Полный текст (1 120 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
الموعودة التي قد وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعنى لهم ولأجلهم بسبب كفرهم وضلالهم وَبالجملة بِئْسَ الْمَصِيرُ والمنقلب النار المسعرة المعدة لأصحاب الإنكار والضلال
يا أَيُّهَا النَّاسُ المجبولون على الغفلة والنسيان والجهل عن عظمة الله وحق قدره لذلك قد أثبتم له أمثالا واشباها مع تعاليه وتنزهه عن الشركة مطلقا اسمعوا ايها المشركون المبطلون قد ضُرِبَ مَثَلٌ في حق شركائكم ومعبوداتكم الباطلة فَاسْتَمِعُوا لَهُ سمع تدبر وتأمل ثم أنصفوا واعدلوا بلا مكابرة وعناد إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ وتعبدون أنتم ايها المدعون المكابرون مِنْ دُونِ اللَّهِ القادر المقتدر بعموم المقدورات بالعلم المحيط والارادة الكاملة والحكمة المتقنة البالغة لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً بل لن يقدروا على خلق احقر منه واخس لا كل واحد منهم فرادى بل وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ اى لخلق الذباب وتظاهروا لإيجاده مجتمعين لن يقدروا ايضا البتة وَكيف خلق الذباب وإظهاره من العدم بل إِنْ يَسْلُبْهُمُ ويأخذ منهم الذُّبابُ الحقير الضعيف الذي لا شيء احقر منه وأضعف شَيْئاً من الالهة الباطلة اى من حليهم وزينتهم لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ولا يقدروا على ان يخرجوا من يده لعجزهم وعدم قدرتهم وبالجملة كيف تعبدون ايها الحمقى العابدون لأولئك الهلكى والعاجزين الساقطين ومن انى تطيعون بهم وتقيمون بعبادتهم فقد ظهر ولاح من هذا المثل للمتأمل المتدبر أنه قد ضَعُفَ وحط وسقط عن زمرة العقلاء ورتبتهم الطَّالِبُ العابد الجاهل وَالْمَطْلُوبُ المعبود المجهول المنحط عن رتبة احقر الأشياء وأخسها فكيف عن أعلاها وأقواها فكيف عن خالق الأشياء وموجدها ومظهرها من كتم العدم على سبيل الإبداع والاختراع تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا
وبالجملة ما صدر عنهم كل ما صدر من الهذيانات الباطلة العاطلة ومن المزخرفات الزاهقة الزائلة الا بواسطة انهم ما قَدَرُوا اللَّهَ القادر المقتدر على عموم المقدورات والمرادات وما عرفوا لوازم ألوهيته وما علموا حَقَّ قَدْرِهِ وقدر حقيته كما هو اللائق بشأنه لذلك ما وصفوه حق وصفه وما نسبوا اليه ما يليق بجنابه جهلا وعنادا بحيث اثبتوا له شركاء عاجزين من أضعف الأشياء وأحقرها إِنَّ اللَّهَ المتردي برداء العظمة والكبرياء لَقَوِيٌّ في ذاته لا حول ولا قوة الا به عَزِيزٌ غالب في امره وحكمه متصرف مستقل في ملكه وملكوته يفعل كل ما يفعل بالإرادة والاختيار ويحكم كل ما يريد بكمال الاستيلاء والاستقلال لا راد لفعله ولا معقب لحكمه الا وهو الكبير المتعال ومن علو شأنه سبحانه وسمو برهانه وكمال عزته وكبريائه وغاية سطوته وسلطانه يتوسل اليه ويتوصل نحوه بوسائل ووسائط قد اختارهم سبحانه لرسالته واجتباهم من خليقته لهداية التائهين في بيداء ألوهيته الى زلال وحدته وهداهم بمقتضى سنته وجرى عادته وحكمته انقياد دينه وملته
كما أشار اليه سبحانه في كتابه حيث قال اللَّهُ العلى المتعالي ساحة عز ذاته عن ان يكون شرعة كل وارد او يطلع على سرائر أسمائه وصفاته واحدا بعد واحد بل يَصْطَفِي ويختار نفسه وذاته حسب دقائق أسمائه وصفاته مِنَ الْمَلائِكَةِ المقربين عنده رُسُلًا يرسلهم سبحانه الى خواص البشر وخلصه وَايضا يصطفى ويختار مِنَ خيار النَّاسِ واشرافهم رسلا يرسلهم نحو عموم العباد بالنبوة والرسالة ليرشدوهم الى توحيده سبحانه ويهدوهم الى سواء طريقه إِنَّ اللَّهَ المطلع لاستعدادات عباده سَمِيعٌ يسمع جميع أقوالهم ومناجاتهم ويقضى عموم حاجاتهم بَصِيرٌ يبصر جميع أعمالهم وأفعالهم ويجازيهم عليها
إذ يَعْلَمُ سبحانه بعلمه الحضوري منهم عموم ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ من الأفعال
стр. 562
والأحوال حالا حاضرا وَكذا عموم ما خَلْفَهُمْ من الأخلاق والأطوار ماضيا ومستقبلا غائبا وَبالجملة إِلَى اللَّهِ الذي قد بدأ منه عموم ما بدا تُرْجَعُ الْأُمُورُ الكائنة ازلا وابدا ظاهرا وباطنا حالا ومآلا دنيا وعقبى
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بوحدة الحق ورجوع الكل نحوه أولا وبالذات ارْكَعُوا عنده خاضعين خاشعين منكوسين منكسرين وَاسْجُدُوا له متواضعين متذللين وَبالجملة اعْبُدُوا بجميع اركانكم وجوارحكم رَبَّكُمْ الذي رباكم بأنواع النعم كي تعرفوا ذاته حسب استعداداتكم وقابلياتكم واشكروا نعمه الفائضة عليكم وأدوا حقوق كرمه مقدار وسعكم واعبدوا إياه حق عبادته حسب طاقتكم وَبالجملة افْعَلُوا الْخَيْرَ على الوجه الذي أمرتم به طلبا لمرضاته واحذروا عن الشر هربا عن سخطه وحلول غضبه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ تفوزون بما وعدتم من جنة المأوى وشرف اللقاء. وفقنا بفضلك وجودك بما تحب عنا وترضى
وَبعد ما سمعتم ما سمعتم من علو شأنه وكمال عظمته وكبريائه وبسطته وبهائه جاهِدُوا فِي اللَّهِ واجتهدوا في طريق توحيده حَقَّ جِهادِهِ وابذلوا وسعكم وطاقتكم في سلوك سبيل المعرفة والتوحيد مرابطين قلوبكم الى الله باذلين مهجكم في سلوك سبيل الفناء فيه وكيف لا تجاهدون مع انفسكم ولا يرابطون قلوبكم ايها المائلون الى الله بالميل الحبى الشوقى مع انه هُوَ بذاته قد اجْتَباكُمْ واصطفاكم من بين بريته لدرك توحيده والاتصاف بعرفانه وقد أرسل عليكم الرسل وانزل الكتب ليرشدوا لكم اليه ويبينوا لكم طريق توحيده بوضع المناهج والطرق والمسالك الموصلة اليه والملل والأديان المثمرة له وَبالجملة ما جَعَلَ سبحانه عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ والشريعة الموضوعة بينكم مِنْ حَرَجٍ ضيق وعسر خارج عن وسعكم وطاقتكم بل قد وسع سبحانه عليكم الأمر وفضلكم على سائر خليقته حيث فطركم على فطرة المعرفة وجبلكم على جبلة التوحيد وجعل ملتكم مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ صلوات الرّحمن عليه وسلامه إذ لا ضيق فيه ولا حرج أضاف سبحانه ابوة ابراهيم الى الامة إذ هو ﷺ جد الرسول ﷺ والرسول أب لهم إذ رسول كل امة بالنسبة الى أمته أب بل هو خير الآباء بإرشادهم الى الحق ولا معنى للأب حقيقة الا المرشد المربى وكما جعل سبحانه ملتكم ملة ابراهيم هُوَ سبحانه بذاته ايضا قد سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ في كتبه السالفة حيث قال سبحانه من يؤمن ويصدق بمحمد خاتم النبوة والرسالة يصير مسلما وَفِي هذا الكتاب قد بين التسمية على وجه التسليم وسماكم فيه ايضا مسلمين ضمنا وانما سماكم سبحانه مسلمين مسلمين منقادين لِيَكُونَ الرَّسُولُ الذي هو أكمل الرسل وأفضل الأنبياء بنفسه شَهِيداً عَلَيْكُمْ شاهدا على انقيادكم وتسليمكم في يوم الجزاء وَتَكُونُوا أنتم ايضا بسبب هذا الاسم والتسمية والاضافة أفضل الأمم واشرف الفرق وبواسطة كونكم من أمته وزمرته وتحت لوائه وفي حيطة حوزته تكونون شُهَداءَ أمناء عَلَى عموم النَّاسِ بتبليغ رسالته ﷺ إليهم واظهار الدعوة لهم وبعد ما ثبت خيريتكم وشرفكم فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ واديموا الميل والتوجه نحو الحق بجميع الجوارح والأركان تقربا اليه شوقا وتحننا وَآتُوا الزَّكاةَ المسقطة لميلكم والتفاتكم الى زخرفة الدنيا وحطامها وَبالجملة اعْتَصِمُوا بِاللَّهِ في كل الأحوال واثقين بفضله وجوده وفوضوا أموركم كلها اليه متوكلين عليه إذ هُوَ مَوْلاكُمْ ناصركم ومعينكم ومتولى أموركم فَنِعْمَ الْمَوْلى الأمين هو سبحانه وَنِعْمَ النَّصِيرُ الناصر المعين ذو القوة المتين حسبنا الله ونعم الوكيل
стр. 563
خاتمة سورة الحج
ايها السالك المجاهد في سبيل الله مع اعداء الله التي هي عبارة عن موانع الوصول الى توحيده الذاتي ان تجاهد او لامع نفسك التي بين جنبيك إذ هي أعدى عدوك وأشد صولة واستيلاء على مملكة باطنك وقلبك الذي هو مخيم سرادقات سلطان الوحدة ومحل نزول قهرمان العزة ومهبط الوحى الإلهي والوارد الغيبى فلك ان تزيل صولتها وتشتت شملها وتفرق جمعها التي هي جنودها وأعوانها من القوى الشهوية والغضبية وجميع الأوصاف البهيمية المستدعية الداعية الى تخريب القلب وتعمير النفس الامارة بالسوء وتقويتها وتقويمها إذ عداوتها ومنعها ذاتية حقيقية بلا واسطة وعداوة سائر الموانع بواسطتها وإياك إياك الإطاعة والانقياد إليها فإنها تشغلك عن الحق وتضلك عن سبيله وتغريك الى الباطل ونفودك الى طريقه. فاعلم ايها المجاهد الطالب للغلبة على جنود النفس الامارة انه لا يمكن لك هذا ولا يتيسر عليك الا بالاعتزال عن أقطاع الشيطان وعن مملكة النفس ومشتهياتها ومستلذاتها بالكلية وبالتشمير نحو الحق بالعزيمة الخالصة عن مطلق الرياء والرعونات والانخلاع عن مقتضيات الأوصاف البشرية بالإرادة الصادقة وبالتوجه التام نحو الوحدة الذاتية من طريق الفناء بإسقاط الإضافات المشعرة لتوهم الكثرة وبالجملة لا يتم سلوك السالك في طريق التوحيد الا بالفناء في الله والبقاء ببقائه ربنا هب لنا من لدنك جذبة تنجينا عن مضائق هوياتنا وتوصلنا الى فضاء توحيدك بمنك وجودك
[سورة المؤمنين]
فاتحة سورة المؤمنين
