Полный текст (1 120 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
والتعذيب فِي الْكِتابِ الذي هو عبارة عن حضرة علمنا ولوح قضائنا مَسْطُوراً على التفصيل الذي وقع ويقع بلا مخالفة أصلا
وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ ما صرفنا عن إرسال الآيات المقترحة عنك يا أكمل الرسل وعن الإتيان بها إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا وبأمثالها الْأَوَّلُونَ اى الأمم الماضون بعد إتيان ما اقترحوا عتوا وعنادا فاستأصلناهم بتكذيبهم وعنادهم إذ من سنتنا القديمة وعادتنا المستمرة استئصال المقترحين المكذبين على انبيائنا سيما بعد إتياننا إياهم بمقترحاتهم فلو حصل مقترحات هؤلاء المقترحين ايضا ليكذبونك البتة فلزم حينئذ إهلاكهم واستئصالهم على مقتضى سنتنا المستمرة لكن قد مضى حكمنا على ان لا ننتقم من مكذبيك في النشأة الاولى لان منهم من يؤمن ومنهم من يولد مؤمنا لذلك ما جئنا بمقترحاتهم وَاذكر لهم يا أكمل الرسل ان كانوا شاكين مترددين فيما ذكرنا بعض قصص الأمم الماضية المشهورة في الآفاق وذكرهم كيف آتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ المقترحة حين اقترحوا على نبينا صالح ﵇ بإخراجها من الحجر المعين فأخرجها منه باذن الله وبكمال قدرته حال كون أعينهم مُبْصِرَةً خروجها منه ومع ذلك فَظَلَمُوا بِها اى بالناقة بعد ما أمرهم سبحانه بمحافظتها ورعايتها على لسان صالح ﵇ فكذبوه فعقروها واستأصلناهم لأجلها وبالجملة أمثالهم من الأمم الهالكة بتكذيبهم بعد إتيان ما اقترحوا اكثر من ان تحصى وَبالجملة ما نُرْسِلُ وما نأتى بِالْآياتِ المقترحة حين نأتى بها إِلَّا تَخْوِيفاً من نزول العذاب المهلك المستأصل على المقترحين
وَاذكر يا أكمل الرسل للمؤمنين وقت إِذْ قُلْنا موحيا لَكَ مسليا عليك لا تحزن من كثرة عدد عدوك وعددهم ولا تخف من شوكتهم وصولتهم إِنَّ رَبَّكَ الذي اصطفاك من بين البرية للرسالة العامة قد أَحاطَ بِالنَّاسِ احاطة ذوات الظل بأظلالها وذوات الصورة بعكوسها فهم مقهورون تحت قبضة قدرته يفعل بهم حسب ارادته ومشيئته فامض أنت يا أكمل الرسل على ما أمرت بلا خوف وتردد فلك الاستيلاء والغلبة عليهم وَايضا ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي قد أَرَيْناكَ حين نزولك ماء بدر وأصبحت تقول مشيرا بإصبعك هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان فأخبرت قريش بقولك واشارتك الى مصارعهم فاستهزءوا بك واستبعد بعض المؤمنين ايضا ذلك إِلَّا فِتْنَةً واختبارا لِلنَّاسِ هل يؤمنون بك ويصدقون قولك أم يكذبونك ينكرون بك ثم لما وقع الأمر على الوجه الذي اريتك في منامك اطمأن المؤمنون وازدادوا يقينا وإخلاصا وجحد الكافرون وازدادوا شقاقا ونفاقا ونسبوا أمرك هذا بعد ما وقع جزما الى السحر والكهانة والرجم بالغيب عنادا ومكابرة وَايضا ما جعلنا الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ المكروهة التي يلعنها كل من يذوقها ويطعمها الا وهي الزقوم المنبت على شفير الجحيم لذلك قد لعنت فِي الْقُرْآنِ حتى يحترز المؤمنون عن الأعمال المقربة إليها الموجبة لاكلها الا فتنة للناس وابتلاء لذلك لما سمعت قريش بشجرة الزقوم جعلوها منشأ الهزل والسخرية مع الرسول ﵇ حتى قال ابو جهل ان محمدا يخوفنا عن نار تحرق الحجارة ويزعم انها تنبت الشجرة وقد علمتم ان النار تحرق الشجر وما هي الا فرية بلا مرية. ثم اعلم ان الأمور الدينية سيما المعتقدات الاخروية كلها تعبدية فلو ظهر لها وجه عقلي فبها ولو لم يظهر لزم الإطاعة والانقياد بها على سبيل التعبد والتسليم من الصادق الصدوق مع ان نبت الشجر في النار مما لا يمتنع عقلا ايضا إذ وجود الحيوان في النار ابعد من وجود النبات فيها وحكاية الدويبة المعروفة التي يقال لها سمندر وعيشها في النار كالسمك في الماء متى خرج منها مات واتخاذ الناس من شعرها
стр. 457
منديلا متى اتسخت وتكدرت طرحت على النار فاحترقت اوساخها وأخرجت سالمة نظيفة منها مشهور معروف لا شك في وقوعها واعجب من ذلك ابتلاع النعامة الجمر والجذوة والحديد المحماة المحمرة بالنار ولا تضرها أصلا وَمن قساوة قلوب أولئك الغواة وغلظ حجبهم نُخَوِّفُهُمْ بأنواع المخاوف الدنيوية والاخروية فَما يَزِيدُهُمْ تلك التخويفات الهائلة إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً متجاوزا عن الحد غاية التجاوز لشدة عمههم وعتوهم
وَليس طغيانهم وإصرارهم عليه الا بتسويلات الشياطين وتغريراتهم بمقتضى العداوة القديمة والخصومة المستمرة بين الشيطان وبنى آدم اذكر وقت إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ بأجمعهم بعد ما جاءوا بما جاءوا من الحجج والدلائل الدالة على عدم لياقة آدم بالخلافة والنيابة الى ان أفحموا والزموا اسْجُدُوا لِآدَمَ وتذللوا عنده ولا تجادلوا في حقه انا قد اخترناه لخلافتنا ونيابتنا فَسَجَدُوا سجود تواضع وتكريم امتثالا للأمر الوجوبي بعد ما تمادوا في إيراد الحجج والمناقضات استحياء منه سبحانه ورهبة من سطوة قهره بالإعراض عن امره وما خالف امر الله منهم إِلَّا إِبْلِيسَ فانه أصر على الإنكار ولم يرغب بامتثال المأمور بل قد زاد على الجدال والنزاع حيث قالَ مستبعدا مستنكرا أَأَسْجُدُ وأتذلل مع نجابة أصلي وشرف عنصري لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً اى لمن انشأته وصورته من طين منتن مذموم مرذول لا شرف له ولا نجابة وبالجملة ما هي الا تفضيل المفضول وتكريم المهان المرذول ثم لما طرده الحق عن ساحة عز الحضور وأخرجه من بين الملائكة ولعنه لعنة مؤبدة الى ان ايس عن القبول مطلقا
قالَ إبليس معترضا على الله مسيأ الأدب معه سبحانه مستفهما على سبيل الاستبعاد والاستنكار أَرَأَيْتَكَ اى أخبرني يا مولاي عن وجه كرامة هذَا القالب المستحقر المسترذل الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ وأمرتني بسجوده وطردتني لأجله طردا مخلدا بناء على انه يعبدك ويعرفك ويوحدك حق توحيدك ويقدسك حق تقديسك وتنزيهك وبالجملة هو يتفطن على حق قدرك وقدر حقيتك والله بحق عظمتك وجلالك لَئِنْ أَخَّرْتَنِ وأبقيتني فيما بينهم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ المعدة لتنقيد الأعمال وعرضها على جنابك لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ ولأضلنهم ولأغوينهم بأنواع الإغواء والإغراء بحيث امحون أسماءهم عن دفتر المؤمنين فكيف عن زمرة العارفين المكاشفين المشاهدين لان تركيبهم وبنيتهم هذه تقتضي انواع الفسادات واصناف العصيان والضلالات ولى فيهم مداخل كثيرة اوسوسهم واغريهم الى حيث أضلهم واغويهم عن منهج الرشد ومسلك السداد إِلَّا قَلِيلًا منهم فإنهم قد ثبتوا على ما جبلوا له بلا قدرة منى على اغوائهم لكونهم مؤيدين من عندك موفقين من لدنك
ثم لما سمع سبحانه منه ما سمع قالَ سبحانه ساخطا عليه مغاضبا طاردا له أشد طرد وتبعيد اذْهَبْ يا ملعون فقد امهلناك فيما بينهم الى قيام الساعة فلك ان تفعل بهم ما تفعل فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ بعد ما قد جبلناهم على فطرة التوحيد والمعرفة ومع ذلك قد أرسلنا عليهم الرسل المنبهين المرشدين لهم طريق الهداية والرشد وأنزلنا عليهم من لدنا الكتب المبينة لهم احوال المبدأ والمعاد ومع ذلك يتركون متابعة الكتب والرسل ويتبعون لك ويقتفون اثرك فهم حينئذ خارجون عن زمرة عبادنا الصالحين لاحقون بك مستحقون بما استحققت به أنت وأعوانك من الجزاء فَإِنَّ جَهَنَّمَ الطرد والحرمان وانواع المذلة والخذلان حينئذ جَزاؤُكُمْ تابعا ومتبوعا ضالا ومضلا جَزاءً مَوْفُوراً مستوفى وافرا وافيا لا مزيد عليه مؤبدا مخلدا لا نجاة لكم منها
وَبعد ما قد سمعت
стр. 458
جزاءك وجزاء من تبعك منهم اسْتَفْزِزْ ايها المطرود الملعون وحرك عن مواضع الثبوت والقرار وزلزل عن جادة التوحيد والمعرفة مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ وتمكنت على اضلالهم عن طريق الحق بِصَوْتِكَ اى بمجرد ان تصوت عليهم فتنحرفوا من غاية ضعفهم في الايمان وَان لم تقدر ولم تظفر عليهم بمجرد صوتك لرسوخهم وتمكنهم في الجملة أَجْلِبْ اى صح وصوّت عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ اى بركبان أعوانك وجنودك وَرَجِلِكَ اى بمشاتهم ورجالهم وَبالجملة تمم وأوفر جميع حيلك ومكرك مهما أمكنك حتى تستفزهم وتضعضعهم من مقر الايمان والعرفان وان شئت اتحادهم واخاءهم شارِكْهُمْ فِي جميع الْأَمْوالِ اى علمهم السرقة والغصب وقطع الطريق والربوا والحيل المشهورة المعروفة في هذا الزمان بالحيل الشرعية التي قد وضعها المتفقهة المتفسقة خذلهم الله من تلقاء أنفسهم الخبيثة الدنية ونسبوها الى الشريعة البيضاء المصطفية والملة الزهراء الزكية الخليلية وَشاركهم ايضا في الْأَوْلادِ اى علمهم طريق الاباحة والاستباحة وتحليل المحرمات المؤدية الى تخليط الأنساب وامتزاج المياه كما ابتدعها اهل التلبيس والتدليس من المتشيخة الذين هم من جنودك يا ملعون اهلكهم الله وقهر عليهم مثل ما لعنك وقهر عليك وَان شئت عِدْهُمْ بالمواعيد الكاذبة التي قد مالت إليها نفوسهم واقتضت شهواتهم من ترك التكاليف والأعمال الشاقة من الفرائض والسنن والآداب الشرعية والنوافل المقربة نحو الحق والإنكار على النشأة الآخرة وما يترتب عليها من الأمور المسئولة عنها والمؤاخذة عليها وكذا بإنكار الجنة والنار وغيرها وَبالجملة ما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ المضل المغوى وما يزين ويحسن لهم إِلَّا غُرُوراً تزيينا وتحسينا للباطل بصورة الحق وادعاء الحقية والحقيقة له ليغريهم بها ويضلهم بسببها عن طريق الحق وبالجملة افعل بهم ايها الحريص على اضلالهم ما شئت من المكر والحيل وانواع الخداع وهم ان كانوا من زمرة ارباب الإيقان والاطمئنان المقررين في مقر التوحيد والعرفان الموفقين عليه من لدنا لا يتبعونك البتة ولا يقبلون منك وسوستك وهذياناتك وبالجملة ليس لك عليهم سلطان أصلا وان كانوا من المطبوعين المختومين من عندنا المجبولين على الضلالة والغواية من لدنا فيتبعونك ويقتفون اثرك فلحقهم ما لحق بك وهم من جنودك واتباعك فلا نبالى بهم وبخروجهم عن زمرة عبادنا المخلصين وبالجملة من لم يجعل الله له نورا فماله من نور.
ثم قال سبحانه إِنَّ خلص عِبادِي أضافهم سبحانه الى نفسه لكمال إخلاصهم واختصاصهم لَيْسَ لَكَ ايها المضل المغوى عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ اى حجة واستيلاء تغلبهم بها عليهم سيما الذين اتخذوني خليلا وأخذوني حسيبا وكفيلا وَبالجملة كَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا يعنى كفى ربك كفيلا حفيظا يتوكلون عليه مخلصين ويستعيذون نحوه من اغوائك واغرائك ايها الطاغي ملتجئين اليه وكيف لا يحفظكم ولا يعيذكم ايها المؤمنون المخلصون عما يؤذيكم ويقصد مقتكم
رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي اى يسرى ويجرى لَكُمُ الْفُلْكَ الجارية فِي الْبَحْرِ بتيسيره وتسهيله عناية منه إياكم لِتَبْتَغُوا وتطلبوا مِنْ فَضْلِهِ ما يوسع لكم طريق المعاش من انواع التجارات والأرباح واستخراج اصناف الجواهر منه وغير ذلك إِنَّهُ سبحانه من كمال جوده وسعة رحمته كانَ بِكُمْ رَحِيماً مشفقا عطوفا سيما بعد اتكالكم عليه سبحانه على وجه الإخلاص
وَمما ارتكز في نفوسكم ورسخ في قلوبكم انكم إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ بان عرض لمركبكم ما يوجب كسرها وغرقها وصرتم فيها حيارى سكارى بحيث ضَلَّ وغاب عنكم
стр. 459
جميع مَنْ تَدْعُونَ وتستغيثون منه لو كنتم في البر وما بقي معكم من الامتعة والبضاعات التي تتوسلون بها لإنقاذكم حال كونكم في البر إِلَّا استعانتكم واستغاثتكم إِيَّاهُ سبحانه فانه بذاته لا يغيب عنكم ولا يفارقكم بحال من الأحوال إذ هو اقرب إليكم من حبل وريدكم فما تستغيثون ولا تستعينون إلا منه إذ لا مغيث لكم سواه حينئذ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ وخلصكم سبحانه عن تلك المضايق الهائلة وأوصلكم إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ عنه سبحانه وصرتم متعلقين بما معكم من الامتعة والاعراض وَبالجملة قد كانَ الْإِنْسانُ في اصل فطرته خلق كَفُوراً لأنعم الله هلوعا إذ امسه الشر جزوعا نحو الحق وإذ امسه الخير كفورا منوعا معرضا عنه منكرا له
أَأعرضتم عنه سبحانه سيما بعد انجائه وإنقاذه إياكم فَأَمِنْتُمْ عن قهره وسخطه حين وصلتم الى البر مع انه سبحانه قادر على إهلاككم في البر ايضا اما تخافون أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ اى يقلب عليكم الأرض كما خسفها على قارون أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ ريحا شديدا حاصِباً فيها حصباء نرميكم ونرجمكم بها كما رجمنا قوم لوط ثُمَّ بعد ما اخذناكم في البر بأمثال هذه البليات لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا حفيظا يحفظكم عن أمثال هذه المصيبات او يشفع لكم بتخفيفها وكشفها سوى الله الواحد الأحد القادر المقتدر القيوم المطلق
أَمْ أَمِنْتُمْ ايها القاصرون عن ادراك قدر الله وكمال قدرته عن أَنْ يُعِيدَكُمْ ويلجئكم الى الرجوع فِيهِ اى في البحر تارَةً أُخْرى بأسباب ووسائل لا تخطر ببالكم فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ في الكرة الاخرى لاخذكم وانتقامكم قاصِفاً كاسرا مِنَ الرِّيحِ لتكسر مركبكم فَيُغْرِقَكُمْ فيه بِما كَفَرْتُمْ عند النجاة عن مثله في الكرة الاولى ثُمَّ بعد ارجاعنا الى البحر واغراقنا فيه على نحو انعامنا وانجائنا من قبل لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً اى لا تجدوا ناصرا ومعينا لكم يظهر علينا ويجترئ باخذنا إياكم وانتقامنا عنكم ويطالب عنا قصاص ما فعلنا بكم إذ لا راد لفعلنا ولا معقب لحكمنا ولا معين ولا مستعان لكم سوانا نفعل ما نشاء ونحكم ما نريد.
