← Тафсир

Тафсир · id 23624

الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية

النخجواني

Полный текст (1 120 стр.). Показаны 1086–1120 · переход к 1091.

стр. 1086

شديد وامل كامل ولا تطعمون الفقراء والمساكين خوفا من نفاده. ثم قال سبحانه كَلَّا ردعا لهم عما هم عليه من حب المال والخلط بين الحلال والحرام يعنى كيف تؤدون ايها البخلاء الممسكون حسابها وقت إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ اى كسرت واستوت فصارت دَكًّا دَكًّا وهباء منبثا وَجاءَ يومئذ رَبُّكَ يا أكمل الرسل اى امره وظهرت طلائع هيبته وآثار قهره وجلاله وَصف الْمَلَكُ اى الملائكة الموكلون من عنده سبحانه المأمورون لتنقيد اعمال العباد والحساب والسؤال صَفًّا صَفًّا اى صفا بعد صف بما يؤمرون من قبل الحق وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ اى قد أحضرت وهيأت تهويلا على أصحابها وتفظيعا وبالجملة يَوْمَئِذٍ اى يوم القيامة التي ظهرت فيها هذه الآثار يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ المجبول على السهو والنسيان المبادر على الكفر والكفران معاصيه وقول من كان يمنعه ويزجره عنها وينذره منها فيتندم عليها ويتأسف وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى اى من أين ينفعه التذكر والذكر حينئذ والتندم والتلهف إذ نشأة التلافي والتدارك قد انقضت ومضت وبعد ما قد جزم الإنسان انه لا نفع يومئذ لتذكرة يَقُولُ متمنيا على سبيل الحسرة والندامة يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ في نشأة الاعتبار والاختبار لِحَياتِي ونجاتي في هذا اليوم وبالجملة فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ اى لا يعذب احد من الزبانية إياه مثل ما عذبه هو نفسه بالحسرة والندامة وانواع الكربة والكآبة والحرمان والخذلان وَلا يُوثِقُ ولا يحكم وَثاقَهُ ونكاله ايضا أَحَدٌ مثل ما أوثقه وأحكمه هو على نفسه بأنواع الخيبة والخسران واصناف القطيعة والحرمان إذ العذاب الروحاني الطارئ من الندامة والخذلان لا تقاس شدة تأثيره بسائر العذاب الجسماني. ثم أشار سبحانه الى حسن احوال ارباب العناية والكرامة يومئذ من المؤمنين الذين تزودوا في النشأة الاولى للأخرى واتصفوا بالتقوى ولم يعصوا في مدة اعمارهم للمولى ولم يتبعوا الهوى بل اطمأنوا ووطنوا نفوسهم بما جرى عليهم من مقتضيات القضاء وبالجملة لم يضطربوا مطلقا لا في السراء ولا في الضراء ولم يبالوا لا بالشدة ولا بالرخاء بل قد كان في دار الدنيا قرينهم الرضاء بعموم ما جرى عليهم من القضاء لذلك يقال لهم من قبل الحق يومئذ على سبيل التبشير يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ويا اصحاب النفوس الزاكية والقلوب الصافية المتقررة المتمكنة في مقام التسليم والرضا ارْجِعِي إِلى كنف رَبِّكِ واصعدي على الطريق الذي قد هبطت عنه راضِيَةً متصفة بالرضاء كما كنت راضية بالقضاء في النشأة الاولى مَرْضِيَّةً مقبولة مكرمة عند المولى وبعد ما قد رجعت على الوجه المذكور فَادْخُلِي فِي زمرة عِبادِي الذين وصلوا الى كنف جواري وحصلوا في مقعد الصدق لدى وَبالجملة ادْخُلِي جَنَّتِي اى جنة وحدتي واستريحى في خلدة لاهوتي. جعلنا الله ممن خوطب بهذا الخطاب المستطاب انه هو الملهم للصواب وعنده حسن المآب خاتمة سورة الفجر عليك ايها الموحد المترقب لهذا النداء والمحب المترصد لسماع هذا الصداء ان تكون في عموم أوقاتك على حضور مع ربك بحيث لا يشغلك عنه سبحانه الالتفات الى غيره مطلقا من الميل الى الدنيا وآمالها وأمانيها وعموم ما فيها بل لك ان تكون مطمئنا راضيا بعموم ما جرى عليك من

стр. 1087

القضاء ومفوضا أمورك كلها اليه سبحانه على وجه التسليم والرضا متوجها بالعزيمة الخالصة نحو المولى حتى تكون مخاطبا بهذا الخطاب المستطاب في كل نفس من أنفاسك التي جرت عليك في عموم افعالك وحالاتك وبالجملة لا تغفل عن الله مطلقا تفز بتشريف أمثال هذه الخطابات العلية والكرامات السنية من الحق. جعلنا الله من زمرة المستيقظين المطمئنين بمنه وجوده [سورة البلد] فاتحة سورة البلد لا يخفى على من وصل الى مقام القلب الذي هو عبارة عن البيت الحرام الحقيقي والكعبة المعنوية التي قد دحيت وبسطت من تحتها أراضي مطلق الاستعدادات وعموم القابليات وتوجهت نحوها زوار القوى والآلات من كل فج عميق ومرمى سحيق من بوادي الإمكان واودية الطبائع والأركان ان من وصل اليه وعكف حول بابه وتشرف بطوافه ووقف بين يدي الله ناويا الموت الإرادي محرما عن لوازم الطبيعة ومقتضيات الإمكان من ميقات الطلب والارادة الصادقة مغتسلا بزمزم التوبة والانابة تائبا عن الالتفات الى مطلق السوى والأغيار متجردا عن ثياب الغفلة وجلباب الاغترار ساعيا بين صفاء المحبة ومروة المودة الإلهية بكمال الشوق والذوق متوجها للوقوف الى عرفات اللاهوت متعريا عن عوارض عالم الناسوت ذابحا كبش نفسه تقربا الى الحي الذي لا يموت منخلعا عن جلباب البدن ولوازمه في منا الفناء معاملا مع الله في سوق البقاء طالبا لربح اللقاء حل له ان يقاتل عند الحرم الإلهي جنود الامارة وكفار القوى والآلات المانعة عن الوصول الى كعبة الذات وعن الوقوف عند عرفات الأسماء والصفات الى ان يغلب عليهم ويهلكهم ويصفى البيت العتيق الإلهي الذي هو عبارة عن قلب العارف الكامل عن أصنام مطلق الأحلام وأوثان عموم الأماني والآمال الحاصلة من الخيالات والأوهام لذلك رخص سبحانه لحبيبه ﷺ القتال في حرم مكة شرفها الله مع ان الحرمة فيها مؤبدة فقال بعد ما تيمن بِسْمِ اللَّهِ الذي اختار لنفسه بيتا صوريا ليكون قبلة لأصحاب الصورة وبيتا معنويا ليكون وجهة لأرباب القلوب الصافية الرَّحْمنِ لعباده حيث يدعوهم الى كعبة المقصود الرَّحِيمِ لهم يوصلهم الى عرفات الوحدة وبيت معمور الوجود [الآيات] لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ الذي هو كعبة آمال ارباب الارادة والطلب ألا وهو السواد الأعظم اللاهوتى إذ لا حاجة في ثبوته ووضوحه الى القسم بالنسبة الى ارباب المعرفة واليقين بل اقسم لأصحاب الغفلة والضلال بهذا البلد يعنى مكة شرفها الله التي قد وضعت بيتا حراما لا يحل لاحد ان يفعل فيها شيأ من المحظورات والمباحات سيما القتل والصيد وَمن جملة خواصك التي قد اصطفيناك وميزناك بها عن سائر الناس يا أكمل الرسل هي انه أَنْتَ حِلٌّ يعنى أنت لجمعك وكمال جامعيتك وحيازة مرتبتك عموم المراتب مستحل للتعرض خاصة القتل والأسر في الحرم بين عموم الناس لمزيد فضيلتك ومنزلتك عند الله وزيادة خصوصيتك بِهذَا الْبَلَدِ الذي حرم على عموم العباد وانما أحل لك ايضا ما أحل في ساعة من نهار لا أزيد منها وبعد تلك الساعة يحرم لك ايضا وَوالِدٍ اى اقسم ايضا بالوالد الذي هو عبارة عن حقيقة آدم الصفي ﵇ حسب ثبوته في فضاء عالم اللاهوت وَما وَلَدَ منه في عالم اللاهوت وما ولد منه في عالم الطبيعة بعد هبوطها الى مضيق الناسوت وبالجملة بحق هذه المقسمات العظام لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ اى أظهرنا نشأة ناسوته مغمورا فِي كَبَدٍ تعب ومشقة كثيرة شاغلة لعموم حواسه ومداركه

стр. 1088

بحيث يستوعب ويحيط بجميع القوى والآلات حوائج المعاش وأسبابه فاشتغل عن الله بسبب ذلك وترك امر معاده ايضا بواسطته فأخذ في كسب الأموال وجمع الحطام والآثام المبعدة عن الحكيم العلام فصار من غاية استغراقه بالدنيا قد نسى العقبى وزلت نعله عن طريق المولى لذلك كذب وتولى واستكبر واستولى واستظهر بأمواله وأولاده واستعلى وترقى امره في الغفلة والغرور الى ان طغى على الله وبغى على عباده وظن انه لا يغلب ولا يعلى عليه. كما قال سبحانه مقرعا عليه مسفها له مستفهما أَيَحْسَبُ الإنسان المجبول على الكفران والنسيان أَنْ لَنْ يَقْدِرَ اى انه لن يستطيع عَلَيْهِ أَحَدٌ فينتقم منه او يأخذه على ما صدر عنه من العتو والعناد ومن كمال بطره وغروره ومفاخرته على بنى نوعه يَقُولُ على سبيل الرعونة والخيلاء والسمعة والرياء قد أَهْلَكْتُ وأنفقت في سبيل الله مالًا لُبَداً مالا كثيرا ملبدا منضدا مجتمعا متراكما أَيَحْسَبُ ويعتقد ذلك الأحمق المباهي أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ اى انه لم يعلم الله إنفاقه ونيته فيه واعتقاده عليه وإبطاله بالمن والأذى كيف يتأتى له انكار اطلاعنا عليه وعلى ما صدر عنه أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ ولم نظهر في جسده حين صورناه حسب حولنا وقوتنا وكمال قدرتنا عَيْنَيْنِ ليبصر بهما عجائب صنعتنا وغرائب حكمتنا وَايضا ألم نجعل له لِساناً ليعرب ويترجم به عموم ما يدور في خلده وَشَفَتَيْنِ معينين على التكلم والاعراب على وجه الإفصاح والتوضيح وَبالجملة قد هَدَيْناهُ بإعطاء هذه النعم العظام النَّجْدَيْنِ اى طريقي الخير والشر والهداية والضلالة واختبرناه بهما وابتليناه بانه أى طريق يختار لنفسه بعد ما وفقناه لكليهما ونبهناه عليهما وبعد ما أعطيناه ما أعطيناه وهديناه بما هديناه فَلَا اقْتَحَمَ وما دخل الإنسان المجبول على الكفران والنسيان الْعَقَبَةَ الكؤدة الوعرة على نفسه الشاقة لها حتى يؤدى شكر ما أعطيناه ثم ابهمها سبحانه تعظيما وتفخيما فقال وَما أَدْراكَ ايها المغرور بالحياة المستعارة الدنياوية ولوازمها مَا الْعَقَبَةُ الكؤدة في طريق اهل الايمان والعرفان ثم بينها بقوله فَكُّ رَقَبَةٍ اى العقبة الكؤدة عبارة عن فك الرقبة المملوكة للنفس الامارة عن رقية الأماني والآمال الطوال أَوْ العقبة الكؤدة إِطْعامٌ لفقراء الله وعجزة عباده فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ اى حاجة شديدة وجوع مفرط يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ اى له رحم وقرابة الى المطعم أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ قد اسكنه الفقر واغبره في تراب المذلة والصغار ثُمَّ بعد ما اقدم على اقتحام العقبة المذكورة قد كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بالله وأيقنوا ان ما في يدهم لله ومن مال الله وهم منفقون باقدار الله لعيال الله في سبيل الله وَمع ايمانهم بالله واتصافهم بالأعمال الصالحة المؤكدة لإيمانهم قد تَواصَوْا بينهم اى اوصى بعضهم بعضا بِالصَّبْرِ على مشاق التكاليف الإلهية ومتاعب الطاعات المأمور بها لهم وَكذلك تَواصَوْا بينهم بِالْمَرْحَمَةِ والشفقة على عباد الله وتعظيمهم والتحنن نحوهم والإحسان معهم ولو بكلمة طيبة وبالجملة أُولئِكَ الموصوفون بهذه الكرامة العظمى أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ عند الله اى ذوو اليمن والكرامة وانواع اللطف وأعلى الدرجات والمقامات. ثم قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة في كتابه وَالَّذِينَ كَفَرُوا وكذبوا بِآياتِنا الدالة على عظمة ذاتنا وكمالات أسمائنا وصفاتنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ اى ذوو الملامة والندامة المأخوذون بشؤم كفرهم ومعاصيهم المجزيون بفواسد ما اقترفوا من الجرائم والآثام لذلك عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ مطبقة مغلقة مكتوبة محفوفة بحيث لا يمكنهم التنفس فيها أصلا لكونهم

стр. 1089

منهمكين في النشأة الاولى في لوازم الإمكان بحيث لا يمكنهم التنفس من لوازمها ومقتضاها أصلا. نعوذ بك من النار ومما قرب إليها يا غفار خاتمة سورة البلد عليك ايها المترقب للكرامة الإلهية والسعادة الابدية يسر الله لك طريق الوصول إليها ان تتصف بصوالح الأعمال وتجتنب عن فواسدها وتكتسب الأخلاق المرضية المقربة الى الله المبعدة عن شآمة اصحاب الزيغ والضلال المنهمكين في بحر الغفلة بأنواع الشهوات واللذات البهيمية والوهمية الفانية العائقة عن الوصول الى اللذات الروحانية الباقية وإياك إياك الاختلاط مع ارباب الثروة المفتخرين بالمال والجاه والمتصفين بالنخوة الحاصلة منهما فان صحبتك معهم تزل قدمك عن منهج التوكل وتميل قلبك عن الرضا والتسليم. ثبت أقدامنا على جادة توحيدك يا ذا القوة المتين [سورة الشمس] فاتحة سورة الشمس لا يخفى على من انكشف بوحدة الوجود وسريان شمس الذات على صفائح ذوات المظاهر والمجالى الإلهية الفائتة للحصر والإحصاء ان انبساط الحق وظهور الوجود انما هو على مقتضى الجود الإلهي وحسب اقتضاء رقائق الأسماء الإلهية والصفات الكاملة المندرجة فيه للظهور والجلاء بمقتضى الحب الذاتي المنبعث من التجلي الجمالي المتجددة على شئون متنوعة واطوار شتى لذلك أقسم سبحانه بكليات الأطوار وابتدأ بظهور شمس الذات الاحدية التي هي ينبوع بحر الوجود فقال بعد ما تيمن بِسْمِ اللَّهِ المنزه عن الظهور والبطون بحسب ذاته الرَّحْمنِ بإظهار كمالات أسمائه وصفاته حسب بسطه الرَّحِيمِ باخفائها في وحدة ذاته حسب قبضته [الآيات] وَالشَّمْسِ اى بحق شمس الذات الاحدية المتلألئة المتجلية من سماء عالم العماء وافق فضاء اللاهوت وَبحق ضُحاها المنبسطة على مرآة العدم القابلة لانعكاسها وَبحق الْقَمَرِ اى الوجود الإضافي الكلى المحيط على مطلق العكوس والاظلال المنعكسة من مرآة العدم التي هي عبارة عن سراب العالم عينا وشهادة إِذا تَلاها اى تبعها ولحقها اى شمس الذات في الاحاطة والشمول وَالنَّهارِ اى بحق نشأة الظهور والبروز المنعكسة من عالم الأسماء والصفات إِذا جَلَّاها اى شمس الذات وفصلت آثار أسمائها وصفاتها الكامنة فيها على صفحات الكائنات وَاللَّيْلِ اى نشأة البطون والخفأ المنعكسة عن عالم العماء وعن السواد الأعظم الذي قد اضمحلت دونه نقوش عموم الكثرات مطلقا وتلاشت آثار الأسماء والصفات جملة لكمال تشعشعها وبريقها ولمعانها المفرطة المسقطة للشعور والإدراك مطلقا ولهذا سمى مرتبة العماء بالسواد الأعظم إِذا يَغْشاها حيث خفيت شمس الظهور من افراط النور ومن كمال تشعشعها ولمعانها في البريق والظهور وَالسَّماءِ اى سماء الأسماء والصفات المزينة بنجوم الآثار والشئون الإلهية المتفرعة عليها وَما بَناها وأظهرها من التجليات الحبية الجمالية والجلالية وَالْأَرْضِ اى استعدادات القوابل السفلية القابلة لانعكاس آثار العلويات وَما طَحاها ونشرها من الآثار المترتبة المتفرعة على الصفات الفعالة الإلهية وَنَفْسٍ اى روح فائض من عالم الأسماء والصفات على هياكل المسميات المحسوسة وقوابل العلويات والسفليات المدركة ليستفيد كل منها بتذكر الموطن الأصلي والنشأة الجبلي وَما سَوَّاها اى عدلها

