Полный текст (1 120 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
نخبركم ونرشدكم ايها المنهمكون في الخسران والطغيان بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا اى العاملين الذين خسروا من جهة أعمالهم مع انهم قد زعموا الربح فيها
وهم الَّذِينَ ضَلَّ اى قد ضاع سَعْيُهُمْ الذي قد سعوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا بإتيان الأعمال الصالحة والانفاق وبناء بقاع الخير وغير ذلك كالرهابنة والقسيسين وكذا عموم اهل العجب والرياء أية امة كانت وَهُمْ في النشأة الاولى يَحْسَبُونَ ويظنون أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ينفعهم عند الله ويتوقعون المثوبة العظمى والدرجة العليا لأجلها مع انهم هم قد خسروا خسرانا مبينا لفقدهم ما هو مبنى للأعمال ومناط العبادات والأحوال الا وهو الايمان بتوحيد الله والتصديق بكتبه ورسله
أُولئِكَ البعداء الأشقياء المجبولون على الكفر والشقاق هم الَّذِينَ كَفَرُوا وكذبوا بِآياتِ رَبِّهِمْ الدالة على توحيده وتصديق رسله وكتبه وَلِقائِهِ الموعود لعباده عند انجلاء حجبهم وارتفاع استارهم فَحَبِطَتْ اى قد ضاعت واضمحلت وضلت في النشأة الاخرى عنهم أَعْمالُهُمْ التي جاءوا بها في النشأة الاولى لطلب الربح والنفع فَلا نُقِيمُ ولا نضع لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ المعد لجزاء الأعمال وتنقيدها وَزْناً مقدارا ينتفع ويعتد بها لانحباطها وسقوطها عن درجة الاعتبار لدى الملك الجبار
بل ذلِكَ الأمر والشان المترتب على الكفر والشرك هذا وهكذا وبالجملة جَزاؤُهُمْ ونفعهم العائد لهم لأجل أعمالهم هذه في يوم الجزاء جَهَنَّمُ البعد والحرمان وسعير الطرد والخسران وما ذلك الا بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي الدالة على وحدة ذاتى وعظمة صفاتي واستقلالى في شئوني وأفعالي وعموم تطوراتى وَكذلك قد اتخذوا عموم رُسُلِي المؤيدين بآياتى المبعوثين على تبيين دلائل توحيدي بين عبادي هُزُواً محل استهزاء يستهزؤن بهما وينكرون عليهما عتوا وعنادا.
ثم قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة من تعقيب الوعيد بالوعد إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وأيقنوا بتوحيد الذات والصفات والأفعال وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ المقربة لهم الى التوحيد الذاتي الملايمة المناسبة لشعائره ومناسكه كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ وهو وسط الجنة المشرف على أطرافها لذلك قال ﷺ إذا سئلتم الله فاسئلوا الفردوس فانه وسط الجنة وهي بستان الغيب ومهبط الفتوحات الغيبية الا وهي أعلى مراتب ارباب التوحيد وأسناها وعند ذلك انتهى السير والسلوك وبعد ذلك السلوك فيه لا به واليه نُزُلًا ومنزلا ينزلون اليه ويتمكنون فيه
خالِدِينَ فِيها ولكمال صفائها ونضارتها ودوام لذاتها الروحانية لا يَبْغُونَ ولا يطلبون بالطبع والارادة عَنْها حِوَلًا اى انتقالا وتحولا لكونها مقر فطرتهم الاصلية ومنزل استعداداتهم الحقيقية إذ فوق عرش الرّحمن المفيض لجميع القوابل والاستعدادات مقتضياتها ثم لما طعنت اليهود في القرآن وأرادوا ان يثبتوا التناقض في بعض آياته مع بعض حيث قالوا أنتم تقرءون في كتابكم تارة ومن يؤت الحكمة فقد اوتى خيرا كثيرا وتارة تقرءون وما أوتيتم من العلم الا قليلا وما هي الا تناقض صريح
امر سبحانه حبيبه ﷺ بقوله قُلْ لهم يا أكمل الرسل كلا ما يسقط شبهتهم ان أنصفوا نحن لا ندعى ان من اوتى الحكمة فقد اوتى بجميع معلومات الله وعلومه وكيف ندعى هذا وهو محال في غاية الاستحالة والامتناع إذ لَوْ كانَ الْبَحْرُ اى جنس البحر وهو عبارة عن جميع كرة الماء مِداداً اى ما يمد به القلم للرقم والكتابة لِكَلِماتِ رَبِّي وثبتها وكتبها لَنَفِدَ الْبَحْرُ البتة وانتهى لتناهيه وكونه محدودا قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي لكونها غير محدودة وغير متناهية وَكيف لا لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ
стр. 492
اى بمثل جنس البحر بأضعاف أمثاله وآلافه مَدَداً لنفد وتناهى البتة إذ لا نسبة بين المتناهي وغير المتناهي وان فرض أضعافا وآلافا
قُلْ يا أكمل الرسل بعد ما بلغت لهم كثرة كلمات الله الغير المحصورة كلاما خاليا عن وصمة التفوق والتفضل المفضى الى الرعونة ناشئا عن محض الحكمة والفطنة إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ قابل للعلوم والإدراكات مثلكم بمقتضى البشرية لا فرق بيني وبينكم بحسب الفطرة غاية ما في الأمر انه يُوحى إِلَيَّ ويفاض على افاضة علم وعين وحق أَنَّما إِلهُكُمْ ومعبودكم ومظهركم إِلهٌ واحِدٌ احد صمد فرد وتر ليس له شريك ولا نظير ولا وزير بل هو مستقل في الوجود والإيجاد والإظهار يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد استقلالا ارادة واختيارا وليس امتيازى عنكم الا بهذا فَمَنْ كانَ منكم يَرْجُوا رجاء مؤمل بصير لِقاءَ رَبِّهِ مكاشفة ومشاهدة فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً قالعا لأصل انانيته وعرق هويته قامعا لمقتضيات أوصاف بشريته وبهيميته مزيلا لذمائم أخلاقه وأطواره وَمع ذلك لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً من خلقه يعنى لا يقصد من عمله وعبادته الرياء والسمعة والعجب والنخوة. قال رسول الله ﷺ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله قال الرياء وقال تعالى انا اغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه غيرى فانا منه برئ وهو للذي عمله لأجله وبالجملة يعمل على وجه يسقط الكثرة والاثنينية لا على وجه يزيدها ويكثرها بل العامل العارف لا يطلب بعمله الجزاء ايضا بل انما يعمل امتثالا لأمره سبحانه وطلبا لمرضاته ولا يخطر بباله شيء سواه جعلنا الله ممن حققه الحق بمقام التوحيد وامنه عن توهم الرياء والتقليد وحفظه من كل شيطان مريد
خاتمة سورة الكهف
عليك ايها الموحد القاصد المتحقق في مقام التمكن من التوحيد قررك الله في مقعد صدقك ويقينك في مقر ثبتك وتمكينك ان تحفظ أعمالك التي قد جئت بها متقربا للوصول الى محل القبول عن مداخل الرياء والسمعة والعجب وانواع الرعونات إذ هي كلها شباك الشيطان وعقاله يقيد بها خواص عباد الله ويلهيهم بها عماهم عليه من الرضا والتسليم ويوقعهم في فتنة عظيمة ومعصية كبيرة مستلزمة للشرك بالله العياذ بالله من غوائل الشيطان وتسويلاته وتخلصها لمحض وجهه الكريم فلك ان تلازم العزلة وتداوم الخلوة حتى لا يلحقك من الخلطة أمثال هذه الأمراض العضال وايضا لك ان تجلى خاطرك وتصفى ضميرك عن عموم هواجسك المتعلقة بأمور معاشك بين بنى نوعك فان اكثر عروض هذه الأمراض انما يحصل من الأماني واخطار اللذات الوهمية من الجاه والثروة والتفوق على الأقران وغير ذلك وان شئت ان يسهل عليك الأمر فاشغل جوارحك لكسب ضروريات معاشك في بعض الأحيان واقنع باقل المعيشة وسد الرمق واحذر عن فضول العيش فان اكثر فحول الرجال قد استرق بفضول الأماني والآمال وبالجملة نعم القرين العزلة والفرار عن تغيرات الدنيا الغدار الغرار الخداع المكار والخمول في زوايا الكهوف والاغوار والفرار عن اختلاط اصحاب الخسار والبوار فاعتبروا يا اولى الأبصار ووفقنا بفضلك وجودك بما تحب عنا وترضى
стр. 493
[سورة مريم ﵍]
فاتحة سورة مريم ﵍
لا يخفى على من انكشف بوحدة الوجود وتحقق دونه امتداده وسريانه على جميع الموجودات حسب اقتضاء الصفات الذاتية الإلهية فان اقتضاء بعض المظاهر الإلهية شيأ من الكمالات اللائقة له واستدعائه إياه انما هو باعتبار صفة من الصفات الإلهية المندمجة فيه باطنا سيما إذا صدر من النفوس الزكية المقدسة عن الكدورات البشرية المنزهة عن العلائق الناسوتية المتخلقة بالأخلاق الملكية المنتخبة لتحمل أعباء الرسالة المستخلفة عن الذات الإلهية النائبة عنها فيما يتعلق بالمظاهر الارضية ولا شك ان زكريا صلاة الرّحمن على نبينا وعليه من جملة المنتخبين للخلافة والنيابة المنزهين عن غوائل الشيطان وتسويلاته الغالبة في نشأة زكريا ﵇ وبالجملة ما حداه وما بعثه وهداه الى طلب الولد الا الصفة الإلهية التي تقتضي الظهور والنزول عن الغيب الذاتي الى عالم الشهادة ولما كان ظهوره موقوفا على طلب زكريا وتحننه لحكمة ومصلحة قد استأثر الله بها لا يطلع عليها الا من خصه بالاطلاع لذلك ناجى زكريا بوحي من الله اليه به وناداه نداء مؤمل صريع على وجه قد انكشف به تحقق مأموله وإنجاح مسئوله حين جذبه الحق عن نفسه وأخرجه عن قيود تعلقاته مطلقا مع انه كان في نفسه قنوطا عن حصول الولد منه ومن امرأته لانقضاء أوانه منها وعقرها الأصلي ثم لما كان ﷺ مبدأ جميع مراتب الأنبياء ومجمعها اخبر سبحانه له ما ناجى معه عبده زكريا من استدعاء الولد الذي يخلفه ويحيي به اسمه مع انه من غرائب صنع الله وبدائع مخترعاته التي قد صدر عنه على سبيل خرق العادة إذ لا استعداد لزكريا ولا قابلية لزوجته بحصول الولد منها لانقضاء أوان التوالد من كلا الجانبين فقال سبحانه متيمنا باسمه العلى مخاطبا لحبيبه ﷺ بِسْمِ اللَّهِ الذي قد تجلى على أنبيائه ورسله ببدائع الكمالات الخارقة للعادات الرَّحْمنِ لهم ان يفتح عليهم أبواب المرادات بأسباب السعادات الرَّحِيمِ لهم حيث يوصلهم الى أقصى المقامات وأعلى الدرجات بأنواع الكرامات
[الآيات]
كهيعص يا كافى مهمات مهام عموم الأنام وهاديهم الى دار السّلام بيمن العزيمة العلية وبصدق الهمة الصادقة الصافية عن الكدورات البشرية الصادرة عنك نيابة عنا هذه السورة
ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ الذي رباك كافيا هاديا للمضلين ينبوعا للعلوم الصحيحة الصافية اللدنية الجارية من قلبك على لسانك بمقتضى الوحى الإلهي والهاماته الغيبية عَبْدَهُ زَكَرِيَّا المتوجه نحوه في السراء والضراء المسترجع اليه عند هجوم عموم البلاء وحلول اصناف العناء اذكر يا أكرم الرسل وقت
إِذْ نادى رَبَّهُ نداء مؤمل صريع وناجى معه مناجاة مأيوس فجيع نِداءً خَفِيًّا متمنيا متحسرا مسرا مخفيا في ندائه ليأسه وقنوطه لانقضاء مدة الحمل ووقت حصول الولد ولئلا يلام عند الناس بطلبه هذا وقت الهرم من كلا الجانبين
حيث قالَ مشتكيا الى الله باثا شكواه عنده سبحانه في فحواه رَبِّ يا من رباني بأنواع اللطف والكرم إِنِّي من غاية ضعفى ونهاية هزالي ونحولى وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وقد ضعف دعائم جسمي وقوائم بدني وأشرفت على الانهدام والانصرام وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً اى اشتعل شيب رأسى وذهب سواده بالكلية وانقلب الى البياض المشعر بالانقضاء والزوال مثل ابيضاض النباتات وقت الخريف وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ اى لم أكن انا بدعائى إياك في كل حال يا رَبِّ شَقِيًّا خائبا خاسرا مردودا بل قد عودتني أنت بفضلك وجودك بالاجابة والإنجاح وهذا الدعاء وان كان ابعد
стр. 494
بحسب العادة من الاجابة الا انه بالنسبة الى قدرتك وجودك اقرب وبجنب حولك وقوتك أسهل وأيسر سيما أنت ألهمتني ووفقتني على إظهاره
وبالجملة وَإِنِّي يا ربي قد خِفْتُ الْمَوالِيَ من أبناء اعمامى وهم الذين يترصدون الولاية والحبورة مِنْ وَرائِي ومن بعد انقراضى وانقضائى ان يغيروها ويضيعوها ويحرفوا معالم الدين وشعائر الإسلام بين المسلمين إذ لا يرجى منهم الرشد والفلاح والخير والصلاح وأنت اعلم بهم منى يا ربي وليس لي ولد صالح لهذا الأمر يخلفني بعدي ولم يبق لي قوة الإيلاد لهرمى وضعفى وَمع ذلك قد كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً عقيما اصليا لم تلد قط فلا مرجع لي في امرى هذا سوى بدائع صنعك وغرائب قدرتك فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ
بمقتضى فضلك وجودك لا على طريق جرى العادة ومقتضى الأسباب الصورية ولدا وَلِيًّا عنى يتولى امر ديني بين أمتي
بحيث يَرِثُنِي وينوب عنى به في نبوتي وحبورتى وولايتي وجميع ما أنزلت علىّ خاصة من مقتضيات إحسانك الىّ وإنعامك بي يا ربي وَيَرِثُ ايضا مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وما بقي منهم من شعائر الدين ومراسم الهدى واليقين قيل كان زكريا أخا يعقوب بن اسحق وَبالجملة اجْعَلْهُ رَبِّ حسب كرمك وجودك رَضِيًّا راضيا عنك بجميع ما جرى عليه من قضائك صابرا على نزول عموم بلائك شاكرا على جميع نعمائك مرضيا عندك وعند عموم عبادك ثم لما اشتكى ﵇ عنده سبحانه بما اشتكى ودعا بما دعا أجاب سبحانه دعاءه واسرع اجابته مناديا له على سبيل الترحم والتفضل
يا زَكَرِيَّا المتضرع المناجى إلينا المستدعى منا خلفا يخلفك ويحيي اسمك إِنَّا من مقام عظيم جودنا إليك نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ يلد منك ومن زوجتك العجوز العقيمة العاقرة اسْمُهُ يَحْيى ليحيى مراسم شرعك ودينك وحبورتك مع انه لَمْ نَجْعَلْ لَهُ ولم نخلق مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا بهذا الاسم بل هو أول من سمى به
ثم لما سمع زكريا البشارة من قبل الحق قالَ على طريق الفرح وبسط الكلام معه سبحانه وان كان عموم أحواله حاصلا عنده سبحانه على التفصيل حاضرا لديه مستبعدا مستغربا يا رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ومن اين يحصل لي سيما في سنى هذا وضعفى ونحولى هذا وَقد كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً جبليا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ والهرم وفرط الكهولة عِتِيًّا يابسا جافا بحيث لا يبقى على رطوبة أصلا لا في مفاصلي ولا في اركان بدني وقوائم جسمي
قالَ سبحانه يا زكريا لا تستبعد من قدرتنا أمثال هذا المقدور بل كَذلِكَ ومثل ذلك قد قدرنا لك ابنا بان تكون أنت باقيا على كبرك وهرمك وزوجتك ايضا باقية على عقرها وهرمها نوجد منكما الولد إظهارا لقدرتنا الغالبة الكاملة وأمثال هذا وان عسر عادة الا انه في جنب قدرتنا سهل يسير وبالجملة كذلك قالَ رَبُّكَ يا زكريا هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ اى إخراج الولد منك ومن زوجتك على سهل يسير وفي جنب حولي وقوتي امر حقير وَكيف لا يكون هذا سهلا بالنسبة الى حولي وقوتي وكمال قدرتي انى قَدْ خَلَقْتُكَ وقدرت وجودك مِنْ قَبْلُ فيما مضى وَلَمْ تَكُ أنت بنفسك شَيْئاً ولا مسبوقا بشيء بل أوجدتك إيجادا إبداعيا وأظهرتك من كتم العدم إظهارا اختراعيا بلا سبق مادة ومدة وسبب عادى وبالجملة هذا هين بالنسبة الى ذلك
ثم لما تفطن زكريا بإنجاح مطلوبه أخذ يسئل الامارة والعلامة لحمل امرأته وحبلها حيث قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي بفضلك آيَةً وعلامة تدل على حمل امرأتى قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ولا تقدر أنت على المقاولة والمكالمة ثَلاثَ لَيالٍ مع
стр. 495
نهارها لا عن عروض عارضة ولحوق مرض وخرس بل قد كنت ح سَوِيًّا صحيحا سالما عن جميع الأسقام غير ان اشتغالك بالحق قد شغلك عن الخلق بحيث لا تطيق التكلم معهم في المدة المذكورة الا رمزا اشارة وإيماء
ثم لما دنى وقت الحمل لاحت إمارته فَخَرَجَ صبيحة يوم عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ اى الحجرة التي هو فيها من خلوته للصلاة على عادته المستمرة وقد كان من عادته انه يأمرهم في كل صبيحة خرج عليهم بالصلوة والدعاء والتوجه والخشوع فَأَوْحى اومأ وأشار إِلَيْهِمْ بلا نطق وتكلم أَنْ سَبِّحُوا ربكم ونزهوه عما لا يليق بشأنه بُكْرَةً وَعَشِيًّا اى في الصبيحة التي أنتم فيها والبكرة التي ستجيء الى العشى الآتي والى الصبيحة الآتية بعده أوصاهم كل يوم بذلك على الدوام وفي تلك المدة ما قدر على التكلم معهم لذلك أشار
ثم لما سوينا خلقة يحيي وأخرجناه من بطن امه صحيحا سويا قلنا له تربية وتكريما يا يَحْيى الموهوب من لدنا المؤيد من عندنا خُذِ الْكِتابَ اى التوراة واشرع في ضبطها وحفظها بِقُوَّةٍ اى بنية خالصة وعزيمة صحيحة صادقة وَانما أمرناه بحفظها وضبطها إذ قد آتَيْناهُ الْحُكْمَ يعنى الحكمة المندرجة فيها وأعطيناه فهمها واستنباط الاحكام منها حال كونه صَبِيًّا لم يبلغ الحلم
وَانما آتيناه وأعطيناه في حال صغره فهم التورية ليكون حَناناً ترحما وتعطفا مِنْ لَدُنَّا إياه تكريما له ولأبيه وَزَكاةً طهارة له عن مطلق الخبائث والآثام وَلهذا قد كانَ في مدة حياته من أوان صباه الى موته تَقِيًّا حذرا من عموم المناهي والمنكرات خائفا عن جملة المعاصي والمحظورات
وَ
لنجابة طينته قد ألقينا في قلبه بَرًّا
وإحسانا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ
في وقت من أوقاته وحالاته جَبَّاراً
عاقا لهما مستنكفا عن أمرهما عَصِيًّا
تاركا أمرهما وحكمهما
وَ
لسلامته عن عموم الآثام وطهارته عن جميع الخبائث والمعاصي سَلامٌ
حفظ وتسليم وتكريم نازل منا عَلَيْهِ
على الدوام يَوْمَ وُلِدَ
قد كنا نحفظه من شر الشيطان وَيَوْمَ يَمُوتُ
نحفظه من زوال الايمان وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
نصونه عن الخيبة والخسران وعن لحوق الحسرة والخذلان
وَاذْكُرْ
يا أكمل الرسل فِي الْكِتابِ
اى القرآن المنزل إليك سيدة النساء مَرْيَمَ
﵍ اى قصتها العجيبة الشان التي هي اعجب واغرب من قصة ولد زكريا ﵇ اذكر وقت إِذِ انْتَبَذَتْ
اى اعتزلت وتباعدت مِنْ أَهْلِها
حين حاضت وطهرت وأرادت الاغتسال حسب طهارتها الفطرية ونجابتها الجبلية فاختارت للخلوة والستر مَكاناً شَرْقِيًّا
اى مشرق بيت المقدس ومع كونه مكانا بعيدا خاليا عن الناس
فَاتَّخَذَتْ
وأسدلت لغاية الاحتياط في التحفظ والتستر مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً
يسترها ويحفظها عن أعين الناس ان وصلوا بغتة ثم لما تجردت عن لباسها واشتغلت لان تغتسل فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا
وحامل وحينا وهو جبريل ﵇ إظهارا لكمال قدرتنا وحكمتنا وانفاذا لحكمنا الذي قد حكمنا به في سابق علمنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا
شابا صبيحا امرد قططا مجعد الشعر لئلا تستوحش ومع ذلك قد استوحشت وارتهبت رهبة شديدة ومن شدة خوفها منه واضطرابها
قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ
والوذ بِالرَّحْمنِ
الذي كفى لحفظ عباده من مطلق الشرور سيما مِنْكَ
اى من شرك ومن شر امثالك فادفع أنت بنفسك عنى إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
خائفا من الله حذرا عن بطشه وانتقامه ثم لما رأى جبرائيل ﵇ من كمال عفتها وعصمتها ما رأى
قالَ
مستحييا معتذرا من جنس الملك إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ
قد أرسلني إليك يا سيدة النساء
стр. 496
لِأَهَبَ لَكِ
انا باذن الله إياي غُلاماً زَكِيًّا
طاهرا من عموم الرذائل والآثام مرتقيا في فنون الفضائل والكمالات الى أقصى الغايات مظهرا لانواع المعجزات والكرامات واصناف الارهاصات الخارقة للعادات
ثم لما سمعت ﵍ مقالته وتفطنت بنور الولاية انه امر الهى نازل من قبل الله قالَتْ متعجبة مشتكية أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ومن اين يحصل لي ولد وَلم يجر على أسبابه إذ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قط بالنكاح مساس مواقعة موجبة للحمل والحبل وَلَمْ أَكُ انا في مدة حياتي عاصية لله فاسقة خارجة عن مقتضى حدوده لأكون بَغِيًّا فاحشة زانية يولد منى ولد الزنا
قالَ جبرائيل ﵇ كَذلِكِ قد جرى حكم ربك وقد امضى عليه في سابق قضائه لا تستبعدى ولا تستعسرى إذ قد قالَ رَبُّكِ الذي رباك على العصمة والعفاف هُوَ اى إيجاد الولد لك بلا مساس البشر وسبق الأسباب العادية عَلَيَّ هَيِّنٌ سهل يسير إذ لا يعسر علينا شيء ولا يعجز قدرتنا عن مقدور بل إذا أردنا شيأ نقول له كن فيكون بلا سبق سبب وعلة وَانما نظهره ونوجده لِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ دالة على كمال قدرتنا وبدائع صنعتنا وحكمتنا وَرَحْمَةً نازلة مِنَّا على كافة عبادنا سيما عليك يا مريم وَبالجملة قد كانَ خلق عيسى وظهوره بلا أب في العالم وعروجه الى السماء أَمْراً مَقْضِيًّا محكوما به كائنا مثبتا في لوح القضاء وحضرة العلم الإلهي ثم لما سمعت مريم ما سمعت قد نفخ جبرائيل ﵇ نفخة في درعها فوصلت أثرها الى جوفها فحبلت
فَحَمَلَتْهُ وصارت حاملة بعيسى فجاءة وكبر الولد في بطنها في تلك الساعة وبعد ما ظهر عليها من امارات الطلق ما ظهر فَانْتَبَذَتْ بِهِ اعتزلت لسبب حدوث هذا الأمر وتباعدت منفردة واختارت مَكاناً قَصِيًّا بعيدا عن العمران استحياء من أهلها ومن لوم الناس إياها وتعييرهم عليها بولادتها بلا زوج
فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ وظهر امارات الولادة فالجأتها لان تشبث إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ اليابسة لتعتمد عليها عند الولادة وتستتر بها عن الناس قالَتْ حينئذ من شدة حزنها وكأبتها ووفور ضجرتها من ألم الملامة والفضاحة متمنية موتها يا لَيْتَنِي مِتُّ وعدمت قَبْلَ هذا اللوم والفضيحة وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا متروكا معدوما بحيث لا التفات لاحد الى أصلا
ثم لما وضعت حملها واشتدت الآلام عليها فَناداها اى نادى الوليد امه مِنْ تَحْتِها بالهام الله إياه تسلية لامه وتنشيطا لها عليك أَلَّا تَحْزَنِي يا أمي ولا يشتد عليك الأمر بسبب ولادتي وظهوري بلا أب واعلمي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ ولدا سَرِيًّا سيدا مطيعا لله تقيا سجيا سخيا ذا إرهاصات كثيرة وكرامات كبيرة ومعجزات باهرة ظاهرة من جملتها انه قد ظهر لك من تحت رجلك نهر جار لدفع عطشك ولتطهير الفضلات عن بدنك وثيابك
وَلدفع جوعتك هُزِّي إِلَيْكِ حركي على نفسك بِجِذْعِ النَّخْلَةِ التي أخذت أنت بيدك تُساقِطْ اى تتساقط منها ثمارها عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا بالغا في النضج والصلاح غايته وحان وقت اجتنائه قيل قد كانت تلك النخلة يابسة لا رأس لها والوقت وقت الشتاء فتغصنت في تلك الحالة واثمرت ونضجت ثمارها كرامة لعيسى وإرهاصا لامه صلوات الرّحمن عليهما
فَكُلِي يا أمي من النخلة وَاشْرَبِي من النهر وَقَرِّي عَيْناً اى نوري عينيك بولدك وطيبي نفسك به فَإِمَّا تَرَيِنَّ وان رأيت مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً يسألك عن حالك وولدك فَقُولِي في جوابه يعنى اشيرى اليه وافهميه إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً سكوتا وصمتا عن التكلم مدة فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا اى إنسانا والحكمة في الهام الله إياها بالصمت والسكوت
стр. 497
حتى لا تجادل مع سفهاء الأنام ولان ولدها يكفى مؤنة جوابها ثم لما ظهر امر ولادتها وشاع بين الأنام قصتها فمكثت مدة نفاسها في غار كان هناك وبعد ما انقضت وطهرت
فَأَتَتْ بِهِ اى بولدها قَوْمَها تَحْمِلُهُ اى ولدها على صدرها فلما رأوها معها أخذوا في لومها وتقريعها حيث قالُوا معيرين عليها منادين لها على سبيل التوبيخ والتلويم يا مَرْيَمُ الصالحة العفيفة المشهورة بالعصمة في بيت المقدس لَقَدْ جِئْتِ بالآخرة شَيْئاً فَرِيًّا منكرا بديعا شنيعا من غاية الشناعة والفضاحة
يا أُخْتَ هارُونَ هو رجل صالح او طالح نسبوها اليه تهكما وقيل هي من أولاد هارون أخ موسى نسبوها اليه وان تطاولت المدة بينهما ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ منسوب الى الفواحش والزنا والخروج عن الحدود وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا زانية فاجرة بل كلاهما من أصلح القوم وأزكاهم عن الفواحش والفسوق فكيف أنت ومن اين اكتسبت هذا وبعد ما تمادى تعييرهم وتشنيعهم
فَأَشارَتْ مريم إِلَيْهِ اى الى ولدها بان قل لهم في جوابهم ما يفحمون به ويسكنون بل يتحيرون ويبهتون ولما رأوا اشارتها اليه وتفويضها الجواب نحوه قالُوا على سبيل الاستهزاء كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا رضيعا لم يعهد من مثله التكلم قد خجلت أنت واستحييت أنت تدفعيننا بهذا الرضيع مع انه معصوم لا ذنب له
ثم لما رأى عيسى اشتداد اللائمين على امه بالتقريع والتشنيع واضطرار أمه واضطرابها من لومهم أخذ في الجواب بالهام الله إياه حيث قالَ مفصحا معربا على وجه الفصاحة والبلاغة الكاملة قولا مشتملا على الحكمة البالغة لا تعيروا ايها الجاهلون عن امرى وعلو شأني أمي العفيفة الكاملة المتناهية في العصمة والعفة ولا ترموها بما لا يليق بشأنها وبجلالة قدرها ومكانها عند الله إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ الحكيم المتقن في أفعاله المستقل في حكمه وآثاره قد خصنى بفضله بالنبوة والرسالة وأيدني بأنواع الكرامات والمعجزات الخارقة للعادات وابدعنى من محض جوده من روحه وأرسلني نحو عباده بالهداية والإرشاد الى توحيده لذلك آتانِيَ الْكِتابَ اى الإنجيل النازل من عنده على لترويج رسالتي وإرشادي وتتميم تكميلى وهدايتي وَبالجملة قد جَعَلَنِي نَبِيًّا مثل سائر الأنبياء
وَايضا جَعَلَنِي مُبارَكاً نفاعا كثير الخير والبركة لأهل الصلاح من البرية أَيْنَ ما كُنْتُ وحيثما توطنت وجلست معهم يصل خيرى ونفعي إليهم وَمن كمال تربية الله وتزكيته إياي قد أَوْصانِي وأمرني بِالصَّلاةِ والميل التام والتوجه الكامل نحوه بعموم الجوارح والأركان وَالزَّكاةِ اى التخلية والتطهير عن جميع الرذائل والخبائث المتعلقة للنفوس البشرية المنغمسة بالعلائق الدنيوية المبعدة عن صفاء الوحدة الذاتية ما دُمْتُ حَيًّا بروح الله الذي قد ابدعنى منه خالصا صافيا عن جميع الكدورات وأوصاني بما أوصاني عناية منه لأكون باقيا على صفائى وطهارة لاهوتي بلا كدر من خبائث الناسوت
وَقد جعلني ايضا بَرًّا بارا محسنا بِوالِدَتِي ممتثلا بأمرها قائما بخدمتها خافضا جناح الذل من الرحمة إياها والحمد لوليه الذي رباني سعيدا على الطهارة الكاملة والصلاح التام وانواع الكرامة والفلاح والتذلل والتواضع مع عموم عباده وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً متكبرا متجبرا على الناس شَقِيًّا بعيدا عن روح الله مستجلبا لعذابه
وَمتى سلمني الله وطهرني عن جميع ما يعوقنى عن مقتضى صرافة الوحدة الذاتية الإلهية المعبرة عنها بروح الله قد عاد ورجع السَّلامُ عَلَيَّ اى سلام الله وحفظه دائما على من لدنه يَوْمَ وُلِدْتُ عن أمي بان حفظت عن مس الشيطان بي وَيَوْمَ أَمُوتُ سيحفظنى من شره ووسته ايضا وَيَوْمَ أُبْعَثُ للحشر
стр. 498
أكون حَيًّا بحياة الله وروحه كما كنت قبل هذا ثم لما سمعوا من عيسى ﵇ ما سمعوا تاهوا وتحيروا في امره وصاروا حيارى متعجبين من علو شأنه وشأن والدته وجلالة قدرهما فاختلفوا حينئذ وتفرقوا فرقا وأحزابا فرقة منهم قالت بألوهيته وفرقة قالت بابنيته لله وفرقة قالت بالأقانيم ومنهم من رماه وامه بما لا يليق بشأنهما
لذلك اخبر سبحانه حبيبه ﷺ بما هو الواقع في الواقع والحق الصريح فقال ذلِكَ اى القائل بهذه الكلمات والموصوف بهذه الصفات المذكورة هو عبدنا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لا ما قالته غلاة النصارى ولا ما قالته طغاة اليهود بل قَوْلَ الْحَقِّ هذا الَّذِي ذكرنا لك يا أكمل الرسل وهم فِيهِ يَمْتَرُونَ ويترددون مع انه لا ريب فيه لا ما قالته النصارى بانه ابن الله
إذ ما كانَ اى ما صح وما جاز لِلَّهِ ولا يليق بعلو شأنه سبحانه أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ وهو منزه في ذاته عن الأهل والولد إذ لا تليق بذاته المعاونة والاستظهار بهما تعالى عن ذلك بل من حكمه وشأنه انه سبحانه إِذا قَضى وأراد أَمْراً من الأمور الكائنة في عالم الأمر فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ حين تعلقت ارادته بتكوينه كُنْ بلا ترتب في السمع بتقديم الكاف على النون إذ كلامه القائم بنفسه سبحانه نفسي ذاتى لا يتوهم فيه الحروف والأصوات ومقاطعها ليتصور الترتيب بالتقدم والتأخر كما يتوهم في الألفاظ الصادرة عنا بل يخلق سبحانه بقدرته الكاملة في لساننا لفظا معجزا لا من جنس الفاظنا ليسع لنا التعبير حكاية عن كلامه النفسي وقت ارادة نفوذ قضائه وهو لفظة كن وعن حصول المقضى بلفظ فَيَكُونُ ايضا بلا تراخ وتعقيب يفهم من الفاء ومن كان شأنه هكذا من اين يكون له حاجة الى الأهل والولد واحبال المرأة ووقاعها تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا بل هو سبحانه واحد احد فرد وتر صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدا هذا اى من قوله ذلك عيسى ابن مريم الى هنا كلام قد وقع في البين.
ثم قال سبحانه حكاية عن عيسى من جملة ما اوصى اليه وَبعد ما بالغ عيسى في بيان طهارته وعصمة امه وتكلمه في غير أوان التكلم بكلام عجيب غريب قد علم بنور النبوة ونجابة الفطرة والفطنة ان بعضهم قد يغلون في شأنه وشأن امه ويتخذونهما الهين أورد كلاما نافيا لظنونهم وجهالاتهم دافعا لها رادعا إياها فقال إِنَّ اللَّهَ القادر المقتدر الذي قد أوجدني وابدعنى بلا أب هو رَبِّي الذي رباني وأمي بأنواع الكرامة وأظهرني من كتم العدم بمقتضى قدرته وَهو سبحانه رَبُّكُمْ ايضا قد أوجدكم وأظهركم مثلي إيجادا إبداعيا فَاعْبُدُوهُ ووحدوه ولا تشركوا معه شيأ من مخلوقاته وتوجهوا نحوه بالتذلل التام والانكسار المفرط إذ هو المستحق للعبادة لا معبود سواه ولا اله الا هو هذا الذي قد بينت لكم صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ وطريق واضح سوى موصل الى معرفة الحق وتوحيده فاتبعوه ان كنتم مؤمنين موقنين بتوحيده وبعد ما نبههم صلوات الرّحمن عليه بالطريق الأبين الأوضح
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ اى فرق النصارى واليهود في شأنه وشأن امه اختلافا ناشئا مِنْ بَيْنِهِمْ بلا سند شرعي او عقلي فأفرطت النصارى باتخاذه الها او ابن اله وأفرطت اليهود بنسبته وامه الى ما لا يليق بشأنهما وبالجملة فاستحق كلا الفريقين باشد العذاب وأسوء العقاب فَوَيْلٌ عظيم وعذاب شديد اليم لِلَّذِينَ كَفَرُوا ستروا ما هو الحق في شأنه وعدلوا عنه الى الباطل بلا حجة وبرهان مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ اى من شهود يوم القيمة وظهوره وحضوره وهم يسحبون فيه على وجوههم نحو النار ويكبون عليها صاغرين مضطرين
أَسْمِعْ ايها المسمع بِهِمْ اى بأنينهم وحنينهم في النار
стр. 499
وَأَبْصِرْ ايها المبصر باغلالهم وسلاسلهم يَوْمَ يَأْتُونَنا للعرض والحساب مضطرين مسحوبين لكِنِ الظَّالِمُونَ الخارجون عن مقتضى أوامرنا ونواهينا الْيَوْمَ اى في النشأة الاولى فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وجهل عظيم من اهوال يوم القيمة وافزاعه
وَأَنْذِرْهُمْ يا أكمل الرسل من عندك يَوْمَ الْحَسْرَةِ المعدة للجزاء بحيث لا يمكن فيها التلافي والتدارك على ما فات سوى الحسرة والندامة الغير المفيدة إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ ونزل العذاب وقد مضى زمان امتثال المأمور به وَالحال انه هُمْ فِي غَفْلَةٍ وغرور عن مضيه وَبالجملة هُمْ لا يُؤْمِنُونَ ولا يصدقون بإتيان هذا اليوم الموعود على ألسنة الرسل والكتب كيف لا يصدقون هذا اليوم أولئك الكاذبون المكذبون المستغرقون في بحر الغفلة والضلال التائهون في تيه الغرور
إِنَّا من مقام قهرنا وجلالنا نَحْنُ بانفرادنا ووحدتنا نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها بعد انقهارها واضمحلال اجزائها وتشتت أركانها بمقتضى القدرة الغالبة بحيث قد صار كل من عليها فانيا ولم يبق سوى وجهنا الكريم وصفاتنا القديمة فانقلبت تجلياتنا المتشعشعة المتجددة عن هذا النمط البديع الى نمط أبدع منه وأكمل إذ نحن في كل يوم وآن في شأن ولا يشغلنا شأن عن شأن وَكيف لا نرث من على ارض الوجود وفضاء الشهود إذ الكل إِلَيْنا يُرْجَعُونَ رجوع الظل الى ذي الظل والأمواج الى البحر والأضواء والاظلال الى الشمس وبعد رجوع الكل إلينا أنادي من وراء سرادقات عزنا وجلالنا لمن الملك اليوم وأجيب ايضا من ورائها إذ لا مجيب في الوجود سوانا لله الواحد القهار للاظلال والأغيار
وَاذْكُرْ يا أكمل الرسل فِي الْكِتابِ المتلو عليك المنزل إليك جدك إِبْراهِيمَ ومحامد أخلاقه ومحاسن شيمه وأطواره لتنتفع بها أنت ومن تبعك من المؤمنين وتمتثل بأخلاقه أنت وهم إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً صدوقا مبالغا في الصدق والصداقة وتصديق الحق وتوحيده نَبِيًّا من خلص الأنبياء اذكر أوان انكشافه وايقاظه من منام الغفلة التي هي عبادة الأوثان والأصنام
وقت إِذْ قالَ لِأَبِيهِ
مستنكرا عليه متعجبا من امره مناديا له رجاء ان يتفطن ويتنبه بما تنبه به هو يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ
وتطيع ما لا يَسْمَعُ
اى شيأ لا يقدر على السمع وَلا يُبْصِرُ
وايضا لا يقدر على الأبصار والمعبود لا بد من ان يرى ويسمع احوال عباده ويعلم حاجاتهم ومناجاتهم
وَإذا لم يسمع ولم يبصر لا يُغْنِي
ولا يدفع عَنْكَ شَيْئاً
من مكروهاتك ولا يعينك فلا يصلح إذ للالوهية والربوبية فلم عبدت وأطعت له مع انك قد نحته بيدك وأظهرت أنت هيكله وشكله والعجب منك كل العجب انه مصنوعك وقد أخذته الها صانعا لك معبودا مستحقا للعبادة مع انك قد كنت من ذوى الرشد والعلم وهو جماد فلا شعور له أصلا
يا أَبَتِ إِنِّي وان كنت ابنك أصغر منك لكن قَدْ جاءَنِي ونزل على مِنَ الْعِلْمِ من قبل الحق مع صغر سنى ما لَمْ يَأْتِكَ مع كبرك إذ الفضل بيد الله وبمقتضى ارادته يؤتيه من يشاء فَاتَّبِعْنِي اى اتبع أنت بما نزل على من قبل ربي من خلوص الاعتقاد أَهْدِكَ انا بتوفيق الله وإرشاده صِراطاً سَوِيًّا موصلا الى المعبود بالحق وتوحيده
يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ بعبادة هذه التماثيل الباطلة والهياكل العاطلة إذ ما هي الا باغوائه وتضليله إذ هو عدو لك ولأبينا من قبلك عداوة مستمرة إِنَّ الشَّيْطانَ المغوى المضل عن طريق الحق قد كانَ من الأزل الى الأبد لِلرَّحْمنِ المفيض لأصناف الخيرات وانواع السعادات سيما الايمان والعرفان المنجى من انواع الحرمان والخذلان عند لقاء الحنان المنان عَصِيًّا قد عصى هو بنفسه وانتظر لعصيان غيره وسعى بإضلاله وتسويلاته
стр. 500
ليضل به عموم اهل الحق عن طريقه
يا أَبَتِ إِنِّي من كمال اشفاقى وعطفي أَخافُ عليك أَنْ يَمَسَّكَ وينزل عليك عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ المنتقم لأصحاب الضلال والطغيان بدل الثواب والغفران فَتَكُونَ حينئذ بشقاوتك وطغيانك لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا صديقا وللرحمن عدوا ببغيك وعصيانك له سبحانه ومتابعتك لعدوه
ثم لما تمادى مكالمة ابراهيم مع أبيه ومحاورته على سبيل النصح والتذكير قالَ له أبوه مقرعا عليه مهددا له مضللا إياه أَراغِبٌ معرض برئ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي ومعبوداتى مع ان عبادتهم اولى وأليق بحالك يا إِبْراهِيمُ ان خير الأولادان يتسع إياه في الدين سيما قد سلف أجدادك على هذا وأنت قد استنكفت عن عبادة آلهتنا انته عن اعتقادك هذا والله لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ ولم تمتنع عن اعتقادك لَأَرْجُمَنَّكَ واقتلنك بالأحجار على رءوس الاشهاد فمع من عندي وَاهْجُرْنِي واتركني مَلِيًّا زمانا طويلا بلا ابن وولد فان عدمك خير من وجودك بهذا الاعتقاد فان ندمت عن اعتقادك هذا ورجعت الى ما كنا عليه من قبل يعنى عبادة الأصنام فارجع إلي تائبا من هذياناتك والا فاذهب لا علاقة بيني وبينك فانا برئ منك ثم لما رأى ابراهيم ﵇ شدة عبه وضلاله ورسوخ جهله وطغيانه
قالَ مسترجعا الى الله مودعا عليه مسلما سَلامٌ عَلَيْكَ اى سلامى عليك يا ابى اهجرك باجازتك بي الا انى سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ينقدك من أوزار الشرك ويوصلك الى مرتبة توحيده شكرا لابوتك لي ورعاية لحضانتك على والتجئ نحو الحق والود به من الشرك الذي قد هددتنى به إِنَّهُ سبحانه قد كانَ بِي حَفِيًّا مشفقا رحيما يحفظني من شرّك ومن شر عموم من عاداني
وَمتى لم يفد لك نصحى ولم ينفع لك تذكيري ووعظي أَعْتَزِلُكُمْ اترككم على ما أنتم عليه وَايضا اترك ما تَدْعُونَ وتعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ اتبرأ منهم وَأَدْعُوا رَبِّي الذي رباني بفضله بالإيمان وأوصلني بلطفه الى فضاء التوحيد والعرفان واعبد إياه وأطيعه في عموم الأوقات والأحيان عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي والتوجه نحوه والتحنن اليه شَقِيًّا خائبا خاسرا عن رحمته ذا شقاوة جالبة لسخط الله وغضبه
فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وبعد عنهم واختار الغربة والفرار من بينهم وَترك عبادة ما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من الأوثان والأصنام وَهَبْنا لَهُ من مقام جودنا وفضلنا إياه إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ليؤانس بهما ويدفع كربة الغربة بصحبتهما وَلنجابة طينتهما وكرامة فطرتهما كُلًّا منهما قد جَعَلْنا نَبِيًّا مهبطا للوحى والإلهام من لدنا مثل أبيهما وسائر الأنبياء
وَبالجملة قد وَهَبْنا لَهُمْ اى لإبراهيم وولديه مِنْ سعة رَحْمَتِنا ووفور جودنا للأموال والأولاد والجاه والثروة الى ان صاروا مرجع الأنام وحاكميهم في عموم الاحكام الى يوم القيمة وَايضا قد جَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ اى جعلنا ثناءهم ومدحهم العائد إليهم عن ألسنة عموم البرايا ثناء صدق وتحقيق لا مجرد خطابة وتحنن كثناء سائر الملوك والجبابرة لذلك قد صار ثناؤهم عَلِيًّا مظهرا لعلو مرتبتهم وشأنهم الى انقراض النشأة الاولى كل ذلك ببركة دعاء أبيهم ابراهيم ﵇ وباجابة الحق له حيث قال في مناجاته مع ربه واجعل لي لسان صدق في الآخرين
وَاذْكُرْ يا أكمل الرسل فِي الْكِتابِ المنزل عليك مُوسى الكليم وقصة انكشافه من الشجرة المباركة إِنَّهُ من كمال انكشافه وشهوده بوحدة الحق إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً قد خلص حسب لاهوته للتوحيد وصفا عن إكدار ناسوته مطلقا وَبالجملة قد كانَ رَسُولًا مرسلا الى بنى إسرائيل للإرشاد والتكميل مؤيدا بالكتاب وانواع المعجزات نَبِيًّا ايضا
стр. 501
بالوحي والإلهام والرؤيا
وَلكمال إخلاصه ومزيد اختصاصه بنا نادَيْناهُ بعد المجاهدة الكثيرة والرياضات البليغة مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ ذي اليمن والبركة وانواع السعادة والكرامة وَبعد ما انكشف بالنداء بما انكشف وشهد ما شهد قد قَرَّبْناهُ بنا الى ان صار نَجِيًّا مناجيا إلينا متكلما معنا إذ قد كنا حينئذ سمعه وبصره وجميع قواه فبنا يسمع وبنا يبصر وبنا يبطش وبنا يتكلم
وَمع ذلك قد وَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا وفضلنا إياه تأييدا له وتعضيدا أَخاهُ هارُونَ ليؤيده ويقويه في تنفيذ احكام النبوة والرسالة وجعلناه نَبِيًّا ايضا ليكون على عزيمة صادقة وقصد خالص في اجراء الاحكام الإلهية
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ ايضا جدك إِسْماعِيلَ ذبيح الله الراضي من الله بجميع القضاء المرضى عنده إِنَّهُ من كمال وثوقه واعتماده على الله وتفويضه الأمور كلها اليه سبحانه قد كانَ صادِقَ الْوَعْدِ والعهد عند الله وافيا لميثاقه صابرا على مصائبه وبلائه شاكرا لآلائه ونعمائه وَقد كانَ ايضا كابيه واخوته رَسُولًا نَبِيًّا وان لم ينزل عليه الشرع المخصوص إذ بعض أولاد ابراهيم صلوات الرّحمن على نبينا وعليه وعليهم قد كانوا أنبياء مرسلين مع انهم كانوا جارين على ملة أبيه وشرعه
وَمن خصائله الجميلة انه قد كانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ أولا لأنهم اولى بالإرشاد والتكميل وأحق من غيرهم بِالصَّلاةِ التي هي عبارة عن التوجه نحو الحق بعموم الجوارح والأركان والتقرب اليه عن ظهر القلب ومحض الجنان وَالزَّكاةِ التي هي عبارة عن تصفية النية وتخلية الطوية عن الميل الى مزخرفات الدنيا الدنية وحطامها الزائلة الذاهبة وَقد كانَ من كمال تنزهه عن العلائق والعوائق العائقة عن التوجه الخالص نحو الحق عِنْدَ رَبِّهِ الذي رباه على كمال الرضاء والتسليم مَرْضِيًّا لوفائه الوعد واستقامته، فيه وصبره على عموم ما جرى عليه من البلوى
وَاذْكُرْ يا أكمل الرسل فِي الْكِتابِ ايضا إِدْرِيسَ صاحب دراسة التوحيد والعرفان وقالع اهوية النفس وأمانيها بارتكاب شدائد الرياضات والمجاهدات في مسالك التصديق والإيقان من كمال رشده وحكمته إِنَّهُ قد كانَ صِدِّيقاً مبالغا في الصدق والتصديق والتحقيق نَبِيًّا مبعوثا الى الناس كسائر الأنبياء للهداية والتكميل
وَلعلو شأنه وسمو برهانه وكمال تصفيته وتزكيته عن لوازم البشرية قد رَفَعْناهُ تلطفا معه وتفضلا عليه مَكاناً عَلِيًّا وهو أعلى درجات المعارف واليقين وقيل الى السماء الرابعة او السادسة
