لا تَرَوْنَهُمْ أنتم إياهم إذ هم مرتكزون في نفوسكم يضلونكم ويغوونكم على صورة الهداية والإرشاد فعليكم ان تخالفوا اهوية نفوسكم مطلقا وتجانبوا عن مناها ومشتهياتها ومع ذلك تضرعوا نحونا وتعوذوا بنا من غوائلهم ومخايلهم إِنَّا جَعَلْنَا بمقتضى حكمتنا المتقنة الشَّياطِينَ اى عموم الطواغيت المضلة عن سواء السبيل أَوْلِياءَ مسلطين مستولين لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بوحدة ذاتنا واستقلال استيلائنا وبسطتنا على ذرائر عروش ملكنا وملكوتنا
وَمن علامة تسليطنا إياهم انهم إِذا فَعَلُوا اى الكافرون الخارجون عن مقتضى الحدود الإلهية بتغرير الشياطين ووسوستهم فاحِشَةً اى فعلة ذميمة قبيحة متناهية في القبح والشناعة فنهوا عنها وأمروا بالكف والترك على لسان رسلنا وانبيائنا قالُوا في الجواب مصرين قد وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَهم يقولون اللَّهُ أَمَرَنا بِها في ما انزل علينا على لسان نبينا فيما مضى قُلْ يا أكمل الرسل نيابة عنا إِنَّ اللَّهَ العليم الحليم الهادي لعباده الى طريق توحيده لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ المنافية للعدالة الإلهية المسقطة للمروة مطلقا أَتَقُولُونَ ايها المفترون عَلَى اللَّهِ المنزه عن شوب النقص وسمته مطلقا ما لا تَعْلَمُونَ لياقته بشأنه تعالى عما يقول الظالمون
قُلْ يا أكمل الرسل قد أَمَرَ رَبِّي حسب فضله ولطفه على وعلى عموم من أمرهم ونهاهم من عباده بِالْقِسْطِ والعدل السوى في جميع مأموراته ومنهياته بلا ميل الى جانبي الإفراط والتفريط وَعليكم ايها المؤمنون ان أَقِيمُوا واستقيموا وُجُوهَكُمْ التي بها ميلكم وتوجهكم نحو الحق بلا ميل الى ما سواه سيما عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ومقام تتذللون فيه وتتوجهون نحوه وتبثونه لأجله وَبالجملة ادْعُوهُ وتوجهوا نحوه حال كونكم مستقيمين في إطاعتكم وانقيادكم مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ اى الطاعة والانقياد بلا شوب الميل الى الغير والسوى مطلقا واعلموا ايها الاظلال الزائلة والعكوس الهالكة المستهلكة في اشعة شمس الذات كَما بَدَأَكُمْ الله وأظهركم من كتم العدم بمد ظله إليكم ورش نوره عليكم تَعُودُونَ نحوه بقبض الظل وطيه فانظروا ما أنتم عليه ايها الاظلال الهلكى
ومع ذلك فَرِيقاً منكم هَدى بتوفيق الله الى مبدأه ومعاده وَفَرِيقاً آخر وقد ضل وغوى لذلك حَقَّ وثبت واستقر عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ في مكمن القضاء وكيف لا يحق ولا يحيط بهم الضلال إِنَّهُمُ من غاية غفلتهم وغرورهم قد اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ وأخذوهم أَوْلِياءَ آلهة مِنْ دُونِ اللَّهِ الواحد الأحد المتوحد بذاته وَيَحْسَبُونَ بسبب هذا الاتخاذ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ الى طريق النجاة بل هم ضالون تائهون
يا بَنِي آدَمَ المجبولين على زي التقوى ولباس السلامة خُذُوا زِينَتَكُمْ التي زينكم الله بها من الحقائق والمعارف والمكاشفات والمشاهدات سيما عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ومقام معد للميل والتوجه نحو الحق بوجوهكم التي تلى الحق وَمع ذلك لا تهملوا امر مراكبكم التي هي نفوسكم وهوياتكم لئلا تبطلوا صنع الله ولا تخربوا بنيانه بل كُلُوا مقدار سد الجوعة مما اباحه الله تعالى لكم وَاشْرَبُوا قدر دفع العطش من المباح وَلا تُسْرِفُوا فيهما بحيث يؤدى الى تقوية القوى البهيمية إِنَّهُ سبحانه حكيم في عموم افعال عباده عليم بمقاديرها لذلك لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ المتجاوزين عن حد الحكمة والعدالة ولا يرضى عن فعلهم هذا لاخلال اسراف الاكل والشرب على الميل المعنوي الذي هم جبلوا لأجله إذ الشبع يميت القلب وينقص الجودة الانسانية ويزيد القوى البهيمية
قُلْ يا أكمل الرسل للمحجوبين من اهل الظاهر
стр. 247
المحرومين عن الرزق المعنوي المحرمين لأنفسهم التوجه نحو التوحيد الذاتي في هذه النشأة مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ واظهر لِعِبادِهِ الخلص المخصوصين المختصين من ذرائر الكائنات بتجليات الأسماء والصفات الذاتية وَكذا من حرم الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ المعنوي والمستلذات الروحانية قُلْ لهم يا أكمل الرسل هِيَ حاصلة حاضرة مشهودة مشاهدة لِلَّذِينَ آمَنُوا بالتوحيد الإلهي فِي الْحَياةِ الدُّنْيا والنشأة الاولى ايضا لكنها مشوبة مخلوطة بالقوى البشرية والكدورات البهيمية فتصير خالِصَةً ممتازة لهم يَوْمَ الْقِيامَةِ بلا شوب كدورة وخلط غفلة حين انتزعوا عن جلباب الهويات الباطلة في البسة التعينات العاطلة مطلقا كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ الدالة على توحيدنا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ علما يقينا ويتوجهون نحو الكشف والعيان
قُلْ يا أكمل الرسل المولى لتدبير مصالح عموم العباد إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ والقبائح الصادرة عن ذوى الأحلام السخيفة والنفوس الخبيثة ما ظَهَرَ مِنْها وسرى أثرها الى الغير من الظلم وشهادة الزور ورمى المحصن والغيبة والنميمة وغيرها من القبائح التي قد صدرت من الالسنة والأيدي وتعدت آثارها الى الغير وَكذا ما بَطَنَ من القبائح التي صدرت من الفروج وما يترتب عليها ويؤدى إليها من مقدماتها وَبالجملة كل ما يوجب الْإِثْمَ المستلزم للانتقام والعقاب شرعا وَالْبَغْيَ اى الخروج على الولاة وجمهور المسلمين بِغَيْرِ الْحَقِّ اى بلا رخصة شرعية وَاعلموا ان أعظم المحرمات جرما وأشدها انتقاما عند الله أَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد المنزه عن الشركة مطلقا ما اى شيأ من مصنوعاته مع انه لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً اى حجة وبرهانا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ افتراء ومراء ما لا تَعْلَمُونَ ثبوته له لا عقلا ولا نقلا
وَاعلموا ان لِكُلِّ أُمَّةٍ من الأمم العاصية الضالة أَجَلٌ مقدر من عند الله لمقتهم وهلاكهم فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ المقدر المبرم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ اى لا يسع لهم فيه لا طلب التأخير بمقتضى اهويتهم ولا طلب التقديم تخليصا لنفوسهم من الأذى بل امره حتم نازل في وقته وحينه بلا تخلل تقدم وتأخر لكمال قدرته سبحانه ومتانة حكمه وحكمته
يا بَنِي آدَمَ المستكملين القابلين للإرشاد والتكميل المستعدين لفيضان كمال التوحيد إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ اى ان يأتينكم ويرسلن إليكم رُسُلٌ مِنْكُمْ اى من جنسكم وبنى نوعكم إذ هم ادخل لنصحكم وإرشادكم وانسب لجذب قلوبكم واشفق عليكم من الأجانب حال كونهم يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي المنزلة من عندي الدالة على وحدة ذاتى فعليكم ان تصدقوهم وتؤمنوا لهم وبعموم ما جاءوا به من عندي من الأوامر والنواهي فَمَنِ اتَّقى منكم عن محارم الله بواسطة رسله وآياته وَأَصْلَحَ اى أخلص اعماله لله بلا ترقب على الأجر والجزاء فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ لا في النشأة الاولى ولا في الاخرى وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ عن سوء المنقلب والمثوى
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا المنزلة على رسلنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها وعن من أنزلت اليه عتوا وعنادا أُولئِكَ المكذبون المستكبرون أَصْحابُ النَّارِ المعدة لجزاء المخذولين من اهل الضلال هُمْ فِيها خالِدُونَ لا نجاة لهم منها أصلا نعوذ بك من سخطك يا ذا القوة المتين وبعد ما أرسل الرسل وانزل الكتب
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ المنزه عن عموم الفرية والمراء كَذِباً ونسب اليه سبحانه ما لم يصدر عنه افتراء أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ الصادرة عنه عنادا ومكابرة أُولئِكَ المفترون المكذبون يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ اى مما كتب في اللوح المحفوظ وثبت فيه
стр. 248
من العذاب والنكال لذوي الجرائم والآثام حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ اى ملائكتنا الموكلون عليهم لقبض أرواحهم قالُوا لهم توبيخا وتقريعا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ وتعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ وتعتقدونهم شفعاء شركاء قالُوا متضرعين مضطرين قد ضَلُّوا عَنَّا وغابوا عن أعيننا بعد ما أضلونا عن طريق الحق وَشَهِدُوا حينئذ واعترفوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا في مدة حياتهم كافِرِينَ ضالين عن طريق الحق ساترين له
قالَ سبحانه من وراء سرادقات العز والجلال بمقتضى عدله السوى ادْخُلُوا ايها الضالون المكذبون فِي زمرة أُمَمٍ عاصية كافرة قَدْ خَلَتْ ومضت مِنْ قَبْلِكُمْ على الكفر والضلال أمثالكم كائنة مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ المعدة لجزاء العصاة الغواة الكفرة وبعد صدور الأمر الوجوبي منه سبحانه صار الأمر والشان بحيث كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ في نار الخذلان وسجن الحرمان لَعَنَتْ أُخْتَها التي اضلتها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا اى تداركوا وتلاحقوا فِيها جَمِيعاً مزدحمين مجتمعين قالَتْ أُخْراهُمْ اى تابعوهم ومتأخروهم لِأُولاهُمْ لأجل متبوعيهم ومقدميهم وفي حقهم مشيرين إليهم متضرعين الى الله رَبَّنا يا من ربانا على فطرة الهداية والرشد هؤُلاءِ الضالون المضلون قد أَضَلُّونا عن طريق هدايتك وارشادك بوضع سنن الغي والضلال بيننا فاقتدينا بهم وبسننهم فضللنا فَآتِهِمْ الآن وانزل عليهم عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ اى مثلي عذابنا لأنهم ضالون مضلون قالَ سبحانه بمقتضى عدله القويم لِكُلٍّ منكم ايها الاتباع والمتبوعون ضِعْفٌ من النار اما المتبوعون فلضلالهم واضلالهم واما التابعون فاضلالهم في أنفسهم وتقليدهم بهؤلاء الغواة المضلين لا بالأنبياء الهادين وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ أنتم لا استحقاقكم ولا استحقاقهم
وَبعد ما سمعت الاولى المتبوعون المضلون من الاخرى الضالين التابعين ما سمعت قالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ انا وأنتم مستوون في الضلال فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ تستحقون به تخفيفا بل فَذُوقُوا الْعَذابَ أنتم بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ كما نذوقه بما نكسب
ثم قال سبحانه إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا الدالة على وحدة ذاتنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها ولم يؤمنوا بها عتوا وعنادا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ اى سماء الأسماء والصفات الإلهية والأعيان الثابتة الجبروتية حتى يفيض عليهم من الفيوضات والفتوحات اللاهوتية لينكشفوا بوحدة الذات الاحدية وَبالجملة هم لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ اى مقر الوحدة الذاتية حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ اى دخولهم في مقر الوحدة وحيطتها في الاستحالة كولوج الجمل في سم الخياط بل أشد استحالة وامتناعا منه هذا مثل يضرب في الممتنعات والمستحيلات مبالغة وَبالجملة كَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ المخرجين عن ساحة عز الوحدة بجرائم اهوية هوياتهم الباطلة
وبالجملة لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ اى من لوازم الإمكان مِهادٌ وفراش يحترقون عليه بنيران الامنية والآمال الطويلة وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ اى اغشية وأغطية متخذة من سعير الجاه والمال ودعوى الفضل والكمال وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ المتجاوزين عن مقتضى الحدود الإلهية بمقتضيات نفوسهم المنغمسة في اللذات الحسية والوهمية والخيالية
ثم قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة في كتابه من تعقيب الوعيد بالوعد وَالَّذِينَ آمَنُوا بوحدة الحق وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ المقربة نحوه بمقتضى استعداداتهم وقابلياتهم وبمقدار وسعهم وطاقتهم تأكيدا لإيمانهم مع انا لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أُولئِكَ السعداء الباذلون مهجهم وجهدهم في سلوك سبيل الفناء أَصْحابُ الْجَنَّةِ المعدة لأرباب المحبة والولاء
стр. 249
المتمكنين في مقام الرضاء بعموم ما جرى عليهم من القضاء هُمْ فِيها خالِدُونَ ما شاء الله إذ لا حول ولا قوة الا بالله
وَبعد ما دخلوا جنة الوحدة نَزَعْنا اى امطنا وأخرجنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ مشعر بالاثنينية والأنانية ليتمكنوا في مقر الوحدة مطمئنين متوجهين إذ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ اى جداول المعارف المترشحة من بحر الوجود وَبعد ما كوشفوا بفناء تعيناتهم وفوزوا بالبقاء السرمدي الإلهي قالُوا بلسان استعداداتهم بإلقاء الله إياهم بعد ما تحققوا بمقام الشكر الْحَمْدُ والثناء المنبعث عن محض التسليم والرضا ثابت لِلَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد الَّذِي هَدانا لِهذا اى أوصلنا بمقام الرضا بالقضاء وشرف اللقاء والفوز بالبقاء وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ بأنفسنا لو بقينا في حبس هوياتنا وسجن تعيناتنا لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ المنعم المفضل بمقتضى لطفه وسعة رحمته وجوده وحين تمكنوا في مقام الكشف والشهود اقسموا بالله متبركا متيمنا لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا لإرشادنا وتكميلنا متلبسين بِالْحَقِّ المطابق للواقع وعموم ما جاءوا به وبعد ما تحققوا بمقام الشكر وَاعترفوا بما اعترفوا نُودُوا من وراء سرادقات المعظمة والجلال أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ اى الوحدة الذاتية أُورِثْتُمُوها اى قد أعطيتموها وتمكنتم فيها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بمقتضى أوامر الله ونواهيه وارشاد رسله وتذكير كتبه
وَبعد ما قد تمكن اهل الجنة في الجنة واهل النار في النار نادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ ليفتضحوا على رؤس الاشهاد أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا من المواعيد والتبشيرات على السنة رسله وكتبه حَقًّا صدقا يقينا بعد ما تيقناه علما ويقينا في ما مضى فَهَلْ وَجَدْتُمْ ايها المحبوسون في سجن الإمكان ونار الحرمان ما وَعَدَ رَبُّكُمْ لكم من الوعيدات الهائلة والإنذارات الشديدة الجارية على السنة الرسل والكتب حَقًّا مطابقا للواقع أم لا قالُوا متحسرين متأسفين مضطرين مضطربين عما هم عليه نَعَمْ الآن قد أصبنا ما كذبنا وحققنا ما أبطلنا وأيقنا ما أنكرنا وبعد ما جرى بينهم من المقالة ما جرى فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ اى هتف هاتف من وراء سرادقات العظمة والجلال الا أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ المنتقم الغيور وطرده وتبعيده نازل ثابت عَلَى الظَّالِمِينَ
الَّذِينَ يَصُدُّونَ ينصرفون وينحرفون عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ المستقيم الموصل الى جنة الوحدة وروضة التسليم وَيَبْغُونَها اى يطلبون ان يحدثوا فيها عِوَجاً ويوقعوا فيها زيغا وضلالا وينصرفوا عنها انصرافا وانحرافا وَبالجملة هُمْ قد كانوا بِالْآخِرَةِ المعدة للجزاء وتنقيد الأعمال كافِرُونَ مكذبون لها منكرون بها
وَبَيْنَهُما اى بين الموحدين المتمكنين في نعيم الجنان المشرفين بشرف لقاء الرّحمن وبين المشركين المحبوسين في سجن الإمكان المحترقين بنيران الحرمان حِجابٌ لا يدرك كنهه الا العليم العلام وَعَلَى الْأَعْرافِ اى البرزخ المعهود رِجالٌ من الأبرار يَعْرِفُونَ كُلًّا من الفريقين بِسِيماهُمْ اى بوجوههم التي يلي الحق والباطل وهم متقررون في البرزخ لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء وَنادَوْا اى اهل البرزخ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ هنيئا لكم ما تتنعمون فيها وتتمتعون بها مع انهم وان لَمْ يَدْخُلُوها بعد وَهُمْ يَطْمَعُونَ دخولها اتكالا على فضل الله وسعة رحمته وجوده
وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ بغتة اى ابصار اهل البرزخ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا متضرعين متخشعين رَبَّنا وان صدر عنا ما صدر من التقصير لا تَجْعَلْنا حسب لطفك وجودك مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضيات حدودك مطلقا عنادا وإصرارا
وَنادى
стр. 250
أَصْحابُ الْأَعْرافِ على سبيل التوبيخ والتقريع رِجالًا من صناديد اصحاب النار قد كانوا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ اى بوجوههم الباطلة العاطلة المبعدة عن الحق من المال والجاه والثروة والنخوة والرياسة وغيرها قالُوا لهم متهكمين متعرضين ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ اى ما أسقط جمعكم المال وجمعيتكم بسبب الجاه والثروة شيئا من عذاب الله وما دفع عنكم من نكاله وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ اى ما يفيدكم استكباركم على خلق الله وآياته اليوم انظروا ايها الحمقى الهالكون
أَهؤُلاءِ المترفهون المتنعمون في مقر العز والتمكين هم الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ أنتم في النشأة الاولى مستهزئين لهم متهكمين لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ وفضل في النشأة الاخرى ايضا كما لم ينالوا في الاولى انظروا كيف حالهم فيها وكيف قيل لهم كرامة وتكريما من قبل الحق تفضلا عليهم وامتنانا ادْخُلُوا الْجَنَّةَ التي هي دار الأمن والامان ومنزل الفرح والسرور لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ اليوم بعد ما دخلتم فيها وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ من فوت شيء وتعويقه
وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ صارخين مستغيثين متمنين متحسرين أَنْ أَفِيضُوا وصبوا عَلَيْنا مِنَ رشحات الْماءِ الذي هو سبب حياتكم الحقيقية وبقائكم السرمدي أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ الجواد الكريم من الرزق الصوري والمعنوي قالُوا في جوابهم بالهام الله إياهم إِنَّ اللَّهَ المطلع على استعدادات عباده قد حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ
الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ الذي هو سبب حياتهم الحقيقية في هذه النشأة في الحيوة الدنيا والنشأة الاولى لَهْواً وَلَعِباً يلهون ويلعبون به ويكذبون من أرسل إليهم وانزل عليه الكتب لتبيينه متهكمين معه مستهزئين إياه وَما ذلك الا ان غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا بمزخرفاتها من اللذات الجسمانية والشهوات النفسانية وصاروا بسبب تغريرها ناسين العهود والمواثيق التي جرت بيننا وبينهم في بدأ فطرتهم فَالْيَوْمَ اى حين انكشفت السرائر وارتفعت الحجب نَنْساهُمْ ولم نلتفت نحوهم كَما نَسُوا في النشأة الاولى لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا في النشأة الاخرى مع ورود الإنذارات والتخويفات الجارية على السنة الرسل والكتب وَما كانُوا اى وكما كانوا بِآياتِنا الدالة على أمثال هذه المثوبات والإنعامات يَجْحَدُونَ ينكرون ويصرون كذلك يخلدون في النار وينسون
وَكيف لا يخلدون في النار ولا ينسون لَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ مبين لجميع احوال النشأتين واحكامهما مع انا قد فَصَّلْناهُ وأوضحنا معانيه وبينا ما فيه من العقائد والاحكام مفصلا عَلى عِلْمٍ حضورى منا متعلق بتفصيله بحيث لا يشذ عن علمنا شيء أصلا وانما فصلناه وأوضحناه وجئنا به ليكون هُدىً اى هاديا ومرشدا ودليلا يرشد ويهدى الى توحيدنا وَرَحْمَةً مخلصة عن سجن الطبيعة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ به وبحقيته وبعد ما آمنوا به وبما فيه من احوال النشأة الاولى والاخرى