لا يخفى على المؤمنين المفلحين الفائزين بالدرجة العلية والمرتبة السنية من مراتب التوحيد المنتظرة لأرباب الولاء الوالهين في سر سريان الوحدة الذاتية وكيفية امتدادها وانبساطها على هياكل التعينات وتماثيل الهويات العدمية المنصبغة بصبغ الوجود الفائض من التجليات الذاتية والشئون الصفاتية المتشعشعة من الذات الاحدية لإظهار الكمالات المندمجة فيها ان ترقى المؤمنين الموقنين بالتوحيد الذاتي من حضيض البشرية المتصفة بالأوصاف الناسوتية والتطورات الطبيعية الى ذروة الشئون الذاتية اللاهوتية المنعكسة من الأسماء الذاتية الإلهية انما هو بالميل المقارن بالخشوع والخضوع والتذلل التام والانكسار المفرط المسقط للوازم الأنانية المبعدة عن الحق وكذا بالإعراض والانصراف عن فرطات الألحاظ وسقطات الألفاظ وبالتطهر والتعري عن زخرفة الدنيا المانعة من الوصول الى المولى وكذا عن جميع الأوصاف البهيمية من الغضبية والشهوية الا ما تقضيه الحكمة الإلهية من الإبقاء والاستغناء فمن تعدى وتجاوز عنه فقد لحق بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحيوة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا. وبالجملة لا بد للقاصد السائر السالك نحو الحق من الميل الخالص الدائم والتوجه التام المستمر نحوه مع انخلاع عن لوازم ناسوته ورسوم هويته مطلقا متدرجا في افنائها وفنائها الى ان يفنى عن الافناء والفناء ايضا حتى يمكن له الوصول الى فضاء اللاهوت وسعة حضرة الرحموت فح انقطع السير وارتفع الغير ولم يبق الا الخير الى الخير الا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون لذلك اخبر سبحانه في هذه السورة حبيبه ﷺ عن احوال المؤمنين الموقنين اوصافهم وترقبهم فيها فقال متبركا باسمه العلى الأعلى بِسْمِ اللَّهِ الذي قد أفاض على ارباب الايمان بعد رسوخهم وتمكنهم فيه كرامة التوحيد والعرفان الرَّحْمنِ عليهم يوفقهم على انواع الطاعات واصناف الخيرات والمبرات الموصلة الى درجات الإحسان الرَّحِيمِ لهم ينجيهم عن دركات النيران ويوصلهم
стр. 564
الى أعلى طبقات الجنان
[الآيات]
قَدْ أَفْلَحَ وفاز بمرتبة حق اليقين التي هي أعلى مراتب التوحيد ومنتهى الصعود والعروج ومنقطع الطلب والسلوك الْمُؤْمِنُونَ الراسخون في اليقين العلمي والعيني الجازمون الثابتون فيهما بلا تزلزل وتلوين
الَّذِينَ هُمْ من كمال رسوخهم وتمكنهم فِي صَلاتِهِمْ وميلهم التي هي عبارة عن معراج الوصول الى مرتبة الرضاء والقبول خاشِعُونَ مخبتون متضرعون متحننون نحو الحق عن ظهر القلب وعموم الجوارح والأعضاء بلا تلعثم وعثور
وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ الشاغل لهم عن التوجه نحو الحق مُعْرِضُونَ منصرفون مثل اعراضهم وانصرافهم عن مكروهات نفوسهم وقلوبهم
وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ المطهرة لنفوسهم عن الميل نحو امتعة الدنيا وحطامها الفانية فاعِلُونَ تمرينا لنفوسهم على ترك الميل والالتفات إليها
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ التي هي أجل مواريث بهيميتهم وأقوى قوائم بشريتهم حافِظُونَ ناكسون رؤسهم عن مقتضاها راكنون عما تأملها وتهويها
إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ من الإماء والسراري حفظا لحكمة إبقاء النوع ومصلحة التناسل فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ على ذلك ان ارتكبوا بلا مبالغة مفرطة زائدة على قدر الحاجة
فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ وطلب التجاوز عن قدر الحاجة من الحلائل المذكورة فَأُولئِكَ البعداء الخارجون عن مقتضى الحد والحكمة المتقنة الإلهية هم العادُونَ المقصورون على التجاوز والعدوان لا يرجى منهم الفلاح والفوز بالنجاح
وَالَّذِينَ هُمْ من كمال عدالتهم وقسطهم الفطري واعتدال اوصافهم الجبلية وأخلاقهم الصورية والمعنوية لِأَماناتِهِمْ التي قد ائتمنوا عليها ثقة واعتمادا وَعَهْدِهِمْ الذي عهدوا به سواء كانت الامانة والعهد لله او لعباده مطلقا سواء كانوا مؤمنين او كافرين راعُونَ قائمون مواظبون على حفظها ورعاية حقها بلا فوت شيء من حقوقها ورعايتها
وَبالجملة المؤمنون المفلحون الفائزون بالعاقبة الحميدة التي هي مرتبة الكشف والشهود المعبر عنها عند ارباب المحبة والولاء بالحق اليقين الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ المقربة لهم الى ربهم يُحافِظُونَ يداومون ويواظبون على أدائها في أوقاتها المكتوبة بشرائطها المفروضة وآدابها المسنونة مقارنين موصوفين مع ما ذكر من الأوصاف الجميلة المذكورة آنفا ومع الأخلاق الحميدة المرضية والسجايا الفاضلة الكاملة مخلصين فيها مجتنبين عن رذائل الرياء والرعونة والعجب والسمعة
أُولئِكَ السعداء المقبولون عند الله هُمُ الأولياء الْوارِثُونَ عن الأنبياء والرسل وعن صفوة عباده وخيرتهم
يعنى الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ التي هي عبارة عن التحقق بمقام الكشف والشهود باستحقاقهم الذاتي سيما مع استرشادهم واستفادتهم من الأنبياء والرسل الهادين المهديين الراشدين المرشدين لهم الى ما جبلوا لأجله لذلك هُمْ فِيها خالِدُونَ دائمون متمكنون متقررون بحيث لا يتبدلون ولا يتحولون
وَكيف لا يرثون الفردوس ولا يخلدون فيها أولئك المفلحون مع انهم قد جبلوا لأجلها سيما إذا كملوا وتمموا نسكهم على الوجه الذي هداهم الأنبياء والرسل الهادون والأولياء الأمناء الراشدون المرشدون الذينهم خلفاء عن الرسل الكرام والأنبياء العظام عليهم التحية والسّلام والإكرام وهؤلاء العظماء الواصلون الى أعلى المقامات وارفع الدرجات منتشؤن من نوع الإنسان مع انا لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وقدرنا جسم آدم وبنيته أولا مِنْ سُلالَةٍ اى زبدة وخلاصة منتخبة متخذة مِنْ طِينٍ الذي هو أقوى مواد الأجسام السفلية وأقوم عناصرها وهيولاها ولا شك انه أدون الأشياء وارذلها
ثُمَّ جَعَلْناهُ وصيرنا ما انتخبنا وأخذنا من الطين نُطْفَةً بيضاء وقررناها زمانا فِي قَرارٍ ومستقر مَكِينٍ
стр. 565
حصين متين الذي هو ظلمة الرحم
ثُمَّ بعد ما مكناها في المقر المذكور المكين زمانا قد خَلَقْنَا وصيرنا النُّطْفَةَ المقررة المتمكنة في الرحم عَلَقَةً دما حمراء منعقدة ممتزجة بدم الطمث منصبغة به فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ الحمراء مُضْغَةً لحما متصلا ملتصقا اجزاؤه بحيث صار قابلا للمضع فَخَلَقْنَا وصيرنا بعد ذلك الْمُضْغَةَ الملتصقة المتصلة بعد انفصالها وتفريقها التقديري بمقتضى الحكمة عِظاماً صلبة خارجة عن قابلية المضغ والتليين مقومة محكمة غير مائلة وغير قابلة للتبديل والتحريف ليكون قوائم واعمدة للجسم فَكَسَوْنَا الْعِظامَ الصلبة القابلة للكسر والانكسار لَحْماً صونا لها عما يضرها ويكسرها فتم حينئذ تركيب صورته الجسمية وقالبه الطبيعي بجميع لوازمها ومتمماتها من العروق والعظام والغضاريف والشريانات وغيرها من الرباطات والارتباطات ورقائق الامتزاجات ودقائق الاختلاطات الواقعة بين أجزاء البدن ثُمَّ بعد ما تم تركيبه وكمل مزاجه وتصويره على أبدع وجه وأحسنه وصار حيوانا حساسا متحركا بالإرادة كسائر الحيوانات أَنْشَأْناهُ اى قد أبدعنا واودعنا واخترعنا في هيكله خاصة خَلْقاً مخلوقا آخَرَ مختصا به من بين سائر انواع الحيوانات بان قد نفخنا فيه من روحنا حتى يسرى الى عموم أعضائه واجزائه وآلاته مطلقا ليتصف باوصافنا الكاملة ويتخلق باخلاقنا الفاضلة وما ذلك الا ليستحق بخلافتنا ونيابتنا ويليق لان يصير مرأة لنا قابلة لانعكاس اظلال أسمائنا الحسنى واوصافنا العليا فَتَبارَكَ تعالى وتعاظم اللَّهُ الواحد الأحد الفرد الصمد الحي القيوم القادر المقتدر بالقدرة الكاملة على إيجاد أمثال هذه التبدلات والتطورات التي قد تحيرت العقول عندها وانحسرت الافهام دونها وبالجملة سبحانه هو في ذاته أَحْسَنُ الْخالِقِينَ وأكرم القادرين المقدرين تقديرا وخلقا وأتمهم ابداعا واختراعا لو فرض مقدر غيره وخالق سواه مع انه محال عقلا وعادة بل لا اله الا هو ولا موجود سواه
ثُمَّ إِنَّكُمْ يا بنى آدم بَعْدَ ذلِكَ اى بعد تتميم صوركم ومعناكم على الوجه الذي ذكر لَمَيِّتُونَ بالآجال المقدرة من لدنا لانقضاء حياتكم في النشأة الأولى
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ المعدة للعرض والجزاء تُبْعَثُونَ وتحشرون في النشأة الاخرى لانتقاد ما اكتسبتم في النشأة الاولى ثم تجازون حسب ما تحاسبون فريق في الجنة معززون وفريق في النار معذبون الا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون
ثم أخذ سبحانه في تعداد نعمه على عباده تفضلا عليهم وامتنانا فقال وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ سموات طَرائِقَ متطارقة متطابقة بعضها فوق بعض مشتملة على كواكب مدبرات لما في عالم السفلى من الأشياء المتعلقة لمعاشكم وَبالجملة ما كُنَّا في حال من الأحوال السابقة واللاحقة عَنِ الْخَلْقِ اى عن جميع المخلوقات المستندة إلينا الظاهرة من امتداد اظلالنا المنعكسة من اوصافنا وأسمائنا غافِلِينَ ذاهلين عن حفظها وتفقدها ولولا امدادنا إياها طرفة لفنى الكل دفعة
وَمن كمال جودنا ووفور رحمتنا الى عموم عبادنا قد أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بعد ما اصعدنا الابخرة والادخنة من الأرض نحوها وركبناهما تركيبا بليغا بديعا الى ان صارت سحبا متراكمة متكاثفة فتقاطر منها الماء بمجاورة الهواء الباردة إياها ونفوذها فأرسلنا الى الأرض الجرز بِقَدَرٍ معلوم معتدل فَأَسْكَنَّاهُ وأدخلناه فِي خلال الْأَرْضِ وتجاويفها ومساماتها حتى ندخر فيها ثم فجرنا ينابيع يخرج الماء منها متدرجا ويجرى على قدر الحاجة تتميما لحوائج عبادنا وتيسيرا لهم في معاشهم وَإِنَّا بعد ما اسكنا وأجرينا الماء في الأرض عَلى ذَهابٍ بِهِ اى اذهاب الماء واعدامه بالاغوار والتفريق
стр. 566
والتجفيف وغير ذلك من طرق الاذهاب والازالة لَقادِرُونَ كما انا قادرون على انزاله وإخراجه واجرائه وبعد ما اخترنا وادخرنا الماء
فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ اى بالماء المدخر جَنَّاتٍ حدائق وبساتين مملوة مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ هما معظم الفواكه وأصلها وبالجملة لَكُمْ فِيها اى في تلك الجنات فَواكِهُ كَثِيرَةٌ متفرعة عليهما ملتفة بهما من انواع الفواكه على ما هو عادة الدهاقين في غرس الحدائق والبساطين وَمِنْها اى من تلك الجنات ايضا تَأْكُلُونَ تغذيا وتقوتا إذ تزرعون فيها ايضا من انواع الحبوبات
