← Тафсир

Тафсир · id 23624

الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية

النخجواني

Полный текст (1 120 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

نَبِيًّا مِنَ زمرة الأنبياء الصَّالِحِينَ لتبليغ احكام الله الى عباده وهدايتهم الى جنابه ثم لما سمع زكريا من الملائكة ما سمع من البشارة قالَ متحسرا مستبعدا حصول الولد منه لكونه على خلاف جرى العادة مناجيا مع ربه على سبيل التأسف رَبِّ يا من رباني بنعمك الى كبر سنى أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ اى من اين يحصل لي ولد منى في كبر سنى وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ غايته وَالحال ان امْرَأَتِي عاقِرٌ عقيم ذات عقر من الأولاد في اصل الخلقة ومع ذلك كبيرة اليوم لا ترجى منها الولادة وبعد ما قد بث الشكوى نحو الحق متحسرا متأسفا قالَ له جبريل بوحي الله إياه لا تستبعد من كمال قدرة الله أمثال هذا فانه سبحانه كَذلِكَ يخلق عموم ما يشاء سبحانه بلا سبب يوافق العادة إذ اللَّهُ المقتدر المختار يَفْعَلُ ويوجد ما يَشاءُ من الموجودات ابداعا واختراعا بلا سبق مادة ومدة واسباب عادية فلك ان ترفع غشاوة الأسباب الحاجبة عن البين وتنسب ما جرى في ملكه اليه سبحانه بلا رؤية الوسائط والأسباب إذ لا حجاب عند اولى الألباب بل كل ما صدر عنه لا يتوقف على شيء من سوابقه ولا يتوقف عليه شيء من لواحقه عند اولى البصائر الناظرين بنور الله في تجددات تجليات الوجود الإلهي ثم لما تفطن زكريا ﵇ من هذا الكلام ما تفطن قالَ مستسرعا مستنشطا رَبِّ يا من رباني بأنواع اللطف والكرم اجْعَلْ لِي بفضلك آيَةً امارة وعلامة اعرف بها الحمل والحبل ليفرح بها قلبي وأخلص عن التردد والانتظار قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ اى أنت لا تطيق التكلم معهم لعدم مساعدة آلاتك عليه مدة ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ولا تعلمهم حوائجك إِلَّا رَمْزاً اشارة بيد ورأس وغير ذلك وَبعد ما حبست نفسك عن التكلم والتنطق اذْكُرْ رَبَّكَ في نفسك ذكرا كَثِيراً وَسَبِّحْ اى نزه ربك عن مطلق النقائص تسبيحا مقرونا بِالْعَشِيِّ اى جميع أجزاء الليل وَالْإِبْكارِ اى جميع أجزاء النهار لتستوعب أنت جميع أوقاتك وآنائك بتسبيحه. من هذا تفطن العارف ان الداعي المناجى الى الله المستجيب من لدنه سبحانه لا بد له ان يفرغ قلبه عن غير الله ويستوعب أوقاته بذكره بل يكل لسانه عن ذكر الغير مطلقا حتى يفوز بمطلوبه ويجيب له بفضله وطوله وَاذكر يا أكمل الرسل لمن تبعك من مدائح آل عمران واصطفاء الله إياهم سيما وقت إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ بأمر الله ووحيه لمريم رضى الله عنها ملهمين لها منادين على سرها أبشري يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ الذي أظهرك من كتم العدم ورباك بأنواع اللطف والكرم قد اصْطَفاكِ واختارك لخدمة بيته مع انه لم يعهد اختيار النساء للخدمة وَطَهَّرَكِ بفضله عن مطلق الخبائث والأدناس العارضة للنسوان وَاصْطَفاكِ اى قد خصصك وفضلك بهاتين الخصلتين الحميدتين عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ وانما خصها سبحانه بما خصها لتكون آية ومقدمة لعموم ما يترتب على وجودها ويظهر منها من البدائع التي قد اودعها الله في نفسها من حملها بلا مباشرة احد بل بمجرد كلمة ملقاة من عنده وإرهاصات ومعجزات صدرت منها ومن ابنها بحيث لم يظهر مثلها من الرسل والأنبياء ثم لما أخبرت الملائكة إياها باصطفائه سبحانه نادتها الملائكة ثانيا بأمر الله ايضا تعليما لها التوجه والرجوع الى الله على وجه الخضوع والتذلل والإخبات والخشوع يا مَرْيَمُ المختارة المقبولة عند الله اقْنُتِي اى توجهي وتضرعي لِرَبِّكِ الذي رباك بلطفه وقبلك نذيرة من أمك واصطفاك على نساء العالمين بأنواع الفضائل شكرا لما تفضل عليك وَاسْجُدِي تذللي واخضعى ملقية جباهك على تراب المذلة والهوان

стр. 107

لأداء شيء من حقه وَارْكَعِي دائما لخدمة بيته وتطهيره من الأوساخ والأدناس مَعَ الرَّاكِعِينَ المحررين المنحنين قامتهم دائما على خدمة الله وخدمة بيته ذلِكَ المذكور من اصطفاء الله آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران ولا سيما قصة مريم وابنه وامه وزكريا وزوجته وابنه مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ اى من جملة الاخبار المغيبة المجهولة عندك نُوحِيهِ إِلَيْكَ يا أكمل الرسل تفضلا وامتنانا لك مع خلاء خاطرك وضميرك عنها ولا معلم لك سوى الوحى والإلهام منا مع كونك اميا عاريا عن مطالعة القصص والتواريخ وَالحال انك بهويتك وشخصك ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ وقت إِذْ يُلْقُونَ اى الأحبار أَقْلامَهُمْ للاقتراع في انهم أَيُّهُمْ يَكْفُلُ ويحفظ مَرْيَمَ وَايضا ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ وقت إِذْ يَخْتَصِمُونَ في أمرها وحفظها وانما نوحيه ونلهمه إليك يا أكمل الرسل لتكون آية لك في صدق دعواك النبوة والرسالة والإنكار على أمثال هذه الاخبارات والانباآت الصادرة عن الأنبياء والأولياء المستندة الى محض الإلهام والوحى النازل من عند العليم العلام انما ينشأ من العقل القاصر المموه بالوهم المزخرف والخيال الباطل المضل عن طريق الكشف واليقين والا فمن صفا عقله المفاض له من حضرة العلم المحيط الإلهي عن كدورات الوهم والخيال وانكشفت سريرة سره بسرائر الأقوال واسرار الأحوال ومرموزات الاحكام والأفعال ظهر عنده بلا سترة وحجاب ان من النفوس البشرية من تترقى في هذه النشأة عن عالم الشهادة الى عالم الغيب المطلق واتصلت بالمبادى العلية التي هي الصفات الإلهية بحيث قد اضمحلت حصة ناسوتها بالمرة وغلبته الحصة اللاهوتية عليها وحينئذ ظهرت منها بامداد الحضرة العلية العلمية الإلهية واردات غيبية ومكاشفات قلبية وملاحظات سرية ومشاهدات عينية بعضها متعلق بعالم الغيب وبعضها بالشهادة كالاخبار عن الوقائع الماضية والآتية كما نسمع ونشاهد أمثال ذلك من بعض بدلاء الزمان ادام الله بركته على مفارق اهل اليقين والعرفان في حالتي قبضه وبسطه كلمات وحكايات متعلقة بوقائع وقعت في البلاد النائية ونحن نجزم بوعها كما نسمع ونعلم ايضا جزما انه حاضر عند وقوعها وايضا نجزم بانه لم يسمع من احد قط لانسلاخه عن مطلق الاستخبار والاستفسار على الوجه المتعارف بين الناس ونسمع ايضا منه مد الله ظله أحوالا ووقائع قد جرت بيننا وبينه بمدة متطاولة وزمان ممتد قد يستحضرها في خلواته ويتلفظ بها على وجهها بلا فوت دقيقة وشوب شائبة ونحن إذا راجعنا وجداننا لم نستحضر الأمور التي جرت علينا في يومنا بل في ساعتنا هذه بلا فوت شيء منها وبالجملة وقوع أمثال ذلك منه مد ظله اكثر من ان تحصى. ومن له ادنى بصيرة وايمان كامل ويقين صادق بطريق الكشف والإلهام والوحى الإلهي لا يشتبه عليه أمثال ذلك الانباآت والاخبارات سيما من الأنبياء والرسل الكرام سيما من أفضلهم واكملهم صلوات الله عليه وعليهم أصلا بل يعلم يقينا ان الحكمة والمصلحة في اظهار نوع الإنسان على صورة الرّحمن وإرسال الرسل وإنزال الكتب عليهم انما هي لهذا التفطن والتنبه غاية ما في الباب انه من لم يجعل الله له نورا فما له من نور. اذكر ايضا يا أكمل الرسل لمن تبعك من مدائح مريم وعيسى وقت إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ منادين على سرها مبشرين لها مخاطبين إياها يا مَرْيَمُ المختارة المصطفاة إِنَّ اللَّهَ المتفضل عليك بأنواع اللطف والكرم يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ صادرة مِنْهُ مكونة لك منك ابنا بلا أب إظهارا لكمال قدرته ليكون إرهاصا لك معجزة لابنك اسْمُهُ المعروف النازل عليه من عنده سبحانه الْمَسِيحُ لفظ سرياني معناه المبارك لأنه سبحانه بارك عليه وكثر

стр. 108

الخير بسببه على عموم البرايا وعلمه الشخصي بين الأنام عِيسَى وهو من الأعلام العجمية وكنيته ابْنُ مَرْيَمَ إذ لا أب له حتى يكنى به وهو مع كونه بلا أب وَجِيهاً مشهورا معروفا مرجعا للأنام فِي الدُّنْيا بالنبوة والرسالة يتوجه اليه الناس في امور معاشهم ومعادهم وَفي الْآخِرَةِ ايضا لرجوعهم اليه للشفاعة وَكيف لا يشفع هو للعصاة مع كونه مِنَ الْمُقَرَّبِينَ عند الله وَعلامة تقربه انه يُكَلِّمُ النَّاسَ بما يتعلق بأمور الدين والدنيا حال كونه طفلا فِي الْمَهْدِ وَحال كونه كَهْلًا على منوال واحد بلا تفاوت زيادة ونقصان وبالجملة لنجابة عرقه في حالتي الكهولة وَالطفولة مِنَ الصَّالِحِينَ للرسالة والنبوة فلما سمعت مريم ما سمعت تضرعت الى ربها واشتكت حيث قالَتْ رَبِّ يا من رباني بالستر والصلاح والعبادة والفلاح أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ اى من اين يحصل لي ولد وَأنت تعلم يا ربي انى لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ومن سنتك ظهور الولد بعد مباشرة الفحل قالَ سبحانه إشفاقا لها وازالة لتشكيها كَذلِكِ اى مثل ايلادك بلا مساس احد وجود جميع الأشياء الظاهرة من كتم العدم ظهورا إبداعيا اللَّهُ يَخْلُقُ ويظهر بقدرته الكاملة جميع ما يَشاءُ بلا سبق مادة ومدة بل إِذا قَضى وأراد سبحانه أَمْراً من الأمور الثابتة في حضرة علمه فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ تنفيذا لقضائه مجرد كلمة كُنْ فَيَكُونُ ويوجد بلا تراخ ومهلة وبلا توقف على شرط وارتفاع مانع وحالك التي أنت تتعجبين منها وتستبعدين وقوعها من هذا القبيل ولا تخافي ولا تحزني من التهمة والتعيير والتشنيع والفضيحة إذ لابنك خصائص ومعجزات قد رفعت عنك جميع ما يشينك ويعيبك إذ لا يشتبه على ذي فطنة ان ولد الزنا لا يتصف بأمثال هذه الخصال العلية والخوارق السنية وَمن جملتها انه يُعَلِّمُهُ سبحانه من لدنه بلا تعليم احد من بنى نوعه الْكِتابَ اى العلوم المتعلقة بالشرائع والتدابير الملكية الشهادية وَالْحِكْمَةَ اى العلوم اللدنية المتعلقة بالحقائق الغيبية وَيعلمه ايضا التَّوْراةَ المنزل على موسى صلوات الله عليه وَينزل عليه خاصة الْإِنْجِيلَ من عنده وَبعد ما انزل عليه الإنجيل قد أرسله رَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ ليدعوهم الى طريق الحق ويهديهم الى صراط مستقيم وبالجملة نؤيده بالآيات والمعجزات الباهرة الظاهرة من يده الدالة على صدقه الى حيث يقول بعد ما أرسله الله أَنِّي بمقتضى امر ربي ووحيه الى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ دالة على نبوتي ورسالتي نازلة مِنْ رَبِّكُمْ وهي أَنِّي أَخْلُقُ اى اصور واقدر لَكُمْ بين أيديكم باقدار الله إياي مِنَ الطِّينِ الجامد هيئة وصورة كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ وصورته اى مثالا لا حس له ولا حركة فَأَنْفُخُ فِيهِ بعد تكميل الصورة فَيَكُونُ طَيْراً طيارا ذا حس وحركة ارادية كسائر الطيور وبالجملة ذلك التقدير والنفخ يصدر عنى بِإِذْنِ اللَّهِ وبمقتضى قدرته الشاملة وارادته الكاملة وَكذا أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ المكفوف العينين وَالْأَبْرَصَ الذي لا يرجى برؤه وَأعظم من ذلك انى أُحْيِ الْمَوْتى القديمة بِإِذْنِ اللَّهِ وكمال قدرته وهذه الخوارق المذكورة مما لا اطلاع لكم على لميته بعد الوقوع ايضا وَمن الخوارق التي لكم اطلاع عليه بعد ما وقعت انى أُنَبِّئُكُمْ وأخبركم بِما تَأْكُلُونَ من الطعام والفواكه وَما تَدَّخِرُونَ منها فِي بُيُوتِكُمْ احتياطا وبالجملة إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور من المعجزات والخوارق التي ما جاء به احد من الأنبياء لَآيَةً ظاهرة دالة على نبوتي ورسالتي لَكُمْ لإرشادكم وهدايتكم إِنْ كُنْتُمْ

стр. 109

مُؤْمِنِينَ بالله وبإرساله الرسل وانزاله الكتب وَمع هذه الآيات الطاهرة والمعجزات الباهرة قد جئتكم مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ المشتملة على ظواهر الاحكام بل لجميع الكتب المنزلة على عموم الأنبياء والرسل الماضين صلوات الله عليهم أجمعين ولعموم اديانهم وشرائعهم إذ من جملة امارات النبوة والرسالة تصديق الأنبياء والرسل الذين مضوا والكتب التي جاءوا بها من قبله سبحانه وَايضا قد جئتكم لِأُحِلَّ لَكُمْ في دينكم وملتكم المنزل من عند الله على بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ في الأديان الماضية ومن سنته سبحانه نسخ بعض الأديان ببعض وان كان الكل نازلا من عنده ولمية امر النسخ ما مر في سورة البقرة في قوله ما ننسخ من آية الآية وَبالجملة انى قد جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ قاطعة ساطعة نازلة مِنْ رَبِّكُمْ دالة على توحيده سبحانه ناشئة من عنده انما أفردها لان كل واحد من المذكورات يكفى لثبوت نبوته وبعد ما ظهر منه الكل فَاتَّقُوا اللَّهَ واحذروا من غضبه ان لا تؤمنوا له سيما بعد وضوح الدلائل القاطعة وَبالجملة أَطِيعُونِ اى أطيعوني في عموم ما قد جئت به من لدنه سبحانه إِنَّ اللَّهَ المدبر المصلح لحالي وحالكم هو رَبِّي وَرَبُّكُمْ قد احسن تربيتي وتربيتكم بان أرسلني إليكم وأيدني بأنواع المعجزات فَاعْبُدُوهُ حق عبادته كي تعرفوه حق معرفته واعلموا ان هذا اى طريق العبادة والايمان وسبيل المعرفة والإيقان صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ موصل الى اليقين والعرفان فعليكم ان تسلكوه على الوجه الذي أمرتم بسلوكه والله المستعان يوصلكم الى غاية مبتغاكم ونهاية مقصدكم ومرماكم فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى اى أشعر وأدرك بنور النبوة مِنْهُمُ الْكُفْرَ وعدم تأثرهم بالمعجزات الظاهرة والآيات الباهرة قالَ مستفهما مستفسرا إظهارا لمحبتهم واختيارا لهم على مقتضى رفق النبوة مَنْ أَنْصارِي وأعواني في هداية المضلين إِلَى اللَّهِ وطريق توحيده قالَ الْحَوارِيُّونَ اى الجماعة من أصحابه المنسوبة الى الحور الذي هو البياض سموا به لصفاء عقائدهم عن كدورة النفاق والشقاق وخلوص طويتهم بالاتفاق والوفاق نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ وأعوان رسوله ننصرك لدى الحاجة حسب وسعنا وطاقتنا في اجراء أحكامه وتنفيذ أوامره إذ قد كنا آمَنَّا بِاللَّهِ المرسل للرسل الذي نزل الكتاب لتبليغك إيانا وَاشْهَدْ أنت ايها الداعي للخلق الى الحق لنا يوم العرض الأكبر عند الملك المقتدر بِأَنَّا مع كوننا مؤمنين مخلصين مُسْلِمُونَ منقادون مطيعون لما جئت به من عند ربنا لإصلاح حالنا ولما اعترفوا بالإيمان بالله وبنصرة رسوله المبلغ لأحكامه وأشهدوه على ايمانهم وإسلامهم ناجوا مع الله مخلصين مخبتين في سرهم حيث قالوا رَبَّنا يا من ربانا بإرسال الرسل وإنزال الكتب قد آمَنَّا بتوفيقك وبإرشاد رسلك وهدايتهم بِما أَنْزَلْتَ من الكتاب المبين لأحكامك المتعلقة بسرائر توحيدك وَمع الايمان به قد اتَّبَعْنَا الرَّسُولَ المنزل عليه ممتثلين بجميع أوامره الموصلة الى الكشف والشهود وبالجملة فَاكْتُبْنا بفضلك وجودك مَعَ الشَّاهِدِينَ المشاهدين الذين لا يشاهدون في فضا الوجود سوى شمس ذاتك وتجلياتها وَبعد ما ظهر عيسى صلوات الله عليه على من ظهر من الكفرة وغلب عليهم قد مَكَرُوا واحتالوا اى الكفرة لدفعه وقتله بان وكلوا عليه من يقتله غيلة وَمَكَرَ اللَّهُ الرقيب عليه المراقب لحفظه في انجائه ورفعه الى السماء وإلقاء شبهه على قالب من اغتال عليه حتى قتل مجانا على مظنة انه هو ﵇ مع انه قد رفع الى السماء وَاللَّهُ المنتقم عن من ظلم لأجل من ظلم خَيْرُ الْماكِرِينَ اى أقوى المحتالين واغلبهم على من اغتال عليه اذكر

стр. 110

إِذْ قالَ اللَّهُ اعلاما لعيسى ﵇ حين هموا بقتله وعينوا من اغتال عليه وهو غافل عن كيدهم يا عِيسى إِنِّي بغلبة لاهوتيتى عليك مُتَوَفِّيكَ ومصفيك عن كدر ناسوتيتك المانعة من الوصول الى مقر عز اللاهوت وَبعد تصفيتك عن شوب التعلقات الناسوتية رافِعُكَ بعد ارتفاع موانع وصولك إِلَيَّ إذ لا مرجع لك غيرى وَبعد رفعك وجذبك الى مُطَهِّرُكَ ومزكيك من خبائث مطلق الرذائل سيما مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا اى ستروا بغيوم هوياتهم الباطلة شمس الذات الظاهرة المتجلية على عموم الذرات وَبعد رفعك وإعلاء قدرك جاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ وآمنوا بك في جميع ما جئت به لإصلاح حالهم فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا اى أعلى رتبة وارفع قدرا ومكانا منهم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ بحيث قد ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ولهم عذاب اليم وبعد ما ظهر عيسى ﵇ لم يتفق غلبة اليهود أصلا بل صاروا مغلوبين منكوبين دائما الى الآن بل الى انقضاء الزمان ثُمَّ قال سبحانه بلسان التوحيد على سبيل التنبيه والتعليم لعيسى ولمن آمن له ولمن أنكر عليه وكفر إِلَيَّ لا الى غيرى مَرْجِعُكُمْ ومنقلبكم جميعا في النشأة الاخرى ايها المختلفون في الدين والإطاعة والايمان والكفر في النشأة الاولى فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ بعد رجوعكم الى فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ على مقتضى علمي وإرادتي ثم فصل سبحانه حكمه بقوله فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وستروا سبيل الحق الظاهر عن مشكاة النبوة والرسالة عنادا واستكبارا وأنكروا الأنبياء وكذبوهم بعموم ما جاءوا به من الاحكام والمواعظ والحكم والعبر وأصروا عليها فَأُعَذِّبُهُمْ اى اطردهم وابعدهم عن ساحة عز الحضور عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا بأنواع المذلة والصغار وضرب الجزية والاجلاء وَفي الْآخِرَةِ بجحيم الخزي والخذلان وسعير الطرد والحرمان وَما لَهُمْ بعد ظهور الدين الناسخ لعموم الأديان الماضية مِنْ ناصِرِينَ لا من الأنبياء الذين يدعون الايمان بهم وبدينهم وكتابهم ولا من غيرهم حتى ينصروهم وينقذوهم من عذاب الله لتركهم العمل بالناسخ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بالدين القويم والكتاب الناسخ واتبعوا النبي الذي جاء به من عند ربه وَمع الايمان والإذعان قد عَمِلُوا الصَّالِحاتِ المأمورة فيه تأييدا وتأكيدا فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ اى يوفر عليهم سبحانه أجور أعمالهم بأضعاف ما عملوا تفضلا عليهم لمحبة الله إياهم بسبب امتثال أوامره واطاعة رسله وَاللَّهُ الهادي لعموم عباده لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ الخارجين عن حدوده المنزلة على رسله المكاشفين بحقيقة توحيده وبالجملة ما جراهم وبعثهم على الظلم والخروج الا عقولهم المنخسفة بظلام الوهم المضل عن الطريق المستبين ذلِكَ المذكور من انباء عيسى ﵇ وغيره هو الذي نَتْلُوهُ عَلَيْكَ يا أكمل الرسل مع كونك خالي الذهن عنه ولم تتعلم ايضا من معلم بشر وأنت أمي لا تقدر على الاستفادة والإملاء من القصص والتواريخ بل انما هي مِنَ الْآياتِ المنزلة عليك من عندنا الدالة على نبوتك ورسالتك وَمن جملتها الذِّكْرِ الْحَكِيمِ اى الكلام المحكم المشتمل على الحكم المتقنة والاحكام المبرمة الصادرة عن محض الحكمة بحيث لا يأتيه الباطل ولا يعتريه النسخ والتبديل ثم قال سبحانه على سبيل التنبيه والتذكير إِنَّ مَثَلَ عِيسى اى شانه وقصته الغريبة والخارقة للعادة وهي وجوده بلا أب عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ وشانه في إبداء الله إياه وإيجاده بل قصة آدم اغرب من قصته إذ لا أب له ولا أم بل خَلَقَهُ اى قدره وصوره سبحانه مِنْ تُرابٍ جماد جامد ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ بشرا حيا فَيَكُونُ بالفور حيوانا ذا حس وحركة