وبالجملة أُولئِكَ المذكورون من زكريا الى إدريس كلهم أنبياء الله وامناؤه في ارضه إذ هم بأجمعهم هم الَّذِينَ قد أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بأنواع النعم الظاهرة والباطنة واصطفاهم من بينهم للهداية والتكميل وهم مِنَ النَّبِيِّينَ المنتشئين مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ في السفينة حين ظهر الطوفان على وجه الأرض وَبعضهم مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَابنه يعقوب الملقب من عند الله إِسْرائِيلَ وَقد كان كل منهم مِمَّنْ هَدَيْنا الى توحيدنا وَاجْتَبَيْنا من بين البرايا للتكميل والتشريع ووضع الاحكام بين الأنام وكلهم من كمال يقينهم وعرفانهم وتمكنهم في مقر التوحيد قد صاروا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ ودلائل توحيده وتجريده قد خَرُّوا خرور تواضع ورهبة سُجَّداً متذللين واضعين جباهم على تراب المذلة والهوان وراجين من سعة رحمته بمقتضى لطفه وجماله وَبُكِيًّا باكين خائفين من خشيته وجلاله فان المؤمن لا بد ان يكون في عموم أحواله بين الخوف والرجاء ثم لما ظهر على الأرض التي هي محل الشرور والفتن وانواع الفسادات ما ظهر من انواع المكروهات والمنكرات وهم قد كانوا عند ظهورها واشتهارها
стр. 502
قد بذلوا غاية جهدهم في تنفيذ الاحكام الشرعية المنزلة على مقتضى زمان كل منهم فكملوا وارشدوا مقدار جهدهم وطاقتهم
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ واستعقبهم خَلْفٌ مخالف سوء بالسكون لا خلف جيد صدق بالحركة كلهم قد أَضاعُوا وأبطلوا الصَّلاةَ المقربة نحو الحق مع انها من أقوى اسباب الايمان وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ النفسانية المبعدة عنه سبحانه الجالبة لانواع العذاب والنكال وقد اباحوها لنفوسهم وأصروا على اباحتها فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ في النشأة الاخرى غَيًّا شرا وخسرانا عذابا ونيرانا يترتب على شهواتهم ولذاتهم الفانية
إِلَّا مَنْ تابَ ورجع عنها نادما ولم يرجع إليها أصلا وَآمَنَ وصدق حرمتها وَبعد التوبة والرجوع قد عَمِلَ عملا صالِحاً ليصلح ما أفسده بمتابعة الهوى فَأُولئِكَ التائبون الآئبون النادمون عن عموم ما صدر عنهم من متابعة الهوى باغواء الشيطان واغرائه يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ مثل سائر المؤمنين المطيعين وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً اى لا ينقصون شيأ من درجات المؤمنين الغير العاصين ومثوباتهم، ان كانت توبتهم على وجه الإخلاص والندامة الكاملة بل لهم كسائر عباد الله
جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي قد وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ تفضلا عليهم وجزاء لاعمالهم وايمانهم بِالْغَيْبِ وبلوح القضاء وحضرة العلم المحيط الإلهي يصلون إليها ويتمكنون فيها إِنَّهُ سبحانه من كمال عطفه ورحمته لعباده قد كانَ وَعْدُهُ إياهم مَأْتِيًّا حاصلا بلا ريب وتردد ومتى دخلوا في دار السلامة والسّلام
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وفضولا من الكلام إِلَّا قولا سَلاماً سلاما من كل جانب تحية وتكريما وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ الصوري والمعنوي معدا مهيئا فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا مستوعبا لجميع الأوقات إذ أكلها دائم
وبالجملة تِلْكَ الْجَنَّةُ الموصوفة الموعودة الَّتِي نُورِثُ نوطن ونمكن مِنْ عِبادِنا فيها مِنْ منهم كانَ تَقِيًّا متصفا بالتقوى محترزا عن الهوى مائلا نحو المولى
وَبعد ما قد ابطأ الوحى على رسول الله حين سئله المشركون عن قصة اصحاب الكهف وعن الروح وقصة ذي القرنين وقد وعد لهم الجواب ﷺ ولم يستثن وانقطع الوحى خمسة عشر يوما وقيل أربعين عيروه واستهزؤا به حيث قالوا قد ودعه ربه وقلاه ثم لما نزل جبريل ﵇ واستبطأ ﷺ نزوله قال جبريل ﵇ في جوابه نحن معاشر الملائكة وسدنة حضرة اللاهوت ما نَتَنَزَّلُ ونوحي الى احد إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ وبانزاله وإرساله إذ لَهُ الحكم والتصرف في ما بَيْنَ أَيْدِينا اى عندنا وفي علتنا وَما خَلْفَنا وفي سرائرنا واستعداداتنا وعموم ما غاب عنا وخفى علينا وَكذا ما بَيْنَ ذلِكَ الطرفين المذكورين وبالجملة هو سبحانه مستوعب بنا محيط بعموم أحوالنا بلا فوت شيء وغيبته عنه بل الكل حاضر عنده غير غائب عنه مطلقا وَبالجملة ما كانَ رَبُّكَ يا أكمل الرسل نَسِيًّا تعالى شأنه عن ذلك حتى ينسب إبطاء الوحى الى نسيانه
وكيف يتصور منه سبحانه هذا إذ هو رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما محيط بالكل شهيد عليه حاضر عنده بحيث لا يعزب عن حضرة علمه الحضوري شيء منها لمحة وإذا تحققت ما تلونا عليك يا أكمل الرسل وتأملت في معناه حق التأمل والتدبر فَاعْبُدْهُ راجيا منه العناية والتوفيق على العبادة وجزاء الخير وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ وتحمل متاعبها واثبت عليها ولا تعجل بوحي ما قصدت وأحببت نزوله ولا تقنط ايضا إذ الكل موكول اليه سبحانه مرهون بوقته موقوف على تعلق مشيئته سبحانه وبالجملة لا تعجل بالوحي
стр. 503
ولا تضطرب من استهزاء الكفرة وسخريتهم وكيف لا تصطبر ولا تصبر هَلْ تَعْلَمُ وتسمع لَهُ سَمِيًّا باسم الإله مسمى به مثلا له مستحقا للعبودية والتوجه لإنجاح المطلوب سواه سبحانه حتى ترجع أنت نحوه عند توجه الخطوب وإلمام الملمات عليك وبالجملة ما عليك الا العبادة والاصطبار وترك الاضطراب والاستعجال وتفويض عموم الأمور الى الكبير المتعال
وَمن غاية الجهل ونهاية الغفلة عن ربوبيته سبحانه يَقُولُ الْإِنْسانُ المجبول على الكفران والنسيان بنعم الله وبإنكار قدرته على اعادة المعدوم وحشر الأموات أَإِذا ما مِتُّ وقد صرت عظاما ورفاتا لَسَوْفَ أُخْرَجُ من الأرض حَيًّا سويا معادا كلا وحاشا ما هذا الا محال باطل وضلال ظاهر
أَينكر المنكر على قدرتنا ويصر على الإنكار وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ المكابر المعاند أَنَّا قد خَلَقْناهُ واوجدناه إيجادا إبداعيا مِنْ قَبْلُ وَالحال انه لَمْ يَكُ شَيْئاً مما يطلق عليه اسم الشيء إذ هو معدوم صرف وعدم محض والمعدوم ليس بشيء ولا مسبوق بشيء فقدرنا على إيجاده وإظهاره من العدم الصرف ولم لم نقدر على إعادته سيما بعد سبق اجزائه وان كان الإعادة والإبداء عندنا وفي جنب قدرتنا على السواء الا ان الإعادة بالنسبة الى فهمهم أسهل وأيسر من الإبداء والإبداع عن لا شيء
فَوَ رَبِّكَ يا أكمل الرسل الذي هو أعظم أسمائه وأشملها وبعزته وجلاله لَنَحْشُرَنَّهُمْ أولئك الضالين وَالشَّياطِينَ المضلين لهم معهم منخرطين في سلسلتهم ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ مقيدين مغلولين حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا باركين على الركب قائمين على أطراف الأصابع بلا تمكن لهم واطمئنان مثل الجاني الخائف عند الحاكم القاهر القادر على انواع الانتقام
ثُمَّ بعد حشرهم وإحضارهم حول النار كذلك لَنَنْزِعَنَّ ننتخبن ونخرجن مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ فئة وفرقة قد شاعت منهم موجبات العذاب والنكال ونميزن منهم ايضا أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ المفيض لهم انواع الخيرات والبركات عِتِيًّا جرأة على العصيان له وعلى ترك أوامره وارتكاب نواهيه حتى يطرح أولا على قعر النار ثم الا مثل فالأمثل الى ان يطرح الكل فيها على تفاوت طبقاتهم ودرجاتهم في افتراق موجباتها قوة وضعفا
ثُمَّ بعد ما انتزعنا وانتخبنا لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى وأحق بِها اى بدخول النار صِلِيًّا اى دخولا وطرحا أوليا سابقا على الكل ألا وهم الرؤساء الضالون المضلون إذ يضاعف عذابهم بضلالهم واضلالهم. ثم قال سبحانه مخاطبا لبنى آدم بأجمعهم لا تغتروا بدنياكم وبلذاتها وشهواتها فإنها توقعكم في النار
وَإِنْ مِنْكُمْ ايها المتلذذون بزخرفة الدنيا المائلون الى أمتعتها وما احد من المتمتعين بها إِلَّا وارِدُها اى وارد النار وواقعها قد ذاق كل منكم مقدار ما تلذذ بحطام الدنيا اما المؤمنون المطيعون المتقون الذين يقنعون من الدنيا ومن أمتعتها بسد جوعة ولبس خرقة وكن ضرورة فيمرون عنها ويردون عليها وهي حينئذ خامدة منطفية وانما يردون ويوردون عليها عبرة لهم منها واعتبارا وشكرا لنعمة النجاة عنها واما المؤمنون العاصون التائبون فيذوقون من عذابها مقدار تلذذهم بالمعاصي ثم يخرجون بمقتضى عدله سبحانه واما اصحاب الكبائر من المؤمنين المصرين عليها الخارجين من الدنيا وهم عليها بلا توبة وكذا. عموم الكفرة والمشركين فهم هم الواردون المقصورون على الورود فيها الا ان المؤمنين تلحقهم الشفاعة واما الكفرة فهم الخالدون المخلدون لا نجاة لهم منها أصلا وبالجملة لا تترددوا ايها السامعون ولا تشكوا فيما ذكر من الورود المذكور إذ قد كانَ هذا من جملة الاحكام المحكمة المبرمة الإلهية التي قد وجبت عَلى رَبِّكَ يا أكمل الرسل بإيجابه على نفسه وجوبا حَتْماً مَقْضِيًّا محققا بلا
стр. 504
شبهة وتخلف إذ قد أوجبها سبحانه على نفسه لحكمة ومصالح خص بها سبحانه ولم يفش سرها على احد
ثُمَّ بعد الورود والوصول نُنَجِّي ونخلص الَّذِينَ اتَّقَوْا عن محارمنا في النشأة الاولى اتقاء من سخطنا وطلبا لمرضاتنا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضيات أوامرنا ونواهينا خالدين فِيها جِثِيًّا لا يمكنهم الخروج والتجاوز عنها أصلا بل صاروا مزدحمين فيها مضيقين معذبين بأنواع العذاب ابد الآباد
وَكيف لا يخلدون في النار أولئك الهالكون وهم قد كانوا من غاية غيهم وضلالهم ونهاية غفلتهم وقسوتهم إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ في نشأة الاختبار آياتُنا الدالة على وحدة ذاتنا وكمال قدرتنا على الانعام والانتقام مع كونها بَيِّناتٍ واضحات في الاعجاز بلا ريب وتردد قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا بعد ما عجزوا عن معارضتها وأفحموا عن المقابلة معها لِلَّذِينَ آمَنُوا متشبثين بما عندهم من المال والجاه والثروة والرياسة مفتخرين بها قائلين على سبيل التهكم أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أنحن الأغنياء المتلذذون بأنواع الذات المتمكنون بعموم الآمال والمرادات أم أنتم ايها الفقراء المحتاجون بما تقتاتون في يومكم هذا خَيْرٌ مَقاماً واشرف مرتبة وأعلى مكانا عند الله وَأَحْسَنُ نَدِيًّا مجلسا ومنزلا عنده ولولا انا أفضل وأخير منكم عند الله لما أعطانا ولما منع عنكم ثم لما افتخروا وتفضلوا على المؤمنين بما عندهم من حطام الدنيا وزخرفتها رد عليهم سبحانه وهددهم على الوجه الأبلغ الأتم
فقال على سبيل العبرة وَكَمْ اى كثيرا أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ اهل قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ واكثر من هؤلاء المفتخرين المعاندين أَثاثاً امتعة دنياوية وما يترتب عليها من الجاه والثروة والكبر والخيلاء وَاحسن رِءْياً زينة وبهاء ثم لما لم يتذكروا بالآيات والنذر ولم يتفطنوا منها الى توحيد الحق وصفاته ولم يشكروا نعمه بل قد أصروا واستكبروا بما عندهم من المزخرفات الفانية فهلكوا واستؤصلوا
قُلْ لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا كلاما ناشئا عن محض الحكمة المتقنة مَنْ كانَ منكم منغمسا منهمكا فِي الضَّلالَةِ مجبولا عليها فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ وليمهله مَدًّا مهلا طويلا وليمتعهم تمتيعا كثيرا رغدا وسيما حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ على ألسنة الرسل والكتب إِمَّا الْعَذابَ العاجل لهم في النشأة الاولى بان قد غلب المسلمون عليهم فقتلوهم واسروهم وضربوا الجزية عليهم مهانين صاغرين وَإِمَّا السَّاعَةَ بان تأتيهم بغتة فَسَيَعْلَمُونَ إذا بالعيان والمشاهدة مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً درجة ومقاما عند الله وَأَضْعَفُ جُنْداً واقل ناصرا ومعينا
وَبعد ما صار مآل الكفار وبالا عليهم ومنا لهم نكالا لهم يَزِيدُ اللَّهُ الهادي لعباده المؤمنين الَّذِينَ اهْتَدَوْا الى زلال عرفانه وتوحيده هُدىً هداية ورشدا باقيا ازلا وابدا بدل ما نقص عنهم من حطام الدنيا الفانية ومتاعها الزائلة الذاهبة وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ المقربة الى الله المستتبعة لانواع الفضل والثواب خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ يا أكمل الرسل ثَواباً عائدة وَفائدة خَيْرٌ مَرَدًّا اى منقلبا ومآبا إذ مآل المال والجاه والثروة والسيادة الى الحسرة والخسران وانواع الخيبة والخذلان. ومآل العبادة الى الجنة والغفران والرحمة والرضوان.
ثم قال على سبيل التوبيخ والتقريع للكافر المستكبر أَفَرَأَيْتَ ايها المعتبر الرائي الطاغي الَّذِي كَفَرَ أنكر واعرض واستكبر بِآياتِنا الدالة على عظمة ذاتنا وكمالات أسمائنا وصفاتنا وَقالَ مقسما مبالغا على سبيل الاستهزاء والسخرية والله لَأُوتَيَنَّ أعطين في النشأة الاخرى ايضا ان فرض وجودها مالًا وَوَلَداً مثل ما أعطيت في هذه النشأة هذا من
стр. 505
غاية اغتراره وذهوله ونهاية غفلته وغروره واعتقاده كبرا وخيلاء انه حقيق بهذه المرتبة حيثما كان فرد الله سبحانه عليه على ابلغ الوجوه
وآكدها بقوله أَطَّلَعَ الْغَيْبَ اى أيدعي هذا الطاغي التائه في تيه الجهل والغفلة علم الغيب واطلاع السرائر والخفايا أَمِ اتَّخَذَ وأخذ عِنْدَ الرَّحْمنِ اى من عنده على لسان نبي من أنبيائه او ملك من ملائكته عَهْداً ليعطيه في الآخرة مالا وولدا إذ لا معنى للجزم بهذه الدعوى سيما ان يؤكد بالحلف الا بأحد هذين الطريقين
كَلَّا وحاشا ليس لهذا الجاهل الكذاب لا هذا ولا ذاك بل سَنَكْتُبُ نأمر الحفظة ان يكتبوا ما يَقُولُ هذا المسرف المغرور اغترارا بماله وجاهه وَنَمُدُّ لَهُ نزيد عليه يوم الجزاء مِنَ الْعَذابِ مَدًّا اى عذابا فوق العذاب أضعافا وآلافا بكفره وإصراره واغتراره على كفره وعتوه على اهل الايمان واستهزائه بهم
وَبعد ما نهلكه ونميته نَرِثُهُ ما يَقُولُ ويفتخر به من الأموال والأولاد وغيرها ونرث وننزعها عنه ونجرده منها بحيث لا يبقى معه شيء منها وَبالجملة يَأْتِينا يوم العرض والجزاء فَرْداً صفرا خاليا بلا اهل ولا مال ولا ايمان ولا عمل وَمن غاية جهلهم بالله ونهاية غفلتهم عن حق قدره وقدر وحدته واستيلائه واستقلاله
قد اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً من تلقاء أنفسهم وعلى مقتضى اهويتهم الفاسدة لِيَكُونُوا اى آلهتهم لَهُمْ عِزًّا اى سببا لعزهم وتوقيرهم عند الله يشفعون لهم او يخففون عنهم عذابهم
كَلَّا ردع لهم عما اعتقدوا من الفوائد العائدة لهم من عبادة الأوثان والأصنام من الوصلة والوسيلة والشفاعة والتسبب للنجاة بل سَيَكْفُرُونَ وينكرون أولئك المعبودون يومئذ بِعِبادَتِهِمْ اى بعبادة الكفرة المشركين إياهم وَكيف يشفعون لهم حينئذ بل يَكُونُونَ اى معبوداتهم عَلَيْهِمْ ضِدًّا يضادون معهم يعادون بل يريدون مقتهم وازدياد عذابهم ثم لما تعجب ﷺ من قسوة قلوب الكفرة وشدة عمههم وسكرتهم في الغفلة ومن عدم تفطنهم وتنبههم بحقيقة آيات التوحيد مع وضوحها وسطوعها مع انهم من زمرة العقلاء المجبولين على فطرة المعرفة والإيقان سيما بعد ظهور الحق وعلو شأنه وارتفاع قدره برسالته ﷺ ونزول القرآن له واختتام امر البعثة والتشريع بظهوره وهم بعد منكرون مكابرون معاندون أشار سبحانه الى سبب غيهم وضلالهم وتماديهم فيه على وجه يزيح تعجبه ﷺ
فقال سبحانه مخاطبا له أَلَمْ تَرَ يا أكمل الرسل ولم تتفطن أَنَّا بمقتضى اسمنا المضل المذل قد أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ المضلين عَلَى الْكافِرِينَ الذين أردنا اضلالهم وإذلالهم في سابق علمنا ولوح قضائنا وسلطناهم عليهم بحيث تَؤُزُّهُمْ تهزهم وتحركهم وتغريهم بتسويلاتهم نحو المعاصي والآثام وتوقعهم بأنواع الفتن والاجرام وتحبب عليهم الشهوات واللذات النفسانية المستلزمة المستجلبة لانواع العقوبات المبعدة عن مطلق المثوبات وعن الفوز بعموم المرادات الاخروية أَزًّا تحريكا دائما بحيث صار قلوبهم المعدة بحسب الفطرة الاصلية للمعرفة والتوحيد مطبوعة بغشاوة عظيمة وغطاء كثيف لا يرجى انجلاؤها وصفاؤها أصلا لذلك لم يتفطنوا بظهور الحق بلوائح آياته ولوامع علاماته مع كمال وضوحها وانجلائها وشعشعتها
وبالجملة فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ يا أكمل الرسل بعد ما علمت حالهم بإهلاكنا إياهم وانتقامنا عنهم ولا تيأس من امهالنا وتأخيرنا إهلاكهم ان نمهل أخذهم وانتقامهم بل إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ بامهالنا إياهم أيام اجالهم وأوقاتها عَدًّا متى وصل وقتها وحل أخذناهم واستأصلناهم
стр. 506
بحيث قد أمنت أنت ومن معك من شرورهم وفسادهم اذكر لهم يا أكمل الرسل
يَوْمَ الحسرة والضجرة للكافرين وقت إذ نَحْشُرُ ونجمع فيه الْمُتَّقِينَ اى المؤمنين الذين يحفظون نفوسهم عن مطلق المناهي والمحظورات الموردة في الكتب الإلهية المنزلة على الرسل المبينين لها إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً وافدين فرقة بعد فرقة ليجازوا بالرحمة والمغفرة ويستغرقوا بها جزاء ايمانهم وتقويهم ويتفضلوا بالرضوان تفضلا عليهم وزيادة كرامة لهم
وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ يومئذ سوق البهائم المجرمة الجانية نحو المحبس والسجن بالقهر والغضب التام والزجر المفرط إِلى جَهَنَّمَ التي هي أسوأ الأماكن واظلمها وأعمقها وِرْداً ورود البهائم الى المحابس والأودية والاغوار بزجر تام من الضرب المؤلم والتصويت الشديد وغيرها وهم في تلك الحالة حيارى مضطرين مضطربين لا ينفعهم لا أعمالهم ولا معبوداتهم الباطلة ولا يشفعون لهم ولا ينقذونهم من النار كما زعموا
وكيف يشفعون لهم إذ هم يومئذ لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ لأنفسهم ليخففوا العذاب عنها متى أرادوا بل لا شفاعة لهم مطلقا إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ وحصل له عِنْدَ الرَّحْمنِ اى من عنده عَهْداً إذنا بالشفاعة لمن أراد سبحانه إنقاذه بشفاعة ذلك الشفيع كشفاعة بعض الأنبياء لعصاة أممهم ان اذن لهم الرّحمن المستعان
وَكيف يحصل لهؤلاء الهالكين النجاة من نيران الحرمان والخلاص من سعير الخذلان والخسران مع جرمهم الذي هو أعظم الجرائم عند الله وأفحشها قالُوا مفرطين مفرطين في حق الله من غاية انهماكهم في الغفلة عنه وعن قدره ورتبته قد اتَّخَذَ الرَّحْمنُ المنزه عن وصمة الكثرة وشين النقصان المقدس عن سمة الحدوث والإمكان وَلَداً مع انه هو من أقوى امارات الإمكان وعلامات الاستكمال والنقصان والله ايها المفترون على الله
لَقَدْ جِئْتُمْ بإثبات الولد له سبحانه شَيْئاً إِدًّا منكرا عظيما جدا ومفترى شنيعا فظيعا
الى حيث تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ ويتشققن مع متانة قوائمها وشدة التيامها مِنْهُ اى من سماع قولكم هذا ونسبتكم هذه هولا ورهبة من صولة قهر الله وسطوة غضبه وحلول عذابه وَكذا تَنْشَقُّ الْأَرْضُ خوفا ورهبة وَكذا تَخِرُّ وتسقط الْجِبالُ خرور خشية وهول هَدًّا خرورا وسقوطا وأصلا الى حد التفتت والتشتت والاندكاك التام بالمرة بحيث اضمحلت رسومها مطلقا كل ذلك من خوف سطوة صفاته الجلالية ومقتضيات أسمائه القهرية المنبعثة من الغيرة الإلهية الناشئة منه سبحانه وما ذلك الا بواسطة
أَنْ دَعَوْا واثبتوا لِلرَّحْمنِ المقدس المبرى ذاته عن لوازم الحدوث والإمكان
وَلَداً وَما يَنْبَغِي وما يحق ولا يليق لِلرَّحْمنِ المتجلى في كل آن وشأن ولا يشغله شأن عن شأن أَنْ يَتَّخِذَ زوجة ويتسبب بها ليظهر وَلَداً يستخلفه او يستظهر به ويستعين تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا
بل إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وما كل من الملائكة السماويين المهيمين المستغرقين بمطالعة جمال الله المستوحشين عن سطوة قهره وجلاله وَالْأَرْضِ اى ما كل من في عالم الطبيعة والهيولى من النفوس المتوجهة نحو مبدعها طوعا إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ الممهد الممد عليهم اظلال أسمائه وأوصافه العظمى المفيض عليهم من رشحات بحر وجوده بمقتضى فضله وجوده عَبْداً متذللا مقهورا تحت تصرفه مصروفا حسب قدرته وارادته محاطا تحت حيطة حضرة علمه ولوح قضائه
الى حيث لَقَدْ أَحْصاهُمْ وفصلهم لا يشذ شيء من أحوالهم وأفعالهم وأقوالهم وحركاتهم وسكناتهم وجميع حالاتهم حتى اللمحة واللحظة والطرفة والخطرة من حيطة حضرة علمه وقبضة قدرته واختياره بل وَعَدَّهُمْ عَدًّا فردا
стр. 507
فردا وشخصا شخصا مع جميع العوارض المتعلقة بكل فرد وشخص ما داموا في هذه النشأة
وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً منفردا مفروزا عن عموم الأعوان والأنصار وجميع الأصحاب والخلان.
