← Тафсир

Тафсир · id 23624

الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية

النخجواني

Полный текст (1 120 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

[سورة الأنعام] فاتحة سورة الأنعام لا يخفى على المستضيئين المستنيرين من اشعة نور الوجود اللائح عن مشكوة العدم التي هي عبارة عن طلسمات التعينات وشباك الهويات الظاهرة في عالم الكون والفساد المنعكسة من آثار الأسماء والصفات ان سر ظهور كمالات الوجود من سراب العدم انما هو لغاية جلاء الوجود وصفائه الى حيث لم يدرك لو لم يكن في مقابلة مرآة مجلوة يتراءى فيها ما انعكس منه ولو لم يكن له مقابل غير العدم لذلك ما انعكس كمالاته إلا منه والمحجوب المقيد بسجن الطبيعة ما يرى الوجود والموجود الا هذه العكوس المنعكسة والاظلال المرئية المستحدثة في سراب العدم من الأمواج الحادثة في بحر الوجود حسب التجليات الحبية ولم يتفطن الى مبدئها ومنشئها ولهذا عدل عن طريق الحق وضل عن سواء السبيل ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور والمكاشف المشاهد بنور الله المستغرق بمطالعة جماله لا يرى في الوجود الا هو وكل ما ظهر في العالم من الآثار فمن تجلياته المنتشئة من أوصافه الذاتية ومن تطورات أسمائه الكمالية الجمالية والجلالية وسر التكاليف الموردة في الكتب الإلهية والآثار النبوية انما هو للتحقق والتقرب الى ما عليه الوجود الحقي من الاعتدال والاستواء الذي هو صراط الله الا قوم الا عدل لذلك الهم سبحانه خلص عباده الذين تحققوا بوحدة الوجود وانكشفوا بنوره المستقل ان يواظبوا على حمده وثنائه دائما مستمرا ليتمكنوا بمقام الشكر الذي هو أعلى مقام العارف بالله إذ الشكر انما يحصل بقدر رفع حجب التعينات رأسا ورؤية عموم ما ظهر وبطن من نعم الوجود وما يتفرع عليه من مقتضيات الكرم والجود من المنعم الحقيقي والمفضل المعنوي وذلك لا يكون الا بالفناء فيه والبقاء ببقائه ومتى فنى العارف فيه فقد تحقق بمقام الشكر وتكلم لسان حاله ومقاله بشكر منعمه وهو ايضا بحول الله وقوته ولهذا اخبر سبحانه من حمده وشكره لنفسه تعليما لعباده قائلا متيمنا بِسْمِ اللَّهِ المستغنى بذاته عن عموم الأكوان الرَّحْمنِ عليها بافاضة نور الوجود من محض الجود والامتنان الرَّحِيمِ عليها باقدارها على مواظبة الحمد والثناء له أداء لحق شيء من الانعام والإحسان [الآيات] الْحَمْدُ الثناء المشعر بالاطاعة والانقياد التام المنبئ عن كمال التعظيم والتبجيل الذاتي الصادر عن السنة عموم ما ظهر من شئون الوجود وانعكس من اظلال أسمائه وصفاته ودخل في حيطة الوجود الحق واعترف بتوحيده وحمده حالا ومقالا وباستقلاله وتوحده سبحانه في ملكه وملكوته ازلا وابدا ثابت لِلَّهِ المستقل بالالوهية المتفرد في ربوبيته المستحق بأنواع العبودية ذاتا وصفات وكيف لا يستحق سبحانه بالعبودية والتعظيم إذ هو القادر المقتدر الَّذِي خَلَقَ وقدر السَّماواتِ وَالْأَرْضَ اى علويات الأسماء والصفات الفعالة وسفليات الطبائع والأركان القابلة لآثار العلويات وَجَعَلَ ايضا الظُّلُماتِ اى حجب التعينات وَالنُّورَ اى ظل الوجود المنبسط عليها ثُمَّ بعد ما ظهر اشراق نور الوجود ولمع شمس الذات على صفحات الكائنات المحجوبون الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ اى ستروا بهويتهم الباطلة هوية الحق السارية في الآفاق بكمال الاستقلال والاستحقاق ازلا وابدا يَعْدِلُونَ يميلون وينحرفون عن طريق الحق واستقلاله جهلا وعنادا وكيف يسترون هويته ويعدلون عن طريقه مع انه هُوَ الخالق الموجد الَّذِي خَلَقَكُمْ وقدر وجودكم أولا مِنْ طِينٍ جماد قريب من العدم ثُمَّ قَضى وقدر أَجَلًا لحياتكم المستعارة الظلية في النشأة الاولى

стр. 212

وَأَجَلٌ مُسَمًّى مقدر عِنْدَهُ لفنائكم الحقيقي فيه سبحانه في النشأة الاخرى ثُمَّ أَنْتُمْ بعد ما علمتم وتحققتم منشأكم ونشأتكم الاولى الصورية تَمْتَرُونَ تشكون وترددون في النشأة الاخرى المعنوية الحقيقية جهلا وعنادا وَكيف تشكون فيها ايها الشاكون الجاهلون مع انه هُوَ اللَّهُ القادر المقتدر المتوحد المتفرد المتجلى فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ بكمال الاستقلال والاستيلاء يَعْلَمُ منكم بعلمه الحضوري سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ من خير وشر ونفع وضر في نشأتكم الاولى وَمن امارات كفرهم وسترهم وامترائهم ومرائهم ما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ عظيمة دالة على توحيد الحق بلسان رسول من الرسل العظام مع انها قد كانت مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ المتوحد في الربوبية إِلَّا كانُوا من غاية كفرهم وجهلهم عَنْها مُعْرِضِينَ ومن غاية اعراضهم والحادهم عن طريق الرشد فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ المطابق للواقع الذي هو القرآن الجامع لَمَّا جاءَهُمْ بلسان من هو أعلى مرتبة ومكانة عند الله وأكمل دينا وأقوم طريقا فكذبوه واستهزؤا به فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ وسيظهر لهم في النشأة الاولى والاخرى أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ واخبار ما يفترون لأنفسهم حين نزول العذاب عليهم في الدنيا بضرب الذلة والمسكنة المستمرة والجزية والصغار المؤبد وفي الآخرة بالعذاب والنكال المخلد أَيشكون في نزول العذاب الآجل والعاجل ويترددون فيه أولئك الشاكون المترددون ولَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ من اهل القرون الماضية كعاد وثمود وغيرهما مع انا قد مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ وقررناهم فيها قادرين على امور عظام وآثار جسام ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ولم نجعل في وسعكم من السعة وطول المكث والترفه والاستيلاء التام وكمال البسطة والرخاء وَمع ذلك أَرْسَلْنَا السَّماءَ اى المطر عَلَيْهِمْ مِدْراراً مغرارا كثيرا وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ دائما متجددا تتميما لترفههم وتنعمهم وبالجملة امهلناهم زمانا طويلا كذلك فَأَهْلَكْناهُمْ بعد ذلك بِذُنُوبِهِمْ التي صدرت عنهم من تكذيب الأنبياء وبعموم ما جاءوا به من لدنا وافسادهم في الأرض بأنواع الفسادات وَبعد ما استأصلناهم بالمرة قد أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ وَبالجملة لا تبال يا أكمل الرسل بتكذيباتهم واقتراحاتهم ولا ترج منهم الايمان بك وبكتابك لأنهم من غاية انهماكهم في الغي والضلال لَوْ نَزَّلْنا من مقام جودنا عَلَيْكَ كِتاباً مكتوبا فِي قِرْطاسٍ ورق فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ حين نزوله لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا من خبث بواطنهم وجهلهم الجبلي إِنْ هذا اى ما هذا الذي جئت به إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ عظيم ظاهر سحريته وكذبه إذ الورق لا تنزل من السماء الا بسحر وَايضا قالُوا من شدة شقاقهم ونفاقهم معك يا أكمل الرسل ان كان هذا المدعى نبيا لَوْلا وهلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ يصدق نبوته فنصدقه قل لهم في جوابهم نيابة عنا وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً على مقتضى سنتنا في الأمم الماضية لَقُضِيَ الْأَمْرُ اى لتحقق امر إهلاكهم البتة إذ ما ننزل الملك الا للاهلاك والتعذيب بمقتضى سنتنا المستمرة في الأمم الماضية ثُمَّ بعد نزول الملك لينكرون له ويكذبونه البتة وبعد ذلك لا يُنْظَرُونَ ولا يمهلون ساعة بل يعذبون كالأمم السالفة وَايضا لَوْ جَعَلْناهُ اى الرسول المنزل إليهم مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا اى على صورته إذ لا يمكن للبشر ان يرى الملك على صورته لمهابته لذلك ما جاء جبرائيل ﵇ على رسول الله ﷺ الا على صورته دحية الكلبي رضى الله عنه وَايضا لم يمكنهم الاستفادة منه لعدم الجنسية وان أنزلنا

стр. 213

على صورة البشر لَلَبَسْنا ولخلطنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ اى مثل ما يخلطون على أنفسهم من ان البشر لا يليق بالرسالة فلم يصدقوه ايضا وَبالجملة لا تحزن ولا تضطرب يا أكمل الرسل من إيذائهم واستهزائهم معك واصبر على أذاهم فانه لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فصبروا على ما كذبوا واستهزؤا وأوذوا فَحاقَ وأحاط من الجوانب بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ وبال ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ فاهلكوا واستؤصلوا مما استهزؤا وان أنكروا قصة إهلاكهم قُلْ لهم سِيرُوا فِي الْأَرْضِ التي هي مقر الفراعنة ومنزل الاكاسرة والقياصرة ومضرب خيام الخواقين المعتبرة معتبرين ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ الذين كذبوا الرسل عتوا وعنادا بحيث لم يبق من رسومهم وآثارهم واطلالهم وارباعهم أصلا مع انهم كانوا اولى قوة وذوى بأس شديد قُلْ لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا تبكيتا وإلزاما لِمَنْ ما ظهر فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ تصرفا وتملكا إيجادا وإظهارا اعداما وافناء قُلْ ايضا أنت يا أكمل الرسل بعد ما بهتوا وتحيروا في الجواب لِلَّهِ المتوحد المتفرد بالتجلى والظهور والتصرف مطلقا إذ قد كَتَبَ أوجب والزم سبحانه عَلى نَفْسِهِ وذاته حين كان ولم يكن معه شيء الرَّحْمَةَ العامة اى التجلي والاستيلاء بمقتضى اسمه الرّحمن العام على عروش درائر الأكوان المنعكسة من أوصافه الذاتية لَيَجْمَعَنَّكُمْ سبحانه ايها العكوس والاظلال بمقتضى اسمه الرّحيم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ التي هي الطامة الكبرى المرتفعة فيها نقوش الغير والسوى مطلقا واعلموا انه لا رَيْبَ فِيهِ اى في جمعه ورفعه عند ذوى البصائر والنهى المتأملين في سرائر الظهور والإظهار والبطون والإخفاء واما القوم الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ باقتصار النظر في هذه الاظلال والتماثيل الزائغة الزائلة التي لإقرار لها ولا مدار للذاتها وشهواتها أصلا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ بالرجوع الى مأمن التوحيد ومقر التجريد والتفريد وأولئك هم الضالون في تيه الحرمان الباقون في ظلمة الإمكان وَكيف تنكرون جمعه وتوحيده سبحانه مع ان لَهُ ما سَكَنَ اى عموم ما بطن فِي اللَّيْلِ اى مرتبة الباطن والغيب المطلق وَكذا ما ظهر وانكشف في النَّهارِ اى مرتبة الظاهر والشهادة المطلقة وَهُوَ بذاته السَّمِيعُ بكل ما سمع الْعَلِيمُ بكل ما علم وأدرك لا يخفى عليه شيء مما ظهر وبطن قُلْ يا أكمل الرسل لمن أنكر توحيد الحق واثبت له شريكا ومع ذلك يريد ان يرغبك الى الشرك عتوا وعنادا إلزاما له وتبكيتا أَغَيْرَ اللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا شريك له أصلا أَتَّخِذُ وَلِيًّا مولّيا ووكيلا لا كون مشركا مثلك مع كونه سبحانه فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى موجدهما ومظهرهما من كتم العدم بالاستقلال بلا مظاهرة ومشاركة وَهُوَ يُطْعِمُ المحتاجين وَلا يُطْعَمُ لتنزهه عن الاكل والشرب خص سبحانه بعدم الاتصاف بهذه الصفة لأنها من أقوى اسباب الإمكان وأجل امارات الحدوث وأظهرها والباقي متفرع عليها قُلْ يا أكمل الرسل المرسل لعموم البرايا إِنِّي أُمِرْتُ من عند ربي أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وأطاع وانقاد واظهر التوحيد الذاتي وادعوا الناس جميعا اليه وَايضا قد نهيت انا خاصة على وجه المبالغة والتأكيد من عنده سبحانه بقوله لا تَكُونَنَّ أنت يا أكمل الرسل بحال من الأحوال وشأن من الشئون مِنَ الْمُشْرِكِينَ المثبتين الوجود لغير الحق اصالة من الاظلال والعكوس وبعد ما أمرت يا أكمل الرسل بما أمرت ونهيت ايضا عما نهيت قُلْ لمن تبعك لعلهم ينتبهون ايضا إِنِّي بعد ما تحققت بمقام

стр. 214

الكشف والشهود أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي وخرجت عن مقتضى توحيده الذاتي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ هو يوم العرض الأكبر الذي تجزى فيه كل نفس بما تسعى مَنْ يُصْرَفْ العذاب عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ الحق له وحققه بمقام الكشف والشهود وَذلِكَ التحقق والانكشاف هو الْفَوْزُ الْمُبِينُ لأهل العناية والوصول وَبعد ما تحققت أنت يا أكمل الرسل بمقام المعرفة وتقررت في مقر التوحيد إِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ المدبر المراقب عليك بِضُرٍّ بلية وعناء لحكمة ومصلحة فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ إذ لا شيء سواه ولا متصرف غيره وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ عطية وغناء وبذل وعطاء فَهُوَ ايضا منه إذ هو عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الخير والشر والنفع والضر قَدِيرٌ مقتدر يحيط قدرته بعموم المقدورات والمرادات وَكيف لا يكون قديرا على كل ما أراد إذ هُوَ الْقاهِرُ العزيز الغالب فَوْقَ عِبادِهِ يتصرف فيهم كيف يشاء بالإرادة والاختيار وَهُوَ الْحَكِيمُ المتقن في تدبيراتهم الْخَبِيرُ بحوائجهم يعطيهم ما ينبغي لهم ويمنعهم عما يضرهم بالإرادة والاختيار وان جادلوك واستشهدوا منك شاهدا على نبوتك ورسالتك قُلْ لهم إلزاما وتبكيتا أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ وأتم شَهادَةً من الله قُلْ بعد ما تعين ذلك اللَّهُ المحيط بعموم مظاهره ومصنوعاته شَهِيدٌ حاضر بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمن جملة شهادته وحضوره انه قد أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ الجامع لفوائد الكتب السالفة من عنده لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ ايها المكلفون الموجودون حين نزوله عما يضركم ويغويكم وأبشركم به بما ينفعكم ويهديكم وَكذا مَنْ بَلَغَ له خبر وحيه ونزوله من الأسود والأحمر الى انقراض النشأة الاولى إذ انا ما أرسلت الا الى كافة البرايا بشيرا ونذيرا على مقتضى التوحيد الذاتي أَإِنَّكُمْ ايها المنهمكون في بحر الحيرة والضلال لَتَشْهَدُونَ بعد وضوح البرهان أَنَّ مَعَ اللَّهِ المتوحد بذاته المستقل بالالوهية آلِهَةً أُخْرى مشاركة له في ملكه ووجوده قُلْ لا أَشْهَدُ انا ما تشهدون به أنتم ظلما وزورا بل قُلْ بمقتضى ما كوشفت به إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ متفرد بالالوهية والربوبية ليس لغيره وجود حتى يشارك معه بل لا موجود الا هو ولا اله سواه وَبالجملة إِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ أنتم بالله الواحد الأحد من الاظلال الباطلة والتماثيل العاطلة ثم قال سبحانه الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ من اليهود والنصارى يَعْرِفُونَهُ اى محمدا ﷺ بحليته وأوصافه المذكورة في كتبهم كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ بلا شائبة شك ووهم وبالجملة الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بالشرك والتحريف فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ به وبنبوته ورسالته عنادا ومكابرة وَمَنْ أَظْلَمُ عند الله وأوجب للبطش والانتقام مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وحرف كتابه عنادا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ المنزلة على رسوله المبين لطريق توحيده مكابرة بلا سند ودليل عقلي او نقلي ومع ذلك يطلبون ويتوقعون الفوز والفلاح من عنده سبحانه إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ الخارجون عن مقتضى العقل والنقل التاركون ايضا متابعة من أيده الحق وأرسله الى الخلق لإشاعة توحيده وتبليغ أحكامه اللائقة بوحدة ذاته ولإزاحة الشرك وإزالته بالمرة وَاذكر لهم يا أكمل الرسل يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ ونجمعهم جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا استهزاء وتفضيحا وتعريضا لهم على رؤس الملأ أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ انهم آلهة مستحقة للعبادة والايمان وتعتقدون انهم يشفعون لكم وينقذونكم من العذاب ائتوا بهم واحضروهم لينقذوكم من عذابنا ثُمَّ بعد ما سمعوا ما سمعوا لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ

стр. 215

وحيلتهم للخلاص إِلَّا أَنْ قالُوا مقسمين معتذرين وَاللَّهِ رَبِّنا وبحقك يا مولانا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ لك غيرك عابدين لسواك انْظُرْ ايها المعتبر الرائي كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ في مقعد الصدق ومحل اليقين وَانظر ايضا كيف ضَلَّ عَنْهُمْ وغاب عن نظرهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ به على الله من الشركاء الذين يعتقدون انهم شفعاء عند الله يخلصونهم من عذاب الله وَمِنْهُمْ اى من جملة أولئك المشركين المعتذرين مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ يا أكمل الرسل حين تلاوتك القرآن وهم وان لم يفهموه قد أنكروا عليه واستهزؤا به عنادا ومكابرة كيف يفهمونه وَقد جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً اى اغطية واغشية كثيفة كراهة أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وصمما يمنع عن استماعه وَمن غاية انكارهم وعنادهم إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ دالة على توحيد الحق وتمجيده لا يُؤْمِنُوا بِها عنادا ومكابرة حَتَّى إِذا جاؤُكَ من افراط عتوهم وعنادهم يُجادِلُونَكَ في آيات الله بما لا يليق بشأنها حيث يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا سترا للحق وترويجا للباطل إِنْ هذا اى ما هذا الكتاب الذي اتى به محمد إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ وأكاذيبهم القديمة انما سطروها لتضليل ضعفاء العوام وَهُمْ بهذا الطعن والقدح يَنْهَوْنَ عَنْهُ اى يقصدون إضلال المسلمين عن متابعة الرسول والايمان به وبكتابه وَلكن لا يعلمون انهم في أنفسهم يَنْأَوْنَ عَنْهُ اى يبعدون عنه وعن هدايته عتوا واستكبارا وَإِنْ يُهْلِكُونَ اى ما يهلكون بهذا التضليل والخداع إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ان ضرر اضلالهم وخداعهم لا يتجاوز عنهم لأنهم هم قد ختم الله العليم الحكيم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم في الدنيا والآخرة وَلَوْ تَرى ايها الرائي إِذْ وُقِفُوا اى حين أشرفوا عَلَى النَّارِ وتحققوا الوقوع والإيقاع عنوة وعنفا لرأيت امرا فظيعا فجيعا فَقالُوا حينئذ من غاية تفزعهم وتفجعهم متمنين يا لَيْتَنا نُرَدُّ على أعقابنا التي قد كنا فيها وَلا نُكَذِّبَ يومئذ بِآياتِ رَبِّنا التي قد جاءتنا فيها فكذبناها عتوا واستكبارا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ المصدقين بمن جاءنا بها بَلْ بَدا وظهر لَهُمْ ومنهم حينئذ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ من حقية الكتب والرسل عنادا واستكبارا فتمنوا حين البأس واليأس ضجرا لا عزما صادقا صحيحا بحيث لو ردوا لآمنوا البتة بل وَالله لَوْ رُدُّوا اى لو فرض ردهم الى الدنيا بعد علمهم ووقوفهم على اهوال الآخرة لما آمنوا ايضا بل لَعادُوا ورجعوا البتة من خبث طينتهم لِما نُهُوا عَنْهُ يعنى الى الكفر ايضا عنادا ومكابرة وَبالجملة إِنَّهُمْ في هذا التمني ايضا لَكاذِبُونَ البتة لكون جبلتهم واصل فطرتهم على الكذب لا يزول عنهم أصلا وَكيف لا يكونون مجبولين على فطرة الكذب والعناد إذ هم قالُوا من خبث بواطنهم حين دعاهم الرسول الى الايمان بالله وباليوم الآخر إِنْ هِيَ اى ما الحيوة إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا اى التي كنا عليها فيها وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ من قبورنا كما زعم هؤلاء السفهاء وَلَوْ تَرى ايها المعتبر الرائي إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ اى حين وقفوا وصفوا عند ربهم ليحاسبوا بما عملوا لرأيتهم حيارى سكارى مضطرين مضطربين قالَ لهم حينئذ سبحانه من وراء سرادقات العز والإجلال تقريعا وتوبيخا أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ ايها الحمقاء الكافرون المكذبون به قالُوا بعد ما كوشفوا وعوينوا معتذرين متفجعين مصدقين مقسمين بَلى وَرَبِّنا قد آمنا به وصدقنا قالَ سبحانه منكرا عليهم مقرعا الآن لن ينفعكم ايمانكم ايها المسرفون المفرطون فيما مضى