стр. 1090

وركبها ممتزجة من الآثار العلوية والسفلية وبعد ما سواها وعدلها كذلك فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها على مقتضى ما أودع فيها من الآثار العلوية والسفلية وخصص اللاهوت والناسوت ثم كلفها ليتميز المحق من المبطل والضال من الهادي والمؤمن من الكافر تتميما للحكمة المتقنة البالغة الإلهية وإظهارا للقدرة الكاملة. ثم قال سبحانه مجيبا لهذه المقسمات المذكورة على سبيل الكناية والتنبيه قَدْ أَفْلَحَ وفاز عند الله بالدرجات العلية والمقامات السنية مَنْ زَكَّاها اى من طهر نفسه عن الرذائل السفلية ومقتضياتها الامكانية وأمانيها الدنية الدنياوية وَقَدْ خابَ خسر وهلك مَنْ دَسَّاها ونقص عن كمالاتها واضلها عنها حيث حملها على اقتراف انواع المعاصي والآثام المترتبة على سفليات الطبائع والهيولى ورذائل الإمكان المورث لهم انواع الخيبة والخسران واصناف الحرمان والخذلان لذلك كَذَّبَتْ ثَمُودُ المبالغ في إهلاك النفس وتضليلها وتغريرها بمن أرسل إليها وامر لإرشادها حين انحرفت عن جادة العدالة بِطَغْواها اى بسبب طغيانها وتغليبها حظوظ السفليات على حظوظ العلويات وبعدوان القوى الامارة على جنود المطمئنة وبانقهار نشآت اللاهوت بغلبة مقتضيات الناسوت وذلك انهم قد بالغوا في العتو والعناد والتكذيب والإفساد سيما وقت إِذِ انْبَعَثَ اى قام واقدم مسرعا أَشْقاها اى أشقى القبيلة واردؤها واضلها عن طريق الحق وهو قدار بن سالف الى عقر الناقة المعهودة المخصوصة المحفوظة بالوصية الإلهية وبعد تصميم العزم اى العقر فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ باذن الله ووحيه وهو صالح ﵇ على مقتضى شفقة النبوة ذروا ناقَةَ اللَّهِ واحذروا عن عقرها وَبالجملة لا تمسوها بسوء مطلقا فيأخذكم عذاب عظيم اى لا تعرضوا لها وذروا أيضا لها سُقْياها التي قد عينها الله حسب حكمته ومصلحته ولا تذبوها عن الماء والكلأ فَكَذَّبُوهُ ولم يقبلوا قوله ونصحه واجتمعوا على عقرها فَعَقَرُوها فخرج الرسول من بينهم خوفا من حلول عذاب الله عليهم وسطوة قهره وجلاله وبعد ما ارتكبوا المنهي المحظور فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ اى أطبق عليهم الصيحة الهائلة فاهلكهم بها بالمرة بِذَنْبِهِمْ الذي صدر عنهم وهو تكذيب الرسول المرشد لهم من قبل الحق فَسَوَّاها اى سوى البلاء على تلك القبيلة وأعمه عليهم وأشمله بحيث لا ينجو منهم احد وبالجملة قد اقدم العاقر اللعين على عقرها واتفقوا معه وَلا يَخافُ لا هو ولا هم عُقْباها اى ما يعقب عقرها ويتبعه وما يترتب عليه من انواع البلاء والمصيبة والعناء مع ان الرسول قد أخبرهم بها وحذرهم عنها فكذبوه واستهزؤا به لذلك لحقهم ما لحقهم بشؤم أعمالهم الفاسدة. نعوذ بك يا ذا اللطف والجلال من سيئات الأعمال وتشتت الأحوال وتفاقم الأهوال خاتمة سورة الشمس عليك ايها الطالب للفلاح الأبدي والصلاح السرمدي المترتب على العناية الإلهية وفضله ان تصفى نفسك عن مقتضيات الإمكان وظلمات الهيولى والأركان حتى تأمن أنت عن طغيانها وعدوانها فعليك ان تحليها بالمعارف والحقائق الإلهية ومحاسن الشيم والأعمال والأخلاق المرضية الموجبة لفيضان لوامع الكشف والشهود المخلص عن مطلق القيود المنافية لصرافة اطلاق الوحدة الذاتية المسقطة لعموم الكثرات المتفرعة على مطلق الإضافات الطارئة على التعينات العدمية. وفقنا الله لتخلية النفس عن مطلق الرذائل وتحليتها بمحاسن الشيم والخصائل

стр. 1091

[سورة الليل] فاتحة سورة الليل لا يخفى على المنكشفين بنشآت الحق وشئونه الغيبية والشهادية ان تنزلات الحق عن مكمن العماء اللاهوتى نحو فضاء الناسوت على اطوار متفاوتة وشئون شتى حسب اقتضاء رقائق أسمائه الذاتية المقتضية للظهور والجلاء لذلك اقسم سبحانه بنشأتى الغيب والشهادة وبما امتزج منهما واجتمع واختلط في البرزخ الجامع الإنساني المحتوى على نشأتى الغيب والشهادة المتفرعة عليهما التكاليف الإلهية فقال بعد التيمن بِسْمِ اللَّهِ المتجلى على عموم شئونه المترتبة على أسمائه الغير المحصورة الرَّحْمنِ لجميع مظاهره حيث يطلعها على ذاته ليتوجه الكل نحوه طوعا الرَّحِيمِ لنوع الإنسان حيث نبه عليه سر سريان وحدته الذاتية على صحائف الكثرات المرئية الموهوبة ليتصف بالخلافة والنيابة الإلهية ويتحلى بحلل التفضيل والتكريم [الآيات] وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى اى بحق الهوية الغيبية الإلهية المتمكنة في مكمن العماء الذاتي المغشى لنقوش الكثرات الموهوبة المترتبة على الأسماء والصفات الذاتية المنعكسة منها من شدة بريقها ولمعانها وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى اى وبحق الهوية الشهادية الإلهية في عالم البروز والجلاء المظهرة لآثار الأسماء والصفات إظهارا للحكمة البالغة التي هي ترتب الايمان والعرفان على تلك الآثار وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى اى وبحق القادر الحكيم العليم الذي قدر وصور برزخ الإنسان المصور على صورة الرحمن الجامع لمراتب عموم الأكوان حيث ركبه وأودع فيه من الحصص اللاهوتية الغيبية والناسوتية الشهادية ثم كلفه بالتكاليف الشاقة ليترقى من حضيض الناسوت الى ذروة اللاهوت لذلك استخلفه واصطفاه وانتخبه من عموم مظاهره وهداه ليترتب على مرتبته هذه المصلحة العلية الحاصلة السنية وانما خلقه زوجا ليدوم ولا يبيد في نشأة الشهادة وجود المرتبة التي هي الغاية القصوى من نشأة الشهادة. ثم قال سبحانه مجيبا للقسم مخاطبا لافراد الإنسان تربية لهم وتنبيها على مقاصدهم ومصالحهم إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى مختلف متفاوت حسب تفاوت ما أودع ربكم فيكم من الحصص المذكورة فَأَمَّا مَنْ أَعْطى منكم للفقراء الفاقدين وجه الكفاف مما ساق له الحق من الرزق الصوري والمعنوي مقارنا للخشوع والخضوع وخلوص النية وصدق العزيمة واتى بأنواع الطاعات والعبادات المأمور بها وَاتَّقى واجتنب عن مطلق المحارم والمنهيات التي قد وردت الزواجر الإلهية فيها وَمع ذلك قد صَدَّقَ بِالْحُسْنى اى صدق بعموم مقتضيات الأسماء الحسنى الإلهية وبجميع آثار صفاته العليا التي لا تعد ولا تحصى فَسَنُيَسِّرُهُ نعده ونوفقه لِلْيُسْرى اى للطريقة السهلة السمحة الموصلة الى مقصد الوحدة والمعرفة المنجية عن غياهب الشكوك وظلمات الأوهام وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ ولم ينفق على مقتضى ما امره الحق وَاسْتَغْنى بلذات الدنيا الدنية عن اللذات الاخروية وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى بعموم مقتضيات الأسماء فَسَنُيَسِّرُهُ نبتليه ونستعده لِلْعُسْرى اى للطريقة العسرة الوعرة التي هي طريق الكفر والمعصية المؤدية الى اودية الشهوات المستلزمة لدركات النيران وَبعد ما نأخذه في النشأة الاخرى بسبب بخله وكفره ما يُغْنِي وما يكف ويدفع عَنْهُ مالُهُ شيأ من غضبنا عليه إِذا تَرَدَّى اى وقت إذ هوى وهلك في قعر جهنم الإمكان وسعير نيران الخيبة والخذلان. ثم قال سبحانه تعريضا للمفرطين المسرفين إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى يعنى ما علينا من إصلاحكم الا الهداية والإرشاد فهديناكم ولم تهتدوا

стр. 1092

وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى يعنى ما لنا الا التبيين والتنبيه بان الآخرة خير من الاولى فبينا لكم طريق المعاش في النشأة الاولى وطريق التزود والتهيئة للأخرى فلم تقبلوا منا ولم تمتثلوا لما بينا مع انا قد أكدنا هدايتكم وإرشادكم بأنواع الإنذار والتبليغ فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى تتوقد وتتلهب من شدة سورتها وبينا لكم ايضا انها لا يَصْلاها ولا يدخل فيها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ بالكتب الإلهية وما فيها من الحكم والاحكام وَتَوَلَّى اعرض عن الرسل وانصرف عن دعوتهم ومع ذلك لم تقبلوا منا عموم ما أنزلنا وبينا وَكذا قد بينا لكم ايها المكلفون انها سَيُجَنَّبُهَا اى يبعد ويخلص عن عذاب النار المسعرة في دركات الجحيم الْأَتْقَى عن المحارم والمحظورات الشرعية مطلقا الَّذِي يُؤْتِي يعنى ومع ذلك التقوى يتصدق ويعطى مالَهُ في سبيل الله طلبا لمرضاة الله على فقراء الله يَتَزَكَّى ويتطهر عن التلطخ بقاذورات الدنيا الدنية مطلقا بحيث لم يبق في قلبه سوى التوجه الى المولى حتى وصل الى سدرة المنتهى عندها جنة المأوى ومع وجود هذه المبالغات البليغة لم تتنبهوا ولم تتفطنوا وَبالجملة ما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى يعنى ما يصح وما ينبغي ويليق لاحد ان يتصدق بماله على طمع الجزاء والعوض والمكافاة بل اللائق بحاله ان لا يعطى لمن يعطى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى يعنى طلبا للقاء الله في يوم الجزاء لا لأجل الجزاء والثناء الدنيوي ولا للثواب والعطاء الأخروي ايضا بل رجاء ان يلقى ربه الرحيم ويطالع وجهه الكريم وَلَسَوْفَ يَرْضى المعطى المذكور عن الله بفوز شرف اللقاء وبكرامة كشف الغطاء. اللهم ارزقنا لقاءك يوم نلقاك خاتمة سورة الليل عليك ايها الطالب لرضاء الله والراجي مطالعة جمال الله وجلاله ان تحسن الأدب مع الله في عموم احوالك في النشأة الاولى وتزكى نفسك عن مطلق الأماني والآمال الشاغلة عن التوجه نحوه فعليك بالتبتل والاجتهاد على وجه الإخلاص وطلب التوفيق من الله ليهديك الى سبيل الرشاد وإياك إياك ان تلتفت الى مزخرفات الدنيا الدنية فإنها تلهيك عن الدرجات العلية الاخروية الوجوبية وتغريك الى الدركات الهوية الجهنمية الامكانية فلك ان تطرحها كلها حتى تتخلص عن رذائلها وتنفرج عنك غوائلها. جعلنا الله ممن تنفر عن الدنيا وما فيها وترك عموم آمالها وأمانيها بمنه وجوده [سورة الضحى] فاتحة سورة الضحى لا يخفى على من دخل تحت قباب العز الإلهي وفنى في هويته وتلاشى في ذاته وغرق في بحر وحدته واضمحل في فضاء صمديته ان عموم احوال العباد وأحلامهم وأطوارهم بعد تجردهم عن لوازم ناسوتهم واتصافهم بأوصاف اللاهوت قد صارت راجعة الى الله مستندة اليه صادرة منه سبحانه اصالة وهم حينئذ في كنف حفظه وحضانته يرقبهم حيث شاء بمقتضى حكمته المتقنة ومصلحته المستحكمة ولا شك ان أفضل من تخلق بأخلاق الله وخير من دخل تحت حيطة حضانته سبحانه وتمكن في مقعد صدق سواد أعظم اللاهوت هو نبينا صلوات الله عليه وسلامه لذلك خاطبه سبحانه خطاب ملاطفة وتكريم وسلاه عما أورده المشركون في شأنه من انه قد قلاه ربه وودعه وبالغ سبحانه في تسليته ﷺ حيث أقسم بما أقسم بعد التيمن بِسْمِ اللَّهِ

стр. 1093

الذي ظهر على حبيبه ﷺ حتى أخرجه عن مضيق الناسوت مهاجرا الى فضاء اللاهوت الرَّحْمنِ لعموم عباده حيث أرسل إليهم حبيبه ﷺ رحمة للعالمين الرَّحِيمِ لخواصهم يرشدهم بمتابعته الى روضة الرضاء وجنة التسليم [الآيات] وَالضُّحى اى بحق شروق شمس الذات الصمدية عند ضحى بعثة الحضرة الختمية الخاتمية الأحمدية وَاللَّيْلِ إِذا سَجى اى وبحق الانجلاء والانكشاف التام المنعكس من عالم العماء اللاهوتى المسمى بالليل السرمدي المغشى لمطلق الأضواء والأنوار المتفاوتة المدركة المرئية في نشأتى الغيب والشهادة المقتبسة من الأسماء والصفات المستتبعة للاضافات المتكثرة في عالم التفصيل ما وَدَّعَكَ ما انقطع قطع المودع عنك رَبُّكَ الذي رباك يا أكمل الرسل على عينه واصطفاك لنفسه وَما قَلى اى ما أبغضك ربك وما أسخطك يعنى لا تحزن من قول المشركين وزعمهم في حقك يا أكمل الرسل قد ودعك ربك وقلاك ربك في النشأة الاولى بل راعاك في أولاك ولاقاك في أخراك وَلَلْآخِرَةُ التي هي حصة جبروتك ونشأة لاهوتك خَيْرٌ لَكَ وانفع بك مِنَ نشأتك الْأُولى التي هي حصة ملكك في نشأة ناسوتك وكيف لا تكون نشأتك الآخرة خيرا من نشأة الدنيا إذ هي باقية ببقاء الله دائمة بدوامه وهذه محدثة فانية بل هي باطلة زاهقة زائلة بزهوق التعينات وبطلان الأوضاع والإضافات التي هي حاصلة منها وَبالجملة لا تحزن ايها النبي المستوي على جادة العدالة اللاهوتية من هذيانات اهل الكفر والضلال لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ بعد تجردك عن ملابس ناسوتك وملاحف بشريتك من اللذات اللاهوتية التي لا يدرك كنهها الا من اتصف بها وذاق منها فَتَرْضى أنت حينئذ من ربك ويرضى ربك عنك ايضا وبعد ما سمعت يا أكمل الرسل ما سمعت من مواعيد ربك تذكر كرمه معك فيما مضى وترقب بكراماته التي ستأتيك وبالجملة لا تيأس من روح الله ورحمته وكيف تيأس وتقنط أنت ايها النبي المغمور المستغرق في بحار لطفه وجوده عن كرم مربيك الكريم أَلَمْ يَجِدْكَ حين بروزك وتربيتك يَتِيماً متفقدا حالك حين كونك بلا رشد ولا مرشد فَآوى اى قد ضمك سبحانه نحو كنف حفظه وحضانته تحننا وإشفاقا وجذبك عنك اليه وقرن اسمك باسمه وَوَجَدَكَ ايضا ضَالًّا خاليا عن الحكم والاحكام مطلقا محفوفا بلوازم الإمكان كما هو حال الأقران والاخوان فَهَدى اى هداك وأرشدك الى الإسلام وأوصلك الى زلال التوحيد والعرفان وَوَجَدَكَ ايضا عائِلًا فقيرا حسب إمكانك ومقتضيات بشريتك الموروثة لك من نشأة ناسوتك فَأَغْنى اى قد أغناك بغنائه الذاتي بعد ما افناك في ذاته وشرفك بحلل لاهوتك بعد ما اخرجك عن ملابس ناسوتك بالمرة وبعد ما وجدك ربك يا أكمل الرسل يتيما فآواك وصادفك ضالا فهداك ولاقاك فقيرا فأغناك وبالجملة قد كرمك واصطفاك وعظمك واجتباك تذكر عموم ما اعطاك ربك وأولاك وتخلق بأخلاق مولاك فَأَمَّا الْيَتِيمَ الفاقد للرشد والمرشد متى يأوى إليك للرعاية والاسترشاد فَلا تَقْهَرْ اى لا تردعه ولا تزجره وتكلم معه حسب استعداده وبقدر قابليته الى حيث توصله وترشده الى طريق الطلب والارادة وَأَمَّا السَّائِلَ الذي يسألك من مكنونات ضميرك ومن السرائر المودعة فيك من بدائع الودائع اللاهوتية فَلا تَنْهَرْ اى لا تمنعه ولا تخيبه بل احسن اليه كما احسن الله إليك حسب استفاضته واستعداده وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ وهدايته وإرشاده فَحَدِّثْ يا أكمل الرسل مع عموم المسترشدين المستكملين فان حديثك عن سرائر

