدقنا جميع ما جاء به هؤلاء الرسل من عند الله وَبالجملة انا قد آمنا بجميع ما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لهداية الضالين من عباده الى توحيده لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ بالإيمان والإنكار بل نؤمن بجميعهم ونصدقهم لكونهم هادين الى توحيد الله وان تفاوتت طرقهم وَنَحْنُ لَهُ اى لتوحيد الحق مُسْلِمُونَ منقادون مسلمون متوجهون وان بين بطرق متعددة وكتب مختلفة بحسب الأعصار والأزمان المتوهمة من تجليات الذات حسب الأسماء والصفات
فَإِنْ آمَنُوا بعد ما سمعوا منكم هذه الأقوال الحقة بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ بعد سماعكم طريق الايمان من رسولكم فَقَدِ اهْتَدَوْا الى طريق التوحيد كما اهتديتم وَإِنْ تَوَلَّوْا واعرضوا عن أقوالكم صفحا واعراضا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ اى ما هم الا في خلافهم وشقاقهم وعداوتهم الاصلية الجبلية ولا تبالوا بهم وبخلافهم وشقاقهم فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ المحيط بك يا أكمل الرسل وبهم المطلع على ما في سرائرهم وضمائرهم مؤنة خلافهم وشقاقهم وَلا تترددوا ايها المؤمنون في كفايته سبحانه إذ هُوَ السَّمِيعُ لأقوالهم الباطلة الكاذبة الْعَلِيمُ بكفرهم ونفاقهم الكامنة في قلوبهم ثم قولوا لهم بعد ما أظهروا الخلاف والشقاق ما جئنا به نحن من التوحيد الحاصل من متابعة الملة الحنيفية البيضاء
ليس الا صِبْغَةَ اللَّهِ المحيط بنا انما صبغ بها قلوبنا لنهتدي الى صفاء تجريده وزلال تفريده وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً حتى نتبعه إذ لا وجود لغيره ولا رجوع الا اليه وَإذا لم يكن لغيره وجود نَحْنُ لَهُ لا لغيره من العكوس والاظلال عابِدُونَ عائدون راجعون رجوع الظل الى ذي الظل والصور المرئية في المرآة الى الرائي ثم لما طال نزاع احبار اليهود مع المؤمنين ومجادلتهم مع الرسول ﵇ امر سبحانه لحبيبه بان يتكلم معهم بكلام ناش عن لب الحكمة ومحض المصلحة
فقال قُلْ لهم يا أكمل الرسل كلاما دالا على توحيد الذات مسقطا لجميع الإضافات أَتُحَاجُّونَنا وتجادلوننا فِي اللَّهِ المظهر للكل من كتم العدم باشراق تجليات أوصافه فيه ورشه من نوره عليه وَالحال انه ليس له اختصاص ببعض دون بعض بل هُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ بإظهار ذواتنا وذواتكم من العدم وَبعد إظهاره إيانا لَنا أَعْمالُنا اى جزاء صالحها وفاسدها وَلَكُمْ ايضا أَعْمالُكُمْ الصالحة والفاسدة لا تسرى منكم إلينا شيء ولا منا إليكم شيء وَنَحْنُ المتبعون لملة ابراهيم لَهُ اى لله المظهر الظاهر بجميع الأوصاف والأسماء لا لغيره من الاظلال الهالكة المستهلكة في حدود ذواتها مُخْلِصُونَ متوجهون على وجه الإخلاص المنبئ عن المحبة المؤدية الى الفناء في ذاته جعلنا الله من خدام احبائه المخلصين أيسلم اليهود والنصارى ويذعنون بعد ما أوضحنا لهم انا على ملة ابراهيم دونهم
أَمْ يعاندون وتَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى تابعين لملتنا فان كابروا وعاندوا وقالوا مثل هذا قُلْ لهم يا أكمل الرسل مستفهما موبخا على وجه التنبيه أَأَنْتُمْ
стр. 54
أَعْلَمُ بحالهم أَمِ اللَّهُ النافى عنهم اليهودية والنصرانية بقوله ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مائلا عنهما ثم ذرهم في خوضهم يلعبون وَبعد ما ظهر عندهم حقية دين نبينا ﷺ وتحقق موافقته لملة أبيه ابراهيم بشهادة كتبهم ورسلهم مَنْ أَظْلَمُ وأجرأ على الله مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً ثابتة في كتب الله التي قد صحت وثبتت عِنْدَهُ انها منزلة مِنَ اللَّهِ المنزل للرسل والكتب مصدقا بعضها بعضا كتمانا ناشئا عن محض العداوة والشقاق سيما بعد جزمهم حقيتها ومع ذلك يتوهمون كتمانها من الله ايضا وَمَا اللَّهُ المحيط بمخائلهم ومخادعاتهم بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ من الكتمان والنفاق حفظا لجاههم وجاه آبائهم قل لمن تبعك يا أكمل الرسل تذكيرا لهم وتحذيرا
تِلْكَ أُمَّةٌ صالحة او طالحة قَدْ خَلَتْ ومضت لَها في النشأة الاخرى جزاء ما كَسَبَتْ من الحسنات والسيئات الصادرة منهم في النشأة الاولى وَلَكُمْ ايضا فيها جزاء ما كَسَبْتُمْ وَبالجملة أنتم لا تُسْئَلُونَ في يوم الجزاء عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ من الصالحات والفاسدات كما لا يسئلون أولئك عن أعمالكم بل كل منكم ومنهم مجزى بضيعته مقضي ببضاعته نعوذ بك من عدلك يا دليل الحائرين ثم لما كان الغالب على رسول الله ﷺ في أوائل حاله وسلوكه توحيد الصفات والأفعال الموروثين له عن آبائه الكرام صلوات الله عليهم وكان ﷺ تابعا لهم في قبلتهم التي كانوا عليها ايضا صورة وحين ظهر وانكشف له ﷺ توحيد الذات وغلبت عليه تجلياتها وإشراقها استغرق ووله بل قد فنى واضمحل وتلاشت فيها هويته وبعد ما أفاق وتنزل عن ولهه واستغراقه خص له سبحانه قبلة مخصوصة ووجهة معينة صورة لتكون آية دالة على قبلته الحقيقية المعنوية ثم لما امره سبحانه بتوجهها واستقبالها وهو في الصلاة الى القبلة التي كان عليها قبل الأمر وتحول نحوها فيها أخذ المنافقون في الغيبة واشتغلوا بالنفاق ونسبوه الى ما هو منزه عنه واغتنموا الفرصة لمقابلته وصمموا العزم لمجادلته أراد سبحانه ان ينبه نبيه بما هم عليه من النفاق والشقاق في امر القبلة على وجه الاخبار
فقال سَيَقُولُ السُّفَهاءُ المعزولون عن مقتضى العقل الجزئى المنشعب من العقل الكل المتفرع عن الاسم العليم مِنَ النَّاسِ المحجوبين بظلمة التعينات عن نور الوجود قولا ناشئا عن محض الغفلة والسفاهة على سبيل الاستهزاء وهو قولهم ما وَلَّاهُمْ واى شيء حولهم وصرفهم اى المؤمنين عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها من قبل مع انها قبلة من يدعون الانتساب إليهم والاقتداء بملتهم قُلْ لهم يا أكمل الرسل على وجه التنبيه والإرشاد بلسان التوحيد الذاتي بعد انكشافك به لِلَّهِ المنزه عن مطلق الأماكن والجهات المتجلى فيها الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ اى جميع مما يتوهم من الزمان والمكان والجهة والكل انما هي مظاهر ذاته ومجالي أسمائه وصفاته يَهْدِي بحبه الذاتي مَنْ يَشاءُ من عباده المتوجهين نحو جنابه إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ موصل الى وحدة ذاته من اى مكان كان وفي اى جهة وزمان وآن وشأن إذ هو محيط بكلها
وَكَذلِكَ اى مثل الصراط المستقيم الموصل الى وحدة ذاتنا المعتدل المتوسط بين الطرق قد جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً معتدلة قابلة للخلافة والنيابة في تولية الأمور بين عموم العباد لِتَكُونُوا شُهَداءَ قوامين بالقسط عَلَى النَّاسِ الغافلين عن التوجه إلينا وَكذلك أرسلنا إليكم رسولا منكم حتى يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً حفيظا لكم يحفظكم ويمنعكم عن كلا طرفي الإفراط والتفريط في عموم ما صدر عنكم من الأمور فعليكم ان تلازموا وتداوموا لامتثال
стр. 55
ما جاء به رسولكم من عند ربكم لتكونوا هادين مهتدين اليه سبحانه على الصراط المستقيم وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ اى قبلتك يا أكمل الرسل الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها قبل هجرتك منها إِلَّا لِنَعْلَمَ اى نميز ونفصل مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ الهادي الى توحيد الذات مِمَّنْ يَنْقَلِبُ اى يعود ويرجع عَلى عَقِبَيْهِ اى توحيد الصفات والأفعال قبل الوصول الى توحيد الذات وَإِنْ كانَتْ الوصلة الى الوحدة الذاتية لَكَبِيرَةً ثقيلة شاقة إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ الى وحدة ذاته حيث وفقهم الى الايمان والإطاعة بمن يرشدهم ويهديهم اليه وَما كانَ اللَّهُ الحكيم المظهر لأشباحكم لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ بعد ما وفقكم اليه إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ الذين يؤمنون على وجه الإخلاص بالرسول الهادي لهم الى توحيد الذات ويصدقون بجميع ما جاء به من عنده لَرَؤُفٌ عطوف رَحِيمٌ مشفق يوصلهم الى غاية ما يظهر هم لأجله بفضله وطوله ثم لما انكشف له ﷺ توحيد الذات حقيقة ومعنى واستغرق فيها وتوجه نحوها منخلعا عن مقتضيات الأفعال والصفات مجردا عن لوازم الهويات مطلقا انتظر ﷺ الوحى والإلهام المطابق لهذا الانكشاف بحسب الصورة ايضا
فقال سبحانه قَدْ نَرى نطلع ونعلم حين انكشافك بوحدة ذاتنا تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ اى نحو عالم الأسماء والصفات التي هي منبع الوحى والإلهامات منتظرا للوحى المتضمن للتوجه الصوري فَلَنُوَلِّيَنَّكَ بعد انكشافك المعنوي قِبْلَةً صورية تَرْضاها أنت بها لكونها مناسبة لقبلتك المعنوية مشيرة إليها فَوَلِّ يا أكمل الرسل بعد ما عينا لك قبلة معينة وَجْهِكَ الذي به مواجهتك صورة شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ اى جهة المسجد الذي يحرم فيه التوجه الى غير الذات البحت الخالص عن عموم الإضافات والاعتبارات مطلقا وَلا تختص هذه الكرامة لك بل تسرى منك الى جميع من تبعك من المؤمنين حَيْثُ ما كُنْتُمْ أنت وهم من مراتب الوجود ومقامات الشهود وبعد ما سمعتم ما سمعتم من الكرامة الإلهية لكم فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ الفائضة لكم ايها المؤمنون المخلصون من ربكم شَطْرَهُ لتكونوا من زمرة المهتدين المنكشفين بوحدة ذاته سبحانه وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ من اليهود والنصارى لَيَعْلَمُونَ يقينا بشهادة كتبهم ورسلهم أَنَّهُ اى شأن انكشافك وتحققك يا أكمل الرسل بالتوحيد الذاتي الْحَقُّ الثابت المنزل مِنْ رَبِّهِمْ الذي رباهم بإعطاء العقل المميز بين الحق والباطل والمحق والمبطل ومع ذلك ينكرون لك ولدينك وكتابك عنادا ومكابرة وَمَا اللَّهُ المطلع على عموم ما جرى في صدور عباده بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ من الإخفاء والستر سيما بعد الوضوح والكشف
وَالله لَئِنْ أَتَيْتَ أنت يا أكمل الرسل الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ نازلة لك دالة على توحيد الذات الذي هو مقصدك الأقصى ومطلبك الأعلى ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ لشدة انهماكهم في الغفلة والضلال وَما أَنْتَ ايضا بعد ما انكشف لك الأمر يقينا بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ التي توجهوا إليها ظنا وتخمينا وَايضا ما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ لتفاوت ظنونهم وآرائهم وَالله لَئِنِ اتَّبَعْتَ أنت يا أكمل الرسل أَهْواءَهُمْ الباطلة مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ اليقيني المطابق لليقين العيني بل للحقى إِنَّكَ مع اصطفائنا إياك واجتبائنا لك إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ المعرضين عنا بعد ما وفقناك وأرشدناك الى الكعبة الحقيقية وهذا تهديد لرسول الله ﷺ بعد تمهيد وحث له ﷺ لدوام التوجه على ما انكشف له من توحيد الذات وتحريض للمؤمنين على متابعته ﷺ في دوام التوجه والميل اليه ومثله
стр. 56
في القرآن كثير
