← Тафсир

Тафсир · id 23624

الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية

النخجواني

Полный текст (1 120 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

بحدود الله المقيمين باحكامها كالمتشيخة المبتدعة الذين ظهروا في هذه الامة في زماننا هذا بإفساد عقائد ضعفاء المسلمين بالشيخوخة وترغيبهم الى البدع والأهواء الباطلة المؤدية الى تحليل المحرمات الشرعية ورفع التكاليف الدينية والمعتقدات اليقينية شتت الله شملهم وفرق جمعهم وَاللَّهُ الهادي للعباد لا يُحِبُّ الْفَسادَ وَمن غاية عتوه وعناده ونهاية استكباره إِذا قِيلَ لَهُ امحاضا للنصح اتَّقِ اللَّهَ عن أمثال هذه الفضائح واستحى منه سبحانه أَخَذَتْهُ قد هيجته وحركته الْعِزَّةُ والحمية الجاهلية المرتكزة في نفسه بِالْإِثْمِ الذي قد منع عنه بحيث أصر عليه لجاجا وعنادا وبالجملة فَحَسْبُهُ وحسب أمثاله جَهَنَّمُ الإمكان الذي يلعبون بنيرانها كفت مؤنة شرورهم وطغيانهم وَالله لَبِئْسَ الْمِهادُ هذا الإمكان المستتبع لمهد النيران المتضمن لانواع الخذلان والحرمان واصناف الخيبة والخسران وايضا من جملة الآداب الموضوعة فيكم بل من أسناها وأجلها الرضاء والتسليم بعموم ما جرى من قضاء الله ومقضياته لذلك قال سبحانه وَمِنَ النَّاسِ المتشمرين الى الله بالرضاء والتسليم مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ويوقعها في المهلكة لا لداعية دنيوية تنبعث من نفسها بل ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ طالبا لرضاه راضيا بجميع ما قضى له وَاللَّهُ المطلع بعموم الحالات رَؤُفٌ عطوف مشفق بِالْعِبادِ سيما الصابرين في البلوى الراجعين الى المولى الراضين بما يحب ويرضى ثم لما كان الرضاء والتسليم من احسن احوال السالكين المتوجهين الى الله الكريم العزيز العليم وارفعها قدرا ومنزلا عنده أمرهم سبحانه بها امتنانا عليهم وإصلاحا لحالهم فقال مناديا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم الرضاء والتسليم ادْخُلُوا ايها المستكشفون عن سرائر التوحيد فِي السِّلْمِ اى الطاعة والانقياد المتفرعين على الرضاء والإخلاص المنبئين عن التحقق بمقام العبودية كَافَّةً اى ادخلوا في السلم حال كونكم مجتمعين كافين نفوسكم عما يضر إخلاصكم وتسليمكم وَلا تَتَّبِعُوا ايها المتوجهون الى مقام العبودية والرضاء اثر خُطُواتِ الشَّيْطانِ اى الأهواء والآراء المضلة عن طريق الحق المعبرة عنها في عرف الشرع بالشيطان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة والإضلال يضلكم عما يهديكم الحق اليه فَإِنْ زَلَلْتُمْ وانصرفتم عن طريق الحق مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ المبينة الموضحة لكم طريقه فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب قادر على انواع الانتقام حَكِيمٌ لا ينتقم الا بالحق هَلْ يَنْظُرُونَ اى ما ينتظر المزلون عن طريق الحق سيما بعد الوضوح والتبيين إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ بعذابه المدرج المكنون فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ السحاب الأبيض المظل لهم صورة يتوقعون منه الراحة والرحمة وَالْمَلائِكَةُ الموكلون بجر سحب العذاب إليهم فانزل عليهم العذاب واستأصلهم بالمرة وَقُضِيَ الْأَمْرُ المحكم والحكم المبرم المقصى عليهم من عنده سبحانه لانتقامهم كالأمم الماضية وَبالجملة إِلَى اللَّهِ لا الى غيره من الوسائل والأسباب العادية تُرْجَعُ الْأُمُورُ أولا بالذات وان تشكك احد في الانتقام ونزول العذاب على المزلين المنصرفين عن طريق الحق سيما بعد الوضوح والتبيين قل يا أكمل الرسل نيابة عنا إلزاما له سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ وتذكر قصتهم كَمْ كثيرا آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ مبينة في كتبهم فأنكروا عليها ظلما وعدوانا فأخذناهم بظلمهم الى ان استأصلناهم بالمرة وَلا يختص هذا ببني إسرائيل بل كل مَنْ يُبَدِّلْ ويغير نِعْمَةَ اللَّهِ المستلزمة للشكر والايمان كفرا وكفرانا سيما مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ من لدنا تفضلا وإحسانا فله من العذاب والنكال ما يستحقه فَإِنَّ اللَّهَ المتجلى باسمه المنتقم شَدِيدُ

стр. 72

الْعِقابِ صعب الانتقام سريع الحساب ثم ذكر سبحانه مساوي اهل الكفر والنفاق وسوء معاملتهم مع المؤمنين المخلصين ليجتنب المؤمنون عن أمثاله فقال على وجه الاخبار زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا اى قد حسن وحبب في عيونهم وارتكز في قلوبهم الْحَياةُ الدُّنْيا اى الحيوة المستعارة المنسوبة الى الدنيا وَادى أمرهم في هذا التزيين والتحسين الى ان يَسْخَرُونَ ويستهزؤن مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا اى صار المؤمنون بفقرهم وعرائهم عن امتعة الدنيا الدنية ورثاثة زيهم وحالهم محل استهزائهم وسخريتهم متى قصدوا الاستهزاء على فاقدى الدنيا أخذوا منهم وَالحال ان المؤمنين الَّذِينَ اتَّقَوْا عن لذائذ الدنيا ومزخرفاتها الفانية الغير الباقية يكونون فَوْقَهُمْ رتبة ومنزلة عند الله يَوْمَ الْقِيامَةِ المعد لجزاء الأعمال الحاصلة في النشأة الاولى وَاللَّهُ الرازق للكل يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ من عباده الرزق الدنيوي بِغَيْرِ حِسابٍ فيها ابتلاء واختبارا بل يمهلهم على تجبرهم وتكبرهم مفتخرين بمزخرفاتها الى النشأة الاخرى فيحاسبهم ويجازيهم عليها ويرزق ايضا من يشاء من عباده بالرزق الأخروي بغير حساب لا في النشأة الاولى ولا في الاخرى بل قد صار أولئك السعداء المقبولون متمكنين في حمائه سبحانه ازلا وابدا بحيث لا يشوشهم الحساب ولا تتفاوت عندهم اللذة والعذاب بل صاروا بما صاروا بلا سترة وحجاب آتنا من لدنك رحمة انك أنت الوهاب ثم قال سبحانه كانَ النَّاسُ في الفطرة الاصلية والمرتبة الحقيقية الجبلية أُمَّةً واحِدَةً وملة وحدانية متوجهة الى مبدئهم الحقيقي ومقصدهم الأصلي طوعا ثم اختلفت آرائهم وتشتتت أهواءهم بمقتضيات القوى الحيوانية التي هي من جنود إبليس فظهر بينهم العداوة والبغضاء والمجادلة والمراء فَبَعَثَ اللَّهُ المدبر لأمورهم النَّبِيِّينَ من بنى نوعهم المؤيدين من عند ربهم مُبَشِّرِينَ لهم طريق الإطلاق والتوحيد وَمُنْذِرِينَ لهم عن الكثرة والتقييد وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ تصديقا لهم الْكِتابَ الجامع لعموم ما يبشر به وينذر عنه ملتبسا بِالْحَقِّ المطابق للواقع لِيَحْكُمَ كل نبي به بَيْنَ النَّاسِ المنسوبين اليه فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ من امور معاشهم ومعادهم وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ اى في الكتاب المنزل إليهم بالتكذيب والإنكار احد من الناس إِلَّا القوم الَّذِينَ أُوتُوهُ اى الكتاب وما كان اختلافهم الا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ الواضحات المصدقات بانه منزل لهم من عند الله العليم الحكيم وبالجملة ما اختلفوا في عموم ما اختلفوا الا بَغْياً وعدوانا وخروجا عن طريق الحق وحسدا لأهله ناشئا من طغيانهم واقعا بَيْنَهُمْ من وساوس شياطينهم ومقتضيات اوهامهم وخيالاتهم من حب الجاه والرياسة والعتو والاستكبار فَهَدَى اللَّهُ بلطفه الَّذِينَ آمَنُوا بالنبي المبعوث إليهم والكتاب المنزل معه لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ من الأمور الدينية مع المعاندين المنكرين والحال انه اى اختلافهم ناشئ مِنَ الْحَقِّ الصريح المطابق للواقع واختلافهم ايضا معهم انما يكون بِإِذْنِهِ اى بامره المنزل في كتابه وَاللَّهُ المرشد الموفق لكل العباد الى ما هم عليه يَهْدِي بفضله مَنْ يَشاءُ من خلص عباده إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ موصل الى بابه بلا عوج وضلال أرجوتم وطمعتم ايها المحمديون المتوجهون الى زلال التوحيد وصفو التجريد والتفريد ان تصلوا اليه بانانيتكم هذه بلا سلوك ومجاهدة وسكر وصحو وتلوين وتمكين وقيد واطلاق ونفى واثبات وفناء وبقاء هيهات هيهات أَمْ حَسِبْتُمْ وتمنيتم متوقعا أَنْ تَدْخُلُوا فجأة بهويتكم هذه بلا افنائها وفنائها في هوية الله الْجَنَّةَ التي ارتفعت عندها الهويات واضمحلت دونها الماهيات وَلَمَّا يَأْتِكُمْ اى لم يأتكم مَثَلُ الَّذِينَ

стр. 73

خَلَوْا ومضوا مِنْ قَبْلِكُمْ اى شانهم وقصتهم المشهورة المعروفة المنسوبة الى الأحرار الأبرار الواصلين الى دار القرار كيف مَسَّتْهُمُ بأبدانهم واجسادهم وهوياتهم الجسمانية الْبَأْساءُ المذلة المزمنة المزعجة المفنية لأنانياتهم وَكيف مستهم ايضا بأرواحهم المتكثرة باشباحهم المترتبة على الأوصاف الذاتية الإلهية الضَّرَّاءُ المسقطة للاضافات كلها وَبعد ما وصلوا الى هذه المرتبة المعبرة عنها بالقيامة والطامة الكبرى عند العارف زُلْزِلُوا اى اضطربوا وتلونوا وتذبذبوا لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء وكان حالهم هكذا بين الحيرة والحسرة يترددون ويتحيرون الى ان قد غلب على قلوبهم المحبة والشوق وانبعث من المحبة الخالصة والارادة الصادقة الصافية العشق المفرط المنبعث من جذب المعشوق الحقيقي المائل بالطبع عموم المظاهر نحوه وحينئذ احتاجوا الى نصر الله وتوفيقه وجذبه بلطفه فاضطروا واضطربوا في بين وبين وصاحوا الى اين واين حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ المرشد لهم الى طريق التوحيد مناجيا مع الله رافعا اليه سبحانه أمرهم وَيقول ايضا الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مشايعين له في قوله ودعائه مشاركين معه في هذا الاشتياق والاستبطاء وقلة التصبر وكمال الفزع والاضطرار والمراقبة والانتظار مَتى نَصْرُ اللَّهِ وغلبته علينا حتى تتخلص من التلون والتذبذب بل من التمكن بل الكون والتكون والظهور والإظهار والغيب والشهادة وغير ذلك من الإضافات مطلقا حتى قيل لهم حينئذ وما لنا تعيين القائل إذ لا قائل في الوجود الا هو منبها مستعربا مستعجبا مستغربا أَلا اى تنبهوا ايها الاظلال الممدودة المتعددة المنتشئة من الأوصاف المحمودة الذاتية الاحدية المضافة بعضها الى بعض ارفعوا اضافتكم عن البين وغشاوتكم عن العين حتى تتصل العين بالعين ويرتفع البين عن البين وقولوا وما ادرى هاهنا ايضا من القائل وما المقول به وما المقول اليه وما هذا وماذا أدركنا بلطفك عن حجاب الألفاظ وغشاوة العبارة إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ وغلبته عليكم ايها الاظلال قَرِيبٌ حاضر غير مغيب لو تنبهتم الى ذي ظلكم والتنبه له محال الا لمن كشف سبحانه عليه كيفية الظل والاظلال والامتداد والتعدد الحاصل فيه والكوائن الغير المتناهية والمكونات الغير المحصورة الحاصلة فيه الكائنة من عكوس أوصافه واظلال أسمائه باشخاصها وأنواعها وأجناسها الى ما شاء الله لا حول ولا قوة الا بالله وبالجملة لا تحوم الفهوم حول سرادقات عز جلاله حتى تتفوه عن مكنوناته ومصنوعاته إذ ليس كمثله شيء ليقاس عليه ولا دونه حي ليسمع فيه ويبصر به بل هو السميع وهو البصير وبالجملة ليس وراء الله مرمى ومنتهى يَسْئَلُونَكَ اى الهادي للكل عن الانفاق وعن ما ينفق به وعن من ينفق عليه ويقولون ماذا يُنْفِقُونَ اى اى شيء ينفقه المنفق في سبيل الله قُلْ لهم يا أكمل الرسل كلاما ناشئا عن محض الحكمة ما أَنْفَقْتُمْ اى اى جنس أنفقتم كما وكيفا سواء كان تمرة او كسيرة او حبة او ذرة صادرة مِنْ خَيْرٍ خالص عن شوب المنة والأذى فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إليكم بسببهما اى فهم اولى ان كانوا مستحقين وَبعد ذلك أولاهم الْيَتامى الذين لا متعهد لهم وَبعد ذلك الْمَساكِينِ الذين قد أسكنهم المذلة والهوان وَبعد ذلك ابْنِ السَّبِيلِ وهم الذين قد تعذر لهم الوصول الى املاكهم ومملوكاتهم وَبالجملة اعلموا ايها المؤمنون انه ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ خالصا لرضا الله سبحانه فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ بصدوره عنكم وبنياتكم فيه ثم لما ظهر امر الإسلام وعلا قدره وارتفع مناره فرض سبحانه على المؤمنين الموقنين بطريق التوحيد

стр. 74

المشاجرة والمقاتلة مع المخالفين الناكبين عن طريق الحق بالشرك والإشراك لتظهر شمس التوحيد على الآفاق ويضمحل شوب الكثرة والثنوية المنبعثة عن الكفر والنفاق ويتميز الحق عن الباطل والوجود عن العدم العاطل فقال كُتِبَ عَلَيْكُمُ ايها المؤمنون الْقِتالُ مع مخالفيكم من اهل الكثرة وَهُوَ كُرْهٌ مكروه مستهجن لَكُمْ مذموم عندكم ما دمتم في انانيتكم وهويتكم هذه وما دمتم أنتم فيها مع تكثر الإضافات ولوازم الإمكان وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً في النشأة الاولى وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ في النشأة الاخرى وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً فيها وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ فيها وَبالجملة اللَّهُ المطلع بسرائركم يَعْلَمُ خيركم ويأمركم به وشركم فيحذركم عنه وَأَنْتُمْ بمقتضى هويتكم هذه لا تَعْلَمُونَ شيأ من الخير والشر بل لكم التعبد والإطاعة والانقياد بعموم ما امر ونهى والعلم عند الله العزيز العليم وسرائر الأمور واسراره مخزونة عنده محفوظة لديه لا يعلمها الا هو يَسْئَلُونَكَ ايضا ايها الداعي للخلق الى الحق بالحق عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ اهو من المحرمات الإلهية بمقتضى حكمته البالغة أم لا ويسئلونك ايضا عن قِتالٍ واقع فِيهِ اهو ايضا من المحرمات الشرعية أم لا قُلْ يا أكمل الرسل للسائلين نيابة عنا هما من جملة محرماته سبحانه التي قد اقتضتها حكمته المتقنة البالغة بل قِتالٍ فِيهِ ذنب كَبِيرٌ إذ هو خروج عن مقتضى الحد الموضوع من لدنه سبحانه في هذا الشهر وَمع كونه ذنبا كبيرا صَدٌّ منع وصرف ايضا للتجار عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الذي قد أباح لهم سبحانه تكسب معاشهم وَمع ذلك العياذ بالله كُفْرٌ بِهِ اى بالله بعدم اطاعة امره وَصد ايضا عن طواف الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الذي قد حرم الله الصد والاعراض عنه روى انه ﵇ بعث عبد الله ابن جحش ابن عمته على سرية في جمادى الآخرة قبل بدر بشهرين ليترصد القفل الذي كان لقريش في جانب الشام وفيهم عمرو بن عبد الله الخضرمي وثلثة معه فلما ظفروا عليهم قتلوا الخضرمي وأسروا اثنين واستاقوا العير نحو المدينة وفيها تجارة للطائف ايضا وكان ذلك غرة رجب وهم يظنونه من جمادى فقال قريش قد استحل محمد الشهر الحرام مع انه قد كان شهرا يأمن فيه الخائف ويتردد الناس فيه الى معايشهم ثم لما سمع ﷺ تعيير قريش قال لعبد الله ما أمرت لك بالقتال في الشهر الحرام وسوق العير فيه وشق هذا القول على اصحاب السرية وقالوا ما نبرح حتى تنزل توبتنا فنزلت ورد رسول الله ﷺ العير والأسارى فلاموه وعيروه على ما صدر عنه وقالوا يتوجه الى المسجد الحرام ويمنع الزوار منه رد الله عليهم فقال وَإِخْراجُ أَهْلِهِ اى اهل المسجد الحرام مِنْهُ عدوانا وظلما أَكْبَرُ ذنبا عِنْدَ اللَّهِ من منع الزوار والقتل سهوا او خطأ ناشئا من عدم التدبر في تعيين الوقت إذ الإخراج افتتان بين المسلمين المستأهلين ببيت الله وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ إذ شرها عام ممتد بخلاف القتل وَبالجملة ان الكفار المصرين على الكفر والعناد لا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ ايها المؤمنون حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ المنزل عليكم من ربكم هداية لكم إِنِ اسْتَطاعُوا وَالحال انه مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ الذي هو الايمان والتوحيد فَيَمُتْ بعد الارتداد وَهُوَ كافِرٌ ساتر طريق الحق تارك مشرب التوحيد فَأُولئِكَ الكافرون المرتدون عن طريق الإسلام قد حَبِطَتْ انحطت واضمحلت وسقطت عن درجة الاعتبار عند الله أَعْمالُهُمْ الصادرة عنهم بالمرة بحيث لا تفيد لهم أصلا لا فِي الدُّنْيا لحرمانهم عن مصاحبة اهل الايمان والعرفان وَلا في الْآخِرَةِ لإرجاعهم

стр. 75

أنفسهم الى قعر الإمكان المفضى الى أسفل دركات النيران وَبالجملة أُولئِكَ المحرومون عن لذة التوحيد أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ الى ما شاء الله لا حول ولا قوة الا بالله ثم قال سبحانه إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بالتوحيد الذاتي وادي ايمانهم الى ان قد وصلوا بمرتبة اليقين العلمي وَالَّذِينَ هاجَرُوا وتركوا ما يضاده وينازعه الى ان وصلوا الى مرتبة اليقين العيني وَبعد ذلك جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مع نفوسهم الى ان وصلوا بل اتصلوا وحصلوا باليقين الحقي أُولئِكَ المقربون المتدرجون في طريق الوصول يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ما داموا في السلوك باشباحهم وَاللَّهُ المطلع بضمائر عباده غَفُورٌ ساتر لهم أشباحهم عن عيون بصائرهم رَحِيمٌ لهم يوصلهم الى ما يتوجهون اليه حسب فطرتهم الاصلية من جنة الذات بمنه وجوده أدركنا بلطفك يا خفى الألطاف يَسْئَلُونَكَ يا أكمل الرسل عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ أهما من المحرمات الإلهية أم لا قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ اما في الخمر فلكونه معطلا للقوى المدركة مزيلا للعقل الجزئى المودع في هيكل الإنسان ليتوصل به الى العقل الكل المتفرع على الاسم العليم الشامل لجميع ما كان ويكون الا وهو اللوح المحفوظ والكتاب المبين واما في الميسر فلكونه متلفا للمال الذي هو سبب تعمير البدن الذي هو مخزن جوهر العقل المركوز ومركب الروح الذي اختص الله به الإنسان وبه استحق رتبة الخلافة والنيابة الإلهية وَبالجملة وان كان فيهما مَنافِعُ لِلنَّاسِ اى لبعضهم من المرضى الذين لا يمكنهم العلاج بدون ازالة عقولهم به او التداوى لهم منحصر في الخمر عند اصحاب الطب ومن استغناء بعض السفلة من الناس واسترزاقهم بالميسر وَلكن إِثْمُهُما عند اولى النهى واليقين أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما عندهم بل لا نفع فيهما بالنسبة إليهم إذ لا يبقى لهم علاقة مع أبدانهم ليصلحوها او يصححوها بالتداوى وَايضا يَسْئَلُونَكَ يا أكمل الرسل ماذا يُنْفِقُونَ اى من اى شيء ينفقون وعلى اى وجه ينفقون قُلْ يا أكمل الرسل نيابة عنا أنفقوا الْعَفْوَ اى الفاضل من أموالكم لئلا تتضرروا بالجهد وليسهل عليكم التجاوز عنه ولا يشق على انفسكم إنفاقه كَذلِكَ اى على الوجه الأحسن الأسهل يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ جميع الْآياتِ المنزلة عليكم والاحكام الموردة لإصلاح حالكم لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ رجاء ان تتأملوا فِي الدُّنْيا اى في الآيات المتعلقة لأمور الدنيا فتتصفوا بها فيها وَايضا تتأملوا في الآيات المتعلقة لأمور الْآخِرَةِ فتحققوا بها وتتمكنوا عليها وتطمئنوا بسببها ليتم لكم تهذيب الظاهر والباطن وبعد ذلك يترتب على وجودكم وظهوركم ما يترتب وَيَسْئَلُونَكَ ايضا عَنِ الْيَتامى الذين لم يبلغوا الحلم ولا متعهد لهم من ذوى القربى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ أحوالهم خَيْرٌ وثواب عظيم للمؤمنين من ابقائهم في المذلة والهوان وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ من غاية المرحمة والاشقاق فَإِخْوانُكُمْ في الدين يجزيكم الله خيرا ان كنتم قاصدين فيه إصلاحهم ورعايتهم دون إفساد مالهم وعرضهم وَاللَّهُ المطلع بما في ضمائر عباده يَعْلَمُ ويميز الْمُفْسِدَ المبطل منكم مِنَ الْمُصْلِحِ المحق فيجازى كلا منهم على مقتضى علمه بهم وَلَوْ شاءَ اللَّهُ المطلع لإفسادكم واعناتكم ان يعنتكم ويفسد عليكم لَأَعْنَتَكُمْ اذلكم وافسدكم البتة أشد من افسادكم واعناتكم إياهم إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب قادر على وجوه الانتقام حَكِيمٌ لا ينتقم بلا موجب وَمن جملة الاحكام الموضوعة لإصلاحكم ان لا تَنْكِحُوا ايها المؤمنون النساء الْمُشْرِكاتِ الكافرات حَتَّى يُؤْمِنَّ لئلا يختلط ماءكم بمياههن وليوجد