стр. 1094

الدين واسرار المعرفة واليقين مع المؤمنين المسترشدين والظالمين المستوجبين شكر منك لنعم الله وأداء لحقوق كرمه واستجلاب لمزيد نعمه وفضله خاتمة سورة الضحى عليك ايها المحمدي الملازم لتعديد نعم الحق على نفسك ان تداوم وتواظب على أداء حقوق ما وصل إليك من نعمه العظام وكرمه الجسام فلك ان تحدث في عموم أوقاتك وحالاتك عن كرم مولاك وتشكره على ما أولاك واعطاك من الآلاء والنعماء في أولاك وعدلك في أخراك وبالجملة كن في نفسك من الراجين الشاكرين لنعم الحق ومن المحدثين بحقوق كرمه ولا تكن من القانطين الغافلين في حال من الأحوال وسبح بحمد ربك بالغدو والآصال [سورة الانشراح] فاتحة سورة الانشراح لا يخفى على من شرح الله صدره للإسلام ووسع قلبه لقبول عموم الحكم والاحكام بحيث قد وسع الحق فيه مع عموم شئونه وتطوراته الغير المتناهية المترتبة على أسمائه وصفاته ان تفسيح الصدر وتوسيعه انما هو من علامات العناية الإلهية لخلص عباده إذ مقام الخلة والخلافة انما يترتب على هذا الشرح والتوسيع وهو من أعظم الفتوحات الإلهية وأجل الفيوضات الربانية لذلك خاطب سبحانه حبيبه ﷺ في مقام الامتنان به وعاتبه عليه تنبيها على جلالة شأنه ورفعة مكانه عند الله فقال متيمنا باسمه مستفهما على سبيل التأكيد والتقرير بِسْمِ اللَّهِ الذي شرح صدور عباده لقبول سرائر المعرفة واليقين الرَّحْمنِ عليهم برفع الأوزار والأثقال المانعة عن القبول عنهم بعد هداهم الى الصراط المستبين الرَّحِيمِ لهم يعليهم ويرفع ذكرهم بعد ما أخرجهم عن مقتضيات بشريتهم الى أعلى عليين [الآيات] أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ يا أكمل الرسل ولم نجعل ممن اجتبيناه للخلافة واصطفيناه للنيابة والرسالة ولم نفتح ونوسع خلدك لقبول الآيات الواردة عليك من لدنا وللامتثال لمقتضى الاحكام الموردة من عندنا تفضلا منا إليك وامتنانا عليك مع كونك اميا عاريا خاليا عنها وعن ما يترتب عليها بالكلية وبعد ما قد شرحنا صدرك لشعائر الإسلام ووسعناه لقبول معالم الدين ومراسم التوحيد واليقين قد اخترناك للرسالة والتبليغ الى عموم الأنام وَوَضَعْنا اى قد أزلنا عَنْكَ بعد ما اخترناك للرسالة وأوحينا إليك وِزْرَكَ اى ثقلك الطارئ عليك من أجل أعباء الرسالة وأداء التبليغ الَّذِي من غاية شدته وثقله قد أَنْقَضَ أثقل واتعب ظَهْرَكَ لأنك أمي ذاهل عن مطلق الاحكام المأمور بها لذلك ثقل واشتد وضاق عليك الأمر وَبعد ما وفقناك على تبليغ الرسالة وأيدناك بالآيات الموردة المنزلة في موارد الاحكام من لدنا قد رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ حيث قرننا اسمك باسمنا وخلفناك عنا واخترناك لخلافتنا ونيابتنا لذلك قد أنزلنا في شأنك من يطع الرسول فقد أطاع الله وان الذين يبايعونك انما يبايعون الله الى غير ذلك من الآيات وأى رفعة وكرامة أعلى وأعظم من ذلك وبعد ما كرمناك بأمثال هذه الكرامات العلية لا تيأس من سعة رحمتنا وروحنا واعانتنا إياك وإغاثتنا لك ولا تحزن على أذى قومك واستهزائهم بك وتطاول معاداتهم وعنادهم معك فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ الذي قد عرض عليك ولحق بك من قبلهم أحيانا يُسْراً ناشئا من قبل الحق مقابلا له وأصلا

стр. 1095

إليك من حيث لا تحتسب. ثم كرر سبحانه مبالغة وتأكيدا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ الذي ألم بك الآن من قبل أعدائك يُسْراً ناشئا منا مترقبا من عموم الجهات كيف ما اتفق وفي تعريف العسر أولا وإعادته ايضا معرفة وتنكير اليسر أولا وإعادته نكرة ايضا اشعار بقلة طرق العسر وأسبابه وكثرة طرق اليسر وموجباته يعنى لا تيأس من العسر الطارئ عليك أحيانا معهودة معدودة عن يسر ملازم لك في اكثر الأوقات وأغلبها بل مصاحب معك في جميع حالاتك وبعد ما قد امرناك يا أكمل الرسل بتبليغ الرسالة وأرسلناك لنشرها فلك ان تمتثل بالمأمور به على مقتضى الوحى والإلهام فَإِذا فَرَغْتَ عن الدعوة والتبليغ على مقتضى منصب الرسالة ومرتبة النبوة فَانْصَبْ نفسك وأتعبها بالمجاهدات والرياضات القالعة لعرق لوازم الإمكان عن أصلها على مقتضى رتبة الولاية وَبالجملة إِلى رَبِّكَ لا الى غيره من وسائل المظاهر واسبابها فَارْغَبْ في خلواتك وفي خلال سؤلك وصلواتك وفي عموم أوقاتك وحالاتك بلا رؤية الوسائل في البين والوسائط في العين خاتمة سورة الانشراح عليك ايها الطالب الراغب الى الله القاصد المعكوف حول بابه ان تفرغ بالك عن مطلق الأماني والآمال وعموم الاشغال المانعة عن الوصول الى فنائه سبحانه وترغب عن الدنيا وما فيها وتتوجه نحو الحق من طريق الفناء فيه وتطرح لوازم الحياة المستعارة ومقتضيات القوى والهوى عن هويتك بالكلية حتى تصل الى مرتبة الموت الإرادي المستلزم للبقاء الأبدي الأزلي السرمدي. جعلنا الله من زمرة ارباب الرغبة الى المولى وعن الدنيا بمنه وجوده [سورة التين] فاتحة سورة التين لا يخفى على من انكشف عنده رفعة رتبة الإنسان ووضح لديه علو شأنه وسمو برهانه ان من انحط عن الرتبة الانسانية التي هي عبارة عن الخلافة الإلهية وسقط عنها الى مهاوي الإمكان واغوار الطبائع والأركان فقد لحق بأنزل المراتب وادنى المنازل لذا عبر سبحانه عنه بأسفل السافلين واقسم سبحانه بمعظمات مظاهره لإثبات لحوق الإنسان بأسفل دركات النيران بعد ما انحط عن أعلى غرفات الجنان فقال بعد التيمن بِسْمِ اللَّهِ الذي خلق الإنسان في احسن تقويم الرَّحْمنِ عليه بأنواع التعظيم والتكريم الرَّحِيمِ عليه يوصله الى روضات النعيم [الآيات] وَبحق التِّينِ وَالزَّيْتُونِ هما جبلان في الأرض المقدسة يكثر فيهما كلتا الفاكهتين وَبحق طُورِ سِينِينَ اى الجبل الذي قد ناجى عليه مع ربه موسى الكليم وَلا سيما بحق هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ يعنى مكة شرفها الله سماها أمينا لان من دخله مؤمنا محتسبا كان آمنا من العذاب الأليم وبالجملة بحق هذه المقسمات العظام لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ اى جنسه فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ وأقوم تعديل إذ لا مظهر اعدل منه وأقوم بحسب الظاهر والباطن لذلك اصطفيناه لخلافتنا من بين خليقتنا واجتبيناه لرسالتنا الى عموم بريتنا ثُمَّ بعد ما تعلقت ارادتنا لرداءة فعله رَدَدْناهُ وحططناه من تلك المرتبة العلية والدرجة السنية أَسْفَلَ سافِلِينَ ألا وهي مقتضيات الإمكان المستلزم لدركات النيران وسلاسل أمانيها وأغلال آمالها الطوال إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا بوحدة الحق

стр. 1096

وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ المخلصة لهم عن قيود الإمكان المقربة لهم الى فضاء الوجوب فَلَهُمْ بعد ما وصلوا الى عالم اللاهوت أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ اى نعم لا تنقطع ولا يمن بها عليهم أصلا وبعد ما نبه سبحانه على ما نبه بأبلغ وجه وآكده حث عموم الإنسان على الايمان ورغبهم الى طريق اليقين والعرفان فقال على وجه التقريع والتوبيخ فَما يُكَذِّبُكَ اى يحملك على الكفر والطغيان والتكذيب والكفران ايها الإنسان المجبول على فطرة التوحيد والعرفان بَعْدُ اى بعد ما قد ظهر الحق ولاحت دلائل التصديق وامارات اليقين بِالدِّينِ والسبيل المستقيم أَلَيْسَ اللَّهُ القادر المقتدر على أمثال هذا الرد والخلق بالإرادة والاختيار بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ على كل ما شاء وأراد سواء كان بدأ او اعادة فله ان يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا يسأل عن فعله انه حكيم مجيد خاتمة سورة التين عليك ايها المحمدي الطالب للتقرر والثبوت على جادة التوحيد التي هي احسن تقويم للإنسان واعدل طريقة له ان تتأمل في هذه السورة حق التأمل وتدخر لنفسك من فوائدها ما هواهم فعليك بالتوجه الى الله والإتيان بصوالح الأعمال والاجتناب عن فواسدها وإياك إياك ان تتلطخ بقاذورات الدنيا الدنية وتنغمس بامانيها فإنها ترديك وتردك الى ادنى مراتب الإمكان الجالب لاسفل دركات النيران وتغويك فيها بأنواع الخيبة والخذلان [سورة العلق] فاتحة سورة العلق لا يخفى على من أيقظه الحق عن منام الغفلة ووفقه للخروج عن اقطار عالم الإمكان نحو فضاء الوجوب ان علامة العناية الإلهية وامارة كرامته على الموفقين من لدنه المنجذبين نحوه ان يذكرهم ويلقنهم أولا تعديد أسمائه الحسنى وأوصافه العظمى ويلزمهم المواظبة عليها الى ان ينبع ينبوع الحكمة اللدنية المودعة في قلبه المترشحة من بحر الذات الاحدية ثم يظهر على لسانه وصار حينئذ على ذكر من ربه متمكنا في مرتبة اليقين العلمي ثم يترقى منها الى ان يصير علمه عيانا ثم يصير عيانه حقا وبيانا لذلك امر سبحانه حبيبه ﷺ أولا بالقراءة والتذكير بأسمائه وصفاته بعد ما أراد سبحانه تربيته وتكريمه فقال سبحانه بعد التيمن بِسْمِ اللَّهِ الذي دبر امر الإنسان بأحسن تدبير الرَّحْمنِ عليه حيث صوره بأحسن تصوير الرَّحِيمِ عليه حيث هداه الى خير منقلب ومصير [الآيات] اقْرَأْ يا أكمل الرسل وتذكر بعد ما أدركتك العناية الحقية وحطت عليك الكرامة الإلهية بِاسْمِ رَبِّكَ اى داوم على تذكر عموم اسماء مربيك الَّذِي خَلَقَ كل شيء وأظهره من كتم العدم حسب أسمائه وصفاته ورباه بأنواع اللطف والكرم وأباح عليه من جلائل النعم سيما خَلَقَ الْإِنْسانَ وخصه من عموم الأكوان بمزيد الانعام والإحسان مع انه قد خلقه وقدر وجوده مِنْ عَلَقٍ دم معلوق مستنزل مكون من منى مرزول مكون من الدم المسفوح المتكون من أجزاء الاغذية وبعد ما امر سبحانه حبيبه ﷺ بالقراءة وتعديد الأسماء وإحصائها أولا امره بالقراءة ايضا ثانيا للتأمل والتدبر في معانيها والاستكشاف عن فحاويها بمرموزاتها المطوية في مطاوى ألفاظها وعباراتها فقال اقْرَأْ قراءة تدبر وتعمق واستكشاف

стр. 1097

لما في مطاويها من البدائع والغرائب المودوعة فيها ولا تنظر الى كونك اميا لست من اهل الإملاء وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الأكمل في الكرامة والهداية لأرباب العناية الَّذِي عَلَّمَ الخط والرقم بِالْقَلَمِ الذي هو بمراحل عن التكلم والتفهم ولا تستبعد من كمال كرامته وعنايته تعليمك يا أكمل الرسل إذ هو سبحانه عَلَّمَ الْإِنْسانَ المصور على صورة الرحمن عموم ما لَمْ يَعْلَمْ من البيان والتبيان وانواع طرق الكشف والعيان فأنت يا أكمل الرسل من أعز افراد الإنسان شأنا وأعلاه شرفا وبرهانا وارفعه قدرا ومكانا. وبعد ما أشار سبحانه الى مبدأ الإنسان ومادته والى منتهاه وغايته تعجب سبحانه من حاله واستبعد ما صدر عنه من الكفران والطغيان والبغي والعدوان مع كمال عناية الله به ووفور كرامته له فقال على سبيل الردع والزجر كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ المستحدث من الأقذار المهانة المترقى الى غاية الكرامة وأعلى المقام حسب فضلنا وجودنا لَيَطْغى ويتجاوز عن حده ويستكبر على ربه وينسى اصل منشئه لأجل أَنْ رَآهُ وعلم نفسه انه اسْتَغْنى اى قد صار غنيا عن الله مستغنيا عن الافتقار اليه مستكبرا على عباده يمشى على وجه الأرض خيلاء بما عنده من حطام الدنيا ومزخرفاتها الفانية وكيف يتأتى لك الطغيان والاستكبار ايها المسترزل المهان المستحدث من الماء المهين إِنَّ إِلى رَبِّكَ الذي أظهرك من كتم العدم وأحدثك من الأمشاج المرذولة الرُّجْعى اى الرجوع المعهود الموعود في النشأة الاخرى فسيجزيك ربك بجميع ما صدر عنك بعد ما حاسبك عليه حسب العدالة والإنصاف. ثم نص سبحانه على ذكر بعض الطاغين المستغنين المستكبرين بما عنده من الجاه والثروة وهو ابو جهل اللعين فقال أَرَأَيْتَ ايها المعتبر الرائي الطاغي الباغي الَّذِي يَنْهى اى يمنع ويكف عَبْداً كاملا في العبودية يعنى محمدا ﷺ إِذا صَلَّى وتوجه نحو ربه بجميع أعضائه وجوارحه وأراد ان يصرفه عنها ويعوق عليه وذلك ان أبا جهل لعنه الله قال لو رأيت محمدا ساجدا لأطأن عنقه فرآه ساجدا فجاءه ليطأه ثم نكص واستدبر فقيل له ما لك فقال ان بيني وبينه لخندقا مملوا من النار وهولا واجنحة. ثم خاطب سبحانه هذا الطاغي الناهي خطاب تهديد وتقريع أَرَأَيْتَ اى أخبرني ايها المفسد المتناهي في البغي والعناد إِنْ كانَ العبد المصلى نحو الحق تابعا عَلَى الْهُدى والرشد أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى والاجتناب عن مقتضيات الهوى لتنهاه أنت ايها الطاغي عن فعله هذا وتمنعه عن رشاده وإرشاده البتة أَرَأَيْتَ أخبرني ايضا انك قد نهيته عن الصلاة إِنْ كَذَّبَ على الله وَتَوَلَّى اى اعرض عن مقتضيات أوامره سبحانه ونواهيه وبالجملة نهيته ايها الناهي المتناهي في العتو والعناد عن الصلاة مطلقا سواء كان على الهدى آمرا بالتقوى متجنبا عن الهوى او مكذبا على المولى معرضا عما جرى عليه من القضاء مستنكفا عن مطلق الأوامر والنواهي والاحكام المأمور بها الموردة في الكتب السماوية يعنى ليس سبب نهيك الا العصبية والعناد سواء كان محقا في فعله او مبطلا. ثم قال سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع لهذا المكابر الناهي أَلَمْ يَعْلَمْ ذلك الناهي المباهي المتناهي في الكبر والخيلاء بِأَنَّ اللَّهَ القادر المقتدر على وجوه الانعام والانتقام يَرى يعلم ويشهد جميع ما صدر عنه من المجادلة والمراء فيجازيه بمقتضى علمه وخبرته. ثم قال سبحانه كَلَّا ردعا للناهى عما عليه من المكابرة والعناد لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الناهي المباهي المتناهي فيما عليه من المكابرة والعناد لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ اى لنأخذن البتة بناصيته ونسحبنه مكبا على وجهه نحو النار المعدة لتعذيب الكفرة الفجار المبالغين في الكفر والكفران

стр. 1098

على وجه الإصرار والاغترار وأى ناصية ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ اى كاذب خاطئ صاحبها متناه في الطغيان والعدوان وصف الناصية بها للمبالغة والتأكيد وبعد ما نسحبه كذلك ونأخذه على ظلمه هكذا فَلْيَدْعُ وليناد حينئذ نادِيَهُ اهل مجلسه وأعوانه صارخا عليهم مستعينا منهم مستغيثا بهم حتى ينصروه وينقذوه من العذاب النازل عليه بمقتضى القهر الشامل مع انا ايضا سَنَدْعُ ونأمر يومئذ الزَّبانِيَةَ الشرطة الموكلين على جهنم ليجروه نحو النار على وجه الهوان والصغار ثم كرر سبحانه قوله كَلَّا تأكيدا لردعه وتشديدا عليه ثم نهى سبحانه حبيبه ﷺ عن اطاعة ذلك الباغي والإصغاء الى قوله والمؤانسة معه والالتفات اليه بقوله لا تُطِعْهُ اى دم يا أكمل الرسل على صلاتك واثبت عليها ولا تلتفت الى هذياناته الباطلة وَاسْجُدْ لربك على وجه الخضوع والخشوع وَاقْتَرِبْ اليه وتقرب نحوه باطراح لوازم ناسوتك مكبرا إياه محرما على نفسك عموم حظوظك من دنياك مسقطا عنك مقتضيات بشريتك ولواحق مادتك مطلقا وفي الحديث صلوات الله وسلامه على قائله اقرب ما يكون العبد الى ربه إذا سجد وبالجملة سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين خاتمة سورة العلق عليك ايها الطالب للتقرب نحو الحق والوصول الى فضاء اللاهوت اعانك الله في مطلبك هذا وطلبك ان تداوم على عموم الطاعات ومطلق العبادات التي أمرت بها على وجه الإخلاص والتذلل التام والانكسار المفرط إذ ما تقرب العبد الى ربه الا بالاستكانة التامة والضراعة الكاملة بالافناء والفناء عن لوازم نشأة الناسوت وبالاتصاف بالموت الإرادي المورث للحياة الازلية الابدية والبقاء السرمدي. جعلنا الله من المتصفين به بمنه وجوده [سورة القدر] فاتحة سورة القدر لا يخفى على من كوشف بسرائر إنزال الكتب وإرسال الرسل من الموفقين على الاطلاع والوقوف بسر سريان الوحدة الذاتية الإلهية على صفحات الكثرات الفائتة عن الحصر والإحصاء ان المقادير المحفوظة في لوح القضاء والتصاوير المضبوطة في حضرة العلم والقلم الأعلى انما هي في عالم العماء الغيبى المسمى بليلة القدر وانزالها منها نحو فضاء الشهادة ونهار الجلاء انما هو ايضا فيه ولا شك ان سر إنزال مطلق الكتب والصحف الإلهية انما هو لضبط تلك المقادير والاخبار عنها على الوجه الذي ثبت في حضرة العلم ولوح القضاء لذلك اخبر سبحانه حبيبه ﷺ في مقام الامتنان بانزال القرآن في ليلة القدر الغيبى التي هي خير من ألف شهر من ازمنة نشأة الشهادة فقال بعد التيمن بِسْمِ اللَّهِ الذي قدر عموم المقادير في حضرة علمه ولوح قضائه الرَّحْمنِ لعباده بانزال القرآن المبين لهم طريق المعرفة والايمان الرَّحِيمِ بايقاظهم عن نوم الغفلة ورقود النسيان [الآيات] إِنَّا من مقام عظيم لطفنا وجودنا لعموم عبادنا قد أَنْزَلْناهُ اى القرآن المبين لهم طريق النجاة عن نيران الجهالات واودية الضلالات فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ الغيبى التي لا اطلاع لاحد عليها الأعلام الغيوب لذلك ابهمها سبحانه على حبيبه ﷺ فقال وَما أَدْراكَ اى اى شيء أعلمك من مقتضيات بشريتك ولوازم ناسوتك ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ

стр. 1099

إذ هي خارجة عن مدارك عالم الناسوت ومشاعر سكانه مطلقا ثم بينها سبحانه على مقتضى افهام البشر ومداركهم فقال لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ من ايام عالم الشهادة ولياليه إذ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ اى سكان السواد الأعظم اللاهوتى وَالرُّوحُ الأمين المدبر لأمور أرواح أشباح عالم الناسوت فِيها اى في تلك الليلة ونزولهم فيها انما هو بِإِذْنِ رَبِّهِمْ الذي يأمرهم بالنزول فيها ومع كل منهم مِنْ كُلِّ أَمْرٍ من الأمور الإلهية الجارية في عالم الشهادة سَلامٌ تفويض وتسليم من قبل الحق يسلم لهم سبحانه حكمه ويفوض إليهم امره حسب حكمته المتقنة ومصلحته المستحكمة ليقوم كل منهم به ويحسن تدبيره على الوجه الذي امر به وبالجملة هِيَ اى حالهم وشأنهم هذا وهكذا حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ اى الى طلوع شمس الذات الإلهية المفنية بأشعتها الذاتية عموم اضواء الاظلال والعكوس المنعكسة منها مطلقا كأن ليلة القدر التي قد سترت في خلال ليالي السنة او في ليالي شهر رمضان او في ليالي العشر الأخير منه على ما قيل هي حاكية ممثلة من تلك الليلة القدرية الغيبية العمائية اللاهوتية لذلك ما عينها الشارع وما عرفها بل ابهمها وأخفاها قيل يقدر في تلك الليلة عموم احوال تلك السنة وجميع ما يجرى فيها من الحوادث الكائنة كما ان في أصلها ومنشئها التي هي ليلة القدر الغيبة قد قدر فيها عموم المقادير الكائنة ازلا وابدا لذلك من وجدها وأحياها فقد فاز بخير الدارين. رزقنا الله وجدها والوصول إليها والتحقق دونها بمنه وجوده خاتمة سورة القدر عليك ايها العازم القاصد لإحياء تلك الليلة والطالب المتشوق لإدراكها ان تشمر ذيلك لإحياء عموم الليالى الآتية عليك في ايام حياتك إذ هي مستترة فيها وبالجملة لا تغفل عن الله في عموم أوقاتك حتى تكون لك لياليك قدرا خيرا من الدنيا وما فيها [سورة البينة] فاتحة سورة البينة لا يخفى على المستكشفين عن سرائر الآيات الموضحة لمعالم الدين ومراسم التوحيد واليقين ان ظهور طريق الحق وسلوك سبيل الهداية انما يحصل ببعثة الرسل وإنزال الكتب إذ تبيين الحق ما هو الا من قبل الحق بل بالحق كما اخبر سبحانه عن حقيقة حال الكفرة في الايمان والكفر والكفران بعد ما تيمن بِسْمِ اللَّهِ المظهر لطريق الحق بإرسال الرسل وإنزال الكتب والآيات الرَّحْمنِ لعموم عباده بإيضاح البينات الرَّحِيمِ لخواصهم بايصالهم الى أعلى المقامات وارفع الدرجات [الآيات] لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يعنى اليهود والنصارى وَالْمُشْرِكِينَ اى عبدة الأصنام والأوثان مُنْفَكِّينَ اى لم يكونوا زائلين منفصلين في حين من الأحيان عن الايمان والاعتقاد بنبوة محمد ﷺ إذ اهل الكتاب آمنوا بنبوته حسب ما وجدوا في كتبهم المنزلة عليهم والمشركون سمعوا من أسلافهم وكهنتهم وصفه ونبوته فاعتقدوا بعثته فآمنوا به ولم يزالوا على هذا الاعتقاد حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ على مقتضى سنة الله فظهرت الحجة الواضحة والبينة والبرهان القاطع الساطع وتلك البينة والبرهان القاطع رَسُولٌ مرسل مِنَ اللَّهِ مؤيد من لدنه بالآيات الواضحة والبينات اللائحة المصححة يَتْلُوا عليهم صُحُفاً وأسفارا

стр. 1100

محفوظة مسورة معجزة مُطَهَّرَةً عن مطلق الرذائل بحيث لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إذ هي منزلة من حكيم عليم فِيها اى في خلالها ومطاويها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ اى مكتوبات صادقة حقية مملوة من الأوامر والنواهي والاحكام المتعلقة بدين الإسلام صادقة في نفس الأمر مطابقة للواقع مستقيمة لا عوج لها ولا انحراف فيها ناطقة بالحق الصريح وَبالجملة ما تَفَرَّقَ واختلف في الإنكار والاعتقاد والايمان والكفر الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ يعنى ما تفرق تلك الأمم عماهم عليه من تصديق النبي الموعود الا من بعد ما ظهر الرسول الموعود ولاحت البينة الواضحة الدالة على صدقه في نبوته ودعوته ألا وهو القرآن المعجز المبين لشعائر الإسلام وبالجملة قد اختلفوا في شأنه ﷺ بعد بعثته فمنهم من آمن به على مقتضى ما وجده في كتابه ومنهم من كفر وأنكر عليه عنادا ومكابرة ولهذا قد حرفوا أوصافه المذكورة في الكتب السالفة مع انهم لم يجدوا في دينه وكتابه ما يخالف احكام كتبهم واديانهم وَالحال انهم ما أُمِرُوا في كتبهم إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ الواحد الأحد الصمد الحقيق بالحقية والألوهية مُخْلِصِينَ مخصصين لَهُ الدِّينَ والانقياد بلا اشراك والحاد حُنَفاءَ مائلين عن مطلق الأديان الباطلة وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ المكتوبة لهم في أوقاتها الموعودة المحفوظة وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ المصفية لأموالهم على وجهها وَذلِكَ الذي أمروا به في كتبهم دِينُ الْقَيِّمَةِ يعنى ملة الإسلام المستقيمة التي قد ظهر عليها محمد ﷺ بلا تغير وانحراف فيه واختلاف وبالجملة هم ما كفروا وأنكروا نبوته ورسالته ﷺ الا عنادا ومكابرة بلا مستند صحيح لا عقلي ولا نقلي وبالجملة إِنَّ المكابرين المعاندين الَّذِينَ كَفَرُوا بنبوة محمد ﷺ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَمن الْمُشْرِكِينَ المعاندين هم داخلون فِي نارِ جَهَنَّمَ التي هي دار الطرد والحرمان خالِدِينَ فِيها ابدا لا يتحولون عنها أصلا الا الى عذاب فوق ذلك العذاب وأشد منه وبالجملة أُولئِكَ الأشقياء المردودون المطرودون عن ساحة عز القبول هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ وأسوأ الخليقة واردؤهم كأنهم مقصورون على الشرارة والرداءة مجسمون منها. ثم قال سبحانه على مقتضى سنته إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا منهم بوحدة الحق وصدقوا بنبوة محمد ﷺ وقبلوا دعوته ودينه حسب ما وجدوا في كتبهم وسمعوا وصفه من أسلافهم بلا تحريف ولا تغيير وَمع ذلك قد عَمِلُوا الصَّالِحاتِ المقربة لهم الى الله المرضية عنده سبحانه أُولئِكَ السعداء المقبولون عند الله هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ واحسن الخليقة جَزاؤُهُمْ اى أجزأتهم الحسنة التي قد استحقوها بايمانهم وأعمالهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ متنزهات علم وعين وحق تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ اى جداول المعارف والحقائق الممتدة المترشحة من بحر الحقيقة خالِدِينَ فِيها أَبَداً دائمين فيها أمدا سرمدا وبالجملة قد رَضِيَ اللَّهُ المنعم المتفضل العليم الحكيم عَنْهُمْ وعن أعمالهم ونياتهم وإخلاصهم فيها وَرَضُوا ايضا عَنْهُ سبحانه بما قسم الله لهم وأفاض عليهم حسب استعداداتهم وقابلياتهم وبالجملة ذلِكَ الأجر الجزيل والرضاء الجميل لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ وخاف عن سخطه وغضبه وعن القيام بين يديه فامتثل أوامره واجتنب نواهيه واتصف بالتقوى عن مطلق محارمه ومحظوراته. جعلنا الله من زمرتهم وخدامهم

стр. 1101

خاتمة سورة البينة عليك ايها المريد القاصد نحو الحق الراجي منه القبول والرضاء ان تصفى سرك عن مطلق الرعونات المنافية للرضاء والتسليم بما جرى به القضاء وتخلى خلدك وضميرك عن الميل الى مطلق البدع والأهواء المبعدة عن التقرب نحو المولى فعليك بالتسليم والرضاء والتبتل الى الحق في السراء والضراء والتوكل عليه في الخصب والرخاء فانه لا يجرى في ملكه الا ما يشاء وما يشاء سبحانه الا على وفق الرضاء تفضلا منه وامتنانا [سورة الزلزال] فاتحة سورة الزلزال لا يخفى على الموحدين المنكشفين بأحوال النشأة الاخرى التي هي نشأة انتقاد الأعمال وجزائها ان الحكمة المتقنة الإلهية الباعثة على إيجاد الموجودات واظهار عموم المخلوقات تقتضي ان تكون نشأة الاختبار والابتلاء سابقة على نشأة الجزاء لتظهر سرائر التكاليف الإلهية وفوائد الأوامر والنواهي والاحكام المنزلة من عنده وتتميز مرتبة الربوبية عن مرتبة العبودية والألوهية عن المألوهية وبعد ما قد اقتضت الحكمة المتقنة الإلهية ترتب النشأة الاخرى على الاولى أشار سبحانه الى امارات النشأة الاخرى وعلاماتها بعد ما تيمن بِسْمِ اللَّهِ المدبر لأمور عباده حسب النشأتين الرَّحْمنِ عليهم في النشأة الاولى حيث وضع عليهم التكاليف المثمرة لهم خير الجزاء الرَّحِيمِ لخواصهم في النشأة الاخرى يجزيهم جزاء الأوفى اذكر يا أكمل الرسل لمن كذب بالنشأة الاخرى وأنكر يوم العرض والجزاء كيف وقت [الآيات] إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ اى هاجت واضطربت بعد ما وصل إليها الأمر الإلهي المتضمن للتحريك والتهييج زِلْزالَها الذي قدره الله لها عند النفخة الاولى وَبعد ما هاجت وتحركت قد أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها اى دفائنها ومكنوناتها وما في جوفها من الأموات وَبعد ما رأى الناس زلزالها وإخراجها قالَ الْإِنْسانُ من كمال حيرته وتعجبه ما لَها اى ما عرض على الأرض وما لحق بها حتى اضطرت الى الحركة والاضطراب مع انها ساكنة في حد ذاتها جامدة دائما وبالجملة يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ الأرض بالهام الله إياها أَخْبارَها اى الأعمال التي قد عمل عليها بنو آدم عن ابى هريرة رضى الله عنه انه قال قال رسول الله ﷺ هذه الآية يومئذ تحدث اخبارها قال اتدرون ما اخبارها قالوا الله ورسوله اعلم قال فان اخبارها ان تشهد على كل عبد وامة بما عمل على ظهرها اى تقول عمل على كذا وكذا يوم كذا فهذه اخبارها وذلك بِأَنَّ رَبَّكَ يا أكمل الرسل أَوْحى لَها اى امر لها سبحانه واذن لها بالكلام فحينئذ لتكلمت وتحدثت واذكر يا أكمل الرسل يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ يرجع ويعود النَّاسُ عن موقف العرض والحساب أَشْتاتاً متفرقين متحزبين حسب مراتبهم في الحساب كل منهم مع شاكلته لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ أجزأتهم المعدة لهم في الجنة او النار فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ اى مقدار نملة صغيرة ووزنها خَيْراً يَرَهُ اى ير جزاءه في الجنة وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ اى جزاءه في النار هذه الآية احكم آية وأقسطها من الآيات الدالة على كمال العدل الإلهي وأشملها حكما لذلك قال ﷺ إذا زلزلت تعدل نصف القرآن وقل هو الله احد تعدل ثلث القرآن وقل يا ايها الكافرون تعدل ربع القرآن

стр. 1102

خاتمة سورة الزلزال عليك ايها المتوجه نحو الحق ان تأتى وتتصف بصوالح الأعمال وتزيد عليها حسب إخلاصك فيها وخشوعك في إتيانها وتجتنب عن فواسدها لترى احسن الجزاء فلك ان تجعل مضمون هذه الآية نصب عينك في عموم احوالك وأعمالك لتكون على ذكر تام وفطنة كاملة مما يترتب على أعمالك من الجزاء. جعلنا الله من زمرة المتذكرين الممتثلين لمقتضى هذه الآية الكريمة بمنه وجوده [سورة العاديات] فاتحة سورة العاديات لا يخفى على المستلشقين من نفحات الحق المستروحين بنسمات النفثات الرحمانية المهبة من قبل اليمن اللاهوتى بإرسال الفيض الرحموتى ان النيل والوصول الى تلك المنازل البهية والمقامات العلية انما هو بعد رفض شواغل الناسوت ورفع موانع بوادي الإمكان وقطع آماله المتسعة وأمانيه المتسلسلة وذلك لا يتيسر الا بجذب الحق وتأييده واجتهاد العبد وبذل جهده ووسعه لذلك اقسم سبحانه بما اقسم من النفوس القدسية المتشوقة وقرن مع القسم ما قرن من كفران الإنسان نعم الحق وخسرانه فيها باشتغاله بما لا يعنيه من لوازم الحجب الناسوتية فقال بعد التيمن بِسْمِ اللَّهِ المدبر لأمور الإنسان حتى أوصله الى مرتبة اليقين والعرفان الرَّحْمنِ عليه بخلقه على صورته ليليق لخلافته الرَّحِيمِ له يربيه ويهديه الى حيث يوصله الى بحر وحدته [الآيات] وَالْعادِياتِ اقسم سبحانه بالنفوس القدسية الزكية عن مطلق الرذائل الانسية وشبهها في سرعة العدو والجري بالخيول الجياد فكأنها تعدو للمجاوزة عن مضائق بقعة الإمكان ومحابس نشأة الناسوت نحو فضاء الوجوب ومتنزهات عالم اللاهوت شوقا إليها وتحننا نحوها لذلك كلما قطعت عقبة من تلك العقبات الناسوتية تضبح ضَبْحاً والضبح هو صوت أنفاس الفرس عند العدو وتلك النفوس ايضا تضبح حينئذ تشوقا الى مقعد الوجوب وتنفسا عن كروب الإمكان واحزان الهيولى والأركان فَالْمُورِياتِ قَدْحاً اى النفوس المتحننة المسرعة المستعجلة نحو الموطن الأصلي بالميل الجبلي سيما بعد الجذب الإلهي المورى بحوافر مراكب الشوق المسرعة عند عدوها على أحجار الطبائع وجنادل الهيولى والأركان نار المحبة والمودة والغرام المفرط من شدة تشوقها وتلذذها الى النيل والوصول واستنشاقها من نسائم روائح الحضور والقبول فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً اى النفوس التي تغير في المبادرة والمسابقة نحو عالم اللاهوت وتجتهد وتسعى لان تصل اليه قبل كل واحدة من النفوس المبادرة المتوجهة إليها الساعية نحوها فَأَثَرْنَ بِهِ وهيجن وحركن في تلك الأوقات التي وصلن فيها اليه نَقْعاً غبارا وصياحا لتكون علامة دالة على قربهن ووصولهن فَوَسَطْنَ بِهِ اى دخلن وتوسطن بذلك الوقت جَمْعاً من سكان عالم اللاهوت المطلقين عن جميع القيود الناسوتية وبالجملة بحق هذه المقسمات العظام إِنَّ الْإِنْسانَ المجبول على الكفران والنسيان لِرَبِّهِ الذي رباه بأنواع الكرم والإحسان لَكَنُودٌ كفور متبالغ في الكفران والطغيان وَإِنَّهُ اى الإنسان نفسه عَلى ذلِكَ اى على كفوريته وكنوديته لَشَهِيدٌ لظهور آثار الكفران والطغيان عليه دائما وصدور انواع البغي والعدوان عنه مستمرا وبالجملة هو نفسه شاهد على كفره وكفرانه وشركه بالله وطغيانه الى حيث يلوح اثر عصيانه عليه ساعة فساعة وَإِنَّهُ من شدة بغيه وعدوانه وغفلته عن الله وعن إحسانه لِحُبِّ الْخَيْرِ اى المال والجاه والثروة