стр. 216

بل فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وتكذبون به في النشأة الاولى التي هي دار الفتن والاختبار. ثم قال سبحانه توبيخا لهم وتقريعا قَدْ خَسِرَ وخاب خيبة ابدية الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ المتجلى في عموم الأنفس والآفاق بكمال الاستقلال والاستحقاق سيما بعد نزول الآيات الدالة عليه وارشاد الرسل والأنبياء والأولياء لهم اليه حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ المعدة للعرض والجزاء بَغْتَةً فجاءة قالُوا بعد ما انكشفوا به وتيقنوا له متحسرين خائبين خاسرين يا حَسْرَتَنا كلمة تحسر وتأسف عَلى ما فَرَّطْنا فِيها اى في النشأة الاولى من الإنكار والتكذيب وعدم الايمان وَهُمْ في تلك الحالة يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ وآثامهم اى وبالها وما يترتب عليها عَلى ظُهُورِهِمْ خائبين محرومين عن مطالعة وجه الله الكريم أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ أولئك البعداء الوازرون المفرطون في الدنيا ويحرمون به في العقبى عن لقاء المولى وَبالجملة مَا الْحَياةُ الدُّنْيا التي هم يحصرون الحيوة عليها ويحرمون أنفسهم عن الحيوة الحقيقية لأجلها إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ يلعب بهم ويلهيهم ويشغلهم عن الحيوة الازلية الابدية السرمدية وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ وحياتها الحقيقية ولذّاتها المعنوية خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ عن محارم الله ومنهياته في الحيوة الصورية أَفَلا تَعْقِلُونَ ولا تميزون ايها العقلاء المميزون بين الحياتين ولا تعلمون اى اللذتين خير لكم وألذ عندكم وأدوم دونكم. ثم قال سبحانه قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ اى الشان لَيَحْزُنُكَ ويؤذيك القول الَّذِي يَقُولُونَ في حقك يا أكمل الرسل أولئك المعاندون المكابرون من انك كاذب ساحر مجنون شاعر وغيرها لا تبال بهم وبقولهم فَإِنَّهُمْ في الحقيقة لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ الخارجين عن حدود الله المنصرفين عن مقتضى أحكامه بِآياتِ اللَّهِ المنزلة عليك من عنده سبحانه لهداية التائهين من عباده يَجْحَدُونَ ينكرون ويعاندون جحودا وعنادا على سبيل الإصرار والاستكبار وبالجملة فاصبر على أذاهم يا أكمل الرسل الى ان يحل عليهم غضب من الله المنتقم الغيور وَالله يا أكمل الرسل لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ مثل ما كذبت أنت فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا الذي قد وعدناهم ونصرناهم وانتقمنا لهم عن عدوهم فكانوا هم الغالبين المقصورين على الغلبة والنصر وَبالجملة لا تيأس من نصر الله وتأييده لك من امهال الله إياهم إذ لا مُبَدِّلَ ولا محول لِكَلِماتِ اللَّهِ المنتقم المقتدر التي قد سبقت منه سبحانه لنصر أنبيائه ورسله وَكيف تيأس أنت وتقنط لَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ومن قصصهم وحكاياتهم المشهورة المعروفة ما يكفيك عن التردد فيه وَإِنْ كانَ قد كَبُرَ وشق عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ عن الايمان والانقياد لك وضاق صدرك وقل صبرك من عدم ايمانهم بك وحضورهم عندك فَإِنِ اسْتَطَعْتَ من غاية حرصك لإيمانهم وانقيادهم أَنْ تَبْتَغِيَ وتطلب أنت نَفَقاً ومنفذا فِي الْأَرْضِ وتأتى اليه أَوْ سُلَّماً ومرقاة فِي السَّماءِ لتعرج نحوها فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ يعنى حتى تأتيهم بآية دالة على الجائهم الى الايمان فافعل على مقتضاها والا فاصبر حتى يأتى الله بامره من عنده إذ الأمور مرهونة بأوقاتها ومالك الا التبليغ وَبالجملة لَوْ شاءَ اللَّهُ الحكيم العليم هدايتهم لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ أنت مِنَ الْجاهِلِينَ بان الأمور كلها بيد الله واختياره يهدى من يشاء ويضل من يشاء فلا تحرص على ايمانهم وهدايتهم ولا تجتهد فيما لا يسع فيه جهدك وطاقتك لأنك لا تهدى من أحببت هذا تأديب من الله لرسوله وتنبيه منه عليه وأمثال هذا في القرآن كثيرة

стр. 217

فكيف تتطلب وتتوقع أنت هدايتهم ايها الرسول الداعي إِنَّما يَسْتَجِيبُ اى ما يطلب اجابة الدعوة وقبولها الا الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الدعوة عن رضى ويلقون السمع وقلوبهم حاضرة بفهمها وهم بأنفسهم يطلبون الحيوة الحقيقية وهؤلاء الهلكى ليسوا من الطالبين للحياة الحقيقية بل ما هم الا الموتى حقيقة وان كانوا في صورة الأحياء وَالْمَوْتى صورة يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ القادر المقتدر في النشأة الاخرى ويحييهم بالحيوة الحقيقية في يوم الحشر والجزاء حتى يطلعوا حينئذ على ما فاتهم في النشأة الاولى لكن ما تنفعهم تلك الحيوة والاطلاع الا الحسرة والندامة على ما فات عنهم في دار العمل والاختبار ثُمَّ بعد ما أحياهم واطلعهم سبحانه إِلَيْهِ لا الى غيره من العكوس والاظلال يُرْجَعُونَ ويساقون لجزاء ما عملوا في الدنيا من تكذيب الآيات والرسل ومن الاستهزاء بهم وَمن غاية بغضهم وعنادهم معك يا أكمل الرسل قالُوا اى بعضهم لبعض ان كان محمد نبيا ﷺ لَوْلا وهلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ اى آية اقترحناها منه او آية تلجئنا الى الايمان به او آية تستأصلنا بالمرة مع ان دعواه ان ربه يقوى ويقدر على جميعها قُلْ لهم يا أكمل الرسل إِنَّ اللَّهَ المتعزز برداء العظمة والكبرياء قادِرٌ بالقدرة الغالبة التامة الكاملة عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً من أية آية اقترحتموها أنتم متى تعلقت ارادته ومشيئته وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ان الله فعال لما يريد ولو أنزلها لأنزل البتة عقيبها البلاء كما انزل على الأمم الماضية وَكيف لا يقدر سبحانه على عموم المرادات والمقدورات مع انه ما مِنْ دَابَّةٍ تتحرك فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ في الجو بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ محفوظة أحوالها وأرزاقها وآجالها عندنا بحيث لا نهمل شيأ من حوائجها بل تثبت ونكتب الكل في لوحنا المحفوظ وكتابنا المبين على التفصيل بحيث ما فَرَّطْنا وأفرطنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ من حوائجهم وأحوالهم ثُمَّ بعد ما حفظوا ورزقوا زمانا حسب تعيناتهم وهوياتهم إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ويرجعون رجوع الظل الى ذي الظل وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا الدالة على قدرتنا الغالبة الكاملة صُمٌّ عن استماع كلمة الحق من السنة الرسل وَبُكْمٌ عن التنطق بها مع انهم قد تيقنوا بها وبالجملة هم مغمورون فِي الظُّلُماتِ اى الحجب الكثيفة الناشئة من هوياتهم الباطلة وهياكلهم الفاسدة العاطلة وبالجملة مَنْ يَشَأِ اللَّهُ المدبر الحكيم إضلاله بمقتضى اسمه المذل المضل يُضْلِلْهُ حتما بلا تأثير هداية وارشاد أصلا وَمَنْ يَشَأْ هدايته يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ موصل الى توحيده بلا تأثير ضلال وإضلال مطلقا إذ كل ميسر لما خلق له قُلْ لهم يا أكمل الرسل امحاضا للنصح أَرَأَيْتَكُمْ اى أخبروني صريحا إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ في يوم الجزاء أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ الموعودة التي أنتم تحشرون فيها الى الله هائمين حائرين أَغَيْرَ اللَّهِ المنقذ من العذاب المنجى من الحيرة والهيمان تَدْعُونَ للانقاذ والإنجاء أم تدعونه تضرعا وتلتجئون نحوه استعاذة بينوا الى أمركم في حين اضطراركم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في الأقوال والاخبار بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ وتتضرعون إذ لا ملجأ ولا ملاذ لكم سواه فَيَكْشِفُ عنكم ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ من الضر والبلاء إِنْ شاءَ وتعلق مشيته وارادته وَلا شك انكم تَنْسَوْنَ حينئذ ما تُشْرِكُونَ له من الاظلال الباطلة والتماثيل العاطلة وقل لهم ايضا متى سمعتم مآل أمركم وغاية حالكم وشأنكم فتضرعوا الى الله في جميع أحوالكم والتجؤا نحوه ومع ذلك لم يقبلوا منك قولك ونصحك البتة لخبث

стр. 218

باطنهم وَاعلم انا لَقَدْ أَرْسَلْنا رسلا من مقام جودنا ولطفنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ وايدناهم بآيات ظاهرة ومعجزات باهرة فكذبوهم فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ رجاء ان يتضرعوا إلينا ويلتجئوا نحونا فلم يتضرعوا ولم يلتجئوا فَلَوْلا وهلا إِذْ جاءَهُمْ اى لهؤلاء المصرين المعاندين بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وما هو من عدم تأثرهم من البأساء والضراء بل يتأثرون وينزعجون وَلكِنْ قد قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وغلظت غشاوتهم وَزَيَّنَ اى حبب وحسن لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من عدم المبالات بآيات الله وتكذيب رسله والاعراض عن دينه فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ من البأساء والضراء ولم يتذكروا ولم يتعظوا بها فَتَحْنا عَلَيْهِمْ ابتلاء وفتنة أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ نافع لهم وخير وامهلناهم عليها زمانا حَتَّى إِذا فَرِحُوا واعجبوا بِما أُوتُوا مترفهين متنعمين بطرين مغرورين بالنعم ناسين المنعم بالمرة أَخَذْناهُمْ بأنواع البلاء بَغْتَةً فجاءة فَإِذا هُمْ حينئذ مُبْلِسُونَ متحسرون آيسون خائبون محرومون فَقُطِعَ واستؤصل هكذا دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وصاروا بترا مقطوعين العقب بحيث لم يبق من خلفهم من استخلفهم واستدبرهم وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ على هلاكهم واستئصالهم الى حيث لم يبق منهم ومن شؤم كفرهم ونفاقهم على وجه الأرض شائبة قُلْ لهم يا أكمل الرسل ايضا امحاضا للنصح لعلهم ينتبهون أَرَأَيْتُمْ أخبروني إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ فاصمكم وَأَبْصارَكُمْ فاعماكم وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ بغطاء الغفلة بحيث لا تحسون ولا تفهمون شيأ أصلا مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ الواحد الأحد القادر المقتدر يَأْتِيكُمْ ويرجعكم بِهِ اى بالمأخوذ انْظُرْ ايها الناظر المعتبر كَيْفَ نُصَرِّفُ ونكرر لهم الْآياتِ كي يتنبهوا تارة عقلا وتارة تذكيرا وعظة وتارة عبرا وأمثالا ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ اى ثم انظر كيف يعرضون عن جميعها من قساوة قلوبهم وخبث طينتهم قُلْ لهم ايضا أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ المنتقم الغيور بَغْتَةً بلا سبق مقدمة وامارة أَوْ جَهْرَةً اى بسبق المقدمات والأمارات هَلْ يُهْلَكُ اى ما يهلك بأمثال هذا العذاب الفجائى والجهرى إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ الخارجون عن مقتضى أوامر الله ونواهيه الجارية على السنة رسله المؤيدين من عنده وَكيف لا نهلك الظالمين ولا نعذبهم إذ ما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ لمن آمن بنا وامتثل باوامرنا واجتنب عن نواهينا وَمُنْذِرِينَ لمن لم يؤمن ولم يمتثل ولم يجتنب فَمَنْ آمَنَ منهم بعد ما سمع الدعوة من السنة الرسل وَأَصْلَحَ بالإيمان والتوبة ما أفسد من قبل من الكفر والعصيان فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ حين وصولهم إلينا وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ من سوء المنقلب والمآب وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا المنزلة على رسلنا ولم يعملوا بمقتضاها منكرين عليها يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ اى يحيطهم العذاب من جميع جوانبهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ اى بشؤم فسقهم وخروجهم عن مقتضى الأوامر والنواهي قُلْ لهم يا أكمل الرسل كلاما ناشئا عن محض الحكمة تليينا لقلوبهم القاسية لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ العليم الحكيم اى جميع مراداته ومقدوراته وَلا أَعْلَمُ انا ايضا الْغَيْبَ اى جميعه إذ هما مما استأثر الله به لا يحوم حوله احد من خلقه وَايضا لا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إذ انا بشر من جنسكم بل أقول لكم إِنْ أَتَّبِعُ اى ما اتبع وما اقتدى إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ من عنده سبحانه لابلغكم وأخبركم باذنه والهداية والضلال بيد الله الكبير المتعال يهدى من يشاء ويضل من يشاء وان أنكروا لياقة البشر لوحى الله

стр. 219

والهامه قُلْ لهم على سبيل الإلزام هَلْ يَسْتَوِي عندكم البشر الْأَعْمى عن مطالعة عجائب مصنوعات الحق وغرائب مخترعاته وَالبشر الْبَصِيرُ المطالع المشاهد لها أَتشكون في ان ما بينهما من التفاوت الفاحش فَلا تَتَفَكَّرُونَ ولا تتأملون حتى ينكشف ويتميز عندكم الحق الصريح من الباطل الزائل الزائغ وَبالجملة أَنْذِرْ بِهِ اى بما يوحى إليك يا أكمل الرسل المؤمنين الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ وهم في أنفسهم معتقدون ان لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ يولى أمرهم غيره وَلا شَفِيعٌ يشفع لهم عنده حتى ينقذهم من عذابه لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ لكي يتقوا ويحسنوا العمل لرضاه وَبعد ما أرسلناك يا أكمل الرسل لترويج الحق وتقوية اهله لا تَطْرُدِ ولا تبعد من عندك الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ اى في جميع اوقات النهار وَالْعَشِيِّ اى في جميع اوقات الليل وبالجملة هم مستغرقون جميع أوقاتهم بالتوجه نحوه سبحانه ما يُرِيدُونَ وما يقصدون بتوجههم هذا غير ان يطالعوا وَجْهَهُ الكريم وبالجملة لا تطرد هؤلاء الكرام من عندك بسبب ميلك الى ايمان اهل البدع والأهواء ومصاحبتهم ومجالستهم مع انهم ليسوا من اهل الفلاح ولا قابلين له بالإرشاد والإصلاح بل ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ وايمانهم مِنْ شَيْءٍ يعود إليك نفعه وايضا وَما مِنْ حِسابِكَ وإيمانك عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ ينفعهم او يضرهم بل كل منك ومنهم مجزى بما عمل مسئول محاسب عما فعل مالك فَتَطْرُدَهُمْ اى هؤلاء المؤمنين المريدين وجه الله في عموم أوقاتهم وحالاتهم سيما لأجل أولئك الحمقاء المنهمكين في الغي والضلال فَتَكُونَ أنت بواسطة طردهم وتبعيدهم مِنَ الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضى العقل والشرع والمروة بالمرة روى ان قريشا قالوا لو طردت يا محمد هؤلاء السفلة أرادوا عمارا وصهيبا وسلمان وغيرهم من ضعفاء الأصحاب قد جلسنا إليك وحادثنا معك فقال ﵇ ما انا بطارد المؤمنين قالوا فاقمهم عن مجلسنا حين جلسنا معك. قال له عمر رضى الله عنه لو فعلت حتى ننظر الى ماذا يصيرون فقبل ﵇ قالوا فاكتب بذلك كتابا فدعا بالصحيفة وبعلى ليكتب فنزلت اى الآية فالقى ﵇ الصحيفة من يد وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ اى مثل ما فتنا بعض الناس ببعض في الأمور المتعلقة بمعاش الدنيا من المال والجاه والرياسة فتناهم في امور دينهم ايضا لِيَقُولُوا من غاية استبعادهم واستحقارهم أَهؤُلاءِ الضعفاء الفقراء الأراذل قد مَنَّ اللَّهُ المنعم المفضل عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا قال سبحانه توبيخا وتقريعا لهم بل هم أولئك الفقراء الصابرون على بلاء الله الشاكرون لنعمائه أَلَيْسَ اللَّهُ العالم بضمائر عباده بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ الصابرين منهم ومنكم ايها الشرفا الكافرون لنعمه وَإِذا جاءَكَ يا أكمل الرسل اى المؤمنون الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا ويمتثلون بها بالغداة والعشى وهم يريدون وجهنا فَقُلْ لهم قبل تسليمهم سَلامٌ عَلَيْكُمْ ايها المقبولون عند الله الراضون المرضيون ثم بشرهم بأنه قد كَتَبَ اى قضى وأوجب رَبُّكُمْ لاجلكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ والشفقة والمرحمة الى حيث أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً به يسيء نفسه عند الله مع كونه صادرا عنه تلك المساءة بِجَهالَةٍ لا عن قصد وإصرار ثُمَّ بعد ما علم وخامة عاقبته تابَ مِنْ بَعْدِهِ واستغفر ربه منيبا اليه وَأَصْلَحَ بالتوبة ما أفسد بالجهالة فَأَنَّهُ سبحانه غَفُورٌ يستر تلك المعصية عنكم رَحِيمٌ يقبل توبتكم بسبب إخلاصكم فيها وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ ونوضح الْآياتِ ليظهر طريق الحق وَلِتَسْتَبِينَ وتتميز سَبِيلُ

стр. 220

الْمُجْرِمِينَ المنحرفين عن منهج الرشد ومسلك السداد وعن طريق اهل الحق قُلْ يا أكمل الرسل للمشركين الذين يعبدون آلهة غير الله إِنِّي نُهِيتُ وزجرت وصرفت بالدلائل القاطعة الدالة على توحيد الحق وكذا بالكشوف والمشاهدات الواردة الى من عنده سبحانه الصارفة عن الميل والتوجه الى الغير والسوى مطلقا أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ وتسمون أنتم ايها المسرفون المفرطون مِنْ دُونِ اللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد الهة باطلة باهويتكم الفاسدة قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ التي اخترعتموها أنتم من تلقاء انفسكم الهة وان اتبعت بمتابعتكم تلك التماثيل العاطلة قَدْ ضَلَلْتُ انا إِذاً مثل ما قد ضللتم أنتم وَبعد ما ضللت ما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ أصلا في شيء من الهداية كمثلكم قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ واضحة مِنْ معرفة رَبِّي وتوحيده وَأنتم قد كَذَّبْتُمْ بِهِ وبتوحيده وأشركتم له غيره واستوجبتم العقوبة العظيمة بشرككم ومع ذلك قد استهزأتم بي باستعجال العذاب مع انه ما عِنْدِي وليس بيدي وقبضة قدرتي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ من العذاب والنكال بل إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ الحكيم العليم وما الأمر الا له وبيده وتحت قبضة قدرته ومشيته هو يَقُصُّ الْحَقَّ ويحكم فيه وهو يدمغ الباطل ويدفعه وَبالجملة هُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ الحاكمين في عموم الوقائع والخطوب وجميع المصائب والملمات قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي وتحت قدرتي وبمقتضى مكنتى وطاقتي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ من نزول العذاب والعقاب لَقُضِيَ الْأَمْرُ اى لأهلككم اليوم بالمرة ولا رفع النزاع الواقع بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَلكن ليس لي هذه القدرة والمكنة بل اللَّهُ المطلع بسرائر عباده أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ المستوجبين للعذاب والنكال يأخذهم بظلمهم متى تعلقت ارادته وَكيف لا يعلم ولا يطلع سبحانه على سرائر الأمور ومخفياتها إذ عِنْدَهُ وتحته قدرته وارادته مَفاتِحُ مطلق الْغَيْبِ ومقاليد عموم السرائر والخفيات لا يَعْلَمُها ولا يعلم اوقات ظهورها من الغيب الى الشهادة إِلَّا هُوَ إذ هو المحيط بجميع ما كان وما يكون ازلا وابدا حيث لا يعزب عن حيطة حضرة علمه شيء ثم لما كانت الافهام قاصرة عن ادراك الغيب تنزل سبحانه عن تلك المرتبة الى ما هو اقرب الى الافهام فقال وَيَعْلَمُ بعلمه الحضوري عموم ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ من الكائنات والفاسدات وتنزل منها ايضا فقال وَما تَسْقُطُ وتهوى مِنْ وَرَقَةٍ من اغصان الشجر إِلَّا يَعْلَمُها كيف تنزل ومتى تنزل والى اين تنزل ولأي شيء تنزل وَلا حَبَّةٍ ساقطة فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ اى مكا منها ومطاويها الى ان تصل الى مرتبتها الاصلية التي كانت عليها قبل سقوطها وَبالجملة لا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ من الكوائن والفواسد إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ هو عبارة عن حضرة علمه الحضوري المتحد بعينه وذاته الظاهرة في نفسها المظهرة لنفسها بنفسها إذ لا هو الا هو ولا شيء سواه ليس مثله شيء ولا دونه حي وَكيف يخرج عن حيطة علمه شيء من الكائنات والفاسدات إذ هُوَ القادر المقتدر الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ اى يستر ويغيب استعداداتكم بِاللَّيْلِ اى في مقر البطون والغيب المطلق وَفي تلك المرتبة يَعْلَمُ بعلمه الحضوري عموم ما جَرَحْتُمْ اى كسبتم واكتسبتم باستعداداتكم الجبلية وقابلياتكم الفطرية بِالنَّهارِ اى في فضاء البروز وعالم الشهادة من المعارف والحقائق المقتضية الباعثة للظهور والإظهار لو ظهرتم ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ويظهركم في فضاء الظهور وعالم الشهادة لِيُقْضى ويتم أَجَلٌ مُسَمًّى مقدر عنده لاكتسابكم