ثم قال سبحانه إِنَّ المؤمنين المنتخبين الَّذِينَ آمَنُوا بالله وأيقنوا بوحدة ذاته واطاعوا لرسله المؤيدين من عنده وامتثلوا بعموم ما جاءوا به من الأوامر والنواهي المبينة في الكتب الإلهية المنزلة عليهم وَمع ذلك قد عَمِلُوا الصَّالِحاتِ من الفرائض والنوافل المقربة نحو الحق طلبا لمرضاته وابتغاء لوجهه الكريم سَيَجْعَلُ ويحدث لَهُمُ الرَّحْمنُ المتكفل لجزائهم واثابتهم حسب سعة رحمته وجوده ووفور لطفه ومرحمته وُدًّا مودة ومحبة في قلوب عموم المؤمنين حتى يحبوهم ويتخنوا نحوهم بلا سبق الوسائل والأسباب العادية الموجبة لمودة البعض للبعض من الانعام والإحسان وانواع العطية والإكرام مثل محبة عموم عباد الله للبدلاء المنسلخين عن مقتضيات اللوازم البشرية مطلقا جعلنا الله من خدامهم وتراب اقدامهم. ثم قال سبحانه امتنانا على حبيبه ﷺ واشارة الى عظم رتبة القرآن الجامع لجميع المعارف والاحكام بعد ما بين في هذه السورة من معظمات مهام الدين من العبر والتذكيرات والأخلاق والآداب
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ اى القرآن بِلِسانِكَ يا أكمل الرسل وسهلناه لك وأنزلناه على لغتك لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ الذين يحفظون نفوسهم. عن مخالفة ما أمروا ونهوا عنه بشارة عظيمة عناية من الله إياهم وفضلا الا وهي تحققهم بمقام الرضاء والفوز بشرف اللقاء وَتُنْذِرَ بِهِ اى بوعيداته وبأنواع العذاب المذكورة فيه على العصاة المنحرفين عن جادة العدالة الإلهية قَوْماً لُدًّا لدودا لجوجا مفرطين في اللداد والعناد مصرين على ما هم عليه من الفسق والفساد وَلا تبال يا أكرم الرسل بتماديهم في لددهم وعنادهم ولا تحزن من عتوهم وفسادهم
إذ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ اى قد أهلكنا كثيرا من الأقوام الماضية قد كانوا متمادين أمثالهم في الغي والضلال مصرين على المراء والجدال وبالجملة تأمل يا أكرم الرسل والتفت هَلْ تُحِسُّ وتشعر مِنْهُمْ اى من الأمم الهالكة مِنْ أَحَدٍ قد نجا وبقي سالما عن قبضة قدرتنا وسطوة قهرنا وغضبنا أَوْ هل تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً صوتا خفيا منهم تسمع أنت عن قبورهم ومدافنهم بل كلهم كأن لم يكونوا أصلا وبالجملة ما ذلك وأمثاله علينا بعزيز رب اختم عواقب أمورنا بالحسنى
خاتمة سورة مريم ﵍
عليك ايها السالك المدبر المتأمل في الأسماء الحسنى الإلهية والمستكشف عن رموز صفاته الثبوتية والسلبية والجمالية والجلالية واللطفية والقهرية وجميع الأوصاف المتقابلة والمتماثلة الإلهية ان تتعمق وتتأمل في معنى اسم الرّحمن الذي قد كرره سبحانه في هذه السورة مرارا كثيرة وتتدبر فيه كي تصل وتنكشف الى ان مبدء عموم ما ظهر وما بطن وكان ويكون انما هو هذا الاسم المشير الى سعة رحمة الله ووفور فضله وجوده على مظاهره ومصنوعاته إذ به استوى سبحانه على عروش عموم الكوائن والفواسد وبه ظهر الجميع من كتم العدم وبالجملة ما من موجود محقق محسوس او مقدر مخطور الا وهو في حيطة هذا الاسم وتحت تربيته وتصرفه بحيث لو انقطع إمداده عن العالم طرفة عين لم يبق للعالم ظهور ووجود أصلا ومتى تحققت معنى هذا الاسم العظيم وتيقنت بشموله واحاطته بجميع المظاهر شمول عطف ولطف فزت بحقيقة قوله سبحانه ان كل من في السموات والأرض
стр. 508
الا آتى الرّحمن عبدا وذقت حلاوته وحقيقته جعلنا الله ممن تحقق بمعاني أسمائه الحسنى واستكشف عن سرائر أوصافه الأسنى بفضله وسعة رحمته وجوده
[سورة طه]
فاتحة سورة طه
لا يخفى على ذوى البصائر المستكشفين عن مراتب الوجود بفيضان الكشف والشهود بلا ملاحظة الرسوم والحدود مثل اصحاب القيود ان للوجود البحت الخالص عن جميع الاعتبارات باعتبار ظهوره في مظاهر الاعداد مراتب كثيرة يقبل بسببها الإضافات الغير المحصورة فله باعتبار ظهوره في كل مرتبة من المراتب الكلية والجزئية اسماء كلية وجزئية يظهر في كل منها بواسطة اسم خاص من الأسماء. وأعلى المراتب التي هو مصدر جميعها ومال الكل اليه ومصيره المرتبة التي طويت دونها المراتب وقصرت عن دركها العقول وكلت عن وصفها الألسن وارتجت دونها طرق الوصول واضمحلت هناك السمات والعلامات وبطلت العبارات والاعتبارات وارتفعت الجهات والإشارات وتلك المرتبة هي المرتبة الاحدية الصمدية التي لا يمكن فيها توهم الكثرة لان الكثرة انما تنشأ من الاضافة والاضافة انما تتصور بين الاثنين فصاعدا ولا اثنينية هناك أصلا وهذه هي المرتبة الجامعة المحمدية التي قد انتهت إليها المراتب كلها عروجا كما ظهرت هي منها نزولا في بدأ الأمر لذلك أشار سبحانه في أول هذه السورة الى مرتبته ﷺ إرشادا لعباده وامتنانا لهم ليكون قبلة لكل طالب سالك الى جنابه وراغب ناسك نحو بابه وفي آخرها ايضا يشعر بان مرتبته ﷺ بداية عموم المراتب ونهايتها إذ هناك قد اتحد قوسا الوجوب والإمكان والغيب والشهادة ولما كانت مرتبته ﷺ مبدأ الكل ومنتهاه كان بمقتضى الرحمة العامة طالبا لهداية الكل ورجوعه إليها لذلك ناداه سبحانه على وجه يشعر بطلب هدايتهم الى مرتبته حيث قال مخاطبا له ﷺ بعد ما تيمن باسمه الأعلى بِسْمِ اللَّهِ المتجلى بعموم أسمائه وصفاته المترتب عليها جميع مراتب الوجود في مرتبته الجامعة المحمدية التي منها ظهور الكل وإليها رجوعه الرَّحْمنِ بإظهار الكل منها في النشأة الاولى الرَّحِيمِ بإعادتها إليها في النشأة الاخرى
[الآيات]
طه يا طالب الهداية العامة على كافة البرايا
ما أَنْزَلْنا من مقام إرشادنا وتكميلنا عَلَيْكَ ايها المتوجه للسعادة الابدية المعرض عن الشقاوة مطلقا الْقُرْآنَ الفرقان بين الهداية والضلالة والسعادة والشقاوة المنافية لها لِتَشْقى اى ما أنزلناه لتكون أنت شقيا بنزوله بعد ما كنت سعيدا قبله كما توهم الكفار بل ما أنزلناه
إِلَّا تَذْكِرَةً للسعادة العظمى لك ولمن تبعك لا لكل احد منهم بل لِمَنْ يَخْشى من انذاراته وتخويفاته وامتثل بأوامره وأحكامه واجتنب عن مناهيه ومحظوراته إذ انزل القرآن عليك يا أكمل الرسل من عموم رحمتنا على كافة الخلق لذلك قد نزلناه
تَنْزِيلًا مِمَّنْ اى من اسمنا الذي به خَلَقَ الْأَرْضَ وأوجد العالم السفلى وَكذا أوجد به السَّماواتِ الْعُلى اى العالم العلوي
وذلك الاسم هو الرَّحْمنُ الذي قد ظهر واستقر بالرحمة العامة عَلَى الْعَرْشِ اى على عروش عموم الذرائر بحيث لا يخرج عن حيطته ذرة منها بل قد اسْتَوى على جميعها واستولى
إذ لَهُ الاستيلاء والاحاطة التامة على عموم ما ظهر فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الكائنات والفاسدات وَكذا على عموم ما ظهر بَيْنَهُما من الممتزجات الكائنة فيما بين السموات والأرض وَ
стр. 509
كذا على عموم ما هو كائن وسيكون تَحْتَ الثَّرى هذا باعتبار ظهوره واستيلائه على الآفاق الخارجة عنك
وَظهوره واستيلاؤه على نفسك فانه يستولى على ذاتك وافعالك وعموم احوالك واطوارك بحيث إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ القول بالجهر منك الذي تعلمه أنت ايضا وغيرك بل يعلم السِّرَّ الذي لا يعلمه غيرك وَأَخْفى من السر الذي لا تعلمه أنت ايضا من مقتضيات استعداداتك قبل ان تخطر ببالك بل قبل ان تتعين أنت بشخصك وهذيتك هذه وإذا كان الحق محيطا مستوليا مستويا على عروش ما ظهر وما بطن فلا يكون الموجود الثابت المحقق في الوجود الا
اللَّهُ اى المسمى بهذا الاسم الجامع جميع مراتب العالم بحيث لا يخرج عن حيطته شيء أصلا إذ لا إِلهَ ولا موجود إِلَّا هُوَ اى هذا المسمى الوحدانى الذي لا تعدد فيه أصلا فيكون أحدا صمدا فردا وترا ولم يتخذ صاحبة ولا ولدا غاية ما في الباب انه لَهُ اى لهذا المسمى الْأَسْماءُ الْحُسْنى الكلية التي جزئياتها لا تعد ولا تحصى وباختلاف الأسماء حسب الشئون والنشأة الإلهية قد اختلفت الظهورات والتجليات عن المسمى الوحدانى وكما نبهناك يا أكمل الرسل على ظهوراتنا في الكائنات مجملا قد نبهناك عليها ايضا مفصلا
وَذلك انه هَلْ أَتاكَ وقد ثبت وتحقق عندك حَدِيثُ أخيك مُوسى الكليم وقصة انكشافه من النار التي احتاج إليها هو واهله في الليلة الشاتية المظلمة
اذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ رَأى موسى ناراً مطلوبة له لدفع المودة ولوجدان الطريق في الظلمة فَقالَ لِأَهْلِهِ المحتاجين إليها في تلك الليلة امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي أو انس عندها مع انسان استخبره عن الطريق وحين رجوعي نحوكم آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ جذوة نار تصطلون بها أَوْ اتخذ منها سراجا أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً اى مع السراج المسرجة هدى طريقا موصلا الى مطلوبنا
فَلَمَّا أَتاها اى النار موسى مسرعا ليرجع إليهم دفعة نُودِيَ من جانب الشجرة الموقدة عليها النار ليقبل إليها وينكشف منها السر يا مُوسى المتحير في بيداء الطلب اطلبنى من هذه الشجرة الموقدة ولا تستبعد ظهوري فيها حتى انكشف لك منها
إِنِّي وان ظهرت على هذه الصورة المطلوبة لك ظاهرا أَنَا رَبُّكَ ومطلوبك الحقيقي حقيقة الذي قد ربيتك بأنواع اللطف والكرم وابتليتك بأنواع البلاء في طريق المجاهدة لتوجه الى فتعرفنى فالآن قد ارتفعت الحجب والقيود وتحققت بمقام الكشف والشهود فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ واسترح عن الطلب بعد وجدان الارب وتمكن في مقعد الصدق إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ عن رذائل الأغيار مطلقا طُوىً اى طويت عنك التوجه الى الغير
وَلم يبق لك احتياج الى الاستكمال والاستهداء وبعد وصولك الى مقام الكشف والشهود أَنَا اخْتَرْتُكَ واصطفيتك من بين المكاشفين للتكميل والرسالة على الناس الناسين التوجه الى بحر الحقيقة فعليك التوجه الى الاهتداء والتجنب عن الميل الى مطلق الهوى فَاسْتَمِعْ واقتصر في ارشادك ورسالتك لِما يُوحى إليك من مقام جودنا ولا تلتفت الى الأهواء الفاسدة حتى لا تضل أنت بنفسك ولا تضلهم عن السبيل فبلغ الى الناس نيابة عنى وحكاية منى
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ الواحد الأحد الفرد الصمد المحيط بجميع مراتب الأسماء لا إِلهَ ولا جامع لجميع المراتب إِلَّا أَنَا بجميعها المحيط بكلها المستحق للاطاعة والانقياد فَاعْبُدْنِي أنت حق عبادتي فأحسن الأدب معى وتخلق باخلاقى وَأَقِمِ الصَّلاةَ وداوم بجميع الأعضاء والجوارح لِذِكْرِي اى توجه نحوي بعموم اعضائك وجوارحك لتذكرني بها وتشكرني
стр. 510
بجميعها حتى انكشف لك من كل منها بحيث كنت سمعك وبصرك ويدك ورجلك الى غير ذلك من سائر جوارحك وآلاتك حتى قامت قيامتك الكبرى وقمت بين يدي المولى وتمكنت في جنة المأوى عند سدرة المنتهى التي ينتهى ويرتقى إليها عروجك في الصعود والارتفاع.