ثم قال سبحانه الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ المبين لهم طريق توحيد الصفات والأفعال المنبه لهم على توحيد الذات وعلى من يظهر به هم يَعْرِفُونَهُ اى النبي الموعود الذي جاء به بالأوصاف والخواص المبينة في كتابهم كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ الذين هم خلقوا من أصلابهم بل أشد من ذلك لإمكان الخلاف في أبنائهم دونه وَمع ذلك إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ عنادا واستكبارا لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ الثابت في كتابهم وَهُمْ ايضا يَعْلَمُونَ حقيته جزما وما يكتمونه إلا مكابرة وعنادا
وبالجملة الْحَقُّ الذي أنت قد ظهرت به ونسخت عموم الأديان والاحكام بسببه انما هو ناش مِنْ رَبِّكَ الذي أظهرك مظهرا كاملا لذاته فَلا تَكُونَنَّ أنت ومن تبعك مِنَ الْمُمْتَرِينَ الشاكين في توحيد الذات كما كنتم قبل الانكشاف
اعلموا ان كُلٍ
اى لكل فرد فرد من افراد الأمم جْهَةٌ
مقصد وقبلة معينة من الأوصاف والأسماء الذاتية الإلهيةوَ مُوَلِّيها
حسب اقتضائها الذاتي وغلبتها الحقيقيةاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
اى بادروا ايها المحمديون الى منشأ جميع الخيرات ومنبع عموم المبرات الناشئة من الأسماء والصفات الا وهو الذات الوحدانية المستجمعة لجميعهايْنَ ما تَكُونُوا
من مقتضيات الأوصاف والأسماء الذاتيةأْتِ بِكُمُ اللَّهُ
اى الذات الجامعة لهامِيعاً
مجتمعين بعد رفع التعينات الناشئة من الصفات نَّ اللَّهَ
المتجلى بالأوصاف الذاتيةلى كُلِّ شَيْءٍ
من المظاهر المتعينة المتكثرة بحسب المبدأ والاسم الظاهردِيرٌ
على رفع التعينات المسقط لجميع الكثرات بحسب المعاد والاسم الباطن
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ أنت يا أكمل الرسل عن مقتضى كعبة الذات بغلبة حكم بعض الصفات فَوَلِّ وَجْهَكَ منها متذكرا شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وكعبة الذات المحرم فيه التوجه الى السوى والغير مطلقا وَإِنَّهُ اى شأن التوجه نحوه لَلْحَقُّ اى الثابت النازل مِنْ رَبِّكَ الذي رباك بمقتضى جميع أوصافه وأسمائه وَاعلم انه مَا اللَّهُ المطلع على عموم السرائر والخفايا بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أنت ومن اتبعك وعلى مقتضى علمه تجازون أنتم في يوم الجزاء
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ أنت يا أكمل الرسل عن مقتضى توحيد الذات بتكفير بعض المظاهر وبترك ما يستقبلونه أولئك المستقبلون فَوَلِّ أنت وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الجامع لجميع المظاهر ونحو قبلة الذات وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ أنتم ايها المؤمنون فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ اقتداء لرسولكم لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ المعترضين عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ غلبة بادعائكم التوحيد الذاتي وإخراجكم بعض المظاهر منه إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ بنفي ذات الله وصفاته الا وهم الدهريون القائلون بوجود الطبائع بلا فاعل خارجى فإنهم لا يلزمون ولا ينزجرون بأمثاله فَلا تَخْشَوْهُمْ ولا تخافوا منهم في التوجه الى الكعبة الحقيقية ولا تبالوا بهم وبهذياناتهم بل وَاخْشَوْنِي في عدم التوجه الى حتى لا تحرموا عن مقتضيات بعض الأوصاف وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي الواصلة حسب أوصافي وأسمائي واوفرها عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ الى ذاتى بسببها ومن إتمام نعمنا عليكم انا قد هديناكم الى جهة الكعبة الحقيقية وأمرناكم بالتوجه نحوها والعكوف حولها
كَما أَرْسَلْنا من مقام جودنا فِيكُمْ رَسُولًا هاديا لكم ناشئا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ أولا آياتِنا اى آثار اوصافنا الدالة على وحدة ذاتنا وَثانيا يُزَكِّيكُمْ من الأهواء الباطلة والآراء الفاسدة الصادرة من العقل الجزئى الغير المتصل بعقل الكل وَثالثا يُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ الموضح للدلائل والآيات المبين للآراء والمعتقدات المميز الفاصل بين صحيحها
стр. 57
وفاسدها وَرابعا يظهر لكم الْحِكْمَةَ الموصلة الى توحيد الذات وَبعد ذلك يُعَلِّمُكُمُ من الحقائق والمعارف المكتسبة والموروثة ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ أنتم لولا إرشاده وإرساله سبحانه وبعد ما أنعمنا عليكم بهذه النعم العظام وأتممناها لكم
فَاذْكُرُونِي ايها المؤمنون الموحدون المحمديون بالميل الدائم والتوجه التام الصادق أَذْكُرْكُمْ انا إياكم بنفثات رحمانية ونسمات روحانية وَاشْكُرُوا لِي باسناد النعم الى وَلا تَكْفُرُونِ باسنادها الى الوسائل والأسباب العادية
ثم انه لما بالغ سبحانه في التنبيه والإرشاد إياهم وناداهم رجاء ان يتنبهوا له مع ان فطرتهم الاصلية مجبولة على التوحيد الذاتي فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بتوحيد الذات اسْتَعِينُوا لتحققه وانكشافه بِالصَّبْرِ على ما جرى عليكم من البليات المنفرة لنفوسكم وَالصَّلاةِ اى الميل الدائم الى جنابه بجميع الأعضاء والجوارح إِنَّ اللَّهَ المتجلى بجميع أوصاف الكمال مَعَ الصَّابِرِينَ المتحملين للبلاء الى ان كوشفوا به سبحانه رب اجعلنا من زمرة عبادك الصالحين الصابرين
وَمما يستعان به على تجرع مرارة الصبر الى ان ينكشف سره الجهاد ولذلك لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ طالبا الوصول الى بابه أَمْواتٌ كالأموات الاخر بَلْ هم أَحْياءٌ بالحيوة الحقيقية باقون بالبقاء الأزلي الأبدي الإلهي وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ أنتم بحياتهم ما دمتم محجوبين بالحيوة المستعارة المستهلكة الدنياوية وما هي في الحقيقة الا عكس منها موت في نفسها
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ والله لنختبرن ولنجربن تمكنكم ورسوخكم في توحيد الذات بِشَيْءٍ قليل مما يشعر بالكثرة والاثنينية مِنَ الْخَوْفِ الحاصل من المنفرات الخارجية مثل الحرق والغرق والعدو وغير ذلك وَالْجُوعِ الحاصل من المنفرات الداخلية كالحرص والأمل والبخل والحسد وغيرها وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ التي تميل قلوبكم إليها بالطبع وَالْأَنْفُسِ التي تظاهرون وتفتخرون بها من الأولاد والاخوان والعشائر والأقران وَالثَّمَراتِ المترتبة على الأموال والأولاد من الجاه والثروة والمظاهرة والغلبة على الخصماء وغير ذلك وَبَشِّرِ يا أكمل الرسل الصَّابِرِينَ من اهل التوحيد
يعنى الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا بلسان الجمع إِنَّا لِلَّهِ اى نحن اظلال الله الواحد الأحد المتجلى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا في النشأة الاولى وَإِنَّا بعد انقضاء نشآتنا هذه إِلَيْهِ لا الى غيره من العكوس والاظلال راجِعُونَ عائدون صابرون رجوع الظل الى ذي الظل
وبالجملة أُولئِكَ السعداء المتمكنون في مقر التوحيد المستمسكون بحبل التفويض والتسليم عَلَيْهِمْ دائما متواليا صَلَواتٌ جذبات وخطفات ناشئة من سحائب اللطف والكرم الإلهي مشتملة على مياه العلوم اللدنية المترشحة المنشعبة من بحر الذات الجارية على جداول الأسماء والصفات الفائضة الى فضاء الظهور لا نبات المعارف والحقائق في أراضي الاستعدادات الموصلة الى النعيم المقيم الدائم واللذة المستمرة الباقية ازلا وابدا نازلة لهم دائما مِنْ رَبِّهِمْ الذي أوصلهم الى مقر عزه وَرَحْمَةٌ فائضة شاملة لهم ولغيرهم حسب وفورها وسعتها وَبالجملة أُولئِكَ السعداء الواصلون هُمُ الْمُهْتَدُونَ الى المبدأ الحقيقي والمنزل الأصلي المقصورون على الهداية والفلاح الأبدي السرمدي
ثم لما نبه سبحانه الى الكعبة الحقيقية بالكعبة الصورية أراد أن ينبه على اماراتها بشعائرها وعلاماتها فقال إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ اى الجبلان المعروفان اللذان هما كنايتان عن نشأتى الظهور والبطون مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ وامارات توحيده فَمَنْ حَجَّ وقصد الْبَيْتَ الصوري الممثل من البيت المعنوي والمنزل الحقيقي والمرجع
стр. 58
الأصلي على الوجه المفروض أَوِ اعْتَمَرَ على الوجه المسنون قاصدا فيه التوجه الى الذات الاحدية معرضا عن العلائق المادية المانعة منه فَلا جُناحَ اى لا تعب ولا ضيق عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما اى يسعى بينهما معتقدا ارتباطهما الى ان ينكشف باتحادهما وَمَنْ تَطَوَّعَ وقصد بطوافهما خَيْراً زائدا على ما امر وفرض فَإِنَّ اللَّهَ الميسر له شاكِرٌ راض بفعله عَلِيمٌ بنيته وإخلاصه
ثم قال سبحانه إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ويسترون ما أَنْزَلْنا في التورية مِنَ الْبَيِّناتِ الدالة على ظهور نبي يغلب عليه توحيد الذات وَالْهُدى المشير الى انه مبعوث الى كافة البرايا ناسخ لجميع الأديان إذ به يتم امر التكميل والإرشاد ولا بعثة بعد ظهوره بل ختم به ﷺ امر الإرسال والإنزال والتديين والتشريع والحال ان كتمانهم مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ وأوضحناه لِلنَّاسِ الناظرين فِي الْكِتابِ المستفيدين منه المتأملين فيه يعنى التورية أُولئِكَ الكاتمون المفرطون يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ اى يطردهم ويبعدهم عن عز حضوره لخروجهم عن مقتضى العبودية بكتمان ما أراد الله ظهوره وَايضا يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ المتحققون باعتدال العبودية المواظبون على ما أمروا حسب وسعهم وطاقتهم
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا منهم عن الكتمان ورجعوا عن البغي والعدوان وأظهروا جميع ما ظهر لهم ولاح لديهم من آيات كتابهم وَأَصْلَحُوا بالإظهار عموم ما أفسدوا على نفوسهم بالكتمان وَبَيَّنُوا ما بينهم الله في كتابه من وصف نبيه المبعوث الى كافة الأمم وعامة البرايا فَأُولئِكَ التائبون المخلصون المصلحون المنيبون المبينون عموم ما ظهر لهم في كتابهم أَتُوبُ عَلَيْهِمْ من العصيان ان اقبل منهم توبتهم وأتجاوز عن سيئاتهم وزلاتهم وَكيف لا أَنَا التَّوَّابُ الرجاع لهم عما جرى عليهم من العصيان والكفر والطغيان الرَّحِيمُ لهم بعد ما رجعوا الى مخلصين مخبتين
ثم قال سبحانه إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بكتمان ما بين الله في كتابه وَماتُوا وَهُمْ عند موتهم كُفَّارٌ كاتمون ما في كتاب الله من أوصاف رسوله أُولئِكَ المصرون المعاندون في امر الكتمان سيما بعد الظهور مكابرة ينزل عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ طرده وتبعيده دائما مستمرا منحصرا عليهم غير منفك عنهم كما تقتضيه الجملة المعبرة عنه بخلاف اللعنة السابقة وَتنزل عليهم ايضا لعنة الْمَلائِكَةِ المستغفرين لمن تاب اللاعنين لمن كابر وأصر وَايضا لعنة النَّاسِ العارفين بحقوق الله المواظبين على أداء آدابه المعتكفين حول بابه أَجْمَعِينَ مجتمعين متفقين ملازمين عليها دائما لخروجهم عن ربقة العبودية
خالِدِينَ فِيها بحيث لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ المترتب عليها لحظة ليتنفسوا وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ اى يمهلون ساعة ليعتذروا
وَإِلهُكُمْ المظهر لكم ايها المؤمنون من كتم العدم واله الكافرين الكاتمين إِلهٌ واحِدٌ لا تعدد فيه ولا اثنينية في ذاته بل لا إِلهَ في الوجود ولا موجود حقيقة إِلَّا هُوَ الوجود الحقيقي الحقي إذ لا كثرة في الوجود المطلق بل هو وحداني الذات فردانى النعت والصفات ليس كمثله شيء ولا دونه حي الرَّحْمنُ المبدئ لكم ولهم عامة باشراق أنوار تجلياته ومد اظلال ذاته على مرآة العدم في النشأة الاولى الرَّحِيمُ المعيد لكم خاصة الى مبدئكم ومقصدكم الحقيقي في النشأة الاخرى