стр. 111

ارادية وادراك وفهم وبالجملة هذا الكتاب المتلو عليك يا أكمل الرسل هو الْحَقُّ المطابق للواقع النازل إليك لتأييدك وتصديقك في دعواك الرسالة المحقق الثابت المنزل مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ أنت في حقيته مِنَ الْمُمْتَرِينَ الشاكين بمقتضى عقولهم السخيفة فَمَنْ حَاجَّكَ اى جادلك وخاصمك فِيهِ اى في امر عيسى وشانه من النصارى سيما مِنْ بَعْدِ ما قد جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ اليقيني المنزل من عندنا المستنبط من كتابنا المبين بشأنه وظهوره بلا أب فَقُلْ لهم حين خاصموك تَعالَوْا هلموا ايها المجادلون المدعون ابنية عيسى لله المفرطون في امره نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ونجتمع نحن وأنتم في مجمع عظيم ثُمَّ نَبْتَهِلْ اى نتباهل بان يدعو كل منا ومنكم الى الله فَنَجْعَلْ نحن وأنتم لَعْنَتَ اللَّهِ اى طرده وتبعيده عَلَى الْكاذِبِينَ منا المفترين على الله بأمثال هذه الخرافات المستبعدة عن شانه سبحانه حتى يتميز الصادق من الكاذب ويمتاز الحق عن الباطل. روى انهم لما دعوا الى المباهلة قالوا حتى ننظر ونتأمل فلما خلوا مع ذا رأيهم قالوا له ما ترى في هذا الأمر قال والله لقد عرفتم انه هو النبي الموعود في كتابكم ولقد جاءكم بالفصل في امر صاحبكم والله ما باهل قوم نبيا الا هلكوا فان أبيتم الا ألف دينكم فوادعوا الرجل وانصرفوا فاتى رسول الله ﷺ وقد غدا محتضنا الحسين أخذا بيد الحسن وفاطمة تمشى خلفه وعلى خلفها وهو يقول ﷺ إذا انا دعوت فآمنوا وبعد ما رأوهم كذلك قال أسقفهم يا معشر النصارى انى لأرى وجوها لو سألوا الله ان يزيل جبلا من مكانه لأزاله البتة فلا تبأهلوا فتهلكوا وبعد ما الجؤا الى الهدنة التزموا الجزية فأعطوا الفى حلة حمراء وثلثين درعا من حديد فقال ﵇ والذي نفسي بيده لو باهلوا لمسخوا قردة او خنازير ولاضطرم عليهم الوادي نارا ولا ستأصل الله نجران واهله حتى الطير على الشجر قل لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا إِنَّ هذا المذكور من نبأ عيسى ومريم ﵉ لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ المطابق للواقع فلا تكفروا باعتقاد ابنية عيسى لله وزوجية مريم وَلا تقولوا بالأقانيم والتثليث إذ ما مِنْ إِلهٍ يعبد بالحق في الوجود إِلَّا اللَّهُ الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يتخذ صاحبة ولا ولدا وَإِنَّ اللَّهَ الحق الحقيق بالحقية المتصف بالديمومية المتوحد بالقيومية لَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب القاهر للاغيار مطلقا الْحَكِيمُ في إظهارها على مقتضى ارادته واختياره فَإِنْ تَوَلَّوْا واعرضوا عن الحق سيما بعد ظهور الدلائل والشواهد اعرض عنهم يا أكمل الرسل ولا تجادل معهم فَإِنَّ اللَّهَ المنتقم لمن اعرض عن سبيله عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ الذين يفسدون في الأرض بإفساد عقائد ضعفاء العباد بصرفهم عن طريق الحق والحادهم عن الصراط المستقيم قُلْ لهم يا أكمل الرسل امحاضا للنصح كلاما صادرا عن لسان الحكمة والتوحيد خاليا عن وصمة الغفلة والتقليد يا أَهْلَ الْكِتابِ الذين يدعون الايمان بوحدة الحق وحقية كتبه ورسله تَعالَوْا نتفق ونراجع إِلى كَلِمَةٍ حقة حقيقة سَواءٍ حقيتها وحقيقتها بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ مسلمة ثبوتها عندنا وعندكم بلا خلاف منا ومنكم أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ المعبود بالحق المستحق للعبادة بالأصالة وَلا نُشْرِكَ بِهِ في عبادته شَيْئاً من مصنوعاته وَلا يَتَّخِذَ ايضا بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً واجب الإطاعة والانقياد مِنْ دُونِ اللَّهِ المتوحد بالالوهية المنفرد بالمعبودية وان قبلوا قولك واتفقوا عليه واطاعوا فقد آمنوا كما آمنتم فَإِنْ تَوَلَّوْا واعرضوا عن الكلمة الحقية المسلمة وانصرفوا عنها عنادا واستكبارا فَقُولُوا لهم ايها المؤمنون

стр. 112

إلزاما وتبكيتا اشْهَدُوا ايها المنكرون الجاحدون بِأَنَّا لا أنتم مُسْلِمُونَ موحدون مؤمنون بالله مصدقون بجميع ما جاء من عند الله ثم قل لهم يا أكمل الرسل مناديا لهم على سبيل الإلزام يا أَهْلَ الْكِتابِ المفرطين المسرفين لِمَ تُحَاجُّونَ وتجادلون عنادا ومكابرة فِي شأن جدي إِبْراهِيمَ الخليل بانه يهودي او نصراني وَالحال انه ما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ المبين لليهودية وَالْإِنْجِيلُ المبين للنصرانية إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ بمدة متطاولة أَفَلا تَعْقِلُونَ أنتم ايها المكابرون في هذه الدعوى ولا تتنبهون بكذبها وعدم مطابقتها للواقع وبالجملة ها أَنْتُمْ ايها الحمقاء العمياء في امور الدين هؤُلاءِ الهلكى الضالون المصرون على الكفر والعناد قد حاجَجْتُمْ وجادلتم فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ مذكور مثبت في كتابكم من بعثة محمد ﷺ وحليته وأوصافه فتغيرونه وتحرفونه مكابرة وعنادا بعد ما ظهر عندكم صدقه وحقيته فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ مثبت مذكور في كتابكم من يهودية ابراهيم ونصرانيته فتغيرونه وتنسبون الى كتابكم ما لم يذكر فيه افتراء ومراء وَبالجملة اللَّهُ المطلع الغيور يَعْلَمُ منكم ما حرفتم وما افتريتم ويعاقبكم على مقتضى علمه وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ولا تعتقدون بعلمه على ما فرطتم فيه ثم قال سبحانه ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا لان موسى ﵇ انما جاء بعده بألف سنة وَلا نَصْرانِيًّا لان عيسى ﵇ انما جاء بألفي سنة وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مائلا عن كلا طرفي الإفراط والتفريط مثل افراط اليهود والنصارى في عزير وعيسى وتفريطهم في انكار محمد ﷺ بل كان مُسْلِماً معتدلا مستويا على صراط العدالة والتوحيد وَما كانَ في حال من الأحوال مِنَ الْمُشْرِكِينَ الضالين عن طريق التوحيد بنسبة الحوادث الكائنة في الأقطار الى الأسباب والوسائل العادية اصالة واستقلالا وبالجملة إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ وأقربهم دينا وأشدهم محبة ومودة لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ من أمته وتدينوا بدينه وملته وامتثلوا بجميع ما جاء به من عند ربه وَهذَا النَّبِيُّ المبعوث من شيعته المنتسب الى ملته المنشعب من اهل بيته وزمرته وَالَّذِينَ آمَنُوا بهذا النبي وبكتابه الناسخ لعموم الكتب السالفة المبين لطريق التوحيد الذاتي وَاللَّهُ الهادي لعموم عباده الى جادة توحيده وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ الموحدين الذين يريدون وجه الحق في عموم أحوالهم ومقاماتهم لذلك ينصرهم ويولى امور دينهم بحيث لا يشغلهم عن التوجه نحوه مزخرفات الدنيا الشاغلة العائقة عن التوجه الحقيقي ثم قال سبحانه وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لخباثة نفوسهم وشدة بغضهم المرتكز في قلوبهم حسدا عليكم وعلى ظهور دينكم لَوْ يُضِلُّونَكُمْ ويحرفونكم تغريرا وتلبيسا عن جادة الشريعة وسبيل الايمان والتوحيد نزلت في اليهود حين دعوا حذيفة وعمارا ومعاذا الى اليهودية وَالحال انهم ما يُضِلُّونَ باضلالهم هذا إِلَّا أَنْفُسَهُمْ إذ يضاعف عليهم العذاب بسبب هذا الإضلال وَهم ما يَشْعُرُونَ ضرر هذا الضلال والإضلال ونكاله ثم قال سبحانه امحاضا للنصح يا أَهْلَ الْكِتابِ المدعين الايمان بموسى وعيسى ﵉ والتصديق بكتابهما لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ المنزلة فيهما الناطقة على بعثة محمد ﷺ وَالحال انه أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ فيهما أوصافه ونعوته وتنتظرون الى ظهوره وبعثته وبعد ما ظهر وبعث لم انكرتم عليه عنادا وكفرتم به استكبارا ومع ذلك قد غيرتم وحرفتم كتابكم عنادا ومكابرة يا أَهْلَ الْكِتابِ المحرفين لكتاب الله لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ الظاهر البين المكشوف المنزل من

стр. 113

عند الله بِالْباطِلِ المموه المزخرف المختلق من عند انفسكم وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ الثابت الذي هو بعثة محمد ﷺ وَالحال انكم أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ حقيته في نفوسكم ولا تظهرونه حسدا وبغيا عدوانا وظلما وَمن شدة حسدهم ونهاية بغضهم وشكيمتهم انهم قد احتالوا ومكروا واستخدعوا لإضلال المسلمين الى حيث قالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لأصحابهم وجلسائهم على سبيل الحيلة والخداع آمِنُوا استهزاء وتسفيها بِالَّذِي اى بالكتاب الذي يدعون هؤلاء الحمقاء انه أُنْزِلَ على محمد موافقة منكم عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا به وَجْهَ النَّهارِ اى في أول بدوه ليفرحوا ويسروا بموافقتكم إياهم وَاكْفُرُوا آخِرَهُ اى اتركوه وأنكروا عليه في آخر النهار معللين بانا لم نجد محمدا على الوصف الذي ذكر في كتابنا ليتردد أولئك المؤمنون ويضطرب نبيهم من مخالفتكم وقولكم هذا وافعلوا معهم كذلك مرارا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عن دينهم وايمانهم وَبالجملة لا تُؤْمِنُوا ولا تظهروا يا اهل الكتاب ما في قلوبكم من الإذعان والتصديق بان هذا الشخص هو النبي الموعود المذكور في كتابكم إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ من إخوانكم وأصحابكم المتدينين بدين آبائكم واسلافكم ولا تفشوه عند هؤلاء قُلْ لهم يا أكمل الرسل ردا لمخادعتهم ودفعا لحيلتهم كلاما ناشئا عن محض الحكمة خاليا عن وصمة التهمة إِنَّ الْهُدى الموصل الى سواء السبيل هُدَى اللَّهِ الهادي لعباده ويوفق ويهدى من يشاء منهم الى طريق توحيده ويضل ويغوى من يشاء عنه ارادة واختيارا وانما دبرتم ايها المسرفون المفرطون بما دبرتم ومكرتم بما مكرتم ارادة أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ من الكفر والجحود بنبوة النبي الموعود أَوْ يُحاجُّوكُمْ ويغلبوكم بهذا المكر والخداع عِنْدَ رَبِّكُمْ على زعمكم الفاسد واعتقادكم الباطل قُلْ لهم يا أكمل الرسل لا تغتروا بمزخرفات عقولكم ولا تطمئنوا بمقتضياتها إذ هي قاصرة عن معرفة الله مطلقا سيما عند تزاحم الوهم والخيال بل إِنَّ الْفَضْلَ والهداية المطلقة انما هي بِيَدِ اللَّهِ اى بقدرته ومشيته يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ بلا معاونة العقل ونصرته وَاللَّهُ الهادي لعباده واسِعٌ في فضله وهدايته لا حصر لطرق الهامه وإفاضته عَلِيمٌ باستعدادات عباده يوصل كلا منهم الى مشرب توحيده بطريق يناسب استعداده بل يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ الواسعة الشاملة لجميع الفضائل والكمالات مَنْ يَشاءُ من خلص عباده تفضلا عليهم من لدنه بلا اقتضاء وجذب من استعداداتهم ويخصهم بفتوحات لا يدرك طوره ولا يكتنه غوره وَبالجملة اللَّهُ المتجلى بعموم الكمالات ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ واللطف الجسيم على بعض مظاهره من الأنبياء والأولياء الذين قد فنيت وتلاشت هوياتهم البشرية بالكلية في بحر الوحدة وتجردوا عن جلابيب الكثرة بالمرة وَمن تفاوت الاستعدادات واختلاف القابليات الفطرية ترى مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ ثقة عليه واعتمادا بِقِنْطارٍ مال منضد مخزون يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ على الوجه الذي ائتمنته عليه بلا تغيير وخيانة لصفاء فطرته ونزاهة استعداده وقابليته وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ او اقل لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ حين مطالبتك لخباثة طينته وردائة فطرته إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ وتطالب منه أمانتك قائِماً دائما على سبيل الإلمام والإلحاح نزلت في عبد الله بن سلام حين استودعه قريشي الفا ومائتي اوقية ذهبا واداه اليه وفنحاص بن عازوراء استودعه ايضا قريشي آخر دينارا أنكر وجحد مع اتفاقهما في الكفر واشتراكهما في الضلال والإصرار ذلِكَ اى ترك أداء

стр. 114

بعض اليهود بِأَنَّهُمْ اى بسبب انهم استحلوا مال من ليس على دينهم وقالُوا لَيْسَ في كتابنا المنزل عَلَيْنا من عند ربنا فِي حق الْأُمِّيِّينَ الذين لا كتاب لهم سَبِيلٌ اى طريق معاتبة ومؤاخذة يعنى لا نؤاخذ ولا نسأل نحن لأجل هؤلاء لأنهم ليسوا من اهل الكتاب وَهم بهذا القول الباطل يَقُولُونَ ويفترون عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إذ ليس في كتابهم هذا الباطل الزاهق بل لا يفترونه الا عنادا ومكابرة وَهُمْ ايضا يَعْلَمُونَ انه افتراء منهم ومراء روى عن النبي ﷺ انه قال عند نزول هذه الآية كذب اعداء الله ما من شيء في الجاهلية الا وهو تحت قدمي الا الامانة فإنها مؤداة الى البر والفاجر بَلى للحق سبيل معاتبة وانتقام معهم في كل واحد من عباده على اى دين كان وملة إذا صدر عنهم الخيانة والتعدي الا مَنْ أَوْفى منهم بِعَهْدِهِ الذي قد عهد مع الله ومع عباده وَاتَّقى عن غضب الله بعدم الوفاء فهو من المحبوبين عند الله فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ويرضى عنهم ويوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ثم قال سبحانه إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ويستبدلون بِعَهْدِ اللَّهِ الذي قد عهدوا مع رسوله وَأَيْمانِهِمْ المغلظة الصادرة منهم الدالة على وفائه كقولهم والله لنؤمنن به ولننصرنه ثَمَناً قَلِيلًا من متاع الدنيا مثل أخذ الرشى وإبقاء الرياسة أُولئِكَ المستبدلون الخاسرون هم الذين لا خَلاقَ اى لا نصيب ولا حظ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ التي هي دار الوصول والقرار وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ فيها مثل تكليمه مع خلفائه الذين ظهروا حسب أوصافه وأسمائه وتخلقوا بأخلاقه وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ بنظر الرحمة حتى تنعكس بروق أنوار الوحدة الذاتية المتلألئة المتشعشعة من عالم العماء التي هي السواد الأعظم المشار اليه في الحديث النبوي صلوات الله على قائله على مرايا قلوبهم وَلا يُزَكِّيهِمْ ولا يثنى عليهم ولا يلتفت نحوهم حين التفاته الى خلص عباده المصفين المطهرين مرايا قلوبهم عن صدأ الالتفات الى الغير مطلقا وعن رين التوجه والميل الى المزخرفات جملة لتنعكس فيها ومنها اشعة أنوار التجليات الإلهية الجمالية والجلالية اللطفية والقهرية حتى يعتدلوا ويستقيموا على الطريق القويم والصراط المستقيم الذي هو صراط توحيد الله وَلَهُمْ في تلك الحالة عَذابٌ أَلِيمٌ وخذلان مولم لا إيلام أعظم منه إذ حرمان الوصول الى غاية ما يترتب على الوجود من أشد المؤلمات والمؤذيات نعوذ بالله من غضب الله لا حول ولا قوة الا بالله وَإِنَّ مِنْهُمْ من غاية بغضهم وعداوتهم مع النبي ﷺ لَفَرِيقاً اى فئة وفرقة من المحرفين الذين يحرفون اسمه ونعته ﷺ في التورية حيث يقصدون تشهير المحرف وترويجه على ضعفاء العوام اضلالا لهم يَلْوُونَ ويطلقون أَلْسِنَتَهُمْ بالمحرف إطلاقهم بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ اى السامعون انه مِنَ الْكِتابِ وَالحال انه ما هُوَ مِنَ الْكِتابِ المنزل أصلا لا نصا ولا أخذا ولا تأويلا ومع ذلك يفترون وَيَقُولُونَ هُوَ اى المحرف منزل مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَالحال انه ما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بل من تسويلات نفوسهم الخبيثة وانما الباعث عليها اهويتهم الباطلة المتعلقة بحب الجاه والرياسة وَبالجملة هم لترويج أباطيلهم الكاذبة يَقُولُونَ وينسبون عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ افتراء ومراء وَهُمْ ايضا يَعْلَمُونَ يقينا انه فرية قد صدرت عنهم عنادا ومكابرة وبالجملة هم اى النصارى مع انهم يدعون الايمان والتوحيد وتصديق الرسل والكتب لم يتفطنوا ولم يعلموا ان البشر وان أرسل وانزل وخصص بفضائل جليلة وخصائل حميدة

стр. 115

لكن لا ينسلخ عن اللوازم البشرية مطلقا حتى يتصف بمقتضيات الألوهية والربوبية بل لا يزال العبد عبدا والرب ربا غاية ما في الباب ان الأشخاص البشرية في التجريد عن لوازمها متفاوتة فمن كان تجريده اكثر كان الى الله اقرب والى الفناء أميل والى البقاء أشوق والا فالسلوك لا ينقطع ابد الآبدين كما قال ﷺ في الحديث القدسي حكاية عن الله إلا طال شوق الأبرار الى لقائي وبالجملة ما للتراب ورب الأرباب حتى يتصفوا بأوصافه فعيسى صلوات الله عليه وسلامه من جملة البشر وان ارتفع قدره وعلا رتبته عند الله وظهر منه بنصر الله خوارق خلت عنها الأنبياء ﵈ لكن لا ينسلخ عن اللازم البشرية بالكلية بل لا يمكن هذا مطلقا وهم من ردائه رأيهم يدعون انسلاخه عنها بالمرة ويعبدون له كعبادته سبحانه وينسبونه الى الله بالبنوة العياذ بالله وبالجملة ما قدروا الله حق قدره لذلك نسبوا له سبحانه ما هو منزه عنه تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا ولذا رد الله عليهم على وجه التنبيه والتعليم بقوله ما كانَ اى ما صح وجاز لِبَشَرٍ قد خصه الله من بين بريته لرسالته ونيابته سيما أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ المبين له الشرائع وَالْحُكْمَ المتعلق بأحوال العباد في معاشهم وَالنُّبُوَّةَ المتعلقة بضبط احوال معادهم ثُمَّ بعد ما اختاره الله واصطفاه بالتشريف الأتم الأكمل يَقُولَ لِلنَّاسِ الذين أرسل إليهم لهدايتهم وإرشادهم كُونُوا عِباداً لِي فاعبدوني عبادة خاصة كعبادة الله وخصصوها لي مِنْ دُونِ اللَّهِ وبالجملة ما هي وأمثال هذا إلا شرك غليظ وكفر ظاهر كيف صدر عن ارباب الولاية والنبوة الفانين في الله الباقين ببقائه المستغرقين بمطالعة وجهه الكريم وَلكِنْ قولهم لهم وأمرهم عليهم هكذا كُونُوا ايها الموحدون رَبَّانِيِّينَ مخلصين في عبادة الله ولا تكونوا شيطانيين مشركين فيها بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ يعنى كونوا ربانيين موحدين مخلصين بما تعلمون وتفيدون أنتم من الكتاب غيركم من المستفيدين من الأمور المتعلقة بدينكم وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ تقرءون وتأخذون أنتم من غيركم من المعلمين المفيدين وبالجملة لا يأمر ولا يوصى الأنبياء والرسل على أممهم الا هكذا وَلا يَأْمُرَكُمْ رسلكم وانبياءكم اضلالا لكم أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ المبعوثين إليكم من عند الله أَرْباباً آلهة مستحقين للعبادة موجودين اصالة واستقلالا من دون الله أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ يعنى اتظنون ان يأمركم النبي المرسل لهدايتكم الى طريق التوحيد بالشرك والإشراك سيما بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ موحدون بمتابعته ورسالته أفلا تعقلون وَاذكر يا أكمل الرسل لمن خاصمك من اهل الكتاب وقت إِذْ أَخَذَ اللَّهُ المدبر لأمور عباده مِيثاقَ النَّبِيِّينَ اى عهودهم الوثيقة المتعلقة بالامتثال والمحافظة لَما آتَيْتُكُمْ تفضلا عليكم مِنْ كِتابٍ مبين لكم ولأممكم الاحكام الظاهرة المتعلقة بالمعاملات وَحِكْمَةٍ مورثة لكم ولهم الأخلاق المرضية الموصلة الى التوحيد الذاتي ثُمَّ أخذ منكم المواثيق ايضا على لسان انبيائكم بانه متى جاءَكُمْ وعلى أممكم رَسُولٌ أرسل من عندنا على التوحيد الذاتي مع انه مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ من توحيد الصفات والأفعال لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ أنتم ولتبلغن على أممكم ان تؤمنوا له وتصدقوه وَلا تكتفون أنتم وأممكم بمجرد الايمان والتصديق به بل لَتَنْصُرُنَّهُ في عموم ما جاء به من مقتضيات التوحيد الذاتي وكيف لا تنصرونه مع ان مرجع جميع الملل والنحل انما هي اليه لذلك ختم بعثته ﷺ امر الإنزال والإرسال وبعد أخذ المواثيق الوثيقة منهم هكذا قالَ سبحانه مستفهما