стр. 221

واقترافكم وظهور ما في استعدادكم ثُمَّ بعد انقضاء الأجل المسمى إِلَيْهِ لا الى غيره مَرْجِعُكُمْ رجوع الظل الى ذي الظل ثُمَّ بعد رجوعكم اليه يُنَبِّئُكُمْ اى يخبركم ويجازيكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وتكسبون في نشأة ظهوركم وشهادتكم من الأعمال الصالحة للقبول والثواب والفاسدة المستوجبة للرد والعقاب وَبالجملة عليكم ايها الاظلال الهالكة والعكوس المستهلكة ان لا تغفلوا عن مقتضيات توحيد الله ولا تخرجوا عن امتثال أحكامه الجارية على السنة رسله إذ هُوَ الْقاهِرُ القادر المقتدر العزيز الغالب فَوْقَ عِبادِهِ الرقيب المحافظ المراقب عليهم يحفظهم عما لا يعنيهم وَمن جملة محافظته سبحانه انه يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً من الملائكة يكتبون ويجمعون عموم ما صدر عنكم حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ اى الوقت الذي قدر الله المدبر الحكيم لانقضاء الأجل المسمى عنده تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا اى قد وفى عليه حسابه الملائكة الموكلون منا وَهُمْ اى الرسل الأمناء الموكلون لا يُفَرِّطُونَ ولا يفرطون ايضا أصلا فيما صدر عنهم ثُمَّ بعد ما وفي الرسل حسابهم على الوجه الا عدل الا قوم رُدُّوا للجزاء إِلَى اللَّهِ المجازى الذي هو مَوْلاهُمُ الْحَقِّ العدل السوى القائم بالقسط العالم بجميع احوال عباده ليجازى كلا منهم على مقتضى علمه وخبرته أَلا لَهُ الْحُكْمُ والأمر والجزاء وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ لاعمال عباده بحيث لا يغيب عن حفظه وحسابه شيء منها قُلْ لهم يا أكمل الرسل مَنْ يُنَجِّيكُمْ ويخلصكم مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ اى من شدائدها وأهوالها حين تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً متضرعين مجاهرين وَخُفْيَةً مناجين مسرين قائلين لَئِنْ أَنْجانا بلطفك يا مولانا مِنْ هذِهِ الأهوال والمخاوف لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ لنعمك الصارفين لها الى مقتضى ما امرتنا به ورضيت عنا بصرفها قُلِ اللَّهُ المصلح لعموم أحوالكم يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَكذا مِنْ كُلِّ كَرْبٍ هم وغم قد الم بكم ثُمَّ بعد ما أنجاكم الله ايها المنهمكون في بحر الضلال أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ به سبحانه ما لا وجود له من العكوس والاظلال والتماثيل العاطلة وتكفرون بنعمة العقل المفاض من عنده لتتنبهوا به الى توحيده قُلْ هُوَ الْقادِرُ المقتدر عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً نازلا مِنْ فَوْقِكُمْ مثل الرعد والبرق والصواعق الكائنة في الجو أَوْ حادثا مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ مثل الزلزلة والغرق وغير ذلك أَوْ يَلْبِسَكُمْ ويخلط عليكم اهوائكم ويجعلكم شِيَعاً فرقا متخالفة متقابلة وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ بالقتل والسبي والاجلاء انْظُرْ ايها الرائي كَيْفَ نُصَرِّفُ نجدد ونكرر لهم الْآياتِ اى دلائل توحيدنا وشواهده لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ رجاء ان يتفطنوا الى سرائر توحيدنا وسريان هويتنا الذاتية في مظاهرنا ومع ذلك لم يتنبهوا وَمن عدم تنبههم وتفطنهم قد كَذَّبَ بِهِ اى بعموم ما جاء من عندنا إليك يا أكمل الرسل في الكتاب الجامع لفوائد جميع الكتب السالفة قَوْمُكَ يعنى قريشا خذلهم الله ونسبوا إلينا وإليك ما لا يليق بشأننا وشأنك وَالحال انه هُوَ الْحَقُّ المطابق للواقع نزوله منا إليك قُلْ لهم في مقابلة تكذيبهم لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ موكل لحفظكم حتى احفظكم عما يضركم بل ما على الا البلاغ والوقاية والحفظ بيد الله وفي قبضة قدرته واعلموا انه لِكُلِّ نَبَإٍ اى خبر وآيات نازلة من الله مُسْتَقَرٌّ مقر ومورد قرار وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ حين تقرره ونزوله في مورده في الدنيا والآخرة وَإِذا رَأَيْتَ أنت يا أكمل الرسل المسرفين الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا بالطعن والتكذيب فَأَعْرِضْ

стр. 222

عَنْهُمْ ولا تصاحبهم واخرج من بينهم حَتَّى لا تكون أنت سببا لاستهزائهم واستحقارهم وطعنهم ويَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ اى غير القدح والطعن فيه وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ الخروج من بينهم فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى والتذكر البتة مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ الطاعنين على الله المنزه في ذاته عن عموم النقائص بما لا يليق بجنابه وَان اتفق مجالسة المؤمنين معهم أحيانا ما يلزم ويعود عَلَى المؤمنين الَّذِينَ يَتَّقُونَ عن محارم الله مِنْ حِسابِهِمْ الذي هم يحاسبون عليه ويعاقبون لأجله مِنْ شَيْءٍ من الخطر والذلل وَلكِنْ ان اتفق جمعهم لزمهم ذِكْرى والموعظة الحسنة الناشئة من محض الحكمة إياهم لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ويحذرون عماهم عليه من الاستهزاء والتكذيب تأثرا واستحياء وَان لم يتأثروا ولم يستحيوا ذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ الذي يدعون الهداية بسببه اى اتركهم مع دينهم يلعبون به لَعِباً وَلَهْواً ويجعلونه ملعبا وملهى ليس لهم منه تأثر أصلا بل يجرونه على اللسان ويلقونه على طرف اللثام وَكيف يتأثرون منه ولا يلعبون معه مع انهم هم قد غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا بحيث عموا وصموا عن الأمور الاخروية بالمرة وَان أردت ان تذكر بالقرآن ذَكِّرْ بِهِ على من هو على خطر من الله مخافة أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ اى تسلمه وتوقعه النفس العاصية الى الهلاك الأبدي والبوار السرمدي بِما كَسَبَتْ له من العقائد الزائغة والمعاصي العائقة عن اقامة حدود الله إذ لَيْسَ لَها اى للنفس أية نفس كانت مِنْ دُونِ اللَّهِ المدبر المصلح وَلِيٌّ يولى أمرها وينقذها من العذاب وَلا شَفِيعٌ يشفع لها عند الله لتنجو من عذابه وَإِنْ تَعْدِلْ وتفد كُلَّ عَدْلٍ وكل ما يفدى به من امتعة الدنيا وزخارفها لا يُؤْخَذْ ولا يقبل شيء مِنْها اى من الفدية المفداة وبالجملة أُولئِكَ البعداء المطرودون عن روح الله هم الَّذِينَ أُبْسِلُوا وسلموا نفوسهم الى الهلاك بِما كَسَبُوا اى بشؤم ما اقترفت نفوسهم من المعاصي والآثام بحيث يعد ويهيأ لَهُمْ في الآخرة شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ يحرق بطونهم منه ومن مسرة المؤمنين فيها وَعَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم منه ومن رفعة مكانتهم عند الله كل ذلك بِما كانُوا يَكْفُرُونَ اى بسبب كفرهم وخروجهم عن حدود الله وان ادعى المشركون حقية دينهم ويدعوا المسلمين اليه قُلْ لهم يا أكمل الرسل تعليما لمن تبعك أَنَدْعُوا ونعبد مِنْ دُونِ اللَّهِ الخالق الرازق الفاعل المختار بالإرادة والاختيار ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا اى شيأ لا يقدر على جلب النفع ودفع الضر لنفسه فكيف لغيره وَبعبادة هؤلاء الهياكل لهلكى نُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا التي كنا عليه من الشرك والطغيان سيما بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ للطيف الحكيم بنور التوحيد والعرفان كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ اى كالشخص الذي ذهب بعقله اى قد خبلته الشَّياطِينُ والاغوال المضلة وطرحته فِي الْأَرْضِ اى المهاوى العميقة والمهامة البعيدة وصار بسبب هذا حَيْرانَ قلقا حائرا تائها هائما وقد كان لَهُ أَصْحابٌ ورفقة يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى اى الى الطريق السالم الواضح المستقيم صائحا عليه قائلا له ائْتِنا ايها التائه الحائر حتى تهتدى الى الطريق الأقوم ونحن على الجادة المستقيمة ولم يسمع كلامهم ولم يقبل قولهم بل اقتفى اثر الغول المغوى حتى يضل ويهلك قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ الهادي لعباده الى توحيده الذاتي هُوَ الْهُدى المقصور على الهداية الحقيقية الا وهو دين الإسلام المنزل على خير الأنام وَقد أُمِرْنا من عنده سبحانه حسب هدايته وإرشاده إيانا لِنُسْلِمَ

стр. 223

ونفوض جميع أمورنا لِرَبِّ الْعالَمِينَ إذ هو المستقل بتربية عموم مظاهره بحيث لا يجرى في ملكه الا ما يشاء وَقد أمرنا ايضا من عنده سبحانه أَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ واديموا الميل والتقرب نحوه وَاتَّقُوهُ واحذروا من سخطه وغضبه بارتكاب منهياته وَاعلموا انه سبحانه هُوَ الموجد المظهر الَّذِي إِلَيْهِ لا الى غيره من وسائل الاظلال والعكوس تُحْشَرُونَ وترجعون وَكيف لا هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ اى أوجدهما واظهرهما من كتم العدم ملتبسا بِالْحَقِّ على مقتضى الحكمة المتقنة التي ما ترى فيها من فطور وفتور وَذلك يَوْمَ يَقُولُ بعد تعلق ارادته سبحانه ومشيئته بتكوينهما كُنْ فَيَكُونُ على الفور بلا تراخ ومهلة تنفيذا لسرعة نفوذ قضائه وبالجملة قَوْلُهُ سبحانه لاعدامهما ايضا في قيام الساعة الْحَقُّ المطابق للواقع بلا تخلف وَكيف يتصور التخلف في قوله سبحانه مع انه لَهُ الْمُلْكُ والملكوت كلها اصالة وله التصرف فيها بالاستقلال إيجادا واعداما ارادة واختيارا اذكر يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ لإعدام ما في الوجود وافنائه غيبا وشهادة إظهارا للقدرة الغالبة إذ هو عالِمُ الْغَيْبِ وجميع ما جرى ويجرى فيه وَكذا عالم الشَّهادَةِ وعموم ما ظهر ويظهر عليها ازلا وابدا وَهُوَ بذاته الْحَكِيمُ المتقن في إبداء عموم مظاهره من الغيب الْخَبِيرُ بجميع ما يترتب عليها في الشهادة بعد إعادتها وَاذكر يا أكمل الرسل لمن تبعك من المؤمنين وقت إِذْ قالَ جدك إِبْراهِيمُ الخليل الجليل حين استيقظ من منام الغفلة وانتبه من نعاس النسيان لِأَبِيهِ المسمى آزَرَ العابد للأصنام أَتَتَّخِذُ وتأخذ يا أبت أَصْناماً تنحتها أنت بيدك آلِهَةً مستحقة للعبادة قادرة للإيجاد والاعدام والله إِنِّي قد تنبهت وتفطنت من ان هؤلاء الهياكل الهلكى لا تليق بالالوهية والربوبية مطلقا إذ الإله لا بد وان يكون متصفا بعموم أوصاف الكمال بلا وصمة تغير وزوال وتوهم تحول وانتقال أَراكَ يا أبت وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وغواية عظيمة بعبادة هذه التماثيل العاطلة الباطلة واعتقادها معبودات حقة وَكَذلِكَ اى ومثل ما نوقظه من منام الغفلة في امر الأصنام نُرِي ايضا إِبْراهِيمَ الخليل الجليل مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى عجائبهما وغرائبهما المودعة فيهما ليتأمل فيهما ويتفكر في كيفية تدبيراتهما وتصريفاتهما حتى ينكشف بكمال قدرة مبدعهما وقوة مخترعهما وَلِيَكُونَ هو مِنَ الْمُوقِنِينَ المنكشفين بأمرها لا من المشطرين المترددين المتحذين بعضها آلهة كعبدة الكواكب والمجسمة وغيرها فَلَمَّا جَنَّ واظلم عَلَيْهِ اى على ابراهيم اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قد استنار بنوره وانكشف عنه الظلمة بسببه وظن ان انكشافه ذاتى مطلق دائم قالَ على مقتضى ظنه به هذا رَبِّي إذ هو نور يتجلى في الظلمة فيستحق الربوبية والعبودية فَلَمَّا أَفَلَ وغاب وانمحى قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فكيف اعبده وأخص العبادة له إذ الأفول والتغير انما هو من امارات الحدوث والحادث لا يستحق العبودية ولا يليق بالالوهية فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً مبتدأ في الطلوع منيرا له إشراقا واضاءة وانكشافا خيله انه هو سبحانه وحصره عليه لذلك قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ انمحق وانكسر قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي ولم ينكشف على امره لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ باعتقاد هذا البازغ الآفل الها واحدا أحدا فردا صمدا فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قاهرة لجميع الكواكب غالبة عليها مضيئة بنفسها مشرقة بحيث لا يتحقق انكشافها بسائر الكواكب أصلا بل وهي اى عموم

стр. 224

الكواكب قد انمحقت بها قالَ هذا رَبِّي إذ هو أتم انكشافا وأكمل اضاءة وانارة هذا أَكْبَرُ من الجميع فهي المستحق بالالوهية والربوبية فَلَمَّا أَفَلَتْ وتغيرت وانمحقت انكشف حينئذ الى نور لا افول له ولا تغير بل هو نور على نور يهد الله لنوره من يشاء قالَ يا قَوْمِ انى بعد ما كوشفت بنور الحق وعوينت بوجهه الكريم قد تحققت بتوحيده وتمكنت بمقر تجريده إِنِّي بَرِيءٌ جميع مِمَّا تُشْرِكُونَ أنتم به سبحانه من التماثيل الباطلة والاظلال الهالكة الآفلة إِنِّي بعد ما اجتهدت في طريق التوحيد وبذلت جهدي في مسالكه وَجَّهْتُ وَجْهِيَ اى وجه قلبي الذي هو يلي الحق نحوه سبحانه بتوفيق منه وجذب من جانبه وتوجهت لِلَّذِي فَطَرَ قدر واظهر بلا مادة ومدة السَّماواتِ وَالْأَرْضَ اى العالم العلوي والسفلى حَنِيفاً مائلا عن عموم الأديان الباطلة والآراء الفاسدة وَبعد ما تحققت بما تحققت ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ بحال من الأحوال بإثبات الوجود لغير الحق بل الوجود مطلقا منحصر به وما سواه انما هو اظلال أوصافه وعكوس تجلياته إذ لا اله الا هو كل شيء هالك الا وجهه له الحكم واليه ترجعون رجوع الظل الى ذي الظل وَحاجَّهُ قَوْمُهُ اى قد خاصموا معه في ادعائه التوحيد وعارضوه حيث قالوا أنترك ما يعبد آباؤنا بتسويلات نفسك يا ابراهيم قالَ أَتُحاجُّونِّي وتخاصمونى فِي اللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد وتجادلون أنتم معى في توحيده وتخوفوننى من هذه التماثيل الباطلة العاطلة وَالحال انه قَدْ هَدانِ الله بلطفه الى مقر توحيده ومكنني فيه وَبعد ما قد انكشفت بتوحيد الله وباستقلاله بالتصرف في عموم مظاهره لا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إذ لا نفع منه ولا ضر إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً مكروها يلحقني من جهته إذ هو ايضا بمشيته وهو من جملة مظاهره وهو سبحانه اعلم به إذ قد وَسِعَ وأحاط رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ وتتفكرون لتميزوا بين المظهر والظاهر والعاجز والقادر وَكَيْفَ أَخافُ انا من ما أَشْرَكْتُمْ مع انه لا ضرر يتوقع منه وَلا تَخافُونَ أنتم من غضب الله المنتقم الغيور مع أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ المتوحد بالالوهية المنزه في ذاته عن الشريك والنظير ما لَمْ يُنَزِّلْ الله بِهِ اى بشركته وألوهيته عَلَيْكُمْ سُلْطاناً اى حجة وبرهانا وبالجملة فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ اى الموحدون او المشركون أَحَقُّ بِالْأَمْنِ وأليق بالقبول بينوا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ اى من ذوى العلوم والعقول. ثم قال سبحانه الَّذِينَ آمَنُوا بوحدة الحق وَبعد ما آمنوا لَمْ يَلْبِسُوا ولم يخلطوا ولم يستروا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ وخروج عن مقتضى الايمان والتوحيد أُولئِكَ السعداء المقبولون عند الله لَهُمُ الْأَمْنُ في مأمن الوحدة وَهُمْ مُهْتَدُونَ مقصورون على الهداية والتوحيد لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وَتِلْكَ القصة التي سمعت يا أكمل الرسل حُجَّتُنا ودليل وحدتنا قد آتَيْناها إِبْراهِيمَ امتنانا له وإرشادا ليغلب بها عَلى قَوْمِهِ ومن سننا القديمة انا نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ من عبادنا في العلم والحكمة والإيقان والمعرفة إِنَّ رَبَّكَ ايها المظهر الجامع للحق حَكِيمٌ في رفع درجات بعض عباده عَلِيمٌ باستعداداتهم وقابلياتهم وَمن جملة تعظيمنا لإبراهيم ﵇ ورفعنا له درجته انا قد وَهَبْنا لَهُ من محض فضلنا وجودنا إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا اى هدينا كلا منهما الى توحيدنا وَكذلك نُوحاً هو جد ابراهيم قد هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ فيكون ابراهيم ﵇ وارثا لهداية نوح ومورثا لهداية اسحق ويعقوب وهو من أعظم النعم والهداية أكرم الكرم والعناية وَ

стр. 225

كذا قد هدينا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ اى ذرية ابراهيم داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ اى مثل جزاء هؤلاء الأنبياء المذكورين نَجْزِي عموم الْمُحْسِنِينَ مع الله المتشوقين بشرف لقائه وَقد هدينا ايضا زَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ منهم مِنَ الصَّالِحِينَ لعناية الله وهدايته وَايضا قد هدينا من ذرية ابراهيم إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَبالجملة كلًّا من هؤلاء المذكورين قد فَضَّلْنا بالحكمة والنبوة عَلَى الْعالَمِينَ اى على عموم الناس الموجودين في زمانهم وَكذلك مِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ ممن لم يبلغ منهم مرتبة النبوة والحكمة فضلناهم بأنواع النعم وَاجْتَبَيْناهُمْ وانتخبناهم من بين الناس بأصناف الكرم وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ موصل الى توحيدنا ذلِكَ اى سبب تقرب هؤلاء الأمناء الكرام هُدَى اللَّهِ اى محض هدايته وعنايته تفضلا عليهم وامتنانا يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ارادة واختيارا وَالله لَوْ أَشْرَكُوا بالله هؤلاء المهتدون المهديون بان اثبتوا الوجود والتحقق لغيره لَحَبِطَ اى ضاع واضمحل عَنْهُمْ ثواب ما كانُوا يَعْمَلُونَ مدة اعمارهم من الخيرات والمبرات وكانوا في حبوط أعمالهم كسائر المشركين. نعتصم بك من إنزال قهرك يا ذا القوة المتين أُولئِكَ السعداء الأمناء الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ الجامع المبين لهم طريق تهذيب الظاهر والباطن وَالْحُكْمَ الفارق بين الحق والباطل في الوقائع على مقتضى الحكمة الإلهية وَالنُّبُوَّةَ المقتضية لاهتداء التائهين في بيداء الغفلة والضلال الى طريق التوحيد فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ المضلون الضالون عن طريق الحق يعنى قريشا خذلهم الله فَقَدْ وَكَّلْنا بِها وبمراعاتها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ من اهل العناية والتوفيق أُولئِكَ المذكورون من الأنبياء هم الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ الهادي إياهم الى توحيده تفضلا عليهم فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ إذ مقصد اهل التوحيد واحد وان كانت الطرق مختلفة متفاوتة قُلْ يا أكمل الرسل لعموم من بعثت اليه كلاما صادرا عن محض الحكمة إشفاقا لهم لا أَسْئَلُكُمْ ولا أطمع منكم عَلَيْهِ اى على تبيين طريق التوحيد وتبليغ أوامر الحق ونواهيه أَجْراً جعلا إِنْ هُوَ وما الغرض من التبيين والتبليغ إِلَّا ذِكْرى وموعظة لِلْعالَمِينَ كي يتنبهوا على مبدأهم ومعادهم وما جبلوا وخلقوا لأجله وَالقوم الذين أنكروا بعثتك وكذبوا موعظتك يا أكمل الرسل ما قَدَرُوا اللَّهَ المتعزز برداء العظمة والكبرياء حَقَّ قَدْرِهِ ولا قدر حقيته وما عرفوا ظهوره في الآفاق والأنفس واستقلاله بالتصرف فيها إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ الحكيم عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ لهم يا أكمل الرسل تبكيتا وإلزاما مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ اى التورية الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى من عند ربه ومن جعله نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ يستنيرون ويستكشفون منه ويهتدون به الى توحيد الله مع انكم تَجْعَلُونَهُ بأيديكم قَراطِيسَ وقد كانت ألواحا تُبْدُونَها وتظهرون منها ما يصلح لكم ويعين على مدعاكم وَتُخْفُونَ كَثِيراً مما لا يصلح لكم عنادا ومكابرة وَكيف تنكرون انزاله إذ عُلِّمْتُمْ منه ما لَمْ تَعْلَمُوا لا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ من الأمور المتعلقة بالظاهر والباطن قُلْ يا أكمل الرسل في الجواب بعد ما بهتوا اللَّهَ إذ هو المتعين للجواب ولا شيء غيره ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ مع أباطيلهم واراجيفهم يَلْعَبُونَ ويترددون وفي سكرتهم يعمهون فما بقي عليك شيء بعد ما بلغت رسالتك. ثم قال سبحانه وَهذا كِتابٌ جامع لعموم