ثم لما كان لوحدته سبحانه آيات ودلائل واضحات لمن تأمل في عجائب مصنوعاته وبدائع مبدعاته ومخترعاته المترتبة على أسمائه وصفاته المستندة الى وحدة ذاته أشار سبحانه الى نبذ منها إرشادا وتنبيها فقال إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ اى اظهار العلويات التي هي عالم الأسماء والصفات المؤثرة الفاعلة
стр. 59
وَالْأَرْضِ اى اظهار السفليات التي هي عالم الطبائع والأركان القابلة المتأثرة من العلويات «٢» وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ اى ظلمة العدم والجهل والعمى وَالنَّهارِ نور الوجود واليقين والعلم وَالْفُلْكِ اى الأجساد الحاصلة بين تأثير الأسماء وتأثر الطبيعة منها الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ اى بحر الوجود الذي لا ساحل له ولا قعر بِما يَنْفَعُ النَّاسَ من جواهر المعارف ودرر الحقائق المستخرجة منه وَما أَنْزَلَ اللَّهُ بمقتضى كرمه وجوده مِنَ السَّماءِ المعدة للافاضة مِنْ ماءٍ علم وعين وكشف فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ اى طبيعة العدم بَعْدَ مَوْتِها بالجهل الجبلي وَبعد ما أحياها قد بَثَّ ونشر وبسط فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ من القوى المدركة والمحركة المنشعبتين بالشعب الكثيرة المترتبتين على صفة الحيوة المتفرعة على التجلي الحبى وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ المروحة للنفوس المتوجهة نحو المبدأ الناشئة المنتشئة من النفس الرحمانى ونحو الطبيعة المكدرة بالكدورات الجسمانية وَالسَّحابِ اى حجاب العبودية وقيود الغيرية الناشئة من مقتضيات الأسماء والصفات الْمُسَخَّرِ الممدود بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ اى سماء الأسماء الإلهية وارض الطبيعية الكونية لَآياتٍ دلائل قاطعات وبراهين ساطعات دالة على ان مظهر الكل واحد لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ اى يعلمون الأشياء بالدلائل العقلية اليقينية المنتجة لعلم اليقين المؤدى الى العين والحق لو كوشفوا ربنا اكشف علينا عموم ما قد أودعت فينا من بدائع ودائعك بفضلك وجودك انك أنت الجواد الكريم
وَمع ظهور لوامع هذه الآيات الواضحات وشروق أنوار هذه الشواهد العينية وبروق اشعة تلك الواردات الغيبية الدالة على وحدة الذات مِنَ النَّاسِ المجبولين على فطرة التوحيد القابلين لها مَنْ يَتَّخِذُ منهم جهلا وعنادا مِنْ دُونِ اللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد المفنى للكثرة والتعدد مطلقا أَنْداداً أمثالا أحقاء للالوهية والربوبية مستحقين للعبادة بحيث يُحِبُّونَهُمْ اى كل منهم معبودهم كَحُبِّ اللَّهِ الجامع للكل لحصر كل طائفة منهم مرتبة الألوهية في مظهر مخصوص وسموه معبودا مستحقا للعبادة ورجعوا نحوه في عموم الوقائع والملمات لذلك كفروا بالله وَالَّذِينَ آمَنُوا بوحدة الله هم أَشَدُّ حُبًّا منهم لِلَّهِ المحيط للكل الحقيق بالحقية لحصرهم الألوهية والربوبية والتحقق والوجود والهوية والذات والحقيقة والصفات كلها الى الله لا الى غيره إذ لا غير في الوجود معه بل لا اله الا هو وكل شيء هالك الا وجهه له الحكم في النشأة الاولى واليه الرجوع في النشأة الاخرى أذقنا بلطفك حلاوة اليقين وارزقنا محبة المؤمنين الموقنين وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا في النشأة الاولى حين خرجوا عن طريق التوحيد وانصرفوا عن الصراط المستقيم واتخذوا أمثالا لله يحبونهم كحب الله تقليدا لرؤسائهم ما يرون وقت إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ النازل عليهم ولرؤسائهم في النشأة الاخرى باتخاذهم آلهة باطلة من أَنَّ الْقُوَّةَ الكاملة والقدرة الشاملة الجامعة والحول المطلق لِلَّهِ المتفرد بالمجد والبهاء جَمِيعاً يومئذ وَمن أَنَّ اللَّهَ المتردي برداء العظمة والكبرياء شَدِيدُ الْعَذابِ صعب الانتقام سريع الحساب يعنى لو ظهر لهم ولاح لديهم في الدنيا ما سيظهر ويلوح عليهم في النشأة الاخرى من ان الحول والقوة والعزة والعظمة لله بالاستقلال والانفراد بلا مشاركة ولا مظاهرة أصلا لتبرءوا البتة عن آلهتهم ومتبوعيهم في الدنيا ايضا كما تبرؤا عنهم في الآخرة
اذكر لهم يا أكمل الرسل وقت إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا من الأنداد والأمثال مِنَ
стр. 60
الَّذِينَ اتُّبِعُوا لهم من المتخذين وَذلك حين رَأَوُا اى المتبوعون المعبودون الْعَذابَ النازل على تابعيهم باتخاذهم آلهة وكذبوهم وأظهروا البراءة عنهم ليبرؤا نفوسهم عن الإضلال والتضليل والتابعون ايضا بعد ما يرونهم كذلك ويفهمون منهم براءتهم عنهم أخذوا يقصدون انتقامهم وَلا يستطيعون إذ قد تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ اى اسباب الانتقام بانقطاع النشأة الاولى
وَبعد ما ايسوا من الانتقام قالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا نادمين متحسرين متمنين لَوْ أَنَّ لَنا ولهم كَرَّةً مكررة في النشأة الاولى مرة اخرى فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ فيها تلافيا وتداركا لما مضى من اتخاذنا إياهم آلهة كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا أولئك في هذه النشأة الاخروية وبالجملة ما ينفعهم هذه الندامة والتمني بل ما يزيدهم إلا غراما فوق غرام وأواما غب أوام كَذلِكَ اى مثل عذابهم على قدر اتخاذهم يُرِيهِمُ اللَّهُ اى يحضرهم أَعْمالَهُمْ الفاسدة السابقة كلها ويعذبهم عليها فردا فردا ويقول لهم ماذا تقولون فيه وما لهم في تلك الحالة سوى حَسَراتٍ نازلة عَلَيْهِمْ من تذكر سوء عملهم وقبح صنيعهم وهذا من أسوأ العذاب وأشد العقاب أعاذنا الله من ذلك وَبالجملة ما هُمْ لا التابعون ولا المتبوعون بِخارِجِينَ ناجين ابدا مِنَ النَّارِ اى نار البعد والإمكان المورث لهم من اصناف البغي والعدوان المورث لانواع الخيبة والخذلان اجرنا من النار يا مجير ثم لما بين سبحانه طريق توحيده على خلص عباده المتوجهين نحو جنابه تطهيرا لبواطنهم عن خبائث الأهواء الباطلة والآراء الفاسدة أراد أن يرشدهم الى تهذيب ظواهرهم ايضا وتحليتهم بالخصال الحميدة الجميلة والأخلاق المرضية المعتدلة ليكون ظاهرهم عنوانا لباطنهم
فقال مناديا لهم إشفاقا وإرشادا يا أَيُّهَا النَّاسُ المجبولون على فطرة التوحيد كُلُوا وتناولوا من جميع ما خلق لكم فِي الْأَرْضِ لتقويم مزاجكم وتقويته حَلالًا إذ الاصل في الأشياء الحل ما لم يرد على حرمته الشرع طَيِّباً مما يحصل بكد يمينكم وعرق جبينكم إذ لا رزق أطيب منه وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ اى لا تقتدوا ولا تقتفوا في تحصيل الرزق اثر وساوس شياطين الأهواء والآراء المضلة عن طريق الحق المفضية الى سبيل الظلم والعدوان ولا تغتروا بتمويهات الشيطان وتزييناته «٢» إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة عند ذوى البصائر الناظرين بنور الله المقتبسين من مشكاة توحيده
إِنَّما يَأْمُرُكُمْ ويغرركم بِالسُّوءِ اى الخصلة الذميمة وَالْفَحْشاءِ الظاهرة القبيحة ليخرجكم عن حدود الله الموضوعة فيكم لتهذيب ظاهركم وَأَنْ تَقُولُوا بعد ما خرجتم عن حدود الشرع عَلَى اللَّهِ المتوحد المتفرد المنزه في ذاته ما لا تَعْلَمُونَ لياقته في حقه من حصره في الأنداد والأشباه واثبات الولد له والمكان والجهة والجسم تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اى للمتبعين خطوات الشيطان امحاضا للنصح وتحريكا لحمية الفطرة الاصلية اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ على نبيه من الهدى والبينات لتهتدوا الى توحيد الله قالُوا في الجواب بإلقاء شياطينهم لا نتبع ما القيتم أنتم علينا من المزخرفات بَلْ نحن ما نَتَّبِعُ الا ما أَلْفَيْنا وما وجدنا عَلَيْهِ آباءَنا وهم اعقل منا ومنكم قل لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا توبيخا وتقريعا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ الضالون الجاهلون لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً من شعائر
стр. 61
الدين وَلا يَهْتَدُونَ أصلا الى مرتبة الايمان واليقين فتتبعونهم ايها الضالون الجاهلون وتقتفون أثرهم ايها المسرفون المفرطون
وَان شئت يا أكمل الرسل زيادة تفضيحهم اذكر للمؤمنين قولنا مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا تقليدا لآبائهم مع قابليتهم واستعدادهم للايمان كَمَثَلِ الشخص الَّذِي يَنْعِقُ يخاطب ويصوت من سفاهته بِما اى بجماد لا يَسْمَعُ منه شيأ في مقابلته إِلَّا دُعاءً وَنِداءً منعكسة من دعائه وندائه شبه حالهم في السفاهة والحماقة بحال من يصوت نحو الجبل فيسمع منه صوته منعكسا فيتخيل من سفاهته انه يتكلم معه والحال ان آباءهم ايضا أمثالهم صُمٌّ كانوا لا يسمعون دعوة الحق من السنة الرسل بُكْمٌ لا يتكلمون بما ظهر لهم من الحق الصريح نقلا او عقلا عُمْيٌ ايضا لا يبصرون آثار الصفات وأنوار تجليات الذات الظاهرة على الآفاق وبالجملة فَهُمْ وآباؤهم من غاية انهماكهم في الغفلة والنسيان كأنهم جمادات لا يَعْقِلُونَ ولا يخلقون من زمرة العقلاء نبهنا بفضلك عن سنة الغفلة ونعاس النسيان
ثم ناداهم سبحانه وأوصاهم بما يتعلق بأمور معاشهم بقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ اى مزكيات ما أحل لكم من الحيوانات وسقناه نحوكم تفضلا منا عليكم تقويما وتعديلا لأمزجتكم وَبعد تقويتنا وتعديلنا إياكم اشْكُرُوا لِلَّهِ المنعم المتفضل المربى لكم بلا التفات الى الوسائل والوسائط إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ لا الى غيره من الأسباب والوسائل تَعْبُدُونَ وتحصرون العبادة له قل لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ اى ما حرم ربكم عليكم في دينكم من الحيوانات الا الْمَيْتَةَ التي ماتت حتف أنفها بلا تزكية وتهليل وَالدَّمَ السائل على اى وجه كان وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ المرخص في الأديان الاخر لنجاسة عينه وخباثة طبعه شرعا وَما أُهِلَّ اى الحيوان الذي ذبح وصوت بِهِ لِغَيْرِ اسم اللَّهِ عند ذبحه بل من اسماء الشياطين والأصنام وانما حرم عليكم هذه المحرمات وقت سعتكم فَمَنِ اضْطُرَّ منكم بأكلها حال كونه غَيْرَ باغٍ للولاة القائمين بأوامر الله المقيمين لأحكامه الحافظين لحدوده وَلا عادٍ مجاوز عن سد الجوعة الى وقت السعة فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ان تناول منها مقدار سد الرمق إِنَّ اللَّهَ الحكيم المرخص لكم في أمثال هذه المضائق والاضطرار غَفُورٌ ساتر لكم عن أمثال هذه الجرأة رَحِيمٌ عليكم بهذه الرخصة
ثم قال سبحانه إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ المدبر لأمور عباده مِنَ الْكِتابِ المبين لهم طريق الرشاد والسداد ويظهرون بدله ما تشتهيه نفوسهم وترتضيه عقولهم عتوا واستكبارا وَيَشْتَرُونَ بِهِ اى بكتمان كتاب الله ثَمَناً قَلِيلًا من ضعفاء الأنام على سبيل التحف والهدايا أُولئِكَ الأشقياء الكاتمون طريق الحق الناكبون عن منهج الصدق ما يَأْكُلُونَ وما يغتذون ويتناولون بهذه الحيلة والتزوير ولا يستحيل فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ اى نار الحرص والطمع المقتبسة من نيران الإمكان المنتهية الى نار الجحيم أعاذنا الله وعموم عباده منها وَمن فظاعة أمرهم وشناعة صنيعهم لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ المستكشف عن احوال العباد يَوْمَ الْقِيامَةِ ليجزيهم على مقتضى أعمالهم التي كانوا عليها في النشأة الاولى بل يسوقهم الى النار بلا كشف وتفتيش عن جالهم وَبعد ما ساقهم إليها لا يُزَكِّيهِمْ ولا يطهر هم الله بها كما يطهر عصاة المؤمنين بالنار ثم يخرجهم الى الجنة بل يبقون فيها خالدين وَلَهُمْ فيها عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم غير منقطع إيلامه ابدا