وَلا سيما قد انشأنا لكم بالماء شَجَرَةً مباركة تَخْرُجُ وتنشأ مِنْ طُورِ سَيْناءَ هو جبل رفيع بين مصر وايلة تَنْبُتُ وتثمر ملتبسة ممتزجة بِالدُّهْنِ المضيء للسروج والقناديل وَصِبْغٍ ادام حاصل متخذ منها لِلْآكِلِينَ إذ الناس يغمسون اخبازهم فيه تأدما
وَإِنَّ لَكُمْ ايها المتأملون في نعمنا المعتبرون من انعامنا فِي الْأَنْعامِ والدواب التي تنعمون بها من لدنا لَعِبْرَةً عظيمة واعتبارا ظاهرا دالا على كمال قدرتنا وجلالة نعمتنا لو تعتبرون منها إذ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها ونخرج لكم من بين الأخلاط والفضلات لبنا خالصا سائغا للشاربين مع انه لا مناسبة بينه وبين مجاوره وملاصقه من الفرث والدم وسائر الأخلاط والفضلات وَايضا لَكُمْ فِيها اى في الانعام مَنافِعُ كَثِيرَةٌ من ظهورها وأصوافها واشعارها واوبارها وغير ذلك وَايضا مِنْها تَأْكُلُونَ اى من لحومها تقوية لأمزجتكم وتقويما لها
بالجملةلَيْها
اى بعض الانعام في البر عَلَى الْفُلْكِ
في البحرحْمَلُونَ
وبعد ما عد سبحانه نبذا من نعمه الجليلة التي قد أنعم بها على عباده شرع في توبيخ من يكفر بها ولم يؤد حق شكرها
فقال وَلَقَدْ أَرْسَلْنا حسب حكمتنا واصلاحنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ حين انحرفوا عن جادة العدالة الفطرية وانصرفوا عن طرق الاستقامة وسبل السلامة مطلقا فَقالَ بمقتضى وحينا إياه مناديا لهم ليقبلوا اليه على مقتضى شفقة النبوة والرسالة وعطف الإرشاد والهداية يا قَوْمِ أضافهم الى نفسه امحاضا للنصح وإظهارا لكمال الإشفاق اعْبُدُوا اللَّهَ الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد واعلموا انه ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ يعبد بالحق ويستحق بالعبادة غَيْرُهُ أَتتخذون الها سواه فَلا تَتَّقُونَ ولا تحذرون عن بطشه وانتقامه بأنواع العذاب والنكال ايها المسرفون المفرطون وبعد ما قد ظهر عليهم بدعوى الرسالة واظهر لهم الدعوة على الوجه المذكور
فَقالَ الْمَلَأُ والأشراف الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ باتخاذ الأوثان والأصنام آلهة قد عبدوها مثل عبادة الله على سبيل الخطاب لضعفاء العوام ترويجا لكفرهم وتحقير اله ولدعوته ما هذا الرجل الحقير الدنى المدعى للرسالة والنبوة من الله الموهوم إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ بل أضعفكم حالا وأدناكم عقلا ومالا يُرِيدُ مع غاية حقارته ودنائته أَنْ يَتَفَضَّلَ ويتفوق عَلَيْكُمْ بهذه الدعوة الكاذبة والافتراء الباطل وَلَوْ شاءَ اللَّهُ إرسال رسول ونبي لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً إذ هم اولى وأليق بالإرسال من عنده ولهم مناسبة معه بخلاف البشر إذ لا مناسبة له معه مع انا ما سَمِعْنا بِهذا اى برسالة البشر من الله لا في زماننا هذا ولا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ وبالجملة لم يعهد هذا لا في الازمنة السابقة ولا في اللاحقة
بل إِنْ هُوَ وما هذا المدعى إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ يعنى قد عرض له جنون فاختل دماغه وذهب عقله فيتخبط الشيطان لذلك يتفوه بأمثال هذه الهذيانات المستبعدة المستحيلة وبالجملة فَتَرَبَّصُوا بِهِ وأمهلوه وانتظروا في امره
стр. 567
وشأنه ولا تميلوا نحوه ولا تلتفتوا اليه حَتَّى حِينٍ ومضى مدة وزمان ليظهر لكم خبطه واختلاله او يفيق عما هو عليه من الخبط والجنون وعاد على ما كان قبل ثم لما سمع منهم نوح ﵇ ما سمع من التجهيل والتسفيه وايس منهم وقنط عن ايمانهم وصلاحهم
قالَ مشتكيا الى الله مستعينا منه رَبِّ يا من رباني بأنواع الكرم وأرسلني الى هؤلاء الضالين عن سواء سبيلك لأهديهم الى توحيدك فبلغت ما أرسلت به إياهم فلم تقبلوا منى بل قد كذبوني وسفهونى انْصُرْنِي يا رب باهلاكهم وتعذيبهم بِما كَذَّبُونِ اى بدل تكذيبهم إياي وبسببه
فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ انجازا لما قد وعدنا إياهم من العذاب والهلاك بعد تكذيبهم الرسول وعموم ما جاء به من عندنا من الايمان والتوحيد وجميع المعتقدات الاخروية أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ واعمل السفينة الموعودة لك ولا تخف عن فسادها بعدم تعلمك من احد بل اصنعها أنت بِأَعْيُنِنا وبين أيدينا وفي حضورنا نحفظك عن عروض الخطأ والفساد في صنعها وَأعملها على مقتضى وَحْيِنا وأمرنا وتعليمنا لك كيفية صنعها ولا تبال بتسفيههم لك واستهزائهم معك ونسبتك الى الخبط والجنون وانواع الأذيات فَإِذا جاءَ أَمْرُنا الوجوبي المتعلق باغراقهم واستئصالهم وَفارَ التَّنُّورُ المعين المعهود في حضرة علمنا فورة ونبع منه الماء نبعة فَاسْلُكْ أنت حينئذ وادخل على الفور فِيها اى في السفينة مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ اى من كل نوع من الحيوانات اثنين ذكرا وأنثى إبقاء لعموم الأنواع في العالم وَاسلك ايضا فيها أَهْلَكَ ومن ينتمى إليك قرابة ودينا إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ والحكم منا وجرى في لوح قضائنا وحضرة علمنا بانه من الهالكين مِنْهُمْ اى من أهلك يعنى ادخل عموم أهلك سوى من مضى قضاؤنا ونفذ حكمنا بغرقه وهلاكه وهو ابنه كنعان وَبعد ما سبق القضاء منا باهلاك من كفر من أهلك عليك ان لا تُخاطِبْنِي يا نوح ولا تدع الىّ في حق من سبق الحكم منى بغرقه ولا تسع فِي خلاص القوم الَّذِينَ ظَلَمُوا على أنفسهم بالعرض على عذابنا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ معدودون عن عداد الغرقى الهلكى ولا اثر لدعائك لهم بعد ما قد صار الأمر منا حتما مقضيا وصدر الحكم عنا مبرما جزما
فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ يا نوح وتمكنت وَتمكن ايضا مَنْ مَعَكَ مع المؤمنين عَلَى الْفُلْكِ وصرتم متمكنين مستقرين عليها فَقُلِ شكرا لما أنعمنا عليك من انجاز النصرة المعهودة الموعودة لك وإهلاك عدوك وغير ذلك من النعم العظام الواصلة إليك الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا من سعة رحمته وكمال جوده ومرحمته مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضى العقل والشرع عتوا وعنادا
وَقُلْ ايضا بعد ما تمكنت على السفينة رَبِّ أَنْزِلْنِي بفضلك ولطفك مُنْزَلًا مُبارَكاً كثير الخير والبركة وَأَنْتَ من كمال جودك خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ لو فرض منزل سواك ومع انه لا منزل غيرك ولا وجود لسواك لا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم
إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور من قصة نوح مع قومه ونجاته من الغرق وهلاك قومه وتعليم صنع السفينة عليه وخروج الماء من التنور المعهود واحاطته على وجه الأرض وشموله عليها ونجاة من كان في السفينة وغير ذلك من الأمور البديعة لَآياتٍ دلائل واضحات على كمال قدرتنا وارادتنا واختيارنا في عموم أفعالنا وتصرفاتنا على المعتبرين المتأملين في بدائع الأمور وغرائبها الناظرين بعين العبرة والاستبصار في حدوث أمثال هذه الوقائع الهائلة وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ اى ان الشأن والأمر انا باحداث هذه الحوادث مع قوم نوح لمختبرين مجربين عموم عبادنا لننظر من يعتبر ويتعظ بها منهم وما هي الا تذكرة وتذكير منا
стр. 568
إياهم
ثُمَّ بعد إهلاك قوم نوح وإغراقهم أَنْشَأْنا وأظهرنا من ذرية من في سفينة نوح ﵇ مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ هم عاد وثمود فانحرفوا ايضا عن جادة التوحيد
فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا ناشئا مِنْهُمْ ابتلاء لهم واختبارا لمن اعتبر منهم فقال لهم رسولهم على مقتضى وحينا والهامنا إياه أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ الواحد الأحد المستقل بالالوهية والوجود واعلموا انه ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ يعبد له ويرجع اليه غَيْرُهُ أَتتخذون وتأخذون غيره الها وتعبدون له إفكا وتتضرعون نحوه في الوقائع والخطوب فَلا تَتَّقُونَ من غضبه ولا تخافون عن قهره وانتقامه ايها المفسدون المفرطون
وَبعد ما بلغهم الرسول الوحى به قالَ الْمَلَأُ مِنْ اعيان قَوْمِهِ عتوا واستكبارا وهم الَّذِينَ كَفَرُوا بالله باتخاذ الأصنام آلهة وأنكروا وحدة الا له وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ ويوم العرض والجزاء وعموم المواعيد والوعيدات الموعودة فيها وَمع كفرهم وشركهم وانكارهم بالنشأة الاخرى قد أَتْرَفْناهُمْ بوفور نعمنا إياهم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا امهالا لهم مخاطبين لضعفة قومهم وسفلتهم ما هذا المدعى الكاذب إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ بلا مزية له عليكم يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ ايضا
مِمَّا تَشْرَبُونَ وَالله لَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً فيما يأمركم به من تلبيساته وتغريراته مع كونه مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ في إطاعتكم وانقيادكم لبنى نوعكم إِذاً لَخاسِرُونَ خسرانا عظيما لا خسران أعظم منه إذ هو خسران العقل والإدراك وتذليل النفس العزيزة بمثلها تغريرا
أَتسمعون وتقبلون منه ايها المجبولون على الدرية والدراية ما يَعِدُكُمْ به من الخرافات المستبعدة عن مقتضى العقل والإدراك وذلك أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً رميما ورفاتا بحيث قد تفرقت اجزاؤكم وتفتتت الى ان صارت منبثة بل عدما صرفا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ منها احياء معادون الى ما كنتم عليه من التشخصات والتعينات
هَيْهاتَ هَيْهاتَ قد بعد بعدا تاما واستحال استحالة شديدة وامتنع امتناعا ظاهرا لِما تُوعَدُونَ من البعث بعد الموت والوجود بعد العدم والإعادة بعد الاماتة