стр. 76

الولد على فطرة الإسلام وَاعلموا ايها المؤمنون لَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ لكم ان تنكحوها مِنْ حرة مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ مالها وجمالها وَايضا لا تَنْكِحُوا أيتها المؤمنات الْمُشْرِكِينَ الكافرين حَتَّى يُؤْمِنُوا وَاعلمن أيتها المؤمنات لَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ لنكاحكن خَيْرٌ مِنْ حر مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ماله وجماله إذ لا كفاءة بين المؤمن والكافر وبالجملة أُولئِكَ المشركون والمشركات يَدْعُونَ اى يريدون ويقصدون دعوتكم إِلَى النَّارِ المتفرعة على شركهم وكفرهم وَاللَّهُ الهادي لكم الى امتزاج المؤمنين مع المؤمنات الحفيظ المراقب لكفاءتكم في النكاح والإنكاح يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ المتفرعة على الايمان والتوحيد وَالْمَغْفِرَةِ المستلزمة لرفع الآثام والمعاصي بِإِذْنِهِ اى بتوفيقه واقداره وَيُبَيِّنُ آياتِهِ اى أحكامه وآدابه وأخلاقه في كتابه لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ رجاء ان يتذكروا ويتعظوا بها ليهتدوا الى زلال التوحيد وَيَسْئَلُونَكَ ايضا عَنِ الْمَحِيضِ روى ان اهل الجاهلية كانوا لم يسكنوا مع الحيض ولم يأكلوا معهن كاليهود والمجوس واستمر ذلك منهم الى ان سئل ابو الدحداح مع جمع من الصحابة عن ذلك فنزلت قُلْ يا أكمل الرسل هُوَ أَذىً يتأذى منه من يقربه فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ بالإتيان والوقاع لا بالمصاحبة والمحافظة حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ قاصدين فيه حكمة إبقاء نوع الإنسان المستخلف عن الله إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ عن الميل الى خلاف ما امر الله به وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ عن الأدناس الظاهرة والباطنة وبالجملة نِساؤُكُمْ ايها المؤمنون حَرْثٌ لَكُمْ اى موضع حراثتكم ومحل إتيانكم فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ مقبلين او مدبرين روى ان اليهود كانوا يقولون من جامع امرأته من جانب دبرها كان ولده أحول رد الله عليهم بهذه الآية وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ايها المستكشفون عن سرائر الأمور من الحكم والأسرار المودعة في التلذذ والتزوج والانبعاث والشوق والانتعاش وانواع الكيفيات المستحدثة عند الوقاع ولا تغفلوا عن سرائره ولا تطمئنوا بمجرد قضاء شهوة كالحيوانات العجم وَاتَّقُوا اللَّهَ عن الخيانة والخباثة والإتيان الى غير المأتى المأمورة في الشرع وغير ذلك من المحظورات المسقطة لحرمات الله الواقعة في امر الجماع والاجتماع إذ هي مزلة اقدام اولى الأحلام من عظماء الأنام وَبالجملة اعْلَمُوا بأجمعكم أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ سبحانه فتزودوا بزاد يليق بجنابه ويقبل في بابه وَبَشِّرِ يا أكمل الرسل الْمُؤْمِنِينَ القائمين بحدود الله المحافظين عليها الخائفين من خشية الله الراجين من رحمته بان لهم عند ربهم روضة الرضاء وجنة التسليم وَمن جملة الأخلاق المنزلة لكم ان لا تَجْعَلُوا اللَّهَ اى اسم الله عُرْضَةً وجهة ومعرضا لِأَيْمانِكُمْ المتعلقة بكل دنى خسيس وحق وباطل اى لا تكثروا الحلف بالله في الأمور إذ أنتم لبشريتكم ما تخلون عن شوب الكذب والبطلان ما لكم والتلفظ باسم الحق الحقيق بالحقية سيما لترويج الأمور المزخرفة الباطلة ان أردتم أَنْ تَبَرُّوا افعلوا الخيرات وواظبوا على الطاعات وتوجهوا الى الله في عموم الأوقات وشمول الحالات وَان أردتم ان تَتَّقُوا اجتنبوا عن المحظورات واحذروا عن المحرمات وارجعوا نحو ربكم بإسقاط عموم الإضافات وَان أردتم ان تُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ تليينا لقلوبهم ادعوهم الى طريق الحق بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلوهم بالتي هي أقوم وَاللَّهُ سَمِيعٌ لأيمانكم عَلِيمٌ بنياتكم فيها فيجازيكم على مقتضى علمه بحالكم هذا في الايمان المثبتة للواقع والاحكام المقارنة للقصد والارادة واما الايمان

стр. 77

الجارية على السنة العوام بلا اثبات شيء ونفيه بل على سبيل الاتفاق فمما يعفى عنه لذلك قال سبحانه لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ الواقع فِي أَيْمانِكُمْ بلا قصد وارادة وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ بواسطة الايمان الكاذبة من الأمور الباطلة التي لا تطابق الواقع فلبستم فيها وأتيتم بها وَاللَّهُ غَفُورٌ لكم لو تبتم ورجعتم اليه عما صنعتم وكسبتم من الآثام حَلِيمٌ لا يعجل بالانتقام رجاء ان يتوبوا عنها ثم قال سبحانه لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ اى يحلفون ان يمتنعوا مِنْ وقاع نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ اى يلزم عليهم الانتظار الى ان تنقضي مدة اربعة أشهر فَإِنْ فاؤُ ورجعوا في هذه المدة عن الحلف بان جامعوا معهن في أثناء هذه المدة حنثوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ بحنثهم يتجاوز عنهم بالكفارة رَحِيمٌ لهم بابقاء النكاح بينهم وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ بلا حنث الحلف فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ يسمع منهم الطلاق عَلِيمٌ بنفرة قلوبهم منهن وَالْمُطَلَّقاتُ المدخولات بهن يَتَرَبَّصْنَ وينتظرن بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ اى مضى مدتها والقرء يطلق على الحيض والطهر واصل وضعه لانتقال من الطهر الى الحيض وهو المراد في الآية لأنه لاستبراء الرحم وهو الدال على البراءة وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ اى للمطلقات المعتدات أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ مدة العدة من الحيض والولد لئلا يختلط النسب إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ العالم بالسرائر والخفايا وَالْيَوْمِ الْآخِرِ التي تبلى فيه جميع السرائر والضمائر وَبالجملة بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ أليق واولى بِرَدِّهِنَّ إليهم فِي ذلِكَ اى في زمان التربص إِنْ أَرادُوا اى الأزواج إِصْلاحاً وَاعلموا ايها المؤمنون ان لَهُنَّ عليكم من الرعاية والمحافظة والاستيناس وغير ذلك مِثْلُ الَّذِي لكم عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ من الحقوق والرعاية والمحافظة على آداب الخدمة وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ فضيلة بحسب الخلقة والعقل والتمييز وكمال الايمان والمحافظة على حدود الله وامتثال مأموراته وَاللَّهُ عَزِيزٌ يعز من يشاء ويذل من يشاء منهم حَكِيمٌ في فعله لا يسأل عما يفعل ثم قال سبحانه الطَّلاقُ الصادر عن اولى العزائم وذوى الألباب مَرَّتانِ مرة عند عروض النفرة المنافية للرغبة السابقة المستلزمة للزواج والازدواج المنبعث عن الطبيعة المقتضية بالطبع للاختلافات والازدواجات الواقعة بين اسبابها الا وهي الأوصاف الذاتية الإلهية ثم إذا رجع العازم عنه لا بد ان يكون رجوعه ايضا عن روية وتدبير بان يلاحظ انه بسبب انبعاث الرغبة السابقة واشتياقها ثانيا فيكذب نفسه ويرجع إليها وان طلقها بعد تلك الرجعة فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ اى فعليه بعد الطلقة الثانية احد الأمرين ولا يتجاوز عنه الى الطلقة الثالثة والا لسقط من زمرة العقلاء العازمين على الأمور الشرعية بالعزيمة الخالصة اما إمساك بالمعروف المستحسن عند الله وعند المؤمنين بل لا بد ان يكون هذا الإمساك احسن من الإمساك السابق على الطلاق حين الوفاق أَوْ تَسْرِيحٌ واطلاق وتبعيد مقارن بِإِحْسانٍ من مال وخلق حسن وكلمة طيبة ليرتفع غبار العداوة والبغضاء الواقعة باغواء الشيطان بينهما وَلا يَحِلُّ لَكُمْ ايها الحكام المقيمون للاحكام الشرعية أصلا أَنْ تَأْخُذُوا من النساء مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ من المهور والصدقات شَيْئاً وتردوه الى أزواجهن إِلَّا أَنْ يَخافا اى الزوجان كل منهما على نفسه أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ الموضوعة من عنده سبحانه لإصلاح حالهما فَإِنْ خِفْتُمْ ايها الحكام ايضا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ بينهما فَلا جُناحَ ولا اثم عَلَيْهِما اى على الرجل في أخذ ما افْتَدَتْ بِهِ المرأة بدل الخلاص والطلاق وعلى المرأة لاعطائه له

стр. 78

وبالجملة تِلْكَ الاحكام المذكورة حُدُودَ اللَّهِ الموضوعة بينكم ايها المؤمنون لإصلاح أحوالكم فَلا تَعْتَدُوها اى لا تتجاوزوا عنها بالمخالفة وَعدم الامتثال واعلموا ان مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ اى المتجاوزون عن حد الانسانية الى البهيمية المضيعون لمقتضيات العقل الشريف المفاض عليهم من لدنه سبحانه فَإِنْ طَلَّقَها ثالثا اى ان وقع الطلاق بينهما بعد المرتان فَلا تَحِلُّ المرأة المطلقة لَهُ اى للرجل المطلق مِنْ بَعْدُ اى بعد وقوع الطلقة الثالثة حَتَّى تَنْكِحَ وتتزوج المرأة زَوْجاً ثانيا مواقعا إياها إذ لا يكفى مجرد النكاح بلا وقاع غَيْرَهُ اى غير الزوج الاول فَإِنْ طَلَّقَها الزوج الثاني فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا اى يرجع كل من الزوج الاول والمرأة الى الآخر بالزواج والازدواج ويلمس كل منهما عسيلة الآخر بل الزوج الاول عسيلة الزوج الثاني ان اشتهى وذلك حسن إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ بينهما وَتِلْكَ الاحكام المذكورة حُدُودَ اللَّهِ الموضوعة بين عباده انما يُبَيِّنُها يظهرها ويوضحها سبحانه لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ يعقلون ويفهمون سرائر حدوده ويعملون بها بمقتضى العقل المفاض إذ التكاليف الواقعة في الشرع انما هي له وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ اى قرب انقضاء عدتهن فَأَمْسِكُوهُنَّ اى فعليكم بعد ما قرب انقضاء مدة العدة ان تراجعوهن فيها وتمسكوهن بِمَعْرُوفٍ مستحسن عقلا وشرعا أَوْ سَرِّحُوهُنَّ وفارقوهن بِمَعْرُوفٍ حتى لا يتضررن بطول المدة وَعليكم ان لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً اى لمجردان تضروهن لِتَعْتَدُوا وتبقوا مدة طويلة بلا محبة ومودة حتى يأتيهن الموت كما يفعله الجهال غيرة وحمية وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ الفعل القبيح منكم فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ بالتعريض على عقاب الله بابطال حكمته وتعطيل محل ظهور خلقه وقدرته وَبالجملة لا تَتَّخِذُوا ايها المؤمنون المكلفون آياتِ اللَّهِ النازلة عليكم المشتملة على إصلاح أحوالكم وأخلاقكم هُزُواً اى محل استهزاء تتهاونون بها وتأخذونها هملا بل احذروا من بطش الله وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ الفائضة عَلَيْكُمْ وواظبوا بشكرها وَاعملوا بمقتضى ما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ لإصلاح حالكم مِنَ الْكِتابِ المبين لكم طريق المعاش في النشأة الاولى وَالْحِكْمَةِ الموصلة لكم الى ذروة التوحيد في النشأة الاخرى يَعِظُكُمْ بِهِ فعليكم ان تتعظوا وتتذكروا به وَاتَّقُوا اللَّهَ من مساخطته وانتقاماته ولا تتجاوزوا عن حدوده المبينة في كتابه وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ المحيط بكم وبعموم أحوالكم بِكُلِّ شَيْءٍ صدر عنكم من الخير والشر والنفع والضر العائد لنفوسكم عَلِيمٌ بعلمه الحضوري لا يعزب عن علمه شيء مما ظهر وكان ويظهر ويكون وَإِذا طَلَّقْتُمُ ايها المؤمنون النِّساءَ اى منكوحاتكم فَبَلَغْنَ بعد الطلاق أَجَلَهُنَّ من العدة المقدرة في الشرع لاستبراء الرحم فَلا تَعْضُلُوهُنَّ اى لا تحبسوهن ولا تعيروهن ان أردن أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ كما يفعله الجهال من الحمية الجاهلية ذلِكَ العظة والتذكير المنزلة من عند الله يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وبجميع ما انزل من المواعظ والاحكام وَالْيَوْمِ الْآخِرِ اى بعموم ما فيه من الوعد والوعيد ذلِكُمْ اى امتثالكم بالمواعظ والاحكام والآداب والأخلاق أَزْكى لَكُمْ لتزكية نفوسكم عن الأهواء الفاسدة والآراء الباطلة وَأَطْهَرُ لقلوبكم عن متابعتها وَبالجملة اللَّهُ المدبر لأمور عباده يَعْلَمُ عموم مصالحهم وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ مصالحكم فعليكم بالامتثال لأوامر الله والاجتناب عن نواهيه تعبدا وانقيادا وَالْوالِداتُ سواء كن مطلقات او غيرهن يُرْضِعْنَ

стр. 79

ولا يضيعن أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ اى يجب لهن ان يرضعن أولادهن للأب الذي أراد إتمام إرضاع ولده وَيجب ايضا عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ اى على الأب رِزْقُهُنَّ اى أجور المرضعات الأمهات وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ المتعارف المعتدل عقلا وشرعا إذ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها اى من سنته سبحانه ان لا يكلف عباده في مطلق التكاليف الا بما يطيقونه ويقدرون عليه لذلك لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها بان الزم عليها بانه ولد لك لا بد لك ان ترضعيه بلا اجرة وَلا يضار ايضا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ بان حمل وكلف عليه ما ليس في وسعه من اجرة الرضاعة وَان لم يكن المولود له موجودا يجب عَلَى الْوارِثِ والولي الحائز للتركة مِثْلُ ذلِكَ اى مثل ما يجب على المولود له من حفظ الولد وارضاعه فَإِنْ أَرادا اى المولود له والمرضعة قبل انقضاء الحولين فِصالًا فطاما صادرا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ اى مشورة واقعة بينهما في امر الطفل فَلا جُناحَ عَلَيْهِما في هذا الفطام ان لم يتضرر الرضيع أصلا وان تضرر فللحاكم ان يمنعهما لئلا يفضى الى تضييع الرضيع وتخريب بناء الله وَإِنْ أَرَدْتُمْ ايها المؤمنون أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ اى تطلبوا المرضعة لا رضاع رضيعكم سواء كانت المرضعة أم الرضيع أم لا فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ اى لا ضيق ولا تعب عليكم ان تسلموا بالطريق المعروف المستحسن ما سميتم وعينتم من الاجرة للإرضاع قبل انقضاء مدة الرضاع وَبالجملة اتَّقُوا اللَّهَ المنتقم الغيور على تضييع الرضيع وتنقيص اجرة المرضعة وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ يجازيكم على مقتضى علمه وبصارته وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ايها المؤمنون وَيَذَرُونَ اى يتركون أَزْواجاً واحدة او ثنتان او ثلاثا او أربعا يَتَرَبَّصْنَ اى لزم عليهن ان ينتظرن ويعتدن بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً حتى يعلم ويظهر انهن حاملات أم لا فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ بان انقضت المدة المقدرة فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ايها الحكام فِيما فَعَلْنَ فِي إصلاح أَنْفُسِهِنَّ من طلب الخطبة والخاطب والناكح والتجسس عنه والعرض عليه ان صدر عنهن هذه الأمور بِالْمَعْرُوفِ المستحسن في الشرع والعرف والا فعليكم الجناح ايها الحكام عند الله ان لم تمنعوهن وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ ايها الحكام من التهاون في اجراء أحكامه وحفظ حدوده خَبِيرٌ يؤاخذكم عليه ويجازيكم حسب خبرته وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ايها المؤمنون فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ اى في كلام وألفاظ قد قصدتم به تعريضا حسنا وتلميحا مليحا خاليا عن وصمة الفساد ناشئا مِنْ ارادتكم خِطْبَةِ النِّساءِ المعتدات للوقاع واظهار الميل الى نكاحهن أَوْ أَكْنَنْتُمْ أضمرتم وأخفيتم فِي أَنْفُسِكُمْ مع انه قد عَلِمَ اللَّهُ المطلع لظواهركم وبواطنكم منكم وان أخفيتم أَنَّكُمْ لميل طبيعتكم إليهن سَتَذْكُرُونَهُنَّ فاذكروهن على الوجه الأحسن الأبعد عن التهمة وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا اى الوقاع والجماع اى لا تخالطوا معهن الى حيث ارتفع الحجاب عنكم فتتكلمون معهن بالكلمات الجارية بين الزوج والزوجة إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً يومى الى خطبتكم ونكاحكم اياهن ان خفتم ان يسبق عليكم غيركم من المريدين القاصدين لخطبتهن وَعليكم ان لا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ اى لا تستعجلوا في العزيمة على العقدة قبل انقضاء أجل العدة حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ اى ما فرض في الكتاب من العدة المقدرة فيه وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ المطلع لضمائركم يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ من الخيانة في حدوده فَاحْذَرُوهُ من غضبه لتنجوا من عذابه وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لمن عزم على المعصية ولم يفعل خوفا من الله

стр. 80

ومن بطشه حَلِيمٌ لا يعجل بعقوبة العاصين لا جُناحَ عَلَيْكُمْ اى لا وزر ولا اثم عليكم ايها المؤمنون إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ اى مادام لم تجامعوا معهن أَوْ لم تَفْرِضُوا وتقدروا لَهُنَّ فَرِيضَةً مهرا وصداقا وَمَتِّعُوهُنَّ اى عليكم ان تحسنوا لهن بعد ما طلقتموهن جبرا لما كسرتم من قلوبهن بالطلاق واعلموا ان التمتيع والإحسان عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ اى قدر وسعه ويسره وَكذا عَلَى الْمُقْتِرِ المعسر قَدَرُهُ اى قدر إعساره وإقتاره مَتاعاً اى متعوهن متاعا ملتبسا بِالْمَعْرُوفِ الذي يستحسنه الشرع والمروءة ولهذا صار ذلك التمتيع المجاز في الشرع حَقًّا لازما عَلَى المؤمنين الْمُحْسِنِينَ الذين لا يريدون الأذى لاحد من الناس وان وقع منهم نادرا جبروا بالإحسان حفظا للمودة والإخاء الدينية وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَالحال انه قَدْ فَرَضْتُمْ سميتم وقدرتم لَهُنَّ فَرِيضَةً صداقا ومهرا فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ اى لزمكم أداء نصف ما سميتم من المهر إليهن إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ اى المطلقات فلا يأخذن شيئا اتقاء عن التهمة أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ ويرد جميع المهر إليها تبرعا وَأَنْ تَعْفُوا اى عفوكم ايها المؤمنون في أمثال هذا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى واقبل عند المولى وَبالجملة لا تَنْسَوُا ولا تتركوا الْفَضْلَ والإحسان بَيْنَكُمْ ايها المؤمنون الموقنون بل أحسنوا بعضا مما احسن الله لكم الى إخوانكم إِنَّ اللَّهَ المراقب لجميع ما صدر عنكم بِما تَعْمَلُونَ من الفضل والإحسان بَصِيرٌ يجازيكم عليه بفضله وجوده ثم لما كان للعارف الحائر في بحر الحيرة هيولا وتوجهات متعددة حسب تجددات أنفاسه وتنفساته المستنشقة المستمدة بها من النفثات الرحمانية المهبة من قبل عين عالم اللاهوت المنتشئة من حضرة الذات الاحدية المتجلية بالتجليات الجمالية والجلالية المعبرة بالأسماء والصفات الإلهية المتخالفة في الآثار والمقتضيات على حسب الكمال أراد سبحانه ان ينبه عليه بمحافظة الصلوات والميول والأوقات كلها لئلا يشتغل عن الحق في وقت من الأوقات فقال حافِظُوا اى واظبوا وداوموا ايها المتوجهون نحو توحيد الذات عَلَى الصَّلَواتِ المكتوبة لكم في الأوقات المقدرة المحفوظة وَلا سيما الصَّلاةِ الْوُسْطى التي هي عبارة عن التوجه الرقيق المعنوي بين كل نفسين من أنفاسكم وَبالجملة قُومُوا ايها الاظلال الهالكة في أنفسها المستهلكة في الذات الاحدية إذ لا وجود لكم من ذواتكم لِلَّهِ المظهر لكم من كتم العدم بامتداد ظلال أسمائه ورش من زلال بحر جود وجوده عليكم قانِتِينَ خاضعين متذللين مفنين هويتكم الظلية الغير الحقيقية بالكلية في الهوية الحقيقية الإلهية فَإِنْ خِفْتُمْ عن مقتضيات القوى البشرية فَرِجالًا اى فعليكم التوجه راجلين منسلخين عنها وعن مقتضياتها بالمرة أَوْ رُكْباناً راكبين عليها بتسخيرها بالرياضات الشاقة الى حيث تنصرف عن مقتضياتها بالمرة فَإِذا أَمِنْتُمْ من شرورها فَاذْكُرُوا اللَّهَ المفنى للغير والسوى مطلقا كَما عَلَّمَكُمْ وعلى الوجه الذي ألهمكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ أنتم من وحدة ذاته لولا اعلامه والهامه بانزال سورة الإخلاص وكلمة التوحيد وغيرها من الآيات الدالة على توحيده الذاتي ثم قال سبحانه وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ اى يستشرفون الى الوفاة مِنْكُمْ ايها المؤمنون وَيَذَرُونَ أَزْواجاً بعدهم لزمهم ان يوصوا وَصِيَّةً حصة مخرجة من أموالهم لِأَزْواجِهِمْ ليتمتعن بها مَتاعاً إِلَى انقضاء الْحَوْلِ بعد موتهم غَيْرَ إِخْراجٍ لهن من المسكن المألوف وكان ذلك في أوائل الإسلام ثم نسخت بتعيين المدة لعدة الوفاة من اربعة أشهر وعشرا