أُولئِكَ الضالون الخاسرون الَّذِينَ هم اشْتَرَوُا واستبدلوا الضَّلالَةَ المستتبعة لهذا النكال بِالْهُدى الموصل الى النعيم الدائم في النشأة الاولى وَالْعَذابَ المؤلم المزعج
стр. 62
بِالْمَغْفِرَةِ الملذة المستمرة في النشأة الأخرى فَما اعجب حالهم ما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ بارتكاب تلك الموجبات المؤدية إليها
ذلِكَ النكال والعذاب بِأَنَّ اللَّهَ المرشد لهم الى التوحيد الذاتي قد نَزَّلَ الْكِتابَ اى القرآن المبين لهم طريقة التوحيد والعرفان ملتبسا بِالْحَقِّ الصريح الثابت في الواقع وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي حقية الْكِتابَ وتبيينه لَفِي شِقاقٍ خلاف ونفاق بَعِيدٍ بمراحل عن الحق والوفاق حققنا بفضلك حقية ما أنزلت علينا بمقتضى جودك
ثم لما اختلف الناس في امر القبلة واهتموا بشأنها بان حصروا البر والخير كله فيها أشار سبحانه الى تخطئتهم ونبه على البر الحقيقي والخير الذاتي بقوله لَيْسَ الْبِرَّ اى ليس الخصال السنية والأخلاق المرضية مجرد أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ مثلا بلا اتصاف بالعزائم والحكم المترتبة على تشريع القبلة وَلكِنَّ الْبِرَّ الحقيقي مَنْ آمَنَ وصدق منكم بِاللَّهِ المنشئ المظهر لكم من كتم العدم بعد ان لم تكونوا شيأ مذكورا وَالْيَوْمِ الْآخِرِ المعد لجزاء الأعمال وَالْمَلائِكَةِ المهيمين الوالهين في مطالعة جمال الله المستغفرين لمن آمن وعمل صالحا من خلص عباده وَالْكِتابِ يعنى صدق ايضا بالكتاب المبين لكم طريق الهداية وَالنَّبِيِّينَ المبعوثين إليكم به ليرشدوكم الى مقاصده ويبينوا لكم ما فيه من المعارف والحقائق وَبعد الايمان بالمذكورات آتَى الْمالَ المانع من التوجه الحقيقي وأنفقه عَلى حُبِّهِ سبحانه طالبا لرضاه على المحتاجين أولاهم إعطاء ذَوِي الْقُرْبى المنتمين اليه من قبل أبويه وَالْيَتامى الذين لا متعهد لهم من الوالدين وذوى القربى وَالْمَساكِينَ الذين أسكنهم الفقر العارض من عدم مساعدة آلات الكسب والحوادث الاخر وَابْنَ السَّبِيلِ القرباء الذين لا يمكنهم التصرف في أموالهم لوقوع البون بينهم وبين أوطانهم وأموالهم وَالسَّائِلِينَ الذين قد الجأهم الاحتياج مطلقا الى السؤال من اى وجه كان وَفِي الرِّقابِ من الإسراء الموثقين في يد العدو والمكاتبين الذين لا يقدرون على تفكيك رقابهم من مواليهم وغير ذلك من المضطرين وَأَقامَ الصَّلاةَ بان ادام الميل والتوجه بجميع الأعضاء والجوارح نحوه سبحانه في جميع الأوقات خصوصا في الأوقات المخصوصة التي فرض فيها الصلاة وَآتَى الزَّكاةَ المفروضة المقدرة في كتاب الله وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا كلهم من خيار الأبرار وَبشر من بينهم يا أكمل الرسل الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ اى الفقر المكسر للظهر وَالضَّرَّاءِ المرض المسقم للجسم وَخصوصا الغزاة الذين صبروا حِينَ الْبَأْسِ من اقتحام العدو بالانعامات العلية والكرامات السنية أُولئِكَ الأبرار والأحرار الصابرون في البلوى المرجحون لرضاء المولى على أنفسهم هم الَّذِينَ صَدَقُوا في أقوالهم وأصلحوا أفعالهم وأعمالهم وأخلصوا في نياتهم وَبالجملة أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ المحفوظون عن عموم ما خيف عليهم من الأمور المنافية للأمور الدينية الواصلون الى مرتبة التحقيق واليقين ربنا اجعلنا منهم بلطفك وكرمك يا ارحم الراحمين ثم ناداهم سبحانه إصلاحا لهم فيما يقع بينهم من الوقائع الهائلة والفتن العظيمة الحادثة من ثوران القوة الغضبية وطغيان الحمية الجاهلية المؤدية الى قتل البعض بعضا ظلما وعدوانا
فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم وتوحيدكم المحافظة عليه بزجر النفس الامارة بالسوء من مقتضياتها المنشعبة من القوى البشرية وان وقع فيكم أحيانا فاعلموا انه قد كُتِبَ وفرض عَلَيْكُمُ في دينكم الْقِصاصُ بالمثل فِي الْقَتْلى المقتولين عمدا فيقتل الْحُرُّ القاتل بِالْحُرِّ المقتول عمدا وَكذا الْعَبْدُ
стр. 63
القاتل بِالْعَبْدِ المقتول كذلك وبالحر بالطريق الاولى وَكذا تقتل الْأُنْثى القاتلة حرة كانت اوامة بِالْأُنْثى المقتولة ايضا كذلك كل لنظيرتها قياسا على الحر والعبد والامة بالحرة بالطريق الاولى وكذا بالذكرين منهما واما قتل الحر والحرة بالعبد والامة فقد خولف فيه والظاهر انه لم يقتل فَمَنْ عُفِيَ لَهُ اى للجاني والقاتل مِنْ أَخِيهِ اى من الحقوق والسهام المشتركة بين الغرماء الطالبين منه قصاص أخيهم المسلم المقتول بيده ظلما شَيْءٌ قليل من الحقوق المذكورة فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ اى فالحكم اللازم عليكم في دينكم ايها الغرماء متابعة المعروف المستحسن عند الله وعند المؤمنين الا وهو الرجوع الى الدية وعدم القصاص وَعليك ايها الجاني أَداءٌ اى أداء الدية التي هي فدية حياتك إِلَيْهِ اى الى ولى المقتول بِإِحْسانٍ معتذرا نادما متذللا على وجه الانكسار بلا مطل وتسويف ذلِكَ اى سقوط القصاص بعد عفو البعض ولزوم الدية بدله تَخْفِيفٌ لكم ايها المؤمنون وإصلاح لحالكم نازل مِنْ قبل رَبِّكُمْ اما التخفيف بالنسبة الى الغرماء فبتسكين القوة الغضبية وتليين الحمية العصبية بالأموال المسرة لنفوسهم بعد وقوع ما وقع واما بالنسبة الى الجاني فظاهر لإبقائه الحيوة بالمال وَرَحْمَةٌ نازلة لكم من ربكم لتصفية كدورتكم الواقعة بينكم بواسطة القتل فَمَنِ اعْتَدى وتجاوز منكم عن الحكم بَعْدَ ذلِكَ المذكور بان قتل الغرماء الجاني بعد عفو البعض وحكم الحاكم بأداء الدية او امتنع الجاني عن أداء الدية على الغرماء بعد الحكم فَلَهُ اى لكل من المعتدين عَذابٌ أَلِيمٌ يؤاخذون في الدنيا بما صدر عنهم ويعاقبون ايضا عليه في الآخرة
وَلَكُمْ ايها الموحدون المكاشفون بسرائر الشرائع والنواميس الإلهية الموضوعة بين المؤمنين في هذه النشأة سيما فِي الْقِصاصِ المسقط للجرائم الصادرة من جوارحكم البادية عليها بغيا وطغيانا حَياةٌ عظيمة حقيقية لكم في النشأة الاخرى إذ لا يؤخذون عليه فيها بعد مؤاخذتكم في النشأة الاولى يا أُولِي الْأَلْبابِ الناظرين بنور الحق في لب الأمور المعرضين عن قشورها لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ رجاء ان تتحفظوا عن مقتضى القوى البهيمية المنافية لطريق التوحيد المبنى على الاعتدال والوفاق المؤدية الى أمثال هذه الجرائم والجنايات الكبيرة
ثم قال سبحانه كُتِبَ عَلَيْكُمْ في دينكم ايضا ايها المؤمنون إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ اى ظهرت أسبابه واماراته إِنْ تَرَكَ خَيْراً مالا كثيرا يقبل التجزية والانقسام المعتد به بلا تحريم الورثة الْوَصِيَّةُ اى الحصة المستخرجة منها لرضاء الله إنفاقا للفقراء المستحقين لها وأفضل الوصية وأولاها الوصية لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ان كانوا مستحقين لها وأفضلها الإخراج بِالْمَعْرُوفِ المعتدل المستحسن بين الناس بحيث لا يتجاوز عن ثلث المال حتى لا يؤدى الى تحريم الورثة وانما فرض الوصية في دينكم ايها المؤمنون حَقًّا لازما عَلَى الْمُتَّقِينَ اداؤه حفظا لغبطة الفقراء ومحبة ذوى القربى وامدادا لهم
فَمَنْ بَدَّلَهُ وغيره من الحضار والأوصياء الشاهدين عليها سيما بَعْدَ ما سَمِعَهُ من الموصى صريحا فَإِنَّما إِثْمُهُ- اى اثم التبديل والتغيير عَلَى المغيرين الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ظلما وزورا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بأقوال الموصى عَلِيمٌ بنيته فيها وبما صدر من المبدلين المغيرين ايضا فيجازى كلا منهم على مقتضى علمه وخبرته
فَمَنْ خافَ من الأوصياء والوكلاء مِنْ مُوصٍ حين الوصية جَنَفاً وميلا ببعض المستحقين ناشئا عن الغفلة بحالهم بلا قصد أَوْ إِثْماً ناشئا عن القصد فَأَصْلَحَ الوصي الخائف بَيْنَهُمْ اى الموصى لهم على مقتضى علمه بأحوالهم فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ اى على الوصي في هذا التبديل والتغيير بل يرجى من الله باصلاحه الثواب له ولمن اوصى اليه ايضا
стр. 64
إِنَّ اللَّهَ المطلع بحالهما غَفُورٌ رَحِيمٌ لكل منهما
ثم لما نبههم سبحانه بنبذ مما يتعلق بتهذيب ظواهرهم أراد أن ينبههم على بعض ما يتعلق بتهذيب بواطنهم فقال ايضا مناديا لهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ في دينكم الصِّيامُ وهو الإمساك المخصوص من طلوع الفجر الثاني الى غروب الشمس في الشهر المعروف والإمساك المطلق والاعراض الكلى عما سوى الحق مطلقا عند اولى النهى واليقين المستكشفين عن سرائر الأمور المتحققين بها حسب المقدور كَما كُتِبَ عَلَى امم الأنبياء الَّذِينَ خلوا مِنْ قَبْلِكُمْ ايها المحمديون وانما فرض عليكم هذا لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ رجاء ان تحفظوا انفسكم عن الإفراط في الاكل المميت للقلب المطفي نيران العشق والمحبة الحقيقية الحقية وإذا فرض عليكم صوموا
أَيَّاماً قلائل مَعْدُوداتٍ هي شهر رمضان فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ حين حضور شهر رمضان الذي فرض فيه الصيام مَرِيضاً مرضا يضره الصوم او يعسر عليه أَوْ حين وروده عَلى جناح سَفَرٍ مقدار مسافة مقدرة في الشرع عند الفقهاء وأفطر رخصة فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يعنى يجب عليه ان يصوم أياما أخر مساوية للأيام المفطرة قضاء بلا كفارة وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ اى الصوم فيفطرونه مع انهم ليسوا مرضى ولا مسافرين فعليهم فِدْيَةٌ هي طَعامُ مِسْكِينٍ اى فدية كل يوم من الأيام المفطرة من رمضان طعام واحد من المساكين بلا قضاء ولا لزوم كفارة عليه هذا في بدء الأمر ثم نسخ بالآية التي ستأتى فَمَنْ تَطَوَّعَ وزاد في الفدية خَيْراً تبرعا زائدا مما كتب له فَهُوَ اى ما زاد عليها خَيْرٌ لَهُ عند ربه يجزيه سبحانه عليه زيادة جزاء وَأَنْ تَصُومُوا ايها المؤمنون المطيقون في وقته بلا تأخير الى القضاء خَيْرٌ لَكُمْ من الفدية والزيادة عليها تبرعا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سرائر الإمساك والفوائد العائدة منها الى نفوسكم من كسر الشهوة والتلقي على الطاعة والتوجه مع الفراغة هذا في بدء الإسلام ثم نسخ بالآية التي ستذكر عن قريب