بل إِنْ هِيَ وما الحيوة لنا ايها العقلاء المجبولون على فطرة الدراية والشعور إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا اى ما هي حاصلة لنا الا فيها إذ وجودنا وعدمنا وايجادنا واعدامنا ما هو الا فيها وبالجملة نَمُوتُ ونعدم بعد ما قد كنا موجودين فيها وَنَحْيا ايضا ونوجد بعد ما كنا معدومين فيها وَبالجملة ما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ منشرين من قبورنا احياء بعد ما متنا فيها كما نشاهد من سائر الأشياء يعنى لا منزل لنا سوى الدنيا حياتنا فيها ومماتنا فيها لا دار لنا غيرها
وبالجملة إِنْ هُوَ وما هذا المدعى الكذاب إِلَّا رَجُلٌ مفتر كاذب قد افْتَرى قصدا ونسبه عَلَى اللَّهِ كَذِباً عمدا تغريرا وترويجا مراء وافتراء من انه قال قد أرسلني الله واوحانى كذا كذا وما هي الا مفتريات قد اخترعها من تلقاء نفسه وَبالجملة ما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ بمجرد هذا الدعوى وان أثبتها ايضا إذ هو بشر مثلنا ولا رسالة للبشر الى البشر وبعد ما يئس عن ايمانهم أخذ في الدعاء عليهم مشتكيا الى الله
حيث قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ وعذبهم بتكذيبهم إياي وتكذيبي مستلزم لتكذيبك يا ربي
قالَ سبحانه اصبر ولا تستعجل في انتقامهم انهم عَمَّا قَلِيلٍ اى عن زمان قليل وأوان قصير لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ على ما فعلوا من التكذيب والإنكار
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ الهائلة من جانب السماء بغتة قيل صاح عليهم جبرائيل ﵇ صيحة هائلة مهولة بعد ما تعلق ارادة الله باهلاكهم ملتبسة بِالْحَقِّ اى بالعذاب الثابت المحقق الواجب وقوعه حتما فَجَعَلْناهُمْ وصيرنا اجسادهم
стр. 569
غُثاءً اى كالغثاء التي يسيل بها الماء وهي الزبد والخشائش التي يذهب بها الماء وقت سيلانه فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وبعد ما صاروا كذلك قيل في حقهم قد بعد بعدا وطردا للقوم الخارجين عن مقتضى أوامر الله ونواهيه النازلة منه سبحانه على ألسنة أنبيائه ورسله
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ بعد انقراضهم وانقضائهم قُرُوناً آخَرِينَ يعنى قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم من الأمم الهالكة المستهلكة على الكفر والعناد بسبب تكذيب الرسل والكتب وبالجملة قد أهلكنا كلا منهم فرادى
بحيث ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها اى ما تستعجل وتستقدم امة منهم أجلها الذي قد عيناه لإهلاكهم وقدرنا هلاكهم فيه وَما يَسْتَأْخِرُونَ ايضا اى لا يسع لهم لا الاستقدام ولا الاستئخار في المدة المقدرة المعينة لهلاكهم
ثُمَّ بعد ما انقرضوا قد أَرْسَلْنا ايضا رُسُلَنا على المنحرفين عن جادة توحيدنا المصرفين عن مقتضى سنتنا وحكمتنا تَتْرا متواترة متتالية بلا تخلل فترة بينهم بحيث كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها لإصلاح حالهم واعتدال أخلاقهم وأعمالهم كَذَّبُوهُ وأنكروا له وظهروا عليه بالمقاتلة والمشاجرة فأهلكناهم واستأصلناهم بسبب تكذيبهم وانكارهم وبالجملة فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً بالهلاك اى أهلكناهم متتابعين بعضهم بعد بعض الى حيث طهرنا الأرض عن خباثتهم وقساوتهم وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ اى قد صيرناهم حكايات وقصصا يسمر بها السامرون ويعتبر المعتبرون عما جرى عليهم ويقال في حقهم بعد استماع قصصهم على سبيل العدة فَبُعْداً اى طردا وحرمانا ومقتا وخذلانا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بالله ولا يصدقون رسله وجميع ما جاءوا به من عنده سبحانه من المعتقدات المتعلقة بالنشأتين
ثُمَّ بعد انقراض أولئك الحمقى الهلكى قد أَرْسَلْنا مُوسى وَقرنا له أَخاهُ هارُونَ ليكون ردأ له ووزيرا عنده مؤيدين بِآياتِنا الدالة على كمال قدرتنا ومتانة صنعتنا وحكمتنا لتكون معجزة لهما خارقة للعادات صادرة عنهما ملزمة لمن يقابلهما وَمع ذلك قد قويناهما بورود سُلْطانٍ مُبِينٍ برهان عقلي مبين ومعجزة ساطعة منا
إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ واشراف قومه فبلغ الموحى به إليهم واظهر الدعوة عندهم فَاسْتَكْبَرُوا عن قبولها عنادا وعتوا وَهم قد كانُوا في أنفسهم وحسب زمانهم قَوْماً عالِينَ متجبرين متكبرين بحيث قد ترقى امر فرعون في العتو والاستكبار الى ان ادعى الربوبية والألوهية لنفسه
فَقالُوا بعد ما سمعوا منهما ما سمعوا من الايمان بالله والدعوة الى توحيده والإتيان بالأعمال الصالحة والامتثال بالأوامر والاجتناب عن النواهي المنزلة في التورية متشاورين بينهم مستبعدين عن أمرهما متهكمين معهما قائلين أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ اى لهذين البشرين ونقبل منهما قولهما مع كونهما مِثْلِنا في البشرية بلا مزية لهما علينا لا بالمال ولا بالكمال وَلا بالنسب ايضا إذ قَوْمُهُما الذين قد انتشئا منهم لَنا عابِدُونَ الى الآن ونحن أربابهم مسلطون عليهم وبالجملة كيف ننقاد ونؤمن بهما بلا شرف فيهما لا حسبا ولا نسبا
فَكَذَّبُوهُما أشد تكذيب وأنكروا عليهما آكد انكار ونسبوا عموم ما أتيا به من الحجج والمعجزات الى السحر والشعبذة وبالجملة قد خاصموا معهما أشد الخصومات فَكانُوا بالآخرة بسبب انكارهم وتكذيبهم وإصرارهم مِنَ الْمُهْلَكِينَ المستأصلين بالإغراق في بحر قلزم او النيل
وَاذكر يا أكمل الرسل لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى من كمال كرامتنا ولطفنا معه الْكِتابَ اى التورية الجامع لإصلاح الظاهر والباطن لَعَلَّهُمْ اى قوم موسى يَهْتَدُونَ به الى مقر التوحيد وهم ما آمنوا به وبكتابه وما كانوا مهتدين
стр. 570
وَبعد انقضاء زمن موسى الكليم وانقراض أعدائه قد جَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ عيسى ﵇ وَأُمَّهُ رضى الله عنها اى كل واحد منهما آيَةً دالة على كمال قدرتنا وبدائع حكمتنا وغرائب صنعتنا بان جعلنا لعيسى ﵇ من الخوارق والمعجزات ما لا يخفى ولمريم ايضا من الكرامات والارهاصات الخارقة للعادات منها الحمل بلا مساس زوج وسقوط التمرة من النخلة اليابسة لأجلها سيما في أوان الشتاء وحضور انواع الأطعمة والفواكه عندها حال كونها في المحراب والأبواب مغلقة عليها مع انها ما تشبه باطعمة الدنيا وفواكهها وغير ذلك من الارهاصات الغريبة وَبعد ما أخرجهما الجاهلون عن مقرهما ومنزلهما آوَيْناهُما اى ارجعناهما واوصلناهما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ اى الى مكان مرتفع من الأرض كثير المآكل والمشارب يتنعم ويترفه الساكنون فيها بلا تردد واضطراب في امر المعاش. قيل هي بيت المقدس او دمشق. ثم قال سبحانه مخاطبا لقاطبة رسله وأنبيائه اصالة ولأممهم تبعا مناديا لهم مسقطا منهم الرهبانية والزهد المفرط المؤدى الى تخريب البنية وضعف القوى المدركة والمحركة عن مقتضاها وكذا جميع آلات الجوارح المعمول بها
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ يعنى نادى سبحانه كل واحد منهم في زمانه كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ التي قد أبحنا لكم حسب ما يسد جوعتكم ويعتدل امزجتكم وأطيب مطاعمكم كسب أيديكم وَبعد ما اعتدل امزجتكم وقوى قواكم اعْمَلُوا عملا صالِحاً مقربا لكم إلينا مصلحا لما في نفوسكم من المقاصد الحاصلة من الاهوية الفاسدة ومن تسويلات الشياطين وتغريراته إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ على وجه الإخلاص عَلِيمٌ اجازيكم عليه سواء تتزهدون وتترهبون أولا
وَمتى علمتم ان مناط أمركم في عملكم المقرب الى ربكم على الإخلاص والخضوع فعليكم بأجمعكم ان تداوموا وتلازموا عليه واعلموا إِنَّ هذِهِ الطريقة المعهودة المذكورة لكم من ربكم أُمَّتُكُمْ اى قدوتكم وقبلتكم موصلة الى توحيد ربكم لذلك قد صارت أُمَّةً واحِدَةً وقبلة منفردة بلا تعدد واختلاف فيها أصلا وان كانت جهاتها وطرقها متعددة مختلفة حسب اختلاف الشرائع والأديان بمقتضى الأعصار والأزمان وَاعلموا ايضا أَنَا رَبُّكُمْ الواحد الأحد الصمد الفرد الوتر الذي لا أكون عرضة للتعدد والكثرة قطعا فَاتَّقُونِ من أخذي وبطشى ومقتضيات جلالي وقهري إذ لا ملجأ لكم غيرى ولا منجا لكم سواي
ومع ذلك فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ يعنى جعلوا دينهم الواحد وملتهم المنفردة وأمتهم الواحدة زُبُراً قطعا مختلفة وصاروا أحزابا متفاوتة ومللا متعددة وامما متكثرة متخالفة بحيث يدعى كل منهم حقية دينه وملته نصا كُلُّ حِزْبٍ منهم بِما لَدَيْهِمْ وعندهم من الدين والملة المرضية لهم فَرِحُونَ مسرورون معجبون
فَذَرْهُمْ بعد ما تحزبوا وانحرفوا عن التوحيد وانصرفوا عن جادته واتركهم على حالهم يعمهون فِي غَمْرَتِهِمْ وجهلهم وغوايتهم حَتَّى حِينٍ اى حين انكشف الغطاء عن بصائرهم وأبصارهم فعاينوا العذاب ولم يمكنهم رده والنجاة منه فهلكوا به صاغرين مضطرين
أَيَحْسَبُونَ ويعتقدون أولئك الضالون المنهمكون في بحر الغفلة والضلال ويزعمون بل يصدقون أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ وما نعطيهم امدادا لهم واعانة عليهم مِنْ مالٍ مله لنفوسهم شاغل لقلوبهم وَبَنِينَ الذين هم يستعبدون نفوسهم ويسترقون أعناقهم
نحن نُسارِعُ ونبادر لَهُمْ فِي نيل الْخَيْراتِ ونول المثوبات والكرامات تفضلا منا إياهم وتعظيما وتكريما لهم ولا يفهمون ولا يتفطنون ابتلاءنا واختبارنا إياهم بإعطاء أمثال هذه الزخرفة
стр. 571
الدنية الدنياوية لذلك يباهون ويفتخرون بها ويتفوقون على من دونهم لأجلها بَلْ ما هذا الا استدراج منا إياهم وامهال لهم كي يحصلوا اسباب أشد العذاب وأسوأ العقاب ويستحقوا بواسطتها أسفل دركات النيران وهم لا يَشْعُرُونَ الاستدراج من الكرامة فحملوا عليها وباهوا فسيعلمون مصيرهم ومنقلبهم الى اين.