هَلْ يَنْظُرُونَ وما ينتظرون أولئك المؤمنون إِلَّا تَأْوِيلَهُ اى ما يئول اليه وما يترتب عليه بعد ما حصل لهم الإذعان بالوقوع يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ويظهر مآله يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ ونبذوه وراء ظهورهم مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ المطابق للواقع فكذبناهم نحن مكابرة وعنادا فَهَلْ لَنا اليوم مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا ليخلصونا من نكال ما أجرمنا أَوْ نُرَدُّ بشفاعتهم على أعقابنا فَنَعْمَلَ حينئذ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ في ايام الغفلة وبالجملة هم قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بالكفر والشرك وعبادة الغير وَمع ذلك قد ضَلَّ اى غاب وخفى عَنْهُمْ لدى الحاجة ما كانُوا يَفْتَرُونَ لشركائهم من الشفاعة والمظاهرة وكيف لا تتنبهون ولا تنكشفون ايها العقلاء
стр. 251
المجبولون على فطرة التوحيد بوحدة الذات المتجلية في الآفاق بكمال الاستقلال والاستحقاق
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الواحد الأحد الفرد الصمد القادر المقتدر الَّذِي خَلَقَ اظهر وأوجد السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وما بينهما من كتم العدم بمد اظلال أوصافه وأسمائه عليها وبرش رشحات ماء الحيات المترشحة من بحر الوجود إياها فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ اوقات تارات ودفعات ليشير بها الى احاطتها بالجهات كلها ثُمَّ اسْتَوى واستولى عَلَى الْعَرْشِ اى على عروش عموم المظاهر والمكونات الكائنة في الأقطار والآفاق منزها عن جميع الحدود والجهات وكذا عن الاستواء والاستقرار والتمكن مطلقا ورتب امور المكونات على حركات الأفلاك بحيث يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ اى يغطى ويستر بالليل وجه النهار مع ان النهار يَطْلُبُهُ ويعقبه حَثِيثاً سريعا وَبالجملة قد جعل الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ وحكمه يتحركن حيث أمرها الحق سبحانه أَلا اى تنبهوا ايها الاظلال الهالكة والعكوس المستهلكة في ذات الله الفانية المضمحلة في هويته الوحدانية انه لَهُ سبحانه وفي قبضة قدرته وتحت حكمه وارادته الْخَلْقُ اى عموم الإيجاد والإظهار وَالْأَمْرُ اى مطلق التدبير والتصرف بالاستقلال والاختيار تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ اى تعاظم وتعالى في ألوهيته عن ان يدركه العقول والافهام وفي ربوبيته عن المظاهرة والمشاركة بالأمثال والأشباه مطلقا
ادْعُوا ايها المجبولون على فطرة التوحيد رَبَّكُمْ الذي قد تفرد بتربيتكم وايجادكم تَضَرُّعاً متضرعين صائحين نحوه إذ لا ملجأ لكم سواه وَخُفْيَةً مناجين معه خائفين خاشعين من صولة قهره منيبين اليه عن ظهر القلب لا متقلقلين ملقلقين على طرف اللسان عادين حاسبين وبالجملة إِنَّهُ سبحانه لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ المتجاوزين المجاهرين الملحين المقترحين في الدعاء إذ علمه بحالهم يغنيهم عن سؤالهم
وَعليكم ايها المكلفون ان لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ التي هي محل الكون والفساد سيما بَعْدَ إِصْلاحِها بإرسال الرسل وإنزال الكتب وَادْعُوهُ سبحانه ان أردتم الالتجاء اليه والمناجاة معه خَوْفاً وَطَمَعاً اى خائفين من رده حسب قهره وجلاله راجين من عفوه وقبوله حسب لطفه وجماله إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ المجيب لدعوة المضطرين عناية وفضلا قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ الذين يعبدون الله كأنهم يرونه ويقومون بين يديه خائفين مستحين من سطوة سلطنة قهره وجلاله راجين طامعين من فضله ونواله وَكيف لا يكون رحمته قريبة من المحسنين الموقنين
مع انه هُوَ المنعم المفضل الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ ويثيرها بُشْراً نشرا ناشرات مبشرات بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ اى قدام روحه ورحمته حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ اى حملت وأثقلت وجمعت وركبت من البخارات المتراكمة سَحاباً غليظا ثِقالًا بالاجزاء المائية سُقْناهُ من كمال فضلنا وجودنا لِبَلَدٍ مَيِّتٍ جامد يابس لأجل احيائه ونضارته فَأَنْزَلْنا بِهِ اى بالبلد الميت او بالسحاب او بالسوق الْماءَ المحيي فَأَخْرَجْنا بِهِ اى بالماء مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ اى أجناسها وأنواعها المختلفة بالطعوم والروائح والألوان كَذلِكَ اى مثل اخراجنا بالماء الصوري انواع الثمرات من البلد الميت الصوري نخرج ايضا بالماء المعنوي الذي هو العلم اللدني من أراضي القابليات من استعدادات الموتى المحجوبين بالحجب الظلمانية والجهل الجبلي الهيولاني بإرسال رياح أنفاس الأنبياء والأولياء المستنشقة من النفس الرحمانى مبشرات بالكشوف المشاهدات حتى إذا اجتمعت وتراكمت وصارت سحابا شرعيا تكليفيا ثقالا بمياه الحكمة والتقوى سقناه من كمال فضلنا وجودنا الى بلاد
стр. 252
النفوس الميتة بالجهل الجبلي اليابسة التي لا ينبت فيها نبات العلوم اللدنية مطلقا فاجرينا فيها منها انهار المعارف وجداول الحقائق المنتشئة من قلوب الأنبياء والأولياء المكملين فأخرجنا بها ثمرات اليقين العلمي والعيني والحقي نُخْرِجُ الْمَوْتى في النشأة الاخرى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فتعرفون قدرتنا على عموم مقدوراتنا ومراداتنا
وَبعد سوقنا مياه جودنا الى أموات الْبَلَدُ الطَّيِّبُ الذي هو نجيب المنبت لطيف الطينة قابل التربية يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ اى بتوفيقه سبحانه وبمقتضى تربيته جيدا نافعا كثيرا بمقتضى استعداده الفطري وَالبلد الَّذِي خَبُثَ طينته وقلت قابليته كالحرة والسبخة لا يَخْرُجُ نباته بعد اجراء المياه اللطيفة عليه إِلَّا نَكِداً قليلا غير نافع بل ضار مؤلم كالنفوس المنهمكة في الغي والضلال الى حيث لا يؤثر فيها مياه الحكم والمعارف الجارية على السنة الرسل لخباثة طينتها وقلة قابليتها كَذلِكَ نُصَرِّفُ نردد ونكرر الْآياتِ الدالة على استقلالنا في ملكنا وملكوتنا لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ بنعمائنا ويتفكرون في آلائنا ويعتبرون بها الى ان يستغرقوا في مطالعة جمالنا ثم أشار سبحانه الى تفاوت الاستعدادات واختلاف القابليات بتفصيل الأمم الهالكة بموت الجهل والعناد وخبث طينتهم وردائة فطرتهم
فقال مقسما والله لَقَدْ أَرْسَلْنا رسولنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ بعد ما انصرفوا عن جادة التوحيد وانحرفوا عن طريق الحق بالميل الى الأهواء الباطلة والآراء الفاسدة فَقالَ لهم نوح ﵇ امحاضا للنصح على وجه الشفقة والنصيحة يا قَوْمِ اعْبُدُوا ايها المنهمكون في الغفلة اللَّهَ المتوحد في الألوهية المتفرد بالربوبية المستحق للعبودية واعلموا انه ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ يعبد بالحق غَيْرُهُ ينقذكم من عذابه فان لم تعبدوه ولم توحدوه إِنِّي بعد ما اوحى الى هدايتكم وتنبيهكم على توحيده أَخافُ ان لم تقبلوا منى ان ينزل عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ هو يوم الطوفان في النشأة الاولى ويوم القيمة في النشأة الاخرى وبعد ما سمعوا منه مقالته
قالَ الْمَلَأُ الأشراف مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ يا نوح فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ظاهر لائح تأمرنا أنت بترك عبادة الآلهة المحققة الموجودة بين أظهرنا وتدعونا الى عبادة اله واحد موهوم ابدعته من عند نفسك افتراء ومراء
قالَ ايضا على مقتضى شفقة النبوة لعلهم يتنبهون يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ كما زعمتم من جهلكم وَلكِنِّي رَسُولٌ هاد لكم مرسل إليكم مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ الذي أوجدكم ورباكم بأنواع التربية حتى تعترفوا بربوبيته وتقروا بتوحيده
وانما جئت لكم أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ بآياته وتذكيراته سبحانه حتى تفوزوا من عنده بالمثوبة العظمى والمرتبة العليا بهدايتى وإرشادي وَلا تضعفونى ولا تنسبونى الى الجهل والسفه انى أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ الحكيم العليم بمقتضى توفيقه على وحيه الى ما لا تَعْلَمُونَ أنتم منه سبحانه ذلك
أَكذبتموني وانكرتمونى وَعَجِبْتُمْ من أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ موعظة وتذكير لإرشادكم ناش مِنْ رَبِّكُمْ عَلى لسان رَجُلٍ مؤيد من عند الله مستحدث مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ به عن الكفر وعموم المعاصي ووخامة عاقبتهما وَلِتَتَّقُوا عن محارم الله بسبب إنذاره وتخويفه وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ بإتيان مأموراته وترك منهياته عناية وتفضلا
فَكَذَّبُوهُ بعد ما ضعفوه ونسبوه الى الضلال والجنون فانتقمنا منهم وأخذناهم بالطوفان فَأَنْجَيْناهُ وَالمؤمنين الَّذِينَ مَعَهُ داخلين فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا المنزلة على رسولنا وبالجملة إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ غير مستبصرين بآيات الله الدالة على توحيده لقساوة قلوبهم وشدة عمههم
стр. 253
في الغفلة والضلال
وَلقد أرسلنا ايضا إِلى قوم عادٍ حين خرجوا عن ربقة الايمان وعروة التقوى أَخاهُمْ هُوداً اضافه إليهم بالاخوة المنبئة عن كمال الشفقة ووفور الاعطاف والمروءة قالَ مناديا مضيفا لهم الى نفسه ليقبلوا قوله ويمتثلوا بما جاء به من ربه يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ المظهر الموجد لكم من كتم العدم ورباكم بأنواع اللطف والكرم واعتقدوا يقينا انه ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ موجد مرب غَيْرُهُ فعليكم ان تعبدوه ايمانا به وعملا بما جاء من لدنه على أنبيائه ورسله حتى تتحققوا بمقر التوحيد وتتمكنوا في مقعد الصدق أَتنكرون وحدة الحق وتعبدون غيره من الآلهة الباطلة العاطلة فَلا تَتَّقُونَ ولا تحذرون عن بطشه واخذه
ثم لما سمعوا منه ما سمعوا قالَ الْمَلَأُ الأشراف الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إذ بعض الأشراف قد آمن به كمرثد بن سعد إِنَّا لَنَراكَ يا هود فِي سَفاهَةٍ عظيمة في دعوى الإرشاد والتكميل وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ في ادعاء الرسالة والنبوة مِنَ الْكاذِبِينَ
قالَ يا قَوْمِ لا تسفهوني ولا تكذبوني إذ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ من الله مرسل إليكم لهدايتكم مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
انما جئتكم أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ فعليكم ان تتعظوا بعظتى وتتصفوا بعموم ما نصحت لكم بالهام الله إياي ووحيه لتكونوا من زمرة المؤمنين الموقنين
أَانكرتم وكذبتم امرى وهداي وَعَجِبْتُمْ بانهماككم في الغي والضلال من أَنْ جاءَكُمْ لإصلاح حالكم وإرشادكم ذِكْرٌ اى عظة وتذكير مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ موفق مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ عما يضلكم ويغويكم تفضلا وامتنانا عليكم وَلا تستبعدوا من الله أمثال هذا ولا تنكروها بل اذْكُرُوا عظائم نعمه عليكم إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وأورثكم ارضهم وديارهم وأموالهم وَزادَكُمْ بسببها فِي بين الْخَلْقِ بَصْطَةً تفوقا واستعلاء وترفعا واستيلاء فَاذْكُرُوا ايها المترفهون بنعم الله المغمورون بموائد كرمه آلاءَ اللَّهِ الفائضة عليكم واشكروا لها لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ تفوزون من عنده بشرف الرضا والتسليم ثم لما بالغ في نصحهم وإرشادهم وبلغ جهده في أداء الرسالة والتبليغ
قالُوا في جوابه من غاية قسوتهم ونهاية حميتهم مستفهما مقرعا أَجِئْتَنا ايها الكذاب السفيه لِنَعْبُدَ اللَّهَ الذي قد ادعيت أنت انه وَحْدَهُ لا شريك له ولا اله سواه وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا من الآلهة الموروثة لنا من أسلافنا عبادتهم فاذهب يا مجنون أنت وإلهك فانا لا نؤمن بك وبه أصلا وان شئت فَأْتِنا بِما تَعِدُنا من العذاب والنكال وانواع الخسار والوبال إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في دعواك ثم لما ايس هود ﵇ من هدايتهم وصلاحهم
قالَ قَدْ وَقَعَ اى قد نزل ووجب وحق عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وعذاب شديد تضطربون به وَغَضَبٌ نازل من عنده بحيث يستأصلكم بالمرة أَتُجادِلُونَنِي ايها المغضوبون عليكم بغضب الله سيما فِي أَسْماءٍ وأشياء قد سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ آلهة من تلقاء انفسكم وتعبدونها كعبادة الله عنادا مع انه ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ اى حجة وبرهان تستدلون بها على عبادة هؤلاء التماثيل الباطلة العاطلة وبعد ما ظهر الحق فلم تقبلوه ايها المسرفون فَانْتَظِرُوا نزول العذاب إِنِّي مَعَكُمْ ايضا مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ روى انهم كانوا يعبدون الأصنام فلما بعث إليهم هود كذبوه وأصروا على ما هم عليه عتوا وعنادا بل زادوا على ما كانوا فامسك الله القطر عنهم ثلث سنين حتى جهدهم وكان من عادتهم إذا نزل عليهم البلاء توجهوا نحو البيت الحرام وتقربوا عنده وطلبوا من الله الفرج فجهزوا نحوه قيل بن عنز
стр. 254
ومرثد بن سعد في سبعين من أعيانهم وكان إذ ذاك بمكة العمالقة أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح وسيدهم معاوية بن بكر فلما قدموا عليه وهو بظاهر مكة أنزلهم وأكرمهم فلبثوا عنده شهرا ثم قصدوا البيت ليدعوا الله فقال مرثد والله لا تسقون بدعائكم هذا ولكن ان أطعتم نبيكم وتبتم الى الله ورجعتم نحوه ليسقيكم فقالوا لمعاوية احبس عنا مرثدا لا يقدمنّ معنا مكة فانه قد اتبع دين هود وترك ديننا فحبسه ثم دخلوا مكة فقال قيل اللهم اسق عادا ما كنت تسقيهم فانشأ الله بقدرته سحابات ثلثا بيضاء وحمراء وسوداء ثم نادى مناد من جانب السماء اختر يا قيل لنفسك ولقومك منها فقال اخترت السواد لأنها أكثرهن ماء فخرجت على عاد من واد المغيث فاستبشروا بها واستعجلوا لنزولها فقالوا هذا عارض ممطرنا قيل حينئذ من قبل الحق بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب اليم فجاءتهم ريح عقيم فأهلكتهم بالمرة
فَأَنْجَيْناهُ اى هودا وَالَّذِينَ مَعَهُ مؤمنين بِرَحْمَةٍ نازلة مِنَّا إياهم لإيمانهم بنا وانقيادهم لرسولنا وَقَطَعْنا دابِرَ القوم الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واستأصلناهم عن آخرهم وَهم ما كانُوا مُؤْمِنِينَ بنا وبنبينا وما كانوا ايضا قابلين مستعدين للايمان
وَلقد أرسلنا ايضا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ اى معجزة ظاهرة الدلالة على صدقى في دعواي نازلة مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ المنتقم الغيور قد أرسلها وأظهرها لَكُمْ آيَةً دالة على صدقى في قولي فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ من رزق الله من حيث شاءت وَعليكم ان لا تَمَسُّوها بِسُوءٍ وان آذيتموها واخذتموها بسوء فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم مقطع مستأصل فعليكم ان تحفظوها وتحافظوا عليها وعلى رعايتها حتى لا ينزل عليكم العذاب
وَاذْكُرُوا ايها المتنعمون نعم الله عليكم وأدوا حقوقها سيما إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ في الأرض مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ اى مكنكم ووطنكم فِي الْأَرْضِ التي هم فيها حال كونكم تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها لبنا وآجرا وتبنون قُصُوراً عاليات تسكنون فيها مترفهين وَتَنْحِتُونَ اى تشقون بالمعاول والفئوس الْجِبالَ المتحجرة وتتخذونها بُيُوتاً وأخاديد لحفظ أمتعتكم واقمشتكم من الغارة وغيرها وبالجملة فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ المترادفة المتوالية عليكم وقوموا بشكرها ليزيد عليكم سبحانه ويديم لكم وَلا تَعْثَوْا اى ولا تظهروا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ بغرور الأموال والأولاد والامتعة والعقار
ثم لما سمعوا منه ما سمعوا قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا عن الايمان به والاتباع له مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا اى ضعفائهم وأراذلهم سيما لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بصالح ﵇ على سبيل التهكم والاستهزاء أَتَعْلَمُونَ يقينا ايها الحمقى المصدقون له المؤمنون به أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ الذي ادعى وحدته واستقلاله في الألوهية والربوبية قالُوا اى المؤمنون المخلصون من صفاء عقائدهم ونجابة طينتهم على سبيل التأكيد والمبالغة إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ اى بعموم ما جاء به من عند ربه مُؤْمِنُونَ مصدقون موقنون
قالَ الملأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا عنادا ومكابرة إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ بمتابعة هذا المدعى كافِرُونَ منكرون مكذبون ثم لما كفروا وكذبوا مصرين
فَعَقَرُوا ونحروا النَّاقَةَ المقترحة التي هي آية الله عليهم ووديعة عندهم قد أوصاهم سبحانه ان لا تمسوها بسوء وهم قد أهلكوها عنادا وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ استكبارا وَقالُوا لنبيه بطرا واستهزاء ومراء يا صالِحُ الكذاب المدعى ائْتِنا بِما تَعِدُنا
стр. 255
من العذاب إِنْ كُنْتَ صدقت انك مِنَ الْمُرْسَلِينَ ثم لما فعلوا ما فعلوا وقالوا ما قالوا استحقوا بحلول ما وعدوا وأوعدوا
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ اى الصيحة الهائلة فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ اى صار كل منهم جاثما جامدا الى حيث لا يتحرك منهم احد. روى انهم كانوا في منازل عاد يعيشون فيها متنعمين مترفهين الى ان كثرهم الله واعمرهم أعمارا طوالا واقتضى طول أملهم ان ينحتوا من الجبال بيوتا وأخاديد يخزنون فيها أمتعتهم ويبنوا قصورا عاليات في السهول إذ كانوا في خصب وسعة فاغتروا وغروا على ما هم عليه وأفسدوا في الأرض بأنواع الفسادات وبالغوا في عبادة الأصنام فبعث الله إليهم صالحا ﵇ وهو من اشرافهم فدعاهم الى الايمان والتوحيد فسألوا منه آية فقال أية آية تريدون قالوا له اخرج معنا الى عيدنا فادع إلهك وندعوا آلهتنا فمن استجيب منا اتبع فخرج معهم صالح فدعوا أصنامهم فلم يجابوا ثم أشار سيدهم جندع ابن عمرو الى صخرة منفردة يقال لها الكاتبة وقال لصالح أخرج من هذه الصخرة ناقة مخترجة جوفاء وبراء وان أخرجت صدقناك وآمنا بك فأخذ صالح ﵇ عليهم المواثيق انى ان أخرجت لتؤمنون بي فعهدوا معه فصلى ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها فانصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء كما وصفوا وهم ينظرون ثم أنتجت ولدا مثلها في الكبر فآمن له جندع في جماعة ومنع الباقين ذوار بن عمرو والخباب صاحب أوثانهم ورباب بن صمغر كاهنهم فمكث الناقة مع ولدها ترعى الشجر وترد الماء غبا فما ترفع رأسها من البئر حتى تشرب كل ما فيها ثم تتفجج فيحلبون منها ما شاءوا حتى يمتلئ جميع أوانيهم ويدخرون وكانت تضيف في ظهر الوادي فتهرب منها مواشيهم وتشتو في بطنه فتهرب أنعامهم الى ظهره فشق ذلك عليهم فهموا بقتلها وزينت لهم قتلها أم غنم وصدقة بنت المختار فعقروها واقتسموا لحمها فرقى وصعد ولدها جبلا اسمه قارة فرغا ثلاثا فقال صالح لهم أدركوا الفصيل عسى ان يرفع عنكم العذاب فلم يقدروا عليه وانفتقت اى انشقت الصخرة بعد رغائه فدخلها فقال صالح ﵇ تصبح وجوهكم غدا مصفرة وبعد غد محمرة واليوم الثالث مسودة ثم يصبحكم العذاب فلما رأوا العلامات التي اخبر بها هموا ان يقتلوه فأنجاه الله تعالى وأوصله الى ارض فلسطين ولما كانت ضحوة اليوم الرابع تكفنوا بالانطاع فاتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم فهلكوا
فَتَوَلَّى واعرض عَنْهُمْ صالح ﵇ بعد ما لاح عليهم امارات العذاب وعلامات الانتقام وَقالَ متحسرا متأسفا حين تجانب عنهم يا قَوْمِ المبالغين في الاعراض عن الحق لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وبذلت جهدي في هدايتكم وَنَصَحْتُ لَكُمْ إشفاقا عليكم حتى لا يلحقكم العذاب الموعود وَلكِنْ أنتم قوم مستكبرون في انفسكم مصرون معاندون لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ فلحقكم ما أخاف عليكم بإعراضكم عما أمرتم