стр. 116

على سبيل التقرير تأكيدا وتحكيما أَأَقْرَرْتُمْ ايها الأنبياء أنتم وَأَخَذْتُمْ من أممكم المنسوبين إليكم عَلى ذلِكُمْ اى على عهودكم ومواثيقكم هذه إِصْرِي اى حلفي وعهدي الثقيل الذي يوجب نقضه أنواعا من النكال والعذاب قالُوا سمعا وطوعا أَقْرَرْنا بعهودك ومواثيقك يا ربنا وأخذنا ايضا من اممنا ما امرتنا بأخذه قالَ سبحانه فَاشْهَدُوا اى استحضروا العهود واحفظوا المواثيق ولا تغفلوا عنها وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ الحاضرين المطلعين بحفظكم ووفائكم فَمَنْ تَوَلَّى واعرض عنكم بَعْدَ ذلِكَ العهد الوثيق فَأُولئِكَ المعرضون الناقضون هُمُ الْفاسِقُونَ الخارجون عن طريق التوحيد الذاتي الجامع لجميع الطرق أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ الذي هو التوحيد الذاتي يَبْغُونَ وتطلبون ايها المعرضون الفاسقون وَالحال انه لَهُ أَسْلَمَ اى انقاد وتذلل عموم مَنْ فِي السَّماواتِ من ارباب الشهود والمكاشفات وَكذا جميع من في الْأَرْضِ من اصحاب العلوم والمعاملات طَوْعاً تحقيقا ويقينا وَكَرْهاً تقليدا وتخمينا وَكيف لا إِلَيْهِ لا الى غيره من الوسائل والأسباب العادية يُرْجَعُونَ رجوع الظل الى ذي الظل قُلْ يا أكمل الرسل بلسان الجمع آمَنَّا بِاللَّهِ الواحد الأحد الصمد المتفرد بالتحقق والوجود وَصدقنا جميع ما أُنْزِلَ عَلَيْنا من عنده سبحانه من الآيات المبينة لتوحيده وَصدقنا ايضا جميع ما أُنْزِلَ في سالف الزمان من عنده عَلى أسلافنا إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ اى أولاد يعقوب وأحفاده وَصدقنا ايضا جميع ما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ الموحدون الملهمون مِنْ رَبِّهِمْ على مقتضى استعداداتهم بحيث لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ في الإطاعة والتصديق وَكيف نفرق ونفضل إذ نَحْنُ المتدينين بدين الله المتجلى في الآفاق بكمال الاستقلال والاستحقاق لَهُ باعتبار تفرده واحاطته وظهوره في المظاهر كلها بعموم أوصافه وأسمائه بلا تفاوت مُسْلِمُونَ مؤمنون موقنون منقادون وَمَنْ يَبْتَغِ ويطلب غَيْرَ الْإِسْلامِ المنزل على خير الأنام دِيناً وشرعا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ يوم العرض الأكبر إذ الدين القويم المستجمع لجميع الأديان الناسخ لعمومها هو الإسلام لابتنائه على التوحيد الذاتي المسقط للاضافات وعموم الخصوصيات المقتضية للكثرة مطلقا وَهُوَ اى المتدين بغير دين الإسلام فِي النشأة الْآخِرَةِ وقت حصاد كل ما يزرعه في النشأة الاولى مِنَ الْخاسِرِينَ خسرانا مبينا نعتصم بك من إنزال قهرك يا ذا القوة المتين ثم قال سبحانه مستفهما مستبعدا على سبيل التوبيخ والتقريع كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ الهادي لعباده قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ بوحدانية الله وَشَهِدُوا اى أقروا واعترفوا طائعين أَنَّ الرَّسُولَ المبين لهم طريق التوحيد المرشد لهم اليه حَقٌّ مرسل من عند الله صادق في دعواه وَمع ذلك قد جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ الدالة على صدقه فقبلوا الجميع ثم ارتدوا العياذ بالله وَبالجملة اللَّهُ الهادي للكل الى سواء السبيل لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضى حدوده أُولئِكَ الأشقياء الظالمون الضالون عن منهج الصدق والصواب جَزاؤُهُمْ المتفرع على ظلمهم وضلالهم أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ اى طرده وتخذيله إياهم ثابتة لهم مستقرة عليهم ازلا وابدا وَايضا لعنة الْمَلائِكَةِ المستغفرين لعباد عباد الله وَكذا لعنة عموم النَّاسِ أَجْمَعِينَ وهم قد صاروا خالِدِينَ فِيها وفي لوازمها مستمرين عليها ابدا بحيث لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ

стр. 117

الْعَذابُ المتفرع عليها أصلا وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ وينتظرون تخفيفه إِلَّا الَّذِينَ تابُوا منهم في النشأة الاولى مِنْ بَعْدِ ذلِكَ الارتداد والضلال وَأَصْلَحُوا أحوالهم بالتوبة والإخلاص والاستغفار والندامة عما صدر منهم فَإِنَّ اللَّهَ الموفق لهم على التوبة غَفُورٌ يستر جرائمهم رَحِيمٌ مشفق يتجاوز عن زلاتهم ثم قال سبحانه إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اى ارتدوا العياذ بالله سيما بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ لم يتوبوا اى لم يرجعوا ولم يتندموا بل ازْدادُوا كُفْراً اى إصرارا واستكبارا لَنْ تُقْبَلَ منهم تَوْبَتُهُمْ ابدا بعد ما عاندوا وَأُولئِكَ المعاندون المصرون هُمُ الضَّالُّونَ المقصورون على الضلالة في بيداء الفطرة لا يرجى منهم الفلاح أصلا بل إِنَّ المسرفين المصرين الَّذِينَ كَفَرُوا في مدة اعمارهم وَماتُوا وَالحال انه هُمْ كُفَّارٌ كما كانوا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ اى لن تقبل توبتهم عند الله وان أنفق وافتدى كل واحد منهم ملء الأرض ذهبا رجاء ان تقبل توبته بل أُولئِكَ الهالكون في تيه الضلال لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم دائما مستمرا وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ من انواع النصر لا من الانفاق ولا من الشفاعة ولا من العمل الصالح والحج المبرور ولا غير ذلك ثم لما سجل سبحانه عليهم العذاب بحيث لا يخفف عنهم أصلا ولا يقبل توبتهم ابدا وان أنفق كل منهم ملء الأرض ذهبا نبه على المؤمنين طريق الانفاق المستحسن المقبول وخاطبهم على وجه التأكيد والمبالغة حيث قال لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ اى لن تصلوا ولن تبلغوا ايها المؤمنون مرتبة الأبرار الخيرين عند الله مطلقا حَتَّى تُنْفِقُوا امتثالا لأمر الله وطلبا لمرضاته مِمَّا تُحِبُّونَ اى من احسن ما عندكم وأكرمه وَاعلموا ان ما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ ولو حبة وذرة وكلمة طيبة خالصا لرضا الله بلا شوب المنة والأذى فَإِنَّ اللَّهَ المطلع لجميع أحوالكم ونياتكم بِهِ عَلِيمٌ لا يغيب عن علمه شيء فيجازيكم على مقتضى علمه ثم لما ادعى اليهود ان ما حرم في ديننا قد كان حراما في دين ابراهيم وملته فلم تحلون أنتم ايها المدعون متابعته ما حرم في دينه رد الله عليهم وكذبهم بقوله كُلُّ الطَّعامِ الذي يقتات به الإنسان ويتغذى قد كانَ حِلًّا مباحا حلالا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إذ الأصل في الأشياء الحل ما لم يرد الشرع بتحريمه إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ وهو يعقوب ﵇ عَلى نَفْسِهِ على وجه النذر بلا ورود الوحى إذ كان له عرق النسا فنذر ان شفى لم يأكل ما هو أحب الطعام والذه عنده وهو لبن الإبل ولحمه فشفى ولم يأكل بعده منهما وذلك مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ ثم لما ظهر انواع الخبائث والقبائح من اليهود حرم الله عليهم في التورية طيبات أحلت لهم قبلها بسبب خباثتهم وكثافتهم فان أنكروا على هذا وقالوا لسنا أول من حرم عليه هذه الأشياء المحرمة فيها بل قد حرم لمن قبلنا ونحن نقتدي بهم قُلْ لهم يا أكمل الرسل إلزاما فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها على رؤس الاشهاد إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعواكم والا فقد افتريتم على كتاب الله ما ليس فيه فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ظهور ذلِكَ البرهان فَأُولئِكَ المفترون المنهمكون في العتو والعناد هُمُ الظَّالِمُونَ الخارجون عن مسالك التوحيد المتمردون عن ربقة الايمان قُلْ لهم يا أكمل الرسل امحاضا للنصح صَدَقَ اللَّهُ المطلع بجميع ما كان ويكون ان لا حرمة لهذه الأشياء في دين ابراهيم ﵇ بل أول من حرم عليهم أنتم ايها اليهود وان أردتم استحلالها فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ التي هي الإسلام المنزل على خير الأنام لأنه كان حَنِيفاً طاهرا عن عموم الخبائث والرذائل المؤدية الى تحريم الطيبات

стр. 118

إذ هو مستو على صراط التوحيد وجادة العدالة بعيد عن كلا طرفي الإفراط والتفريط المؤديين الى الشرك والشقاق وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بحال لصفاء فطرته ونجابة طينته. ثم لما كان ابراهيم صلوات الرّحمن عليه مستقيما على صراط التوحيد مستويا عليه ما وضع سبحانه أول معبد للموحدين الا لأجله كما قال إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ليعبدوا فيها لله ويتوجهوا الى جنابه لَلَّذِي بِبَكَّةَ اى البيت الذي وضع بمكة شرفها الله قيل قد وضع المسجد الحرام قبل وضع بيت المقدس بأربعين سنة وانما وضع مُبارَكاً كثير الخير والبركة والنفع لساكنيه وزائريه يرشدهم الى الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وَهُدىً لِلْعالَمِينَ يوصلهم الى التوحيد الذاتي لو كوشفوا بسرائر وضعه وتشريعه إذ فِيهِ آياتٌ دلائل وشواهد بَيِّناتٌ واضحات دالة على توحيد الذات منها مَقامُ إِبْراهِيمَ وهو مقام الرضا والتسليم وَمَنْ دَخَلَهُ حنيفا مسلما مسلما مفوضا كانَ آمِناً عن وسوسة الأنانية ودغدغة الغيرية متصفا بصفة الخلة وَلِلَّهِ اى للوصول الى مشرب توحيده وللتحقق بمقام عبوديته وتفريده قد أوجب سبحانه عَلَى النَّاسِ المجبولين على فطرة المعرفة واليقين حِجُّ الْبَيْتِ اى طواف البيت الممثل على قلب الخليل اللائق لخلعة الخلة والخلافة على مَنِ اسْتَطاعَ منكم ايها الحيارى في صحارى الإمكان إِلَيْهِ سَبِيلًا فليسلك نحوه يعنى من استطاع اى يميت نفسه بالموت الإرادي ويترك بقعة الإمكان مهاجرا الى الله مفوضا أموره كلها اليه بل مفنيا هويته في هوية الله مثل الخليل الجليل صلوات الرّحمن عليه وسلامه فعليه ان يزور ويطوف حول بيت الله الذي هو قلب الإنسان حقيقة راجيا منه سبحانه خلعة الخلة والخلافة ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا وَمَنْ كَفَرَ ولم يحج بيت ربه مع استطاعته إنكارا وعنادا فَإِنَّ اللَّهَ المستغنى في ذاته عن جميع مظاهره ومصنوعاته غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ لم يبال بهم وبعباداتهم وانما أظهرهم وأوجب عليهم العبادة والرجوع الى جنابه والتوجه نحو بابه ليتحققوا في مرتبة العبودية ويتقرروا فيها حتى يستحقوا الخلافة والنيابة المتفرعة على سر الظهور والإظهار قُلْ يا أكمل الرسل لمن أنكر شعار الإسلام يا أَهْلَ الْكِتابِ المدعين للايمان بوحدانية الله لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ الدالة على توحيده المنزلة على نبيه الذي قد جاء من عنده بالتوحيد الذاتي ليكون مرسلا الى كافة البرايا رحمة للعالمين وَلا تخافون من غضب الله وسخطه عليكم ايها المكابرون إذ اللَّهُ شَهِيدٌ مطلع حاضر عَلى عموم ما تَعْمَلُونَ أنتم من الإنكار والاستكبار والتحريف والتغيير قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ المدعين الاتباع بالكتب والرسل المنزلة من عند الله لِمَ تَصُدُّونَ وتصرفون وتعرضون عباد الله عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الذي هو دين الإسلام مع انه هو الصراط المستقيم الموصل الى صفاء الوحدة الذاتية مَنْ آمَنَ انقاد وتدين به تَبْغُونَها وتطلبونها عِوَجاً اى أنتم طالبون ان توقعوا فيه عوجا وانحناء وضعفا حتى يضعف اعتقاد المسلمين ويتزلزل آراؤهم في امور الدين كما في زماننا هذا وَالحال انكم أَنْتُمْ شُهَداءُ مطلعون من مطالعة الكتب المنزلة عليكم من عند الله المخبرة بظهور دين الإسلام وارتفاع قدره وقدر من اتى به ومع ذلك حرفتم الكتب وانكرتم عليه عنادا واستكبارا وبالجملة لا تغفلوا من حلول غضب الله وانتقامه عليكم وَمَا اللَّهُ العالم بالسرائر والخفيات بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ من التلبيس والعناد والتحريف والتغيير ثم لما بالغ سبحانه في توبيخ الكافرين القاصدين إضلال المؤمنين بما بالغ أراد ان يحذر المؤمنين عن مخالطتهم

стр. 119

ومواخاتهم فناداهم إذ هو ادخل في قبول النصح وقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اى وفقوا على تشريف الايمان مقتضى ايمانكم الاجتناب عن مخالطة الكفار ومواخاتهم وادعاء المحبة والمودة معهم لأنكم إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ طائعين قاصدين اطاعتهم وانقيادهم يَرُدُّوكُمْ البتة بَعْدَ إِيمانِكُمْ وتوحيدكم كافِرِينَ مشركين على ما أنتم عليه في جاهليتكم نزلت في فرقة من الأوس والخزرج كانوا يجتمعون ويتحدثون ويتناشدون فمر على اجتماعهم شاس بن قيس اليهودي فغاظه مواخاتهم ومخالطتهم فأمر بشاب من اليهود ان يجلس إليهم ويذكرهم يوم بعاث وينشد بعض ما قيل فيه وكان الظفر في ذلك اليوم للأوس ففعل فتنازع القوم وتفاخروا الى ان تغاضبوا وتخاصموا وصاحوا السلاح السلاح واجتمع من الجانبين خلق عظيم وتوجه نحوهم رسول الله ﷺ وأصحابه وقال لهم اتدعون الجاهلية وانا بين أظهركم بعد ان أكرمكم الله بالإسلام وشرفكم بالإيمان والتوحيد الرافع لجميع الخصومات فعلموا انها نزعة من الشيطان وكيد من قبل عدوهم فالقوا السلاح واستغفروا وتعانقوا وتحابوا وانصرفوا مع رسول الله ﷺ وَلذلك قيل لهم كَيْفَ تَكْفُرُونَ ايها المؤمنون بالله الواحد الأحد الفرد الصمد وَالحال انكم أَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ الدالة على توحيده وَمع ذلك فِيكُمْ رَسُولُهُ المرسل إليكم المولى لأموركم وَمَنْ يَعْتَصِمْ منكم بِاللَّهِ ويتبع رسوله المرسل من عنده بتوحيده الذاتي فَقَدْ هُدِيَ واهتدى إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ موصل الى صفاء الوحدة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا معظم أموركم في محافظة الايمان المؤدى الى الكشف والعيان التقوى والاجتناب عن محارم الله ومنهياته والتحلي بأوامره ومرضياته اتَّقُوا اللَّهَ المطلع لجميع حالاتكم حَقَّ تُقاتِهِ خالية عن الميل الى الرياء والبدع والأهواء المفضية الى الإلحاد والزندقة وَاجتهدوا ايها المؤمنون ان لا تَمُوتُنَّ ولا تخرجن عن هويتكم هذه إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ مخلصون في الاعتصام بحبل التوحيد والايمان مخلصون عن ربقة التقليد والحسبان وَبعد ما خرجتم عن انانيتكم ايها المخلصون الموقنون اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ الممتد من أزل الذات الى ابد الأسماء والصفات وارفعوا مقتضيات هوياتكم جَمِيعاً عن البين حتى لا يبقى توهم الغير والسوى مطلقا وتخلص نفوسكم عن مشتهياتها ومستلذاتها الفانية وتصل الى الحيوة الازلية والبقاء السرمدي وَلا تَفَرَّقُوا اى لا تشتتوا ولا تفرقوا بمقتضيات أوهامكم المتفرعة على هوياتكم الباطلة عن الجمعية الحقيقية الحقية وَبعد ما وصلتم بمقام الجمعية والوحدة الذاتية اذْكُرُوا ايها العكوس والاظلال نِعْمَتَ اللَّهِ المتجلى فيكم بذاته المتفضل عَلَيْكُمْ بلا عوض ولا غرض سيما وقت إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً بعداء متروكين في ظلمة العدم فَأَلَّفَ سبحانه بتجلياته الجمالية بَيْنَ قُلُوبِكُمْ في فضاء الإمكان بان جعلكم أزواجا وبنين وحفدة متظاهرين بعضكم ببعض على مقتضى الإضافات ورقائق المناسبات الواقعة بين الأسماء والأوصاف الإلهية فَأَصْبَحْتُمْ بعد ما استيقظتم عن منام الإمكان ونعاس الغفلة والنسيان وصرتم بِنِعْمَتِهِ التي هي التوفيق والأقدار على طلب الرشد والرشاد إِخْواناً مجتمعين في فضاء الوحدة بلا توهم الكثرة المستدعية العداوة والخصومة وَالحال انه قد كُنْتُمْ في طغيان الإمكان عَلى شَفا حُفْرَةٍ اى طرف واد غائر قد ملئت مِنَ النَّارِ وأنتم مشرفون بالوقوع فيها الا وهي وادي العدم وغور الإمكان المباين لفضاء الوجود والوجوب المملو بنيران البعد والخذلان فَأَنْقَذَكُمْ

стр. 120

الله اى أنجاكم وخلصكم مِنْها بلطفه بان أودع فيكم العقل الجزئى المنشعب من العقل الكل الصائر اليه الراجع نحوه كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ الهادي لَكُمْ دائما مستمرا الى توحيده الذاتي آياتِهِ آثار أسمائه وأوصافه الدالة على ذاته لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ رجاء ان تهتدوا منها إليها مع غاية ظهورها ووضوحها وَبعد ما وفقتم للايمان ونبهتم على مسالك التوحيد والعرفان لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ ملتزمة للإرشاد والتكميل يَدْعُونَ الناس إِلَى الْخَيْرِ اى المختص الى التوحيد وإسقاط الإضافات وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ المستحسن في طريق التوحيد وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ المستقبح فيه المانع عن الوصول اليه وَأُولئِكَ الراشدون الهادون المهديون هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون من عنده سبحانه بالمثوبة العظمى والدرجة العليا التي هي مقام الجمعية والرضا وَبالجملة لا تَكُونُوا ايها المحمديون المتحققون بمقام الجمعية كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ الدالة على الجمعية والاتفاق ولم يتنبهوا منها على التوحيد الذاتي وَأُولئِكَ الأشقياء المردودون الهالكون في تيه الخذلان والحرمان لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ في جهنم البعد وجحيم الإمكان وسعير الطرد والخذلان. اذكر لهم يا أكمل الرسل يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ بقبول النور من الوجه الباقي الإلهي وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ببقائها في سواد الإمكان فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ ولم يرتفع غشاوة هوياتهم وكثافة ماهياتهم عن أعينهم وأبصارهم ولم تتصف مرآة قلوبهم عن صدأ الكثرة ورين الثنوية قطعا قيل لهم لذلك تقريعا وتوبيخا أَكَفَرْتُمْ وأعرضتم عن الحق ايها الهالكون في بقعة الإمكان سيما بَعْدَ إِيمانِكُمْ بوجوب الوجود ووجوب الرجوع اليه فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما اى بانا نيتكم التي كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وتسترون بها نور الوجود وصفاء التوحيد الخالص عن الكدورات مطلقا وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ عن شين التعلقات ورين الإضافات واضمحلت هوياتهم في هوية الحق وارتفعت عن عيون بصائرهم وأبصارهم مطلقا الحجب والأستار المانعة عن الوصول الى دار القرار فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ التي وسعت كل شيء مستغرقون وفي بحر توحيده غائصون سابحون لا يخرجون منها ابدا بل هُمْ فِيها خالِدُونَ دائمون مستمرون ما شاء الله لا حول ولا قوة الا بالله تِلْكَ المواعيد والوعيدات المذكورة للأولياء والأعداء آياتُ اللَّهِ الدالة على كمال قدرته وتفرده في ألوهيته واستقلاله في ربوبيته نَتْلُوها عَلَيْكَ يا أكمل الرسل تفضلا منا إليك وامتنانا عليك ملتبسة بِالْحَقِّ بلا شك في وقوعها وَمَا اللَّهُ المنتقم للعباد في يوم المعاد يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ بل يجازيهم بمقتضى ما صدر عنهم في النشأة الاولى ان خيرا فخير وان شرا فشر. فمن يعمل مثقال ذرة خيرا فيها فتقديره فيها ومن يعمل شرا فكذلك وبالجملة لا يتصور الظلم والتعدي من جانبه سبحانه أصلا وَكيف لا يكون كذلك إذ لِلَّهِ المستوي على عروش ذرائر الكائنات بالقسط والاعتدال الحقيقي محافظة ما فِي السَّماواتِ اى ما ظهر في عالم الغيب وعالم الأرواح وَما ظهر فِي الْأَرْضِ اى عالم الشهادة والأشباح من الصور الحاملة لآثار أسمائه الحسنى المظهرة لصفاته العليا وَبالجملة إِلَى اللَّهِ لا الى غيره من الأسباب والوسائل العادية تُرْجَعُ الْأُمُورُ المتعلقة بالمظاهر كلها إذ هو الفاعل المطلق والمتصرف المستقل لا فاعل سواه بل لا شيء في الوجود الا هو فلا رجوع الا إياه كُنْتُمْ ايها المحمديون المجبولون على التوحيد الذاتي خَيْرَ أُمَّةٍ في علم الله مستوية على صراط التوحيد معتدلة بين طرفي الإفراط والتفريط أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ اى قدر ظهوركم لتكميل الناقصين من الناس تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ

стр. 121

المستحسن في سلوك طريق التوحيد بينكم وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ المحظور المستقبح وَذلك الأمر والنهى انما يصدر عنكم لكونكم تُؤْمِنُونَ وتوقنون أنتم في انفسكم بِاللَّهِ المستوي على عروش ذرائر الكائنات بالاعتدال الذي هو صراط الله الأقوم وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ بأجمعهم بدينكم وملتكم لَكانَ خَيْراً لَهُمْ ينجيهم ايمانهم هذا عن ورطتي الإفراط والتفريط ويهديهم الى صراط مستقيم موصل الى الوحدة الذاتية وان كان القليل مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الداخلون في حصن الايمان والتوحيد مع المؤمنين الداخلين فيه وَلكن أَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ الخارجون عن حدود الله وعن مقتضى حكمه وأحكامه وبالجملة لا تبالوا ايها الموحدون بفسوقهم وعصيانهم إذ لَنْ يَضُرُّوكُمْ بفعلهم هذا ضررا فاحشا إِلَّا أَذىً قد صدر من سقطات ألسنتهم والفاظهم من التقريع والتشنيع عليكم وَإِنْ بالغوا في العداوة الى ان يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ البتة اضطرارا وانهزاما ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ بالكر عليكم بعد الفر منكم بل ينصركم الله عليهم بنصره العزيز ويخذلهم ويذلهم لذلك قد ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمسكنة والصغار والهوان دائما أَيْنَ ما ثُقِفُوا ووجدوا صاروا مهانين صاغرين إِلَّا المعتصمين منهم بِحَبْلٍ نازل مِنَ عند اللَّهِ الا وهو عبارة عن الانقياد بدين الإسلام وَحَبْلٍ اى عهد وثيق وذمة مؤكدة مِنَ قبل النَّاسِ يعنى المؤمنين وَبعد ما باؤُ ورجعوا عن تصديق الإسلام المنزل على خير الأنام استحقوا بِغَضَبٍ عظيم نازل مِنَ اللَّهِ بمقتضى قهره وَلا يمكنهم دفعه إذ قد ضُرِبَتْ اى تمكنت وتقررت عَلَيْهِمُ الذلة والْمَسْكَنَةُ المذمومة الناشئة من خباثة طينتهم بحيث لا يرجى عزتهم أصلا ذلِكَ اى ضرب الذلة والهوان عليهم بِأَنَّهُمْ كانُوا في أوان عزتهم وعظمتهم يَكْفُرُونَ ويكذبون مستهزئين بِآياتِ اللَّهِ المنزلة من عنده وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ اى بلا رخصة شرعية ذلِكَ الكفر والقتل الصادر منهم بِما عَصَوْا اى بسبب عصيانهم وبشؤم خروجهم عن اطاعة امر الله والانقياد لأحكامه عتوا وعنادا وَالحال انهم لا يجبرون عصيانهم بالتوبة بل كانُوا يَعْتَدُونَ ويتجاوزون عن حدود الله بالمرة ويقتلون من يقيمها ويتقلد بها عنادا واستكبارا ومع ذلك لَيْسُوا سَواءً اى ليس جميع اهل الكتاب مستوية الاقدام في الإنكار والاعتداء بل مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ايضا أُمَّةٌ قائِمَةٌ مؤمنة مستقيمة على صراط العدالة لأنهم يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ الدالة على هدايته وتوحيده آناءَ اللَّيْلِ اى جميع أطرافه وساعاته وَهُمْ يَسْجُدُونَ ويصلون فيه خاضعين واضعين جباههم على تراب المذلة رغبة اليه سبحانه وخوفا من خشيته ورجاء من سعة رحمته وذلك لأنهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ اى بوحدانيته وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وبتحقق وقوعه وصدقه وَمع ذلك يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ ويبادرون الى الطاعات المؤدية الى إسقاط الإضافات وقطع التعلقات المستلزمة لرفع الحجب وأستار التعينات المانعة عن المكاشفات والمشاهدات وَبالجملة أُولئِكَ المتصفون منهم بهذه الصفات العلية مِنَ زمرة الصَّالِحِينَ بسلوك سبيل الحق المستوجبين للوصول الى سواء التوحيد الذي هو السواد الأعظم المشار اليه في الحديث النبوي صلوات الله وسلامه على قائله وَبالجملة ما يَفْعَلُوا اى هؤلاء الموصوفون منهم مِنْ خَيْرٍ طالبين فيه رضا الله راجين ثوابه خائفين عن عقابه فَلَنْ يُكْفَرُوهُ اى لن ينقصوا من اجره بل يزدادوا ويضاعفوا وَاللَّهُ المفضل المنعم على عموم العباد

стр. 122

عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ منهم يجازيهم على مقتضى علمه بهم وحسب لطفه وكرمه إياهم أدركنا بلطفك وكرمك يا أكرم الأكرمين إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله في النشأة الاولى عتوا واستكبارا مفتخرين بأموالهم وأولادهم متظاهرين بها لَنْ تُغْنِيَ ولن تدفع عَنْهُمْ في النشأة الاخرى وقت أخذ الله إياهم على ظلمهم وكفرهم لا أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ غضب اللَّهِ شَيْئاً قليلا وَأُولئِكَ الأشقياء المستكبرون المفتخرون هم أَصْحابُ النَّارِ وملازموها لا خلاص لهم منها بل هُمْ فِيها خالِدُونَ مخلدون ابدا لا يرجى نجاتهم منها وتخفيف العذاب عنهم أصلا ولا ينفع لهم إحسانهم وانفاقهم الذي صدر عنهم في الدنيا لعدم مقارنته بالإيمان والإيقان بل ثَلُ ما يُنْفِقُونَ رياء وسمعة ترفعا واشتهاراي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا لا لمثوبة اخروية لعدم اعتقادهم بهامَثَلِ رِيحٍ عاصف يها صِرٌّ اى برد شديدصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالفسوق والعصيان أَهْلَكَتْهُ بالمرة وصاروا آيسين قانطين من نفعها وشكوا من الله بما لا يليق بجنابه من نسبة الظلم والتعدي اليه تعالى عن ذلك الحال انه اظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ اى هم يظلمون أنفسهم بالكفر والفسوق ولم يتفطنوا له ونسبوه الى الله افتراء ومراء وما الله يريد ظلما للعباد يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم ان لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً اى صاحب سر تستودعون سرائركم وتكشفون ضمائركم عنده مِنْ دُونِكُمْ اى من الكفار دون المؤمنين واعلموا انهم لا يَأْلُونَكُمْ ولا يمنعون عنكم ولا يقصرون في شأنكم خَبالًا ضررا وفسادا بل قد وَدُّوا وأحبوا دائما ما عَنِتُّمْ اى ضرركم وهلاككم ومن غاية ودادهم هذا قَدْ بَدَتِ وظهرت الْبَغْضاءُ المكنونة في نفوسهم وصدورهم مِنْ أَفْواهِهِمْ هفوة بلا قصد واختيار وَلا شك ان ما تُخْفِي صُدُورُهُمْ قصدا واختيارا أَكْبَرُ مما تبدى أفواههم وألسنتهم هفوة واضطرارا وبالجملة قَدْ بَيَّنَّا وأوضحنا لَكُمُ ايها المؤمنون الْآياتِ المتعلقة لمعاشكم ومعادكم إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ وتفهمون مقاصدها وتتعظون بها وتعملون بمقتضاها ها أَنْتُمْ ايها المؤمنون الغافلون أُولاءِ الخاطؤن المغفلون الذين تُحِبُّونَهُمْ محبة خالصة صادقة صافية عن مطلق الكدورات وَلا يُحِبُّونَكُمْ أولئك المنافقون المزورون الا تلبيسا ونفاقا وَأنتم تُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ اى بجميع الكتب النازلة من عند الله على رسل الله وهم لا يؤمنون بكتابكم الجامع لما في الكتب السالفة وَمن غاية نفاقهم معكم إِذا لَقُوكُمْ قالُوا تلبيسا وتغريرا آمَنَّا بدينكم وكتابكم ورسولكم وَإِذا خَلَوْا وانصرفوا عنكم عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ شدة الْغَيْظِ وعدم القدرة على الانتقام على وجه التشفي قُلْ يا أكمل الرسل نيابة عنا مخاطبا لهم على سبيل التوبيخ والتقريع مُوتُوا ايها المنافقون المغتاظون بِغَيْظِكُمْ المتزايد المترقى يوما فيوما حسب ارتفاع قدر الإسلام وعلو شأنه ومع ذلك لا تأمنوا عن مكر الله وانتقامه إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعلم ما تخفون في صدوركم من الكفر والنفاق ويجازيكم على مقتضى علمه بكم ولا يعزب عن علمه شيء ومن غاية حسدهم ونهاية بغضهم إِنْ تَمْسَسْكُمْ وتحط بكم حَسَنَةٌ مسرة مفرحة لنفوسكم تَسُؤْهُمْ وتشق عليهم من غاية عداوتهم ونفاقهم وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ مملة مولمة يَفْرَحُوا بِها تشفيا وتفرحا شامتين بها سارين عليها وَإِنْ تَصْبِرُوا على غيظهم وإذا هم وَتَتَّقُوا وترجعوا الى الله مفوضين أموركم كلها اليه يحفظكم عن جميع

стр. 123

ما يؤذيكم بحيث لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ اى مكرهم وحيلهم شَيْئاً من الضرر إِنَّ اللَّهَ المطلع بسرائرهم وضمائرهم بِما يَعْمَلُونَ من الحيل والمخايل مُحِيطٌ لا يشذ عن علمه شيء ولو خطرة وطرفة وعلى قراءة تعملون بتاء الخطاب كان المعنى ان الله الموفق لكم على دين الإسلام بما تعملون من الصبر والتقوى والتفويض الى المولى محيط حاضر غير مغيب عنكم وعن عملكم وَاذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ غَدَوْتَ وخرجت أنت مسرعا في الغدوة مِنْ أَهْلِكَ يعنى بيت عائشة رضى الله عنها حال كونك تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ وتريد ان تعين وتهيء لهم مَقاعِدَ امكنة ومواقف لِلْقِتالِ وبعض منهم مع جميع المنافقين يتقاعدون ويسوفون معللين بعلل ودلائل ضعيفة وبعض آخر يريدون الخروج ويرغبونك عليه وَبالجملة اللَّهُ المطلع بضمائر كلا الفريقين سَمِيعٌ لأقوالهما عَلِيمٌ بنياتهما روى ان المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء ثانى عشر شوال سنة ثلث من الهجرة فاستشار رسول الله ﷺ بالمدينة أصحابه ودعا عبد الله بن ابى ولم يدعه قبل فقال هو واكثر الأنصار أقم يا رسول الله بالمدينة ولا تخرج إليهم فو الله ما خرجنا منها الى عدو الا أصاب منا ولا دخلها علينا الا قد أصبنا منه فكيف وأنت فينا فدعهم فان أقاموا أقاموا بشر محبس وان دخلوا قاتلهم الرجال ورماهم النساء والصبيان بالحجارة وان رجعوا رجعوا خائبين خاسرين وأشار بعضهم الى الخروج فقال ﵇ رأيت في منامي بقرة مذبوحة عند حولي فأولتها خيرا ورأيت في ذباب سيفي ثلما فاولته هزيمة ورأيت كأني ادخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة فان رأيتم ان تقيموا بالمدينة وتدعوهم فقال رجال من المسلمين قد فاتتهم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم احد اخرج بنا الى أعدائنا فبالغوا حتى دخل ولبس لأمته فلما رأوا ذلك ندموا على مبالغتهم فقالوا يا رسول الله اصنع ما شئت فقال لا ينبغي لنبي ان يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل فخرج بعد صلاة الجمعة وأصبح بشعب من احد ونزل في عدوة الوادي وجعل ظهر عسكره الى احد وسوى صفهم وامر عبد الله بن جبير على الرماة وقال انضحوا عنا بالنبل لا يأتونا من ورائنا وحين استوى الصفوف وبلغوا الشوط قال ابن ابى علام نقتل أنفسنا وأولادنا فانصرف فوقع الخلاف بين المؤمنين فتزلزلوا اذكروا إِذْ هَمَّتْ وقصدت في تلك الحالة طائِفَتانِ مِنْكُمْ ايها المؤمنون وهما بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس وكانا جناحي العسكر أَنْ تَفْشَلا وتنهز ما ضعفا وجبنا وتتبعا اثر ابن ابى فعصمهما الله من متابعة الشيطان وجنوده فمضيا مع رسول الله مستغفرين عما جرى عليهما وَكيف لا يعصمهما عن مخالفة الرسول اللَّهُ القادر المقتدر الذي هو وَلِيُّهُما ومولى أمورهما لذلك ارشدهما الى ما هو أصلح بحالهما وَبالجملة عَلَى اللَّهِ المدبر لمصالح عباده لا على غيره من الوسائل والأسباب العادية فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ حتى يتحققوا بمقام الرضا والتسليم وَبعد ما قابلتم على العدو لا تيأسوا من نصر الله وتأييده ولا تضعفوا ولا تجبنوا ولا تبالوا بكثرة عددهم وعددهم بل اذكروا وتذكروا لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ الرقيب عليكم بِبَدْرٍ موضع بين مكة والمدينة يتسوق فيه العرب مع قوافل الحجاج وَالحال انه أَنْتُمْ في تلك الوقعة أَذِلَّةٌ ضعفاء في العدد والعدد وعدوكم على العكس بان انزل عليكم من الملائكة جنودا لم تروها فَاتَّقُوا اللَّهَ اليوم من الفرار والانهزام ومخالفة الرسول لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ تلك النصرة فيما مضى. اذكر لهم يا أكمل الرسل «وقت» إِذْ تَقُولُ أنت يوم بدر لِلْمُؤْمِنِينَ حين حدث في قلوبهم الرعب

стр. 124

من العدو لكون عددهم على أضعافهم قولا استفهاميا على سبيل التبكيت والإلزام بعد ما ظهر عندك الأمر بالوحي الإلهي أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ثم ألهمك ربك بان قلت بَلى يكفيكم هذا القدر ان تستغيثوا وتستلجئوا الى الله ترعبا وترهبا من العدو ولكن إِنْ تَصْبِرُوا في مقابلتهم ومقاتلتهم وَتَتَّقُوا عن الاستدبار والانهزام بل تصبروا قارين كارين مرارا طالبين رضا الله وإمضاء حكمه وإنفاذ قضائه يريد عليكم وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا اى ساعتهم الحاضرة التي هي هذه يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ جزاء صبركم وتقواكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ معلمين معلومين ممتازين عن البشر وَاعلموا ايها المؤمنون ما جَعَلَهُ اللَّهُ الهادي لعباده الى زلال توحيده أمثال هذه الإمدادات والارهاصات الواردة في أمثال هذه الوقائع إِلَّا بُشْرى لَكُمْ يبشركم بمقام التوكل والتفويض والرضا والتسليم وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ اى لتكونوا مطمئنين بالله فانين فيه باقين ببقائه وَاعلموا ايضا مَا النَّصْرُ والانهزام إِلَّا مقدرين مِنْ عِنْدِ اللَّهِ العليم العلام الْعَزِيزِ الغالب القادر على الانعام والانتقام الْحَكِيمِ المتقن في فعله على ابلغ الوجوه وأتم النظام وانما جعله وبشر به لِيَقْطَعَ وليستأصل طَرَفاً جملة وجماعة مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا اعرضوا عن طريق التوحيد فينهزم الباقون أَوْ يَكْبِتَهُمْ اى يخزيهم ويرديهم فَيَنْقَلِبُوا جميعا خائِبِينَ خاسرين نادمين وإذا كان الكل من عند الله العزيز الحكيم لَيْسَ لَكَ يا أكمل الرسل مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ اى شيء من أمورهم بل الأمر كله لله فله ان يفعل معهم ما شاء وقدر وأراد اما ان يستأصلهم أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ توبة توبيخهم من انانيتهم أَوْ يُعَذِّبَهُمْ دائما جزاء ظلمهم وكفرهم فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ مستقرون على الظلم ما داموا في الحيوة الدنيا وَكيف لا يكون أمورهم مفوضة الى الله إذ لِلَّهِ المتصرف المطلق المستقل خاصة مستقلة بلا مزاحم ومشارك عموم ما ظهر فِي السَّماواتِ وَما ظهر فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ يمحو ويستر لِمَنْ يَشاءُ جرائمه المخالفة لطريق توحيده بعد رجوعه وانابته اليه سبحانه ويدخل في جنة وحدته وَيُعَذِّبُ بها مَنْ يَشاءُ في جهنم البعد والخذلان وَبالجملة اللَّهُ غَفُورٌ لمن تاب واستغفر رَحِيمٌ لمن استحيي وندم ثم خاطب سبحانه المؤمنين مناديا لهم بما يتعلق برسوخهم في طريق التوحيد من الخصال الجميلة والشيم المرضية فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بالله ورسوله مقتضى ايمانكم ان لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا سيما إذا كان أَضْعافاً مُضاعَفَةً بحيث يستغرق مال المدين مجانا وَاتَّقُوا اللَّهَ المنتقم الغيور ولا تتجاوزوا عن حدوده لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وتفوزون بخير الدارين بامتثال مأموراته ومرضياته وَاتَّقُوا ايها المؤمنون النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ وهيئت لِلْكافِرِينَ اصالة وللمقتفين أثرهم تبعا ويعملون معاملتهم استنكافا واستكبارا من المؤمنين الفاسقين وَان أردتم الفلاح والفوز بالنجاح أَطِيعُوا اللَّهَ المولى لأموركم وَأطيعوا الرَّسُولَ المبين لكم طريق اطاعة الله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ من عنده سبحانه ان اخلصتم في الإطاعة والانقياد وَعليكم ان لا تتكلوا ولا تتكئوا بطاعاتكم وعباداتكم ولا تزنوها عند الله بل سارِعُوا وبادروا مواظبين إِلى طلب مَغْفِرَةٍ سيئة ومحو لهوياتكم صادرة مِنْ رَبِّكُمْ الذي رباكم على فطرة المعرفة والتوحيد وَوصول جَنَّةٍ منزل ومستقر عَرْضُهَا السَّماواتُ اى الأسماء والصفات الإلهية القائمة بذات الله وَالْأَرْضُ اى طبائع العدم القابلة لانعكاس

стр. 125

اشعة تلك الأسماء والصفات انما أُعِدَّتْ وهيئت هذه لِلْمُتَّقِينَ من اهل التوحيد وهم الذين قد رفعت لهم غشاوة الغيرية وغطاء التعينات الموجبة للتعامى عن نور الوجود المطلق مطلقا وهم الَّذِينَ يُنْفِقُونَ من طيبات ما كسبوا من رزق صورى ومعنوي للمستحقين من اهل الله سواء كانوا فِي السَّرَّاءِ اى حين الفراغة عن الشواغل العائقة عن التوجه الحقيقي وَالضَّرَّاءِ اى عند عروض العوارض اللاحقة من لوازم البشرية وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ اى الماسكين الكافين غيظهم عند ثوران القوة الغضبية وهيجان الحمية البشرية الناشئة من طغيان القوى البهيمية وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ اى الذين يعفون ويتركون عقوبة من يسوءهم ويظلمهم عند القدرة لتحققهم في مقر التوحيد المسقط للاضافات والاختلافات مطلقا وَبالجملة اللَّهُ المطلع على سرائر عباده يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ منهم بجميع انواع الإحسان سيما بكظم الغيظ والعفو عند القدرة وعن النبي ﵇ ان هؤلاء في أمتي قليل الا من عصمه الله وقد كانوا كثيرا في الأمم التي مضت وَمن جملة المتقين المعدودين من زمرتهم المؤمنون الَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً فعلة قبيحة صغيرة كانت او كبيرة صدرت منهم بغتة خطأ أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بان صدرت عنهم تلك الفعلة عن قصد وتعمد ثم ذَكَرُوا اللَّهَ المنتقم الغيور خائفا من بطشه وانتقامه فَاسْتَغْفَرُوا منه سبحانه على الفور راجين العفو والستر لِذُنُوبِهِمْ التي صدرت عنهم عمدا او خطأ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ مطلقا من العباد إِلَّا اللَّهُ اى غير الله العفو الغفور الذي يغفر ما دون الشرك لمن يشاء من عباده ارادة واختيارا وَبعد ما استغفروا وتابوا لَمْ يُصِرُّوا ولم يرجعوا عَلى فعل ما فَعَلُوا بل قد تركوه بالمرة وَالحال انه هُمْ يَعْلَمُونَ قبح وخامة الإصرار وبالجملة أُولئِكَ السعداء المستغفرون المتذكرون التائبون الآئبون الخائفون الراجون جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ ستر ومحو لأنانياتهم عطاء مِنْ رَبِّهِمْ وامتنانا منه عليهم لإخلاصهم في الانابة والرجوع وَجَنَّاتٌ اى مشاهدات ومكاشفات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ اى انهار المعارف والحقائق المترشحة من بحر الذات خالِدِينَ فِيها ابدا لا يظمؤون منها ابدا بل يطلبون مزيدا وَبالجملة نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ تلك المغفرة والجنات. بادروا ايها المؤمنون الى تلك الجنات وواظبوا على إتيان الطاعات والأعمال الصالحات المقربة نحوها وبالجملة لا تغفلوا عن الله في عموم الحالات واعلموا ايها الموحدون المحمديون قَدْ خَلَتْ ومضت مِنْ قَبْلِكُمْ في القرون الماضية سُنَنٌ ووقائع هائلة بين الأمم الهالكة المنهمكة في بحر الضلال والطغيان ان أردتم ان تعتبروا منها فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ اى عالم الطبيعة ايها المفردون السائحون المعتبرون المتفكرون في ملكوت السماوات والأرض فَانْظُروا من آثارهم واظلالهم كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ بتوحيد الله وبرسله المبينين له وإذ أسرتم ونظرتم فاعتبروا يا اولى الأبصار وذوى العبرة والاستبصار هذا اى تذكر سننهم وسيرهم بَيانٌ واضح ودليل لائح لِلنَّاسِ المستكشفين عن غوامض مسالك التوحيد الذاتي من اهل الارادة وَهُدىً لأهل الكشف من ارباب المحبة والولاء وَمَوْعِظَةٌ وتذكير لِلْمُتَّقِينَ من عموم المؤمنين وَبالجملة لا تَهِنُوا ولا تضعفوا ايها المؤمنون من متاعب مسالك الفناء في طريق التوحيد الذاتي وَلا تَحْزَنُوا من المكروهات التي عرضت عليكم من مقتضيات الأوصاف البشرية في النشأة الاولى وَاعلموا ايها الموحدون المحمديون أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ في دار البقاء اى أنتم المقصورون على أعلى المراتب