ثم قال سبحانه إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ خائفون حذرون محترزون
وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ النازلة على رسله يُؤْمِنُونَ يصدقون ويذعنون
وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ بحال بل يستقلون سبحانه بالوجود ولا يثبتون لغيره وجودا ولا يسندون الحوادث الكائنة الى الأسباب العادية مطلقا بل يسندون كلها الى الله أولا وبالذات
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا من الأعمال الصالحات وانواع الخيرات والصدقات ومطلق الحسنات وَقُلُوبُهُمْ في حال إتيانها وَجِلَةٌ خائفة مستوحشة بسبب أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ بهذه الأعمال والحسنات هل يقبل منهم او يرد عليهم وهم دائما بين الخوف والرجاء خائفون عن قهره راجون من لطفه
أُولئِكَ السعداء المحسنون الأدب مع الله المخلصون في أعمالهم يُسارِعُونَ يبادرون ويرغبون فِي الْخَيْراتِ وانواع الطاعات والعبادات وعموم الحسنات راجين بها انواع الكرامات والمثوبات من الله وَبالجملة هُمْ في عموم أوقاتهم وحالاتهم لَها سابِقُونَ ساعون سارعون ولمثل هذا فليعمل العاملون
وَاعلموا ايها المكلفون بأنواع التكاليف المصفية لظواهركم وبواطنكم لا نُكَلِّفُ ولا نحمل نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ومقدار طاقتها حسب استعداداتهم الفطرية وقابلياتهم الجبلية وكيف نكلفهم بما لا طاقة لهم وَلَدَيْنا كِتابٌ جامع لجميع ما حدث وكان ويحدث ويكون الا وهو لوح قضائنا الشامل وحضرة علمنا المحيط ولا شك انه يَنْطِقُ بِالْحَقِّ السوى الصحيح الثابت المعتدل المطابق للواقع بلا افراط وتفريط وَبالجملة هُمْ لا يُظْلَمُونَ بحال لا بزيادة العذاب ولا بنقصان الثواب بل كل منهم مجزيون بمقتضى ما ثبت فيه والكفار من غاية انهماكهم في الغفلة والضلال منكرون لكتابنا الجامع لجميع الكوائن والفواسد الناطق بالحق الواقع
بَلْ قُلُوبُهُمْ التي قد جبلت وعاء وظرفا للايمان والتصديق فِي غَمْرَةٍ غطاء وغشاء مِنْ هذا الطريق الذي يترتب عليه الفلاح والفوز بالنجاح الا وهو طريق التوحيد والتصديق وَمع ذلك لَهُمْ أَعْمالٌ طالحة صادرة عنهم على مقتضى اهويتهم الفاسدة وآرائهم الباطلة مِنْ دُونِ ذلِكَ الأمر الذي نأمر به عبادنا على السنة رسلنا هُمْ لَها عامِلُونَ وإليها متوجهون مائلون وعن طريق الحق وسبيل التوحيد ناكبون منصرفون
وهم قد صاروا عليها مصرين حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ وانتقمنا من متنعميهم بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ يستغيثون منا وبالجملة هم في الراحة والرخاء عنا غافلون وإذا أخذناهم بالبلاء والعناء فاجؤا الى الاستغاثة والاستعانة منا مصرخين إلينا متضرعين نحونا لذلك يقال لهم من قبلنا تهكما واستهزاء ردا وطردا
لا تَجْأَرُوا ايها المسرفون المفرطون ولا تستنصروا الْيَوْمَ منا حين حلول العذاب عليكم إِنَّكُمْ بسبب غفلتكم عنا وانكاركم علينا في وقت الراحة والرخاء مِنَّا لا تُنْصَرُونَ أصلا فاليوم لا ينفعكم دعاؤكم وصراخكم وكيف تستنصرون عنى ايها المسرفون اما تستحيون منى
إذ قَدْ كانَتْ آياتِي الدالة على عظمة ذاتى وعلو شأنى وشدة سطوتي وسلطاني تُتْلى عَلَيْكُمْ تليينا لقلوبكم وإصلاحا لعيوبكم فَكُنْتُمْ من شدة عتوكم واستكباركم عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ ترجعون رجوع القهقرى منصرفين من سماعها
стр. 572
حال كونكم مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ اى بالكتاب وبالأوامر والاحكام المندرجة فيه بحيث لا تذكرونه سامِراً ايضا وحاكيا به ليلا على ما هو عادتكم وسنتكم المستمرة بينكم إذ كنتم تسمرون حول البيت في خلال الليالى سيما في الأحاديث الحديثة والحكايات الجديدة بل تَهْجُرُونَ وتتركون السمر مطلقا حتى لا تسمعوا ذكر الآيات والكتاب أصلا فكيف الامتثال والتلذذ بما فيه من الأوامر والنواهي ومع استكباركم بنا وبآياتنا ورسلنا على ابلغ الوجوه وأشدها تستنصرون منا وتستغيثون إلينا.
ثم قال سبحانه على وجه التعيير والتقريع أَينكرون المشركون القرآن ويستكبرون به عنادا ومكابرة فَلَمْ يَدَّبَّرُوا ولم يتأملوا حق التأمل الْقَوْلَ المقبول المطبوع والمقول المعقول المسموع منه ولم يتفكروا في أسلوبه وترتيبه واتساق نظمه وتطابق كلماته ليظهر لهم اعجازه ويتضح لديهم فصاحته وبلاغته الخارجة عن طور العقل وطوق البشر كيلا يبادروا الى إنكاره وتكذيبه بل يصدقوه ويؤمنوا به وبمن جاء به أَمْ جاءَهُمْ يعنى بل يعلمون لو تأملوا في شأن القرآن انه قد جاءهم من الله كتاب كامل شامل هاد منقذ يخلصهم من العذاب الأخروي لو امتثلوا بما فيه من الأوامر والنواهي مع انه ما لَمْ يَأْتِ يعنى كتابهم هذا نور ظاهر باهر لم يأت مثله آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ
حتى تأملوا وتدبروا فيه وتخلصوا من العذاب النازل عليهم فهؤلاء الحمقى الهلكى المنهمكون في الغي والضلال يفوتون على أنفسهم الايمان به والهداية بامتثال ما فيه حتى يتيسر لهم الخلاص والنجاة
أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ يعنى بل لم يعرفوا من شدة شكيمتهم وبغضهم علو شأن رسولهم وسمو برهانه وكمال عقله ورشده واعتدال أخلاقه وأطواره وايفائه العهود والأمانات حتى يصدقوه ويؤمنوا به بل فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ من غاية الجهل والعناد
أَمْ يَقُولُونَ وينسبون بِهِ جِنَّةٌ اختلال وخبط ومن اختلاله وخبطه قد ظهر منه أمثال هذه البدائع التي استحدثها من تخيلاته بَلْ قد جاءَهُمْ رسولهم بعموم ما جاء به ملتبسا بِالْحَقِّ الصريح والصدق السوى المطابق للواقع والوحى الإلهي وَلكن أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ لأنهم على الباطل مائلون والى مشتهيات نفوسهم آئلون
وَبالجملة لَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ اى الوحى النازل من لدنه أَهْواءَهُمْ الباطلة وآراءهم الفاسدة لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ من ذوى الشعور والإدراك المتوجهين نحو الحق طوعا من شؤم أعمالهم وسوء أفعالهم وقبح أخلاقهم وأطوارهم لذلك ما آتيناهم وما أوحينا على رسولهم ما هو مشتهى نفوسهم ومقتضى اهوائهم بَلْ قد أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ وتذكيرهم وما يذكرهم به بل ليس الا ما هو الا صلح بحالهم والأليق بشأنهم من الأوامر والنواهي والوعد والوعيد والإنذار والتبشير والعبر والأمثال والقصص والآثار فَهُمْ من غاية عمههم وسكرتهم عَنْ ذِكْرِهِمْ المصلح بحالهم المنجى لنفوسهم من الوبال والنكال مُعْرِضُونَ منصرفون عنه عتوا واستكبارا
أَمْ تَسْأَلُهُمْ اى أيظنون ويعتقدون انك يا أكمل الرسل تطلب لأداء الرسالة وتبليغها عليهم خَرْجاً جعلا واجرا لذلك انصرفوا عنك وعن دينك وكتابك فَخَراجُ رَبِّكَ الذي رباك بأنواع النعم الصورية والمعنوية واجره لك بأعظم المثوبات وأعلى الدرجات خَيْرٌ لك من جعلهم وخرجهم وَان نسبوك الى الفقر والفاقة قل هُوَ سبحانه خَيْرُ الرَّازِقِينَ لو فرض رازق سواه مع انه لا رازق الا هو
وَبالجملة هم منحرفون في أنفسهم عن جادة العدالة وصراط التوحيد بحيث لا يفيدهم هدايتك وارشادك مطلقا إِنَّكَ بوحي الله إياك لَتَدْعُوهُمْ وتهديهم إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
стр. 573
سوى لا عوج له أصلا الا وهو طريق التوحيد الذاتي المنزل على الحضرة الختمى النبي الأمي صلوات الله عليه وسلامه
وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بالله ولا يصدقون بِالْآخِرَةِ التي فيها انتقاد الأعمال والأحوال والعرض على ذي العظمة والجلال عَنِ الصِّراطِ الذي هو سبب اعتدالهم وإخلاصهم فيها لَناكِبُونَ عادلون مائلون لذلك لم يقبلوا منك ما جئت به من عند ربك
يا أكمل الرسل إذ خوف الآخرة من أقوى قوائم الايمان وأشد اعمدته وأركانه وَلَوْ رَحِمْناهُمْ بمقتضى سعة رحمتنا وجودنا وَكَشَفْنا وأزلنا عنهم ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ مفرط مزعج مثل القحط والوباء والزلزلة والعناء وغير ذلك من المحن والشدائد العاجلة لَلَجُّوا وأصروا فِي طُغْيانِهِمْ التي هم عليها من الكفر والشرك والعداوة مع اهل الايمان يَعْمَهُونَ يترددون ولا يتركون
وَكيف لا يعمهون وقد جربناهم مرارا فانا لَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ اى بالجدب والقحط وبالقتل يوم بدر فَمَا اسْتَكانُوا وما تذللوا وما تواضعوا لِرَبِّهِمْ من كمال عتوهم وعنادهم وَما يَتَضَرَّعُونَ اليه استكبارا بل هم مصرون على إصرارهم دائما وبالجملة كلما أخذناهم وكشفنا عنهم زادوا على استكبارهم وإصرارهم ولم يرجعوا إلينا خاشعين مخلصين قط
حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً من البلاء والعناء ذا عَذابٍ شَدِيدٍ وهو القحط المفرط إذ هو من أصعب العقوبات وأسوئها إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ متحيرون آيسون من كل خير ومع ذلك لم يتوجهوا إلينا ولم يتضرعوا نحونا مع انه لا منجى لهم سوانا
وَكيف لا تتوجهون الى الله ولا تتضرعون نحوه ايها الحمقى الهالكون في تيه العتو والعناد مع انه سبحانه هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ اظهر لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ من المشاعر التي تحفظون بها انفسكم من الأعادي الخارجة عنكم وَالْأَفْئِدَةَ اى القلوب التي تحفظون بها صدوركم وسرائركم من الأعداء الداخلة من التخييلات الباطلة والتوهمات الزائغة الزائلة المزخرفة المموهة من الرياء والرعونات وانواع التلبيسات النافية لصفاء مشرب التوحيد مع انكم قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ اى ما تشكرون لهذه النعم الجليلة الا قليلا
وَكيف لا تشكرون نعمه سبحانه مع انه هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ اى أوجدكم وأظهركم من كتم العدم في النشأة الاولى وبث نسلكم ونسبكم فِي الْأَرْضِ التي تترفهون فيها وتتنعمون عليها ورزقكم من انواع الطيبات وَفي النشأة الاخرى إِلَيْهِ لا الى غيره إذ لا وجود للغير مطلقا تُحْشَرُونَ وترجعون رجوع الأمواج الى البحر
وَكيف لا تحشرون اليه سبحانه مع انه هُوَ الَّذِي يُحْيِي ويظهر أشباحكم من العدم بامتداد اظلال أسمائه وصفاته وبسطها على مرايا الاعدام وَيُمِيتُ بانقهارها وقبض الاظلال عنها وَمن مقتضيات قبضه وبسطه ان لَهُ سبحانه حسب ارادته ومشيئته اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ طولا وقصرا ضوأ وظلمة أَفَلا تتفكرون وتتأملون ايها المجبولون على التفكر والتدبر حتى تَعْقِلُونَ وتدركون كيفية ظهور الحق وإظهاره مظاهر أسمائه الحسنى وآثار صفاته العليا وبالجملة أولئك البعداء الضالون لا يتفكرون ولا يعقلون مع وضوح الدلائل وسطوع الشواهد
بَلْ قالُوا اى هؤلاء الضالون المفرطون من الهذيانات الباطلة مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ المبطلون المسرفون من آبائهم وأسلافهم تقليدا لهم
حيث قالُوا مستنكرين مستبعدين على مواعيد الحق ووعيداته في النشأة الاخرى أَإِذا مِتْنا وانقرضنا من الدنيا وَقد كُنَّا بعد انقراضنا منها تُراباً وَعِظاماً بالية أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ مخرجون من القبور احياء مثل ما كنا عليه قبل موتنا كلا وحاشا لا حيوة لنا الا هذه الحيوة التي
стр. 574
كنا عليها في دار الدنيا
مع انا لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ على لسان من جاءنا بادعاء الرسالة والنبوة وَقد وعد ايضا آباؤُنا وأسلافنا ايضا هذا الموعود المخصوص على لسان من جاء به مِنْ قَبْلُ وهلم جرا مع انا ولا آباؤنا وأسلافنا لم نر من علامات صدقه وامارات وقوعه شيأ أصلا وبالجملة إِنْ هذا وما هذا الوعد الموعود والقول المعهود وهو انكم إذا مرقتم كل ممزق انكم لفي خلق جديد إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اى أباطيلهم وأكاذيبهم التي قد سطروها في دواوينهم وكتبهم على وجه السمرة والخدعة لضعفاء الأنام وبعد ما بالغوا في الإنكار على البعث والإعادة وعدم قدرتنا عليها مع انا قادرون على الإبداء والإنشاء عن لا شيء
قُلْ لهم يا أكمل الرسل إلزاما عليهم وتبكيتا لِمَنِ الْأَرْضُ المفروشة وَمَنْ فِيها وعليها من انواع النباتات والحيوانات والمعادن ومن المظهر لها من كتم العدم ومن المزين المنبت عليها من الأجناس المختلفة أخبرونا عن موجدها ومخترعها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ اى من ذوى الشعور والإدراك
سَيَقُولُونَ في الجواب البتة لِلَّهِ إذ لا يمكنهم انكار الصريح المحقق قُلْ لهم يا أكمل الرسل بعد ما اعترفوا بان الأرض ومن عليها لله سبحانه موبخا عليهم ومقرعا أَتنكرون ايها الجاهلون قدرة الله على اعادة المعدوم وحشر الأجساد فَلا تَذَكَّرُونَ ولا تستحضرون قدرة الحق على إبداع هذه البدائع وإيداع هذه العجائب المستحدثة على الأرض بلا سبق مادة ومدة ومع ذلك تنكرون اعادة من عليها سيما بعد سبق المادة مع ان هذا أهون علينا من ذلك
قُلْ لهم ايضا إلزاما وتبكيتا مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ الشداد المطبقات المزينات بالكواكب وَمن رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ المحيط بالكل المحرك لها على وجه السرعة التامة والحركة السريعة الشديدة بلا تخلل سكون أصلا
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ إذ لا يسع لهم الخروج عن مقتضى صريح العقل قُلْ لهم يا أكمل الرسل أَفَلا تَتَّقُونَ وتحذرون عن قهر الله وغضبه تنكرون منه أهون مقدوراته وأسهل مراداته مع انكم قد اعترفتم باشدها وأصعبها
قُلْ لهم يا أكمل الرسل بعد ما تأكد إلزامهم وافحامهم كلاما جمليا شاملا لعموم مقدورات الله ومراداته مَنْ بِيَدِهِ وقبضة قدرته وتحت حوله وقوته مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وملكه يتصرف فيه حسب ارادته واختياره على سبيل الاستقلال وَمن هُوَ يُجِيرُ يغيث ويعين الملهوف والمضطر إذا دعاه وَلا يُجارُ ولا ينصر عَلَيْهِ إذ هو سبحانه يعلو ولا يعلى عليه أخبروني إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ اى من ذوى الخبرة والشعور
سَيَقُولُونَ ايضا بلا تردد لِلَّهِ اختصاصا وملكا تصرفا واستقلالا ارادة واختيارا قُلْ لهم يا أكمل الرسل بعد ما اثبتوا اليد الغالبة والقدرة التامة الكاملة والفاعلية المطلقة بالإرادة والاختيار فاعل المختار اختصاصا واستقلالا فَأَنَّى تُسْحَرُونَ اى من اين تخدعون وتلبسون للخروج عن مقتضى العقل والرشد في المقدور المخصوص والمراد المعين حتى تنكروا له ولم تقبلوا وقوعه مع ورود الآيات الكثيرة الكبيرة في الكتب الإلهية والصحف السماوية مطلقا الدالة على وقوعه
بَلْ ما أَتَيْناهُمْ كل ما أتيناهم اى للأنبياء والرسل الهادين المهديين من التوحيد ولوازمه من الايمان بالغيب وعموم المأمورات والمنهيات الصادرة منا المنزلة على رسلنا وجميع ما أوحينا وألهمنا على رسلنا الا بِالْحَقِّ الصدق المطابق لما في حضرة علمنا المحيط ولوح قضائنا الشامل الجامع بلا توهم البطلان في شيء منها وَبالجملة إِنَّهُمْ اى أولئك المكذبين المسرفين لَكاذِبُونَ البتة في نسبة الكذب إلينا وإليها وإليهم الا لعنة الله على الكاذبين
стр. 575
ومن جملة ما نسبوا الى الله سبحانه افتراء ومراء اثبات الولد له سبحانه مع انه مَا اتَّخَذَ اللَّهُ الواحد الأحد الصمد الفرد الذي شأنه ووصفه المخصوص له انه الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد مِنْ وَلَدٍ إذ هو من أقوى خواص الأجسام وأوضح لوازم الإمكان وهو سبحانه منزه عنهما مطلقا وَمن جملة أكاذيبهم الباطلة ايضا اثبات الشريك له سبحانه مع انه ما كانَ وما صح وما جاز ان يكون مَعَهُ مِنْ إِلهٍ كان شريكا له يعبد بالحق مثله ويستحق بالعبادة له استحقاقا ذاتيا ووصفيا كما هو شأنه سبحانه إِذاً اى حين كان الا له الواجب الوجود المستحق للعبادة متعددا كما زعم أولئك المبطلون لَذَهَبَ وتميز كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ أوجد واظهر فيكون مملكة كل منهم ممتازة عن الاخرى ومتى كان الإله متعددا والمملكة ممتازة لأمكن التغالب والتحارب وَلَعَلا اى لغلب وارتفع بَعْضُهُمْ اى بعض الآلهة عَلى بَعْضٍ بالقدرة والاستيلاء فاختل النظام المشاهد المحسوس ولم يبق له انتظام وقيام والتيام ودوام أصلا سُبْحانَ اللَّهِ وتعالى ذاته عَمَّا يَصِفُونَ به ذاته أولئك الجاهلون بقدره الغافلون عن علو شأنه من اثبات الولد والشريك معه مع كمال تنزهه وتقدسه في ذاته عنهما وعن أمثالهما
وكيف يكون له ولد ومعه شريك وهو بذاته عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ بحيث لا يعزب عن حيطة حضرة علمه شيء منهما فَتَعالى وتنزه سبحانه عَمَّا يُشْرِكُونَ أولئك المعاندون المفرطون من ان يكون له ولد يشبهه او شريك يماثله ويشترك معه في أخص أوصافه التي هي وجوب الوجود والعلم بالغيب والشهود
قُلْ يا أكمل الرسل مستعيذا بالله من شر ما سيلحق لأولئك المعاندين المبطلين رَبِّ يا من رباني بمزيد اللطف والإحسان إِمَّا تُرِيَنِّي اى ان تحقق وتقرر عندك في حضرة علمك يا مولاي اراءتك إياي ما يُوعَدُونَ به أولئك المسرفون المشركون من أشد العذاب والنكال في العاجل والأجل أرني وابصرنى بحولك وقوتك يا رب لتكون رؤيتي سبب عبرتي وتذكيري من أحوالهم
وبالجملة رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ مقارنا لهم معدودا من عدادهم ملحقا بي ما سيلحقهم من انواع العذاب الصوري والمعنوي الدنيوي والأخروي