стр. 81

فَإِنْ خَرَجْنَ من مسكن الأزواج بعد الحول فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ايها الحكام وعليهن فِي ما فَعَلْنَ من التطيب وترك الحداد وطلب الخطبة فِي إصلاح أَنْفُسِهِنَّ ان كانت الأمور الصادرة منهن مِنْ مَعْرُوفٍ مستحسن مشروع مرخص فيه وان لم يكن كذلك فعليكم المنع ايها الحكام وعليهن الوزر والوبال وَاللَّهُ عَزِيزٌ غالب قادر على الانتقام ينتقم من المتجاوزين عن حدوده المتهاونين في اجراء أحكامه حَكِيمٌ في رعاية حقوق عباده وضبط مصالحهم وَاعلموا ايها المؤمنون المطلقون ان لِلْمُطَلَّقاتِ مطلقا مَتاعٌ وتمتع بِالْمَعْرُوفِ المشروع المستحسن لازم لزوما حَقًّا حتما ثابتا عَلَى الْمُتَّقِينَ المطلقين لهن مأونهن في العدة اى جميع مؤنتهن عليهم فيها كَذلِكَ اى مثل ما ذكر من احكام الطلاق والأمور المتفرعة عليه يُبَيِّنُ اللَّهُ الهادي لَكُمْ جميع آياتِهِ الدالة على توحيده لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ رجاء ان تتأملوا فيها وتفوزوا بالفوز العظيم من عنده ثم قال سبحانه تنبيها على المستيقظين المتذكرين أَلَمْ تَرَ ايها الرائي إِلَى القوم الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وهم اهل داوردان هي قرية قبل واسط وقع فيهم طاعون فخرجوا هاربين وَهُمْ أُلُوفٌ كثيرة هرب الكل حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ بعد ما علم منهم الفرار عن قضائه مُوتُوا ايها الهاربون عن قضائنا جميعا فماتوا بالمرة ثُمَّ أَحْياهُمْ بدعاء حزقيل ﵇ حين مر على تلك القرية فأبصرهم قد عريت عظامهم وتفرقت أجسامهم فتعجب من ذلك فأوحى الله تعالى اليه ناد فيهم ان قوموا بأمر الله ومشيته فناديهم فقاموا يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لا اله الا أنت وما ذلك الا من كمال فضل الله عليهم ومزيد إحسانه إياهم إِنَّ اللَّهَ المدبر لمصالح عباده لَذُو فَضْلٍ تام واحسان عام عَلَى النَّاسِ المجبولين على الكفران والنسيان وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ولا يواظبون على أداء حقوق افضاله وانعامه وبوجه آخر «الم تر» ايها المعتبر الرائي «الى الذين خرجوا من ديارهم» المألوفة المأنوسة الا وهي بقعة الإمكان «و» الحال انه «هم ألوف» متألفون فيها مع بنى نوعهم «حذر الموت» الإرادي «فقال لهم الله» الهادي لعموم مظاهره الى توحيده الذاتي بلسان مرشديهم «موتوا» عن انانيتكم وهويتكم ايها المتوجهون الى بحر الحقيقة فماتوا عن مقتضيات القوى البشرية ولوازم الحيوة الطبيعية بالكلية «ثم أحياهم» الله بالحيوة الحقيقية والعلم اللدني والوجود العيني الحقيقي والبقاء الأزلي السرمدي وبالجملة «ان الله» المتكفل لأمور عباده «لذو فضل على الناس» اى الناسين منزلهم الأصلي ومقصدهم الحقيقي بايصالهم الى ما هم عليه قبل نزولهم الى فضاء الإمكان «ولكن اكثر الناس لا يشكرون» ولا يعقلون ولا يفهمون نعمة الوصول الى الموطن الأصلي والمقام الحقيقي حتى يقوموا بشكره ويواظبوا عليه وَان أردتم ايها المؤمنون ان تكونوا من الشاكرين لنعم الحق الفائزين بفضله وإحسانه قاتِلُوا مع الكفرة التي هي عبارة عن القوى الحيوانية فِي سَبِيلِ اللَّهِ المفنى للغير مطلقا واعلموا ايها المؤمنون ان متم فالى الله تحشرون وان عشتم فالى الله تبعثون ومالكم ان لا تقاتلوا مع جنود الشياطين حتى تنجوا من مهلكة الإمكان وتصلوا الى فضاء الوجوب وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لأقوالكم المتعلقة بعدم الجهاد عَلِيمٌ بنياتكم المترتبة على الحيوة الطبيعية مَنْ ذَا العارف الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ اى يفوض ويسلم هويته الامكانية وماهيته الكونية والكيانية الى الله المسقط للهويات مطلقا قَرْضاً حَسَناً تفويضا سلسا نشطا فرحانا بلا مضايقة

стр. 82

ولا مماطلة راضيا مما قضى عليه صابرا على عموم البلوى المقربة اليه فَيُضاعِفَهُ لَهُ بعد ما فنى عن هويته أَضْعافاً كَثِيرَةً لا يحيط بكنهها الا هو إذ المحدث متى قرن بالقديم قد ترتب عليه ما ترتب عليه بل قد سقطت الاثنينية بالكلية عن البين مطلقا وارتفع غبار الغيرية عن العين بالمرة وَاللَّهُ الواحد الأحد الفرد الصمد يَقْبِضُ الى ذاته ما ينشر وَيَبْصُطُ من اظلال أسمائه وصفاته وآثار تجلياته الذاتية وَإِلَيْهِ لا الى غيره تُرْجَعُونَ ايها الاظلال والآثار طوعا وكرها أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ الذين كانوا معرضين عن القتال في حيوة موسى صلوات الله عليه كيف اضطروا اليه مِنْ بَعْدِ وفاة مُوسى اذكر إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ هو يوشع او شمعون او اشمويل حين ظهرت العمالقة عليهم وخربوا ديارهم ونهبوا أموالهم وأسروا أولادهم ابْعَثْ لَنا مَلِكاً معينا نُقاتِلْ معه فِي سَبِيلِ اللَّهِ مع أعدائه قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ يعنى أتفرس منكم الجبن والتقاعد إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ من عنده سبحانه وأخاف منكم أَلَّا تُقاتِلُوا قالُوا في جوابه حين سمعوا منه ما سمعوا وَما لَنا اى اى شيء عرض لنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مع أعدائنا وَالحال انا قَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا ظلما وعدوانا وَحرمنا عن أَبْنائِنا وأهلينا بسبب ترك القتال ولو لم نجاهد ولم نقاتل بعد لكنا مستأصلين بالمرة فَلَمَّا كُتِبَ وفرض عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا اى انصرفوا واعرضوا عنه مدبرين بعد ما بالغوا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ مقدار ثلاثمائة وثلثة عشر بعدد اهل بدر ثبتوا على ما عاهدوا وَبالجملة اللَّهِ مطلع بما في ضمائر عباده عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ المجاوزين عن أوامره وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ بالهام الله ووحيه إياه إِنَّ اللَّهَ المدبر لمصالحكم قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ من المرتجلات العجمية وجالوت ايضا وهما كنايتان عن جنود الامارة والمطمئنة مَلِكاً يولى أموركم ويقاتل مع عدوكم وهو كناية عن العقل المفاض لهم من قبل ربهم قالُوا مستكبرين مستنكفين أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا اى من اين يتيسر له ويليق به ان يملك علينا وهو من اراذل الناس وسفلتهم كيف يستأهل هذا المنصب وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ مكنة ومكانة وَالحال انه لَمْ يُؤْتَ له سَعَةً مِنَ الْمالِ حتى يتقوى به ويتمكن على الولاية بسببه وانما استحقروه واستبعدوا منه الولاية لأنه كان فقيرا راعيا او سقاء او دباغا وكان من أولاد بنيامين ولم يكن في أولاده النبوة والملك أصلا وانما كانت النبوة والولاية في أولاد لاوى والملك في أولاد يهوذى وكان فيهم من اسباطهما جمع كثير قالَ لهم نبيهم بمقتضى الوحى الإلهي إِنَّ اللَّهَ المعز لا ذلة عباده قد اصْطَفاهُ واختاره للملك والامارة عَلَيْكُمْ مع فقره وسقوط نسبه وَزادَهُ سبحانه بعد ما اصطفاه بَسْطَةً حيطة في القدرة والقوة ورزانة فِي الْعِلْمِ المتعلق لتدبير المملكة وَقوة عظيمة في الْجِسْمِ ليقاوم العدو ويدافعه وَبالجملة اللَّهَ المدبر لمصالح عباده يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ من عباده على مقتضى علمه باستعداداتهم وحكمته من غير التفات الى فقرهم ورثاثة حالهم وسقوط نسبهم وَاللَّهُ المتصف بكمال العلم والحكمة واسِعٌ في فضله ورحمته عَلِيمٌ في عدله وحكمته يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد بلا سبق علل وأغراض وَبعد ما ايسوا من تغيير قضاء الله وتبديل رضاه أتوا يطلبون الدليل والامارة على ملكه وإمارته قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ بوحي الله والهامه إياه إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ الذي فِيهِ سَكِينَةٌ الا وهي كناية عن النفس المطمئنة اى فيه ما يوجب سكينتكم وطمأنينكم

стр. 83

وقراركم على الحرب ووقاركم فيه إذ هو صندوق التورية المنزل مِنْ رَبِّكُمْ لإصلاح أموركم وَايضا من آية ملكه ان يأتيكم بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ وهي الكلمات المورثة المتعلقة للإرشاد والتكميل وقيل هي رضاض الألواح وعصا موسى وعمامة هارون كان أنبياء بنى إسرائيل يتوارثون حيث تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ والقوى العقلية بأمر الله وتوصله الى طالوت إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور لَآيَةً لَكُمْ على ملكة طالوت إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بالله وبما جاء من عنده على أنبيائه وبعد ما آتاه الله الملك والعلامات الدالة عليه تجهز بتوفيق الله وخرج نحو العدو. روى انه قال وقت خروجه لا يخرج معى الا الشاب الخالي عن الحيل الفارغ عن الأمل النشيط للأجل الفرحان للمقاتلة والشهادة فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ وكان في شدة الحر والعبور على مفازة لا ماء فيها ناجى مع الله كل من جنوده في نفسه ان يظهر عليهم نهرا في تلك المفازة خوفا من شدة العطش فالهم الله مناجاتهم الى قلب طالوت حيث قالَ لهم بمقتضى الإلهام إِنَّ اللَّهَ القادر المقتدر على عموم ما يشاء مُبْتَلِيكُمْ اى مختبركم ومجربكم في هذه المفازة بِنَهَرٍ عظيم فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي اى ليس من أشياعي وأعواني وظهيري وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ ولم يذقه فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ لا لتسكين العطش بل بشكر نعمة الله وانجاز وعده وتعديد إحسانه وفضله سبحانه على نفسه ثم لما وصلوا اليه فَشَرِبُوا مِنْهُ على الفور إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وهم لم يشربوا قيل هم ثلاثمائة وثلثة عشر وقيل ثلثة آلاف وقيل ألف إياك وإياك ايها المبتلى بنهر الدنيا الدنية في فضاء الوجود ان تشرب قطرة منها خوفا من عطش حرارة العشق المفنى للعاشق والعشق في المعشوق الحقيقي بالمرة حتى لا تخرج أنت من زمرة المحبين المحترقين بنيران المحبة الى ان خلصوا عن هوياتهم بالكلية وإياك ايضا ان تطعم وتذوق من مستلذاتها ومشتهياتها الفانية حتى لا تحرم من مرتبة اولى النهى واليقين الفائزين بروضة الرضاء وجنة التسليم فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا اى بعضهم لبعض خفية على سبيل المشورة والتحسر لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ لشدة قوتهم وصولتهم وغاية كثرتهم وشوكتهم قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ بالله ظنا حسنا بل يعلمون يقينا أَنَّهُمْ بعد انخلاعهم عن ملابس الإمكان مُلاقُوا اللَّهِ بلا سترة الثنوية وحجاب الهوية كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ من جنود العقل والنهى قد غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً من جنود النفس والهوى بِإِذْنِ اللَّهِ اى بتوفيقه وتيسيره وَبالجملة اللَّهَ المختبر لإخلاص عباده مَعَ الصَّابِرِينَ منهم لبلواه ينصرهم على من يعاديهم بحوله وقوته وما النصر الا من عنده وَلَمَّا بَرَزُوا وظهروا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ ودنوا منهم معاينين قالُوا متوجهين الى ربهم متضرعين له مستمدين منه رَبَّنا أَفْرِغْ أفض عَلَيْنا صَبْراً نصبر به عند نزول بلائك وَثَبِّتْ أَقْدامَنا فيه رضاء لقضائك وَانْصُرْنا لتنفيذ حكمك وإمضاء أمرك عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ لآلائك ونعمائك انك أنت العزيز الحكيم وبعد ما تضرعوا نحو الحق وتشبثوا بأذيال حوله وقوته فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وبكمال نصره وعونه وانهزموا بالمرة وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ قيل كان شعيا في عسكر طالوت مع ستة من بنيه وكان داود سابعهم وكان صغيرا يرعى الغنم فأوحى الله سبحانه الى نبيهم انه الذي يقتل جالوت فطلبه من أبيه فجاء وقد كلمته في الطريق ثلثة أحجار فقالت انك بنا تقتل جالوت فحملها في مخلاته ورماه بها فقتله ثم زوجه طالوت بنته وَبعد ذلك آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ اى ملك بنى إسرائيل ولم يجتمعوا قبل داود على ملك

стр. 84

وَايضا قد آتاه الْحِكْمَةَ اى دعوة الخلق الى طريق الحق بالحكمة المؤتاة له من قبل ربه وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ من العلوم والحكم وآتاه من انواع المعجزات وخوارق العادات والارهاصات وَبالجملة لَوْلا دَفْعُ اللَّهِ الرقيب الحفيظ لحدوده بين عباده النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ اى ظلم بعض الظالمين بتقوية بعض المظلومين ونصره عليهم لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ التي هي منشأ الكون والفساد ومعدن الظلم والعناد وفشا فيها الجور والجدال فانحرفوا جميعا عن جادة العدالة الفطرة الإلهية وَلكِنَّ اللَّهَ المصلح لأحوال عباده ذُو فَضْلٍ كثير وطول عظيم عَلَى الْعالَمِينَ ليعتدلوا ويتمكنوا على أداء العبادة ومواظبة الطاعات بلا مزاحمة بعضهم بعضا ظلما وزورا تِلْكَ المذكورات من الحكم والاحكام والحدود الموضوعة بين الأنام آياتُ اللَّهِ الدالة على توحيد ذاته وتعظيم شانه نَتْلُوها عَلَيْكَ يا أكمل الرسل ملتبسا بِالْحَقِّ المطابق للواقع وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ المتلوين عليهم آياتنا امتنانا لهم بل أنت من أفضلهم واكملهم إذ تِلْكَ الرُّسُلُ المخصوصون بالوحي والإلهام والإنزال قد فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ بأنواع الفضائل والكمالات مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ معه وهو موسى الكليم صلوات الرّحمن عليه وسلامه وَمنهم من رَفَعَ بَعْضَهُمْ فوق بعض دَرَجاتٍ وهم ما ذكرهم الله سبحانه في كتابه بقوله في مواضع ورفعناه مكانا عليا ورفعنا كذا في وصف خلص أنبيائه فعليك استقصاؤها وَلا سيما قد آتَيْنا من بينهم عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ الواضحات الدالة على نبوته وَمع ذلك قد أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ المنزه عن رذائل الأغيار مطلقا الا وهو الذات البحت الخالص عن جميع القيود والاعتبارات ومع ذلك كم بين فضل عيسى ﵇ وفضل نبينا ﷺ إذ قال سبحانه في حقه وأيدناه بروح القدس وفي شانه ﷺ في مقام الامتنان الم نشرح ونوسع لك صدرك ايها المظهر الجامع الكامل بذاتنا المقدس عن الاحاطة مطلقا ووضعنا عنك وزرك اى هويتك التي بها انفصالك عنا الذي انقض اى كسر ظهرك قبل انكشافك بذاتنا كما انقض ظهور سائر المخلوقات الباقية وراء الحجاب وبعد ذلك رفعنا لك ذكرك الى ان قد وصلت إلينا وارتفعت الاثنينية بيننا لذلك قلت من أطاعني فقد أطاع الله وتفوهت بمن رآني فقد رأى الحق وقلنا لك مخاطبا متنبها على علو شانك وسمو برهانك ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله وغير ذلك من الرموز والإشارات الواردة في القرآن والحديث وبالجملة لم يقدر احد من الأنبياء صلوات الله عليهم ان يتفوه عن الرؤية واللقاء سوى نبينا ﷺ فانه يقول رأيت ربي ليلة المعراج ولهذا نزل في شانه ﷺ اليوم أكملت لكم دينكم الآية وقوله بعثت لأتمم مكارم الأخلاق وغير ذلك من الآيات والأحاديث المشعرة للتوحيد الذاتي المسقط للاضافات والاعتبارات مطلقا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ الهادي للكل هداية جميع الناس مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ آمنوا لهم اى للأنبياء مِنْ بَعْدِهِمْ سيما مِنْ بَعْدِ ما قد جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ الواضحة لهم طريق الرشاد الباقية بعدهم بين أممهم لهدايتهم وإرشادهم وَلكِنِ قد جرت عادة الله وسنته ان يختلفوا ويقتتلوا حسب اقتضاء الأوصاف المتقابلة لذلك اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بنبي بعث إليهم وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ هدايتهم جميعا مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ الفاعل المختار يَفْعَلُ ما يُرِيدُ لا يسئل عن فعله انه حكيم حميد يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم قطع العلائق عن ما سوى الله سيما عن المزخرفات العائقة عن الميل الحقيقي نحوه أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ ابتلاء لإخلاصكم في ايمانكم

стр. 85

مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا معاوضة ولا تجارة حتى تحصلوا فيه ما فوتم لأنفسكم وَلا خُلَّةٌ حتى تتعاونوا بهم وتستظهروا منهم وَلا شَفاعَةٌ مقبولة من احد حتى تستشفعوا منه وَبالجملة الْكافِرُونَ الساترون هوية الحق بهوياتهم الباطلة المضيفون نعم الله إليها اصالة هُمُ الظَّالِمُونَ المتجاوزون عن حدود الله عنادا واستكبارا المعتقدون اصالتهم في الوجود واستقلالهم في الآثار الصادرة عنهم مع كونهم هالكين مستهلكين في وجود الحق وهويته سبحانه إذ اللَّهُ اى الذات الموجود الكائن الثابت الحق الحقيق بالحقية والتحقق والثبوت إياك ان تتقيد بالألفاظ ومحتملاتها إذ الغرض من التعبير انما هو التنبيه والا فكيف يعبر عنه سبحانه وهو أجل من ان يحيط به العقول فتعبر عنه وتورده في قالب الألفاظ الذي لا إِلهَ اى لا موجود وان شئت قلت لا وجود ولا تحقق ولا كون ولا ثبوت إِلَّا هُوَ هذا هو نهاية ما ينطق به السنة التعبير عن الذات الاحدية إذ كل العبارات والإشارات وعموم الإدراكات والمكاشفات والمشاهدات انما ينتهى اليه وبعد انتهاء الكل اليه تكل وتجهل وتعمى وتدهش ما للتراب ورب الأرباب حتى يتكلموا عنه سوى ان الحق سبحانه لما ظهر لهم بذاته وبعموم أوصافه وأسمائه انزل عليهم على قدر عقولهم المودعة فيهم كلاما جامعا ينبههم على مبدئهم ومعادهم بعد توفيق منه وجذب من جانبه الى أسهل الطرق بالنسبة الى المسترشدين انما هو الألفاظ المنبهة عن غيب الذات إذ الألفاظ خالية عن المواد الغليظة والكدورات الكثيفة المزيحة لصفاء الوحدة ومع ذلك ايضا لا يخلو عن شوب الكثرة والحجاب والحاصل ان من اطلع باطلاع الله والهامه إياه على ان فيه مبدأ التكاليف الذي هو العقل الجزئى المنشعب من العقل الكل المنشعب من حضرة العلم الحضوري الحقي فلا بد له ان يصرفه الى امتثال ما امر واجتناب ما نهى ليكون في مرتبة العبودية مطمئنا راضيا مستدرجا من الحيوة الصورية الى الحيوة المعنوية التي هي عبارة عن الوجود البحت الا وهو الْحَيُّ الحقيقي الأزلي الأبدي السرمدي الدائم القائم بذاته الواجب الوجود في نفسه دائم التحقق والثبوت الْقَيُّومُ الذي لا تَأْخُذُهُ فتور وفترة وتعطيل وغفلة ولا سِنَةٌ نعاس لا ينتهى الى حد النوم وَلا نَوْمٌ يتجاوز عنها قدمها مع ان المناسب للترقي تأخيرها اهتماما بشأنها لكونها اقرب نسبة الى الله تعالى من النوم بالنسبة الى ذوى الأحلام السخيفة من المجسمة وغيرها القادر الحكيم لَهُ محافظة كل ما ظهر فِي السَّماواتِ اى عالم الأسماء والصفات الذاتية التي هي أول كثرة ظهرت من الغيب المطلق الى الشهادة الاضافية وَكذا ما ظهر فِي الْأَرْضِ اى طبيعة العدم التي هي آخر كثرة عادت من الشهادة المطلقة الحقيقية الى الغيب الإضافي الذي هو قلب الإنسان وهو البرزخ بين الغيب المطلق الحقيقي والشهادة المطلقة الحقيقية مَنْ ذَا من الأنبياء والأولياء من الهادين المرشدين الَّذِي يَشْفَعُ للناقصين المنحطين عن الرتبة الانسانية عِنْدَهُ سبحانه إِلَّا بِإِذْنِهِ اى الا بوحيه سبحانه على قلبه برقائق مناسباته التي لا يمكننا التعبير عنها إذ هو الحكيم الذي يَعْلَمُ بعلمه الحضوري ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حالتئذ وَما خَلْفَهُمْ ازلا وابدا وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ قليل مِنْ عِلْمِهِ الحضوري إِلَّا بِما شاءَ وتعلق ارادته ومشيته عليه من هذا يتفطن العارف المحقق ان العالم ما هو الا مظاهر ذات الحق واظلال أسمائه وآثار أوصافه إذ الموجود الحقيقي هو والوجود الحقيقي هو والقيوم المطلق هو والرقيب المحافظ الملازم على محافظة عموم ما ظهر وبطن في الاولى والاخرى هو والعالم المدبر بالحضور مصالح جميع