ثم قال سبحانه على سبيل الانعام والامتنان وَلَقَدْ كَرَّمْنا وفضلنا بَنِي آدَمَ بأنواع الكرامة والتفضيل على سائر المخلوقات من حسن الصورة والسيرة واعتدال المزاج واستواء القامة والعقل المفاض المنشعب من العقل الكل الذي هو حضرة العلم الحضوري الإلهي وكذا بالقدرة والارادة وسائر الصفات المترتبة على الصفات الذاتية الإلهية ليشعر بخلافته ونيابته وَمع ذلك قد حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ بركوب النجائب من الخيل والبغال والبعير وغير ذلك وَفي الْبَحْرِ بركوب الجواري والسفن وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ اى الأطائب التي يكسبونها بأيديهم بمقتضى اقدارنا إياهم واعدادنا لهم اسباب مكاسبهم وابحنا لهم ما تستلذ به نفوسهم وتشتهي قلوبهم على وفق ما نطق به السنة رسلهم وكتبهم وَبالجملة قد فَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا والقليل المستثنى هم الملائكة المقربون المهيمون المستغرقون بمطالعة جمال الله وجلاله وان كان الوالهون الهائمون من افراد الإنسان في ولاء الله ومحبته المكاشفون بسر الخلافة والنيابة التي اخبر بها الحق الواصلون الى مرتبة الفناء الذاتي بالموت الإرادي أفضل منهم ايضا وارفع رتبة ومكانة وانما كرمناهم وفضلناهم بما فضلناهم لحكم ومصالح تقتضيها ذاتنا وهي انا أردنا ان نطالع ذاتنا المتصفة بعموم أوصاف الكمال ونعوت الجمال والجلال في مظهر تام كامل لائق لمرآتيتنا وخلافتنا فاظهرناهم وكرمناهم لأجل هذه الحكمة العزيزة والمصلحة الشريفة فمن لم يبلغ منهم الى هذه المرتبة العلية والدرجة السنية بسلوكه الذي قد ارشدناه اليه
стр. 460
وعلمناه بإرسال الرسل وإنزال الكتب إياه فهو نازل كل التنازل عن درجة الاعتبار ساقط عن رتبة ذوى الألباب والأبصار بل أولئك البعداء الضالون عن منهج الرشد كالأنعام بلا شعور الى ما جبلوا لأجله بل أضل سبيلا منها وأسوأ حالا ومآلا ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور اذكر يا أكمل الرسل للمفضلين المكرمين على سائر المخلوقات
يَوْمَ نَدْعُوا ونحشر كُلَّ أُناسٍ منهم لنسألهم ونطلب عنهم ما كسبوا وما حصلوا من المعارف والحقائق والأعمال المقربة إلينا باقتدائهم بِإِمامِهِمْ الذي قد أرسل إليهم وانزل عليهم من الرسل والكتب لإرشادهم وهدايتهم مع انا قد كتبنا خيرهم وشرهم اللذين قد جاء كل منهم بهما في صحيفة ونعطيهم اليوم صحائف أعمالهم بأيديهم فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ منهم بِيَمِينِهِ فهو دليل خيرية اعماله وطيب أحواله فَأُولئِكَ السعداء المقبولون اصحاب اليمين يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ فرحين بما فيه مسرورين فيجازون بمقتضى ما كتب بل بأضعافها وآلافها عناية منا وفضلا وَهم لا يُظْلَمُونَ ولا ينقصون من أجور أعمالهم فَتِيلًا مقدار ما في ظهر النواة من الخط الأسود او بين الأصابع من الوسخ المفتولة
وَمن اوتى كتابه بشماله فهو علامة شرية اعماله ووخامة أحواله ومآله فأولئك الأشقياء المردودون اصحاب الشمال والشآمة ينظرون الى كتابهم فيجدون ما فيه من انواع المعاصي والآثام فيغمضون عيونهم عن قراءتها آيسين محزونين فيجازون بمقتضى ما كتب مثلا بمثل عدلا منه سبحانه إذ مَنْ كانَ فِي هذِهِ النشأة أَعْمى عن مطالعة آثار الأوصاف الذاتية الإلهية وملاحظة عجائب صنعه وغرائب حكمته وبدائع تجلياته وتطوراته المتجددة آنا فآنا لحظة فلحظة فَهُوَ فِي النشأة الْآخِرَةِ ايضا أَعْمى إذ النشأة الاولى مزرعة لعموم الخيرات والاخرى وقت الحصاد فمن لم يزرع فيها فهو في وقت الحصاد مغبون أعمى عن وجدان الخيرات وَأَضَلُّ سَبِيلًا لفوات اسباب التدارك والتلافي عنه فيبقى متحيرا مدهوشا قلقا حائرا ضالا مستوحشا. ثم قال سبحانه مخاطبا لحبيبه ﷺ على وجه التأديب والتنبيه بعد ما ظهر عليه مخايل الميل والركون عن الحق بمخادعة اهل الكفر والنفاق
وَإِنْ كادُوا اى ان الشأن ان الكفرة الضالين المسرفين قد قاربوا لَيَفْتِنُونَكَ يا أكمل الرسل ويوقعونك في الفتنة الشديدة بالميل والانصراف عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وأنزلنا في كتابك من الأوامر والنواهي والاحكام المتعلقة بتهذيب الظاهر والباطن ويرغبونك لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ اى غير ما أوحينا إليك وَإِذاً اى حين افترائك وانتسابك إلينا غير ما أوحينا لك من الأمور التي تشتهيها أنفسهم وترتضيها قلوبهم لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وآمنوا بك بواسطة انتسابك هذا إلينا واتفاقك معهم في ذلك الافتراء والمراء نزلت في ثقيف حين قالوا لا نؤمن بك حتى تخصنا بخصال نفتخر ونباهى بها على سائر العرب لا نعشر ولا نحشر ولا نجبى في صلاتنا وكل ربوا لنا فهو لنا وكل ربوا علينا فهو موضوع عنا وان تمتعنا باللات سنة وان تحرم وادينا كما حرمت مكة فان قالت العرب لم فعلت معهم هذا ولم خصصتهم بتلك الكرامات فقل ان الله قد أمرني وأوصاني بها وانتظر ان تنزل آية فيها فان فعلت بنا هذه نؤمن بك ونصدقك ونتخذك خليلا فتردد ﷺ وقرب ان يميل ويركن لشدة ميله الى ايمانهم واتباعهم فجاءه جبريل ﵇ ومنعه عن هذا الرأى
لذلك قال سبحانه وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ اى ولولا اثباتنا وثثبيتنا إياك يا أكمل الرسل في مقر صدقك وتمكينك لَقَدْ كِدْتَ وقاربت أنت تَرْكَنُ وتميل إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا اى قد صرت في صدد
стр. 461
الميل والركون الى انجاز ما أرادوا وإنجاح ما قصدوا
وبالجملة إِذاً اى حين انجاحك مسئولهم ومأمولهم وفعلت معهم ما طلبوا منك لَأَذَقْناكَ في نشأتك هذه ضِعْفَ الْحَياةِ اى ضعف عذاب من جاء بمثله في النشأة الاولى وَكذا ضِعْفَ الْمَماتِ اى قد أذقناك ايضا ضعف عذاب من جاء به في النشأة الاخرى يعنى نعذبك في الدنيا والآخرة بضعف عذاب من جاء به من سائر الناس لان جزاء الأبرار لو أتوا بالمعاصي والآثام ضعف جزاء الأشرار بل اكثر إذ لا يتوقع منهم الانحراف عن منهج الرشد أصلا ولو انصرفوا أخذوا بضعف من يتوقع منهم الانحراف والانصراف ثُمَّ بعد أخذنا إياك وانتقامنا عنك بكذا لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً اى لا تجد أنت لك نصيرا يظهر علينا بنصرتك ويطالبنا بانقاذك عن عذابنا
وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ اى وان قاربوا ليحركونك ويضطرونك بالنقل والجلاء مِنَ الْأَرْضِ التي قد استقررت أنت عليها وتمكنت فيها يعنى مكة لِيُخْرِجُوكَ مِنْها معللين بان الأنبياء والرسل انما بعثوا في ارض الشأم والأرض المقدسة خصوصا أجدادك ابراهيم وإسماعيل واسحق ويعقوب وأولادهم واسباطهم صلوات الله عليهم كلهم قد بعثوا فيها فلك ان تخرج إليها حتى نؤمن لك ونصدق برسالتك وما ذلك الا حيلة وخديعة معك قصدوا ليخرجوك بها من مكة حتى تبقى الرياسة لهم وَلا تغتم يا أكمل الرسل ولا تحزن بالخروج منها فإنك إِذاً لو خرجت أنت منها وهم ايضا لا يَلْبَثُونَ ولا يقيمون اى أولئك الضالون المفسدون المسرفون فيها خِلافَكَ وبعد خروجك إِلَّا زمانا قَلِيلًا وقد جرى الأمر على مقتضى وعد الله سبحانه إياه ﷺ فإنهم بعد ما هاجر ﵇ قتلوا ببدر بعد مدة يسيرة وليس اخراجك يا أكمل الرسل عن مكة وإهلاكهم بعد خروجك منها ببدع منا مستحدث بل من سنتنا القديمة وعادتنا المستمرة إهلاك الأمم الذين اخرجوا نبيهم المبعوث إليهم من بين أظهرهم عنادا بل قد صار ذلك
سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا المبعوثين الى الأمم الماضية اى من سنتنا القديمة الموضوعة فيهم بالنسبة الى اقوامهم فكذلك حالك مع هؤلاء المعاندين المكذبين وَبعد ما قد استمرت منا هذه السنة السنية لا تَجِدُ أنت ولا غيرك ايضا لِسُنَّتِنا المنبعثة من كمال حكمتنا تَحْوِيلًا تغييرا وتبديلا أذلنا فيها حكم ومصالح مخفية قد استأثرنا بها لا اطلاع لك عليها وانما عليك التوجه والتقرب إلينا في عموم أوقاتك وحالاتك سيما في الأوقات المكتوبة المحفوظة
أَقِمِ الصَّلاةَ وأدم الميل والتوجه نحونا لِدُلُوكِ الشَّمْسِ اى حين زوالها من الاستواء إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ اى ظلمته بغروبها الى حيث لم يبق من بقية آثار ضوءها شيء أصلا فيسع في المحدود المذكور الظهر والعصر والمغرب والعشاء على ما عين الشرع لكل منها وقتا معينا وَطول قُرْآنَ صلاة الْفَجْرِ وأطل القيام فيها مع القراءة إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ الذي هو وقت الانكشاف وأوان الانجلاء الصوري المنبئ عن الانكشاف المعنوي والانجلاء الحقيقي الذي هو عبارة عن اشراق نور الوجود واضمحلال الاظلال والعكوس المشعرة بالكثرة والغيرية لذلك قد كانَ قراءة القرآن المبين لسرائر الوحدة الذاتية وكيفية سريانها على صفائح المكونات فيه مَشْهُوداً لخواص عباد الله من الملائكة والثقلين بل لجميع الحيوانات من الوحوش والطيور إذ الكل في وقت الفجر متوجهون نحو الحق مسبحون مهللون حالا ومقالا
وَان شئت ازدياد القرب والثواب قم واستيقظ من منامك في قطعة مِنَ اللَّيْلِ واترك النوم فيها طلبا لمرضاة الله فَتَهَجَّدْ بِهِ وصل فيها صلاة التهجد
стр. 462
بتطويل القراءة لتكون نافِلَةً زائدة لَكَ على فرائضك مزيدة لقربك وكرامتك عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ ويقيمك رَبُّكَ بسعيك واجتهادك في تهجدك مَقاماً مَحْمُوداً اى مقاما من مقامات القرب ودرجات الوصال مسمى بالمقام المحمود لان كل من وصل اليه يحمد له سبحانه ويثنى عليه بإعطاء تلك الكرامة العظيمة إياه إذ لا مقام ارفع منه وأعلى رتبة ومكانة
وَبعد ما وصلت ايها السالك الناسك اليه لم يبق لك درجة الاستكمال والاسترشاد بل قد صرت كاملا رشيدا وان ألهمت وأذنت من عنده سبحانه بعد ما تحققت في تلك المرتبة للإرشاد والتكميل صرت مرشدا مكملا لأهل النقص والاستكمال شفيعا لهم عند الله باذنه لتنفذهم من لوازم الإمكان المفضى الى دركات النيران وتوصلهم الى قضاء الجنان بتوفيق الله إياك وإياهم وبعد وصولك بسعيك وجهدك وانواع تهجدك وإقامتك في خلال الليالى بتوفيق الله وتيسيره على ما وصلت من المقامات العلية والمراتب السنية قُلْ مناجيا الى ربك ملتجئا نحوه طالبا التمكن والتقرر في المقام الذي وصلت اليه بتوفيقه وتأييده رَبِّ يا من رباني بأنواع اللطف والكرم أَدْخِلْنِي حسب فضلك وجودك مُدْخَلَ صِدْقٍ ومنزل قرار وتمكين الا وهو مقر التوحيد المسقط لعموم الإضافات والكثرات وخلدنى فيه بلا تذبذب وتلوين وَأَخْرِجْنِي عن مقتضيات انانيتى وهويتى الى فضاء الفناء الموصل الى شرف البقاء واللقاء مُخْرَجَ صِدْقٍ بلا تلعثم وتزلزل وَاجْعَلْ لِي حين معارضة انانيتى معى واستيلاء جنود امارتى على مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً اى برهانا قاطعا وكشفا صريحا وشهودا تاما ليكون نَصِيراً لي ينصرني على أعدائي ويخلصني من أيديهم حين هجومهم على
وَقُلْ بعد ما تحققت وتمكنت في مقام الكشف والشهود قد جاءَ الْحَقُّ الصريح الثابت ولاحت شمس الذات وَزَهَقَ اى تلاشى واضمحل الْباطِلُ اى العكوس والاظلال الهالكة الباقية في عدمياتها الاصلية إِنَّ العدم الْباطِلُ الزاهق الزائل الظاهر على صورة الحق قد كانَ زَهُوقاً في نفسه مضمحلا في حد ذاته باقيا على عدمه وان أوهم وخيل انها موجودات متأصلات في الوجود الا انها ما شمت رائحة منه سوى ان اشعة التجليات الوجودية الإلهية قد لاحت عليها وانبسطت إياها فيتراءى ما يتراءى فظن المحجوب انها موجودات متأصلات وبالجملة من لم يجعل الله له نورا فما له من نور
وَمتى تحققت بالمقام المحمود وفزت بما فزت من الحوض المورود الذي هو عبارة عن حضرة الوجود نُنَزِّلُ عليك تعظيما لشأنك وتأييدا لأمرك مِنَ الْقُرْآنِ المبين الموضح للمراتب العلية من التوحيد ما هُوَ شِفاءٌ لمرضى القلوب بسموم الإمكان في مضيق الحدثان ومجلس الملوان من الموفقين بشرف متابعتك وَرَحْمَةٌ نازلة لِلْمُؤْمِنِينَ بك المصدقين بدينك وكتابك ليسترشدوا ويستكشفوا بما فيه من الرموز والإشارات قدر قابلياتهم واستعدادتهم كي يتفطنوا ويتنبهوا بما فيه من السرائر المودعة المتعلقة بسلوك مسالك التوحيد والعرفان وَلا يَزِيدُ تربيتك وتعظيمك يا أكمل الرسل الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضى حدوده وأحكامه سبحانه استنكارا واستكبارا إِلَّا خَساراً وبوارا لا خسار أعظم منه وهو إبطالهم الحكمة التي قد جبلهم الحق لأجلها الا وهي المعرفة والتوحيد وما ينتمى إليها من الأعمال الصالحة والأخلاق المرضية المقبولة عند الله. ثم اخبر سبحانه عن تمايل الإنسان وتلوينه وعدم رسوخه وتمكنه بحال من الأحوال وعدم فطنته وذكائه بذاته وكيفية افتقاره واحتياجه الى الحق وعدم تأمله في مبدئه ومعاده وفي كيفية ارتباطه بالحق في النشأة الاولى والاخرى
فقال وَإِذا أَنْعَمْنا وأعطينا من كمال فضلنا وجودنا عَلَى الْإِنْسانِ المجبول
стр. 463
على الكفران والنسيان ووسعنا له طرق معاشه أَعْرَضَ عنا وانصرف عن شكر نعمنا وعن الالتجاء والارتجاء بنا عنادا واستكبارا وَصار من افراط عتوه الى حيث نَأى وتباعد بِجانِبِهِ عنا اى طوى كشحه ولوى عنقه وعطفه منا كأنه مستغن في ذاته مستقل في امره بحيث لا يخطر بباله احتياجه إلينا ولهذا تجبر واستعلى وبالغ في الجدال والمراء الى ان قال انا ربكم الأعلى وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ وأزعجه البلاء وهجم عليه الشدة والعناء وترادفت عليه الوقائع والمصيبات قد كانَ من قلة تصبره وضعف يقينه وتدبره يَؤُساً عن روح الله شديد القنوط عن سعة لطفه ورحمته والطرفان اى افراط الاستغناء والاستكبار وتفريط اليأس والقنوط كلاهما مذمومان محظوران عقلا وشرعا
قُلْ يا أكمل الرسل كلاما ناشئا عن محض الحكمة منبئا عن الاستقامة والعدالة مبنيا عليهما كُلٌّ من المحق والمبطل والهادي والضال يَعْمَلُ ويقتدى عَلى شاكِلَتِهِ وطريقته التي تشاكل وتشابه حاله ووقته إياها إذ كل ميسر موفق من لدنا لما خلق له سواء كان من رشد أو غي او ضلالة او هداية ولا علم لكم يا بنى آدم على حقيقة الأمر والحال فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بعلمه الحضوري بِمَنْ هُوَ أَهْدى منكم وأقوم سَبِيلًا وأوضح منهجا واسد طريقا فيوفقه على جهته ووجهته ومن هو على خلافه فعلى خلافه. ثم قال سبحانه تأييدا لحبيبه ﷺ وتعليما
وَيَسْئَلُونَكَ يا أكمل الرسل فرق النصارى واليهود وجميع اهل الزيغ والضلال عَنِ الرُّوحِ المتعلق بالأجساد المحيي لها ومحركها بالإرادة والاختيار وإذا انفصل وافترق عنها ماتت ولم تتحرك وانقطع الشعور والإدراك عنها اى يسئلونك عن كميته وكيفية تعلقه وارتباطه بالأجسام وكيفية انفصاله عنها قُلِ الرُّوحُ نفسه وحقيقته وكيفية تعلقه بالأجسام وكيفية انفصاله عنها كلها صادرة ناشئة مِنْ أَمْرِ رَبِّي اى من جملة ما حصل بامره الدال على تكوين المكونات وإيجاد الموجودات وهو قول كن الدال على سرعة نفوذ قضائه سبحانه واما كمية المقضى وكيفية حصوله وانفصاله فأمر قد استأثر الله به في غيبه ولم يطلع أحدا عليه لذلك قال وَما أُوتِيتُمْ يا ابن آدم مِنَ الْعِلْمِ المتعلق بالروح إِلَّا قَلِيلًا الا وهو انيته وتحققه دون كميته وحقيقته لان اطلاع الإنسان انما هو بقدر قابليته واستعداده وليس في وسعه وطاقته ان يعلم حقيقة الخردلة وكيفية حصوله وتكونه فكيف حقيقة الروح وكيفية تعلقه بالبدن غاية ما في الباب ان المكاشفين من ارباب الأذواق ينكشفون بكيفية سريان الهوية الذاتية الإلهية التي هي منبع الروح على صفائح المكونات سريان الروح في البدن وسريان نور الشمس على مطلق الأضواء ويتفطنون منها ان ظهور الأشياء وحياتها ومنبع نشأها ونماءها انما هي تلك السراية هذا نهاية ما يمكن التكلم والتفوه عنه واما الاطلاع على كنهها فأمر لا يسعه مقدرة البشر.
ثم قال سبحانه وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ اى والله ان شئنا وأردنا اذهاب القرآن المرشد لقاطبة الأنام لحككناه من المصاحف ومحوناه من الصدور والخواطر ايضا ثُمَّ بعد اذهابنا ومحونا لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا اى لا تجد ظهيرا معينا لك يطالبنا بمجيئه
إِلَّا رَحْمَةً ناشئة مِنْ رَبِّكَ يا أكمل الرسل نازلة إليك ان سألت منه سبحانه رده يرده إليك تلطفا وعطفا إِنَّ فَضْلَهُ سبحانه قد كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً كثيرا مثل اصطفائك من بين البرية وارسالك الى كافة الخليقة وتأييدك في عموم الأوقات ونصرك على جميع الأعادي وغير ذلك ثم لما قال بعض المعاندين من الكفار الطاعنين في القرآن القاد حين به وبشأنه لو نشاء لقلنا مثل هذا القرآن الذي أنت جئت به يا محمد
стр. 464
ونسبته الى الله افتراء بانه نزل من عنده
قُلْ لهم يا أكمل الرسل في جوابهم مقسما مؤكدا والله لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ واتفقوا معاونين متعاضدين عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ الجامع لأحوال النشأتين الواقع في أعلى مرتبة البلاغة والفصاحة لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولما حصل لهم الإتيان به مطلقا وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً اى ولو كانوا متظاهرين متعاضدين في إتيانه لم يتأت منهم الإتيان لكونه خارجا عن طوق البشر
وَالله لَقَدْ صَرَّفْنا وكررنا لِلنَّاسِ فِي حق هذَا الْقُرْآنِ المعجز لفظا ومعنى مِنْ كُلِّ مَثَلٍ موضح لهم اعجازه وخروجه عن معرض معارضة البشر معه وارتفاع شانه عن القدح والطعن فيه فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ وامتنعوا عن قبوله ولم يتفطنوا لاعجازه وبالجملة ما يزيدوا في حقه مع ظهور الدلائل والشواهد المكررة إِلَّا كُفُوراً جحودا وإنكارا بدل القبول واليقين بحقيته
وَمع ظهور هذا المعجز المشتمل لما في العالم غيبا وشهادة اجمالا وتفصيلا قالُوا تعنتا واقتراحا ومبالغة وإلحاحا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ولن نصدق بكتابك ودينك حَتَّى تَفْجُرَ وتشقق أنت لَنا مِنَ الْأَرْضِ اى ارض مكة شرفها الله يَنْبُوعاً اى عينا جارية نشرب منها ونزرع بها ونغرس على وجه العموم
أَوْ تَكُونَ لَكَ عليها على وجه الخصوص جَنَّةٌ وبستان مغروسة مملوة مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ سهل السقي فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها وأوسطها تَفْجِيراً سهلا يسيرا بحيث لا تكلف في سقيها ولا عسر أصلا
أَوْ تأتى بآية ملجئة لنا الى الايمان بان تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ ونسبت الى ربك بقوله ان نشأ نخسف بهم الأرض او نسقط عليهم كسفا من السماء عَلَيْنا كِسَفاً اى قطعة بعد قطعة حتى نؤمن لك أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ الذي ادعيت الرسالة والنبوة من عنده جهرة ظاهرة تعالى عن ذلك وَالْمَلائِكَةِ اى تأتى بالملائكة الذين ادعيت أنت وساطتهم ورسالتهم بينك وبين ربك قَبِيلًا اى تأتى بهم مقابلا عيانا مشاهدا محسوسا لنا بحيث نريهم صورهم وأشباحهم
أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ متخذ مِنْ زُخْرُفٍ اى ذهب وفضة مكللة بجواهر نفيسة أَوْ تَرْقى وتصعد أنت بنفسك على رؤس الاشهاد فِي السَّماءِ بلا اسباب ووسائل وَبعد صعودك وعروجك إليها لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ اى لن نؤمن ونصدق بك بمجرد رقيك وعروجك حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً مكتوبا من عند ربك مشتملا على اسامينا وعلى دعوتك إيانا الى الايمان وتصديقنا بك بحيث نَقْرَؤُهُ بين أظهرنا ونؤمن بك بأجمعنا قُلْ لهم يا أكمل الرسل بعد ما سمعت منهم هذه المقترحات التي ليس في وسعك وطاقتك متعجبا منزها مستبعدا سُبْحانَ رَبِّي وتعالى شأنه من ان يشارك في قدرته فان أمثال هذه المقترحات انما تصدر عنه سبحانه اصالة او أظهرها سبحانه بدعاء بعض عباده ان تعلق ارادته ومشيته ولم يظهر سبحانه على أمثال هذا بل هَلْ كُنْتُ وما صرت إِلَّا بَشَراً ضعيفا كسائر الناس غاية ما في الباب انى بوحي الله الى والهامه على قد كنت رَسُولًا من لدنه كسائر الرسل وقد كانوا ايضا لا يتأتى منهم كل ما اقترح عنهم اقوامهم بل ما يصدر عنهم الا ما يسر الله لهم ومكنهم عليه ومالي ايضا الا ما يسر الله لي وقدره على.