واعلموا ايها المؤمنون ان أفضل الشهور عند الله وارفعها قدرا ومرتبة شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ اى ابتدأ نزوله او نزل كله فيه بل الكتب الاربعة ايضا قد نزلت كلها فيه على ما نقل في الحديث صلوات الله على قائله وكيف لا يكون أفضل الشهور مع ان القرآن المنزل فيه هُدىً لِلنَّاسِ الموقنين بتوحيد الله المتوجهين نحو جنابه يهديهم الى مرتبة علم اليقين وَبَيِّناتٍ شواهد وآيات واضحات مِنَ الْهُدى الموصل للمستكشفين عن سرائر التوحيد الى مرتبة عين اليقين وَالْفُرْقانِ الفارق لهم بين الحق الذي هو الوجود الإلهي والباطل الذي هو الموجودات الكونية الباطلة المعدومة في أنفسها المنعكسة من آثار الأوصاف والأسماء الإلهية فوصلهم الى مرتبة حق اليقين فَمَنْ شَهِدَ وأدرك مِنْكُمُ الشَّهْرَ المذكور مطيقا بلا عذر فَلْيَصُمْهُ ثلثين يوما حتما بلا إفطار وإفداء لان هذه الآية ناسخة لحكم الآية السابقة وَمَنْ كانَ منكم مَرِيضاً لا يطيق على الصوم فيه خوفا من شدة المرض أَوْ عَلى متن سَفَرٍ فأفطر لدفع الحرج فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ اى لزم عليه صيام ايام أخر قضاء لأيام الفطر بلا لزوم كفارة انما يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ بهذه الرخصة الْيُسْرَ لئلا تتحرجوا وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ لئلا تضطروا وتضطربوا وَانما الزم لكم القضاء بعد الرخصة لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ التي قد فرض لكم الصيام فيها في كل سنة لئلا تحرموا عن منافع الصوم وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ وتعظموه عَلى ما هَداكُمْ الى الرخص عند الضرورة والاضطرار وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ تتنبهون
стр. 65
وتتقربون بشكر نعمه الفائضة عليكم في أمثال هذه المضائق الى ذاته إذ بشكر نعمه يحصل التقرب اليه
وَلذلك اخبر سبحانه نبيه إرشادا لعباده الشاكرين لنعمه عن تقربه إليهم بقوله إِذا سَأَلَكَ ايها الداعي للخلق الى الحق عِبادِي الشاكرين لنعمي عَنِّي بقولهم اقريب إلينا ربنا فنناجيه مناجاتنا لنفوسنا أم بعيد منا فنناديه نداءنا للاباعد عنا قل لهم يا أكمل الرسل في جوابهم نيابة عنى فَإِنِّي قَرِيبٌ لهم من نفوسهم بحيث أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ اى استقبله مسرعا لإجابة دعائه كما نطق به الحديث القدسي حكاية عنه سبحانه فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي في عموم مهماتهم وحاجاتهم وَلْيُؤْمِنُوا بِي معتقدين إيصالي إياهم الى غاية متمناهم إذ لا مرجع لهم غيرى ولا ملجأ لهم سواي وانما أخبروا بما أخبروا وأمروا بما أمروا لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ رجاء ان يهتدوا الى مقر التوحيد راشدين مطمئنين اهدنا بلطفك الى مقر عزك يا هادي المضلين
ثم أشار سبحانه الى بيان احكام الصوم مما يتعلق بالحل والحرمة فيه فقال أُحِلَّ لَكُمْ ايها الصائمون لَيْلَةَ الصِّيامِ دون نهاره إذ الإمساك عن الجماع في يوم الصوم مأخوذ في تعريفه شرعا ايضا الرَّفَثُ الوقاع والجماع إِلى نِسائِكُمْ اى معهن إذ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ لا تصبرون أنتم عنهن لاقتضاء طبعكم وميل نفوسكم إليهن وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ ايضا لا يصبرن عنكم لاشتداد شهوتهن الى الوقاع بأضعاف ما أنتم عليه وانما رخص لكم الوقاع في الليالى إذ قد عَلِمَ اللَّهُ المحيط بسرائركم وضمائركم منكم أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ اى توقعونها بأيديكم الى التهلكة والخيانة فتعاقبون عليها وتحرمون انفسكم عن جزاء الصوم المتكفل له الحق بذاته كما قال ﷺ حكاية عنه سبحانه الصوم لي وانا اجزى به وإذا علم الله سبحانه منكم ما علم فَتابَ عَلَيْكُمْ اى أقدركم على التوبة ووفقكم عليها وَعَفا قد أزال ومحا عَنْكُمْ ما يوقعكم الى الفتنة والعذاب وهو تحريم الرفث في الليلة ايضا وبعد ما رخص لكم الوقاع فيها فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ اى الصقوا بشرتهن ببشرتكم في ليلة الصيام المرخصة فيها الجماع ولا تخافوا من عقوبة الله بعد ما اذن وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ اى اطلبوا سرائر ما قدر الله لكم من الولد الصالح المتفرع على اجتماعكم مع نسائكم إذ سر الجماع والنزوع انما هو إبقاء نوع الإنسان المصور على صورة الرّحمن ليترقى في العبودية والعرفان الى ان يستخلف وينوب عنه سبحانه وَكُلُوا في ليلة الصيام وَاشْرَبُوا فيها حَتَّى يَتَبَيَّنَ يعنى الى ان يظهر لَكُمْ بلا خفاء الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ اى البياض الممتد الذي يقال له في العرف الصبح الصادق مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ البياض المتوهم قبل الصبح الصادق المعبر عنه بالصبح الكاذب وكلاهما مِنَ الْفَجْرِ الذي هو عبارة عن آخر الليل ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ من الوقت المبين إِلى ابتداء اللَّيْلِ وهو غروب الشمس بحيث لا يرى في الأفق الشرقي بياض وحمرة منها وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ في ليلة الصيام ايضا وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ معتكفون فِي الْمَساجِدِ إذ الاعتكاف في الشرع عبارة عن اللبث في المسجد على نية التقرب فيبطله الخروج الا الى التوضى والطهارة. والجماع فيه ليس بمرخص شرعا تِلْكَ الاحكام المذكورة حُدُودُ اللَّهِ الحاجزة بينه وبين نفوس عباده فلكم ان لا تجاوزوا عنها فَلا تَقْرَبُوها ايضا الى حيث يتوهم تجاوزكم عنها كَذلِكَ اى كالحدود والاحكام المأمورة والمنهية المذكورة يُبَيِّنُ اللَّهُ الهادي عموم عباده الى وحدة ذاته جميع آياتِهِ اى دلائله الدالة على وحدة ذاته لِلنَّاسِ الناسين العهود السابقة بواسطة تعيناتهم لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ رجاء ان يحذروا عنها بسبب اشراق نور الوجود
стр. 66
الحقي المفنى لعموم التعينات مطلقا
وَمن جملة الاحكام الموضوعة فيكم لإصلاح حالكم ان لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ اى لا يأكل كل منكم مال الآخر بِالْباطِلِ اى بسبب الباطل الغير المبيح له أكل مال الغير من السرقة والغصب والربوا والرشوة والحيل المنسوبة الى الشرع افتراء ومراء الى غير ذلك مما ابتدعه المتشيخة والفقهاء في الوقائع من الشبه والمخائل ونسبوها الى السمحة السهلة البيضاء المحمدية المنبئة عن الحكمة الإلهية المنزهة عن أمثال تلك المزخرفات الباطلة وَايضا من جملة الاحكام الموضوعة ان لا تُدْلُوا بِها اى لا يحاول بعضكم مال البعض إِلَى الْحُكَّامِ المسلطين عليكم اى لا يفترى بعضكم بعضا افتراء يوقع بينكم العداوة والبغضاء المفضية الى المصادرة والحكومة المستلزمة لاخذ المال من الجانب او من الجانبين لِتَأْكُلُوا اى بالتحاكم إليهم فَرِيقاً اى بعضا او كلا مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ المظلومين بِالْإِثْمِ الصادر عن المدلى المفترى منكم وَأَنْتُمْ ايها المدلون تَعْلَمُونَ انكم آثمون مفترون بك نعتصم عن أمثاله يا ذا القوة المتين.
ثم لما قدر سبحانه في سابق علمه الحضوري سؤال أولئك السائلين عن كمية ازدياد القمر وانتقاصه وبدوه دقيقا رقيقا واستكماله بدرا ورجوعه على ما كان عليه اخبر نبيه ﷺ عما سيسألون إلحاحا واقتراحا امتنانا عليه فقال يَسْئَلُونَكَ ايها الداعي للخلق الى الحق بالحق لترويج الحق عَنِ الْأَهِلَّةِ اى عن كمية اختلافها كمالا ونقصانا قُلْ لهم في جوابهم كلاما ناشئا عن محض الحكمة مطابقا لأسلوب الحكيم مقتضى حالكم وادراككم ان تسئلوا عن الحكم والمصالح المودعة فيها لا عن كمية امر القمر فإنها خارجة عن طوق البشر وطور إدراكه سيما عن احلام العوام إذ نهاية مدرك العقلاء من القمر ان نوره مستفاد من الشمس وانه مظلم في ذاته وان استفادته النور من الشمس بحسب مقابلته لها وعدم ممانعة الأرض منها واما ان الشمس ما هي في حد ذاتها والقمر ما هو والارتباط بينهما على اى وجه فسر لا يحوم حوله احد من خلقه بل هو مما استأثر الله به في علمه فلا يسأل عنه احد بل هِيَ اى الاختلافات الواقعة في القمر زيادة ونقصانا ترقيا وتنزلا لأجل انه مَواقِيتُ معينة لِلنَّاسِ في امور معاشهم من الآجال المقدرة لقضاء الديون والعدة والتعليقات المتعلقة بها وغير ذلك من التقديرات الجارية في المعاملات بين الناس في العادات والعبادات وَخصوصا في الْحَجِّ والصوم والنذور المعينة والكفارات فإنها تضبط كلها باختلافات القمر الى غير ذلك من العبادات الموقتة وَكما ان سؤالكم هذا ليس من الأمور المبرورة المتعلقة بدينكم كذلك لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها لا من ابوابها وذلك ان الأنصار كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا من أبواب البيوت بل يثقبون ظهورها ويدخلون منها ويعدون هذه الفعلة من الأمور المبرورة ويعتقدونها كذلك الى حيث نبه سبحانه على خطاهم وارشدهم الى البر الحقيقي بقوله وَلكِنَّ الْبِرَّ المقبول عند الله بر مَنِ اتَّقى عن محارم الله مطلقا حين لبس الإحرام إذ الإحرام للموت الإرادي المعبر بلسان الشرع بالحج بمنزلة الكفن للموت الطبيعي فكما ان لابس الكفن محفوظ عن جميع المحارم اضطرارا كذلك لابس الإحرام لا بدان يحفظ نفسه عن جميع المحارم ارادة واختيارا وَبعد ما لم يكن الدخول من ظهور البيوت وثقبها من البر أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها مغمضين عيونكم عن المناهي غاضين أبصاركم عنها حافظين قلوبكم عن الميل الى المحرمات والمحظورات مطلقا وَبالجملة اتَّقُوا اللَّهَ مخلصين له خائفين منه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ رجاء ان تفوزوا بالفلاح من عند الله بسبب تقويكم وَمن جملة الحدود الموضوعة فيكم القتال مع الأعداء
стр. 67
قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مع المشركين المعرضين عن طريق الحق المائلين عنه تعنتا واستكبارا لا سيما مع الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ويقصدون استيصالكم بادين للقتال مجترئين عليها وَلا تَعْتَدُوا ولا تتجاوزوا ايها المؤمنون عما نهيتم عنه من قتل المعاهد والعجزة والاقتحام في الحرب فجأة والمقاتلة في الحرم وفي الشهور المحرمة والابتداء بالمقاتلة وغير ذلك إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ المتجاوزين عن الحدود والعهود المحفوظة شرعا
وَان اجتمعوا لقتالكم وتوجهوا نحوكم اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ اى في اى مكان وجدتموهم في حل او حرم وَأَخْرِجُوهُمْ ان ظفرتم عليهم مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ يعنى مكة وَبالجملة القوا بينهم الفتن والاضطراب وأوقعوهم في حيص بيص إذ الْفِتْنَةُ أَشَدُّ تأثيرا مِنَ الْقَتْلِ لان اثر القتل منقطع به واثر الفتنة مستمر دائم غير منقطع وَعليكم المحافظة للعهود سيما القتل لا تُقاتِلُوهُمْ وأنتم بادون للقتل سيما عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الذي قد حرم عنده ازالة الحيوة مطلقا حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ وهم بادون معتدون عن الحدود ناقضون للعهود فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فيه فَاقْتُلُوهُمْ بعد ذلك فيه ايضا قائلين لهم كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ الهاتكين حرمة بيت الله
فَإِنِ انْتَهَوْا عن الكفر والقتال مع المؤمنين وآمنوا على وجه الإخلاص فَإِنَّ اللَّهَ المطلع بما في ضمائرهم ونياتهم غَفُورٌ لما صدر عنهم من الكفر رَحِيمٌ بهم يقبل منهم الايمان والإسلام بعد ما أخلصوا