стр. 86

ما ظهر وبطن ليس الا هو والعلم والإدراكات الصادرة من المظاهر هو علمه الحضوري فلم يبق للعالم الا مناسبة الظلية والانعكاس والمظهرية فقط إذ قد وَسِعَ كُرْسِيُّهُ مجلاه ومظاهره السَّماواتِ المذكورة وَالْأَرْضَ المذكورة وَلا يَؤُدُهُ ولا يثقله حِفْظُهُما وان كانت سماوات الأسماء وارض الطبيعة غير متناهية بل وان فرضت بأضعافها وآلافها أمورا متعددة غير متناهية لا يثقله إذ كل من تحقق بسعة قلب الإنسان المنعكس من الذات الاحدية المائل نحوها بالميل الحبى والشوقى المتلذذ دائما بوجده وحضوره قد تحقق عنده ولاح لديه من الوسعة والسعة ما لا يمكن التعبير عنه مطلقا. كما سمح به سلطان العارفين وبرهان الواصلين اعنى أبا يزيد البسطامي عمت بركات أنفاسه الشريفة على عموم الفقراء المتوجهين نحو فضاء التوحيد حيث قال لو أن العرش وما حواه مائة ألف ألف مرة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس. وايضا قد جاء بعده رأس الموحدين ورئيس ارباب التحقيق واليقين محى الملة والدين الذي هيج بحر الوحدة تهييجا شديدا الى حيث يترشح من تيار قلبه الزخار رشحات المعارف والحقائق على ذوى العزائم الصحيحة المقتفية اثر طريقه قدس الله روحه العزيز وأرواحهم وشكر الله سعيه ومساعيهم حيث قال في فصوص الحكم وهذا وسع ابى يزيد في عالم الأجسام بل أقول لو ان ما لا يتناهى وجوده قدر انتهاء وجوده مع العين الموجدة له في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس بذلك في علمه انتهى وبالجملة الحديث القدسي مغن عن أمثالهما لان قوله سبحانه وسعني قلب عبدى المؤمن وسعة قد عجز عنها التعبير مطلقا هب لنا من لدنك قلبا وسيعا فسيحا انك أنت الوهاب وَبالجملة مالكم وليس في وسعكم وطاقتكم ايها العباد من معرفة الذات الاحدية غير هذا هُوَ الْعَلِيُّ بذاته تعالى عن ان يدركه عقول العقلاء وتنزه عن ان يصفه السنة الفصحاء الْعَظِيمُ بآثار أسمائه وصفاته الممتدة على صفحات الاعدام وهو في ذاته على صرافة وحدته الذاتية وبعد ما ثبت كمال عظمة الله وجلاله لا إِكْراهَ اى لا جبر ولا تهديد ولا اضطرار ولا إلجاء فِي الدِّينِ والانقياد بدين الإسلام والإطاعة له بعد ما ظهر الحق إذ قَدْ تَبَيَّنَ وتميز الرُّشْدُ والهداية مِنَ الْغَيِّ والضلالة فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ التي هي عبارة عن النفس الامارة المضلة عن طريق الحق وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ الهادي الى سواء السبيل فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بل تمسك وتشبث بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى التي هي حبل الله الممدود من أزل الذات الى ابد الأسماء والصفات بحيث لَا انْفِصامَ ولا انقطاع لَها أصلا وَاللَّهُ الهادي للكل نحو جنابه سَمِيعٌ بذاته لأقواله عَلِيمٌ بحكمه ومصالحه المودعة فيها فانظروا ما أنتم ايها الهلكى وبالجملة اللَّهُ اى الذات المستجمع لجميع الأسماء والصفات وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا بالله يولى أمورهم حسب شموله واحاطته إياهم بحيث يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ المتراكمة المزدحمة ظلمة الطبيعة وظلمة الإمكان وظلمة التعينات والإضافات الواقعة فيها إِلَى النُّورِ صفاء الوحدة الخالصة الخالية عن رين الإضافات وشين الكثرات مطلقا وَالَّذِينَ كَفَرُوا بالله وأنكروا ذاته وأوصافه الذاتية أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ التي هي علم الجنس للنفوس البهيمية التي هي الطواغيت المضلة عن الهدى الحقيقي لذلك يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ اى المرآة الصقيلة المجلوة القابلة لان يتراءى فيها جميع ما في العالم الا وهي قلب الإنسان المنعكس من اسم الرّحمن إِلَى الظُّلُماتِ ظلمة الغفلة وظلمة الكثرة وظلمة الاضافة وبالجملة أُولئِكَ الأشقياء المردودون المطرودون عن ساحة عز الوحدة أَصْحابُ النَّارِ

стр. 87

وملازمون لجهنم الخذلان وسعير الإمكان هُمْ فِيها خالِدُونَ الى ما شاء الله لا حول ولا قوة الا بالله أَلَمْ تَرَ ايها الرائي إِلَى الكافر العابد للطاغوت وهو نمرود اللعين المكابر المعاند الَّذِي قد حَاجَّ على وجه الجدال والمراء مع إِبْراهِيمَ صلوات الرّحمن عليه فِي شأن رَبِّهِ وذلك سبب أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وأبطره عليه وغره به وذلك وقت إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ إلزاما له حين أخرجه من السجن فسأله عن ربه الذي يدعى الدعوة اليه رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي يوجد من العدم وَيُمِيتُ يرد اليه بعد إيجاده قالَ اللعين مجادلة ومكابرة أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ايضا بالعفو والقصاص قالَ إِبْراهِيمُ تصريحا لإلزامه من غير التفات الى كلامه فَإِنَّ اللَّهَ القادر على عموم المقدورات يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ أنت ايها المسرف المعاند بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ العاصي اللعين الَّذِي كَفَرَ بالله بدعوى المعارضة معه فصار مبهوتا متحيرا وَبالجملة اللَّهُ الهادي للكل لو شاء وتعلق مشيئته لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الخارجين المجاوزين عن حدود الله التاركين آداب العبودية معه أَوْ كَالَّذِي اى الم تر الى الشخص الذي قد مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ هي بيت المقدس في زمان قد خربها بختنصر فرآها وَهِيَ خاوِيَةٌ ساقطة حيطانها عَلى عُرُوشِها قالَ محاجا مجادلا لا منكرا للحشر والنشر أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها اى كيف يقدر على احياء أهلها وهم قد انقرضوا واندرسوا الى حيث لم يبق منهم اثر فَأَماتَهُ اللَّهُ فجأة إظهارا لقدرته وتبيينا لحجته والبثه مِائَةَ عامٍ ميتا كالأموات الاخر ثُمَّ بَعَثَهُ وأحياه بعد تلك المدة ثم سأله هاتف بان قالَ كَمْ لَبِثْتَ في هذا المكان ايها اللابث قالَ لَبِثْتُ يَوْماً فالتفت الى الشمس فرأها باقية قال أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ له السائل أنت ما تعرف مدة لبثك في هذا الموضع فكيف تنكر الحشر بَلْ قد لَبِثْتَ أنت فيه مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ ايها المكابر المنكر للحشر الجسماني بنظر العبرة إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ولم يتغير من كمال قدرة الله على حفظه مع سرعة تغيره وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ كيف تفرقت عظامه وتفتتت أوصاله واجزاؤه مع بطؤ تغيره وتفتته وَبعد ما نظرت إليهما معتبرا تذكر قولك حين مرورك على القرية انى يحيي هذه الله بعد موتها فالزم ثم قيل له من قبل الحق وانما فعلنا ذلك معك ايها المنكر للحشر والنشر لِنَجْعَلَكَ آيَةً حجة ودليلا لِلنَّاسِ القائلين بالحشر الجسماني على المنكرين المعاندين له وَبعد ما تحققت حالك انْظُرْ بنظر العبرة إِلَى الْعِظامِ الرفات التي تعجبت من كيفية إحيائها بل أنكرت عليها كَيْفَ نُنْشِزُها نركب بعضها مع بعض ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً بعد تتميم تركيب العظام على وجهها فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ امر الحشر الزم واسلم حيث قالَ أَعْلَمُ يقينا أَنَّ اللَّهَ القادر المقتدر عَلى احياء كُلِّ شَيْءٍ مبدئا مبدعا قَدِيرٌ على احيائه موجدا معيدا مرة بعد اخرى وكرة بعد اولى وَاذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ قالَ جدك إِبْراهِيمُ الخليل الجليل صلوات الرّحمن عليه وسلامه حين أراد ان يتدرج ويرتقى من العلم الى العين ثم الى الحق رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ له ربه تنشيطا له على الترقي أَتقول ذلك وَلَمْ تُؤْمِنْ ولم تذعن وتوقن أنت ايها الخليل بانى قادر على الإيجاد الا عادى كما اننى قادر على الإيجاد الابداعى قالَ بَلى قد آمنت وأذعنت يا ربي بانك على كل شيء قدير وَلكِنْ انما سألتك المعاينة لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بها ويزيد بصيرتي بسببها وحيرتي منها قالَ سبحانه

стр. 88

فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ طاوس مزخرفات الدنيا الدنية وديك شهواتها وغراب الآمال الطويلة فيها وحمام الأهواء الباطلة المتعلقة بها وبعد ما أخذتها فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ اى املهن واضممهن الى نفسك بحيث تجد جميع اجزائهن في نفسك على التفصيل بلا فوت جزء ثم جزأهن أجزاء هبائية هوائية ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ من الجبال المشهورة في مملكة بدنك ونفسك مِنْهُنَّ جُزْءاً الى حيث تخيلت تفانيها وتلاشيها بالمرة واطمأننت عن شرورها بالكلية ثُمَّ ادْعُهُنَّ فارضا وجودهن مستحيلا ايجادهن مرة اخرى يَأْتِينَكَ بأجمعهن سَعْياً ساعيات مسرعات بلا فوات جزء ونقصان شيء منهن وَبعد ما تحققت بها واستكشفت عنها اعْلَمْ علما يقينا بل عيانا وحقا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب قادر على كل ما أراد حَكِيمٌ ذو حكمة متقنة بالغة في كل ما يفعل ويريد. وانكار الحشر والنشر انما نشأ من ظلمات العقل الجزئى المشوب بالوهم المزخرف المزور والخيال القاصر المقصر عن ادراك رقائق الارتباطات الواقعة بين الحق وأجزاء العالم المستمدة هي منه سبحانه دائما على سبيل التجدد وسواء كانت مبتدأة او معادة والا فمن خلص عقله المودع فيه عن مزاحمة الأوهام والخيالات وتجرد عن شوب الرسوم والعادات واتصل بالعقل الكل المدرك بالحضور جميع ما كان ويكون من المكونات وتأمل في عجائب المصنوعات وغرائب المخترعات والمبتدعات الواقعة في عموم الآنات والحالات التي هي فيها قد انكشف له بلا سترة وحجاب امر الحشر والنشر وجميع الأمور المتعلقة بالنشأة الاولى والاخرى ولا ينكر بشيء منها بل يؤمن بها ويوقن بجميعها بلا شك وريب ربنا آتنا من لدنك هداية وعلما وهيئ لنا من أمرنا رشدا ثم قال سبحانه مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ المنسوبة إليهم بنسبة شرعية فِي سَبِيلِ اللَّهِ طلبا لمرضاته كَمَثَلِ باذر حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَبالجملة اللَّهِ القادر المقتدر على عموم المقدورات يُضاعِفُ حسب قدرته الكاملة تلك المضاعفة ايضا بأضعاف غير متناهية لِمَنْ يَشاءُ من خلص عباده حسب إخلاصهم في نياتهم وبمقتضى إخراجهم نفوسهم عن البين وتفويضهم الأمور كلها الى الله اصالة وَاللَّهُ المتجلى في الأنفس والآفاق بكمال الاستقلال والاستحقاق واسِعٌ لا ضيق في احاطة فضله وإحسانه عَلِيمٌ بأحوال من توجه نحوه وأنفق لرضاه خالصا مخلصا بحيث لا يعزب عن حيطة علمه شيء ولا سيما بشر يا أكمل الرسل من بينهم المنفقين المحسنين الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ معتقدين انهم مستخلفون نائبون عن الله فيها لا مالكون لها حقيقة ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لاعتقادهم الاستخلاف والنيابة لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ المخلف لهم المنيب إياهم بحيث لا يدرك سبحانه ولا يطلع مقداره وكيفيته أحدا من خلقه وَبعد ما أنفقوا ما أنفقوا على الوجه المذكور لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من الحساب والعقاب الأخروي وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ من فوات الأجر وقلة الجزاء بل لهم عند ربهم ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وبالجملة قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ورد جميل للسائل ناش من حسن الخلق وَمَغْفِرَةٌ مرجوة من الله بعد رده متحسرا على نعمة الانفاق خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً إذ بذلك القول يرجى الثواب وبتلك الصدقة يستحق العقاب وَاللَّهُ غَنِيٌّ عن انفاقكم بالمن والأذى للفقراء الذين هم عيال الله وفي حمى لطفه وحوزة حفظه وحضانته حَلِيمٌ لا يعجل بمؤاخذة من يمن ويؤذى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بالله الغنى الحليم مقتضى ايمانكم ان لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ عند الله بِالْمَنِّ وَالْأَذى

стр. 89

على فقراء الله حتى لا تعاقبوا عليها باشد العقاب ولا تكونوا عنده سبحانه كَالَّذِي اى كالكافر الذي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَالحال انه لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ المعد لجزاء الأعمال فَمَثَلُهُ اى مثل المنفق المرائى في إنفاقه ما عند الله في يوم الجزاء كَمَثَلِ صَفْوانٍ حجر أملس عَلَيْهِ تُرابٌ قد اجتمع من هبوب الرياح فطرح فيه البذور لتنبت وتثمر فَأَصابَهُ وابِلٌ مطر عظيم القطر فأزال التراب والبذور فَتَرَكَهُ اى الحجر صَلْداً أملس كما كان الى حيث لا يَقْدِرُونَ عَلى تحصيل شَيْءٍ قليل مِمَّا كَسَبُوا وبذروا عليه لينتفعوا به وَبالجملة اللَّهُ الهادي لخلص عباده لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ المتصدقين المبطلين بالمن والأذى حكمة الله المتعلقة لتربية الفقراء وتقوية العجزة والضعفاء فلا بد للمؤمنين الموقنين ان يجتنب عن أمثاله وبعد ما مثل سبحانه انفاق المنفق المرائى المبطل إنفاقه بالمن والأذى عقبه بإنفاق المحق المحسن بقوله وَمَثَلُ المؤمنين المنفقين الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ في سبيل الله ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ لا لعوض ولا لغرض لا ديني ولا دنيوى فضلا عن سمة السمعة والرياء وعن وصمة المن والأذى وَتَثْبِيتاً اى احكاما وتقريرا لهم ناشئا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ليثبتوا على ما أمرهم الله به واستخلفهم فيه بقوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه كَمَثَلِ جَنَّةٍ اى مثلهم كمثل بستان واقع بِرَبْوَةٍ مكان مرتفع من الأرض قد أَصابَها وابِلٌ مطر وأنبتها نباتا حسنا ورباها فَآتَتْ أُكُلَها قطوفها وأثمارها ضِعْفَيْنِ بالنسبة الى ما في الأرض المنخفضة وما حصل فيها بتربية الوابل إياها وتنميته لها فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ اى ان لم يصبها وابل فيكفى في أضعاف ثمرتها طل وهو رطوبة رقيقة تنزل على الأرض في المواضع المرتفعة لصفاء هوائها وترابها عن جميع الكدورات كاراضى بيت المقدس شرفها الله. والمعنى ان انفاق المؤمن المخلص في الانفاق الطالب لرضا الحق المائل عن مطلق المن والأذى والسمعة والرياء الراغب الى امتثال الأمر وتثبيت النفس وتقريرها عليه كمثل تلك الجنة بل حقيقة ومعنى هي الجنة الحقيقية المثمرة لفواضل الإحسانات التي لا يدرك غورها ولا يكتنه طورها وَبالجملة اللَّهِ المحيط لجميع أحوالكم وأعمالكم بِما تَعْمَلُونَ من الإخلاص والرضا ورعونات الرياء وكدورات المن والأذى بَصِيرٌ لا يغيب عن بصارته وحضوره شيء ثم حث سبحانه عموم عباده على الإخلاص ورغبهم عن الرياء والمن والأذى على ابلغ وجه وآكده كأنه قد استدل عليه فقال أَيَوَدُّ ويحب أَحَدُكُمْ ايها المؤمنون المنتشرون في فضاء الدنيا أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مملوءة مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ ومع ذلك تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وكان لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ المتنوعة المتلونة وَالحال انه قد أَصابَهُ الْكِبَرُ وأدركه الهرم وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ لا يقدرون على الكسب فَأَصابَها اى الجنة المذكورة إِعْصارٌ اى ريح عاصفة تستدير عند هبوبها فيرى من شدة غبرتها ورفعتها مثل العمود الممدود نحو السماء ومع ذلك حدث فِيهِ نارٌ متكونة من الابخرة والادخنة المحبة فيه التقطها من شعل النيران الموقدة على الأرض فسقطت النار في الجنة المذكورة فَاحْتَرَقَتْ بالمرة بحيث قد خرجت عن الانتفاع مطلقا كيف يحرم صاحبها وحرمانكم ايها المراؤون بالأعمال الصالحة والصدقات في النشأة الاخرى أشد من حرمانه بل بأضعافه والآفة لإحراقكم جنة الأعمال الصالحة المشتملة على نخيل التوحيد وأعناب الرضاء والتسليم تجرى من تحتها انهار المعارف والحقائق المنتشئة من بحر جود الوجود المثمرة لثمرات الانفاق والصدقات المنشعبة من بحر الرضاء والتسليم المشعر للتحقق بمقام العبودية المسقط للاضافات كلها باعصار

стр. 90

السمعة والرياء والمن والأذى المشتملة على نيران الأنانية المشتعلة المتكونة من ابخرة الهوى وادخنة اللذة الوهمية والشهوات البهيمية فاحترقت بالمرة جميع ما يترتب عليها من اللذات الروحانية والثمرات العرفانية والحال انكم معطلون حينئذ عن التدارك والافتقاد وقواكم الكاسبة قد رجعت الى بدئها قهقرى ضعفاء معطلات أمثالكم وبالجملة كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فيها وتدخرون الزاد ليوم لا كسب فيه ولا يمكنكم الافتقاد ولا الزرع ولا الحصاد يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا لرضاء الله على المستحقين من عباده مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وجيدات ما اقترفتم في النشأة الاولى بالحراثة والتجارة والصناعة وَايضا مِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ بلا سبق عمل منكم من الحبوب والثمار والمعدنيات وغير ذلك وَعليكم ان لا تَيَمَّمُوا ولا تقصدوا الْخَبِيثَ مِنْهُ اى لا تقصدوا الى إخراج الردى الخبيث من أموالكم المكتسبة والموهوبة حين تُنْفِقُونَ للفقراء وَالحال انكم لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ من الغير في معاملاتكم إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا وتسامحوا فِيهِ اى في اخذه وَبالجملة اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ المقتدر الغيور غَنِيٌّ عن انفاقكم وتصدقكم وانما يأمركم به لانتفاعكم واستفادتكم إذ هو في ذاته حَمِيدٌ شكور مشكور في نفسه لولا أنتم وانفاقكم وشكركم وبالجملة الشَّيْطانُ المضل المغوى يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ في الانفاق ويخوفكم منه ويوقع في انفسكم مخايل التقتير والإمساك وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ اى البخل المفرط المتجاوز عن الحد وَاللَّهُ المصلح لعموم مفاسدكم يَعِدُكُمُ فيه مَغْفِرَةً لذنوبكم ناشئة مِنْهُ سبحانه إحسانا وَفَضْلًا زائدا على وجه التبرع والإكرام خلفا لما أنفقتم في سبيله طلبا لمرضاته وَاللَّهُ واسِعٌ لا ضيق في سعة فضله وإحسانه عَلِيمٌ بنية من أنفق وإخلاصه فيها حكيم في إفاضته على قلوب خلص عباده بمقتضى حكمته إذ هو سبحانه يُؤْتِي الْحِكْمَةَ اى سرائر جميع الأعمال المأمورة لعباده مَنْ يَشاءُ بفضله وجوده عناية منه وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ من العباد فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً لا يحيط بكثرته الا هو وَما يَذَّكَّرُ اى ما يتذكر وما يتعظ بمضمون هذه الآية الكريمة الشاملة لفوائد لا تحصى إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ الواصلون الى لب الأمور المائلون عن قشورها المتوجهون الى الله بالعزائم الصحيحة المعرضون عن الرخص المؤدية الى الجرائم وَاعلموا ايها المؤمنون المستمسكون بحبل التوفيق الإلهي ان ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ خالصة لمرضاة الله أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ يؤدى الى الانفاق في سبيل الله فَإِنَّ اللَّهَ الموفق لكم على عموم مصالحكم يَعْلَمُهُ بعلمه الحضوري ويجازى عليه بأضعافه وآلافه وَما لِلظَّالِمِينَ المجاوزين والمتجاوزين عن حدوده بمتابعة الشيطان المضل عن طريق الحق مِنْ أَنْصارٍ ينصرهم عند انتقام الله إياهم وقهرهم على ما صدر عنهم من الفسوق والعصيان ومن التبذيرات الواقعة فيها إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ ايها المؤمنون وتظهروها فَنِعِمَّا هِيَ اى نعم شيأ عند الله وعند الناس إبداء الصدقات وإعطاؤها علانية وَإِنْ تُخْفُوها اى الصدقات وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ خفية من الناس فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ من ابدائها لعرائها عن وصمة السمعة والرياء وعن شوب المن والأذى ولا سيما عن لحوق العار على الفقراء وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ لستركم ذلة الفقراء الذين يذلون عند أخذها منكم وَاللَّهُ المجازى لكم بِما تَعْمَلُونَ من الخيرات خَبِيرٌ يكفيكم خبرته بمجازاتكم عليه ثم قال سبحانه مخاطبا لنبيه كلاما خاليا عن وصمة الشبهة ناشئا عن محض الحكمة لَيْسَ عَلَيْكَ يا أكمل الرسل هُداهُمْ