ثم قال سبحانه وَما مَنَعَ وصرف النَّاسَ عن أَنْ يُؤْمِنُوا ويهتدوا وقت إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى اى الرسول الهادي المرشد الرشيد إياهم ليرشدهم الى طريق التوحيد والعرفان إِلَّا أَنْ قالُوا اى الا قولهم هذا على سبيل الاستبعاد والاستنكار أَبَعَثَ اللَّهُ العليم الحكيم المتقن في أفعاله بَشَراً
стр. 465
متصفا بأنواع الجهالات منغمسا بأصناف الكدورات رَسُولًا الى بشر مثله ليهديهم الى الكمال ويهذبهم عن النقصان كلا وحاشا بل ان أرسل الله رسولا الى هداية عباده فالمناسب إرسال الملك لكونه صافيا عن الكدورات الجسمانية مطلقا
قُلْ لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا لا بد بين المفيد والمستفيد من المناسبة والملائمة المصححة لأمر الإفادة والاستفادة لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ سماويون نازلون منها إليها لمصلحة وهم يَمْشُونَ عليها مُطْمَئِنِّينَ متمكنين لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ حين احتياجهم الى الإرشاد والتكميل مِنَ السَّماءِ مَلَكاً كذلك مجانسا لهم رَسُولًا إليهم يرشدهم ويهديهم حسب مجانستهم ومناسبتهم
قُلْ يا أكمل الرسل بعد ما ايست عن ايمانهم وصلاحهم كَفى بِاللَّهِ اى كفى الله شَهِيداً مثبتا لرسالتي عليكم بإظهار انواع المعجزات على يدي قاطعا للنزاع الواقع بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ سبحانه بذاته وبحضرة علمه قد كانَ بِعِبادِهِ وبجميع ما صدر عنهم من الأعمال على التفصيل خَبِيراً بَصِيراً ذا خبرة وبصارة كاملة شاملة بحيث لا يشذ من أحوالهم شيء من علمه وخبرته فيجازيهم بكمال قدرته حسب علمه بهم
وَبعد ما ثبت ان أمرهم موكول الى الله وحالهم محفوظ عنده مَنْ يَهْدِ اللَّهُ الهادي وتعلق ارادته بهدايته فَهُوَ الْمُهْتَدِ اى هو مقصور على الهداية لا يتعداها أصلا وَمَنْ يُضْلِلْ الله وتعلق مشيته بضلاله فَلَنْ تَجِدَ يا أكمل الرسل لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ اى من دون الله يوالونهم ويظاهرون عليهم وينقذونهم من بأس الله وبطشه بعد ما اخذتهم العزة باثمهم وَلذلك نَحْشُرُهُمْ ونبعثهم يَوْمَ الْقِيامَةِ بعد تنقيد أعمالهم ونجزهم نحو النار مكبين عَلى وُجُوهِهِمْ منكوسين تنفيذا لأحكامنا يعنى يسحبون ويجرون نحو جهنم البعد والخذلان وجحيم الطرد والحرمان عُمْياً لكونهم في النشأة الاولى أعمى عن رؤية الحق في اعيان المظاهر وصفحات المجالى وَبُكْماً لكونهم صامتين ساكتين عما ظهر لهم من دلائل التوحيد عنادا ومكابرة وَصُمًّا لكونهم أصمين عن استماع كلمة الحق عن السنة الرسل ووراثهم اى العلماء لذلك صار مَأْواهُمْ ومنزلهم جَهَنَّمُ الطرد والحرمان المسعر بنيران الخسران والخذلان وقد صارت من شدة تسعرها الى حيث كُلَّما خَبَتْ وسكنت لهب نارها بعد ما أكلت جلودهم ولحومهم زِدْناهُمْ جلودا ولحوما مثل جلودهم ولحومهم بل عينها يعنى كلما اضمحلت جلودهم ولحومهم نعيدهم على ما كانوا عليه لتصير سَعِيراً ذا شرر والتهاب مفرط بعد ما جدد ما تأكل والسبب في تكرارها وإعادتها كذلك انكارهم للحشر واعادة المعدوم بعينه
ذلِكَ الذي سمعت من العذاب جَزاؤُهُمْ اى جزاء المنكرين الكافرين وانما عذبناهم بها بِأَنَّهُمْ اى بسبب انهم قد كَفَرُوا بِآياتِنا الدالة على الحشر الجسماني وَقالُوا منكرين مستبعدين أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَصرنا رُفاتاً هباء غبارا منبثا مثارا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً اى مخلوقا موجودا جَدِيداً مثل المخلوق الاول كلا وحاشا
أَينكرون الحشر واعادة المعدوم بعينه ويصرون على الإنكار أولئك المعاندون وَلَمْ يَرَوْا ولم يعلموا أَنَّ اللَّهَ القادر المقتدر الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ خلقا إبداعيا اختراعيا بلا سبق مادة وزمان قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بعد موتهم واعدامهم مع ان الإعادة أسهل وأيسر من الإنشاء والإبداء وَلم يعلموا كيف جَعَلَ اى صير وقدر سبحانه لَهُمْ أَجَلًا معينا لا رَيْبَ فِيهِ حتى وصلوا اليه ماتوا بحيث لا يسع لهم طلب التقديم والتأخير أصلا ومع وضوح هذه الدلائل
стр. 466
والشواهد فَأَبَى وامتنع الظَّالِمُونَ الخارجون عن مقتضى العقل والنقل عن قبول الحق المطابق للواقع وبالجملة ما يزيدهم وروده ووضوحه إِلَّا كُفُوراً جحودا وإنكارا للحق لخبث طينتهم ورداءة فطرتهم متوهمين نفاد قدرة الله عند مراده وانقضاء تمكنه واقتداره لدى المقدور
قُلْ للمنكرين المتوهمين نفاد قدرة الله وانصرام حوله وقوته عن مراده لا تقيسوا الغائب على الشاهد ولا تتوهموا الشح والبخل والعجز والاضطرار في حق الله بل الكل انما هو من اوصافكم وخواصكم إذ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي مع سعتها وفسحتها وعدم نفادها وتناهيها أصلا إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ وبخلتم خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ ومحافة النفاد بالإنفاق سيما بلا وضع شيء بدل ما ينفق وَبالجملة قد كانَ الْإِنْسانُ خلق في اصل فطرته قَتُوراً ممسكا لازدحام لوازم الإمكان واسباب الافتقار فيه إذ هو أحوج المظاهر وابعدهم عن الوحدة الذاتية إذ الإنسان آخر نقطة قوس الإمكان وهي نهاية الكثرة ويصير هو ايضا بعينه أول نقطة قوس الوجوب ان انخلع عن ملابس الإمكان وتجرد عنها بالمرة وترقى الى مدارج معارجه بلا شوب شين ونقصان
وَمن جملة كفورية الإنسان وقتوريته انا لَقَدْ آتَيْنا من سعة رحمتنا وكمال حولنا وقدرتنا مُوسى المؤيد من عندنا تِسْعَ آياتٍ ومعجزات بَيِّناتٍ واضحات دالة على صدقه في رسالته وحقيته في نبوته ألا وهي العصا واليد البيضاء والجراد والقمل والضفادع والدم وانفجار الماء من الحجر وانفلاق البحر ونتق الجبل فوقهم وان شئت يا أكمل الرسل زيادة إيضاح والزام لمشركي اليهود فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ اى بقية أحبارهم ليخبروك وقت إِذْ جاءَهُمْ موسى من قبل مدعيا النبوة ومظهرا المعجزات المذكورة يعنى سلهم عما مضى بينه وبين فرعون وبينه وبين قومه ايضا فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ بعد ما رأى منه ما رأى من الخوارق بدل الايمان والإطاعة إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى بعد ما جئت بسحر عظيم وكيد كبير وهو وان كان من كمال العقل والدراية الكاملة انا اعتقدك مَسْحُوراً مجنونا مخبطا مختل العقل والرأى بادعائك الرسالة والنبوة من خالق السماء وبنزول الملك والصحف إليك من لدنه مع انسداد الطرق وانعدام السبل ثم لما سمع موسى من فرعون ما سمع ايس من إيمانه وقنط وحينئذ
قالَ موبخا عليه مقرعا والله لَقَدْ عَلِمْتَ يقينا ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ الآيات القاهرة الباهرة الى إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إذ هي خارجة عن وسع غيره مطلقا وعلمت ايضا انه ما أنزلها الا بَصائِرَ اى بينات وشواهد دالة على صدقى في دعواي لأبصرك وأوقظك عن منام غفلتك وتتفطن أنت بها لأصل فطرتك وجبلتك وَإِنِّي بعد ما قد بالغت في تبليغ ما جئت به من الهداية والإرشاد فلم تصدقني ولم تقبل منى ولم تؤمن على لَأَظُنُّكَ واعتقدك يا فِرْعَوْنُ المتناهي في الغفلة والغرور مَثْبُوراً مصروفا عن الخير كله مطرودا عن ساحة عز الحضور مجبولا على الشر ودواعيه مطلقا وبعد ما رأى فرعون من موسى ما رأى من المعجزات الواضحة خاف ان يميل اليه قومه ويؤمنوا له
فَأَرادَ وقصد فرعون أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ اى بنى إسرائيل ويستأصلهم بان يحركهم أولا مِنَ الْأَرْضِ اى ارض مصر ويفرقهم بحيث لا يتأتى منهم المقاومة معه أصلا ثم يأمر بقتل كل فرقة فرقة منهم مكرا منه وكيدا فمكرنا له قبل مكره إياهم فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ كانوا متفقين مَعَهُ في مكره وكيده جَمِيعاً حين أمرنا موسى ومن معه بالفرار ليلا فأخبر هو واتبع اثره فلقى موسى البحر وهو على عقبه فامرتا موسى حينئذ بضرب البحر بالعصا فضربه
стр. 467
فانفلق البحر وافترق فرقا وتشعب شعبا كثيرة فمر موسى وأصحابه سالمين فلقى فرعون على الفور فرآى البحر مفترقا فاقتحموا مغرورين فأغرقناهم أجمعين بعد ما قد أمرنا البحر بالخلط والاجتماع على ما كان عليه
وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ اى بعد انقراض فرعون وانقضائه لِبَنِي إِسْرائِيلَ على سبيل التوصية والتذكير في كتابنا المنزل عليهم وهو التوراة اسْكُنُوا الْأَرْضَ التي أراد فرعون ان يستفزكم منها بالقهر والغلبة آمنين مؤمنين صالحين مصلحين عموم مفاسدكم بما أرسل إليكم وانزل عليكم عاملين حسب أوامرنا ونواهينا المنزلة إليكم في كتابكم فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ وقيام الساعة قد جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً ملتفين مختلطين سعداءكم مع أشقيائكم فنميز بينكم وندخلكم منزل الشقاوة والسعادة المعد لكلا الفريقين.
ثم قال سبحانه في حق القرآن ونزوله وعظم قدر من انزل اليه وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ اى ما أنزلنا القرآن الا ملتبسا بالحق المطابق للواقع بلا عروض الباطل عليه أصلا وَكذا بِالْحَقِّ نَزَلَ
اى عموم ما نزل فيه من الاحكام والأوامر والنواهي والعبر والأمثال والرموز والإشارات والمعارف والحقائق كلها قد نزل بالحق الصريح الثابت الخالص عن توهم الباطل مطلقا وَايضا ما أَرْسَلْناكَ يا أكمل الرسل على كافة البرايا وعامة الأمم إِلَّا مُبَشِّراً بالحق للمؤمن المطيع بأنواع الخيرات واللذات الروحانية المعنوية وَنَذِيراً ايضا بالحق للكافر الجاحد عن انواع العذاب والعقاب الجسمانية والروحانية
وَبالجملة ما أرسلناك عليهم الا لتكون داعيا لهم الى التوحيد والعرفان تاليا لهم قارئا عليهم قُرْآناً فرقانا بين الحق والباطل والهداية والضلال لذلك فَرَقْناهُ اى قد فرقنا انزاله عليك حيث أنزلناه إليك مفرقا منجما لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ لدى الحاجة عَلى مُكْثٍ مهل وتؤدة فإنها أسهل وأيسر للحفظ والفهم من سائر الكتب الإلهية وَايضا قد نَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا تدريجيا على حسب الوقائع ومقتضى الازمنة والموارد في عرض عشرين سنة
قُلْ يا أكمل الرسل للطاعنين في القرآن المائلين عن حقيته وصدقه جهلا وعنادا على سبيل التهديد والتوبيخ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا اى سواء منكم الايمان بالقرآن وعدم الايمان به لأنكم جهلاء عما فيه من الحقائق والمعارف غفلاء عن الرموز والإشارات المودعة فيه فتصديقكم وتكذيبكم إياه لا يجدي له نفعا ولا يورث ضرا وانما العبرة لذوي الخبرة إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ من لدن حكيم عليم بحقية القرآن وبحقية ما فيه وكذا بما في عموم الكتب الإلهية ألا وهم الأنبياء والأولياء المجبولون على فطرة التوحيد والعرفان قد كانوا يؤمنون ويصدقون به مِنْ قَبْلِهِ اى قبل نزوله وبعد نزوله لذلك إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ ويقرأ عندهم يَخِرُّونَ ويسقطون لِلْأَذْقانِ سُجَّداً متذللين واضعين جباههم وأذقانهم على تراب المذلة والهوان تعظيما لأمر الله وشكرا له لإنجاز وعده
وَيَقُولُونَ في حين سجوده منزهين مسبحين سُبْحانَ رَبِّنا وتعالى من ان يأتى منه الخلف فيما عهد علينا او عن ان يعجز عن إتيان ما وعدنا واوعدنا به إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا اى انه قد كان وعد ربنا الذي وعدنا به في الكتب السالفة من إرسال رسول متصف بأوصاف مخصوصة معه كتاب جامع لما في الكتب السالفة ناسخ لها خاتم للرسالة العامة والتشريع الشامل لذلك صار دينه ناسخا لجميع الأديان فقد أنجز سبحانه وعده بإرسال هذا النبي الأمي الموعود
وَيَخِرُّونَ ايضا العالمون العارفون بحقانية القرآن بعد تأملهم وتوغلهم في حكمه وأحكامه وحقائقه ومعارفه لِلْأَذْقانِ حال كونهم يَبْكُونَ من خشية الله وَبالجملة ما
стр. 468
يَزِيدُهُمْ التأمل والتدبر فيه على وجه التدقيق والتعمق مرارا وتكرارا الا خُشُوعاً وخضوعا لاطلاعهم منه في كل مرة على سرائر قد شهدت بها اذواقهم وذاق حلاوتها وجدانهم ومذاقهم
قُلِ يا أكمل الرسل للمحجوبين الغافلين عن سرسريان الوحدة الذاتية الإلهية في المظاهر كلها والمجالى برمتها ادْعُوا اللَّهَ اى سموا الذات الاحدية التي هي ينبوع بحر الوجود ومنشأ عموم المظاهر والموجود باسم الله المستجمع لجميع الأسماء والصفات اجمالا أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ اى سموه باسم الصفات التي قد اتصفت بها الذات الاحدية تفصيلا أَيًّا ما تَدْعُوا وتسموا من اسماء الذات والصفات فَلَهُ اى لله المنزه عن سمة الكثرة والحدوث مطلقا المقدس عن وصمة الشركة والتعدد رأسا الْأَسْماءُ الْحُسْنى الكاملة الدالة على احدية ذاته غاية ما في الباب انها باعتبار شئونه وتجلياته قد يتعدد أسماؤه وصفاته وبالجملة الاسم والمسمى كلاهما متحدان عند سقوط الإضافات ورفع التعينات واطراح الاعتبارات إذ لا يتصور التعدد دون جنابه الا وهما واعتبارا وَإذا كان الكل من الأسماء والمسميات راجعا الى الذات الاحدية بعد رفع التعينات وسقوط الإضافات لا تَجْهَرْ أنت ايها العارف المتمكن في مقام التوحيد الراسخ فيه بلا تلوين وتقليد ولا تعلن بِصَلاتِكَ وميلك نحو الحق بوحا وشطحا ولا تقل في حال صحوك وافاقتك كلام ارباب السكر والحيرة وَلا تُخافِتْ بِها ايضا ضنا وشحا على ذوى الاستعداد والاسترشاد وَابْتَغِ واختر يا صاحب التمكن والتمكين بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا مقتصدا معتدلا مائلا عن كلا طرفي الإفراط والتفريط إذ الخير في كل الأمور أوسطها إذ هو اعدلها
وَقُلِ بعد ما تحققت وتمكنت في مقر التوحيد شكرا لما أنعمك الحق الوصول اليه وأمكنك التحقق دونه والورود عليه الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قد توحد بذاته وتقدس بأسمائه وصفاته وتفرد بألوهيته واستقل بوجوب وجوده وربوبيته بحيث لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً يخلف عنه لكونه صمدا قيوما أزليا ابديا سرمديا بحيث لا يعرضه الفناء مطلقا ولا يعتريه الانصرام والانقضاء ابدا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ والملكوت يظاهره او يزاحمه ويخاصمه إذ لا شيء في الوجود سواه وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ يواليه ويتولى امره ويعين عليه حين ما لحقه مِنَ الذُّلِّ المسقط لعزه الأصلي وعظمه الحقيقي الأزلي إذ لا تغير ولا تبدل في ذاته ولا تحول ولا انتقال في شأنه أصلا وَبالجملة كَبِّرْهُ تَكْبِيراً ذاتيا حقيقيا وعظمه تعظيما صوريا ومعنويا وكيف لا إذ لا وجود للغير معه حتى يتصور هناك النسبة والاضافة بل هو أجل واكبر لذاته بلا توهم الاضافة فبه اهدنا بفضلك سواء سبيلك الى توحيدك واجعلنا من زمرة ارباب تكبيرك وتمجيدك
خاتمة سورة الإسراء
عليك ايها الموحد المتحقق بمقام تمجيد الحق وتحميده مكنك الله بما أوصلك اليه وقررك دونه ان تعظم الحق غاية التعظيم وتكبره كمال التكبير والتكريم واعلم ان تعظيم الحق انما هو بتعظيم مظاهره ومجاليه إذ ما من ذرة من ذرائر الكائنات الا وقد ظهر الحق فيه وتجلى عليه بأسمائه الحسنى وأوصافه العليا فلك ان تتواضع وتتذلل عند كل ذرة من ذرائر المظاهر طوعا ورغبة ولا تتكبر عليها ولا تتعظم دونها إذ التكبر والتفوق على ذرة حقيرة من اى جنس وصنف كانت من امارات عدم الوصول الى مرتبة اليقين الحقي ومقر التوحيد الحقيقي وذلك انما يحصل لك بعد رفع مقتضيات
стр. 469
اوصافك البشرية بموتك الإرادي الاختياري وهو انما يحصل بالرياضات الشاقة القالعة لدرن الهوى والغفلات وبترك الرسوم والعادات الراسخة في نفوس اصحاب الجهالات وبالركون الى العزلة والخمول والخلوات والانقطاع عن رسوم اصحاب التخمينات والتقليدات والتبتل نحو الحق في عموم الأوقات والحالات. وفقنا الله وإياكم بسلوك طريق التوحيد ورزقنا الوصول الى منزل التجريد والتفريد وجعلنا من زمرة اهل المحبة والولاء الوالهين في مقام التمجيد والتحميد انه سبحانه قريب مجيب حميد مجيد
[سورة الكهف]
فاتحة سورة الكهف
لا يخفى على المحققين المحمديين المتحققين بمقام المعرفة والتوحيد بمتابعته ﷺ المسترشدين من القرآن المجيد المنزل عليه المفصل لمرتبته ﷺ الموضح لشأنه في المعارف والحقائق والمكاشفات والمشاهدات المبين لعروجه الى معارج العنايات الإلهية وسلوكه في مسالك توحيده على الاستقامة والاعتدال بلا عوج وانحراف ان من وفق من عند الله على سلوك طريق التوحيد من ارباب العناية قد ظهر عليه ولاح دونه استقامة القرآن المنزل على العدالة والقسط الإلهي وبراءته عن العوج والانحراف وكذا اعتدال اخلاق النبي ﷺ ومقابلته ومطابقته إياه في الاستقامة والاستواء إذ هو منزل من عنده سبحانه بمقتضى استعداده ﷺ على وفق مرتبته الجامعة لجميع مراتب الأنبياء والرسل الهادين المهديين إذ هي مبدأ جميع المراتب ومنتهاها ايضا لذلك كمل ببعثته وإرساله ﷺ امر الدين وختم بإقامته ﷺ باب الرسالة والتشريع وقد سد بانزال القرآن عليه باب التنزيل والتبيين مطلقا لذلك قد وجبت له ﷺ ولجميع من آمن له واقتفى اثره مواظبة حمد الله والاقامة بأداء شكره على انعام هذه النعمة الجليلة التي هي نعمة القرآن الفارق بين ارباب اليقين والعرفان وبين اصحاب الزيغ والطغيان لذلك اخبر سبحانه بالحمد على نفسه تعليما له ﷺ وإرشادا لامته فقال سبحانه متيمنا باسمه العلى العظيم بِسْمِ اللَّهِ الذي تجلى بذاته باعتبار اتصافه بعموم أوصاف الكمال لعبده الذي قد انتخبه واصطفاه من بين عباده بمقتضى الكرم والإفضال الرَّحْمنِ على عموم عباده بإرسال هذا العبد رسولا إليهم هاديا لهم الى درجات الكمال الرَّحِيمِ لهم يوصلهم بإرشاد حبيبه ﵊ الى زلال الوصال
[الآيات]
الْحَمْدُ المشتمل المتضمن على عموم الاثنية والتوصيف بالأوصاف الجميلة والنعوت الجليلة مطلقا حقيق لائق لِلَّهِ اى للذات المستجمع لجميع أوصاف الكمال المستحق لعموم المحامد استحقاقا ذاتيا ووصفيا الجميل الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ المستجمع لجميع مراتب الكمال المستظل بظل الألوهية المستحق لرتبة الخلافة والنيابة عنه سبحانه بالأصالة يعنى محمدا ﷺ الْكِتابَ الجامع لجميع أوصاف الكمال اجمالا وتفصيلا المشتمل على عموم الاحكام والأخلاق المتعلقة لها المترتبة عليها في النشأة الاولى والأخرى مع كونه محتويا على عموم ما في الكتب السالفة من الأوامر والنواهي مع زيادات قد خلت عنها تلك الكتب من الرموز والإشارات المتعلقة بالتوحيد الذاتي المسقط لعرق الإضافات والكثرات مطلقا وَبين لهم فيه طريق التوحيد الذاتي على الوجه الأعدل الأبلغ الأتم الأقوم بحيث لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً وانحرافا في تبيينه
بل قد جعله قَيِّماً مستقيما معتدلا بين طرفي
стр. 470
الإفراط والتفريط المذمومين عقلا وشرعا وانما أنزله على عبده وحبيبه ﷺ لِيُنْذِرَ هو ﷺ بانذاراته الكافرين الذين كفروا بالله وجحدوا في توحيده وعملوا السيئات المبعدة لهم عن طريق النجاة بَأْساً شَدِيداً وعذابا أليما عظيما صادرا مِنْ لَدُنْهُ اى من عند الله العزيز المنتقم بطشا لهم وانتقاما منهم وَيُبَشِّرَ ايضا بتبشيراته الْمُؤْمِنِينَ الموحدين الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ المقربة لهم الى مرتبة التوحيد الصادرة عنهم بمقتضى يقينهم وعرفانهم أَنَّ لَهُمْ اى بان لهم أَجْراً حَسَناً هو التحقق بشرف اللقاء والفوز بمطالعة جمال الله والاستغراق عند وجهه الكريم