وَان لم يؤمنوا قاتِلُوهُمْ ايها المؤمنون الى ان تستأصلوهم حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ اى لا تبقى فتنتهم على وجه الأرض وخلافهم عليها بل وَيَكُونَ الدِّينُ كله لِلَّهِ بلا مزاحم ومخاصم فَإِنِ انْتَهَوْا عن كفرهم بلا مقاتلة ودخلوا في دين الإسلام طائعين فَلا عُدْوانَ ولا عداوة تبقى لكم معهم بل هم إخوانكم في الدين إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ اى مع القوم الظالمين منهم المجاوزين عن الحدود والعهود المصرين على ما هم عليه من الكفر والجحود وبعد ما قاتل الكفار مع المؤمنين عام الحديبية في ذي القعدة الحرام وعزم المؤمنون على الخروج الى مكة لعمرة القضاء ايضا في السنة الثانية وهم يكرهون القتال لئلا يهتكوا حرمة شهر هم هذا كما هتكوا انزل الله عليهم هذه الآية
فقال الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ اى لا تبالوا ولا تمتنعوا ايها المؤمنون عن القتال فيه إذ هتككم حرمة شهركم في هذه السنة بسبب هتكهم حرمته في السنة السابقة فيئول اثم كلا الهتكين إليهم وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ يعنى واعلموا ان الحرمات التي يجب المحافظة عليها وعدم هتكها يجرى فيها القصاص بالمثل فلما هتكوا حرمة هذا الشهر في السنة السابقة فافعلوا أنتم معهم في هذه السنة بمثله ولا تجاوزوا عنه فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وهذا ايضا من جملة الحدود الموضوعة فيكم لإصلاح حالكم وتهذيب أخلاقكم وَاتَّقُوا اللَّهَ ان تتخلفوا عن حدوده بالاقدام على ما نهيتم عنه والاعراض عما أمرتم به وَاعْلَمُوا ايها المؤمنون أَنَّ اللَّهَ المدبر لكم المصلح لأحوالكم مَعَ الْمُتَّقِينَ منكم وهم الذين يحفظون نفوسهم عن محارم الله ومنهياته ويرغبونها نحو أوامر الله ومرضياته
وَايضا من جملة الأخلاق الموضوعة فيكم الانفاق من فواضل أموالكم الى الفقراء والمساكين وهم الذين قد أسكنهم لوازم الإمكان والافتقار في زاوية الخمول أَنْفِقُوا ايها المؤمنون فِي سَبِيلِ اللَّهِ مقتصدين فيه بين طرفي التبذير والتقتير المذمومين عند الله ولدي المؤمنين وَبالجملة لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ انفسكم إِلَى التَّهْلُكَةِ والمشقة بالإسراف والتضييع او بالبخل والتقتير إذ بالبخل تبقى النفس في ظلمة الإمكان وتوطن
стр. 68
في وحشة الحرمان والخذلان وبالتبذير تصير من اخوان الشيطان وَمن اجلة أخلاقكم الإحسان أَحْسِنُوا ايها المتوجهون الى فضاء التوحيد أخلاقكم وأعمالكم وأقوالكم وجميع اوصافكم إذ ما من ولى ولا نبي الا وهو مجبول على حسن الخلق والشيم المقتبسة من الأخلاق الإلهية وبذلك استحقوا الخلافة والنيابة إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ المتفضلين بالأموال والأعمال
وَمن الأركان الموضوعة المفروضة في دينكم ايها المحمديون الحج أَتِمُّوا الْحَجَّ اى الخصال والنسك المحفوظة المفروضة فيه وان ادى الى المقاتلة والمشاجرة وَالْعُمْرَةَ اى أتموا الأمور المسنونة فيه خاصة خالصة لِلَّهِ قاصدين التقرب اليه والتوجه الى بابه إذ الحج الحقيقي انما هو الوصول الى الكعبة الحقيقية التي هي الذات الاحدية فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ منعتم وحبستم بعد ما أحرمتم للحج والعمرة من الوصول الى الميقات وتتميم الواجبات فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ اى فعليكم إذا أردتم التحلل والخروج من الإحرام ذبح ما تيسر لكم حصوله من الهدى المحلل مثل البقرة والبدنة والشاة وغيرها حسب طاقتكم وقدرتكم بان تبعثوها الى الحرم او تذبحوها حيث أحصرتم وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ ايها المحصورون المريدون التحلل حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ المبعوث اليه او تذبحونه في المكان المحصور وبالجملة لا تحلقوا رؤسكم قبل ذبح الهدى او قبل وصولها الى الحرم فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً مرضا قد ازداد بشعر الرأس أَوْ بِهِ أَذىً ناشئا مِنَ شعر رَأْسِهِ من تزاحم قمل او صداع مفرط او جرب مشوش وحلق لأجله فَفِدْيَةٌ اى فاللازم عليه حينئذ الفدية سواء كانت مِنْ صِيامٍ مقدر بثلاثة ايام للفقراء العاجزين عن غيرها أَوْ صَدَقَةٍ مقدرة بثلاثة أصوع من الطعام للمتوسطين أَوْ نُسُكٍ من بدنة او بقرة او شاة للأغنياء على اختلاف طبقاتهم فَإِذا أَمِنْتُمْ اى إذا أحرمتم للحج حال كونكم آمنين من الموانع من إحصار العدو والمرض العارض ونزول الحادثة وغير ذلك من الموانع فعليكم إتمام مناسكه على الوجه الذي أمرتم به بلا إهمال شيء من آدابه المحفوظة فيه فَمَنْ تَمَتَّعَ وتقرب الى الله منكم بِالْعُمْرَةِ في أشهر الحج قبل تقربه اليه بالحج وبعد ما تم مناسك عمرته قصد إِلَى الْحَجِّ ونوى إياه فَمَا اسْتَيْسَرَ اى فعليه ذبح ما استيسره مِنَ الْهَدْيِ ويقال له عند الفقهاء دم الجبر ان يذبحه حين احرم للحج ولا يأكل منه فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الهدى منكم لفقره فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي زمان الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ الى أوطانكم وأهليكم إذ الصوم في مكة خصوصا في ايام الحج من أشق المشاق المفضى الى الحرج جدا تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ قائمة مقام الهدى للفقراء الغرباء الفاقدين وجود الهدايا وانما أمرتم بصوم الثلاثة فيها لئلا تحرموا عن إتمام متممات الحج في أوقاته ذلِكَ الحكم المذكور لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ اى لم يكن من جملة المتوطنين فيها او في حواليها اقل من مقدار مسافة القصر وَبالجملة اتَّقُوا اللَّهَ المنتقم الغيور واحفظوا أوامره التعبدية وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ المطلع على ضمائر المتهاونين بأوامره شَدِيدُ الْعِقابِ لهم إذ اكثر الأمور الشرعية والعزائم الدينية انما هي تعبدية لا يدرك سره خصوصا الأعمال المنسوبة الى الحج
ثم لما امر سبحانه عباده بالحج بان يأتوا الى بيته من كل بلد بعيد وفج عميق عين له وقتا معينا من الأوقات التي لها فضيلة ومنزلة عنده سبحانه فقال الْحَجُّ اى أوقاته أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ متبركات معروفات وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة بتمامها او بعضها على ما خولف فيه فَمَنْ فَرَضَ على نفسه فِيهِنَّ
стр. 69
الْحَجُّ بان ارتكب بشرائطه وأركانه ناويا له في خلال هذه الأشهر لزمه إتمامه بلا فسخ العزيمة وقلب النية وحل المحرمات فيه فَلا رَفَثَ ولإجماع وان طالت المدة وَلا فُسُوقَ ولا خروج عن حدود الله بارتكاب المحظورات وَلا جِدالَ والمجادلة والمراء مع الخدام والرفقاء فِي ايام الْحَجُّ إذ الحج كناية عن الموت الإرادي المنبئ عن الحيوة الحقيقية وهذه الأمور من أوصاف الأحياء بالحيوة الطبيعية فمن قصد الحج الحقيقي والحيوة الحقيقية فعليه ان يميت نفسه من لوازم الحيوة الطبيعية المستعارة الغير القارة ليفوز بالحيوة الحقيقية الازلية والبقاء الأبدي السرمدي وذلك لا يتيسر الا بالخروج عن مقتضيات العقل الجزئى المشوب بالوهم والخيال بل هو مغلوب منهما محكوم لهما دائما ولا يحصل ذلك الا للسالك الناسك الذي قد جذبه الحق عن نفسه متدرجا مترقيا من عالم الى عالم من العوالم المنتخبة عنها ذاته الى ان وصل الى مقام ومرتبة قد طويت المراتب عندها وفنيت العوالم بأسرها فيها وفنى هو ايضا فيها بل قد فنى فناءها ايضا فيها ولم ينزل منها هابطا أصلا بل تقرر وتمكن واطمئن فيها كما نشاهد نحن مثلها متحسرين إليها متمنين لها من بعض بدلاء الزمان ادام الله ظله العالي على مفارق اهل اليقين والعرفان وإبهام اسمه انما هو لإبهام شانه هيهات هيهات مالنا وماله حتى نتكلم عنه جعلنا الله من خدامه وتراب اقدامه وبعد ما امر سبحانه عباده بحج بيته تعظيما له ولبيته حثهم على مطلق الخيرات وبذل المال فيها وفي طريقها ليتقرر في نفوسهم هذه الخصلة الحميدة إذا البخل انما هو المانع عن ميل القلوب الى المحبوب الحقيقي الا وهو أساس كل فتنة ورأس كل خطيئة فقال وَما تَفْعَلُوا لرضاء الله مِنْ خَيْرٍ خالص عن شوب المنة والأذى عار عن امارات العجب والرياء سالم عن وسوسة شياطين الأهواء يَعْلَمْهُ اللَّهُ بعلمه الحضوري إذ أمثال هذه الخيرات جارية على مقتضى العدالة الإلهية التي هي عبارة عن صراط الله الأعدل الأقوم وَبالجملة تَزَوَّدُوا للعبور عن صراط الله بالتقوى عن الدنيا وما فيها فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ للعباد انما هو التَّقْوى عن عموم المحارم والفسادات وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ المتوجهين الى لب اللباب المتمائلين عن القشور العائقة عن الحضور. أدركنا بلطفك يا خفى الألطاف
لَيْسَ عَلَيْكُمْ ايها المؤمنون جُناحٌ ضيق وتعب بعد اتقائكم عن سخط الله وتزودكم بالتقوى أَنْ تَبْتَغُوا وتطلبوا اى كل منكم فَضْلًا من المعارف اليقينية واللذات الروحانية مِنْ رَبِّكُمْ الذي رباكم بأنواع اللطف والكرم فَإِذا أَفَضْتُمْ وانتشرتم أنتم ايها المؤمنون مِنْ عَرَفاتٍ الذات المحيطة بجميع الصفات المربية لكم. وجمعها باعتبار وصول كل من الواصلين إليها بطريق مخصوص وان كانت بعد الوصول إليها واحدة وحدة حقيقية ذاتية لا كثرة فيها أصلا فَاذْكُرُوا اللَّهَ المستجمع لذواتكم عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ اى الصفات المحرم ثبوتها لغير ذات الله أفرده سبحانه لاختصاص كل من افراد الإنسان بصفة مخصوصة تربيه وتختص به وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ بتفويض الأمور كلها اليه واستعيذوا به من وساوس شياطين الأوهام والأهواء المضلة وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ اى قبل هدايته لَمِنَ الضَّالِّينَ التائهين في بيداء الضلالة الناكبين عن طريق الهداية الحقيقية
ثُمَّ لما تم توجهكم ووقوفكم بعرفة الذات وتحققكم فيها أَفِيضُوا منها وانتشروا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ تنزلوا منها الى المراتب المترتبة على الصفات وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ المحيط بكم فيها إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ساتر لذنبكم وتعيناتكم رَحِيمٌ بكم يوصلكم الى مبدأ كم الأصلي بعد رفع تعيناتكم
فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ المأمورة لكم من الاجتناب عن مقتضيات الحيوة الطبيعية
стр. 70
والاتصاف بمقتضيات الحيوة الحقيقية فَاذْكُرُوا اللَّهَ الهادي لكم الى هذه المرتبة كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ بلا تردد وتشكيك أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً بل ذكر الله أشد وضوحا من ذكر الآباء إذ قد يجرى فيه التشكيك بخلاف ذكر الله المتفرع على الشهود المستتبع للفناء فيه فانه خال عن وصمة الريب مطلقا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يحصر التوجه والرجوع الى الله والمناجاة معه في فوائد النشأة الاولى فقط لذلك يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا ما نحن محتاجين اليه من امور معاشنا وَهو وان وصل الى مبتغاه في الدنيا ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ حظ ونصيب لصرفه استعداده الى ما لا يعنيه حقيقة بل يضره ويغويه
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ جامعا بين الظاهر والباطن والاولى والاخرى رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً ترضى بها عنا وتقبلها منا وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً توصلنا الى توحيدك وَقِنا بلطفك عَذابَ النَّارِ اى نار الإمكان المحوج الى الذات الوهمية المنتجة لانواع الخيبة والخذلان