стр. 91

اى ان تجعلهم مهتدين مهديين الى طريق الحق بل ما عليك الا الإرشاد والتنبيه على مسالك التوحيد والترغيب على محاسن الأوامر المتعلقة به والترهيب عن مقابح المناهي المنافية له وَلكِنَّ اللَّهَ الهادي للكل يَهْدِي بتوفيقه مَنْ يَشاءُ من عباده الى الصراط المستقيم ليوصلهم الى بابه وَقل لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ صدقة او نذر فَلِأَنْفُسِكُمْ اى فهو لكم ونفعه عائد إليكم فلا تبطلوا نفعه بالمن والأذى ولا تنفقوا الردى الخبيث لئلا تنقصوا من نفعكم وانتفاعكم بها وَقل لهم ايضا خير انفاقكم انكم ما تُنْفِقُونَ شيأ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ طلبا لرضاه شكرا لنعمه وهاربا عما يشغلكم عن الحق مائلا عن مطلق الجزاء ولا جزاء أعظم من مطالعة وجهه الكريم وَاعلموا ان ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ على هذا الوجه يُوَفَّ إِلَيْكُمْ جزاؤه فوق ما يصفه السنة مصنوعات الكريم وتدركه عقولهم وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ اى لا تنقصون ولا تخسرون في هذه المعاملة مع الله ومتى عرفتم أنتم خير الانفاق فعليكم ان تعرفوا خير من ينفق اليه فاجعلوا انفاقكم لِلْفُقَراءِ العرفاء الأمناء الَّذِينَ أُحْصِرُوا اى قد تقرروا وتمكنوا مستغرقين متحيرين فِي سَبِيلِ اللَّهِ متشمرين للفناء فيه باذلين مهجهم في طريق توحيده بحيث لا يَسْتَطِيعُونَ من غاية استغراقهم في مطالعة جماله ضَرْباً فِي الْأَرْضِ لطلب الرزق الصوري ومن غاية استغنائهم عن الدنيا وما فيها يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ بحالهم أَغْنِياءَ مِنَ كمال التَّعَفُّفِ المرتكز في جبلتهم بحيث تَعْرِفُهُمْ وتنتبه على حالهم واحتياجهم ايها المؤمن المنفق لرضاء الله بِسِيماهُمْ من ضعف القوى ورثاثة الحال وبالجملة هم من غاية رجوعهم وركونهم عن الدنيا وما فيها نحو المولى لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ ولا يطلبون منهم حوائجهم وكفافهم إِلْحافاً جهارا إلحاحا متمنين راجين منهم مما عندهم بل رزقهم على الله يرزقهم من حيث لا يحتسب وبعد ما سمعتم أوصاف أولئك الوالهين في مطالعة جمال الله وجلاله بادروا الى تقوية أمزجتهم وتربية طباعهم بما عندكم من الرزق الصوري ليتمكن لهم الوصول الى الدرجة العليا والسعادة العظمى التي لا مرتبة أعظم منها وأعلى وَاعلموا ايها المنفقون ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ سيما لهؤلاء العظماء الكرام فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ بذاته عَلِيمٌ يجازيكم بمقتضى علمه بإحسانكم وإخلاصكم فيه ربنا اجعلنا من خدامهم وتراب اقدامهم وبالجملة المؤمنون الموقنون المحسنون الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ المنسوبة إليهم بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً اى في عموم أوقاتهم وحالاتهم طلبا لمرضاة الله وهربا عما يشغلهم عن مطالعة جماله فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ حسب قابليتهم واستعدادهم وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من التضييع والإحباط وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ من سوء المنقلب والمآب ثم قال سبحانه المفسدون المسرفون المفرطون الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا وهي عبارة عن تنمية المال بأسوء الطرق وأقبح السبل المؤدى الى إضرار الأخ المسلم وإتلاف ماله وإخراجه من يده مجانا بلا رعاية غبطته وجانبه أصلا وهم لا يَقُومُونَ في يوم البعث والحشر إِلَّا كَما يَقُومُ الشخص الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ اى الجن مِنَ الْمَسِّ في النوم كيف يقوم مصروعا حائرا مضطربا متهتكا قلقا هائلا هائما وما ذلِكَ الا بِأَنَّهُمْ اى بشؤم ما قالُوا في نفوسهم مصرين معتقدين إِنَّمَا الْبَيْعُ في التنمية والزيادة مِثْلُ الرِّبا وهما سيان في الازدياد والنمو وَمن اين أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وما يترتب عليه من الربح وَحَرَّمَ الرِّبا مع ان رضاء المتعاقدين حاصل فيها من كلا الجانبين وبالجملة فَمَنْ جاءَهُ وبلغه مَوْعِظَةٌ مِنْ قبل رَبِّهِ فَانْتَهى

стр. 92

واجتنب عن الربوا ونهى نفسه عنه فَلَهُ أخذ ما سَلَفَ قبل ورود الموعظة لا يسترده شرعا وَأَمْرُهُ مفوض إِلَى اللَّهِ يجازيه عن الانتهاء بأحسن الجزاء ان كان من اصحاب العزيمة والقبول او يعاقب عليها ان كان من ذوى التزلزل والاضطراب وَمَنْ عادَ ورجع سيما بعد ما سمع الموعظة وانتهى عنها فَأُولئِكَ العادون الراجعون هم أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ دائمون مستمرون ما شاء الله ومن سنته سبحانه انه يَمْحَقُ اللَّهُ العليم الحكيم الرِّبا اى يذهب بركته ويهلك المال الذي يدخل هي فيه وَيُرْبِي اى يزيد وينمى المال الذي يخرج منه الصَّدَقاتِ ويضاعف ثوابها ويبارك على صاحبها كما أشار اليه ﷺ بقوله ما نقصت زكاة من مال قط وَاللَّهُ المتجلى بالتجلى الحبى لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ ستار مصر على تحليل المحرمات أَثِيمٍ بارتكاب المحظورات مجترئ على ترك المأمورات ثم قال سبحانه إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بالله الواحد الأحد الصمد الفرد الوتر في ذاته وبرسوله المرسل من عنده وبجميع ما جاء به من الأوامر والنواهي وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ اى الأعمال المأمورة لهم تتميما لإيمانهم وتأكيدا له وَلا سيما قد أَقامُوا الصَّلاةَ المفروضة لهم بمقتضى الكتاب الإلهي وَايضا آتَوُا الزَّكاةَ المكتوبة عليهم فيه لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من ترقب مولم وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ من فوت مسر ملذ بل لهم جميع ما ينبغي لهم ويليق بحالهم بالفعل بلا انتظار وترقب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ اى مقتضى ايمانكم اختيار التقوى عن محارم الله والعزيمة الخالصة في جميع الأعمال المأمورة لكم والاجتناب عن الرخص سيما عن المناهي وَذَرُوا واتركوا ما بَقِيَ لكم مِنَ الرِّبا عند الغرماء إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ موقنين بحرمة الربوا وبسر حرمته وحكمة منعه فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولم تمتثلوا بما أمرتم ولم تتيقنوا سر ما منعتم منه فَأْذَنُوا اى انتظروا وترقبوا بِحَرْبٍ عظيم نازل مِنَ اللَّهِ المتجلى باسمه المنتقم وَمن رَسُولِهِ التابع له المتخلق بأخلاقه وَإِنْ تُبْتُمْ عن الارتباء والانتماء على هذا الطريق الأخس الأدنى فَلَكُمْ في دينكم هذا رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ على السواء بحيث لا تَظْلِمُونَ أنتم بأخذ الزيادة وإتلاف مال الغريم بلا عوض وَايضا لا تَظْلِمُونَ ولا تتضررون أنتم بالمطل والتسويف في الأداء والتأخير فيه وَإِنْ كانَ الغريم الذي عليه رؤس أموالكم ذُو عُسْرَةٍ لا يقدر على أداء حقوقكم دفعة فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ اى فعليكم ان تنظروه وتمهلوه الى وقت ايساره ثم تأخذوا وَأَنْ تَصَدَّقُوا اى تصدقكم بها على ذي عسرة خَيْرٌ لَكُمْ عند الله يجازيكم به جزاء لا يدرك كنهه الا هو إذ إدخال السرور في قلب المؤمن سيما في هذه الحالة يوازى عند الله عمل الثقلين إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ هذا تتصدقون بها البتة وَبالجملة اتَّقُوا يَوْماً واى يوم يوما تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ المسقط لجميع الإضافات المطلع على جميع الحالات منسلخين عن عموم ما أنتم عليه في الدنيا مؤاخذين عليها لتحاسبوا عن نقير وقطمير ثم تجازوا عليها ثُمَّ تُوَفَّى وتجزى كُلُّ نَفْسٍ على مقتضى ما كَسَبَتْ من خير وشر وظلم وجور وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ أصلا لا بتنقيص الثواب ولا بتضعيف العقاب بل كل نفس فيها رهينة بما كسبت. وعن ابن عباس رضى الله عنهما انها آخر آية نزل بها جبريل ﵇ وقال ضعها في رأس المأتين والثمانين من البقرة وعاش رسول الله ﷺ بعدها أحدا وعشرين يوما وقيل أحدا وثمانين وقيل سبعة ايام وقيل ثلاث ساعات وعليك ايها المؤمن المتوجه الى تصفية الذات يسر الله عليك أمرك ان تدخر لنفسك من هذه الآية من الزاد ما لا يسعه

стр. 93

المطولات ولا يندرج في المجلدات ولا تفي باستقصائها التعبيرات والإشارات وبالجملة هي محتوية على عموم السرائر والأسرار الباعثة للارسال والإنزال والتبشير والإنذار لذلك ختم به الوحى وانقطع به الإنزال ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم المحافظة على الحدود الشرعية سيما إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ اى يعطى بعضكم بعضا ويأخذه ان يؤديه له إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى معين معلوم مقدر بالأيام والشهور والأعوام لا بوقت الحصاد وقدوم الحاج وغير ذلك من المبهمات فَاكْتُبُوهُ لئلا يقع بينكم العداوة والبغضاء المؤدية الى النزاع والمراء المنافى للايمان والتوحيد وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ على الوجه الذي وقع بلا زيادة ولا نقصان والحاصل ان يكتب صورة المراضاة المعقودة المعهودة بينكم حين الأخذ والإعطاء بلا تفاوت حتى يكون وقاية لكم لدى الحاجة وَبعد ما شرع في الكتابة لا يَأْبَ ولا يمتنع كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ اى لا يوجز ايجازا مخلا ناقصا منقصا ولا يطنب اطنابا مخلا مزيدا لئلا يؤدى الى النزاع والمناكرة عند الأداء بل فَلْيَكْتُبْ الكاتب العادل عدلا وَلْيُمْلِلِ على الكاتب المديون وهو الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ والقضاء لأنه المعترف بالأداء وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ حين الإملاء عن فوت شيء من الحقوق وَلا يَبْخَسْ اى لا ينقص مِنْهُ شَيْئاً هذا التخصيص بعد ما دل عليه الكلام السابق ما هو الا لزيادة تأكيد والاهتمام في الاجتناب عن تضييع الحقوق فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً ناقص العقل منحطا عن العدالة أَوْ ضَعِيفاً في الرأى والقوة غير مراع للغبطة لأجل الصبا او الهرم أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ لخرس او جهل باللغة فَلْيُمْلِلْ من قبله وَلِيُّهُ اى من يولى امره شرعا ملتبسا بِالْعَدْلِ مع رعاية الجانبين بلا ازدياد ولا تبخيس وَمع ذلك اسْتَشْهِدُوا على دينكم ومراضاتكم من الجانبين شَهِيدَيْنِ حاضرين في مجلس المراضاة مِنْ رِجالِكُمْ لكمال عقلهم ودينهم فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ اى فعليكم ان تستشهدوا بدل الرجلين رجلا وامرأتين دفعا للحرج هذا مخصوص بالأموال دون الحدود والقصاص لقلة عقلهن وضعف تأملهن مِمَّنْ تَرْضَوْنَ أنتم ايها المعاملون مِنَ الشُّهَداءِ الذين ثبتت عندكم عدالتهم وأمانتهم وديانتهم وانما خص هذا العدد لأجل أَنْ تَضِلَّ وتنسى إِحْداهُما بطول الزمان فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا اى الذاكرة منهما الْأُخْرى الناسية لئلا تضيع حقوق المسلمين وَبعد ما شرع الاشهاد في الوقائع لا يَأْبَ ولا يمتنع الشُّهَداءِ عن الحضور إِذا ما دُعُوا لأداء الشهادة او تحملها وَمع الاشهاد والاستشهاد لا تَسْئَمُوا ولا تساهلوا في هذا ايها المؤمنون المعاملون أَنْ تَكْتُبُوهُ اى الكتاب الشامل على مراضاتكم في معاملاتكم المؤجلة صَغِيراً كان الحق أَوْ كَبِيراً قليلا او كثيرا فاحفظوه إِلى وقت حلول أَجَلِهِ المسمى له عند الأخذ ذلِكُمْ اى الكتاب على الوجه المذكور أَقْسَطُ اعدل معاملاتكم عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وأعون لأدائها وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا اى اقرب الطرق لحفظ ما جرى بينكم من المعاملة نسية فعليكم ان تحافظوا عليها ولا تجاوزوا عنها إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها وتداولونها بَيْنَكُمْ يدا بيد فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ ضيق وذنب أَلَّا تَكْتُبُوها لبعدها عن التنازع وَبالجملة أَشْهِدُوا فيها وان لم تكتبوها إِذا تَبايَعْتُمْ احتياطا إذ البشر قلما يخلو عن الضرر والإضرار وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ هذه الصيغة تحتمل البنائين وكل منهما يصلح لان يكون مرادا اما بناء الفاعل

стр. 94

فلا بد ان لا يضر الكاتب المعاملين بترك الاجابة وعدم الحضور عند المملى او بالزيادة والنقصان في المكتوب وغير ذلك وايضا الشاهد الذي يدعى الى التحمل او الأداء بترك الاجابة وبالتهاون والإنكار وغير ذلك واما بناء المفعول فلا بد ان لا يضر الكاتب بمنع أجرته واستعجاله عن مصلحته وكذا الشاهد وَإِنْ تَفْعَلُوا شيأ مما نهيتم عنه فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وخروج عن حدود الله لاحق بكم ضرره وَاتَّقُوا اللَّهَ عن مخالفة حدوده وأحكامه وَخصوصا بعد ما يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ المدبر لمصالحكم ما ينبغي لكم ويليق بحالكم وَاللَّهُ المتجلى بصفات الجمال والجلال بِكُلِّ شَيْءٍ صدر عنكم عَلِيمٌ يجازيكم على مقتضى علمه وَإِنْ كُنْتُمْ ايها المتداينون عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ اى فعليكم في أمثال هذه المعاملات رهان مقبوضة من المديون الى الأجل المسمى فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ ايها الدائنون بَعْضاً من المديونين بلا ارتهان اعتمادا على أمانته فَلْيُؤَدِّ المديون الَّذِي اؤْتُمِنَ اعتمادا أَمانَتَهُ اى دينه الذي في ذمته عند انقضاء اجله المسمى وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ في الإنكار والخيانة والبخس والمماطلة وَلا تَكْتُمُوا ايها المؤمنون الشَّهادَةَ الحاضرة الحاصلة عندكم المتعلقة بحقوق الناس سواء كنتم من المستشهدين او الشاهدين على انفسكم المقرين المعترفين بما في ذمتكم من حقوق الغير وَمَنْ يَكْتُمْها عنادا واستكبارا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ اى يأثم قلبه ومن كان إثمه من قلبه لا يرجى منه الفلاح والفوز بالنجاح وَاللَّهُ المحيط بعموم حيلكم ومخايلكم بِما تَعْمَلُونَ من الخيانة والإنكار وكتمان الشهادة والإضرار عَلِيمٌ ينتقم عنكم بكل ما جرى في نفوسكم منها واعلموا ايها المكلفون بإقامة الحدود الإلهية انه لِلَّهِ الواحد الأحد الصمد الفرد الحي الحقيق بالحقية القيوم المتفرد بالقيومية الدائم الظاهر المتوحد بالديمومية مظاهر ما فِي السَّماواتِ اى سموات الأسماء الذاتية والصفات الفعلية وَما فِي الْأَرْضِ اى الطبيعة العدمية القابلة لمظهرية آثار الصفات الذاتية المحدثة المظهرة للكائنات الكونية الكيانية والواردات الغيبية والواضحات العينية وَبعد ظهور عموم ما ظهر وما بطن عنده سبحانه إِنْ تُبْدُوا وتظهروا ايها الاظلال والعكوس ما فِي أَنْفُسِكُمْ من مقتضيات الأنانية ودعوى الاصالة في الوجود والاستقلال بالآثار أَوْ تُخْفُوهُ وتكتموه يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ الجامع لجميع الأسماء المحيط لجميع الأشياء بل وجود عموم الأشياء كلها مستهلكة في وجوده سبحانه فانية في ذاته فَيَغْفِرُ اى يستر ويمحو ذنب الأنانية ومعصية الغيرية لِمَنْ يَشاءُ من عباده بفضله وجوده وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ بمقتضى قهره وجلاله ارادة واختيارا إظهارا لقدرته وقلعا لشركته وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مما شاء ويشاء قَدِيرٌ بالقدرة الازلية الابدية له التصرف مطلقا في عموم ما كان ويكون لا يعزب عن حضوره ذرة ولا يشغله فترة وتعطيل وعلى ذلك قد آمَنَ الرَّسُولُ الفاني في الله الباقي ببقائه المستغرق بمطالعة لقائه بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ من الحقائق والمعارف والمكاشفات والمشاهدات المتكثرة المتجددة بتجددات التجليات المنتشئة مِنْ رَبِّهِ الذي رباه لاستخلافه ونيابته وتحمل اسرار أعباء نبوته ورسالته وَالْمُؤْمِنُونَ المتبعون المسترشدون منه المقتفون اثره ﷺ كُلٌّ منهم قد آمَنَ بِاللَّهِ المتفرد بالبقاء المتعزز بالعظمة والكبرياء وَمَلائِكَتِهِ الموسومين بالصفات الذاتية والأسماء الإلهية وَكُتُبِهِ المترتبة على صفة الكلام المنزلة على السنة الرسل والأنبياء للهداية والإهداء وَرُسُلِهِ المنبهين على ذوى البصائر والنهى مما في مضامين

стр. 95

آياته الكبرى من السرائر والأسرار التي قد تفتتت دونها الآراء واضمحلت عندها الأهواء قائلين يعنى هؤلاء المؤمنين المقرين المعترفين لا نُفَرِّقُ ولا نميز بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ المبعوثين إلينا من لدنه سبحانه بعد ما قد ظهر الكل منه ورجع اليه وَبعد ما آمنوا بالله وإحاطته قالُوا طوعا سَمِعْنا وَسمعا أَطَعْنا بجميع ما قد جاء به الرسل من عندك يا مولانا نرجو منك غُفْرانَكَ رَبَّنا الذي ربيتنا بقدرتك بالمعرفة والايمان بين ملابس الإمكان المفضى بالطبع الى انواع الخذلان والخسران وَإِلَيْكَ يا هادي الكل لا الى غيرك إذ لا غير معك الْمَصِيرُ في الإعادة عن شياطين الأوهام والخيالات الباطلة الناشئة من لوازم الإمكان المفضية الى دركات النيران. ثم نبه سبحانه على خلص عباده ما يئول أمرهم اليه وينقطع سعيهم دونه بقوله لا يُكَلِّفُ اللَّهُ الهادي لعباده نحو جنابه نَفْساً إِلَّا وُسْعَها اى حسب ما في وسعها واستعدادها مما عينه الله له في سابق علمه ولوح قضائه فظهر انه لَها ما كَسَبَتْ من ثواب الخيرات حسب استعداده الفطري وَعَلَيْها ايضا مَا اكْتَسَبَتْ من جزاء الشرور والقبائح بمتابعة القوى الامارة الامكانية التي هي منشأ جميع الفتن والفساد ثم لما أشار سبحانه الى سرائر التكاليف والمجازاة أراد ان يشير الى ان الإتيان بما كلف به لا يكون الا باقداره وتوفيقه وجذب من عنده لذلك لقنهم الدعاء اليه والاستعانة منه والمناجاة معه بقوله رَبَّنا يا من ربيتنا بلطفك لقبول تكليفاتك لنصل الى صفاء توحيدك وتقديسك لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا إتيان ما كلفتنا به بسبب إمكاننا أَوْ أَخْطَأْنا فيها لقصور إدراكنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً حجابا غليظا وغشاء كثيفا تعمى به بصائر قلوبنا عن ادراك نور توحيدك وأبصارنا عن احساس شمس ذاتك كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا سهل علينا طريق توحيدك وَلا تُحَمِّلْنا من متاعب الرياضات ومشاق التكليفات القالعة لدرن الإمكان ورين التعلقات ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ ولا يسع في وسعنا العمل والإتيان به وَاعْفُ اى امح بفضلك عَنَّا مقتضيات القوى البشرية واوصافنا الامكانية وَاغْفِرْ لَنا اى استر انانيتنا وهويتنا عن نظرنا وَارْحَمْنا بعد ذلك برحمتك الواسعة أَنْتَ مَوْلانا ومولى نعمنا فَانْصُرْنا بعونك ونصرك في ترويج دينك وإعلاء كلمة توحيدك عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ الساترين بغيوم هوياتهم الباطلة شمس الحق الظاهر في الأنفس والآفاق حققنا بلطفك بحقيتك وتوحيدك يا خير الناصرين ويا هادي المضلين خاتمة سورة البقرة عليك ايها المحمدي المتوجه نحو توحيد الذات شرح الله صدرك ويسر لك أمرك ان تأخذ نصيبك حسب قدرتك وطاقتك من هذه السورة المشتملة على جميع المطالب الدينية والمراتب اليقينية فلك ان تشمر أولا ذيلك عن الدنيا وما فيها معرضا عن لذاتها وشهواتها متوجها بوجه قلبك الى توحيد ربك مستفتحا بما أودعه سبحانه في صدرك من خزائن جوده ودفائن وجوده طاويا كشح حالك ومقالك عما لا يعنيك هاربا عن مصاحبة ما يضرك ويغويك طالبا الوصول الى معارج التوحيد ومدارج التجريد والتفريد راغبا عما سوى الحق من اسباب الكثرة والتقييد مستنشقا من نسمات أنسه ونفحات قدسه مستروحا بنفثات رحمته مستكشفا عن اسرار ربوبيته مستهديا من زلال هدايته بمتابعة نبيه المخلوق على صورته المبعوث الى جميع بريته مسترشدا من كتابه المنزل عليه