ماكِثِينَ فِيهِ اى في الأجر الحسن دائمين أَبَداً مؤبدا مخلدا بلا تبديل وتغيير مزيدين المحبة واللذة والشوق والارادة متعطشين الى زلال التفريد بلا رواء أصلا كما اخبر سبحانه عن حال أولئك الوالهين بقوله إلا طال شوق الأبرار الى لقائي
وَيُنْذِرَ ايضا أشد إنذار بأسوء عذاب ووبال الَّذِينَ قالُوا من فرط إسرافهم في الشرك والجحود وهم اليهود والنصارى قد اتَّخَذَ اللَّهُ الواحد الأحد الصمد المنزه عن الأهل والولد وَلَداً حيث قالت اليهود عزير ابن الله والنصارى المسيح ابن الله
مع انه ما لَهُمْ بِهِ بالله وباتخاذه ولدا مِنْ عِلْمٍ يقين او ظن متعلق منهم به وبمعناه وبما يترتب عليه من النقص المنافى لوجوب وجوده إذ اتخاذه انما هو للاخلاف او المظاهرة والتزين وكلاهما محالان على الله لا يليقان بجنابه تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا وَلا لِآبائِهِمْ يعنى وان ادعوا اثبات الولد لله تقليدا للاباء والاسلاف فليس لهم ايضا علم بنقصه وعدم لياقته بجناب الحق المنزه المقدس في ذاته عن امارات النقصان وعلامات الإمكان مطلقا وبالجملة قد كَبُرَتْ اى جلت وعظمت في الكفر والجحود وسوء الأدب مع الله كَلِمَةً اى مقالتهم هذه مع انها تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ هفوة بلا علم وتأمل بل إِنْ يَقُولُونَ وما يقصدون بقولهم هذا إِلَّا كَذِباً مينا وافتراء يفترونه على الله وينسبونه الى كتابهم ظلما وزورا وبعد ما كان حالهم في الافتراء والمراء على هذا المنوال وشدة غيظهم وشكيمتهم مع الله على هذا المثال
فَلَعَلَّكَ يا أكمل الرسل بمجرد محبتك إياهم وبميلك الى ايمانهم وبرجائك وتحننك الى متابعتهم وبيعتهم معك باخِعٌ نَفْسَكَ اى قاتلها ومهلكها عَلى آثارِهِمْ بعد ما انصرفوا عنك وذهبوا من عندك إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا اى انهم لم يؤمنوا ولم يصدقوا بِهذَا الْحَدِيثِ اى القرآن أَسَفاً يعنى أهلكت نفسك بكثرة التأسف والتحزن على ذهابهم وانصرافهم عنك وعدم ايمانهم وانقيادهم بك وان حداك وبعثك الى ايمانهم واتباعهم غناؤهم ورئاستهم وترفههم وجاههم وثروتهم وسيادتهم بين الناس فاعلم انها لا اعتداد لها ولا اعتبار لما يترتب عليها
إِنَّا ما قد جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ من الأصول الثلاثة التي هي الحيوان والنبات والمعدن وما يتفرع عليها ويتخذ منها من انواع اللذات والشهوات الجسمانية الوهمية وما أظهرناها الا زِينَةً لَها وزخرفة عليها لِنَبْلُوَهُمْ ونختبرهم اى ارباب التكاليف والتدابير المجبولين على فطرة المعرفة والتوحيد أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وأتم رشدا وعقلا في الاعراض عنها وعدم الالتفات إليها والاجتناب عن لذاتها الوهمية التي هي دائرة على التقضي والانصرام وشهواتها المورثة لانواع الحزن والآلام وأمانيها المستلزمة لأصناف الجرائم والآثام مع ان الضروري منها في نفس الأمر ما هو الاكن حجرة ولبس خرقة وسد جوعة وباقيها حطام ليس لها دوام مورث لاسقام وآلام
وَمتى علمت ان ما على
стр. 471
الأرض ليس الا زينة وزخرفة ستفنى وتفوت عن قريب بل هي زائلة حين ثقاتها فانية وقت وجودها وبقائها فاعلم يقينا إِنَّا بشدة حولنا وقوتنا وكمال قدرتنا لَجاعِلُونَ مصيرون مبدلون جميع ما عَلَيْها من الزخارف والذخائر صَعِيداً ترابا مرتفعة أملس جُرُزاً خالية منقطعة عن النبات بحيث لا تنبت أصلا أعجبت واستبعدت عن كمال قوتنا وقدرتنا بجعل ما على الأرض صعيدا جرزا لذلك
أَمْ حَسِبْتَ وشككت أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ اى قصتهم وشانهم والكهف هو الغار الواسع في الجبل وَالرَّقِيمِ هو اسم الجبل الذي فيه الغار او اسم الوادي الذي فيه الكهف او اسم قريتهم او كلبهم او لوح رصاصى او حجري قد رقم فيه أسماؤهم وجعل على باب الكهف او اصحاب الرقيم هم قوم آخرون على اختلاف الأقوال والروايات وبالجملة قد كانُوا مِنْ آياتِنا الدالة على كمال قوتنا وقدرتنا عَجَباً اى آية يتعجب منها الناس ويستبعدون وقوعها مع انه لا شك في وقوعها إذ قد بلغت من التواتر حدا لا يتوهم فيها الكذب قطعا إذ أمثال هذا في جنب قدرتنا الكاملة سهل يسير ولو رفعت ايها المعتبر المتأمل الالف والعادة عن البين وطرحت تكرر المشاهدة والمؤانسة عن العين لكان ظهور كل ذرة من ذرائر العالم في التعجب والاستبعاد وكمال الغرابة والبداعة مثل هذا بل اغرب واعجب من هذا فلك ان تراجع وجدانك وتتأمل أمرك وشانك حتى تجد في نفسك عجائب وغرائب يدهش منها عقلك وينحسر حسك وفهمك وتكل ادراكاتك وآلاتك وبالجملة قد تحيرت وصرت مستغرقا في بحر الحيرة والدهشة من نفسك فكيف من غيرك. أذقنا بلطفك حلاوة مطالعة مبدعاتك ومشاهدة مخترعاتك بنظر العبرة والحضور
اذكر يا أكمل الرسل قصة اصحاب الكهف وقت إِذْ أَوَى اى التجأ ورجع الْفِتْيَةُ الخمسة او السبعة او الثمانية من اشراف الروم ورؤسائهم حين دعاهم ملكهم دقيانوس الى الشرك وهم موحدون في أنفسهم فأبوا منه وهربوا إِلَى الْكَهْفِ ملتجئين إلينا فَقالُوا مناجين مستغيثين من الله رَبَّنا يا من ربانا بأنواع اللطف والكرم ووفقنا بشرف توحيدك وتقديسك آتِنا بفضلك وجودك مِنْ لَدُنْكَ لا بسبب أعمالنا ومقتضياتها رَحْمَةً تنجينا عن يد عدونا وعذابه وعن وبال ما دعانا اليه من الكفر والعصيان وَهَيِّئْ لَنا اسباب معاشنا حين كنا فارين من العدو ملتجئين إليك مستعيذين بكنفك وجوارك ووفق علينا مِنْ أَمْرِنا الذي نعمل لمرضاتك ولوجهك الكريم رَشَداً وهداية توصلنا الى زلال توحيدك آمنين فائزين بلا خوف وخطر فاستجبنا لهم وأجبنا مناجاتهم وأعطينا حاجاتهم وبعد ما دخلوا الكهف ملتجئين بنا متضرعين إلينا
فَضَرَبْنا وختمنا عَلَى آذانِهِمْ حين كانوا راقدين فِي الْكَهْفِ حجابا غليظا يمنعهم سماع الأصوات مطلقا وأنمناهم على هذا الوجه سِنِينَ عَدَداً بلا طعام ولا شراب وبلا شيء من اسباب المعاش وبالجملة هم احياء في صور الأموات منقطعين عن لوازم الحياة الصورية مطلقا سوى ان أنفاسهم تجئ وتذهب
ثُمَّ بَعَثْناهُمْ وأيقظناهم من منامهم بعث الموتى للحشر لِنَعْلَمَ اى نجرب ونميز أَيُّ الْحِزْبَيْنِ المختلفين بعد ما اختلفوا في مدة لبثهم أَحْصى اى اضبط واحفظ لِما لَبِثُوا من المدة أَمَداً يعنى أيهم احفظ ضبطا لمدة رقودهم في الكهف فكلا الفريقين اى اليهود والنصارى لا يعلمان مدة لبثهم حقا مطابقا للواقع
بل نَحْنُ نَقُصُّ من مقام فضلنا وجودنا عَلَيْكَ يا أكمل الرسل نَبَأَهُمْ اى خبر مدة لبثهم ملتبسا بِالْحَقِّ الثابت الصحيح المطابق للواقع إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ اى شبان من ارباب الفتوة والمروة وفقوا من عند الله
стр. 472
بالعقل الكامل والرشد التام الى ان آمَنُوا وأذعنوا بِرَبِّهِمْ اى بوحدة مربيهم باستعمالهم عقولهم الموهوبة لهم الى دلائل توحيده وَزِدْناهُمْ من لدنا بعد ما أخذوا بالتأمل والتدبر في آياتنا الدالة على عظمة ذاتنا وكمالات أسمائنا وصفاتنا هُدىً وزيادة رشد تفضلا وامتنانا
وَاثبتناهم في جادة الهداية والتوفيق بان رَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ محبة الايمان والعرفان اذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ قامُوا بين يدي دقيانوس الظالم الطاغي حين دعاهم الى الشرك والكفر على رؤس الملأ وهم بعد ما سمعوا منه دعوته قاموا من مجلسه منكرين فَقالُوا بلا مبالاة له ولسطوته وشوكته رَبُّنا اى الذي أظهرنا من كتم العدم وأوجدنا في فضاء الوجود ألا وهو رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى هو مربى العلويات والسفليات والغيوب والشهادات والظاهر والباطن قد أوجد الكل بوحدته واستقلاله في التصرف والاستيلاء بلا مشاركة مشير ومظاهرة ظهير ووزير وهو المستحق للالوهية والربوبية لَنْ نَدْعُوَا ولن نعبد مِنْ دُونِهِ سبحانه إِلهاً باطلا إذ لا مستحق للعبادة الا هو والله لئن دعونا وعبدنا الها سواه لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً اى قولا باطلا بعيدا عن الحق والتحقيق بمراحل وصرنا حينئذ مغمورين في الشرك والكفر وانواع الضلال والطغيان عصمنا الله منها
ثم قالوا على سبيل التعريض والتسفيه هؤُلاءِ الضالون من منهج الرشد ومسلك السداد قَوْمُنَا اتَّخَذُوا من شدة غوايتهم وضلالهم مِنْ دُونِهِ سبحانه آلِهَةً باطلة اى أصناما وأوثانا يعبدونها كعبادة الله لَوْلا وهلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ اى بحجة واضحة وبينة لائحة معجزة صادقة باهرة صادرة من قبلهم دالة على لياقتهم الألوهية والربوبية فان لم يأتوا فما هم الا مفترون على الله بإثبات الشريك له فَمَنْ أَظْلَمُ واطغى وأضل واغوى مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الواحد الأحد المستقل بالالوهية باتخاذ الشريك سيما أمثال هذه التماثيل العاطلة كَذِباً مخالفا للواقع غير مطابق له بلا مستند عقلي او نقلي بل ظلما وزورا وبعد ما قد جرى بينهم وبين دقيانوس ما جرى قال بعض الفتية لبعضهم قد وجب اليوم علينا الاعتزال منهم
وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ ايها الموحدون وهجرتموهم وَكذا ما يَعْبُدُونَ اى معبوداتهم الباطلة من الأصنام والأوثان التي هم يعتقدونها آلهة شركاء مع الله يعبدونها كعبادته وما تعبدون أنتم حينئذ إِلَّا اللَّهَ الواحد الأحد الحق الحقيق بالعبادة وتخلصون العبادة له سبحانه بلا خوف منهم ودهشة من مكرهم ومكائدهم وان فعلتم هكذا لكان اولى وأليق بحالكم وبالجملة اتفقوا على الاعتزال واختيار الغربة والفرار من بينهم فاعتزلوا منهم واخرجوا من أظهرهم فارين فَأْوُوا وانصرفوا إِلَى الْكَهْفِ المعهود ملتجئين الى ربكم من خوف عدوكم متوكلين عليه في رزقكم ومعاشكم وان انصرفتم ورجعتم كذلك يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ بعد ما اخلصتم العمل إياه وفررتم نحوه موائد إحسانه ويبسط عليكم مِنْ سعة رَحْمَتِهِ وجوده ما تعيشون به وتبقون بسببه ان تعلق مشيته سبحانه لإبقائكم وَبعد ما التجأتم الى الله وتوكلتم عليه مفوضين أموركم كلها اليه يُهَيِّئْ لَكُمْ البتة ويسهل عليكم مِنْ أَمْرِكُمْ الذي اخترتم لرضاء الله ورعاية جانبه مِرفَقاً اى ما ترتفقون وتنتفعون به من اللذات الروحانية بدل ما فوتم لأنفسكم من اللذات الجسمانية
وَمن كمال رفق الله إياهم ورأفته معهم تَرَى الشَّمْسَ ايها الرائي إِذا طَلَعَتْ من مشرقها في مدة الصيف حين ازدياد حرارتها تَتَزاوَرُ اى تتقلب وتميل عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ اى جانب يمين الغار لئلا تؤذيهم بشعاعها وحرارتها وَإِذا غَرَبَتْ
стр. 473
اى زالت ومالت عن الاستواء نحو المغرب تَقْرِضُهُمْ وتقطعهم وتنصرف عنهم ذاتَ الشِّمالِ اى جانب يسار الغار لحفظهم وحضانتهم عن حرها وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ اى والحال انه هم في متسع الغار ووسطه لا في زواياه بحيث لو لم يكن رعاية الله وحفظه إياهم وصرف شعاع الشمس عنهم لكانت متشعشعة عليهم الى وقت الغروب ذلِكَ اى نشر الرحمة وتهيئة الرفق والرأفة وصرف أذى الشمس وكذا صرف جميع المؤذيات عنهم مِنْ آياتِ اللَّهِ الدالة على قبوله سبحانه إياهم ورضاه عنهم لكونهم مهتدين الى زلال توحيده موفقين من عنده مبتغين لرضاه متوكلين عليه في جميع الأمور راضين بقضائه في كل الأحوال مخلصين له في عموم الأعمال مَنْ يَهْدِ اللَّهُ وأراد هدايته في سابق علمه وقضائه ومضى عليه حكمه ورضاؤه فَهُوَ الْمُهْتَدِ الموفق على الهداية والفوز بالفلاح المقصور عليها وان لم يصدر ولم يسبق منه الأعمال الصالحة تفضلا من الله إياه وامتنانا له من لدنه وَمَنْ يُضْلِلْ الله وتعلق مشيته بضلاله في سابق قضائه فهو الضال المقصور على الضلالة وان صدرت عنه الأعمال الصالحة لا يتبدل ضلالها أصلا وبعد ما أراد الحق ضلاله فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا يتولى امره بالشفاعة لينقذه من الضلال الفطري ويخرجه عن الوبال الجبلي مُرْشِداً يهديه ويرشده الى طريق الرشد ومنهج السداد
وَمن كمال لطف الله إياهم ووفور رأفته معهم لو رأيتهم ايها الرائي في مضاجعهم ومراقدهم تَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً متيقظين لانفتاح عيونهم وورود أنفاسهم وعدم نتنهم وانفساخهم وَهُمْ في أنفسهم رُقُودٌ نائمون مستريحون وَنُقَلِّبُهُمْ عناية منا إياهم وقت احتياجهم الى التقلب ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ كي لا تؤثر الأرض باضلاعهم وجوانبهم وَكَلْبُهُمْ هو كلب قد مروا عليه حين اوائهم ورجوعهم نحو الغار معتزلين فلحقهم فطردوه مرارا فلم يطرد فانطقه الله تعالى فقال انا أحب اولياء الله وأحباءه دعوني اقتفى اثركم فتركوه فتبعهم وقيل هو كلب راع قد مضوا عليه فأطعمهم وحكوا عليه حالهم فتبعهم وتبعه كلبه وقراءة من قرأ وكالبهم يؤيد هذا باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ اى بالباب او العتبة او الفناء وبالجملة لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ ايها الرائي ورأيت هيئة رقودهم في تلك الغار المهيب لَوَلَّيْتَ اى استدبرت ورجعت قهقرى هربا وهولا مِنْهُمْ فِراراً من هيبتهم وهيئتهم وَلَمُلِئْتَ واملأت صدرك مِنْهُمْ رُعْباً خوفا ومهابة من رقودهم منفتحة العيون عظيمة الأجسام في غار مهيب في خلال جبال عوال طوال بعيد عن العمران
وَكما ارقدناهم وأنمناهم على هذا الوجه العجيب والطرز الغريب كَذلِكَ بَعَثْناهُمْ وأيقظناهم لِيَتَسائَلُوا ويتقاولوا بَيْنَهُمْ حتى يستشعروا عن مدة رقودهم ولبثهم في الغار ليطلعوا على كمال قدرة الله ووفور جوده ورحمته عليهم ليزدادوا ايمانا يقينا واطمئنانا واعتمادا ووثوقا على كرم الله وفضله وغاية لطفه وبعد ما قاموا من هجعتهم قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ راقدين في هذا الغار قالُوا على سبيل الظن والتخمين إذ النائم لاطلاع له على مدة نومه لَبِثْنا يَوْماً تاما أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ لأنهم قد دخلوا الغار غدوة وانتبهوا في الظهيرة فظنوا انهم في يومهم او الذي بعده ثم لما شاهدوا طول اظفارهم واشعارهم قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ إذ هو قائم حاضر في كل حال بلا تبدل واختلال ونحن قد كنا نائمين لا شعور لنا بمدة رقودنا ايضا ولا يهم لنا تعيينها بل أهم أمورنا الآن الطعام إذ نحن جيعان فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ نحو المدينة مصحوبا بِوَرِقِكُمْ اى بعينكم ونقدكم المضروبة المسكوكة والورق في اللغة الفضة سواء كانت مضروبة أم لا والمراد هنا المضروبة هذِهِ
стр. 474
اشارة الى ما في يد القائل من النقد إِلَى الْمَدِينَةِ وهي طرسوس التي فروا منها من دقيانوس فَلْيَنْظُرْ الذاهب المرسل منا وليتأمل أَيُّها اى اى طبيخة طباخ أَزْكى أنظف وألذ طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ حتى نطعم ونحن جيعان وَلْيَتَلَطَّفْ الذاهب مع اهل السوق وليجامل معهم في المعاملة وَليخرج منها سريعا حتى لا يُشْعِرَنَّ ولا يطلعن القاصد بِكُمْ اى بحالكم ومكانكم أَحَداً من اهل البلد
إِنَّهُمْ بعد اطلاعهم وشعورهم إِنْ يَظْهَرُوا ويغلبوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ ويقتلوكم بضرب الأحجار البتة أَوْ يُعِيدُوكُمْ ويرجعوكم مرتدين فِي مِلَّتِهِمْ التي قد كنتم عليها قبل انكشافكم بالتوحيد وَلَنْ تُفْلِحُوا ولن تفوزوا بالفلاح والصلاح إِذاً اى حين عودكم وارتدادكم إليها أَبَداً اى لا يرجى فلاحكم بعد ارتدادكم أصلا ثم لما أرسلوا واحدا منهم الى البلدة فدخل على السوق ودار حول الطباخين واختار طبيخة زكية واخرج الدرهم ليشتري الطعام وكان عليه اسم دقيانوس فاتهموه بانه وجد كنزا فذهبوا به الى الملك وكان الملك نصرانيا موحدا فقص عليه القصة عن آخرها فقال بعض الحضار ان أبانا قد أخبرونا ان فتية قد فروا بدينهم من دقيانوس فلعلهم هؤلاء فانطلق الملك وجميع اهل المدينة مؤمنهم وكافرهم فابصروهم وكلموا معهم ثم قالت الفتية للملك نستودعك الله ونعيذك من شر الجن والانس ثم رجعوا الى مضاجعهم وباتوا فماتوا فدفنهم الملك وبنى عليهم مسجدا
وَكما أنمناهم نوما طويلا شبيها بالموت ورحمناهم حيث نقلبهم من جانب الى جانب وحفظناهم من حر الشمس وانواع المؤذيات وبعثناهم من نومهم بعث الموتى للحشر ليزدادوا ثقة وبصيرة على الله كَذلِكَ أَعْثَرْنا واطلعنا عَلَيْهِمْ وعلى من شاهد حالهم وسمع قصتهم من المؤمنين لِيَعْلَمُوا ويتيقنوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ القادر المقتدر بالقدرة التامة الكاملة لكل ما أراد وشاء حَقٌّ ثابت لائق له ان ينجزه بلا خلفه وَيتيقنوا خصوصا أَنَّ السَّاعَةَ اى الموعودة التي قد وعدها الحق بألسنة جميع الأنبياء ورسله آتية لا رَيْبَ فِيها وارتفع نزاع الناس فيها ببعثة هؤلاء الفتية بعد ثلاثمائة وتسع سنين اذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ المتعلق بدينهم في الحشر والمعاد الجسماني إذ القادر على حفظهم ورعايتهم في المدة المذكورة وبعثهم بعدها قادر على احياء جميع الموتى من قبورهم واعادة الروح الى أجسامهم إذ أمثال هذا أسهل يسير في جنب قدرة الله وارادته وبعد ما بعثناهم من مراقدهم واطلعنا الناس عليهم فمضوا وتكلموا معهم وحكوا ما حكوا واخبر القوم لهم بمدة رقودهم واستودعوا مع القوم ورجعوا نحو المراقد وباتوا فماتوا وانقرضوا فاختلف الناس في أمرهم وشأنهم فقال المسلمون هم منا لأنهم موحدون وقال الكافرون لا بل هم منا إذ هم أولاد الكفار وبالجملة فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً قال المسلمون نحن نبنى عليهم مسجدا وقال الكافرون نحن نبنى عليهم كنيسة وكلا الفريقين ليسوا عالمين لا بكفرهم ولا بايمانهم بل رَبُّهُمْ الذي رباهم بأنواع التربية ورحمهم بأنواع الرحمة أَعْلَمُ بِهِمْ وبحالهم فأمرهم موكول الى الله مفوض اليه سبحانه ثم لما تمادى النزاع بينهم وتطاول جدالهم قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ بالقوة والحجة وهم الموحدون المسلمون لَنَتَّخِذَنَّ ولنبنين عَلَيْهِمْ مَسْجِداً نتوجه فيه لله ونتبرك بهم ونجعله محل الحاجات وقضاء المناجاة فاتخذوا مسجدا وجعلوه مرجعا يرجع نحوه الأقاصي والأداني ثم لما اختلف الخائضون في قصتهم في عددهم ذكر سبحانه أقوالهم أولا
ثم بين ما هو اولى وأحق وأوفق للواقع فقال سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ اى مصيرهم اربعة كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ
стр. 475
اى مصيرهم ستة كَلْبُهُمْ كلا القولين الاول قول اليهود والثاني قول النصارى قد صدر عنهم رَجْماً ورميا بِالْغَيْبِ إذ لا مستند لهم لا من التواريخ ولا من اقوال الرسل والكتب وَيَقُولُونَ هم سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ اى مصيرهم ثمانية كَلْبُهُمْ والواو وان كان مقحما أفاد توكيد لصوق الصفة بالموصوف وشدة اتصاله به ليدل على صدقه ومطابقته للواقع ومثله في القرآن كثير منه قوله تعالى وما أهلكنا من قرية الا ولها كتاب معلوم وغير ذلك وهي مثل الواو في قولهم جاءني زيد ومعه ثوب هذا قول المؤمنين قد أخذوا من رسول الله ﷺ وهو من جبرائيل ﵇ وجبرائيل من الله العزيز العليم فان شكوا فيه ايضا ونسبوه الى الرمي والتخمين قُلْ لهم يا أكمل الرسل رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ إذ لا يعزب عن علمه شيء من أحوالهم من أول أمرهم الى آخره إذ علمه سبحانه بعموم معلوماته حضورى لا يعزب عن حضوره شيء أصلا وهم ما يَعْلَمُهُمْ عن أحوالهم إِلَّا قَلِيلٌ بالاخبار والتواريخ وأكثرها غير مطابق للواقع ولما كان قولهم وعلمهم راجعا الى الرجم والرمي بلا مستند فَلا تُمارِ ولا تجادل يا أكمل الرسل فِيهِمْ اى في حق الفتية إِلَّا مِراءً ظاهِراً اى جدالا خفيفا مقتصرا على ما قد أوحينا إليك لا متعمقا غليظا بان تجهلهم وتسفههم وتضحك أنت من قولهم وتنسبهم الى الخرافة والخرق وَلا تَسْتَفْتِ ايضا ولا تسأل فِيهِمْ اى في حق الفتية وشأنهم مِنْهُمْ اى من اهل الكتاب أَحَداً ايدا يعنى لا تستفت أنت يا أكمل الرسل أحدا منهم عن قصتهم وشأنهم بعد ما قد ظهر عندك أمرهم بالوحي والإلهام الإلهي إذ استفتاؤك بعد الوحى اما سؤال تعنت وامتحان فهو لا يليق برتبة النبوة والرسالة بعيد بمراحل عن مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم اللازمة لمرتبة البنوة واما سؤال استعلام واسترشاد فهم قاصرون عاجزون عنها مع انه لا معنى للسؤال بعد الوحى ثم لما امر اليهود للقريش ان يسألوا عن رسول الله ﷺ سؤال تعنت وامتحان عن الروح وذي القرنين واصحاب الكهف فسألوا فقال ﷺ ائتوني غدا أخبركم عنها قاله هكذا بلا استثناء وتعليق بمشية الله تعالى تبركا اى لم يقل ان شاء الله فانسد عليه ﷺ باب الوحى بضعة عشر يوما فشق الأمر عليه ﷺ وكذبته القريش فتحزن حزنا شديدا فنهاه سبحانه نهيا مؤكدا وأدبه تأديبا بليغا لئلا يترك الاستثناء في مطلق الأمور أصلا