وَلقد أرسلنا ايضا لُوطاً ﵇ اذكروا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ المبالغين في ارتكاب الفعلة القبيحة والديدنة الشنيعة على سبيل التوبيخ والتقريع أَتَأْتُونَ وترتكبون الْفاحِشَةَ المتناهية في الفحش والفضاحة مع انها ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ بل قد اخترعتموها أنتم من خباثة نفوسكم وسخافة أحلامكم ورداءة طباعكم
إِنَّكُمْ ايها المتجاوزون عن مقتضيات الحكم والحدود الإلهية لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً اى حال كونكم متلذذين مشتهين لإتيانهم مِنْ دُونِ النِّساءِ مع ان الحكمة تقتضي لإتيانهن وما هو الا من جهلكم بقبحها وخباثتها بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ في الفساد والخروج عن مقتضى الحكمة والحدود
стр. 256
الإلهية بمتابعة اهويتكم الباطلة
وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ حين سمعوا منه ما سمعوا إِلَّا أَنْ قالُوا مستكبرين متهكمين أَخْرِجُوهُمْ اى لوطا ومن آمن له مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ويدعون التطهر عن الخبائث ويجتنبون عن الفواحش فلا يناسبهم الاقامة فينا ثم لما لم يمتنعوا عن فعلهم بقوله بل زادوا على الإصرار والعداوة أخذناهم بظلمهم وإسرافهم وإصرارهم
فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ ومن آمن له مما أصابهم إِلَّا امْرَأَتَهُ فإنها تسر بالكفر والجحود بذلك قد كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ الهالكين بقهر الله وغضبه
وَبعد ما أردنا أخذهم وقصدنا انتقامهم أَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً اى مطرا هو حجارة مركومة مركبة من سجيل فاستأصلناهم به فَانْظُرْ ايها المعتبر الرائي كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ المصرين على الجرائم العظام سيما بعد إرسال الرسل الهادين لهم الى طريق النجاة الزاجرين لهم عن ما هم عليه من القبائح على ابلغ وجه وآكده
وَلقد أرسلنا ايضا إِلى قوم مَدْيَنَ وهو قرية شعيب ﵇ أَخاهُمْ وابن عمهم شُعَيْباً ﵇ حين افرطوا في التطفيف والتخسير قالَ لهم مناديا على وجه الشفقة والنصيحة يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ المستوي على العدل القويم والصراط المستقيم واعلموا انه ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ يعبد بالحق انه قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ الذي رباكم بأنواع اللطف والكرم دالة على القسط والعدالة في المعاملات الصورية لتفوزوا بها الى الاعتدال المعنوي والقسط الحقيقي الإلهي فَأَوْفُوا الْكَيْلَ ووفوا حقه كما ينبغي وَاقيموا الْمِيزانَ بالقسط واستقيموا فيه وَبالجملة لا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ اى لا تنقصوا من حقوقهم شيأ وَعليكم ان لا تُفْسِدُوا ولا تنشئوا الفساد ولا تخترعوه مطلقا فِي الْأَرْضِ التي قد وضعت على كمال العدالة والصلاح سيما بَعْدَ إِصْلاحِها اى بعد اصلاحنا أمرها بإرسال الرسل وإنزال الكتب ذلِكُمْ اى العدل والصلاح وامتثال عموم الأوامر الناشئة من الحكمة الإلهية خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ موقنين بعدل الله وصراطه المستقيم وعليكم ان تتوجهوا نحو الحق بالعزيمة الصحيحة الخالصة
وَلا تَقْعُدُوا ولا تترصدوا بِكُلِّ صِراطٍ طريق ومذهب من الطرق الباطلة حال كونكم تُوعِدُونَ وتخوفون الناس عن سلوك طريق الحق وَتَصُدُّونَ تعرضون وتصرفون عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الموصل الى توحيده مَنْ آمَنَ بِهِ بإلقاء الشبه والرخص في قلوبهم وَبالجملة تَبْغُونَها عِوَجاً اى تطلبون ان تنسبوا عوجا وانحرافا الى سبيل الحق والطريق المستقيم لينصرف الناس عنه وعليكم ان تميلوا عن مخالفة امر الله ونهيه وَاذْكُرُوا نعمه عليكم سيما إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا عددا وعددا فَكَثَّرَكُمْ قويكم الله وأظهركم واشكروا نعمه عليكم لتدوم وتزيد ولا تكفروها لتنقص وَبالجملة انْظُرُوا معتبرين كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ الكافرين لنعم الحق من الأمم الهالكة واعتبروا من حالهم ومآلهم وما جرى عليهم من المصيبات المستأصلة
وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ من العدالة الصورية والمعنوية وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا عنادا واستكبارا فَاصْبِرُوا وتربصوا وانتظروا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ العليم الحكيم بمقتضى عدله القويم بَيْنَنا بالنصر على من آمن والقهر على من كفر واستكبر وَهُوَ سبحانه في ذاته خَيْرُ الْحاكِمِينَ وأفضل الفاصلين يحكم بمقتضى حكمته المتقنة المتفرعة على العدالة الحقيقية
ثم لما سمعوا منه ما سمعوا قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ على وجه المبالغة والتأكيد وعدم
стр. 257
المبالات به وبشأنه لَنُخْرِجَنَّكَ البتة يا شُعَيْبُ وَكذا الَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ وصدقوا بهذياناتك مِنْ قَرْيَتِنا هذه ظلما وعدوانا كرها واجلاء أَوْ لَتَعُودُنَّ أنت ومن معك فِي مِلَّتِنا التي كنتم عليها من قبل قالَ شعيب ﵇ مستفهما مستبعدا أَوَلَوْ كُنَّا في الأيام السالفة ايضا كارِهِينَ منكرين ملتكم التي أنتم عليها فتعيدوننا إليها ايها الحمقى المسرفون
وكيف نعود قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا يعنى ان عدنا وصرنا فِي مِلَّتِكُمْ سيما بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ المنجى لعباده عن ظلمة الكفر مِنْها والهمنها بطلان ما أنتم عليه فقد افترينا على الله كذبا وكنا من المكذبين أمثالكم وَبالجملة ما يَكُونُ وما يجوز وما يصح لَنا أَنْ نَعُودَ ونرجع فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ العليم الحكيم عودنا ومصيرنا إليها إذ هو رَبُّنا يربينا بلطفه بما هو خير لنا وان كان فيها خيرا يعبدنا إليها إذ قد وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً تحققا وحضورا لذلك عَلَى اللَّهِ القادر المقتدر ذي العظمة والكبرياء وذي المجد والبهاء تَوَكَّلْنا في عموم ما جرى علينا لا على عيره من الوسائل والأسباب العادية وقد اتخدناه كفيلا لجميع أمورنا رَبُّنا يا من ربانا بأنواع اللطف والكرم افْتَحْ اى اقض واحكم بمقتضى ما قد جرى حكمك في لوح قضائك بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ المطابق للواقع والعدل السوى الموافق لما ثبت في لوح القضاء وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ الحافظين القاضين الحاكمين بين ذوى الخصومات ومن حسن محاورة شعيب ﵇ مع أمته ومجاملته معهم لقب بالخطيب بين الأنبياء
وَبعد ما سمعوا منه ما سمعوا قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لتابعيهم وسفلتهم ترهيبا وتهديدا على سبيل المبالغة والله لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً وآمنتم له وسمعتم قوله في ترك البخس والتطفيف إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ في بضائعكم ومعاملاتكم
ثم لما بالغوا في الضلال والإضلال استحقوا الانتقام والنكال فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ اى الزلزلة الشديدة فخر عليهم سقوف بيوتهم فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ التي يستقرون فيها وصاروا جاثِمِينَ جامدين ميتين
وبالجملة الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا اى استوصلوا وانقرضوا الى حيث صاروا كأن لم يسكنوا ولم يكونوا في تلك الديار أصلا بل الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ المقصورين على الخسران الأبدي في النشأة الاولى والاخرى
فَتَوَلَّى واعرض عَنْهُمْ شعيب ﵇ بعد ما شاهد حالهم واستحقاقهم للعذاب والغضب الإلهي وَقالَ متأسفا متحزنا على مقتضى شفقته مضيفا لهم الى نفسه مناديا يا قَوْمِ المنهمكين في الغفلة المبالغين في الإصرار والاستكبار لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي حتى لا يلحق بكم ما لحق وَنَصَحْتُ لَكُمْ باذنه سبحانه وبالغت في نصحى فلم تقبلوا منى نصحى ولم تصدقوا قولي ثم كذب هواجس نفسه وأنكر عليها خوفا من غضب الله فقال فَكَيْفَ آسى واتحزن عَلى قَوْمٍ قد كانوا كافِرِينَ لنعم الحق مكذبين لأوامره مستحقين لما نزل عليهم بسوء معاملتهم مع الله سيما بعد ورود ما ورد من الوعد والوعيد من لدنه سبحانه
ثم لما ذكر سبحانه نبذا من احوال الأمم الماضية الهالكة وقبح صنائعهم مع الله وتكذيبهم كتبه ورسله سجل عليهم سبحانه بان ما لحقهم انما هو من سوء صنيعهم وشؤم نفوسهم فقال وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ من القرى الهالكة مِنْ نَبِيٍّ من الأنبياء إِلَّا أَخَذْنا أولا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ ازالة لقساوتهم وتليينا لقلوبهم لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ رجاء ان يتضرعوا إلينا ويتوجهوا نحونا
ثُمَّ بعد ما ضيقنا عليهم كشفنا عنهم بان بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ المضرة المؤلمة الْحَسَنَةَ النافعة
стр. 258
المسرة حَتَّى عَفَوْا الى ان كثروا وتكاثروا عددا وعددا وَقالُوا بعد ما صاروا مترفهين في سعة ورخاء مكان الشكر واظهار المنة منا قَدْ مَسَّ ولحق آباءَنَا كما لحقنا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ أحيانا ومن عادة الزمان وديدن الدهر الخوان تعاقب السراء بالضراء والجدب بالرخاء ثم لما ظهر منهم كفران النعم دائما وعدم الرجوع إلينا بالشكر وبصوالح الأعمال فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فجأة بلا سبق مقدمة وتقديم امارة وَهُمْ حينئذ من غاية عمههم وسكرتهم لا يَشْعُرُونَ بنزول العذاب وحلول الغضب
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى الهالكة العاصية آمَنُوا بالله الواحد الأحد المستقل بالالوهية وبعموم أنبيائه ورسله المبعوثين إليهم من عنده سبحانه وَاتَّقَوْا عن محارم الله بمقتضى أوامره ونواهيه التي قد جاءت بها الأنبياء لَفَتَحْنا ووسعنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ نازلة مِنَ السَّماءِ وَنابتة من الْأَرْضِ وَلكِنْ من خبث طينتهم ورداءة فطرتهم كَذَّبُوا بالله وبعموم أنبيائه ورسله وكتبه فَأَخَذْناهُمْ بعد ما أظهروا التكذيب والإنكار بِما كانُوا يَكْسِبُونَ بأيديهم لأنفسهم وبالجملة ما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون
أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى من انتقامنا وبطشنا إياهم ولم يخافوا من أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا عذابنا وعقابنا إياهم بَياتاً في أثناء الليل ويحيط بهم وَهُمْ نائِمُونَ في مضاجعهم
أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى ولم يترقبوا من أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى في كمال اضاءة الشمس وإشراقها وَهُمْ حينئذ يَلْعَبُونَ بأمور دنياهم بمقتضى مخايلهم ومناهم
وبالجملة أَفَأَمِنُوا أولئك المنهمكمون في الغفلة والضلال مَكْرَ اللَّهِ المراقب بعموم أحوالهم ولم يخافوا ولم يحزنوا من اخذه وانتقامه ولم يتفطنوا ان من أمن من مكره واخذه فقد خسر خسرانا مبينا وبالجملة فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ المنتقم المقتدر الغيور إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ المقصورون على الخسران الأبدي والشقاوة السرمدية في اصل فطرتهم وقابليتهم
أَوَلَمْ يَهْدِ الم يذكر ولم يبين احوال الأمم الهالكة وأخذنا إياهم بما صدر عنهم من تكذيب الأنبياء وتكذيب ما جاءوا به من عندنا من الأوامر والنواهي لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ وصاروا خلفاء مِنْ بَعْدِ أَهْلِها الهالكين بالجرائم المذكورة أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بمقتضى قهرنا وجلالنا الخلفاء ايضا بِذُنُوبِهِمْ التي صدرت عنهم مثل أسلافهم بل بأضعافهم وآلافهم وَمن علامات أخذنا وانتقامنا إياهم انا نَطْبَعُ ونختم أولا عَلى قُلُوبِهِمْ لكيلا يفهموا الآيات ليعتبروا منها فَهُمْ حينئذ لا يَسْمَعُونَ حتى يتعظوا بها
وبالجملة تِلْكَ الْقُرى الهالكة التي نَقُصُّ عَلَيْكَ يا أكمل الرسل في كتابنا هذا مِنْ بعض أَنْبائِها ومن قصصها واخبارها وجرائمها مع الله ورسله وَالله لَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ الواضحة والمعجزات القاطعة الساطعة من لدنا وهم من خبث طينتهم وشدة شكيمتهم وضغينتهم فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ اى بما كذبوه قبل إرسال الرسل عليهم بل قد أصروا على ما هم عليه ولم يؤمنوا أصلا ولم يقبلوا من الرسل عموم ما جاءوا به وبالجملة ما تأثروا من دعوة الرسل وآياتهم ومعجزاتهم قط كَذلِكَ يَطْبَعُ ويختم اللَّهُ سبحانه حسب قهره وجلاله عَلى قُلُوبِ جميع الْكافِرِينَ فلا تعجبك يا أكمل الرسل حال اهل مكة وإصرارهم ولا تحزن منهم ولاتك في ضيق من مكايدهم إذ هي من الديدنة القديمة والخصلة الذميمة المستمرة بين الكفرة
وَمن جملة أخلاقهم الذميمة وخصالهم المستهجنة المستمرة ايضا نقض العهود والمواثيق لذلك ما وَجَدْنا وما صادفنا لِأَكْثَرِهِمْ
стр. 259
مِنْ عَهْدٍ عهدوا معنا على لسان رسلنا موفين له وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ اى بل ما وجدنا وما صادفنا أكثرهم بعد ما قد عهدنا معهم عهدا وثيقا الا فاسقين ناقضين لعهودنا ومواثيقنا مطلقا
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ اى بعد انقراض أولئك الغواة الطغاة الهالكين بأنواع العذاب والنكال نبينا مُوسى المختص بتشريف تكليمنا مؤيدا بِآياتِنا الدالة على توحيدنا مع انا قد أيدناه بالمعجزات الباهرة إِلى فِرْعَوْنَ المبالغ في العتو والاستكبار الى حيث يدعى الألوهية والربوبية لنفسه وَمَلَائِهِ المعاونين له المصدقين لدعواه الكاذبة وبعد ما ادعى الكليم النبوة واظهر الآيات فَظَلَمُوا بِها اى أنكروا بالآيات ونسبوها الى ما لا يليق بشأنها وكذبوا موسى فَانْظُرْ ايها المعتبر الرائي كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ في ارض الله الخارجين عن مقتضيات أوامره ونواهيه
وَاذكر يا أكمل الرسل إذ قالَ مُوسى حين أراد دعوتهم يا فِرْعَوْنُ المتكبر المتجبر المتجاوز عن مقتضى الحدود الإلهية المفسد بين عباده بأنواع الفسادات المفرط المفرط بدعوى الربوبية إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ قد أرسلني الله واختارني لرسالته
وانا حَقِيقٌ جدير لائق عَلى أَنْ لا أَقُولَ ولا أسند عَلَى اللَّهِ القادر المقتدر المتعزز الغيور من الأقوال والاحكام إِلَّا الْحَقَّ الذي قد علمني ربي بالوحي وبعثني لأجله وتبليغه لعباده واعلموا ايها البغاة الطغاة انى قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ واضحة دالة على صدقى في دعواي صادرة مِنْ رَبِّكُمْ الذي أظهركم وأوجدكم من كتم العدم بعد ان لم تكونوا شيأ مذكورا فَأَرْسِلْ ايها الفرعون الطاغي مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ المقهورين تحت قهرك المظلومين بيدك ليذهبوا معى الى الأرض المقدسة التي هي وطن آبائهم وفكك رقابهم عن رقك وخل سبيلهم بعد ما امر الحق به والا قد نزل عليك وعلى قومك عموم ما أوعدك الحق به من انواع العذاب والعقاب في العاجل والآجل
قالَ فرعون في جوابه مستكبرا مكذبا بل منهكما على وجه التكبر والخيلاء لا افك رقابهم ولا اخلى سبيلهم بل إِنْ كُنْتَ ايها المدعى الكاذب قد جِئْتَ بِآيَةٍ من عند ربك الذي قد ادعيت رسالته فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في دعويك هذا
ثم لما سمع موسى قوله وشاهد عتوه واستكباره فَأَلْقى بالهام الله له عَصاهُ من يده على الأرض بين أيديهم فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ بلا معالجة واستعمال اسباب وأدوات كما يفعله السحرة مُبِينٌ عظيم ظاهر بأضعاف مقدار العصا. روى انه لما ألقاها صارت ثعبانا أشقر فاغرا فاه بين لحييه ثمانون ذراعا وضع لحاه الأسفل على الأرض والأعلى على سور القصر ثم توجه نحو فرعون فهرب وأحدث وانهزم الناس مزدحمين فمات من الناس خمسة وعشرون الفا وصاح فرعون أنشدك بالذي أرسلك يا موسى خذه وانا او من بك وأرسل معك بنى إسرائيل فأخذه فعاد عصا
وَبعد ذلك نَزَعَ يَدَهُ اى ادخل يده في جيبه وكان لون بشرة موسى شديد الادمة ثم نزع فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ مشرقة مشعشعة محيرة لِلنَّاظِرِينَ مفرقة لابصارهم من كمال ضوئها وانارتها بحيث قد غلب ضوءها ضوء الشمس
ثم لما شاهدوا من معجزاته وآياته ما شاهدوا قالَ الْمَلَأُ اى الأشراف مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ متعجبين من امره متشاورين مع فرعون حائرين مضطرين مضطربين خائفين من استيلائه إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ متناه في هذا العلم الى أقصى غايته لذلك ادعى الرسالة وأعجز الغير عن إتيان مثله
وبالجملة يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بسحره هذا فَماذا تَأْمُرُونَ ايها المتأملون المتفكرون في ضبط المملكة وحفظ
стр. 260
البلاد في دفع هذا العدو القوى
وبعد ما تشاوروا وتأملوا كثيرا في امره ودفعه فاستقر رأيهم واتفق حكمهم الى ان قالُوا مخاطبين لفرعون أَرْجِهْ وَأَخاهُ اى أخر وسوف قتلهما لئلا يظهر عجزك عنهما ولا يختل امر ربوبيتك وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ التي قد اشتهر السحر والسحرة فيها شرطاء حاشِرِينَ جامعين من فيها من السحرة
وبعد جمعهم يَأْتُوكَ ويحضروا عندك بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ ماهر حاذق في هذا العلم ليتمكنوا على مغالبتها فأرسلهم فرعون فحشروا وانتخبوا من السحرة
وَجاءَ السَّحَرَةُ المنتخبة فِرْعَوْنَ متظاهرين بطرين جازمين على غلبتهما لذلك سألوا أولا من الجعل حيث قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ وهم وان كانوا جازمين في أنفسهم الغلبة أتوا بان المفيدة للشك للمبالغة في طلب الجعل
قالَ فرعون نَعَمْ ان لكم اجرا كثيرا وَمع ذلك إِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ عندي الحاضرين في مجلسي المصاحبين معى دائما انما قال ما قال تحريضا لهم وترغيبا وبعد ما تقرر عندهم وفي نفوسهم الغلبة وسمعوا منه ما سمعوا من الانعام والتقرب
قالُوا اى السحرة يا مُوسى نادوه استحقارا له واستهزاء معه وتسفيها إياه كيف اقدم مع ضعفه ورثاثة حاله في مقابلتهم إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ أنت أولا ما جئت به وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ما جئنا به فلك الخيار والاختيار إذ كلاهما عند ناسيان
قالَ موسى بالهام الله له بل أَلْقُوا ما جئتم لإلقائه ايها الساحرون المبطلون فَلَمَّا أَلْقَوْا اى أرادوا الإلقاء سَحَرُوا أولا أَعْيُنَ النَّاسِ حتى لا يتخيلوا انها امور غير مطابقة للواقع بل اعتقدوا مطابقتها وَاسْتَرْهَبُوهُمْ اى بنى إسرائيل المنتظرين لغلبة موسى ليخلصوا من يد العدو ارهابا شديدا إذا القوا حبالهم حبالا غلاظا وخشبا طوالا وصار الكل حيات متراكمة متراكبة بعضها فوق بعض وَبالجملة قد جاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ متناه فيه مبالغ أقصى غايته
وَبعد ما جاءوا بسحرهم العظيم أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فألقاها فصارت ثعبانا عظيما مهيبا فَإِذا هِيَ أخذت تَلْقَفُ تبتلع وتلتقم ما يَأْفِكُونَ اى عموم ما يزورونه ويلبسونه سحرا وشعبذة
وبالجملة فَوَقَعَ الْحَقُّ وتحقق الاعجاز وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من السحر والشعبذة في مقابلته
فَغُلِبُوا اى فرعون وملاؤه هُنالِكَ المجلس وَانْقَلَبُوا ورجعوا منه صاغِرِينَ ذليلين محزونين بعد ما قد خرجوا متكبرين مستعلين
وَبعد ما شاهد السحرة من امر موسى ما شاهدوا وانكشفوا بحقيته وصدقه بجذب رقيق من جانب الحق والهام لطيف تام من لدنه سبحانه لذلك أُلْقِيَ السَّحَرَةُ على الفور ساجِدِينَ متذللين واضعين جباههم على تراب المذلة والهوان وحين سجدوا
قالُوا عن ظهر قلوبهم وكمال إخلاصهم وقبولهم قد آمَنَّا أيقنا وتحققنا بِرَبِّ الْعالَمِينَ
رَبِّ مُوسى وَهارُونَ اى اللذين هما ادعيا الرسالة من لدنه ودعوا الناس الى الايمان به والإطاعة له والتوجه نحوه.