стр. 126

وارفع الدرجات إذ لا دين ولا نبي أعلى وأكمل من دينكم ونبيكم لظهوره على التوحيد الذاتي لذلك ختم به ﷺ امر النسخ والتبديل وظهر في دينكم سر قوله سبحانه ما يبدل القول لدى الآية إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ مصدقين متحققين بتلك المرتبة العلية متمكنين فيها آتنا من لدنك رحمة انك أنت الوهاب إِنْ يَمْسَسْكُمْ ويصبكم ايها المجاهدون المحمديون في سبيل الله لإعلاء كلمة توحيده قَرْحٌ ضيق ومشقة من اعداء الله يوم احد لا تبالوا به ولا تضعفوا بسببه فعليكم تذكر يوم بدر فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ اى أعدائكم قَرْحٌ مِثْلُهُ بل أشد من هذا ومع ذلك لم يضعفوا ولم يجبنوا مع كونهم ساعين على الباطل وأنتم أحقاء بان لا تضعفوا ولا تجبنوا لأنكم مجاهدون في طريق الحق ساعون لترويجه وَبالجملة تِلْكَ الْأَيَّامُ اى ايام النصر والظفر والفتح والغنيمة ايام وازمان نحن نُداوِلُها بَيْنَ عموم النَّاسِ وجمهور الأنام محقهم ومبطلهم مؤمنهم وكافرهم ليعلموا انهم بأجمعهم تحت حيطة اوصافنا الجمالية والجلالية واللطفية والقهرية وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ العليم الحكيم ويميز سبحانه بمقتضى علمه وحكمته الَّذِينَ آمَنُوا بتوحيد الله عن غيرهم بان أمرهم على الجهاد مع الأعداء ليتحققوا بالفناء ويفوزوا بشرف البقاء وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ ايها المؤمنون شُهَداءَ واصلين فانين في الله فائزين بشرف بقائه ولقائه صائرين احياء دائمين وَاللَّهُ المتوحد بذاته لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ المجاوزين عن طريق توحيده المائلين عن صراطه المستقيم وَلِيُمَحِّصَ اى ليصفى ويطهر اللَّهُ المدبر العليم الحكيم بلطفه قلوب الَّذِينَ آمَنُوا اى تيقنوا وتحققوا بصفاء مشرب التوحيد الذاتي وَيَمْحَقَ يهلك في ظلمة البعد والإمكان والعذاب الشديد الْكافِرِينَ الساترين بهوياتهم الباطلة الكثيفة نور الوجود الحق اللطيف أتحسبون وتطمعون ايها المريدون القاصدون سلوك طريق التوحيد انكم كلكم مستوون عند الله في السلوك أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ اى الوحدة الذاتية وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ اى لم يفرق ولم يميز بعلمه الحضوري الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ في سبيله ظاهرا وباطنا وبذلوا جهدهم فيه ومهجهم في ترويجه حتى صاروا فانين في الله شهداء حضراء عنده باقين ببقائه عن المتقاعدين المتكاسلين منكم وَايضا لما يَعْلَمِ ولم يميز منكم الصَّابِرِينَ المتمكنين في مرامي القضاء الراضين بما جرى عليهم من سهام التقدير والبلاء بلا اقدام ولا احجام من غيركم وَبالجملة لَقَدْ كُنْتُمْ أنتم ايها المحمديون الموحدون المستكشفون عن سرائر التوحيد الذاتي تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ الموصل الى مرتبة اليقين العيني والحقي فيما مضى عند وصولكم الى مرتبة اليقين العلمي مسرعين عليها شوقا واستلذاذا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ الآن معاينين مشاهدين قتل إخوانكم وَبعد ما ظهر امارات التوحيد ولمع سراب الفناء وبرق صوارم القضاء من أفق عالم العماء المفضية الى إهلاك الغير والسوى مطلقا أَنْتُمْ ايها الطالبون الوصول الى جنة الذات تَنْظُرُونَ تبطؤن وتفترون وَاعلموا ايها المؤمنون المتوجهون نحو توحيد الذات ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ من الرسل هاد لكم الى طريق التوحيد قَدْ خَلَتْ ومضت مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ الهادون اليه مثله المنبهون على طريقه وان كان في ضمن توحيد الصفات والأفعال وبالجملة ما لهم وله ﷺ وعليهم الا التبليغ والتنبيه فعليكم ان تتنبهوا وتتحققوا بمقام التحقيق واليقين معرضين عن قشور التقليد والتخمين أَتؤمنون به ﷺ وتسترشدون منه ايها المريدون حال حياته فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ ورجعتم عَلى

стр. 127

أَعْقابِكُمْ غير واصلين الى فضاء التوحيد وَمَنْ يَنْقَلِبْ ويرجع منكم عَلى عَقِبَيْهِ بلا وصول الى مقصد التوحيد فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً بنقصان او زيادة إذ هو سبحانه مستو على عرشه كما كان ازلا وابدا بلا تبديل ولا تغيير بل ما يضر المنقلب إلا نفسه بعدم إيصالها الى غايتها الممكن لها وبذلك قد حط عن رتبة الشاكرين وزمرة الموحدين وَالحال انه سَيَجْزِي اللَّهُ بلطفه الشَّاكِرِينَ منكم الصارفين جميع القوى والجوارح الى ما خلق لأجله الصابرين على ما أصابهم في سبيله الباذلين مهجهم في إعلاء كلمة توحيده الراجين منه سبحانه الوصول الى زلال تجريده وتفريده وَبالجملة اعلموا ايها المؤمنون الموقنون بقضاء الله وقدره ما كانَ لِنَفْسٍ من النفوس الخيرة او الشريرة أَنْ تَمُوتَ بقتل او حتف انف إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وبمقتضى تقديره الثابت المثبت في لوح قضائه السابق إذ كتب سبحانه له كِتاباً جامعا بجميع ما يجرى عليه في عالم الشهادة حياته وموته ورزقه ومدة عمره مُؤَجَّلًا موقتا بوقت معين بحيث لا يتأخر عنه ولا يتقدم عليه وَمَنْ يُرِدْ منكم ثَوابَ الدُّنْيا التي هي ادنى مرتبة الإنسان وانزل منزلته من المفاخرة بالمال والجاه والحسب والنسب نُؤْتِهِ ونعطه مِنْها مقدار ما نقدر له في سابق علمنا ونحاسبه عليه في يوم الجزاء وَمَنْ يُرِدْ منكم ثَوابَ الْآخِرَةِ من الحقائق والمعارف والمواهب العلية التي هي المقصد الأقصى والمطلب الأعلى من إيجاد وظهور نُؤْتِهِ مِنْها مقدار ما يقتضيه استعداده الفطري وَبالجملة سَنَجْزِي بروضة الرضا وجنة التسليم تفضلا منا وامتنانا بلا واسطة الأسباب والوسائل الشَّاكِرِينَ المنسلخين عن مطلق الارادة بل عن جميع الأمور والمرادات الراضين عموم ما قسم لهم وقدر عليهم في سابق علمنا ثم قال سبحانه وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ مجاهد في سبيل الله لترويج كلمة توحيده قد قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ الربانيون المخلصون كَثِيرٌ منهم قتلوا في سبيل الله وأصيبوا فَما وَهَنُوا وما جبنوا لِما أَصابَهُمْ من القرح فِي سَبِيلِ اللَّهِ لإعلاء دينه وكلمة توحيده وَما ضَعُفُوا من محاربة اعداء الله وَمَا اسْتَكانُوا وما تضرعوا على أعدائهم استمهالا واستخلاصا بل قد كانوا جراءين كرارين بحيث لا يرى عليهم امارات الجبن والخوف وعلامات الانهزام أصلا صابرين على ما أصابهم من القرح والجرح وقتل الأقارب والعشائر وَبالجملة اللَّهِ الهادي لعباده الى زلال توحيده يُحِبُّ الصَّابِرِينَ منهم في البلوى الصائرين نحو المولى الراضين لعموم ما يحب له ويرضى وَمن غاية تصبرهم وتمكنهم على الجهاد في سبيل الله ما كانَ قَوْلَهُمْ عند عروض المكروهات ولحوق المصيبات إِلَّا أَنْ قالُوا مستغفرين مسترجعين نحوه خائفين من ضعف الإخلاص في امتثال أوامره رَبَّنَا يا من ربانا في مضيق الإمكان بأنواع اللطف والإحسان اغْفِرْ لَنا بفضلك ذُنُوبَنا اى خواطرنا التي خطرت في نفوسنا من خوف أعدائك بعد ما امرتنا الى مقاتلتهم وَاغفر لنا ايضا يا ربنا إِسْرافَنا فِي أَمْرِنا اى ميلنا وانحرافنا الى طريق الإفراط والتفريط عن حدودك التي وضعت لنا في امر الغزو والجهاد وَبالجملة ثَبِّتْ أَقْدامَنا على جادة توحيدك التي قد وضعت لنا في حضرة علمك وبينتها على السنة رسلك وَبعد ثبوتنا بتثبيتك يا ربنا انْصُرْنا بحولك وقوتك عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ الساترين نور الوجود الحق بهوياتهم الباطلة وماهياتهم العاطلة المائلين عن طريق التوحيد بشؤم شياطين اوهامهم وخيالاتهم وبعد ما أخلصوا في رجوعهم واستغفروا لذنوبهم والتجائوا نحو حوله وقوته سبحانه فَآتاهُمُ اللَّهُ

стр. 128

مجازيا لهم تفضلا وامتنانا ثَوابَ الدُّنْيا من النصر والغنيمة والفوز والفتح والظفر على الأعداء والرياسة على الأولياء على احيائهم وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ من المشاهدة والرضا والمكاشفة واللقاء على شهدائهم الذين قتلوا في سبيل الله متشوقين الى الفناء فيه كي يتحققوا ببقائه ويفوزوا بشرف لقائه ولا يحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل احياء الآية وَبالجملة اللَّهُ الهادي لعباده الى فضله في معاده يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ منهم ويرضى عنهم سيما الذين أحسنوا في سبيل الله باذلين مهجهم في طريق توحيده. رب اجعلنا من خدامهم وتراب اقدامهم. ثم لما أراد سبحانه تثبيت المؤمنين على قواعد الإسلام ورسوخهم على مقتضيات شعائر الدين والايمان حذرهم عن اطاعة الكفار ومخالطتهم والاستغاثة منهم والاستكانة إليهم فقال مناديا لهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا منقادين مستنصرين القوم الَّذِينَ كَفَرُوا بتوحيد الله عنادا واعرضوا عن كتبه ورسله تعنتا واستكبارا يَرُدُّوكُمْ البتة بعد هدايتكم وثبوتكم على الايمان عَلى أَعْقابِكُمْ التي قد كنتم عليها من الكفر والطغيان قبل انكشافكم بالتوحيد والايمان وان انقلبتم عليها فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ خائبين خسرانا عظيما وخيبة بليغة فعليكم ان تجتنبوا من موالاتهم ومواخاتهم بَلِ اللَّهُ المدبر لأموركم هو مَوْلاكُمْ يولى أموركم ويكفى مؤنة أعدائكم متى استعنتم منه واسترجعتم نحوه وَاعلموا ايها المؤمنون المضطرون في الوقائع والخطوب ان موليكم ونصيركم هُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ فاستعينوا منه وتوكلوا عليه ولا تيأسوا وما النصر الا من عند الله العزيز العليم. ثم قال سبحانه سَنُلْقِي يعنى حين توجهتم إلينا واستعنتم بنا مخلصين نلقى نحن على مقتضى قهرنا وغضبنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا بتوحيدنا الرُّعْبَ والمخافة منكم مع كونكم مستضعفين في انفسكم وانما نلقيهم ما نلقيهم بِما أَشْرَكُوا اى بشؤم شركهم واشراكهم بِاللَّهِ المنزه عن الأشباه والأنداد ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً اى آلهة وأصناما لم ينزل الله بها عليهم حجة وبرهانا تلجئهم الى عبادتها واطاعتها بل ما اتخذوا كل ما اتخذوا من الآلهة والشركاء الباطلة الا من تلقاء أنفسهم ظلما وعدوانا تعالى عن ذلك علوا كبيرا وَبالجملة ليس مَأْواهُمُ في النشأة الاخرى الا النَّارُ الموعودة المعدة لمن اظلم وافترى على الله واتبع هواه وَبِئْسَ المثوى والمأوى مَثْوَى الظَّالِمِينَ الكافرين الخارجين عن مقتضيات حدود الله وشعائر توحيده ومأويهم. ثم قال سبحانه تسلية للمؤمنين وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ الرقيب الحفيظ عليكم ايها المؤمنون وَعْدَهُ الذي وعده من النصر والظفر وقت إِذْ تَحُسُّونَهُمْ اى أعدائكم ويحفظ كل منكم مكانه الذي عين له رسول الله ﷺ بِإِذْنِهِ اى باذن الله ووحيه بلا ميل الى الغنيمة والنهب حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ ملتم وانصرفتم الى الغنيمة وخالفتم حكم الله ورسوله وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ اى في امر التبادر والتسابق نحو الغنيمة وَعَصَيْتُمْ اى تركتم اطاعة رسول الله ﷺ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ من امارات ما تُحِبُّونَ تطلبون وتوعدون من النصر والظفر المشروط بالتقرر والتمكن وبعد ما رأيتم ما رأيتم قد انقسمتم قسمين مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وحطامها فترك المركز وخالف الأمر وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ فثبت على المركز وحفظ الأمر ولم يذب عن مكانه ثُمَّ لما غيرتم ما في نفوسكم من وفاء عهد الله ورسوله صَرَفَكُمْ اى بعدكم الله عَنْهُمْ وعن أموالهم خائبين فارين وانما فعل بكم سبحانه ما فعل لِيَبْتَلِيَكُمْ ويختبركم ببلاء الهزيمة هل

стр. 129

تستقرون وتثبتون على الايمان وتصبرون على مشاق المصائب الحادثة في حفظه أم لا وَبعد ما خالفتم امر الله وامر رسوله وملتم الى الغنائم سيما بعد ورود النهى من الله ورسوله لَقَدْ عَفا الله ومحا عَنْكُمْ ذنوبكم التي جئتم بها بعد ندامتكم واستغفاركم تفضلا عليكم وان كان مقتضى جريمتكم هذه استئصالكم بالمرة وَبالجملة اللَّهُ الرقيب الحافظ على احوال عموم عباده ذُو فَضْلٍ عظيم عَلَى الْمُؤْمِنِينَ منكم يجاوز عن سيئاتهم وان عظمت زلتهم بعد ما تابوا واستغفروا. اذكروا ايها المؤمنون قبح صنيعكم واستحيوا من الله نادمين عما صدر عنكم وقت إِذْ تُصْعِدُونَ وتذهبون الى الأباعد خوفا من العدو فارين من الزحف متخلفين عن رسول الله ﷺ وَعند فراركم وذهابكم لا تَلْوُونَ ولا تلتفتون على جوانبكم وأعقابكم ولا تنتظرون عَلى أَحَدٍ من أحوالكم وَالرَّسُولُ في تلك الحالة يَدْعُوكُمْ ويناديكم صارخا الى عباد الله وقد كان الرسول فِي أُخْراكُمْ اى ساقتكم وعصابتكم ولم يلتفت احد منكم الى عقبه لإجابة دعائه ﷺ ومع ذلك لم تنجوا سالمين بل فَأَثابَكُمْ وأورثكم الله الرقيب عليكم المصلح لأحوالكم تربية لكم وتأديبا غَمًّا متصلا بِغَمٍّ آخر الى حيث قد أحاطت بكم الغموم من القتل والجرح والإرجاف بقتل الرسول ﷺ الى غير ذلك من الهموم والغموم وانما فعل بكم سبحانه ما فعل لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ من النهب والغنيمة وَلا على ما أَصابَكُمْ من الفرار والهزيمة حتى تتمكنوا في مقام الرضا والتسليم ولا تخالفوا امر الله ورسوله وَبالجملة اللَّهُ المصلح المدبر لأحوالكم خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ اى بعموم عملكم بمقتضى تسويلات نفوسكم فيجازيكم بها كي تتنبهوا وتتفطنوا وتسلموا أموركم كلها الى الله وتتحققوا بالتوحيد الذاتي ثُمَّ لما تبتم ورجعتم الى الله نادمين عما فعلتم أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ تفضلا وامتنانا مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ المفرط أَمَنَةً طمأنينة ووقارا الى حيث تورث لكم نُعاساً ورقودا يَغْشى ويعرض طائِفَةً مِنْكُمْ وهم المتحققون بمقام العبودية الراضون بعموم ما جرى عليهم من سلطان القضاء بحيث لا يشوشهم لا السراء ولا الضراء وَطائِفَةٌ اخرى من منافقيكم قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ وأوقعتهم هويتهم العاطلة واهويتهم الباطلة في الهموم والغموم المبعدة عن مقام التفويض والتسليم بحيث يَظُنُّونَ بِاللَّهِ ظنا باطلا غَيْرَ الظن الْحَقِّ اللائق به سبحانه بل ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ الباطلة الفاسدة لذلك يَقُولُونَ لرسول الله استكشافا ظاهرا وإنكارا خفيا على سبيل الاستفهام هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ اى امر الله الذي قد وعدتنا به وهو النصر والظفر مِنْ شَيْءٍ أم الأمر والغلبة كله للعدو دائما واليد لهم مستمرا قُلْ لهم يا أكمل الرسل إلزاما وتبكيتا إِنَّ الْأَمْرَ اى الحكم والشأن المتعلق بعموم ما يكون وما كان كُلَّهُ لِلَّهِ مستند اليه أولا وبالذات بلا رؤية الأسباب والوسائل في البين وبالجملة هم من نهاية غفلتهم عن الله وعن حيطة علمه وشمول ارادته وقدرته يُخْفُونَ ويضمرون فِي أَنْفُسِهِمْ من البغض والنفاق ما لا يُبْدُونَ لَكَ يا أكمل الرسل بل يظهرون لإخوانهم إذا خلوا معهم حيث يَقُولُونَ متهكمين مستهزئين لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ والغلبة شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا مظلومين صاغرين قُلْ لهم يا أكمل الرسل كلاما ناشئا عن محض الحكمة لا مرد لقضاء الله ولا معقب لحكمه بل ما يجرى في ملكه الا ما ثبت في علمه ورسم في لوح قضائه واعلموا انكم

стр. 130

لَوْ كُنْتُمْ متمكنين فِي بُيُوتِكُمْ غير خارجين منها للقتال لَبَرَزَ اى خرج وظهر البتة القوم الَّذِينَ كُتِبَ اى قدر وفرض عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ في هذه المعركة إِلى مَضاجِعِهِمْ مصارعهم ومقاتلهم المقدرة لهم في الوقت الذي قدر بلا تأخير وتقديم وَبالجملة انما فعل بكم سبحانه ما فعل لِيَبْتَلِيَ ويختبر اللَّهُ المطلع بضمائركم ويظهر ما فِي صُدُورِكُمْ هل هو من الإخلاص والرضا أم هو من النفاق والشقاق وَلِيُمَحِّصَ يصفى ويطهر ما فِي قُلُوبِكُمْ من الايمان والتوحيد عن الشرك والنفاق وَبالجملة اللَّهُ المطلع لسرائركم وضمائركم عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ اى بالأمور المكنونة فيها ثم قال سبحانه إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا اى استدبروا وتخلفوا مِنْكُمْ ايها المؤمنون جبنا ورهبة بلا شائبة كفر ونفاق يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ اى وقت التقاء الصفين للقتال إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ وأزال قدمهم عن التثبت والتقرر بِبَعْضِ ما كَسَبُوا اى بشؤم بعض أعمالهم المتعلقة بتسويلات نفوسهم التي هي من جنود الشياطين وَبعد ما ندموا واستغفروا وأخلصوا الرجوع الى الله لَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ومحا ذنوبهم بلطفه وبالجملة إِنَّ اللَّهَ المصلح لأحوال عباده غَفُورٌ ستار عليهم جميع ما صدر عنهم من الآثام حَلِيمٌ لا يعجل بالبطش والانتقام ليتوبوا ويرجعوا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عليكم ان تحافظوا على مقتضى الايمان والتوحيد ولا تنسبوا الحوادث الى غير الله بل فوضوها كلها الى الله اصالة حتى لا تَكُونُوا ايها المؤمنون كَالَّذِينَ كَفَرُوا بالله بنسبة الحوادث اصالة الى الأسباب والوسائل العادية وَلذلك قالُوا لِإِخْوانِهِمْ اى في حق إخوانهم الذين ماتوا او قتلوا إِذا ضَرَبُوا وسافروا فِي الْأَرْضِ للتجارة والسياحة أَوْ قتلوا وكانُوا غُزًّى غازين في سبيل الله طالبين رتبة الشهادة لَوْ كانُوا اى هؤلاء الميتون والمقتولون متمكنين عِنْدَنا ما ماتُوا في الغربة وَما قُتِلُوا في يد العدو معتقدين ان ما أصابهم انما أصابهم من الغزو والغربة لا من الله وانما اخطرهم سبحانه بهذا الرأى الفاسد وأقولهم بهذا القول الباطل لِيَجْعَلَ اللَّهُ المنتقم عنهم في النشأة الاولى والاخرى ذلِكَ الحزن والأسف الطارئ عليهم حينئذ حَسْرَةً متمكنة فِي قُلُوبِهِمْ يمرضهم ويضعفهم بها في الدنيا ويعذبهم في الآخرة وَبالجملة اللَّهُ القادر المقتدر على عموم المقدورات المستقل في امر الأحياء والاماتة يُحْيِي بمقتضى لطفه وَيُمِيتُ حسب قهره بلا مظاهرة ولا مشاركة وَاللَّهُ المطلع بسرائر عباده بِما تَعْمَلُونَ ايها المؤمنون بَصِيرٌ ناقد خبير يميز ويصفى إخلاصكم من الرعونة والرياء وأعمالكم من البدع والأهواء وَالله ايها المؤمنون المتوجهون الى الله الطالبون الوصول الى زلال توحيده لَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ طلبا لمرضاته أَوْ مُتُّمْ عن مقتضيات بشريتكم بالإرادة قبل موتكم سائرين سائحين في سبيل الفناء لَمَغْفِرَةٌ اى سترة ساترة لأنانيتكم ناشئة مِنَ اللَّهِ اى من جذبه لكم الى توحيده الذاتي وَرَحْمَةٌ اى جذبة نازلة منه مفنية لهوياتكم بالمرة في هويته خَيْرٌ لكم مِمَّا يَجْمَعُونَ وتدخرون أنتم لأنفسكم بهوياتكم الباطلة وان كنتم بارين خيرين فيها وَالله ايها المؤمنون الموحدون المخلصون لَئِنْ مُتُّمْ في طريق الفناء موتا طبيعيا او إراديا أَوْ قُتِلْتُمْ فيه بيد الأعداء لَإِلَى اللَّهِ لا الى غيره إذ لا غير في الوجود تُحْشَرُونَ وترجعون رجوع الظل الى ذي الظل فَبِما رَحْمَةٍ اى بسبب رحمة نازلة لك فائضة مِنَ اللَّهِ عليك يا أكمل

