Полный текст (1 120 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
الوصال
فَالْفارِقاتِ الواصلات الى بقعة الإمكان من قبل الرحمن ليفصلن ويفرقن لساكنيها بين الحق والباطل والحرام والحلال والهداية والضلال الواقعة في سلوك طريق الحق وسبيل توحيده فَرْقاً بينا واضحا ليتنبهوا الى مبدئهم ومعادهم
فَالْمُلْقِياتِ الملقنات لحوامل أثقال الطبيعة والأركان المسجونين في سجن الإمكان المقيدين بسلاسل الزمان وأغلال المكان المتفرعة على أثقال الطبائع والأركان ذِكْراً حسنا من عالم اللاهوت بحيث يجرونه على ألسنتهم لعلهم يتذكرون به مبدأهم الأصلي ويتفطنون منشأهم الحقيقي ليكون لهم ذكرهم هذا
عُذْراً يزيل ويمحو سيئات عالم الناسوت وآثام الإمكان بعد ما تنبهوا به الى عالم اللاهوت وتطرقوا نحوه مهاجرين من بقعة الناسوت أَوْ نُذْراً ينذرهم عن نيران الإمكان وسعير الطرد والخذلان بعد ما تذكروا نعيم عالم اللاهوت وفضاء الجبروت يعنى وبحق هذه المقسمات العظام المكرمات عند الله المنتشآت من لدنه سبحانه حسب حكمته المتقنة البالغة لمصلحة التوحيد والايمان والمعرفة والإيقان
إِنَّما تُوعَدُونَ ايها المكلفون من قبل الحق في يوم العرض والجزاء لَواقِعٌ محقق وقوعه وثبوته بلا ريب وتردد واعلموا انه بعد ما قد وقعت الواقعة الهائلة وقامت القيامة المبدلة
فَإِذَا النُّجُومُ اى الهويات المحسوسة المرئية في عالم الكون والفساد طُمِسَتْ انمحقت وانمحت وغابت وتلاشت عند ظهور شمس الحقيقة
وَإِذَا السَّماءُ اى نظام عالم الكون والفساد فُرِجَتْ صدعت وشقت وانفصمت وتلاشت
وَإِذَا الْجِبالُ الرواسي التي هي أوتاد الأرض وهي في الحقيقة عبارة عن الهياكل المحسوسة في عالم الأشباح نُسِفَتْ قلعت من أماكنها ثم ذريت برياح الفناء
وَإِذَا الرُّسُلُ المبعوثون للإرشاد ولإصلاح العباد وسداد فسادهم أُقِّتَتْ وقتت اى قد عين لهم وقت الشهادة على أممهم بعد ما أبهم عليهم وقتها في النشأة الاولى كأنه قيل لهم من قبل الحق
لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ وأخرت شهادتهم وأجيب ايضا من جانبه سبحانه
لِيَوْمِ الْفَصْلِ
وَما أَدْراكَ وأعلمك يا أكمل الرسل ما يَوْمُ الْفَصْلِ أبهمه سبحانه تهويلا وتعظيما وبالجملة
وَيْلٌ وهلاك مؤبد وزجر مخلد مستمر يَوْمَئِذٍ اى في يوم الفصل لِلْمُكَذِّبِينَ به المنكرين له في النشأة الاولى سيما بعد اخبار الرسل والكتب وكيف يكذبونه وينكرون عليه أولئك الضالون المكذبون مع انهم قد سمعوا حال المكذبين المنكرين الماضين
أَلَمْ نُهْلِكِ المكذبين الْأَوَّلِينَ كقوم عاد وثمود ولم نستأصلهم بسبب انكارهم وتكذيبهم بهذا اليوم الموعود
ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ يعنى نتبع ونعقب إهلاك الأولين باهلاك الآخرين كقوم شعيب وموسى وعيسى ﵈ وغيرهم ايضا بسبب تكذيب هذا اليوم وتكذيب من اخبر به من الكتب والرسل وبالجملة
كَذلِكَ اى مثل ما فعلنا بالمكذبين السابقين والآخرين اللاحقين نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ اى بعموم هؤلاء المجرمين الحاضرين المكذبين على رسول الله وآياته النازلة عليه من عند ربه لذلك
وَيْلٌ عظيم يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ وكيف تكذبون ايها المكذبون بما أمرتم بتصديقه من لدنا مع انكم قد عرفتم قدرتنا عليه وعلى أمثاله
أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ ايها المجبولون على النسيان مِنْ ماءٍ مسترذل مَهِينٍ في غاية المهانة والخباثة وبعد نزوله
فَجَعَلْناهُ وصيرناه مستقرا فِي قَرارٍ يعنى مقر الرحم مَكِينٍ متمكن فيه
إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ وأجل معين قدره الله العليم الحكيم للولادة وتسوية الخلق والخروج الى عالم الشهادة وبالجملة
فَقَدَرْنا على خلقكم وايجادكم من النطفة المهينة المكينة في ظلمة الرحم وعلى إخراجكم واظهاركم منها الى
стр. 1052
فضاء العالم وتربيتكم فيه الى ان صار كل منكم ذا رأى ورشد قابلا لحمل التكاليف المثمرة بثمرة المعرفة والايمان فَنِعْمَ الْقادِرُونَ المقتدرون نحن ايضا على بعثكم وإخراجكم من قبوركم احياء كما كنتم في يوم البعث والجزاء فلم تكذبون به ايها المكذبون مع انكم قد سمعتم من الثقاة العدول ألا وهم الأنبياء والمرسلون انه
وَيْلٌ عظيم يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بقدرتنا على الإعادة وكيف تنكرون قدرتنا الكاملة الشاملة على مطلق المقدورات
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ اليابسة كِفاتاً جامعة كافتة ضامة لكم
أَحْياءً مرة وَأَمْواتاً اخرى اى تكفت وتجمع الأحياء والأموات من الإنسان على التعاقب والتوالي تارة فيها وتارة عليها
وَجَعَلْنا فِيها اى في الأرض اى عليها رَواسِيَ أوتادا واقطابا شامِخاتٍ عاليات متعاليات عن ان ينال بكنه معارفهم وشهوداتهم ادراك احد وَقد أَسْقَيْناكُمْ ايها المكلفون من لدنيات أولئك الأوتاد والأقطاب المتعالية اغوار أطوارهم عن ادراك الأنام وافهامهم ماءً علما لدنيا كشفيا ذوقيا محييا لأموات الجهل فُراتاً عذبا سائغا شرابه لأولى العزائم الصحيحة والمشارب الصافية عن كدر الرعونات مطلقا وبالجملة
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بقدرتنا واقتدارنا على اظهار هذه البدائع التي قد كلّت دونها وصف الألسن والأحلام ودرك العقول والافهام وكيف يسعهم التكذيب والإنكار وقت إذ عاينوه ويقال لهم حينئذ زجرا عليهم وتوبيخا
انْطَلِقُوا وادخلوا ايها المكذبون إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ من العذاب والنكال وانواع العقوبات والمكروهات.
ثم قيل لهم ايضا تأكيدا وتشديدا على توبيخهم وتقريعهم
انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ واى ظل ظل ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ حاصلة منشعبة من القوى البهيمية الوهمية والشهوية والغضبية إذ بهذه الثلاثة تقترف عموم المعاصي وتكتسب جميع الآثام الموجبة لدخول النار
لا ظَلِيلٍ إذ لا يدفع ضرر الحرارة العارضة من نيران الغضب والشهوات وَلا يُغْنِي ولا يدفع مِنَ حر اللَّهَبِ الجهنمية وإحراق النيران الامكانية الحاصلة من القوى البشرية وكيف يمكن ان يدفع حر جهنم
إِنَّها اى جهنم الطرد والحرمان تَرْمِي بِشَرَرٍ وهو ما يتطاير من النار حين التهابها وسورتها وأى شرر كل شرر منها كَالْقَصْرِ الرفيع في الكبر والعظيم في المقدار
كَأَنَّهُ في الكثرة والتتابع والتوالي جِمالَتٌ وابل متسلسلة مترادفة متتابعة صُفْرٌ لونها شبهها بها في عظم أجرامها وتتابعها وصفرة لونها
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بتكذيبهم لهذا العذاب الهائل بعد ما أمروا بتصديقه على ألسنة الرسل والكتب وبعد ما قد ساقهم الخزنة إليها بالزجر التام والعنف المفرط أخذوا يطرحونهم إليها مهانين صاغرين وهم حينئذ يتضرعون صائحين فزعين وقيل لهم تقريعا وتوبيخا
هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ إذ نطقهم بالأعذار الكاذبة كلا نطق في عدم الدفع والنفع
وَبالجملة لا يُؤْذَنُ لَهُمْ يومئذ فَيَعْتَذِرُونَ إذ لا يسمع منهم العذر لانقضاء نشأة التلافي والتدارك بالأعذار والتوبة وبالجملة
وَيْلٌ عظيم يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ وأى ويل عظيم ويل لا يكتنه غوره ولا طوره ولا شدة هوله وحزنه. ثم قيل لهم من قبل الحق حينئذ
هذا يَوْمُ الْفَصْلِ بين المحق والمبطل والمسيء والمحسن جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ اى قد جمعنا الآخرين مع الأولين والسابقين مع اللاحقين فيه
فَإِنْ كانَ لَكُمْ ايها المكلفون كَيْدٌ ومكر تقاوموننى به وتدفعون به عنكم عذابي فَكِيدُونِ وامكرونى ان استطعتم والا ف
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ حتما لازما جزما ومن اين يتأتى منهم المكر والحيلة حينئذ مع الله
стр. 1053
حتى يتخلصوا من عذابه سيما في تلك الحالة وبالجملة هؤلاء الضالون سيقوا نحو النار وطرحوا فيها مهانين وجذبوا إليها صاغرين خالدين. ثم اردف سبحانه وعيد المكذبين بوعد المصدقين فقال
إِنَّ الْمُتَّقِينَ المتحفظين على نفوسهم من الشرك ومن عموم المعاصي المصدقين بيوم الذين والجزاء مستغرقون في بحار الانعام والإحسان يومئذ متنعمون بأنواع التنعم والترفه إذ هم حينئذ متمكنون متكؤن فِي ظِلالٍ ممدودة من ظلال البساتين وَعُيُونٍ جارية فيها
وَفَواكِهَ كثيرة في حواليها مِمَّا يَشْتَهُونَ ويقال لهم حينئذ تلطيفا وتكريما
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً لكم مريئا كل ذلك بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في النشأة الاولى من الأعمال الصالحة والأخلاق المرضية المثمرة لتلك الحالات العلية والمقامات السنية وبالجملة
إِنَّا كَذلِكَ اى مثل ما أنتم عليه من الترفه والتنعم نَجْزِي عموم الْمُحْسِنِينَ المخلصين في الأعمال والأخلاق الراضين بما جرى عليهم من مقتضيات قضائنا وبالجملة
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ لكم ايها المخلصون المهتدون هذا النعيم المقيم ولهم ذلك العذاب الأليم. ثم يقال على سبيل الفرض والتقدير للمكذبين من قبل الحق زجرا عليهم وتوبيخا لهم بما اختاروا اللذة الفانية على اللذة الباقية كأنهم قد أمروا به في النشأة الاولى وقيل لهم على سبيل التهديد فيما مضى
كُلُوا من حطام الدنيا حيث شئتم رغدا واسعا وافرا وَتَمَتَّعُوا بامتعتها زمانا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ بالجرائم العظيمة مؤاخذون عليها بالآخرة في النشأة الاخرى بشؤم تكذيبكم بما أمرتم بتصديقه وبالجملة
وَيْلٌ عظيم يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ وهم قد عرضوا أنفسهم على العذاب المخلد المؤبد
وَكيف لا يؤاخذون أولئك المعاندون المكابرون إذ هم قد كانوا من كمال استكبارهم وعتوهم إِذا قِيلَ لَهُمُ امحاضا للنصح ارْكَعُوا اى تواضعوا لأمر الله واخضعوا له سبحانه وانقادوا لحكمه وصلوا نحوه متذللين وهم لا يَرْكَعُونَ من غاية استكبارهم واستعظامهم ولا يمتثلون لحكم الله وأوامر رسله ولا يطيعونهم تعنتا وعنادا بل يكذبونهم ويستهزؤن بهم لذلك يحل عليهم
وَيْلٌ عظيم يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ المستهزئين برسل الله الظاهرين عليهم بالإساءة والاستكبار المنكرين المكذبين بعموم ما نزل عليهم من الكتب المبينة لمعالم الدين ومراسم التوحيد واليقين بعد ما لم يؤمنوا أولئك الضالون المكذبون بهذا الكتاب المبين المبين بطريق الحق ومنهج الصدق والصواب
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ وكلام مصلح مرشد هادلهم منقذ إياهم من الضلال بَعْدَهُ اى بعد القرآن يُؤْمِنُونَ أولئك المنكرون المعاندون المفسدون المفرطون. جعلنا الله ممن آمن به وامتثل لما فيه وتفطن برموزه وإشاراته بمنه وجوده
خاتمة سورة المرسلات
عليك ايها الموحد المحمدي القاصد لسلوك طريق الهداية والتوفيق العازم والجازم على التحقق والتمكن في مقعد صدق التوحيد والتحقيق يسر الله عليك مبتغاك وأوصلك الى غاية متمناك ان تتمسك بالحبل المتين القرآنى وتتشبث بأذيال هدايته وإرشاده وتمتثل بما فيه من الأوامر والنواهي والاحكام الموردة كي تتفطن أنت بما رمز فيه وأشير اليه من المعارف والحقائق المصفية لسرك عن الالتفات الى ما سوى الحق المعدة قلبك لفيضان الكشف والشهود فلك ان تتبتل الى الله حسب استعدادك وتتخلق بالأخلاق المحمدية التي هي القرآن المنزل الموروث الموهوب له من ربه
стр. 1054
مقدار ما يسر الله لك وقدره لأجلك في حضرة علمه والتوفيق بيد الله والهداية من عنده يهدى من يشاء الى صراط مستقيم
[سورة النبإ]
فاتحة سورة النبأ
لا يخفى على من انكشف له سرائر التكاليف الإلهية وحكم الاحكام الموردة من لدنه سبحانه ومصالح الأوامر والنواهي الناشئة من قدس ذاته ان مقتضى الألوهية والربوبية تربية المربوب وتأديبه بتحميل المتاعب والمشاق المانعة عن مقتضيات الهوى ومتابعة شياطين الأوهام والخيالات الباطلة التي هي جنود النفس الامارة بالسوء إياه وبعد ما لم يمتنع من مقتضيات القوى الطبيعية ولم يأت بالطاعات والعبادات المكلفة المأمور بها من قبل مربيه لم يعتدل على صراط العدالة الإلهية ولم يستقم له الوصول الى روضة الرضاء وجنة النعيم فالحكمة الإلهية تقتضي ان يعذبه بالعذاب الأليم ويدخله في نار الجحيم ابدا مؤبدا خالدا مخلدا لذلك وضع سبحانه بمقتضى حكمته نشأتين نشأة الاختبار والابتلاء ونشأة الانتقاد والجزاء فجعل الاولى منزل العبور والاعتبار والاخرى دار الثبوت والقرار فالعاقل العارف لا بد وان يؤمن ويوقن بكلتيهما ويستعد في أولاهما لاخريهما ومن اغتر بالأولى وشغل بها عن الاخرى فقد لحق بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ولكمال ظهور امارات النشأة الاخرى ووضوح براهين وقوعها وقيامها الى حيث يتساءلون مترددين مستبعدين ويتقاولون فيما بينهم بخبر وقوعها وقيامها ويتداولونها على سبيل المراء والاستهزاء فقال سبحانه بعد ما تيمن بِسْمِ اللَّهِ الذي ظهر على عموم ما ظهر وبطن حسب النشأتين الرَّحْمنِ للكل حسب النشأة الاولى الرَّحِيمِ لخواص عباده حسب النشأة الاخرى
[الآيات]
عَمَّ اى عن ما وعن اىّ شأن وامر يَتَساءَلُونَ ويتقاولون فيما بينهم مراء ومجادلة
عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ
الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ اى هم يختلفون في قيام الساعة الموعودة لتنقيد اعمال العباد والجزاء عليهم على وفقها مع ان امره اظهر من ان يشك فيه ويسأل عنه ويستهزأ به ويختلف فيه وفي وقوعه فلأى شأن وامر يختلفون ويترددون أولئك المسرفون المترددون
كَلَّا وحاشا من اين يتأتى لهم إنكاره والتساؤل فيه والتقاول في شأنه على وجه المراء مع انهم سَيَعْلَمُونَ عن قريب قيامه ووقوعه بل قربه اقرب إليهم من رجع الطرف ولمح البصر بل هو اقرب
ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ حين ينزل عليهم بغتة وهم لا يشعرون وبالجملة من اين يتأتى لهم انكار يوم البعث والجزاء هل ينكرون قدرتنا الكاملة على أمثاله أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً لهم ممهدة ينتشرون عليها ويستريحون فيها وَنجعل الْجِبالَ عليها أَوْتاداً تقريرا لها وتثبيتا
وَخَلَقْناكُمْ اى قدرنا أشباحكم ايها المكلفون أَزْواجاً أصنافا ذكرا وأنثى لتتآنسوا وتتناسلوا
وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ في خلال الليالى سُباتاً انقطاعا عن الاحساس والحركة ليحصل إرخاء الاعصاب والفضلات لتستريحوا بسببه ويزول كلال القوى وفتورها فتستمد بالاستراحة وتشتغل بافعالها في النهار بجرأة تامة وقوة كاملة
وَبالجملة قد جَعَلْنَا اللَّيْلَ لكم لِباساً غطاء وغشاء تستترون فيه وتختفون به فيما فيه إخفاء مطلوبكم
وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً لكم وقتا تطلبون فيه ما تعيشون به من حوائجكم ومطعوماتكم وملبوساتكم
وَ
стр. 1055
كذا قد بَنَيْنا بكمال قدرتنا ومتانة حكمتنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً طباقا شِداداً أقوياء محكمات مستحكمات لا يتأثرن بمر الدهور وكر الأعصار كسائر الابنية
وَجَعَلْنا في خلالها سِراجاً مضيئا متلألأ متشعشعا وَهَّاجاً حارا سخينا في غاية السخونة عند الانعكاس لتنضيج ما تحتاجون اليه في امور معاشكم
وَأَنْزَلْنا ايضا تتميما لتربيتكم وتربية معيشتكم مِنَ السحب الْمُعْصِراتِ بالرياح ماءً ثَجَّاجاً مطرا كثير الانصباب متتالى القطر
لِنُخْرِجَ بِهِ اى بالماء الماطر حَبًّا تقتاتون به وَنَباتاً تعتلف بها مواشيكم
وَجَنَّاتٍ متنزهات لكم وبساتين أَلْفافاً أشجارها وثمارها من كثرتها وكثافتها كل ذلك من المقدورات التي يتفطن منها العاقل المنصف على وقوع الحشر والنشر من الأمور الغيبة الموعودة في يوم الجزاء بل جميع المقدورات الداخلة تحت قبضة القدرة الإلهية إذ نسبة القدرة الكاملة الإلهية الى هذه المقدورات وأمثالها بل الى اضعافها وآلافها وكذا الى الأمور الموعودة فيها على السواء والارادة الكاملة الإلهية ترجح كلا منها عند حلول ما قدر الله له من الوقت والأجل وبالجملة من ترقى إدراكه عن مضيق الالف وخرق حجب الرسوم والعادات وخلص عن ظلمات الأوهام والخيالات العائقة عن الوصول الى وحدة الذات التي هي منبع عموم الخيرات ومنشأ جميع الكمالات قد انكشف له ولاح عنده ان امرى النشأة الاولى والاخرى وأمثالهما بل اضعافهما وآلافهما في جنب القدرة الغالبة الإلهية سهل يسير لكن المحجوب المحبوس في عالم المحسوس المقيد بعقال العقل المبهوت المشوب بالوهم المنحوس والخيال المزور المنكوس قد يتخيل حصر المظاهر والمجالى الإلهية بما لمع له من سراب عالم الطبيعة والهيولى لذلك وقع فيما وقع من البلوى وزلت قدمه في سبيل القرب من المولى. هب لنا من لدنك رحمة تنجينا عن أمثال هذه المهالك انك أنت الوهاب. ثم قال سبحانه
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ الفارق بين اصحاب الحيرة والضلال وارباب العناية والوصال قد كانَ له مِيقاتاً وقتا معينا في حضرة علم الله مقدرا في لوح قضائه لم يطلع أحدا عليه وعلى تعيينه بل أخبرهم باماراته وعلاماته اذكر يا أكمل الرسل
يَوْمَ اى يوم إذ حل فيه وقت الفصل وقيام الساعة وحينئذ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ النفخة الاولى لبعث الموتى وإذا وصل لهم ذلك النداء والصداء فيخرجون من قبورهم حيارى وسكارى مبهوتين ثم ينفخ فيه ثانيا للحشر فَتَأْتُونَ المحشر أَفْواجاً فرقا فرقا وزمرا زمرا
وَفُتِحَتِ السَّماءُ اى قد خرقت وشقت يومئذ فَكانَتْ الخرق والشقوق لها أَبْواباً
وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ اى قلعت عن وجه الأرض وتحركت فطارت اجزاؤها كالهباء نحو الهواء
فَكانَتْ أشكالها وهيآتها سَراباً اى كالسراب يلمع ويرى على صورة الجبال ولا حقيقة لها كما هي الآن كذلك عند العارف المكاشف بحقيقتها وبالجملة