وَقال سبحانه إِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ من العذاب لَقادِرُونَ يعنى انا لقادرون على ان نريك ما نعدهم العذاب الموعود إياهم في هذه النشأة لكنا نؤخر عذابهم الى النشأة الاخرى ونمهلهم رجاء ان يؤمن بعضهم او يحصل منهم المؤمنون من نسلهم وذرياتهم وبعد ما قد كنا نمهلهم ونؤخر عذابهم لحكم ومصالح
ادْفَعْ أنت يا أكمل الرسل بِالَّتِي اى بالدلائل والشواهد التي هِيَ أَحْسَنُ من المقاتلة والمشاجرة السَّيِّئَةَ التي هم عليها من الكفر والشرك وانواع الطغيان والعصيان لعل دلائلك تلين قلوبهم وتصفيهم عن المكابرة والعناد معك إذ نَحْنُ أَعْلَمُ منك بِما يَصِفُونَ اى ما يصفونك به وينسبونك اليه مما لا يليق بشأنك وثق بنا وتوكل في عموم احوالك علينا واتخذنا وكيلا وفوض امر انتقامهم إلينا فانا نكفى ونكف عنك مؤنة شرورهم
وَقُلْ رَبِّ يا من رباني بكنفك وجوارك أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ ووساوسه وانواع تسويلاته وتلبيساته
وَلا سيما أَعُوذُ والوذ بِكَ يا رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ عند توجهي نحوك وتحننى إليك ومناجاتي معك سيما خلال صلاتي في خلواتي وعند تلاوتى وعرض حاجاتي والكافرون في غاية انهماكهم في الغفلة مصرون على ما هم عليه من الشرك والكفر
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ وعاين من
стр. 576
امارات النشأة الاخرى تنبه حينئذ بقبح صنائعه التي قد اتى بها في النشأة الاولى قالَ حينئذ متضرعا الى الله نادما متمنيا متحسرا رَبِّ ارْجِعُونِ بفضلك وجودك الى النشأة الاولى
لَعَلِّي أَعْمَلُ بعد رجوعي عملا صالِحاً مصلحا فِيما تَرَكْتُ وأفسدت من امور الايمان والإطاعة والانقياد كَلَّا ردع له عن هذا السؤال والدعاء ومنع له عن إنجاح مسئوله إِنَّها اى طلب المراجعة كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها من غاية الحسرة والندامة متمنيا على ما فات عنه في دار الابتلاء وَالا كيف يرجع إليها إذ مِنْ وَرائِهِمْ اى امامهم وقدامهم بَرْزَخٌ وحجاب مانع يمنعهم عن الرجوع إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ يعنى لا يمكنهم الرجوع الى دار الدنيا والحيوة فيها الا الحيوة في يوم البعث والجزاء ولم يمكن لهم التدارك والتلافي فيها
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ لحشر الأموات ونشرها من قبورهم فيخرجون منها حيارى سكارى تائهين هائمين فَلا أَنْسابَ ولا تعارف بَيْنَهُمْ يومئذ بل يفر كل امرء من أخيه وصاحبته وبنيه إذ لكل منهم يَوْمَئِذٍ شأن يغنيه ويشغله وَلا يَتَساءَلُونَ اى لا يسئل بعضهم احوال بعض بل كل نفس منهم رهينة بما كسبت قرينة بما اقترفت بلا التفات منها الى غيرها
فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ورجحت خيراته وحسناته على شروره ومعاصيه فَأُولئِكَ السعداء المقبولون هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون المقصورون على الفلاح لا خوف عليهم ولا هم يحزنون
وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ ورجحت سيئاته على حسناته فَأُولئِكَ الأشقياء المردودون هم الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ خسرانا مبينا الى حيث هم لانهماكهم في الشرور والسيئات فِي جَهَنَّمَ البعد والخذلان خالِدُونَ مخلدون دائمون ثابتون لا نجاة لهم منها أصلا ومن شدة اشتعال النار وتلهبها
تَلْفَحُ وتحرق وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها اى في النار كالِحُونَ عابسون حيث تقلص شفاههم عن أسنانهم بحيث تصل شفتهم العليا الى وسط رأسهم والسفلى الى سرتهم ومتى تضرعوا وتفزعوا وبثوا الشكوى الى الله قيل لهم من قبل الحق
أَلَمْ تَكُنْ آياتِي الدالة على عظمة ذاتى وكمال قدرتي على الانعام والانتقام تُتْلى عَلَيْكُمْ حين ابتليناكم في النشأة الاولى فَكُنْتُمْ من غاية غفلتكم وضلالكم بِها تُكَذِّبُونَ وتنكرون استكبارا فالآن قد لحق بكم وعرض عليكم ما انكرتم له وأعرضتم عنه وبعد ما سمعوا من التوبيخ والتقريع ما سمعوا
قالُوا متضرعين معترفين بما صدر عنهم من البغي والعناد رَبَّنا يا من ربانا على فطرة السعادة والهداية فافسدناها بالإنكار والتكذيب إذ قد غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا واستولت بنا امارتنا وتسلطت اهويتنا وشهواتنا علينا وَبالجملة قد كُنَّا بمتابعة تلك البغاة الغواة قَوْماً ضالِّينَ منحرفين منصرفين عن طريق الحق ناكبين عن الصراط المستقيم
رَبَّنا أَخْرِجْنا بفضلك وجودك مِنْها اى من النار فَإِنْ عُدْنا بعد ما خرجنا منها الى ما قد كنا عليها قبل من الغفلة والغرور فَإِنَّا حينئذ ظالِمُونَ لأنفسنا بالعرض على انواع العذاب والنكال
قالَ سبحانه في جوابهم زجرا لهم وتبكيتا اخْسَؤُا واسكتوا وتمكنوا فِيها اى في النار صاغرين وَلا تُكَلِّمُونِ معى ولا تناجوا الى لدفع عذابكم وتخفيفه وإخراجكم من النار إذ أنتم فيها خالدون اما تستحيون ايها المسرفون المفسدون منى اما تذكرون ما أنتم عليه
إِنَّهُ اى ان شأنكم وأمركم في دنياكم هذا وقد كانَ فَرِيقٌ مِنْ خلص عِبادِي يَقُولُونَ متضرعين متحننين نحونا راجين العفو والرحمة منا بقولهم رَبَّنا كما ربيتنا بأنواع الكرم قد آمَنَّا بك وصدقنا رسلك وكتبك فَاغْفِرْ لَنا ذنوبنا واستر علينا
стр. 577
عيوبنا وَارْحَمْنا تفضلا وامتنانا علينا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ إذ رحمتك بنا لا تعلل بغرض منك وعوض منا ومتى سمعتم مناجاتهم هذه ودعاءهم هكذا
فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا مستهزئين بأقوالهم وأعمالهم مبالغين في الهزء والسخرية متوغلين في الغفلة والغرور حَتَّى أَنْسَوْكُمْ جهلكم وغفلتكم ذِكْرِي والتوجه نحوي والرجوع الى بل قد صرتم يومئذ غافلين ذاهلين عن كمال الإنسان مطلقا منحطين عن مرتبة الخلافة مستوجبين لانواع الهزل والضحك بفعلكم ونسيانكم هذا وَمع ذلك قد كُنْتُمْ أنتم مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ مع انهم ساعون نحونا سالكون في طريق توحيدنا طالبون الوصول الى ما هم جبلوا لأجله وأنتم عابثون مبطلون باطلون جاهلون لذلك
إِنِّي من كمال عطفي ولطفي معهم قد جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ احسن الجزاء بِما صَبَرُوا على اذياتكم ايها الجاهلون في النشأة الاولى وهم بسبب صبرهم وتمكنهم في دينهم ورسوخهم في ايمانهم في النشأة الاولى أَنَّهُمْ اليوم هُمُ الْفائِزُونَ المقصورون على الفوز والفلاح الى ما هو النجاة والنجاح بلا خوف عليهم ولا هم يحزنون وبعد ما صار المفسدون المسرفون مخلدين في النار صاغرين مهانين فيها
قالَ لهم قائل من قبل الحق على سبيل التوبيخ والتقريع إظهارا لقبح استبدالهم واختيارهم الأدنى بدل الأعلى كَمْ لَبِثْتُمْ ايها الضالون المسرفون فِي الْأَرْضِ التي تستكبرون عليها خيلاء مغرورين عَدَدَ سِنِينَ اى كم مدة وسنة تستقرون عليها مترفهين
قالُوا مستقصرين مستقلين قد لَبِثْنا عليها يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ يعنى بل بعض يوم بالنسبة الى هذه الأيام الطوال التي قد كنا وصرنا فيها معذبين بل قد نسينا نحن مدة ما كنا عليها لغاية قصرها وقلتها ولا نقدر على تعيينها فَسْئَلِ الْعادِّينَ المعاصرين بنا عن اهل القبول والسرور والموكلين علينا من الملائكة المستحضرين لأعمارنا وأعمالنا وعموم ما قد كنا عليها من الأحوال والأفعال
قالَ القائل المذكور في جوابهم تصديقا لهم في مقالهم واستقلالهم واستقصارهم إِنْ لَبِثْتُمْ وما مكثتم فيها إِلَّا قَلِيلًا قصيرا في غاية القلة والقصر وبالجملة لَوْ أَنَّكُمْ ايها الضالون المسرفون قد كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ في انفسكم طول مدة العذاب وعدم تناهيها لما اخترتم لأنفسكم ما يستجلب عليكم العذاب المؤبد وما يوقعكم فيه ومع جهلكم بهذا لم تقبلوه من الأنبياء العارفين الهادين ايضا بل قد انكرتم عليهم واستهزأتم بهم مستكبرين
أَزعمتم ايها الجاهلون المعاندون ان أفعالنا خالية عن الحكمة والمصلحة ومقدوراتنا قد صدرت عنا حشوا لغوا بلا طائل فَحَسِبْتُمْ وظننتم بل قد جزمتم وأيقنتم حسب تركب جهلكم المركوز في جبلتكم أَنَّما خَلَقْناكُمْ واظهرناكم من كتم العدم عَبَثاً اى قد كنا عابثين فيها وفي خلقها ساعين في إحداثها بلا طائل مرتكبين لها بلا حكم ومصالح وَايضا قد ظننتم ايها الغافلون الجاهلون أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ للجزاء وتنقيد الأعمال وعرض الأحوال أصلا وكيف لا ترجعون الى ربكم ايها المجرمون المسرفون وكيف عن أعمالكم وأفعالكم لا تسئلون ايها المسرفون المفرطون ولا تحاسبون ايها الضالون المضلون