стр. 131

الرسل «٢» لِنْتَ لَهُمْ اى للمؤمنين وواسيت معهم حين مخالفتهم عن اطاعتك واتباعك وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا سيء الخلق غَلِيظَ الْقَلْبِ اى قاسيه لَانْفَضُّوا تفتتوا وتفرقوا البتة مِنْ حَوْلِكَ وان آذوك أحيانا جهلا وغفلة فَاعْفُ عَنْهُمْ تلطفا وترحما على مقتضى نبوتك وَبعد ما عفوك اسْتَغْفِرْ لَهُمْ من الله ليغفر زلتهم لأنك مصلحهم ومدبرهم وبعد عفوك عما لك واستغفارك من الله لأجلهم صف خاطرك معهم وأخرجهم من الحجاب وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ اى في الرخص المتعلقة بترويج الدين والايمان بعد ما تركت المشورة معهم بسبب جريمتهم فَإِذا عَزَمْتَ فالعزيمة لك خاصة خالصة بلا مشورة الغير فَتَوَكَّلْ في عموم عزائمك عَلَى اللَّهِ المتكفل لعموم أمورك واتخذه وكيلا ولا تلتفت الى الغير مطلقا إِنَّ اللَّهَ الهادي لعباده يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ منهم المتخذين الله وكيلا المفوضين أمورهم كلها اليه. وقل للمؤمنين يا أكمل الرسل امحاضا للنصح وايقاظا لهم عن رقدة الغفلة إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ المولى لأموركم بمقتضى لطفه وفضله وبسطته وعزته فَلا غالِبَ لَكُمْ اى لا احد يغلبكم ويعلو عليكم لكونكم حينئذ في حمى الله وفي كنف حفظه وجواره وحيطة حوله وقوته وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ حسب قهره وغضبه فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ اى بعد تعلق بطشه حسب قبضه وجلاله وَبالجملة عَلَى اللَّهِ المعز المذل القوى المتين فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ في جميع أمورهم حتى خلصوا وأخلصوا نم لما نسب المنافقون الى رسول الله ﷺ ما برأه الله ذيل عصمته عنه من الخيانة والغلول رد الله عليهم هذا الظن الفاسد في حقه ﷺ في ضمن حكم كلى جملي شامل لعموم مراتب النبوة والرسالة مطلقا فقال وَما كانَ اى ما صح وما جاز لِنَبِيٍّ من الأنبياء سيما خاتم النبوة ﷺ أَنْ يَغُلَّ ويخون ويحيف ويميل على احد من الناس وكيف لا يكون كذلك وَمَنْ يَغْلُلْ أحدا من الناس يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ اى يأت الغال مغلولة بما غل فيه على رؤس الاشهاد ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مطيعة او عاصية جزاء ما كَسَبَتْ اى يعطى جزاء ما كسبت وافيا وافرا وَهُمْ يومئذ لا يُظْلَمُونَ ولا ينقصون من أجورهم إذ لا ظلم فيها عدلا بل يزاد عليها تفضلا وامتنانا أَفَمَنِ اتَّبَعَ انقاد وأطاع رِضْوانَ اللَّهِ ورضى بعموم ما قضى عليه وقدر له ورضى الله عنه لتحققه بمقام الرضى والتسليم كَمَنْ باءَ رجع وقصد بكفر وظلم مستلزم بِسَخَطٍ عظيم مِنَ اللَّهِ وَصار بسببه مَأْواهُ ومنقلبه جَهَنَّمُ البعد والخذلان ومصير الطرد والحرمان وَبِئْسَ الْمَصِيرُ مصير اهل الكفر

стр. 132

والطغيان والظلم والعدوان كلا وحاشا ليس هؤلاء الغواة مثل أولئك الهداة بل هُمْ دَرَجاتٌ اى لأولئك المتابعين رضوان الله درجات عالية عظيمة عِنْدَ اللَّهِ حسب مراتبهم العالية وأعمالهم الصالحة وَبالجملة اللَّهِ المطلع لعموم احوال عباده بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ يجازيهم بمقتضى عملهم ان خيرا فخير وان شرا فشر والله لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ المتفضل المنان منة عظيمة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ المخلصين وقت إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ لهدايتهم وإرشادهم رَسُولًا هاديا لهم ناشئا مِنْ أَنْفُسِهِمْ وأشياعهم يرشدهم ويهديهم الى طريق التوحيد بأنواع اللطف والكرم حيث يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ويسمعهم أولا آياتِهِ الدالة على وحدة ذاته وَيُزَكِّيهِمْ اى يطهرهم ثانيا عن وسوسة شياطين الأهواء المضلة عن الطريق المستبين وَيُعَلِّمُهُمُ ثالثا الْكِتابَ المبين لهم طريق تصفية الظاهر وما يتعلق بعالم الشهادة وَيكشف لهم رابعا الْحِكْمَةَ المصفية لبواطنهم عن الميل الى الغير والسوى الموصلة إياهم الى سدرة المنتهى التي عندها جنة المأوى وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ اى قبل انكشافهم بالمراتب الاربعة العلية لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ وخذلان عظيم. نبهنا بفضلك وجودك عن نومة الغافلين ثم قال سبحانه تسلية للمؤمنين وحثا لهم على الجهاد أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ يعنى أتيأسون وتقنطون من فضل الله عليكم ايها المؤمنون حين أصابتكم مصيبة يوم احد ولا تذكرون نصره عليكم يوم بدر إذ قَدْ أَصَبْتُمْ فيه مِثْلَيْها إذ قتلتم يومئذ سبعين وأسرتم سبعين حيث قُلْتُمْ من غاية يأسكم واسفكم أَنَّى هذا اى من اين حدث لنا هذه الحادثة الهائلة ونحن قد وعدنا النصر والظفر من عند ربنا قُلْ لهم يا أكمل الرسل إلزاما وتبكيتا هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ وبعدم تثبتكم وتصبركم في مكانكم الذي قد عين لكم رسول الله ﷺ باذن الله وبعدم وفائكم وثباتكم على العهد الذي عاهدتم معه ﷺ او من أخذ الفدية التي أخذتم يوم بدر مع ان الاولى قتلهم واستئصالهم وبالجملة إِنَّ اللَّهَ المطلع على عموم مخايلكم عَلى كُلِّ شَيْءٍ من المصيبة والإصابة قَدِيرٌ وَاعلموا ايها المؤمنون الموقنون بقدرة الله على عموم الانعام والانتقام ان ما أَصابَكُمْ ولحق بكم يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ اى وقت التقاء الصفين يوم احد فَبِإِذْنِ اللَّهِ المنتقم منكم بسبب تغييركم ما في ضميركم من نية التقرب بالميل الى زخرفة الدنيا واتباع الهوى وَانما ابتليكم الله بما ابتليكم لِيَعْلَمَ اى يميز ويفرق الْمُؤْمِنِينَ الذين ثبتوا على الايمان وتمكنوا مستقرين على شعائر الإسلام عن غيرهم وَلِيَعْلَمَ ويفصل ايضا الَّذِينَ نافَقُوا اى أظهروا الوفاق وابطنوا الكفر والشقاق وَلذلك قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مع اعداء الله حتى نستأصلهم أَوِ ادْفَعُوا ضررهم عنا قالُوا في الجواب بمقتضى ما في قلوبهم من النفاق لَوْ نَعْلَمُ مساواة بينكم وبينهم او نعلم كونهم على ضعفكم فنسميه قِتالًا فإذا لَاتَّبَعْناكُمْ فنقاتل معكم بل هم بأضعافكم وآلافكم عددا وعددا وبالجملة ما أنتم عليه انما هو إلقاء النفس في التهلكة لا المقاتلة والمدافعة فكيف نتبعكم وبالجملة هُمْ بسبب صدور هذا القول منهم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ لمطابقة قولهم هذا بما في نفوسهم من الكفر وعدم مطابقته بايمانهم الذي هو مجرد القول إذ هم يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ حفظا لدمائهم وأموالهم تلبيسا وتغريرا ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ من القبول والإذعان وَاللَّهُ المطلع لما في ضمائرهم أَعْلَمُ منهم بِما يَكْتُمُونَ في قلوبهم من الكفر والنفاق يجازيهم بمقتضى

стр. 133

علمه وبالجملة هم الَّذِينَ قالُوا من نهاية نفاقهم وشقاقهم لِإِخْوانِهِمْ اى في حق إخوانهم الذين خرجوا مع المؤمنين وقتلوا وَهم قد قَعَدُوا في مساكنهم متخلفين عن رسول الله ﷺ لَوْ أَطاعُونا هؤلاء المقتولون في القعود والتخلف ما قُتِلُوا كما لم نقتل معتقدين ان القعود سبب السلامة والنجاة والخروج سبب القتل ولم يعلموا ان للموت أسبابا كثيرة وللحياة ايضا أسبابا لا يدركها ولا يحيط بها الا هو وكم من قاعد قد مات او قتل من حيث لا يحتسب وكم من خارج قد نجا وان اقتحم الوغا والعلم عند الله قُلْ لهم يا أكمل الرسل على سبيل التبكيت والإلزام ان قدرتم على الدفع فَادْرَؤُا وادفعوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ المقدر لكم من عند الله إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ايها المدعون الكاذبون وبعد ما بين سبحانه جرائم المؤمنين يوم احد وزلتهم ومتابعتهم للمنافقين في التخلف عن رسول الله والميل الى الغنيمة وترك المركز مع كونهم مأمورين على خلافها أراد ان ينبه عليهم سرائر الغزو والشهادة فيه وبذل المهج في سبيله فقال مخاطبا لرسوله على طريق الكف والنهى لنبيه ومن يقتدى له من المؤمنين لان أمثال هذه الخطابات والتنبيهات انما تليق لمن وصل الى ذروة مسالك التوحيد وتحقق بنهاية مراتب التجريد والتفريد بقوله وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ باذلين مهجهم في طريق الفناء ليفوزوا بشرف البقاء أَمْواتاً معطلين عن الحس والحركة كالأموات الاخر بَلْ هم أَحْياءٌ ذووا أوصاف واسماء ازلية وابدية مقربين بها عِنْدَ رَبِّهِمْ الجامع لجميع الأوصاف والأسماء يُرْزَقُونَ بمقتضاها من عنده فَرِحِينَ مسرورين بِما آتاهُمُ اللَّهُ عن موائد المعرفة والإحسان بسببها مِنْ فَضْلِهِ خالدين فيها ابدا وَمع تلك اللذة الكاملة والفرح المفرط يَسْتَبْشِرُونَ ويطلبون البشارة والشفاعة من لدنه سبحانه بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ من إخوانهم الذين بقوا مِنْ خَلْفِهِمْ في دار الدنيا التي هي منزل الخطر والعناء ومحل الخوف والفناء قائلين لهم منادين عليهم منبهين أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ لو يلحقوا بنا وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ لو خلصوا عن الدنيا ولوازمها بل يَسْتَبْشِرُونَ دائما لأنفسهم ولإخوانهم بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ جزاء لما جاهدوا في سبيله وَفَضْلٍ عطاء منه سبحانه امتنانا عليهم من لطفه وَاعلموا ايها العاملون لرضا الله المجاهدون في سبيله أَنَّ اللَّهَ المجازى لعموم عباده لا يُضِيعُ سبحانه بمقتضى كرمه وجوده أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ المجتهدين الذين بذلوا جهدهم في محبة الله ومحبة رسوله سيما الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ راجين الاجابة والقبول منهما حين دعاهم الله ورسوله الى المقاتلة مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ من العدو بلا مماطلة وتسويف بل رغبتهم على الكر أشد من المرة الاولى وذلك ان أبا سفيان وأصحابه لما رجعوا من المدينة فبلغوا روحاء ندموا وقصدوا الرجوع ليستأصلوهم فبلغ الخبر الى رسول الله ﷺ فنصب أصحابه للخروج في طلبهم فقال لا يخرجن معنا اليوم الا من كان معنا أمس فخرج ﷺ مع جماعة من المؤمنين حتى بلغوا حمراء الأسد وهي على ثمانية أميال من المدينة وكان بأصحابه الفرح والسرور متلهفين متحسرين للشهادة متشوقين الى مرتبة إخوانهم الذين استشهدوا في سبيل الله فمر بهم معبد الخزاعي وكان يومئذ مشركا فقال يا محمد لقد عز علينا ما اصابك وأصحابك ثم خرج من بينهم فلقى أبا سفيان بالروحاء فقال له ابو سفيان ما ورائك يا معبد قال محمد قد خرج مع أصحابه يطلبونكم على تهور لم أر مثلهم أحدا يتحرقون عليكم تحرقا بحيث

стр. 134

لو لقيتم إياهم ما بقيتم قال له ابو سفيان ويلك ما تقول قال والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل قال فو الله لقد اجمعنا للكرة عليهم لنستأصل بقيتهم قال فانى والله لقد أنهاك عن ذلك فالقى الله في قلوبهم الرعب فرجعوا مستوحشين لذلك قال سبحانه في حق المؤمنين لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ببذل الروح في سبيل الله بالخروج مع رسول الله مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا عن مخالفة امر الله ورسوله أَجْرٌ عَظِيمٌ لا اجر أعظم منه الا وهو الفوز بالبقاء الأبدي السرمدي وهم من كمال ايمانهم هم الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ المخبرون لهم ترحما وتحذيرا إِنَّ النَّاسَ يعنى أبا سفيان وأصحابه قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ليكروا عليكم ويستأصلوكم فَاخْشَوْهُمْ حتى لا يلحقكم ضررهم ثانيا فَزادَهُمْ قول المخبرين الناصحين إِيماناً اطاعة وانقيادا وتسليما ورضا على حكم الله ورسوله وَقالُوا في جوابه من غاية تفويضهم وتسليمهم حَسْبُنَا اللَّهُ وكافينا يكفينا عنايته لنا في حياتنا ومماتنا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ هو سبحانه لعموم مصالحنا نفوض أمورنا كلها اليه ونعتصم به من سخطه وغضبه. ثم لما فوضوا أمورهم الى الله واعتصموا له واستنصروا منه وتوكلوا عليه قذف الله في قلوب أعدائهم الرعب فهربوا فَانْقَلَبُوا يعنى هو ﷺ وأصحابه من حمراء الأسد بِنِعْمَةٍ عظيمة فائضة مِنَ اللَّهِ وهي تصبرهم على ما أصابهم في إعلاء كلمة الحق وَفَضْلٍ زيادة عطاء تفضلا وامتنانا لتحققهم بمقام الرضا بعموم ما أصابهم من القضاء وذلك انهم لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ أصلا بعد ما أصاب لهم يوم احد بل ما صاروا بعد ذلك إلا غالبين دائما على الأعداء وَما ذلك الا انهم قد اتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ ورضا رسول الله بلا ميل منهم الى مقتضيات نفوسهم وَبالجملة اللَّهِ المجازى لعموم عباده ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ولطف جسيم على من هو من اهل الرضا والتسليم واعلموا ايها المؤمنون المفوضون المسلمون إِنَّما ذلِكُمُ المخبرون المخوفون لكم هم الشَّيْطانُ واتباعه إذ ما يُخَوِّفُ الشيطان من الأعداء الا أَوْلِياءَهُ وهم المنافقون فَلا تَخافُوهُمْ أنتم ايها المؤمنون إذ الله معكم يحفظكم عما يضركم وَخافُونِ من اطاعة الشيطان ومتابعته حتى لا يلحقكم غضى إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ موقنين بقدرتي على عموم الانعام والانتقام وَبالجملة لا يَحْزُنْكَ يا أكمل الرسل ضرر الَّذِينَ يُسارِعُونَ ويوقعون أنفسهم فِي الْكُفْرِ سريعا من المنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم إِنَّهُمْ بسبب كفرهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً بل ضرر كفرهم انما يعود إليهم ويلحق بهم إذ يُرِيدُ اللَّهُ المقدر لكفرهم أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ لذلك وفقهم على الكفر وَهيأ لَهُمْ فيها عَذابٌ عَظِيمٌ هو عذاب الطرد والخذلان والحسرة والحرمان جزاء لكفرهم ونفاقهم ثم برهن عليه سبحانه بقوله إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا واستبدلوا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ من شدة نفاقهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ الغنى بذاته شَيْئاً بهذا الاستبدال والاختيار بل وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ مولم في الدنيا بالقتل والسبي والاجلاء وفي الآخرة بالحرمان عن رتبة الإنسان وَبالجملة لا يَحْسَبَنَّ يا أكمل الرسل الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ اى امهالنا إياهم في النشأة الاولى خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ولهم فيه نفع وفائدة بل إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً موجبا للعذاب وَلَهُمْ في النشأة الاخرى عَذابٌ مُهِينٌ مذل مخز جزاء لاستكبارهم وعتوهم في الدنيا. ثم لما اختلط المنافقون مع المؤمنين وتشاركوا معهم في اظهار الايمان والقول به على طرف

стр. 135

اللسان بلا اعتقاد منهم واخلاص أراد سبحانه ان يبين المؤمن ويميزه من المنافق والمخلص من المرائى فقال ما كانَ اللَّهُ المطلع لضمائر عباده لِيَذَرَ ويترك الْمُؤْمِنِينَ المخلصين عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ من الالتباس والمشاركة مع اهل الكفر والنفاق بحسب الظاهر بل يختبر ويمتحن إخلاصكم بأنواع البليات والمصيبات حَتَّى يَمِيزَ ويفصل الْخَبِيثَ المنافق المصر على النفاق مِنَ الطَّيِّبِ المؤمن الموقن بتوحيد الله الراضي بما جرى عليه من قضائه وَبعد تمييزه وفصله سبحانه ما كانَ اللَّهُ المطلع على عموم الغيوب لِيُطْلِعَكُمْ بأجمعكم عَلَى الْغَيْبِ الذي من جملة ما في ضمائر عباده من الوفاق والنفاق وَلكِنَّ اللَّهَ المحيط بعموم القابليات يَجْتَبِي ويختار مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ بان يوحى اليه ويلهمه التمييز بين استعدات عباده للايمان والكفر وإذا كان عموم الأمر عند الله العزيز العليم فَآمِنُوا ايها المؤمنون المخلصون بِاللَّهِ المميز لاستعداداتكم اصالة وَرُسُلِهِ الملهمين بالتمييز تبعا وَإِنْ تُؤْمِنُوا وتحافظوا على شعائر الايمان بعد ما آمنتم وَتَتَّقُوا عن الميل والمخالفة فَلَكُمْ عند الله الميسر لكم أَجْرٌ عَظِيمٌ هو ايصالكم الى التحقق بمقام العبودية والتوحيد إذ لا اجر أعظم منه وَمن جملة الأمور التي يجب الاتقاء والتحرز عنه البخل لا يَحْسَبَنَّ البخلاء الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ المنعم المفضل إياه مِنْ فَضْلِهِ اختيارا لهم تدخيرا وتوريثا لأولادهم هُوَ خَيْراً لَهُمْ اى البخل ينفعهم عند الله ويثيبهم لأجله او يدفع عنهم العذاب بسببه بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ يستجلب انواع العذاب عليهم وكيف لا يجلب سَيُطَوَّقُونَ اى يسلسلون ويغلون ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ويسحبون بتلك السلسلة والغل على وجوههم الى نار البعد والحرمان جزاء لبخلهم الذي كانوا عليه وَبالجملة لِلَّهِ لا لغيره من الأسباب والوسائل مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى حيازة جميع ما في عالم الأرواح وعالم الأشباح تملكا وتصرفا بحيث لا ينازع في ملكه ولا يشارك في سلطانه بل له الحكم والشان واليه رجوع عموم ما يكون وكان وَاللَّهُ المتوحد المتفرد في ملكه وملكوته بِما تَعْمَلُونَ من التصرفات المجازية خَبِيرٌ لا يغيب عن خبرته شيء من أفعالكم وأقوالكم كما اخبر سبحانه عن علمه بقول اليهود بقوله لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ السميع العليم قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا استهزاء ومراء حين نزل الآية الكريمة من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ قد استقرض منا وَنَحْنُ أَغْنِياءُ وبعد ما سمع منهم سبحانه ما سمع قال على سبيل التهديد والتوعيد سَنَكْتُبُ ما قالُوا اى قولهم هذا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ فيما مضى في صحائف أعمالهم في نظم واحد ونجازيهم يوم الجزاء حسب ما كتبنا وَنَقُولُ لهم وقت جزائنا إياهم ذُوقُوا ايها المسيئون المفرطون في اساءة الأدب مع الله ورسله عَذابَ الْحَرِيقِ المحرق غاية الإحراق حيث يدرك ويذوق احراقنا اجسامكم وجميع قواكم ونقول لكم حينئذ لا تنسبونا في هذا التعذيب والإحراق الى الظلم والعدوان إذ حلول ذلِكَ العذاب عليكم انما هو بِما قَدَّمَتْ واكتسبت أَيْدِيكُمْ من المعاصي العظيمة والجرائم الكبيرة التي من جملتها قولكم هذا وقتلكم الأنبياء فيما مضى واهتمامكم بقتل آخر الأنبياء ﵇ وَاعلموا أَنَّ اللَّهَ المنتقم الغيور لَيْسَ بِظَلَّامٍ اى ذي ظلم وعدوان لِلْعَبِيدِ الذين ظلموا في دار الدنيا بل يجازيهم وينتقم عنهم بمقتضى ظلمهم وطغيانهم بلا زيادة ونقصان عدلا منه سبحانه ومن جملة المعذبين ايضا بهذا العذاب المهين الَّذِينَ قالُوا افتراء