إِنَّ جَهَنَّمَ يومئذ قد كانَتْ مِرْصاداً مرصدا ومعبرا لعموم العباد يعبر منها اهل الجنة على تفاوت طبقاتهم سرعة وبطأ مترتبين على تفاوت أعمالهم وأحوالهم ومواجيدهم ومقاماتهم ومنهم من لا يلتفت نحوها ولا يدركها اين هي وان عبرها ومنهم من يعبرها كالبرق الخاطف ثم الأمثل فالأمثل فينجون من غوائلها ويسقط فيها اهل النار ويغلون باغلالها وسلاسلها فتصير
لِلطَّاغِينَ المصرين على طغيانهم وكفرهم مَآباً مرجعا ومأوى لا يخرجون منها أصلا بل يكونون
لابِثِينَ ماكثين فِيها أَحْقاباً وأى احقاب أحقابا لا كاحقاب الدنيا بل لا نهاية لها ولا غاية لحدها فذكرها كناية عن عدم التناهى وهم
لا يَذُوقُونَ فِيها في جهنم
стр. 1056
البعد وسعير الحرمان بَرْداً لحرمانهم عن لذة برد اليقين في النشأة الاولى وَلا شَراباً لأنهم لم يشربوا في النشأة الاولى من زلال الايمان شربة ولا من رحيق التحقيق والعرفان جرعة لذلك ما يشربون في النشأة الاخرى
إِلَّا حَمِيماً ماء حارا يسخن بنيران غضبهم وشهواتهم بحيث يقطع أمعاءهم من شدة حرارته وَغَسَّاقاً صديدا سائلا من جراحات اهل النار بدل ما كانوا يأكلون ويشربون من اموال اليتامى والمظلومين ظلما وعدوانا وبالجملة قد جوزوا فيها جَزاءً وِفاقاً موافقا مطابقا لاعمالهم التي قد أتوا بها في دار الدنيا وبالجملة
إِنَّهُمْ كانُوا حين يمموا المعاصي وعزموا على الآثام لا يَرْجُونَ ولا يأملون حِساباً ولا يخافون عذابا
وَلهذا قد كَذَّبُوا بِآياتِنا الدالة على كمال قدرتنا واقتدارنا على وجوه الانعام والانتقام وعلى رسلنا المنزلة إليهم تلك الآيات كِذَّاباً تكذيبا بليغا وإنكارا شديدا بحيث كانوا يستهزؤن بالآيات والرسل مكابرة وعنادا
وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً يعنى وهم وان بالغوا في التكذيب والعناد قد فصلنا نحن أعمالهم وأخلاقهم وجميع خصائلهم المذمومة على صحف أعمالهم التي سيحاسبون عليها على التفصيل ويجازون بمقتضاها وبعد ما يحاسبون ويؤاخذون يقال لهم زجرا عليهم وتوبيخا
فَذُوقُوا ايها المسرفون المفرطون فَلَنْ نَزِيدَكُمْ بأعمالكم وتكذيبكم إِلَّا عَذاباً فوق العذاب في الحديث صلوات الله على قائله هذه الآية أشد ما في القرآن على اهل النار. ثم اردف سبحانه بوعيدهم وعد المؤمنين تشديدا لعذابهم وتأكيدا فقال
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ الحافظين نفوسهم عن محارم الله خوفا من عذاب الله ورجاء من فضله مَفازاً مخلصا ومنجاة من جميع المكاره اللاحقة للكفار والعصاة في النار
حَدائِقَ ذات بهجة وبهاء ونضارة ونزاهة وَأَعْناباً معروشات
وَان لهم فيها أزواجا كَواعِبَ نواهد قد استدارت ثديهن مثل الزمان أَتْراباً أبكارا لم يطمثهن انس قبلهم ولا جان
وَكَأْساً من خمور المحبة الإلهية دِهاقاً ملآنا وهم
لا يَسْمَعُونَ فِيها اى في الجنة عند شرب خمور المحبة لَغْواً فضولا من الكلام وَلا كِذَّاباً اى مكاذبة يكذب بعضهم بعضا كما يقع بين شاربي شراب الدنيا وانما يجازون بما يجازون
جَزاءً ناشئا مِنْ رَبِّكَ يا أكمل الرسل عَطاءً من لدنه تفضلا عليهم وإحسانا إذ لا يجب عليه سبحانه شيء حِساباً كافيا وافيا لا ينقصون ولا ينتظرون وكيف لا يتفضل سبحانه على أوليائه مع انه (٥)
رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى مربى العلويات والسفليات وَما بَيْنَهُمَا من الممتزجات لا مربى لها سواه الرَّحْمنِ المستوي على عروش عموم المظاهر بالرحمة العامة والاستيلاء التام والسلطنة القاهرة والبسطة الغالبة بالإرادة والاختيار بحيث لا يَمْلِكُونَ ولا يقدرون اى اهل السموات والأرض مِنْهُ سبحانه خِطاباً اى لا يسعهم ان يخاطبوه ويطلبوا منه شيأ من زيادة ثواب او نقص عقاب بل هو بذاته فعال لكل ما يريد من مقتضيات أسمائه وصفاته بالإرادة والاختيار لا يسأل عن فعله انه حكيم حميد وكيف يملكون ويقدرون على خطابه سبحانه هؤلاء الاظلال الهلكى في حدود ذواتهم مع انه
يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ المطلق وَالْمَلائِكَةُ اى حوامل الأسماء والصفات الإلهية المجردات المنفصلات عن التعلقات المادية مطلقا صَفًّا صافين مصطفين ساكتين صامتين من كمال دهشتهم عن سطوة سلطنة الذات القاهرة الغالبة بحيث لا يَتَكَلَّمُونَ حينئذ ولا يقدرون على التفوه بالحال او المقال إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ بالشفاعة والسؤال فتكلم باذنه وَقالَ صَواباً مرضيا
стр. 1057
عند الله مستجابا وبالجملة
ذلِكَ الْيَوْمُ اى يوم الفصل والقيامة هو اليوم الْحَقُّ الثابت الكائن وقوعه بلا خلف ولا ريب فَمَنْ شاءَ ان يأمن من فتنته ويخلص من عذابه اتَّخَذَ وأخذ في النشأة الاولى إِلى رَبِّهِ مَآباً مرجعا ومنقلبا يتوجه اليه ويتحنن نحوه متقربا بصوالح الأعمال ومحاسن الشيم والأخلاق والأطوار وبالجملة
َّا أَنْذَرْناكُمْ
ايها المعرضون عن الله المنصرفون عن طاعته وعبادته مطلقاذاباً قَرِيباً
غريبا فجيعا فظيعا سيلحقكم بغتة وأنتم لا تشعرون باماراته ومقدماته اذكروا الأحوال والافزاع الطارية لكم وْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ
ويرى جميع اقَدَّمَتْ يَداهُ
خيرا كان او شرا نفعا كان او ضرا
بعد ما قد رأى الكل يومئذ ما رأى من الصوالح والمقابح الصادرة عنه الجارية عليه قُولُ الْكافِرُ
الرائي قبائح أفعاله وفواسد اعماله متأسفا متحسرا متمنيا هلاكه على سبيل المبالغةا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
لم اخلق ولم اكلف حتى لا استحق هذا الويل والثبور. هب لنا من لدنك رحمة انك أنت الرحيم الغفور
خاتمة سورة النبأ
عليك ايها الموحد المحمدي ان تتزود ليوم الجزاء بالتقوى عن محارم الله والاجتناب عن منهياته والامتثال بأوامره والتخلق بأخلاقه حتى لا تستحيي من الله في يوم الجزاء ولا تتمنى مقتك وهلاكك مثل من كفر وعصى فعليك ان تلازم على أداء الواجبات والمسنونات والمستحبات من الصلوات والزكوات وانواع الطاعات وعلى التقرب نحوه بالنوافل من الصلوات والصدقات والخدمة بالجوارح والآلات لعموم عباد الله والسعى الى مطلق الخيرات والمبرات والاجتهاد في طريق الحسنات ومطلق المكفرات وترك السيئات حتى تتخلص عن كؤد العقبات وتصل الى روضات الجنات وتفوز بالفوز والسعادات وانواع الكرامات. جعلنا الله من ارباب الهداية والتوفيق ويسر لنا الوصول الى مقر التوحيد والتحقيق بمنه وجوده
[سورة النازعات]
فاتحة سورة النازعات
لا يخفى على السالكين المتدرجين عن مضيق الطبيعة نحو فضاء الحقيقة مهاجرا عن بقعة الإمكان ولوازمها نحو الوجوب الذاتي ان التخلص والنجاة من سلاسل الأماني وأغلال الآمال مطلقا لا يتيسر إلا بجاذبة الحق ووحيه المفيض من عنده على أسمائه وصفاته الفعالة في عالم الكون والفساد الموسومين المتسمين بالملائكة النازعات المخلصات للأرواح البشرية التي هي من جنود عالم اللاهوت المسجونة في مضيق عالم الناسوت في حصون الهويات الامكانية وقلاع الطبائع والأركان فبعضهم بعد ما هبطوا إليها وتوطنوا الفوا ونسوا موطنهم الأصلي ومنزلهم الحقيقي وبعضهم قد صاروا محبوسين محجوبين متذكرين الموطن الأصلي راجين الخلاص عن ورطة الهلاك وبعضهم مترددون شاكون وبعضهم متحركون مضطربون للخروج ولا يتأتى لهم ولما كان حالهم في سجن الطبيعة وعالم الإمكان هكذا وكل عليهم سبحانه عناية منه وفضلا نوازع نازلة من عالم الجبروت حسب قيوداتهم التي كانوا عليها حتى تخلصوهم من مضيق الناسوت وتوصلوهم الى فضاء اللاهوت ولذلك اقسم سبحانه بحق هذه النوازع العظيمة الشئون لثبوت يوم البعث والجزاء الذي قد انقهر وانعدم عند قيامه وظهوره سراب عالم الناسوت مطلقا ليرتدع المنكرون عن إنكاره وينزجر الملحدون عن الجحود فيه
стр. 1058
فقال بعد التيمن بِسْمِ اللَّهِ المقدر المدبر لأمور عباده حسب ما اقضته الحكمة والمصلحة الرَّحْمنِ عليهم في النشأة الاولى ينبههم عن سنة الغفلة الرَّحِيمِ في النشأة الاخرى يخلصهم عن سجن الطبيعة
[الآيات]
وَحق النَّازِعاتِ المخلصات أرواح المحبين من محابس الطبائع والأركان غَرْقاً لاستغراقهم في لوازم الناسوت ومقتضياتها المغشية صفاء عالم اللاهوت
وَالنَّاشِطاتِ المنزعات المخرجات لنفوس ارباب المحبة والولاء المتشوقين الى عالم العماء وفضاء اللاهوت نَشْطاً رفقا ولطفا بهم لكمال تحننهم وتشوقهم الى الخلاص
وَالسَّابِحاتِ المخرجات أرواح الأبرار المحسنين عن أشباحهم هينات لينات بحيث تقبضهم رفقا ثم تمهلهم حتى يستريحوا ثم تقبضهم هكذا الى ان تخلصهم كالسابح في الماء يتحرك ثم يستريح ثم يتحرك سَبْحاً لكونهم سابحين في بحر الحيرة دائما حتى وصلوا الى بحر اليقين
فَالسَّابِقاتِ اى النفوس الفانية في الله الباقية ببقائه المبادرة الى الخروج قبل نزول النازعات سَبْقاً لكمال شوقهم وانبعاثهم وتجردهم عن ملابس عالم الناسوت وانتزاعهم عن مقتضيات الطبيعة والأركان قبل حلول الأجل وهجوم المخرجات المخلصات
فَالْمُدَبِّراتِ الموكلات على تدابير عموم المظاهر من الأرزاق والآجال وجميع الأمور الجارية في عالم الكون والفساد أَمْراً لكونهم مأمورين بها موكلين عليها بمقتضى حكمة القدير العليم يعنى بحق هذه الحوامل العظام والموكلات الكرام لتبعثن أنتم من قبوركم ولتحاسبن على أعمالكم ايها المكلفون اذكروا
يَوْمَ تَرْجُفُ تتحرك وتضطرب الرَّاجِفَةُ المتقررة الساكنة التي لا حركة لها أصلا كالأرض وسائر الجمادات وبعد تحرك هؤلاء الجوامد
تَتْبَعُهَا في الحركة والاضطراب والاندكاك الرَّادِفَةُ اى العلويات السائرة المتحركة دائما حيث تتشقق السموات وتنتثر الكواكب وبالجملة تختلط العلويات بالسفليات وتتمازجان بحيث لا علو ولا سفل من شدة الهول ونهاية الفزع
قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ قلقة حائرة شديدة الاضطراب
أَبْصارُها اى ابصار اصحاب القلوب حينئذ خاشِعَةٌ شاخصة ذليلة من شدة الخوف والهول المفرط مع ان هؤلاء الشاخصين الواجفين قد كانوا
يَقُولُونَ في النشأة الاولى حين أخبرهم الرسل بالبعث والحشر على سبيل الاستبعاد والإنكار أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ اى الحالة التي قد كنا عليها يعنى انبعث احياء كما كنا من قبل ثم يزيدون الإنكار بقولهم
أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً بالية رميمة نبعث ونحيى كلا وحاشا من اين يتأتى لنا هذا وبعد ما استبعدوا واستكبروا بما استنكروا
قالُوا متهكمين مستهزئين تِلْكَ الحالة المفروضة لو وقعت ورددنا الى الحياة بعد الموت كما زعم هؤلاء المدعون يعنون الرسل لحصل لنا ذلك إِذاً كَرَّةٌ عودة ورجعة خاسِرَةٌ اى ذات خسران وخذلان إذ قد كنا نكذب بها ولا نصدق بمن اخبر وبعد ما وقعت قد كنا خاسرين خسرانا عظيما وبعد ما تقولوا من بطرهم وخيلائهم بما تقولوا قيل لهم من قبل الحق مقرعا على استماع استعداداتهم لا تستبعدوا امر الساعة الموعودة المعهودة ايها المسرفون المفرطون ولا تستصعبوها
فَإِنَّما هِيَ اى امر الساعة وقيامها عند كمال قدرتنا الغالبة القاهرة زَجْرَةٌ واحِدَةٌ اى ما هي الا نفخة واحدة تنفخ في الصور بأمرنا وحكمنا فإذا نفخت النفخة الثانية
فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ اى فاجأت بنى آدم بأجمعهم فصاروا احياء على وجه الأرض كما قد كانوا عليها في النشأة الاولى من الهيآت والأشكال والهياكل والهويات. ثم أشار سبحانه الى تسلية حبيبه ﷺ وحثه على الاصطبار باذيات
стр. 1059
اصحاب التكذيب والاستكبار فقال
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى يعنى لما اضطربت أنت بتكذيب قومك وانكارهم عليك واعراضهم عن هدايتك وارشادك يا أكمل الرسل أليس قد أتاك حديث أخيك موسى الكليم حتى يسليك ويزيح كربك ويرشدك الى الصبر والثبات مثل أخيك موسى ﵇ حتى تظفر على أعدائك مثله وذلك وقت
إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بلا وسيلة الملك وسفارة السفير إذ هو حينئذ من افراط المحبة بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ عن رذائل الأغيار وعن الالتفات الى ما سوى الملك الجبار طُوىً اى قد طويت دونه حينئذ مطلق التعينات والنقوش والتموجات الطارية على بحر الوجود من عواصف الإضافات المتموجة والنكبات وبعد ما قد تقرر ﵇ في مقعد الصدق وتمكن على مكمن اللاهوت امره سبحانه بالالتفات الى عالم الناسوت والرجعة نحوه للإرشاد والتكميل تتميما لقضية الحكمة البالغة المتقنة الإلهية بقوله
اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ العالي العاتي الطاغي الباغي إِنَّهُ قد طَغى وتجاوز عن مقتضى العبودية طغيانا فاحشا الى ان قد ادعى الألوهية لنفسه
فَقُلْ له مستفهما أولا على طريقة الملاينة اللازمة لمرتبة النبوة والإرشاد هَلْ لَكَ بعد ما انحرفت عن جادة العبودية بهذه الدعوى الكاذبة الباطلة ميل إِلى أَنْ تَزَكَّى تتزكى وتتطهر عن رذائل الكفر ونقيصة الظلم والعدوان
وَأَهْدِيَكَ وأرشدك انا باذن الله ووحيه إِلى توحيد رَبِّكَ وتقديس مربيك الذي قد أظهرك من كتم العدم ورباك بأنواع اللطف والكرم وبعد ما تعرف أنت وحدة ربك وتؤمن بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وتصدق أنت بكمال قدرته واقتداره على وجوه الانتقامات والإنعامات باستقلاله في عموم التدبيرات والتصرفات فَتَخْشى
حينئذ عن بطشه وقهره وتشتغل بأداء المأمورات وترك المنكرات والمحرمات والاجتناب عن مطلق المنهيات وبالجملة تكون أنت حينئذ من زمرة ارباب العناية والكرامات وتتخلص من نيران الطبيعة ودركاتها وبعد ما ذهب موسى بمقتضى امر الله ووحيه الى فرعون الطاغي الباغي وبالغ في التبليغ واظهار الدعوة والملاينة على وجه الرفق والمداراة
فَأَراهُ على سبيل التبيين والتوضيح الْآيَةَ الْكُبْرى يعنى العصا وتقليبها حية او جنس الآيات النازلة عليه وبعد ما سمع فرعون من موسى ما سمع ورأى من الآيات ما رأى استكبر وغوى
فَكَذَّبَ موسى واستكبر عليه وَعَصى المولى وزاد بغيا وطغيانا
ثُمَّ بعد ما اقبل عليه موسى للإرشاد والتكميل بأمر الله قد أَدْبَرَ واستدبر فرعون عن الإقبال بل اقبل على البغي والضلال لذلك يَسْعى ويجتهد في المعارضة والابطال
فَحَشَرَ جنوده وسحرة بلاده فَنادى على رؤس الملأ على سبيل الاستعلاء والاستكبار
فَقالَ ذلك المسرف المفرط من كمال البطر والافتخار أَنَا رَبُّكُمُ ومربيكم الأجل الْأَعْلى من كل من يلي أمركم ايها البرايا. ثم لما أفرط اللعين في البغي والطغيان وبالغ في الظلم والعدوان
فَأَخَذَهُ اللَّهُ القدير القهار بمقتضى اسمه المضل المذل فجعل سبحانه طغيانه وعدوانه في النشأة الاولى نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى اى سبب الأغلال والسلاسل في النشأة الاخرى وسببا للاهلاك والإغراق ايضا في النشأة الاولى
إِنَّ فِي ذلِكَ الشأن الذي قد جرى على فرعون من انواع البلاء في النشأة الاولى والاخرى لَعِبْرَةً وعظة عظيمة وتذكيرا بليغا لِمَنْ يَخْشى من غضب الله وعن مقتضيات قهره وجلاله. ثم أشار سبحانه الى توبيخ مطلق المنكرين للنشأة الاخرى وتقريعهم وتسفيههم بمقتضى عقلهم فقال
أَأَنْتُمْ ايها المنكرون المفرطون المسرفون
стр. 1060
في امر الحشر والنشر أَشَدُّ وأصعب خَلْقاً وإيجادا على سبيل الإعادة أَمِ السَّماءُ التي هي ارفع الابنية وأعلاها وأشدها نظاما وأقواها بنيانا والتياما إذ هو سبحانه بَناها بقدرته الكاملة واحسن بناءها بحيث
رَفَعَ سَمْكَها وسقفها بلا اعمدة وأسانيد وأسطوانات فَسَوَّاها وعدلها بلا قصور وفطور وبعد ما سواها كذلك قد أدارها وحركها على الاستدارة كذلك
وَقد رتب على حركاتها المددين حيث أَغْطَشَ واظلم لَيْلَها الحاصل من حركاتها وَأَخْرَجَ اى ابرز واظهر ضُحاها ضوء شمسها في النهار الحاصل من تلك الحركات
وَبعد ما رتبها كذلك قد خلق الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ اى بعد خلق السموات واعجب في خلقها بان دَحاها ومهدها اى بسطها لمن يسكن عليها ويستقر فيها وبعد ما بسطها كذلك
أَخْرَجَ مِنْها ماءَها حيث فجر فيها عيونا واجرى أنهارا وَاظهر وأنبت ايضا عليها مَرْعاها تقويتا لمن عليها وما عليها
وَقد رتب الْجِبالَ الطوال الثقال ايضا عليها حتى أَرْساها أحكمها وأثبتها وانما مهدها وبسطها وأنبت عليها وفجر منها لتكون
مَتاعاً لَكُمْ اى ترفها وتمتعا لكم عليها وَكذا لِأَنْعامِكُمْ ومواشيكم ايضا فإنها من لواحق معايشكم ومتمماتها وبعد ما قد فضلكم سبحانه ورباكم عليها بأنواع الخيرات والبركات قابلتموها بالجحود والنسيان فتربصوا
فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى اى فاذكروا الداهية العظمى التي هي عبارة عن قيام الساعة الموعودة واذكروا
يَوْمَ يَتَذَكَّرُ فيه الْإِنْسانُ عموم ما سَعى واقترف في النشأة الاولى حيث يعطى لهم صحائف أعمالهم الماضية مفصلة فينظرون فيها ويتذكرون بها جميع ما صدر عنهم من الأعمال الصالحة والفاسدة فيجازون بمقتضاها
وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ اى قد لاحت وظهرت الجحيم يومئذ لِمَنْ يَرى اى لكل من يتأتى منه الرؤية اى يظهر أمرها بحيث لا يخفى على احد. ثم قسم الناس حينئذ قسمين
فَأَمَّا مَنْ طَغى في النشأة الاولى
وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا اى اختار الحياة المستعارة الدنية الدنياوية ولوازمها من اللذات الوهمية والشهوات الفانية البهيمية على الحياة الاخروية وما يترتب عليها من اللذات اللدنية الباقية
فَإِنَّ الْجَحِيمَ المسعرة بنيران غضبهم وشهواتهم هِيَ الْمَأْوى لهم مقصور عليهم إذ لا مأوى سواها
وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ اى خاف عن قيامه بين يدي الله ووقوفه في المحشر للحساب وعرض الأعمال عليه سبحانه والجزاء عليها وَمع كمال خوفه وخشيته نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى اى قد كف نفسه عن مقتضياتها التي ترديها وتغويها