ثم لما رأى فرعون سجود السحرة وسمع ايمانهم قالَ فِرْعَوْنُ مغاضبا لهم مستفهما على سبيل الإنكار والتهديد آمَنْتُمْ بِهِ اى برب موسى وهارون قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ اى قبل ان تشاوروا معى وتعترفوا عندي بغلبته عليكم وقبل ان تستأذنوا منى بالإيمان فظهر من صنيعكم هذا إِنَّ هذا اى ما جاء وظهر به موسى وهارون وادعاؤهما الرسالة والنبوة لَمَكْرٌ حيلة وخديعة عظيمة قد مَكَرْتُمُوهُ أنتم وموسى متفقين فِي الْمَدِينَةِ اى مصر لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها يعنى القبط وتستولوا أنتم وبنو إسرائيل على ملك مصر بهذه
стр. 261
الخديعة فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ عاقبة مكركم وخداعكم
لَأُقَطِّعَنَّ اليوم أولا على رؤس الاشهاد أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ متبادلتين ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ زمانا كما يصلب البغاة الذين خرجوا على الولاة واولى الأمر والطاعة وبعد ما سمع السحرة تهديده
قالُوا حين كوشفوا بمآل الأمر وشوهدوا بحقيقة الحال مستطيبين فرحين مستنشطين إِنَّا بعد خلاصنا من ربقة ناسوتنا وسلسلة إمكاننا إِلى رَبِّنا حسب حصة لاهوتنا وحظ وجوبنا مُنْقَلِبُونَ صائرون راجعون رجوع الظل الى ذي الظل
وَما تَنْقِمُ مِنَّا أنت ايها الطاغي المتجبر المتكبر وما تنكر وتغضب علينا إِلَّا أَنْ آمَنَّا أيقنا واذعنا بِآياتِ رَبِّنا الذي قد أظهرنا من كتم العدم وربانا بأنواع اللطف والكرم لَمَّا جاءَتْنا وحين ظهرت علينا حقيتها وانكشفنا بها بتوفيق منه وجذب من جانبه ولو كوشفت أنت ايضا بما انكشفنا قد ارتفع غطاء التعامي وعشاء الغفلة عن بصر بصيرتك فتشهد أنت حينئذ بما شهدنا وشاهدت ما شاهدنا الا انه سبحانه قد ختم على قلبك وسمعك وبصرك بالغشاوة الغليظة والحجب الكثيفة لذلك استكبرت علينا واستنكرت بنا وبالجملة من لم يجعل الله له نورا فما له من نور ثم انصرفوا نحو الحق واشتغلوا بالمناجاة معه سبحانه ورفع الحاجات نحوه فقالوا متضرعين رَبِّنا يا من ربانا بلطفك وكرمك الى ان جعلتنا من زمرة شهدائك الذين بذلوا مهجهم في سبيلك طائعين راغبين أَفْرِغْ أفض واصبب عَلَيْنا صَبْراً من لدنك متواليا متتابعا حين اشتغل هذا الطاغي على إمضاء ما هددنا به بحيث لا يغيب عنا شوق لاهوتك ولا يغلب على قلوبنا الم ناسوتنا أصلا وَحين انقطع أنفاسنا عنا وخرج أرواحنا منا تَوَفَّنا مُسْلِمِينَ مسلمين مستقرين متمكنين في مرتبة الرضا والتسليم ثابتين على جادة التوحيد واليقين بلا تزلزل وتلوين. ثبت أقدامنا على جادة معرفتك وتوحيدك يا خير الناصرين
وَبعد ما قد فعل فرعون اللعين بالسحرة أنار الله براهينهم ما هددهم به قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ يعنى بني إسرائيل لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ سيما بعد ما انتشر في اقطار الأرض غلبة موسى عليك ويغيروا طباع الناس عنك ويوقعوا الفتن بين رعايا بلادك وَبالجملة يؤدى أمرهم وإيقاعهم الى ان يَذَرَكَ اى كل واحد منهم عبادتك وَعبادة آلِهَتَكَ التي قد وضعتها أنت بين عبادك ليعبدوا لها من الأصنام والأوثان والتماثيل لتتخذوها معبودات وتتوجهوا نحوها قالَ فرعون لا ندعهم بعد اليوم على ما قد كانوا عليه من قبل ولا نستأصلهم ايضا لئلا ينسب العجز والظلم إلينا بل نستضعفهم على التدريج سَنُقَتِّلُ بعد اليوم أَبْناءَهُمْ اى ذكور أولادهم لئلا يتكثروا وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ اى نبقى إناث أولادهم حتى نتزوجهن وينزجروا بلحوق العار وبعد ما مضى زمان على هذا انقرضوا واستوصلوا وَكيف لا نفعل معهم هذا إِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ قادرون غالبون وبالجملة نفعل بهم اليوم ما فعلنا معهم في ما مضى لئلا يتوهم ان موسى هو المولود الذي قد زعم الكهنة والمنجمون ان زوال ملكنا على يده
ثم لما سمع بنوا إسرائيل تهديد فرعون تفزعوا منه وتضجروا وبثوا الشكوى الى الله متضرعين قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ تسلية لهم وازالة لضجرتهم اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ لدفع مضارهم وَاصْبِرُوا على أذاهم ولا تقنطوا من نصر الله وعونه إياكم ولا تيأسوا من روح الله إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ إيجادا وتملكا وتصرفا يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَبالجملة الْعاقِبَةُ الحميدة لِلْمُتَّقِينَ منهم وهم الذين يتقون ويحذرون عن محارم الله ويصبرون على عموم ما جرى عليهم
стр. 262
من القضاء
قالُوا اى بنو إسرائيل تشكيا قد أُوذِينا من أجلك يا موسى مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا بالرسالة بقتل الأبناء واستحياء النساء وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا ايضا كذلك قالَ موسى لا تيأسوا من نصر الله وانجاز وعده بل عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ اى قد قرب حكم ربكم وانجاز وعده باهلاك عدوكم وَبعد إهلاكهم يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ التي هم فيها فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ أنتم هل تشكرون نعمه أم تكفرونها وتعملون من الصالحات أم تفسدون فيها أمثالهم
ثم أشار سبحانه الى إهلاك عدوهم وانجاز وعده إياهم على سبيل التدريج حيث قال وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ اى بعد ما تعلق ارادتنا بأخذهم وإهلاكهم أخذناهم أولا بالقحط وقلة الأقوات والغلات وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ التي هم يتفكهون بها لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ اى يتذكرون ايام الرخاء ويتضرعون نحونا لإعادتها ويصدقون رسولنا الذي أرسلنا إليهم ليدعوهم الى توحيدنا وهم من شدة عمههم وقسوتهم لا يتعظون بأمثال هذا
بل فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ الخصب والرخاء وكل ما يسرهم ويفرح نفوسهم قالُوا متفألين لَنا هذِهِ اى لأجلنا ومن سعادة طالعنا ونحن مستحقون بأمثالها وَإِنْ تُصِبْهُمْ أحيانا سَيِّئَةٌ مشقة وعناء مما يشوشهم ويملهم يَطَّيَّرُوا اى يتطيروا ويتشأموا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ وآمن له وقالوا انما عرض علينا هذا البلاء بشؤم هؤلاء الأرذال الساقطين عن درجة الاعتبار أَلا اى تنبهوا ايها المتنبهون المتوجهون نحو الحق في السراء والضراء إِنَّما طائِرُهُمْ ما يتطيرون به ويتشأمون بسببه ليس الا عِنْدَ اللَّهِ وفي قبضة قدرته ومشيته إذ له التصرف بالاستقلال في ملكه وملكوته والقبض والبسط من عنده وبيده يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ فيرون الأسباب والوسائل العادية في البين ويسندون الحوادث الكائنة إليها عنادا ومكابرة
وَمن شدة شكيمتهم وغلظ غيظهم ووفور قسوتهم وبغضهم قالُوا منهمكين مستهزئين مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ اى اى شيء تحضرنا أنت يا موسى لتغلب به علينا من سحرك الذي سميته آية نازلة من ربك عليك لِتَسْحَرَنا بِها أنت فأت به سريعا ان استطعت فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ اى متى تأخرت واستبطأت وتسوفت وبعد ما بالغوا في العتو والعصيان وأصروا على ما هم عليه من الطغيان والكفران
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ امدادا لموسى وانتقاما لهم الطُّوفانَ اى الماء الذي طاف حولهم ودخل بيوتهم ووصل الى تراقيهم ولم يدخل بيوت بنى إسرائيل مع انها متصلة ببيوتهم ولم يتضرروا من الماء أصلا ثم لما تضرروا واضطروا وكادوا ان يغرقوا تضرعوا الى موسى وقالوا ادع لنا ربك يا موسى ليكشف عنا فنأمن بك فدعا فكشف عنهم ونبت من الزرع والكلأ ما لم يعهد فنكثوا عهدهم ونسبوا دعاءه الى السحر وَبعد ذلك قد أرسلنا عليهم الْجَرادَ فأكلت زروعهم واثمارهم وأخذت تأكل السقوف والأبواب والثياب فتضرعوا الى موسى فدعا وانكشف حيث خرج الى الصحراء مشيرا بعصاه نحو الجراد يمنة ويسرة فتفرقت الى النواحي والأقطار فنكثوا وَأرسلنا بعدها الْقُمَّلَ هي دود أصغر من الجراد قيل انها حدثت من الجراد فأخذت ايضا تأكل ما بقي من الجراد وتقع في الأطعمة وتدخل بين أثوابهم فتمص دماءهم ففزعوا اليه فكشف عنهم بدعائه فقالوا له قد علمنا الآن انك ساحر عليم وَبعد ذلك قد أرسلنا عليهم الضَّفادِعَ بحيث لا يخلو مكان من الأمكنة منها وتثب في قدورهم وأوانيهم وأفواههم حين تكلموا ففزعوا نحوه معاهدين فخلصوا بدعائه ثم نقضوا وَبعد ذلك قد أرسلنا الدَّمَ
стр. 263
حيث صار المياه كلها عليهم دماء حتى كان القبطي والسبطى الإسرائيلي يجتمعان على اناء واحد فيصير ما يلي القبطي دما وما يلي الإسرائيلي السبطى ماء ويمص القبطي ماء من فم السبطى فيصير دما وانما أرسلنا عليهم هذه البليات لتكون آياتٍ اى دلائل وعلامات دالة على كمال قدرتنا مُفَصَّلاتٍ مبينات موضحات مميزات بين الهداية والضلالة والحق والباطل والرشد والغي فَاسْتَكْبَرُوا عنها مع وضوحها وسطوعها واعرضوا عن مدلولاتها وأصروا على ما هم عليه وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ مستحقين بالعذاب والعقاب فلم ينفعهم الآيات والنذر لخبث طينتهم ورداءة فطرتهم
وَهم قد كانوا لَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ وحين حل عليهم البلاء والمصيبة قالُوا متضرعين متفزعين يا مُوسَى الداعي للخلق الى الحق ادْعُ لَنا رَبَّكَ الذي رباك بأنواع الكرامات بِما عَهِدَ عِنْدَكَ من اجابة دعواتك وقبول حاجاتك والله لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ بدعائك لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ مصدقين نبوتك ورسالتك وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ بلا ممانعة ولا مماطلة
فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ بدعاء رسولنا موسى وبلغ الزمان إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ اى عينوه وقدروه لإيمانهم وارسالهم ليتأملوا ويتفكروا فيها إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ اى بعد ما وصل وقت الوفاء والإيفاء بالعهود والمواثيق بادروا الى النكث والنقض ثم لما بالغوا في النكث وخالفوا أمرنا وكذبوا بنبينا
فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ اى أردنا انتقامهم وأخذهم فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ اى البحر العميق لانهماكهم في بحر الغفلة والطغيان كل ذلك بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا الدالة الموصلة الى وحدتنا الذاتية وَكانُوا بسبب استغراقهم في بحر الغفلة والضلال عَنْها غافِلِينَ محجوبين لا يهتدون بهداية الرسل والأنبياء
وَبعد ما أغرقناهم في يم العدم واستأصلناهم عن قضاء الوجود بالمرة أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ بالقهر والغلبة سيما بقتل الأبناء واستحياء النساء مَشارِقَ الْأَرْضِ المعهودة اى مصر ومشارقها الشام ونواحيها وَمَغارِبَهَا الصعيد ونواحيها الَّتِي بارَكْنا فِيها كثرنا فيها الخير والبركة وسعة الأرزاق وطيب العيش من جميع الجهات وَبعد ما اورثناهم قد تَمَّتْ اى كملت وحقت كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى يا موسى بإنجاز الوعد والنصر وايراث الديار والأموال وغير ذلك عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا اى بسبب ما صبروا على اذياتهم المتجاوزة عن الحد وَدَمَّرْنا اى خربنا وهدمنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ من الابنية الرفيعة والقصور المشيدة وَما كانُوا يَعْرِشُونَ عليها مترفهين بطرين كمسرفي زماننا هذا احسن الله أحوالهم.
ثم أشار سبحانه الى قبح صنيع بنى إسرائيل وخبث طينتهم وجهلهم المركوز في جبلتهم وسخافة طبعهم وركاكة فطنتهم تسلية لرسول الله ﷺ وتذكيرا للمؤمنين ليحذروا عن أمثال ما اتى به هؤلاء فقال وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ اى عبرناهم سالمين غانمين الْبَحْرَ الذي قد أهلك عدوهم فَأَتَوْا اى مروا في طريقهم عَلى قَوْمٍ من بقية العمالقة يَعْكُفُونَ ويعبدون عَلى أَصْنامٍ تماثيل كانت معبودات لَهُمْ من دون الله قالُوا اى بنوا إسرائيل من قساوة قلوبهم وضعف يقينهم بالله المنزه عن الأشباه والأمثال يا مُوسَى المبعوث المرسل إلينا من الله الواحد الأحد اجْعَلْ لَنا إِلهاً اى تمثالا واحدا مشابها لله نعبده ونتقرب نحوه كَما لَهُمْ آلِهَةٌ يعبدونها ويتقربون نحوها ونحن كيف نعبد وندعو الى اله موهوم لا نراه ولا نشاهده وكيف نتضرع اليه ونتوجه نحوه ونستحيي منه ونخاف عنه ثم لما تفرس منهم موسى
стр. 264
ما تفرس من الحجب الكثيفة والاغشية الغليظة قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ تستمرون على جهلكم الجبلي لم يؤثر فيكم الآيات الكبرى والبراهين العظمى. وبالجملة أنتم لم تتفطنوا بالوحدة الذاتية مع غاية وضوحها في ذاتها سيما بعد الإيضاح والتوضيح البليغ بالآيات الظاهرة والمعجزات الباهرة
إِنَّ هؤُلاءِ العاكفين الضالين مُتَبَّرٌ مهلك معدوم ما هُمْ فِيهِ من عبادة التماثيل الباطلة العاطلة الهالكة المستهلكة في أنفسها إذ لا وجود لها أصلا وَبالجملة باطِلٌ عاطل ما كانُوا يَعْمَلُونَ اى أعمالهم لها ولأجلها من الإطاعة والانقياد إذ هو اشراك بالله الواحد الواجب الوجود المستقل بالالوهية ما لا وجود له أصلا
ثم قالَ موسى متأسفا مقرعا أَغَيْرَ اللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد الذي ليس كمثله شيء أصلا أَبْغِيكُمْ واطلب لكم ايها الحمقى العمي الضالون في تيه الغفلة والغرور إِلهاً من مصنوعاته يعبد له بالحق ويتقرب اليه وَالحال انه هُوَ سبحانه قد فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ إذ لا مظهر له أكمل منكم فكيف تعبدون أنتم الفاضلون المكرمون المفضول المرذول وما عرض عليكم ايها الجاهلون الحمقى وما لحق بكم حتى لم تعرفوا مرتبتكم الجامعة الكاملة
وَعليكم ان تعدوا نعم الله التي قد أنعمها عليكم لعلكم تتنبهون على توحيد المنعم اذكروا إِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ حين يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ اى يعلمونكم به وذلك انهم يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ حتى لا تستكثروا وتستظهروا بهم وَأقبح منه انهم يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ ليلحق العار عليكم بتزويجهن بلا نكاح وَبالجملة لكم فِي ذلِكُمْ المذكور من العذاب بَلاءٌ واختبار مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ فأنجيناكم منهم لتقيموا بذكرنا وتواظبوا بشكر نعمنا وتتفطنوا بتوحيدنا واستيلائنا ومع ذلك لم تتنبهوا
وَاذكروا ايضا إذ واعَدْنا مُوسى والزمنا عليه على سبيل النذر والنفل قبل إهلاكنا فرعون بان أخلص لنا ثَلاثِينَ لَيْلَةً من شهر ذي القعدة بان صام فيها وصلّى ان ظفر على فرعون بعد هلاك عدوه حتى ننزل عليه من لدنا كتابا نبين له فيه التدابير المتعلقة لأمور معاش بنى إسرائيل ومعادهم ثم لما أهلكنا العدو ذهب موسى الى ميقاتنا انجازا للموعود المنذور وقبل ما تمت المدة المذكورة قد أنكر موسى خلوف فمه فتسوك قالت الملائكة له قد كنا نشم منك ريح المسك فافسدته بالسواك وَلذلك اى لتداركه وتلافيه قد أَتْمَمْناها اى مدة ميقاتها وأمرناه تلافيا لما أفسده بِعَشْرٍ اى بعشرة ايام أخر من ذي الحجة مضمومة الى ثلثى ذي القعدة كفارة لما فوته بالسواك فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وبعد ما أتمها أنزلنا التورية المبين لهم الاحكام المتعلقة بالأمور الدنيوية والاخروية انجازا لوعدنا إياه وذلك من أعظم النعم وأجل الكرم وَاذكروا ايضا إذ قالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي وصر خليفتي فِي قَوْمِي وذكر لهم مما يتعلق بأمور معاشهم ومعادهم نيابة عنى وَبالجملة أَصْلِحْ بينهم واحفظهم عن زيغ اهل الضلال والإضلال وَلا تَتَّبِعْ أنت ومن معك سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ الذين يفسدون عقائد ضعفاء الأنام بالتمويهات الباطلة والتغريرات العاطلة ومع ذلك قد اتبعتم السامري من خبث طينتكم ورداءة فطنتكم
وَاذكروا ايضا لَمَّا جاءَ مُوسى حين بعثنا إليكم لإصلاح حالكم لِمِيقاتِنا ليناجى معنا ويتوجه بنا وَمن كمال اللطف والجود إياه كَلَّمَهُ رَبُّهُ اى كلم معه لسان مرتبته التي قد حصل له عند الله وانكشف بها من الله إذ لكل ذرة من ذرائر المظاهر مرتبة خاصة وظن مخصوص وانكشاف مستقل بالنسبة الى الله لذلك قال
стр. 265
سبحانه انا عند ظن عبدى بي. وأعلى المراتب وابهاها مرتبة النبوة والرسالة مع تفاوت طبقاتها ثم الأمثل ثم لما انبسط موسى مع ربه وانكشف له من ربه ما انكشف بحيث سمع كلامه من جميع الجوانب والجهات بلا وسيلة آلة وواسطة من ملك وغيرها وبلا تلفظ كلمة حاصلة من تراكيب الحروف الحاصلة من تقطيع الأصوات قد اضطرب حينئذ موسى ووله وارتعد ومن غاية ولهه وسكره تسارع الى انكشاف اجلى منه واكشف حيث قالَ بعد سماع كلام الحق لا على الوجه المتعارف المعهود وانجذابه نحوه انجذابا لا على الوجه المعتاد رَبِّ يا رب أَرِنِي ذاتك التي قد تنزهت عن المقابلة والمحاذاة والمماثلة والمحاكات كما أسمعتني كلامك المنزه عن ترتيب الكلمات وتقاطع الحروف والأصوات أَنْظُرْ إِلَيْكَ ببصرى كما سمعت كلامك بسمعي قالَ سبحانه لَنْ تَرانِي يا موسى ما دمت في جلباب تعينك وغشاوة هويتك وَلكِنِ ان أردت ان تعرف استعدادك لرؤيتى انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ حين تجليت عليها بهويتى المسقطة للهويات مطلقا فَإِنِ اسْتَقَرَّ وثبت عندك انه تمكن مَكانَهُ بعد ما اتجلى عليه بذاتى اى بقي هو على هويته التي هو فيها قبل التجلي فَسَوْفَ تَرانِي اى فيمكن لك حينئذ ان تراني بهويتك فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ حسب أوصافه القهرية الجلالية جَعَلَهُ دَكًّا مدكوكا مفتتا متلاشيا كأنه لم يكن شيأ مذكورا وبالجملة قد اضمحلت تعيناته الباطلة مطلقا ورجع الى ما كان عليه من العدم واللاشيء المحض وَبعد ما رأى من قدرة الله ما رأى خَرَّ وسقط مُوسى الكليم بعد ما نظر نحوه ولم يره صَعِقاً حائرا هائما قلقا مغشيا عليه كأنه انفصل عنه لوازم هويته مطلقا فَلَمَّا أَفاقَ موسى عن ولهه وسكره وانكشف من ربه بما انكشف من انه لا يرى الله الا الله ولا يعرف الله الا الله ولا ينظر نحوه الا عينه ولا يدرك ذاته الا ذاته قالَ مستحيا منيبا خائفا مستنزها سُبْحانَكَ انزهك تنزيها بليغا وأقدسك تقديسا متناهيا من ان يحيط بك وباسمائك وصفاتك احد من مصنوعاتك تُبْتُ ورجعت إِلَيْكَ يا ربي مما اجترأت من سؤال ما ليس في وسعى وطاقتي وَبعد ما عرفتك الآن يا ربي عرفانا أكمل وانكشفت منك انكشافا أتم بحيث لم انكشف مثله من قبل أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ الموقنين بعظمتك وجلالك إذ لا اعتداد لإيماني بك من قبل
ثم لما استحيي موسى من الله وندم عن سؤاله بلا استيذان منه سبحانه تغمم وتحزن حزنا بليغا من اجترائه بما ليس في وسعه أزال سبحانه إشفاقا له ما عرض عليه من الندم والخجل حيث قالَ سبحانه مناديا له يا مُوسى المستخلف منى إِنِّي بمقتضى حولي وقوتي وحسب اختياري وإرادتي قد اصْطَفَيْتُكَ واخترتك من بين الناس وبعثتك عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وبحمل احكامى واوامرى وتذكيراتى حتى توصلها الى عبادي نيابة عنى وَقد خصصتك من بين الرسل بِكَلامِي اى بسماعه بلا كيف وحرف وبلا واسطة سفير وملك فَخُذْ ما آتَيْتُكَ تفضلا عليك بقدر وسعك واستعدادك ولا تبادر الى سؤال ما لا طاقة لك به ولا يسع في وسعك الاستكشاف عنه وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ لنعمنا الواصلة إليك واصرفها على الوجه الذي امرناك به من المصارف ووفقناك عليه ولا تكن من الكافرين لنعمائنا المنصرفين عن أوامرنا وأحكامنا لتفوز عنا بالرضا الذي هو احسن احوال ارباب الكشف والشهود
وَمن جملة اصطفائنا له وانعامنا إياه انا قد كَتَبْنا لَهُ وأثبتنا لأجل تربيته وإرشاده فِي الْأَلْواحِ اى ألواح التورية مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يتعلق بتهذيب الظاهر والباطن مَوْعِظَةً تذكرة وتبيانا
стр. 266
يتعظ بها هو ومن تبعه وَتَفْصِيلًا توضيحا وتبيينا متعلقا لِكُلِّ شَيْءٍ اى لكل حكم من الاحكام المتعلقة بأمور معاشهم فَخُذْها اى فقلنا له خذها ايها الداعي للخلق الى الحق بِقُوَّةٍ عزيمة صادقة وجزم خالص وَأْمُرْ قَوْمَكَ ايضا يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها يعنى بعزائمها دون رخصها حتى تستعد نفوسهم لان يفيض عليها المعارف والحقائق والمكاشفات والمشاهدات التي هي عبارة عن الجنة المأوى والفردوس الأعلى والرتبة العليا عند العارف المحقق ولا يميلوا عنها وعن أحكامها حتى لا يلحقوا بزمرة الفساق المنحطين عن رتبة الخلافة الانسانية وبالجملة سَأُرِيكُمْ في النشأة الاخرى ايها المائلون عن مقتضى الاحكام الإلهية التي هي صراط الله الأقوم دارَ الْفاسِقِينَ التي هي عبارة عن جهنم الحرمان وجحيم الخذلان وسعير الخيبة والخسران أعاذنا الله وعموم عباده منها.