ثم قال سبحانه تعليما لعباده وحثا لهم على طلب الانكشاف التام إِنَّ السَّاعَةَ اى ساعة الانكشاف التام الذي لم يبق معه ودونه الطلب مثل انكشافك يا موسى آتِيَةٌ حاصلة حاضرة لكل احد من الناس دائما في كل آن لكن أَكادُ أُخْفِيها اى اقرب حسب حكمتى ان أخفى ظهورها لهم واطلاعهم عليها لِتُجْزى وتتمكن كُلُّ نَفْسٍ بمرتبة من المراتب الإلهية بِما تَسْعى اى بحسب ما تجتهد فيه وتكتسب من امتثال الأوامر واجتناب النواهي الجارية على السنة الرسل لئلا يبطل سرائر التكاليف واحكام الشرائع
وإذا كان الأمر كذلك فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها ولا يصرفنك عن الأمر بالانكشاف التام أعراض مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها تقليدا حتى يطلبها تحقيقا بل قد أنكرها واعرض عنها وَاتَّبَعَ هَواهُ المضل إياه في تيه البعد والحرمان فَتَرْدى أنت وتهلك بمتابعته في بيداء الجهل والخذلان
وَإذا اخترناك للرسالة العامة وهبنا لك شاهدي صدق على دعواك الرسالة لذلك قد سألناك أولا بقولنا لك ما تِلْكَ الخشبة التي حملتها بِيَمِينِكَ يا مُوسى المستكشف عن حقائق الأشياء يعنى هل تعرف فوائدها وعوائدها التي تترتبت عليها أم لا
قالَ موسى بمقتضى علمه بها هِيَ هذه الخشبة عَصايَ استعمالها في بعض الأمور وفي بعض الأحيان وبالجملة إذا عييت وتعبت أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَمتى احتجت لهش الورق واسقاطه من الشجر لرعى الغنم أَهُشُّ وأسقط بِها الورق من الشجر ليكون علفا عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها غير ذلك مَآرِبُ أُخْرى بحسب المحال من الاستظلال ودفع الهوام ومقاتلة العدو وغير ذلك
قالَ سبحانه أَلْقِها من يدك يا مُوسى حتى تشهد آياتنا الكبرى
فَأَلْقاها امتثالا للأمر الوجوبي الإلهي فَإِذا هِيَ اى العصا حَيَّةٌ تَسْعى تمشى على بطنها مثل سائر الحيات فخاف موسى منها وضاق صدره من قلة رسوخه وعدم تمرنه بابتلاء الله واختباراته إذ قد كان هذا في أوائل حاله
قالَ سبحانه بعد ما ظهر امارات الوجل منه آمرا له خُذْها هي عصاك يا موسى المتحير الخائف وَلا تَخَفْ من صورتها الحادثة فانا من كمال قدرتنا سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا وصورتها الْأُولى التي هي في يدك قد استعنت بها في بعض أمورك وانما بدلنا صورتها لتنبه أنت على ان لنا القدرة التامة على احياء الجمادات التي هي ابعد بمراحل عن هداية الضالين من الأحياء
وَاضْمُمْ يَدَكَ ايضا إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ ذات شعاع محير للعقول والأبصار مِنْ غَيْرِ سُوءٍ مرض وحجاب يسترها وينقص من نورها لتكون لك آيَةً أُخْرى اجلى وأجل من الآية السابقة وانما أريناك من الآيات قبل ارسالك الى من أردنا ارسالك إليهم
لِنُرِيَكَ أولا مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى فيطمئن بها قلبك ويقوى ظهرك
اذْهَبْ ايها الهادي بهدايتنا وتوفيقنا نيابة عنا إِلى فِرْعَوْنَ الطاغي الباغي المضل المغوى المستغرق في بحر العتو والعناد إِنَّهُ طَغى وظهر علينا مستكبرا بقوله لضعفة عبادنا انا ربكم الأعلى فبلغ عنا انذاراتنا وتخويفاتنا وزد عليها من الدلائل العقلية والكشفية لعله يتنبه بها وينزجر بسببها عما عليه من العتو والعناد
وبعد ما سمع موسى خطاب الله إياه قالَ مشمرا الذيل الى الذهاب طالبا التوفيق من رب الأرباب رَبِّ يا من رباني بأنواع اللطف والكرم وأعطاني الآيتين العظيمتين لتكونا شاهدين
стр. 511
على صدقى في دعواي اشْرَحْ لِي صَدْرِي ووسع لي قلبي بحيث لا اخطر ببالي خوفا من العدو أصلا
وَمع ذلك يَسِّرْ وسهل لِي أَمْرِي هذا بحيث لا اضطرب في التبليغ ولا استوحش من جاه فرعون وشوكته
وَمتى شرعت لأداء الرسالة احْلُلْ وارفع عُقْدَةً مِنْ لِسانِي لكنة عارضة من مهابة العدو سيما هذا الطاغي المتجبر مع ان اللكنة خلقية لي
يَفْقَهُوا قَوْلِي وغرضي منه
وَبعد ما وفقتني لأداء رسالتك يا ربي اجْعَلْ لِي وَزِيراً ظهيرا يصدقني في امرى ويعينني عليه ولا تجعل ظهيري من الأجانب لقلة شفقتهم وعطفهم على بل اجعل ظهيري يا ربي مِنْ أَهْلِي وأقربهم بي واولى بمعاونتى
هو هارُونَ إذ هو أَخِي الأكبر بمنزلة ابى في الشفقة ومتى جعلت أخي هارون ظهيري ووزيري
اشْدُدْ بِهِ وقوّ بسببه واحكم بإقامته يا معينى أَزْرِي ظهري
وَلا يتحقق تقويته على حقيقة الا بعد اشتراكه معى في امر الرسالة أَشْرِكْهُ بلطفك يا ربي فِي أَمْرِي ورسالتي بان تكشف أنت بلطفك عليه حقيقة الأمر والتوحيد كما كشفت لي ليكون هو ايضا من المكاشفين الموقنين بوحدانيتك ومن الممتثلين بأوامرك المجتنبين عن نواهيك
وانما سألتك يا ربي الإعانة بأخي كَيْ نُسَبِّحَكَ ونقدس ذاتك عما لا يليق بشأنك تقديسا
كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ ونناجى معك بذكر أسمائك الحسنى وصفاتك العظمى ذكرا كَثِيراً وكيف لا نسبحك ونذكرك
إِنَّكَ بذاتك وأسمائك واوصافك قد كُنْتَ محيطا بِنا بَصِيراً لعموم أحوالنا وبعد ما ناجى موسى مع ربه ما ناجى
قالَ تعالى رفقا له وامتنانا عليه لرجوعه نحوه بالكلية قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ونعطيك عموم مسئولك وقد حصل لك جميع مطالبك لتوجهك علينا ورجوعك إلينا يا مُوسى
كيف وَلَقَدْ أنعمنا عليك من قبل حين لا ترقب لك ولا شعور بان مَنَنَّا عَلَيْكَ من وفور رحمتنا وشفقتنا لك مَرَّةً أُخْرى
وقت إِذْ أَوْحَيْنا وألقينا إِلى قلب أُمِّكَ ما يُوحى وما يلهم عند نزول البلاء على قلوب الأحباء ليتخلصوا عن ورطة الهلاك وذلك حين احاطة شرطة فرعون المأمورين من عنده لعنه الله بقتل أبناء بنى إسرائيل على بيت أمك ليقتلوك ظلما فاضطربت أمك وأيست من حياتك فالهمناها حينئذ
أَنِ اقْذِفِيهِ واطرحيه فِي التَّابُوتِ المصنوع من الخشب فاتخذت تابوتا ووضعتك فيه ثم ألهمناها ثانيا إذا وضعت فيه توكلي على خالقه وحافظه وفوضى امره اليه فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعنى النيل ولا تخافي من غرقه فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ البتة إذ من عادة الماء إلقاء ما فيه الى جانبه فإذا قرب من الساحل ورآه الناس يَأْخُذْهُ يأمر بأخذه عَدُوٌّ لِي يعنى فرعون المفرط بدعوى الألوهية لنفسه وَعَدُوٌّ لَهُ يعنى الوليد إذ هو من أبناء بنى إسرائيل وهو عدو لهم بل هو سبب عداوة جميعهم في الحقيقة وَبعد ما امر عدوك بأخذك والتقاطك من البحر يا موسى قد أَلْقَيْتُ من كمال قدرتي ووفور حولي وقوتي في نفس فرعون لعنه الله وزوجته آسية رضى الله عنها وجميع اهل بيته عَلَيْكَ على حفظك وحضانتك يا موسى مَحَبَّةً عظيمة في قلوبهم مع شدة عداوتهم معك وقد كانت تلك المحبة صادرة مِنِّي بارزة من هوياتهم منشعبة من محبتي إياك حفظا لك وإظهارا لكمال قدرتي بان أربيك في يد عدوك فتكون أنت سببا لهلاكه وَانما ألقيت في قلوبهم المحبة الصادرة الناشئة منى لِتُصْنَعَ ولتربى أنت وان كنت بيد العدو ظاهرا عَلى عَيْنِي اى اعيان أوصافي وأسمائي إذ الكل بعد ما انخلعوا عن اكسية هوياتهم الباطلة وتجردوا عن جلباب ناسوتهم العاطلة
стр. 512
بالمرة مظاهر أوصافي وأسمائي ومع إلقاء كمال المحبة والمودة الناشئة منى في قلوبهم لحفظك وحضانتك قد راعيت ايضا جانب أمك
إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ مريم حين طلبوا لك مرضعة بعد ما أخرجوك من البحر فَتَقُولُ لهم مريم على سبيل الوساطة والدلالة هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ وترضعه مع انهم قد احضروا كثيرا من مراضع البلد عندك وأنت لم تمص ثديهن يا موسى إذ قد حرمنا عليك المراضع انجازا لما وعدنا على أمك بقولنا انا رادوه إليك فقبلوا منها قولها فطلبوا أمك فارضعتك فاستطابوها وآجروها لإرضاعك وبالجملة فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ امتنانا لك بان تحفظك أمك ولامك ايضا كَيْ تَقَرَّ وتنور عَيْنُها برؤيتك ومشاهدتك بعد ما ذهب نور عينها بمفارقتك وَبالجملة لا تَحْزَنَ يا موسى بحال من الأحوال فانا رقيبك ارقبك من جميع ما يضرك ويؤذيك وناصرك ومعينك على عموم ما امرتك به وَاذكر ايضا امتناننا عليك إذ قَتَلْتَ نَفْساً شخصا من آل فرعون فهموا بقتلك قصاصا وخفت أنت منهم ومن العقوبة الاخروية ايضا لأنك قد قتلته بلا رخصة شرعية وتحزنت من شنعة فعلك وخوف عدوك حزنا شديدا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وأزلنا عنك حزنك الأخروي بقبول توبتك ورجوعك عن فعلك نادما مخلصا والدنيوي بإخراجك عن ديارهم وابعادك عنهم وَبالجملة قد فَتَنَّاكَ وابتليناك ايضا بعد ما اخرجناك من بينهم فُتُوناً فنونا كثيرة من الابتلاء والاختبار من الجموع والعطش وضلال الطريق ووحشة الغربة وكربة الوحدة وضيق الصدر والكآبة المفرطة وتحمل المشاق ومتاعب السفر والحضر حتى تستعد لقبول الإرشاد والتكميل ثم بعد ما اختبرناك بأمثال هذه الشواهد هديناك الى مدين للإرشاد والاسترشاد والاستكمال فَلَبِثْتَ سِنِينَ ثمانية وعشرين سنة فِي أَهْلِ مَدْيَنَ عند نبينا وخليفتنا الكامل المكمل ألا وهو شعيب النبي ﵇ وتستكمل من شرف صحبته وتتخلق بأخلاقه ثُمَّ بعد لبثك فيهم مدة واستكمالك من المرشد الكامل قد جِئْتَ عَلى وطنك المألوف على قَدَرٍ أى مع مقدار عظيم من العلوم اللدنية من المعارف والحقائق والكشف والشهود فوق ما يحصل ويكتسب بالتحصيل والكسب والاجتهاد بل من لدنا يا مُوسى تفضلا وإحسانا عليك
وكيف لا يكون كذلك وَقد اصْطَنَعْتُكَ وانتخبتك من بين المكاشفين واجتبيتك لِنَفْسِي لتكون أنت خليفتي ونائبى ومتولى أموري بين عبادي وحامل وحيي وأسراري وإذا اخترناك للرسالة
اذْهَبْ أَنْتَ اصالة وَأَخُوكَ تبعا لك مصحوبا بِآياتِي ومعجزاتي الدالة على تصديقى لكما وتقويتى لرسالتكما وَلا تَنِيا ولا تفترا ولا تضعفا فِي تبليغ ذِكْرِي ووحيي المشتمل على انواع الأوامر والنواهي اغترارا او خوفا او مداهنة
بل اذْهَبا بأمرنا مسرعين إِلى فِرْعَوْنَ المبالغ في التجبر والتكبر من غير مبالاة والتفات بعظمته وشوكته إِنَّهُ طَغى علينا ولا عبرة لعظمة الطغاة وشوكتهم ومتى تذهبا اليه وتصاحبا
فَقُولا لَهُ او لا تلطفا ورفقا كما هو دأب الرسل الهادين قَوْلًا لَيِّناً رجاء ان يلين قلبه عن صلابة العناد وبعد الأداء على وجه التلطيف والتليين لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ الفطرة الاصلية التي فطر الناس عليها فيصدقها ويؤمن بدينكما أَوْ يَخْشى عنكما من نزول العذاب بدعائكما
قالا خوفا من فرعون بمقتضى بشريتهما ملتجئين إلينا رَبَّنا وان ربيتنا بحولك وقوتك وأيدتنا بآياتك ومعجزاتك إِنَّنا حسب ضعفنا وبشريتنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا بالعقوبة والقتل أَوْ أَنْ يَطْغى لك بما لا يليق بشأنك
قالَ سبحانك
стр. 513
تسلية لهما وتأييدا لا تَخافا من افراطه وطغيانه إِنَّنِي مَعَكُما وقت ادائكما الرسالة بحيث أَسْمَعُ أقواله وَأَرى أفعاله فمتى أفرط عليكما انا اقدر على منعه وزجره
فَأْتِياهُ مجترئين عليه من غير مبالاة بعظمته ومهابته فَقُولا له صريحا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ الذي رباك بأنواع العزة والكرامة وابقاك بها زمانا امهالا لك الى ان تتكبر عليه باستكبارك على عباده فإذا ظهر كبرك وخيلاؤك الآن فقد أرسلنا الله إليك ايها المتكبر المتجبر لترسل معنا خواص عباده الذين عندك وتحت قهرك وغلبتك إنجاء لهم عن استكبارك وطغيانك عليهم ومتى سمعت ما بلغناك باذن الله ووحيه فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ المستوحشين عنك من غاية ظلمك وقهرك عليهم واطلقهم من رقك لينجوا من استيلائك واستعلائك عليهم وَبعد ما قد أرسلنا الله لإنجائهم وتخليصهم من عذابك لا تُعَذِّبْهُمْ بعد اليوم سيما بعد ما أدينا الرسالة على وجهها عليك وبلغناها إليك ولا تكذبنا في رسالتنا هذه انا قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ ساطعة قاطعة ومعجزة باهرة ظاهرة دالة على انها مِنْ رَبِّكَ الذي هو رب العالمين ان تأملت فيها حق التأمل والتدبر لتركت العتو والعناد وأمنت بتوحيده البتة وَبالجملة السَّلامُ اى الأمن والسلامة والتوفيق من الله عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى وتأمل في الآيات الكبرى وترك اتباع الهوى ومن اتبع الهوى فقد ضل وغوى واستحق بعذاب الآخرة والاولى واعلموا ايها الهالكون في تيه الغفلة والضلال
إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا من عند ربنا أَنَّ الْعَذابَ الإلهي نازل عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى اى كذب بالحق واعرض عن أوامره ونواهيه ثم لما أتيا فرعون واديا الرسالة على الوجه الذي علمهما ربهما مجترئين بلا تقصير ولا تحريف ورأى فرعون جرأتهما وسمع منهما قولهما
قالَ لهما متهكما مستهزأ فَمَنْ رَبُّكُما الذي رباكما وأرسلكما لإنجاء بنى إسرائيل من عذابي مع انى لم اعرف لك ربا رباك سواي يا مُوسى المفترى في امر هذه الرسالة المزورة
قالَ له موسى على سبيل التنبيه رجاء ان يتنبه رَبُّنَا الَّذِي اظهر الأشياء من كتم العدم وبعد ما أظهرها أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ اى مرتبته ومكانته في النشأة الاولى ثُمَّ هَدى الكل بالرجوع اليه والانقياد له في النشأة الاخرى إذ منه الابتداء واليه الانتهاء
قالَ فرعون إذا كان الكل من عند ربك فلا شك انه قد علمك أحواله فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى ما احوال الأمم الماضية هل هم مهتدون بمتابعة مثلك أم هم ضالون بمتابعة الهوى مثلي على زعمكم
قالَ موسى انا لا اعرف حالهم من الهداية والضلالة إذ عِلْمُها حاضر مخزون عِنْدَ رَبِّي لم يوح الى من أحوالهم شيء بل أحوالهم كلها ثابتة عنده سبحانه فِي كِتابٍ الا وهو حضرة علمه المحيط الأزلي على التفصيل بحيث لا يَضِلُّ رَبِّي اى لا يغيب عن أحوالهم شيء من علمه سبحانه وَلا يَنْسى هو سبحانه شيأ من معلوماته إذ علمه بالنسبة الى عموم معلوماته حضورى والعلم الحضوري لا يجرى فيه غيبة ونسيان ثم قال موسى دفعا للاثنينية الناشئة من الاضافة ربنا هو رب الكل
إذ هو القادر المقتدر الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً مكانا تستقرون فيها وتستريحون عليها وَسَلَكَ قدر لَكُمْ فِيها سُبُلًا مختلفة بعضها جبل أنتم ترتحلون اليه في الصيف وبعضها سهل ترجعون نحوه في الشتاء لتكمل استراحتكم فيها وَمع ذلك قد أَنْزَلَ لكم ايضا لتكميل استراحتكم مِنَ السَّماءِ من جانب عالم الأسباب ماءً محييا للأرض الميتة فَأَخْرَجْنا بِهِ اى انشأنا بنزول الماء فيها أَزْواجاً أصنافا مِنْ نَباتٍ شَتَّى. مختلفة
стр. 514
متلونة ليكون مفرجا لغمومكم ومقويا لنفوسكم ومتى احتجتم الى الغذاء
كُلُوا منها حيث شئتم رغدا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ التي أنتم تستريحون بها وتنتفعون منها من أكلها وحملها وركوبها وبالجملة إِنَّ فِي ذلِكَ الجعل والإنزال والإخراج لَآياتٍ دلائل واضحات وشواهد لائحات على قدرة الصانع الحكيم العليم واختياره لِأُولِي النُّهى الناهي عقولهم عن اسناد الأمور الى الوسائل والأسباب العادية بل تسندها الى مسببها أولا وبالذات
وإذا تأملتم في بدائع مصنوعاتنا وغرائب مخترعاتنا في وجه الأرض قد جزمتم جزما يقينا انا مِنْها اى من الأرض خَلَقْناكُمْ وأوجدنا أجسادكم وأشباحكم بقدرتنا واختيارنا إيجاد النبات عنها وقت الربيع وَفِيها ايضا نُعِيدُكُمْ بالآجال المقدرة من لدنا لانقضاء حياتكم الدنيا افناء النبات في ايام الخريف وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ ايضا للحشر والعرض في يوم الجزاء
تارَةً أُخْرى وَمع أمرنا لموسى وأخيه المرسلين من لدنا اليه بتليين القول والتنبيه عليه بدلائل الآفاق والأنفس لَقَدْ أَرَيْناهُ تحقيقا وتأكيدا لئلا يبقى معنا جداله وقت أخذنا بظلمه في يوم الجزاء مع علمنا بانه من زمرة الهالكين في تيه البعد والعناد آياتِنا الدالة على صدق موسى المرسل من لدنا كُلَّها متعاقبة مترادفة ألا وهي العصا واليد البيضاء وغيرهما فَكَذَّبَ بجميعها وَأَبى وامتنع عن تصديق شيء منها فكيف بجميعها بل قد نسب الكل الى السحر والشعبذة
ثم قالَ اغترارا بعلوا شأنه ورفعة مكانه مهددا مستفهما على سبيل التهكم والإنكار أَجِئْتَنا متمنيا لرئاستنا مع غاية ضعفك وحقارتك لِتُخْرِجَنا مع كمال قدرتنا مِنْ أَرْضِنا التي قد استقررنا عليها زمانا طويلا بِسِحْرِكَ الذي قد تعلمت من شياطين الامة في بلاد الغربة يا مُوسى المتمنى محالا ولولا خشيتي من اشتهار عجزي من اباطيلك لأقتلنك البتة جدا جدا فالزم مكانك
فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ من انواع السحر كامل من سحرك لا من نوع أخر بل من مِثْلِهِ اى من مثل سحرك لكن أكمل منه قم من عندي وتأمل في أمرك ان شئت تب من هذياناتك وفضولك وارجع نحوي بالإنابة والاستغفار حتى أعفو عنك واغفر زلتك يا موسى وان شئت فَاجْعَلْ فعين وقتا من الأوقات ليكون بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ لا نَحْنُ وَلا أَنْتَ ثم عين ايضا مَكاناً سُوىً مستوى لا حائل فيه بحيث يرى كل احد ما يجرى بيننا حتى تفتضح على رؤس الاشهاد
قالَ موسى ان معى ربي سيقوينى لا أخاف من معارضتك معى بالسحر وتعيين الوقت بل مَوْعِدُكُمْ للمعارضة يَوْمُ الزِّينَةِ اى يوم العيد إذ يجتمع فيه الأقاصي والأداني وَلا يكون وقت تفرقهم نحو بيوتهم بل وقت أَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى اى وقت الضحوة المعدة لعرض الزينة إذ يظهر كل منهم حينئذ زينته على صاحبه ليكون اعجازى لك ابعد من ان يرتاب فيه احد
فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ وانصرف عن مكالمة موسى استكبارا فَجَمَعَ كَيْدَهُ اى امر بجمع سحرة مملكته ليرى القاصرين ان ما جاء به موسى من جنس السحر ثُمَّ أَتى الموعد المعين في الوقت المعين مع ملائه وسحرته وبعد ما حضروا الموعد
قالَ لَهُمْ اى للسحرة مُوسى على مقتضى شفقة النبوة او بإلقاء الله إياه بطريق الإلهام كلاما خاليا عن الميل نحو الخصومة امحاضا للنصح وَيْلَكُمْ اى ويل عظيم وهلاك شديد لكم ايها العقلاء التاركون طريق العقل بمتابعة هذا الطاغي لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً بان أفعاله مما يعارض بالسحر والشعبذة إذ ما جئت من الآيات مما أتانى الله من فضله وان افتريتم على الله فَيُسْحِتَكُمْ اى يهلككم ويستأصلكم بِعَذابٍ نازل من قهره
стр. 515
وَبالجملة قد تحقق عند عموم العقلاء انه قَدْ خابَ خيبة ابدية مَنِ افْتَرى على الله بما لا يليق بشأنه من ابطال قدرته او دعوى المعارضة معها وبعد ما سمع السحرة من موسى قوله هذا وتأملوا فيه تأملا صادقا قد وجدوه صادرا عن محض الحكمة والفطنة لذلك قد تأثروا من قوله تأثرا عظيما
فَتَنازَعُوا وتشاوروا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ بان أمثال هذا الكلام لا تصدر الا من المؤيد من عند الله المستظهر به سبحانه وما يشبه كلام السحرة المعارضين فمال كل منهم في نفسه الى تصديقه وَأَسَرُّوا النَّجْوى اى اخفوا مناجاتهم في أنفسهم من فرعون وملائه وبالجملة قد تمكن فرعون وملاؤه في معرض المعارضة وقابلوا السحرة لممانعتهما
قالُوا اى فرعون واشرافهم للسحرة تقوية لهم في أمرهم وتأييدا لهم إِنْ هذانِ الرجلان الحقيران لَساحِرانِ يدعيان الرسالة من ربهما الموهوم ترويجا لسحرهما المزور وبعد ذلك يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ المألوفة بِسِحْرِهِما اى بمجرد سحرهما لا من امر سماوي كما زعما وبعد اخراجنا من ارضنا يريدان ويتمنيان الاستقرار والاستيلاء على مملكة العمالقة وَيَذْهَبا بعد التقرر والتمكن بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى اى بعادتكم العظمى ومرتبتكم العليا وبالجملة يريدان ان يجعلا أمرنا وامر بنى إسرائيل بالعكس ليكون لهم الكبرياء ولنا المذلة والهوان بعكس ما قد كنا عليه من سالف الزمان ومتى سمعتم نبذا من مقاصدهما
فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ اى هيئوا عموم اسباب سحركم بحيث لا تحتاجون لدى الحاجة الى شيء من أدواته ثُمَّ ائْتُوا عليهما صَفًّا صافين مجتمعين بمقابلتهما إذ هو ادخل في المهابة والإلزام وَاعلموا انه قَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ اى فاز ووصل بأنواع المواهب والعطاء مَنِ اسْتَعْلى وغلب عليهما ثم لما أتى السحرة صافين مستعدين نحو الموعد على الوجه الذي أمروا
قالُوا من فرط عتوهم واستيلائهم يا مُوسى نادوه على سبيل الاستحقار والاستذلال إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ أنت أولا ما تلقيت وجئت به في مقابلتنا وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى ما تلقينا في مقابلتك فالامران عندنا سيان إذ نحن عصبة ومعنا جميع هذه الخلائق وضيعها وشريفها وأنت ضعيف ليس معك سوى أخيك
قالَ موسى لا تضعفونى ايها الحمقى ولا تبالغوا في حقارتى وإهانتي اتكاء بهؤلاء الطغاة البغاة الهالكين في تيه العتو والعناد واعلموا ان معى ربي سيقوينى ان شاء الله ويغلبني وحدي على جميع من في الأرض بَلْ أَلْقُوا أنتم أولا ايها المفترون ما أنتم ملقون فالقوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ التي سحروا بها يُخَيَّلُ إِلَيْهِ الى موسى مِنْ أجل سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى بذواتها كعصا موسى وبعد ما رأى
فَأَوْجَسَ وأضمر فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى اى اخطر بباله وأضمر في نفسه خوفا من ان يغلبوه ثم لما علمنا من موسى خوفه
قُلْنا له تشريحا لصدره وازالة لرعبه لا تَخَفْ ايها المرسل من عندنا من تماثيلهم الباطلة الغير المطابقة للواقع إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى الغالب عليهم المقصور على الغلبة والعلو بعد القائك العصا
وَبعد ما اطمأن قلبك بوحينا لك هذا أَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ يعنى العصا بالجرأة التامة والقدرة الغالبة بلا جبن وتزلزل وبلا مبالات بهم وبتمثيلاتهم تَلْقَفْ تبتلع وتلتقم ما صَنَعُوا لمعارضتك إِنَّما التماثيل التي قد صَنَعُوا لا اعتبار لها بل ما هي الا كَيْدُ ساحِرٍ وحيلة مخادع ماكر وَبالجملة لا يُفْلِحُ ولا يفوز ولا يغلب السَّاحِرُ بحيلته وسحره حَيْثُ أَتى وفي اى مكان جاء به سواء كان عند معاونيه او في مكان آخر فالقى موسى عصاه امتثالا لأمر ربه فصارت ثعبانا مهيبا فابتلع على الفور تماثيلهم
стр. 516
وحبائلهم جميعا
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ على الفور مفاجئين مجتمعين سُجَّداً متذللين نادمين عن معارضته بعد ما رأوا ما رأوا من عجائب صنع الله وغرائب معجزاته ثم قالُوا بلسانهم موافقا لقلوبهم بلا تردد وتراخ قد آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى بان له القدرة والاختيار لا يعارض فعله أصلا بل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وبعد ما وقع ما وقع
قالَ لهم فرعون على سبيل التقريع والتوبيخ وبعد ما سمع منهم الايمان ورأى تذللهم عند موسى بلا مبالاة له وبملأه قد آمَنْتُمْ لَهُ وسلمتم سحره بلا استيذان منى بل قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ بتسليمه فقد ظهر عندي إِنَّهُ اى موسى لَكَبِيرُكُمُ معلمكم ومقتداكم الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ في خلوتكم معه وبالجملة قد اتفقتم أنتم بأجمعكم ايها السحرة المكارون ان تخرجونى عن ملكي فو عزتي وجلالي وعظم شأنى ووفور مكنتى لانتقم منكم انتقاما شديدا فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ أولا مِنْ خِلافٍ متبادلتين وَبعد ذلك لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أياما فِي جُذُوعِ النَّخْلِ حتى يعتبر منكم كل من كان في قلبه بغضي وعداوتي وَان آمنتم بربه خوفا من شدة عذابه ودوام عقابه لَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى وأدوم عقابا انا أم رب موسى
قالُوا بعد ما كوشفوا بما كوشفوا لَنْ نُؤْثِرَكَ ونرجحك ولن نختارك ابدا يا فرعون الطاغي عَلى ما جاءَنا وانكشف علينا من الحق الصريح سيما بعد ظهور المرجحات مِنَ الْبَيِّناتِ الواضحات الدالة على إيثاره وترجيحه مع انه لا بينة لك سوى ما جئتنا به من السحر من قبلك فقد أبطله فجاءة وَبالجملة قد كوشفنا الآن بانه سبحانه هو القادر الخالق الَّذِي فَطَرَنا وأوجدنا من كتم العدم بكمال الاستقلال والاختيار فله التصرف فينا ولا نبالى بتخويفك. وتهديدك إيانا يا فرعون الطاغي وبالجملة فَاقْضِ وامض علينا ما أَنْتَ به قاضٍ راض من القطع والصلب وغير ذلك إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا اى وما تقضى وما تحكم أنت اى حكم شئت او حكمت ما هو الا في هذه الحيوة الدنيا الفانية المستعارة إذ حكومتك مقصورة عليها او فيها ولا شك ان الدنيا وعذابها فانية حقيرة والآخرة وعقابها باقية عظيمة
وبالجملة إِنَّا قد آمَنَّا بِرَبِّنا الذي ربانا بأنواع النعم فكفرنا له ظلما وعدوانا واشركناك ايها الطاغي معه جهلا وطغيانا مع تعاليه عن الشريك والنظير فالآن قد ظهر الحق وارتفع الحجب فرجعنا اليه واستغفرنا منه لذنوبنا راجين مخلصين خائفين مستحيين طامعين منه لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَلا سيما ما أَكْرَهْتَنا أنت ايها الظالم الطاغي عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ المهان المرذول بمعارضة المعجزة العزيزة وَبعد رجوعنا اليه سبحانه بتوفيقه قد تحقق عندنا انه اى اللَّهُ خَيْرٌ منك ومن عموم ما سواه وَأَبْقى بعد فناء الكل وزوال السوى والأغيار مطلقا
وقد تحقق عندنا ايضا إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ القادر على انواع الانتقام والانعام مُجْرِماً مشركا طاغيا باغيا فَإِنَّ لَهُ اى قد حق وثبت له جَهَنَّمَ التي هي دار البعد والخذلان ابدا لا يَمُوتُ فِيها حتى يستريح وَلا يَحْيى حياة يستفيد بها
وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً موقنا بذات الله وبكمالات صفاته وأفعاله ومع ذلك قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ بمقتضى أوامره سبحانه واجتنب عن المنهيات حسب نواهيه فَأُولئِكَ المؤمنون الصالحون لَهُمُ لا لغيرهم من العصاة الضالين الدَّرَجاتُ الْعُلى القريبة الى الدرجة العليا التي قد انتهت إليها جميع الدرجات
الا وهي جَنَّاتُ عَدْنٍ ومنتزهات علم وعين وحق تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ اى انهار المعارف والحقائق لذوي البصائر والأبصار الناظرين بعيون الاعتبار المستغرقين بمطالعة جمال الله بلا مزاجمة الأغيار خالِدِينَ فِيها
стр. 517
بلا ملاحظة زمان ومقدار وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى وتطهر عن ذمائم الأخلاق ورذائل الأطوار
وَكيف لا يكون للتزكية هذه الآثار لَقَدْ أَوْحَيْنا من عظيم جودنا إِلى مُوسى المختار بعد ما هذبنا ظاهره عن ذمائم الأخلاق ورذائل الأطوار وحلينا وملأنا باطنه بأنواع المكاشفات والأسرار نجاة له ولقومه من أيدي الكفار سيما قد قصد عليهم فرعون الغدار أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي اى سر ليلا معهم على سبيل الفرار فمتى أخبروا باسرائك وفرارك اتبعوا اثرك حسب الاغترار ومتى اردفك العدو وكادوا ان يدركوك ومنعك البحر من العبور قلنا لك حينئذ فَاضْرِبْ بعصاك المعينة لك في معظمات الأمور البحر ليكون لك معجزة وظهر لَهُمْ اى لقومك طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً جافا لا وحل فيها لئلا يخافوا من الغرق وادراك العدو وأنت ايضا لا تَخافُ دَرَكاً عن ان يدركك فرعون وَلا تَخْشى أنت ايضا عن ان يغرقك البحر فضرب البحر بأمر ربه بعد ما اسرى موسى ساريا باذنه سبحانه ليلا وفلق اى البحر من ضربه فسلك فيه وسلك قومه ايضا خلفه فعبروا جميعا سالمين فوصل فرعون وملاؤه البحر فرأى عبورهم من الطريق اليابس
فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ على الفور بلا تراخ فدخلوا مقتحمين مزدحمين اغترارا لعبورهم بيبسه فَغَشِيَهُمْ اى قد غطاهم وسترهم مِنَ الْيَمِّ اى البحر ما غَشِيَهُمْ اى غشاوة عظيمة بحيث يكون البحر كما كان بل اكثر هولا وأشد مهابة وبتوفيقنا قد هدى موسى قومه وبالجملة فأنجيناهم امتنانا منا عليه وعليهم
وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ باتباعهم ببني إسرائيل على الفور وَما هَدى وما ارشد لهم طريق المخلص فأغرقناهم متبوعا وتابعا زجرا عليه وعليهم ثم بعد انجائنا بنى إسرائيل من عدوهم وإهلاك أعدائهم بالمرة وايراثهم ارضهم وديارهم وأموالهم قد نبهنا عليهم التوجه والرجوع إلينا بتعديد نعمنا التي قد انعمناهم ليواظبوا على شكرها أداء لحق شيء منها حتى يكونوا من زمرة الشاكرين المستزيدين لنعمنا إياهم لذلك ناديناهم ليقبلوا إلينا ويعلموا ان الكل من عندنا
يا بَنِي إِسْرائِيلَ المنظورين منا بنظر الرحمة والشفقة قَدْ أَنْجَيْناكُمْ أولا بقدرتنا مِنْ عَدُوِّكُمْ الغالب القاهر عليكم وَقد أنجيناكم ايضا ثانيا من جرائم تقصيراتكم في امتثال أوامرنا الوجوبية إذ قد واعَدْناكُمْ بنزول التورية عليكم وقت صعودكم جانِبَ الطُّورِ لا جميع جوانبه بل جانبه الْأَيْمَنَ ذا اليمين والكرامة ليشعر الى العفو عن التقصير وَقد أنجيناكم ثالثا من شدائد التيه وعن المحن العارضة فيها من الجوع والعطش والحر والبرد المفرطات وغير ذلك بان نَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ الترنجبين وَالسَّلْوى السمانى وأمرناكم بالأكل منها مباحا
حيث قلنا لكم كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ بعد تحملكم شدائد الابتلاء واشكروا لنعمنا لنزيدكم وَلا تَطْغَوْا فِيهِ ولا تضلوا باسناد نعمنا الى نفوسكم لا إلينا مثل فرعون وقومه وبالجملة ان كنتم مثلهم في الكفران فَيَحِلَّ فينزل عَلَيْكُمْ غَضَبِي البتة مثل حلوله عليهم وَاعلموا انه مَنْ يَحْلِلْ وينزل عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى وسقط عن درجة الاعتبار والتقرب الى
وَإذا ابتليتم بحلول غضبى لا تيأسوا عن نزول روحي ورحمتي عليكم بعد ما تبتم ورجعتم الى إِنِّي بعد رجوعكم الى بالإخلاص والعزيمة الصادقة لَغَفَّارٌ ستار لِمَنْ تابَ عما جرى عليه من العصيان توبة مقرونة بالندامة المؤبدة وَآمَنَ ايضا بعد التوبة تجديدا وتأكيدا لإيمانه السابق وَعَمِلَ عملا صالِحاً بعد ذلك خالصا مخلصا نادما على ما مضى من طغيان العصيان ثُمَّ اهْتَدى بالإخلاص والعمل الصالح الى درجات القرب واليقين ثم لما كان
стр. 518
موسى حريصا على هداية قومه لكمال شفقته عليهم تسارع الى تصفيتهم واختار منهم باذن الله سبحانه سبعين رجلا من خيارهم حتى يذهبوا معه الى الطور ليأخذوا التورية فساروا معه فتسارع موسى في الصعود شوقا الى لقاء ربه وأمرهم ان يتبعوه في الارتقاء الى الجبل فوصل موسى الموعد قبل وصولهم فقال له ربه تنبيها على اضطرابه واستعجاله في امره
وَما أَعْجَلَكَ واى شيء أسبقك عَنْ قَوْمِكَ المستكملين برفاقتك يا مُوسى المبعوث المرسل لتكميلهم بل الأليق بحالهم ان تجئ أنت معهم مجتمعين
قالَ موسى هُمْ من غاية قربهم أُولاءِ المشار إليهم التابعون عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ يا رَبِّ لِتَرْضى عنى ويزداد تقربي إليك
قالَ ﵎ بعد ما فارقتهم وتركتهم مع أخيك قد صرت أنت سببا تاما لوقوعهم في البلاء العظيم فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا وابتلينا قَوْمَكَ وهم الذين قد ابقيتهم مع أخيك مِنْ بَعْدِكَ من بعد خروجك من بينهم بعبادة غيرنا فأشركوا بنا وَما أَضَلَّهُمُ الا السَّامِرِيُّ المفرط بسبب صوغه صورة العجل من حلى القبط ورميه عليه التراب الذي قد اخذه من حافر فرس جبرائيل ﵇ وخوار العجل بعد رمى التراب عليه وقوله بعد ما خار العجل هذا إلهكم واله موسى وبعد ما سمع موسى من ربه ما سمع
فَرَجَعَ مُوسى من ساحة عز حضور ربه ومقام السرور معه مسرعا إِلى قَوْمِهِ المتخلفين عن امره المشركين بربه قد استولى عليه الغضب غيرة على ربه وحمية لهم فصار غَضْبانَ من فعلهم أَسِفاً متأسفا متحزنا متفكرا هل يمكن التدارك أم لا فلما وصل إليهم قالَ يا قَوْمِ المضيعين سعي في إرشادكم وتكميلكم اما تستحيون من ربكم الذي رباكم بأنواع النعم وأنجاكم من اصناف البلاء سيما عند وعد الزيادة لكم أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً يحسن أحوالكم ويوصلكم الى مقام القرب بانزال التورية عليكم لتكملوا بها أخلاقكم أَتنكرون انجاز وعده أم فَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ المدة والزمان بان صار أربعين بعد ما كان ثلثين أَمْ أَرَدْتُمْ وقصدتم بالإنكار والإصرار أَنْ يَحِلَّ وينزل عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ لذلك مَوْعِدِي الذي قد وعدتكم من متابعتي لاخذ التورية
قالُوا يا موسى ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا اى بقدرتنا واختيارنا من غير ظهور دليل يشغلنا عن موعدك بل وَلكِنَّا قد كنا على ما وعدتنا ولا تصدر عنا مخالفتك غير انا قد حُمِّلْنا أَوْزاراً وأحمالا وأثاثا مستعارا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ اى من حلى القبط ولم يمكننا الرد إليهم لاستئصالهم ولا يمكننا ايضا حملها وحفظها دائما لذلك اضطررنا فحفرنا حفرة وصيرناها مملوة من النار فَقَذَفْناها اى فقذف كل منا ما في يده من الحلي فيها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ فيها ما في يده من الحلي بعد ما قذفنا بلا صنع زائد منا وبعد ما قذف الكل حليهم فيها ادخل السامري يده فيها
فَأَخْرَجَ لَهُمْ منها عِجْلًا اى صورة عجل قد أوجده الله تعالى من تلك الحلي المقذوفة ولم يكن من ذوى الحس والحركة بل كان جَسَداً وهيكلا لَهُ خُوارٌ يصوت صوت البقر فَقالُوا السامري اصالة والباقي تبعا هذا الجسد الذي خار خورة إِلهُكُمْ الذي أوجدكم من العدم وَإِلهُ مُوسى المتردد في بيداء الطلب هو هذا قد أنزله موسى في هذه الحفرة من قبل فَنَسِيَ منزله وسعى في طلبه سعيا بليغا فرقى الطور ايضا لطلب هذا
أَهم قد خرجوا عن طور العقل باعتقاد الوهية الجماد بل عن الحس ايضا فَلا يَرَوْنَ ولا يتفكرون في شأن هذا الجماد أَلَّا يَرْجِعُ اى انه لا يرجع اى انه لا يرد إِلَيْهِمْ قَوْلًا جوابا عن سؤالهم وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا لو لم يؤمنوا
стр. 519
له وَلا نَفْعاً لو آمنوا
وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ اى قبل رجوع موسى إليهم نيابة عنه إصلاحا لحالهم بعد ما أفسدوا على أنفسهم ما أمرهم موسى وأوصاه إياه من الأصلح بحالهم يا قَوْمِ المائلين عن طريق الحق بسبب هذه الصورة إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ اى ما هذا الا ابتلاء لكم من ربكم ليختبر سبحانه رسوخكم وتمكنكم على التوحيد اعرضوا عن الشرك بالله وتوجهوا الى توحيده وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ لكم بإرسال أخي إليكم رسولا وأنجاكم من عدوكم وانا نائب عن أخي قد استخلفني عليكم فَاتَّبِعُونِي لتتبعوا الحق ولا تميلوا الى الباطل وَأَطِيعُوا أَمْرِي هذا واقبلوا قولي وإرشادي لكم حتى يصلح حالكم
قالُوا له انك وان كنت نائبا عن أخيك لا تعرف أنت ربه ولا تكلمت معه بل يعرفه ويتكلم معه موسى لَنْ نَبْرَحَ ونزال عَلَيْهِ اى على عبادة الجسد عاكِفِينَ مقيمين حوله متوجهين اليه متضرعين عنده حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى فرآه وتكلم معه ثم لما رجع موسى من ميقاته ومناجاته مع ربه بعد ما اخبر له الحق حال قومه ووجدهم ضالين منحرفين عن مسلك السداد صار غضبان عليهم أسفا بضلالهم
حيث قالَ من شدة غيظه لأخيه مناديا باسمه على الاستحقار مع انه اكبر منه سنا يا هارُونُ ما مَنَعَكَ واى شيء صرفك عن قتالهم وقت إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا عن طريق الحق وتوحيده بعبارة العجل وما لحقك
أَلَّا تَتَّبِعَنِ في مقاتلة المشركين بعد ما أوصيتك به مرارا وقد اقمتك فيهم لإصلاح حالهم فافسدتهم أَكفرت وضللت أنت ايضا فَعَصَيْتَ أَمْرِي فأخذ من شدة غيظه وغضبه بشعر أخيه ولحيته يجره
لَ
له حينئذ هارون قولا يحرك مقتضى الاخوة وينبه على قبول العذرا بْنَ أُمَ
نسبه الى الام استعطافا احذر عن الغضب المفرط وتوجه الى واسمع عذري تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي
ما لم تسمع عذري لم اترك القتال معهم الانِّي
وان كنت لا اقدر على قتالهم لكثرتهم قدشِيتُ
ان قاتلت معهم نْ تَقُولَ
أنت معاتبا على قدرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ
وجعلتهم فرقا متخالفة متقاتلة لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي
ولم تحفظ ما أقول لك اخلفني في قومي وأصلح بينهم حتى ارجع فلما سمع موسى عذره ندم على فعله فرجع الى معاتية من يضلهم
حيث قالَ فَما خَطْبُكَ واى شيء هو أعظم مقاصدك ومطالبك من هذه التفرقة والإضلال يا سامِرِيُّ المضل
قالَ السامري ليس مقصودي الا الرياسة والزيادة عليهم بشيء يميزنى عنهم من الخوارق إذ قد بَصُرْتُ بِما اى بشيء لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ أصلا وذلك انى رأيت جبرائيل راكبا على فرس الحيوة ما وضع قدمه على شيء الا حي فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ اى من تراب قد وطئه حافر فرس الرسول الذي هو جبرائيل وقد كنت احفظها الى ان اذابوا حليهم فَنَبَذْتُها فيها فسرت الحيوة الدنيا منها الى الصورة المتخذة من الحلي فخار فأمرتهم باتخاذها الها وَبالجملة كَذلِكَ سَوَّلَتْ وزينت لِي نَفْسِي حتى أكون متبوعا لهم مقتدى به بينهم
قالَ له موسى فَاذْهَبْ من عندي وتنح عن مرأى فَإِنَّ لَكَ اى قد حق وثبت لك فِي الْحَياةِ اى في حين حسك وحياتك أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ لك ولا احساس ولا ادراك يعنى انك في حياتك من جملة الأموات الفاقدين للحواس وادراك عموم المشاعر والمدارك لاعتقادك بحياة هذا الجماد وأخذك هذا الها حيا قيوما متصفا بصفات الكمال وأضللت بسبب هذا جمعا عظيما من الناس وَإِنَّ لَكَ في النشأة الاخرى مَوْعِداً من الجحيم لَنْ تُخْلَفَهُ أنت ابدا ولن تنتقل عنه أصلا إذ لا توبة لك منها حتى تقبل منك
стр. 520
توبتك ويتجاوز عنك بسببها فتعيّن ان تكون فيه ابد الآباد وَمتى عرفت حالك في دنياك وأخراك انْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ وصرت عَلَيْهِ وعلى عبادته عاكِفاً مقيما عازما جازما لَنُحَرِّقَنَّهُ ولو كان هذا الها لم تحرقه النار ثُمَّ بعد الإحراق وبعد صيرورته رمادا لَنَنْسِفَنَّهُ وننشرنه فِي الْيَمِّ نَسْفاً نشرا ونثرا بحيث لم يبق من اجزائه في البر شيء وبالجملة قد أحرقها موسى ﵇ ونسفها
ثم توجه الى بنى إسرائيل فقال إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ المستجمع لجميع أوصاف الكمال وهو الحي القيوم الَّذِي لا إِلهَ ولا موجود في الوجود إِلَّا هُوَ وما سواه اعدام باطلة ولو تعقل سواه فلا يخرج ايضا عن حيطة حضرة علمه المحيط إذ هو سبحانه قد وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ في الذهن والخارج
عِلْماً كَذلِكَ اى مثل ما أوحينا الى موسى لهداية قومه وإهلاك عدوه قد أوحينا إليك يا أكمل الرسل من قصص السابقين ليعتبر من هلاك عدوهم من عاداك ويفرح من اهتداء صديقهم من صدقك وآمن بك إذ نَقُصُّ عَلَيْكَ قصصهم مع كونك خالي الذهن مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سلف وسَبَقَ بمدة مديدة وازمنة متطاولة وَبالجملة قَدْ آتَيْناكَ امتنانا لك مِنْ لَدُنَّا بلا واسطة معلم مرشد ذِكْراً كلاما جامعا بذكر جميع ما في الكتب السالفة من الحقائق والمعارف والاحكام والقصص على الوجه الأتم الأبلغ
وبالجملة مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ اى عن القرآن بعد نزوله وتشبث بغيره من الكتب المنسوخة فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً إثما ثقيلا وجرما عظيما لأخذه المنسوخة وتركه الناسخ بحيث يكونون
خالِدِينَ فِيهِ وفيما يترتب عليه في يوم الجزاء من العذاب المؤبد وَبالجملة قد ساءَ لَهُمْ لحامليهم يَوْمَ الْقِيامَةِ المخففة لحمل ارباب العناية حِمْلًا ثقيلا لهم يوقعهم في النار