فَإِنَّ الْجَنَّةَ الموعودة لهم على لسان الكتب والرسل هِيَ الْمَأْوى اى مأواهم مقصور على الجنة وهم فيها ابدا خالدون ولا يتحولون الا الى ما هو اولى منها وأعلى درجة ومقاما من درجاتها ومقاماتها. ثم قال سبحانه
يَسْئَلُونَكَ يا أكمل الرسل عَنِ السَّاعَةِ ووقت قيامها الذي هو من جملة الغيوب التي لا نطلع أحدا عليها أَيَّانَ مُرْساها اى متى ارساؤها وإقامتها وأى آن إتيانها وقيامها عين لنا وقتها
فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها اى أنت في أى شيء وشأن منها ان تذكر لهم وقتها او تعينها مع انا لا نطلعك على وقتها سوى انا قد أوحينا لك انيتها وثبوتها وتحقق قيامها فما لك الا تبليغ ما يوحى إليك بل
إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها اى منتهى علمها وتعيين وقتها انما هو مفوض الى حضرة علم الله موكول الى لوح قضائه
إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها اى ما أنت الا نذير لم تبعث الا لإنذار الخائفين الموفقين على الخوف من أهوالها وافزاعها لا من المقدرين المعينين لوقتها وكيف يسع لك هذا التعيين والتقدير إذ هو من
стр. 1061
جملة الغيوب التي قد استأثر الله بها ولم يطلع أحدا عليها. ثم قال سبحانه تهويلا على المنكرين
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها ويعاينون قيامها يتيقنون حينئذ على سبيل الجزم انهم لَمْ يَلْبَثُوا ولم يمكثوا في دار الدنيا مدة حياتهم فيها إِلَّا عَشِيَّةً اى عشية يوم أَوْ ضُحاها اى ضحى تلك العشية يعنى يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا بالنسبة الى يوم الدين وطولها. نعوذ بك من النار ومما قرب إليها يا غفار
خاتمة سورة النازعات
عليك ايها المحمدي المحقق الواقف لقيام الساعة وما يترتب عليها من الثواب والعقاب والجنة والنار ان تبذر وتزرع في محرثك هذا ما ستحصده هناك من بذور الأعمال الصالحة والأخلاق المرضية والأطوار المحمودة المحمدية وسائر السنن والآداب المقبولة المأثورة من النبي المختار ومن عترته الأخيار الاطهار ولا بدلك ان تكون دائما على ذكر كامل من قيامها وأهوالها في عموم أوقاتك وحالاتك وإياك إياك الاغترار بالحياة المستعارة والالتفات الى مزخرفات الدنيا الغدارة المكارة فإنها تمكر بك وتغويك وتضلك عن طريق الحق وترديك فعليك ان لا تتبع لغوائلها ولا تنخدع بمخائلها حتى لا تكون من زمرة الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين. جعلنا الله من زمرة الآمنين الفائزين المستبشرين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون
[سورة عبس]
فاتحة سورة عبس
لا يخفى على من تمكن بمقر عز الوحدة وتوطن في السواد الأعظم اللاهوتى ان علامة التمكين والتثبيت ان لا يبقى مع الموحد المحقق شيء من لوازم عالم الناسوت بحيث لا يتكبر على من دونه ولا يتحسر على من فوقه بل لم يبق في عين شهوده سدل الاثنينية ورمد الفوقية والتحتية مطلقا بل قد صار الكل في نظر شهوده على السواء بحيث ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت سيما ترجيح اصحاب الثروة والغفلة وذوى البطر والاستكبار والاستنكار على ارباب الارادة والاعتبار وان فقد منهم الحس الظاهر. ثم لما كان ﷺ مشغوفا بإيمان رؤساء مكة شرفها الله تعالى وصناديدهم طالبا لدعوتهم وإرشادهم جلس يوما من الأيام معهم على سبيل الملاينة رجاء ان يوفقوا للايمان ويرغبوا الى قبول الدعوة وكان ﷺ يصاحبهم ويداريهم حتى دخل عليه ﷺ ابن أم مكتوم الأعمى رضى الله عنه ولم يدر من هم عنده ﷺ فقال يا رسول الله علمني بما علمك الله ولم يلتفت ﷺ واشتغل مع اهل الثروة فناداه بما نادى مرة بعد اخرى حتى غضب رسول الله ﷺ وقطب وجهه فعبس فجرى في نجواه ما جرى من لحوق العار بان يعيب عليه أولئك الصناديد الأشرار بان اتباعه ما هي الا العجزة والعميان والمساكين وكان عليه ﷺ حتى أوحاه سبحانه معاتبا عليه مؤدبا له فقال متيمنا بِسْمِ اللَّهِ الذي ظهر على قلوب أوليائه بمقتضى سعة رحمته الرَّحْمنِ عليهم بحفظ مرتبتهم الرَّحِيمِ عليهم يوقظهم من غفلتهم قد
[الآيات]
عَبَسَ وجهه من جهة الكراهة عن المسترشد الفقير الضرير وَتَوَلَّى اى اعرض عنه وانصرف وحول صفحة وجهه منه كارها إياه وذلك وقت
أَنْ جاءَهُ المسترشد الْأَعْمى اخرج الكلام سبحانه مع حبيبه
стр. 1062
صلى الله عليه وسلم على طريق الغيبة إظهارا لكمال الغيرة والحمية الإلهية عن هذه الغفلة الغير المرضية ثم التفت الى الخطاب لكمال التأديب فقال على سبيل التهويل
وَما يُدْرِيكَ وأى شيء يكشف لك حاله وقلبه لَعَلَّهُ يَزَّكَّى يتزكى ويتطهر عن الآثام ويهتدى الى طريق الإسلام بهدايتك وارشادك هذا الأعمى بخلاف أولئك الجهلة الغفلة الذين قد تحننت نحوهم وأحببت دعوتهم فإنهم لا يهتدون ولا يتطهرون
أَوْ يَذَّكَّرُ اى يتعظ ويتذكر هذا المريد الفقير الضرير من كلامك فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى والعظة ويتوجه هو بسببها نحو المولى
أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى عن الله واعرض عن آياته وعن تذكيرك ودعوتك إياه مستكبرا بماله وثروته وسيادته وكمال نخوته
فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى يعنى تميل وتتعرض بالإقبال اليه وتتحنن بكمال المحبة نحوه
وَما عَلَيْكَ وأى شيء عرض عليك ولحق بك من المكاره الامكانية حتى حجبك وأغفلك أَلَّا يَزَّكَّى اى انه لا يتطهر عن خبائث الآثام وادناس الكفر والعصيان ذلك المعرض المستغنى والمسرف المفسد المستعلى وما سبب اهتمامك حتى يبعثك على الاعراض عن اهل الحق وعدم الالتفات نحوهم مع ان ما عليك الا البلاغ والتبليغ لا الهدى فكيف تحننت نحو اعداء الله
وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ من ارباب الطلب والإخلاص يَسْعى ويسرع بطلب الخير والهداية منك في دين الله
وَالحال انه هُوَ يَخْشى من غضب الله وهو يرجو من ثوابه مؤملا منك الإرشاد ومن الله الهداية والرشد
فَأَنْتَ مع كونك مبعوثا على الهداية والإرشاد الى اصحاب الارادة والقبول عَنْهُ تَلَهَّى تتشاغل وتنصرف كأنك تحقره ولا تبالي بشأنه وإيمانه لرثاثة حاله وفقره. ثم بالغ سبحانه في تأديب حبيبه ﷺ وأكده حيث قال
كَلَّا ردع اى ارتدع عن فعلتك هذه ايها المبعوث للرسالة العامة ولا تمل الى اصحاب الزيغ والضلال معرضا عن ارباب الهداية والكمال إذ ليس عليك التمييز والاختيار بل ما عليك الا التبليغ والإنذار إِنَّها اى عموم دعواتك وتذكيراتك إياهم بمقتضى الآيات البينات انما هي تَذْكِرَةٌ نازلة عليك من ربك وأنت مأمور بتبليغها الى الناس من لدنه
فَمَنْ شاءَ وأراد سبحانه اتعاظه من عباده ذَكَرَهُ بالقرآن ووعظه به سواء كان فقيرا او غنيا ومن لم يشأ لم يتعظ وكيف لا يوعظ ولم يتعظ به مع انه منزل من عند الله مثبت
فِي صُحُفٍ نازلة على رسل الله مُكَرَّمَةٍ عنده سبحانه
مَرْفُوعَةٍ مقبولة لديه درجة ومكانا ملقاة من عند الله الى رسل الله مُطَهَّرَةٍ عن تخليطات الوهم والخيال منزهة عن تحريفات الشياطين إذ هي نازلة من عند الله الى رسل الله
بِأَيْدِي سَفَرَةٍ اى ملائكة يتوسلون سفراء بين الله ورسله
كِرامٍ أعزة عند الله ذوى كرم وكرامة عظيمة على اهل الايمان بَرَرَةٍ أتقياء مبرورين في أنفسهم بارين على عباد الله ومع هذه الكرامة العظيمة الإلهية والإشفاق البليغ من لدنه سبحانه والرحمة العامة
قُتِلَ الْإِنْسانُ اى لعن وطرد عن ساحة عز القبول ما أَكْفَرَهُ أى أىّ شيء حداه وبعثه الى الكفر والاعراض عن الله المنعم المفضل والانصراف عن طاعته وعبادته مع انه عالم بكمال كرامته سبحانه عليه معترف ببدائع صنعه وصنعته معه ووفور انعامه وإحسانه عليه متذكر في نفسه مستحضر بشئونه وتطوراته السالفة القذرة الخبيثة الواردة عليه سيما
مِنْ أَيِّ شَيْءٍ مسترذل مستنزل خَلَقَهُ وأوجده سبحانه حسب قدرته
مِنْ نُطْفَةٍ مهينة خبيثة خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ اى هيأ آلاته وأعضاءه منها فعدله وسوى هيكله كل ذلك ليعرف مبدأه ومعاده
ثُمَّ السَّبِيلَ الموضح الموصل الى ربه وموجده
стр. 1063
الذي هو مبدؤه ومعاده يَسَّرَهُ وسهل عليه وأودع فيه العقل الفطري المنشعب من العقل الكل الذي هو عبارة عن حضرة العلم المحيط الإلهي
ثُمَّ أَماتَهُ عن نشأة الابتلاء والاختبار تخليصا وتقريبا الى ربه فَأَقْبَرَهُ في البرزخ
ثُمَّ إِذا شاءَ وتعلقت مشيئته للأحياء أَنْشَرَهُ من القبر وحشره الى المحشر فحاسبه فجازاه على مقتضى حسابه خيرا كان او شرا فضلا عنه او عدلا
كَلَّا ردع له وويل عليه ما هذا النسيان والكفران لهذه النعم العظام والكرامات الجسام لَمَّا يَقْضِ اى لم يقض ولم يجر من لدن وجوده وظهوره على ما أَمَرَهُ الحق به إذ قلما يخلو افراد الإنسان عن الكفر والكفران والإثم والعدوان الا ان بعضه متدارك متلاف قد جبر بالتوبة والايمان ما كسر بالكفر والكفران وبعضه مغمور في عصيانه ونسيانه وبغيه وطغيانه الى حيث لا يتنبه قط وبالجملة
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ المجبول على الكفران والنسيان إِلى طَعامِهِ المسوق له من لدنا تفضلا عليه وتكريما لتقويته وتقويم بنيته
أَنَّا من مقام عظيم جودنا كيف صَبَبْنَا الْماءَ وافضناه من جانب السماء صَبًّا ترويحا له وتهيئة لأسباب معاشه
ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ بعد ما صببنا الماء عليها شَقًّا بديعا
فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا من انواع الحبوب التي يقتات بها نوع الإنسان
وَعِنَباً متضمنا لانواع الأدم والمشروبات وَقَضْباً هو نبات يقطع في السنة مرة بعد اخرى مثل النعناع والطرخون والكراث وغيرها مما يعين للأكل
وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا
وَبالجملة حَدائِقَ غُلْباً مملوة بأنواع الأشجار والثمار
وَفاكِهَةً اى ألوان الفواكه وأنواعها وأصنافها وَأَبًّا علفا لمواشيه ومراكبه التي بها يتم ترفهه وتنعمه وبالجملة قد اعطاكم واحسن إليكم سبحانه ما اعطى واحسن من النعم العظام والكرامات الجسام ليكون
مَتاعاً وتمتيعا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ التي بها يتم ترفهكم وتنعمكم وانما أنعم عليكم سبحانه لتعرفوا المنعم وتواظبوا على شكر نعمه وأنتم ايها المسرفون المفرطون تكفرون للنعم والمنعم جميعا واذكروا
فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ الصيحة المقرعة لصماخكم وأسماعكم فحينئذ شق عليكم الأمر وصعب الهول مع انه لا نصر يومئذ ولا مظاهرة ولا اغاثة حينئذ من احد ولا اعانة بل
يَوْمَ اى يومئذ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ شقيقه وشفيقه
وَمن أُمِّهِ التي يأوى إليها في الوقائع والملمات وَأَبِيهِ الذي يظاهر ويفتخر به
وَصاحِبَتِهِ التي هي أحب اليه من عشائره وَبَنِيهِ الذين هم أعز عليه من عموم أقاربه وسبب التفرة والفرار اشتغال كل منهم بحاله بلا التفات منه الى حال غيره إذ
لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ يشغله عن شئون غيره ويزعجه عن الاهتمام به مع انه لا يكف ولا يكفيه احد منه وكيف لا يكون كذلك إذ
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ مضيئة مشرقة منورة بنور الايمان والعرفان
ضاحِكَةٌ فرحا وسرورا بلقاء الرحمن مُسْتَبْشِرَةٌ بعلو الدرجات والمقامات وبأنواع السعادات والكرامات
وَوُجُوهٌ أخر يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ غبار وكدورة ناشئة من إكدار الكفر والكفران واقذار الآثام والعصيان مظلمة الى حيث
تَرْهَقُها وتغشيها قَتَرَةٌ مذلة وصغار وذلة وخسار موجبة لانواع الهلاك والبوار وبالجملة
أُولئِكَ الأشقياء البعداء عن ساحة عز القبول المكدرون بكدورات الكفر والشرك وانواع الفسوق والفجور هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ الخارجون عن مقتضى الحدود الإلهية وعن نور المعرفة والايمان بمتابعة القوى البهيمية من الشهوية والغضبية إذ كلتاهما مناط عموم الشرور والخسران. أعاذنا الله وعموم عباده من شرهما بمنه وجوده
стр. 1064
خاتمة سورة عبس
عليك ايها المستنشط القاصد لتبشير الحق وتيسيره ان تسمع نداء البشرية والتوفيق من ألسنة عموم رسل الله وكتبه فلك ان تقتفى اثر هؤلاء الكرام وتمتثل بما في كتاب الله العليم العلام من الأوامر والنواهي ومطلق الاحكام والعبر والتذكيرات الموردة فيه المتعلقة لتهذيب الظاهر والباطن عن الميل والإلحاد الى الأمور المؤدية الى إفساد العقائد والعناد فلك الفرار عن اصحاب الزيغ والضلال والانصراف عن مخالطتهم ومصاحبتهم في كل حال حتى تكون أنت من زمرة اصحاب اليمين المتنعمين في جنات النعيم لا من الضالين المكذبين في دركات الجحيم المعذبين بالعذاب الأليم. نسأل منك يا ذا القوة المتين الفوز بدرجات النعيم والعوذ عن دركات الجحيم يا من فضله عظيم وكرمه عميم ولطفه جسيم
[سورة التكوير]
فاتحة سورة التكوير
لا يخفى على المنكشفين بسطوة سلطنة جلال الله وقهره الغالب ان قيام الساعة ووقوع الطامة الكبرى التي انقهرت دونها نقوش السوى مطلقا في جنب القدرة الكاملة الإلهية انما هي في غاية اليسر والسهولة والمنكر المستبعد لها وللأمور الموعودة فيها مكابر لمقتضى عقله سيما بعد ورود الوحى الإلهي وبالجملة ليس انكار المنكر سيما بعد وضوح الآيات وسطوع البينات الا من اعتياده بمزخرفات الوهم والخيال اللذين هما من أقوى اسباب الكفر والضلال ومن خلص عن رقّية تينك القوتين ونجا عن غوائلها وتغريراتهما فقد جزم بعموم ما اخبر الحق به في هذه السورة بلا تردد وارتياب على الوجه الذي نص عليه سبحانه وفصله بعد التيمن بِسْمِ اللَّهِ المتجلى بعموم كمالاته في النشأتين الرَّحْمنِ في النشأة الاولى ببسط اظلاله على عموم الأشياء الرَّحِيمِ في النشأة الاخرى بقبضه الكل الى ما منه البداء
[الآيات]
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ يعنى إذا قامت القيامة ولاحت شمس الذات الاحدية عن مكمن العماء وغلبت نشأة اللاهوت على نشأة الناسوت قد كور الوجود الإضافي المنعكس من الوجود المطلق الإلهي المنبسط على صفائح مطلق العكوس والاظلال ولف وطوى بحيث لم يبق له اثر عن ظهور شمس الحقيقة الحقية
وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ يعنى قد انقضت واضمحلت حينئذ نجوم الهويات وهياكل الماهيات الحاصلة من الأوضاع والنسب والإضافات العدمية الاعتبارية المحضة لم يبق لها رسم واثر عند ظهور الهوية الذاتية الإلهية الحقية
وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ يعنى قد سارت وانقلعت وطارت عن أماكنها جبال الأنواع والأجناس الواقعة في عالم التعينات
وَإِذَا الْعِشارُ يعنى السحب الماطرة لمياه المعارف والحقائق الفائضة على أراضي الاستعدادات القابلة لها اللائقة لفيضانها قد عُطِّلَتْ وتركت لاضمحلال محالها وتلاشى قوابلها بانقضاء نشأة الاختبار
وَإِذَا الْوُحُوشُ اى النفوس المستوحشة الآبية الوحشية التائهة في بوادي الطبيعة وقفر الهيولى حُشِرَتْ وجمعت الى ما فيه انتشت وبدت
وَإِذَا الْبِحارُ اى البحار الحاصلة من اعتبارات الوجود وشئونه الكلية ظاهرا وباطنا غيبا وشهادة دنيا وعقبى قد سُجِّرَتْ جمعت وملئت واتحدت فصار بحر الوجود بحرا واحدا زخارا قهارا لا ساحل له أصلا ولا قعر له حقيقة
وَإِذَا النُّفُوسُ يعنى الأرواح
стр. 1065
الفائضة على هياكل الأشباح من عالم الأمر زُوِّجَتْ وقرنت يومئذ ببواعثها وموجباتها التي هي الأسماء والصفات الإلهية واسبابها اللاهوتية
وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ اى أبكار المعاني والمعارف الإلهية المودعة المدفونة في أراضي الطبائع والأركان مع اتصافها بالحياة الازلية الابدية سئلت من سكان تلك البقاع عن احوال تلك المخدرات الحسان
بِأَيِّ ذَنْبٍ وجريمة قُتِلَتْ تركت ودفنت في أراضي الطبائع والأركان مع انها انما حييت وجبلت لكسب انواع الخيرات واقتراف اصناف السعادات والكرامات
وَإِذَا الصُّحُفُ اى صحائف تفاصيل الأعمال المشتملة على عموم الأماني والآمال المطوى فيها جميع الأحوال الصادرة من اصحاب الغفلة والضلال نُشِرَتْ قد فرقت وكشفت بين أصحابها
وَإِذَا السَّماءُ اى سماء الأسماء والصفات الإلهية المتجلية على شئون الظهور والنزول كُشِطَتْ طويت وأزيلت عن هذه الشئون الى شئون البطون والخفاء
وَإِذَا الْجَحِيمُ المعدة لأصحاب الغفلة والضلال التائهين في بوادي الجهالات بمتابعة اهويتهم وآرائهم الفاسدة العاطلة سُعِّرَتْ أوقدت وأحميت بنيران غضبهم وشهواتهم التي هم كانوا عليها في نشأة الاختبار
وَإِذَا الْجَنَّةُ المعدة لأرباب العناية والوصال المتصفين بالتقوى عن مطلق المحارم وبالامتثال بمقتضيات الأوامر والنواهي وعموم الاحكام الموردة في الكتب الإلهية المتعلقة بإرشادهم وتكميلهم أُزْلِفَتْ قربت وقرنت بهم بحيث قد فازوا بعموم ما وعدوا من قبل الحق
عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ يعنى قد علمت كل نفس من النفوس المودعة في هياكل الهويات لحكمة المعرفة والتوحيد أى شيء أحضرت عند الحساب عليها من الأمور المأمور بها حتى تجازى بها على مقتضاها وبعد ما عد سبحانه احوال القيامة وأهوالها أشار الى ما يدل على التأكيد والمبالغة في وقوعها
فَلا أُقْسِمُ اى لا حاجة الى القسم لإثبات هذه المذكورات إذ هي في غاية السهولة والظهور سيما عند القدرة الغالبة الإلهية بل اقسم بِالْخُنَّسِ اى بالنفوس الزكية عن لوث لوازم الناسوت الراجعة المقبلة نحو عالم اللاهوت وفناء حضرة الرحموت قبل قيام الساعة لصفاء مشربها ونظافة طينتها
الْجَوارِ الْكُنَّسِ اى النفوس القدسية الفائضة من المبدأ الفياض على الشطار الطائرين الى الله الطائفين حول بابه المختفين تحت قباب عزه وشمس ذاته بحيث لا يعرفهم احد سواه سبحانه
وَبحق اللَّيْلِ عالم العماء الإلهي والفضاء الصمداني المتعالي عن ادراك الشعور مطلقا إِذا عَسْعَسَ واقبل ظلامه واشتد بحيث قد اختفى واضمحل وبطن وغاب وشهد