فقال وَلا تَقُولَنَّ أنت يا أكمل الرسل البتة لِشَيْءٍ قد عزمت عليه وأردت ان تفعله إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ الشيء غَداً على سبيل البت والمبالغة
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ اى الا ان تذكر وتجئ بالاستثناء بعد عزمك بقولك ان شاء الله وَبالجملة اذْكُرْ رَبَّكَ يا أكمل الرسل إِذا نَسِيتَ وتركت ذكر الاستثناء والتعليق على مشية الله في خلال الأمور حين القصد والعزيمة والقول بالاصدار بعد ما تذكرت نسيانك تلافيا لما نسيت وتداركا لما تركت ولو بعد حين بل سنة فقل ان شاء الله متذكرا الأمر الذي قد تركت التعليق فيه قضاء لما فات وَقُلْ بعد ما قد كشفنا عليك جوابهم هذا شكرا له وابتهاجا عليه وطلبا للمزيد منه سبحانه عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي وأرجو من فضله وجوده ان يرشدني ويدلني لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً اى لأمر هو اقرب دلالة من امر اصحاب الكهف وقصتهم الى الهداية والرشد وأوضح إيصالا الى مسلك الصواب والسداد تأييدا لنبوتي وتشييدا لرسالتي وقد هداه وأرشده بأعظم من ذلك كالاخبار عن بعض الغيوب وقصص الأنبياء المتباعد عهدهم وزمانهم
стр. 476
وامارات الساعة وأشراطها وإنزال القرآن المشتمل على الرطب واليابس الحادثين في العالمين الجاريين في النشأتين
وَكما اختلف اهل الكتاب في عدد الفتية اختلفوا ايضا في مدة لبثهم في النار راقدين نائمين قال بعضهم قد لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ بالسنة الشمسية على ما هو المشهور وَبعضهم قد ازْدَادُوا عليها تِسْعاً من تلك السنة ايضا وان كان المراد بالسنة الاولى شمسية والثانية قمرية كان كلا القولين واحدا موافقا لان التفاوت بينهما في كل مائة سنة ثلاث سنين فيكون الزيادة في ثلاث مائة تسع سنين قمرية
قُلِ يا أكمل الرسل بعد ما لم يوجد شيء يوثق به ويعتمد عليه في تعيين مدة لبثهم في الغار سوى التخمين والحسبان اللَّهُ المطلع لجميع السرائر والخفايا أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا اى بمدة لبثهم في كهفهم راقدين إذ لَهُ سبحانه لا لغيره من مظاهره واظلاله غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى الاطلاع على المغيبات الواقعة في العلويات والسفليات اطلاعا حضوريا شهوديا بحيث لا يجرى في مبصراته ومسموعاته سبحانه من كمال انكشافه وانجلائه عنده ان يقال له أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ كما يجرى في مبصراتنا ومسموعاتنا لاستغنائه وتنزهه سبحانه عن الالتفات والإصغاء بل عموم المغيبات والمحسوسات في جنب حضوره وحضرة علمه على السواء بلا تفاوت أصلا. ثم قال سبحانه ما لَهُمْ اى لأهل السموات والأرض مِنْ دُونِهِ اى من دون الله المراقب مِنْ وَلِيٍّ يتوليهم ويلي أمورهم إذ هو سبحانه مستقل بالوجود والتصرف في ملكه وملكوته بلا مظاهرة احد ومعاونته وَلا يُشْرِكُ بمقتضى تعززه وكبريائه وسطوته واستيلائه فِي حُكْمِهِ السابق في قضائه اجمالا واللاحق في قدره تفصيلا أَحَداً من مظاهره ومصنوعاته بل له الإيجاد والاعدام والأحياء والاماتة والتخليق والترزيق وجميع ما ظهر من الآثار المترتبة على الأوصاف والأسماء الذاتية الإلهية وكذا جميع ما حدث من الحوادث الجارية الكائنة في الأنفس والآفاق كلها مستندة اليه تعالى أولا وبالذات بلا تخلل الوسائل والوسائط العادية الناشئة من الأوهام والخيالات الباطلة بالنسبة الى اولى الأحلام السخيفة وذوى الحجب الكثيفة المنافية لرؤية الحق وانجلائه في المظاهر كلها واما ارباب الوصول والشهود وهم الذين قد رتقوا حجب الخيالات وسدل الأوهام والعادات فلا يرون في الوجود سواه ولا اله عندهم في الشهود الا هو لذلك لم يسندوا شيأ من الحوادث الكائنة بمقتضى التجليات والشئون الإلهية الا له سبحانه إذ ليس وراء الله عندهم مرمى ومنتهى
وَإذا كان مفاتيح جميع المغيبات ومقاليد عموم العلوم والإدراكات وكذا جميع ما في العالم من المحسوسات والمشاهدات كلها مستندة اليه سبحانه اصالة ناشئة من لدنه حقيقة اتْلُ يا أكمل الرسل على من تبعك من المؤمنين ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ على الوجه الذي انزل إليك بلا تبديل ولا تحريف إذ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ولا متصرف في كلامه سواه ولا تسمع قول المشركين ائت بقرآن غير هذا او بدله إذ لا يسع لاحد ان يبدله ويحرفه وَان هممت أنت الى تبديله من تلقاء نفسك لَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ سبحانه مُلْتَحَداً ملاذا وملجأ تلتجئ اليه عند نزول عذاب الله وحلول غضبه وانتقامه على تبديلك وتغييرك كلامه ثم لما طلب صناديد القريش من رسول الله ﷺ ابعاد فقراء المؤمنين وطردهم عن مجلسه مثل ابن أم مكتوم وابى ذر وسائر فقراء أصحابه لرثاثة حالهم وشمول الفاقة عليهم ليصاحبوه ﷺ ويجالسوا معه فهم رسول الله ﷺ على إنجاح ما أرادوا حيث امر ﷺ بالفقراء ان لا يحضروا
стр. 477
معهم في مجلسه رد الله سبحانه على رسوله ردا بليغا ونهاه عنه نهيا شديدا حيث قال سبحانه مؤدبا له ﷺ بل مقرعا عليه
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ اى ان التمست القريش منك ابعاد الفقراء وبالغوا في طردهم وذبهم عن صحبتك لا تجبهم أنت ولا تنجح مطلوبهم بل اصبر ووطن نفسك المائلة الى غناهم وصفاء زيهم ولباسهم مَعَ الفقراء الَّذِينَ شأنهم انهم يَدْعُونَ ويعبدون رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ اى طرفي النهار وما بينهما يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ويتوجهون نحوه مخلصين بلا ميل عنهم الى الهوى ومزخرفات الدنيا مع غاية فقرهم وفاقتهم وَلا تَعْدُ اى لا تمل ولا تصرف عَيْناكَ عَنْهُمْ لرثاثة حالهم وخلق ثيابهم الى الأغنياء وزيهم البهي حال كونك تُرِيدُ وتقصد زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا بالالتفات إليهم والميل الى مصاحبتهم ومجالستهم والركون الى جاههم وثروتهم وَلا تُطِعْ ولا تتفق معهم في طرد الفقراء والاعراض عنهم بمجرد ميلك الى ايمان أولئك الأغنياء البعداء عن روح الله ورحمته ولا تلتفت التفات متحنن متشوق الى مَنْ قد أَغْفَلْنا قَلْبَهُ وختمنا عليه بالإعراض عَنْ ذِكْرِنا ختما لا يرتفع عنه أصلا وَلذا قد صار من العتو والعناد الى ان اتَّبَعَ هَواهُ واتخذه الها واجتنب عن مولاه ونبذه وراءه وَبالجملة قد كانَ أَمْرُهُ وشأنه في هذا الاتباع والاتخاذ فُرُطاً ميلا وتقدما نحو الباطل افراطا وتفريطا اعراضا عن الحق ونبذا له وراءه ظهريا
وَقُلِ على سبيل الإرشاد والتبليغ بلا مراعاة ومداهنة الْحَقُّ الصريح الثابت ما قد نزل ونشأ مِنْ رَبِّكُمْ الذي قد انشأكم وأظهركم من كتم العدم وأصلح أحوالكم بإرسال الرسل وإنزال الكتب وبلغ جميع ما اوحى إليك إياهم بلا تبديل ولا تغيير إذ ما عليك الا البلاغ والتبليغ فَمَنْ شاءَ منهم الفوز والفلاح فَلْيُؤْمِنْ بالله وكتبه ورسله حسب ما بلغت وَمَنْ شاءَ منهم الوبال والنكال في الدارين فَلْيَكْفُرْ واعلم انه سبحانه لا يبالى بكفرهم ولا بايمانهم إذ هو منزه بذاته عن ايمان عباده وكفرهم. ثم قال سبحانه على سبيل التهديد والتنبيه إِنَّا من مقام عدلنا وقهرنا سيما على من اعرض عنا من عبادنا وانصرف عن مقتضى أوامرنا ونواهينا أَعْتَدْنا وهيأنا سيما لِلظَّالِمِينَ منهم الخارجين عن مقتضيات حدودنا وأحكامنا الموضوعة فيما بينهم لإصلاحهم ناراً ذات التهاب ومهيب واشتعال عال بحيث قد أَحاطَ اى احتوى واشتمل بِهِمْ سُرادِقُها اى لهبها التي هي كالفسطاط في الاحاطة والشمول والفسطاط البيت المتخذ من الشعر وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا من شدة العطش ونهاية حرقة الكبد والزفرة المفرطة يُغاثُوا ويجابوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ في اللون وهو الحديد المذاب وفي الحرارة الى حيث يَشْوِي الْوُجُوهَ ويحرقها وقت تقريبه الى الفم للشرب وبالجملة بِئْسَ الشَّرابُ شراب المهل وَساءَتْ جهنم وأوديتها المملوة بنيران الحرمان والخذلان مُرْتَفَقاً منزلا ومسكنا يسكنون فيها ابدا مخلدا
ثم اتبع سبحانه الوعيد بالوعد بمقتضى سنته السنية المستمرة في كتابه هذا فقال إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بوحدة ذاتنا وبكمالات اوصافنا وأسمائنا وصدقوا إرسال الرسل وإنزال الكتب المبينة الموضحة لأحكامنا الصادرة منا على مقتضى الأزمان والأدوار وَمع الايمان والإذعان قد عَمِلُوا الصَّالِحاتِ المأمورة لهم في الكتب والسنة الرسل واجتنبوا ايضا عما نهيناهم عنها فجزاؤهم علينا نجازيهم ونضاعف لهم بأضعاف ما يستحقون بأعمالهم الحسنة وإخلاصهم فيها إِنَّا من مقام عظيم فضلنا وجودنا لا نُضِيعُ ولا نهمل أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا وأخلص نية وأتم قصدا
стр. 478
وأكمل عزيمة
أُولئِكَ السعداء المحسنون المخلصون لَهُمْ في النشأة الاخرى جَنَّاتُ عَدْنٍ اى متنزهات اقامة وخلود من مراتب العلم والعين والحق ومع ذلك تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ اى انهار المعارف والحقائق المتجددة بتجددات التجليات الإلهية والنفسات الرحمانية المترشحة من رشحات رشاشات بحر الذات الازلية الابدية ومع ذلك يُحَلَّوْنَ ويزينون فِيها مِنْ أَساوِرَ وخلاخل متخذة مِنْ ذَهَبٍ جزاء ما قد هذبوا أخلاقهم وجوارحهم بمقتضى الأوامر الإلهية في النشأة الاولى وَيَلْبَسُونَ فيها ثِياباً خُضْراً مصنوعة مِنْ سُنْدُسٍ وهو ما رق من الديباج وَإِسْتَبْرَقٍ هو ما غلظ منه جزاء ما اتصفوا في النشأة الاولى بزي التقوى ولباس الصلاح ومن كمال تنعمهم وترفههم يكونون مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ والسرر متمكنين عليها جزاء ما قد حملوا من المتاعب والمشاق في مواظبة الطاعات وملازمة العبادات وبالجملة نِعْمَ الثَّوابُ ونعم الجزاء جزاء اهل الجنة وثوابهم وَحَسُنَتْ المتنزهات الثلاث مُرْتَفَقاً لهم يرتفقون وينتفعون فيها مع اهل الكشف والشهود بما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
ثم امر سبحانه حبيبه ﷺ بضرب المثل لتوضيح حال المؤمن والكافر ومآل أمرهما وشأنهما فقال وَاضْرِبْ لَهُمْ يا أكمل الرسل مَثَلًا مبينا موضحا وهو ان رَجُلَيْنِ من بنى إسرائيل كانا أخوين أحدهما مؤمن موحد والآخر كافر مشرك مات أبوهما وورثا منه أموالا عظاما فاقتسما فصرف المؤمن ماله في سبيل الله وأنفق للفقراء واليتامى والمساكين وابن السبيل واشترى الكافر مكاسب ومزارع وكثر ماله الى ان جَعَلْنا لِأَحَدِهِما اى للكافر ابتلاء له واختبارا جَنَّتَيْنِ بستانين مملوين مِنْ أَعْنابٍ وكروم وَحَفَفْناهُما اى احطنا كلا منهما بِنَخْلٍ لتزيدا حسنا وبهاء وَجَعَلْنا بَيْنَهُما اى بين الجنتين زَرْعاً مزرعة ومحرثة للحبوب والأقوات من الحنطة والشعير وغيرهما
كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ قد تمتا وكملتا الى ان آتَتْ واثمرت كل منهما أُكُلَها وثمرتها كاملة وافرة في كل سنة وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً اى لم تنقص من ثمرتهما وحاصلهما شيأ من النقصان كما هو المعهود في سائر البساتين فان ثمرها يتوفر في عام وينقص في اخرى وَمع ذلك قد فَجَّرْنا وأجرينا خِلالَهُما اى في اوساط الجنتين المذكورتين نَهَراً ليدوم سقيهما
وَمع تينك الجنتين واثمارهما قد كانَ لَهُ ثَمَرٌ اى اموال عظام وامتعة كثيرة من انواع الأجناس والنقود والجواهر والعبيد وغير ذلك فَقالَ الأخ الكافر يوما على سبيل البطر والمباهاة لِصاحِبِهِ اى للأخ المؤمن وَهُوَ يُحاوِرُهُ ويخاطبه مفتخرا مباهيا بعرض الأموال والزخارف عليه ويشنعه ويعيره ضمنا ويقرعه تقريعا خفيا الى ان قال بطرا أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وبالأموال تقتنص عموم الأماني والآمال وتنال بجميع اللذائذ والشهوات وَأَعَزُّ نَفَراً أبناء وعشائر واحشاما وخدمة يظاهرون ويعاونون على لدى الحاجة ويصاحبون معى في الحضر والسفر
وَمن شدة بطره وخيلائه دَخَلَ يوما جَنَّتَهُ التي ذكر وصفها وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ بعرضها على عذاب الله وانواع عقابه بكفره بالله وجحوده بأوصافه وأسمائه وبطره بحطام الدنيا وإعجابه على نفسه اتكالا على ثروته وجاهه وكثرة أعوانه وانصاره قالَ من طول أمله وحرصه وشدة غروره وغفلته ما أَظُنُّ بل ما اشكّ وأوهم أَنْ تَبِيدَ اى تنهدم وتنعدم هذِهِ الجنة أَبَداً بل هي على هذا القرار والنضارة والنزاهة دائما
وَايضا ما أَظُنُّ واعتقد السَّاعَةَ
стр. 479
الموعودة التي اخبر بها اصحاب الدعاوى من الأنبياء والرسل قائِمَةً آتية كائنة البتة بلا تردد وشك حتى تنهدم وتنعدم هذه بانعدام العالم وانقراضها وَلَئِنْ رُدِدْتُ يعنى ان فرض وقدر قيام الساعة وانقضاء النشأة الدنياوية على ما زعموا وبعثت من قبري على الوجه الذي ادعوا ورددت إِلى رَبِّي للحساب والجزاء وعرض الأعمال وتنقيدها لَأَجِدَنَّ البتة جنة في العقبى خَيْراً مِنْها اى من هذه الجنة الدنياوية فأخذها واختارها يومئذ مُنْقَلَباً مرجعا ومنزلا كما أخذت هذه في الدنيا وانما يقول ذلك على سبيل الاستهزاء والاستخفاف وبالجملة انى حقيق حرى بذلك في الدنيا والآخرة ايضا ان فرض وجودها ثم لما تمادى في المباهاة والمفاخرة وتطاول كلامه في الغفلة والغرور والإنكار على الله وعلى كمال قدرته وقوته وسرعة نفوذ قضائه وحكمه المبرم متى تعلقت ارادته
قالَ لَهُ صاحِبُهُ اى المؤمن وَهُوَ يُحاوِرُهُ على سبيل العظة والتذكير وانواع التسفيه والتعيير أَكَفَرْتَ وأنكرت ايها المفسد الطاغي بِالَّذِي خَلَقَكَ اى بالخالق الذي قد قدر أولا مادتك مِنْ تُرابٍ خسيس مرذول الى ان قد صارت من كثرة التبدلات والتغيرات عليها نطفة مهينة ثُمَّ قدرها ثانيا مِنْ نُطْفَةٍ دنية يستحقرها بل يستخبثها جميع الطباع لخروجها من مجرى البول ثُمَّ سَوَّاكَ منها وعدلك شخصا سويا سالما ورباك بأنواع اللطف والكرم الى ان صرت رَجُلًا رشيدا عاقلا بالغا كافلا للأمور والوقائع كافيا لإحداث الغرائب والبدائع وافيا في جميع المضار والمنافع ثم كلفك بالإيمان والمعرفة والإتيان بالأعمال الصالحة والإذعان بالنشأة الاخرى وما يترتب عليها من العرض والحساب والسؤال والجزاء وجميع المعتقدات الاخروية التي هي علة ايجادك ومصلحة إظهارك ووجودك فاستكبرت أنت جهلا واستنكرت الى ان قد كفرت عنادا ومكابرة فستعرف حالك فيها ايها الطاغي الباغي المستحق لانواع العذاب والعقاب
لكِنَّا اى لكن انا لا اكفر ولا أنكر مثلك ربي الذي أظهرني من كتم العدم ولم أك شيأ مذكورا وقدر مادتي من التراب الأدنى الأرذل ثم من المنى الاخبث الأنزل ثم عدلنى وسوانى رجلا رشيدا كاملا في العقل والرشد لأعرف ذاته فاعبده واشكر نعمه وأؤدي حقوق كرمه على وأتوجه نحوه وأتضرع اليه واصدق رسله وكتبه وجميع ما فيها من الأوامر والنواهي وعموم المعتقدات التي قد وجب الاعتقاد بها من الأمور المتعلقة بالنشأة الاولى والاخرى فكيف أنكره واكفر نعمه وانسى حقوق لطفه وكرمه إذ هُوَ اللَّهُ رَبِّي ورب جميع من في حيطة الوجود من الاظلال والعكوس وهو المستقل في الوجود والألوهية والربوبية وهو المتوحد المتفرد بالقيومية والديمومية وَبالجملة لا أُشْرِكُ بِرَبِّي الذي رباني بأنواع اللطف والكرم أَحَداً سواه إذ لا شيء في الوجود الا هو
وَلَوْلا وهلا وقت إِذْ دَخَلْتَ ايها المدبر الغافل جَنَّتَكَ التي افتخرت بها قُلْتَ بدل قولك ما أظن ان تبيد ما شاءَ اللَّهُ اى ما شاء وأراد دوامها وثباتها يتأبد وما لم يشأ لم يتأبد إذ لا قُوَّةَ ولا قدرة للتأبيد والتخريب إِلَّا بِاللَّهِ اصالة وحقيقة وأنت ايها الكافر المفرط المسرف المنكر إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً فعيرتنى وعرضت على أولادك وضياعك وزخارفك بطرا وبوحا مع انى اكثر منك ايمانا وعرفانا وثقة على الله واتكالا عليه
فَعَسى رَبِّي وأرجو من كمال فضله وجوده أَنْ يُؤْتِيَنِ ويعطيني في الدنيا والعقبى جنة خَيْراً ى أزيد حسنا وبهاء ونضارة وصفاء مِنْ جَنَّتِكَ التي أنت تتفوق وتتفضل بها على إذ هو القادر على كل ما أراد وشاء وَايضا عسى ان يُرْسِلَ
стр. 480
بغتة عَلَيْها اى على جنتك هذه حُسْباناً اى صواعق نازلة ليلا مِنَ السَّماءِ فحرقتها وخربتها واستأصلتها فَتُصْبِحَ أنت وترى صَعِيداً ترابا زَلَقاً ملساء لا تثبت فيها قدم ولا تنبت فيها نبات
أَوْ يُصْبِحَ ويصير ماؤُها الجاري في خلالها غَوْراً غائرا عميقا بحيث لا يمكن سقيها منه أصلا لبعد غوره وعمقه فَلَنْ تَسْتَطِيعَ أنت ولن تقدر لَهُ طَلَباً بالحفر والحيل وانواع التدابير وقد اعطى سبحانه من فضله وسعة جوده الأخ المؤمن ما أمله تفضلا عليه وامتنانا
وَأرسل على بستان الأخ الكافر صواعق نازلة من السماء كثيرة الى حيث أُحِيطَ بِثَمَرِهِ وعمت جميع ما فيها من الثمار فلم يبق الانتفاع بها أصلا وبالجملة قد غار ماؤها وذهب رواؤها واضمحلت نضارتها ولم يبق صفاؤها فَأَصْبَحَ الكافر يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ ظهرا وبطنا تلهفا وتحزنا عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وفي انشائها وتعميرها من الأموال العظام وَالحال انه هِيَ اى الجنة خاوِيَةٌ ساقطة عَلى عُرُوشِها اى عروشها قد سقطت على الأرض والكروم عليها محرقا جميعها وَيَقُولُ الكافر حينئذ بعد ما أفاق عن سكر الغرور والغفلة وتفطن على منشأ تلك الصدمة والصولة الإلهية نادما متحسرا متمنيا يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً تعنتا واستكبارا حتى لا يلحق على ما لحقني من البوار والخسار
وَبالجملة لَمْ تَكُنْ لَهُ حينئذ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ حسب مباهاته ومفاخرته بالأعوان والأنصار من بأس الله واخذه بل لا ناصر له مِنْ دُونِ اللَّهِ ولا مغيث له سواه وبالجملة ان استنصر منه سبحانه واستغفر له نادما عما صدر عنه من الجرءة والجرائم فقد نصره سبحانه وعفا عنه وان عظمت زلته وَما كانَ ايضا بنفسه على مقتضى استبداده وثروته مُنْتَصِراً مخلصا منجيا نفسه عن أمثال هذه النكبات
بل هُنالِكَ وفي أمثال تلك الحالة والواقعة الْوَلايَةُ والنصرة والغلبة والاستعلاء والاستيلاء والعظمة والكبرياء والتعزز والاستغناء ليست الا لِلَّهِ الْحَقِّ الثابت القيوم المطلق الحقيق بالحقية والقيومية الجدير بالبسطة والديمومية ابدا ولذلك هُوَ سبحانه بذاته وبمقتضى ألوهيته وربوبيته خَيْرٌ ثَواباً في النشأة الاخرى لأوليائه وهو أكرم عطاء لأحبائه وامنائه فيها وَخَيْرٌ عُقْباً لانتقام أعدائه انتصارا لأوليائه