стр. 226

ما في الكتب السالفة من الفوائد على ابلغ وجه وآكده مع زيادات شريفة قد أَنْزَلْناهُ إليك يا أكمل الرسل مُبارَكٌ كثير الخير والبركة لك ولمن تبعك مُصَدِّقُ للكتاب الَّذِي أحكامه بَيْنَ يَدَيْهِ اى التورية والإنجيل وجميع الكتب والصحف النازلة من عند الله وَانما أنزلناه إليك لِتُنْذِرَ به أنت أُمَّ الْقُرى اى اهل مكة وَمَنْ حَوْلَها اى جميع اقطار الأرض وأرجائها إذ قد دحيت الأرض من تحتها على ما قيل لذلك صارت قبلة لجميع اهل الأرض وفرض حجها وطوافها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ من اهل الكتاب يُؤْمِنُونَ بِهِ اى بالقرآن ايضا وَسبب ايمانهم به انهم هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ اى يراقبون ويداومون على الميل والتوجه نحو الحق مؤمنين بجميع شئونه وتجلياته ومن جملتها بل من أجلتها إنزال القرآن البالغ أعلى درجات اليقين في تبيين احوال النشأة الاولى والاخرى إذ هو منتخب منهما مخبر عنهما على وجه يعجز عنه عموم ارباب اللسان والبيان من البشر ومن له ادنى مسكة من ذوى العقول لا بد ان يؤمن به وبإعجازه الا من أضله الله وختم على قلبه وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بان قال بعثني الله نبيا كمسيلمة والأسود العنسي أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ كعبد الله بن ابى سرح وَمَنْ قالَ من كفار قريش سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ ولو نشاء لقلنا مثل هذا وَلَوْ تَرى ايها المعتبر الرائي إِذِ الظَّالِمُونَ المفترون على الله المكذبون لكتبه ورسله مغمورون فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وسكراته وأهواله وَالْمَلائِكَةُ قائمون مسلطون عليهم باسِطُوا أَيْدِيهِمْ كالمتقاضي قائلين لهم أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ وأرواحكم ايها المفترون الكاذبون بأيديكم حتى تخلصوا عن أيدينا واعلموا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ اى المشتمل على انواع الهوان والمذلة بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَقد كُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ عتوا وعنادا وَالآن لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى عارين منفردين عما استكبرتم به من المال والجاه والثروة والرياسة كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ عارين عن جميعها وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وما تفضلنا وابتليناكم به في النشأة الاولى ليكون سبب بطركم وخيلائكم وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَايضا ما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ معبوداتكم الَّذِينَ قد زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ اى في ايجادكم واظهاركم شُرَكاءُ معنا الآن لَقَدْ تَقَطَّعَ وانفصل بَيْنَكُمْ وبينهم وَضَلَّ اى قد غاب وخفى عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ انها شفعاؤكم ينقذونكم من عذاب الله قل يا أكمل الرسل للمنكرين للبعث والحشر المستبعدين المستحيلين احياء الأموات من العظام الرفات إِنَّ اللَّهَ القادر المقتدر على عموم ما أراد وشاء فالِقُ الْحَبِّ بالنبات وَفالق النَّوى بالشجرة وبفلقه وشقه وبكمال حكمه وحكمته يُخْرِجُ الْحَيَّ اى الحيوان والنبات مِنَ الْمَيِّتِ اى الحبة والنطفة وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ اى الحبة والنطفة مِنَ الْحَيِّ اى الحيوان والنبات ذلِكُمُ اللَّهُ المحي المميت الحي القيوم المستحق للالوهية والربوبية والمعبودية فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ وتصرفون عنه الى غيره من الاظلال الباطلة ايها الحمقى العمي الآفكون وكيف تصرفون عنه مع انه هو بكمال قدرته وقوته فالِقُ الْإِصْباحِ وشاق ظلام الليل يفلج الصبح لتكسبوا فيها اقواتكم ومعاشكم ايضا وَقد جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً لتستريحوا فيها من تعب الكد وهما من أقوى اسباب حياتكم وَايضا قد جعل لكم ولمعاشكم الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذواتي أدوار واطوار مختلفة وأوضاع متفاوتة شتاء وصيفا ربيعا وخريفا تتميما لأرزاقكم

стр. 227

واقواتكم وذلِكَ التدوير والتدبير كله تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ القادر الغالب على عموم صور التداوير والتدابير الْعَلِيمِ الحكيم في وضع هذا التدوير المخصوص المتعارف النافع لمعاش عباده وَكيف تصرفون عنه سبحانه مع انه هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ولتدبير مصالحكم النُّجُومَ الزاهرات مرتكزة في السموات لِتَهْتَدُوا بِها وتوصلوا بهدايتها الى مطالبكم حين كنتم تائهين ضالين فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ اى في مفاوزه وبيادره وَالْبَحْرِ اى لججه واغواره وبالجملة قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ الدالة على توحيدنا واستقلالنا في التصرفات والتدبيرات الواردة في عالم الكون والفساد لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ يستدلون وينتفعون بها ويتنبهون الى وحدة موجدها ومصرفها وَايضا كيف يصرفون عنه سبحانه مع انه هُوَ القادر المقتدر الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وأظهركم بالتجلى الحبى مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ هي طبيعة العدم فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ اى قد قدر لكم أطوارا مختلفة وشئونا شتى متفاوتة لبعض قرار واستقرار ولبعض استيداع واستتار تتبدلون وتتحولون من حال الى حال على مقتضى تطوراتها وتجلياتها قَدْ فَصَّلْنَا وأوضحنا الْآياتِ الدالة على ان لا وجود لغيرنا من الاظلال ولا قرار ولا مدار لها أصلا لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ يتأملون ويتدبرون لينكشفوا بكيفية سريان الهوية الإلهية في صفحات المظاهر الكونية والكيانية وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ جانب السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ اى بالماء التفت سبحانه لئلا يتوهم اسناد الإخراج الى الماء نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ يعنى ينبت كل صنف من أوصاف النباتات فَأَخْرَجْنا مِنْهُ اى من النبات خَضِراً وهو الساق نُخْرِجُ مِنْهُ اى من الخضر حَبًّا مُتَراكِباً وهو السنبلة وَأخرجنا ايضا مِنَ النَّخْلِ طلعها وقد ظهر مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ عنقود دانِيَةٌ قريبة للمتناول كثيرة وافرة ملتفة بعضها ببعض وَايضا قد أخرجنا وأظهرنا بالماء جَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَكذا قد أخرجنا به الزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ من أشجارها مُشْتَبِهاً بعضها ببعض وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ يعنى أنواعا مختلفة وأصنافا متفاوتة انْظُرُوا ايها الناظرون إِلى ثَمَرِهِ اى ثمر كل من المذكورات إِذا أَثْمَرَ اى حين خرج أولا صغيرا بلا لذة وانتفاع وَانظروا الى يَنْعِهِ نضجه وصلاحه ونفعه وكبره يوما فيوما ثم اعتبروا يا اولى الباب منها إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ اى دلائل واضحات على وجود الفاعل المختار الحكيم المتقن في فعله بلا مشاركة احد وممانعة ضد وند العليم الخبير بتطوراتها وتبدلاتها من حال الى حال متدرجا من كمال الى أكمل المربى لكل منها بما يناسبها ويلائمها على وجه الاعتدال الى ان يعود الى ما بدا لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ويوقنون بوحدة ذاته وكمالات أسمائه وصفاته وَمع عجائب صنع هذا الصانع القديم وبدائع حكم هذا العليم الحكيم قد جَعَلُوا من غاية جهلهم ونهاية غفلتهم واثبتوا لِلَّهِ المتوحد في ذاته المنزه عن الشركة مطلقا شُرَكاءَ خصوصا الْجِنَّ الشياطين فيعبدونهم كعبادة الله ويمتثلون أوامرهم كاوامر الله وَالحال انهم عالمون بان الله خَلَقَهُمْ ومعبوداتهم وَمن جملة شركهم انهم خَرَقُوا لَهُ سبحانه اى اثبتوا له خرقا لعادة الله وسنته افتراء ومراء بَنِينَ كما قالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله وَبَناتٍ كما قالت العرب الملائكة بنات الله كل ذلك مختلق صادر منهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ومعرفة بذات الصمد المنزه عن الأهل والولد سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ هؤلاء الظالمون المفرطون المفرطون إذ هو سبحانه بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى مبدعهما ومظهرهما

стр. 228

من كتم العدم بلا سبق مادة ومدة وزواج وازدواج بل بالتجلى عليهما ومد الظل إليهما أَنَّى من اين يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وليس غيره احد وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ والولد انما يتصور بين المتجانسين وَهو سبحانه قد خَلَقَ اى أوجد واظهر كُلَّ شَيْءٍ بامتداد اظلال أوصافه الذاتية وعكوس شئونه الغيبية وتجلياته الحبية وعكوس شئونه العينية وَهُوَ بذاته بِكُلِّ شَيْءٍ مما ظهر من تجليات صفاته عَلِيمٌ لا يخفى عليه شيء ذلِكُمُ اللَّهُ اى الظاهر المكشوف بحسب الذات الاحدية الموصوفة بالصفات الازلية الابدية السرمدية المتجلى بالتجليات اللطفية والقهرية رَبُّكُمْ موجدكم ومربيكم ايها الاظلال الهالكة والعكوس المستهلكة الباطلة لا إِلهَ ولا موجود إِلَّا هُوَ بذاته الوحدانية وهو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ إذ كل ما ظهر وبدا انما هو من اظلال أسمائه وعكوس صفاته فَاعْبُدُوهُ إذ هو المستحق للعبادة والرجوع اليه لا غير وفوضوا أموركم كلها اليه وَكيف لا تفوضونها اليه مع انه هُوَ بذاته وأوصافه وأسمائه عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الكوائن والفواسد الحادثة في مظاهره وَكِيلٌ كفيل يوليها ويصرفها كيف يشاء حسب قدرته وارادته بالاختيار والاستقلال وان كان لا تُدْرِكُهُ من غاية ظهوره وجلائه الْأَبْصارُ القاهرة عن ابصار انواره الباهرة وَكيف تدركه الأبصار إذ هُوَ بذاته يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ويبصرها ومبصر الأبصار لا يبصره الأبصار إذ هو سبحانه من غاية لطافته عين نور العين والعين لا تدرك نورها الذي به ابصارها وَكيف يدرك ويبصر سبحانه إذ هُوَ اللَّطِيفُ الدقيق الرقيق المنزه المتعالي عن المحاذاة والمقابلة والانطباع والانتقاش والمحاكاة مطلقا الْخَبِيرُ هو بخصوصه وانفراده عن عموم الاخبار الكائنة كيف يخبر عنه وبالجملة ما يرى الله الا الله وما يخبر عنه الا هو وما يطلع عليه سواه كل شيء هالك الا وجهه له الحكم واليه ترجعون رجوع الظل الى ذي الظل قَدْ جاءَكُمْ وحصل عندكم ولاح دونكم ايها المجبولون على فطرة التوحيد بَصائِرُ كواشف وشواهد ناشئة مِنْ رَبِّكُمْ الذي أوجدكم وأظهركم عليها ورباكم بها ولها فَمَنْ أَبْصَرَ اى شهد وانكشف بها فَلِنَفْسِهِ اى عاد نفعه إليها وَمَنْ عَمِيَ واحتجب ايضا فَعَلَيْها عائد وبالها وَبالجملة ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ رقيب مصرف بل منبه مبلغ والوقاية بيد الله والتصرف تحت قدرته وارادته يهدى من يشاء ويضل من يشاء حسب اختياره. ثم قال سبحانه وَكَذلِكَ اى ومثل ذلك المذكور نُصَرِّفُ ونكرر الْآياتِ الدالة على توحيدنا مرارا ونقررها كذلك تكرارا رجاء ان يتنبهوا بها فلم يتنبه منهم الا قليل بل اقل من القليل وغاية أمرهم ونهاية قدحهم وطعنهم في كتابك يا أكمل الرسل ان يصرفوا ضعفاء العوام عنك وعن قبول كتابك وَلِيَقُولُوا لك وفي حقك عند من آمن بك انك قد دَرَسْتَ وتعلمت هذه الأساطير الكاذبة القديمة من اهل الكذب فعليك ان لا تبالي بهم وبقولهم هذا وَبالجملة ما نصرفها ونكررها الا لِنُبَيِّنَهُ ونوضحه اى التوحيد الذاتي المدلول عليه بتصريف الآيات والدلائل لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ويستدلون بالدلائل القاطعة والبراهين الساطعة على وحدة الصانع الحكيم القادر العليم فخروج العوام وانصرافهم لا يخل بهذا المرام وان انصرفوا عنك ولم يقبلوا منك ما جئت به من الآيات دعهم وحالهم اتَّبِعْ أنت بنفسك عموم ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ دلائل توحيد رَبِّكَ واستيقن بانه لا إِلهَ ولا موجود إِلَّا هُوَ بذاته وأسمائه وصفاته بالاستقلال والانفراد وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ واتركهم مع شركهم بعد ما تحققت وتمكنت

стр. 229

أنت في مقر عز التوحيد وَلَوْ شاءَ اللَّهُ الهادي لعباده عدم اشراكهم ما أَشْرَكُوا وَبالجملة ما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً مصرفا عنهم عموم ما لا يعنيهم بل ما جعلناك الا هاديا لهم مبلغا إياهم امارات الهداية وآيات السعادة وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ كفيل تقوم أنت بأمرهم وتشفع لهم وتتعب نفسك في إصلاحهم وصلاحهم ثم قال سبحانه وَلا تَسُبُّوا اى لا تذكروا بالمساوى والمقابح ايها المؤمنون الموحدون الَّذِينَ يَدْعُونَ ويعبدون اى المشركون مِنْ دُونِ اللَّهِ الواحد الأحد الصمد الفرد الوتر الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد يعنى أصنامهم وآلهتهم إذ هم من جملة المجالى والمظاهر لله مع انكم ان تسبوهم وآلهتهم فَيَسُبُّوا اللَّهَ ايضا من غاية جهلهم وحميتهم الجاهلية فأنتم حينئذ تكونون سببا لسب الله فيكون سبكم وتسببكم هذا عَدْواً تجاوزا وعدولا عن الحق الى الباطل بِغَيْرِ عِلْمٍ بعاقبته ومآله وبالجملة كَذلِكَ اى مثل تزييننا لكم دينكم وإلهكم وعملكم ايها المؤمنون قد زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ من الأمم عَمَلَهُمْ والهم سواء كان حقا او باطلا إذ كل حزب بما لديهم فرحون وكل يعمل على شاكلته ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ اى يجازيهم على مقتضى ما عملوا من خير وشر وايمان وكفر وَمن شدة نفاقهم واستهزائهم معك يا أكمل الرسل وتهكمهم بما جئت به من الآيات قد أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ اى مغلظين فيها مؤكدين لها تهكما والله لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ من مقترحاتهم لَيُؤْمِنُنَّ بِها اى بالآيات كلها البتة وبك ايضا قُلْ لهم يا أكمل الرسل كلاما خاليا من وصمة الكذب ناشئا عن محض الحكمة إِنَّمَا الْآياتُ كلها لله ونزولها وانزالها عِنْدَ اللَّهِ المتعزز برداء العظمة والكبرياء وبقبضة قدرته وليس في وسعى وطاقتي شيء منها ومن لوازمها وَما يُشْعِرُكُمْ ويظهر لكم ايها المؤمنون الطالبون لإيمان هؤلاء الكفرة مع انكم لو تأملتم أنتم في شأنهم وظاهر حالهم لتفرستم أنتم بسيماهم ومن ظاهر حالهم بنور الايمان أَنَّها إِذا جاءَتْ إياهم ونزلت جميع مقترحاتهم لا يُؤْمِنُونَ بها البتة إذ قد طبع الله على قلوبهم بالكفر والنفاق وَكيف يؤمنون بها مع انا نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ عن الميل نحو الحق مطلقا وَأَبْصارَهُمْ عن احساس شواهده وعلاماته وبالجملة هم لا يؤمنون بمطلق الآيات المقترحة النازلة أصلا كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ اى بعموم ما جاء من الحق أَوَّلَ مَرَّةٍ قبل اقتراحهم إذ لا تفاوت بين حقية الآيات سواء كانت مقترحة أم لا وَبالجملة نَذَرُهُمْ نمهلهم وندعهم فِي طُغْيانِهِمْ وعدوانهم المتجاوز عن الحد يَعْمَهُونَ يتحيرون ويترددون الى ان نأخذهم وننتقم عنهم وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ كما اقترحوا وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى ببعثهم من قبورهم واوصوهم بالإيمان وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا اى جمعنا كل شيء عليهم وجعلناهم كفلاء لهم ليرشدوهم بأجمعهم الى الايمان ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا من خباثة بواطنهم وقساوة قلوبهم إذ قد ختم الله المقتدر الحكيم على قلوبهم بالكفر في سابق علمه إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ العليم الحكيم ايمانهم وقد كتبهم في لوح قضائه من المؤمنين وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ اى اكثر الناس يَجْهَلُونَ قضاء الله ومشيئته فيتمنون ايمانهم وَكَذلِكَ اى مثل ما جعلنا لك يا أكمل الرسل عدوا يعاديك قد جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ من الأنبياء الماضين عَدُوًّا كذلك يعاديهم ويخاصمهم ويريد مقتهم وهلاكهم كمثل عدوك يعنى شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ بالمظاهرة والمعاونة بحيث يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ اى اباطيله واراجيفه غُرُوراً وتغريرا لضعفاء الأنام حتى يقدموهم على مخاصمة الأنبياء ومعاداتهم

стр. 230

ويظهروهم على الأنبياء بأنواع التغرير والتلبيس وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ايمانهم ما فَعَلُوهُ اى هذا الغرور يعنى ما قالوا هذا القول الزور المزخرف المموه وبالجملة فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ اى اتركهم مع كفرهم وفريتهم على الله بما لا يليق بشأنه وزخرفتهم وتلبيسهم فيه وَما ذلك الغرور والزخرفة الا لِتَصْغى تميل وتركن إِلَيْهِ اى الى غرورهم وافترائهم وتتوجه نحوه أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ اى ليرضي كل منهم أنفسهم عما يزخرفون به لذلك الغرض الفاسد لكون جبلتهم عليه وَلِيَقْتَرِفُوا ويكتسبوا بسببه ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ مكتسبون من العقائد الرائغة المورثة لهم اصناف الآثام المثمرة إياهم انواع العذاب والآلام قل لهم يا أكمل الرسل ان أرادوا ان يتحاكموا ويتصالحوا معك بعد ما ظهر لك ولاح عندك تلبيسهم وتغريرهم إنكارا عليهم وتقريعا أَفَغَيْرَ اللَّهِ المستقل بالحكم المبرم والتصرف المحكم أَبْتَغِي واطلب حَكَماً وحاكما عادلا يفصل بيني وبينكم ايها المعاندون المكابرون وَالحال انه سبحانه هُوَ العليم الحكيم الَّذِي قد أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ اى القرآن الفرقان مُفَصَّلًا مبينا واضحا مستغنيا عن التحاكم والترافع مطلقا وَبالجملة المكابرون المعاندون الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ اى علمه ان أنصفوا في أنفسهم ولم يعاندوا يَعْلَمُونَ يقينا بشهادة كتبهم أَنَّهُ اى القرآن مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ السوى بلا ميل وانحراف الى الباطل أصلا فَلا تَكُونَنَّ أنت يا أكمل الرسل مِنَ الْمُمْتَرِينَ الشاكين المترددين في انهم عالمون بحقية القرآن وموافقته لكتبهم الا انهم يكابرون في تحريف كتبهم ويعاندون بادعاء تكذيب القرآن ظلما وزورا وَبالجملة تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ اى قد انتهت وتناهت وبلغت الغاية القصوى ببيان كلمة التوحيد برسالتك يا أكمل الرسل اى قد ظهرت أنت في تبيينها وكشفها بما لم يظهر به احد من الأنبياء إذ الأنبياء انما ظهروا بتوحيد الصفات والأفعال دون توحيد الذات وأنت قد ظهرت به ولهذا ورد في شأنك من يطع الرسول فقد أطاع الله وان الذين يبايعونك انما يبايعون الله وقلت أنت بمقتضى وجدك ووجدانك وكشفك وشهودك من رآني فقد رآني فان الشيطان لا يتمثل بي وايضا قلت رأيت ربي في ليلة المعراج وغير ذلك من الآثار والاخبار الدالة على التوحيد الذاتي لذلك قلت أوتيت جوامع الكلم وبعثت لأتمم مكارم الأخلاق صِدْقاً وَعَدْلًا بلا كذب وعدم مطابقة في الاخبار والمواعيد وبلا ميل وانحراف في الاقصية والاحكام ومتى تمت كلمة ربك كذلك وبلغت غايتها فاعلم يا أكمل الرسل انه لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ سبحانه هذه ولا محول لها أصلا لذلك قد ختم ببعثتك ورسالتك امر النبوة والرسالة وسد باب الوحى والنزول وصرت أنت خاتم النبيين وختم المرسلين وَحينئذ ظهر انه سبحانه هُوَ السَّمِيعُ بعموم أقواله الْعَلِيمُ بجميع شئونه وتجلياته الى ما شاء الله لا حول ولا قوة الا بالله وَمتى تحققت يا أكمل الرسل بمرتبة الكشف والشهود وتمكنت في المقام المحمود إِنْ تُطِعْ وتتفق أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ من اهل البدع والأهواء يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ المتوحد بالذات والصفات والأسماء إِنْ يَتَّبِعُونَ يعنى هم من غاية انهماكهم في الغفلة عن الله ما يتبعون ويتفقون إِلَّا الظَّنَّ الفاسد والوهم المزخرف الكاسد ولا شك ان الظن لا يغنى من الحق شيأ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ اى ما هم في ظنونهم وجهالاتهم الكاذبة واوهامهم الباطلة وخيالاتهم العاطلة سيما في الاعتقادات والاحكام الدينية الا انهم يخلطون ويزورون ويلبسون على أنفسهم واتباعهم حسدا وعنادا وبالجملة إِنَّ رَبَّكَ