стр. 1103

والسيادة المبعدة له عن كنف مولاه لَشَدِيدٌ قوى مبالغ فيه مباه به حريص في طلبه متعب نفسه في تحصيله وحبه وما هذا الا من غاية كفرانه بنعم الله وحرمانه عن مقتضى كرمه سبحانه وضعف يقينه بفضل الله وموائد انعامه وإحسانه أَفَلا يَعْلَمُ ولا يدرك ولا يشعر الإنسان الكفور الكنود المحب للجاه والمال وقت إِذا بُعْثِرَ اى بعث ونشر وحشر ما فِي الْقُبُورِ من الموتى وَحُصِّلَ اى جمع وميز ما فِي الصُّدُورِ من المكنونات والمضمرات خيرا كان او شرا إِنَّ رَبَّهُمْ الذي أظهرهم من كتم العدم ورباهم بأنواع الكرم بِهِمْ وبعموم ما جرى عليهم من شئونهم وتطوراتهم يَوْمَئِذٍ وهو يوم القيامة التي فيها تبلى السرائر وتكشف الضمائر لَخَبِيرٌ وبصير بعموم ما جرى عليهم في نشأة الاختبار خيرا كان او شرا فيجازيهم على مقتضى علمه وخبرته بلا فوت شيء من ذلك ومع علمه سبحانه بهم وبما صدر عنهم يعملون عملا سيئا يؤاخذون عليه. نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا خاتمة سورة العاديات عليك ايها الإنسان الكامل المجبول على حكمة المعرفة والإيقان ان تشمر ذيلك الى ما جبلت لأجله وتخلى خلدك عن مطلق الاشغال العائقة عن التوجه الحقيقي نحو الحق فلك ان ترى يوم الجزاء بين يديك ونصب عينيك وبالجملة لا تغفل عن الله فانه يرقبك في أولاك وأخراك وفي عموم أوقاتك وازمانك وحالاتك [سورة القارعة] فاتحة سورة القارعة لا يخفى على الموقنين المنكشفين بسرائر النشأتين ان النشأة الاولى ما هي الا لاكتساب المعارف والحقائق الكامنة في مطاوى التكاليف الإلهية المكنونة في سرائر أوامره ونواهيه وحكمه وأحكامه والثانية انما هي للجزاء المترتب على تلك المعارف والحقائق ولا شك ان من تهاون وتقاصر عن ما لزمه في الاولى فقد ضل وغوى واستحق الويل واللظى ولحق بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة يجازون بمقتضاها وللتهويل على اصحاب الغفلة وتقريعهم على ترك ما أوجب عليهم وأمرهم سمى سبحانه يوم القيامة بالقارعة وابهمها تفظيعا وتهويلا فقال بعد التيمن بِسْمِ اللَّهِ المتصف بالقهر واللطف حسب النشأتين الرَّحْمنِ على عموم المطيعين من عباده في النشأة الاولى الرَّحِيمِ على المخلصين منهم في النشأة الاخرى يوصلهم الى أقصى درجات النعيم [الآيات] الْقارِعَةُ اى الساعة الموعودة المعهودة التي تقرع الأسماع من هولها وهيبتها وتدهش العقول من شدتها وصولتها ثم ابهمها سبحانه تهويلا فقال مَا الْقارِعَةُ المذكورة وايّة شيء هي ثم ابهمها مرة اخرى مخاطبا لحبيبه ﷺ تأكيدا لتهويلها ومبالغة على تفظيعها فقال وَما أَدْراكَ وأعلمك يا أكمل الرسل مَا الْقارِعَةُ العجيبة الشأن الفظيعة العظيمة الهائلة المهولة ثم عد سبحانه لوازمها وما يترتب عليها لينتقل منها إليها وانما أشار سبحانه بهذه الطريقة ايضا الى شدة هولها وفظاعتها فيكون تهويلا وتأكيدا على تأكيد ومبالغة غب مبالغة اذكر يا أكمل الرسل لمن تذكر واتعظ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ من نهاية افزاعهم واخوافهم كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ اى كالطير المتهافت المتساقط على النار من شدة اضطرابه يعنى يكون الناس

стр. 1104

يومئذ مثل الفراش المتفرق في الجهات من غاية الاضطرار والاضطراب بحيث لا يتمالكون على نفوسهم بل يركب بعضهم فوق بعض ويطأ بعضهم بعضا من غاية خشيتهم ورعبهم وازدحامهم وَتَكُونُ الْجِبالُ يومئذ من كمال قهر الله وغضبه كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ اى كالصوف الملون المندوف تطير في جو الهواء يمنة ويسرة وبالجملة فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ يومئذ مَوازِينُهُ اى رجحت مقادير حسناته على مقادير سيئاته فَهُوَ يومئذ فِي عِيشَةٍ هنيئة مريئة راضِيَةٍ صاحبها عنها وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ يومئذ مَوازِينُهُ اى من خفت حسناته وثقلت سيئاته فَأُمُّهُ اى مستقره ومأواه الذي يأوى اليه يومئذ هاوِيَةٌ هي من اسماء جهنم ثم ابهمها سبحانه تهويلا وتفظيعا فقال وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ اى الهاوية ثم فسرها ليكون ادخل في التهويل فقال نارٌ حامِيَةٌ اى ماهية الهاوية وحقيقتها نار ذات حمى وحرارة بحيث قد انتهت في الحرارة والسخونة غايتها. أعاذنا الله وعموم عباده منها بمنه وجوده خاتمة سورة القارعة عليك ايها الطالب لترجيح الحسنات على السيئات ان ترغب في سرك ونجواك عن مستلذات الدنيا وعن مشتهياتها الفانية وتركن الى اللذات الروحانية من الأحوال والمواجيد الاخروية الباقية المستلزمة للدرجات العلية والمقامات السنية عند الله وإياك إياك الأماني وطول الأمل فإنها توقعك في فتنة عظيمة وبلية شديدة لا نجاة لك منها ولا خلاص لك عنها وعن ما يترتب عليها ابدا. خلصنا الله وعموم عباده من غوائل الدنيا وما فيها [سورة التكاثر] فاتحة سورة التكاثر لا يخفى على من هداه الله الى طريق المعرفة والايمان وكشف لهم سبيل الكشف والعيان وأفاض عليه بلطفه سجال الفضل والإحسان ان الأموال والأولاد ومطلق المزخرفات الدنية الدنياوية ما هي الا اسباب التكاثر والتفاخر وعلل الاستكبار والخيلاء في النشأة الاولى وموجبات العوائق عن الوصول الى روضة الرضا وجنة المأوى في النشأة الاخرى فلا بد لأرباب الارادة والولاء ان يتزهدوا عنها ولا يلتفتوا إليها مطلقا بل يتزودوا فيها للنشأة الاخرى بزاد التقوى فنعم الزاد التقوى والرضا بما جرى عليه القضاء لذلك خاطب سبحانه في هذه السورة اهل المفاخرة والمباهاة بتكاثر الأموال والأولاد وأوعدهم بما أوعدهم تسجيلا على ضلالهم وانحرافهم عن جادة العدالة الإلهية وصراط التوحيد فقال بعد التيمن بِسْمِ اللَّهِ المتجلى بكمالاته في الإنسان ليربيه على نشأة الايمان والعرفان الرَّحْمنِ عليه بأنواع اللطف والإحسان ليتوجه نحوه سبحانه في عموم الأحيان الرَّحِيمِ له يهديه الى مرتبة الكشف والعيان [الآيات] أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ اى شغلتكم المفاخرة والمباهاة بكثرة الأموال والأولاد ايها المنهمكون في بحر الغفلة والضلال عن توحيد ربكم وطاعته وقد كنتم أنتم على هذا طول عمركم حَتَّى زُرْتُمُ ولحقتم الْمَقابِرَ وصرتم فيها أمواتا أمثالهم وبالجملة ما صدر عنكم ما جبلتم لأجله طول دهركم حتى متم وخرجتم عنها بلا ترتب حكمة المعرفة ومصلحة الايمان قال سبحانه ردعا لهم وتهديدا كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ان أمركم وشأنكم ما هذا التكاثر والتفاخر وستعلمون غدا ما يترتب عليه ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ان الأمر ليس كذلك كرره تأكيدا ومبالغة في التهديد والوعيد وتهويلا للموعود ثم سجل عليهم

стр. 1105

سبحانه جهلهم وضلالهم رادعا لهم بقوله كَلَّا يعنى ما تتكاثرون ولا تتفاخرون وتتباهون بهذه الزخرفة الفانية الدنية ايها الجاهلون المكابرون لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ اى لو علمتم يقينا علميا وصدقتم تصديقا قلبيا انكم لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ لما تكاثرتم ولا تفاخرتم بما تفاخرتم وما خطر ببالكم أمثال هذه الخواطر الكاذبة الا انكم جاهلون ذاهلون غافلون عن رؤيتها بل أنتم منكرون لها ايها المسرفون المفرطون لذلك قد كنتم تفتخرون وتتكاثرون بالحطام الدنية الدنياوية وتستلذون بلذاتها الفانية وشهواتها الغير الباقية. ثم كرر سبحانه امر الرؤية تهويلا عليهم وتنصيصا على وعيدهم فقال ثُمَّ لَتَرَوُنَّها اى الجحيم المعدة لتعذيبكم عَيْنَ الْيَقِينِ اى يقينا عينيا حين تعاينونها وترون منازلكم فيها ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ ولتحاسبن ايها الناس الناسون لعهود الحق ومواثيقه يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ الفاني الذي قد شغلكم عن الحق وألهاكم عن طاعته وعبادته وصرفكم عن النعيم المقيم فحينئذ ظهر عندكم خطأ آرائكم وفساد اهوائكم التي قد كنتم عليها في النشأة الاولى ولا يفيدكم ظهورهما لانقضاء زمان التدارك والتلافي. ربنا آتنا من لدنك رحمة انك أنت الوهاب خاتمة سورة التكاثر عليك ايها المحمدي المتصف باليقين العلمي بعموم المعتقدات الاخروية ان تكون على ذكر تام منها واستحضار كامل بحيث يكون علمك بها عينا بل حقا قبل حلولها ونزولها فعليك ان تركن عن الدنيا ومزخرفاتها الفانية ونعيمها الغير الباقية ولذاتها وتقنع بالكفاف وتتصف بالعزوبة والعفاف سيما في هذا الزمان الخوان وبين هذه الاخوان الذين هم اخوان الشياطين مشغولون بتكثير الزخارف والحطام في كل حين وأوان لتحصيل المال والجاه ليتفوقوا على الأقران وبالجملة عليك ان تلازم العزلة والفرار عن اصحاب الثروة والفضول فان صحبة الأشرار يعوقك عن ملاحظة الأسرار ويمنعك عن مشاهدة الأنوار. ربنا هب لنا من لدنك جذبة تنجينا من فضول الكلام وتوصلنا الى دار السلام [سورة العصر] فاتحة سورة العصر لا يخفى على من انكشف له وحدة الحق واستقلاله في الوجود وسريانه في جميع الموجودات والمشهودات الظاهرة في صفحات الكائنات من عكوس أسمائه وصفاته الغير المحصورة ان ما سوى هذه الملاحظات والمشاهدات المتعلقة بكيفية شئون الحق وتطوراته المترتبة على أسمائه الحسنى وصفاته العليا انما هو خسران مبين ونقصان عظيم إذ الفطرة الانسانية انما جبلت لأجلها فمن لم يتصف بها فقد خسر خسرانا مبينا لذلك نبه سبحانه في هذه السورة على خسران الإنسان وحرمانه عن طريق العرفان ما لم يتصف بالإيمان والأعمال الصالحات والطاعات فقال سبحانه مقسما بعد ما تيمن بِسْمِ اللَّهِ الذي خلق الإنسان على صورته ليتخلق بأخلاقه الرَّحْمنِ عليه حيث أظهره من كتم العدم ورباه بأنواع اللطف والكرم الرَّحِيمِ عليه يهديه الى صراط مستقيم موصل الى توحيده [الآيات] وَالْعَصْرِ اقسم سبحانه بالعصر والدهر الذي هو عبارة عن بقاء الوجود الأزلي الأبدي دوامه السرمدي المنبسط الممتد من أزل الذات الى ابد الأسماء والصفات ألا وهو حبل الله

стр. 1106

الممدود والعروة الوثقى التي لا انفصام لها في عين الشهود إِنَّ الْإِنْسانَ المجبول على فطرة المعرفة والايمان حسب حصته اللاهوتية لَفِي خُسْرٍ عظيم وخيبة بينة بسبب اشتغاله بما لا يعنيه من لوازم بشريته المتعلقة بحصة ناسوته إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا بوحدة الحق وتفطنوا لاستقلاله سبحانه في التصرفات الجارية في ملكه وملكوته وَهم مع الايمان والإذعان قد عَمِلُوا الصَّالِحاتِ الدالة على إخلاصهم ويقينهم في ايمانهم ونياتهم وَذلك قد تَواصَوْا بِالْحَقِّ اى اوصى بعضهم بعضا بسلوك طريق الحق وتوحيده إرشادا وتنبيها وَتَواصَوْا ايضا بِالصَّبْرِ على مشاق الطاعات ومتاعب الرياضات الطارئة عليهم من قطع المألوفات الامكانية وترك اللذات والمستلذات البهيمية اللازمة للقوى البشرية. وفقنا الله على قطعها وقلعها بمنه وجوده خاتمة سورة العصر عليك ايها المحمدي القاصد لقطع العلائق الامكانية الطالب الجازم لان يخلص عن الوساوس الشيطانية والعوائق النفسانية الموروثة لك من القوى الطبيعية والمدارك الحيوانية والمشاعر البشرية ان تتصبر على عموم البلوى والمعيبات العارضة لك في نشأتك الاولى وتسترجع الى الله في جميعها وتسندها اليه سبحانه أولا وبالذات بلا رؤية الوسائل في البين والأسباب العادية في العين وتوطن قلبك مع ربك في جميع حالاتك وترضى عن الله في عموم ما جرى عليك من مقتضيات قضائه وبالجملة كن فانيا في الله تفز بخير الدارين وفلاح النشأتين وصلاح المنزلتين [سورة الهمزة] فاتحة سورة الهمزة لا يخفى على الموحدين المستكشفين عن سرائر التوحيد واليقين ان الكمالات الدينية كلها منوطة مربوطة بالتخلق بأخلاق الله والتأدب بآدابه فلا بد لأرباب الارادة والطلب ان يهذبوا ظواهرهم أولا بالشرائع النبوية والنواميس المصطفوية المقتبسة من مشكاة النبوة والولاية وبواطنهم بالخواطف الغيبية والهواتف اللدنية الملهمة إليهم حسب القوى القدسية اللاهوتية المتعلقة باستعداداتهم الفطرية وقابلياتهم الجبلية فمن رغب عنها ولم يتصف بها فما له في الآخرة من خلاق لذلك قد حث وحرض سبحانه في هذه السورة ارباب العناية والتوفيق على كسب الآداب والتخلق بمحاسن الأخلاق والاتصاف بأوصاف الكمال بتوبيخ اصحاب الغفلة والضلال المسيئين الأدب مع الله ومع خلص عباده وبسوء منقلبهم ومآبهم عنده سبحانه فقال بعد التيمن بِسْمِ اللَّهِ المتجلى بعموم كمالاته في مظهر الإنسان الرَّحْمنِ عليه بأنواع الكرم والامتنان الرَّحِيمِ بخواص عباده حيث خلقهم بأخلاقه الحسان ويسر لهم طريق العرفان [الآيات] وَيْلٌ عظيم وهلاك هائل شديد لِكُلِّ فرد من افراد الأقوام هُمَزَةٍ وهو الذي يمشى بين الناس بالهمز وكسر العرض وقد صارت له هذه الديدنة القبيحة عادة راسخة وملكة مستمرة وايضا لكل لُمَزَةٍ وهو الذي يطعن في انساب الأنام وينسبهم الى انواع البغي والآثام افتراء ومراء وما حداه وحمله على هذه الخضلة القبيحة والفعلة المستهجنة الوقيحة الا ثروته وماله وسيادته وجاهه وهو الَّذِي جَمَعَ مالًا وامتعة كثيرة من الزخارف الدنية الدنياوية التي قد مالت قلوب ابنائها إليها بالطبع وَعَدَّدَهُ اى جعل ماله عدة عموم النوائب والنوازل وخيل انه يردها به وقت إلمامها