وَبحق الصُّبْحِ اى عالم الجلاء والانجلاء المنعكس من تلك العماء اللاهوتى إِذا تَنَفَّسَ اى أضاء وأشرق على اهل الفناء الفانين عن الفناء المتعطشين لزلال البقاء الباقين تحت قباء العز الاحدى الصمدى
إِنَّهُ يعنى اقسم سبحانه بهذه المقسمات العظيمة ان القرآن الفارق بين الحق والباطل والهداية والضلال والسعادة والشقاوة لَقَوْلُ رَسُولٍ مرسل من قبل الله كَرِيمٍ متصف بأنواع الكرامة والامانة يعنى العقل المفاض المسمى بجبريل الأمين
ذِي قُوَّةٍ غالبة على تحمل الوحى الإلهي عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ العظيم المحيط بعروش عموم المظاهر مَكِينٍ ذي مرتبة سنية ومكانة عظيمة
مُطاعٍ ثَمَّ اى في عالم الأسماء والصفات إذ عموم المدارك والقوى تابعة مطيعة للعقل الكل الذي هو عبارة عن حضرة العلم المحيط الإلهي ولوح قضائه المحفوظ أَمِينٍ حفيظ على الوحى الإلهي بحيث لا يشذ عنه شيء من أوامره ونواهيه المأمور بها له
وَايضا اقسم سبحانه بتلك المقسمات العظام على انه ما صاحِبُكُمْ اى ليس نبيكم
стр. 1066
الذي نزل عليه هذا الأمين بهذا الكتاب المبين يعنى محمدا ﷺ بِمَجْنُونٍ مختل القوى والآلات كما زعمتم إذا زعمكم هذا بالنسبة اليه ﷺ انما هو من غاية انحطاطكم عن رتبته وجهلكم بمكانته والا فهو ﷺ في أعلى طبقات الإدراك
وَكيف لا يكون ﷺ في أعلى طبقات الإدراك والمعرفة لَقَدْ رَآهُ يعنى قد علم وعرف ﷺ جبرائيل الذي هو العقل الكل بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ الذي هو حضرة العلم الإلهي ولوح قضائه
وَما هُوَ ﷺ عَلَى الْغَيْبِ الذي اطلعه الحق عليه من الحقائق والرموز والإشارات المتعلقة بتصفية الظاهر والباطن وتخلية السر والضمير عن الالتفات الى الغير مطلقا بِضَنِينٍ شحيح بخيل سيما بعد ما امره سبحانه بنشرها وتبليغها او ما هو ﷺ على المغيبات التي نطق بها بمقتضى الوحى الإلهي والهامه بضنين متهم يتهمه احد وينسبه على الافتراء المستبعد عن علو شأنه وعن رفعة قدره ومكانه ﷺ بمراحل
وَكذا ما هُوَ يعنى القرآن الذي هو ﷺ تكلم به ونزل هو عليه ﷺ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ اى ما هو شعر وكهانة ناشئة من شياطين الوهم والخيال كما زعمه اهل الزيغ والضلال المتردين في اودية الجهل والغفلة وهاوية العناد والجدال وبعد ما قد لاح عظم شأن القرآن ورفعة قدره وعلو مكانته
فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ تعدلون وتنصرفون عن جادة العدالة الإلهية المذكورة المبينة في هذا الكتاب المبين ايها الضالون المضلون
إِنْ هُوَ اى ما هذا القرآن العظيم إِلَّا ذِكْرٌ عظيم وعظة كبيرة لِلْعالَمِينَ اى بعموم من جبل على فطرة التذكير وقابلية الإرشاد والتكميل
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ اى عظة وتذكير لمن قصد الاستقامة على صراط العدالة الإلهية وتذكر به واتعظ بإرشاده وهدايته
وَغاية ما في الباب انه ما تَشاؤُنَ وتختارون طريق الهداية والرشاد لأنفسكم إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ لكم هدايتكم ويوفقكم على الاستقامة والرشاد عناية منه وفضلا إذ عموم أفعالكم وأحوالكم وأقوالكم انما هي مستندة الى الله صادرة منه سبحانه اصالة إذ هو سبحانه رَبُّ الْعالَمِينَ لا مربى في الوجود سواه ولا مدبر للعالم في الشهود الا هو ومقتضى تربيته وتكميله ارشاد عباده وتوفيقه الى ما هو أصلح لهم وأليق بحالهم. وفقنا بفضلك وجودك لما تحب وترضى عنا يا مولانا
خاتمة سورة التكوير
عليك ايها الطالب لتوفيق الحق وتربيته على الوجه الأصلح الأليق ان تفوض عموم أمورك وأعمالك واحوالك كلها الى مشيته وتسلمها اليه سبحانه طوعا ورغبة بلا توهم تخيير واختيار منك وارادة جزئية او كلية إذ ليس لك من الأمر شيء بل الأمور الجارية كلها لله وبمقتضى تقديره وقضائه وليس لك الا التسليم والرضاء بجميع ما جرى عليك من القضاء وإياك إياك الاغترار بالحياة الدنيا الغدارة وما فيها من المزخرفات الخداعة المكارة فإنها دار العبور والاعتبار لا منزل الاقامة والقرار واللائق بحال الفطن الزكي ان لا يتمكن فيها الا على وجه الضرورة والاضطرار لا على سبيل الرضاء والاختيار. جعلنا الله ممن تنبه لبطلان الدنيا الدنية وعموم ما فيها وتحقق عنده عدم ثباتها وقرارها بمنه وجوده
стр. 1067
[سورة الانفطار]
فاتحة سورة الانفطار
لا يخفى على من لاح عليه آثار القدرة الغالبة الإلهية وانكشف دونه غناه سبحانه في ذاته عن عموم مظاهره ومصنوعاته ان جميع ما ظهر وبطن غيبا وشهادة انما هو محكوم حكمه المحكم وقضائه المبرم له سبحانه ان يتصرف فيها ويقلبها كيف يشاء ارادة واختيارا لكنها مرهونة بأوقات ومسبوقة بأمارات مقدرة من عنده سبحانه ومن تلك العلامات ما ذكره سبحانه في هذه السورة بعد ما تيمن بِسْمِ اللَّهِ الذي ظهر على ما ظهر وبطن حسب قدرته الكاملة الغالبة الرَّحْمنِ على عموم مظاهره بإعطاء الوجودات الاضافية الرَّحِيمِ عليها بنزعها عنها عند ظهور الوحدة الذاتية على صرافتها
[الآيات]
إِذَا السَّماءُ المعبر بها عن العلويات المتأثرات عن الأسماء والصفات الإلهية انْفَطَرَتْ انشقت وانخرقت ولم يبق قابليتها للتأثر والاستمداد من الأسماء والصفات الإلهية
وَإِذَا الْكَواكِبُ التي قد تعينت عليها بالهويات وتكثرت بالهياكل والماهيات انْتَثَرَتْ تفرقت أوضاعها وتلاشت أشكالها وهيآتها واضمحلت اجزاؤها
وَإِذَا الْبِحارُ الكلية المستحدثة من الأمواج المتراكمة المترادفة على بحر الوجود الوحدانى واتصف كل واحد منها بالصفات المتنوعة مثل اللاهوت والناسوت والغيب والشهادة والاولى والاخرى الى غير ذلك من العوالم التي لا تعد ولا تحصى فُجِّرَتْ انفجرت وانفتح بعضها الى بعض وارتفعت صور الأمواج واتصل الكل فصار بحرا واحدا وحدانيا فردانيا على ما قد كان عليه أزلا وابدا
وَإِذَا الْقُبُورُ والأجداث اى الهويات والتعينات المندرسة المنعكسة التي لم يبق في أجوافها شيء من امارات عالم الناسوت بل عادت على ما عليه كانت من العدم بُعْثِرَتْ بحثرت وقلبت وخرج عن مطاويها ما فيها من حصة عالم اللاهوت
عَلِمَتْ يومئذ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ واقترفت في نشأة الاختبار والاعتبار من صوالح الأعمال ومقابح الأخلاق والأطوار وَما أَخَّرَتْ أهملت وتركت فيها ما من صوالح الأعمال ومحاسن الأخلاق والأطوار. ثم نادى سبحانه للمظهر الإنساني المصور بصورة الرحمن نداء معاتبة وتخجيل على ما عرض عليه من الغفلة والنسيان مع انه قد جبل على فطرة التوحيد والعرفان فقال
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ المنعم عليه بأنواع الإحسان ما غَرَّكَ اى أى شيء خدعك ومكر بك حتى جرأك على الكفر والعصيان بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ
الَّذِي خَلَقَكَ اى أوجدك وأظهرك وصورك في احسن تقويم فَسَوَّاكَ اى سوى اعضاءك وجوارحك سليمة عن مطلق العيوب فَعَدَلَكَ اى جعلك معتدل المزاج متناسبة الأعضاء مطبوع الهيكل مقبول الشكل وبالجملة
فِي أَيِّ صُورَةٍ حسنة وشكل مطبوع مرغوب ما شاءَ وأراد بك يعنى في أى صورة بديعة عجيبة ممتازة عن صور عموم الحيوانات تعلقت بها مشيته وارادته سبحانه رَكَّبَكَ عليها اى انتخب صورتك من صور جميع المظاهر فركبك عليها وأظهرك فيها لتكون أنت مؤمنا موقنا بوحدة ذاته عارفا موحدا مع انك عصيت وأشركت معه غيره وخرجت عن ربقة عبوديتك مكابرة وعنادا. قيل لفضيل بن عياض قدس سره لو أقامك الله تعالى بين يديه يوم القيامة فقال يا فضيل ما غرك بربك الكريم ماذا كنت تقول قال أقول غرني ستورك المرخاة وقال يحيى بن معاذ قدس سره لو أقامني بين يديه فقال يا يحيى ما غرك بي قلت غرني برك بي سالفا وآنفا يا ربي وقال ابو بكر الوراق قدس سره لو قال لي ما غرك بربك الكريم لقلت كرم ربي الكريم
стр. 1068
وانا الفقير الحقير خادم الفقراء وتراب اقدامهم أقول لو قال لي ربي ما غرّك بربك لقلت كفالتك بي واحاطتك على وكونك سمعي وبصرى وعموم قواي ومشاعري يا ربي. ثم قال سبحانه
كَلَّا ردعا للإنسان عن الغفلة والاغترار بإيراد الاعذار الكاذبة بَلْ تُكَذِّبُونَ ايها المغترون المسرفون بِالدِّينِ وبترتب الجزاء على أعمالكم وأخلاقكم من حسناتكم وسيئاتكم لذلك غرتكم الحياة المستعارة الدنياوية ففعلتم ما فعلتم من المفاسد والمقابح بشدة الإنكار والإصرار بلا مبالاة وخشية من القدير العليم
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ من قبل الحق لَحافِظِينَ رقباء
كِراماً أمناء لا يزيدون عليها ولا ينقصون منها لكونهم كاتِبِينَ مثبتين في صحف أعمالكم
يَعْلَمُونَ منكم جميع ما تَفْعَلُونَ فيقررون عليكم وقت حسابكم ثم تجازون على مقتضاها
إِنَّ الْأَبْرارَ البارين المبرورين لَفِي نَعِيمٍ مقيم ومسرة دائمة وفوز عظيم
وَإِنَّ الْفُجَّارَ المسرفين المفترين لَفِي جَحِيمٍ معذبين بعذاب أليم
يَصْلَوْنَها ويدخلون فيها يَوْمَ الدِّينِ والجزاء بعد ما حوسبوا
وَبالجملة ما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ متحولين مفارقين ابدا بل صاروا فيها خالدين مخلدين. ثم أبهم سبحانه ذلك اليوم على السامعين تعظيما له وتفخيما على سبيل التهويل فقال
وَما أَدْراكَ وأعلمك ايها المغرور ما يَوْمُ الدِّينِ وما شأنه الفظيع وما شدة هوله وفزعه
ثُمَّ ما أَدْراكَ ايها المغرور الممكور ما يَوْمُ الدِّينِ وما يجرى عليك فيها من الشدائد والأهوال وانواع الهموم والأحزان وبالجملة
يَوْمَ وأى يوم يوم لا تَمْلِكُ تنفع وتدفع نَفْسٌ لِنَفْسٍ حميم لحميم وصديق لصديق شَيْئاً مما حكم عليها واستحق لها من الجزاء بل كل نفس رهينة بما كسبت مشغولة بما اقترفت بلا التفات منها الى غيرها من شدة هولها وحزنها وَبالجملة الْأَمْرُ اى عموم امور العباد وما جرى عليهم من الثواب والعقاب كله يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ مختصة به موكولة بمشيته مفوضة الى ارادته يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فضلا وعدلا لا يسأل عن فعله انه حكيم حميد. اصنع بنا ما أنت به اهل يا مولانا
خاتمة سورة الانفطار
عليك ايها المترقب لفضل الحق ولطفه في يوم الجزاء ان تفوض أمورك كلها الى الله في نشأتك هذه وتقوم بين يدي الله في كل الأحوال وتتجرد عن مقتضيات ناسوتك في عموم الشئون والأطوار الطارية عليك على تعاقب الأدوار في مدة حياتك المستعارة وإياك إياك الاغترار بخداع هذه الغدارة المكارة فاعتبر من اهل هذا الدار ان كنت من ذوى العبرة والاستبصار فاعبر عنها فإنها ما هي دار القرار بل منزلة الخبرة والاعتبار فاعتبروا يا اولى الأبصار
[سورة المطففين]
فاتحة سورة التطفيف
لا يخفى على من تمكن في جادة العدالة الإلهية ورسخ قدم عزمه وهمته على صراط الاستقامة الحقيقية الموصلة الى ينبوع بحر الوحدة الذاتية ان الانحراف والميل عن مقتضى القسط والإنصاف الإلهي انما هو من طغيان القوى البهيمية ومن استيلاء شياطين الامارة على جنود المطمئنة وغلبة مقتضيات لوازم الإمكان ولواحق الطبيعة المورثة لانواع الخذلان والخسران على القوى الوجوبية والنواميس الإلهية المسقطة للاضافات المانعة من الوصول الى ينبوع الوحدة الذاتية ولا شك
стр. 1069
ان طريان هذه الخصال المذمومة انما نشأ من متابعة الهوى والركون الى مزخرفات الدنيا ومن جملتها البخس والتطفيف في المكاييل والموازين الموضوعة لحفظ الاعتدال ومراعات الاتصاف والانتصاف بين المسلمين من عدل عنها مفرطا فقد استحق الويل الأبدي والهلاك السرمدي كما قال سبحانه متيمنا بِسْمِ اللَّهِ المستوي على صراط العدالة والتقويم الرَّحْمنِ لعموم عباده بوضع القسطاس القويم الرَّحِيمِ لخواصهم يهديهم الى صراط مستقيم
[الآيات]
وَيْلٌ عظيم وعذاب اليم لِلْمُطَفِّفِينَ
الَّذِينَ ينقصون المكيال والميزان ويبخسون حقوق الناس سماهم سبحانه مطففين لأنهم يسرقون من الحقوق طفيفا اى قليلا حقيرا على وجه الدنائة والخساسة وهو من اخس الأفعال الذميمة وأدناها واخبثها. وفي الحديث صلوات الله وسلامه على قائله خمس بخمس ما نقض العهد قوم الا سلط الله عليهم عدوهم وما حكموا بغير ما انزل الله إلا فشا فيهم الفقر وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت ولا طففوا الكيل الا منعوا النبات وأخذوا بالسنين ولا منعوا الزكاة الا حبس عنهم القطر والمطففون هم الذين إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ اى أخذوا منهم لأنفسهم يَسْتَوْفُونَ الكيل ويزيدون على المكيال قليلا قليلا ترجيحا لأنفسهم عليهم
وَإِذا كالُوهُمْ اى للناس أَوْ وَزَنُوهُمْ لأجلهم يُخْسِرُونَ ينقصون منه قليلا قليلا ترجيحا لغبطتهم عليهم مع ان وضع الكيل والوزن انما هو للتسوية والتعديل. ثم قال سبحانه على سبيل التعجب والتشنيع
أَلا يَظُنُّ ولا يزعم ولا يشك أُولئِكَ المسرفون المفرطون بارتكاب هذه الخصلة الذميمة مع ان المناسب لهم ان يجزموا ويستيقنوا أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ
لِيَوْمٍ عَظِيمٍ لعظم ما فيه من الشدائد والأهوال وانواع الافزاع والأحزان سيما على اهل العصيان والفساد إذ هم يومئذ يفتضحون على رؤس الاشهاد
يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ بأجمعهم لأجل العرض لِرَبِّ الْعالَمِينَ ليحكم عليهم سبحانه بمقتضى السؤال والحساب اما بالجنة او بالنار. ثم قال سبحانه
كَلَّا ردعا للمطففين بفجورهم وخروجهم عن مقتضى الحدود الإلهية الموضوعة فيما بينهم بالقسط والعدالة يعنى كيف يخرجون عن مقتضاها إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ اى ما ثبت فيه من تفاصيل أعمالهم وأفعالهم وأخلاقهم وأطوارهم المذمومة كلها مضبوطة فيه محكوم عليهم من قبل الحق حينئذ بمقتضى ما ثبت في كتبهم وصحائف أعمالهم انهم لَفِي سِجِّينٍ اى مقرهم في الدرك الأسفل من النار ثم أبهمه سبحانه تهويلا وتفخيما فقال
وَما أَدْراكَ ايها المسرف المفرط ما سِجِّينٌ ما لم تقع فيه ولم تذق من عذابه ونكاله وبالجملة كتاب الفجار
كِتابٌ وأى كتاب كتاب مَرْقُومٌ محرر مسطور بين الرقوم والرسوم يعرفه من نظر اليه ان لا خير فيه ولا نفع في ضمنه بل انما هو في بادى الرأى مشعر بأنواع العذاب والعقاب وبالجملة
وَيْلٌ عظيم يَوْمَئِذٍ اى يوم اعطى ذلك الكتاب لِلْمُكَذِّبِينَ له في النشأة الاولى وبواسطة تكذيبهم وانكارهم به يرتكبون من الجرائم والمعاصي ما لا يعد ولا يحصى وبالجملة هؤلاء المسرفون المفرطون
الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ والجزاء وبجميع الأمور الاخروية من السؤال والحساب وإعطاء الكتب وسائر المعتقدات الاخروية
وَبالجملة ما يُكَذِّبُ بِهِ سيما بعد نزول الآيات القاطعة والبراهين الساطعة الدالة على وقوع يوم القيامة والطامة الكبرى الموعودة من قبل الحق بالحق على اهل الحق إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ متجاوز عن الحد في الإفراط والغلو منكر لكمال قدرة الله واحاطة علمه حتى أنكر القدرة على الإعادة مع ان الإبداء الابداعى
стр. 1070
مقدور قدرته الغالبة ايضا أَثِيمٍ متبالغ في الغفلة بارتكاب الشهوات المعمية لعيون بصائره عن ادراك آثار القدرة الغالبة الإلهية الفائتة للحصر والإحصاء مع ان كل واحدة من تلك الآثار دليل مستقل على إمكان الإعادة عند المتأمل المنصف الا ان المنكر مكابر لمقتضى عقله وما اجرأه واغريه على الإنكار والإصرار الا شياطين الأوهام والخيالات الموروثة له من ألف الطبيعة ورسوخ العادات المبنية على التقليدات الراسخة المتقررة في قلوب اصحاب الغفلة والضلال لذلك
إِذا تُتْلى وتقرأ عَلَيْهِ آياتُنا الدالة على كمال قدرتنا واختيارنا واستقلالنا في عموم المرادات والتصرفات الواقعة في ملكنا وملكوتنا قالَ من فرط جهله ونهاية غفلته واعراضه عن الحق واهله ما هي الا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اى أكاذيبهم المسطورة في دواوينهم المختلقة المختلفة. ثم قال سبحانه
كَلَّا ردعا من هذا الافتراء والمراء على سبيل الإنكار والاستهزاء يعنى ما هذه الآيات البينات من المفتريات الباطلة كما زعمها أولئك البغاة الطغاة الهالكون في تيه البغي والطغيان وبيداء الغي والعدوان بَلْ رانَ يعنى بل قد ظهر وحدث في نفوسهم رين الغفلة وصدأ الجهل والضلال وازداد وغلب حتى علا واحاطه عَلى قُلُوبِهِمْ فكثفها وكدرها الى حيث اظلمها وسوّدها ولم يبق فيها لمعة من بياض نور الايمان وما ذلك الا بسبب ما كانُوا يَكْسِبُونَ من المعاصي والشهوات المذهبة لجودة الفطرة الاصلية والفطنة الجبلية التي فطروا عليها في اصل الخلقة. ثم قال سبحانه
كَلَّا ردعا لهم عن ارتكاب اقتراف الرين المصدئ بقلوبهم كيف يكسبونه مع انهم قد جبلوا على فطرة الايمان والتوحيد إِنَّهُمْ أولئك المفسدين المسرفين عَنْ رَبِّهِمْ الذي رباهم لمصلحة المعرفة والايمان يَوْمَئِذٍ اى يوم اقتراف المعاصي الرائنة لَمَحْجُوبُونَ عن الله وعن ظهور نوره اللامع في صفائح الأنفس والآفاق مع انه لا سترة له سبحانه ولا حجاب في حال من الأحوال الا ان خفافيش بقعة الإمكان لا يرون شمس ذاته اللامعة بواسطة غيوم هوياتهم الباطلة وتعيناتهم العاطلة
ثُمَّ إِنَّهُمْ بعد ما حجبوا من الله وحرموا عن مطالعة وجهه الكريم لَصالُوا الْجَحِيمِ اى داخلوها وخالدون فيها ابدا
ثُمَّ يُقالُ لهم تعييرا عليهم وتشديدا لعذابهم من قبل الحق حينئذ هذَا العذاب هو العذاب الَّذِي قد كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ في سالف الزمان مصرين على تكذيبه وإنكاره بل مستهزئين به متهكمين. ثم كرر سبحانه لفظة
كَلَّا ردعا لهم بعد ردع تقريعا وتأكيدا وليكون توطئة وتمهيدا لتعقيب وعيدهم بوعد المؤمنين مع ان في هذا التعقيب زيادة زجر وتقريع عليهم لما اقترفوا من الآثام والعصيان المؤدية لهم الى دار الندامة والحرمان فقال إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ اى ما كتب فيه عموم آثارهم الصالحة الصادرة عنهم ايمانا واحتسابا ثقة بالله وخوفا من غضبه محفوظ فيه جميع ما ذكر محكوم عليهم بمقتضى ما فيه انهم لَفِي عِلِّيِّينَ اى هم متمكنون في أعلى درجات الجنان وارفع غرفها ثم أبهمه سبحانه تعظيما وتفخيما فقال