стр. 96

الجامع لما في الكتب السالفة من الحكم والمواعظ والعبر والأمثال والرموز والإشارات الواردة لهداية التائهين في فضاء وجوده المستغرقين في تيار بحار إحسانه وجوده فعليك ايها المريد القاصد لسلوك طريق الحق ان تلازم هذا الكتاب الذي لا ريب في هدايته لمن آمن بغيب الهوية الإلهية وادام التوجه نحوه صارفا عنان عزمك عن كل ما يشغلك عن ربك مقبلا بشأنك نحو مقصدك ومطلبك معرضا على نفسك ما فيه من الحقائق والمعارف والحكم والاحكام والقصص والتذكيرات إذ ما من حرف من حروف هذا الكتاب الا وهو ظرف لمعان الى ما شاء الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم عليم فلا بد لك عند تلاوة القرآن ان تطهر ظاهرك وباطنك عن جميع لوازم بشريتك بحيث تغيب عنك نفسك وتفنى هويتك وشانك في هوية الحق وأنطقك ربك بكلامه ومتى رسخت هذه الحالة فيك وصارت خلقك وشيمتك فزت بحظك ونصيبك من تلاوته وإياك إياك ان تغفل عند قراءته عن فحص اشارته والتدقيق في روايته ودرايته ومتى صفت سرك وسريرتك عن العوائق كلها وخلصت طويتك عن العلائق برمتها صح لك ان تسترشد منه حسب ما قدر الله لك ووفقك عليه في سابق علمه انه سبحانه على جميع ما يشاء قدير وبإجابته حقيق جدير [سورة آل عمران] فاتحة سورة آل عمران لا يخفى على الراسخين في العلوم اللدنية المتأملين في محكمات الكتب المنزلة من عند الله المتعلقة بتهذيب الظاهر عن الكدورات البشرية ومتشابهاتها المصفية للباطن بالنسبة الى اولى العزائم الصحيحة عن جميع الأوهام والخيالات الفاسدة المنافية لصرافة الوحدة الذاتية الهوية السارية في جميع المظاهر حسب تعددات التجليات المترتبة على الأوصاف والأسماء الذاتية ان سر الإنزال والإرسال والوحى على الأنبياء والإلهامات والارهاصات الواردة على قلوب المخلصين من الأولياء انما هو للتفطن والتنبه على كيفية انبساط الظل الإلهي الممتد على طبيعة العدم المقابل للوجود القابل لانعكاس اشعة انواره الفائضة حسب تجلياته الجمالية والجلالية وكيفية ارتباط الاظلال والعكوس الغير المحصورة على المبدأ الوحدانى الذي هو الوحدة الذاتية التي لا تعدد فيه أصلا الا بحسب الأوصاف والشئون كما قال سبحانه في وصف ذاته المنزه عن شوب الكثرة. قل هو الله احد السورة وقال في شانه المقتضى للتعدد كل يوم هو في شأن وقال في ارتباط الاظلال ورجوعها الى الوحدة وما من دابة الا هو آخذ بناصيتها الآية. وقال ايضا بلسان الاظلال. انا لله وانا اليه راجعون وقال ايضا. كل إلينا راجعون. وقال ان إلينا إيابهم الى غير ذلك من الآيات والاخبار الواردة في هذا الباب والشهودات والكشوفات الصادرة من ارباب الولاء أنار الله براهينهم. ولما كان الإنسان الكامل قابلا لمظهرية جميع الأوصاف الإلهية لائقا للخلافة والنيابة عنه سبحانه انزل عليه من عنده كتابا مشتملا على عموم ما كان ويكون من رطب ويابس ونقير وقطمير كما قال سبحانه في محكم تنزيله. ولا رطب ولا يابس الا في كتاب مبين. وقال في وصف كتابه. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. فلا بد للمسترشد الخبير منه ان يتعمق في طلب دفائن اسراره الكامنة في أغواره ويغوص في ذخار تيار بحاره حتى يفوز بغرر فوائده ودرر فرائده ويتحقق بمقام التخلق بأخلاق الله تعالى حتى يتصف بالخلافة والنيابة الإلهية ويستحق الخطاب الإلهي ولهذا خاطب سبحانه رسوله الذي هو أكمل الرسل الكاملين وأتم المخلوقين صلوات الله عليه وسلامه متبركا بِسْمِ اللَّهِ

стр. 97

الذي انزل الكتاب وأرسل الرسل إرشادا لعموم العباد الى سبيل المعاد الرَّحْمنِ عليهم بانزال المحكمات المعدة لفيضان اليقين والعرفان الرَّحِيمِ عليهم بانزال المتشابهات المتضمنة للب التوحيد وزبدة التحقيق والإيقان [الآيات] الم ايها الإنسان الكامل الأوحدي الأقدسى اللائح على الصورة الرحمانية الملازم الملاحظ لمقتضيات الأوصاف والأسماء الإلهية المتفرعة عليها جميع المظاهر الكونية المشتمل عليها المحيط بها اللَّهُ اى الذات الواحد الأحد الفرد الصمد المبدع المظهر الموجد الذي لا إِلهَ ولا موجود ولا مظهر في الوجود إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الدائم الثابت الذي لا يقدر حياته الزمان ولا يحصرها المكان إذ لا يشغله شأن عن شأن الْقَيُّومُ الذي لا يعرضه الفتور ولا يعجزه كر الأعوام ومر الدهور الا وهو الذي نَزَّلَ عَلَيْكَ يا مظهر الكل وأكمل الرسل امتنانا لك الْكِتابَ اى القرآن الجامع الشامل لما في الكائنات أعلاها وأدناها أوليها واخراها ملتبسا بِالْحَقِّ المطابق للواقع مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتب السالفة المنزلة على الأنبياء الماضين صلوات الله عليهم أجمعين وَأَنْزَلَ ايضا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ على موسى وعيسى ﵉ مصدقين كذلك لعموم ما مضى من الكتب السابقة مِنْ قَبْلُ اى قبل إنزال القرآن عليك ومن سنته سبحانه إنزال اللاحق مصدقا للسابق لكون الكل هُدىً لِلنَّاسِ اى نازلا من عنده سبحانه لمصلحة الهداية يهديهم الى توحيده الذاتي عند ظهور امارات الغي والضلال وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ ايضا لهذه المصلحة ليفرق الحق من الباطل والهداية من الضلال وآيات الله من تسويلات الشيطان إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ سيما تحققوا بعد نزوله وكذبوا بالرسل المنزلة عليهم الكتب والآيات لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ هو الطرد والحرمان عن ساحة عز التوحيد بسبب انكارهم الآيات الهادية لهم الى طريقه وَبالجملة اللَّهِ الهادي للكل الى زلال توحيده عَزِيزٌ غالب قادر ذُو انْتِقامٍ عظيم وتعذيب شديد على من كفر بآياته واستكبر على من انزل اليه وكيف لا إِنَّ اللَّهَ المحيط بجميع ما كان ويكون لا يَخْفى عَلَيْهِ ولا يغيب عنه شَيْءٌ مما حدث فِي الْأَرْضِ وَلا مما حدث وكان فِي السَّماءِ من الايمان والكفر والهداية والضلالة وغير ذلك من الأعمال والأحوال الصادرة من العباد فكيف يخفى عليه سبحانه شيء من الأشياء إذ هُوَ الموجد المصور الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ بقدرته ابتداء فِي الْأَرْحامِ بعد انصبابكم من أصلاب آبائكم إليها كَيْفَ يَشاءُ اى على اى وجه تتعلق به مشيئته وارادته بلا مزاحمة ضد ولا مشاركة احد من شريك وند إذ لا إِلهَ اى لا موجد ولا مصور في الوجود إِلَّا هُوَ يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد بلا منازع له ولا مخاصم دونه بل هو الْعَزِيزُ الغالب على كل ما يشاء الْحَكِيمُ المتقن في كل ما يريد وكيف لا هُوَ الَّذِي اصطفاك يا أكمل الرسل لرسالته واجتباك لنيابته وخلافته بان أَنْزَلَ عَلَيْكَ تفضلا وامتنانا من عنده لتصديقك وتأييدك الْكِتابَ المعجز لجميع من تحدى وتعارض معك تعظيما لشأنك وفصله بالسور والآيات الدالة على الأمور المتعلقة لأحوال العباد في النشأة الاولى والاخرى إذ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ متعلقة بأحوال عموم العباد وعلى اختلاف طبقاتهم في معاشهم ومعادهم من الاحكام والمعاملات والمعتقدات الجارية فيما بينهم حسب النشأتين هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ واجبة الاقتداء والامتثال لكافة الأنام إياها وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ متعلقة بالمعارف والحقائق المترتبة على الحكم والمصالح المودعة في إيجاب التكليفات والطاعات والعبادات المؤدية إليها بالنسبة الى اولى العزائم

стр. 98

الصحيحة المتوجهين الى بحر التوحيد فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ميل وعدول عن طريق الحق الجامع بين الظاهر والباطن فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ويتركون الامتثال بمحكماته جهلا وعنادا ولم يعلموا ان الوصول الى المعارف والحقائق انما تنال بتهذيب الظاهر بامتثال المحكمات بل ليس غرضهم من تلك المتابعة الا ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ اى طلب إيقاع الفتنة بين الناس وإفساد عقائدهم عن منهج التوحيد وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ الى ما يرتضيه عقولهم وتشتهيه نفوسهم كالمبتدعة خذلهم الله وَالحال انه ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ على ما ينبغي إِلَّا اللَّهُ الحكيم المنزل إذ تأويل كلامه لا يسع لغيره الا بتوفيقه واعانته وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ اللدني المؤيدون الموفقون من عنده حسب الهامه ووحيه بمعارف وحقائق لا تحصل بمجرد القوى البشرية الا بتأييد منه سبحانه وجذب من جانبه يَقُولُونَ على مقتضى تحققهم بمقام التوحيد المسقط لعموم الإضافات آمَنَّا بِهِ اى قد أيقنا واذعنا بمحكمات الكتاب ومتشابهاته جميعا إذ كُلٌّ منزل مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وانى لنا ان نتفاوت فيه وَبالجملة ما يَذَّكَّرُ وما يتعظ به وبأمثاله على وجه الإخلاص والتيقظ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ المجبولون على لب التوحيد المعرضون عن قشوره التي هي من مقتضيات القوى النفسانية التي هي من جنود شياطين الأهواء الباطلة والآراء الفاسدة رَبَّنا يا من ربيتنا بلطفك على نشأة توحيدك لا تُزِغْ ولا تمل قُلُوبَنا عن طريق معرفتك سيما بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا عليه بانزال الكتب وإرسال الرسل وَهَبْ لَنا وتفضل علينا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً عامة شاملة لليقين العلمي والعيني والحقي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ والجواد الفياض بلا اعواض وأغراض رَبَّنا إِنَّكَ بذاتك وبحسب اوصافك وأسمائك جامِعُ شتات النَّاسِ لِيَوْمٍ آن وشأن لا رَيْبَ فِيهِ ولا شك في وقوعه لاخبارك عنه ووحيك على السنة رسلك وكتبك وكيف لا إِنَّ اللَّهَ الجامع لشتات العباد في يوم المعاد لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ الذي وعده في كتابه بل قد انجزه على مقتضى انزاله ووحيه واخباره إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله واعرضوا عن أوامر كتبه ورسله وأصروا على كفرهم وانكارهم اغترارا بمزخرفاتهم الباطلة من الأموال والأولاد لَنْ تُغْنِيَ ولن تدفع عَنْهُمْ في النشأة الاخرى لا أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ غضب اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ المصرون المعاندون هُمْ وَقُودُ النَّارِ اى أجسامهم وقود نار الحسرة والخذلان لان دأبهم وديدنهم في النشأة الاولى كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِهِمْ المفسدين المسرفين المفرطين كعاد وثمود وكَذَّبُوا بِآياتِنا الدالة على توحيدنا المنزل على رسلنا المستخلفين من عندنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ باسمه المنتقم بِذُنُوبِهِمْ الصادرة منهم من التكذيب والإنكار والعناد والاستكبار فاستأصلهم بالمرة في النشأة الاولى واحرقهم بالنار في النشأة الاخرى جزاء بما كسبوا في دار الدنيا وَبالجملة اللَّهُ القادر المقتدر على عموم ما يشاء شَدِيدُ الْعِقابِ لكل من عاند واستكبر قُلْ يا أكمل الرسل نيابة عنا لِلَّذِينَ كَفَرُوا بك وبكتابك اخبارا لهم مما سيجرى عليهم سَتُغْلَبُونَ بكمال قهر الله وغضبه في يوم الجزاء وَتُحْشَرُونَ بين يدي الله وتحاسبون عنده سبحانه على عموم ما جرى عليهم في النشأة الاولى وبعد ذلك تساقون إِلى جَهَنَّمَ البعد والخذلان مطرودين مهانين وَبِئْسَ الْمِهادُ وما تمهدوا فيها بما اقترفته نفوسهم من الاستكبار على الأنبياء والإصرار على ما هم عليه من الكفر والضلال سيما بعد ظهور آيات الايمان وعلامات الهدى والعرفان إذ قَدْ كانَ لَكُمْ ايها الضالون في تيه

стр. 99

الحرمان آيَةٌ ظاهرة دالة على الهدى الحقيقي فِي فِئَتَيْنِ وفرقتين حين الْتَقَتا إحداهما فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لإعلاء كلمته واظهار توحيده وَأُخْرى كافِرَةٌ تقاتل في سبيل الطاغوت مع الموحدين مكابرة وعنادا ومع كونكم ايها الكافرون المعاندون بأضعاف المؤمنين الموحدين وكثرة عددكم وعددكم يَرَوْنَهُمْ اى المؤمنين مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ اى في بادى النظر ويرهبون منهم رهبة شديدة بتأييد الله ونصره وَاللَّهُ المحيط بجميع ما جرى في ملكه يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ العزيز مَنْ يَشاءُ من عباده المخلصين في أطاعته وانقياده إِنَّ فِي ذلِكَ التأييد والنصر مع ظهور عكسه لَعِبْرَةً تبصرة وتذكرة لِأُولِي الْأَبْصارِ المستبصرين بنظر الاعتبار عن سرائر الأمور واسرارها بلا التفات لهم الى مزخرفات الدنيا الدنية من شهواتها ولذاتها المنهمكين المستغرقين في بحر الغفلة والغرور إذ زُيِّنَ اى قد حبب وحسن لِلنَّاسِ المغرورين لزخرفة الدنيا حُبُّ الشَّهَواتِ اى المشتهيات المنحصرة أصولها في هذه المذكورات مِنَ النِّساءِ اللاتي هن من اشهاها إذ هن ما جعلن الا للوقاع والجماع الذي هو من ألذ الملذات النفسانية وَالْبَنِينَ للمظاهرة والمفاخرة والغلبة على الأقران وَالْقَناطِيرِ اى الأموال الكثيرة الْمُقَنْطَرَةِ المجتمعة المخزونة مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لكونها وسائل الى نيل جميع المشتهيات التي مالت القلوب إليها بالطبع وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ المعلمة المنسوبة إليهم ليركبوا عليها خيلاء بطرين وَالْأَنْعامِ من الإبل والبقر والغنم ليحملوا عليها اثقالهم ويأكلوا منها ويزرعوا بها وَالْحَرْثِ ليعيشوا بها كل ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا الدنية بل من اجلة أمتعتها الفانية المانعة من الوصول الى جنة المأوى التي هي دار الخلود وموعد لقاء الخلاق الودود وَبالجملة اللَّهُ الهادي للكل الى سبل الصواب عِنْدَهُ لمن توجه نحوه واستقبل اليه حُسْنُ الْمَآبِ وخير المنقلب والمتاب قُلْ يا أكمل الرسل للمؤمنين المخلصين في عبادة الله الراغبين الى جزيل عطائه وجميل جزائه الطائرين نحو فضاء فنائه الطالبين الوصول الى شرف لقائه الفانين في الله ليفوزوا بشرف لقائه تحريكا لسلسلة شوقهم الفطرية ومحبتهم الجبلية أَأُنَبِّئُكُمْ وأخبركم ايها الحيارى في صحارى الإمكان الموثقون بقيود الأكوان المحبوسون في مضيق الحدثان بسلاسل الزمان وأغلال المكان بِخَيْرٍ بمراتب ودرجات مِنْ ذلِكُمْ الذي قد ملتم إليها واشتهيتم الى نيلها ووصولها بالطبع في نشأتكم هذه حاصل واصل لكم في النشأة الاخرى لكن لِلَّذِينَ اتَّقَوْا منكم عن محارم الله وتوجهوا نحوه في نشأة الدنيا ولم ينكبوا على ما نهاهم الله عنه بالسنة رسله وكتبه عِنْدَ رَبِّهِمْ الذي وفقهم على ترك المحظورات واجتناب المكروهات والمنكرات جَنَّاتٌ متنزهات المعارف والحقائق تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ المملوة بمياه الحيات المرشحة من بحر الذات على كؤس التعينات خالِدِينَ فِيها دائما لا يتحولون عنها الا الى درجات هي أعلى منها وَلهم فيها ايضا أَزْواجٌ اعمال واحوال مُطَهَّرَةٌ خالصة عن مطلق الرياء والرعونة صافية عن كدر الميل الى البدع والأهواء المورثة لانواع الجهل والغفلات وَمع ذلك لهم علاوة على الكل عند ربهم رِضْوانٌ عظيم مِنَ اللَّهِ لتمكنهم في مقام العبودية وتحققهم بمقام الرضاء بعموم ما جرى عليهم من القضاء بحيث لا ينسبون شيأ من الحوادث الكائنة الى الأسباب والوسائل العادية ولا يرون الوسائط في البين أصلا وَاللَّهُ الهادي للكل بَصِيرٌ بِالْعِبادِ الراضين المرضيين بقضاء الله وإمضائه يعنى الَّذِينَ يَقُولُونَ بألسنتهم موافقا لما في قلوبهم

стр. 100

عند مناجاتهم مع الله وعرض حاجاتهم إياه سبحانه رَبَّنا إِنَّنا بعد ما آمَنَّا بك وبكتبك ورسلك بمقتضى توفيقك إيانا فَاغْفِرْ لَنا بلطفك ذُنُوبَنا التي كنا عليها حسب انانيتنا واستر عيوبنا التي كنا متصفين بها قبل انكشافنا بتوحيدك وَقِنا واحفظنا بفضلك وجودك عَذابَ النَّارِ المعدة لأصحاب البعد والضلال عن جادة توحيدك وساحة عز حضورك الصَّابِرِينَ على عموم ما أصابهم من البأساء والضراء في طريق توحيدك وَالصَّادِقِينَ المعرضين عن الكذب مطلقا في أقوالهم المعبرة عما في ضمائرهم وافئدتهم من الايمان والإذعان وَالْقانِتِينَ الخاضعين الخاشعين إليك بظواهرهم وبواطنهم وَالْمُنْفِقِينَ من طيبات ما رزقت لهم وسقت إليهم طلبا لمرضاتك بلا شوب المنة والأذى وَالْمُسْتَغْفِرِينَ لك الخائفين الوجلين من سخطك وجلالك الراجين منك العفو في عموم أوقاتك سيما بِالْأَسْحارِ الخالية عن جميع الموانع والشواغل العائقة عن التوجه الى جنابك الشاهدين بوحدانيتك بما شَهِدَ اللَّهُ به لذاته إلا وهي أَنَّهُ لا إِلهَ اى لا ثابت ولا موجود ولا كون ولا وجود ولا تحقق ولا ثبوت الى غير ذلك من العبارات المشيرة الى الذات الاحدية والهوية الغيبية إِلَّا هُوَ الحي الحقيق بالحقية الوحيد بالقيومية الفريد بالديمومية لا شيء سواه وَكذلك بما شهد به الْمَلائِكَةُ المهيمون اى الأسماء والصفات القائمة بالذات الاحدية إذ الكل قائم به ثابت له لا مرجع لهم سواه وَكذا بما شهد به أُولُوا الْعِلْمِ وذووا المعرفة والشهود من المظاهر المخلوقة على صورته المتأثرة من أوصافه وأسمائه المتصفة بها ذاته وان كانت شهادة كل منهم راجعة الى شهادته سبحانه لكون الكل قائِماً متحققا متقوما بِالْقِسْطِ اى بالعدل الإلهي المنبسط على ظواهر الكائنات ازلا وابدا إذ لا إِلهَ اى لا مظهر ولا موجد للمظاهر بل لا موجود ولا ظاهر حقيقة ولا معنى إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الغالب القادر على إظهارها الْحَكِيمُ المتقن في تربيتها وتدبيرها قائلين مقرين معترفين طوعا ورغبة بعد ما تحققوا بمقام العبودية والتسليم إِنَّ الدِّينَ القويم والشرع القوى المستقيم المقبول المرضى عِنْدَ اللَّهِ الهادي للعباد الى سبيل الرشاد هو الْإِسْلامُ المنزل من عنده سبحانه الى خير الأنام محمد ﵊ وَمَا اخْتَلَفَ المعاندون المنكرون لدين الإسلام وهم الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ اى اليهود والنصارى إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما قد جاءَهُمُ الْعِلْمُ اليقيني في كتبهم المنزلة عليهم من عند الله بانه سيظهر الدين الحق الناسخ لجميع الأديان السابقة وقد علموا حقيته بالدلائل والعلامات المبينة في كتابهم ومع ذلك ينكرونه بَغْياً وحسدا ثابتا بَيْنَهُمْ راسخا في قلوبهم ناشئا من طلب الرياسة والاستكبار والعتو والإصرار وَبالجملة مَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ بأمثال هذه الأباطيل المموهة يجازهم على كل منها بلا فوت شيء فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ لا يعزب عن علمه شيء شديد العقاب لمن أنكر آياته سيما بعد ظهور حقيتها فَإِنْ حَاجُّوكَ وجادلوا معك يا أكمل الرسل بعد ما ثبت حقية دينك وكتابك عندهم مكابرة وعنادا لا تجادل أنت معهم بل اعرض عنهم فَقُلْ أَسْلَمْتُ اى فوضت وسلمت امرى في ظهور ديني ووجهت وَجْهِيَ اى صورتي المخلوقة على صورة الحق المستجمع للكل لِلَّهِ ظاهرا وباطنا وَمَنِ اتَّبَعَنِ من الموفقين على الانقياد والتسليم الى الله في كل الأمور وَقُلْ ايضا يا أكمل الرسل امحاضا للنصح لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعنى اليهود والنصارى وَالْأُمِّيِّينَ وهم الذين لا يأتيهم الكتاب والدعوة أَأَسْلَمْتُمْ بدين الإسلام المبين لتوحيد الله كما أسلمت