стр. 231

يا أكمل الرسل هُوَ أَعْلَمُ بعلمه الحضوري مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ من اصحاب التخمين والتقليد وَايضا هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ من ارباب المكاشفة والشهود فلا يفيد تغريرهم واضلالهم شيأ يعتد به وإذا علمتم ايها المؤمنون ان الهداية والضلال انما هو بيد الله الكبير المتعال وبمقتضى ارادته واختياره لا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا بتحريم المباح وتحليل الشبهات والحرام فَكُلُوا حسب ما قد أباح الله عليكم من الأزواج الثمانية وما يشابهها من الوحوش مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ عند تذكيته وذبحه مبيحين محللين على انفسكم إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ وباحكامه مصدقين موقنين وَما لَكُمْ واى شيء عرض لكم أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَالحال انه قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ربكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ في دينكم وكتابكم هذا في قوله حرمت عليكم الميتة والدم الآية فعليكم ان لا تأكلوا من المحرمات إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ فحينئذ يباح لكم منها مقدار سد جوعة وَإِنَّ كَثِيراً من الناس لَيُضِلُّونَ بأنفسهم ويضلون غيرهم من الضعفاء بتحليل المحرمات وتحريم المباحات بلا سند شرعي بل بِأَهْوائِهِمْ الباطلة بِغَيْرِ عِلْمٍ لهم بما عند الله ولا تتبعوهم ولا تقتفوا أثرهم إِنَّ رَبَّكَ يا أكمل الرسل هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ المتجاوزين عن حدود الله بمتابعة اهوائهم الفاسدة وآرائهم الباطلة فيجازيهم الله المنتقم الغيور على مقتضى علمه وَذَرُوا ايها المؤمنون واتركوا بالإخلاص والندامة المؤكدة ظاهِرَ الْإِثْمِ اى الاقدام عليه والاتصاف به وَباطِنَهُ اى اخطاره واجراءه على القلب ايضا إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ ويميلون اليه متلذذين سَيُجْزَوْنَ في النشأة الاخرى بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ ويكسبون وبمقدار ما يتلذذون به وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ حين ذبحه وَإِنَّهُ اى أكلكم منه لَفِسْقٌ خروج عن حكم الله بمتابعة اهل البدع والأهواء الضالين عن طريق الحق بوسوسة الشياطين وَلا تغفلوا عن وسوستهم بحال من الأحوال إِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ يلقون ويوسوسون دائما إِلى أَوْلِيائِهِمْ من اهل الأهواء لِيُجادِلُوكُمْ ويزوروا عليكم ايها المؤمنون حتى يضلوكم عن منهج الحق سيما في المآكل والمشارب وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ايضا لان من أطاع غير الله سيما في معصيته فقد أشرك به العياذ بالله أَوَمَنْ كانَ منكم ايها المكلفون مَيْتاً بالجهل والكفر وانواع الشرك والضلال فَأَحْيَيْناهُ بالمعرفة والايمان وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يتلألأ من جبينه يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ هاديا مهتديا كَمَنْ مَثَلُهُ شأنه ووصفه انه مغمور فِي الظُّلُماتِ المتراكمة المتزاحمة عليه إلا وهي ظلمة الجهل والكفر والفسوق والعصيان والحال انه لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها ناج عنها لعدم تناهيها فهو ومن أنقذه الله من ظلمة الضلالة بنور الهداية وهداه الى صراط مستقيم بنور دين الإسلام سيان متساويان كلا وحاشا شتان ما بينهما كَذلِكَ اى مثل تزيين الايمان للمؤمن قد زُيِّنَ حبب وحسن لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من الكفر والعصيان إذ كل حزب بما لديهم فرحون وَكَذلِكَ اى كما جعلنا في مكة أكابر وصناديد يجرمون فيها جرائم عظيمة قد جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ اى صيرنا وقدرنا فيها أَكابِرَ كانوا مُجْرِمِيها ومترفيها وامهلناهم زمانا لِيَمْكُرُوا فِيها بأنواع المكر والحيل ليضلوا ضعفاء الأنام عن جادة الإسلام فيمكرون ويضلون وَهم بأجمعهم ما يَمْكُرُونَ حقيقة إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ إذ وبال مكرهم انما يعود عليهم وَهم ما يَشْعُرُونَ عوده حينئذ لشدة قساوتهم وعمههم وسيشعرون حين يؤخذون

стр. 232

عليها في النشأة الاخرى ويعلمون حينئذ اىّ منقلب ينقلبون وَمن غاية جهلهم ونفاقهم ونهاية قسوتهم وشقاقهم إِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ هادية لهم الى سبيل الرشد قالُوا من شدة بغضهم وعنادهم لَنْ نُؤْمِنَ بها ولن نصدقها ابدا حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ إذ نحن وهم سواء في البشرية بل نحن اولى منهم في الرياسة والنسب والحسب وانواع الفضائل والكمالات ومن اين يؤتى لهم ولم يؤت إلينا قل لهم يا أكمل الرسل الوحى والإيتاء بيد الله يؤتى من يشاء ما يشاء ويمنع ممن يشاء إذ اللَّهِ المدبر الحكيم أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ إذ لا عبرة عنده سبحانه بالرياسة والنسب بل قد تفضل على من تفضل من عباده بلا التفات منه سبحانه الى حسبه ونسبه بل يعطى سبحانه ما يعطى لمن يعطى حسب استعداده وقابليته المقدرة عنده سبحانه في سابق علمه ولوح قضائه وبالجملة لا تحزن يا أكمل الرسل عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون ويقولون أولئك الماكرون المفرطون المسرفون واعلم انه سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا مغرورين على رئاستهم وجاههم ونسبهم ومالهم وينزل عليهم صَغارٌ مذلة وهوان عِنْدَ اللَّهِ المتعزز برداء المجد والجلال حين إحضارهم للحساب والجزاء وَبعد كشف حالهم وحسابهم لهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ وإذا كان الأمر بيد الله والشأن من عنده وحسب ارادته واختياره فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ المعز الهادي أَنْ يَهْدِيَهُ الى توحيده يَشْرَحْ صَدْرَهُ اى يفتحه ويوسعه لِلْإِسْلامِ اى التفويض والاستسلام وكمال الطاعة والانقياد الى حيث قد رضى لعموم ما قضى عليه المولى وبعد ما رضى بالقضاء فقد وسع الحق فيه فيستولى عليه فيفنيه عن هويته ويبقيه ببقائه السرمدي وَمَنْ يُرِدْ الله بمقتضى قهره وجلاله أَنْ يُضِلَّهُ عن فضاء توحيده وصفاء تجريده يَجْعَلْ الله صَدْرَهُ الذي من شأنه ان يسع الحق فيه ضَيِّقاً ضنكا حَرَجاً في غاية الضيق والقساوة باستيلاء لوازم الإمكان عليه بحيث قد ضاقت الأرض عليه من إلمام لوازم الإمكان فيتمنى الصعود الى عالم الأسباب من غاية اضطراره وتشتت باله واختلال حاله فصار كَأَنَّما يَصَّعَّدُ ويطلب الصعود فِي السَّماءِ من غاية اضطراره واحتياجه وهذا مثل يضرب لمن ضاق عليه طرق معاشه كَذلِكَ اى كحال من اضطر الى الصعود نحو السماء من إلمام لوازم الإمكان عليه يَجْعَلُ اللَّهُ المنتقم الغيور الرِّجْسَ اى خذلان الإمكان وخجل الحرمان في النشأة الاخرى عَلَى القوم الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بتوحيد الله وبسعة لطفه وجوده وَهذا اى ما أنزلناه إليك يا أكمل الرسل من القرآن المبين لطريق المعرفة والايمان صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً لا عوج فيه أصلا موصلا الى توحيده الذاتي قَدْ فَصَّلْنَا وأوضحنا فيما أنزلناه إليك الْآياتِ الدالة على وحدة ذاتنا لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ يتعظون بها ويتذكرون منها الى مبدئهم الذي قد نشئوا منه وظهروا عنه الا وهو الوحدة الذاتية الإلهية التي هي عبارة عن الوجود المطلق الخالص عن مطلق القيود والحدود وبالجملة لَهُمْ دارُ السَّلامِ اى مقام التفويض والاستسلام عِنْدَ رَبِّهِمْ بعد ما تحققوا بتوحيده وَهُوَ سبحانه بذاته وَلِيُّهُمْ ومولى أمورهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ اى بجميع ما كانوا يعملون من الأعمال والنيات فيها وجميع الحركات والسكنات الواقعة منهم في صدورها إذ هو سبحانه قد صار سمعهم وبصرهم ويدهم ورجلهم وعموم جوارحهم التي صدرت عنها أعمالهم وأفعالهم على ما نطق به الحديث القدسي صلوات الله على قائله وَاذكر يا أكمل الرسل يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ

стр. 233

جَمِيعاً اى جميع من يتأتى منهم الإطاعة ويتوجه إليهم التكليف من الثقلين قائلين لهم منادين عليهم يا مَعْشَرَ الْجِنِّ والشياطين قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ اى استتبعتم وأضللتم كثيرا مِنَ الْإِنْسِ بايقاعهم في مواقع الفتن وتغريرهم الى المعاصي والمهالك والخروج عن مقتضيات الأوامر والنواهي واغرائهم الى مستلذات نفوسهم ومقتضيات شهواتهم وَبعد ما سمع الانس هذا النداء قالَ أَوْلِياؤُهُمْ اى اولياء الجن ومتابعوهم مِنَ الْإِنْسِ متذللين متحسرين رَبَّنَا يا من ربانا بأنواع اللطف والكرم فكفرنا بك بمتابعة هؤلاء الغواة فالآن ظهر الحق واضمحل الباطل نحن مقر بعموم ما جرى بيننا وبينهم إذ قد اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا منهم باغوائهم واغرائهم الى خلاف ما امرتنا أنت عليه بالسنة رسلنا يا ربنا وايضا استمتع بعضهم بِبَعْضٍ منا بالمتابعة والموالاة وَبَلَغْنا الآن أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا على ألسنة رسلك وكتبك يا مولانا فالآن قد جئناك خائبين خاسرين قالَ سبحانه من وراء سرادقات العز والحلال الآن قد انقرض دار الابتلاء ومضى زمان التدارك والاهتداء النَّارُ مَثْواكُمْ جميعا تابعا ومتبوعا ومأويكم ابدا خالِدِينَ فِيها مؤبدا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ العليم الحكيم وقتا ينقذكم منها كيلا تتعودوا بعذابها ويدخلكم باشد منها واقطع إِنَّ رَبَّكَ يا أكمل الرسل حَكِيمٌ متقن في عموم أفعاله عَلِيمٌ بمقدار جزاء العصاة وَكَذلِكَ اى مثل قول اولياء الانس للجن نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ من الانس بَعْضاً منهم ايضا ليفتضحوا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ من المظالم بتغرير بعضهم بعضا. ثم قال سبحانه امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ المفتضحين على رؤس الاشهاد لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ غلب الانس على الجن إذ لم يبعث من الجن نبي بل بعث الأنبياء كلهم من الانس الى الثقلين قُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي ويدعونكم الى توحيد ذاتى وكمالات أوصافي وأفعالي يُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا اى يوم القيمة والجزاءالُوا مضطرين معترفين هِدْنا عَلى أَنْفُسِنا يا ربنا بأنواع الجرائم والعصيان اليوم بعد ما ظهر لنا الأمر وانكشف الحجاب وصرنا مستحقين بأنواع العذاب والعقاب ما ذلك الا ان قدرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا بحيث لم يبالوا بعموم ما جاءهم من عند ربهم لهديهم وإصلاحهم بل كذبوه واستهزؤا به قد ادى عاقبة أمرهم في عتوهم وعنادهم الى ان هِدُوا واعترفوالى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ مستحقين بأنواع العقوبة والعذاب واعلم ان إرسال الرسل وإنزال الكتب انما هو ليتنبهوا وينبهوا اى الرسل العصاة على ما هم عليه ذلِكَ التنبيه والإرسال أَنْ لَمْ يَكُنْ اى لان لم يكن رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ اى بسبب ظلم صدر عنهم وَالحال انه أَهْلُها غافِلُونَ عن طريق الحق بلا تنبيه منبه وارشاد مرشد نبيه وَاعلم يا أكمل الرسل وعلم ايضا عموم من تبعك من المؤمنين وذكرهم ان لِكُلٍّ من اهل التكاليف دَرَجاتٌ ودركات عند الله العليم الحكيم معدة إياهم حاصلة لهم مِمَّا عَمِلُوا من الصالحات والفاسدات وبمقتضاها وَما رَبُّكَ المطلع بضمائر عموم عباده بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ بمقتضى التكاليف التي كلفهم بها وَالحال ان نفعه عائد إليهم إذ رَبُّكَ الْغَنِيُّ المستغنى بذاته عنهم وعن أعمالهم بالمرة صالحها وفاسدها الا انه سبحانه ذُو الرَّحْمَةِ والشفقة على من عمل بمقتضى التكليف امتنانا عليه وتفضلا بلا احتياج له سبحانه إليهم ولا الى عملهم بل إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ايها الناس الناسون حقوق ألوهيته وتوحيده سبحانه وعموم التكاليف الواقعة في طريقه وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ

стр. 234

ممن يعمل على مقتضى التكاليف الإلهية كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ قرنا بعد قرن بطنا بعد بطن مع انه يترحم عليكم ويبقيكم تفضلا وامتنانا قل لهم يا أكمل الرسل إِنَّ ما تُوعَدُونَ ايها المكلفون من الحشر والنشر والجزاء لَآتٍ كائن ثابت لا محالة وبالجملة اعملوا على مقتضى التكليف الإلهي وَاعلموا انكم ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ عاجزين عن الإتيان بالمأمور حتى لا تؤاخذوا بترك التكاليف ولا تعذبوا به إذ لا تكلف نفس الا وسعها وبما في طاقتها وقدرتها قُلْ لهم يا أكمل الرسل على سبيل الترحم والتحنن وإرخاء العنان مبالغة في طريق التعريض يا قَوْمِ اعْمَلُوا من المعاصي عَلى مَكانَتِكُمْ ومقدار مكنتكم وطاقتكم إِنِّي عامِلٌ ايضا من الصالحات المأمورة بمقتضى مكنتى وطاقتي فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أنتم ونحن حين ينكشف الحجب ويرتفع الغشاء مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ اى العاقبة الحسنى والمثوبة العليا التي تترتب على أعمالنا في دار الجزاء يعنى أينا يفوز بها انا او أنتم غاية ما في الباب إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ الخارجون عن حدود الله بمقتضى اهويتهم الفاسدة ولا يفوزون بسعادة وخير أصلا وَمن جملة ما خرجوا عن مقتضى الحدود الإلهية بمتابعة اهويتهم الباطلة انهم قد جَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ وبرأ وظهر مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا المعين المفروز لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا اى آلهتنا وشفعائنا فَما كانَ من أموالهم يفرز لِشُرَكائِهِمْ ان كان جيدا طيبا فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ ولا يتجاوز عن شركائهم أصلا وَما كانَ لِلَّهِ ان كان جيدا فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ بأن استبدلوها بالرديء الذي كان لشركائهم وبالجملة ساءَ ما يَحْكُمُونَ هؤلاء الجاهلون إذ فعلهم واختيارهم هذا انما هو تفضيل المسترذل المفضول على الأجل الأفضل روى انهم كانوا يعينون شيأ من حرثهم ونتاجهم لله ويصرفونه الى الضيفان والمساكين وشيأ منهما لآلهتهم وينفقونه الى سدنة آلهتهم وخدامهم ويذبحون عندها ثم ان رأوا ما عينوا لله ازكى بدلوه بما لآلهتهم من الرديء وان رأوا ما لآلهتهم ازكى تركوه لها حبا لآلهتهم وترجيحا لجانبهم على جانب الله هذا مما اخترعوه من تلقاء أنفسهم وان افتروا الى كتبهم تغريرا وترويجا وَكَذلِكَ اى مثل قسمتهم في القربات والصدقات قد زَيَّنَ اى حبب وحسن لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ اى آلهتهم الذين هم يعبدونهم من دون الله من الشياطين وما ذلك التزيين والتحسين الا لِيُرْدُوهُمْ اى يهلكوهم ويضلوهم بالإضلال والإغواء عن طريق الحق وَلِيَلْبِسُوا وليخلطوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ الذي وجب عليهم الانقياد والإطاعة ليصلوا الى طريق التوحيد وَبالجملة لَوْ شاءَ اللَّهُ الهادي لعباده هدايتهم ما فَعَلُوهُ اى ما قبلوا تزيينهم وتلبيسهم فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ اى اتركهم مع افترائهم الى ان نأخذهم وننتقم عنهم وَايضا من جملة ما اخترعوا من تلقاء أنفسهم ونسبوها الى الله والى كتابه ترويجا وتغريرا انهم قالُوا هذِهِ المعينة المفروزة أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ حرام لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ إطعامه يعنون سدنة الأوثان وخدمتها من الرجال دون النساء فإنها تحل عليهم وتحرم على غيرهم وما هي ايضا الا بِزَعْمِهِمْ الفاسد ورأيهم الكاسد بلا حجة عقلية او نقلية وَايضا قالوا هذه أَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وأرادوا البحائر والسوائب والحوامي على ما سبق في سورة المائدة وَقالوا ايضا هذه أَنْعامٌ معدة للتجارة او الحمل والظعن لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا يعنى لا يركبونها للحج كل ذلك من مخترعاتهم التي قد اخترعوها من اهويتهم الفاسدة وآرائهم الباطلة ويفترون افْتِراءً عَلَيْهِ سبحانه ومراء بلا سند لهم نازل

стр. 235

من عنده سَيَجْزِيهِمْ الله المنتقم الغيور ويعذبهم بِما كانُوا يَفْتَرُونَ اى بشؤم افترائهم ومرائهم إياه سبحانه وَمن جملة مفترياتهم على كتاب الله انهم قالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ اى اجنة البحائر والسوائب ان كان حيا فهي خالِصَةٌ لِذُكُورِنا مخصوصة مباحة لهم أكلها وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا لا نصيب لهن فيها وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً يعنى ان يخرج ميتة فَهُمْ اى الذكور والإناث فِيهِ شُرَكاءُ بلا تفاوت وتخصيص سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ اى يجزيهم الله أقبح الجزاء على وصفهم وتفصيلهم هذا افتراء عليه إِنَّهُ حَكِيمٌ في جزاء المفترين عَلِيمٌ بمقداره وكيفيته ثم قال سبحانه قَدْ خَسِرَ وخاب خيبة ابدية الاعراب الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً مخافة سبى او إملاق بِغَيْرِ عِلْمٍ منهم بما يئول أمرهم عليه ولا شك ان الرزاق والحافظ لعموم عباده هو الله لا هم وَايضا قد حَرَّمُوا على نفوسهم ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ واباحه عليهم من البحائر والسوائب وغيرها ونسبوا تحريمها افْتِراءً عَلَى اللَّهِ مراء وميلا الى الباطل وبالجملة قَدْ ضَلُّوا بارتكاب هذه الجرائم عن طريق الحق وَما كانُوا مُهْتَدِينَ الى توحيده ولا يرجى منهم الهداية والفلاح أصلا وَكيف تضلون عن طريق الحق ايها الجاهلون المسرفون مع انه سبحانه هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لمعاشكم في النشأة الاولى جَنَّاتٍ وحدائق من الكرم مَعْرُوشاتٍ مرتفعات من الأرض وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ بل مفروشات اى ملقيات على وجه الأرض وَانشأ لكم ايضا النَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ اى أكل كل واحد منهما رطبا ويابسا وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً بعضها ببعض وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ بل مختلف في الشكل والطعم ايضا كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ اى ثمرة كل من المذكورات حيث شئتم إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ اى اخرجوا حق الله منه على الوجه المفروض المبين في علم الاحكام يَوْمَ حَصادِهِ اى وقت إدراكه وبدوّ صلاحه وَلا تُسْرِفُوا في الاكل وان كان مباحا حتى لا تقسى قلوبكم ولا يكل ادراككم إِنَّهُ سبحانه لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ولا يرضى عنهم وعن فعلهم هذا إذ الاكل انما هو لقوام البدن وتقوية الروح والقوى على فعله وإسرافه يفضى الى التعطيل والتكليل والكسل المخل للحكمة الإلهية وَإنشاء لكم ايضا مِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً تحملون أثقالكم عليها يوم ظعنكم وَفَرْشاً تفرشون من أصوافها واشعارها واوبارها المنسوجة تحتكم يوم اقامتكم كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ واباحه عليكم منها وَلا تَتَّبِعُوا اثر خُطُواتِ الشَّيْطانِ ولا تسمعوا وساوسه في تحليل المحرمات وتحريم المباحات وبالجملة لا تتبعوا مقتضيات اهويتكم وأمانيكم التي هي من جنود الشياطين إِنَّهُ اى الشيطان وجنوده لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة فاجتنبوا من اغوائه واغرائه واعلموا ايها المؤمنون ان الله سبحانه قد أباح لكم من الانعام ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ الكبش والنعجة وما يتولد منهما وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ التيس والعنز ايضا كذلك قُلْ يا أكمل الرسل لمن يدعى التحريم في هذين الجنسين إلزاما وتبكيتا آلذَّكَرَيْنِ الكبش والتيس حَرَّمَ منهما أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ النعجة والعنز أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ اى حرم في بطن الأنثيين من هذين الجنسين ذكرا كان او أنثى نَبِّئُونِي وأخبروني ايها المدعون تحريم شيء منها بِعِلْمٍ ثابت ومقدمة معلومة عندكم من نقل ونص دال على ان الله قد حرم شيأ من ذلك إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعوى التحريم وَايضا قد أباح لكم ربكم ايها المؤمنون مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ يا أكمل الرسل للمجرمين المفترين آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ

стр. 236

من الجنسين المذكورين أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ يعنى لم يحرم ايضا شيأ منهما ولا ما في بطنهما ذكرا كان او أنثى أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ أتدعون أنتم ايها المدعون انكم قد كنتم حضراء وقت إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا التحريم لأنه ما اخبر به نبي وما جاء به كتاب فبقى ان تدعوا الحضور عنده سبحانه وقت التحريم وأنتم ايها المفترون من زمرة المردودين المطرودين عن ساحة عز حضوره سبحانه فظهر أنه ما هي الا مفتريات صدرت من تسويلات نفوسكم وتلبيسات شياطين أوهامكم وخيالاتكم تفترونها على الله عدوانا وظلما فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ عن طريق الحق مع انه بِغَيْرِ عِلْمٍ وحى ونقل وارد نازل من عند الله بل من تلقاء نفسه تلبيسا وتغريرا لضعفاء العوام إِنَّ اللَّهَ المطلع بمخايل المفسدين لا يَهْدِي الى طريق توحيده الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ المفترين عليه سبحانه بأمثال هذه المفتريات الزائغة قُلْ يا أكمل الرسل بمقتضى ما أوحينا إليك انا لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ اى في القرآن الجامع لأحكام الكتب السالفة المستحضر لها مُحَرَّماً اى طعاما قد حرمه الله عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ بل أجد كل ما يطعم حلالا مباحا إذ الأصل في الأشياء الحل إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً مات حتف انفه بلا ذكاة أَوْ دَماً مَسْفُوحاً سائلا جاريا مفروزا عن اللحم أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ نجس في نفسه لا يقبل الذكاة أصلا أَوْ ما يذبح من المحللات فِسْقاً وخروجا عن مقتضى الشرع بان أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ حين ذبحه من اسماء الأصنام وغيرها وما سوى هذه المستثنيات المذكورة فهو مباح فَمَنِ اضْطُرَّ ايضا الى تناول تلك المستثنيات حال كونه غَيْرَ باغٍ خارج عن الإسلام ظلما وعدوانا وَلا عادٍ مجاوز عن سد الجوعة فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ لمن تناولها ضرورة رَحِيمٌ لا يؤاخذه عليه بل ان لم يتناول في محل الاضطرار وهلك كان عاصيا البتة لأنه تخريب لبيت الله وابطال لصنعه سيما بعد ما رخص وَان سألوا عنك يا أكمل الرسل من محرمات الأمم الماضية قل لهم نيابة عنا عَلَى الَّذِينَ هادُوا ونسبوا الى دين اليهود قد حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وحافر يمكن ان يجرح معها وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ قد حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ من الشحم ظُهُورُهُما وهي الثروب وشحوم الكلى أَوِ حملته الْحَوايا يعنى الأمعاء أَوْ مَا اخْتَلَطَ من الشحوم بِعَظْمٍ كالالية ذلِكَ اى تحريم هذه الأشياء إياهم وان كان الأصل في الأشياء الحل والاباحة قد جَزَيْناهُمْ بها بِبَغْيِهِمْ اى بسبب ظلمهم وخروجهم عن مقتضيات حدودنا بلا ورود نص منا وَإِنَّا لَصادِقُونَ في عموم ما أوحينا إليك من الأقوال والاخبار والمواعيد والوعيدات فَإِنْ كَذَّبُوكَ وعاندوك فيما تلونا عليك من الآيات فَقُلْ لهم امحاضا للنصح على مقتضى مرتبة النبوة رَبُّكُمْ الذي أوجدكم من كتم العدم ورباكم بأنواع اللطف والكرم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وشفقة كاملة وافرة يمهلكم على ما أنتم عليه ويوسع عليكم على مقتضى لطفه وجماله وَالحال انه لا يُرَدُّ بَأْسُهُ وبطشه على مقتضى غيرته وحميته وجلاله عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ الذين أجرموا على الله بالخروج عن مقتضى أحكامه النازلة على السنة رسله ثم قال سبحانه على سبيل الاخبار عما سيقع سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا على سبيل التكذيب والإنكار في عموم ما جئت به أنت يا أكمل الرسل لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أنت ترويه عنه وتدعيه بالنسبة إلينا وتعلق ارادته بتوحيدنا إياه ما أَشْرَكْنا البتة مع انه القادر المقتدر على عموم ما أراد بل وَلا أشرك ايضا آباؤُنا من قبل بل ما ظهر وما لاح شيم

стр. 237

الكفر والشرك بين عموم العباد مطلقا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ مما أخبرت تحريمه عنه بالنسبة إلينا بل ما هي الا مخترعات تخترع أنت من عندك وتنسبها الى الله تلبيسا وترويجا كَذلِكَ اى مثل تكذيبهم لك يا أكمل الرسل بأمثال هذه الهذيانات الباطلة قد كَذَّبَ الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِهِمْ الأنبياء وصاروا على تكذيبهم مصرين حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا الذي قد أنزلنا عليهم واستأصلناهم بتكذيبهم وان أردت إلزامهم وتبكيتهم قُلْ لهم مستفهما هَلْ حصل عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ نقل صريح وحجة واضحة موردة من عند الله فَتُخْرِجُوهُ لَنا وتظهروه عندنا حتى نقبله ونتبعه فان لم يخرجوا ولم يظهروا فقل لهم إِنْ تَتَّبِعُونَ اى ما تتبعون أنتم إِلَّا الظَّنَّ الفاسد الذي لا يغنى من الحق شيأ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ وتكذبون على الله افتراء ومراء وقل لهم هذا ثم اعرض عنهم ودع مجادلتهم ومخاطبتهم قُلْ يا أكمل الرسل بعد ما الزموا وأفحموا فَلِلَّهِ الحاكم على الإطلاق الفاعل بالاختيار والاستحقاق الْحُجَّةُ الواضحة الكاملة الْبالِغَةُ حد الكمال فَلَوْ شاءَ هدايتكم لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ اى لا وضح حجته عليكم ووفقكم الى قبوله ولكن لم يتعلق مشيئته على هدايتكم لذلك أصررتم واستكبرتم وإذا لم يتنبهوا بعد إلقاء الحجة عليهم بل قد أصروا على تقليد أحبارهم قُلْ لهم يا أكمل الرسل هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ واحضروا أحباركم وعلماءكم الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ في كتابه هذا اى ما ادعيتم تحريمه فَإِنْ شَهِدُوا بعد ما حضروا افتراء على كتاب الله فَلا تَشْهَدْ أنت يا أكمل الرسل مَعَهُمْ ولا تقبل شهادتهم وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ونسبوا إليها ما هي خالية عنه ظلما وزورا فاعرض عنهم ودع مكالمتهم ومجالستهم وَاعلم يا أكمل الرسل ان الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ولا بالمجازاة والمكافاة الواقعة فيها مطلقا ولا يبالون من أمثال هذه المفتريات الباطلة وَهُمْ من غاية جهلهم بِرَبِّهِمْ الذي رباهم بأنواع اللطف والكرم يَعْدِلُونَ يشركون ويجعلون له عديلا تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا قُلْ لهم يا أكمل الرسل على مقتضى شفقة النبوة تَعالَوْا هلموا وأتوا ايها التائهون في بيداء الضلال أَتْلُ وأعد لكم ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ في نشأة الدنيا أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً من مظاهره ومصنوعاته إذ هو في نفسه واحد احد صمد فرد وتر ليس لغيره وجود حتى يشاركه ويماثله وَان لا تفعلوا بِالْوالِدَيْنِ اللذين هما سببان قريبان لظهوركم الا إِحْساناً لإحسانهما إليكم في حفظكم وحضانتكم وَان لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ ظلما ناشئا مِنْ خوف إِمْلاقٍ فقر وفاقة إذ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ ونتكفل لرزقكم وَإِيَّاهُمْ ايضا وَان لا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ اى كبائر القبائح التي قد نهاكم الله عنها وحرمها عليكم ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَكذا لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ لكم قتلها إِلَّا بِالْحَقِّ اى برخصة شرعية كالقود وقتل المرتد ورجم الزاني المحصن وغيرها من المحارم التي قد رخص الشرع بارتكابها كقتل اهل البغي وقطاع الطريق واهل الحرب إذ ارتكابها حينئذ من جملة المرخصات والمأمورات الشرعية ذلِكُمْ المذكور مفصلا مما وَصَّاكُمْ الله بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ رجاء ان تسترشدوا منه وتهتدوا الى توحيده وَ من جملة المحرمات التي حرمها الحق عليكم وكررها في كتابه مرارا ان لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ ولا تتصرفوا فيه إِلَّا بِالَّتِي اى بالتصرفات التي هِيَ أَحْسَنُ لليتيم واحوط لغبطته من تنمية ماله وحفظه

стр. 238

حَتَّى يَبْلُغَ اليتيم أَشُدَّهُ ورشده اى يسع منه التصرفات الشرعية شرعا وحينئذ يسلم اليه ماله بعد تجربته واختباره مرارا وَمن جملتها ايضا ان لا تنقصوا ولا تخسروا في الكيل والوزن بل أَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ والعدل السوى ولا تنقصوا منهما وان كان الوفاء في غاية الصعوبة والعسرة فعليكم ان تبذلوا وسعكم وطاقتكم في تعديلهما وايفائهما مهما أمكن لكم وما هو خارج عن وسعكم معفو عنكم إذ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ومقدار طاقتها ومكنتها وَمن جملتها ايضا ان لا تميلوا ولا تحيفوا في الاحكام ايها الحكام بل إِذا قُلْتُمْ وحكمتم حال كونكم حاكمين بين الخصمين فَاعْدِلُوا في الحكومة وَلَوْ كانَ المحكوم عليه اوله ذا قُرْبى من ذوى قرابتكم وحميمكم فعليكم الاحتياط والمبالغة فيه وَعليكم ايها الحكام ان لا تتجاوزوا في الاحكام عما حكم الله به مطلقا بل بِعَهْدِ اللَّهِ الحكيم العليم أَوْفُوا وبمقتضى حكمه وحكمه وفوا ذلِكُمْ المذكور مما وَصَّاكُمْ الله بِهِ فاتقوا الله واحذروا من بطشه لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ رجاء ان تتذكروا وتتعظوا به ايها المتوجهون الى توحيده ثم قال سبحانه وَاعلموا ايها المائلون نحو توحيدي أَنَّ هذا المذكور في هذا الكتاب سيما في هذه السورة من الأوامر والنواهي وعموم المحرمات والمحللات والاحكام والإشارات والآداب والمعاملات صِراطِي الموصل الى توحيدي مُسْتَقِيماً سويا بلا ميل واعوجاج فَاتَّبِعُوهُ حتى تفوزوا اليه وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ المتفرقة والطرق المختلفة المنحرفة المعوجة فَتَفَرَّقَ بِكُمْ وتضلكم عَنْ سَبِيلِهِ اى سبيل توحيده الذاتي ذلِكُمْ اى الاتباع المذكور مما وَصَّاكُمْ الله بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ رجاء ان تحذروا بسببه عن سبل الاهوية الفاسدة والآراء الباطلة المضلة عن طريق الحق وتوحيده ثُمَّ اعلموا أنا قد آتَيْنا من مقام جودنا مُوسَى ﵇ الكليم الْكِتابَ اى التورية المبين لطريق التوحيد وعلمناه تَماماً كاملا عَلَى الوجه الَّذِي أَحْسَنَ بيانه وتوضيحه وَقد بينا فيه تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ من الكوائن والفواسد المتعلقة بعالم الملك والشهادة وَهُدىً من الحقائق والمعارف المتعلقة بعالم الغيب والملكوت وَرَحْمَةً من المكاشفات والمشاهدات المسقطة لعموم الإضافات مطلقا المفنية لنقوش الغير والسوى رأسا لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ رجاء ان يتحققوا بمراتب العلم والعين والحق وَهذا اى القرآن كِتابٌ أَنْزَلْناهُ متمما لمقاصد الكتب السالفة مروجا لحكمها وأحكامها مُبارَكٌ كثير الخير والبركة والنفع لمن آمن به وصدقه فَاتَّبِعُوهُ ايها المتوجهون نحو التوحيد الذاتي وامتثلوا بجميع أوامره واجتنبوا عن عموم نواهيه وَاتَّقُوا عن تكذيبه وعن القدح فيه وفي من انزل اليه لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ تكشفون وتفوزون به الى فضاء التوحيد وانما أنزلنا القرآن بعد التورية والإنجيل وان كان اكثر احكام الكتب الإلهية مشتركة كراهة أَنْ تَقُولُوا ايها المؤمنون إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا اى اليهود والنصارى وعلى لسانهم ولغتهم فلا تقبلون الاحكام الإلهية معللين به قائلين وَإِنْ اى وانه قد كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ قراءتهم وتعلمهم لعدم علمنا بوضع لغتهم لَغافِلِينَ أَوْ ان تَقُولُوا متحسرين متمنين لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ كما انزل عليهم لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ لحدة أذهاننا وصفاء صدورنا ومتى علم واطلع سبحانه من استعداداتكم هذا فَقَدْ جاءَكُمْ من عنده سبحانه لهديكم وايصالكم الى مقر توحيده بَيِّنَةٌ واضحة لائحة ناشئة مِنْ رَبِّكُمْ الذي رباكم بافاضة استعدادات

стр. 239

التوحيد وقابلياته الدالة عليه مبينة له كاشفة إياه بالنسبة الى ذوى العلوم اليقينية والمعارف اللدنية وَهُدىً يرشدكم الى مرتبة اليقين العيني وَرَحْمَةٌ جذبة نازلة بكم من ربكم تستر هويتكم عن عيون بصائركم وتفنيكم في هوية الحق وبالجملة لو امتثلتم بمقتضاها لصار علمكم عينا وعينكم حقا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ سيما بعد ما سمع أوصافها وخواصها من الله وَصَدَفَ اى صد واعرض عَنْها عنادا واستكبارا والله سَنَجْزِي حسب اسمنا المنتقم الَّذِينَ يَصْدِفُونَ ويعرضون عَنْ آياتِنا اعراضا وتكذيبا سُوءَ الْعَذابِ اى عذابا يسوءهم ويشتد عليهم بِما كانُوا اى بشؤم ما كانوا يَصْدِفُونَ ويعرضون عنها ويستنكفون عن قبولها عتوا وعنادا بلا حجة قطعية بل ظنية ايضا وبالجملة هَلْ يَنْظُرُونَ يعنى اهل مكة وما ينتظرون وما يستوفون الايمان والإطاعة إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ اى ملائكة العذاب كما أتوا للأمم الهالكة فيلجئهم الى الايمان مع انه لا ينفعهم حينئذ ايمانهم أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ اى يطلبون إتيان ربك يا أكمل الرسل معاينة كما طلب اليهود من موسى صلوات الله عليه حيث قالوا أرنا الله جهرة أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ الدالة على انقضاء النشأة الاولى المسماة بأشراط الساعة وبالجملة يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لكونها ملجئة اليه حين اضطرارها ولا عبرة للايمان حين البأس والإلجاء إذ الايمان امر تعبدي برهاني اختياري مع ان مدة التلافي قد انقضت وهي لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ يعنى سيما النفس التي لم تكن آمنت حين الدعوة وقبل ظهور الملجئ أَوْ لم تكن كَسَبَتْ وان آمنت من قبل على طرف اللسان منتظرين فِي إِيمانِها خَيْراً عملا مقبولا عند الله مشعرا بايقانها واطمينانها فيه وبالجملة قُلِ يا أكمل الرسل للمنتظرين المسرفين استهزاء انْتَظِرُوا الى ما تخيلتم وتوهمتم لحوقه علينا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ايضا الى حلول الوقت الموعود ونزول العذاب المعهود فيه عليكم بشؤم كفركم وشرككم. ثم قال سبحانه إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ الذي يوصلهم الى التوحيد الإلهي بلا منازعة ولا مخالفة وَكانُوا شِيَعاً اى صاروا فرقا وأحزابا مختلفة متعصبة كما قال ﷺ افترقت اليهود الى احدى وسبعين فرقة كلها في الهاوية الا واحدة وهي الناجية وافترقت النصارى الى ثنتين وسبعين فرقة كلها في الهاوية الا واحدة وهي الناجية وتفترق أمتي على ثلثة وسبعين فرقة كلها في الهاوية الا واحدة وبالجملة لَسْتَ أنت يا أكمل الرسل مِنْهُمْ اى من أمرهم وشأنهم وإصلاحهم فِي شَيْءٍ بل إِنَّما أَمْرُهُمْ وشأنهم مفوض إِلَى اللَّهِ المنتقم الغيور الحكيم حين عرضوا عليه وحشروا نحوه ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ ويخبرهم بِما كانُوا يَفْعَلُونَ في النشأة الاولى التي هي دار الابتلاء والاختبار وبالجملة مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فيها فَلَهُ على مقتضى الفضل الإلهي عَشْرُ أَمْثالِها في النشأة الاخرى جزاء له وامتنانا عليه وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فيها فَلا يُجْزى فيها إِلَّا مِثْلَها بمقتضى العدل الإلهي وَهُمْ في جزاء السيئة لا يُظْلَمُونَ بالزيادة مثل زيادة الحسنة بالأضعاف والآلاف إذ لا ظلم في ذلك اليوم سيما من الله القائم على جادة العدالة قُلْ يا أكمل الرسل المبعوث الى كافة البرايا إِنَّنِي مع كوني بشرا أمثالكم قد هَدانِي رَبِّي الذي رباني بأنواع اللطف والكرم إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ موصل الى توحيده الذاتي ولذلك آتاني من فضله دِيناً قِيَماً قويما مستقيما مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً مائلا عن عموم الأديان الباطلة والآراء الفاسدة وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

стр. 240

في وقت من الأوقات قُلْ يا أكمل الرسل المظهر للتوحيد الذاتي مفوضا جميع أمورك وما جرى عليك وظهر منك الى ربك إِنَّ صَلاتِي وميلى بعموم أعضائي وجوارحي وَسائر نُسُكِي وعباداتى التي هي سبب تقربي وتوسلي نحو الحق وَبالجملة لوازم مَحْيايَ وَمَماتِي كلها خالصة لِلَّهِ المتوحد المتصرف في ملكه وملكوته ما يشاء بالاستقلال والاختيار رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ ينازعه ولا ضد له يكافئه ويماثله إذ لا موجود سواه ولا وجود لغيره أصلا وَبِذلِكَ التفويض والإخلاص والتسليم أُمِرْتُ من عنده سبحانه لسلوك طريق توحيده وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ الموحدين المسلمين المخلصين المظهرين الظاهرين بالتوحيد الذاتي قُلْ يا أكمل الرسل مستوبخا مستقرعا لمن عاند في طريق التوحيد الذاتي وحادل معك في اثبات الشركاء له سبحانه ومع ذلك قد توقع منك موافقتك في شركه أَغَيْرَ اللَّهِ المتوحد في ذاته المتفرد في ألوهيته أَبْغِي واطلب واتخذ رَبًّا مربيا موليا وَالحال انه هُوَ بذاته وبعموم أسمائه وصفاته رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وخالقه وموحده من كتم العدم بالاستقلال وَبعد ما قلت لهم من كلمة الحق ما قلت دعهم مع شركهم وكفرهم إذ لا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ من الجرائم والآثام إِلَّا تحمل عَلَيْها آصارها واثقالها وَلا تَزِرُ لا تقترف ولا تحمل نفس وازِرَةٌ عاصية كافرة وِزْرَ أُخْرى بل كل منها رهينة بما كسبت ضمينة لما اقترفت ان خيرا فخير وان شرا فشر ثُمَّ بعد انقضاء النشأة الاولى إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ عموما رجوع الظل الى ذي الظل فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ اى يميز لكم الحق من الباطل والهداية من الضلال وَكيف تنكرون توحيد الحق وتربيته إياكم ايها المكابرون المفرطون مع انه سبحانه هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ اى خلفاء قابلين لمظهرية الحق وآثار عموم أسمائه وصفاته وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ في الاتصاف بأوصافه والتخلق بأخلاقه كل ذلك لِيَبْلُوَكُمْ ويختبركم فِي ما آتاكُمْ من استعداداتكم وقابلياتكم هل تصرفونها الى ما حلقتم لأجله أم لا إِنَّ رَبَّكَ يا أكمل الرسل سَرِيعُ الْعِقابِ على من ضيع استعداده الفطري فيما لا يعنيه وَإِنَّهُ ايضا لَغَفُورٌ لمن تنبه واستغفر رَحِيمٌ لمن تاب واستهدى بفضله وجوده خاتمة سورة الانعام عليك ايها المتوجه نحو الحق القاصد لسلوك طريق توحيده أنجح الله املك وأوصلك الى متبغاك ان تنتزع وتنحرف عن مقتضيات القوى النفسانية من عموم لذاتها الحسية الوهمية والخيالية وتتوجه بما فيك من مبادي القوى الروحانية الى مبدئها مقتفيا في توجهك هذا اثر ما وصل إليك من آثار النبي المختار الذي قد استخلفه الحق وأظهره على مقتضى جميع أوصافه وأسمائه واجتباه من عموم رسله وأنبيائه وأرسله مظهرا للتوحيد الذاتي وانزل عليه كتابا جامعا محتويا على عموم فوائد الكتب السالفة مع زيادات خلا عنها الجميع مبينا لطريق التوحيد على الوجه الأتم الأكمل الى حيث لم يبق بعد بعثته احتياج الى مبين آخر وهاد سواه لذلك قال سبحانه اليوم أكملت لكم دينكم الآية. وقال ﷺ بعثت لأتمم مكارم الأخلاق وبعد بعثته عليه صلوات الرّحمن ونزول كتابه لم يبق للمسترشد المستهدى نحو التوحيد الذاتي الا الاتصاف والامتثال بما جاء به خاتم الرسالة ﷺ لذلك لم يكن الاجتهاد بعد بعثته الا في جزئيات الاحكام دون المعتقدات الكلية