وَما أَدْراكَ ايها البار المبرور ما عِلِّيُّونَ وما شأنه الرفيع ومكانة البديع وما فيه من اللذات الروحانية التي من لم يذقها لم يعرفها. رزقنا الله الوصول إليها والحصول دونها وبالجملة
كِتابٌ للأبرار كتاب مَرْقُومٌ بين الرقوم والرسوم بحيث
يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ اى ارباب العناية والتوفيق فيعلمون من عنوانه ان ما فيه خير كله بمجرد رؤيتهم وشهودهم في بادى النظر وبالجملة
إِنَّ الْأَبْرارَ البارين على الله المبرورين بين الناس لَفِي
стр. 1071
نَعِيمٍ
مقيم متكئين
عَلَى الْأَرائِكِ المصورة من صالحات أعمالهم وصفاء عقائدهم وأخلاقهم يَنْظُرُونَ الى ما يسرهم ويفرحهم من الصور الحسنة والمتنزهات البهية البديعة بحيث
تَعْرِفُ أنت ايها الرائي فِي وُجُوهِهِمْ في بادى الرأى نَضْرَةَ النَّعِيمِ بهجة التنعم وبريق الرضاء والتسليم ومع ذلك
يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ خمر من خمور المحبة والولاء مَخْتُومٍ مطبوع عليه حفظا له عن غيرهم بحيث لا يشمون روائحه أصلا
خِتامُهُ مِسْكٌ اى روائحه الواصلة إليهم منه قبل كشفهم عنه كالمسك بلا كراهة وبشاعة كخمور الدنيا وَفِي ذلِكَ اى في رحيق التحقيق وكأس المحبة والتصديق فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ اى فليرغب الرغبون لنفاسته وسرعة سوغانه وانحداره وكمال لذته وذوقه
وَمِزاجُهُ اى ما يمزج به ويخلط من ماء المعارف منتشأ مِنْ تَسْنِيمٍ اى من مقام عال هو ينبوع بحر الوجود الذي هو عين الوحدة الذاتية الإلهية فكان
عَيْناً وأى عين عينا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ اى يشرب عنه بمائها وفراتها من تقرب نحو الحق باليقين الحقي فإنهم يشربون من عين الوحدة بلا مزج وخلط. أذقنا حلاوة نعيمك وبرد يقينك وشربة تسنيمك يا خير الرازقين
إِنَّ المشركين المسرفين الَّذِينَ أَجْرَمُوا بالجرائم العظام الموجبة لانواع الانتقام من جملتها انهم قد كانُوا مِنَ المخلصين الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ويستهزؤن بفقراء المؤمنين
وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ
متهكمين يَتَغامَزُونَ
اى يغمز بعضهم بعضا ويشيرون بأعينهم كبرا عليهم وخيلاء
وَإِذَا انْقَلَبُوا ورجعوا إِلى أَهْلِهِمُ وأماكنهم دخلوا مع إخوانهم انْقَلَبُوا وصاروا فَكِهِينَ متلذذين متهكمين بما رأوا من شيم المؤمنين من صلواتهم وخشوعهم فيها وضراعتهم واستكانتهم وتواضعهم مع إخوانهم
وَهم من شدة شكيمتهم وغيظهم إِذا رَأَوْهُمْ اى المؤمنين قالُوا مستهزئين إِنَّ هؤُلاءِ السفلة المستحسنين أفعالهم لَضالُّونَ منحرفون عن مقتضى الرشد والهداية بمتابعة هذا المجنون يعنون الرسول ﷺ
وَهم يقولون هكذا من كمال ضلالهم في أنفسهم بل من شدة حسدهم عليهم مع انهم ما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ اى على المؤمنين حافِظِينَ يحفظون عليهم أعمالهم ويشهدون بهدايتهم او ضلالهم بل الأمر بالعكس
فَالْيَوْمَ اى اليوم الموعود المعهود الذي هو يوم القيامة الَّذِينَ آمَنُوا بالله وصدقوا بالآخرة وبجميع الأمور الموعودة فيها مِنَ الْكُفَّارِ المصرين على العناد والإنكار يَضْحَكُونَ اى يضحك المؤمنون يومئذ من حال الكافرين على عكس ما كانوا عليه في النشأة الاولى إذ يرونهم أذلاء صاغرين مغلولين معذبين في نار القطيعة بأنواع الحسرة وهم اى المؤمنون حينئذ متكؤن
عَلَى الْأَرائِكِ المعدة لهم جزاء ما يتكلون على الله ويتكؤن الى فضله وإحسانه مواظبين على أداء المأمورات وترك المنكرات صابرين على متاعب الطاعات ومشاق التكاليف القالعة لعرق مطلق المستلذات الجسمانية والمشتهيات النفسانية يَنْظُرُونَ حينئذ بنور الايمان وصفاء اليقين والعرفان الى وخامة عاقبة اصحاب الكفر والكفران ويشكرون لنعمة الايمان والإحسان
هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ وأثيبوا بما عملوا ثوابا والحال انهم قد جوزوا يومئذ بأسوء الجزاء بسبب ما كانُوا يَفْعَلُونَ من الاستهانة والاستهزاء بالمؤمنين ومن ضحكهم بأعمالهم وتغامزهم فيما بينهم بعيونهم تهكما عليهم. جعلنا الله من زمرة من بصرهم سبحانه بعيوب أنفسهم وأعماهم من عيوب غيرهم بمنه وجوده
стр. 1072
خاتمة سورة التطفيف
عليك ايها المحمدي المراقب على تربية النفس المداوم على تهذيب الأخلاق ان تصفى نفسك عن مطلق الرذائل المنافية لصفاء مشرب التوحيد وتخلصها عن عموم القيود الامكانية المتولدة عن طغيان الطبيعة وتحليها بمحاسن الأخلاق والأطوار المناسبة للفطرة الاصلية التي جبلت عليها في مبدأ خلقتك فلك الاتكال على الله والانعزال عن اصحاب الغفلة والضلال وإياك إياك ان تخالطهم وتجالس معهم فان صحبة الأشرار تميت قلوب الأبرار الأحرار وتؤثر في السر وتذهب جودة الفطنة وتكدر صفاء مشرب الوحدة وتزيد الوحشة وتورث النسيان المستلزم لانواع الخسران والحرمان. جعلنا الله ممن اذاقه سبحانه حلاوة خلوته وأنسه مع وحدته واوحشه عن الخلق وكثرته بمنه وجوده
[سورة الانشقاق]
فاتحة سورة الانشقاق
لا يخفى على من سلك عن مضيق الناسوت نحو فضاء اللاهوت وتوجه الى كعبة الوحدة مهاجرا عن عالم الكثرة ان العود والرجوع انما هو على مقتضى البدء والظهور وان الترقي والارتفاع انما هو على طبق التدنى والانحطاط فكلما نزلت نفس الإنسان وهبط روحه في النشأة الاولى من سماء الأسماء المعبر بعالم اللاهوت المقدس عن شوائب النقص وسمات الحدوث مطلقا الى عالم الطبيعة والهيولى المكدرة بأنواع الكدورات كذلك صعدت نحوها منها بعد ما وفقه الحق وأدركته العناية من جانبه وللصعود والعروج علامات واوقات قدرها الله العليم الحكيم في سابق علمه ولوح قضائه ولم يطلع أحدا على وقتها بل قد اخبر سبحانه في هذه السورة عن بعض علاماتها واماراتها فقال بعد ما تيمن بِسْمِ اللَّهِ الذي ظهر على عموم التعينات في بدأ الوجود بمقتضى الجود الرَّحْمنِ عليها بامدادها وابقائها الى اليوم الموعود الرَّحِيمِ على خواص عباده يوصلهم الى مرتبة الكشف والشهود
[الآيات]
إِذَا السَّماءُ اى سماء عالم الطبيعة انْشَقَّتْ وانحرقت لتصعد وتعرج الأرواح الفائضة الى الأشباح نحو سماء الأسماء والصفات بعد خرق التعينات ورفع الإضافات
وَأَذِنَتْ لِرَبِّها اى اصغت وانقادت لحكم ربها وامره الذي قد مضى منه سبحانه على انشقاقها وَبعد ما أمرت حُقَّتْ لها ولاقت بحالها اى امتثلت بالمأمور وانقادت
وَإِذَا الْأَرْضُ اى ارض الطبيعة والهيولى القابلة المجبولة لقبول انعكاس تأثيرات الأسماء والصفات مُدَّتْ قد امتدت وانبسطت وانتشرت مطاويها
وَأَلْقَتْ أخرجت وأظهرت ما فِيها من النفوس المودعة القابلة لفيضان أنوار الذات وَتَخَلَّتْ عن حفظ الامانة الإلهية
وَأَذِنَتْ لِرَبِّها في الإلقاء والتخلية وَقد حُقَّتْ لها الاستيذان والإصغاء لاقتضاء مرتبة العبودية ذلك فحينئذ قد انكشف لها جزاء ما كسبت واقترفت في نشأة الاختبار. ثم نادى سبحانه الإنسان نداء تنبيه وتخطئة وتحريك حمية فطرية وسلسلة جبلية فقال
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ المصور على صورة الرحمن المنتخب من بين سائر المظاهر لحكمة الخلافة والنيابة ومصلحة المعرفة والتوحيد فاعرف قدرك ولا تغفل عن حقيقتك إِنَّكَ كادِحٌ جاهد للتقرب والوصول إِلى رَبِّكَ كَدْحاً وجهدا وسعيا منتهيا الى افناء هويتك في هوية الحق وبالجملة فَمُلاقِيهِ يعنى أنت ايها الإنسان ملاق ربك بمقتضى سعيك واجتهادك فلك ان لا تفترق عما يوصلك اليه ويفنيك فيه بعد جذب
стр. 1073
من جانب الحق وتوفيق من لدنه لتكون أنت من ارباب اليمن والكرامة الموسومين باصحاب اليمين الذين لهم صحف أعمالهم من قبل ايمانهم التي هي علامة ايمانهم وعرفانهم
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ الطاوى المشتمل على تفاصيل ما صدر عنه بِيَمِينِهِ التي هو عنوان اليمن وعلامة الكرامة وبرهان الرضوان
فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً سهلا سريعا
وَيَنْقَلِبُ ويرجع هو بعد الحساب إِلى أَهْلِهِ الذي هم رفقاؤه في سبيل السعادة والكرامة الموصلة الى فضاء عالم اللاهوت وصفاء الوحدة الذاتية التي هي عبارة عن ينبوع بحر الوجود مَسْرُوراً مبسوطا فرحانا
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ وشماله التي هو عنوان الشقاوة ودليل العتاب والعقاب وانواع الملالة والندامة
فَسَوْفَ يَدْعُوا ويتمنى هو لنفسه ثُبُوراً ويلا وهلاكا لصعوبة حسابه وغلبة سيئاته على حسناته
وَبالآخرة يَصْلى يدخل ويطرح صاغرا ذليلا سَعِيراً مسعرة مملوة بنيران الشهوات والغفلات الصادرة منه بمتابعة الأوهام والخيالات وانواع الضلالات والجهالات الناشئة من القوى البهيمية الحاصلة من طغيان الطبيعة وثوران لوازم الإمكان
إِنَّهُ قد كانَ فِي أَهْلِهِ في دار الدنيا مَسْرُوراً بطرا فرحانا فخورا بالمال والجاه والثروة والسيادة متفوقا على الأقران يمشى على الأرض خيلاء وانما حمله عليه
إِنَّهُ ظَنَّ بل قد تيقن وجزم جهلا مركبا وعنادا أَنْ لَنْ يَحُورَ اى انه لن ينقلب ولن يرجع الى الله ولن يقوم بين يديه سبحانه للحساب والجزاء لذلك اجترأ على ما اجترأ من المعاصي. ثم قال سبحانه
بَلى ردعا عما قبله تصديقا لما بعده على سبيل التعريض إِنَّ رَبَّهُ الذي رباه على فطرة المعرفة وجبله على نشأة التوحيد قد كانَ بِهِ بَصِيراً عالما بتفاصيل اعماله الصادرة عنه على وجه الخبرة والبصارة بحيث لا يشذ عن حيطة علمه شيء من اعماله وأحواله فلا يهمله بل يعده عليه ويفصله له ويعيده ويجازيه حسب ما فصله. ثم قال سبحانه
فَلا أُقْسِمُ لإتيان يوم القيامة ولا ثبات ما فيها من الثواب والعقاب والجزاء والحساب وغير ذلك إذ هي امور ظاهرة مكشوفة عند ذوى الكشف والشهود من ارباب المحبة والولاء الواصلين الى بحر الوحدة وينبوع الحقيقة بل اقسم بِالشَّفَقِ المنبئ عن الشفقة والترحم الإلهي وهو عبارة عن البياض المعترض من أفق عالم اللاهوت عند انقضاء نشأة الناسوت حين حكم سبحانه بانطواء سجلات عموم التعينات ومطلق الهويات
وَاللَّيْلِ اى اقسم ايضا بالليل اى مرتبة العماء الإلهي وَما وَسَقَ اى ما ضم وجمع من الأنوار المنعكسة منها الى هياكل الأشباح
وَالْقَمَرِ اى أقسم ايضا بالقمر اى الوجود الظلي الكلى الإضافي المنبسط على مرآة العدم المنعكس من شمس الذات الاحدية المتشعشعة المتجلية من مطالع فضاء العماء اللاهوتية إِذَا اتَّسَقَ تم وعم وشمل الكل وصار بدرا كاملا بلا نقصان
لَتَرْكَبُنَّ ايها المكلفون ولتطرحن في نار القطيعة والحرمان طَبَقاً بعد طبق متجاوزا عَنْ طَبَقٍ بعيد عنه متجاوز في شدة الأهوال والافزاع وبعد الغور والطور والحرقة وانواع العذاب والنكال وبالجملة بحق هذه المقسمات العظام لدخلتم أنتم البتة في طبقات النيران لو كفرتم بالله وعصيتم امره وخرجتم عن مقتضى حدوده وأحكامه وبعد ما سمعوا ما سمعوا من الصادق الصدوق
فَما لَهُمْ اى أى شيء عرض عليهم ولحق بهم لا يُؤْمِنُونَ ولا يتصفون بالانقياد والتسليم سيما بعد ورود الزواجر من قبل الحق على ألسنة الرسل والكتب
وَمن كمال غفلتهم عن الله وضلالهم عن سنن الهداية والرشد إِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ المبين لطريق الحق
стр. 1074
وسبيل الايمان والعرفان لا يَسْجُدُونَ اى لا يخضعون ولا يتذللون له مع انه انما نزل لهدايتهم وإرشادهم بل يكذبونه وينكرون نزوله عنادا ومكابرة فكيف التذلل والخضوع
بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ به وبمنزله وبمن انزل اليه جميعا
وَبالجملة اللَّهُ المطلع لعموم ما في ضمائر عباده أَعْلَمُ بعلمه الحضوري بِما يُوعُونَ اى بجميع ما يضمرونه في نفوسهم من الكفر والكفران وانواع البغي والعدوان والغفلة والطغيان على مقتضى علمه بهم وبخبرته بما في نفوسهم وبالجملة
فَبَشِّرْهُمْ يا أكمل الرسل بشارة على سبيل التهكم والاستهزاء بِعَذابٍ أَلِيمٍ نازل عليهم حين أخذوا بعصيانهم وآثامهم
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا منهم وخرجوا عن ورطة الطغيان متمسكين بعروة الايمان متشبثين بحبل القرآن وَمع ذلك قد عَمِلُوا الصَّالِحاتِ المقبولة عند الله لَهُمْ عند ربهم أَجْرٌ عظيم غَيْرُ مَمْنُونٍ اى غير مقطوع ومنقوص ان أخلصوا في ايمانهم وإذعانهم. اصنع بنا ما أنت له اهل يا مولانا
خاتمة سورة الانشقاق
عليك ايها الموحد المحمدي المجبول على فطرة الايمان والعرفان مكنك الله فيما يسر لك وثبتك عليه ان تتمسك بحبل التوفيق الإلهي وتتشبث بأذيال همم ارباب التحقيق من الأنبياء والرسل الهادين المهديين والأولياء الألباء المهتدين بهدايتهم إذ هم خلاصة بحر الوجود وزبدة ارباب الكشف والشهود فلك ان تتخلق بأخلاقهم وتقتفى بآثارهم المأثورة عنهم وتسترشد من المرشد الرشيد الذي هو القرآن المجيد الموصل لأرباب التوحيد المسقط لانواع التقاليد الراسخة في قلوب اصحاب الغفلة والتخمين فلك ان تتأمل ظاهره وباطنه وحده ومطلعه حتى تتوسل بها الى ما فوقها من الرموز التي قد وهبها سبحانه وجادبها لبعض النفوس الزكية القدسية الفانية في قدس الذات الإلهية الباقية ببقائها. جعلنا الله من خدامهم وقرابهم
[سورة البروج]
فاتحة سورة البروج
لا يخفى على من تحقق بسماء الأسماء اللاهوتية المشتملة على بروج عالم الجبروت وقصور مملكة الملكوت الموهوبة لسكانها من حضرة الرحموت ان الوصول إليها والحصول دونها انما يتيسر للمستوحشين عن لوازم الإمكان ومقتضيات نشأة الناسوت المستأنسين بسكان عالم اللاهوت وقطان سواد أعظم الفقر ولا شك ان الاستيناس معهم انما يحصل بجذبة غالبة وخطفة جالبة الهية والجذبة الإلهية مسبوقة بالمحبة المفرطة والمودة المزعجة الى الفناء في المحبوب الحقيقي والمحبة انما تنشأ من الشوق الغالب الجالب والشوق انما ينبعث من الارادة والطلب الصادر عن العزيمة المذكورة الخالصة والعزيمة لا تخلص ولا تصفو عن إكدار الطبيعة الا بالخلوة والعزلة عن الناس ودوام العفة والقناعة ومقارنة الرضاء والتسليم والتفويض والتوكل على وجه التبتل الى الحكيم العليم فالكل مسبوق برفاقة التوفيق والتصبر على متاعب الطاعات ومشاق العبادات والرياضات القالعة لمقتضيات القوى البشرية المورثة له من القوى الطبيعية والمنهمكون في بحر الغفلة والضلال لا يتيسر لهم الاستيناس بالكبير المتعال لذلك لعنوا وطردوا عن ساحة عز القبول والحضور على وجه المبالغة والتأكيد كما قال سبحانه في شأن طردهم ولعنهم مقسما بالأمور العظام متيمنا بِسْمِ اللَّهِ
стр. 1075
المتجلى في عموم المجالى بمقتضى أسمائه وصفاته إظهارا لقدرته الغالبة الكاملة الرَّحْمنِ للكل تتميما لتربيته الشاملة الرَّحِيمِ لنوع الإنسان تعظيما لحكمته المتقنة ومصلحته المستحسنة المودعة في نشأته
[الآيات]
وَالسَّماءِ اى بحق سماء الأسماء والصفات المتشعشعة المتجلية في عالم اللاهوت ذاتِ الْبُرُوجِ من النفوس القدسية القابلة لانعكاسها وتشعشعها المستعدة لفيضان أنوارها الذاتية
وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ للانجلاء الكامل والانكشاف التام المنعكس عن عالم العماء عند ارتفاع سدول الأسماء والصفات عن البين
وَاتحاد شاهِدٍ وَمَشْهُودٍ في العين انكم ايها المحجوبون عن الله المطرودون عن ساحة عز حضوره الملعونون المردودون من كنف قربه وجواره يعنى كفار مكة لعنهم الله لان السورة نازلة في تثبيت المؤمنين على أذاهم كما
قُتِلَ ولعن أَصْحابُ الْأُخْدُودِ الخد الشق في الأرض وغيرها روى انه كان لملك ساحر فلما كبر ضم اليه غلاما ليعلمه وكان في طريق الغلام راهب يستمع منه كلاما فرأى في طريقه يوما حية قد حبست الناس فأخذ الغلام حجرا فقال اللهم ان كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها فضربها فقتلها وكان بعد ذلك يبرئ الأكمه والأبرص ويشفى المريض فعمى جليس الملك فابرأه فاسلمه فسأله الملك من ابرأك فقال ربي فغضب الملك عليه فعذبه فدل على الغلام فعذبه فدل على الراهب فقده بالمنشار وذهب بالغلام الى جبل ليطرحه من أعلاه فرجف بالقوم فطاحوا ونجا الغلام وذهب به الى سفينة ليغرق فانكفأت السفينة بمن معه ونجا وقال الغلام للملك لست بقاتلي حتى تأخذ سهما من كنانتي وتقول بسم الله رب الغلام ثم ترميني به فرماه فقال بسم الله رب الغلام فأصاب صدغه فوضع عليه يده فمات فآمن الناس برب الغلام وقيل للملك نزل بك ما قد كنت تحذر فأمر بحفر أخاديد فأوقدت فيها النيران فمن لم يرجع منهم عن دين الغلام طرحه فيها حتى جاءت امرأة معها صبي رضيع فتقاعست فقال الرضيع بالهام إياه مع انه في غير أوان تكلمه مثل عيسى النبي ﷺ يا أماه اصبري فإنك على الحق فاقتحمت في
النَّارِ بدل من لفظة الأخدود بدل الاشتمال ذاتِ الْوَقُودِ والحطب الكثير تهويلا عليهم بشدة التهابها وسورتها لينزجروا عما اختاروا ويعودوا عن الإسلام والتوحيد ثم لما طرح المؤمنون فيها التهبت النار التهابا شديدا وخرجت على أطرافها فأحرقت كثيرا من صناديد أولئك الظلمة
إِذْ هُمْ عَلَيْها وفي أطرافها قُعُودٌ قاعدون على الكراسي حول النار
وَهُمْ اى رؤساؤهم عَلى ما يَفْعَلُونَ اى الموكلون بِالْمُؤْمِنِينَ من الأخذ والافناء شُهُودٌ وعدول مشرفون من قبل الملك أمناء من جانبه اقعدهم حوله لئلا يتهاون الأعونة في إهلاك المؤمنين وطرحهم في النار
وَبالجملة ما نَقَمُوا وما انتقموا أولئك الظالمون المنهمكون في بحر الغي والطغيان والعدوان مِنْهُمْ اى من المؤمنين بهذا الانتقام الصعب الهائل إِلَّا انهم كرهوا منهم واستنكروا عليهم أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الواحد الفرد الأحد الصمد الحي القيوم الحقيق بالإيمان والإطاعة الْعَزِيزِ الغالب القاهر على من دونه من السوى والأغيار مطلقا الْحَمِيدِ المستحق لأصناف الاثنية والمحامد استحقاقا ذاتيا ووصفيا وكيف لا يكون سبحانه عزيزا حميدا مع انه القادر