стр. 136

على الله في تعليل عدم ايمانهم برسول الله ﷺ إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا في التورية وأوصانا أَلَّا نُؤْمِنَ ولا نقر لِرَسُولٍ اى لكل رسول يدعى الرسالة من عنده سبحانه ويظهر المعجزة وفق دعواه حَتَّى يَأْتِيَنا في أظهرنا وبين أيدينا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ وتحيله النَّارُ النازلة من جانب السماء وذلك لأنهم ادعوا ان أنبياء بنى إسرائيل يتقربون الى الله بقربان فيتقدم النبي يدعو والناس حوله فينزل نار من جانب السماء فتحيل القربان الى طبعها فجأة وقد كان هذه علامة قبول الله قرابينهم قُلْ لهم يا أكمل الرسل تبكيتا وإلزاما قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ اى المعجزات الواضحة الدالة على رسالتهم وَخصوصا بِالَّذِي قُلْتُمْ وادعيتم فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ مع إتيانهم بعموم ما اقترحتم منهم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في ان ايمانكم موقوف على هذه المعجزة وإذا كان أمرهم هذا وشانهم هكذا فَإِنْ كَذَّبُوكَ وأنكروا عليك يا أكمل الرسل لا تبال بتكذيبهم وانكارهم فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ذووا معجزات كثيرة وآيات كبيرة ومع انهم انما جاؤُ على من أرسل إليهم بِالْبَيِّناتِ الواضحة الموضحة وَالزُّبُرِ اى الصحف المشتملة على الاحكام فقط وَالْكِتابِ الجامع للحكم والاحكام والعبر والمواعظ والرموز والإشارات الْمُنِيرِ على عموم من استنار منه واسترشد ومع ذلك قد أنكروا عليه واستكبروا فمضوا هم ومن أنكر عليهم واستكبر إذ كُلُّ نَفْسٍ خيرة كانت او شريرة ذائِقَةُ كأس الْمَوْتِ عند حلول الأجل المقدر له من لدنا وَبالجملة إِنَّما تُوَفَّوْنَ وتعطون أُجُورَكُمْ اى جزاء أعمالكم خيرا كان او شرا يَوْمَ الْقِيامَةِ المعد للجزاء والوفاء فَمَنْ زُحْزِحَ وبعد بصالح اعماله عَنِ النَّارِ المعدة للفجرة والأشقياء وَأُدْخِلَ بسببها الْجَنَّةَ التي أعدت للصلحاء والسعداء فَقَدْ فازَ فوزا عظيما ومن لم بزحزح عن النار ولم يبعد عنها بل ادخل فيها لفساد عمله فقد خسر خسرانا مبينا وَبالجملة اعلموا ايها المكلفون بالإيمان والأعمال الصالحة المتفرعة عليه مَا الْحَياةُ الدُّنْيا التي أنتم تعيشون بها فيها إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ بمزخرفاتها يغركم بلذاتها الفانية الغير القارة عن النعيم الدائم واللذة المستمرة وأنتم ايها المغرورون بمزخرفاتها الدنية لا يتنبهون. والله ايها المؤمنون لَتُبْلَوُنَّ ولتختبرن فِي إتلاف أَمْوالِكُمْ التي هي حطام دنياكم وَايضا باماتة أَنْفُسِكُمْ وأولادكم التي هي الهالكة المستهلكة في حدود ذواتها وَلَتَسْمَعُنَّ اخبارا ووقائع مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ من اليهود والنصارى وَايضا مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ممن لا كتاب لهم ولا نبي أَذىً كَثِيراً يؤذيكم سماعها فكيف ادراكها كل ذلك لتوطنوا انفسكم على مقتضيات التوحيد وتمكنوها في مقام الرضا والتسليم كي تستقروا في مقام العبودية مطمئنين بلا تزلزل وتلوين وَإِنْ تَصْبِرُوا ايها الموحدون بأمثالها وَتَتَّقُوا عن الإضرار بها والشكوى عنها فَإِنَّ ذلِكَ اى صبركم وتقويكم هذا مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ اى من الأمور التي قد عزم عليها عموم ارباب المحبة والولاء المستكشفين عن غوامض اسرار التوحيد فعليكم ان تواظبوا عليها ان كنتم راسخين في طلب اليقين. ثبتنا بلطفك على منهج الاستقامة واعذنا من موجبات الندامة يوم القيمة وَاذكر يا أكمل الرسل لمن يؤذيك من اهل الكتاب وقت إِذْ أَخَذَ اللَّهُ المرسل للرسل المنزل للكتب مِيثاقَ اى العهد الوثيق على الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ من اخبار اليهود والنصارى لَتُبَيِّنُنَّهُ اى الكتاب صريحا واضحا بلا تبديل

стр. 137

ولا تغيير لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ شيأ مما فيه من القصص والعبر والرموز والإشارات سيما من أوصاف النبي الموعود ﷺ فَنَبَذُوهُ بعد عهدهم وميثاقهم المعهود وَراءَ ظُهُورِهِمْ وان كان الواجب عليهم الحفظ والوفاء وَاشْتَرَوْا بِهِ اى اختاروا بدله ثَمَناً قَلِيلًا من الرشى من مترفيهم ومستكبريهم حفظا لرئاستهم وجاههم فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ ويختارون بدل ما يكتمون سيما أوصاف محمد ﷺ وبالجملة لا تَحْسَبَنَّ ايها الكامل في امر الرسالة المنافقين الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا من الخداع والنفاق مع المؤمنين واظهارهم الايمان على طرف اللسان وَهم في أنفسهم يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا عند إخوانهم بِما لَمْ يَفْعَلُوا من الإخلاص مع المؤمنين وهم وان خلصوا عن أيدي المؤمنين ظاهرا بخداعهم وتغريرهم هذا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ يا أكمل الرسل بِمَفازَةٍ مخلص ومنجاة مِنَ الْعَذابِ المخلد المعد لهم في يوم الجزاء بل وَلَهُمْ فيه عَذابٌ أَلِيمٌ سيما عند رؤيتهم المؤمنين المخلصين في النعيم المقيم واللذة المستمرة وَان اغتر أولئك المغرورون بامهال الله إياهم في النشأة الاولى وما علموا انهم لا يمهلون في النشأة الاخرى إذ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ اى عالم الأرواح وَالْأَرْضِ اى عالم الطبيعة والأشباح. وله التصرف فيهما كيف يشاء متى يشاء بالإرادة والاختيار بطشا وامهالا ثوابا وعذابا وَبالجملة اللَّهُ المتعزز المتفرد في ملكه وملكوته عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الانعام والانتقام قَدِيرٌ بلا فتور ولا قصور. ثم قال سبحانه ايقاظا للمسترشد الخبير وتنبيها للمستبصر البصير إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ اى الأوصاف والأسماء الفياضة الفعالة وَالْأَرْضِ اى الطبيعة القابلة لقبول الفيض وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ اى آثار القبض والجلال وَالنَّهارِ اى آثار البسط والجمال لَآياتٍ دلائل وعلامات على رقائق المناسبات ودقائق الارتباطات الواقعة بين الأسماء والصفات المستدعية لظهور التجليات الظاهرة في الأنفس والآفاق حسب القوابل والمظاهر لِأُولِي الْأَلْبابِ الواصلين الى لب التوحيد المعرضين عن قشوره بالمرة. الا وهم الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ المتوحد في ذاته في جميع حالاتهم سواء كانوا قِياماً اى قائمين وَقُعُوداً اى قاعدين وَعَلى جُنُوبِهِمْ مضطجعين متكئين وَبالجملة هم في عموم شئونهم وحالاتهم يَتَفَكَّرُونَ دائما فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الى ان سكروا وترقى أمرهم في السكر الى ان يتحيروا وبعد تحيرهم استغرقوا وبعد استغراقهم تاهوا وهاموا وبعد ذلك فنوا في الله ثم فنوا ثم فنوا وانقطع سيرهم فمنهم من تمكن في تلك المرتبة العلية واستقر عليها وبقي في قباب عز الوحدة متعززا متفردا ومنهم من صحا عن سكره ورجع الى بدئه مستكملا قائلا رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا المحسوس المشاهد باطِلًا بلا طائل سُبْحانَكَ نقدسك وننزهك يا ربنا عن مدركات عقولنا وحواسنا فَقِنا واحفظنا بلطفك عَذابَ النَّارِ الذي قد أحاط بنا بسبب غفلتنا عن مطالعة وجهك الكريم رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ اى جعلته في مضيق الإمكان من المحبوسين المسجونين المعذبين المطرودين فظلموا أنفسهم بالتفاتهم نحو الغير وَبالجملة ما لِلظَّالِمِينَ المستقرين نفوسهم في ظلمة الإمكان بأنواع الخزي والخذلان مِنْ أَنْصارٍ ينصرونهم ويخرجونهم منها سوى المؤيدين من عندك من الأنبياء والأولياء المأمورين من لدنك بهداية المضلين رَبَّنا بعد ما وفقتنا بإرسال رسلك إلينا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً مشفقا هاديا مرشدا إذ هو يُنادِي ويرشد لِلْإِيمانِ بتوحيدك قائلا

стр. 138

مخاطبا إيانا أَنْ آمِنُوا عباد الله وتوجهوا ايها التائهون في تيه العدم الذي هو عبارة عن مضيق الإمكان بِرَبِّكُمْ الذي رباكم سور وجوب الوجود وبعد ما سمعنا نداءه فَآمَنَّا به وامتثلنا امره وصدقنا قوله يا رَبَّنا فحققنا بإرشاده واشفاقه في مرتبة اليقين العلمي بوحدة ذاتك وبعد تحققنا فيها بإعانتك وتوفيقك فَاغْفِرْ واستر لَنا ذُنُوبَنا اى انانيتنا وهويتنا التي قد صرنا بها محرومين عن ساحة عز حضورك حتى نتحقق ونصل بفضلك ولطفك الى مرتبة اليقين العيني ونكاشف بمعاينة ذاتك ونتشرف بمطالعة وجهك الكريم وَبعد ما تحققنا فيها كَفِّرْ وطهر عَنَّا سَيِّئاتِنا اى عموم اوصافنا التي تشعر بالاثنينية بالكلية حتى نتحقق حسب فضلك وجودك في مرتبة اليقين الحقي وَبالجملة تَوَفَّنا في فضاء الفناء مَعَ الْأَبْرارِ الفانين في ذاتك الباقين ببقائك رَبَّنا ثبتنا في مقام عبوديتك وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى لسان رُسُلِكَ من الكشوف والشهود وسائر ما جاءوا به وأخبروا عنه وَلا تُخْزِنا ولا تحرمنا يَوْمَ الْقِيامَةِ حين لقيناك عما وعدتنا من شرف لقائك إِنَّكَ بمقتضى لطفك وجودك على عبادك لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ الذي قد وعدته إياهم من سعة رحمتك وجودك. ثم لما تضرعوا الى الله والتجئوا نحوه نادمين عما هم عليه من مقتضيات بشريتهم فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ واستقبل عليهم بالاجابة والقبول قائلا أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مخلص مِنْكُمْ سواء كان مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى إذ بَعْضُكُمْ ناش مِنْ بَعْضٍ ذكركم من انثاكم وانثاكم من ذكركم وكلكم مشتركون في مرتبة الانسانية وفي المظهرية الجامعة اللائقة للخلافة والنيابة وبالجملة فَالَّذِينَ هاجَرُوا منكم من دار الغرور طالبين الوصول الى دار السرور وَأُخْرِجُوا بسبب هذا الميل مِنْ دِيارِهِمْ المألوفة التي هي بقعة الإمكان وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي بواسطة قطع التعلقات البشرية وترك المألوفات الطبيعية وَقاتَلُوا مع القوى الحيوانية وَقُتِلُوا في الجهاد الأكبر مع جنود الامارة لَأُكَفِّرَنَّ اى لأمحون واطهرن عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ التي هي ذواتهم الباطلة العاطلة الهالكة المستهلكة في حدود ذواتها وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ ملاحظات ومكاشفات ومشاهدات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ دائما مملوة بمياه المعارف والحقائق المتجددة بتجدد الأمثال يثابون فيها دائما مستمرا ثَواباً نازلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تفضلا عليهم وامتنانا وَبالجملة اللَّهِ الجامع لشتات العباد عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ وخير المنقلب والمآب لا يَغُرَّنَّكَ يا أكمل الرسل تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا انتقالهم وترحالهم فِي الْبِلادِ لاستجلاب المنافع والمتاجر إذ هو مَتاعٌ قَلِيلٌ ولذة يسيرة في مدة قصيرة ثُمَّ اى بعد انقضاء النشأة الاولى مَأْواهُمْ ومنقلبهم جَهَنَّمُ البعد والخذلان خالدين فيها ابد الآباد وَبالجملة بِئْسَ الْمِهادُ مضيق الإمكان المستلزم لانواع الحرمان والخذلان لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ وحذروا عن الاشتغال بزخرفة الدنيا وأمتعتها منيبين اليه متوجهين نحوه لَهُمْ عنده سبحانه جَنَّاتٌ متنزهات محتوية بأنواع اللذات الروحانية تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ مملوة من العلوم البدنية خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ حين وصلوا اليه واتصلوا به سبحانه وَاعلموا ايها المؤمنون الموحدون المحمديون ما عِنْدَ اللَّهِ من اللذات الدائمة والمثوبات المستمرة خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ المتوجهين الى دار القرار ثم قال سبحانه وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ المنزل للكتب على الرسل المرسل للرسل

стр. 139

وَلا يفرق ولا يميز بين الكتب والرسل أصلا بل يؤمن لجميع ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ من القرآن والرسول الذي هو محمد ﵇ وَكذا ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ من التورية والإنجيل المنزلين على موسى وعيسى ﵉ وكذا سائر الكتب والصحف المنزلة من عنده سبحانه على الرسل الماضين لتحققهم في مقام العبودية والتوحيد وهم في هذا الايمان والإذعان خاشِعِينَ خاضعين لِلَّهِ مخلصين له. وعلامة خشوعهم وخضوعهم انهم لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ بتبديلها وتحريفها ثَمَناً قَلِيلًا من الرشى مثل أحبار اليهود ومتفقهة هذه الامة في هذا العصر خذلهم الله وهم الذين يحتالون في احكام الشريعة المصطفوية بمقتضى أحلامهم السخيفة وآراءهم الباطلة ويأخذون الرشى لأجل حيلتهم هذه ويسمونها حيلة شرعية مع ان الشرع الشريف انما وضع لرفض المكر والحيلة كأنه قد ظهر ما قال ﷺ الإسلام بدأ غريبا وسيعود كما بدأ أُولئِكَ السعداء الأمناء المخلصون الخاشعون الخاضعون لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يوفيهم عليهم أجورهم يوم الجزاء من حيث لا يحتسبون ولا يستحقون بها بأعمالهم إِنَّ اللَّهَ المطلع لضمائرهم سَرِيعُ الْحِسابِ يحاسب أعمالهم ويجازيهم عليها سريعا بل يزيد عليهم تفضلا وامتنانا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بوحدة الحق مقتضى ايمانكم الصبر على متاعب مسالك التوحيد اصْبِرُوا على مشاق التكليفات الواقعة في طريقه وَصابِرُوا اى غالبوا على جنود القوى النفسانية العائقة عن الرياضات القالعة للاهوية الفاسدة وَرابِطُوا قلوبكم الى المشاهدات والمكاشفات الواردة من النسمات الإلهية والنفسات الرحمانية المهبة من قبل يمن عالم اللاهوت حسب جود حضرة الرحموت وَبالجملة اتَّقُوا اللَّهَ عن جميع ما يعوقكم ويشغلكم عن التوجه نحوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وتفوزون منه بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ربنا افرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين واحشرنا مع الصابرين المرابطين وهب لنا من لدنك رحمة انك ارحم الراحمين خاتمة سورة آل عمران عليك ايها الموحد المحمدي المترصد لفيضان الكشف واليقين ونزول الاطمئنان والتمكين ان تتصبر على عموم ما جرى عليك من المصيبات والبليات المشعرة للاختبارات الإلهية وابتلاءاته عن رسوخ قدمك في جادة التوحيد وصدق عزيمتك في مسلك الفناء وعلو همتك للتحقق بدار البقاء وتربط قلبك بحقك الذي هو أصلك وحقيقتك مقبلا عليه متوجها اليه مجتنبا عن جميع ما يعوقك عنه من لوازم ماهيتك ولواحق هويتك التي لا حقيقة لها عند التحقيق ولا قرار على ما يترتب عليها وعلى لوازمها إذ هي أعراض متبدلة بل اظلال باطلة واعدام صرفة زائلة عاطلة لا تحقق لها ولآثارها أصلا سوى ان الوجود الحقيقي قد انبسط عليها وأمد إليها بجميع كمالاته فانعكس منه ما انعكس فيتراءى العكوس والاظلال متشعشعة متجددة دائما بمقتضى تجدد تجليات الأوصاف والأسماء الى حيث قد ظن المحجوب الفاقد بصر البصيرة وعين الشهود انها متأصلات في الوجود بل ما هي عند التحقيق إلا تجل واحد منفرد مستمر ازلا وابدا على هذا المنوال. ذقنا بلطفك حلاوة معرفتك وتوحيدك يا أكرم الأكرمين فلك ان تصفى ضميرك عن عموم ما يؤدى الى التقليد والتخمين وتفرغ خاطرك عن جميع ما يوهم التعدد والكثرة حتى انشرح صدرك واتسع قلبك

стр. 140

واستعد لان يصير منزلا لسلطان الوجود الذي هو منبع عموم الكمالات والجود وقبلة الواجد والموجود الا وهو الحوض المورود والمقام المحمود وإياك إياك ان تقتفى اثر وساوس مقتضيات نفسك التي هي أعدى عدوك وأشد ما يغويك ويضلك بل جميع شياطينك انما انتشأت منها واستتبعت عليها فعليك ان تلتجئ في الاجتناب عن غوائلها بالمرشد الرشيد الكافل الكامل الذي هو القرآن المجيد المنزل من عند الله على خير الأنام المؤيد من لدن عليم علام ليهدى الضالين المضلين عن جادة التوحيد. بمتابعة الشيطان المريد. ويوصلهم الى صفاء التجريد. وزلال التفريد. بتوفيق من الله وجذب من جانبه. وفقنا بلطفك وكرمك بما تحب وترضى عنا يا مولانا [سورة النساء] فاتحة سورة النساء لا يخفى على الموحدين المتأملين في كيفية انبساط الوحدة الذاتية على صفائح الأعيان الممكنة الفانية للحصر والإحصاء ان للحق ﷻ وعم نواله حسب وحدته الذاتية ظهورا في كل ذرة من ذرائر الكائنات ليظهر منها آثار أوصافه وأسمائه الكامنة في غيب هويته حسب استعداداتها وقابلياتها والمظهر الكامل الجامع الذي يلوح منه عموم آثار الأسماء والصفات الإلهية على التفصيل ليس الا الإنسان الكامل لذلك قد خلقه سبحانه على صورته واستخلفه من بين بريته وكرمه على جميع خليقته ورزقه من طيبات معارفه وحقائقه والتفت بذاته نحو تخميره ورباه بإرسال رسله وإنزال كتبه ليظهر منه جميع ما أودعه فيه من الكمالات المترتبة على أسمائه الحسنى وصفاته العليا حتى يتمكن في مرتبة الخلافة والنيابة مطمئنا ويتقرر على مقر التوحيد متمكنا لذلك ناداهم امتنانا عليهم ليقبلوا اليه وأوصاهم بالتقوى ليتخذوه وقاية وكفيلا وقائدا ودليلا فقال متيمنا بِسْمِ اللَّهِ الذي ظهر على من استخلفه بجميع كمالاته إظهارا لقدرته الرَّحْمنِ عليه بنشر ذريته وتوريث مرتبته الرَّحِيمِ عليه بهدايته الى مبدأه ومعاده حسب نشأته [الآيات] يا أَيُّهَا النَّاسُ الذين نسوا الموطن الأصلي والمنزل الحقيقي بزخرفة الدنيا المانعة من الوصول اليه عليكم الاتقاء من غوائلها والاجتناب عن مخايلها حتى لا تنحطوا عن مرتبتكم الاصلية ومكانتكم الحقيقية اتَّقُوا واحذروا عن تغريرات الدنيا الدنية والتجؤا رَبَّكُمُ الَّذِي رباكم بحسن التربية حيث خَلَقَكُمْ وأظهركم أولا مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ التي هي عبارة عن المرتبة الفعالة المحيطة بجميع المراتب الكونية والكيانية إلا وهي المرتبة الجامعة المحمدية المسماة بالعقل الكل والقلم الأعلى تكميلا لبواطنكم وغيبكم وَخَلَقَ مِنْها بالنكاح المعنوي والزواج الحقيقي الواقع بين الأوصاف والأسماء الإلهية حسب المناسبات الرقيقة والإضافات الدقيقة زَوْجَها التي هي النفس الكلية القابلة لفيضان عموم الآثار الصادرة من المبدأ المختار تتميما لظواهركم وشهادتكم حتى تستحقوا الخلافة والنيابة بحسب الظاهر والباطن وَبعد ما خلقهما كذلك قد بَثَّ اى بسط ونشر مِنْهُما بذلك النكاح المذكور رِجالًا كَثِيراً فواعل مفيضات مؤثرات وَنِساءً قوابل مستفيضات متأثرات أزواجا كل لنظيرتها حسب رقائق المناسبات الواقعة بين التجليات الحبية الإلهية على الوجه الذي بينتها الكتب والرسل. ثم لما كان الرب من الأسماء التي تتفاوت بتفاوت المربوب صرح بالالوهية المستجمعة لجميع الأوصاف والأسماء بلا تفاوت تأكيدا ومبالغة لأمر التقوى فقال وَاتَّقُوا اللَّهَ اى احذروا عن عموم ما يشغلكم عنه سبحانه مع قربه إليكم من حبل