стр. 1107

بل يَحْسَبُ ويظن أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ اى ادام وأبقى ماله نفسه وجعله مخلدا في الدنيا مستمرا فيها ابدا بحيث لا يطرأ عليه زوال وانتقال أصلا فقد اغتر بماله وجاهه الى حيث قد خيل له الخلود به فيها والدوام عليها بطرا وغرورا. ثم قال سبحانه كَلَّا ردعا له عن حسبانه واغتراره هذا وخطأ رأيه وطغيانه يعنى من اين يتأتى ويتيسر له الخلود والدوام فيها والله لَيُنْبَذَنَّ ويطرحن ذلك المفسد المفرط يوم الجزاء فِي الْحُطَمَةِ اى النار التي من شأنها انها تحطم اى تكسر وتفنى من يطرح فيها ثم ابهمها سبحانه تهويلا فقال وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ المعدة لتعذيبه ثم فسرها لكونه ادخل في التهويل والتفظيع بقوله نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ المسعرة الَّتِي تَطَّلِعُ وتعلو عَلَى الْأَفْئِدَةِ والأكباد اى حرقها وايلامها غير مختص بظواهر الجلود بل يسرى الى الاعماق والبواطن ايضا كما ان اثر الهمز واللمز اللذين هما سبب التعذيب بهذه الخطمة يشمل ظواهر الناس وبواطنهم كذلك الجزاء المترتب عليهما وبالجملة إِنَّها اى النار الموقدة الإلهية عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ اى مطبقة عليهم محيطة بهم حافة بجوانبهم وحواليهم وهم حينئذ مشدودون موثوقون بأيديهم وأرجلهم فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ اى اعمدة وأخشاب طوال مثقوبة مربوطين من أعناقهم بالسلاسل والأغلال ألا وهي مصورة لهم من سلاسل الآمال وأغلال الأماني التي هم مقيدون بها في سجن الإمكان. أعاذنا الله وعموم عباده منها خاتمة سورة الهمزة عليك ايها الموحد المحمدي الوجل الخائف عن مقتضيات القهر الإلهي وموجبات غضبه ان تعدل في عموم اخلاقك واطوارك وتعيش بين بنى نوعك هينا لينا فرحانا سليما يقظانا بلا مماراة ومخاصمة وبلا أغراض نفسانية من شيطنة الشيخية وعجب الدرويشية وكيد الرياء ورعونات الهوى وحفظ الجاه والثروة والسيادة وكثرة التبع والخدم والخيل والخشم بل لك ان تصاحبهم وتداريهم خالصا لله على سبيل الوفاق والملاطفة بلا شوب الشقاق والنفاق وبالجملة ترجحهم جميعا على نفسك في كل الأمور وتراعيهم حسب المقدور فان رعايتك إياهم وترجيح جانبهم يؤدى الى مراعاة جانب الحق وترجيحه وبالجملة احسن إليهم كما احسن الله إليك فكن من المحسنين المتخلقين بالأخلاق الإلهية واعبد ربك في كل ذرة من ذرائر المظاهر حتى يأتيك اليقين [سورة الفيل] فاتحة سورة الفيل لا يخفى على من انكشف بحيطة الأوصاف الإلهية وشمول أسمائه الحسنى وأمهات أوصافه السنى على عموم ذرائر الأكوان ان من جملتها القدرة الغالبة الإلهية المودعة في أجزاء العالم كلها متى تعلقت ارادته سبحانه بإظهار القدرة اظهر من كل ذرة ونملة حسب قدرته الغالبة افعالا عجيبة وآثارا بديعة تدهش العقول وتقرع الأسماع كما اخبر سبحانه في هذه السورة لحبيبه ﷺ تثبيتا له وتوطينا تتميما لتربيته وتأييده ﷺ فقال بعد التيمن بِسْمِ اللَّهِ القادر المقتدر على عموم ما دخل في حيطة حضرة علمه المحيط وإراداته الكاملة الرَّحْمنِ لعموم عباده حيث دبر أمورهم حسب الحكمة المتقنة البالغة الرَّحِيمِ لهم يوصلهم الى الدرجة الرفيعة اللاهوتية [الآيات] أَلَمْ تَرَ ولم تعلم يا أكمل الرسل يقينا علميا حاصلا لك من طريق السمع

стр. 1108

الى حيث قد وصل الى مرتبة اليقين العيني من كثرة السماع والاستماع من الثقاة العدول وتكرره كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ الذي رباك يا أكمل الرسل لرسالته واظهر دينك على الأديان كلها ونصرك على عموم أعدائك بقدرته الغالبة بِأَصْحابِ الْفِيلِ وهو جيش ابرهة بن الصباح الأشرم ملك اليمن من قبل اصحمة النجاشيّ قصد هدم الكعبة عمرها الله فخرج مع جيشه ومعه فيل كثير وفيها فيل عظيم جسيم في غاية الجسامة مسمى بمحمود قد كانوا يأمرون بهدم البنيان العظام فيهدمها في الحال ولذا سموه بهذا الاسم وسبب هذا القصد ان ابرهة بنى كنيسة بصنعاء فسماها القليس فعزم ان يصرف الحاج من مكة إليها فلما انتشر الخبر ذهب رجل من كنانة الى القليس ذات ليلة فتغوط فيها ولطخ بها محاربها فوصل الخبر الى ابرهة فغار غيرة شديدة فحلف والله لاهد من الكعبة فخرج مع جيشه وفيله حتى وصل الى حوالى الحرم وأراد ان يأمر الفيل بهدمها فبرك ولم يبرح فضربوه وشددوا عليه فلم يفدوهم قد كانوا إذا وجهوه الى جهة غير جهة البيت هرول واسرع واما الى نحوها فلا يمشى قط فصاروا متحيرين في شأنه كما قال سبحانه أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ الذي كادوا به لهدم البيت وصرف الزوار عنه نحو بيتهم الذي قد بنوا كيف صار فِي تَضْلِيلٍ ضياع وهلاك وخسار وبوار وَكيف لا يكون سعيهم في الضياع والخسار إذ أَرْسَلَ سبحانه بمقتضى قدرته الغالبة عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ أفواجا كثيرة متفرقة متفوجة من جنس واحد من الطير مع كل واحد منها ثلاثة أحجار تَرْمِيهِمْ يعنى ترمى الطير جيش ابرهة بِحِجارَةٍ متخذة مِنْ سِجِّيلٍ هو معرب سنك وكل فَجَعَلَهُمْ من كثرة ما ترميهم بها كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ اى كتبن يأكله الانعام ويدوس فيه فيفرقه الرياح اى صاروا من شدة غضب الله عليهم هباء منثورا خاتمة سورة الفيل عليك ايها السالك الخائف عن بطش الله المحترز عن مقتضى قهره وجلاله ان تكون في عموم احوالك واطوارك بين الخوف والرجاء عن جلاله وجماله بحيث لا يجرى عليك نفس من أنفاسك وأنت فيه خال عن كلا النقيضين بل لك ان تحيط عموم أوقاتك بهما بلا إهمال وقت منها وبالجملة لا تيأس عن روح الله ولا تتكل على كرمه وحلمه فاعلم انه سبحانه يرقبك في جميع حالاتك ويعلم منك ما لم تعلم أنت من نفسك فكن في نفسك من الموقنين المخلصين ولا تكن من الشاكرين المترددين القانطين فان ناقدك خبير بصير [سورة قريش] فاتحة سورة قريش لا يخفى على من تفطن بسرائر العبودية المستلزمة لانواع التذلل والخضوع والانكسار التام والخشوع المفرط ان الباعث عليها والداعي إليها انما هو الانعام العام والإحسان التام الذي هو القيام بعموم الحوائج اللازمة للهوية الشخصية المقومة لها المبقية لماهيتها كما قيل الإنسان عبيد الإحسان ولا شك ان المتكفل المستقل لحوائج عموم المظاهر والمجالى هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد القادر المقتدر على جميع المقدورات بالاستقلال والاختيار، المربى للكل بأنواع اللطف والكرم فهو المستحق للاطاعة والانقياد استحقاقا ذاتيا ووصفيا وكيف لا إذ لا معبود سواه ولا اله

стр. 1109

غيره لذلك امر سبحانه في هذه السورة عباده بعبوديته وانقياده فقال بعد التيمن بِسْمِ اللَّهِ المظهر للكل من كتم العدم الرَّحْمنِ على الكل بأنواع الكرم الرَّحِيمِ عليهم بالزام العبودية والذمم تعجبوا ايها المعتبرون [الآيات] لِإِيلافِ قُرَيْشٍ اى ائتلافهم وتألفهم فيما بينهم واتفاقهم على ان ينصرفوا عن حوالى بيت الله حين إِيلافِهِمْ واتفاقهم على الظعن والارتحال رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ يعنى يرتحلون في كل سنة مرتين مرة في الشتاء نحو اليمن ومرة في الصيف الى الشام وما كان الباعث على ترحالهم الا فقد الزاد في مكة إذ هي بواد غير ذي زرع فيشق عليهم الأمر فيتجرون في كل سنة مرتين فكره الله منهم هذا وأمرهم بالعكوف والاقامة حول بيته بقوله ْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ وليعتكفوا في حواليه وليتوكلوا عليه ولا يتجروا إذ هو القادر المقتدر الَّذِي أَطْعَمَهُمْ واشبعهم مِنْ جُوعٍ قد شملهم وأحاط بهم حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ لحقهم من أعدائهم مرارا ببركة هذا البيت فلهم ان يسكنوا في حواليه متوكلين على ربهم وهو يكفى لهم مؤنة أرزاقهم ايضا بحوله وقوته فيما سيأتى كما قد كفى لهم فيما مضى خاتمة سورة قريش عليك ايها المتوجه الى الله المتوكل على كرمه وإحسانه ان تمتثل لجميع ما أمرك الحق عليه وتفوض أمورك كلها اليه وترضى بعموم ما جرى عليك من القضاء وتعتقد ان الأمر كله لله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا يسأل عن فعله انه حكيم حميد [سورة الماعون] فاتحة سورة الماعون لا يخفى على من انكشف له سرائر الدين القويم وحكم الاحكام الموردة في الشرع المستقيم ومصالح التكاليف الواردة من العليم الحكيم ان سر العبودية والتدين والانقياد انما هو التأدب مع الله وحسن القيام على أداء حقوق ربوبيته ومقتضيات ألوهيته ولا شك ان من تقاصر فيه وتهاون عليه فقد انحرف عن جادة العدالة وانصرف عن طريق العبودية والتحق الويل والثبور من الله المنتقم الغيور كما أشار سبحانه في هذه السورة مستفهما على سبيل التعجب والاستبعاد فقال متيمنا بِسْمِ اللَّهِ الذي وضع الدين بين الأنام ليهديهم الى دار السلام الرَّحْمنِ عليهم بانزال التكاليف والاحكام الرَّحِيمِ إليهم يوصلهم الى أعلى المكانة وارفع المقام [الآيات] أَرَأَيْتَ اى هل عرفت وأبصرت يا أكمل الرسل المعاند المكابر الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ اى بيوم الجزاء والحساب الموعود لتنقيد الأعمال والأفعال الجارية في نشأة الاختبار فَذلِكَ المكذب المنكر هو الَّذِي يَدُعُّ ويدفع بالعنف المفرط الْيَتِيمَ الذي جاءه لينفق من ماله الذي قد كان عنده لكونه قيما وصيا له قيل هو الوليد بن المغيرة وقيل غيره وَما ذلك الا من غاية بخله وخساسته وإمساكه المفرط لا يَحُضُّ ولا يحث أحدا عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ وإطعامه يعنى هو لا يطعم أحدا ولا يرضى ايضا باطعام الغير إياه من شدة شحه وإمساكه هذا امارة تكذيبه وتكذيب أمثاله بالدين والجزاء بحسب الظاهر واما بحسب الباطن فَوَيْلٌ عظيم وعذاب اليم لِلْمُصَلِّينَ المكذبين بيوم الجزاء المنكرين بمعالم الدين المستبين لأنهم هم

стр. 1110

المسرفون المفرطون الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ المفروضة لهم في الأوقات المحفوظة ساهُونَ غافلون لا يحافظون عليها في أوقاتها المعهودة المحفوظة لها ولا يواظبون على إقامتها فيها بل هم المنافقون الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ بها على رؤس الملأ ويتركونها في خلواتهم لعدم اعتدادهم واعتقادهم بها وبما يترتب عليها من الجزاء وَمع تهاونهم وتكاسلهم في الصلاة التي هي من أقوى اعمدة الدين وأعلى مراسم التوحيد واليقين يَمْنَعُونَ الْماعُونَ اى الزكاة المهذبة لنفوسهم عن الشح المستهجن والتقتير المستقبح المسقط للمروات والفتوات المؤدية الى عموم الخيرات والحسنات خاتمة سورة الماعون عليك ايها الطالب لطريق الحق الحقيق بالاطاعة والاتباع ان تهذب ظاهرك وباطنك عن مطلق الرذائل المنافية للعدالة الإلهية وتخلى سرك وسريرتك عن الالتفات الى ما سوى الحق لتكون صلاتك منك ميلا حقيقيا الى الله ومعراجا معنويا موصلا الى توحيده وإياك إياك المراء والمجادلة مع بنى نوعك والاستكبار عليهم واظهار الثروة والسيادة فيما بينهم بالمال والجاه فإنها تميت قلبك وتزيد في هواك وتبعدك عن مولاك وبالجملة تضرك في أولاك وأخراك [سورة الكوثر] فاتحة سورة الكوثر لا يخفى على من وصل الى بحر الحقيقة وورد على الحوض المورود والمقام المحمود الذي هو ينبوع الوجود الإلهي المترشح المنبسط بمقتضى الجود الذاتي الى عموم الموجود ان الوصول الى هذا المطلب الأعلى والمقصد الأقصى الذي هو التوحيد الذاتي المعبر بالحوض الكوثر الذي هو عبارة عن كثرة الخير والبركة ما تيسر هذا الشأن وما اتفق حصوله بحقيقته لجماهير الأنبياء والرسل الا للحضرة الختمية المحمدية صلوات الله عليه وسلامه وهو ﷺ قد خصص بهذه الكرامة الكبرى والموهبة العظمى لذلك ختم ببعثته امر الإرسال والتشريع وتم بظهوره ﷺ مكارم الأخلاق ولهذا نبه سبحانه في هذه السورة على عظم شأنه ﷺ وجلالة قدره ومكانته فقال بعد التيمن بِسْمِ اللَّهِ المتجلى على حبيبه ﷺ بعموم كمالاته ليكون هو مرآة له سبحانه كي يتراءى منه ﷺ آثار جميع أسمائه الحسنى وصفاته العلياء الرَّحْمنِ على عموم الأنام ببعثته ﷺ إليهم حتى يهديهم الى دار السلام الرَّحِيمِ للخواص منهم يرشدهم الى التوحيد الذاتي الذي هو المنجى من ظلمات الأوهام [الآيات] إِنَّا من مقام عظيم جودنا ومحض كرامتنا أَعْطَيْناكَ يا أكمل الرسل إعطاء وهب وكرامة وفضل وامتنان الْكَوْثَرَ الذي هو عبارة عن التحقيق بوحدة الذات والانكشاف بها والوقوف عليها وبعد ما أعطيناك وخصصناك بالكرامة التي لم نعط أحدا من الأنبياء والرسل الذين مضوا قبلك فَصَلِّ لِرَبِّكَ ودم أنت على التوجه نحونا وأخلص فيه واستقم عليه وَانْحَرْ بدنة ناسوتك بعد ما وصلت الى كعبة الذات وفزت بعرفات الأسماء والصفات تقربا إلينا وتوصلا لحمى قدس لاهوتنا ولا تلتفت في ميلك وتوجهك الى هذيانات من يشينك ويعيبك من الجهلة المكابرين إِنَّ شانِئَكَ الذي يشينك ويبغضك في شأنك وأمرك هذا هُوَ الْأَبْتَرُ المقطوع العقب منقطع الأثر والذكر واثرك يبقى ويدوم الى قيام الساعة

стр. 1111

خاتمة سورة الكوثر عليك ايها المحمدي القاصد للورود الى الحوض الكوثر والشرب منها ان تتوجه في عموم أوقاتك وحالاتك الى الله على وجه التبتل والإخلاص وتميت بهيمة بدنك بالموت الإرادي وتهذبها في طريق الحق تقربا اليه سبحانه لتنال خير الدارين وفلاح النشأتين [سورة الكافرون] فاتحة سورة الكافرون لا يخفى على ارباب الخبرة والوقوف بأمارات مقصد التوحيد الذاتي وعلامات مسلك الفناء في الله والبقاء ببقائه ان الطريق الى الله متفاوتة والمعارج نحوه متنوعة متخالفة إذ لكل وجهة هو موليها وأكمل الطرق وأشملها وأسلمها وأوضحها هو الذي قد سلكه واستقام عليه بتوفيق الله الحضرة الختمية الخاتمية ﷺ إذ طريقه ﷺ مستوعب لعموم الطرق والسبل لكونه مبنيا على التوحيد الذاتي المشتمل على توحيد الصفات والأفعال مطلقا ولا يهتدى اليه احد من الخلق الا بجذب من جانب الحق وتوفيق من لدنه ومن لم يؤيد من قبل الحق ولم تدركه العناية الإلهية ما اهتدى اليه سبحانه سبيلا لذلك امر سبحانه في هذه السورة حبيبه ﷺ حين دعاه الكفرة ليعبد ﷺ سنة الى ما عبدوا من آلهتهم الباطلة حتى يعبدوا بعد تلك السنة لله الواحد الأحد الفرد الصمد المستحق للعبودية والتذلل سنة اخرى مجازاة لها ومقابلة إياها بان لا يلتفت ﷺ الى قولهم الباطل ورأيهم الزائغ الزائل فقال بعد ما تيمن وتبرك بِسْمِ اللَّهِ المطلع لما في ضمائر عموم عباده من الهداية والضلال الرَّحْمنِ عليهم بإرسال الرسل يدعوهم الى سبيل السلامة والرشد الرَّحِيمِ لهم يوصلهم الى خير المنقلب والمآب [الآيات] قُلْ يا أكمل الرسل مناديا لمن دعاك الى عبادة الآلهة الباطلة يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ الساترون شمس الحق الظاهرة في الأنفس والآفاق بغيوم هوياتكم الباطلة لا أَعْبُدُ اى لا انقاد ولا أتوجه انا سيما بعد ما وفقني الله الى توحيده الذاتي وهداني نحو شمس ذاته وشرفني بمطالعة وجهه الكريم وخصصنى من بين عموم مظاهره ومصنوعاته بهذه الكرامة العلية ما تَعْبُدُونَ أنتم ايها الجاهلون من الآلهة الباطلة والاظلال الهالكة العاطلة قد اتخذتموها آلهة من تلقاء انفسكم أنتم وآباؤكم مع انه ما انزل الله بها من سلطان حجة وبرهان بل ما تتبعون أنتم وآباؤكم في اتخاذكم هذا الا الظن وما تهوى الأنفس من غير ورود الهداية والإرشاد من قبل الحق وَلا أَنْتُمْ ايضا عابِدُونَ ما أَعْبُدُ من الحق الوحيد الفريد الحقيق بالاطاعة والعبادة بالاستحقاق إذ لا اله في الوجود معه ولا شيء يماثله حتى يشارك معه في أخص أوصافه التي هي الألوهية والربوبية ووجوب الوجود إذ ليس في وسعكم واستعداداتكم الايمان به والإيقان بوحدته وباستقلاله في ملكه وملكوته ومع ذلك ما وفقكم الحق عليه وما أقدركم به وَبالجملة لا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ إذ هي لا يليق بالعبودية والمعبودية حتى اعبد له وَلا أَنْتُمْ ايضا عابِدُونَ ما أَعْبُدُ إذ لا يتيسر لكم الايمان به والاطلاع على وجوده والاتصاف بمعرفته وشهوده فكيف تعبدون أنتم لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد بلا جذب من جانبه وتوفيق من لدنه وانا ايضا لا اعبد لمعبوداتكم الباطلة التي هي بمراحل عن رتبة الألوهية والمعبودية وبالجملة