الَّذِي لَهُ وفي حيطة قدرته وارادته مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى مظاهر العلويات والسفليات وما بينهما من الممتزجات وَكيف لا هو اللَّهُ المستقل بالالوهية والربوبية عَلى كُلِّ شَيْءٍ مما لمع عليه برق وجوده شَهِيدٌ حاضر غير مغيب عنه وبالجملة
إِنَّ المسرفين المفسدين الَّذِينَ فَتَنُوا واحرقوا
стр. 1076
الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ظلما وعدوانا كراهة هدايتهم وايمانهم ثُمَّ بعد ما فعلوا من الإفراط والإسراف لَمْ يَتُوبُوا الى الله ولم يرجعوا نحوه سبحانه عن ظلمهم ولم يستغفروا نحوه نادمين منه فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ الطرد والحرمان عن حضور الحنان المنان وَلَهُمْ ولحق بهم بسبب كفرهم بالله وانكارهم توحيده عَذابُ الْحَرِيقِ بدل ما فعلوا بالمؤمنين من إحراقهم في الأخاديد. ثم عقب سبحانه وعيدهم بوعد المؤمنين فقال إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بوحدة الحق وَأكدوا ايمانهم حيث عَمِلُوا الصَّالِحاتِ المقرونة بالإخلاص في القصد والنيات لَهُمْ عند ربهم جزاء لإيمانهم وأعمالهم تفضلا عليهم جَنَّاتٌ متنزهات العلم والعين والحق تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ اى جداول المعارف والحقائق المنتشئة من بحر الحقيقة وبالجملة ذلِكَ الْفَوْزُ العظيم الشأن البعيد رفعة مكانته عن افهام الأنام هو الفوز الْكَبِيرُ والفضل العظيم الذي لا فوز أعظم منه وارفع. ثم أشار سبحانه الى تهديد اصحاب الضلال المنحرفين عن جادة الاعتدال مخاطبا لحبيبه ﷺ فقال
إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ يا أكمل الرسل واخذه بالعنف لعصاة عباده المائلين عن سبيل سداده وجادة رشاده لَشَدِيدٌ بحيث لا يقاس على شدة بطشه ومضاعف عذابه وانتقامه وكيف يطلق بطشه ويقاوم اخذه
وإِنَّهُ سبحانه هُوَ القادر الغالب الذي يُبْدِئُ ويظهر عموم المظاهر والموجودات من كتم العدم بالقدرة الكاملة الغالبة ثم يخفيها ويعدمها كلها ايضا بكمال قدرته وَيُعِيدُ ويخرجها في فضاء الظهور مرة بعد اخرى بمقتضى قدرته واختياره فكيف يقاوم ويقاس شيء مع قدرته سبحانه هذه وكيف يطيق احد ان يقوم بمعارضته تعالى شأنه في حكمه وينازع سلطانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا يسئل عن فعله انه حكيم مجيد
وَهُوَ سبحانه ايضا بمقتضى سعة جوده ورحمته الْغَفُورُ الستار المحاء لذنوب من تاب ورجع نحوه مخلصا نادما وان كبرت وكثرت فان رحمته أوسع منها واشمل الْوَدُودُ المحب لإخلاص المذنبين وتوبة المستغفرين وفراغة الخائبين المخبتين المستحيين من الله النادمين على ما صدر عنهم وقت الغفلة والغرور وكيف لا يود ولا يغفر سبحانه مع انه
ذُو الْعَرْشِ إذ هو المستوي على عروش عموم ما ظهر وبطن بالاستيلاء التام والاستقلال الكامل الْمَجِيدُ العظيم في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله إذ لا وجود سواه ولا كون لغيره فظهر انه
فَعَّالٌ بالاستقلال والاختيار لِما يُرِيدُ إذ جميع الأفعال الجارية في ملكه وملكوته صادر عنه باختياره بلا شركة فيها ومظاهرة إذ لا يجرى في ملكه الا ما يشاء بمقتضى علمه الشامل وحكمه الكامل سواء كان انعاما او انتقاما. ثم أشار سبحانه الى تسلية حبيبه ﷺ وحثه على الصبر على اذيات قومه وتكذيبهم إياه مكابرة فقال
هَلْ أَتاكَ اى قد أتاك ووصل إليك وثبت ذلك عندك يا أكمل الرسل بالتواتر حَدِيثُ الْجُنُودِ اى اخبار الأمم السالفة وقصة تكذيبهم للرسل السابقة والكتب السالفة وانتقامنا منهم بعد ما بلغت اذياتهم للرسل غايتها سيما حديث
فِرْعَوْنَ الطاغي الباغي وملائه كيف كذبوا أخاك موسى الكليم ﵇ وكيف قصدوا مقته وإهلاكه مرارا وكيف انتقمنا منهم واستأصلناهم وَثَمُودَ المردود كيف كذبوا أخاك صالحا ﵇ وكيف انتقمنا منهم تذكر يا أكمل الرسل قصصهم مع رسلهم وما جرى عليهم من لدنا وبالجملة فاصبر يا أكمل الرسل على ما اصابك من قومك فان ذلك من عزم الأمور فسننتقم منهم ايضا مثل ما انتقمنا من الأمم السالفة الهالكة
بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا بك وبكتابك فِي
стр. 1077
تَكْذِيبٍ
عظيم من تكذيب الماضين لأنهم قد سمعوا قصصهم وما جرى عليهم بشؤم تكذيبهم فلم يعتبروا ولم ينزجروا فسيلحقهم أشد مما لحقهم من العذاب عاجلا وآجلا
وَبالجملة اللَّهُ المطلع بعموم ما جرى في ضمائرهم من الكفر والشقاق مِنْ وَرائِهِمْ اى وراء هوياتهم الباطلة وتعيناتهم العاطلة مُحِيطٌ بهم بالاحاطة الذاتية بحيث لا يفوته سبحانه شيء من جرائمهم وآثامهم فسيجازيهم عليها حسب احاطته وخبرته وهم ينكرون احاطته ولذلك ينكرون كتابه الجامع لجميع الكمالات الدنيوية والاخروية الغيبية والشهادية ويسبونه الى الشعر والكهانة وانواع التزويرات والمفتريات الباطلة عنادا ومكابرة مع انه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ فرقان بين الحق والباطل والهداية والضلال مَجِيدٌ عظيم عند الله مبين مبين لأحكام الدين المستبين مثبت مركوز
فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ألا وهو حضرة العلم المحيط الإلهي ولوح قضائه المصون عن مطلق التحريف والتغيير. جعلنا الله ممن فاز بنور الايمان وانكشف بحقية القرآن الفرقان بمنه وجوده
خاتمة سورة البروج
عليك ايها الموحد المحمدي المنكشف بحقية القرآن هداك الله الى حقيقته ان تعتقد ان مطلق الحوادث الجارية في عالم الكون والفساد انما هو مثبت في لوح القضاء المصون عن سمة التبديل والتغيير إذ ما يبدل القول والحكم لدى القادر الحكيم العليم والتصرفات الواقعة في عالم الملك والملكوت انما هي مرقومة مرسومة فيه على وجهها بحيث لا يشذ شيء منها عنه والقرآن المجيد منتخب منه وحاو عموم ما ثبت فيه اجمالا ومن أدركته العناية السرمدية وجذبته الجذبة الاحدية يصل من رموز القرآن الى كنوز الأسرار والمعارف التي فصلها الحق في لوح قضائه وحضرة علمه لكن الواصل الى هذه المرتبة العلية أقل من القليل فكن راجيا من الله الجميل ولا تيأس من روح الله انه لا ييأس من روح الله الا القوم الخاسرون
[سورة الطارق]
فاتحة سورة الطارق
لا يخفى على من تحقق بحيطة الحق وحفظه ورقابته لعموم مظاهره ومجاليه ان كل ما صدر عن من صدر وعلى اى وجه صدر فان الله عليه رقيب عتيد يحافظه ويراقبه سواء كان خيرا او شرا نفعا او ضرا عملا او اعتقادا حالا او مقالا والسر في ذلك ان لا يغفل العبد عن الله بحال من الأحوال ولا في شأن من الشئون وكيف يغفل عنه سبحانه فانه دائما مستمد منه سبحانه في عموم حالاته حسب أنفاسه ولحظاته وخطراته لذلك اقسم سبحانه لإثبات هذا المطلب العظيم العزيز بما اقسم ليكون العبد على ذكر من ربه وحضور عنده بحيث لا يغيب عنه سبحانه لمحة وطرفة حتى لا يصدر عنه ما لا يرضى به سبحانه بمتابعة شياطين القوى الامارة الناسوتية فقال سبحانه متيمنا بِسْمِ اللَّهِ المراقب لأحوال عباده كيلا يوسوس في صدورهم الشيطان الرَّحْمنِ عليهم يحفظهم عن موجبات الندامة والخذلان الرَّحِيمِ لهم يهديهم الى طريق الجنان
[الآيات]
وَالسَّماءِ اى بحق سماء الأسماء اللاهوتية المصونة عن مطلق التغيير والزوال المتعالية عن مدارك الوهم ومشاعر الخيال وَبحق الطَّارِقِ الذي يتخطف منها على آحاد الرجال بعد ما هاجروا عن بقعة الناسوت متشمرين بالعزيمة الخالصة نحو فضاء اللاهوت بمقتضى الجذب الجبلي والميل الفطري المعنوي ثم أبهمه سبحانه
стр. 1078
على حبيبه تعظيما وتفخيما فقال
وَما أَدْراكَ ايها المظهر الكامل اللائق لفيضان الطوارق اللاهوتية مَا الطَّارِقُ حين كنت مقيدا في عالم الناسوت حسب هويتك وبعد ما أطلقك الحق عن قيود عالم الناسوت عرفت ان الطارق الذي يطرقك من عالم اللاهوت وفضاء الجبروت انما هو
النَّجْمُ الثَّاقِبُ اى الجذبة الاحدية المضيئة اللامعة المتشعشعة الناشئة البارقة من عالم العماء الذي هو محل كمال الجلاء والانجلاء الذاتي والجذوة المتشعشعة المشتعلة الساطعة من نار العشق والمحبة المفرطة الإلهية الى شجرة ناسوتك القابلة ذلك بعد ما أمرك بالتجرد عن كسوة ناسوتك أنا الله لا اله الا أنا فاخلع نعليك واطرح لوازم نشأتك بعد ما سمعت يا أكمل الرسل فاسترح في مقعد صدقك عند ربك انك بالوادي المقدس عن رذائل لواحق نشأة الناسوت طوى أى قد طويت دونك العوائق البشرية مطلقا وأنا اخترتك لمظهرية المعارف والحقائق المستلزمة لرتبة الخلافة والنيابة فاستمع لما يوحى إليك من الآيات البينات لمراسم التوحيد واليقين وبالجملة وبحق هذين القسمين العظيمين
إِنْ كُلُّ نَفْسٍ اى ما كل نفس من النفوس الطيبة والخبيثة الكائنة في عالم الكون والفساد لَمَّا اى الا عَلَيْها حافِظٌ من قبل الحق يحفظ لها أقوالها وافعالها وحالاتها حتى يدفعها ويسلمها الى المقادير التي حصلت عنها وصدرت على طبقها حتى جوزيت على مقتضاها وبعد ما سمع الإنسان ما سمع من الحكمة العلية الإلهية
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ المركب من الجهل والنسيان وليتأمل في منشئه مِمَّ خُلِقَ يعنى فليراجع وجدانه ولينظر مبدأه ومنشأه حتى يظهر له من أى شيء قدر وجوده فيعرف قدره ولم يتعد طوره مع انه انما
خُلِقَ وقدر مِنْ ماءٍ مهين مسترذل دافِقٍ مدفوق مصبوب في الرحم على وجه التلذذ والاضطراب من كلا الجانبين مع انه
يَخْرُجُ ذلك الماء المهين مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ اى من ظهر الرجل وصدر المرأة وبعد ما تأمل الإنسان في مبدئه وعرف اصل نشأته تفطن منه ان وفقه الحق الى قدرة الصانع الحكيم العليم الذي خلقه من هاتين الفضلتين الخبيثتين ورباه الى ان صار بشرا سويا قابلا لفيضان انواع المعارف والحقائق لائقا للخلافة الإلهية مهبطا للوحى والإلهام من لدنه سبحانه وتفطن ايضا بل جزم وتيقن ان من قدر خلقه وإيجاده ابتداء
إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ وإعادته وبعثه من القبور لَقادِرٌ البتة فكيف ينكر قدرته سبحانه على البعث والحشر مع ان الإعادة أهون عنده من الإبداء تأملوا ايها المجبولون على فطرة العبرة والتكليف
يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ وتكشف الستائر ويظهر ما خفى من الضمائر من الإنكار والإصرار وفواسد النيات والأعمال
فَما لَهُ اى للإنسان حينئذ مِنْ قُوَّةٍ يدفع بها عن نفسه ما يترتب على اعماله وأحواله من العذاب والعقاب على وجه الجزاء وَلا ناصِرٍ يدفعه وينصره إذ كل نفس يومئذ رهينة بما كسبت مشغولة بجزاء ما جرت عليه خيرا كان او شرا. ثم اقسم سبحانه بما اقسم لإثبات حقية القرآن وفضله وكونه برئيا عن قدح القادحين وطعن الطاعنين فقال وَالسَّماءِ اى وحق سماء الأسماء اللاهوتية الإلهية التي هي في أعلى درجات الارتفاع ذاتِ الرَّجْعِ والعود إذ تدور على هياكل عالم الناسوت طرفة وترجع في الحال الى عالمها دفعة كالبرق الخاطف ولا تدوم ولا تستقر آثارها الا لأرباب العناية من البدلاء الذين قد بدلت لوازم ناسوتهم بالمرة بخواص اللاهوت وارتفعت البشرية عنهم مطلقا
وَالْأَرْضِ اى ارض الطبيعة والهيولى القابلة لانعكاس ما لمع عليه سماء الأسماء ذاتِ الصَّدْعِ اى التأثر والتشقق بقبول اثر مؤثرات عالم اللاهوت يعنى وبحق هذين القسمين العظيمين
إِنَّهُ
стр. 1079
اى القرآن لَقَوْلٌ فَصْلٌ فاصل فارق بين الحق والباطل والهداية والضلالة
وَما هُوَ بِالْهَزْلِ كما زعمه المسرفون المفرطون في شأنه بل هو جد كله صدر عن حكمة متقنة بالغة الهية لمصلحة الهداية والإرشاد لعموم العباد وبالجملة إِنَّهُمْ يعنى طغاة مكة خذ لهم الله يَكِيدُونَ كَيْداً ويمكرون في ابطال القرآن واطفاء نوره الفائض على عموم الأعيان فيرمونه بأنواع القدح والطعن مراء ومكابرة وينسبونه الى ما لا يليق بشأنه عنادا
وَأَكِيدُ انا ايضا في أخذهم وانتقامهم بعد ما استحقوا الأخذ والانتقام كَيْداً على سبيل الاستدراج والاستمهال بحيث لا يحتسبون بل يحملون امهالنا إياهم على الإهمال لذلك يغترون ويجترءون في قدحه وطعنه وبعد ما سمعت يا أكمل الرسل
فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أنت ايضا ولا تستعجل بانتقامهم ولا تشتغل بالدعاء عليهم سريعا إذ امهالنا ابتلاء منا لهم وفتنة جالبة لمصيبة عظيمة ومتى تحققت يا أكمل الرسل ما قلنا لك أَمْهِلْهُمْ واعرض عن المراء والمجادلة معهم وانتظر لمقتهم وترقب لهلاكهم رُوَيْداً امهالا يسيرا في زمان قليل وسيظهر عن قريب دينك على عموم الأديان وهم يقهرون ويستأصلون. جعلنا الله ممن صبر وظفر بمبتغاه بمنه وجوده
خاتمة سورة الطارق
عليك ايها المتوكل على الحق المتبتل نحوه بالعزيمة الخالصة ان تفوض عموم أمورك الى ربك بحيث لا يحظر ببالك ان تلتفت الى تحصيلها باستبدادك وتتخذه كفيلا حسيبا كافيا لجميع حوائجك واشغالك وبالجملة كن فانيا في الله يكفك جميع مؤنك إذ الكل بالله ومن الله وفي الله بل أنت ما أنت بل أنت هو بل هو هو لا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم كل شيء هالك الا وجهه له الحكم واليه ترجعون
[سورة الأعلى]
فاتحة سورة الأعلى
لا يخفى على المحمديين الموحدين الواصلين الى مقام التمكين بلا تلعثم وتلوين ان العارف المحقق بعد ما قد وصل الى مقام الفناء في الله وحصل له ذوق التوحيد الذاتي والبقاء السرمدي لم يبق في بصر شعوره من مشهوده سوى الوحدة الذاتية الصرفة الخالية عن تعدد الأسماء والصفات مطلقا إذ تلون الأوصاف وتعدد الأسماء من جملة الحجب والغطاء عند ارباب المحبة والولاء المتحققين بعالم العماء الذي لا يمكن التعبير عنه مطلقا لاضمحلال الحجب والآلات التي بها يتوسل الى التعبير والإشارة والرمز والغمز والإيماء وبالجملة لا يسع حينئذ سوى التقديس والتسبيح إذ لا يحتاج المسبح المقدس الى التوسل مطلقا لذلك امر سبحانه حبيبه ﷺ بعد ما وصل الى ما وصل من القرب والشهود بالتسبيح ولقنه بالتقديس المقارن لاسمه الأعلى لا على وجه الاسمية والاضافة ولا على وجه الوصفية إذ الاسم والوصف وسائر الاعتبارات المسبوقة بالشعور والإدراك لا يسعه في ذلك المقام ولا على معنى التفضيل ايضا فانه مسبوق بالإدراك والحضور بل على وجه العجز والقصور عن الإدراك والتعبير والإشارة وعن مطلق الوسائل والأسباب المؤدية الى الاخبار عنه سبحانه إذ قد كلت حينئذ ألسنة الاستعدادات عن مطلق الإيماء والإشارات وانحسرت المدارك والعقول عن عموم الإدراكات والشعور فصار الكل مبهوتا حائرا هائما بل فانيا مضمحلا بحيث لم يبق له لا اسم ولا رسم ولا خبر ولا اثر وبعد ما وقع ما وقع ووصل الى ما وصل فقد وقع
стр. 1080
على الله فأمره بمقتضى علمه وحكمته حسب ارادته ومشيته فقال بعد التيمن بِسْمِ اللَّهِ الى ذاته عن احلام الأنام وافهام الخواص والعوام الرَّحْمنِ لعموم عباده يدعوهم الى دار السلام الرَّحِيمِ لخواصهم يهديهم الى ارفع المكانة وأعلى المقام
[الآيات]
سَبِّحِ لله يا من غرق في تيار البحر الزخار للوجود وتلاشى في لمعات شمس الشهود اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وان لم يبق لك التوسل بمطلق الأسماء بعد ما فنيت في المسمى ثم تذكر بمقتضى حصة عبوديتك نعمه الواصلة إليك بعد ان فزت بحلل البقاء استحضارا وتذكيرا لما جرى عليك من الشئون والأطوار في نشأة ناسوتك إذ هو سبحانه القادر المقتدر
الَّذِي خَلَقَ وأوجد عموم ما خلق واظهر فَسَوَّى خلق الكل بحوله وقوته واختياره مع ما يتعلق به ويترتب عليه في معايشه ومعاده
وَهو الحكيم العليم القدير الَّذِي قَدَّرَ المقادير ودبر التدابير واحسن التصاوير وأودع فيها ما أودع من الاستعدادات والقابليات الجالبة لانواع الكمالات وبعد ما هيأها وعدلها فَهَدى اى هدى الكل الى ما جبلوا لأجله بوضع التكاليف المشتملة على الأوامر والنواهي والاحكام الواجبة والمندوبة والأخلاق المرضية والآداب السنية ليتمرنوا على الأمور المذكورة ويترسخوا فيها بالعزيمة الخالصة والجزم التام حتى يستعدوا لان تفيض عليهم طلائع سلطان الوحدة الذاتية المنقذة لهم عن ورطة الناسوت الموصلة لهم الى فضاء اللاهوت
وَهو سبحانه القادر المقتدر الَّذِي أَخْرَجَ بكمال قدرته واثبت واظهر الْمَرْعى الحاصل في مرتع الدنيا باجناسها وأصنافها تتميما لتربية دواب الطبائع وحوامل الأركان القابلة لتأثيرات عالم الأسماء والصفات ليتقوموا بها ويستعدوا لفيضان المعارف والحقائق وانواع الكمالات اللائقة التي هم جبلوا لأجلها وبعد ما حصل من الكمالات المنتظرة في نشأة الناسوت
فَجَعَلَهُ سبحانه مرعى العالم مع كمال نضارتها وبهائها في نظر شهود اولى الألباب الناظرين بنور الله من وراء سدول الأسماء والصفات غُثاءً يابسا بل سرابا باطلا عاطلا وبعد ما تحققوا بمقر التوحيد ورفعوا وسائل الأوصاف والأسماء من البين فصار الكل حينئذ هباء أَحْوى بل عدما لا يبقى اسود موحشا بعد ما كان اخضر مفرحا ثم التفت سبحانه نحو حبيبه ﷺ على سبيل التفضل والامتنان فقال على طريق الوصاية والتذكير
سَنُقْرِئُكَ ونجعلك قارئا يا أكمل الرسل مراقبا على وجوه الوحى والإلهام النازل من لدنا عليك مع انك أمي لم يعهد من مثلك أمثالها فَلا تَنْسى يعنى عليك ان تضبط هذه النعمة وتحفظها على وجهها وتواظب على أداء شكرها بلا فوت شيء منها بزيادة عليها او تحريف فيها
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ العليم الحكيم نسيانه منك بان نسخ تلاوته او حكمه او كلاهما على مقتضى حكمته المتقنة ومصلحة عباده المستحكمة وبعد ما سمعت يا أكمل الرسل ما سمعت فدم عليها ولا تغفل عنها سرا وجهرا حالا ومقالا إِنَّهُ سبحانه يَعْلَمُ منك الْجَهْرَ وَما يَخْفى يعنى ظاهرك وباطنك اى يعلم سبحانه منك جميع ما امتثلت بظاهرك من مقتضيات الوحى والإلهام وبباطنك من الإخلاص في النيات والحالات والخلوص في العزائم والمقامات
وَاعلم يا أكمل الرسل انا بمقتضى عظيم جودنا معك مراقبون لك في عموم شئونك واطوارك نُيَسِّرُكَ ونوفقك على التدين والتحفظ بمقتضيات الوحى لِلْيُسْرى اى الطريقة والشريعة السهلة السمحة البيضاء وبعد ما يسرنا لك وسهلنا عليك طريق الهداية والإرشاد