стр. 141

وريدكم إذ هو الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ اى تتساءلون وتتنافسون أنتم بحوله وقوته وتتوهمون بعده من غاية قربه وَاحفظوا الْأَرْحامَ المنبئة عن النكاح المعنوي والزواج الحبى على الوجه الذي ذكر إِنَّ اللَّهَ المحيط بكم وبأحوالكم واطواركم قد كانَ عَلَيْكُمْ دائما رَقِيباً حفيظا يحفظكم عما لا يعنيكم ان اخلصتم التوجه نحوه ومن جملة الأمور التي يجب المحافظة عليها ايها المأمورون بالتقوى حقوق اليتامى فعليكم ايها الأولياء والأوصياء ان تحرزوا مال اليتيم حين موت أبيه أوجده وتزيدوه بالمرابحة والمعاملة وتصرفوا منه لحوائجه بقدر الكفاف وَبعد البلوغ آتُوا الْيَتامى قبل البلوغ إذ لا يتم بعد البلوغ أَمْوالَهُمْ المحفوظة الموروثة لهم من آبائهم وَعليكم ان لا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ الردى من أموالكم بِالطَّيِّبِ الجيد من أموالهم وَايضا ان أردتم التصرف في أموالهم مقدار معاشهم ان لا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ اى مع أموالكم مختلطتين إِنَّهُ اى التصرف في أموالهم بلا رعاية المصلحة كانَ حُوباً كَبِيراً اى إثما عظيما مسقطا للمروءة بالمرة وَإِنْ خِفْتُمْ ايها الأولياء والأوصياء أَلَّا تُقْسِطُوا ولا تعدلوا فِي حفظ أعراض الْيَتامى النساء اللاتي لهن مال وجمال فَانْكِحُوا لدفع هذه الدغدغة ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ البالغات مقدار ما يسكن ميلكم وشهوتكم إليهن مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ اى اثنين اثنين وثلثة ثلثة واربعة اربعة حسب تفاوت ميولكم وشهواتكم ان حفظتم العدالة بينهن فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا بين المتعددة منهن فَواحِدَةً اى فلكم ان تنكحوا الواحدة منهن لتأمنوا من الفتنة سواء كانت من الحرائر أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من الإماء. ثم لما لم يكن في الإسلام رهبانية لان الحكمة تقتضي عدمها كما أشار اليه ﷺ بقوله لا رهبانية في الإسلام نبه سبحانه على اقل مرتبة الزواج الصوري المنبئ عن النكاح المعنوي والارتباط الحقيقي بقوله ذلِكَ اى نكاح الواحدة والقناعة بالإماء أَدْنى مرتبة الزواج على الذين يخافون أَلَّا تَعُولُوا اى من كثرة العيال وَان أردتم النكاح ايها المسلمون آتُوا النِّساءَ الحرائر او الإماء لغيركم صَدُقاتِهِنَّ اى مهورهن نِحْلَةً بتة مؤبدا بلا حيلة وخديعة وعينوها لهن بل سلموها إليهن بلا مطل وتسويف فَإِنْ طِبْنَ وهبن لَكُمْ لإفراط المحبة عَنْ شَيْءٍ كل او بعض مِنْهُ اى من المهر نَفْساً رغبة ورضا لا كرها واستحياء فَكُلُوهُ اى الشيء الموهوب لكم من المهر هَنِيئاً حلالا مَرِيئاً طيبا تقويما لمزاجكم لإقامة القسط والعدل الذي هو من جملة حدود الله المتعلقة بالتقوى وَمن جملة الحدود المتعلقة بالتقوى ايضا ان لا تُؤْتُوا ايها الأولياء السُّفَهاءَ سواء كانوا من أصلابكم او ما ينتمى إليكم وهم الذين قد خرجوا عن طور العقل ومرتبة التدبير والتكليف أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ المدبر لأموركم ملكا لَكُمْ ايها العقلاء المكلفون قِياماً اى سببا لقيامكم على الطاعة والعبادة وتقويما لأمزجتكم على تحمل التكاليف الإلهية وَلكن ارْزُقُوهُمْ فِيها اى اجعلوا طعامهم وسائر حوائجهم في مدة اعمارهم في ربحها ونمائها وَاكْسُوهُمْ ايضا منها وَان كان منهم من له ادنى شعور بأمر الاضافة والتمليك ولكن لا ينتهى الى التدبير والتصرف المشروع قُولُوا لَهُمْ اى لهؤلاء المنحطين من زمرة العقلاء قَوْلًا مَعْرُوفاً مستحسنا عقلا وشرعا وأضيفوا أموالهم إليهم عندهم لئلا ينكسر قلوبهم وَايضا من جملة الأمور التي قد وجب عليكم حفظها ابتلاء رشد اليتامى قبل أداء أموالهم إليهم ابْتَلُوا اختبروا وجربوا

стр. 142

ايها الأولياء عقول الْيَتامى وتدابيرهم في التصرفات الجارية بين ارباب المعاملات حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ اى السن المعتبر في باب النكاح وهو خمسة عشر عند الشافعى ﵀ وثمانية عشر عند ابى حنيفة ﵀ فَإِنْ آنَسْتُمْ اشعرتم وأحسستم مِنْهُمْ رُشْداً وتدبيرا كافيا وافيا للتصرفات الشرعية فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ على الوجه المذكور بلا مماطلة وتأخير وان لم تؤنسوا الرشد المعتبر منهم لا تدفعوها بل احفظوها الى إيناس الرشد منهم لكن وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً مسرفين في اجرة المحافظة وَبِداراً مبادرين في أكلها خوف أَنْ يَكْبَرُوا ويخرجوها من أيديكم وَمَنْ كانَ منكم ايها الأولياء غَنِيًّا ذا يسر فَلْيَسْتَعْفِفْ من أكلها. والتعفف منها خير له في الدنيا والآخرة وَمَنْ كانَ منكم فَقِيراً ذا عسر فَلْيَأْكُلْ منها بِالْمَعْرُوفِ المستحسن شرعا لا ناقصا من اجرة حفظه ولا زائدا عليها حفظا للغبطتين فَإِذا دَفَعْتُمْ ايها الأولياء بعد ما آنستم الرشد المعتبر منهم إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا اى احضروا ذوى عدل من المسلمين عَلَيْهِمْ ليشهدوا فيما جرى بينكم وبينهم وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً اى كفا الله حسيبا فيما جرى بينكم وبينهم في مدة المحافظة يحاسبكم ويجازيكم على مقتضى حسابه. ومن خطر هذه التصرفات قد كان ارباب الولاء من المشايخ قدس الله أسرارهم يمنعون اصحاب الارادة عن أمثالها لان البشر قلما يخلو عن الخطر سيما في أمثال هذه المزالق. ثبت أقدامنا على جادة توحيدك وجنبنا عن الخطر والتزلزل فيها بمنك وجودك. ثم لما امر سبحانه أولا عباده بالتقوى على وجه المبالغة والتأكيد وقرن عليها حفظ الأرحام ومراعاة الأيتام ومواساة السفهاء المنحطين عن درجة العقلاء أراد ان يبين احوال المواريث والمتوارثين مطلقا حتى لا يقع التظالم والتغالب فيها كما في الجاهلية الاولى إذ روى انهم لا يورثون النساء معللين بان هن لا يحضرن الوغا ولا يدفعن العدو رد الله عليهم هذا وعين لكل واحد من الفريقين نصيبا مفروزا مفروضا فقال لِلرِّجالِ سواء كانوا بالغين أم لا عقلاء أم سفهاء نَصِيبٌ سهمهم مفروض مقدر مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ المتروك مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً مقدرا في كتاب الله كما سيجيء بيانه وتعيينه عن قريب وَمن جملة الأمور المستحسنة المترتبة على التقوى تصدق الوارثين من المتروك إِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ اى وقتها أُولُوا الْقُرْبى المقلين المحجوبين عن الإرث وَالْيَتامى الذين لا مال ولا متعهد لهم وَالْمَساكِينُ الفاقدون وجه المعاش فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ فأعطوهم ايها الوارثون من المقسم المتروك مقدار ما لا يؤدى الى حرمان الورثة وَقُولُوا لَهُمْ حين الإعطاء قَوْلًا مَعْرُوفاً خاليا عن وصمة المن والأذى وَلْيَخْشَ من حلول غضب الله ونزول سخطه الأوصياء والحضار الَّذِينَ حضروا عند من اشرف على الموت ان يلقنوا له التصدق من ماله على وجه يؤدى الى حرمان الورثة وعلى الحضار ان يفرضوا ويقدروا انهم لَوْ ماتوا وتَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً أخلافا ضِعافاً بلا مال ولا متعهد قد خافُوا البتة عَلَيْهِمْ اى على أولادهم ان يضيعوا فكيف لا يخافون على أولئك الضعاف الضياع بل المؤمن لا بد ان يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه بل اولى منه فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ اى أولئك الحضار والأوصياء عن التلقين المخل لنصيب الورثة وَلْيَقُولُوا له وليلقنوا عليه قَوْلًا سَدِيداً سويا معتدلا بين كلا طرفي الإفراط والتفريط رعاية للجانبين وحفظا للغبطتين. ثم قال سبحانه توبيخا وتقريعا على الظالمين المولعين في أكل اموال الأيتام من الحكام

стр. 143

والأوصياء والمتغلبة من الورثة إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً بلا رخصة شرعية إِنَّما يَأْكُلُونَ ويدخرون فِي بُطُونِهِمْ ناراً معنويا في النشأة الاولى مستتبعا للنار الصوري في النشأة الاخرى إلا وهي نار البعد والخذلان وَهم فيها سَيَصْلَوْنَ ويدخلون سَعِيراً لا نجاة لاحد منه. ثم لما قدر سبحانه على المتوارثين نصيبا مفروضا على وجه الإجمال أراد ان يفصل ويعين أنصباءهم فقال يُوصِيكُمُ اللَّهُ اى يأخذ منكم العهد ويأمركم محافظته فِي أَوْلادِكُمْ اى الذين استخلفوا عنكم بعدكم وهو ان يقسم متروك المتوفى منكم بينهم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ لان كل ذكر لا بد له من أنثى او اكثر ليتزوجها حتى يتم امر النظام الإلهي والنكاح المعنوي ويجب عليه حوائجها وكذا لكل أنثى لا بد لها من ذكر ينكحها بعين ما ذكر ويأتى بحوائجها فاقتضت ايضا الحكمة الإلهية ان يكون نصيبهما بقدر كفافهما واحتياجهما لذلك عينه سبحانه هكذا فَإِنْ كُنَّ اى الوارثات نِساءً خلصا ليس بينهن ذكر وهن فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ المتوفى وَإِنْ كانَتْ الوارثة بنتا واحِدَةً فقط فَلَهَا النِّصْفُ مما ترك المتوفى وان كانتا بنتين فقط فقد اختلف فيهما فقال ابن عباس رضى الله عنهما حكمهما حكم الواحدة وقال الباقون حكمهما حكم ما فوق الاثنتين وعلى هذا يكون لفظة فوق مقحما كما في قوله تعالى فاضربوا فوق الأعناق وكذا عين سبحانه نصيب الأبوين فقال وَلِأَبَوَيْهِ اى لأبوي المتوفى لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ المتوفى إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ ذكر او أنثى فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ وللأب الباقي. هذا إذا لم يكن له غير الأب والام وارث فَإِنْ كانَ لَهُ اى للمتوفى إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ اى تردون الام من الثلث الى السدس بخلاف الأب فإنهم لا يرثون معه هذه القسمة والأنصباء المعينة انما تكون مِنْ بَعْدِ إخراج وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها من ماله للفقراء أَوْ قضاء دَيْنٍ كان في ذمته وهما ايضا انما يكونان بعد تجهيزه وتكفينه. ثم أشار سبحانه الى ان امر الميراث وتعيين الأنصباء امر تعبدي ليس لكم ان تتخلفوا عنها بمقتضى ميلكم وظنكم الى ان تورثوا بعض الورثة وتحرموا البعض الآخر بل لكم ان لا تتفاوتوا بينهم سواء كانوا آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ إذ لا تَدْرُونَ ولا تعلمون جزما أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً في الدار الآخرة عند الله فعليكم ان لا تتجاوزوا عن قسمة الله بل انقادوا لها واعتقدوها فَرِيضَةً مقدرة مِنَ اللَّهِ صادرة منه سبحانه بمقتضى حكمته المتقنة إِنَّ اللَّهَ المصلح لأحوال عباده كانَ عَلِيماً بحوائجهم حَكِيماً في ضبطها وترتيبها وَلَكُمْ ايها الأزواج من الذكور نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ من الإناث إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ منكم او من غيركم او ولد ولد وان سفل فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ او ولد ولد كما ذكر فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ هذه ايضا مِنْ بَعْدِ تنفيذ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها للفقراء أَوْ أداء دَيْنٍ لازم عليهن وَلَهُنَّ اى للنساء الوارثات الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ ايها الأزواج إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ منها او من غيرها او ولد ولد مثل ما مر فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ على التعميم المذكور فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ ذلك ايضا مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها تقربا الى الله أَوْ قضاء دَيْنٍ لزم على ذمتكم وَإِنْ كانَ المتوفى رَجُلٌ يُورَثُ منه وكان كَلالَةً ليس لها والد ولا ولد أَوِ امْرَأَةٌ كذلك وَلَهُ اى للرجل أَخٌ أَوْ أُخْتٌ من أم لان حكم الأخ والاخت من الأبوين او من الأب سيجيء في آخر السورة فلا بد ان يصرف هاهنا الى ما صرف فَلِكُلِّ

стр. 144

واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ من ماله فَإِنْ كانُوا اى الاخوة والأخوات من الام أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ بأجمعهم شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ على السوية لاشتراك السبب بينهم ذلك ايضا مِنْ بَعْدِ إخراج وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ يقضى غَيْرَ مُضَارٍّ لورثته بالزيادة على الثلث فعليكم ايها الحكام ان تتخذوا هذه القسمة وَصِيَّةٍ صادرة مِنَ اللَّهِ ناشئة منه سبحانه حسب حكمته المتقنة لإصلاح احوال عباده وَاللَّهُ المدبر المصلح بين عباده عَلِيمٌ بعموم مصالحهم حَلِيمٌ لا يعجل بالانتقام على من امتنع عن حكمه تِلْكَ المذكورات المتعلقة بأحوال الأموات حُدُودُ اللَّهِ الموضوعة بينكم ايها المؤمنون بالله وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ في امتثال أوامره واجتناب نواهيه وَرَسُولَهُ في جميع ما جاء به من عند ربه من الأمور المتعلقة لتهذيب الظاهر والباطن من الكدورات البشرية والعلائق البهيمية يُدْخِلْهُ الله بفضله ولطفه جَنَّاتٍ هي متنزهات التوحيد الا وهي اليقين العلمي والعيني والحقي تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ انهار المعارف الجزئية الجارية من عالم الغيب الى عالم الشهادة وهم لا يتحولون عنها بل صاروا خالِدِينَ فِيها ابدا وَذلِكَ اى الخلود في متنزهات الشهود هو الْفَوْزُ الْعَظِيمُ والفضل الكريم طوبى لمن فاز من الله به وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ بإنكار الأوامر والإصرار على النواهي وَرَسُولَهُ بالتكذيب وعدم الإطاعة وانواع الإيذاء وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ المشروعة الموضوعة بين عباده يُدْخِلْهُ الله بمقتضى اسمه المنتقم ناراً هي نار البعد والطرد عن كنف جواره وعز حضوره فصار خالِداً فِيها ابدا وَلَهُ بسبب عصيانه وإصراره عليه عَذابٌ مُهِينٌ يبعده عن ساحة عز الحضور والقبول. أدركنا بلطفك يا خفى الألطاف ثم لما بين سبحانه احكام المواريث واحوال المتوارثين وعين سهامهم وأنصباءهم أراد ان يحذر المؤمنين عن الزنا التي هي هتك حرمة الله الموضوعة بين الازدواجات الحبية الإلهية واختلاط الأنساب المصححة للاحكام المذكورة وبالجملة هي الخروج عن مقتضى السنة السنية الإلهية التي قد سنها بين عباده على مقتضى الحكمة المتقنة الصالحة المصلحة لأصل فطرتهم التي هم خلقوا عليها وجبلوا لأجلها إلا وهي التحقق بالتوحيد الذاتي والزنا انما يتصور بين المرأ والمرأة الاجنبية المحرمة لذلك قدم سبحانه امر النساء وبين احكامهن وأحال حكم الرجال على المقايسة لقباحتها وشناعتها كأنه استبعد سبحانه عن عقلاء اهل الإسلام أمثال هذه الجرائم والآثام الا من النواقص ولأنهن في انفسهن شباك الشياطين يصطادون بهن ضعفاء المؤمنين بل أقوياءهم ايضا على ما نطق به حديث النبي صلوات الله على قائله ما ايس الشيطان من ابن آدم الا ويأتيهم من قبل النساء فقال وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ اى الفعلة القبيحة التي هي الزنا وهن مِنْ نِسائِكُمْ وفي حجركم ونكاحكم فاخبرتم بها العياذ بالله فعليكم في تلك الحالة ان لا تبادروا الى رميها ورجمها بل فَاسْتَشْهِدُوا واطلبوا الشهداء من المخبر ليشهدوا عَلَيْهِنَّ بالزنا والمعتبر ان تكون الشهود أَرْبَعَةً مِنْكُمْ من عدول رجالكم بشرط ان لا يسبق منهم ترقب وتجسس بل وقعت منهم النظرة بغتة على سبيل الاتفاق فيرون ما يرون كالميل في المكحلة مستكرهين مستقبحين فَإِنْ شَهِدُوا هؤلاء الشهود هكذا على الوجه المعهود فعليكم ايها المؤمنون المستحفظون لحدود الله ان لا تضطربوا ولا تستعجلوا في مقتهن واخراجهن بل عليكم الإمساك فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ التي أنتم فيها بلا مراودة إليهن كيلا يلحق عليكم باخراجكم اياهن عار آخر بل اتركوهن فيها حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ

стр. 145

الطبيعي أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ ويحكم لَهُنَّ وفي حقهن سَبِيلًا حكما مبرما هذا في بدأ الإسلام ثم نسخ بآية الرجم والجلد وَالَّذانِ يَأْتِيانِها اى الفعلة القبيحة التي هي اللواطة وهما اى الآتي والمأتى كلاهما مِنْكُمْ ايها الرجال وهذه افحش من الزنا لخروج كل منهما عن مقتضى الحد الإلهي وانحطاطهما عن رتبة الكمال الإنساني بارتكابهما فعلا لا يقتضيه العقل والشرع والمروءة بخلاف الزنا ولشناعتها وخباثتها لم يعين لها سبحانه حدا في كتابه المبين لأنه تنافى اخلاق الإنسان ولم يصرح بها ايضا بل ابهمها وأجملها وأحال حكمها بالمقايسة على الزنا لكمال هجنتها وسماجتها كأن هؤلاء المفرطين ليسوا من الإنسان بل من البهائم بل أسوأ حالا منها لذلك قال فَآذُوهُما إيذاء بليغا وتعزيرا شديدا حتى يمتنعا فَإِنْ تابا وامتناعا وَأَصْلَحا ما افسدا بالتوبة والندامة فَأَعْرِضُوا عَنْهُما مستغفرين لهما من الله مستعفين غير موبخين ومقرعين عليهما إِنَّ اللَّهَ المطلع لضمائر عباده المذنبين النادمين كانَ تَوَّاباً لهم يرجعهم عن ما صدر عنهم نادمين رَحِيماً يعفو عنهم ويقبل توبتهم. ثم قال سبحانه إِنَّمَا التَّوْبَةُ اى ما التوبة المقبولة المبرورة الا التوبة الناشئة من محض الندامة المنبئة المتفرعة على تنبه القلب عن قبح المعصية سيما في أمثال هذه المزالق وهي المصححة الباعثة عَلَى اللَّهِ ان يقبلها النافعة لِلَّذِينَ اى للمؤمنين الذين يَعْمَلُونَ السُّوءَ اى الفعلة الذميمة لا عن قصد وروية بل بِجَهالَةٍ عن قبحها ووخامة عاقبتها ثُمَّ اى بعد ما أدركوا قبحها واطلعوا على وخامة عاقبتها يَتُوبُونَ اى يبادرون ويراجعون الى التوبة والندبة مِنْ قَرِيبٍ اى قبل الانتهاء الى وقت الإلجاء فَأُولئِكَ التائبون المبادرون الى التوبة قبل حلول الأجل يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ اى يقبل توبتهم بعد ما وفقهم عليها ولقنهم بها وَكانَ اللَّهُ المطلع على ضمائرهم عَلِيماً بمعاصيهم في سابق علمه حَكِيماً في الزام التوبة عليهم ليجبروا بها ما كسروا على نفوسهم وَبالجملة لَيْسَتِ التَّوْبَةُ الصادرة حين الإلجاء والاضطراء نافعة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ في مدة اعمارهم مسوفين التوبة فيها حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ الملجئ إليها قالَ متأسفا متحسرا مضطرا بعد ما ايس من الحيوة وابصر امارات الموت من نفسه واشرف على السكرات إِنِّي تُبْتُ الْآنَ على وجه التأكيد والمبالغة وهي لا تنفع له وان بالغ فيها والسر في عدم قبول الله إياها والله اعلم ان الانابة والرجوع الى الله لا بد وان تكون عن قصد واختيار وفي وقت القدرة على المعصية وحين الميل إليها حتى يعتبر عند الله ويقبل منه لا عن الحاء واضطرار إذ لا يتصف التائب حين الإلجاء بالعبودية والإطاعة وقصد التقرب الى الله بل وَلَا فرق بينهم وبين الكافرين الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ حين حلول الأجل عليهم كُفَّارٌ كما كانوا أُولئِكَ المسوفون المقصرون في امر التوبة قد أَعْتَدْنا لَهُمْ وهيئنا لأجلهم في النشأة الاخرى عَذاباً طردا وحرمانا أَلِيماً فظيعا فجيعا مؤلما لرؤيتهم اجر التائبين المبادرين عليها في مقعد الصدق عند المليك القادر المقتدر على انواع الانعام والانتقام. تب علينا بفضلك انك أنت التواب الرّحيم. ثم لما كانت العادة في الجاهلية ميراث نفوس النساء كرها وذلك انه لو مات واحد منهم وله عصبة القى ثوبه على امرأة الميت فكانت في تصرفه وحمايته وأحق له وله اختيارها سواء تزوجها بالصداق الاول كرها او طوعا او يضر عليها بمنعها الى ان تفدى هي مثل صداقها ثم أطلقها نبه سبحانه على المؤمنين ان لا تصدر عنهم أمثال هذا فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بالله ورسوله اتركوا جميع ما قد كنتم عليه في جاهليتكم الاولى قبل الايمان سيما ميراث النساء واخذكم انفسهن
следующие страницы →