стр. 241

إذ قد ختم امر الرسالة والتشريع بإقامته ﷺ ولا بد لك ان تربط قلبك بمحبته ﷺ وتجعلها قبلة مقصدك وتقتفى اثر ما ورد عليه وجاء به ﷺ بحيث لا تهمل منها ولا بدان تكون في متابعته ﷺ على وثوق تام واطمئنان كامل عار عن عموم ما يشوشك من ظلمات الشكوك والأوهام خال عن جميع الرعونات العارضة لك من وساوس شياطين الأهواء الفاسدة مثل العجب والرياء والسمعة وغيرها وبالجملة عليك ان تتوجه نحو التوحيد من طريق الفناء الاختياري والموت الإرادي بحيث لا يصدر عنك شيء من امارات الحيوة الصورية ومقتضيات القوى البشرية حتى يتيسر لك التحقق بمقام الخلة والخلافة والتخلق بأخلاق الله تعالى مع توفيق من قبل الحق وجذب من جانبه إذ كل ميسر لما خلق له من عنده ومتى صفت سرك وسريرتك عن جميع ما يشغلك عن الله ويضلك عن سبيله فقد تحققت بمقام التوحيد وفنيت عن مقتضيات امارات التخمين والتقليد وصرت على يقين كامل من ربك وكشف صريح وشهود تام ومشرب صاف لا تظمأ منه أصلا ولا تروى ابدا وحينئذ حق لك ان تقول حقا ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له آتنا ربنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا [سورة الأعراف] فاتحة سورة الأعراف لا يخفى على المستبصر الخبير والمسترشد البصير ان سر إرسال الرسل وإنزال الكتب انما هو لتبيين طريق التوحيد وهدى اصحاب الضلال والتقليد من المتوغلين في تيه الغفلة والنسيان نحو فضاء الوحدة الذاتية ولا يتيسر ذلك الا بترك مألوفاتهم وقطع تعلقاتهم التي كانوا عليها بمقتضى بشريتهم وبإرشادهم وهديهم على التدريج بوضع التكاليف الشاقة المشتملة على الإنذارات الشديدة والتخويفات الغليظة المزيحة لموانع الوصول اليه حتى تستعد نفوسهم وتتهيأ سرهم وسريرتهم الى ان ينكشف لهم سر سريان الوحدة الذاتية المتشعشعة المتجلية دائما حسب أوصافه وأسمائه الذاتية على ذرائر المظاهر كلها لذلك انزل سبحانه على حبيبه الذي أظهره جامعا لجميع مراتب أوصافه وأسمائه الذاتية الكتاب الجامع المحتوى لعموم مراتب الوجود غيبها وشهادتها أولاها وأخراها رطبها ويابسها وأورد فيه اصناف الإنذارات والوعيدات البليغة لينزجر به اهل الغفلة والهوى وانواع المواعيد والتبشيرات ليرغب نحوه اهل المحبة والولاء ليتحققوا على ما جبلوا عليه من الفطرة الاصلية التي هم فطروا عليها بامتثال أوامره واجتناب نواهيه وبالجملة ليتأدبوا بآدابه حتى يتخلقوا بأخلاقه سبحانه فقال مناديا لحبيبه ﷺ متيمنا متبركا بِسْمِ اللَّهِ المنزه في ذاته عن مطلق النقص والاستكمال الرَّحْمنِ لعباده بالإرشاد والتكميل لان يصلوا الى درجات القرب والوصال الرَّحِيمِ لهم بانزال القرآن الهادي الى سرادقات العز والجلال [الآيات] المص ايها الإنسان الكامل اللائق لتكميل الخلائق المكرم المؤيد من لدنا لهديهم وإرشادهم الى توحيد الذات والصفات والأفعال الصادق الصفي في نفسه عن كدورات اهل الزيغ والضلال هذه الآثار والآيات الانيقة اللطيفة اللائحة اللائقة لان يسترشد منها ويستكشف عنها ارباب الذوق والكمال المنزهة عن شوائب الشكوك وظلمات الأوهام الصافية عن تخليطات العقول وتخمينات الأحلام الصالحة لان يستبصر بها ويستشهد منها الى توحيد العليم العلام القدوس السّلام كِتابٌ جامع لجميع فوائد الكتب المنزلة وأحكامها وإشاراتها ناطق لعموم الأحوال الواقعة في النشأة الاولى والاخرى قد

стр. 242

أُنْزِلَ إِلَيْكَ يا هادي المضلين تقوية لك وترويجا لما أمرت به فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ ضيق وتعب حاصل مِنْهُ اى من نشره وتبليغه مخافة الأعداء بل انما انزل إليك لِتُنْذِرَ بِهِ اى بانذاراته وتخويفاته من ضل عن طريق الحق واعرض عنه جهلا وعنادا وَتذكر بمواعيده وتبشيراته من وفقه بتذكر الموطن الأصلي والمنزل الحقيقي إذ هو ذِكْرى وتذكرة نافعة لِلْمُؤْمِنِينَ الموقنين بوحدة الحق المتوجهين نحوه بالعزيمة الصحيحة اتَّبِعُوا ايها المؤمنون المتوجهون نحو توحيد الذات عموم ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ على لسان نبيكم وَلا تَتَّبِعُوا سيما بعد بعثته ودعوته مِنْ دُونِهِ سبحانه أَوْلِياءَ توالونهم وتراجعون إليهم في الوقائع والخطوب من الجن والانس إذ هو ﷺ خاتم النبوة فعليكم ان تتبعوه ﷺ كافة وان كان قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ اى شر ذمة قليلة منكم تتعظون بعظته وتذكيره لميلكم الى اهوية نفوسكم من الجاه والمال والرياسة المستلزمة للتفوق على الأقران وَعليكم ان لا تغتروا بها بل تذكروا كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ اى كثيرا من اهل قرية ذوى بطر وثروة أَهْلَكْناها بانزال قهرنا إليها حين استحقوا الهلاك بسبب كفرهم وظلمهم فَجاءَها بَأْسُنا غضبنا وقهرنا عليها بَياتاً حال كونهم راقدين في مضاجعهم ليلا رقود البطر والغفلة أَوْ هُمْ قائِلُونَ مستريحون وقت الضحوة الكبرى تنعما وحضورا فَما كانَ دَعْواهُمْ اى دعاؤهم وتضرعهم حين إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا وظهر عليهم آثار قهرنا إِلَّا أَنْ قالُوا متضرعين مقرين معترفين إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ وبعد ما اعترفوا بظلمهم ملحنين لا نبالى باعترافهم وإقرارهم بل فَلَنَسْئَلَنَّ اى لنستكشفن ونظهرن في النشأة الاخرى أحوالهم التي كانوا عليها في النشأة الاولى أولا من الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ما فعلوا برسلهم حين دعوتهم الى اطاعتنا وانقيادنا وَبعد ما ظهر منهم ما ظهر لَنَسْئَلَنَّ ثانيا عن أحوالهم من الْمُرْسَلِينَ المبلغين لهم أوامرنا ونواهينا عن قبولهم وتكذيبهم وتصديقهم وبعد ما ظهر ايضا منهم ما ظهر فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ جميع أحوالهم وأعمالهم التي صدرت عنهم على التفصيل بِعِلْمٍ لا يعزب عنه شيء من صنائعهم وَكيف يخرج عن حيطة حضرة علمنا شيء من أعمالهم إذ ما كُنَّا غائِبِينَ عنهم بحال من الأحوال بل قد كنا حاضرين معهم شاهدين بعموم أحوالهم وأعمالهم مطلعين عليها بعد الكشف والسؤال على التفصيل وَالْوَزْنُ الموضوع لانتقاد اعمال العباد يَوْمَئِذٍ اى وقت كشف السرائر وانكشاف الحجب الْحَقُّ اى الثابت المحقق لئلا يبقى للعصاة مجادلة مع الله فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ بكثرة الطاعات ووفور الخيرات والمبرات فَأُولئِكَ السعداء المبرورون هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون بالمثوبة العظمى والمرتبة العليا وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ بقلة الطاعات وكثرة المعاصي فَأُولئِكَ الأشقياء المردودون هم الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وما ربحوا لها في الابتلاء بِما كانُوا اى بشؤم ما كانوا بِآياتِنا الدالة على توحيدنا يَظْلِمُونَ ويكذبونها ظلما وعدوانا وَمن كمال لطفنا وجودنا إياكم يا بنى آدم انا لَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي مستقر الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ من الملايمات كي تعيشوا بها مترفهين متنعمين شاكرين لنعمنا صارفين عموم ما وهبنا لكم الى ما خلقناه لأجله ومع ذلك الفضل العظيم واللطف العميم قَلِيلًا ما اى في غاية القلة منكم تَشْكُرُونَ نعمنا بل تكفرون أكثرها وتصرفونها الى مقتضيات اهويتكم الفاسدة وآرائكم الباطلة وَمن عموم جودنا وكرمنا معكم لَقَدْ

стр. 243

خَلَقْناكُمْ وقدرنا تعيناتكم وأظهرنا هوياتكم أولا من كتم العدم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ وزيناكم بمقتضيات اوصافنا وأسمائنا وخلقناكم باخلاقنا ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ المهيمين المستغرقين بمطالعة جمالنا اسْجُدُوا اى تذللوا وتواضعوا لِآدَمَ المصور على صورتنا تعظيما لأمرنا وتكريما له إذ هو مرآة مجلوة تحاكى عن عموم اوصافنا وأسمائنا وترشدكم الى وحدة ذاتنا وبعد ما شاهدوا آثار عموم اوصافنا وأسمائنا عليه فَسَجَدُوا له جميعا متذللين إِلَّا إِبْلِيسَ الذي هو رأس جواسيس النفوس الخبيثة لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ مع كونه من زمرتهم ومن عدادهم حين أمروا ثم لما امتنع إبليس عن سجود آدم قالَ سبحانه إظهارا لما تحقق في علمه وكمن في غيبه من خبث طينة إبليس ما مَنَعَكَ يا إبليس أَلَّا تَسْجُدَ لخليفتى ولا تمتثل بأمري وقت إِذْ أَمَرْتُكَ مع رفقائك قالَ إبليس في الجواب حسب هويته الباطلة واهويته الفاسدة أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ وأفضل إذ قد خَلَقْتَنِي يا مولاي مِنْ نارٍ منير وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ مظلم كدر ولا يحسن تذلل الفاضل للمفضول المرذول وبعد ما امتنع إبليس عن مقتضى الأمر الوجوبي ولم يتفطن بسره الذي هو التوحيد الذاتي إذ الأمر بسجود المظهر الجامع والظل الكامل انما هو امر في الحقيقة بالتوجه نحو ذي الظل الذي هو الذات الاحدية والمعبود الحقيقي المتجلى عليه رده سبحانه وطرده عن ساحة عز حضوره حيث قالَ سبحانه مهددا إياه مبعدا فَاهْبِطْ ايها المطرود الملعون وابعد مِنْها من ساحة عز التوحيد وجنة الذات المقتضية اللائقة المستحقة للتذلل والتخشع ورفض الالتفات الى الغير والسوى مطلقا فَما يَكُونُ اى ما يصح وما يجوز لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها بادعاء التفضل والتفوق المقتضى للاضافات الناشئة من انانيتك الباطلة فَاخْرُجْ منها مطرودا مخذولا إِنَّكَ حيث كنت واين أنت مِنَ الصَّاغِرِينَ الذليلين المحرومين بل أنت بخباءتك هذه سبب صغار عموم الأذلاء وسائر الأشقياء ثم لما ايس إبليس عن القبول وحرم عليه ساحة عز الحضور بسبب إبائه عن سجود آدم وامتناعه قالَ إبليس منتقما من آدم متضرعا الى ربه أَنْظِرْنِي وأمهلني يا ربي فيما بينهم لاضلهم واغويهم إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ سبحانه إظهارا للسر الذي قد أسلفناه في سورة البقرة إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ فيما بينهم ليتميز المحق منهم عن المبطل والمهدى عن الغوى قالَ إبليس فَبِما أَغْوَيْتَنِي اى بسبب ما بعدتنى وطردتني يا رب لأجلهم لَأَقْعُدَنَّ والزمن انا البتة لَهُمْ اى لإغوائهم واضلالهم صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ اى على دينك وطريقك الذي أنت حسب حكمتك قد وضعت فيما بينهم لتوصلهم الى طريق توحيدك فاغويهم وارديهم دائما وأوسوس عليهم مستمرا بأنواع الوسوسة بعضهم بالفسق والظلم وبعضهم بالرياء والسمعة وبعضهم بالمخايل الفاسدة من اللذات الوهمية والخيالية وبالجملة اوسوسهم والبس عليهم لاخرجهم بأنواع المكر والحيل عن جادة توحيدك وصراطك المستقيم ثُمَّ بعد ما اثر وسوستي في نفوسهم وسرى الى سرهم وقلوبهم لَآتِيَنَّهُمْ من جميع جهاتهم وجوانبهم مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ اى لضلهم بالمعاصي الحاصلة من قدامهم وكذا بالمعاصي الحاصلة مِنْ خَلْفِهِمْ وَايضا عَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَبالجملة استسخرهم واحيط عليهم باغوائى ووسوستي الى حيث لا تَجِدُ يا معز كل ذليل ومذل كل عزيز حين رجعوا نحوك وحصلوا دونك أَكْثَرَهُمْ بعد رجوعهم إليك شاكِرِينَ صارفين ما أوليتهم من النعم الى ما امرتهم ثم لما طرده الحق وأبعده وانظره ابتلاء لعباده قالَ سبحانه اخْرُجْ ايها المردود المطرود مِنْها اى

стр. 244

من عرصة اهل الوحدة وجنة التوحيد مَذْؤُماً حال كونك حاملا للمذمة والمذلة مَدْحُوراً مطرودا مستوجبا للعنة مستحقا بها وافعل بهم ما شئت والله لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ بعد ما أظهرتهم على صورتي وكرمتهم بكرامتي على جميع خليقتي ونفخت فيهم من روحي وتجليت عليهم بعموم أوصافي وأسمائي وأرسلت إليهم رسلي وانبيائى وأنزلت عليهم كتبي لتبيين طريق توحيدي ولا سيما قد نبهت لهم عداوتك وتضليلك إياهم ووسوستك عليهم وبالغت في تخويفهم عنك وعن اغرائك وتغريرك عليهم بما يذلهم ويغويهم ويزيلهم عن صراط توحيدي وجادة هدايتي لأطردنهم البتة عن عز حضورى واخرجنهم عن جنة سروري واعلموا يا بنى آدم انى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ البعد وسعير الخذلان مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ان اتبعتم عدوى وعدوكم إبليس فعليكم ان تجتنبوا عن غوائله وَبعد ما طرد سبحانه إبليس بشؤم ما امتنع من تكريم آدم قال سبحانه لآدم ابتلاء له واختبارا وتوصية له بحفظ مرتبته مناديا له على سبيل الترحم يا آدَمُ المكرم المسجود اسْكُنْ أَنْتَ بمتابعة عقلك الموهوب لك المفاض من العقل الكل الذي هو حضرة علمنا وَزَوْجُكَ بمتابعة نفسها الفائضة عليها من النفس الكلية التي هي حضرة قدرتنا الْجَنَّةَ التي هي مقر اهل التوحيد ومنزل ارباب الولاء والتجريد من الواصلين الفائزين بشرف القبول والوصول فَكُلا منها مِنْ حَيْثُ شِئْتُما واحظظا من لذاتها الروحانية من حقائقها ومعارفها وشهوداتها وكشوفاتها وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ التي هي من اغذية انفسكم الامارة ومن اهوية هوياتكم البهيمية التي بها بعدكم وافتراقكم عن الله تعالى وانحرافكم عن طريق توحيده فَتَكُونا بتقربها وتناولها مِنَ الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضى الأمر والحكم الإلهي المستحقين لطرده ومقته فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ اى أوقعهما في الدغدغة بأمر الشجرة وان كان وسوسته ايضا من مقتضيات الحكمة المتقنة الإلهية بعد ما وصاهما الحق سبحانه ونهاهما عنه وليس غرضه الا نزع لباس الصيانة والتقوى عنهما لِيُبْدِيَ اى يظهر لَهُما ما وُورِيَ اى غطى وستر عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما التي هي من مقتضيات بشريتهما ومن نتائج هويتهما الباطلة وَبعد ما اشربهما الوسوسة واثرت فيهما قالَ على وجه الشفقة والنصيحة وارادة الخير ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ المباركة المزيحة عنكم لوث بشريتكم إِلَّا كراهة أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ بتناولها أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ فيها وَبعد ما نصحهما واشفقهما وسمعا منه ما سمعا قاسَمَهُما اى بادر الى القسم تأكيدا وترويجا لقوله إياهما ونصحه لهما قائلا والله إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ المشفقين المريدين خيركما وبالجملة فَدَلَّاهُما اى اسقطهما عن معالى العز الى مهاوي الذل بِغُرُورٍ قد غرهما به على وجه الانتقام فَلَمَّا سمعا قوله وقبلا غروره ذاقَا الشَّجَرَةَ مطمعين على ما اغريهما من الشرف والخلود وبعد ما ذاقا منها بَدَتْ وظهرت لَهُما سَوْآتُهُما عوراتهما إذ قد نزع عنهما لباس التقوى وثياب العصمة أولا وَبعد ما نزع لباسهما وظهر سوآتهما طَفِقا وأخذا يَخْصِفانِ يلصقان ويلزقان عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ اى أشجارها قيل هي التينة وقيل الكرمة وَبعد ما بدى منهما ما بدى ناداهُما رَبُّهُما موبخا مقرعا أَلَمْ أَنْهَكُما ايها المسرفان المفسدان عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَالم أَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ المضل المغوى لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة شديد الخصومة ولا تسمعا قوله ولا تتبعا امره ثم لما سمعا من ربهما ما سمعا قالا متضرعين متذللين معترفين على زلتهما رَبَّنا يا من ربانا على فطرة الهداية والرشد قد ظَلَمْنا

стр. 245

أَنْفُسَنا بمتابعة عدونا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا ولم تتجاوز عنا وَلم تَرْحَمْنا بفضلك وجودك لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ خسرانا عظيما ثم لما صدر منهما ما صدر بوسوسة عدوهما امر سبحانه باخراجهما عن دار السرور الى دار الابتلاء والغرور حيث قالَ سبحانه اهْبِطُوا اى انزلوا وانحطوا ايها المتجاوزون عن حدودنا أصلا وفرعا تابعا ومتبوعا عن مقر العز ومرتبة الإطلاق والتجريد الخالي عن عموم الإضافات والتقييد الى محل الكون والفساد ومنزل البغي والعناد إذ بَعْضُكُمْ في دار الدنيا التي هي نشأة الاختبار والابتلاء لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ابدا لا يرتفع الخصومة عنكم أصلا وَلَكُمْ ايها المتخاصمون فِي الْأَرْضِ التي هي مرتع الطبيعة ومحل الفتن مُسْتَقَرٌّ موضع قرار وَمَتاعٌ اى تمتع وتنعم من لذاتها وشهواتها إِلى حلول حِينٍ قدر الله سبحانه بمقتضى حكمته لانقضاء آجالكم وانقطاع آمالكم ثم لما تحيرا واضطربا في أمرهما وفساد حالهما قالَ سبحانه منبها عليهما فِيها اى في ارض الطبيعة تَحْيَوْنَ بالحيوة المستعارة الطبيعية وَفِيها ايضا تَمُوتُونَ بالموت الطبيعي وَمِنْها ايضا تُخْرَجُونَ لجزاء ما اقترفتم من خير وشر وتقرب وتبعد عن الحق في حياتكم الطبيعية التي هي دار الابتلاء ومزرعة الأجر والجزاء ان خيرا فخير وان شرا فشر. ثم قال سبحانه مناديا لكم ايها المكلفون في مقام الامتنان وتعديد النعم والإحسان لتواظبوا بشكر نعمه وتداوموا على أداء حقوق كرمه وتحافظوا على انقياده وأطاعته بعد ما صدر عنكم الكفر والكفران والخروج عن مقتضى الأوامر والنواهي يا بَنِي آدَمَ المجبولين على فطرة الخلافة والنيابة قَدْ أَنْزَلْنا من مقام فضلنا وجودنا عَلَيْكُمْ لِباساً اى عقلا مفاضا مدبرا يُوارِي ويستر بتدبيره سَوْآتِكُمْ اى عموم مقتضيات بشريتكم ولوازم بهيميتكم وَوهبنا لكم ايضا من وفور لطفنا عليكم رِيشاً اى معارف وحقائق نزينكم ونميزكم بها عن جميع المخلوقات ونستخلفكم بسببها من بين سائر البريات وَاعلموا ان أفضل اوصافكم وأكملها وأجملها لِباسُ التَّقْوى عن محارم الله والاجتناب عن عموم منهياته ومحظوراته فعليكم ان تلبسوها وتتحفظوا بها عن عموم ما لا يليق لمرتبتكم وفطرتكم وبالجملة ذلِكَ اى لباس التقوى خَيْرٌ لكم وحقيق بحالكم ورتبتكم ان أردتم ان تصلوا الى مرتبة التوحيد التي قد جبلتم لأجلها ذلِكَ اى المنزل المذكور مِنْ جملة آياتِ اللَّهِ الدالة على استقلاله سبحانه في ألوهيته وكمال استحقاقه في ربوبيته انما أنزلها عليهم لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ رجاء ان يتذكروا نعمه فيعرفوا المنعم وينكشفوا بتوحيده ثم ناداهم سبحانه ثانيا وأوصاهم بقوله يا بَنِي آدَمَ مقتضى خلافتكم ونيابتكم ان لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ اى لا يوقعنكم في الغي والضلال بفتنته ووسوسته كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ بالفتنة والغرور مِنَ الْجَنَّةِ التي هي دار السرور ومنزل الحضور وأهبطهما بوسوسته الى الأرض التي هي محل المحن والشرور حيث يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما اى تسبب للنزع بتغريرهما واغرائهما الى تناول المنهي عنه لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما انتقاما عنهما وتفضيحا لهما فعليكم ايها الأبناء والذراري ان تجتنبوا عن غوائله وتتعوذوا الى الله عن عموم مخايله وتتخذوه سبحانه وقاية ووكيلا حتى تتخلصوا عن وسوسة شياطين الأهواء وتسويلات القوى الامارة المائلة الى المكر والمراء وعليكم ان لا تغفلوا عنه بحال إِنَّهُ دائما يَراكُمْ ويرقبكم هُوَ اى الشيطان نفسه وَقَبِيلُهُ اى جنوده الامارة بالسوء رؤية صادرة عن محض العداوة والطغيان مِنْ حَيْثُ اى من مكان