فَذَكِّرْ بالقرآن وبين الاحكام الموردة فيه للناس إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى اى سواء نفعت عظتك وتذكيرك إياهم او لم تنفع
стр. 1081
إذ ما عليك الا البلاغ وعلينا الحساب ولا تيأس يا أكمل الرسل من مبالغتهم في الاعراض والانصراف عنك وعن تذكيرك واعلم انه
سَيَذَّكَّرُ ويتعظ بتذكيرك مَنْ يَخْشى من بطش الله ومن كمال قدرته على وجوه الانتقام سيما بعد التأمل في معاني القرآن مرارا والتدبر في فحاويه تكرارا قد تنبه على حقيته فتذكر به وامتثل بما فيه
يَتَجَنَّبُهَا
اى يعرض عنها وعن سماعها يعنى سماع الذكرى والعظة التي هي القرآنْ َشْقَى
اى الكافر الذي جبل على فطرة الشقاوة وجبلة الجهل والغباوة
الَّذِي يَصْلَى ويدخل في النشأة الاخرى النَّارَ الْكُبْرى التي هي أضعاف نار الدنيا في الحرارة والحروقة لذلك قال كبرى او في الدرك الأسفل منها وهو أكبرها
ثُمَّ لما دخل في نار القطيعة والحرمان بأنواع الخيبة والخذلان لا يَمُوتُ فِيها حتى يستريح ويخلص وَلا يَحْيى حياة نافعة طيبة كسكان بقعة الإمكان الداخلين في نيران الشهوات ودركات الأماني والآمال بحيث لا يموتون حتى يستريحون ولا يحيون بلا منية الامنية وغل الأمل وسلسلة الحرص والطمع وبالجملة هم معذبون في عموم الأوقات والأحوال لا نجاة لهم فيها ما داموا في قيد الحياة وبعد ما ماتوا بأنواع الحسرات سيصلون في أسفل الدركات وأصعب العقبات. هب لنا جذوة من نار المحبة تنجينا من نيران الإمكان في النشأة الاولى والاخرى. ثم قال سبحانه على سبيل التنبيه
قَدْ أَفْلَحَ وفاز بالدرجة القصوى والمرتبة العليا مَنْ تَزَكَّى وتطهر عن ادناس الطبائع وإكدار الهيولى من الميل الى الدنيا وما فيها من اللذات الفانية والشهوات الغير الباقية وتوجه نحو المولى بالعزيمة الخالصة
وَذَكَرَ في أوائل الطلب ومبادي الارادة اسْمَ رَبِّهِ اى جنس الأسماء الإلهية متفطنا بمعناها يقظانا بفحواها فرحانا بمضمونها متشوقا الى لقياه سبحانه فَصَلَّى ومال نحوه سبحانه في الأوقات المحفوظة المأمور بالأداء فيها محرما على نفسه عموم مبتغاه من دنياه
بَلْ هؤلاء الحمقى الهلكى التائهون في تيه الغفلة والضلال المغلولون بأغلال الأماني والآمال تُؤْثِرُونَ وتختارون الْحَياةَ الدُّنْيا المستعارة الفانية على الحياة الحقيقية الاخروية الباقية وكذلك تجمعون اسباب الفساد والإفساد ولا تتزودون ليوم المعاد
وَالْآخِرَةُ اى والحال ان الآخرة وما وعد فيها من اللذات الروحانية الباقية خَيْرٌ مما في الدنيا وأمانيها وَأَبْقى وأدوم بحيث لا انقطاع لها ولا نهاية للذاتها وبالجملة
إِنَّ هذا الذي وعظك الحق به يا أكمل الرسل ووصاك بحفظه وبالامتثال به والاتصاف بمضمونه لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى اى مثبت مسطور فيها على وجهه وتلك الصحف هي
صُحُفِ جدك يا أكمل الرسل إِبْراهِيمَ الخليل الفائق في الخلة والفلاح على عموم ارباب الصلاح والنجاح وَصحف أخيك مُوسى الكليم الفائز من عند الله بالفوز العظيم ألا وهو مرتبة التكلم والتكليم مع الله العليم. جعلنا الله من خدامهم وتراب اقدامهم
خاتمة سورة الأعلى
عليك ايها الطالب للفلاح الأخروي الحقيقي والنجاح المعنوي ان تزكى أولا نفسك عن مطلق الرذائل العائقة عن التوجه الحقيقي نحو الحق وتصفى سرك عن الميل الى مزخرفات الدنيا الدنية وأمانيها الغير المريئة الهنيئة فعليك ان ترغب نفسك عن مقتضيات الإمكان ولا تغريها الى لذاتها وشهواتها فعليك ان تلازم الخلوة والخمول وتجتنب عن اصحاب الثروة والفضول حتى يعينك الحق
стр. 1082
على التلقي بالقبول ويوفقك على ما يوصلك الى الفوز والفلاح ويرشدك الى سبيل النجاة والنجاح. ربنا افتح لنا أبواب رحمتك انك أنت الكريم الفتاح
[سورة الغاشية]
فاتحة سورة الغاشية
لا يخفى على المحققين المنكشفين بالنشأة الاخروية المتحققين بظهور الحق حسب النشأتين ان وقوف العباد بين يدي الله وعرض الأعمال عليه سبحانه والحساب عليها والجزاء على مقتضاها مشهودة للعارف المحقق مكشوفة عنده في كل آن وزمان وبعد الحساب والجزاء فرقة منهم رابحون مقبولون عند الله وفرقة خاسرون مردودون فالمقبولون في كنف جوار الله مسرورون متنعمون والمردودون في نار القطيعة والحرمان محزومون مطرودون لذلك اخبر سبحانه في هذه السورة على سبيل المبالغة والتأكيد مخاطبا لحبيبه ﷺ فقال بعد ما تيمن بِسْمِ اللَّهِ القادر المقتدر على عموم مقدوراته حسب النشأتين الرَّحْمنِ على عموم عباده ينبههم نحو المرجع والمعاد الرَّحِيمِ لخواصهم يهديهم الى سبيل الرشاد
[الآيات]
هَلْ أَتاكَ اى قد أتيك ووصل إليك وانكشف لك يا أكمل الرسل حَدِيثُ الْغاشِيَةِ اى الداهية العظيمة التي تغشى الناس وتحيط بهم يوم القيامة بشدائدها حين وقفوا بين يدي الله للعرض والجزاء وهم حينئذ من شدة الهول والفزع حيارى سكارى تائهون هائمون مرعوبون ما يفعل بهم وكيف يحكم عليهم وبعد ما أخذوا للحساب وحوسبوا
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ ذليلة شاخصة منكوسة
عامِلَةٌ يومئذ باعمال لا تنفعها كالتوبة والتوجه وطلب العفو والمغفرة بعد مضى أوانها ناصِبَةٌ مبالغة في تحمل التعب والمشقة رجاء ان يعفى عنها ويغفر لها مع انها لا ينفعها حينئذ عملها وان اتعب نفسها لانقضاء نشأة الاختبار المأمورة فيها الأعمال بل
تَصْلى بالطرح حينئذ ناراً حامِيَةً في نهاية الحر والحرقة تأكيدا وتشديدا لعذابها
تُسْقى عند الأشراف على الهلاك عن غاية العطش مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ متناهية في الحرارة والسخونة المفرطة وكيف لا وقد أوقدت حولها نار جهنم منذ خلقت هذا شرابهم
ولَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ اى شبرق يابس امر من الصبر وابشع من جميع الأشياء البشيعة ومع نهاية بشاعته ومرارته وشدة حرارته
لا يُسْمِنُ حتى يزيد في قوتهم وَلا يُغْنِي ولا يدفع مِنْ جُوعٍ وبالجملة لا يفيدهم أصلا
ووُجُوهٌ أخر يَوْمَئِذٍ على عكس ذلك إذ هي ناعِمَةٌ متنعمة مبتهجة مسرورة
لِسَعْيِها الذي قد تحملته من انواع المتاعب والمشاق في نشأة الدنيا راضِيَةٌ سيما بعد ما رأت ما ترتب على سعيها من الجزاء وكيف لا ترضى وهي متنعمة يومئذ بسبب ذلك السعى وبالجملة هي متمكنة يومئذ
فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ متعالية أوصاف نزاهتها ونضارتها عن مدارك العقول ومشاعر الخواص مصفاة عن مطلق المكاره بحيث
لا تَسْمَعُ فِيها كلمة لاغِيَةً لا فائدة لها ولتتميم نزاهتها ونضارتها
فِيها عَيْنٌ ماؤها في غاية البياض والصفاء جارِيَةٌ في خلالها وكذلك أنهارها ابدا ولتكميل ترفههم وتنعمهم
فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ مرتفعة عن الأرض على قوائم طوال
وَأَكْوابٌ أوان لا عروة لها مَوْضُوعَةٌ بين أيديهم
وَنَمارِقُ وسائد في غاية الصفاء والبهاء متلونة بألوان مطبوعة مَصْفُوفَةٌ مفروش بعضها في جنب بعض
وَزَرابِيُّ بسط أخر فاخرة متلونة مَبْثُوثَةٌ مبسوطة مفروشة وبالجملة لا تستبعدوا ولا تستغربوا عن قدرة الله أمثال هذا
أَ
стр. 1083
ينكرون ويستبعدون أولئك البعداء المنكرون المفرطون قدرة الله القادر الحكيم على أمثال هذه المقدورات فَلا يَنْظُرُونَ بنظر التأمل والاعتبار إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ على الهيكل الغريب والشكل العجيب تحمل كثيرا وتأكل قليلا وتصير منقادة لكل احد حتى النسوان والصبيان مع عظم جسمها وكمال قوتها وقدرتها وتتحمل على الجوع والعطش مدة وتتأثر من المودة والغرام وتسكر منها الى حيث تنقطع عن الأكل والشرب زمانا ممتدا وايضا قد تتأثر من الأصوات الحسنة والحدى وتصير من كمال التأثر الى حيث تهلك نفسها من سرعة الجري ويجرى الدمع من عينيها عشقا وغراما وشوقا اواما وبالجملة قد ظهر منها حين حدى عليها وصوت لها بأصوات حسنة ونغمات مستحسنة عجائب كثيرة يتفطن بها اهل العبر والاستبصار
وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ بلا عمد وأسانيد منثورة عليها الكواكب التي لا ندرك حقائقها وأوصافها وأشكالها وطبائعها ومالنا منها الا الحيرة والنظرة على وجه العبرة
وَكذا إِلَى الْجِبالِ الرواسي كَيْفَ نُصِبَتْ على وجه الأرض مشتملة على معادن ومياه وآجام
وَإِلَى الْأَرْضِ التي هي مقر انواع الحيوانات واصناف المعادن وانواع النباتات كَيْفَ سُطِحَتْ مهدت وبسطت ومع وضوح صدور أمثال هذه المقدورات العظيمة الشأن من الحكيم الحنان المنان ذي الطول والإحسان ينكرون قدرته سبحانه على المقدورات الاخر الاخروية فالعجب كل العجب ممن شهد وشاهد آثار القدرة الغالبة الإلهية في الأنفس والآفاق فتردد في المقدورات الاخروية وأنكر عليها ظلما وعدوانا وما ذلك الإنكار والإصرار الا من ظلمات الالف والعادات المترتبة على شياطين الأوهام والخيالات الباطلة الطارئة على اهل الغفلة والضلالة المسجونين في سجن الإمكان بأنواع الخيبة والخسران والا فظهور آثار القدرة الغالبة الإلهية أجل وأعلى من ان تتردد فيه الآراء وتنكر عليه الأهواء وبالجملة من لم يجعل الله له نورا فما له من نور وبعد ما سمعت ما سمعت من مقتضيات القدرة الغالبة الإلهية
فَذَكِّرْ يا أكمل الرسل بالقرآن حسب ما أمرت به وألهمت إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ مبلغ فلا بأس عليك ان لم ينظروا ولم يعتبروا بل ما عليك الا البلاغ فلا تقصر في تبليغك إذ
لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ مسلط ملزم مكره للقبول البتة
إِلَّا مَنْ تَوَلَّى يعنى لكن من اعرض وبغى بعد تذكيرك وتبليغك وَكَفَرَ وطغى بما سمع منك واستهزأ معك وكذبك
فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العزيز الحكيم المقتدر على وجوه الانتقام الْعَذابَ الْأَكْبَرَ الذي لا عذاب أعظم منه وأشد ألا وهو حرمانهم عن رتبة الخلافة وخلودهم في نار القطيعة بأنواع الخذلان والخسران وبالجملة بلغ يا أكمل الرسل جميع ما انزل إليك على كافة البرية ولا تبال باعراضهم وتكذيبهم
إِنَّ إِلَيْنا لا الى غيرنا من الوسائل والأسباب العادية إِيابَهُمْ ورجوعهم كما ان منا مبدأهم وصدورهم
ثُمَّ بعد ما رجعوا إلينا صاغرين إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ على أعمالهم التي صدرت عنهم في نشأة الاختبار جزيناهم احسن الجزاء ان كانوا من اصحاب اليمين وعذبناهم بأنواع العذاب والنكال ان كانوا من اصحاب الشمال. ربنا يسر حسابك علينا وادفع عذابك عنا انك أنت الرءوف الرحيم
خاتمة سورة الغاشية
عليك ايها المحمدي المتوجه نحو الحق الحقيق بالتوجه والرجوع ان ترجع الى الله قبل حلول الأجل المقدر للقيامة الصغرى والطامة الكبرى وتفوض أمورك كلها اليه سبحانه بالإرادة والرضا وتنتزع عن
стр. 1084
لوازم ناسوتك بالمرة ولا تلتفت الى مزخرفات الدنيا بل الى مستلذات العقبى ايضا ان كنت من أهل الله المؤمنين بلقاء الله والوصول الى كنف جواره وبالجملة عليك ان تتصف بالموت الإرادي قبل حلول الأجل الاضطراري الطبيعي حتى تكون أنت عند ربك دائما وفي كنف حفظه وجواره مستمرا بلا انتظار منك الى الطامة الكبرى والى الحساب والجزاء ولا يتيسر لك هذا الا بتوفيق الله وجذب من جانبه فلك السعى والاجتهاد والله الملهم للرشاد والهادي الى سبيل السداد
[سورة الفجر]
فاتحة سورة الفجر
لا يخفى على من ترقى عن حضيض الغفلة وغور الغرور الى ذروة المعرفة وأوج السرور ان الترفع من مضيق الناسوت والترقي نحو فضاء اللاهوت انما يحصل بالجذبة الغالبة الإلهية المفنية للقوى البهيمية المانعة عن مقتضياتها الطبيعية مطلقا المعطلة للوهم والخيال عن التصرف في عالم المثال الرادعة للعقل الفطري المنشعب من حضرة العلم الإلهي المقتبس من مشكاة لوح القضاء عن متابعة القوى الداركة البشرية وآلاتها وكذا عن سفارة الحواس الظاهرة والباطنة له ومعاونة الواهمة والمتخيلة اللتين هما من جنود إبليس الامارة بالسوء ولا شك ان هذا الترقي انما يتيسر بعد الموت الإرادي وبعد التبدل عن مقتضيات الأوصاف البشرية وحصوله انما هو بالميل الفطري المترتب على الرابطة المعنوية والعلقة الحقيقية التى هي مناط التكاليف الإلهية المثمرة لانواع المعارف والحقائق اللدنية المنتشئة عن صفاء مشرب التوحيد لذلك اقسم سبحانه بمسالك ارباب السلوك المهاجرين عن عالم الناسوت نحو فضاء اللاهوت منبها اصحاب اليقظة المترددين في بادية الطلب الساعين فيها لوجدان الارب وابتدأ بفلق صبح الانجلاء اللاهوتى فقال بعد ما تيمن بِسْمِ اللَّهِ المدبر لأمور عباده ليخرجهم من ظلمات الطبيعة الى نور الحقيقة الرَّحْمنِ عليهم بوضع التكاليف الشاقة القالعة لعرق الالف والعادة الموروثة لهم من مقتضيات عالم الناسوت الرَّحِيمِ لهم يميتهم بالموت الإرادي عن لوازم بشريتهم الزائلة الاركانية ولواحق هوياتهم الباطلة الامكانية
[الآيات]
وَالْفَجْرِ اى بحق انفلاق صبح السعادة الازلية المتنفس بالانفاس الرحمانية المتلألئ من سماء العماء وأفق العالم الأعلى اللاهوتى
وَلَيالٍ عَشْرٍ اى بحق ليالي الحواس العشر المقبلة الى الأدبار والانمحاء عند انجلاء الفجر اللاهوتى وضياء صبح العماء الذاتي وطلوع الفجر الجبروتى
وَالشَّفْعِ اى بحق رفع شفع الملوين وتجدد الجديدين وارتفاعهما عن العين وانمحائهما من البين وَالْوَتْرِ اى بحق الوجود الوحدانى المطلق المنزه عن التعدد والتكثر مطلقا في ذاته
وَاللَّيْلِ اى بحق ليل العدم المظلم في ذاته المرأة للوجود المطلق الذي يتراءى منه عموم كمالاته إِذا يَسْرِ وذهبت ظلمته بامتداد اظلال الوجود وشروق شمس الذات عليه
هَلْ يحتاج فِي ذلِكَ اى في كل واحد واحد من المقسمات العظيمة الشأن قَسَمٌ ويمين يؤكدها لِذِي حِجْرٍ وعقل فطري خالص عن شوب الوهم والخيال خال عن مزاحمة مطلق الالف والعادات الحاصلة من سلاسل الرسوم وأغلال التقليدات الناشئة من ظلمات الطبيعة وبالجملة قد اقسم سبحانه بهذه المقسمات الرفيعة القدر والمكان انه سبحانه يعذب اصحاب الزيغ والضلال المقيدين بسلاسل الحرص وأغلال الآمال في الدنيا بشهوات الإمكان وفي الآخرة بدركات النيران يعنى كفار مكة خذلهم الله
أَاستبعدت أنت ايضا يا أكمل الرسل تعذيبنا إياهم وانتقامنا عنهم ولَمْ تَرَ اى لم تعلم ولم تجزم بالتواتر
стр. 1085
الموجب للجزم واليقين كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ يعنى كيف أهلك عادا
إِرَمَ اسم لبنائهم وبلدتهم ذاتِ الْعِمادِ اى الأساطين الطوال شديدة الأساس رفيعة السمك عريضة الجدار
الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ ولم يوجد مِثْلُها اى مثل بنائهم وبلدتهم فِي الْبِلادِ في الاحكام والرفعة وانواع النزاهة واللطافة وهم قد كانوا اكثر الناس أعمارا واولادا وأموالا وأتمهم جاها وثروة بأضعاف هؤلاء المسرفين المفسدين فاهلكهم سبحانه واستأصلهم بالمرة بعد ما افرطوا في أطوارهم الخارجة عن حد الاعتدال
وَثَمُودَ يعنى كيف فعل ربك مع ثمود المردود ايضا ما فعل من الهلاك والإهلاك مع انهم هم البطرون المفرطون الَّذِينَ جابُوا قطعوا ونقبوا الصَّخْرَ اى صخور الجبال بِالْوادِ اى بواد القرى واتخذوا فيها بلادا حصينة منيعة من شدة قدرتهم وقوتهم ومع ذلك قد اهلكهم سبحانه
وَكيف فعل مع فِرْعَوْنَ الطاغي الباغي ذِي الْأَوْتادِ اى ذي العسكر الكثير المشتمل على المضارب والخيام المشتملة على الأوتاد والاطناب وهؤلاء المذكورون هم
الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ وقد استكبروا على ضعفاء العباد اتكالا واتكاء على ما عندهم من المال والجاه والثروة والسيادة
فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ والإفساد
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ اى نوعا من العذاب كأنه يصب عليهم ويمطر كالماء من السحاب وهو كناية عن ترادف موجبات الهلاك وتتابعها وبالجملة قد اهلكهم الله جميعا باشد العذاب وأفظعه. ثم قال سبحانه مخاطبا لحبيبه ﷺ منبها له على كمال قدرته على الانتقام من عصاة عباده
إِنَّ رَبَّكَ الذي رباك يا أكمل الرسل على كمال المعرفة واليقين لَبِالْمِرْصادِ اى مراقب محافظ لطرق عباده يرقبهم سبحانه كيف يسلكون نحوه هل هم في سبيل الضلال والفساد او في طريق الهداية والرشاد مع ان الكل مجبولون على فطرة التوحيد لكن الحكمة الإلهية تقتضي الابتلاء والاختبار
فَأَمَّا الْإِنْسانُ المذبذب بين الإحسان والكفران إِذا مَا ابْتَلاهُ اختبره وجربه رَبُّهُ بالغنى واليسر فَأَكْرَمَهُ بالجاه والثروة وَنَعَّمَهُ بالأموال والأولاد فَيَقُولُ شكرا لما وصل اليه من النعم ومقتضيات الكرم رَبِّي أَكْرَمَنِ وتفضل على بما أعطاني من الخير والحسنى
وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ ربه بالفقر والعسر فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ وقصر على قدر كفايته وحاجته وقوت يومه بحيث لم يزد على مؤنة معاشه فَيَقُولُ مشتكيا الى الله باثا شكواه عنده سبحانه رَبِّي أَهانَنِ وأذلني حيث لم يعط لي ما اعطى وأنعم لفلان وفلان تفضلا وإحسانا مع ان الفقر خير له من الغنى إذ الفقر لو اقترن بالتسليم والرضا لأدى صاحبه الى جنة المأوى وملك لا يبلى والغناء لو لم يقترن بالشكر والانفاق والإحسان لأدى صاحبه الى دركات الجحيم واودية النيران. ثم قال سبحانه
كَلَّا ردعا له عن هذا الاعتقاد بان الكرامة باليسرى والتوسعة والاهانة بالفقد والفقر بَلْ الكرامة بالإنفاق والإطعام لفقراء الله طلبا لمرضاته وأنتم ايها الأغنياء الممسكون لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ولا تتفقدونه بالنفقة والكسوة
وَلا تَحَاضُّونَ اى لا تأمرون غيركم ايضا عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ او إطعامه
وَمع ذلك الشح والبخل أنتم ايها الأغنياء تَأْكُلُونَ التُّراثَ اى ميراث الأيتام التي هي اخطر المحظورات وأخسها واخبثها أَكْلًا لَمًّا اى اكلا على سبيل الجمع بين سهامكم وسهام الأيتام بان تأخذوا وتخزنوا أموالهم لتحفظوا حالهم وتزيدوها لأجلهم فتأكلوا منها ومن نمائها دائما