وَاضْرِبْ لَهُمْ اى اذكر يا أكمل الرسل للمائلين الى الدنيا ومزخرفاتها ومستلذاتها الفانية الغير القارة المستتبعة المستعقبة لانواع الآثام والعصيان المستلزمة المستجلبة لغضب الله وسخطه ومثل لهم مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا وانقضائها وفنائها سريعا كَماءٍ اى مثلها مثل ماء قد أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ إظهارا لكمال قدرتنا وعجائب صنعتنا وبدائع حكمتنا فَاخْتَلَطَ بِهِ اى بالماء الاجزاء الارضية بحيث تكاثف وغلظ بسببها فنبت منه نَباتُ الْأَرْضِ وصار في كمال الطراوة والنضارة والحسن والبهاء الى حيث تعجب منها ابصار اولى الألباب والاعتبار ثم يبس من حر الشمس وبرد الهواء فَأَصْبَحَ هَشِيماً وصار مهشوما متفرق الأوراق متفتت الاجزاء بحيث تَذْرُوهُ اى تثيره وتطيره الرِّياحُ كيف تشاء وَكانَ اللَّهُ العزيز الغالب عَلى كُلِّ شَيْءٍ من مقدوراته ومراداته مُقْتَدِراً كاملا بحيث لا ينتهى قدرته لدى المراد بل له التصرف فيه الى ما شاء الله لا حول ولا قوة الا بالله ومتى سمعت وعلمت حال حيوة الدنيا ومآل أمرها وعاقبتها وانكشفت بعدم ثباتها وقرارها
فاعلم ان معظم ما يتفرع عليها الْمالُ وَالْبَنُونَ إذ هما زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا الفانية حاصلان منها عارضان عليها ومتى لم يكن للمعروض دوام وبقاء فللعارض بالطريق الاولى وَالْباقِياتُ التي
стр. 481
تبقى معك في أولاك وأخراك الأعمال الصَّالِحاتُ المقربة لك الى الله المقبولة عنده المترتبة عليها النجاة من العذاب والنيل الى الفوز والفلاح وهي خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً اجرا وجزاء حسنا من اللذات الروحانية الموعودة لأرباب القبول والقلوب وَخَيْرٌ أَمَلًا اى عاقبة ومآلا إذ بها ينال المعارف والحقائق والمكاشفات والمشاهدات الموعودة لأرباب العناية والقبول من اصحاب القلوب الصافية المؤملين في عموم أوقاتهم وحالاتهم شرف لقاء الله والفوز بمطالعة وجهه الكريم
وَاذكر يا أكمل الرسل للناس الناسين عهود الله ومواثيقه الوثيقة يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ ونحركها بالقدرة الكاملة والسطوة الهائلة الغالبة تحريكا شديدا بحيث نفتت اجزاءها ونحلل تراكيبها ونشتتها الى ان صارت دكاء وَتَرَى ايها المعتبر الرائي يومئذ الْأَرْضَ المملوة بالجبال الرواسي الحاجبة عما وراءها بارِزَةً ظاهرة ملساء مسوى بحيث لا ارتفاع لبعض اجزائها على بعض مظهرة لما فيها من الدفائن والخزائن والأموات المقبورة فيها وَبعد ظهورهم منها وبروزهم عليها قد حَشَرْناهُمْ وجمعناهم بأجمعهم حفاة عراة نحو الموقف والموعد المعد للعرض والجزاء فَلَمْ نُغادِرْ يومئذ ولم نترك مِنْهُمْ أَحَداً لا نسوقه الى المحشر
بعد جمعهم واجتماعهم في المحشر جميعارِضُوا عَلى رَبِّكَ
يا أكمل الرسل عرض العسكر على السلطان الصوري فًّا
صافين على الاستواء بحيث لا يحجب احد أحدا بل كل واحد واحد بمرائى ومشاهد بلا سترة وحجاب ثم يقال لهم من قبل الحق على سبيل السطوة والاستيلاء واظهار الهيبة القاهرة والسلطنة الغالبةقَدْ جِئْتُمُونا
اليوم حفاة وعراةما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
كذلك اى في بدء وجودكم وظهوركم لْ
قد كنتم عَمْتُمْ
وظننتم فيما مضى من شدة بطركم وغفلتكم لَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً
اى انا لن نقدر على انجاز ما وعدناكم بالسنة رسلنا من البعث والحشر والعرض والجزاء بل قد كذبتم الرسل وانكرتم الوعد والموعود جميعا فالآن قد ظهر الحق الذي كنتم تمترون فيه
وَبعد ما عرضوا صافين على الوجه المذكور وُضِعَ الْكِتابُ المشتمل على تفاصيل أعمالهم وجميع أحوالهم وأطوارهم من بدء فطرتهم الى انقراضهم من النشأة الاولى المعدة لكسب الزاد للنشأة الاخرى بين يدي الله على رؤس الاشهاد فَتَرَى ايها الرائي الْمُجْرِمِينَ حينئذ مُشْفِقِينَ خائفين مرعوبين مِمَّا فِيهِ اى في الكتاب قبل القراءة عليهم وَبعد ما قرئ عليهم وسمعوا جميع ما صدر عنهم كائنة مكتوبة فيه على التفصيل الذي صدر عنهم بلا فوت شيء يَقُولُونَ متحسرين متمنين الموت مناجين في نفوسهم منادين يا وَيْلَتَنا وهلكتنا ادركينا فهذا وقت حلولك ونزولك مالِ هذَا الْكِتابِ العجيب الشان الجامع لجميع فضائحنا وقبائحنا بحيث لا يُغادِرُ ولا يترك فضيحة صَغِيرَةً صادرة منا وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها فصلها وعدها بلا فوت خصلة منها. روى عن ابن مسعود رضى الله عنه الصغيرة التبسم والكبيرة القهقهة وَبالجملة قد وَجَدُوا عموم ما عَمِلُوا من الخير والشر والحميدة والذميمة حاضِراً فيه ثابتا مكتوبا على وجهها بلا نقصان شيء منها ولا زيادة عليها وَكيف لا يكون كذلك إذ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ يا أكمل الرسل أَحَداً من عباده لا بالزيادة ولا بالنقصان ولو قدر نقير ثم لما كان منشأ جميع الشرور والغرور وانواع عموم الفتن والغفلات واصناف الشرك والكفر والضلالات إبليس عليه اللعنة كرر سبحانه في كتابه قصة استكباره واستنكاره مرارا وأورده تكرارا تذكيرا للمتعظين المتيقظين وتنبيها على الغافلين المغرورين ليكونوا على ذكر منه ومن غوائله
стр. 482
وتسويلاته ليتيسر لهم الحذر عن وساوس أعوانه وانصاره الذين هم جنود الأوهام والخيالات الباطلة والأماني الكاذبة الناشئة من صولة الامارة المكارة الامكانية المستولية على القوى الوجوبية الروحانية
فقال وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اى اذكر لهم يا أكمل الرسل وقت إذ قلنا للملائكة المعترضين لنا على اصطفائنا آدم للخلافة والنيابة بعد افحامنا والزامنا إياهم بما الزمناهم اسْجُدُوا تواضعوا وتذللوا على وجه الخضوع والانكسار تكريما وتعظيما لِآدَمَ النائب المستخلف عنا بعد ما ظهر عندكم وعليكم فضله وشرفه واستحقاقه ورجحانه لأمر الخلافة فَسَجَدُوا بعد ما سمعوا متذللين امتثالا للأمر الوجوبي إِلَّا إِبْلِيسَ منهم قد ابى واستكبر ولم يسجد له بل قد علل بأنواع العلل العاطلة وجادل بأصناف المجادلات الباطلة الناشئة من خباثة فطرته وفطنته على ما سمعت غير مرة وانما امتنع وابى لأنه قد كانَ مِنَ الْجِنِّ في اصل خلقته فلحق بالملائكة لحكمة سابقة فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ حسب خلقته الاصلية وجبلته الفطرية أَفَتَتَّخِذُونَهُ وتأخذونه ايها المغرورون بتغريراته والمائلون الى تلبيساته وتزويراته سيما بعد ظهور هذه العداوة الظاهرة وَتتخذون ايضا ذُرِّيَّتَهُ المختلطة معكم المرتكزة في نفوسكم وقواكم اللاتي هي أعدى أعاديكم يترددون بين جنوبكم ويحومون حول قلوبكم أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي حيث تفوضون أموركم إليهم ليوالوا لكم وَالحال انه هُمْ أصلهم وفرعهم لَكُمْ عَدُوٌّ قديم مستمر وبالجملة بِئْسَ الشيطان وذريته وايضا بئس ولايتهما لِلظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضى أوامرنا ونواهينا بَدَلًا عنا وعن ولايتنا إياهم. عن يحيى بن معاذ رضى الله عنه لا يكون من اولياء الله ولا يبلغ مقام الولاية من نظر الى شيء دونه واعتمد على سواه ولم يميز بين معاديه ومواليه ولم يعلم حال إقباله من حال إدباره انتهى فكيف تتخذون ايها الحمقى المسرفون إبليس وذريته أولياء من دوني
مع انى ما أَشْهَدْتُهُمْ واحضرتهم اى إبليس وجنوده خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى وقت خلقهما وايجادهما ليعاونوا ويظاهروا على حتى تتخذوهم اولياء غيرى شركاء معى سيما في استحقاق العبادة وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ايضا اى لا احضر بعضهم عند خلق بعض منهم وَبالجملة انا مستقل بالخلق والإيجاد بل في الوجود ولذلك ما كُنْتُ في خلق الأشياء وإيجادها وإظهارها محتاجا الى المعين والظهير أصلا فكيف قد كنت مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ الضالين عن ساحة عز الحضور عَضُداً أعوانا وأنصارا اعتضد وانتصر بهم حتى تشاركوهم أنتم بي سيما في استحقاق العبادة والإطاعة بل ترجحونهم على بالمحبة والولاية
وَاذكر لهم يا أكمل الرسل يَوْمَ يَقُولُ الله على سبيل التعبير والتقريع للكفار والمشركين نادُوا وادعوا ايها المنهمكون في الغي والضلال شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ انهم شفعاؤكم اليوم لذلك قد عبدتم لهم مثل عبادتي بل احسن منها حتى ينقذوكم من عذابي ويشفعوا لكم عندي فَدَعَوْهُمْ حينئذ صارخين مستغيثين فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ ولم يجيبوا عنهم إذ هم حينئذ مشغولون بحالهم عنهم مأخوذون بوبالهم وَمع ذلك قد جَعَلْنا بَيْنَهُمْ اى بين العابدين ومعبوديهم مَوْبِقاً مهلكا عظيما واديا هائلا غائرا عميقا من اودية جهنم مملوة بالنار بحيث لا يمكن وصولهم أصلا
وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ يعنى بعد ما عرضوا وحوسبوا وسيقوا نحو جهنم ليعذب فيها كل بمقتضى ما كسب من المعاصي والآثام الموجبة للاخذ والانتقام فَظَنُّوا بل تيقنوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها ملاصقوها وداخلوها البتة وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً معدلا ومنصرفا سواها لينصرفوا
стр. 483
اليه مع ان الموكلين يسوقونهم ويدخلونهم فيها زجرا وقهرا
وَكيف يجدون مصرفا سواها ومن اين يتأتى لهم الانصراف اليوم إذ هم قد فوتوا على أنفسهم المنصرف وسبب الانصراف في النشأة الاولى مع انا لَقَدْ صَرَّفْنا وكررنا فِي هذَا الْقُرْآنِ المرشد الى الهداية الصارف عن مطلق الضلال والغواية لِلنَّاسِ المنهمكين في الغفلة والنسيان مِنْ كُلِّ مَثَلٍ اى من كل شيء مثلا موضحا ينبههم الى الهدى ويجنبهم عن الغفلة والهوى فلم يتنبهوا ولم يتفطنوا بل قابلوا الباطل بالحق معارضين وجادلوا مع اهل الحق معاندين مكابرين وَبالجملة كانَ الْإِنْسانُ المجبول على الكفران والنسيان أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا اى جداله ومكابرته اكثر من جدال سائر المخلوقات وان كان رشده وإيمانه ايضا اكثر منها.
ثم قال سبحانه وَما مَنَعَ النَّاسَ عن قبول الايمان وما صرفهم عن أَنْ يُؤْمِنُوا يوقنوا ويصدقوا بالمعتقدات الدينية سيما إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى اى النبي الهادي المؤيد بالكتاب المعجز المرشد وَما صرفهم ايضا عن ان يَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ ويتوبوا نحوه عن ظهر القلب عقيب كل معصية صادرة عنهم نادمين عنها بلا إصرار وإدمان ليسقط عنهم الأخذ والانتقام الأخروي إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ وتحيط بهم سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ وما جرى عليهم من الإهلاك والاستئصال بغتة أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا اى أنواعا وأصنافا منه مترادفة متوالية كالكسف والخسف والمسخ وغير ذلك فيهلكهم على سبيل التدريج
وَبالجملة ما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ بأنواع الفتوحات والفيوضات الروحانية والكشوفات والشهودات اللدنية النورانية وَمُنْذِرِينَ عن انواع العذاب والعقاب والنكبات والبليات المورثة لانواع الخذلان والخسران والطرد والحرمان والخلود في النيران وبالجملة ما نرسلهم الا إصلاحا لأحوال الأنام وإرشادا لهم الى سبل السّلام وحثا لهم الى سلوك طريق التوحيد المنجى عن ظلمات الشكوك والأوهام وَمع ذلك يُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله مع رسل الله ويخاصمون معهم متشبثين بِالْباطِلِ الزائغ الزائل لِيُدْحِضُوا ويزيلوا بِهِ ويزلقوا بتمويهاتهم وأباطيلهم الْحَقَّ الحقيق الثابت المستقر المطابق للواقع عن مقره وَكذلك قد اتَّخَذُوا وأخذوا آياتِي الدالة على عظمة ذاتى ووفور حكمتى وكمال قدرتي وقوتي وَكذا عموم ما أُنْذِرُوا اى قد اتخذوا جميع ما اشتملت عليه الآيات من الإنذارات والتخويفات وانواع الوعيدات هُزُواً اى موضع استهزاء وسخرية ومحل هزل وضحك لذلك قد نسبوها الى ما لا يليق بشأنها من الشعر والسحر والأساطير الكاذبة وغير ذلك من الهذيانات الباطلة والأباطيل الزائغة افتراء ومراء
وَمَنْ أَظْلَمُ على الله وأسوأ أدبا بالنسبة اليه سبحانه مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ليتعظ بها ويصلح بسببها فَأَعْرَضَ عَنْها وانصرف عن سماعها فكيف عن قبولها وامتثالها استنكارا واستكبارا وَمع ذلك قد نَسِيَ ما قَدَّمَتْ اقترفت وكسبت يَداهُ من الجرائم والآثام وانواع الكفر والشرك والطغيان ولو اتعظوا بها وعملوا بمقتضاها لذهبت سيئاتهم وتضاعفت حسناتهم عناية من الله إياهم وكيف يتذكرون بها ولا يمكنهم التذكر إِنَّا بمقتضى قهرنا وسخطنا عليهم قد جَعَلْنا طبعنا وختمنا عَلى قُلُوبِهِمْ التي هي وعاء التذكر والقبول أَكِنَّةً حجبا غليظة كثيفة مانعة عن أَنْ يَفْقَهُوهُ اى القرآن ويفهموا معانيه ومقاصده فكيف غوامض رموزه وإشاراته وَقد طبعنا ايضا فِي آذانِهِمْ وَقْراً ثقلا وصمما يمنعهم عن الاستماع والإصغاء اليه فكيف عن فهمه والعمل به والامتثال بما فيه من الأوامر والنواهي وَ
стр. 484
من غلظ غشاوتهم وشدد ضممهم وقساوتهم إِنْ تَدْعُهُمْ يا أكمل الرسل إِلَى الْهُدى وترشدهم الى الفوز بالفلاح والنجاح فَلَنْ يَهْتَدُوا ولن يفوزوا إِذاً أَبَداً في حال من الأحوال وحين من الأحيان لقساوة قلوبهم وصمم صماخهم بختمنا وطبعنا إذ لا يبدل قولنا ولا يعارض فعلنا الا باذن منا وتوفيق من لدنا
وَان كان تكذيبهم الرسل والكتب وإصرارهم على الشرك والجحود يستدعى نزول العذاب عليهم فجاءة لاستحقاقهم بحلوله الا انه يمهلهم رَبُّكَ الْغَفُورُ المبالغ في ستر ذنوب عباده وعفو عيوبهم يا أكمل الرسل إذ هو سبحانه ذُو الرَّحْمَةِ الواسعة والحكمة الكاملة لعلهم يتنبهون بقبح صنيعهم ويتأملون في وخامة عواقبهم فينصرفون عماهم عليه نادمين إذ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ سبحانه بِما كَسَبُوا وبشؤم عموم ما اقترفوا من الجرائم والآثام لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ على الفور حسب عدله وقهره لكن قد امهلهم بمقتضى رحمته وحكمته زمانا لا دواما رجاء ان يتوبوا ويرجعوا نحوه تائبين آئبين بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ ولهلاكهم وقت لا يسع فيه التلافي ولا ينفع التوبة والندم قط الا وهو يوم الحشر والجزاء وقيل يوم بدر بحيث لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ اى من دون ذلك الموعد مَوْئِلًا منجى ومخلصا بل يعذبون ويهلكون فيه حتما جزما بحيث لا يسع لهم التقدم والتأخر أصلا
وَبالجملة تِلْكَ الْقُرى التي في مرآك اطلالها وآثار منازلهم ومزارعهم قد أَهْلَكْناهُمْ واستأصلنا أهلها لَمَّا ظَلَمُوا وحين خرجوا واستنكفوا عن مقتضيات أوامرنا ونواهينا المنزلة في كتبنا لرسلنا وكذبوهم وأنكروا عليهم فأخذناهم واستأصلناهم كذلك وَمن سنتنا القديمة وعادتنا المستمرة انا متى أردنا إهلاك اهل قرية من المستوجبين للمقت والهلاك قد جَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ ولهلاكهم وإهلاكهم مَوْعِداً وقتا معينا وحينا محفوظا متى وصلوا اليه وحصلوا دونه هلكوا فيه حتما مقضيا إذ لا مرد لقضائنا المبرم ولا معقب لحكمنا المحكم
وَاذكر يا أكمل الرسل قصة أخيك موسى الكليم ﵇ وقصة إعجابه لنفسه حين خطب على المنبر بعد هلاك القبط ودخوله ملك مصر خطبة عجيبة بليغة الى حيث قد رقت القلوب وذرفت العيون فقيل له حينئذ من في الأرض اعلم منك يا نبي الله قال لا فعتب عليه سبحانه لإعجابه فقال سبحانه ان لنا عبدا في مجمع البحرين هو اعلم منك فقال موسى ﵇ دلني عليه يا ربي لأخدمه وأتعلم منه واستفيد من فتوحات أنفاسه الشريفة فقال له سبحانه خذ حوتا مملوحا ليكون لك زادا واطلبه فحيث فقدت الحوت وجدته ثمة فأخذ ومضى على الوجه المأمور اذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ وهو يوشع بن نون وكان خادمه لا أَبْرَحُ ولا استريح واقعد من السفر حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ اى ملتقى بحرى فارس والروم وأجد عنده عبدا قد دلني الله عليه أَوْ أَمْضِيَ وأسير حُقُباً زمانا طويلا ومدة مديدة ان لم أجده هناك حتى أجده واستفيد منه فرمى الحوت المشوى المملوح في مكتل وحمله يوشع فذهبا واوصى موسى لفتاه متى فقدت الحوت أخبرني
فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما اى بين البحرين نَسِيا عند المجمع حُوتَهُما يعنى قد نسى موسى التفقد والاستخبار من يوشع عنه ونسى يوشع ايضا ان يذكر لموسى ما رأى من امر الحوت وحياته ووقوعه في الماء وذلك انه قد عزم يوشع على التوضئ عند المجمع وكان على شاطئ البحر صخرة فتمكن يوشع عليها للتوضؤ فانتضح الماء على مكتله فترشح على الحوت فوثب من المكتل فرمى نفسه في البحر فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً اى صار الماء كالطاق يسرى الحوت تحته
стр. 485
بسهولة فتعجب يوشع من حياتها ووثبتها في الماء وسلوكها فيه كسائر الحيتان فارتحلا متجاوزين من البحر تلك الليلة والغد الى الظهر فنسي يوشع ذكر ما رأى لموسى
فَلَمَّا جاوَزا من الصخرة يوما وليلة عييا وجاعا قالَ موسى لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا اى الذي سرنا بعد ما جاوزنا من الصخرة نَصَباً عناء وتعبا ما كنا قبل ذلك كذلك
قالَ يوشع متذكرا متعجبا أَرَأَيْتَ يا سيدي وقت إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ ورقدت عندها للاستراحة وانا أهم لا توضأ وأتمكن عليها للتوضؤ فانتضح الماء الى المكتل فوثب الحوت نحو البحر فاتخذ سبيله سربا فَإِنِّي بعد تيقظك من منامك نَسِيتُ الْحُوتَ وقصته مع كمال غرابتها وندرتها وكونها خارقة للعادة وَبالجملة ما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ اى اذكر قصته البديعة عندك وَكيف اتَّخَذَ سَبِيلَهُ حين رمى نفسه فِي الْبَحْرِ عَجَباً على وجه يتعجب من جريه الرائي ولما سمع موسى من يوشع ما سمع من فقد الحوت على هذا الوجه سر وفرح
قالَ على سبيل الفرح والسرور ذلِكَ الأمر الذي قد وقع ما كُنَّا نَبْغِ ونطلب من سفرنا هذا إذ هو علامة وجدان المطلوب وامارة حصول الارب فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما على الفور فأخذا يقصان قَصَصاً لازالة شدة السفر فمضيا الى ان وصلا الصخرة المعهودة
فَوَجَدا عندها عَبْداً كاملا في العبودية والعرفان إذ هو مِنْ خلص عِبادِنا وخيارهم لأنا من وفور جودنا وانعامنا عليه قد آتَيْناهُ وأعطيناه رَحْمَةً كشفا وشهودا تاما موهوبا له مِنْ عِنْدِنا تفضلا وإحسانا بلا عمل له في مقابلتها يقتضى ذلك وَمع ذلك قد عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا بلا وسائل الكسب والتعلم والطلب والاستفادة بل بمجرد توفيقنا وفضلنا إياه امتنانا له وإحسانا عِلْماً متعلقا بالغيوب حيث اخبر ويخبر بما وقع وسيقع
فلما وصلا اليه وتشرفا بشرف حضوره وصحبته قالَ لَهُ مُوسى على وجه الاستجازة والاسترشاد وحسن الأدب هَلْ أَتَّبِعُكَ ايها المؤيد الكامل المتحقق بمراتب اليقين بتمامها الواصل الى بحر الوحدة الخائض في لججها عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ وتفيد لي مِمَّا عُلِّمْتَ وألهمت من سرائر المغيبات سوابقها ولواحقها رُشْداً ترشدني نحوها مقدار استعدادي وقدر قابليتي وطاقتي قال يا موسى كفى بالتورية علما وببني إسرائيل شغلا قال موسى في جوابه ان الله قد أمرني بالاستفادة والاسترشاد منك فلا تمنعني وبعد ما قد ألح موسى واقترح