اذكر يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ لإخراج ما بالقوة الى الفعل وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ المشركين يَوْمَئِذٍ زُرْقاً زرق العيون سود الوجوه وهما كنايتان عن الحسد والنفاق للذين هم عليهما في دار الدنيا ونظهر لهم يومئذ قبائحهم الكامنة فيهم في الدنيا
يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ ويتكلمون خفية هكذا هذه القبائح التي قد ظهرت علينا الآن انما هي من اوصافنا التي كنا عليها في دار الدنيا زمانا قليلا فبعضهم حينئذ يقول للبعض مستقصرا مستقلا إِنْ لَبِثْتُمْ وما مكثتم في دار الدنيا إِلَّا عَشْراً من الليال وبعضهم يقلل من ذلك وبعضهم يقلل من تقليله ايضا وهم في أنفسهم يخفون أحوالهم لئلا يطلع عليها احد
وكيف يخفون عنا إذ نَحْنُ أَعْلَمُ حسب علمنا الحضوري ب عموم ما يقولون من الأقوال المتعارضة ولا نذكر في كتابنا هذا الا ما هو اقرب الى الصواب إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً اى اميلهم الى الصدق وأقربهم الى الصواب إِنْ لَبِثْتُمْ وما مكثتم وتمكنتم فيها إِلَّا يَوْماً واستقصارهم مدة مكثهم في الدنيا انما هي من طول يوم الجزاء وهوله
وَيَسْئَلُونَكَ يا أكمل الرسل عَنِ الْجِبالِ في ذلك اليوم أهي على قرارها وقوامها حتى يؤوى ويلتجأ إليها أم لا فَقُلْ لهم يا أكمل الرسل يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً ويسحقها سحقا كليا كأنه قد اخرج من المناخل الدقيقة
فَيَذَرُها ويترك الأرض بعد نسف الجبال قاعاً مسطحا مستويا صَفْصَفاً ملساء
بحيث لا تَرى ايها الرائي فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً ولا نتوا ولا ربوة لاستواء سطحها
يَوْمَئِذٍ اى وقت نفخ الصور لاجتماع الناس في المحشر يَتَّبِعُونَ يعنى عموم الأنام السامعين الدَّاعِيَ الذي هو اسرافيل ويجتمعون عنده كل واحد منهم بطريق لا عِوَجَ لَهُ لاستواء الأرض وعدم المانع من العقبات والاغوار وَفي ذلك اليوم قد
стр. 521
خَشَعَتِ الْأَصْواتُ اى خضعت وخفيت أصواتهم وقت النداء والدعاء لِلرَّحْمنِ من شدة اهوال ذلك اليوم بحيث إذا أصغيت الى سماع أقوالهم فَلا تَسْمَعُ منها السامع أنت إِلَّا هَمْساً ذكرا خفيا وصوتا ضعيفا
يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ اى شفاعة كل احد من الناجين لكل احد من العاصين إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ بشفاعة بعض الناجين لبعض العصاة من ارباب العناية في ذلك اليوم وَمع انه سبحانه قد رَضِيَ لَهُ قَوْلًا اى تعلق رضاه سبحانه ايضا بقول الشفيع وقت الشفاعة
وانما اذن ورضى سبحانه بالشفاعة للبعض لأنه يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ اى يحيط علمه الحضوري بعموم أحوالهم من العصيان والطاعة وبان اى عصيان يزول بالشفاعة واى عاص يستحق العفو وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً بدقائق معلوماته ورقائق أفعاله سبحانه وآثاره مطلقا
وَبالجملة قد عَنَتِ الْوُجُوهُ اى هلكت وجوه الأشياء وخفيت ظهورها في ذلك اليوم وبقي الوجه الباقي الذي هو لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ المنزه عن الظهور والبطون المقدس من الحركة والسكون وَبالجملة قَدْ خابَ وخسر خسرانا مبينا في ذلك اليوم مَنْ حَمَلَ ظُلْماً عظيما حيث اثبت شريكا لله الواحد القهار
وَبالجملة مَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ في الدنيا وَالحال انه هُوَ مُؤْمِنٌ موقن بوحدانية الله فَلا يَخافُ يومئذ لا ظُلْماً بان يحبط اعماله الصالحة بالكلية محانا ولم يجز بها أصلا وَلا هَضْماً بان ينقص من جزاء عمله الصالح
وَكَذلِكَ اى مثل احاطة علمنا بعموم الأشياء قد أَنْزَلْناهُ اى هذا الكتاب الجامع المحيط بجميع ما في العالم إذ لا رطب ولا يابس الا وهو فيه مثبت قُرْآناً عَرَبِيًّا اى كلاما عربي الأسلوب والنظم وَقد صَرَّفْنا كررنا وكثرنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ وانواع الإنذارات والتخويفات لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ رجاء ان يحفظوا عهودنا ويتوجهوا الى توحيدنا ويتجنبوا عن شركنا أَوْ يُحْدِثُ ويجدد وعيدات القرآن وقصصه لَهُمْ ذِكْراً عظة وعبرة من احوال الماضين وعذاب الله عليهم من الغرق والمسخ والخسف والكسف لعلهم يتقون ويتذكرون به ومع ذلك لم يتقوا ولم يتذكروا وان قالوا على سبيل المكابرة عتوا وعنادا لربك حاجة واحتياج الى أيماننا وتقوانا والا لم يرجو منا أيماننا وتقوانا
قل لهم يا أكمل الرسل فَتَعالَى اللَّهُ اى تنزه وتقدس الْمَلِكُ المستولى المطلق القيوم المحقق الْحَقُّ الثابت الدائم المستمر ازلا وابدا عما يقول الظالمون المشركون في شأنه من اثبات الاحتياج له بمجرد الرجاء العائد نفعه إليهم ايضا وَإذا كان ظنهم هذا لا تَعْجَلْ أنت يا أكمل الرسل بِالْقُرْآنِ بادائه وتبليغه إياهم وقراءته عليهم مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ يعنى لا تعجل بإرشادهم وتكميلهم بالقرآن من قبل ان يفرغ جبرائيل ﵇ من وحيه وتبليغه إليك بل اصبر حتى يفرغ من أداء الوحى على وجهه ثم تأمل في رموزاته وإشاراته الخفية حسب استعدادك وَمع ذلك قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً بما فيه من نفائس المعلومات وعجائب المعارف والحقائق ثم بعد ذلك اتل عليهم ونبههم بقدر عقولهم واستعدادهم
وَبالجملة لا تنس يا أكمل الرسل نهينا لك عن الاستعجال بأداء القرآن من قبل ان يقضى إليك وحيه بل في مطلق الأمور إذ العجلة انما هي من إغواء الشيطان ولا تكن ناسيا نهينا مثل نسيان أبيك آدم عهده معنا فانا لَقَدْ عَهِدْنا إِلى أبيك آدَمَ مِنْ قَبْلُ بقولنا نهيا له ولزوجته لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فَنَسِيَ عهدنا هذا بتغرير الشيطان له مع ان نفعه عائد اليه سيما وقد اكدناه بالمواثيق الوثيقة وَبالجملة لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً صادقا ورأيا صائبا في محافظة العهود والمواثيق
стр. 522
لذلك لم يوطن نفسه على مقتضى النهى
وَاذكر يا أكمل الرسل نبذا من عهودنا معه وقت إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ وتذللوا عنده تعظيما له وتكريما إذ هو أفضل منكم واجمع لتجليات اوصافنا وأسمائنا فَسَجَدُوا ووقعوا عنده على تراب المذلة تعظيما له وامتثالا لأمرنا إِلَّا إِبْلِيسَ من بينهم قد أَبى وامتنع عن سجوده لاستكباره وعتوه وبعد ما استكبر إبليس عن تعظيمه نبهنا عليه عداوته
فَقُلْنا يا آدَمُ المكرم المسجود له إِنَّ هذا اى إبليس المتخلف عن سجودك عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فاحذر أنت اصالة وهي ايضا تبعا لك عن مصاحبته وتغريره وبالجملة لا تتكلما معه ولا تقبلا منه وسوسته فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ التي هي محل الحضور والسرور الى دار الابتلاء والغرور فَتَشْقى أنت يا آدم على الخصوص وتتعب وتعيى بسبب المعيشة إذ معيشتك صارت عن كد يمينك ولا تعب لك في الجنة
وكيف لا إِنَّ لَكَ اى قد حق وثبت لشأنك أَلَّا تَجُوعَ فِيها اى في الجنة إذا كلها دائم غير منقطع وَلا تَعْرى إذا لبستها متجددة دائمة غير بالية وحللها غير منقطعة
وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها إذ العطش انما يحصل من فرط الحرارة ولا حرارة فيها وَلا تَضْحى أنت ايضا إذ لا برودة فيها بل هي معتدلة دائما لا افراط للحرارة والبرودة فيها ثم لما عاش آدم فيها زمانا مستريحا بلا تعب ولا عناء اظهر إبليس عداوته وأخذ يوسوس له ولزوجته ليخرجهما منها إذ هما ماداما في الجنة لم يقدر على اضلالهما لجريان حالهما فيها على مقتضى العدالة الفطرية التي هما جبلا عليها
فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ والقى وسوسته في نفسه حيث قالَ يا آدَمُ على وجه النصيحة والتغرير هنيئا لك عيشك في الجنة بلا تعب ومحنة هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وأهديك إليها ان أكلته منها فقد أخلدت نفسك بل خلدت أنت وزوجتك فيها ابدا وَبالجملة أهديك على مُلْكٍ لا يَبْلى ولا يخلق ولا يفنى بل يتجدد دائما بتجدد الأمثال بلا انتقال وزوال ثم لما وسوس إليهما سمعا منه قوله وقبلا وسوسته الى ان قد نسيا عهد ربهما مطلقا
فَأَكَلا مِنْها اى من الشجرة المنهية حتى يشبعا وأرادا ان يتبرزا ويتغوطا وبعد ما ارتكبا المنهي عنه وظهر منهما ما هو مناف لنظافة الجنة وطهارتها وبالجملة قد خرجا عن مقتضى العدالة الفطرية امر سبحانه باخراجهما منها بعد نزع لباسهما عنهما وبعد ما نزع لباسهما اى لباس الطهارة والنجابة والتقوى الجبلية الموهوبة لهما بمقتضى العدالة الإلهية فَبَدَتْ وظهرت لَهُما سَوْآتُهُما عوراتهما فاضطرا على التستر والتغطى وَطَفِقا أخذا وشرعا يَخْصِفانِ يلزقان ويلصقان عَلَيْهِما اى على عوراتهما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ اى من أوراق بعض أشجارها قيل هي ورق التين وَبعد ما صار حالهما كذلك قالت الملائكة صائحين صارخين بعد انتهاز الفرصة قد عَصى آدَمُ المكرم المسجود له رَبَّهُ الذي رباه بتناول ما يصلحه ونهاه عن تناول ما يضره ويفسده بان اعرض عن النهى الإلهي وبادر الى ارتكاب المنهي عنه بغرور الشيطان الغوى المضل فَغَوى باغواء إبليس وضل عن مراده الأصلي بتغرير العدو لان العدو انما يلقى عدوه عكس مطلوبه
ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ بعد ما ألهمه سبحانه الانابة والرجوع اليه فاعترف بذنبه نادما ورجع الى ربه تائبا بقوله ربنا ظلمنا أنفسنا الآية فَتابَ عَلَيْهِ سبحانه وقبل توبته وَهَدى اى هداه نحو مقصده الأصلي وقبلته الحقيقية الا انه سبحانه لا يبطل حكمة حكمه السابق المترتب على النهى وهو قوله تعالى فتكونا من الظالمين الخارجين عن مقتضى الحدود الإلهية والعدالة الفطرية لذلك
قالَ اهْبِطا مِنْها وانزلا واخرجا من الجنة التي هي دار الأمن والسرور الى الدنيا التي هي دار التفرقة
стр. 523
والغرور جَمِيعاً أصلا وفرعا صديقا وعدوا وبعد هبوطكم إليها بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ في امور معاشكم والشيطان عدو لكم يعوقكم ويغويكم عن امر المعاد فتبقى هذه العداوة بينكم ما دمتم فيها ومع أمرنا لكم بالهبوط والخروج منها إليها لا نترككم هناك يا بنى آدم ضالين محرومين مطرودين فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً بواسطة الرسل والكتب المنزلة عليكم فاتبعوا هداي فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ عزيمة صادقة وقصدا صحيحا خالصا فاهتدى البتة فَلا يَضِلُّ لا في النشأة الاولى وان كان فيها لاتصافه بصفاتنا الفاضلة وتخلقه باخلاقنا الكاملة وَلا يَشْقى ايضا في النشأة الاخرى لفنائه فينا وبقائه ببقائنا
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي وانصرف عن مقتضى اوامرى المذكورة في كتبي المنزلة على رسلي الهادين له عن الضلال فَإِنَّ لَهُ اى قد حق وثبت له ما دام في دار الدنيا مَعِيشَةً ضَنْكاً ضيقا يضيق قلبه وصدره بحيث لا يسع فيه غير التفكر والتدبر في امر المعاش وَإذا خرج منها نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ الكبرى أَعْمى اى يصور اعراضه عن الحق في الدنيا وإقباله عليها على صورة العمى في الاخرى
حيث قالَ متحسرا ومتحزنا من غاية الضجرة والكآبة يا رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى ضريرا في النشأة الاخرى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قريرا في النشأة الاولى
قالَ سبحانه توبيخا عليه وتقريعا كَذلِكَ اى مثل ذلك قد فعلت أنت بنا ايها المغتر المسرف حين أَتَتْكَ بالسنة الأنبياء آياتُنا لهدايتك وإصلاح حالك فَنَسِيتَها أنت ونبذتها وراء ظهرك بحيث كانت نسبتك إليها كنسبة الأعمى الى عموم الأشياء المحسوسة وَكَذلِكَ اى مثل المنبوذ وراء الظهر الْيَوْمَ تُنْسى أنت في جهنم البعد والحرمان وجحيم الطرد والخذلان
وَكَذلِكَ اى مثل نسيان من اعرض عنا في العذاب المؤبد نَجْزِي ونترك منسيا في جهنم البعد والخذلان مَنْ أَسْرَفَ وأفرط في الاعراض عن الله ورسله سيما بمتابعة العقل الفضول المشوب بالوهم المرذول وبمقتضى اعتباراته ومضى عليها كذلك زمانا وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ النازلة على أنبيائه ورسله ولم يتنبه بمرموزاتها ومكنوناتها ولم يتفطن بما فيها من المعارف والحقائق والمكاشفات والمشاهدات وَالله وان احتمل الشدائد وارتكب المتاعب في تحصيل تلك الاعتبارات والاعتباريات لَعَذابُ الْآخِرَةِ في شأنه لاشتغاله بغير الله واعراضه عن آياته أَشَدُّ من شدائد ذلك التحصيل وَأَبْقى وأدوم وباله من النخوة المترتبة عليها الجالبة لغضب الله
أَتنكر القريش بآياتنا ونصر على إنكارها ولم تذكر عذابنا لمنكري آياتنا فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ولم يرشدهم ويذكرهم إهلاكنا الأمم السالفة بسبب انكار الآيات وتكذيب الرسل ولم يذكروا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ اى من اهل القرون الماضية حين يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ أمثال هؤلاء أصحاء سالمين فجاءهم بأسنا بياتا او نهارا فجعلناهم هالكين فانين كأن لم يكونوا موجودين أصلا لاعراضهم عنا وتكذيبهم آياتنا ورسلنا وبالجملة إِنَّ فِي ذلِكَ الإهلاك والاستئصال لَآياتٍ دلائل ظاهرة على قدرتنا بالانتقام على المعرضين المكذبين لكتبنا ورسلنا لكن لا يحصل تلك الدلائل والمدلولات الا لِأُولِي النُّهى اى لأصحاب العقول المنتهية من مقتضيات عقولهم الى الكشف والشهود
وَبالجملة لَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ يا أكمل الرسل في حق أمتك بدعائك لهم بارتفاع العذاب عنهم في دار الدنيا مثل المسخ والخسف والكسف وغير ذلك مما أهلكنا بها الأمم الماضية لَكانَ عذاب المنافقين من أمتك اليوم لِزاماً حتما مقضيا لازما مبرما محكما لظهور أسبابه وصدورها منهم وَ
стр. 524
لكن قد قدر لهم أَجَلٌ مُسَمًّى وهو يوم الجزاء
فَاصْبِرْ يا أكمل الرسل عَلى ما يَقُولُونَ الى حلول الأجل المسمى ولا تضيق صدرك من قولهم هذا انك لا تقدر على إتيان العذاب حسب دعواك ومناك لذلك تخوفنا بالقيمة الموهومة فلو كنت أنت رسولا كسائر الرسل لفعلت بنا ما فعلوا باممهم ومتى سمعت منهم يا أكمل الرسل أقوالهم الخشنة اعرض عنهم ولا تلتفت إليهم ولا تشتغل الى معارضتهم ومجادلتهم بل انصرف عنهم ودعهم وَسَبِّحْ نزه ربك عما يقولون وعما ينكرون قدرتنا على إتيان يوم الجزاء تسبيحا مقرونا بِحَمْدِ رَبِّكَ شكرا لآلائه ونعمائه الواصلة إليك وداوم عليه قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بعد انتباهك عن مقام غفلتك وقبل اشتغالك في امور معاشك وَقَبْلَ غُرُوبِها ايضا بعد فراغك عن كسب المعاش وقبل استراحتك في المنام وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ المعد للاستراحة ان أيقظت فيها فَسَبِّحْ وَسبح ايضا أَطْرافَ النَّهارِ إذا فرغت عن الاشتغال لَعَلَّكَ تَرْضى أنت عن الله في عموم الأوقات ويرضى الله عنك فيها
وَعليك الاعتزال عن أبناء الدنيا وعدم الالتفات الى لذاتهم بمتاعها ومزخرفاتها بحيث لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ يا أكمل الرسل حال كونك متحسرا متمنيا إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ المشركين والمنافقين أَزْواجاً أصنافا من كل شيء إذ من أعطينا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا اى زينتها وزخرفها انما أعطيناهم لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ اى نجربهم ونختبرهم كيف يعيشون بوجودها في الدنيا هل يتكبرون ويفتخرون بسببها على الفقراء ويمشون على الأرض على وجه الخيلاء أم لا وَبعد ما قد نهيناك يا أكمل الرسل عن الالتفات الى متاع الدنيا ومزخرفاتها استرزق عنا عما في خزائننا من المكاشفات والمشاهدات الباقية الصافية بدل تلك اللذات الفانية المكدرة إذ رِزْقُ رَبِّكَ الذي قد رزقك بها لتكون لك الكشف والشهود والتمكن في المقام المحمود خَيْرٌ لك من مزخرفات الدنيا ومموهاتها لأنها فانية زائلة لا ثبات لها وَهو أَبْقى لبقائه مع استعدادك الى ما شاء الله
وَمتى رزقت تفضلا من ربك وإحسانا عليك فعليك ان تأمر من يلازمك ويوانسك من اهل الطلب بالميل الى ما رزق الله لك ليكون لهم ايضا نصيب مما قد تفضل الله به عليك من الرزق المعنوي لذلك قد امرناك بقولنا أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ والميل الشاغل جميع قواهم وآلاتهم عن التوجه الى غيرنا لتكون أنت منبها لهم على ما في استعداداتهم وقابلياتهم الفطرية وَاصْطَبِرْ عَلَيْها وتحمل على متاعب تبليغها إياهم ولا تقصر خوفا من انتقاصك من رزقك إذ لا نَسْئَلُكَ لأجلهم منك رِزْقاً حتى ترزقهم بل نَحْنُ نَرْزُقُكَ وإياهم ايضا حسب استعدادك واستعدادهم من مقام جودنا وافضالنا من غير ان ينقص من خزائن كرمنا ونعمنا شيء وايضا نبههم على العواقب الحميدة المترتبة على الصلاة وحذرهم عن الشواغل العائقة عنها وَقل لهم الْعاقِبَةُ الحميدة لِلتَّقْوى اى للمتصفين بالتقوى الحافظين نفوسهم عن متابعة الهوى الراضين عن الله بعموم ما يرضى لهم وبأمرهم المجتنبين عما لا يرضى سبحانه منه ثم لما سمع الكفار بكمالاتك سيما كشفك وشهودك ورزقك المعنوي الحقيقي الأوفى من عند ربك وارشادك على من آمن بك وصدقك أصروا على إنكارك وتكذيبك
وَقالُوا لَوْلا وهلا يَأْتِينا هذا المدعى الكشف والشهود بِآيَةٍ مقترحة مِنْ رَبِّهِ حتى نصدقه ونقر برسالته قل لهم يا أكمل الرسل أَينكرون إتيان الآيات المقترحة على الأمم الماضية وَلَمْ تَأْتِهِمْ في هذا الكتاب المعجز المذكر لهم بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى والكتب الكبرى السالفة من إتيان الآيات المقترحة على
стр. 525
الأنبياء الماضين ومع ذلك لم تؤمن بهم أممهم بل قد كذبوهم وأصروا على ما هم عليه من الكفر والضلال فهؤلاء ايضا أمثالهم لم يؤمنوا بك بعد إتيان مقترحاتهم ايضا
وَقل لهم يا أكمل الرسل ايضا قولنا هذا نيابة عنا لَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ نازل من عندنا لاصرارهم وعنادهم مِنْ قَبْلِهِ اى من قبل ارسالك إليهم لَقالُوا البتة حين نزول العذاب عليهم كما قالت تلك الأمم الهالكة عند نزوله رَبَّنا لَوْلا وهلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا من عندك مصحوبا بالآيات البينات فَنَتَّبِعَ آياتِكَ الدالة على وحدة ذاتك حينئذ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ بهذا الإذلال وَنَخْزى بهذا الخزي والوبال وان عاندوا معك يا أكمل الرسل سيما بعد سماع هذه الدلائل الواضحة والبينات اللائحة اعرض عنهم وعن مكالمتهم ومناصحتهم
وقُلْ لهم كلاما يشعر باليأس عن ايمانهم وإصلاحهم وصلاحهم كُلٌّ منا ومنكم مُتَرَبِّصٌ منتظر لهلاك الآخر بسبب الشقاوة والاعراض عن الحق فَتَرَبَّصُوا وانتظروا أنتم لهلاكنا بشقاوتنا على زعمكم فنحن منتظرون ايضا بمقتضى زعمنا بهلاككم بشرككم وكفركم وإذا كشف الغطاء وقامت الطامة الكبرى وظهر يوم العرض والجزاء فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ المستقيم المعتدل الغير المعوج ومن المتلون والمتمكن عليه أنحن أم أنتم وَمَنِ اهْتَدى منا من تيه الضلال الى فضاء القرب والوصال
خاتمة سورة طه
عليك ايها المحمدي الطالب بسلوك طريق الحق بالاستقامة التامة والتثبت عليه بلا اعوجاج وتزلزل لتهتدى بسلوكه الى زلال الوحدة الذاتية هي ينبوع بحر الوجود ومنشأ عموم الموجود ان تقتفى اثر نبيك ﷺ في جميع أفعاله واعماله وتتخلق بعموم أخلاقه وأوصافه حسب ما أمكنك وقدر ما يسر لك ولا تهمل دقيقة من دقائق الشرع الشريف المصطفى بل لك ان تتبع به ﷺ في عموم ما جاء به من قبل ربه وانشأه من عند نفسه بلا تفحص وتفتيش عن حكمه وسرائره حتى ينكشف لك بعد الوصول الى مرتبتك التي قد كلفك الحق إليها وجبلك لأجلها وبعد العروج الى معراجك الذي قد عين لك الحق في حضرة علمه المحيط احسب استعدادك الفطري وقابليتك الجبلية فح قد ظهر لك سرائر ما أوصاك به نبيك ﷺ ورمز اليه وصرت حينئذ من اهل المعرفة والإيقان ان شاء ربك ووفقك عليه وفقنا يا ربنا بفضلك وجودك الى معارج عنايتك ومقر توحيدك يا ذا الجود العظيم