ثم قال سبحانه سَأَصْرِفُ أميل واغفل عَنْ آياتِيَ الظاهرة في الآفاق والأنفس الدالة على توحيدي واستقلالى في عموم التصرفات الكائنة في الآفاق والتدابير الجارية فيها بالاستقلال والاستحقاق القوم الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ ويمشون خيلاء فِي الْأَرْضِ وهم يظلمون عليها بِغَيْرِ الْحَقِّ لخبث طينتهم ورداءة فطرتهم وَهم من نهاية جهلهم المركوز في جبلتهم إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ دالة على الصدق والصواب لا يُؤْمِنُوا بِها عتوا وعنادا وَبالجملة إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ والهداية لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا لعدم موافقة طباعهم إياه وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ والضلال يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا لميل نفوسهم نحوه بالطبع ذلِكَ اى الصرف والانحراف العارض لهم والاهوية الباطلة والآراء الفاسدة كلها بِأَنَّهُمْ من غاية انهماكهم في الضلال قد كَذَّبُوا بِآياتِنا الدالة على توحيدنا المنزلة على رسلنا وَكانُوا من غاية جهلهم عَنْها وعن الامتثال بها والعمل بمقتضاها والتدبر في معناها غافِلِينَ غفلة مؤبدة لا تيقظ لهم منها أصلا. نبهنا يا الله بلطفك عن نومة الغافلين يا ذا القوة المتين
وَبالجملة المسرفون المفرطون الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا الظاهرة عن اوصافنا الذاتية حسب اسمنا الرّحمن في النشأة الاولى وَلِقاءِ الْآخِرَةِ اى كذبوا برجوع الكل إلينا حسب اسمنا الرّحيم في النشأة الاخرى أولئك الأشقياء البعداء المردودون المطرودون هم الذين قد حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وضاعت بضائعهم وأموالهم وهم قد خسروا فيها في الاولى والاخرى هَلْ يُجْزَوْنَ وما يجازون باحباط الأعمال إِلَّا بمقتضى ما كانُوا يَعْمَلُونَ يفترون ويكتسبون لأنفسهم من تكذيب الآيات والرسل المنبهين لها المبينين لمقتضاها ومن جملة الأسباب الموجبة لإحباط أعمالهم اتخاذهم العجل آلها
وَذلك انه قد اتَّخَذَ وأخذ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ اى من بعد ذهابه الى الميقات عند ربه مِنْ حُلِيِّهِمْ التي قد ورثوها من القبط بتعليم السامري إياهم عِجْلًا اى صورة عجل وبعد ما اذابوا الحلي وصاغوها على الوجه الذي خيلوه القى السامري عليها ما قبض من تراب حافر فرس جبرئيل ﵇ فصارت جَسَداً عجلا نيئا لَهُ خُوارٌ صوت كصوت البقر فقال لهم السامري هذا إلهكم واله موسى فاتخذوه آلها مع انهم قد صاغوه بأيديهم من حليهم أَيأخذون العجل المصوغ آلها أولئك الهالكون في تيه الغفلة والنسيان ولَمْ يَرَوْا ولم يعلموا ولم يتفطنوا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ اى العجل المصوغ المصنوع بكلام دال على صلاحهم وإصلاح حالهم وَلا يَهْدِيهِمْ ولا يرشدهم سَبِيلًا الى الخير والصواب حتى يستحق ان يعبد له. والمعبود لا بدان يأمر وينهى ويرشد ويهدى بل ما
стр. 267
اتَّخَذُوهُ الها معبودا الا ظلما وزورا وخروجا من مقتضى العقل والنقل وَبالجملة هم قد كانُوا في أنفسهم ظالِمِينَ خارجين متجاوزين عن مقتضى العقل والنقل
وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ اى لما ظهر ندمهم عن فعلهم واشتد فيهم تجهيل نفوسهم وتخطئة عقولهم وبالجملة قد لاح عندهم قبح صنيعهم هذا وَرَأَوْا وعلموا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا بارتكاب هذه الفعلة القبيحة عن مقتضى العقل والنقل ضلالا بعيدا بمراحل عن الرشد والهداية قالُوا متضرعين مسترجعين خائفين خجلين لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا بسعة رحمته وجوده وَلم يَغْفِرْ لَنا ما جئنا به ولم يتجاوز عنا ما فرطنا فيه لَنَكُونَنَّ البتة مِنَ الْخاسِرِينَ خسرانا عظيما في الدنيا والآخرة
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ بعد ما قد وقع فيهم ما وقع وقد سمع ما سمع صار غَضْبانَ اى استولى عليه غضبه حمية وغيرة أَسِفاً متأسفا متحزنا لضلال قومه فلما وصل إليهم قالَ لهم مغاضبا بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي اى بئس شيأ ابتدعتم خلفي مِنْ بَعْدِي اى من بعد ذهابي الى ربي لأزيد صلاحكم وإصلاحكم ايها المسرفون المفرطون فازددتم الضلال وقد استوجبتم العذاب والنكال أَعَجِلْتُمْ ايها الحمقى أَمْرَ رَبِّكُمْ اى عذابه وعقابه عليكم وَمن شدة غضبه وطغيان حميته وغيرته أَلْقَى الْأَلْواحَ التي قد كانت في يده من التورية فانكسرت منها وضاعت ما يتعلق بتفصيل الاحكام وبقي المواعظ والتذكيرات وَمن افراط قهره وغضبه أَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ هارون اى من شعر رأسه يَجُرُّهُ إِلَيْهِ اى الى نفسه زجرا عليه وتشددا معه قائلا له مملوا من الغيظ كيف لا تحفظهم ولا تنكر عليهم ولا تمنعهم عن فعلهم هذا حتى لا يضلوا ولا يكفروا باتخاذ العجل الها قالَ هارون معتذرا متحزنا يا ابْنَ أُمَّ اضافه الى الام استعطافا إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي حين أظهرت الإنكار عليهم وأردت ان نصرفهم عما هم عليه وحده وصاروا بأجمعهم أعدائي بل وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي لشدة غيظهم على وعداوتهم معى وأنت ايضا تغضب على علاوة وتجر رأسى حمية وغيرة وهم الآن تفرحون وتضحكون ببغضك على وزجرك إياي فَلا تُشْمِتْ ولا تفرح يا أخي بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي شريكا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضى العقل والنقل
ثم لما سمع موسى من هارون ما سمع ندم عن فعله وعن سوء الأدب مع أخيه مع انه اكبر سنا منه واسترجع الى الله حيث قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي عما صنعت مع أخي مع انه بريء مما نسبته اليه وَاغفر ايضا لِأَخِي فيما تقاعد وتقاصر في انكار هؤلاء الضالين المتخذين لك شريكا سيما من ادنى مخلوقاتك وأدون مصنوعاتك وَبالجملة أَدْخِلْنا بفضلك وجودك فِي سعة رَحْمَتِكَ وكنف حفظك وجوارك وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
ثم قال سبحانه إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ المصوغ الها بمجرد الخوار الذي صدر عنه سَيَنالُهُمْ وينزل عليهم في النشأة الاخرى غَضَبٌ نازل مِنْ رَبِّهِمْ يطردهم ويبعدهم عن ساحة عز حضوره وَذِلَّةٌ صغار وهوان فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَبالجملة كَذلِكَ في النشأة الاولى والاخرى نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ المشركين لنا غيرنا من مخلوقاتنا افتراء ومراء.
ثم قال سبحانه وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ قصدا أو خطأ ثُمَّ تابُوا ورجعوا نحونا نادمين مِنْ بَعْدِها اى من بعد سيئاتهم وَالحال انه قد كان توبتهم مقرونة بالإيمان بان آمَنُوا بالله وملائكته وكتبه ورسله إِنَّ رَبَّكَ يا أكمل الرسل مِنْ بَعْدِها اى من بعد ما جاءوا بالتوبة والندامة عن ظهر القلب لَغَفُورٌ
стр. 268
لما صدر عنهم من الذنوب رَحِيمٌ يقبل توبتهم بعد ما قد وفقهم بها
وَلَمَّا سَكَتَ اى سكن وذهب عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ الذي قد استولى عليه الى حيث القى ألواح التورية وأخذ شعر أخيه يجره أَخَذَ الْأَلْواحَ المنكسرة المتلاشئة وان انكسر وضاع عنها ما فيها تفصيل كل شيء وَقد بقي منها ما فِي نُسْخَتِها اى فيما رقم ونسخ فيها سالمة عن الكسر والانكسار هُدىً اى أوامر ونواهى توصلهم الى توحيد الحق ان امتثلوا به وقبلوا وَرَحْمَةٌ تنجيهم عن الضلال ان اتصفوا بها كل ذلك حاصل لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ اى يخافون عن الله طلبا لمرضاته لا لغرض آخر من الرياء والسمعة بل من طلب الجنة وخوف العذاب ايضا بل لا يطلبون من الله الا الله ولا يأملون منه سواه
وَاذكر يا أكمل الرسل لمن تبعك قصة الكليم حين اخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ اى اختار وانتخب موسى باذن منا إياه من قومه سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا ومناجاتنا فانتخب من كل سبط من الأسباط الاثنى عشر ستة نفر فزاد على المبلغ اثنين فأمر موسى بتقاعدهما فتخاصموا وتشاجروا في تعيينهما الى ان قال موسى ان اجر من قعد مثل اجر من صعد بل اكثر فقعد كالب ويوشع وذهب موسى معهم فلما دخلوا شعب الجبل وأرادوا الصعود غشيه غمام مظلم كثيف فدخلوا الغمام وخروا سجدا فسمعوا يتكلم سبحانه مع موسى يأمره وينهاه وهو يناجى مع ربه فلما تم الكلام وانكشف الغمام قالوا بعد ما سمعوا كلامه سبحانه مستكشفين عن ذاته لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ظاهرة منكشفة ذاته لأبصارنا كما انكشف كلامه لأسماعنا فاخذتهم الرجفة بسبب سؤالهم هذا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ اى الصاعقة النازلة من قهر الله وغضبه لطلبهم ما ليس في وسعهم واستعدادهم قالَ موسى مشتكيا الى الله يا رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ اى لو تعلقت مشيتك لإهلاكهم لم لم تهلكهم مِنْ قَبْلُ اى قبل اسماعهم كلامك وَإِيَّايَ ايضا لم لم تهلكني حتى لا ينسب الى إهلاكهم عند عوام بنى إسرائيل وهم لا يتشأمون بي ثم قال موسى من غاية اضطرابه أَتُهْلِكُنا بالصاعقة الشديدة يا رب بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا اى بسبب سؤال سئل سفهاءنا وصدر عنهم هذا هفوة بلا علم لهم بعظمتك وجلالك وحق قدرك وعزك بل إِنْ هِيَ اى هذه الفعلة المستبعدة والمسألة المستحيلة ايضا إِلَّا فِتْنَتُكَ اختبارك وابتلاؤك إياهم إذ أسمعت أنت لهم كلامك فاوقعتهم بهذه الفتنة العظيمة إذ أنت تُضِلُّ بِها اى بفتنتك مَنْ تَشاءُ من عبادك بان اجترءوا عليك بعد ما انكشفت عليهم نوع انكشاف وجذبتهم نحوك نوع انجذاب الى انكشاف أعلى منه واجلى فتضلوا وتكفروا بلا علم لهم الى مقتضيات استعداداتهم وَتَهْدِي بها ايضا مَنْ تَشاءُ بان سكتوا عن السؤال مطلقا وفوضوا أمورهم كلها إليك ولا يسألوا عنك ما لم يستأذنوا منك والكل بيدك وما صدر عموم ما صدر عمن صدر الا بتوفيقك واقدارك بل بك ومنك وبمقتضى قدرتك وارادتك وبالجملة أَنْتَ وَلِيُّنا ومولى أمورنا ومولى نعمنا فَاغْفِرْ لَنا عموم ما جرى علينا من المعاصي والآثام وَارْحَمْنا برحمتك الواسعة تفضلا علينا وامتنانا واعف عنا بفضلك وجودك وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ الساترين ذنوب عصاة المسرفين المفرطين
وَاكْتُبْ لَنا يا ربنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً لا توقعنا في فتنتك وَفِي الْآخِرَةِ ايضا حسنة توصلنا الى ذروة توحيدك إِنَّا بعد ما تحققنا بعلو شانك وسمو برهانك هُدْنا اى تبنا ورجعنا إِلَيْكَ من ان نسأل منك ما ليس لنا علم به سيما بما يتعلق بذاتك قالَ سبحانه متعززا برداء العظمة والكبرياء
стр. 269
عَذابِي ونكالي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ من عصاة عبادي وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ من المطيعين والعاصين وغيرهم فَسَأَكْتُبُها وأثبتها حتما لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويحذرون عن المحارم مطلقا طلبا لمرضاتى وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ اى يعطون مما في أيديهم من الرزق الصوري والمعنوي تمرينا على نفوسهم ملكة الكرم والجود وتطهيرا لها عن الشح المطاع الموجب للقسوة والغفلة وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا اى بجميعها يُؤْمِنُونَ يوقنون ويمتثلون بمقتضاها ألا وهم
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ المرسل بالتوحيد الذاتي النَّبِيَّ المتمم لمكارم الأخلاق الْأُمِّيَّ المتحقق المخصوص بالعلم اللدني الملقى له من ربه بلا واسطة كسب وتعليم من معلم الا وهو النبي الموعود الَّذِي يَجِدُونَهُ يعنى عموم اهل الكتب مَكْتُوباً في كتبهم بعثته ودينه واسمه وحليته وجميع أوصافه ثابتة عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ بانه إذا بعث يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ التي يحرمونها على نفوسهم وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ التي قد حللوها على أنفسهم وَبالجملة يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ اى يزيح ويزيل عنهم ثقلهم التي يترهبون ويتزهدون فيها فوق طاقتهم كقطع الأعضاء والجوارح التي يخطئون بها وقطع موضع النجاسة من الثوب وغير ذلك وَيضع ايضا الْأَغْلالَ اى التكاليف الشاقة الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ وبالجملة فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ حين ظهوره ودعوته وَعَزَّرُوهُ ووقروه حق توقيره وتعظيمه وَنَصَرُوهُ تقوية لدينه وَاتَّبَعُوا النُّورَ اى القرآن الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ من عند الله تأييدا له وتصديقا إياه أُولئِكَ السعداء المقبولون عند الله الموفقون من عنده باتباعه هُمُ الْمُفْلِحُونَ المقصورون من عنده على الفلاح والفوز بالنجاح
قُلْ يا أكمل الرسل الهادي للكل المرسل الى كافة البرايا يا أَيُّهَا النَّاسُ المجبولون على الغفلة الناسون عهد الله وميثاقه المحتاجون الى المرشد الهادي ليهديكم الى طريق الرشد إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ قد أرسلني إِلَيْكُمْ جَمِيعاً اى الى قاطبة اهل التكليف وعامة البرايا لهديكم الى توحيده الذاتي اعلموا ايها المجبولون على فطرة الوجدة انه سبحانه هو العليم القدير الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وما فيها إيجادا وتصرفا بالاستقلال والاختيار وَالْأَرْضِ وما عليها كذلك لا إِلهَ اى لا متصرف في الشهود ولا مالك في الوجود إِلَّا هُوَ المتصرف المستقل بالوجود والألوهية يُحيِي ويظهر بلطفه وجماله من يشاء من مظاهره وَكذا يُمِيتُ بقهره وجلاله من يشاء ومتى عرفتم ان الملك كله لله والتصرف بيده فَآمِنُوا بِاللَّهِ المتوحد المتفرد بالالوهية وَرَسُولِهِ المرسل من عنده ليبين لكم طريق توحيده النَّبِيِّ المخبر بأحوال النشأة الاولى والاخرى الْأُمِّيِّ المكاشف الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ اى يوقن ويذعن بتوحيد الله ويصدق بعموم كلماته المفصلة المنزلة من عنده سبحانه بتوفيق الله وتأييده من لدن نفسه القدسية بلا مدرس ومرشد هاد ومعلم منبه وَإذا كان شانه هذا ووصفه هكذا اتَّبِعُوهُ ايها الطالبون لطريق الحق القاصدون نحو توحيده لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ بمتابعته ﷺ بعموم ما تروحون وتقصدون اليه من مراسم التوحيد الذاتي ثم قال سبحانه تنبيها على المؤمنين وحثا لهم الى الاتصاف بالقسط والعدالة المنبئة عن الصراط الأقوم الإلهي
وَمِنْ قَوْمِ مُوسى اى من بنى إسرائيل أُمَّةٌ وجماعة مقتصدة يَهْدُونَ الناس الى توحيد الحق بِالْحَقِّ والصدق المطابق للواقع لنجابة فطرتهم واستقامة عقيدتهم وَبِهِ يَعْدِلُونَ اى بسبب الحق يقتصدون لا يفرطون
стр. 270
في الاحكام أصلا
ثم قال سبحانه وَقَطَّعْناهُمُ اى قد حزبنا بنى إسرائيل وصيرناهم اثْنَتَيْ عَشْرَةَ حزبا على عدد أبناء يعقوب ﵈ ليكونوا أَسْباطاً لهم كل حزب سبط لواحد منهم لذلك صاروا أُمَماً مختلفة متفرقة وان كان الكل مسمى ببني إسرائيل وَمن جملة نعمنا إياه انا قد أَوْحَيْنا من مقام جودنا إِلى مُوسى وقت إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ اى حين صاروا تائهين هائمين عطاشا حائرين أَنِ اضْرِبْ يا موسى بِعَصاكَ التي قد استعنت بها في الأمور الْحَجَرَ الذي بين يديك فضرب فَانْبَجَسَتْ جرت وخرجت على الفور بلا تراخ ومهلة مِنْهُ اى من الحجر اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً جارية بضربة واحدة على عدد الأسباط والفرق بحيث قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ من كل سبط مَشْرَبَهُمْ المخصوص لهم لئلا يقع الخصومة والنزاع بينهم وَايضا من جملة نعمنا إياهم انا قد ظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ اى أمرنا الغمام بان يظل عليهم في التيه لئلا يتضرروا من شدة الحر فيستريحوا وَايضا أَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ الترنجبين لشربهم تبريدا لأمزجتهم وَأنزلنا لهم ايضا السَّلْوى اى السمانى لغذائهم وقلنا لهم كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ لتقويم امزجتكم وتقويتها وهم مع تلك الكرامات العظام قد خرجوا عن مقتضى الأوامر والنواهي المأمورة إياهم وَبالجملة ما ظَلَمُونا أولئك الظالمون الخارجون عن مقتضيات حدودنا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
اى ما يظلمون الا أنفسهم بشؤم ما اقترفوا من المعاصي والآثام ويلقونها بذلك في عذاب الدنيا والآخرة وهم مع قبح صنيعهم معنا قد راعيناهم وأنعمنا عليهم
وَمن جملة ما ظلموا على أنفسهم انهم إِذْ قِيلَ لَهُمُ واوصى إليهم إصلاحا لحالهم اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ اى بيت المقدس وَكُلُوا مِنْها اى من مأكولاتها المتسعة حَيْثُ شِئْتُمْ بلا مدافعة ومنع وَقُولُوا متضرعين إلينا متوجهين نحونا حِطَّةٌ اى سؤالنا منك يا مولانا حط ما صدر عنا من الآثام وعفو ما جرى علينا من المعاصي وَادْخُلُوا الْبابَ اى بيت المقدس سُجَّداً ساجدين متذللين واضعين جباهكم على تراب المذلة والهوان تأدبا وتعظيما نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ اى جميعها ان امتثلتم ما قد أمرناكم به بل سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ منكم بالرضوان الأكبر من لدنا
وبالجملة فَبَدَّلَ واستبدل الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ أنفسهم بالخروج عن مقتضى ما امرناهم قَوْلًا صادقا صوابا قد قلنا لهم لإصلاح حالهم غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ على السنة رسلنا بل قد حرفوها لفظا ومعنى كما مر بيانه في سورة البقرة فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ بسبب تبديلهم وتحريفهم هذا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ اى عذابا نازلا من جانب السماء بِما كانُوا يَظْلِمُونَ اى بشؤم خروجهم عن مقتضى أوامرنا وأحكامنا
وَايضا من جملة ظلمهم على نفوسهم حيلتهم وخديعتهم في نقض العهد ان شئت ان تعرفها سْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ اى اسئل خديعتهم من اهل القرية الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ قريبة منه قيل ايلة وقيل طبرية الشأم وقيل مدين اذكر وقت إِذْ يَعْدُونَ يتجاوزون عن حدودنا وعهودنا معهم فِي السَّبْتِ اى العهد الذي هم قد عهدوا معنا ان لا يصطادوا في يوم السبت بل اخلصوه لعبادتنا والتوجه نحونا فابتليناهم بمحافظة العهد والوفاء عليه إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ المعهود المحرم شُرَّعاً متتابعة متوالية وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ ولا يعهدون فيه لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ اى مثل سبتهم فاحتالوا بتعليم شياطينهم إياهم فحفروا أخاديد وحياضا على شاطى البحر فأرسلوا الماء عليها في يوم السبت