стр. 1112

لَكُمْ دِينُكُمْ الذي أنتم عليه وطريقكم الذي تتوجهون اليه بعد ما لم يوفقكم الحق على الهداية والايمان وَلِيَ دِينِ الذي انا عليه وبالجملة لا تتركون دينكم بديني وما انا ايضا بتارك ديني بدينكم بل لكم دينكم ولى ديني والتوفيق بيد الله والهداية والضلال خاتمة سورة الكافرون عليك ايها الموحد المحمدي الحنيف المائل عن عموم الأديان والمذاهب الباطلة المنافية لصرافة مشرب التوحيد الذاتي ان لا تجالس مع اهل الغفلة والضلال المترددين في اودية الجهالات بأنواع الخيالات الباطلة والأوهام العاطلة المترتبة على هوياتهم العدمية وتعيناتهم الوهمية ولا تصاحبهم في حال من الأحوال فان صحبتك معهم تبعدك عن الحق وتغريك نحو الباطل فان النفوس الانسانية سارقة طبعا مائلة نحو الباطل قطعا ولهذا صارت اسرع عدوا وأشد ميلا الى البدع والأهواء الفاسدة والآراء الباطلة. أعاذنا الله وعموم عباده منها بمنه وجوده [سورة النصر] فاتحة سورة النصر لا يخفى على من فتح عليه الحق باب العناية وكشف له سبيل الهداية والكرامة ان كل من دخل في كنف حفظ الحق وجواره وتوكل عليه وفوض أموره كلها اليه فقد أعانه الله ونصره على جميع أعاديه وأنجح عموم مطالبه ومآربه وجميع ما قدر له من الكمالات التي اودعها الحق في استعداده الفطري وقابليته الجبلية ولا شك ان أكمل الناس استعدادا وأتمهم قابلية وأفضلهم شرفا وكمالا هو الحضرة الختمية الخاتمية ﷺ إذ قد طويت المراتب كلها دون مرتبته ﷺ ولهذا كمل جميع مكارمه وكمالاته المنتظرة له ﷺ في نشأته الاولى ليكون مقدمة وعنوانا على تكميل كمالاته الاخروية كما نبه سبحانه في هذه السورة بعد التيمن والتبرك بِسْمِ اللَّهِ المدبر لأمور حبيبه ﷺ على الوجه الأكمل الأحكم الرَّحْمنِ عليه بنصر أوليائه وقهر أعدائه الرَّحِيمِ له حيث فتح عليه أبواب الفتوحات الغيبية والشهادية والفيوضات اللدنية الفائضة عليه من عالم اللاهوت [الآيات] إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ اى إذا جاءك يا أكمل الرسل وعد الله الذي قد وعدك به ان ينصرك على جميع أعدائك ويظهر دينك على الأديان كلها وقد جاءك ايضا الفتح الذي أخبرك الحق بقوله انا فتحنا لك فتحا مبينا وبعد ما جاءك النصر وَالْفَتْحُ الموعود آن لك وكمل ظهورك واستيلاؤك على عموم الأعادي وظهر دينك على سائر الأديان الباطلة والآراء الفاسدة وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ حينئذ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً فوجا فوجا فرقة فرقة بعد ما كانوا يدخلون فيه فرادى فرادى فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ يا أكمل الرسل شكرا لما اعطاك جميع ما وعدك وفتح عليك الآفاق وأتم ببعثتك وظهورك محاسن الشيم ومكارم الأخلاق على الإطلاق وَاسْتَغْفِرْهُ واطلب منه الرجوع الى من عن نوره صدرت لأنك مظهر اسراره وانواره واليه يرجع الأمر كله بعد إظهاره إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً رجاعا لأوليائه الى مستقر قدسه وحضرة أنسه وبعد ما نزلت هذه السورة وامر سبحانه حبيبه ﷺ فيها بالحمد والاستغفار اغتم الأصحاب وحزنوا إذ قد فهموا منها ان أجل رسول الله ﷺ قد قرب فودعه الحق وامره بالحمد والاستغفار وما عاش ﷺ بعد نزوله الا أياما قلائل لذلك سموا هذه السورة سورة التوديع ايضا

стр. 1113

خاتمة سورة النصر عليك ايها الطالب للنجاة الاخروية والراغب الى اللذات اللدنية الروحانية الموعودة ان تسترجع الى الله وتستغفره في عموم أوقاتك وحالاتك وتفوض أمورك كلها اليه وتتخذه وكيلا وتجعله حسيبا وكفيلا فعليك ان تواظب على الطاعات والعبادات وتجتنب عن مطلق المحارم والمنكرات يحفظك الحق عن جميع المصائب والملمات ويوصلك الى عموم المطالب والمهمات بفضله ولطفه [سورة تبت] فاتحة سورة تبت لا يخفى على من كشف له الغناء الذاتي الإلهي وظهر عنده ان الدنيا وما فيها ما هي إلا سراب باطل وظل زاهق زائل لا ثبات لنعيمها ولا قرار لمقيمها وان الاغترار بها وبما يترتب على حطامها وأمتعتها الفانية انما هو من كمال الجهل والغفلة عن الله وعن اللذات الاخروية المعدة عنده سبحانه لأرباب العناية والكرامة كما اخبر سبحانه في هذه السورة عن بعض المسرفين المحتجبين عن الله المشتغلين عن مقتضيات ألوهيته وربوبيته من غاية اغتراره بماله وجاهه وثروته ونخوته وسيادته بين الأنام فقال بعد التيمن بِسْمِ اللَّهِ الغنى بذاته عن عموم مظاهره ومصنوعاته الرَّحْمنِ عليهم بافاضة الوجود الرَّحِيمِ عليهم حيث يوصلهم الى مرتبة الكشف والشهود في اليوم الموعود لو أخلصوا في التوجه والطاعات نحو الخلاق الودود [الآيات] تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ اى قد خابت وخسرت خيبة ابدية وخسرانا سرمديا بحيث قد هلكت في نار القطيعة نفس الجهنمى الذي يداه كناية عن نفسه وذلك لأنه من غاية نخوته وغروره وشدة بطره وشروره ظهر على رسول الله ﷺ بأنواع المنكر والمكروه وعارضه على وجه لا يليق بشأنه ﷺ اتكالا على ماله وجاهه ورئاسته بين أمته وذلك انه لما نزل الآية الكريمة وانذر عشيرتك الأقربين صعد رسول الله صلى الله عليه ذات يوم الى الصفا فنادى يا بنى فهر يا بنى عدى لبطون قريش حتى اجتمعوا فقال أرأيتم لو أخبرتكم ان خيلا بالوادي يريد ان يغير عليكم أكنتم مصدقي قالوا نعم ما جربنا عليك الا صدقا قال فانى نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقال ابو لهب على سبيل الاستهزاء تبا لك يا محمد لهذا جمعتنا فنزلت تبت يدا ابى لهب بمجادلته مع رسول الله ﷺ ومرائه معه وقصد استحقاره واستهانته إياه ﷺ وَقد تَبَّ وهلك ذلك اللعين المفرط على الوجه الذي اخبر الله بهلاكه الى حيث ما أَغْنى ودفع عَنْهُ مالُهُ الذي اتكل عليه واستظهر به شيأ من غضب الله وَما نفع له ونصره ما كَسَبَ وجمع وادخر من الأموال والأولاد والأعوان والاتباع قيل مات بالعدسة بعد وقعة بدر بأيام معدودة وترك ثلاثة ايام حتى أنتن ثم استأجروا بعض السودان حتى دفنوه فهو اخبار عن الغيب وقد وقع هذا على وجهه في النشأة الاولى سَيَصْلى ويدخل ذلك اللعين ناراً ذاتَ لَهَبٍ واشتعال من شدة سورتها والتهابها وصولتها وفظاعتها وَامْرَأَتُهُ التي كانت تمشى بالنميمة بين الناس وتوقد نيران الفتن والعداوة بينهم ايضا معه بل تصير هي حينئذ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ لنار جهنم تحتطب لها من الضريع والزقوم او هي حمالة الحطب فيها على قراءة الرفع يعنى صورت نميمتها التي قد مشيت بها في دار الدنيا بايقاد نار الفتن على هذه الصورة فتلازمها دائما فِي جِيدِها وعنقها

стр. 1114

حَبْلٌ اى سلسلة متخذة مِنْ مَسَدٍ مفتول قد فتل من الحديد تحمل بها الحطب مع انها من اشرف قريش اى وزوجها ايضا خاتمة سورة تبت عليك ايها المريد المعتبر المستبصر عصمك الله عن تباب الدارين وخسارهما وبوارهما ان تتأمل في رموزات القرآن من القصص والاحكام والعبر والأمثال فتأخذ حظك منها مقدار ما يسر الله لك وأودعه في وسعك وطاقتك واعلم ان كل ما ذكر في القرآن انما نزل للإرشاد والتكميل فلك ان تأخذ من إشارات هذه السورة حسن المعاشرة وآداب المصاحبة سيما مع الاخوان والجيران وارباب العرفان وتتفطن منها بحقارة مزخرفات الدنيا وما يترتب عليها من اللذات البهيمية الساقطة عن رتبة الاعتبار الزائغة الزائلة بلا قرار ومدار [سورة الإخلاص] فاتحة سورة الإخلاص لا يخفى على من اتصف بالمعرفة الإلهية وانكشف بوحدته واستقلاله سبحانه في الوجود والوجوب الذاتي واستغنائه سبحانه في ذاته عن عموم المظاهر والمجالى وتعاليه عن لوازم الافتقار والاحتياج المؤدى الى وصمة الإمكان وسمة الاستكمال والنقصان ان الذات الاحدية منزهة في ذاته عن مطلق التحديد والتوصيف الذي يصف به الواصفون ذاته سبحانه لذلك بين سبحانه ذاته في هذه السورة ووصفه الذاتي بمقتضى علمه الحضوري بذاته تنبيها وتعليما على عباده وإرشادا لهم فقال بعد التيمن بِسْمِ اللَّهِ الذي لا يكتنه ذاته بمدارك مظاهره ومصنوعاته مطلقا الرَّحْمنِ عليهم بتوصيف ذاته إياهم الرَّحِيمِ لخواصهم حيث يهديهم الى سرائر معرفته وتوحيده [الآيات] قُلْ يا أكمل الرسل لمن يسأل منك بقوله صف لنا ربك الذي تدعونا الى الايمان به وعبادته هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اى هو الذات المتصفة بالالوهية الغيبية والشهادية الجامعة بينهما ظاهرا وباطنا المتعالية عن كليهما بحسب الذات المتصفة بالالوهية والربوبية ووجوب الوجود المستجمعة لجميع شرائط الكمال حسب الأسماء والصفات الكاملة الكامنة في تلك الذات المتصفة بالأحدية المطلقة المنزهة عن التعدد والكثرة مطلقا المستقلة في الوجود والحياة والقيومية المطلقة المستلزمة للديمومية والبقاء الأزلي الأبدي السرمدي لا يكال بقاؤه ودوامه بمطلق الموازين والمقادير ولا يحيط به وبقيوميته مطلق التدابير والتقادير فكيف كان سبحانه محلا للتقدير إذ هو اللَّهُ الصَّمَدُ اى السيد السند الذي يقصد نحوه ويرجع اليه عموم ما ظهر وبطن من الكوائن الفاسدة الكائنة في نشأتى الغيب والشهادة والاولى والاخرى وهو في ذاته مستغن عن جميعها مطلقا وكيف لا يكون مستغنيا إذ هو الله الأحد الفرد الصمد القيوم الذي لَمْ يَلِدْ ولدا إذ الإيلاد انما هو للمعاونة والمظاهرة او للاخلاف وخوف الانعدام والانقضاء وهو سبحانه بمقتضى قيوميته واستقلاله بحوله وقوته ووجوب وجوده ودوام بقائه لا يطرأ عليه أمثال هذه النقائص الامكانية المستلزمة لضبط العاقبة والمآل إذ لا يجرى عليه سبحانه انقضاء وانتقال ولا يلحقه زوال وارتحال وَكذلك لَمْ يُولَدْ لذلك إذ كل ما ظهر وبطن ازلا وابدا انما هو منه واليه وبه وله وفيه وكل ما فرض من الموجود ازلا وابدا ذهنا وخارجا غيبا وشهادة ما هو خارج عن حيطة اظلال أسمائه وعكوس صفاته فكيف يتصور ان

стр. 1115

يسبقه شيء هو غيره مع انه لا غير في الوجود ولا شيء سواه موجود مطلقا حتى يلده وَبالجملة هو سبحانه منفرد في توحده متوحد في انفراده وتفرده ومستقل في استقلاله بحيث لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ لا قبله ولا بعده ولا معه بل لا اله سواه ولا موجود غيره خاتمة سورة الإخلاص عليك ايها الموحد المحمدي المنكشف بالتوحيد الذاتي مكنك الله في مقر عزك وتمكينك ان تصرف عنان همتك وعزمك بعد ما كوشفت لوحدة ذات الحق وكمالات أسمائه وصفاته نحو سوابغ آلائه ونعمائه الفائضة منه سبحانه حسب رقائق أسمائه الحسنى وأوصافه العظمى وتشاهد اثار قدرته الغالبة التي تتحير منها العقول والآراء وإياك إياك ان تغفل عن الله طرفة عين فإنها تورثك حسرة طويلة ان كنت من ذوى العبرة واولى الأبصار إذ كل نفس من الأنفاس الإلهية التي قد جرت عليك في اوقات حياتك مشتملة على عجائب صنع الله منصبغة ببدائع حكمته المتقنة البالغة بحيث ما مضى مثلها ازلا ولا سيئاتي شبهها ابدا فعليك ان تغتنم الفرصة وتتعرض للنفحات الإلهية دائما بحيث لا يشغلك شيء منها. جعلنا الله من زمرة المتعرضين لنفحات الحق ومن المستنشقين من نسمات روحه وراحته بمنه وجوده [سورة الفلق] فاتحة سورة الفلق لا يخفى على من اعتصم بالله ودخل في كنف حفظه وجواره مفوضا أموره كلها اليه ان الله سبحانه يراقبه من كل ما يضره ويغويه ويحفظه عن كل ما يرديه ويؤذيه لذلك امر سبحانه حبيبه ﷺ حين قصده اعداؤه بالسوء وسخروا له حسدا على ظهوره واستيلائه وانتشار صيته الحسن في الآفاق والأقطار بالاستعاذة والاستلجاء نحوه بكمال الوثوق والخلوص فقال بعد التيمن بِسْمِ اللَّهِ المراقب على محافظة خلص عباده من جميع ما يضرهم ويؤذيهم بعد ما رجعوا اليه وتعوذوا به مخلصين الرَّحْمنِ عليهم بانزال الرقى وتلقين الدعاء الرَّحِيمِ لهم حيث يبرؤهم ويشفيهم بعد ما أخلصوا في التعوذ والالتجاء [الآيات] قُلْ يا أكمل الرسل بعد ما اصابتك من سحر أعدائك مصيبة وعرضتك بشؤم أعينهم عارضة ازالة لها ودفعا لضررها أَعُوذُ والوذ مخلصا بِرَبِّ الْفَلَقِ اى الذي فلق وشق ظلام الليل المظلم بنور الصبح المنير وفلق ظلمة العدم باشراق نور الوجود مِنْ شَرِّ جميع ما خَلَقَ في عالم الكون والفساد من النفوس الخبيثة وَكذا الوذ به سبحانه مِنْ شَرِّ كل غاسِقٍ مظلم محيل إِذا وَقَبَ دخل وانغمس في ظلامه ليحيل ويمكر وَكذا مِنْ شَرِّ عموم الساحرات النَّفَّاثاتِ النفاخات بريق أفواههن فِي الْعُقَدِ التي يعقدن على الخيط ليسحرن الناس بها وَبالجملة أعوذ برب الفلق مِنْ شَرِّ كل حاسِدٍ إِذا حَسَدَ وقصد ان يحسد فانه سبحانه يكفيك مؤنة شرورهم عنك بحوله وقوته خاتمة سورة الفلق عليك ايها المحمدي الملتجئ الى الله المستعد لفيضان حوله وقوته ان تداوم على ذكر الله وقراءة القرآن وتكرار الاذكار والتسابيح المأثورة من النبي المختار في عموم أوقاتك وحالاتك سيما