قالَ إِنَّكَ يا موسى مع كمال حذاقتك في ظواهر العلوم المتعلقة بوضع القواعد الدينية ونصب المعالم الشرعية وانتصاف الظالم من المظلوم وانتقامه لأجله الى غير ذلك من الأمور المتعلقة بسياسة البلد وتدبير المدن والمنزل لَنْ تَسْتَطِيعَ ولن تقدر مَعِيَ صَبْراً بل لا بد لك متى اطلعت على امر وشيء يخالف الشرعية والوضع المخصوص الذي أنت جئت به من عند ربك ونزلت التورية على مقتضاه لزم عليك ان تمنعه وتعترض عليه بمقتضى نبوتك ورسالتك على سبيل الوجوب والذي انا عليه من العلوم المتعلقة بالسرائر والغيوب قد يخالف أصلك وقواعدك فلن تستطيع حينئذ معى صبرا
ثم اعتذر وبسط العذر معللا حيث قال وَكَيْفَ تَصْبِرُ أنت يا موسى عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً اطلاعا على سره ومآله ومع ذلك لم ينزل عليك وحى من عند ربك متعلق بأمثاله
قالَ موسى ملحا عليه مقترحا مبالغا سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ وتعلقت ارادته بصبري صابِراً على عموم ما قد جئت به من المغيبات الخارقة للعادات التي لم افز بسرائرها وهي مخالفة لظواهر الشرائع والاحكام وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً اى في امر من الأمور
стр. 486
وشيء من الأشياء وبعد ما اضطره موسى على القبول
قالَ له الخضر ﵇ على سبيل التوصية والتوطئة فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي بعد ما بالغت فَلا تَسْئَلْنِي يعنى عليك ان لا تفاتحنى بالسؤال عَنْ شَيْءٍ قد أنكرته منى ووجدته مخالفا لظاهر الشرع حَتَّى أُحْدِثَ وأبين لَكَ مِنْهُ ذِكْراً بيانا واضحا كاشفا عن إشكالك ودغدغتك بلا سبق سؤال منك
ثم لما تعاهدا على هذا فَانْطَلَقا يمشيان على ساحل البحر لطلب السفينة فمرا على سفينة فاستحملا من أهلها فقبلوا ان يحملوهما فقربوها الى الساحل فحملوهما بلا نول حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ على شاطئ البحر فجرت فلما بلغت اللجة خَرَقَها الخضر ﵇ بان أخذ فأسا فقلع منها لوحا او لوحين فلما رأى موسى منه ما رأى أخذ يشد خرقها بثيابه قالَ له حينئذ على سبيل نهى المنكر أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ بخرقها أَهْلَها وساكنيها إذ من خرقها قد يدخل الماء فيها فيغرقها وأهلها والله لَقَدْ جِئْتَ بفعلك هذا شَيْئاً إِمْراً اى منكرا عظيما هو قصد إهلاك جماعة بلا موجب شرعي
قالَ له الحضر على سبيل التذكير والتشنيع أَلَمْ أَقُلْ لك يا موسى من أول الأمر إِنَّكَ باعتبارك بظواهر العلوم
لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً قالَ موسى معتذرا متذكرا لعهده لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ اى نسياني وغفلتي عن وصيتك وعهدي معك وَلا تُرْهِقْنِي اى لا تغشني ولا تحجبني مِنْ أَمْرِي الذي قد بعثني على متابعتك وهو الاطلاع على سرائر الأمور ومغيباتها عُسْراً اى لا تحجبني عن مطلوبي بالمؤاخذة على النسيان عسرا يلجئنى الى ترك متابعتك فيفوت غرضي منك ومطلوبي من متابعتك وبعد ما قد ألح موسى واقترح معتذرا قبل الحضر ﵇ عذره بالضرورة
ثم لما نزلا من السفينة فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً صبيا صبيحا لم يبلغ الحلم يلعب مع الصبيان فَقَتَلَهُ الخضر ﵇ على الفور بلا صدور ذنب منه وجريمة حيث أخذ رأسه وضربه الى الجدار حتى مات فاشتد الأمر على موسى فامتلأ من الغيظ ولم يقدر على كظمها وهضمها قالَ موبخا مقرعا أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً معصومة برية عن جميع الآثام بِغَيْرِ إهلاك نَفْسٍ صدر منه قصدا ليكون قتله قصاصا عنه شرعا مع انه لا ولاية لك حينئذ على قتله وان صدر عنه القتل عمدا والله لَقَدْ جِئْتَ باتيانك هذا شَيْئاً نُكْراً منكرا مكروها في غاية النكارة والكراهة إذ قتل النفس من أعظم الكبائر سيما النفس المعصومة المنزهة عن عموم المعاصي سيما لم تكن لك ولاية قتله شرعا بلا جريمة أصلا وبعد ما سمع الخضر منه إنكاره
قالَ له على وجه التشدد والغلظة أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ ولن تطيق ابدا مَعِيَ صَبْراً إذ لا مناسبة بيني وبينك ولا موافقة لعلمي مع علمك فخلني على حالي ولا تشوشنى وانصرف عنى وامض حيث شئت فقد بلغت الطاقة ثم لما رأى منه موسى ما رأى من الغيظ والغلظة والحرارة المفرطة أخذ بالرفق والمداراة واظهار المسكنة والاستحياء
حيث قالَ معتذرا مستحييا لا تحرمني عن صحبتك بما صدر عنى من نقض العهد وسوء الأدب ولا تودعنى يا سيدي عن صحبتك زجرا وقهرا وبالجملة إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي ولا تجعلني رفيقك وصاحبك لأنك قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي ومن قبلي عُذْراً فلا اعتذر لك بعد هذا بل أفارق ان وقع عنى ما يشوشك. عن رسول الله ﷺ انه قال رحم الله أخي موسى قد استحى فقال ذلك ولو لبث مع صاحبه لا بصر اعجب الأعاجيب
وبعد ما تقاولا في امر الغلام ما تقاولا فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ هي انطاكية اوايلة اسْتَطْعَما أَهْلَها من شدة جوعهما واحتياجهما الى الطعام فَأَبَوْا وامتنعوا أَنْ يُضَيِّفُوهُما
стр. 487
ويطعموهما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ اى يميل ويشرف أَنْ يَنْقَضَّ اى يسقط وينهدم فَأَقامَهُ الخضر ﵇ وعدله وسواه بالعموم او اسقطه واحكم بنيانه وبناه جديدا ثم لما رأى موسى منه امرا مستغربا مستبدعا وهو انهما على جناح السفر ولم يكن بهما شغل وغرض متعلق بتعمير الجدار وإقامته قالَ على سبيل التعريض لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً وأخذت جعلا واكتسبت للتقوت والتزود بعد ما أبوا عن الضيافة
ثم لما سمع الخضر من موسى ما سمع قالَ هذا اى سؤالك وتعريضك فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ويوجب مفارقتي عنك لكن لا أفارقك في الحال بل سَأُنَبِّئُكَ وأخبرك بِتَأْوِيلِ ما اى الأمور التي قد أنكرت عليها واعترضت مفتتحا مستعجلا بحيث لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً حتى أحدثك وابينك سرائرها
مع انى أوصيتك ببيانها لك أولا ثم فصلها فقال أَمَّا السَّفِينَةُ التي قد خرقتها بالهام الله إياي والقائه على قلبي فَكانَتْ لِمَساكِينَ وضعفاء لا مكسب لهم سواها يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ بها ويعيشون من نولها فَأَرَدْتُ باذن الله ووحيه أَنْ أَعِيبَها واجعلها ذات عيب وَقد كانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ ظالم مستمر عليه وهو يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صحيحة غير معيبة غَصْباً ظلما وزورا بلا فدية فجعلتها ذات عيب حتى تبقى لهم وذلك باذن الله عناية منه سبحانه لضعفاء عباده ورعاية لحالهم في مصلحتهم
وَأَمَّا الْغُلامُ الذي قد قتلته على الفور فهو غلام قد جبله الحق على الكفر والعصيان وانواع الشرك والطغيان فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ موحدين فَخَشِينا عليهما من سوء فعاله وقبح حاله وخصاله أَنْ يُرْهِقَهُما ان يغشيهما وينطيهما طُغْياناً وَكُفْراً من غاية حبهما له وتحننهما إياه
فَأَرَدْنا واحببنا بقتله وهلاكه أَنْ يُبْدِلَهُما ويهب لهما بدله رَبُّهُما الذي رباهما بنعمة التوحيد والايمان وكرامة العصمة والعفاف ولدا خَيْراً مِنْهُ زَكاةً يعنى طاهرا مطهرا عن خبائث الكفر والآثام متصفا بحلية الايمان والإسلام وَأَقْرَبَ رُحْماً مرحمة وعطفا وبرا على الوالدين ولطفا. قيل قد ولدت لهما جارية بدل الغلام فتزوجها نبي من أنبياء الله فولدت نبيا قد هدى الله به امة من الأمم
وَأَمَّا الْجِدارُ الذي قد أردت إقامته وقصدت تعميره بالهام الله إياي ووحيه فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ ولم يبلغا الحلم وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما مدفون مخزون من ذهب وفضة قد دفن لهما أبوهما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً موحدا مسلما متوجها نحو الحق دائما فَأَرادَ رَبُّكَ يا موسى من كمال لطفه وعطفه لليتيمين ورعايته للأب الصالح أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما ويدخلا رشدهما ويخرجا عن يتمهما إذ لا يتم بعد البلوغ ويصيرا ذوى رأى رزين وفكر متين وَيَسْتَخْرِجا بعد ذلك كَنزَهُما وانما أمرني الله سبحانه بإقامة الجدار واحكام المخزن رَحْمَةً عطفا ومرحمة ناشئة مِنْ رَبِّكَ يا موسى شاملة عليهما تتميما لتربيتهما وتقويتهما وَبالجملة ما فَعَلْتُهُ انا وما أنكرت أنت عليه وما اعترضت وتعرضت فيه وبه يا موسى ليس صادرا عَنْ أَمْرِي ورأيى ناشئا عن تدبير عقلي وفكرى بل مما الهمنى الله به وجرأني عليه وأمرني بفعله فانا مأمور بل مجبور والمأمور معذور ذلِكَ المذكور على التفصيل تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ أنت ولم تطق عَلَيْهِ صَبْراً حتى ظهر لك سره ومما جرى بينهما صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهما يتفطن العارف اللبيب والطالب الأديب ان شرط الاستفادة والاسترشاد ومناط الاستكمال وطلب الرشد هو ان يميت المريد المسترشد نفسه عن المرشد الكامل المكمل بالموت الإرادي بحيث لا يتأتى منه المعارضة والمقابلة أصلا فكيف
стр. 488
الممانعة والمماراة وان جزم ان فعل مرشده خارج عن مقتضى العقل والشرع على زعمه بل حمل عموم أفعاله على المحمل الأحسن الأصوب وسكت عن مطلق المراء والمجادلة إذ المريد بعد ما فوض أموره كلها الى مرشده واتخذه وكيلا واخذه ضمينا وكفيلا فقد فنى فيه وبقي ببقائه فلم يبق له التصرف أصلا بمقتضيات قواه وجوارحه ومداركه. هب لنا ربنا من لدنك رحمة تنجينا بها من تسويلات نفوسنا.
ثم قال سبحانه على وجه التنبيه لحبيبه ﷺ وَيَسْئَلُونَكَ يا أكمل الرسل اى اليهود المردودون والنصارى المنحوسون المطرودون سؤال اقتراح وامتحان مثل سؤال اصحاب الكهف والروح عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ وأطواره وكيفية سيره وطوافه حول العالم قُلْ سَأَتْلُوا واقرأ واذكر ان شاء الله عَلَيْكُمْ مِنْهُ اى من ذي القرنين وقصته ذِكْراً قد أخبرني به سبحانه بالوحي في كتابه المعجز. وذو القرنين هو الإسكندر الأكبر الرومي بن فيلقوس الرومي سمى بذي القرنين لأنه طاف قرني الدنيا اى المشرق والمغرب قد اختلف في ولايته ونبوته
اخبر عنه سبحانه بقوله إِنَّا من مقام عظيم جودنا وفضلنا قد مَكَّنَّا وقدرنا لَهُ فِي الْأَرْضِ تمكنا تاما وقدرة كاملة وَذلك انا قد آتَيْناهُ أعطيناه تأييدا له وتعضيدا إياه مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً موصلا له الى مبتغاه وجميع ما أمله يعنى قد وفقناه على اسباب الوصول الى كل مطلوب قصده وأراد الوصول اليه
فَأَتْبَعَ سَبَباً متى ارتكب امرا لوثوقه واتكاله علينا وبانجاحنا إياه الى مبتغاه
ثم لما أراد ان يسير نحو المشرق فاتبع سببه وسار حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ اى موضعا تغيب فيه يعنى بلغ نهاية العمارة من جانب المغرب وَجَدَها اى الشمس تَغْرُبُ وتغيب فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ اى ذات حمأة وهي الطين والماء وقرئ حامية اى حارة ويجوز ان يكون عينا ذات حمأة وحرارة وبالجملة غروبها في رأى العين على عين صفتها هذه والا فلا تسع الشمس في جميع كرة الأرض فكيف بجزء منها إذ نسبة كرة الأرض الى عظم جرم الشمس عند اهل الرصد كنسبة جزء من مائة وست وستين جزأ على التقريب فكيف تغيب وتستتر هي بجزء منها وَوَجَدَ عِنْدَها اى عند العين الموصوفة قَوْماً كفارا نافيا للصانع الحكيم لباسهم جلود الوحوش وطعامهم ما لفظ البحر بالموج من انواع الحيوانات المائية فلما وصل ذو القرنين إليهم ووجدهم كفارا خيرناه في أمرهم عناية منا إياه بان قُلْنا له وألهمنا عليه مناديا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ لك الخيار في شأن هؤلاء الكفار إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ اى تهلكهم وتستأصلهم بكفرهم بحيث لا يبقى منهم احد وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ وتصنع فِيهِمْ حُسْناً شرعا ودينا كما في سائر المؤمنين
ثم لما خير ذو القرنين في أمرهم وفوض أمرهم اليه قالَ على مقتضى العدل والإنصاف الذي قد جبله الحق عليه ادعوهم أولا الى الايمان والقن عليهم كلمة التوحيد والعرفان أَمَّا مَنْ ظَلَمَ وتولى وابى وأصر على ما عليه من الكفر والهوى فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ او نقتله حدا بعد عرض الإسلام ولم يقبل في دار الدنيا ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ في يوم الجزاء فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً شديدا مجهولا غير متعارف بين اهل الدنيا شدته وفظاعته
وَأَمَّا مَنْ آمَنَ منهم وَعَمِلَ على مقتضى الايمان عملا صالِحاً فنصلح حاله ونراعيه في الدنيا فَلَهُ في يوم الجزاء ووقت العطاء جَزاءً الْحُسْنى والمثوبة العظمى والدرجة العليا والمقام الأسنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا الذي قد أمرناه بالتخيير في امر أولئك الهالكين في تيه الغواية يُسْراً سهلا معتدلا بين افراط القتل والاستئصال وتفريط الإبقاء على الكفر والضلال مداهنة
ثُمَّ بعد ما قد وضع الشرع بالأمر الإلهي بين اهل المغرب
стр. 489
أَتْبَعَ سَبَباً آخر يوصله الى المشرق وسار
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وموضع شروقه وإضاءته على العالم قد وَجَدَها تَطْلُعُ وتستضئ أولا عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً يعنى لم تجعل لهم حائلا كثيفا وحجابا غليظا ليكون ساترا لهم حر الشمس وقت طلوعها من الجبل والشجر وغيرهما بل كلهم غرل عراة لا لباس لهم أصلا بل هم يحفرون الأرض ويتخذون سردابا وأخاديد يدل الايتية لان ارضهم لا تمسك البناء
كَذلِكَ اى وهم ايضا كفار مثل اهل المغرب وهم أشد الناس في الحروب وأشجعهم في المعارك واجرأهم على القتال والاقتحام في الوغاء ولهم آلات واسلحة عجيبة وعدد بديعة لا كمثل سائر آلات الناس وعددهم وأيضا هم اكثر الناس عددا وَمع كثرة عددهم ووفور مكرهم وخديعتهم قَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً يعنى أعلمنا اسكندر وبمن عنده من الجنود والخدمة علما بحال أعدائهم وبدفع مكرهم وحيلهم وجرأناهم على المقابلة والمقاتلة مع قلتهم وكثرة عدوهم فقاتلوا معهم وغلبوا عليهم وبعد ما قد غلب عليهم وضع بينهم ايضا شعائر الشرع ومعالم الدين كما وضع لأهل المغرب
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً آخر وسار على الأرض بين المشرق والمغرب
حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ اى بين الجبلين اللذين سد بينهما ذو القرنين سدا منيعا حصينا وهما جبلا إرمينية وآذربيجان وقيل جبلان في أواخر الشمال في منقطع ارض الترك من ورائهما يأجوج ومأجوج وَجَدَ مِنْ دُونِهِما وعندهما قَوْماً أعجميا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ ويفهمون قَوْلًا لغة من اللغات المتداولة
قالُوا بلسان الواسطة والترجمان يا ذَا الْقَرْنَيْنِ نحن أناس ضعفاء مظلومون نحتاج الى اعانتك واغاثتك لتنقذنا من أيادي الظلمة إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ هما علمان للقبيلتين من الترك مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ اى في ارضنا هذه بأنواع الفسادات قيل قد كانوا يخرجون في الربيع فلا يتركون اخضر رطبا الا أكلوه ولا يابسا الا حملوه وقيل كانوا يأكلون الناس ايضا فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً جعلا نوزع حتى يبلغ مبلغا وافيا عَلى أَنْ تَجْعَلَ بسلطنتك وسطوتك بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا منيعا محكما بحيث لا يمكنهم الخروج علينا فنأمن من شرورهم بجاهك يا مولانا
قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ اى ما خصنى وما جعلني ربي بفضله وجوده مكينا فيه من المال والملك خير مما تجمعون أنتم بتوزيعكم وتحريجكم واكثر منه ولا حاجة لنا الى أموالكم بل الى اعانتكم وسعيكم أجراء فَأَعِينُونِي في وضع هذا السد بِقُوَّةٍ عملة وصناع يأخذون منى الأجر ويعملون أَجْعَلْ بفضل الله وسعة رحمته وجوده بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً سدا حاجزا حصينا منيعا وثيقا بحيث لا يقبل التخريب الى انقراض الدنيا ان تعلق به مشيئته سبحانه
وبالجملة آتُونِي واحضروا عندي أولا زُبَرَ الْحَدِيدِ اى قطعها الكبيرة فأتوا بها فأمرهم بحفر الأرض الى ان وصل الماء فوضع الأساس من الصخر والنحاس المذاب حتى وصل الى وجه الأرض أمرهم بتنضيد قطع الحديد بأن وضعوا بين كل قطعتي الحديد فحما وحطبا وأمرهم برفعه هكذا حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ اى بين جانبي الجبلين وصار ما بينهما مساويا للطرفين في الرفعة أمرهم بوضع المنافخ العظام من كلا طرفي السد ثم قالَ لهم انْفُخُوا فنفخوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً اى جعل المنفوخ فيه مثل النار في اللون والحرارة فأحرق الفحم والحطب وذابت واتصلت الزبر وبقيت فرج صغار يعنى لم يصل الى حد الملامسة والتسوية ثم قالَ آتُونِي شيئا مايعا مذابا أُفْرِغْ عَلَيْهِ ليصير ملسا مسوى لا فرج فيها ولا يرى اوصالها أصلا وبالجملة أتونى
стр. 490
قِطْراً نحاسا مذابا فأتوه فصب عليه فاستوى فصار أملس لا فرج لها أصلا
فَمَا اسْطاعُوا وما قدر يأجوج ومأجوج أَنْ يَظْهَرُوهُ ويصعدوا عليه ويعلوا لارتفاعه وملاسته وَمَا اسْتَطاعُوا ايضا ان يحفروا لَهُ نَقْباً لعمقه وغلظ تحصنه
ثم لما انسد واستوى على الوجه الذي قصد قالَ ذو القرنين مسترجعا الى الله شاكرا لنعمه هذا اى إتمام هذا السد المحكم على الوجه الأسد الأحكم رَحْمَةٌ نازلة على مِنْ رَبِّي إذ لولا توفيقه واقداره لما صدر عنى وبقدرتي أمثال هذا فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي وقرب قيام الساعة وظهر اماراتها وأشراطها ومن جملة اماراتها خروج يأجوج من ورائه جَعَلَهُ سبحانه هذا السد الرفيع المنيع دَكَّاءَ اى مدكوكا مسوى مفتتا اجزاؤه بحيث لم يبق له ارتفاع أصلا وهم حينئذ يخرجون على الناس وَبالجملة قد كانَ وَعْدُ رَبِّي بقيام الساعة واستواء ظهر الأرض وكونها دكاء بحيث لا عوج لها ولا امتا حَقًّا ثابتا محققا لا شبهة فيه ولا في إتيانه ووقوعه.
ثم قال سبحانه وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ يعنى بعد ما قد جعلنا الأرض مبسوطا مدكوكا حسب قهرنا وجلالنا وجعلنا السد الأسد السديد الرفيع المنيع مسوى قد أخرجنا يأجوج ومأجوج باقدارنا إياهم بالخروج وتركنا حينئذ بعض الناس يموج ويزدحم ويدخل من صولتهم واستيلائهم بعضا آخر مضطربين مضطرين يعنى بعض الناس يهرب منهم ويزدحم في اماكن البعض الآخر فيضيق عليهم الأمكنة والأطعمة فاضطرب الكل من تلك التموج والازدحام وَهم في تلك الاضطراب والتشتت من استيلاء أولئك الظلمة القهارين القتالين نُفِخَ فِي الصُّورِ للحشر والجمع الى المحشر والمجمع وقامت الطامة الكبرى فَجَمَعْناهُمْ حينئذ اى جميع الخلائق للعرض والحساب جَمْعاً مجتمعين في الحشر
وَبعد جمعنا إياهم قد عَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ اى يوم الحشر لِلْكافِرِينَ المعرضين المكذبين للرسل والكتب المنكرين ليوم العرض والجزاء عَرْضاً على سبيل الإلزام والتبكيت سيما للقوم
الَّذِينَ قد كانَتْ أَعْيُنُهُمْ في النشأة الاولى فِي غِطاءٍ وغشاوة كثيفة عَنْ ذِكْرِي اى عن آياتي الدالة على ذكرى المؤدية الى التفكر والتدبر في آلائي ونعمائي المؤدية الى ملاحظة ذاتى المنتهية الى المكاشفة والمشاهدة للموفقين المؤيدين من عندي المنجذبين الى وَهم قد كانُوا ايضا لا يَسْتَطِيعُونَ ولا يقدرون سَمْعاً اى إصغاء والتفاتا الى استماع كلمة الحق لتعطيلهم وكفرانهم حسب خباثة فطرتهم وطينتهم نعمة الحق الموهوبة لهم لاستماع كلمة الحق وإصغاء دلائل التوحيد عن مقتضاها.