стр. 101

انا ومن اتبعن بعد ما ظهر لكم دلائل حقيته أم لم تسلموا بغيا وعنادا فَإِنْ أَسْلَمُوا بعد تنبيهك عليهم وتعليمك طريق الهداية والإرشاد فَقَدِ اهْتَدَوْا الى طريق الحق كما اهتديت أنت ومن تبعك من المؤمنين وَإِنْ تَوَلَّوْا واعرضوا عنك وعن دعوتك عنادا واستكبارا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ اى لم يضروك بانصرافهم واعراضهم عنك بل ما عليك من حسابهم من شيء ولا عليهم من حسابك من شيء فاعرض أنت ايضا عنهم وَاللَّهُ المحيط بهم وبضمائرهم بَصِيرٌ خبير بِالْعِبادِ وأحوالهم وأعمالهم يجازيهم على مقتضى علمه وخبرته وقل لهم ايضا تذكيرا واستحضارا حكاية عن حال أسلافهم الماضين إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ وينكرون بِآياتِ اللَّهِ المنزلة على أنبيائه سيما بعد ظهور صدقها وحقيتها وَمع ذلك يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ الذين قد انزل عليهم الآيات من عنده سبحانه بِغَيْرِ حَقٍ بلا رخصة شرعية اى بلا موافقة بشرع ودين وَيَقْتُلُونَ ايضا المؤمنين الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ والعدل مِنَ النَّاسِ الذين يتبعون شرائعهم وينقادون باديانهم ويمتثلون باوامرهم وأحكامهم قد جرى عليهم في الدنيا ما جرى وسيجرى عليهم في الآخرة بأضعاف ذلك لعلهم يتنبهون ويمتنعون والا فَبَشِّرْهُمْ يا أكمل الرسل بِعَذابٍ أَلِيمٍ جزاء لاصرارهم وعنادهم وبالجملة أُولئِكَ المصرون المعاندون هم الَّذِينَ حَبِطَتْ وضاعت بالمرة أَعْمالُهُمْ كلها بحيث لا ينفع لهم عند الله لا فِي الدُّنْيا وَلا في الْآخِرَةِ وَما لَهُمْ عند ربهم مِنْ ناصِرِينَ ليشفع لهم او يعين عليهم من الذين كانوا يدعون الاقتداء بهم ويستبصرون منهم لكونهم ضالين منهمكين بالغفلة بحيث لا حظ لهم من الهداية أصلا أَلَمْ تَرَ ايها الرائي إِلَى الَّذِينَ اى الى إصرار اليهود وعنادهم مع كونهم قد أُوتُوا نَصِيباً كاملا مِنَ الْكِتابِ اى التورية في زعمهم حين يُدْعَوْنَ في الوقائع إِلَى رجوع كِتابِ اللَّهِ مع انهم يدعون الايمان به والعمل بمقتضاه لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ حسبما امر الله فيه كيف يتكاسلون ويتهاونون ثُمَّ يترقى تكاسلهم وتهاونهم الى ان يَتَوَلَّى يستدبر وينبذ فَرِيقٌ مِنْهُمْ الكتاب وراء ظهورهم وَهُمْ مُعْرِضُونَ عنه وعن أحكامه بالمرة روى انه ﵇ دخل مدارس اليهود فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد على اى دين أنت يا محمد فقال على دين ابى ابراهيم ﵇ فقال ان ابراهيم كان يهوديا فقال ﷺ هلموا كتابك ليحكم بيننا وبينكم فأنكرا عليه ﷺ وامتنعا عن احضاره فنزلت ذلِكَ التولي والاعراض انما حصل لهم من اعتقادهم الفاسد بِأَنَّهُمْ قالُوا على مقتضى ما اعتقدوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ المعدة لجزاء العصاة إِلَّا أَيَّاماً قلائل مَعْدُوداتٍ سواء كانت ذنوبا كثيرة او قليلة صغيرة كانت او كبيرة وَبالجملة قد غَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ اى جزاؤهم على العصيان والطغيان فيما يفترون في شأن دينهم من أمثال هذه الهذيانات منها قولهم هذا ومنها اعتقادهم ان آباءهم الأنبياء هم يشفعون لهم وان عظمت زلتهم ومنها ان يعقوب ﵇ ناجى مع الله ان لا يعذب أولاده الا تحلة القسم قل لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا فَكَيْفَ لا تمسهم النار اذكر لهم وقت إِذا جَمَعْناهُمْ إلينا بعد تفريقهم منا لكسب المعارف والحقائق والمكاشفات والمشاهدات لِيَوْمٍ آن وشأن لا رَيْبَ فِيهِ عند من يكاشف له وبعد ما جمعنا إياهم وَوُفِّيَتْ ووفرت كُلُّ نَفْسٍ جزاء ما كَسَبَتْ من الحقائق والعرفان والمعاصي والخذلان وَهُمْ اى كل منهم في ذلك

стр. 102

اليوم مجزى بما كسب بحيث لا يُظْلَمُونَ فالنيل والوصول يومئذ لأرباب الفضل والقبول والويل والثبور لأصحاب الطرد والخمول أدركنا بلطفك يا خفى الألطاف فاعف عنا يا رحيم يا غفور قُلِ يا ايها المتحقق بمقام الشهود الذاتي المكاشف بوحدة الحق دعاء صادرا من لسان مرتبتك الجامعة الشاملة لجميع المراتب اللَّهُمَّ يا مالِكَ الْمُلْكِ اى المتصرف على الإطلاق المستقل بالالوهية والربوبية بكمال الاستحقاق أنت تُؤْتِي وتعطى بلطفك وأنت تكشف بكمال فضلك وجودك الْمُلْكِ المطلق اى التحقيق بمرتبة التوحيد مَنْ تَشاءُ من خواص مظاهر صفاتك وأسمائك وَأنت تَنْزِعُ وتمنع وتستر بقهرك الْمُلْكِ المذكور مِمَّنْ تَشاءُ من العوام تتميما لمقتضيات أوصاف جمالك وجلالك ولطفك وقهرك وَأنت تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ بايصالهم الى فضاء فنائك وَايضا أنت تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بابقائهم وراء حجاب سرادقات عزك وجلالك وبالجملة بِيَدِكَ وبقبضة قدرتك وبمقتضى مشيتك وارادتك الْخَيْرُ «٢» كله اى الوجود وظهوره على أنحاء شتى واطوار لا تعد ولا تحصى إِنَّكَ بذاتك وبمقتضى أسمائك وصفاتك عَلى كُلِّ شَيْءٍ من مظاهر تجلياتك قَدِيرٌ لا تنتهي قدرتك عند مقدور أصلا ومن جملة مقدوراتك انك تُولِجُ اى تدخل وتدرج الى حيث تظهر اللَّيْلَ اى العدم فِي صورة النَّهارِ اى الوجود إظهارا لقدرتك حسب لطفك وجمالك وَتُولِجُ أنت ايضا النَّهارِ اى نور الوجود فِي اللَّيْلِ اى مشكاة العدم إظهارا لقهرك وجلالك وَأنت تُخْرِجُ وتظهر الْحَيَّ الحقيقي الذي هو عبارة عن نور الوجود مع غاية صفائه وظهوره مِنَ الْمَيِّتِ اى العدم الأصلي الذي هو مرآة التعينات وَايضا أنت تُخْرِجُ الْمَيِّتَ اى العدم الجامد الذي ما شم رائحة الحيوة أصلا بامتداد اظلال أسمائك ورش رشحات صفاتك عليه مِنَ الْحَيِّ الذي لا يموت ابدا الا وهو ذاتك وَبالجملة أنت تَرْزُقُ بلطفك وجودك مَنْ تَشاءُ من مظاهرك من موائد فضلك وجودك ونوال إنعامك وإحسانك بِغَيْرِ حِسابٍ تفضلا لهم وامتنانا عليهم بلا مظاهرة احد ومعاونته هب لنا من لدنك رحمة انك أنت الوهاب ثم لما بين سبحانه ان الهداية الى طريق التوحيد والإضلال عنه انما هي بقدرته واختياره بحيث يؤتى ملك توحيده من يشاء من عباده ويمنعه عن من يشاء أراد ان ينبه على خلص عباده بما يقربهم الى الهداية ويبعدهم عن الضلال فقال تحذيرا لهم وتخويفا لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ المتوجهون نحو توحيد الذات الطالبون المريدون افناء ذواتهم الباطلة في ذات الحق الحقيق بالحقية ليخوضوا في لجج بحر التوحيد ويفوزوا بدرر المعارف والحقائق الكائنة فيها الْكافِرِينَ الساترين بهوياتهم الباطلة وماهياتهم الكثيفة العاطلة المظلمة نور الوجود أَوْلِياءَ من دون المؤمنين ولا يصاحبون معهم ولا يجلسون في مجالسهم موالاة لهم ومواخاة معهم لقرابة طينية وصداقة جاهلية سيما قد خلوا معهم مِنْ دُونِ حضور الْمُؤْمِنِينَ المظاهرين لهم لئلا يسرى كفرهم ونفاقهم إليهم إذ الطبائع تسرق والأمراض تسرى سيما الكفر والفسوق لان الطبائع مائلة إليهما بالطبع وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ولم يترك مصاحبتهم وموالاتهم فَلَيْسَ مِنَ ولاية اللَّهِ وطريق توحيده فِي شَيْءٍ بل هو ملحق بهم معدود من عدادهم بل أسوئهم حالا وأشدهم جرما ووبالا عند الله بعد ما نهاهم الله عنها ولم ينتهوا إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا وتخافوا مِنْهُمْ تُقاةً توجب

стр. 103

الموالاة والمصاحبة معهم ضرورة من إتلاف النفس والمال والعرض وعند ذلك المحذور موالاتهم جائزة ومواخاتهم معذورة مداراة ومداهنة وَمع وجود تلك الضرورة المرخصة للموالاة الضرورية يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ اى يحذركم ويخوفكم الله اهل العزائم الصحيحة عن نفسه على وجه التأكيد والمبالغة حتى لا تأمنوا عن سخطه ولا تغفلوا عن غضبه ولا تميلوا عنه سبحانه بارتكاب ما نهيكم عنه وَاعلموا ان عموم المحذورات راجعة إِلَى اللَّهِ إيجادا وإظهارا إذ اليه الْمَصِيرُ في مطلق الخير والشر والنفع والضر لا مرجع سواه ولا منقلب الا إياه قُلْ لهم يا أكمل الرسل تذكيرا وعظة وتنبيها لهم على ما في فطرتهم إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ من محبة الأقارب والعشائر أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ المحيط بظواهركم وبواطنكم وَيَعْلَمُ ايضا بعلمه الحضوري جميع ما فِي السَّماواتِ من الكوائن والفواسد ازلا وابدا وَكذا جميع ما فِي الْأَرْضِ منها بحيث لا يغيب عن حضوره شيء مما لمع عليه برق وجوده وَاللَّهُ المتجلى بذاته لذاته عَلى كُلِّ شَيْءٍ من مظاهر تجلياته قَدِيرٌ بلا فتور ولا قصور يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد يجازيهم على مقتضى علمه وقدرته في النشأة الاخرى. اذكر لهم يا أكمل الرسل يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ خيرة جزاء ما عَمِلَتْ في النشأة الاولى مِنْ خَيْرٍ انعام واحسان وعمل صالح ويقين وعرفان مُحْضَراً بين يديه يستحضره ويود استعجاله وَكذا تجد كل نفس شريرة ما عَمِلَتْ فيها مِنْ سُوءٍ عمل غير صالح وكفر ونفاق وشرك محضرا بين يديه مشاهدا بين عينيه تستأخره وتتمنى بعده بل تَوَدُّ وتحب لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وزمانا متطاولا بل يتمنى ان لا تلقاه أصلا وَبالجملة يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ بهذا التذكير والتنبيه نَفْسَهُ اى عن نفسه وعن قدرته على وجوه الانتقام وزيادة قهره وغضبه على من استكبر عن أوامره ونواهيه وَاللَّهُ القادر المقتدر على انتقام العصاة رَؤُفٌ عطوف مشفق رحيم بِالْعِبادِ الذين يترصدون نحو الحق بين طرفي الخوف والرجاء معرضين عن كلا جانبي القنوط والطمع قُلْ لهم يا ايها المخلوق على صورتنا المجبول على مقتضيات جميع اوصافنا وأسمائنا المتخلق بجميع أخلاقنا مخاطبا لمن تريد إرشادهم وتبليغهم من البرايا إِنْ كُنْتُمْ ايها الاظلال المنهمكون في تيه الغفلة والضلال تُحِبُّونَ اللَّهَ اى تدعون محبة المبدع المظهر لكم من كتم العدم وتطلبون التوجه الى بابه والتقرب نحو جنابه فَاتَّبِعُونِي بامره وحكمه يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ اى يقربكم الى جنابه ويوصلكم بشرف لقائه وَيَغْفِرْ اى يستر ويضمحل لَكُمْ عن أبصاركم وبصائركم ذُنُوبَكُمْ التي قد حجبتم بها عن مشاهدة جمال الله وجلاله وعن مطالعة آثار أوصافه وأسمائه وَاللَّهُ الهادي لكم الى صراط توحيده غَفُورٌ لكم يرفع موانع وصولكم رَحِيمٌ لكم يوصلكم الى مطلوبكم قُلْ لهم يا أكمل الرسل ايضا أجل أعمالكم وأفضلها اطاعة امر الله واتباع رسول الله المرسل إليكم أَطِيعُوا اللَّهَ في امتثال جميع أوامره وأحكامه واجتناب عموم نواهيه ومحظوراته وأطيعوا الرَّسُولَ المبلغ لكم كتاب الله المبين لكم المراد منه فان اطاعوا طوعا ورغبة فازوا بما فاز به المؤمنون فَإِنْ تَوَلَّوْا واعرضوا عن اطاعة الله واطاعة رسوله تعنتا وعنادا فقد كفروا فلهم ما سيجرى عليهم من عذاب الله وغضبه في النشأة الاخرى فَإِنَّ اللَّهَ الهادي لعباده لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ منهم بحيث لا يقربهم الى كنف جواره ولا يرضى عنهم بل يعذبهم ويبعدهم عن عز حضوره. ثم لما وقف سبحانه محبته ورضاه لعباده على متابعة رسوله واطاعة

стр. 104

حبيبه المصور على صورته المتخلق بأخلاقه صار مظنة ان يتوهم ان نسبة ظهوره سبحانه الى المظاهر كلها على السواء فما وجه التخصيص بامتياز بعض بالمتابعة أشار سبحانه الى دفعه بان من سنتنا تفضيل بعض مظاهرنا على بعض حسب تقربهم إلينا وتخلقهم باخلاقنا وتوجههم نحونا وما هي الا بتوفيقنا عليهم واقدارنا إياهم فقال إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى اى قد اختار واجتبى آدَمَ بالخلافة والنيابة وامر الملائكة الذين يدعون الفضيلة عليه بسجوده وكرمه على سائر مخلوقاته وَقد اصطفى ايضا نُوحاً بالنجاة والخلاص وإغراق جميع من في الأرض بدعائه وَكذا قد اصطفى آلَ إِبْراهِيمَ اى اهل بيته بالإمامة والخلافة المؤيدة لذلك دعا ابراهيم ﵊ حسب الهام الله ووحيه إياه ربه بان لا يخلو الزمان عن امامة ذريته الى يوم القيمة وَقد اختار سبحانه ايضا آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ بارهاصات ظاهرة ومعجزات باهرة لم يظهر مثلها من احد مثل إبراء الأكمه واحياء الموتى والولادة بلا أب وغير ذلك من الخوارق المشهودة من عيسى وامه صلوات الله وسلامه عليهما ثم ان اصطفاء الله إياهم ليس مخصوصا بهم بل قد اصطفى منهم ذُرِّيَّةً أخلافا فضلاء بَعْضُها فوق بعض اى أعلى رتبة مِنْ بَعْضٍ في الفضيلة كما قال سبحانه. تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض الآية وَبالجملة اللَّهُ المحيط بسرائر عباده المتوجهين نحو بابه سَمِيعٌ لمناجاتهم الصادرة عن السنة استعداداتهم عَلِيمٌ بما يليق بحالهم حسب قابلياتهم من المراتب العلية والمقامات السنية اذكر يا أكمل الرسل لمن تبعك من مناقب آل عمران سيما وقت إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ حين ناجت ربها في سرها بلسان استعدادها وقت ظهور حملها بإلقاء الله إياها رَبِّ يا من رباني بحولك وقوتك لامتثال أوامرك واجتناب نواهيك إِنِّي قد نَذَرْتُ لَكَ طلبا لمرضاتك ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً معتقا من امور الدنيا كلها خالصا مخلصا لعبادتك وخدمة بيتك بحيث لا يشغله شيء سوى الخدمة وقد كان من عادتهم يومئذ تحرير بعض أولادهم الذكور لخدمة البيت المقدس شرفه الله فَتَقَبَّلْ مِنِّي بلطفك ما نذرت لك للتقرب إليك يا رب إِنَّكَ بذاتك وصفاتك وأسمائك أَنْتَ السَّمِيعُ لمناجاة عبادك الْعَلِيمُ بنياتهم وحاجاتهم فَلَمَّا وَضَعَتْها أنثى أيست وقنطت عما نوت ونذرت ومن شدة يأسها قالَتْ متحزنة متحسرة مشتكية الى ربها رَبِّ إِنِّي وان بالغت في اخلاص النية وخلوص الطوية في نذرى لم تقبله منى يا ربي إذ قد وَضَعْتُها أُنْثى والأنثى لا تصلح لخدمة بيتك وَلما امتدت في اظهار التحزن وبث الشكوى والتحسر نوديت في سرها على سبيل الإلهام لا تجزعي ولا تحزني إذ اللَّهُ المطلع لعموم حالاتك سيما لإخلاصك في نيتك ونذرك أَعْلَمُ منك بِما وَضَعَتْ وبما ظهرت منها من البدائع والغرائب والارهاصات الخارقة للعادات وَلَيْسَ الذَّكَرُ الذي قد حرر لخدمة البيت في الازمنة السالفة كَالْأُنْثى هذه إذ يترتب على وجودها من عجائب صنع الله وبدائع قدرته وحكمته ما لم يترتب على سائر المذكر لا في الزمان السابق ولا في الزمان اللاحق وَبعد ما سمعت بسمع سرها ما سمعت قالت ناشطة فرحانة إِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ ليكون اسمها مطابقا لمسماها لان لفظة مريم في لغتهم بمعنى العابدة وَبعد ما تحققت عندها بالهام الله إياها وقاية الله إياها وذريتها قالت مفوضة الى الله إِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها ايضا مِنَ إغواء الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ واغرائه ليكون هي وهم دائما في حفظك وحماك ابدا فَتَقَبَّلَها رَبُّها ما نذرت له

стр. 105

بِقَبُولٍ حَسَنٍ حتى نشطت وفرحت بمكاشفة اللطف من قبل الحق بعد ما أيست وقنطت وَبعد قبول الحق إياها قد أَنْبَتَها ربها بلطفه ورباها بكرمه حتى صارت نَباتاً حَسَناً مظهرا لعجائب صنعه وبدائع حكمته وَبعد ما تقبلها ربها وأنبتها ورباها هكذا كَفَّلَها اى قبل كفالتها وحضانتها من احبار البيت زَكَرِيَّا روى ان حنة أم مريم لما كوشفت بأمرها بالهام الله إياها لفتها في خرقة وحملتها الى المسجد ووضعتها عند الأحبار المجاورين فيه على مقتضى العادة المستمرة وقالت دونكم هذه النذيرة فاختلفوا في حضانتها لأنها كانت بنت امامهم وملكهم فقال زكريا انا أحق بحضانتها لان خالتها عندي فأبوا الى ان اقترعوا وكانوا سبعة وعشرين فانطلقوا الى نهر فالقوا فيه أقلامهم فطفى قلم زكريا ورسبت أقلامهم فتكفلها زكريا في بيت لا باب له إلا كوة في سقفه فلما أراد زكريا ان يأتى برزقها نزل منها ولما خرج أغلقها وقفلها ثم لما مضت عليها مدة صارت حالها هكذا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ لتفقد حالها وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً رغدا من ألوان الأطعمة والفواكه وكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف والصيف في الشتاء فتعجب من حالها الى ان سألها منها حيث قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا اى من اين لك هذا الرزق الآتي الذي لا يشبه بارزاق الدنيا ولا فاكهتها في الأرض لا على فوق العادة والأبواب مغلقة عليك قالَتْ بالهام الله إياها ما هُوَ الا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ المتكفل لأرزاق عباده إِنَّ اللَّهَ المراقب المحافظ لتربية مظاهره يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ ما يشاء كثيرا واسعا بِغَيْرِ حِسابٍ اى بلا إحصاء وتعديد بلا انتظار وترقب بل من حيث لا يحتسب. ثم لما سمع زكريا منها ما سمع ورأى ما رأى هُنالِكَ اى في تلك الحالة والزمان دَعا زَكَرِيَّا المراقب لنفحات الحق في جميع حالاته رَبَّهُ الذي رباه بتعرض نفحاته لإصلاح حاله متمنيا في دعائه خلفا مثلها يحيى اسمه حيث قالَ مناجيا رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً زكية طاهرة عن جميع الرذائل والنقائص كما وهبتها لامرأة عمران هذه إِنَّكَ باحاطتك على سرائر عموم عبادك وضمائرهم وعلى جميع مقاصدهم وحاجاتهم فيها سَمِيعُ الدُّعاءِ اى مطلق الدعاء والنداء الصادر عن السنة استعداداتهم وقابلياتهم بإلقائك إياهم وإلهامك على قلوبهم. ثم لما كان دعاؤه ﵇ صادرا عن عزيمة صحيحة وارادة صادقة واردا في وقت قدر الله له في علمه بادر سبحانه الى اجابته وامر الملائكة بالتبشير فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ بمقتضى الأمر الإلهي ووحيه وَهُوَ في تلك الحالة مترصد للاجابة قائِمٌ منتظر مقارن لانواع الخضوع والتذلل يُصَلِّي لله ويميل نحوه مقبلا عليه بعموم أعضائه وجوارحه فِي الْمِحْرابِ المعد للانابة والاستقبال قائلين له منادين عليه يا زكريا اعلم أَنَّ اللَّهَ السميع بمناجاتك ودعائك يجيبك ويُبَشِّرُكَ بِيَحْيى اى بابن مسمى من عنده بيحيى لتضمن دعائك بطلب من يخلفك ويحيى اسمك. ثم لما كان الباعث لك على هذا الدعاء مشاهدتك الخوارق والارهاصات الظاهرة من مريم رضى الله عنها صار ابنك الموهوب لك مُصَدِّقاً لابنها الموهوب لها من لدنا بلا سبق الأسباب العادية سيما بلا مباشرة زوج بل بِكَلِمَةٍ اى بمجرد كلمة صادرة مِنَ اللَّهِ مسمى من عنده بالمسيح وَمع كونه مصدقا بعيسى ﵇ يصير يحيى في نفسه سَيِّداً فائقا على اهل زمانه بالزهد والتقوى فانه ﵇ كان في مدة حياته ما هم بمعصية قط وَمع كونه يحيى سيدا ورئيسا في قومه كان حَصُوراً مبالغا في حبس نفسه عن مشتهياتها مع القدرة عليها وَبسبب اتصافه بالأوصاف المذكورة يصير