стр. 1116

في خلال الليالى والأسحار وفي آناء الليل وأطراف النهار لعل الله يرقبك عن فتنة ما ذرأ وبرأ ويكف عنك شرور من عاداك بالسحر والعين وغيرها بمنه وجوده [سورة الناس] فاتحة سورة الناس لا يخفى على من انكشف له سرائر التوحيد واليقين وانفتح عليه أبواب معالم الدين القويم والصراط المستقيم اى من تمسك بحبل التوفيق الإلهي واستمسك به لا بد وان يحفظ نفسه دائما عن فتنة شياطين القوى الامارة التي توسوس في صدور الأنام بأنواع الوسوسة وتوقعهم في اصناف الفتن والمحن الناشئة من الأوهام والخيالات الباطلة المتعلقة بنشأة الناسوت حتى تزيغ قلوبهم وتضلهم عن الطريق المستبين لذلك لقن سبحانه حبيبه ﷺ الاستعاذة والالتجاء نحوه سبحانه من غوائل الشيطان واغوائه تتميما لتربيته وتكميله وتنبيها على من تبعه من المؤمنين وإرشادا لهم فقال بعد ما تيمن بِسْمِ اللَّهِ المدبر لمصالح عباده بمقتضى جوده الرَّحْمنِ عليهم يحفظهم عما يبعدهم عن كنف حفظه الرَّحِيمِ عليهم ينبههم على ما يضرهم ويغويهم ليتمكنوا في الدين القويم ويترسخوا على الصراط المستقيم [الآيات] قُلْ يا أكمل الرسل بعد ما مكنك الحق في مقعد التوحيد وهداك للوصول الى ينبوع بحر الحقيقة التي هي الوحدة الذاتية ملتجأ الى الله مستمسكا بعروة عصمته أَعُوذُ والوذ بِرَبِّ النَّاسِ الذي أظهرهم من كتم العدم ورباهم بأنواع اللطف والكرم مَلِكِ النَّاسِ ومتولى أمورهم إِلهِ النَّاسِ إذ ظهور الكل منه ورجوعه اليه ولا مالك لهم سواه ولا اله غيره مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الموسوس المثير للفتن في قلوب الناس الْخَنَّاسِ الدفاع الرجاع للناس عن نور الهداية والفلاح الى ظلمات البدع والضلال الَّذِي يُوَسْوِسُ دائما فِي صُدُورِ النَّاسِ ويلقى في روعهم ما يغويهم عن طريق الحق ويغريهم الى الباطل الزائغ الزائل وهذا الخناس الموسوس في صدور الناس قد يكون مِنَ الْجِنَّةِ اى من جنس الجن يوسوس على الانس من طرق الوهم والخيال فيضله عن الصراط المستقيم وَقد يكون من جنس النَّاسِ ايضا يوسوس من طرق الحواس إذ بعض النفوس الخبيثة الانسية يضل بعض الضعفاء عن طريق الحق ويوقعهم في فتنة عظيمة وعذاب اليم. أعاذنا الله وعموم عباده من شر كلا الفريقين بفضله وجوده خاتمة سورة الناس عليك أيهما المحمدي المعتصم بحبل التوفيق المستمسك بالعروة الوثقى التي هي الدين القويم الإلهي والشرع الشريف المصطفوى ان تواظب على امتثال الاحكام الشرعية والأوامر الإلهية النازلة في القرآن العظيم وتجتنب عن مطلق النواهي والمحظورات الموردة فيه من لدن حكيم عليم فعليك بالإخلاص في كل الأعمال والاتكال على الله في عموم الأحوال وعليك الاشتغال بالطاعات ودوام المراقبة مع الله في عموم الحالات فانه سبحانه يوصلك حسب لطفه وجوده الى أعلى المقامات وارفع الدرجات نعتصم بك يا ذا القوة المتين ونتوكل عليك يا ذا الجود العظيم ونستعيذ بك في عموم الأحوال والأهوال من الشيطان الرجيم. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك أنت الوهاب وأنت الملهم للصواب والموفق على نيل الثواب منك المبدأ وإليك المآب وعندك أم الكتاب وبعد ما اتفق بتوفيق الله إتمامه وتم بلطفه ختمه وختامه جاء بفضل الله وسعة رحمته وجوده كنزا مملوا بلآلى نفيسة

стр. 1117

مستخرجة من بحر اللاهوت موهوبة من حضرة الرحموت مشحونا بلطائف لباب اليقين والتوحيد مصونا عن رذائل قثور التخمين والتقليد حاويا على دقائق سرائر المرتبة الواحدية ودرجات التجريد محتويا على رقائق الحضرة الاحدية ومقام التفريد مقدار ما يسر الله الحكيم الحميد لهذا الفقير الحقير الذي هو احقر من كل العبيد فهيهات هيهات من لم تسبق له العناية الازلية ولم تدركه الولاية الابدية السرمدية ولم تعن القوة القدسية بإظهار ما غاب وإبراز ما بطن كيف يطيق ان يتكلم عنه سبحانه وعن كلامه بأمثاله او يتفوه عنه وعن مقاله لكن المجبور معذور والكائن مقدر والمقدر مقدور اما تدرى يا أخي أزال الله سبل التعنت والعناد عن عين بصيرتك ان الله المطلع الغيور عليم بذات الصدور وان جميع ما يظهر ويلوح في فضاء الوجود انما هو في علم الله مذكور وفي لوح قضائه مثبت ومسطور وإياك إياك كشف الله عنك حجابك وستر عليك جنابك ان تعترض على كرة مقهورة تحت صولجان القضاء وريشة مسكينة ملقاة في فلاة تقلبها الرياح كيف تشاء أفلا تعلم ايها المجبول على فطرة الدراية والشعور ان العبد وعموم ما صدر عنه مستند الى المولى وان لكل اليه يعود كما انه منه بدأ وانه لا يجرى في ملكه الا ما يشاء لينكشف لك ان الأمر أجل وأعظم وأعلى من ان يحيط به الآراء ويتفوه عنه الالسنة والأهواء بل انما هو عماء في عماء ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور لذلك ناهت في بيداء ألوهيته عقول العقلاء وتحيرت في فضاء صمديته شهود الأنبياء والأولياء وانما انزل سبحانه عليهم الكتب وأفاض على قلوبهم ما أفاض من المعارف والحقائق ليتمكنوا بعد الطلب والمجاهدات الكثيرة في مقعد الصدق الذي هو مقام التسليم والرضاء راضين بعموم ما جرى عليهم من سلطان القضاء مستغرقين بمطالعة جمال الله والهين عند وجهه الكريم ربنا اهدنا إليك حسب ما قضيت لنا في لوح قضائك إذ لا معقب لحكمك ولا مبدل لقولك تفعل ما تشاء وتحكم ما تريد لا تسأل عن فعلك انك حكيم رشيد حميد مجيد. الحمد لله على النمام. والصلاة والسلام على سيد الأنام وعلى آله العظام وأصحابه الكرام. وعلى العلماء الفخام.

стр. 1118

سبحان من ابرز ما ابرز من مكمن الغيب الى قضاء الوجود. واظهر ما اظهر الى الشهود ليطالع جماله في كل مظهر موجود. وصلاة تامة وسلاما كاملا على من هو أكمل المظاهر والمجالى. واشرف الهداة الى ما هو متجل في الآفاق والأنفس خصوصا الى التوحيد الذاتي. وعلى آله وأصحابه المتخلقين بأخلاق من كان خلقه القرآن. الباذلين مهجهم في إعلاء التوحيد واعلام العرفان. المقتبسين من مشكاة نبوته نور الآية الحقيقة. المستضيئين من لوامعها المتشعشعة من شمس الوحدة الحقية الذاتية" اما بعد" فيقول العبد الضعيف تراب اقدام الفضلاء. قطمير أبواب الأولياء العرفاء. مفتى المعشر الاول من المعسكر الاول ابو نعمة الله (محمد شكرى) بن حسن الانقروى. عفا عنهما وعن جميع المؤمنين العفو العلى. ان التفسير المسمى" الفواتح الغيبية والمفاتح الإلهية" المنسوب الى العالم العارف المحقق الرباني. والشيخ المرشد المتحقق الصمداني. اعنى به شيخ المشايخ نعمة الله بن محمود النخجوانى. قدس الله سره. وأعلى الله في الجنة درجته وقدره. أجل التفاسير قدرا وبيانا في كشف اسرار القرآن. وأكملها إيضاحا وتبيانا بحقائق الفرقان. إذ ما هو الا منبع الحقائق والأسرار. وينبوع اذواق اولى البصائر والأبصار. كنز المعارف والواردات اللاهوتية. وخزينة انواع الكمالات الناسوتية. مقدمته وفواتح سوره مشحونة ببيان سرائر الوجود. وخواتمها ملوة بنصائح مفيدة لأرباب البصائر والشهود. فيا سعادة من وفق بمطالعته. ويا حيرة من تعمق في بحر بياناته. مع مزج عجيب رائق. وأسلوب غريب لائق. لم يكتحل بمثله أعين الزمان. ولم ير نظيره في ميدان البيان. الا انه كان مستورا في مكمن زاوية الخمول والنسيان. ومتروكا تحت منسوجات العناكب في كثير من الزمان بلا عيان. مع كونه مشتاقا لعرض جماله الى انظار محبيه وراغبيه. ومتشوقا الى إبراز مكنوناته لمستفيديه وطالبيه. فلله الحمد والمنة ساعد التوفيق بتحريك همة من هو ذو الهمة العلية. ولله دره وأوصله الى مقاصده الخفية والجلية. ألا وهو ذو العطوفة الحاج (احمد مختار) بك افندى رئيس الدائرة العسكرية سابقا في القسطنطينية. صانها الله عن الآفات والبلية. والمتشرف اليوم يكونه شيخا للحرم النبوي والفاضل الشهير الحاج (محمد حلمي) افندى الطرنوى. شكر سعيهما الغنى القوى. الى طبعه ونشره بين المتعطشين الى زلال وصاله. والمتشوقين أشد التشوق الى رؤية جماله. فحمدا ثم حمدا جاء بارزا بروز الازهار وقت الربيع. وفاح عرفه كالمسك الأزفر الى مشام المستنشقين يفوح بديع. مصححة ألفاظه وعباراته الرائقة بعون الملك المان. مع معاونة بعض الاخوان الخلان من أفاضل الزمان. وان كان الأصل الذي بأيدينا محرفا غاية التحريف وناقصا نهاية النقصان. ولم آل جهدا في إصلاح محرفاته وإكمال نواقصه بقدر الإمكان. بيد ان الإنسان عاجز غير خال عن الخطأ والنسيان. والمسئول من الغفور كثير العطايا والإحسان. ان يغفر لي ولوالدي ولجميع المؤمنين يوم الحشر والميزان. بحرمة جاه سيدنا سيد ولد عدنان. آمين يا مستعان وصلى الله عليه وعلى آله وصحبه في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله الحمد لله الذي تجلى على قلوب أصفيائه بلطائف العرفان وخصهم من بين عباده بخصائص الإحسان فاستضاءت افئدتهم باشعة لمعاته الانسية وانحلت مرائى ضمائرهم بأنوار تجلياته القدسية فنطقوا بغير الهوى إذ كوشفوا باسرار السموات العلى وما تحت الثرى وطئوا بعلو همتهم بساط الملكوت فتحققوا بحقائق قدس اللاهوت والصلاة والسلام على عروس مملكة الحضرة الإلهية واسطة عقد نظام العوالم السفلية والعلوية وعلى آله الطهر الكرام سفينة النجاة وكهف الأنام وصحبه الزهر الأعلام نجوم الهدى ومصابيح الظلام" وبعد" فلما كان كلام الله المجيد الذي لا يأتيه الباطل من

стр. 1119

بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد مدار سعادة الدنيا والدين والسراج المنير لهداية العالمين الى الحق المبين وان تأسس قواعد الإسلام واستنباط الحلال والحرام انما هو على تفسيره وتأويله وبيان اجماله وتفصيله وان علماء الامة الأعلام عليهم رحمة الملك العلام قد كتبوا ودونوا في هذا الشان حسب طاقة الإنسان تصانيف حميدة وتفاسير مقبولة مفيدة بين مطول ومختصر جزاهم الله عن الامة الجزاء الأوفر الا ان الناس قد قصروا جل هممهم على الدنيا ونسوا حظهم من الاخرى وأكثرهم نبذوا كتاب الله الى الوراء وتمسكوا بدلا عنه بآراء السفهاء وهذا لان بعض التفاسير مشحون باسرائيليات كلام الله منها براء والعقول السليمة عنها في مراء وإباء وان كان تفاسير المحققين المؤيدة بالنقل الصحيح والمؤولة بالفكر الصائب الرجيح جامعة لجل الاحكام الدينية والدنيوية كافلة لسعادتهم السرمدية ولكنها في غاية البسط والتبيين حتى بلغ مجلدات بعضها الى ستين او ثمانين. لكن من التطويل كلت الهمم. فصار الاختصار فيه ملتزم وكان من بينها هذا التفسير المسمى ب" الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية" تأليف الكامل المكمل ذي الفيض الرباني والمتحقق بمقام الشهود الاحسانى الشيخ نعمة الله النخجوانى تفسيرا وجيزا للفظ والمبنى جزيل الفحوى والمعنى مع مزج بديع رائق وتلويح لطيف في تناسب الآيات وتلميح شريف الى الدقائق كاشفا عن حقائق الحكم والمعارف التي يعترف بها كل عاقل وعارف صفحاته جنات فهوم عالية قطوفها بسبب فيضها للقاصرين ايضا دانية لا تسمع فيها لاغية القصاص بل تحت كل فقرة منها عظة للعوام والخواص وحكمة لأرباب الاختصاص فبهذه الوجوه الباهرة فاق على التفاسير السائرة الا انه كان مطروحا في زاوية الامتهان قد نسجت عليه عناكب النسيان فالهم الله عبده الصالح البرسامى الهمة عالى القدر المستفيض من بحر فيض الأولياء حضرة ذي العطوفة الحاج (مختار) بك افندى رئيس دائرة نظارة الحربية الجليلة سابقا وشيخ الحرم النبوي لاحقا فنهضت همته العلية واستنهضت همم بعض النفوس الزكية نحو تجلية هذا العروس في منصة الطبع والتمثيل وتداوله في أيدي الإعزاز والتبجيل فلبوا اليه على قدم وساق فبذلوا المال في اقتناء نسخه من الآفاق ثم بذلوا النقد والوقت وفوضوا تصحيحه ومقابلته على عدة نسخ الى جمع من أفاضل العلماء الأعيان وكان ذلك الرئيس الهمام مختار اهل الفضل والعرفان واسطة عقدهم ورابطة مسلكهم ومن اجلاء هؤلاء الأماثل حضرة الأستاذ الأكرم ذي الفضل المحترم (الحافظ محمد) افندى الطرنوى احد أعضاء مجلس التدقيقات الشرعية ومدرس جامع السلطان محمد الفاتح والعالم الفاضل والمدقق الكامل الصالح التقى حضرة الأستاذ (الحاج محمد شكرى) افندى مفتى العساكر الشاهانية وحضرة العالم النحرير صاحب الفكر الصائب (إسماعيل صائب) من مدرس جامع السلطان با يزيد والعالم الفاضل المدقق (احمد رفعت) بن عثمان حلمي المصحح بدار الطباعة العثمانية والعالم الفاضل المدقق الكامل الحافظ (محمد خيرى) المدرس بجامع والده عتيق بمدينة الاسكدار. والعالم الفاضل الكامل (محمد كامل) القرة حصارى المدرس بجامع السلطان با يزيد شكر الله مسعاهم وبارك لهم في محياهم ومأواهم فجاء بحمد الله ولطيف كرمه كتابا مباركا وتفسيرا شريفا يتبختر في حلل الطبع الفاخرة ويجر زيل البهو على النجوم الزاهرة وذلك بالطبعة العثمانية الكائنة في دار الخلافة العلية صانها الله عن الآفات والبلية وكان ختام طبعه وادراك ينعه في أوائل شهر الله رجب المرجب من سنة (١٣٢٦) ست وعشرين وثلاثمائة وألف من الهجرة المحمدية على صاحبها وآله ازكى الصلاة وآلاف من التحية

стр. 1120

قرضه من أفاضل علماء يمن فريد عصره ووحيد دهره مولانا وسيدنا محمد بن حسن دلال الصنعاوى الحمد لله رب العالمين على نعمه التي دقيقها جليلها والصلاة والسلام على حبيبه القائل أمتي كالغيث لا يدرى آخرها خير أم أولها وعلى آله وأصحابه واتباعه الذين أدركوا من العلوم أنوارا لاحت جواهرها وفواصلها وبعد فان مما برز الى الظهور من مكامن خزائن الأسرار وظهر بدرا فاضلا في رابعة النهاء التفسير الشريف الذي عز عن النظار والانظار واستخرجه مؤلفه بصفاء باطنه من خزائن الأسرار فكان روضة زاهية الازهار وجنة تجرى من تحتها الأنهار فلهذا سماه الفواتح الغيبية للواردات الإلهية وصار كما قال ﵀ مطابقا اسمه معناه وسالما عن كل اعتراض مبناه ولا غرو فمؤلفه البحر الغطمطم والنور المطلسم خاتمة اهل الوراثة مجدد آثار من تقدم العارف بالله العلامة الرباني نعمة الله بن محمود النخجوانى المعروف بعلوان الفائق للاقران ولقد ابرز فيه ما خفى من اسرار القرآن والقى الجواهر للملتقط مناديا بكل احسان رحم الله تعالى مثواه وجعل الجنة مأواه وفهمنا اسرار مبانى كتابه ومعناه وقد بسطت النعمة على الأمة بنشره مطبوعا بهمم عالى الهمم فاتح المقفلات حلال المشكلات المتمسك بأذيال اهل الولايات مولانا الحاج احمد مختار بك الكريدى ثم الاستانبولى حرسه الله تعالى بالآيات وكتب له الأجور المضاعفات فيا من له بالقرآن العظيم شغف عظيم لقد جاءكم تفسير كريم عليه أنوار القبول وآثار الفتوح من رب رحيم فبادروا الى قراءته بتأمل معانيه والتفكه بتلاوة مثانيه ففي كل لفظ منه روض من المنى وفي كل سطر منه عقد من الدر والحمد لله رب العالمين وعلى نبيه وآله وصحبه الصلاة والسلام في كل حين حرره احقر الرجال محمد بن حسن دلال الصنعاوى