وَما سبب ذلك الا انكم تُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا كثيرا مع حرص
стр. 1086
شديد وامل كامل ولا تطعمون الفقراء والمساكين خوفا من نفاده. ثم قال سبحانه
كَلَّا ردعا لهم عما هم عليه من حب المال والخلط بين الحلال والحرام يعنى كيف تؤدون ايها البخلاء الممسكون حسابها وقت إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ اى كسرت واستوت فصارت دَكًّا دَكًّا وهباء منبثا
وَجاءَ يومئذ رَبُّكَ يا أكمل الرسل اى امره وظهرت طلائع هيبته وآثار قهره وجلاله وَصف الْمَلَكُ اى الملائكة الموكلون من عنده سبحانه المأمورون لتنقيد اعمال العباد والحساب والسؤال صَفًّا صَفًّا اى صفا بعد صف بما يؤمرون من قبل الحق
وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ اى قد أحضرت وهيأت تهويلا على أصحابها وتفظيعا وبالجملة يَوْمَئِذٍ اى يوم القيامة التي ظهرت فيها هذه الآثار يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ المجبول على السهو والنسيان المبادر على الكفر والكفران معاصيه وقول من كان يمنعه ويزجره عنها وينذره منها فيتندم عليها ويتأسف وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى اى من أين ينفعه التذكر والذكر حينئذ والتندم والتلهف إذ نشأة التلافي والتدارك قد انقضت ومضت وبعد ما قد جزم الإنسان انه لا نفع يومئذ لتذكرة
يَقُولُ متمنيا على سبيل الحسرة والندامة يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ في نشأة الاعتبار والاختبار لِحَياتِي ونجاتي في هذا اليوم وبالجملة
فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ اى لا يعذب احد من الزبانية إياه مثل ما عذبه هو نفسه بالحسرة والندامة وانواع الكربة والكآبة والحرمان والخذلان
وَلا يُوثِقُ ولا يحكم وَثاقَهُ ونكاله ايضا أَحَدٌ مثل ما أوثقه وأحكمه هو على نفسه بأنواع الخيبة والخسران واصناف القطيعة والحرمان إذ العذاب الروحاني الطارئ من الندامة والخذلان لا تقاس شدة تأثيره بسائر العذاب الجسماني. ثم أشار سبحانه الى حسن احوال ارباب العناية والكرامة يومئذ من المؤمنين الذين تزودوا في النشأة الاولى للأخرى واتصفوا بالتقوى ولم يعصوا في مدة اعمارهم للمولى ولم يتبعوا الهوى بل اطمأنوا ووطنوا نفوسهم بما جرى عليهم من مقتضيات القضاء وبالجملة لم يضطربوا مطلقا لا في السراء ولا في الضراء ولم يبالوا لا بالشدة ولا بالرخاء بل قد كان في دار الدنيا قرينهم الرضاء بعموم ما جرى عليهم من القضاء لذلك يقال لهم من قبل الحق يومئذ على سبيل التبشير
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ويا اصحاب النفوس الزاكية والقلوب الصافية المتقررة المتمكنة في مقام التسليم والرضا
ارْجِعِي إِلى كنف رَبِّكِ واصعدي على الطريق الذي قد هبطت عنه راضِيَةً متصفة بالرضاء كما كنت راضية بالقضاء في النشأة الاولى مَرْضِيَّةً مقبولة مكرمة عند المولى وبعد ما قد رجعت على الوجه المذكور
فَادْخُلِي فِي زمرة عِبادِي الذين وصلوا الى كنف جواري وحصلوا في مقعد الصدق لدى
وَبالجملة ادْخُلِي جَنَّتِي اى جنة وحدتي واستريحى في خلدة لاهوتي. جعلنا الله ممن خوطب بهذا الخطاب المستطاب انه هو الملهم للصواب وعنده حسن المآب
خاتمة سورة الفجر
عليك ايها الموحد المترقب لهذا النداء والمحب المترصد لسماع هذا الصداء ان تكون في عموم أوقاتك على حضور مع ربك بحيث لا يشغلك عنه سبحانه الالتفات الى غيره مطلقا من الميل الى الدنيا وآمالها وأمانيها وعموم ما فيها بل لك ان تكون مطمئنا راضيا بعموم ما جرى عليك من
стр. 1087
القضاء ومفوضا أمورك كلها اليه سبحانه على وجه التسليم والرضا متوجها بالعزيمة الخالصة نحو المولى حتى تكون مخاطبا بهذا الخطاب المستطاب في كل نفس من أنفاسك التي جرت عليك في عموم افعالك وحالاتك وبالجملة لا تغفل عن الله مطلقا تفز بتشريف أمثال هذه الخطابات العلية والكرامات السنية من الحق. جعلنا الله من زمرة المستيقظين المطمئنين بمنه وجوده
[سورة البلد]
فاتحة سورة البلد
لا يخفى على من وصل الى مقام القلب الذي هو عبارة عن البيت الحرام الحقيقي والكعبة المعنوية التي قد دحيت وبسطت من تحتها أراضي مطلق الاستعدادات وعموم القابليات وتوجهت نحوها زوار القوى والآلات من كل فج عميق ومرمى سحيق من بوادي الإمكان واودية الطبائع والأركان ان من وصل اليه وعكف حول بابه وتشرف بطوافه ووقف بين يدي الله ناويا الموت الإرادي محرما عن لوازم الطبيعة ومقتضيات الإمكان من ميقات الطلب والارادة الصادقة مغتسلا بزمزم التوبة والانابة تائبا عن الالتفات الى مطلق السوى والأغيار متجردا عن ثياب الغفلة وجلباب الاغترار ساعيا بين صفاء المحبة ومروة المودة الإلهية بكمال الشوق والذوق متوجها للوقوف الى عرفات اللاهوت متعريا عن عوارض عالم الناسوت ذابحا كبش نفسه تقربا الى الحي الذي لا يموت منخلعا عن جلباب البدن ولوازمه في منا الفناء معاملا مع الله في سوق البقاء طالبا لربح اللقاء حل له ان يقاتل عند الحرم الإلهي جنود الامارة وكفار القوى والآلات المانعة عن الوصول الى كعبة الذات وعن الوقوف عند عرفات الأسماء والصفات الى ان يغلب عليهم ويهلكهم ويصفى البيت العتيق الإلهي الذي هو عبارة عن قلب العارف الكامل عن أصنام مطلق الأحلام وأوثان عموم الأماني والآمال الحاصلة من الخيالات والأوهام لذلك رخص سبحانه لحبيبه ﷺ القتال في حرم مكة شرفها الله مع ان الحرمة فيها مؤبدة فقال بعد ما تيمن بِسْمِ اللَّهِ الذي اختار لنفسه بيتا صوريا ليكون قبلة لأصحاب الصورة وبيتا معنويا ليكون وجهة لأرباب القلوب الصافية الرَّحْمنِ لعباده حيث يدعوهم الى كعبة المقصود الرَّحِيمِ لهم يوصلهم الى عرفات الوحدة وبيت معمور الوجود
[الآيات]
لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ الذي هو كعبة آمال ارباب الارادة والطلب ألا وهو السواد الأعظم اللاهوتى إذ لا حاجة في ثبوته ووضوحه الى القسم بالنسبة الى ارباب المعرفة واليقين بل اقسم لأصحاب الغفلة والضلال بهذا البلد يعنى مكة شرفها الله التي قد وضعت بيتا حراما لا يحل لاحد ان يفعل فيها شيأ من المحظورات والمباحات سيما القتل والصيد
وَمن جملة خواصك التي قد اصطفيناك وميزناك بها عن سائر الناس يا أكمل الرسل هي انه أَنْتَ حِلٌّ يعنى أنت لجمعك وكمال جامعيتك وحيازة مرتبتك عموم المراتب مستحل للتعرض خاصة القتل والأسر في الحرم بين عموم الناس لمزيد فضيلتك ومنزلتك عند الله وزيادة خصوصيتك بِهذَا الْبَلَدِ الذي حرم على عموم العباد وانما أحل لك ايضا ما أحل في ساعة من نهار لا أزيد منها وبعد تلك الساعة يحرم لك ايضا
وَوالِدٍ اى اقسم ايضا بالوالد الذي هو عبارة عن حقيقة آدم الصفي ﵇ حسب ثبوته في فضاء عالم اللاهوت وَما وَلَدَ منه في عالم اللاهوت وما ولد منه في عالم الطبيعة بعد هبوطها الى مضيق الناسوت وبالجملة بحق هذه المقسمات العظام
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ اى أظهرنا نشأة ناسوته مغمورا فِي كَبَدٍ تعب ومشقة كثيرة شاغلة لعموم حواسه ومداركه
стр. 1088
بحيث يستوعب ويحيط بجميع القوى والآلات حوائج المعاش وأسبابه فاشتغل عن الله بسبب ذلك وترك امر معاده ايضا بواسطته فأخذ في كسب الأموال وجمع الحطام والآثام المبعدة عن الحكيم العلام فصار من غاية استغراقه بالدنيا قد نسى العقبى وزلت نعله عن طريق المولى لذلك كذب وتولى واستكبر واستولى واستظهر بأمواله وأولاده واستعلى وترقى امره في الغفلة والغرور الى ان طغى على الله وبغى على عباده وظن انه لا يغلب ولا يعلى عليه. كما قال سبحانه مقرعا عليه مسفها له مستفهما
أَيَحْسَبُ الإنسان المجبول على الكفران والنسيان أَنْ لَنْ يَقْدِرَ اى انه لن يستطيع عَلَيْهِ أَحَدٌ فينتقم منه او يأخذه على ما صدر عنه من العتو والعناد ومن كمال بطره وغروره ومفاخرته على بنى نوعه
يَقُولُ على سبيل الرعونة والخيلاء والسمعة والرياء قد أَهْلَكْتُ وأنفقت في سبيل الله مالًا لُبَداً مالا كثيرا ملبدا منضدا مجتمعا متراكما
أَيَحْسَبُ ويعتقد ذلك الأحمق المباهي أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ اى انه لم يعلم الله إنفاقه ونيته فيه واعتقاده عليه وإبطاله بالمن والأذى كيف يتأتى له انكار اطلاعنا عليه وعلى ما صدر عنه
أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ ولم نظهر في جسده حين صورناه حسب حولنا وقوتنا وكمال قدرتنا عَيْنَيْنِ ليبصر بهما عجائب صنعتنا وغرائب حكمتنا
وَايضا ألم نجعل له لِساناً ليعرب ويترجم به عموم ما يدور في خلده وَشَفَتَيْنِ معينين على التكلم والاعراب على وجه الإفصاح والتوضيح
وَبالجملة قد هَدَيْناهُ بإعطاء هذه النعم العظام النَّجْدَيْنِ اى طريقي الخير والشر والهداية والضلالة واختبرناه بهما وابتليناه بانه أى طريق يختار لنفسه بعد ما وفقناه لكليهما ونبهناه عليهما وبعد ما أعطيناه ما أعطيناه وهديناه بما هديناه
فَلَا اقْتَحَمَ وما دخل الإنسان المجبول على الكفران والنسيان الْعَقَبَةَ الكؤدة الوعرة على نفسه الشاقة لها حتى يؤدى شكر ما أعطيناه ثم ابهمها سبحانه تعظيما وتفخيما فقال
وَما أَدْراكَ ايها المغرور بالحياة المستعارة الدنياوية ولوازمها مَا الْعَقَبَةُ الكؤدة في طريق اهل الايمان والعرفان ثم بينها بقوله
فَكُّ رَقَبَةٍ اى العقبة الكؤدة عبارة عن فك الرقبة المملوكة للنفس الامارة عن رقية الأماني والآمال الطوال
أَوْ العقبة الكؤدة إِطْعامٌ لفقراء الله وعجزة عباده فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ اى حاجة شديدة وجوع مفرط
يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ اى له رحم وقرابة الى المطعم
أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ قد اسكنه الفقر واغبره في تراب المذلة والصغار
ثُمَّ بعد ما اقدم على اقتحام العقبة المذكورة قد كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بالله وأيقنوا ان ما في يدهم لله ومن مال الله وهم منفقون باقدار الله لعيال الله في سبيل الله وَمع ايمانهم بالله واتصافهم بالأعمال الصالحة المؤكدة لإيمانهم قد تَواصَوْا بينهم اى اوصى بعضهم بعضا بِالصَّبْرِ على مشاق التكاليف الإلهية ومتاعب الطاعات المأمور بها لهم وَكذلك تَواصَوْا بينهم بِالْمَرْحَمَةِ والشفقة على عباد الله وتعظيمهم والتحنن نحوهم والإحسان معهم ولو بكلمة طيبة وبالجملة
أُولئِكَ الموصوفون بهذه الكرامة العظمى أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ عند الله اى ذوو اليمن والكرامة وانواع اللطف وأعلى الدرجات والمقامات. ثم قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة في كتابه
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وكذبوا بِآياتِنا الدالة على عظمة ذاتنا وكمالات أسمائنا وصفاتنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ اى ذوو الملامة والندامة المأخوذون بشؤم كفرهم ومعاصيهم المجزيون بفواسد ما اقترفوا من الجرائم والآثام لذلك
عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ مطبقة مغلقة مكتوبة محفوفة بحيث لا يمكنهم التنفس فيها أصلا لكونهم
стр. 1089
منهمكين في النشأة الاولى في لوازم الإمكان بحيث لا يمكنهم التنفس من لوازمها ومقتضاها أصلا. نعوذ بك من النار ومما قرب إليها يا غفار
خاتمة سورة البلد
عليك ايها المترقب للكرامة الإلهية والسعادة الابدية يسر الله لك طريق الوصول إليها ان تتصف بصوالح الأعمال وتجتنب عن فواسدها وتكتسب الأخلاق المرضية المقربة الى الله المبعدة عن شآمة اصحاب الزيغ والضلال المنهمكين في بحر الغفلة بأنواع الشهوات واللذات البهيمية والوهمية الفانية العائقة عن الوصول الى اللذات الروحانية الباقية وإياك إياك الاختلاط مع ارباب الثروة المفتخرين بالمال والجاه والمتصفين بالنخوة الحاصلة منهما فان صحبتك معهم تزل قدمك عن منهج التوكل وتميل قلبك عن الرضا والتسليم. ثبت أقدامنا على جادة توحيدك يا ذا القوة المتين
[سورة الشمس]
فاتحة سورة الشمس
لا يخفى على من انكشف بوحدة الوجود وسريان شمس الذات على صفائح ذوات المظاهر والمجالى الإلهية الفائتة للحصر والإحصاء ان انبساط الحق وظهور الوجود انما هو على مقتضى الجود الإلهي وحسب اقتضاء رقائق الأسماء الإلهية والصفات الكاملة المندرجة فيه للظهور والجلاء بمقتضى الحب الذاتي المنبعث من التجلي الجمالي المتجددة على شئون متنوعة واطوار شتى لذلك أقسم سبحانه بكليات الأطوار وابتدأ بظهور شمس الذات الاحدية التي هي ينبوع بحر الوجود فقال بعد ما تيمن بِسْمِ اللَّهِ المنزه عن الظهور والبطون بحسب ذاته الرَّحْمنِ بإظهار كمالات أسمائه وصفاته حسب بسطه الرَّحِيمِ باخفائها في وحدة ذاته حسب قبضته
[الآيات]
وَالشَّمْسِ اى بحق شمس الذات الاحدية المتلألئة المتجلية من سماء عالم العماء وافق فضاء اللاهوت وَبحق ضُحاها المنبسطة على مرآة العدم القابلة لانعكاسها
وَبحق الْقَمَرِ اى الوجود الإضافي الكلى المحيط على مطلق العكوس والاظلال المنعكسة من مرآة العدم التي هي عبارة عن سراب العالم عينا وشهادة إِذا تَلاها اى تبعها ولحقها اى شمس الذات في الاحاطة والشمول
وَالنَّهارِ اى بحق نشأة الظهور والبروز المنعكسة من عالم الأسماء والصفات إِذا جَلَّاها اى شمس الذات وفصلت آثار أسمائها وصفاتها الكامنة فيها على صفحات الكائنات
وَاللَّيْلِ اى نشأة البطون والخفأ المنعكسة عن عالم العماء وعن السواد الأعظم الذي قد اضمحلت دونه نقوش عموم الكثرات مطلقا وتلاشت آثار الأسماء والصفات جملة لكمال تشعشعها وبريقها ولمعانها المفرطة المسقطة للشعور والإدراك مطلقا ولهذا سمى مرتبة العماء بالسواد الأعظم
إِذا يَغْشاها حيث خفيت شمس الظهور من افراط النور ومن كمال تشعشعها ولمعانها في البريق والظهور
وَالسَّماءِ اى سماء الأسماء والصفات المزينة بنجوم الآثار والشئون الإلهية المتفرعة عليها وَما بَناها وأظهرها من التجليات الحبية الجمالية والجلالية
وَالْأَرْضِ اى استعدادات القوابل السفلية القابلة لانعكاس آثار العلويات وَما طَحاها ونشرها من الآثار المترتبة المتفرعة على الصفات الفعالة الإلهية
وَنَفْسٍ اى روح فائض من عالم الأسماء والصفات على هياكل المسميات المحسوسة وقوابل العلويات والسفليات المدركة ليستفيد كل منها بتذكر الموطن الأصلي والنشأة الجبلي وَما سَوَّاها اى عدلها
стр. 1090
وركبها ممتزجة من الآثار العلوية والسفلية وبعد ما سواها وعدلها كذلك
فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها على مقتضى ما أودع فيها من الآثار العلوية والسفلية وخصص اللاهوت والناسوت ثم كلفها ليتميز المحق من المبطل والضال من الهادي والمؤمن من الكافر تتميما للحكمة المتقنة البالغة الإلهية وإظهارا للقدرة الكاملة. ثم قال سبحانه مجيبا لهذه المقسمات المذكورة على سبيل الكناية والتنبيه
قَدْ أَفْلَحَ وفاز عند الله بالدرجات العلية والمقامات السنية مَنْ زَكَّاها اى من طهر نفسه عن الرذائل السفلية ومقتضياتها الامكانية وأمانيها الدنية الدنياوية
وَقَدْ خابَ خسر وهلك مَنْ دَسَّاها ونقص عن كمالاتها واضلها عنها حيث حملها على اقتراف انواع المعاصي والآثام المترتبة على سفليات الطبائع والهيولى ورذائل الإمكان المورث لهم انواع الخيبة والخسران واصناف الحرمان والخذلان لذلك
كَذَّبَتْ ثَمُودُ المبالغ في إهلاك النفس وتضليلها وتغريرها بمن أرسل إليها وامر لإرشادها حين انحرفت عن جادة العدالة بِطَغْواها اى بسبب طغيانها وتغليبها حظوظ السفليات على حظوظ العلويات وبعدوان القوى الامارة على جنود المطمئنة وبانقهار نشآت اللاهوت بغلبة مقتضيات الناسوت وذلك انهم قد بالغوا في العتو والعناد والتكذيب والإفساد سيما وقت
إِذِ انْبَعَثَ اى قام واقدم مسرعا أَشْقاها اى أشقى القبيلة واردؤها واضلها عن طريق الحق وهو قدار بن سالف الى عقر الناقة المعهودة المخصوصة المحفوظة بالوصية الإلهية وبعد تصميم العزم اى العقر
فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ باذن الله ووحيه وهو صالح ﵇ على مقتضى شفقة النبوة ذروا ناقَةَ اللَّهِ واحذروا عن عقرها وَبالجملة لا تمسوها بسوء مطلقا فيأخذكم عذاب عظيم اى لا تعرضوا لها وذروا أيضا لها سُقْياها التي قد عينها الله حسب حكمته ومصلحته ولا تذبوها عن الماء والكلأ
فَكَذَّبُوهُ ولم يقبلوا قوله ونصحه واجتمعوا على عقرها فَعَقَرُوها فخرج الرسول من بينهم خوفا من حلول عذاب الله عليهم وسطوة قهره وجلاله وبعد ما ارتكبوا المنهي المحظور فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ اى أطبق عليهم الصيحة الهائلة فاهلكهم بها بالمرة بِذَنْبِهِمْ الذي صدر عنهم وهو تكذيب الرسول المرشد لهم من قبل الحق فَسَوَّاها اى سوى البلاء على تلك القبيلة وأعمه عليهم وأشمله بحيث لا ينجو منهم احد وبالجملة قد اقدم العاقر اللعين على عقرها واتفقوا معه
وَلا يَخافُ لا هو ولا هم عُقْباها اى ما يعقب عقرها ويتبعه وما يترتب عليه من انواع البلاء والمصيبة والعناء مع ان الرسول قد أخبرهم بها وحذرهم عنها فكذبوه واستهزؤا به لذلك لحقهم ما لحقهم بشؤم أعمالهم الفاسدة. نعوذ بك يا ذا اللطف والجلال من سيئات الأعمال وتشتت الأحوال وتفاقم الأهوال
خاتمة سورة الشمس
عليك ايها الطالب للفلاح الأبدي والصلاح السرمدي المترتب على العناية الإلهية وفضله ان تصفى نفسك عن مقتضيات الإمكان وظلمات الهيولى والأركان حتى تأمن أنت عن طغيانها وعدوانها فعليك ان تحليها بالمعارف والحقائق الإلهية ومحاسن الشيم والأعمال والأخلاق المرضية الموجبة لفيضان لوامع الكشف والشهود المخلص عن مطلق القيود المنافية لصرافة اطلاق الوحدة الذاتية المسقطة لعموم الكثرات المتفرعة على مطلق الإضافات الطارئة على التعينات العدمية. وفقنا الله لتخلية النفس عن مطلق الرذائل وتحليتها بمحاسن الشيم والخصائل
следующие страницы →