стр. 271
واجتمعت الحبتان فيها فاصطادوها يوم الأحد والاثنين وبسبب خداعهم معنا واختراع الحيل لنقص عهودنا نَبْلُوهُمْ نبلاء المسخ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ اى بسبب فسقهم وخروجهم عن مقتضى العهد
وَاذكر إِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ اى جماعة من صلحائهم حين قال بعض آخر من الصلحاء ايضا للمحتالين المناقضين على وجه العظة والتذكير لم تحتالون ولم تخادعون مع الله كأنكم لا تخافون من بطشه وانتقامه لِمَ تَعِظُونَ ايها المذكرون المصلحون قَوْماً منهمكين في الغفلة والضلال مع انه اللَّهُ القادر المقتدر المطلع لعموم أحوالهم مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً اى قد أراد الله إهلاكهم او تعذيبهم باشد العذاب بشؤم حيلتهم وخداعهم هذه قالُوا يعنى المذكرين المصلحين تذكيرنا ونصحنا إياهم مَعْذِرَةً ما إِلى رَبِّكُمْ الذي قد أمرنا بنهي المنكر على وجه المبالغة ولتأكيد وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ اى وأيضا ترجو من كرم الله وفضله ان ينتهوا ويحذروا بتذكيرنا إياهم عما هم عليه من الغفلة والضلال
وبالجملة فَلَمَّا نَسُوا واعرضوا عن ما ذُكِّرُوا بِهِ اى من العظة والتذكير ولم يقبلوا من الواعظين المذكرين وعظهم ونصيحتهم أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ متعظين بما ذكروا به وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بالإعراض عنه بِعَذابٍ بَئِيسٍ شديد فطبع بِما كانُوا يَفْسُقُونَ اى بسبب فسقهم واعراضهم
فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ والحاصل انهم ما تكبروا واستكبروا عن امتثال أوامرنا واجتناب نواهينا قُلْنا لَهُمْ على لسان نبيهم داود ﵇ كُونُوا ايها المتكبرون المنهمكون في الغي والضلال قِرَدَةً خاسِئِينَ صاغرين مهانين لاستكباركم عن أوامر الله وتكاليفه مع انكم انما جبلتم على تحمل التكليفات الإلهية المستتبعة لرتبة الخلافة والنيابة عنه سبحانه فلما امتنعوا عنها مسخوا عن لوازم الانسانية بالمرة والحقوا باخس الحيوانات وأرذل الأعاجم
وَاذكر لمن تبعك يا أكمل الرسل واتل عليهم كي يتنبهوا وقت إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ اى قد عزم وكتب على نفسه كأنه اقسم سبحانه لَيَبْعَثَنَّ وليسلطن عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مستمرا دائما مَنْ يَسُومُهُمْ ويعلمهم سُوءَ الْعَذابِ لذلك ما ترى يهوديا في اقطار الأرض الا على مذلة وهوان إِنَّ رَبَّكَ يا أكمل الرسل لَسَرِيعُ الْعِقابِ على من أراد عقابه وَإِنَّهُ ايضا لَغَفُورٌ لمن تاب وأخلص رَحِيمٌ بقبل توبته ويمحو معصيته
وَمن غاية اذلالنا إياهم قَطَّعْناهُمْ وفرقناهم فِي الْأَرْضِ أُمَماً فرقا فرقا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ المؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ اى الطالحون الخارجون عن مقتضى الايمان وَبالجملة قد بَلَوْناهُمْ اى اختبرناهم وحرمناهم بِالْحَسَناتِ اى بالعطاء والانعام وَالسَّيِّئاتِ بالأخذ والانتقام لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ رجاء ان يتنبهوا بنا فيرجعوا إلينا وبعد ما بلوناهم بما بلوناهم
فَخَلَفَ واستخلف مِنْ بَعْدِهِمْ اى بعد انقراضهم خلق خَلْفٌ خلفاء منهم يدعون انهم قد وَرِثُوا الْكِتابَ اى علم التورية منهم مع انهم يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى اى الدنيا مولعين بجمعها وأخذها وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا اى لن يأخذنا الله ابدا بأخذها وجمعها وَمن غاية حرصهم إِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ بل أضعافه وآلافه يَأْخُذُوهُ بلا مبالاة اتكالا على مغفرة الله وعفوه مع انهم لم يستغفروا اليه أصلا أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الله المنزل في الْكِتابَ الذي ادعوا علمه ووراثته بل قد أخذ سبحانه منهم الميثاق في كتابهم على أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا القول الْحَقَّ ولا تنسبوا اليه سبحانه الا الصدق الثابت الذي
стр. 272
قد ورد عليه الأمر الإلهي من عنده سبحانه وَكيف لم يعلموا أخذ الله إياهم مع انهم قد دَرَسُوا من معلميهم ما فِيهِ من الاحكام والمواعظ والأوامر والنواهي وَبالجملة الدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويحذرون عن حطام الدنيا ويجتنبون عن آثامها أَفَلا تَعْقِلُونَ خيريتها ايها الضالون المنغمسون «٢» في قاذورات الدنيا ولذاتها وشهواتها مع انها لا مدار لها ولا قرار للذاتها ومشتهياتها
وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ ويتمسكون منهم بِالْكِتابِ اى بما امرناهم في التورية ونهيناهم عنه فيه وَمع ذلك قد أَقامُوا الصَّلاةَ واداموا الميل والتوجه إلينا على الوجه الذي امرناهم في كتابهم فعلينا أجرهم إِنَّا لا نُضِيعُ ولا نهمل أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ الذين يصلحون ظواهرهم بالشرائع والاحكام المنزلة من عندنا وبواطنهم بالإخلاص والتوحيد المسقط للاضافات مطلقا
وَاذكر وقت إِذْ نَتَقْنَا وقلعنا الْجَبَلَ من مكانه ورفعنا فَوْقَهُمْ بحيث يظل عليهم كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ سقف فوق رؤسهم وَظَنُّوا من قبح صنيعهم أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ الى ان قلنا لهم خُذُوا ما آتَيْناكُمْ من مأمورات التورية بِقُوَّةٍ عزيمة صادقة وجزم خالص في أوامره وأحكامه وَاذْكُرُوا اى اتعظوا وتذكروا ما فِيهِ من المواعظ والتذكيرات لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ تنتهون وتحذرون عن قبائح أعمالكم ورذائل أخلاقكم
وَبالجملة نقض العهود ورفض المواثيق ونكثها والاعراض عن التكاليف المأمورة ليس مما يختص بهؤلاء المعرضين بل ما هي الا من الديدنة القديمة والعادة المستمرة لبنى آدم اذكر وقت إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ يا أكمل الرسل مِنْ بَنِي آدَمَ حين أخرجهم حسب حصة ناسوتهم مِنْ ظُهُورِهِمْ اى من ظهور آبائهم وأصلابهم على التوالد المتعارف ذُرِّيَّتَهُمْ اى أولادهم قرنا بعد قرن بطنا بعد بطن وَأَشْهَدَهُمْ اى أحضرهم واطلعهم عَلى أَنْفُسِهِمْ اى على حصة لاهوتهم وعلى أرواحهم الفائضة عليهم المنفوخة فيهم من روحه سبحانه ثم قال لهم بعد ما شهدوا واستحضروا منشأهم وعلموا أصلهم اللاهوتى والناسوتي أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ الذي أوجدكم وأظهركم من كتم العدم بنفخ من روحي فيكم وفي ناسوتكم يا بنى آدم قالُوا بالسنة استعداداتهم بَلى قد شَهِدْنا يا مولينا سيما بعد ما أشهدتنا واقررتنا أنت ربنا لا رب لنا سواك ولا مظهر لنا غيرك فأخذ سبحانه على ذلك منهم الميثاق الوثيق حينئذ وانما أخذ ما أخذ كراهة أَنْ تَقُولُوا على سبيل المجادلة والمراء حين أخذهم يَوْمَ الْقِيامَةِ بجرائمهم الصادرة عنهم المقتضية لنقض العهد إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا عن ربوبيتك واستقلالك فيها غافِلِينَ غير عالمين بها ولا منبهين عليها
أَوْ تَقُولُوا لو لم يأخذ سبحانه العهد الوثيق منهم جميعا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَقد كُنَّا ذُرِّيَّةً ضعافا مِنْ بَعْدِهِمْ فتقلدنا بهم أَفَتُهْلِكُنا وتأخذنا يا ربنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ اى بفعل آبائنا الذين قد أشركوا بك مع انا حينئذ لم نكن من اصحاب الرأى والتمييز وأخذنا بجرمهم ظلم علينا لذلك أخذ سبحانه الميثاق من جميع بنى آدم حتى لا يبقى لهم حجة عليه
стр. 273
سبحانه
وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ ونبين على وجه الخصوص والعموم الْآياتِ الدالة على توحيدنا على اليهود وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ رجاء ان يتنبهوا فيرجعوا نحونا ومع ذلك لم يرجعوا ولم يتنبهوا أصلا
وَبعد ما قد بالغوا في الاعراض والإنكار اتْلُ عَلَيْهِمْ اى على اليهود يا أكمل الرسل نَبَأَ اى قصة الشخص الَّذِي آتَيْناهُ علم آياتِنا العظام وأسمائنا الكرام حتى قدر وتمكن بسببها على اى شيء أراد فاعرض عنا بمتابعة الهوى كهؤلاء الغواة فَانْسَلَخَ مِنْها اى تجرد وعرى من سرائر الآيات جميعا انسلاخ لحية من جلدها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ اى قد جعله اللعين تابعا لاهوية نفسه فَكانَ بمتابعتها مِنَ الْغاوِينَ المنهمكين في الغي والضلال بحيث لا يرجى هدايته أصلا كهؤلاء اليهود
وَلَوْ شِئْنا وتعلق مشيتنا لهدايته الى أقصى غاية التوحيد وأعلى مرتبته لَرَفَعْناهُ بِها اى بتلك الآيات وَلكِنَّهُ متعلق لذلك أَخْلَدَ اى انخفض ومال إِلَى الْأَرْضِ الأنزل الأرذل وَاتَّبَعَ هَواهُ ينزل عليها ومع ذلك يتمسك بها وأراد ان يتشبث بمقتضاها فَمَثَلُهُ في هذا التمسك والتشتت بعد اللتيا والتي كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ حملا موجبا للهثه واندلاع نسائه يَلْهَثْ يخرج لسانه بسببه أَوْ تَتْرُكْهُ ولم تحمل عليه ما يوجب للهثه يَلْهَثْ ايضا لرسوخ تلك الديدنة القبيحة في ذاته وبالجملة ذلِكَ اى مثل ذلك الكلب بعينه مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ يا أكمل الرسل لليهود الْقَصَصَ المعهود لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ويتأملون فيما هم عليه من الاعراض والإنكار فيتنبهون على قبح صنيعهم وسوء فعالهم مع الله قيل ذلك الشخص هو بلعام بن باعوراء وقصته معروفة وقيل امية ابن الصلت كان قد قرأ الكتب المنزلة ووحد فيها وصف النبي ﷺ ورجا ان يكون هو فلما بعث رسول الله ﷺ حسد وكفر جميع الكتب المنزلة وكان من الغاوين
ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ اى بئس المثل مثل القوم الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واعرضوا عنها منكرين عليها وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ اى وما يظلمون بالإعراض والإنكار الا أنفسهم إذ عاد عليهم وباله ونكاله ولكن لا يشعرون لقساوة قلوبهم وخبث طينتهم
وبالجملة مَنْ يَهْدِ اللَّهُ بان يوفقه على سماع كلمة الحق فَهُوَ الْمُهْتَدِي الى توحيده وَمَنْ يُضْلِلْ بان يضله عن سبيله بإنكار آياته وتكذيب رسله فَأُولئِكَ البعداء الضالون هُمُ الْخاسِرُونَ المقصورون على الخسران الأبدي لا يرجى ربحهم وهدايتهم أصلا
ثم قال سبحانه وَلَقَدْ ذَرَأْنا أوجدنا وأظهرنا لِجَهَنَّمَ البعد والخذلان ونيران الإمكان والخسران كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ مع انه قد ثبت لَهُمْ قُلُوبٌ هي مناط التكاليف والعرفان ومحال الايمان والإيقان وهم لا يَفْقَهُونَ بِها ليحصل لهم مرتبة اليقين العلمي وَلَهُمْ أَعْيُنٌ هي سبب مشاهدة الآثار والاستدلال منها على الأوصاف الموجدة لها المترتبة على الذات الإلهي وهم لا يُبْصِرُونَ بِها ليحصل لهم مرتبة اليقين العيني وَلَهُمْ ايضا آذانٌ هي آلات لسماع كلمة الحق ووسائل الى اكتساب الفضائل والكمالات المنبهة على ما في نفوسهم من السرائر والأسرار المكنونة الإلهية وهم لا يَسْمَعُونَ بِها ليحصل لهم الترقي من مرتبة اليقين العيني الى اليقين الحقي وبالجملة أُولئِكَ الحمقى الجهلاء المتصنعون بأوصاف العقلاء العرفاء كَالْأَنْعامِ في عدم الشعور والتنبه بَلْ هُمْ بسبب تضييع استعداداتهم الفطرية وقابلياتهم الجبلية أَضَلُّ من الانعام بمراتب وبالجملة أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ المقصورون على الغفلة المؤبدة
стр. 274
المتناهون فيها أقصى الغاية
وَاعلموا ايها العقلاء العرفاء الموحدون ان لِلَّهِ المتوحد المتفرد لذاته الْأَسْماءُ الْحُسْنى التي تترتب عليها الصفات العليا المترتبة عليها الآثار الحادثة في عالم الكون والفساد والشهادة والغيبة والنشأة الاولى والاخرى فَادْعُوهُ سبحانه ايها الموحدون بِها وأسندوا الحوادث الكائنة إليها أولا وبالذات وَذَرُوا اى دعوا واتركوا اقوال الجاحدين الملحدين الَّذِينَ يُلْحِدُونَ يميلون وينحرفون فِي أَسْمائِهِ بنسبة الحوادث الكائنة الى الأسباب والوسائل العادية أولا وبالذات واعتقدوها عللا وأسبابا حقيقية واهجروا مذاهبهم واعتزلوا عنهم وعن مجالستهم واعلموا ان كل واحد منهم ايها المكلفون سَيُجْزَوْنَ بمقتضى ما كانُوا يَعْمَلُونَ في نشأة الدنيا ان خيرا فخير وان شرا فشر ثم قال سبحانه كلاما كليا جمليا شاملا على جميع الملل والأديان
وَمِمَّنْ خَلَقْنا اى اظهرناهم على صورتنا أُمَّةٌ مستخلفة عنا هم يَهْدُونَ الناس إلينا ملتبسين بِالْحَقِّ المطابق للواقع متمسكين به وَبِهِ اى بالحق لا بغيره إذ لا غير يَعْدِلُونَ يقسطون وينصفون في الوقائع والاحكام
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا الدالة على توحيدنا المنزلة على رسلنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ اى سنستضلهم ونستذلهم قليلا قليلا الى ان نهلكهم بالمرة وندخلهم في جهنم البعد وسعير الإمكان مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ولا يفهمون كيف وقعوا فيها ومن اى طريق دخلوا
وَبالجملة أُمْلِي لَهُمْ اى امهلهم في بطرهم وغفلتهم الى حيث ازدادوا على نفوسهم العتو والعناد الموجب لشدة العذاب مكرا عليهم وكيدا لهم إِنَّ كَيْدِي ومكري سيما مع العصاة الغواة الضالين عن منهج العدالة والرشد مَتِينٌ محكم بحيث لم يحسوا به وباماراته ومقدماته أصلا الى ان أخذوا بأسوإ العذاب وأشد النكال ثم أشار سبحانه الى توبيخ المسرفين المسفهين لرسول الله عنادا ومكابرة
فقال أَما يستحيون من الله أولئك المسرفون المفرطون من نسبة الجنون الى من فاق على عموم العقلاء بالرشد والهداية وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ولم يتدبروا انه ما بِصاحِبِهِمْ يعنى نبيهم ورسولهم محمدا ﷺ مِنْ جِنَّةٍ خفة عقل موجب للخبط والجنون غاية ما في الباب ان هؤلاء القاصرين عن ادراك كلامه ينسبون ما لم يفهموا من كلامه الى انه قد صدر عنه هفوة لا عن قصد وشعور ويسمونه مجنونا لذلك إِنْ هُوَ اى بل ما هو ﷺ عند التحقيق إِلَّا نَذِيرٌ ينذرهم باذن الله ووحيه ويخوفهم الله به مُبِينٌ عظيم الشان ظاهر البيان في امر الإنذار والإرشاد روى انه ﷺ صعد الصفا يوما فدعاهم فخذا فخذا يحذرهم عن بأس الله وبطشه فقال قائلهم ان صاحبكم لمجنون فنزلت. ثم قال سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع لهؤلاء المسرفين الذين ينسبون ما هو خارج عن مدركات عقولهم الى الجنون ويدعون استقلال العقل في العلوم المتعلقة بالأشياء كلها
أَوَلَمْ يَنْظُرُوا ولم يتدبروا كيف تقصر وتدهش عقولهم فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وكيفية نظمها ونضدها وترتيبها وتطبيقها وما فيها من كواكبها وبروجها وحركاتها وادوارها وانقلاباتها شتاء وصيفا ربيعا وخريفا وَالْأَرْضِ وما عليها من تلالها ووهادها وأنهارها وبحارها ورياضها وازهارها وغرائبها وبدائعها المكنونة المتكونة فيها بل وَفي جميع ما خَلَقَ اللَّهُ وأظهره من كتم العدم إظهارا إبداعيا مِنْ شَيْءٍ اى مما يطلق عليه اسم شيء تدهش وتتحير في ظهوره عقول فحول العقلاء بحيث لم يطلعوا ولم يفهموا كيفية ظهور ذرة حقيرة من ذرائر العالم فكيف لميتها لذلك قال ﷺ في دعائه اللهم أرنا الأشياء كما هي وقال ايضا صلّى الله عليه وسلّم
стр. 275
رب زدني فيك تحيرا هذا في الآفاق الخارجة عنهم وَاما في نفوسهم فلم ينظروا أَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ المقدر المسمى لهم وهم لا يفهمونه وان اجتمع العقلاء في تعيين أجل شخص واحد ما قدروا ومع قصور نظرهم وسخافة أحلامهم ينسبون الجنون الى المكاشفين الناظرين بنور الله المشاهدين المطالعين دائما صفاء وجهه الكريم الا وهم الذين قد انخلعوا عن لوازم البشرية مطلقا وشقوا جلباب الناسوت رأسا وخرقوا الحجب المسدولة بالكلية وصاروا ما صاروا لا اله الا هو كل شيء هالك الا وجهه وبعد ما سقط العقل عن درجة الاعتبار واضمحلت مدركاته رأسا وخرجت عن الوثوق والاعتماد مطلقا فلا تعويل الا على الوحى والإلهام الملقى من عند العليم العلام فَبِأَيِّ حَدِيثٍ من الأحاديث الملهمة والموحى بها بَعْدَهُ اى بعد نزول القرآن يُؤْمِنُونَ ايها المؤمنون المصدقون بالوحي والإلهام
وبالجملة مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ وتعلق مشيته بإضلاله وإذلاله حسب جلاله فَلا هادِيَ لَهُ يرشده فعليك ان لا تجهد يا أكمل الرسل في هدايتهم ولا تصغى ايضا الى أباطيلهم إذ أمرهم مفوض الى الله وَكيف تجتهد وتسعى في ايمانهم إذ هم قوم يَذَرُهُمْ ويتركهم الله باسمه المذل المضل فِي طُغْيانِهِمْ المتجاوز عن الحد يَعْمَهُونَ يترددون ويتحيرون الى ان يأخذهم بما يأخذهم دعهم أنت ايضا مع أباطيلهم يترددون وفي سكرتهم يعمهون
يَسْئَلُونَكَ يا أكمل الرسل عَنِ السَّاعَةِ التي تخوفهم بها ومن شدة أهوالها وافزاعها أَيَّانَ مُرْساها اى في اى آن من الآنات وزمان من الازمنة قيامها ووقوعها حتى نؤمن بها قبل قيامها قُلْ يا أكمل الرسل في جوابهم إِنَّما عِلْمُها وعلم قيامها عِنْدَ رَبِّي ومن جملة ما استأثر الله به سبحانه في غيبه ولم يطلع أحدا عليها وبالجملة لا يُجَلِّيها اى لا يظهرها ولا يكشف أمرها لِوَقْتِها الذي عين لها وفي ساعتها التي قدر لوقوعها إِلَّا هُوَ إذ هي من جملة الغيوب الخمسة التي قد خصها سبحانه لنفسه في قوله وعنده علم الساعة وينزل الغيث الآية وانما أخفاها وأبهم وقتها ولم يطلع أحدا عليها لان الحكمة المتقنة تقتضي ذلك إذ لو أظهرها على عباده قد ثَقُلَتْ عظمت وشقت عليهم أمرها واشتدت هولها على من فِي السَّماواتِ من الملائكة وَعلى من في الْأَرْضِ من الثقلين لذلك لا تَأْتِيكُمْ الساعة عند إتيانها إِلَّا بَغْتَةً فجاءة وعلى غفلة بحيث لا يسع لكم ترك ما كنتم فيه حينئذ من الأمور كما اخبر ﷺ ان الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه والرجل يسقى ماشيته والرجل يقوم سلعته في سوقه والرجل يخفض ميزانه ويرفعه وانما يَسْئَلُونَكَ عن الساعة وقيامها لظنهم فيك من نجابة طينتك يا أكمل الرسل كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها خبير بوقتها عليم بشأنها مذكر لها دائما مفتش عن أهوالها وأحوالها مستمرا قُلْ لهم إِنَّما عِلْمُها ووقت ظهورها عِنْدَ اللَّهِ وفي خزانة حضرة علمه ولوح قضائه وعالم أسمائه وغيب ذاته وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ انه سبحانه مختص به لا يطلع أحدا عليها
قُلْ يا أكمل الرسل لمن ظن بك انك حفى عليم بسرائر الأمور والعلوم ومخفياتها خبير أنت بحقائق الموجودات وماهياتها اعترافا بالعبودية وسلبا للاختيار عن نفسك والله لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً اى جلب نفع وَلا ضَرًّا اى دفع ضر إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إيصاله الى من النفع والضر وايضا لا اعلم من الغيب الا ما اوحى الله الى وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ يعنى لو تعلق علمي بعواقب أموري لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ لنفسي وَصرت بحيث ما مَسَّنِيَ السُّوءُ