ثم قال سبحانه على سبيل التقريع والتوبيخ أَللكفرة المشركين المتخذين آلهة سوى الله من مصنوعاته ومخلوقاته فَحَسِبَ وظن القوم الَّذِينَ كَفَرُوا وأشركوا بسبب أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي
واعتقدوهم مثل عزير وعيسى وعموم الأوثان والأصنام مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ آلهة سواي يعبدونهم كعبادتهم إياي أنا لا نأخذهم ولا ننتقم عنهم في يوم الجزاء كلا وحاشا وكيف لا نأخذهم ولا ننتقم عنهم إِنَّا من كمال قهرنا وغضبنا على من أشرك بنا غيرنا واثبت آلها سوانا قد أَعْتَدْنا وهيئنا جَهَنَّمَ البعد والخذلان المملوة الممتلئة بنيران الحرمان لِلْكافِرِينَ المعرضين عن مقتضيات آياتنا وكتبنا ورسلنا نُزُلًا ومنزلا معدا ينزلون فيها يوم الجزاء نزول المؤمنين في جنة الوصال ومقر الآمال
قُلْ يا أكمل الرسل للمشركين المتخذين أربابا من دون الله من مصنوعاته يعبدونهم مثل عبادته وينكرون توحيده ويكذبون كتبه ورسله المبينين لأحوال النشأتين عنادا ومكابرة هَلْ نُنَبِّئُكُمْ
стр. 491
نخبركم ونرشدكم ايها المنهمكون في الخسران والطغيان بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا اى العاملين الذين خسروا من جهة أعمالهم مع انهم قد زعموا الربح فيها
وهم الَّذِينَ ضَلَّ اى قد ضاع سَعْيُهُمْ الذي قد سعوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا بإتيان الأعمال الصالحة والانفاق وبناء بقاع الخير وغير ذلك كالرهابنة والقسيسين وكذا عموم اهل العجب والرياء أية امة كانت وَهُمْ في النشأة الاولى يَحْسَبُونَ ويظنون أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ينفعهم عند الله ويتوقعون المثوبة العظمى والدرجة العليا لأجلها مع انهم هم قد خسروا خسرانا مبينا لفقدهم ما هو مبنى للأعمال ومناط العبادات والأحوال الا وهو الايمان بتوحيد الله والتصديق بكتبه ورسله
أُولئِكَ البعداء الأشقياء المجبولون على الكفر والشقاق هم الَّذِينَ كَفَرُوا وكذبوا بِآياتِ رَبِّهِمْ الدالة على توحيده وتصديق رسله وكتبه وَلِقائِهِ الموعود لعباده عند انجلاء حجبهم وارتفاع استارهم فَحَبِطَتْ اى قد ضاعت واضمحلت وضلت في النشأة الاخرى عنهم أَعْمالُهُمْ التي جاءوا بها في النشأة الاولى لطلب الربح والنفع فَلا نُقِيمُ ولا نضع لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ المعد لجزاء الأعمال وتنقيدها وَزْناً مقدارا ينتفع ويعتد بها لانحباطها وسقوطها عن درجة الاعتبار لدى الملك الجبار
بل ذلِكَ الأمر والشان المترتب على الكفر والشرك هذا وهكذا وبالجملة جَزاؤُهُمْ ونفعهم العائد لهم لأجل أعمالهم هذه في يوم الجزاء جَهَنَّمُ البعد والحرمان وسعير الطرد والخسران وما ذلك الا بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي الدالة على وحدة ذاتى وعظمة صفاتي واستقلالى في شئوني وأفعالي وعموم تطوراتى وَكذلك قد اتخذوا عموم رُسُلِي المؤيدين بآياتى المبعوثين على تبيين دلائل توحيدي بين عبادي هُزُواً محل استهزاء يستهزؤن بهما وينكرون عليهما عتوا وعنادا.
ثم قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة من تعقيب الوعيد بالوعد إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وأيقنوا بتوحيد الذات والصفات والأفعال وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ المقربة لهم الى التوحيد الذاتي الملايمة المناسبة لشعائره ومناسكه كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ وهو وسط الجنة المشرف على أطرافها لذلك قال ﷺ إذا سئلتم الله فاسئلوا الفردوس فانه وسط الجنة وهي بستان الغيب ومهبط الفتوحات الغيبية الا وهي أعلى مراتب ارباب التوحيد وأسناها وعند ذلك انتهى السير والسلوك وبعد ذلك السلوك فيه لا به واليه نُزُلًا ومنزلا ينزلون اليه ويتمكنون فيه
خالِدِينَ فِيها ولكمال صفائها ونضارتها ودوام لذاتها الروحانية لا يَبْغُونَ ولا يطلبون بالطبع والارادة عَنْها حِوَلًا اى انتقالا وتحولا لكونها مقر فطرتهم الاصلية ومنزل استعداداتهم الحقيقية إذ فوق عرش الرّحمن المفيض لجميع القوابل والاستعدادات مقتضياتها ثم لما طعنت اليهود في القرآن وأرادوا ان يثبتوا التناقض في بعض آياته مع بعض حيث قالوا أنتم تقرءون في كتابكم تارة ومن يؤت الحكمة فقد اوتى خيرا كثيرا وتارة تقرءون وما أوتيتم من العلم الا قليلا وما هي الا تناقض صريح
امر سبحانه حبيبه ﷺ بقوله قُلْ لهم يا أكمل الرسل كلا ما يسقط شبهتهم ان أنصفوا نحن لا ندعى ان من اوتى الحكمة فقد اوتى بجميع معلومات الله وعلومه وكيف ندعى هذا وهو محال في غاية الاستحالة والامتناع إذ لَوْ كانَ الْبَحْرُ اى جنس البحر وهو عبارة عن جميع كرة الماء مِداداً اى ما يمد به القلم للرقم والكتابة لِكَلِماتِ رَبِّي وثبتها وكتبها لَنَفِدَ الْبَحْرُ البتة وانتهى لتناهيه وكونه محدودا قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي لكونها غير محدودة وغير متناهية وَكيف لا لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ
стр. 492
اى بمثل جنس البحر بأضعاف أمثاله وآلافه مَدَداً لنفد وتناهى البتة إذ لا نسبة بين المتناهي وغير المتناهي وان فرض أضعافا وآلافا
قُلْ يا أكمل الرسل بعد ما بلغت لهم كثرة كلمات الله الغير المحصورة كلاما خاليا عن وصمة التفوق والتفضل المفضى الى الرعونة ناشئا عن محض الحكمة والفطنة إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ قابل للعلوم والإدراكات مثلكم بمقتضى البشرية لا فرق بيني وبينكم بحسب الفطرة غاية ما في الأمر انه يُوحى إِلَيَّ ويفاض على افاضة علم وعين وحق أَنَّما إِلهُكُمْ ومعبودكم ومظهركم إِلهٌ واحِدٌ احد صمد فرد وتر ليس له شريك ولا نظير ولا وزير بل هو مستقل في الوجود والإيجاد والإظهار يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد استقلالا ارادة واختيارا وليس امتيازى عنكم الا بهذا فَمَنْ كانَ منكم يَرْجُوا رجاء مؤمل بصير لِقاءَ رَبِّهِ مكاشفة ومشاهدة فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً قالعا لأصل انانيته وعرق هويته قامعا لمقتضيات أوصاف بشريته وبهيميته مزيلا لذمائم أخلاقه وأطواره وَمع ذلك لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً من خلقه يعنى لا يقصد من عمله وعبادته الرياء والسمعة والعجب والنخوة. قال رسول الله ﷺ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله قال الرياء وقال تعالى انا اغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه غيرى فانا منه برئ وهو للذي عمله لأجله وبالجملة يعمل على وجه يسقط الكثرة والاثنينية لا على وجه يزيدها ويكثرها بل العامل العارف لا يطلب بعمله الجزاء ايضا بل انما يعمل امتثالا لأمره سبحانه وطلبا لمرضاته ولا يخطر بباله شيء سواه جعلنا الله ممن حققه الحق بمقام التوحيد وامنه عن توهم الرياء والتقليد وحفظه من كل شيطان مريد
خاتمة سورة الكهف
عليك ايها الموحد القاصد المتحقق في مقام التمكن من التوحيد قررك الله في مقعد صدقك ويقينك في مقر ثبتك وتمكينك ان تحفظ أعمالك التي قد جئت بها متقربا للوصول الى محل القبول عن مداخل الرياء والسمعة والعجب وانواع الرعونات إذ هي كلها شباك الشيطان وعقاله يقيد بها خواص عباد الله ويلهيهم بها عماهم عليه من الرضا والتسليم ويوقعهم في فتنة عظيمة ومعصية كبيرة مستلزمة للشرك بالله العياذ بالله من غوائل الشيطان وتسويلاته وتخلصها لمحض وجهه الكريم فلك ان تلازم العزلة وتداوم الخلوة حتى لا يلحقك من الخلطة أمثال هذه الأمراض العضال وايضا لك ان تجلى خاطرك وتصفى ضميرك عن عموم هواجسك المتعلقة بأمور معاشك بين بنى نوعك فان اكثر عروض هذه الأمراض انما يحصل من الأماني واخطار اللذات الوهمية من الجاه والثروة والتفوق على الأقران وغير ذلك وان شئت ان يسهل عليك الأمر فاشغل جوارحك لكسب ضروريات معاشك في بعض الأحيان واقنع باقل المعيشة وسد الرمق واحذر عن فضول العيش فان اكثر فحول الرجال قد استرق بفضول الأماني والآمال وبالجملة نعم القرين العزلة والفرار عن تغيرات الدنيا الغدار الغرار الخداع المكار والخمول في زوايا الكهوف والاغوار والفرار عن اختلاط اصحاب الخسار والبوار فاعتبروا يا اولى الأبصار ووفقنا بفضلك وجودك بما تحب عنا وترضى
стр. 493
[سورة مريم ﵍]
فاتحة سورة مريم ﵍
لا يخفى على من انكشف بوحدة الوجود وتحقق دونه امتداده وسريانه على جميع الموجودات حسب اقتضاء الصفات الذاتية الإلهية فان اقتضاء بعض المظاهر الإلهية شيأ من الكمالات اللائقة له واستدعائه إياه انما هو باعتبار صفة من الصفات الإلهية المندمجة فيه باطنا سيما إذا صدر من النفوس الزكية المقدسة عن الكدورات البشرية المنزهة عن العلائق الناسوتية المتخلقة بالأخلاق الملكية المنتخبة لتحمل أعباء الرسالة المستخلفة عن الذات الإلهية النائبة عنها فيما يتعلق بالمظاهر الارضية ولا شك ان زكريا صلاة الرّحمن على نبينا وعليه من جملة المنتخبين للخلافة والنيابة المنزهين عن غوائل الشيطان وتسويلاته الغالبة في نشأة زكريا ﵇ وبالجملة ما حداه وما بعثه وهداه الى طلب الولد الا الصفة الإلهية التي تقتضي الظهور والنزول عن الغيب الذاتي الى عالم الشهادة ولما كان ظهوره موقوفا على طلب زكريا وتحننه لحكمة ومصلحة قد استأثر الله بها لا يطلع عليها الا من خصه بالاطلاع لذلك ناجى زكريا بوحي من الله اليه به وناداه نداء مؤمل صريع على وجه قد انكشف به تحقق مأموله وإنجاح مسئوله حين جذبه الحق عن نفسه وأخرجه عن قيود تعلقاته مطلقا مع انه كان في نفسه قنوطا عن حصول الولد منه ومن امرأته لانقضاء أوانه منها وعقرها الأصلي ثم لما كان ﷺ مبدأ جميع مراتب الأنبياء ومجمعها اخبر سبحانه له ما ناجى معه عبده زكريا من استدعاء الولد الذي يخلفه ويحيي به اسمه مع انه من غرائب صنع الله وبدائع مخترعاته التي قد صدر عنه على سبيل خرق العادة إذ لا استعداد لزكريا ولا قابلية لزوجته بحصول الولد منها لانقضاء أوان التوالد من كلا الجانبين فقال سبحانه متيمنا باسمه العلى مخاطبا لحبيبه ﷺ بِسْمِ اللَّهِ الذي قد تجلى على أنبيائه ورسله ببدائع الكمالات الخارقة للعادات الرَّحْمنِ لهم ان يفتح عليهم أبواب المرادات بأسباب السعادات الرَّحِيمِ لهم حيث يوصلهم الى أقصى المقامات وأعلى الدرجات بأنواع الكرامات
[الآيات]
كهيعص يا كافى مهمات مهام عموم الأنام وهاديهم الى دار السّلام بيمن العزيمة العلية وبصدق الهمة الصادقة الصافية عن الكدورات البشرية الصادرة عنك نيابة عنا هذه السورة
ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ الذي رباك كافيا هاديا للمضلين ينبوعا للعلوم الصحيحة الصافية اللدنية الجارية من قلبك على لسانك بمقتضى الوحى الإلهي والهاماته الغيبية عَبْدَهُ زَكَرِيَّا المتوجه نحوه في السراء والضراء المسترجع اليه عند هجوم عموم البلاء وحلول اصناف العناء اذكر يا أكرم الرسل وقت
إِذْ نادى رَبَّهُ نداء مؤمل صريع وناجى معه مناجاة مأيوس فجيع نِداءً خَفِيًّا متمنيا متحسرا مسرا مخفيا في ندائه ليأسه وقنوطه لانقضاء مدة الحمل ووقت حصول الولد ولئلا يلام عند الناس بطلبه هذا وقت الهرم من كلا الجانبين
حيث قالَ مشتكيا الى الله باثا شكواه عنده سبحانه في فحواه رَبِّ يا من رباني بأنواع اللطف والكرم إِنِّي من غاية ضعفى ونهاية هزالي ونحولى وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وقد ضعف دعائم جسمي وقوائم بدني وأشرفت على الانهدام والانصرام وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً اى اشتعل شيب رأسى وذهب سواده بالكلية وانقلب الى البياض المشعر بالانقضاء والزوال مثل ابيضاض النباتات وقت الخريف وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ اى لم أكن انا بدعائى إياك في كل حال يا رَبِّ شَقِيًّا خائبا خاسرا مردودا بل قد عودتني أنت بفضلك وجودك بالاجابة والإنجاح وهذا الدعاء وان كان ابعد
стр. 494
بحسب العادة من الاجابة الا انه بالنسبة الى قدرتك وجودك اقرب وبجنب حولك وقوتك أسهل وأيسر سيما أنت ألهمتني ووفقتني على إظهاره
وبالجملة وَإِنِّي يا ربي قد خِفْتُ الْمَوالِيَ من أبناء اعمامى وهم الذين يترصدون الولاية والحبورة مِنْ وَرائِي ومن بعد انقراضى وانقضائى ان يغيروها ويضيعوها ويحرفوا معالم الدين وشعائر الإسلام بين المسلمين إذ لا يرجى منهم الرشد والفلاح والخير والصلاح وأنت اعلم بهم منى يا ربي وليس لي ولد صالح لهذا الأمر يخلفني بعدي ولم يبق لي قوة الإيلاد لهرمى وضعفى وَمع ذلك قد كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً عقيما اصليا لم تلد قط فلا مرجع لي في امرى هذا سوى بدائع صنعك وغرائب قدرتك فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ
بمقتضى فضلك وجودك لا على طريق جرى العادة ومقتضى الأسباب الصورية ولدا وَلِيًّا عنى يتولى امر ديني بين أمتي
بحيث يَرِثُنِي وينوب عنى به في نبوتي وحبورتى وولايتي وجميع ما أنزلت علىّ خاصة من مقتضيات إحسانك الىّ وإنعامك بي يا ربي وَيَرِثُ ايضا مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وما بقي منهم من شعائر الدين ومراسم الهدى واليقين قيل كان زكريا أخا يعقوب بن اسحق وَبالجملة اجْعَلْهُ رَبِّ حسب كرمك وجودك رَضِيًّا راضيا عنك بجميع ما جرى عليه من قضائك صابرا على نزول عموم بلائك شاكرا على جميع نعمائك مرضيا عندك وعند عموم عبادك ثم لما اشتكى ﵇ عنده سبحانه بما اشتكى ودعا بما دعا أجاب سبحانه دعاءه واسرع اجابته مناديا له على سبيل الترحم والتفضل
يا زَكَرِيَّا المتضرع المناجى إلينا المستدعى منا خلفا يخلفك ويحيي اسمك إِنَّا من مقام عظيم جودنا إليك نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ يلد منك ومن زوجتك العجوز العقيمة العاقرة اسْمُهُ يَحْيى ليحيى مراسم شرعك ودينك وحبورتك مع انه لَمْ نَجْعَلْ لَهُ ولم نخلق مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا بهذا الاسم بل هو أول من سمى به
ثم لما سمع زكريا البشارة من قبل الحق قالَ على طريق الفرح وبسط الكلام معه سبحانه وان كان عموم أحواله حاصلا عنده سبحانه على التفصيل حاضرا لديه مستبعدا مستغربا يا رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ومن اين يحصل لي سيما في سنى هذا وضعفى ونحولى هذا وَقد كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً جبليا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ والهرم وفرط الكهولة عِتِيًّا يابسا جافا بحيث لا يبقى على رطوبة أصلا لا في مفاصلي ولا في اركان بدني وقوائم جسمي
قالَ سبحانه يا زكريا لا تستبعد من قدرتنا أمثال هذا المقدور بل كَذلِكَ ومثل ذلك قد قدرنا لك ابنا بان تكون أنت باقيا على كبرك وهرمك وزوجتك ايضا باقية على عقرها وهرمها نوجد منكما الولد إظهارا لقدرتنا الغالبة الكاملة وأمثال هذا وان عسر عادة الا انه في جنب قدرتنا سهل يسير وبالجملة كذلك قالَ رَبُّكَ يا زكريا هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ اى إخراج الولد منك ومن زوجتك على سهل يسير وفي جنب حولي وقوتي امر حقير وَكيف لا يكون هذا سهلا بالنسبة الى حولي وقوتي وكمال قدرتي انى قَدْ خَلَقْتُكَ وقدرت وجودك مِنْ قَبْلُ فيما مضى وَلَمْ تَكُ أنت بنفسك شَيْئاً ولا مسبوقا بشيء بل أوجدتك إيجادا إبداعيا وأظهرتك من كتم العدم إظهارا اختراعيا بلا سبق مادة ومدة وسبب عادى وبالجملة هذا هين بالنسبة الى ذلك
ثم لما تفطن زكريا بإنجاح مطلوبه أخذ يسئل الامارة والعلامة لحمل امرأته وحبلها حيث قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي بفضلك آيَةً وعلامة تدل على حمل امرأتى قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ولا تقدر أنت على المقاولة والمكالمة ثَلاثَ لَيالٍ مع
стр. 495
نهارها لا عن عروض عارضة ولحوق مرض وخرس بل قد كنت ح سَوِيًّا صحيحا سالما عن جميع الأسقام غير ان اشتغالك بالحق قد شغلك عن الخلق بحيث لا تطيق التكلم معهم في المدة المذكورة الا رمزا اشارة وإيماء
ثم لما دنى وقت الحمل لاحت إمارته فَخَرَجَ صبيحة يوم عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ اى الحجرة التي هو فيها من خلوته للصلاة على عادته المستمرة وقد كان من عادته انه يأمرهم في كل صبيحة خرج عليهم بالصلوة والدعاء والتوجه والخشوع فَأَوْحى اومأ وأشار إِلَيْهِمْ بلا نطق وتكلم أَنْ سَبِّحُوا ربكم ونزهوه عما لا يليق بشأنه بُكْرَةً وَعَشِيًّا اى في الصبيحة التي أنتم فيها والبكرة التي ستجيء الى العشى الآتي والى الصبيحة الآتية بعده أوصاهم كل يوم بذلك على الدوام وفي تلك المدة ما قدر على التكلم معهم لذلك أشار
ثم لما سوينا خلقة يحيي وأخرجناه من بطن امه صحيحا سويا قلنا له تربية وتكريما يا يَحْيى الموهوب من لدنا المؤيد من عندنا خُذِ الْكِتابَ اى التوراة واشرع في ضبطها وحفظها بِقُوَّةٍ اى بنية خالصة وعزيمة صحيحة صادقة وَانما أمرناه بحفظها وضبطها إذ قد آتَيْناهُ الْحُكْمَ يعنى الحكمة المندرجة فيها وأعطيناه فهمها واستنباط الاحكام منها حال كونه صَبِيًّا لم يبلغ الحلم
وَانما آتيناه وأعطيناه في حال صغره فهم التورية ليكون حَناناً ترحما وتعطفا مِنْ لَدُنَّا إياه تكريما له ولأبيه وَزَكاةً طهارة له عن مطلق الخبائث والآثام وَلهذا قد كانَ في مدة حياته من أوان صباه الى موته تَقِيًّا حذرا من عموم المناهي والمنكرات خائفا عن جملة المعاصي والمحظورات
وَ
لنجابة طينته قد ألقينا في قلبه بَرًّا
وإحسانا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ
في وقت من أوقاته وحالاته جَبَّاراً
عاقا لهما مستنكفا عن أمرهما عَصِيًّا
تاركا أمرهما وحكمهما
وَ
لسلامته عن عموم الآثام وطهارته عن جميع الخبائث والمعاصي سَلامٌ
حفظ وتسليم وتكريم نازل منا عَلَيْهِ
على الدوام يَوْمَ وُلِدَ
قد كنا نحفظه من شر الشيطان وَيَوْمَ يَمُوتُ
نحفظه من زوال الايمان وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
نصونه عن الخيبة والخسران وعن لحوق الحسرة والخذلان
وَاذْكُرْ
يا أكمل الرسل فِي الْكِتابِ
اى القرآن المنزل إليك سيدة النساء مَرْيَمَ
﵍ اى قصتها العجيبة الشان التي هي اعجب واغرب من قصة ولد زكريا ﵇ اذكر وقت إِذِ انْتَبَذَتْ
اى اعتزلت وتباعدت مِنْ أَهْلِها
حين حاضت وطهرت وأرادت الاغتسال حسب طهارتها الفطرية ونجابتها الجبلية فاختارت للخلوة والستر مَكاناً شَرْقِيًّا
اى مشرق بيت المقدس ومع كونه مكانا بعيدا خاليا عن الناس
فَاتَّخَذَتْ
وأسدلت لغاية الاحتياط في التحفظ والتستر مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً
يسترها ويحفظها عن أعين الناس ان وصلوا بغتة ثم لما تجردت عن لباسها واشتغلت لان تغتسل فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا
وحامل وحينا وهو جبريل ﵇ إظهارا لكمال قدرتنا وحكمتنا وانفاذا لحكمنا الذي قد حكمنا به في سابق علمنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا
شابا صبيحا امرد قططا مجعد الشعر لئلا تستوحش ومع ذلك قد استوحشت وارتهبت رهبة شديدة ومن شدة خوفها منه واضطرابها
قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ
والوذ بِالرَّحْمنِ
الذي كفى لحفظ عباده من مطلق الشرور سيما مِنْكَ
اى من شرك ومن شر امثالك فادفع أنت بنفسك عنى إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
خائفا من الله حذرا عن بطشه وانتقامه ثم لما رأى جبرائيل ﵇ من كمال عفتها وعصمتها ما رأى
قالَ
مستحييا معتذرا من جنس الملك إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ
قد أرسلني إليك يا سيدة النساء
следующие страницы →