стр. 246

لا تَرَوْنَهُمْ أنتم إياهم إذ هم مرتكزون في نفوسكم يضلونكم ويغوونكم على صورة الهداية والإرشاد فعليكم ان تخالفوا اهوية نفوسكم مطلقا وتجانبوا عن مناها ومشتهياتها ومع ذلك تضرعوا نحونا وتعوذوا بنا من غوائلهم ومخايلهم إِنَّا جَعَلْنَا بمقتضى حكمتنا المتقنة الشَّياطِينَ اى عموم الطواغيت المضلة عن سواء السبيل أَوْلِياءَ مسلطين مستولين لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بوحدة ذاتنا واستقلال استيلائنا وبسطتنا على ذرائر عروش ملكنا وملكوتنا وَمن علامة تسليطنا إياهم انهم إِذا فَعَلُوا اى الكافرون الخارجون عن مقتضى الحدود الإلهية بتغرير الشياطين ووسوستهم فاحِشَةً اى فعلة ذميمة قبيحة متناهية في القبح والشناعة فنهوا عنها وأمروا بالكف والترك على لسان رسلنا وانبيائنا قالُوا في الجواب مصرين قد وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَهم يقولون اللَّهُ أَمَرَنا بِها في ما انزل علينا على لسان نبينا فيما مضى قُلْ يا أكمل الرسل نيابة عنا إِنَّ اللَّهَ العليم الحليم الهادي لعباده الى طريق توحيده لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ المنافية للعدالة الإلهية المسقطة للمروة مطلقا أَتَقُولُونَ ايها المفترون عَلَى اللَّهِ المنزه عن شوب النقص وسمته مطلقا ما لا تَعْلَمُونَ لياقته بشأنه تعالى عما يقول الظالمون قُلْ يا أكمل الرسل قد أَمَرَ رَبِّي حسب فضله ولطفه على وعلى عموم من أمرهم ونهاهم من عباده بِالْقِسْطِ والعدل السوى في جميع مأموراته ومنهياته بلا ميل الى جانبي الإفراط والتفريط وَعليكم ايها المؤمنون ان أَقِيمُوا واستقيموا وُجُوهَكُمْ التي بها ميلكم وتوجهكم نحو الحق بلا ميل الى ما سواه سيما عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ومقام تتذللون فيه وتتوجهون نحوه وتبثونه لأجله وَبالجملة ادْعُوهُ وتوجهوا نحوه حال كونكم مستقيمين في إطاعتكم وانقيادكم مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ اى الطاعة والانقياد بلا شوب الميل الى الغير والسوى مطلقا واعلموا ايها الاظلال الزائلة والعكوس الهالكة المستهلكة في اشعة شمس الذات كَما بَدَأَكُمْ الله وأظهركم من كتم العدم بمد ظله إليكم ورش نوره عليكم تَعُودُونَ نحوه بقبض الظل وطيه فانظروا ما أنتم عليه ايها الاظلال الهلكى ومع ذلك فَرِيقاً منكم هَدى بتوفيق الله الى مبدأه ومعاده وَفَرِيقاً آخر وقد ضل وغوى لذلك حَقَّ وثبت واستقر عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ في مكمن القضاء وكيف لا يحق ولا يحيط بهم الضلال إِنَّهُمُ من غاية غفلتهم وغرورهم قد اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ وأخذوهم أَوْلِياءَ آلهة مِنْ دُونِ اللَّهِ الواحد الأحد المتوحد بذاته وَيَحْسَبُونَ بسبب هذا الاتخاذ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ الى طريق النجاة بل هم ضالون تائهون يا بَنِي آدَمَ المجبولين على زي التقوى ولباس السلامة خُذُوا زِينَتَكُمْ التي زينكم الله بها من الحقائق والمعارف والمكاشفات والمشاهدات سيما عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ومقام معد للميل والتوجه نحو الحق بوجوهكم التي تلى الحق وَمع ذلك لا تهملوا امر مراكبكم التي هي نفوسكم وهوياتكم لئلا تبطلوا صنع الله ولا تخربوا بنيانه بل كُلُوا مقدار سد الجوعة مما اباحه الله تعالى لكم وَاشْرَبُوا قدر دفع العطش من المباح وَلا تُسْرِفُوا فيهما بحيث يؤدى الى تقوية القوى البهيمية إِنَّهُ سبحانه حكيم في عموم افعال عباده عليم بمقاديرها لذلك لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ المتجاوزين عن حد الحكمة والعدالة ولا يرضى عن فعلهم هذا لاخلال اسراف الاكل والشرب على الميل المعنوي الذي هم جبلوا لأجله إذ الشبع يميت القلب وينقص الجودة الانسانية ويزيد القوى البهيمية قُلْ يا أكمل الرسل للمحجوبين من اهل الظاهر

стр. 247

المحرومين عن الرزق المعنوي المحرمين لأنفسهم التوجه نحو التوحيد الذاتي في هذه النشأة مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ واظهر لِعِبادِهِ الخلص المخصوصين المختصين من ذرائر الكائنات بتجليات الأسماء والصفات الذاتية وَكذا من حرم الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ المعنوي والمستلذات الروحانية قُلْ لهم يا أكمل الرسل هِيَ حاصلة حاضرة مشهودة مشاهدة لِلَّذِينَ آمَنُوا بالتوحيد الإلهي فِي الْحَياةِ الدُّنْيا والنشأة الاولى ايضا لكنها مشوبة مخلوطة بالقوى البشرية والكدورات البهيمية فتصير خالِصَةً ممتازة لهم يَوْمَ الْقِيامَةِ بلا شوب كدورة وخلط غفلة حين انتزعوا عن جلباب الهويات الباطلة في البسة التعينات العاطلة مطلقا كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ الدالة على توحيدنا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ علما يقينا ويتوجهون نحو الكشف والعيان قُلْ يا أكمل الرسل المولى لتدبير مصالح عموم العباد إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ والقبائح الصادرة عن ذوى الأحلام السخيفة والنفوس الخبيثة ما ظَهَرَ مِنْها وسرى أثرها الى الغير من الظلم وشهادة الزور ورمى المحصن والغيبة والنميمة وغيرها من القبائح التي قد صدرت من الالسنة والأيدي وتعدت آثارها الى الغير وَكذا ما بَطَنَ من القبائح التي صدرت من الفروج وما يترتب عليها ويؤدى إليها من مقدماتها وَبالجملة كل ما يوجب الْإِثْمَ المستلزم للانتقام والعقاب شرعا وَالْبَغْيَ اى الخروج على الولاة وجمهور المسلمين بِغَيْرِ الْحَقِّ اى بلا رخصة شرعية وَاعلموا ان أعظم المحرمات جرما وأشدها انتقاما عند الله أَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد المنزه عن الشركة مطلقا ما اى شيأ من مصنوعاته مع انه لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً اى حجة وبرهانا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ افتراء ومراء ما لا تَعْلَمُونَ ثبوته له لا عقلا ولا نقلا وَاعلموا ان لِكُلِّ أُمَّةٍ من الأمم العاصية الضالة أَجَلٌ مقدر من عند الله لمقتهم وهلاكهم فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ المقدر المبرم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ اى لا يسع لهم فيه لا طلب التأخير بمقتضى اهويتهم ولا طلب التقديم تخليصا لنفوسهم من الأذى بل امره حتم نازل في وقته وحينه بلا تخلل تقدم وتأخر لكمال قدرته سبحانه ومتانة حكمه وحكمته يا بَنِي آدَمَ المستكملين القابلين للإرشاد والتكميل المستعدين لفيضان كمال التوحيد إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ اى ان يأتينكم ويرسلن إليكم رُسُلٌ مِنْكُمْ اى من جنسكم وبنى نوعكم إذ هم ادخل لنصحكم وإرشادكم وانسب لجذب قلوبكم واشفق عليكم من الأجانب حال كونهم يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي المنزلة من عندي الدالة على وحدة ذاتى فعليكم ان تصدقوهم وتؤمنوا لهم وبعموم ما جاءوا به من عندي من الأوامر والنواهي فَمَنِ اتَّقى منكم عن محارم الله بواسطة رسله وآياته وَأَصْلَحَ اى أخلص اعماله لله بلا ترقب على الأجر والجزاء فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ لا في النشأة الاولى ولا في الاخرى وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ عن سوء المنقلب والمثوى وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا المنزلة على رسلنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها وعن من أنزلت اليه عتوا وعنادا أُولئِكَ المكذبون المستكبرون أَصْحابُ النَّارِ المعدة لجزاء المخذولين من اهل الضلال هُمْ فِيها خالِدُونَ لا نجاة لهم منها أصلا نعوذ بك من سخطك يا ذا القوة المتين وبعد ما أرسل الرسل وانزل الكتب فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ المنزه عن عموم الفرية والمراء كَذِباً ونسب اليه سبحانه ما لم يصدر عنه افتراء أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ الصادرة عنه عنادا ومكابرة أُولئِكَ المفترون المكذبون يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ اى مما كتب في اللوح المحفوظ وثبت فيه

стр. 248

من العذاب والنكال لذوي الجرائم والآثام حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ اى ملائكتنا الموكلون عليهم لقبض أرواحهم قالُوا لهم توبيخا وتقريعا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ وتعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ وتعتقدونهم شفعاء شركاء قالُوا متضرعين مضطرين قد ضَلُّوا عَنَّا وغابوا عن أعيننا بعد ما أضلونا عن طريق الحق وَشَهِدُوا حينئذ واعترفوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا في مدة حياتهم كافِرِينَ ضالين عن طريق الحق ساترين له قالَ سبحانه من وراء سرادقات العز والجلال بمقتضى عدله السوى ادْخُلُوا ايها الضالون المكذبون فِي زمرة أُمَمٍ عاصية كافرة قَدْ خَلَتْ ومضت مِنْ قَبْلِكُمْ على الكفر والضلال أمثالكم كائنة مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ المعدة لجزاء العصاة الغواة الكفرة وبعد صدور الأمر الوجوبي منه سبحانه صار الأمر والشان بحيث كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ في نار الخذلان وسجن الحرمان لَعَنَتْ أُخْتَها التي اضلتها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا اى تداركوا وتلاحقوا فِيها جَمِيعاً مزدحمين مجتمعين قالَتْ أُخْراهُمْ اى تابعوهم ومتأخروهم لِأُولاهُمْ لأجل متبوعيهم ومقدميهم وفي حقهم مشيرين إليهم متضرعين الى الله رَبَّنا يا من ربانا على فطرة الهداية والرشد هؤُلاءِ الضالون المضلون قد أَضَلُّونا عن طريق هدايتك وارشادك بوضع سنن الغي والضلال بيننا فاقتدينا بهم وبسننهم فضللنا فَآتِهِمْ الآن وانزل عليهم عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ اى مثلي عذابنا لأنهم ضالون مضلون قالَ سبحانه بمقتضى عدله القويم لِكُلٍّ منكم ايها الاتباع والمتبوعون ضِعْفٌ من النار اما المتبوعون فلضلالهم واضلالهم واما التابعون فاضلالهم في أنفسهم وتقليدهم بهؤلاء الغواة المضلين لا بالأنبياء الهادين وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ أنتم لا استحقاقكم ولا استحقاقهم وَبعد ما سمعت الاولى المتبوعون المضلون من الاخرى الضالين التابعين ما سمعت قالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ انا وأنتم مستوون في الضلال فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ تستحقون به تخفيفا بل فَذُوقُوا الْعَذابَ أنتم بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ كما نذوقه بما نكسب ثم قال سبحانه إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا الدالة على وحدة ذاتنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها ولم يؤمنوا بها عتوا وعنادا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ اى سماء الأسماء والصفات الإلهية والأعيان الثابتة الجبروتية حتى يفيض عليهم من الفيوضات والفتوحات اللاهوتية لينكشفوا بوحدة الذات الاحدية وَبالجملة هم لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ اى مقر الوحدة الذاتية حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ اى دخولهم في مقر الوحدة وحيطتها في الاستحالة كولوج الجمل في سم الخياط بل أشد استحالة وامتناعا منه هذا مثل يضرب في الممتنعات والمستحيلات مبالغة وَبالجملة كَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ المخرجين عن ساحة عز الوحدة بجرائم اهوية هوياتهم الباطلة وبالجملة لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ اى من لوازم الإمكان مِهادٌ وفراش يحترقون عليه بنيران الامنية والآمال الطويلة وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ اى اغشية وأغطية متخذة من سعير الجاه والمال ودعوى الفضل والكمال وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ المتجاوزين عن مقتضى الحدود الإلهية بمقتضيات نفوسهم المنغمسة في اللذات الحسية والوهمية والخيالية ثم قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة في كتابه من تعقيب الوعيد بالوعد وَالَّذِينَ آمَنُوا بوحدة الحق وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ المقربة نحوه بمقتضى استعداداتهم وقابلياتهم وبمقدار وسعهم وطاقتهم تأكيدا لإيمانهم مع انا لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أُولئِكَ السعداء الباذلون مهجهم وجهدهم في سلوك سبيل الفناء أَصْحابُ الْجَنَّةِ المعدة لأرباب المحبة والولاء

стр. 249

المتمكنين في مقام الرضاء بعموم ما جرى عليهم من القضاء هُمْ فِيها خالِدُونَ ما شاء الله إذ لا حول ولا قوة الا بالله وَبعد ما دخلوا جنة الوحدة نَزَعْنا اى امطنا وأخرجنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ مشعر بالاثنينية والأنانية ليتمكنوا في مقر الوحدة مطمئنين متوجهين إذ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ اى جداول المعارف المترشحة من بحر الوجود وَبعد ما كوشفوا بفناء تعيناتهم وفوزوا بالبقاء السرمدي الإلهي قالُوا بلسان استعداداتهم بإلقاء الله إياهم بعد ما تحققوا بمقام الشكر الْحَمْدُ والثناء المنبعث عن محض التسليم والرضا ثابت لِلَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد الَّذِي هَدانا لِهذا اى أوصلنا بمقام الرضا بالقضاء وشرف اللقاء والفوز بالبقاء وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ بأنفسنا لو بقينا في حبس هوياتنا وسجن تعيناتنا لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ المنعم المفضل بمقتضى لطفه وسعة رحمته وجوده وحين تمكنوا في مقام الكشف والشهود اقسموا بالله متبركا متيمنا لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا لإرشادنا وتكميلنا متلبسين بِالْحَقِّ المطابق للواقع وعموم ما جاءوا به وبعد ما تحققوا بمقام الشكر وَاعترفوا بما اعترفوا نُودُوا من وراء سرادقات المعظمة والجلال أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ اى الوحدة الذاتية أُورِثْتُمُوها اى قد أعطيتموها وتمكنتم فيها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بمقتضى أوامر الله ونواهيه وارشاد رسله وتذكير كتبه وَبعد ما قد تمكن اهل الجنة في الجنة واهل النار في النار نادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ ليفتضحوا على رؤس الاشهاد أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا من المواعيد والتبشيرات على السنة رسله وكتبه حَقًّا صدقا يقينا بعد ما تيقناه علما ويقينا في ما مضى فَهَلْ وَجَدْتُمْ ايها المحبوسون في سجن الإمكان ونار الحرمان ما وَعَدَ رَبُّكُمْ لكم من الوعيدات الهائلة والإنذارات الشديدة الجارية على السنة الرسل والكتب حَقًّا مطابقا للواقع أم لا قالُوا متحسرين متأسفين مضطرين مضطربين عما هم عليه نَعَمْ الآن قد أصبنا ما كذبنا وحققنا ما أبطلنا وأيقنا ما أنكرنا وبعد ما جرى بينهم من المقالة ما جرى فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ اى هتف هاتف من وراء سرادقات العظمة والجلال الا أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ المنتقم الغيور وطرده وتبعيده نازل ثابت عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ ينصرفون وينحرفون عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ المستقيم الموصل الى جنة الوحدة وروضة التسليم وَيَبْغُونَها اى يطلبون ان يحدثوا فيها عِوَجاً ويوقعوا فيها زيغا وضلالا وينصرفوا عنها انصرافا وانحرافا وَبالجملة هُمْ قد كانوا بِالْآخِرَةِ المعدة للجزاء وتنقيد الأعمال كافِرُونَ مكذبون لها منكرون بها وَبَيْنَهُما اى بين الموحدين المتمكنين في نعيم الجنان المشرفين بشرف لقاء الرّحمن وبين المشركين المحبوسين في سجن الإمكان المحترقين بنيران الحرمان حِجابٌ لا يدرك كنهه الا العليم العلام وَعَلَى الْأَعْرافِ اى البرزخ المعهود رِجالٌ من الأبرار يَعْرِفُونَ كُلًّا من الفريقين بِسِيماهُمْ اى بوجوههم التي يلي الحق والباطل وهم متقررون في البرزخ لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء وَنادَوْا اى اهل البرزخ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ هنيئا لكم ما تتنعمون فيها وتتمتعون بها مع انهم وان لَمْ يَدْخُلُوها بعد وَهُمْ يَطْمَعُونَ دخولها اتكالا على فضل الله وسعة رحمته وجوده وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ بغتة اى ابصار اهل البرزخ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا متضرعين متخشعين رَبَّنا وان صدر عنا ما صدر من التقصير لا تَجْعَلْنا حسب لطفك وجودك مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضيات حدودك مطلقا عنادا وإصرارا وَنادى

стр. 250

أَصْحابُ الْأَعْرافِ على سبيل التوبيخ والتقريع رِجالًا من صناديد اصحاب النار قد كانوا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ اى بوجوههم الباطلة العاطلة المبعدة عن الحق من المال والجاه والثروة والنخوة والرياسة وغيرها قالُوا لهم متهكمين متعرضين ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ اى ما أسقط جمعكم المال وجمعيتكم بسبب الجاه والثروة شيئا من عذاب الله وما دفع عنكم من نكاله وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ اى ما يفيدكم استكباركم على خلق الله وآياته اليوم انظروا ايها الحمقى الهالكون أَهؤُلاءِ المترفهون المتنعمون في مقر العز والتمكين هم الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ أنتم في النشأة الاولى مستهزئين لهم متهكمين لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ وفضل في النشأة الاخرى ايضا كما لم ينالوا في الاولى انظروا كيف حالهم فيها وكيف قيل لهم كرامة وتكريما من قبل الحق تفضلا عليهم وامتنانا ادْخُلُوا الْجَنَّةَ التي هي دار الأمن والامان ومنزل الفرح والسرور لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ اليوم بعد ما دخلتم فيها وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ من فوت شيء وتعويقه وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ صارخين مستغيثين متمنين متحسرين أَنْ أَفِيضُوا وصبوا عَلَيْنا مِنَ رشحات الْماءِ الذي هو سبب حياتكم الحقيقية وبقائكم السرمدي أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ الجواد الكريم من الرزق الصوري والمعنوي قالُوا في جوابهم بالهام الله إياهم إِنَّ اللَّهَ المطلع على استعدادات عباده قد حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ الذي هو سبب حياتهم الحقيقية في هذه النشأة في الحيوة الدنيا والنشأة الاولى لَهْواً وَلَعِباً يلهون ويلعبون به ويكذبون من أرسل إليهم وانزل عليه الكتب لتبيينه متهكمين معه مستهزئين إياه وَما ذلك الا ان غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا بمزخرفاتها من اللذات الجسمانية والشهوات النفسانية وصاروا بسبب تغريرها ناسين العهود والمواثيق التي جرت بيننا وبينهم في بدأ فطرتهم فَالْيَوْمَ اى حين انكشفت السرائر وارتفعت الحجب نَنْساهُمْ ولم نلتفت نحوهم كَما نَسُوا في النشأة الاولى لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا في النشأة الاخرى مع ورود الإنذارات والتخويفات الجارية على السنة الرسل والكتب وَما كانُوا اى وكما كانوا بِآياتِنا الدالة على أمثال هذه المثوبات والإنعامات يَجْحَدُونَ ينكرون ويصرون كذلك يخلدون في النار وينسون وَكيف لا يخلدون في النار ولا ينسون لَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ مبين لجميع احوال النشأتين واحكامهما مع انا قد فَصَّلْناهُ وأوضحنا معانيه وبينا ما فيه من العقائد والاحكام مفصلا عَلى عِلْمٍ حضورى منا متعلق بتفصيله بحيث لا يشذ عن علمنا شيء أصلا وانما فصلناه وأوضحناه وجئنا به ليكون هُدىً اى هاديا ومرشدا ودليلا يرشد ويهدى الى توحيدنا وَرَحْمَةً مخلصة عن سجن الطبيعة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ به وبحقيته وبعد ما آمنوا به وبما فيه من احوال النشأة الاولى والاخرى هَلْ يَنْظُرُونَ وما ينتظرون أولئك المؤمنون إِلَّا تَأْوِيلَهُ اى ما يئول اليه وما يترتب عليه بعد ما حصل لهم الإذعان بالوقوع يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ويظهر مآله يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ ونبذوه وراء ظهورهم مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ المطابق للواقع فكذبناهم نحن مكابرة وعنادا فَهَلْ لَنا اليوم مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا ليخلصونا من نكال ما أجرمنا أَوْ نُرَدُّ بشفاعتهم على أعقابنا فَنَعْمَلَ حينئذ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ في ايام الغفلة وبالجملة هم قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بالكفر والشرك وعبادة الغير وَمع ذلك قد ضَلَّ اى غاب وخفى عَنْهُمْ لدى الحاجة ما كانُوا يَفْتَرُونَ لشركائهم من الشفاعة والمظاهرة وكيف لا تتنبهون ولا تنكشفون ايها العقلاء
следующие страницы →