[سورة الأنبياء ﵈]
فاتحة سورة الأنبياء ﵈
لا يخفى على المتمكنين في مقر التوحيد الواصلين الى مرتبة الفناء في الوحدة الذاتية ان سر الهبوطات والتنزلات المنتشئة من وحدة الذات حسب اقتضاء الأسماء والصفات الإلهية انما هو لاكتساب المعارف والحقائق والاتصاف بالكمالات اللائقة ليحصل لهم الترقي والتدرج متصاعدين الى ما منه البداية واليه النهاية فلا بد في النشأة الاخرى من انتقاد ما حصل في النشأة الاولى ليعود كل من المكلفين الى مبدأه على الوجه الذي بدأ منه لذلك وضع سبحانه يوم العرض والجزاء لانتقاد اعمال عموم عباده على تفاوت طبقاتهم ودرجاتهم فيها وقد وضع ايضا لهذه الحكمة المتقنة جميع ما وضع في يوم الجزاء من العرض والحساب والصراط والميزان وكذا صحف الأعمال ومنازل الجنة والنار وغيرها
стр. 526
حتى يتحقق كل من المكلفين بمقتضى ما اكتسب من الجزاء على مقتضى العدل الإلهي والقسط الحقيقي الذي هو صراطه الأقوم ثم لما كان كثير من المنهمكين في الغفلة والضلال منكرين عليها مكذبين لها انزل سبحانه هذه الصورة على حبيبه تبشيرا ووعدا للمؤمنين الموقنين وتهديدا ووعيدا للمنافقين المكذبين على الأنبياء المذكورين فيها فقال متيمنا بِسْمِ اللَّهِ الذي ظهر في النشأة الاولى والاخرى على العدل التقويم الرَّحْمنِ لعموم عباده بالدعوة الى دار السّلام وجنة النعيم الرَّحِيمِ لخواصهم بالفوز الى شرف اللقاء وانواع التعظيم والتكريم
[الآيات]
قد اقْتَرَبَ ودنا وقرب لِلنَّاسِ الناسين عهود ربهم التي عهدوا بها معه سبحانه في مبدأ فطرتهم الاصلية من حمل امانة العبودية المشتملة على انواع المعارف والحقائق وقبول أعباء الايمان والتوحيد ومشاق الأعمال ومتاعب التكاليف المقربة اليه حِسابُهُمْ اى قد قرب وقت حسابهم وانتقاد أفعالهم وأعمالهم الصالحة المقبولة عند ربهم وامتيازها من الفاسدة المردودة دونه سبحانه وَهُمْ بعد مغمورون مستغرقون فِي غَفْلَةٍ عن ربهم وعن حسابه إياهم بل أكثرهم مُعْرِضُونَ عنه بحيث لا يلتفتون نحوه أصلا بل ينكرون وجوده فكيف حسابه وعذابه لذلك
ما يَأْتِيهِمْ وينزل عليهم مِنْ ذِكْرٍ وعظة حتى ينبههم عن سنة الغفلة ويوقظهم عن رقدة النسيان صادر مِنْ رَبِّهِمْ بوحي مُحْدَثٍ مجدد حسب تجددات البواعث والدواعي الموجبة للانزال بمقتضى الأزمان والأعصار: إِلَّا اسْتَمَعُوهُ اى الذكر المحدث وَهُمْ حين استماعه من غاية عمههم وسكرتهم يَلْعَبُونَ به ويستهزؤن بمن انزل اليه حال كونهم
لاهِيَةً نفوسهم ذاهلة قُلُوبُهُمْ عن التأمل فيه والتفكر في معناه والتدرب في رموزه وإشاراته وَهم وان اغفلوا نفوسهم وقلوبهم عنه لفرط عتوهم واستكبارهم لكن قد تفطنوا بحقيته من كمال اعجازه ومتانته لكونهم من ارباب اللسن والفصاحة واصحاب الزكاء والفطنة لكنهم قد أَسَرُّوا النَّجْوَى وبالغوا في إخفاء ما تناجوا في نفوسهم من حقية القرآن واعجازه وبالجملة هم الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بارتكاب الكفر والمعاصي وانواع الفساد والضلال عنادا ومكابرة ومع ذلك قد قصدوا ايضا اختلال ضعفاء الأنام حيث قالوا لهم على وجه الإنكار تغريرا هَلْ هذا اى ما هذا الشخص الحقير الذي قد ادعى الرسالة والنبوة والوحى والإنزال إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وهو من بنى نوعكم لا مزية له عليكم والرسول المرسل من جانب السماء لا يكون الا ملكا أَتميلون ايها العقلاء المتحيرون نحوه وتزعمونه صادقا بواسطة خوارق صدرت عنه على سبيل السحر والشعبذة مدعيا انه معجز مع انه ليس كذلك فَتَأْتُونَ تقبلون وتحضرون السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ آلاته وأدواته وتعلمون عيانا انه سحر مفترى هل تصدقونه أم لا وهذا تسجيل وتنصيص منهم على كذب الرسول على زعمهم واغرار وتضليل منهم على ضعفاء الأنام وحث لهم على تكذيبه وانكار ما اتى به
قالَ يا أكمل الرسول في جوابهم والرد عليهم رَبِّي الذي رباني بأنواع الكرامات والمعجزات يَعْلَمُ الْقَوْلَ اى جنس الأقوال والأفعال والأحوال الكائنة فِي السَّماءِ في عالم الأرواح وَالْأَرْضِ في عالم الطبيعة والأشباح وَكيف لا يعلم مع انه لا يعزب عن علمه شيء إذ هُوَ السَّمِيعُ المقصور على السمع بحيث لا سميع سواه الْعَلِيمُ المستقل بالعلم لا عالم الا هو ثم اعرضوا وانصرفوا عن قولهم بسحرية القرآن لاشتماله على البلاغة والمتانة وانواع الخواص والمزايا الفاضلة الممدوحة عندهم الى ما هو الأدنى والأنزل منه
بَلْ قالُوا على سبيل الإضراب ما هو الا أَضْغاثُ أَحْلامٍ اى من تخليطات
стр. 527
القوة المتخيلة تمويهاتها التي رآها في المنام ثم سطرها وسماها كلاما نازلا من السماء موحى اليه من عند الله بَلِ افْتَراهُ واختلقه واخترعه من تلقاء نفسه ونسبه الى الوحى ترويجا له بلا رؤية في المنام بَلْ هُوَ شاعِرٌ فصيح بل قد تكلم بكلام كاذب مخيل نظمه على وجه يعجب الأسماع وبالجملة ما هو نبي وليس كلامه الذي قد اتى به معجزا ووحيا نازلا من الله كما ادعاه مثل كلام سائر الرسل والا فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ مقترحة او غيرها تلجئنا الى تصديقه والايمان به كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ اى مثل ما أرسل بها سائر الأنبياء الماضون كالعصا واليد البيضاء وإبراء الأكمه والأبرص واحياء الموتى وغير ذلك من الآيات الواقعة من الرسل الماضين ثم لما تقاولوا بما تقاولوا واهتم بل اغتم رسول الله ﷺ ان لا ينزل عليه
مثل ما انزل على أولئك الرسل نزلت ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ لرسلنا الذين جاءوا بالآيات المقترحة مِنْ قَرْيَةٍ اى أهلها من القرى التي أرسلوا إليهم لذلك أَهْلَكْناها واستأصلناها ولو تأتى أنت بمقترحاتهم جميعا لما آمنوا لك يا أكمل الرسل مثل ما لم يؤمنوا لهم أَتزعم أنت يا أكمل الرسل انهم لو أتيت لهم عموم ما اقترحوا فَهُمْ يُؤْمِنُونَ بك كلا وحاشا انهم من شدة شكيمتهم معك وغلظ حجبهم وشدة قسوتهم وشقاقهم بالنسبة إليك لا يؤمنون بك أصلا غاية ما في الأمر انه لو أتيت أنت إياهم بمقترحهم لم يقبلوا منك ايضا البتة ولم يؤمنوا لك فاستحقوا الهلاك والاستئصال حينئذ وقد مضى أمرنا ونفذ حكمنا على ان لا نستأصل قومك ولا نعذبهم في النشأة الاولى لذلك لم ينزل عليك جميع ما اقترحوا منك
وَأنكروا رسالتك يا أكمل الرسل معللين بانك بشر مثلهم والبشر لا يكون رسولا الى البشر قل لهم نيابة عنا ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ رسولا على امة من الأمم الماضية إِلَّا قد أرسلناهم رِجالًا منهم متناهيين كاملين في الرجولية والعقل بالغين نهاية الرشد والتكميل نُوحِي إِلَيْهِمْ مثل ما أوحينا إليك ليرشدوا الناس الى ديننا وتوحيدنا ويوقظوهم من منام الغفلة ويهدوهم الى الصلاح والفوز بالفلاح وان أنكروا هذا قل لهم فَسْئَلُوا ايها المنكرون أَهْلَ الذِّكْرِ اى العلم والخبرة من أحباركم وقسيسيكم من المشتغلين بحفظ التورية والإنجيل وسائر الكتب الإلهية إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ايها الجاهلون المكابرون
وَان أنكروا رسالتك معللين بانك تأكل وتشرب مثلهم والرسول لا بد ان لا يأكل ولا يشرب مثل سائر الناس قل لهم ايضا نيابة عنا ما جَعَلْناهُمْ ما صيرناهم اى الرسل الماضين جَسَداً اى اجراما وأجساما لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ بدل ما يتحلل من اجزائهم ولا يشربون الشراب المحلل لغذائهم إذ هم أجسام ممكنة محدثة مفتقرة الى التغذي قابلة للنمو والذبول مشرفة الى الفناء والانهدام مثل سائر أجسام الأنام وَما كانُوا خالِدِينَ دائمين مستمرين ابدا بلا ورود موت عليهم وبلا تحليل تراكيبهم بل هم هلكى في قبضة قدرتنا وجنب وجودنا وحياتنا مثل سائر الهالكين
ثُمَّ بعد ما كذبهم المكذبون المنكرون صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ واوفينا لهم الموعود الذي قد وعدناهم من إهلاك عدوهم وانجائهم من بينهم سالمين فَأَنْجَيْناهُمْ على الوجه الذي عهدنا معهم العهود وَمَنْ نَشاءُ من اتباعهم الذين قد سبقت رحمتنا عليهم في حضرة علمنا وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ المصرين على البغي والعناد المنهمكين في الجور والفساد.
ثم قال سبحانه لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ يا معشر قريش كِتاباً جامعا لما في الكتب السالفة مع انه قد ذكر فِيهِ ذِكْرُكُمْ وشرفكم ونجابة عرقكم وطينتكم وكمال دينكم ونبيكم وظهوره على الأديان كلها أَفَلا تَعْقِلُونَ وتستعملون عقولكم بما فيه
стр. 528
فتدركون مزية كتابكم ورسولكم على سائر الكتب والرسل وشرف دينكم على عموم الأديان وبالجملة لا تبالوا ايها المترفون والمسرفون بترفهكم وتنعمكم ولا تغتروا بامهالنا إياكم ولا تأمنوا عن مكرنا معكم وحول عذابنا ونكالنا عليكم
وَاعلموا انا كَمْ قَصَمْنا وكثيرا مِنْ اهل قَرْيَةٍ قد قهرنا عليهم وكسرنا ظهورهم وبعدناهم عن أماكنهم التي هم يترفهون فيها بطرين لأنها قد كانَتْ ظالِمَةً خارجة أهلها عن مقتضى الأوامر والنواهي المنزلة منا على رسلنا أمثالكم وَبعد ما أخرجناها وأهلكناها قد أَنْشَأْنا بَعْدَها وبدلنا أهلها قَوْماً آخَرِينَ منقادين لحكمنا مطيعين لأمرنا
فَلَمَّا أَحَسُّوا وأدركوا بَأْسَنا بعد تعلق ارادتنا بانتقامهم ورأوا مقدمات عذابنا وبطشنا إِذا هُمْ مع شدة شكيمتهم ووفور قوتهم وقدرتهم مِنْها اى من قراهم وأماكنهم يَرْكُضُونَ ويهربون سريعا ركض الخيل من الأسد
ثم قيل لهم حينئذ على سبيل التهكم والاستهزاء لا تَرْكُضُوا ولا تهربوا ولا تعدوا ايها المترفهون المتنعمون البطرون الى اين تمشون عن متنزهاتكم وَارْجِعُوا إِلى ما اى الى أوطانكم وقراكم التي قد أُتْرِفْتُمْ ومتعتم فِيهِ وَاسكنوا في مَساكِنِكُمْ التي قد تمكنتم فيها طول دهركم لم تتركونها وتخرجون عنها لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ عن سبب الخروج والجلاء منها ما تجاوبونه ايها الهاربون ثم لما ضاقت عليهم انواع العذاب ولحقت بهم وأدركتهم ولم ينفعهم الفرار والتحرز
قالُوا متأسفين متحسرين يا وَيْلَنا وهلاكنا تعال تعال إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ متجاوزين خارجين عن مقتضى العدل الإلهي لذلك قد لحقنا ما لحقنا
فَما زالَتْ تِلْكَ الكلمة المذكورة يعنى يا ويلنا انا كنا ظالمين دَعْواهُمْ دعاءهم ونداءهم جارية على ألسنتهم على وجه الخضوع والتذلل التام والانكسار المفرط إذ هم قد قصدوا بها النجاة والخلاص مع انهم قد اعترفوا بذنوبهم في ضمنها وندموا عن عموم ما فعلوا بتكرارها ومع هذا لم ينفعهم ذلك لمضى وقت التوبة والندامة وفوات زمان التدارك والتلافي وبالجملة قد أخذناهم حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ اى صارت أجسامهم مثل المحصود الخامد من النبات كأنها ما شمت رائحة من الحيوة في وقت من الأوقات
وَكيف لا نأخذهم بظلمهم ولا نجعلهم محصودين خامدين جامدين إذ ما خَلَقْنَا السَّماءَ المزينة بزينة الكواكب كل منها معد مقدر لأمور لا يعرف تعديدها واحصاءها غيرنا وَايضا قد خلقنا الْأَرْضَ المزينة بزينة المعادن والنبات والحيوان والأشجار والأنهار وانواع الفواكه والأثمار كل منها مشتمل على حكم ومصالح لا يفصلها الا حضرة علمنا المحيط وَما يحصل بَيْنَهُما من امتزاج آثارهما وافعالهما من الغرائب التي تدهش منها العقول وتكل في وصفها الالسنة وانحسرت الصدور لاعِبِينَ عابثين اى ما جعلناهما وما بينهما وما امتزج منهما عبثا باطلا بلا طائل وبلا سرائر اودعنا فيهما وبدائع اضمرنا في خلقهما وظهورهما إذ الحكيم المتقن لا يفعل فعلا الا وقد أودع فيه من الحكم والمصالح ما لا يعد ولا يحصى فكيف يليق بجنابنا وينبغي بشأننا اتصاف أفعالنا المتقنة وآثارنا المحكمة باللهو واللعب وتدبيراتنا بالعبث الخالي عن الحكمة والمصلحة
مع انا لَوْ أَرَدْنا اى فرضنا وقدرنا ما استحال علينا وبشأننا وهو أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً ولعبا باطلا خاليا عن الفائدة مخلا لكمال عزتنا وحكمتنا وعلو شأننا وعظمتنا لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا اى من قبلنا ومن جملة أفعالنا وآثارنا الصادرة عن قدرتنا الكاملة وارادتنا الخالصة كلا وحاشا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ وما كنا مرتكبين العبث الخالي عن الفائدة سيما مع كمال قدرتنا ووفور علمنا على انواع الحكم
стр. 529
والمصالح في كل
لعل بَلْ نحن نَقْذِفُ بل اللائق المستحسن بنا المناسب بعلو شاننا ان نمحو ونبطل بِالْحَقِّ الذي هو شمس وجودنا ولمعات آثار فضلنا وجودنا ونسلطه عَلَى الْباطِلِ الذي هو الظل النابغ الآفل والعدم العاطل الزائغ الزائل الذي هو عبارة عن اظلال العالم وعن اغيار العكوس والسوى فَيَدْمَغُهُ اى يمحق الحق الباطل ويزهقه ويسقط عنه اسم الوجود المستعار ويلحقه الى ما هو عليه من العدم بلا عبرة واعتبار ليظهر عند المعتبر العارف ما ان هذه الحيوة الدنيا الا لهو ولعب وان الآخرة هي دار القرار فاعتبروا يا اولى الأبصار وكيف لا يمحقه ولا يلحقه بالعدم فَإِذا هُوَ اى الباطل في نفسه وفي حد ذاته زاهِقٌ هالك زائغ زائل ما شم رائحة من الوجود قط وَبالجملة اللائق لَكُمُ الْوَيْلُ والهلك وأنتم مستحقون له ايها الواصفون الجاهلون بقدر الله وبقدر حقيته مِمَّا تَصِفُونَ ذاته به من الأمور التي لا تليق بجنابه من ارتكاب العبث واسناد اللهو واللعب بذاته تعالى واشراك هذه الاظلال الهالكة والتماثيل الباطلة معه في الوجود تعالى عن ذلك علوا كبيرا
وَكيف تشركون ايها المشركون معه اظلاله وعبيده إذ لَهُ تعالى لا لغيره من العكوس والاظلال إيجادا وابداعا ملكا وتصرفا عموم مَنْ فِي السَّماواتِ اى عالم الأرواح المجردة عن الأبدان وَكذا عموم من في الْأَرْضِ من الأرواح المتعلقة بها وَكذا عموم مَنْ عِنْدَهُ سبحانه من الأرواح التي لا نزول لها ولا عروج كل من هؤلاء المذكورين متذللون عنده خاضعون خاشعون لديه سبحانه بحيث لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وأطاعته ساعة وَلا يَسْتَحْسِرُونَ اى لا يفترون ولا يضعفون عن إقامتها وإتيانها طرفة
بل هم يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وينزهون الله في عموم الأوقات والحالات عما لا يليق بشأنه بحيث لا يَفْتُرُونَ ولا يظهرون الضعف والعناء بحال بل قد أقاموها وواظبوا عليها طائعين متذللين خاشعين خاضعين وكيف لا يعبدون الله ولا يسبحونه وهم موحدون مخلصون لا المشركون المعاندون الذين قد اتخذوا آلهة من السماء كعبدة الكواكب
أَمِ اتَّخَذُوا بل قد أخذوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هو افحش من ذلك كعبدة الأوثان والأصنام قد اتخذوها آلهة وعبدوا لها كعبادة الله وادعوا ضمنا ان آلهتهم التي قد نحتوها بأيديهم او صاغوها من حليهم هُمْ يُنْشِرُونَ اى يخرجون الموتى من قبورهم إذ هم قد سموها آلهة وعبدوها كعبادة الله والا له لا بد وان يقدر على عموم المقدورات والمرادات ومن جملتها البعث والنشر بل من أجلها فلا بد لهم ان ينشروا
فكيف يثبتون أولئك المشركون تعدد الآلهة مع انه لَوْ كانَ فِيهِما اى في السماء والأرض آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ اى غير الله الواحد القهار للاغيار مطلقا لَفَسَدَتا واختل نظامهما ولم تبقيا على الهيئات المخصوصة المشاهدة البتة إذ المفهوم من الا له هو المستقل بالتصرف في الآثار بالإرادة والاختيار فكل من الآلهة المتعددة لا بدان تكون متصفة بجميع أوصاف الألوهية بالاستقلال فلا يمكنهم الاتفاق على امر من الأمور فَسُبْحانَ اللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد المستقل في الألوهية والربوبية بلا شريك له في الملك بل في الوجود والتحقق رَبِّ الْعَرْشِ اى عروش عموم المظاهر المستوي عليها بالاستيلاء التام إذ لا ظهور لها الا منه سبحانه عَمَّا يَصِفُونَ من اتخاذ الولد والشريك والصاحبة والنظير ولتوحده في الوجود واستقلاله في التصرف
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ إذ لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه وَهُمْ اى الشركاء الباطلة يُسْئَلُونَ عما صدر عنهم فكيف تليق بهم الألوهية والشركة معه سبحانه تعالى شأنه عما يصفه الواصفون
стр. 530
وجل جلال قدسه عما نسب اليه الملحدون الجاحدون المكابرون المعاندون ومع علو شأنه عما يصفونه سبحانه ووضوح برهانه وظهور وحدة ذاته واستقلاله في ألوهيته وربوبيته قد ترددوا فيها وفي توحيده
أَمِ اتَّخَذُوا بل قد أخذوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً شركاء له سبحانه لا واحدا بل متعددا وعبدوها كعبادته سبحانه ظلما وزورا جهلا وعنادا قُلْ يا أكمل الرسل إلزاما لهم وتبكيتا هاتُوا ايها المشركون المثبتون لله الواحد الأحد الفرد الصمد شريكا بُرْهانَكُمْ على وجود آلهة سواه سبحانه عقلا او نقلا ان كنتم من ذوى الألباب ومن اهل العقل والرشد وبالجملة لا سبيل الى الدليل العقلي إذ برهان التمانع قد قطع عرق الشركة بالمرة ولا الى النقلى ايضا إذ جميع الكتب والصحف الإلهية متطابقة في توحيد الحق ونفى الشركة عنه سبحانه قطعا إذ هذا الكتاب الجامع لجميع ما في الكتب السالفة المنزل على ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ اى عظة وتذكير يذكر من معى من المؤمنين من أصحابي وَكذا هو ذِكْرُ مَنْ قَبْلِي من امم الأنبياء الماضين لو صدقوه وقبلوا ما فيه لموافقة ما فيه بعموم ما في كتبهم وصحفهم لكنهم لا يصدقون عنادا حتى يهديهم الى الحق بَلْ أَكْثَرُهُمْ جاهلون لا يَعْلَمُونَ ولا يعرفون الْحَقَّ الصريح الظاهر في الآفاق بلا سترة وحجاب بل فَهُمْ لغلظ حجبهم وكثافة غشاوتهم مُعْرِضُونَ عن الحق منكرون له وبالجملة من لم يجعل الله له نورا فماله من نور.
ثم قال سبحانه كلاما جمليا مثبتا للتوحيد خاليا عن سمة التقليد مطلقا وَما أَرْسَلْنا من مقام جودنا وفضلنا مِنْ قَبْلِكَ يا أكمل الرسل مِنْ رَسُولٍ من الرسل الماضين إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أولا أَنَّهُ لا إِلهَ يعبد بالحق ويستحق للعبادة والإطاعة إِلَّا أَنَا المتعزز برداء العظمة والكبرياء المتفرد بكمال الجلال ودوام البقاء فَاعْبُدُونِ ايها الاظلال الهالكة والعكوس المستهلكة الباطلة وتذللوا نحوي خاضعين خاشعين إذ لا مرجع لكم غيرى وان ادعوا الشركة
وَقالُوا مستدلين عليها نحن نجد في التورية والإنجيل انه قد اتَّخَذَ الرَّحْمنُ الملائكة وعزيرا وعيسى وَلَداً والولد شريك لأبيه في فعله إذ هو سره وثمرته عن أمثال هذه الهذيانات الباطلة بَلْ هم عِبادٌ مُكْرَمُونَ عنده محبوبون لديه
لذلك لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ اى لا يبادرون الى القول قبل قوله سبحانه ولا يبدلون ولا يغيرون قوله وحكمه كما هو دأب العبيد مع المولى وَكيف يسبقونه بالقول قبل قوله سبحانه وحكمه هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ جميع ما عملوا من خير وشر والمأمور المجبور لا يكون شريكا للآمر الجابر القادر القاهر وكيف لا يعملون بامره سبحانه
إذ هو يَعْلَمُ بعلمه الحضوري ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وما هو حاضر عندهم معلوم لديه من أحوالهم وأفعالهم وَكذا ما خَلْفَهُمْ وما هو غائب عنهم ومجهول لهم وَان خرجوا عن مقتضى امر سبحانه لا يَشْفَعُونَ ولا يقبل شفاعتهم إذ لا يشفع لهم عند الله بعد ما خرجوا عن مقتضى حكمه إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى سبحانه ورضى بشفاعة من يشفع لهم واذن وَكيف يشفع عنده سبحانه بغير اذنه ورضاه إذ هُمْ اى الشفعاء مِنْ كمال خَشْيَتِهِ سبحانه ومن غاية سطوته وهيبته وقهره مُشْفِقُونَ خائفون مرعوبون وجلون
وَمتى كان حال الشفعاء وخشيتهم على هذا المنوال مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مستحق للعبادة مستقل في الألوهية مِنْ دُونِهِ سبحانه فَذلِكَ اى بمجرى قولهم هذا وان كان غير مطابق لاعتقادهم نَجْزِيهِ ونصليه جَهَنَّمَ البعد والحرمان ونيران الخيبة والخسران كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ الخارجين عن
следующие страницы →