وبالجملة أُولئِكَ المؤمنون الموحدون الجامعون بين رتبتي الظاهر والباطن لَهُمْ نَصِيبٌ حظ كامل ونصيب شامل مِمَّا كَسَبُوا في الدنيا التي هي مزرعة الآخرة من المعارف اللدنية والكشوف الإلهية وَاللَّهُ المحيط بهم وبضمائرهم سَرِيعُ الْحِسابِ يحاسبهم ويجازيهم على ما كسبوا
وَاذْكُرُوا اللَّهَ بعد تتميمكم مناسككم وآداب وقوفكم بعرفة فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ هي ايام التشريق فَمَنْ تَعَجَّلَ اى استعجل للرجوع والنفر فِي يَوْمَيْنِ اى في ثانى ايام التشريق فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ باستعجاله وَمَنْ تَأَخَّرَ ايضا فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ بتأخيره يعنى أنتم مخيرون في استعجال النفر وتأخيره بعد ما وصلتم الى ما وصلتم واعلموا ان العاقبة الحميدة لِمَنِ اتَّقى عن محارم الله والتجأ نحوه من غوائل نفسه وتسويلاتها وَبالجملة اتَّقُوا اللَّهَ في جميع ما صدر ويصدر عنكم واستحفظوا منه وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ بأجمعكم إِلَيْهِ لا الى غيره من العكوس والاظلال تُحْشَرُونَ وترجعون رجوع الظل الى ذي الظل ومن جملة الآداب الموضوعة فيكم بوضع الله المدبر لأموركم المهذب لأخلاقكم الاجتناب عن الجلساء السوء
لذلك خاطب سبحانه نبيه ﷺ امتنانا عليه وإرشادا لكم ايها المؤمنون فقال وَمِنَ النَّاسِ المجبولين على البغض والنفاق المستمرين عليه دائما بلا تصفية ووفاق مَنْ يُعْجِبُكَ ويوقعك في التعجب المحير العارض لنفسك يا أكمل الرسل بلا علمك بموجبه وسببه قوله فِي الْحَياةِ الدُّنْيا اى مقوله المتعلق بأمور الدنيا واسباب المعاش وذلك ان من نظم امور الدنيا وترتيبها ولم يتوسل بها الى الآخرة ولذاتها كما هو المشهور بين اهل الدنيا يسمونه عقل المعاش وَمع اغرائه وتغريره إياك بقوله يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ من حب الدنيا ويدعى موافقة كلام الله وحكمة المودعة فيه على ما يدعيه تأكيدا ومبالغة لا تغفل عنه يا أكمل الرسل ولا تغتر بقوله واغرائه وَاعلم انه هُوَ في نفسه أَلَدُّ الْخِصامِ وأشد العداوة والجدال معك ومع من تبعك من المؤمنين فعليك ان لا تغتر بعذوبة لسانه وحلاوة بيانه. قيل نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي وكان من بلغائهم وفصحائهم له الوجاهة والطلاقة وحسن المحاورة والمصاحبة يتردد الى النبي ﷺ ويصاحب معه نفاقا ويظهر المحبة والإخلاص مراء ويدعى الايمان له والانقياد بدينه استهزاء
وَإِذا تَوَلَّى انصرف وأدبر من عنده ﷺ سَعى فِي الْأَرْضِ الموضوعة للإصلاح فيها والصلاح لِيُفْسِدَ فِيها بأنواع الفسادات وَمن جملة ذلك يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ بالظلم والفسوق والعصيان المتجاوز عن الحد وانواع الطغيان والعدوان مثل الزنا وقطع الطريق والخروج على الولاة القائمين
стр. 71
بحدود الله المقيمين باحكامها كالمتشيخة المبتدعة الذين ظهروا في هذه الامة في زماننا هذا بإفساد عقائد ضعفاء المسلمين بالشيخوخة وترغيبهم الى البدع والأهواء الباطلة المؤدية الى تحليل المحرمات الشرعية ورفع التكاليف الدينية والمعتقدات اليقينية شتت الله شملهم وفرق جمعهم وَاللَّهُ الهادي للعباد
لا يُحِبُّ الْفَسادَ وَمن غاية عتوه وعناده ونهاية استكباره إِذا قِيلَ لَهُ امحاضا للنصح اتَّقِ اللَّهَ عن أمثال هذه الفضائح واستحى منه سبحانه أَخَذَتْهُ قد هيجته وحركته الْعِزَّةُ والحمية الجاهلية المرتكزة في نفسه بِالْإِثْمِ الذي قد منع عنه بحيث أصر عليه لجاجا وعنادا وبالجملة فَحَسْبُهُ وحسب أمثاله جَهَنَّمُ الإمكان الذي يلعبون بنيرانها كفت مؤنة شرورهم وطغيانهم وَالله لَبِئْسَ الْمِهادُ هذا الإمكان المستتبع لمهد النيران المتضمن لانواع الخذلان والحرمان واصناف الخيبة والخسران وايضا من جملة الآداب الموضوعة فيكم بل من أسناها وأجلها الرضاء والتسليم بعموم ما جرى من قضاء الله ومقضياته
لذلك قال سبحانه وَمِنَ النَّاسِ المتشمرين الى الله بالرضاء والتسليم مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ويوقعها في المهلكة لا لداعية دنيوية تنبعث من نفسها بل ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ طالبا لرضاه راضيا بجميع ما قضى له وَاللَّهُ المطلع بعموم الحالات رَؤُفٌ عطوف مشفق بِالْعِبادِ سيما الصابرين في البلوى الراجعين الى المولى الراضين بما يحب ويرضى ثم لما كان الرضاء والتسليم من احسن احوال السالكين المتوجهين الى الله الكريم العزيز العليم وارفعها قدرا ومنزلا عنده أمرهم سبحانه بها امتنانا عليهم وإصلاحا لحالهم
فقال مناديا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم الرضاء والتسليم ادْخُلُوا ايها المستكشفون عن سرائر التوحيد فِي السِّلْمِ اى الطاعة والانقياد المتفرعين على الرضاء والإخلاص المنبئين عن التحقق بمقام العبودية كَافَّةً اى ادخلوا في السلم حال كونكم مجتمعين كافين نفوسكم عما يضر إخلاصكم وتسليمكم وَلا تَتَّبِعُوا ايها المتوجهون الى مقام العبودية والرضاء اثر خُطُواتِ الشَّيْطانِ اى الأهواء والآراء المضلة عن طريق الحق المعبرة عنها في عرف الشرع بالشيطان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة والإضلال يضلكم عما يهديكم الحق اليه
فَإِنْ زَلَلْتُمْ وانصرفتم عن طريق الحق مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ المبينة الموضحة لكم طريقه فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب قادر على انواع الانتقام حَكِيمٌ لا ينتقم الا بالحق
هَلْ يَنْظُرُونَ اى ما ينتظر المزلون عن طريق الحق سيما بعد الوضوح والتبيين إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ بعذابه المدرج المكنون فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ السحاب الأبيض المظل لهم صورة يتوقعون منه الراحة والرحمة وَالْمَلائِكَةُ الموكلون بجر سحب العذاب إليهم فانزل عليهم العذاب واستأصلهم بالمرة وَقُضِيَ الْأَمْرُ المحكم والحكم المبرم المقصى عليهم من عنده سبحانه لانتقامهم كالأمم الماضية وَبالجملة إِلَى اللَّهِ لا الى غيره من الوسائل والأسباب العادية تُرْجَعُ الْأُمُورُ أولا بالذات وان تشكك احد في الانتقام ونزول العذاب على المزلين المنصرفين عن طريق الحق سيما بعد الوضوح والتبيين قل يا أكمل الرسل نيابة عنا إلزاما له
سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ وتذكر قصتهم كَمْ كثيرا آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ مبينة في كتبهم فأنكروا عليها ظلما وعدوانا فأخذناهم بظلمهم الى ان استأصلناهم بالمرة وَلا يختص هذا ببني إسرائيل بل كل مَنْ يُبَدِّلْ ويغير نِعْمَةَ اللَّهِ المستلزمة للشكر والايمان كفرا وكفرانا سيما مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ من لدنا تفضلا وإحسانا فله من العذاب والنكال ما يستحقه فَإِنَّ اللَّهَ المتجلى باسمه المنتقم شَدِيدُ
стр. 72
الْعِقابِ صعب الانتقام سريع الحساب
ثم ذكر سبحانه مساوي اهل الكفر والنفاق وسوء معاملتهم مع المؤمنين المخلصين ليجتنب المؤمنون عن أمثاله فقال على وجه الاخبار زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا اى قد حسن وحبب في عيونهم وارتكز في قلوبهم الْحَياةُ الدُّنْيا اى الحيوة المستعارة المنسوبة الى الدنيا وَادى أمرهم في هذا التزيين والتحسين الى ان يَسْخَرُونَ ويستهزؤن مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا اى صار المؤمنون بفقرهم وعرائهم عن امتعة الدنيا الدنية ورثاثة زيهم وحالهم محل استهزائهم وسخريتهم متى قصدوا الاستهزاء على فاقدى الدنيا أخذوا منهم وَالحال ان المؤمنين الَّذِينَ اتَّقَوْا عن لذائذ الدنيا ومزخرفاتها الفانية الغير الباقية يكونون فَوْقَهُمْ رتبة ومنزلة عند الله يَوْمَ الْقِيامَةِ المعد لجزاء الأعمال الحاصلة في النشأة الاولى وَاللَّهُ الرازق للكل يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ من عباده الرزق الدنيوي بِغَيْرِ حِسابٍ فيها ابتلاء واختبارا بل يمهلهم على تجبرهم وتكبرهم مفتخرين بمزخرفاتها الى النشأة الاخرى فيحاسبهم ويجازيهم عليها ويرزق ايضا من يشاء من عباده بالرزق الأخروي بغير حساب لا في النشأة الاولى ولا في الاخرى بل قد صار أولئك السعداء المقبولون متمكنين في حمائه سبحانه ازلا وابدا بحيث لا يشوشهم الحساب ولا تتفاوت عندهم اللذة والعذاب بل صاروا بما صاروا بلا سترة وحجاب آتنا من لدنك رحمة انك أنت الوهاب
ثم قال سبحانه كانَ النَّاسُ في الفطرة الاصلية والمرتبة الحقيقية الجبلية أُمَّةً واحِدَةً وملة وحدانية متوجهة الى مبدئهم الحقيقي ومقصدهم الأصلي طوعا ثم اختلفت آرائهم وتشتتت أهواءهم بمقتضيات القوى الحيوانية التي هي من جنود إبليس فظهر بينهم العداوة والبغضاء والمجادلة والمراء فَبَعَثَ اللَّهُ المدبر لأمورهم النَّبِيِّينَ من بنى نوعهم المؤيدين من عند ربهم مُبَشِّرِينَ لهم طريق الإطلاق والتوحيد وَمُنْذِرِينَ لهم عن الكثرة والتقييد وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ تصديقا لهم الْكِتابَ الجامع لعموم ما يبشر به وينذر عنه ملتبسا بِالْحَقِّ المطابق للواقع لِيَحْكُمَ كل نبي به بَيْنَ النَّاسِ المنسوبين اليه فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ من امور معاشهم ومعادهم وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ اى في الكتاب المنزل إليهم بالتكذيب والإنكار احد من الناس إِلَّا القوم الَّذِينَ أُوتُوهُ اى الكتاب وما كان اختلافهم الا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ الواضحات المصدقات بانه منزل لهم من عند الله العليم الحكيم وبالجملة ما اختلفوا في عموم ما اختلفوا الا بَغْياً وعدوانا وخروجا عن طريق الحق وحسدا لأهله ناشئا من طغيانهم واقعا بَيْنَهُمْ من وساوس شياطينهم ومقتضيات اوهامهم وخيالاتهم من حب الجاه والرياسة والعتو والاستكبار فَهَدَى اللَّهُ بلطفه الَّذِينَ آمَنُوا بالنبي المبعوث إليهم والكتاب المنزل معه لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ من الأمور الدينية مع المعاندين المنكرين والحال انه اى اختلافهم ناشئ مِنَ الْحَقِّ الصريح المطابق للواقع واختلافهم ايضا معهم انما يكون بِإِذْنِهِ اى بامره المنزل في كتابه وَاللَّهُ المرشد الموفق لكل العباد الى ما هم عليه يَهْدِي بفضله مَنْ يَشاءُ من خلص عباده إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ موصل الى بابه بلا عوج وضلال أرجوتم وطمعتم ايها المحمديون المتوجهون الى زلال التوحيد وصفو التجريد والتفريد ان تصلوا اليه بانانيتكم هذه بلا سلوك ومجاهدة وسكر وصحو وتلوين وتمكين وقيد واطلاق ونفى واثبات وفناء وبقاء هيهات هيهات
أَمْ حَسِبْتُمْ وتمنيتم متوقعا أَنْ تَدْخُلُوا فجأة بهويتكم هذه بلا افنائها وفنائها في هوية الله الْجَنَّةَ التي ارتفعت عندها الهويات واضمحلت دونها الماهيات وَلَمَّا يَأْتِكُمْ اى لم يأتكم مَثَلُ الَّذِينَ
стр. 73