стр. 276
ابدا وما لحقني ضر أصلا لكن إِنْ أَنَا اى ما انا إِلَّا نَذِيرٌ أنذركم باذن ربي على مقتضى وحيه والهامه إياي وَبَشِيرٌ ايضا بمقتضاه لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ بوحي الله والهامه وبالجملة ما انا عالم بحالي ولا بأحوالكم أصلا بل رسول من عند ربي أبلغكم ما أرسلت به وما اوحيت من لدنه
وكيف لا يكون الغيب مما استأثر الله به إذ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ اى أوجدكم وأظهركم مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ هي أبونا آدم ﵇ وكان جسدا لا علم له ولا ادراك ثم علمه سبحانه من انيات الأشياء والأسماء ما تعلق ارادته بتعليمه إياه ولم يعلمه حقائقها وكمياتها إذ هي من جملة المغيبات التي لم يطلع أحدا عليها وَبعد ما أظهرها جَعَلَ مِنْها اى خلق من جنسها زَوْجَها حواء وانما خلقها لِيَسْكُنَ إِلَيْها ويوانس معها فَلَمَّا تَغَشَّاها وواقعها بالهام الله إياه حَمَلَتْ وحبلت حواء حَمْلًا خَفِيفاً اى أدركت حملا خفيفا في بطنها فَمَرَّتْ بِهِ ومضت عليها مدة أدركت ثقلها وأخبرت زوجها بثقلها فالهم بانه ولد فَلَمَّا أَثْقَلَتْ الى حيث اشتد عليها حملها وظهرت عندها امارة حيوة ما في بطنها واحست حركته دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا ولدا صالِحاً سالما لموانستنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ لنعمك المواظبين على أداء حقوق كرمك
فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً بعد صالح وطالحا بعد طالح بطنا بعد بطن جَعَلا وأخذا موضع الشكر لَهُ سبحانه شُرَكاءَ باغواء الشيطان إياهما فِيما آتاهُما من الأولاد فسمياهم بعبد الحارث وعبد العزى وعبد المناة بتعليم الشيطان إياهما فَتَعالَى اللَّهُ المنزه بذاته عن الشريك مطلقا سيما عَمَّا يُشْرِكُونَ له هما وغيرهما من المشركين ثم لا يكن شركهما عن قصد واختيار بل بوسوسة الشيطان واغوائه وبخ سبحانه عليهم وعيرهم لينزجروا
وقال أَيُشْرِكُونَ جمعه باعتبار أولاده معنا ما لا يَخْلُقُ ويظهر شَيْئاً حقيرا قليلا بل وَهُمْ اى الأصنام والشركاء في أنفسهم يُخْلَقُونَ مخلوقون كسائر المخلوقات
وَكيف يشركون الأصنام معنا في الألوهية والربوبية مع انهم لا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ اى لعبدتهم نَصْراً حيث يدفعون عنهم الأذى والضرر إذ هم جمادات لا شعور لها وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ يعنى بل لا يقدرون ان ينصروا أنفسهم بدفع ما يؤذيهم ويكسرهم فكيف لغيرهم
ثم قال سبحانه وَإِنْ تَدْعُوهُمْ ايها المؤمنون الموحدون المشركين المصرين على الشرك والعناد إِلَى الْهُدى الموصل لهم الى توحيد الحق لا يَتَّبِعُوكُمْ لخبث طينتهم بل سَواءٌ عَلَيْكُمْ ايها المؤمنون المريدون هداية هؤلاء الغواة أَدَعَوْتُمُوهُمْ اى دعوتكم إياهم الى الإسلام أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ ساكتون عن الدعوة بل عن الالتفات إليهم مطلقا لشدة قساوتهم وغلظة غشاوتهم
ثم قال سبحانه تبكيتا للمشركين إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ وتعبدون ايها الضالون المشركون مِنْ دُونِ اللَّهِ المتفرد بالالوهية المتوحد بالربوبية عِبادٌ أَمْثالُكُمْ اى هم مخلوقون أمثالكم بل أسوأ حالا منكم لكونهم جمادات لا شعور لها كيف سميتموها معبودات تعبدونها كعبادة الله وان اعتقدتم إلهيتهم وتأثيرهم فَادْعُوهُمْ بانزال العذاب على مخالفيكم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ البتة لكونكم عبادا لهم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في انهم آلهة وبالجملة كيف تعتقدون ايها الحمقى الهية هؤلاء الجمادات الهلكى التي أنتم تنحتونها من الأحجار والأخشاب والإله منزه عنها متعال عن أمثالها وايضا كيف تعتقدون تأثير هؤلاء
أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها فيؤثرون بها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها والتأثير مسبوق بأمثال هذه
стр. 277
القوى والآلات كيف وشرط التأثير الحيوة ولا حيوة لهم أصلا فكيف يؤثرون وأنتم ايها الحمقى كيف تعتقدون تأثيرهم أفلا تعقلون قُلِ لهم يا أكمل الرسل تبكيتا وإلزاما ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ الذين تدعون مشاركتهم مع الله واستظهروا منهم ثُمَّ كِيدُونِ وامكرون بمظاهرتهم بحيث لا اطلع بمكركم أصلا فَلا تُنْظِرُونِ ولا تمهلوني مدة حتى اتأمل فيه واطلع عليه واشتغل لدفعه وبالجملة انا لا أبالي بكم وبمكركم وبمكر شركائكم ومعاونيكم جميعا بولاية الله وحفظه ونصره إياي
إِنَّ وَلِيِّيَ وحافظي ومعينى وناصري ومتولى عموم أموري اللَّهُ القادر المقتدر القيوم المطلق الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ اى القرآن لنصرى وتأييدى وَمن غاية لطفه هُوَ سبحانه بنفسه يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ من عباده ويحفظهم عن مكر الماكرين سيما الأنبياء الذين هم في كنف جواره وحوزة حفظه يحفظهم عن جميع ما يؤذيهم
وَكيف لا يحفظهم سبحانه عن تأثير هؤلاء الأصنام الهلكى الَّذِينَ تَدْعُونَ أنتم ايها الضالون مِنْ دُونِهِ سبحانه وتستنصرون منهم مع انهم لا يَسْتَطِيعُونَ ولا يقدرون نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ اى كيف ينصرونكم وهم لا ينصرون أنفسهم لعدم استعدادهم وقابليتهم على النصرة
وَمن خبث طينتهم وشدة شكيمتهم وضغينتهم إِنْ تَدْعُوهُمْ ايها المؤمنون أولئك المشركين الضالين إِلَى الْهُدى ودين الإسلام لا يَسْمَعُوا ولا يقبلوا مع ورود هذه الدلائل الواضحة بل وَتَراهُمْ ايها المعتبر الرائي يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ ويسمعون منك الادلة القاطعة وَهُمْ من خبث طينتهم وجهلهم المركوز في جبلتهم لا يُبْصِرُونَ الى ان أصنامهم جمادات ولا يتأملون ولا يتفطنون ان ما ينسبون الى هؤلاء من الشفاعة والشركة وهم زائل وخيال باطل وخروج عن مقتضى العقل الفطري بل يصرون على ما هم عليه عتوا وعنادا وإذا كان حالهم هذا وهكذا وإصرارهم بهذه الغاية
خُذِ الْعَفْوَ اى اختر يا أكمل الرسل طريق العفو والملاينة واترك الغضب والخشونة بمقتضى شفقة النبوة وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ اى ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة القوم الذين قد تفرست منهم الرشد والهداية بنور النبوة والولاية وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ المصرين وان جادلوك جادلهم بالتي هي احسن وبالجملة ان ربك اعلم منك بمن ضل عن سبيله وهو اعلم ايضا بالمهتدين منهم
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ ينخسنك ويشوشنك مِنَ الشَّيْطانِ المثير المهيج للقوى الغضبية والحمية الجاهلية نَزْغٌ اى وسوسة وإغراء يحملك على الغضب ويخرجك عن مقتضى ما أمرت به من الحلم والملاينة فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ من غوائله وارجع نحوه سبحانه من وسوسة الشيطان ومخايله يكفيك سبحانه مؤنة شروره واغوائه إِنَّهُ سبحانه بذاته سَمِيعٌ لمناجاتك عَلِيمٌ بعموم حاجاتك.
ثم قال سبحانه تذكيرا لنبيه ﷺ وعظة إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا من عبادنا قد كانوا إِذا مَسَّهُمْ واستولى عليهم طائِفٌ خاطر يطوف ويحول حول قلوبهم مِنَ قبل الشَّيْطانِ المضل المغوى تَذَكَّرُوا ما أمروا به ونهوا عنه من عند الله فَإِذا هُمْ بتذكر المأمور او المنهي مُبْصِرُونَ مميزون موقع الخطايا فيحترزون منها ويتعوذون الى الله عما يغريهم الشيطان اليه
وَالذين لم يتقوا عن محارم الله ولم يحذروا عن غوائل الشيطان بل هم إِخْوانُهُمْ اى اخوان الشياطين إذا مسهم ما مسهم لا يتأتى لهم التذكر ولم يوفقوا عليه بل يَمُدُّونَهُمْ الشياطين بالتزيين والتحسين والوسوسة والإغراء الى ان يوقعوهم فِي الغَيِّ والضلال ثُمَّ بعد الإيقاع فيه لا يُقْصِرُونَ بل
стр. 278
يبالغون في اغوائهم واغرائهم الى حيث يردونهم بحال لا يرجى لهم الفلاح أصلا
وَمن غاية انهماكهم في الغي والضلال ونهاية غراقتهم فيه إِذا لَمْ تَأْتِهِمْ يا أكمل الرسل بِآيَةٍ قد اقترحوها منك عنادا قالُوا على سبيل التهكم والاستهزاء لَوْلا اجْتَبَيْتَها وهلا انتخبتها من الأقوال كسائر منشأتك أعجزت فيها فان عجزت لم لم تطلبها من ربك بمقتضى دعواك كما طلبت غيرها منه قُلْ يا أكمل الرسل في جوابهم ما انا منشئ مختلق بل رسول مبلغ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي الذي هو مرسلى ومبلغي مالي صنع في نظمه وتأليفه وبلاغته وفصاحته واعجازه بل هذا اى القرآن وما فيه من الرموز والإشارات بَصائِرُ للمستبصرين المستكشفين بمقتضى الودائع الفطرية التي قد اودعها الله في قلوب عباده حسب حكمته المتقنة ومتى انكشفتم بودائعكم علمتم انها مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً ايضا يوصلكم الى ما جبلتم لأجله الا وهو التوحيد والعرفان وَرَحْمَةٌ نازلة من الله توقظكم عن نومة الغفلة ونعاس النسيان كل ذلك لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ اى يتحققون بمرتبة اليقين العلمي ويطلبون الترقي منها الى العين والحق. حققنا بلطفك بحقيتك وخلصنا من هويتنا الباطلة بفضلك وجودك يا ارحم الراحمين
وَبعد ما سمعتم منا من أوصاف القرآن ما سمعتم إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ عندكم او قرأتم أنتم لأنفسكم فَاسْتَمِعُوا لَهُ عن صميم قلوبكم وتأملوا في معناه حسب وسعكم وطاقتكم وَأَنْصِتُوا اى اسكتوا واعرضوا وانصرفوا عن مقتضيات سائر قواكم وآلاتكم ولا تلتفتوا إليها أصلا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ تنكشفون وتتحققون بما في نفوسكم من ودائع الله بسببه
ثم خاطب سبحانه حبيبه ﷺ لان أمثال هذه الخطابات لا تسع الا في وسعه وقابليته فقال وَاذْكُرْ رَبَّكَ اى تذكر وتحقق بمربيك الذي أظهرك على صورته فِي نَفْسِكَ إذ أنت بهويتك ظاهر ربك تَضَرُّعاً وَخِيفَةً متضرعا متحننا خائفا عن غلبة غفلة ناسوتك وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ إخفاء من المحجوبين الجاهلين الجاحدين برتبتك وغيرة عليه سبحانه بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ اى بعموم أوقاتك التي جرى عليك بمقتضى بشريتك وَبالجملة لا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ بحال من حالاتك لتحققك وتمكنك في مقام الكشف والشهود
وبالجملة إِنَّ السالكين الَّذِينَ قد حصلوا وتمكنوا عِنْدَ رَبِّكَ يا أكمل الرسل لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ آنا ولمحة ولا يلتفتون الى ما سواه طرفة بل وَيُسَبِّحُونَهُ اى ينزهونه ويقدسونه سبحانه عن عموم ما يصور لهم ويوهمهم منه سبحانه ناسوتهم وَبالجملة لَهُ يَسْجُدُونَ دائما بمقتضى حصة لأهونهم منسلخين عن مقتضيات هوياتهم الباطلة الناسوتية مطلقا منخلعين عن لوازم اوهامهم وخيالاتهم العاطلة رأسا. ربنا اكشف عنا بفضلك حجب ناسوتنا بالمرة وحققنا بجودك بفضاء لاهوتك انك أنت الجواد الكريم
خاتمة سورة الأعراف
عليك ايها السالك المتوجه نحو القبلة الأحمدية والمقصد الاحدية المحمدية هداك الله نحو سواء سبيله وأوصلك الى مقر عزك من التوحيد الذاتي ان تتوجه الى فضاء قلبك وتتذكر ما فيه من ودائع ربك على وجه الخبرة والاستبصار مجتنبا عما يشوشك عن غبار الأغيار معيرا بمعيار العبرة والاعتبار بحيث لا يلهيك عنها وسوسة الشيطان المحيل المكار وتغريرات الدنيا الغرار ولا يتيسر لك هذا الا بتذكر ما في كتاب الله من المواعظ والاخبار والآثار وامتثال ما فيه من الأوامر والنواهي والتدبر
стр. 279
في سرائرها واستكشاف حكمها واسرارها وعليك ان تتوسل في استرشادك من كتاب الله بأحاديث رسوله المختار إذ هي مبينة له كاشفة عن سرائره ومرموزاته موضحة لما فيه من الغوامض متكفلة لحفظ عقيدتك عن التزلزل والانحراف عن جادة الهداية موصلة لك بقدر قابليتك الى مسائل مسالك التوحيد فلك ان تواظب على الاستفادة منها ناويا في استفادتك استخلاص نفسك عن ربقة التقليد مستقبلا في سلوكك هذا الى مقر المعرفة ومقصد التوحيد مشمرا ذيلك عن جميع ما يعوقك ويمنعك عن لوازم بشريتك ملتجأ نحو الحق في عموم حالاتك مستمدا في سلوكك هذا عن ارباب الولاء الوالهين في مطالعة جمال الله والعرفاء الواصلين الى فضاء وحدته وصفاء بقائه منخلعين عن جلباب ناسوتهم بالمرة بحيث لا يلتفتون الى لوازم بشريتهم أصلا الا وهم البدلاء الحائرون الحاضرون الوالهون الواصلون الفانون الباقون المتحققون الا ان أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون رب اجعلنا بفضلك من خدامهم وتراب اقدامهم
[سورة الأنفال]
فاتحة سورة الأنفال
لا يخفى على ذوى الألباب المستكشفين عن لب التوحيد المستنزهين عن قشوره ان من لم يترق ممن يتأتى منهم الهداية والسلوك في سبيل التوحيد عن المرتبة الحيوانية ولم يصل الى الدرجة العلية الانسانية لم يثمر شجرة هويته وظهوره ثمرة المعرفة واليقين التي قد غرست لأجلها وظهرت لحصولها وبالجملة من لم نحيى بحياة العلم اللدني الأزلي الأبدي بل بقي على الجهل الجبلي الهيولاني فهو ميت حقيقة وان كان حيا صورة وبسبب موتهم وجهلهم هذا لا يستنشقون نسمات الروح ونفحات الحيوة الطيبة من أنفاس الأنبياء المبعوثين لإحيائهم بنفخ الروح الإلهي والنفس الرحمانى المظهر لهوياتهم المحيي لهياكلهم وماهياتهم من كتم العدم ولم يؤمنوا بهم ولم يصدقوهم فيما جاءوا به من عند ربهم بل كذبوهم وقاتلوا معهم وأصروا على جهلهم واستكبروا عليهم حسب حميتهم الحيوانية الجاهلية الساقطة المسقطة الضالة المضلة لذلك قد صارت دماؤهم مباحا وأموالهم فيأ عند العارف المحقق المتحقق بتوحيد الحق وشئونه المعتدلة وبالجملة أموالهم وما ينسب إليهم من جملة أرزاق الله التي لم يضف الى احد من خلقه ولم يقسم بين عباده إذ الحكمة في ترزيق العباد انما هي كسب المعرفة والتوحيد لذلك اخبر سبحانه نبيه ﷺ بكيفية تقسيم اموال الفيء والغنيمة مخاطبا له على وجه التعليم فقال سبحانه متيمنا بِسْمِ اللَّهِ المقسم لأرزاق العباد على العدل القويم الرَّحْمنِ لهم بإصلاح ما ظهر بينهم من المخالفة والنزاع باغواء الشيطان الرجيم الرَّحِيمِ لهم يوفقهم على ازدياد الهداية والايمان سيما باحكام كتابه الكريم
[الآيات]
يَسْئَلُونَكَ اى أصحابك ايها الرسول المبعوث على الخلق العظيم عَنِ الْأَنْفالِ اى عن قسمة الغنائم عبر سبحانه عنها بالنفل وهو في اللغة عطية زائدة اشترطها الامام لمن اقتحم على محل الخطر زيادة على سهمه كأنها زائدة على سهام الغزاة المجاهدين المقاتلين في سبيل الله لإعلاء كلمة الحق طلبا لمرضاته سبحانه وما يترتب عليه من اموال الدنيا انما هو بمنزلة النفل والعطية الزائدة على سهامهم التي هي المثوبة العظمى والمرتبة العليا عند الله قُلِ لهم يا أكمل الرسل الْأَنْفالِ كلها لِلَّهِ ومن مال الله وقسمتها مفوض اليه سبحانه وَالى الرَّسُولِ المستخلف منه النائب عنه سبحانه باذنه فَاتَّقُوا اللَّهَ ايها المؤمنون عن مخالفة امره وامر رسوله وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ
стр. 280
اى العداوة والخصومة التي قد وقعت بينكم بوسوسة الشيطان واغوائه وَبالجملة أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وانقادوا أمرهما ولا تجاوزوا عن حكمهما إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ موقنين بتوحيد الله وتصديق رسوله
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الكاملون في الايمان المتحققون بمرتبة اليقين والعرفان المصدقون بالرسول المبين لهم طريق التوحيد هم الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ الواحد الأحد المتفرد بالالوهية المتوحد بالربوبية وَجِلَتْ اى خافت وترهبت واضطربت قُلُوبُهُمْ من سطوة سلطنة عظمته وجلاله وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ الدالة على بسطته وكبريائه النازلة على رسله وأنبيائه زادَتْهُمْ تلك الآيات إِيماناً وتصديقا وإذعانا ويقينا عيانا وعرفانا وَهم من كمال يقينهم وعرفانهم عَلى رَبِّهِمْ لا على غيره من الأسباب الناقصة والرسوم العادية يَتَوَكَّلُونَ يتوسلون ويستعينون منه سبحانه في عموم الأمور بلا رؤية الوسائل في البين لتحققهم بمقام التوحيد المسقط للالتفات الى غير الحق مطلقا
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويديمون الميل الى الله في جميع حالاتهم مراقبين لفيضه وجذب من جانبه وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ من كد يمينهم يُنْفِقُونَ في سبيله طلبا لمرضاته
أُولئِكَ السعداء المقبولون عند الله هُمُ الْمُؤْمِنُونَ المتحققون لمرتبة الإذعان والإيقان حَقًّا ثابتا مستقرا بلا اضطراب وتزلزل وبالجملة لَهُمْ دَرَجاتٌ عظيمة عِنْدَ رَبِّهِمْ من درجات العلم والعين والحق وَمَغْفِرَةٌ اى ستر لأنانياتهم وتعيناتهم وَرِزْقٌ كَرِيمٌ معنوي بدلها يرزقون به فرحين عناية من الله لان من توجه نحو الحق ومال الى جنابه ميلا مسقطا للتوجه الى الغير مطلقا وخرج عن لوازم بقعة الإمكان الى حيث ينفق ويبذل عموم ما نسب اليه من اموال الدنيا وزخارفها معرضا عنها مخرجا محبتها عن قلبها اعطى سبحانه له بدل إخلاصه من الرزق المعنوي ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر
كَما اعطاك يا أكمل الرسل حين أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ وقت إذ أخبرك جبرئيل ﵇ من اقبال عير مكة من قبل الشأم وفيها ابو سفيان اخبارا ملتبسا بِالْحَقِّ المطابق للواقع وَالحال إِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ خروجك ومن كمال كراهتهم
يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ الصريح الذي هو الجهاد سيما بَعْدَ ما تَبَيَّنَ وظهر لك بوحي الله إياك ووعده النصرة والظفر لك وهم من غاية رعبهم حين خروجهم كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ مثل البهائم نحو المسلخ وَهُمْ حينئذ يَنْظُرُونَ حيارى خائفين مرهوبين مع انه قد كتب لهم الظفر والغنيمة والغلبة من عند ربهم وذلك ان عير قريش أقبلت من الشأم وفيهم ابو سفيان مع أربعين من الفرسان ومعهم تجارة عظيمة فأخبر جبرئيل ﵇ رسول الله ﷺ فأخبر الرسول للمؤمنين فخرجوا مسرعين بلا عدة استقلالا لهم وميلا الى أموالهم فلما خرجوا من المدينة بلغ خبر خروجهم الى العير فانصرفوا عن الطريق وأرسلوا خبرهم الى مكة فاستغاثوا فخرج ابو جهل مع جمع كثير فمضوا الى بدر وكان رسول الله ﷺ بوادي دقران فنزل عليه جبرئيل ﵇ ثانيا يعده احدى الطائفين اى العدو او العير فاستشار رسول الله ﷺ أصحابه وان كان رأيه الى القتال فقال بعضهم هلا ذكرت لنا القتال حتى نتأهب له انا قد خرجنا للعير فقال ﷺ ان العير قد مضت على ساحل البحر وهذا ابو جهل قد اقبل فقالوا كارهين مرعوبين يا رسول الله عليك بالعير ودع العد وفقد غضب ﷺ فقال المقداد بن عمرو يا رسول الله امض بما أمرك الله فانا معك حيثما
стр. 281