стр. 106

نَبِيًّا مِنَ زمرة الأنبياء الصَّالِحِينَ لتبليغ احكام الله الى عباده وهدايتهم الى جنابه ثم لما سمع زكريا من الملائكة ما سمع من البشارة قالَ متحسرا مستبعدا حصول الولد منه لكونه على خلاف جرى العادة مناجيا مع ربه على سبيل التأسف رَبِّ يا من رباني بنعمك الى كبر سنى أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ اى من اين يحصل لي ولد منى في كبر سنى وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ غايته وَالحال ان امْرَأَتِي عاقِرٌ عقيم ذات عقر من الأولاد في اصل الخلقة ومع ذلك كبيرة اليوم لا ترجى منها الولادة وبعد ما قد بث الشكوى نحو الحق متحسرا متأسفا قالَ له جبريل بوحي الله إياه لا تستبعد من كمال قدرة الله أمثال هذا فانه سبحانه كَذلِكَ يخلق عموم ما يشاء سبحانه بلا سبب يوافق العادة إذ اللَّهُ المقتدر المختار يَفْعَلُ ويوجد ما يَشاءُ من الموجودات ابداعا واختراعا بلا سبق مادة ومدة واسباب عادية فلك ان ترفع غشاوة الأسباب الحاجبة عن البين وتنسب ما جرى في ملكه اليه سبحانه بلا رؤية الوسائط والأسباب إذ لا حجاب عند اولى الألباب بل كل ما صدر عنه لا يتوقف على شيء من سوابقه ولا يتوقف عليه شيء من لواحقه عند اولى البصائر الناظرين بنور الله في تجددات تجليات الوجود الإلهي ثم لما تفطن زكريا ﵇ من هذا الكلام ما تفطن قالَ مستسرعا مستنشطا رَبِّ يا من رباني بأنواع اللطف والكرم اجْعَلْ لِي بفضلك آيَةً امارة وعلامة اعرف بها الحمل والحبل ليفرح بها قلبي وأخلص عن التردد والانتظار قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ اى أنت لا تطيق التكلم معهم لعدم مساعدة آلاتك عليه مدة ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ولا تعلمهم حوائجك إِلَّا رَمْزاً اشارة بيد ورأس وغير ذلك وَبعد ما حبست نفسك عن التكلم والتنطق اذْكُرْ رَبَّكَ في نفسك ذكرا كَثِيراً وَسَبِّحْ اى نزه ربك عن مطلق النقائص تسبيحا مقرونا بِالْعَشِيِّ اى جميع أجزاء الليل وَالْإِبْكارِ اى جميع أجزاء النهار لتستوعب أنت جميع أوقاتك وآنائك بتسبيحه. من هذا تفطن العارف ان الداعي المناجى الى الله المستجيب من لدنه سبحانه لا بد له ان يفرغ قلبه عن غير الله ويستوعب أوقاته بذكره بل يكل لسانه عن ذكر الغير مطلقا حتى يفوز بمطلوبه ويجيب له بفضله وطوله وَاذكر يا أكمل الرسل لمن تبعك من مدائح آل عمران واصطفاء الله إياهم سيما وقت إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ بأمر الله ووحيه لمريم رضى الله عنها ملهمين لها منادين على سرها أبشري يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ الذي أظهرك من كتم العدم ورباك بأنواع اللطف والكرم قد اصْطَفاكِ واختارك لخدمة بيته مع انه لم يعهد اختيار النساء للخدمة وَطَهَّرَكِ بفضله عن مطلق الخبائث والأدناس العارضة للنسوان وَاصْطَفاكِ اى قد خصصك وفضلك بهاتين الخصلتين الحميدتين عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ وانما خصها سبحانه بما خصها لتكون آية ومقدمة لعموم ما يترتب على وجودها ويظهر منها من البدائع التي قد اودعها الله في نفسها من حملها بلا مباشرة احد بل بمجرد كلمة ملقاة من عنده وإرهاصات ومعجزات صدرت منها ومن ابنها بحيث لم يظهر مثلها من الرسل والأنبياء ثم لما أخبرت الملائكة إياها باصطفائه سبحانه نادتها الملائكة ثانيا بأمر الله ايضا تعليما لها التوجه والرجوع الى الله على وجه الخضوع والتذلل والإخبات والخشوع يا مَرْيَمُ المختارة المقبولة عند الله اقْنُتِي اى توجهي وتضرعي لِرَبِّكِ الذي رباك بلطفه وقبلك نذيرة من أمك واصطفاك على نساء العالمين بأنواع الفضائل شكرا لما تفضل عليك وَاسْجُدِي تذللي واخضعى ملقية جباهك على تراب المذلة والهوان

стр. 107

لأداء شيء من حقه وَارْكَعِي دائما لخدمة بيته وتطهيره من الأوساخ والأدناس مَعَ الرَّاكِعِينَ المحررين المنحنين قامتهم دائما على خدمة الله وخدمة بيته ذلِكَ المذكور من اصطفاء الله آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران ولا سيما قصة مريم وابنه وامه وزكريا وزوجته وابنه مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ اى من جملة الاخبار المغيبة المجهولة عندك نُوحِيهِ إِلَيْكَ يا أكمل الرسل تفضلا وامتنانا لك مع خلاء خاطرك وضميرك عنها ولا معلم لك سوى الوحى والإلهام منا مع كونك اميا عاريا عن مطالعة القصص والتواريخ وَالحال انك بهويتك وشخصك ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ وقت إِذْ يُلْقُونَ اى الأحبار أَقْلامَهُمْ للاقتراع في انهم أَيُّهُمْ يَكْفُلُ ويحفظ مَرْيَمَ وَايضا ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ وقت إِذْ يَخْتَصِمُونَ في أمرها وحفظها وانما نوحيه ونلهمه إليك يا أكمل الرسل لتكون آية لك في صدق دعواك النبوة والرسالة والإنكار على أمثال هذه الاخبارات والانباآت الصادرة عن الأنبياء والأولياء المستندة الى محض الإلهام والوحى النازل من عند العليم العلام انما ينشأ من العقل القاصر المموه بالوهم المزخرف والخيال الباطل المضل عن طريق الكشف واليقين والا فمن صفا عقله المفاض له من حضرة العلم المحيط الإلهي عن كدورات الوهم والخيال وانكشفت سريرة سره بسرائر الأقوال واسرار الأحوال ومرموزات الاحكام والأفعال ظهر عنده بلا سترة وحجاب ان من النفوس البشرية من تترقى في هذه النشأة عن عالم الشهادة الى عالم الغيب المطلق واتصلت بالمبادى العلية التي هي الصفات الإلهية بحيث قد اضمحلت حصة ناسوتها بالمرة وغلبته الحصة اللاهوتية عليها وحينئذ ظهرت منها بامداد الحضرة العلية العلمية الإلهية واردات غيبية ومكاشفات قلبية وملاحظات سرية ومشاهدات عينية بعضها متعلق بعالم الغيب وبعضها بالشهادة كالاخبار عن الوقائع الماضية والآتية كما نسمع ونشاهد أمثال ذلك من بعض بدلاء الزمان ادام الله بركته على مفارق اهل اليقين والعرفان في حالتي قبضه وبسطه كلمات وحكايات متعلقة بوقائع وقعت في البلاد النائية ونحن نجزم بوعها كما نسمع ونعلم ايضا جزما انه حاضر عند وقوعها وايضا نجزم بانه لم يسمع من احد قط لانسلاخه عن مطلق الاستخبار والاستفسار على الوجه المتعارف بين الناس ونسمع ايضا منه مد الله ظله أحوالا ووقائع قد جرت بيننا وبينه بمدة متطاولة وزمان ممتد قد يستحضرها في خلواته ويتلفظ بها على وجهها بلا فوت دقيقة وشوب شائبة ونحن إذا راجعنا وجداننا لم نستحضر الأمور التي جرت علينا في يومنا بل في ساعتنا هذه بلا فوت شيء منها وبالجملة وقوع أمثال ذلك منه مد ظله اكثر من ان تحصى. ومن له ادنى بصيرة وايمان كامل ويقين صادق بطريق الكشف والإلهام والوحى الإلهي لا يشتبه عليه أمثال ذلك الانباآت والاخبارات سيما من الأنبياء والرسل الكرام سيما من أفضلهم واكملهم صلوات الله عليه وعليهم أصلا بل يعلم يقينا ان الحكمة والمصلحة في اظهار نوع الإنسان على صورة الرّحمن وإرسال الرسل وإنزال الكتب عليهم انما هي لهذا التفطن والتنبه غاية ما في الباب انه من لم يجعل الله له نورا فما له من نور. اذكر ايضا يا أكمل الرسل لمن تبعك من مدائح مريم وعيسى وقت إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ منادين على سرها مبشرين لها مخاطبين إياها يا مَرْيَمُ المختارة المصطفاة إِنَّ اللَّهَ المتفضل عليك بأنواع اللطف والكرم يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ صادرة مِنْهُ مكونة لك منك ابنا بلا أب إظهارا لكمال قدرته ليكون إرهاصا لك معجزة لابنك اسْمُهُ المعروف النازل عليه من عنده سبحانه الْمَسِيحُ لفظ سرياني معناه المبارك لأنه سبحانه بارك عليه وكثر

стр. 108

الخير بسببه على عموم البرايا وعلمه الشخصي بين الأنام عِيسَى وهو من الأعلام العجمية وكنيته ابْنُ مَرْيَمَ إذ لا أب له حتى يكنى به وهو مع كونه بلا أب وَجِيهاً مشهورا معروفا مرجعا للأنام فِي الدُّنْيا بالنبوة والرسالة يتوجه اليه الناس في امور معاشهم ومعادهم وَفي الْآخِرَةِ ايضا لرجوعهم اليه للشفاعة وَكيف لا يشفع هو للعصاة مع كونه مِنَ الْمُقَرَّبِينَ عند الله وَعلامة تقربه انه يُكَلِّمُ النَّاسَ بما يتعلق بأمور الدين والدنيا حال كونه طفلا فِي الْمَهْدِ وَحال كونه كَهْلًا على منوال واحد بلا تفاوت زيادة ونقصان وبالجملة لنجابة عرقه في حالتي الكهولة وَالطفولة مِنَ الصَّالِحِينَ للرسالة والنبوة فلما سمعت مريم ما سمعت تضرعت الى ربها واشتكت حيث قالَتْ رَبِّ يا من رباني بالستر والصلاح والعبادة والفلاح أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ اى من اين يحصل لي ولد وَأنت تعلم يا ربي انى لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ومن سنتك ظهور الولد بعد مباشرة الفحل قالَ سبحانه إشفاقا لها وازالة لتشكيها كَذلِكِ اى مثل ايلادك بلا مساس احد وجود جميع الأشياء الظاهرة من كتم العدم ظهورا إبداعيا اللَّهُ يَخْلُقُ ويظهر بقدرته الكاملة جميع ما يَشاءُ بلا سبق مادة ومدة بل إِذا قَضى وأراد سبحانه أَمْراً من الأمور الثابتة في حضرة علمه فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ تنفيذا لقضائه مجرد كلمة كُنْ فَيَكُونُ ويوجد بلا تراخ ومهلة وبلا توقف على شرط وارتفاع مانع وحالك التي أنت تتعجبين منها وتستبعدين وقوعها من هذا القبيل ولا تخافي ولا تحزني من التهمة والتعيير والتشنيع والفضيحة إذ لابنك خصائص ومعجزات قد رفعت عنك جميع ما يشينك ويعيبك إذ لا يشتبه على ذي فطنة ان ولد الزنا لا يتصف بأمثال هذه الخصال العلية والخوارق السنية وَمن جملتها انه يُعَلِّمُهُ سبحانه من لدنه بلا تعليم احد من بنى نوعه الْكِتابَ اى العلوم المتعلقة بالشرائع والتدابير الملكية الشهادية وَالْحِكْمَةَ اى العلوم اللدنية المتعلقة بالحقائق الغيبية وَيعلمه ايضا التَّوْراةَ المنزل على موسى صلوات الله عليه وَينزل عليه خاصة الْإِنْجِيلَ من عنده وَبعد ما انزل عليه الإنجيل قد أرسله رَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ ليدعوهم الى طريق الحق ويهديهم الى صراط مستقيم وبالجملة نؤيده بالآيات والمعجزات الباهرة الظاهرة من يده الدالة على صدقه الى حيث يقول بعد ما أرسله الله أَنِّي بمقتضى امر ربي ووحيه الى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ دالة على نبوتي ورسالتي نازلة مِنْ رَبِّكُمْ وهي أَنِّي أَخْلُقُ اى اصور واقدر لَكُمْ بين أيديكم باقدار الله إياي مِنَ الطِّينِ الجامد هيئة وصورة كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ وصورته اى مثالا لا حس له ولا حركة فَأَنْفُخُ فِيهِ بعد تكميل الصورة فَيَكُونُ طَيْراً طيارا ذا حس وحركة ارادية كسائر الطيور وبالجملة ذلك التقدير والنفخ يصدر عنى بِإِذْنِ اللَّهِ وبمقتضى قدرته الشاملة وارادته الكاملة وَكذا أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ المكفوف العينين وَالْأَبْرَصَ الذي لا يرجى برؤه وَأعظم من ذلك انى أُحْيِ الْمَوْتى القديمة بِإِذْنِ اللَّهِ وكمال قدرته وهذه الخوارق المذكورة مما لا اطلاع لكم على لميته بعد الوقوع ايضا وَمن الخوارق التي لكم اطلاع عليه بعد ما وقعت انى أُنَبِّئُكُمْ وأخبركم بِما تَأْكُلُونَ من الطعام والفواكه وَما تَدَّخِرُونَ منها فِي بُيُوتِكُمْ احتياطا وبالجملة إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور من المعجزات والخوارق التي ما جاء به احد من الأنبياء لَآيَةً ظاهرة دالة على نبوتي ورسالتي لَكُمْ لإرشادكم وهدايتكم إِنْ كُنْتُمْ

стр. 109

مُؤْمِنِينَ بالله وبإرساله الرسل وانزاله الكتب وَمع هذه الآيات الطاهرة والمعجزات الباهرة قد جئتكم مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ المشتملة على ظواهر الاحكام بل لجميع الكتب المنزلة على عموم الأنبياء والرسل الماضين صلوات الله عليهم أجمعين ولعموم اديانهم وشرائعهم إذ من جملة امارات النبوة والرسالة تصديق الأنبياء والرسل الذين مضوا والكتب التي جاءوا بها من قبله سبحانه وَايضا قد جئتكم لِأُحِلَّ لَكُمْ في دينكم وملتكم المنزل من عند الله على بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ في الأديان الماضية ومن سنته سبحانه نسخ بعض الأديان ببعض وان كان الكل نازلا من عنده ولمية امر النسخ ما مر في سورة البقرة في قوله ما ننسخ من آية الآية وَبالجملة انى قد جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ قاطعة ساطعة نازلة مِنْ رَبِّكُمْ دالة على توحيده سبحانه ناشئة من عنده انما أفردها لان كل واحد من المذكورات يكفى لثبوت نبوته وبعد ما ظهر منه الكل فَاتَّقُوا اللَّهَ واحذروا من غضبه ان لا تؤمنوا له سيما بعد وضوح الدلائل القاطعة وَبالجملة أَطِيعُونِ اى أطيعوني في عموم ما قد جئت به من لدنه سبحانه إِنَّ اللَّهَ المدبر المصلح لحالي وحالكم هو رَبِّي وَرَبُّكُمْ قد احسن تربيتي وتربيتكم بان أرسلني إليكم وأيدني بأنواع المعجزات فَاعْبُدُوهُ حق عبادته كي تعرفوه حق معرفته واعلموا ان هذا اى طريق العبادة والايمان وسبيل المعرفة والإيقان صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ موصل الى اليقين والعرفان فعليكم ان تسلكوه على الوجه الذي أمرتم بسلوكه والله المستعان يوصلكم الى غاية مبتغاكم ونهاية مقصدكم ومرماكم فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى اى أشعر وأدرك بنور النبوة مِنْهُمُ الْكُفْرَ وعدم تأثرهم بالمعجزات الظاهرة والآيات الباهرة قالَ مستفهما مستفسرا إظهارا لمحبتهم واختيارا لهم على مقتضى رفق النبوة مَنْ أَنْصارِي وأعواني في هداية المضلين إِلَى اللَّهِ وطريق توحيده قالَ الْحَوارِيُّونَ اى الجماعة من أصحابه المنسوبة الى الحور الذي هو البياض سموا به لصفاء عقائدهم عن كدورة النفاق والشقاق وخلوص طويتهم بالاتفاق والوفاق نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ وأعوان رسوله ننصرك لدى الحاجة حسب وسعنا وطاقتنا في اجراء أحكامه وتنفيذ أوامره إذ قد كنا آمَنَّا بِاللَّهِ المرسل للرسل الذي نزل الكتاب لتبليغك إيانا وَاشْهَدْ أنت ايها الداعي للخلق الى الحق لنا يوم العرض الأكبر عند الملك المقتدر بِأَنَّا مع كوننا مؤمنين مخلصين مُسْلِمُونَ منقادون مطيعون لما جئت به من عند ربنا لإصلاح حالنا ولما اعترفوا بالإيمان بالله وبنصرة رسوله المبلغ لأحكامه وأشهدوه على ايمانهم وإسلامهم ناجوا مع الله مخلصين مخبتين في سرهم حيث قالوا رَبَّنا يا من ربانا بإرسال الرسل وإنزال الكتب قد آمَنَّا بتوفيقك وبإرشاد رسلك وهدايتهم بِما أَنْزَلْتَ من الكتاب المبين لأحكامك المتعلقة بسرائر توحيدك وَمع الايمان به قد اتَّبَعْنَا الرَّسُولَ المنزل عليه ممتثلين بجميع أوامره الموصلة الى الكشف والشهود وبالجملة فَاكْتُبْنا بفضلك وجودك مَعَ الشَّاهِدِينَ المشاهدين الذين لا يشاهدون في فضا الوجود سوى شمس ذاتك وتجلياتها وَبعد ما ظهر عيسى صلوات الله عليه على من ظهر من الكفرة وغلب عليهم قد مَكَرُوا واحتالوا اى الكفرة لدفعه وقتله بان وكلوا عليه من يقتله غيلة وَمَكَرَ اللَّهُ الرقيب عليه المراقب لحفظه في انجائه ورفعه الى السماء وإلقاء شبهه على قالب من اغتال عليه حتى قتل مجانا على مظنة انه هو ﵇ مع انه قد رفع الى السماء وَاللَّهُ المنتقم عن من ظلم لأجل من ظلم خَيْرُ الْماكِرِينَ اى أقوى المحتالين واغلبهم على من اغتال عليه اذكر

стр. 110

إِذْ قالَ اللَّهُ اعلاما لعيسى ﵇ حين هموا بقتله وعينوا من اغتال عليه وهو غافل عن كيدهم يا عِيسى إِنِّي بغلبة لاهوتيتى عليك مُتَوَفِّيكَ ومصفيك عن كدر ناسوتيتك المانعة من الوصول الى مقر عز اللاهوت وَبعد تصفيتك عن شوب التعلقات الناسوتية رافِعُكَ بعد ارتفاع موانع وصولك إِلَيَّ إذ لا مرجع لك غيرى وَبعد رفعك وجذبك الى مُطَهِّرُكَ ومزكيك من خبائث مطلق الرذائل سيما مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا اى ستروا بغيوم هوياتهم الباطلة شمس الذات الظاهرة المتجلية على عموم الذرات وَبعد رفعك وإعلاء قدرك جاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ وآمنوا بك في جميع ما جئت به لإصلاح حالهم فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا اى أعلى رتبة وارفع قدرا ومكانا منهم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ بحيث قد ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ولهم عذاب اليم وبعد ما ظهر عيسى ﵇ لم يتفق غلبة اليهود أصلا بل صاروا مغلوبين منكوبين دائما الى الآن بل الى انقضاء الزمان ثُمَّ قال سبحانه بلسان التوحيد على سبيل التنبيه والتعليم لعيسى ولمن آمن له ولمن أنكر عليه وكفر إِلَيَّ لا الى غيرى مَرْجِعُكُمْ ومنقلبكم جميعا في النشأة الاخرى ايها المختلفون في الدين والإطاعة والايمان والكفر في النشأة الاولى فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ بعد رجوعكم الى فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ على مقتضى علمي وإرادتي ثم فصل سبحانه حكمه بقوله فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وستروا سبيل الحق الظاهر عن مشكاة النبوة والرسالة عنادا واستكبارا وأنكروا الأنبياء وكذبوهم بعموم ما جاءوا به من الاحكام والمواعظ والحكم والعبر وأصروا عليها فَأُعَذِّبُهُمْ اى اطردهم وابعدهم عن ساحة عز الحضور عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا بأنواع المذلة والصغار وضرب الجزية والاجلاء وَفي الْآخِرَةِ بجحيم الخزي والخذلان وسعير الطرد والحرمان وَما لَهُمْ بعد ظهور الدين الناسخ لعموم الأديان الماضية مِنْ ناصِرِينَ لا من الأنبياء الذين يدعون الايمان بهم وبدينهم وكتابهم ولا من غيرهم حتى ينصروهم وينقذوهم من عذاب الله لتركهم العمل بالناسخ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بالدين القويم والكتاب الناسخ واتبعوا النبي الذي جاء به من عند ربه وَمع الايمان والإذعان قد عَمِلُوا الصَّالِحاتِ المأمورة فيه تأييدا وتأكيدا فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ اى يوفر عليهم سبحانه أجور أعمالهم بأضعاف ما عملوا تفضلا عليهم لمحبة الله إياهم بسبب امتثال أوامره واطاعة رسله وَاللَّهُ الهادي لعموم عباده لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ الخارجين عن حدوده المنزلة على رسله المكاشفين بحقيقة توحيده وبالجملة ما جراهم وبعثهم على الظلم والخروج الا عقولهم المنخسفة بظلام الوهم المضل عن الطريق المستبين ذلِكَ المذكور من انباء عيسى ﵇ وغيره هو الذي نَتْلُوهُ عَلَيْكَ يا أكمل الرسل مع كونك خالي الذهن عنه ولم تتعلم ايضا من معلم بشر وأنت أمي لا تقدر على الاستفادة والإملاء من القصص والتواريخ بل انما هي مِنَ الْآياتِ المنزلة عليك من عندنا الدالة على نبوتك ورسالتك وَمن جملتها الذِّكْرِ الْحَكِيمِ اى الكلام المحكم المشتمل على الحكم المتقنة والاحكام المبرمة الصادرة عن محض الحكمة بحيث لا يأتيه الباطل ولا يعتريه النسخ والتبديل ثم قال سبحانه على سبيل التنبيه والتذكير إِنَّ مَثَلَ عِيسى اى شانه وقصته الغريبة والخارقة للعادة وهي وجوده بلا أب عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ وشانه في إبداء الله إياه وإيجاده بل قصة آدم اغرب من قصته إذ لا أب له ولا أم بل خَلَقَهُ اى قدره وصوره سبحانه مِنْ تُرابٍ جماد جامد ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ بشرا حيا فَيَكُونُ بالفور حيوانا ذا حس وحركة
следующие страницы →