خَلَوْا ومضوا مِنْ قَبْلِكُمْ اى شانهم وقصتهم المشهورة المعروفة المنسوبة الى الأحرار الأبرار الواصلين الى دار القرار كيف مَسَّتْهُمُ بأبدانهم واجسادهم وهوياتهم الجسمانية الْبَأْساءُ المذلة المزمنة المزعجة المفنية لأنانياتهم وَكيف مستهم ايضا بأرواحهم المتكثرة باشباحهم المترتبة على الأوصاف الذاتية الإلهية الضَّرَّاءُ المسقطة للاضافات كلها وَبعد ما وصلوا الى هذه المرتبة المعبرة عنها بالقيامة والطامة الكبرى عند العارف زُلْزِلُوا اى اضطربوا وتلونوا وتذبذبوا لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء وكان حالهم هكذا بين الحيرة والحسرة يترددون ويتحيرون الى ان قد غلب على قلوبهم المحبة والشوق وانبعث من المحبة الخالصة والارادة الصادقة الصافية العشق المفرط المنبعث من جذب المعشوق الحقيقي المائل بالطبع عموم المظاهر نحوه وحينئذ احتاجوا الى نصر الله وتوفيقه وجذبه بلطفه فاضطروا واضطربوا في بين وبين وصاحوا الى اين واين حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ المرشد لهم الى طريق التوحيد مناجيا مع الله رافعا اليه سبحانه أمرهم وَيقول ايضا الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مشايعين له في قوله ودعائه مشاركين معه في هذا الاشتياق والاستبطاء وقلة التصبر وكمال الفزع والاضطرار والمراقبة والانتظار مَتى نَصْرُ اللَّهِ وغلبته علينا حتى تتخلص من التلون والتذبذب بل من التمكن بل الكون والتكون والظهور والإظهار والغيب والشهادة وغير ذلك من الإضافات مطلقا حتى قيل لهم حينئذ وما لنا تعيين القائل إذ لا قائل في الوجود الا هو منبها مستعربا مستعجبا مستغربا أَلا اى تنبهوا ايها الاظلال الممدودة المتعددة المنتشئة من الأوصاف المحمودة الذاتية الاحدية المضافة بعضها الى بعض ارفعوا اضافتكم عن البين وغشاوتكم عن العين حتى تتصل العين بالعين ويرتفع البين عن البين وقولوا وما ادرى هاهنا ايضا من القائل وما المقول به وما المقول اليه وما هذا وماذا أدركنا بلطفك عن حجاب الألفاظ وغشاوة العبارة إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ وغلبته عليكم ايها الاظلال قَرِيبٌ حاضر غير مغيب لو تنبهتم الى ذي ظلكم والتنبه له محال الا لمن كشف سبحانه عليه كيفية الظل والاظلال والامتداد والتعدد الحاصل فيه والكوائن الغير المتناهية والمكونات الغير المحصورة الحاصلة فيه الكائنة من عكوس أوصافه واظلال أسمائه باشخاصها وأنواعها وأجناسها الى ما شاء الله لا حول ولا قوة الا بالله وبالجملة لا تحوم الفهوم حول سرادقات عز جلاله حتى تتفوه عن مكنوناته ومصنوعاته إذ ليس كمثله شيء ليقاس عليه ولا دونه حي ليسمع فيه ويبصر به بل هو السميع وهو البصير وبالجملة ليس وراء الله مرمى ومنتهى
يَسْئَلُونَكَ اى الهادي للكل عن الانفاق وعن ما ينفق به وعن من ينفق عليه ويقولون ماذا يُنْفِقُونَ اى اى شيء ينفقه المنفق في سبيل الله قُلْ لهم يا أكمل الرسل كلاما ناشئا عن محض الحكمة ما أَنْفَقْتُمْ اى اى جنس أنفقتم كما وكيفا سواء كان تمرة او كسيرة او حبة او ذرة صادرة مِنْ خَيْرٍ خالص عن شوب المنة والأذى فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إليكم بسببهما اى فهم اولى ان كانوا مستحقين وَبعد ذلك أولاهم الْيَتامى الذين لا متعهد لهم وَبعد ذلك الْمَساكِينِ الذين قد أسكنهم المذلة والهوان وَبعد ذلك ابْنِ السَّبِيلِ وهم الذين قد تعذر لهم الوصول الى املاكهم ومملوكاتهم وَبالجملة اعلموا ايها المؤمنون انه ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ خالصا لرضا الله سبحانه فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ بصدوره عنكم وبنياتكم فيه ثم لما ظهر امر الإسلام وعلا قدره وارتفع مناره فرض سبحانه على المؤمنين الموقنين بطريق التوحيد
стр. 74
المشاجرة والمقاتلة مع المخالفين الناكبين عن طريق الحق بالشرك والإشراك لتظهر شمس التوحيد على الآفاق ويضمحل شوب الكثرة والثنوية المنبعثة عن الكفر والنفاق ويتميز الحق عن الباطل والوجود عن العدم العاطل
فقال كُتِبَ عَلَيْكُمُ ايها المؤمنون الْقِتالُ مع مخالفيكم من اهل الكثرة وَهُوَ كُرْهٌ مكروه مستهجن لَكُمْ مذموم عندكم ما دمتم في انانيتكم وهويتكم هذه وما دمتم أنتم فيها مع تكثر الإضافات ولوازم الإمكان وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً في النشأة الاولى وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ في النشأة الاخرى وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً فيها وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ فيها وَبالجملة اللَّهُ المطلع بسرائركم يَعْلَمُ خيركم ويأمركم به وشركم فيحذركم عنه وَأَنْتُمْ بمقتضى هويتكم هذه لا تَعْلَمُونَ شيأ من الخير والشر بل لكم التعبد والإطاعة والانقياد بعموم ما امر ونهى والعلم عند الله العزيز العليم وسرائر الأمور واسراره مخزونة عنده محفوظة لديه لا يعلمها الا هو
يَسْئَلُونَكَ ايضا ايها الداعي للخلق الى الحق بالحق عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ اهو من المحرمات الإلهية بمقتضى حكمته البالغة أم لا ويسئلونك ايضا عن قِتالٍ واقع فِيهِ اهو ايضا من المحرمات الشرعية أم لا قُلْ يا أكمل الرسل للسائلين نيابة عنا هما من جملة محرماته سبحانه التي قد اقتضتها حكمته المتقنة البالغة بل قِتالٍ فِيهِ ذنب كَبِيرٌ إذ هو خروج عن مقتضى الحد الموضوع من لدنه سبحانه في هذا الشهر وَمع كونه ذنبا كبيرا صَدٌّ منع وصرف ايضا للتجار عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الذي قد أباح لهم سبحانه تكسب معاشهم وَمع ذلك العياذ بالله كُفْرٌ بِهِ اى بالله بعدم اطاعة امره وَصد ايضا عن طواف الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الذي قد حرم الله الصد والاعراض عنه روى انه ﵇ بعث عبد الله ابن جحش ابن عمته على سرية في جمادى الآخرة قبل بدر بشهرين ليترصد القفل الذي كان لقريش في جانب الشام وفيهم عمرو بن عبد الله الخضرمي وثلثة معه فلما ظفروا عليهم قتلوا الخضرمي وأسروا اثنين واستاقوا العير نحو المدينة وفيها تجارة للطائف ايضا وكان ذلك غرة رجب وهم يظنونه من جمادى فقال قريش قد استحل محمد الشهر الحرام مع انه قد كان شهرا يأمن فيه الخائف ويتردد الناس فيه الى معايشهم ثم لما سمع ﷺ تعيير قريش قال لعبد الله ما أمرت لك بالقتال في الشهر الحرام وسوق العير فيه وشق هذا القول على اصحاب السرية وقالوا ما نبرح حتى تنزل توبتنا فنزلت ورد رسول الله ﷺ العير والأسارى فلاموه وعيروه على ما صدر عنه وقالوا يتوجه الى المسجد الحرام ويمنع الزوار منه رد الله عليهم فقال وَإِخْراجُ أَهْلِهِ اى اهل المسجد الحرام مِنْهُ عدوانا وظلما أَكْبَرُ ذنبا عِنْدَ اللَّهِ من منع الزوار والقتل سهوا او خطأ ناشئا من عدم التدبر في تعيين الوقت إذ الإخراج افتتان بين المسلمين المستأهلين ببيت الله وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ إذ شرها عام ممتد بخلاف القتل وَبالجملة ان الكفار المصرين على الكفر والعناد لا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ ايها المؤمنون حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ المنزل عليكم من ربكم هداية لكم إِنِ اسْتَطاعُوا وَالحال انه مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ الذي هو الايمان والتوحيد فَيَمُتْ بعد الارتداد وَهُوَ كافِرٌ ساتر طريق الحق تارك مشرب التوحيد فَأُولئِكَ الكافرون المرتدون عن طريق الإسلام قد حَبِطَتْ انحطت واضمحلت وسقطت عن درجة الاعتبار عند الله أَعْمالُهُمْ الصادرة عنهم بالمرة بحيث لا تفيد لهم أصلا لا فِي الدُّنْيا لحرمانهم عن مصاحبة اهل الايمان والعرفان وَلا في الْآخِرَةِ لإرجاعهم
стр. 75
أنفسهم الى قعر الإمكان المفضى الى أسفل دركات النيران وَبالجملة أُولئِكَ المحرومون عن لذة التوحيد أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ الى ما شاء الله لا حول ولا قوة الا بالله
ثم قال سبحانه إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بالتوحيد الذاتي وادي ايمانهم الى ان قد وصلوا بمرتبة اليقين العلمي وَالَّذِينَ هاجَرُوا وتركوا ما يضاده وينازعه الى ان وصلوا الى مرتبة اليقين العيني وَبعد ذلك جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مع نفوسهم الى ان وصلوا بل اتصلوا وحصلوا باليقين الحقي أُولئِكَ المقربون المتدرجون في طريق الوصول يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ما داموا في السلوك باشباحهم وَاللَّهُ المطلع بضمائر عباده غَفُورٌ ساتر لهم أشباحهم عن عيون بصائرهم رَحِيمٌ لهم يوصلهم الى ما يتوجهون اليه حسب فطرتهم الاصلية من جنة الذات بمنه وجوده أدركنا بلطفك يا خفى الألطاف
يَسْئَلُونَكَ يا أكمل الرسل عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ أهما من المحرمات الإلهية أم لا قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ اما في الخمر فلكونه معطلا للقوى المدركة مزيلا للعقل الجزئى المودع في هيكل الإنسان ليتوصل به الى العقل الكل المتفرع على الاسم العليم الشامل لجميع ما كان ويكون الا وهو اللوح المحفوظ والكتاب المبين واما في الميسر فلكونه متلفا للمال الذي هو سبب تعمير البدن الذي هو مخزن جوهر العقل المركوز ومركب الروح الذي اختص الله به الإنسان وبه استحق رتبة الخلافة والنيابة الإلهية وَبالجملة وان كان فيهما مَنافِعُ لِلنَّاسِ اى لبعضهم من المرضى الذين لا يمكنهم العلاج بدون ازالة عقولهم به او التداوى لهم منحصر في الخمر عند اصحاب الطب ومن استغناء بعض السفلة من الناس واسترزاقهم بالميسر وَلكن إِثْمُهُما عند اولى النهى واليقين أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما عندهم بل لا نفع فيهما بالنسبة إليهم إذ لا يبقى لهم علاقة مع أبدانهم ليصلحوها او يصححوها بالتداوى وَايضا يَسْئَلُونَكَ يا أكمل الرسل ماذا يُنْفِقُونَ اى من اى شيء ينفقون وعلى اى وجه ينفقون قُلْ يا أكمل الرسل نيابة عنا أنفقوا الْعَفْوَ اى الفاضل من أموالكم لئلا تتضرروا بالجهد وليسهل عليكم التجاوز عنه ولا يشق على انفسكم إنفاقه كَذلِكَ اى على الوجه الأحسن الأسهل يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ جميع الْآياتِ المنزلة عليكم والاحكام الموردة لإصلاح حالكم لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ رجاء ان تتأملوا
فِي الدُّنْيا اى في الآيات المتعلقة لأمور الدنيا فتتصفوا بها فيها وَايضا تتأملوا في الآيات المتعلقة لأمور الْآخِرَةِ فتحققوا بها وتتمكنوا عليها وتطمئنوا بسببها ليتم لكم تهذيب الظاهر والباطن وبعد ذلك يترتب على وجودكم وظهوركم ما يترتب وَيَسْئَلُونَكَ ايضا عَنِ الْيَتامى الذين لم يبلغوا الحلم ولا متعهد لهم من ذوى القربى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ أحوالهم خَيْرٌ وثواب عظيم للمؤمنين من ابقائهم في المذلة والهوان وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ من غاية المرحمة والاشقاق فَإِخْوانُكُمْ في الدين يجزيكم الله خيرا ان كنتم قاصدين فيه إصلاحهم ورعايتهم دون إفساد مالهم وعرضهم وَاللَّهُ المطلع بما في ضمائر عباده يَعْلَمُ ويميز الْمُفْسِدَ المبطل منكم مِنَ الْمُصْلِحِ المحق فيجازى كلا منهم على مقتضى علمه بهم وَلَوْ شاءَ اللَّهُ المطلع لإفسادكم واعناتكم ان يعنتكم ويفسد عليكم لَأَعْنَتَكُمْ اذلكم وافسدكم البتة أشد من افسادكم واعناتكم إياهم إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب قادر على وجوه الانتقام حَكِيمٌ لا ينتقم بلا موجب
وَمن جملة الاحكام الموضوعة لإصلاحكم ان لا تَنْكِحُوا ايها المؤمنون النساء الْمُشْرِكاتِ الكافرات حَتَّى يُؤْمِنَّ لئلا يختلط ماءكم بمياههن وليوجد