أحببت لا نقول لك مثل ما قال بنو إسرائيل اذهب أنت وربك فقاتلا انا هاهنا قاعدون ولكن نقول اذهب أنت وربك فاننا معكما مقاتلون فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا الى برك الغما وهي مدينة بأقصى الحبشة قد مضينا معك بلا تكاسل ومخالفة فدعا ﷺ له خيرا ثم قال ﵇ اجتمعوا على ايها الناس يريد الأنصار القائلين له حين بايعوه على العقبة انهم برءاء من كل ذمامه حتى يصل الى ديارهم فتخوف ان لا يروا نصرته الا على عدو دهمه بالمدينة فقال له سعد بن معاذ لكأنك تريدنا يا رسول الله قال أجل قال آمنا بك وصدقناك وشهدنا ان ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودا ومواثيق على السمع والطاعة فامض لما أمرت فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت على البحر فخضته لخضنا معك بلا تخلف أتحسب انا إذ الا قينا العدو نتكاسل ونتساهل ولعل الله يريك منا ما تقربه عينك ففرح رسول الله ﷺ ونشطه قول سعد ثم قال سيروا على بركة الله وابشروا فان الله سبحانه قد وعدني الآن احدى الطائفتين والله لكأنى الآن انظر الى مصارع القوم
وَاذكروا ايها المؤمنون وقت إِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ بالوحي على رسوله إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها مغلوبة مقهورة لَكُمْ وَأنتم حين سمعتم مضمون الوحى تَوَدُّونَ وتحبون أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ اى العير تَكُونُ لَكُمْ لان أهلها قليل ومالها كثير ولا احتياج لكم الى المقاتلة معهم لقلتهم وعدم شوكتهم وَيُرِيدُ اللَّهُ حسب قهره وقدرته أَنْ يُحِقَّ يظهر ويثبت الْحَقَّ اى التوحيد المطابق للواقع الذي هو الإسلام بِكَلِماتِهِ الملقاة من عنده سبحانه بملائكته حين أمرهم بامداد حبيبه الذي بعث لإعلاء كلمة توحيده وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ اى يستأصلهم الى حيث لم يبق منهم من يستخلفهم كل ذلك فضل من الله وامتنان منه على رسوله
لِيُحِقَّ الْحَقَّ اى الإسلام المحقق المطابق لما عند الله وَيُبْطِلَ الْباطِلَ المخالف لدين الإسلام وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ المصرون على ما هم عليه قبل نزول الإسلام ما أراد الله من تحقيق الحق وتمكينه وابطال الباطل وتخذيله
اذكروا ايها المؤمنون فضل الله عليكم ورحمته سيما وقت إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ حين اقتحم العدو وأنتم غزى قلائل وهم متكثرون ذووا عدد وعدد فَاسْتَجابَ لَكُمْ ربكم مغيثا عليكم قائلا لكم على لسان نبيكم أَنِّي بحولي وقوتي مُمِدُّكُمْ معينكم ومغيثكم بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ على عدوكم يضربونهم من وراءهم وأنتم من قدامهم
وَما جَعَلَهُ اللَّهُ اى امدادكم هذا بملائكة السماء إِلَّا بُشْرى لكم بفضلكم وكرامتكم عليهم وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ في عموم ما وعدكم الله به وَاعلموا ايها المؤمنون المتحققون بمقام التوحيد مَا النَّصْرُ والغلبة والظفر إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ القادر المقتدر على كل ما أراد واختار إِنَّ اللَّهَ المتعزز برداء العظمة والجلال عَزِيزٌ غالب على عموم مقدوراته ومراداته حَكِيمٌ متقن في جميع أحكامه ومأموراته يفعل ما يشاء ارادة واختيارا ويحكم ما يريد اذكروا ايها المؤمنون فضل الله عليكم وامتنانه
إِذْ يُغَشِّيكُمُ ويغلب عليكم بلطفه سبحانه النُّعاسَ اى النوم ازالة لرعبكم حين كنتم في سهر من خوف العدو لتكون أَمَنَةً نازلة مِنْهُ لتستريحوا وتطمئن قلوبكم وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ حينئذ مِنَ السَّماءِ ماءً مع انكم قد كنتم مجنبين ليلتئذ باغواء الشيطان وعدوكم على الماء والشيطان يعيركم بجنابتكم ويوسوس عليكم بأنكم تدعون الامامة بالولاية كيف تخرجون غد اتجاه العدو وأنتم جنب ودعواكم ان القتال والجهاد من اشرف العبادات وبأمثال هذه الهذيانات
стр. 282
يوقع بينكم الفتنة لتتقاعدوا عن القتال وأنتم ايضا مضطربون عن عروض الجنابة عليكم قد انزل الله عليكم المطر من محض لطفه لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ اى بالماء أبدانكم عن الجنابة الصورية كما طهر قلوبكم بماء العلم اللدني المترشح من بحر التوحيد عن الجنابة المعنوية والخباثة الحقيقية التي هي الكفر والنفاق وَبالجملة يُذْهِبَ عَنْكُمْ بانزال المطر رِجْزَ الشَّيْطانِ ووسوسته وإيقاعه وتخويفه من العطش وغيره وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ بانزاله انه سبحانه يعين عليكم وينصركم حين اضطراركم ليزداد وثوقكم به وبنصره سبحانه ووعده وانجاز وعده وَايضا يُثَبِّتَ بِهِ اى بهذا الربط الْأَقْدامَ اى اقدامكم على جادة التوحيد والتوكل الى الله والتفويض نحوه في جميع الأمور اذكر يا أكمل الرسل أنت
وذكر بمن تبعك فضل الله عليكم وقت إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ المأمورين لعونك وامدادك حين ازداد رعب أصحابك من اقتحام القتال قائلا لهم أَنِّي بكمال حولي وقوتي مَعَكُمْ حاضر عندكم شهيد عليكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا في مكانهم تجاه العدو حتى لا يستدبروا إذ سَأُلْقِي من كمال نصرى وعوني للمؤمنين فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا اى في قلوب العدو الرُّعْبَ من المؤمنين فاستكثروهم واستدبروا منهم ومتى استدبر العدو فَاضْرِبُوا أنتم على الفور ايها المؤمنون فَوْقَ الْأَعْناقِ اى اعالى أعناقهم وَان وضعوا جننهم وأيديهم على أعناقهم حفظا لها اضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ اى جميع أصابعهم لئلا يبقى لهم استعداد القتال أصلا حتى لا يكروا عليكم
ِكَ
اى انهزامهم وانخذالهم أَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
اى خاصموا وخالفوا مع الله ورسوله مَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ
القادر المقتدر على عموم ما أراد من القهر والانتقام
يخاصم سُولَهُ
المؤيد من عنده لتبليغ الاحكام قد استحق انواع العقوبة والنكال من عنده إِنَّ اللَّهَ
المتعزز برداء العظمة والجلال دِيدُ الْعِقابِ
صعب الانتقام سريع الحساب على من خالف امره وعادى رسوله
ذلِكُمْ اى انواع العقوبة والعذاب نازل على من تعدى حدود الله وكذب رسوله فَذُوقُوهُ ايها المخالفون المصرون ما أعد لكم من العذاب وَاعلموا أَنَّ لِلْكافِرِينَ المصرين المتمردين عَذابَ النَّارِ يخلدون فيها ابد الآباد.
ثم قال سبحانه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم إعلاء كلمة الحق وانتصار دينه فعليكم إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ان تقاتلوا معهم وان كانوا زَحْفاً متكثرين بأضعافكم فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ اى لا ترجعوا منهم حين التقائكم إياهم الى إدباركم خائفين منهزمين حال كونهم بأضعافكم فكيف ان كانوا أمثالكم او اقل منكم
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ منكم يَوْمَئِذٍ اى يوم ملاقاة عدوكم دُبُرَهُ مدبرا خائفا مرعوبا إِلَّا مُتَحَرِّفاً يعنى يكون إدباره وانحرافه لِقِتالٍ على سبيل المكر والخدعة أَوْ مُتَحَيِّزاً اى قاصدا بالاستدبار والانحراف التحيز واللحوق إِلى فِئَةٍ ثابتة من المؤمنين ليستعين بهم فَقَدْ باءَ اى رجع ولحق بِغَضَبٍ نازل مِنَ اللَّهِ لمخالفة امره وحكمه وحكمته وَمَأْواهُ في النشأة الاخرى جَهَنَّمُ البعد والخذلان وَبِئْسَ الْمَصِيرُ مرجعه ومصيره وعليكم ايها المؤمنون ان لا تنسبوا القتل بل جميع ما صدر عنكم الى نفوسكم مفاخرة ومباهاة بل انكم وان قتلتم عدوكم صورة
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ أنتم حقيقة وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ لان جميع الأمور الكائنة في الآفاق صادر من الله أولا وبالذات ومن آثار أوصافه وأسمائه وَبالجملة ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ أنت ايها النبي المأمور برمي الحصا عند هجوم الأعداء على أصحابك وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى إذ قد أوجد الرمي سبحانه بيدك التي هي يد الله حقيقة لذلك ترتب على
стр. 283
رميك صورة انهزامهم الذي قد استبعدتم أنتم وأولئك ايضا وَانما رماهم سبحانه بما رمى لِيُبْلِيَ ويجرب الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً اى من انعام نعمة الغنيمة والظفر هل يراجعون ويواظبون على شكر نعمه أم لا إِنَّ اللَّهَ المصلح لأحوال عباده سَمِيعٌ يسمع مناجاتهم الصادرة منهم على وجه الإخلاص عَلِيمٌ بعموم حاجاتهم التي هم يحتاجون إليها في معاشهم ومعادهم
ذلِكُمْ اى ابتلاء الله إياكم بالبلاء الحسن مختص بالمؤمنين المخلصين منكم وَاعلموا ايها المؤمنون أَنَّ اللَّهَ المتولى لأموركم مُوهِنُ مضعف ومبطل كَيْدِ الْكافِرِينَ ومكرهم وحيلهم التي يقصدون بها إهلاككم واذلالكم. ثم قال سبحانه على سبيل التهكم للكافرين الذين كانوا إذا اقبل عليهم المؤمنون للقتال يطوفون حول الكعبة متشبثين بأستارها متضرعين مستفتحين من الله قائلين اللهم انصر أعلى الجندين واهدى الفئتين وأكرم الحزبين
إِنْ تَسْتَفْتِحُوا منا ايها الهالكون في تيه الضلال لمقاتلة نبينا ومن تبعه من المؤمنين فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ بقتلكم وسبيكم اى غلبة المؤمنين عليكم وَإِنْ تَنْتَهُوا عن مقاتلتهم ومعاداتهم وعن الاستفتاح لها بل آمنوا كما آمن هؤلاء لنبينا عن ظهر القلب وصميم الفؤاد فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ في أولئكم وأخراكم وَإِنْ تصالحوا معهم وآمنوا على وجه النفاق ثم ارتدوا بان تَعُودُوا الى مقاتلتهم ومعاداتهم نَعُدْ ايضا الى نصرهم وتأييدهم الى ان يستأصلوكم ويخرجوكم من دياركم وَبالجملة لا تغتروا ايها المسرفون بكثرة عددكم وعددكم إذ لَنْ تُغْنِيَ ولن تدفع عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ التي أنتم تستظهرون وتستعينون بها شَيْئاً من غلبة المؤمنين وظفرهم وَلَوْ كَثُرَتْ فئتكم وَكيف تغنى فئتكم شيأ منهم أَنَّ اللَّهَ القادر المقتدر بالقدرة الكاملة مَعَ الْمُؤْمِنِينَ المجاهدين في سبيله لإعلاء كلمة توحيده ونصر دينه ونبيه ينصرهم ويعين عليهم.
ثم قال سبحانه مناديا للمؤمنين توصية وتذكيرا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم اطاعة الله واطاعة رسوله أَطِيعُوا اللَّهَ المراقب المعاون لكم في جميع أحوالكم وَأطيعوا ايضا رَسُولَهُ المبلغ لكم احكام الحق وشعائر دينه وتوحيده وَعليكم ان لا تَوَلَّوْا عَنْهُ اى لا تتولوا معرضين عن رسوله حتى لا تنحطوا عن رتبة الخلافة وكيف لا تطيعون رسوله وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ كلمة الحق منه واسمعوها سمعا وطاعة
وَبالجملة لا تَكُونُوا في عدم الإطاعة والانقياد كَالَّذِينَ قالُوا كفرا ونفاقا سَمِعْنا ما تلوت علينا وَهُمْ من غاية بغضهم ونفاقهم لا يَسْمَعُونَ سمع اطاعة وتسليم فكأنهم لم يسمعوا أصلا بل لا يتأتى منهم السماع لانحطاطهم عن رتبة العقلاء بل لحقوا بالبهائم في عدم الفطنة بل أسوأ حالا منها
وبالجملة إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ عن استماع كلمة الحق من السنة الرسل الْبُكْمُ عن التكلم بها سيما بعد ما فهموها ولاحت عندهم حقيقتها وبالجملة هؤلاء الحمقى التائهون في تيه الغي والضلال هم الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ اى ليسوا من زمرة العقلاء وان ظهروا على صورهم واشكالهم
وَبالجملة لَوْ عَلِمَ اللَّهُ العليم الحكيم فِيهِمْ اى في استعداد هؤلاء السفهاء المنحطين عن رتبة العقلاء خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ كلمة الحق سمع قبول وطاعة وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ مع كونهم ليسوا مستعدين لها لَتَوَلَّوْا وانصرفوا البتة من خبث طينتهم عنها وَبالجملة هُمْ في اصل فطرتهم وبمقتضى جبلتهم مُعْرِضُونَ عن الحق مجبولون على الاعراض والانصراف عن اهله لا يرجى منهم الإطاعة والانقياد أصلا.
ثم قال سبحانه مناديا للمؤمنين تذكيرا لهم وتعليما
стр. 284
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم اجابة الله واجابة رسوله اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ بامتثال مأموراته وأحكامه واجتناب نواهيه وَلِلرَّسُولِ بقبول سنته وآدابه وأخلاقه سيما إِذا دَعاكُمْ الرسول وحده باعتبار ان دعوة الرسول هي بعينه دعوة الحق حقيقة لِما يُحْيِيكُمْ من العلوم اللدنية والمعارف الحقيقية المثمرة لانواع المكاشفات والمشاهدات التي قد اضمحلت دونها نقوش السوى والأغيار مطلقا المورثة الموجبة للحياة الازلية الابدية والبقاء السرمدي في جنة الوحدة الذاتية التي لا يذوقون فيها الموت الا الموتة الاولى التي هي الانخلاع عن لوازم القوى البشرية ومقتضيات الآلات البهيمية المستدعية للكثرة ولا بد ان يكون اجابتكم وقبولكم على وجه الخلوص والتسليم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ المطلع لضمائر عباده يَحُولُ ويحجب ويسدل بَيْنَ الْمَرْءِ المتشخص بالهوية الشخصية المتعين بالتعين العدمي وَقَلْبِهِ الذي هو بيت الله المعظم إذ يسع فيه الحق المنزه عن سمة الإطلاق والتقييد المبرى عن وصمة الاحاطة والتحديد بالحجب الكثيرة فما دامت الحجب والأستار مسدولة بين المرء وقلبه لم يشم رائحة المحبة والولاء المؤدى الى الفناء المثمر الى البقاء والخلود في جنة الوحدة الذاتية وانفتاح أبواب المحبة والولاء انما يحصل بالإخلاص والتسليم والتفويض والتوكل والتبتل والتوحيد المسقط للاضافات مطلقا وَبالجملة أَنَّهُ اى الشان إِلَيْهِ لا الى غيره بعد رفع الاظلال الهالكة والتعينات الباطلة تُحْشَرُونَ وترجعون رجوع الظل الى ذي الظل
وَاتَّقُوا ايها المؤمنون فِتْنَةً واى فتنة هي معصية مسقطة للعدالة مزيحة للمروءة مطلقا مورثة للمصيبة الشامل أثرها لعموم عباد الله مثل الطاعون والوباء المترتب على الزنا واللواطة والقحط المترتب على البخس والتطفيف والاحتكار وغيرها من طرق الربوا مع ان أثرها لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ وهم الذين قد أتوا بها خَاصَّةً بل يعم الظالمين وغيرهم بشؤمهم لان غيرهم يداهنون معهم كأنهم راضون بفعلهم لذلك قد أصابهم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ المتعزز برداء العظمة والكبرياء شَدِيدُ الْعِقابِ صعب الانتقام سريع الحساب على من خرج عن مقتضيات أوامره ونواهيه
وَاذْكُرُوا ايها المؤمنون نعمنا إياكم واعانتنا لكم وداوموا بشكرها سيما وقت إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ بحيث يستضعفكم من فِي الْأَرْضِ يعنى ارض مكة شرفها الله ومن غاية ضعفكم وقلتكم تَخافُونَ أنتم ايضا أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ ويلتقطكم النَّاسُ عن وجه الأرض بحيث يستأصلكم بالمرة من غاية ضعفكم وقلتكم فَآواكُمْ الله بحوله وقوته واعادكم إليها بعد ما أخرجكم العدو منها ظلما وعدوانا وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ بان تغلبوا وتظفروا على عدوكم وتخرجوهم منها مهانين مغلوبين مستضعفين وَبعد ما أيدكم وأظفركم سبحانه قد رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ التي غنمتم منهم لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ رجاء ان تواظبوا على شكر هذه النعم العظام
ثم قال سبحانه على وجه العظة والتذكير تعليما للمؤمنين مناديا لهم ليقبلوا بما أمروا به ويعرضوا عما نهوا عنه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم ان لا تَخُونُوا اللَّهَ في امتثال أوامره واجتناب نواهيه وَالرَّسُولَ في سننه وأخلاقه وآدابه التي قد وضعها فيما بينكم لإصلاح حالكم وَبالجملة لا تَخُونُوا أَماناتِكُمْ التي قد ائتمنتم فيها ثقة عليكم واعتمادا وَالحال انه أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ قبح الخيانة من انفسكم بلا احتياج لكم الى إنذار منذر واخبار مخبر والخيانات في الأمانات انما تنشأ من جلب المنفعة والحرص المفرط على تكثير المال لمصالح العيال
وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
اختبار وابتلاء
стр. 285
لكم من ربكم ليجربكم هل تضطربون في امر المال والعيال وتقعون لأجلها في المعارك والمهالك واباحة المحرمات وارتكاب الخيانات المسقطة لعموم المروآت والفتوات مطلقا أم تفوضون أموركم كلها الى الله وترضون بما قضى عليكم وقدر لكم سبحانه في سابق علمه ولوح قضائه «٢»
وَاعلموا أَنَّ اللَّهَ
المطلع بجميع أحوالكم عِنْدَهُ
وفي كنف حفظه وجواره أَجْرٌ عَظِيمٌ
للمفوضين الذين رضوا بقسمة الله في جميع حالاتهم ووفوا بما ائتمنوا من الأمانات مجتنبين عن الخيانة فيها
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ وتحذروا عن محارمه ومحظوراته مطلقا وتؤدوا الأمانات التي ائتمنتم بها من الأموال والاعراض والشهادات بلا خيانة فيها وتفوضوا أموركم كلها اليه مجتنبين عن الخيانة يَجْعَلْ لَكُمْ وينزل على قلوبكم تفضلا وامتنانا فُرْقاناً ينور به قلوبكم بحيث تميزون الحق من الباطل والصواب من الخطأ والإلهام الإلهي من إغواء الشيطان وتغريره وَيُكَفِّرْ ويمح به وبامتثال أوامره واجتناب نواهيه عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ اى جرائمكم اللاتي قد مضت عليكم بالمرة وَبالجملة يَغْفِرْ لَكُمْ ويستر عنكم ذنوبكم مطلقا تفضلا وامتنانا وَلا تتعجبوا من افضاله هذا ولا تستبعدوا منه سبحانه أمثاله إذ اللَّهَ المراقب لأحوال عباده ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ واللطف الجسيم على من توكل عليه والتجأ نحوه في عموم حالاته على وجه الخضوع والخشوع
وَاذكر يا أكمل الرسل انجاءنا وتخليصنا إياك وقت إِذْ يَمْكُرُ ويخدع بِكَ لهلاكك ومقتك المفسدون المسرفون الَّذِينَ كَفَرُوا بك يعنى قريشا وهم قد شاوروا لأمرك في دار الندوة لِيُثْبِتُوكَ ويحبسوك في دار ليس لها منفذ إلا كوة يلقون منها طعامك أحيانا أَوْ يَقْتُلُوكَ مزدحمين بحيث لم ينسب قتلك الى معين منهم أَوْ يُخْرِجُوكَ من مكة محمولا على جمل ليقتلك القطاع وَبالجملة يَمْكُرُونَ بمقتك أولئك الكفرة الماكرون وَيَمْكُرُ اللَّهُ الرقيب الحفيظ عليك لإنجائك وخلاصك من أيديهم فغلب مكره سبحانه على مكرهم واخرجك من بينهم سالما وَبالجملة اللَّهُ المطلع لجميع مخايلهم خَيْرُ الْماكِرِينَ اى أشدهم وأقواهم تأثيرا وقوة وذلك انهم حين سمعوا ايمان الأنصار شاوروا على أظهرهم في امره ﷺ وارتفاع شانه وسطوع برهانه فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ وقال انا من نجد سمعت اجتماعكم فاحضركم لا علم كيف تتدبرون في امر هذا الشخص الذي لو بقي زمانا على هذا يخاف عليكم من شره فقال ابو البختري رأيى ان تحبسوه في بيت وتشدوا منافذه غير كوة تلقون اليه طعامه وشرابه منها حتى يموت فقال الشيخ النجدي بئس الرأس هذا يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلصونه من أيديكم فقال هشام بن عمرو رأيى ان تحملوه على جمل فتخرجوه من أرضكم ولا يلحقكم ضرر بنى هاشم فقال الشيخ يفسد قوما آخر ويقاتلكم بهم اما رأيتم طلاقة لسانه وحلاوة كلامه ووجاهة منظره فقال ابو جهل انى ارى ان تأخذوا من كل بطن غلاما وتعطوه سيفا فيضربوه دفعة واحدة فيتفرق دمه في القبائل فلا يقوى بنوا هاشم على حرب القريش كلهم فان طلبوا العقل عقلناه فقال الشيخ