فَتَعالَى اللَّهُ المحيط بالكل حضورا وشهودا قد تنزه ان يتصف ذاته بالغفلة والذهول وأوصافه بعدم الحيطة والشمول وأفعاله بالعبث والفضول إذ هو الْمَلِكُ المستجمع المستحضر بجميع مملكته والمالك المراقب المحافظ على عموم مملوكاته ومماليكه شأنه انه لا يعزب عنه مثقال ذرة لا في الأرض ولا في السماء وكيف يعزب ويغيب عنه شيء من الأشياء إذ هو الْحَقُّ المقرر الثابت المحقق الحي الدائم القيوم المطلق المثبت المتحقق
стр. 578
الذي لا يشغله شأن عن شأن بل هو في شأن لا يعرضه شأن ولا يعتريه زمان ومكان بل مطلق الشئون مستهلكة في علو شأنه لا إِلهَ ولا موجود في الوجود إِلَّا هُوَ وهو رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ المحيط لعروش ذرائر الكائنات الا وهو الوجود العيني الظلي الفائض من حضرة القدس الحقي والوجود المطلق الحقيقي على هياكل العكوس والأشباح واشكال الاظلال والأمثال
وَبعد ما تحقق ان الكل في حيطة أوصافه وأسمائه ومن عكوس اظلاله وتحت لوائه مَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ المحيط للكل احاطة حضور وشهود إِلهاً آخَرَ من الاظلال المحاطة والعكوس الساقطة مع انه لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ يثبت به وجود اله آخر سواه سبحانه سيما بعد احاطته وشموله الكل وبالجملة فَإِنَّما حِسابُهُ اى حساب المدعى وجزاء ما ادعى من الشرك عِنْدَ رَبِّهِ وفي حيطة حضرة علمه يجازيه بمقتضى علمه وخبرته إِنَّهُ اى ان الشأن والأمر عنده سبحانه هذا لا يُفْلِحُ ولا يفوز الْكافِرُونَ بكفرهم وشركهم الى ما هو موجب للفلاح ومستلزم للنجاح وبعد ما اثبت سبحانه الفلاح للمؤمنين الموحدين في أول السورة ونفاه عن الكافرين المشركين في آخرها
قال وَقُلْ يا أكمل الرسل تعليما لكل من يقتدى بك ويقتفى اثرك وتنبيها عليهم وتذكيرا لهم رَبِّ يا من رباني بكنفك وجوارك اغْفِرْ واستر عن عين بصيرتي ذنب انانيتى وَارْحَمْ على بنفي هويتى وافنائها في هويتك يا رب وَأَنْتَ بذاتك وبمقتضى أسمائك وصفاتك خَيْرُ الرَّاحِمِينَ الذين هم ايضا من اظلال أسمائك وعكوس اوصافك وبالجملة الكل بك ومنك وفيك وإليك لا راحم سواك ولا مربى غيرك
خاتمة سورة المؤمنين
عليك ايها المحمدي المتحقق بمقام العبودية والإخلاص ان تلازم على هذه الكلمة التي قد أسمعك الحق على لسان نبيه ﷺ وتداوم عليها سيما في خلواتك وأعقاب صلواتك عازما عليها عزم صدق وجزم سامعا لها سمع قبول ورضى حتى تترسخ في قلبك وتتمرن في سرك وصدرك الى حيث قد نطقت حالك بها بلا ترجمان لسانك ومتى تحققت وتمكنت في هذه المرتبة العلية ارتقيت الى مرتبة الفناء في الله والبقاء ببقائه وذلك لا يتم الا باضمحلال رسوم هويتك وتلاشى لوازم بشريتك وماهيتك بحيث قد سقطت عنك تعيناتك رأسا وفنيت تشخصاتك الناسوتية جملة فحينئذ قد فزت بما فزت ووصلت الى ما وصلت وليس وراء الله مرمى ومنتهى تم الجزء الاول ويليه الجزء الثاني اوله سورة النور جميع الحقوق محفوظة للناشر رقم الإيداع بدار الكتب: ٣٨٨٢ لسنة ١٩٩٩
стр. 579
الجزء الثاني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة النور]
فاتحة سورة النور
لا يخفى على من تنور قلبه بنور الكشف والشهود واكتحل عينه بمشاهدة آثار وجود الحق عن مظاهر الوجود ان انبساط نور الحق على ذرائر الأكوان وفيضان اظلال وجوده على صفائح الأعيان حسب جوده انما هو لإظهار الكمالات المندرجة في الذات الاحدية باعتبار الأوصاف والأسماء الذاتية المندمجة فيها حسب التجليات الحبية والتجددات الشوقية المنعثة من المحبة الذاتية الموجبة للجلاء والانجلاء وذلك لا يحصل الا بالتنزلات والهبوطات الى الشئون المتنوعة والتطورات المتلونة المترتبة على الأسماء والصفات المستلزمة للاضافات والكثرات لتعين مراتب الحب والمحبوب والمحبة والطالب والمطلوب والطلب والسير والسلوك والصعود والعروج والوصول والاتصال وبعد حصول التنزلات قد حدثت الإضافات والاختلافات وتفاوتت تشتت الأعمال والأحوال وظهرت الآراء والمذاهب وبرزت الأهواء والمشارب فاقتضت الحكمة الإلهية وضع الحدود والآداب بين المظاهر المختلفة والآراء المتفاوتة ليعتدل امر الأنام ولا يختل النظام واستقام السل وتميزت طرق السعادة والشقاوة والهداية والضلال لذلك أشار سبحانه الى وضع الحدود أولا بين الأنام ومن أهمها محافظة امر التناسل والتناكح من الزنا والسفاح المفضى الى سد باب المعرفة التي هي الحكمة العلية والمصلحة السنية من إيجاد نوع الإنسان وإظهاره إذ لهذا النوع مرتبة الخلافة والنيابة من الله الرحيم الرحمن فالخلطة في حصول هذا النوع مخل بصرافة الوحدة الذاتية إذ لا بد من المناسبة بين المستخلف والمستخلف عنه فقال سبحانه متيمنا متبركا باسمه الجامع بجميع الأسماء والأوصاف بِسْمِ اللَّهِ الذي اظهر نوع
стр. 580
الإنسان بخلافته وأنعم عليهم التخلق بأخلاقه والاتصاف بأوصافه الرَّحْمنِ عليهم حيث أظهرهم بأحسن التقويم واعدله الرَّحِيمِ لهم بإصلاح مفاسدهم وتحسين مقابحهم لئلا ينحطوا عن رتبة خلافته ونيابته هذه
[الآيات]
سُورَةٌ عظيمة وسفر جليل وآيات كريمة قد أَنْزَلْناها من مقام فضلنا وجودنا عليك يا أكمل الرسل تأييدا لنبوتك ورسالتك وترويجا لدينك وملتك وَفَرَضْناها اى قد أوجبنا الاحكام التي ذكرنا فيها وقدرنا الحدود المقررة في ضمنها والزمناها عليك وعلى من تبعك من المؤمنين تهذيبا لظواهرهم وبواطنهم وَبالجملة أَنْزَلْنا فِيها آياتٍ عظاما دالة على وحدة ذاتنا وكمال اقتدارنا على وجوه الانعام والانتقام مع كونها بَيِّناتٍ واضحة الدلالات لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وتتعظون بها فتتركون ما يوجب مقتكم وهلاككم وتتوجهون الى ما جبلتم لأجله
ثم أخذ سبحانه بتطهير المؤمنين وتهذيبهم عما لا يليق بشأنهم سيما في افحش الفواحش وأقبح الآثام فقال
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي اى حكمهما وحدهما فيما فرضناها وقدرناها لكم حتما ايها المؤمنون الجلد قدم سبحانه الزانية لان وقوع الزنا في الأعم الأغلب انما يحصل من جانبهن ومن عرضهن النفس والزنية على الرجال وبعد ما سمعتم ايها الحكام الحد والحكم فيهما فَاجْلِدُوا بعد ثبوت الزنا بينهما على الوجه المفصل في علم الاحكام وهما غير محصنين إذ حكم المحصنين مطلقا بالإجماع رجم كل منهما ان كانا محصنين او رجم أحدهما ان كان الآخر غير محصن والمحصن هو المسلم الحر العاقل البالغ الذي قد وقع منه الوقاع بنكاح صحيح كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ اى مائة ضربة بسوط مؤلم بجلدة أشد إيلام بدل ضرابات قد استلذ بها حال الوقاع وزاد الامام الشافعى ﵀ على جلد المائة تغريب العام إذ هو احوط وادخل في الانزجار لقوله ﵇ البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام وَلا تَأْخُذْكُمْ ايها الحكام سيما وقت اجرائكم الحدود والاحكام بِهِما رَأْفَةٌ رقة ورحمة تضيعون بها حكمة الحد إذ لا رأفة فِي دِينِ اللَّهِ وفي تنفيذ أحكامه وحدوده على من خرج عن مقتضى العدل القويم والشرع المستقيم الإلهي إِنْ كُنْتُمْ ايها الحكام المقيمون للحدود والاحكام بين الأنام تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وبعموم ما جاء من عند الله سبحانه من الأوامر والنواهي وجميع الحدود والاحكام الموضوعة من لدنه على مقتضى الحكمة المتقنة وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الذي فيه تبلى السرائر وتكشف الضمائر فلكم ان تقيموا حدود الله على الوجه الذي أمرتم بها لئلا تؤاخذوا في يوم الجزاء وَلْيَشْهَدْ وليحضر وليبصر حين اجراء الحد عليهما عَذابَهُما طائِفَةٌ وجمع كثير مِنَ الْمُؤْمِنِينَ المعتبرين تفضيحا لهما وتشهيرا لامرهما لينزجر مما جرى عليهما من في قلبه ميل الى ما أتيا به من الفعلة القبيحة والديدنة الشنيعة
ثم أشار سبحانه الى قبح مناكحتهما وشناعة الفتهما ومواصلتهما على وجه المبالغة في النهى والكراهة فقال الزَّانِي اى الذي يرغب ويميل الى عورات المسلمين بلا رخصة شرعية متعديا عن حدود الله وهتكا لستره وحرمته لا يَنْكِحُ ان نكح إِلَّا زانِيَةً مثله مناسبة له مشاكلة إياه إذ الجنسية علة الالفة والتضامّ أَوْ مُشْرِكَةً هي اخس وأخبث وأشد قبحا وشناعة منها وَالزَّانِيَةُ الراغبة للأجانب المائلة إليهم بلا طريق شرعي لا يَنْكِحُها ايضا إِلَّا زانٍ كذلك لكمال الملايمة والمشابهة أَوْ مُشْرِكٌ هو أخبث وأقبح منه وَبالجملة قد حُرِّمَ ذلِكَ الفعل القبيح والخصلة الذميمة الشنيعة حرمة مؤبدة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الموقنين المخلصين من ارباب العزائم ونهى عن اهل الرخص منهم نهيا متناهيا الى حد النفي والحرمة
ثم قال سبحانه
стр. 581
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ بالزنا الْمُحْصَناتِ الحرائر العاقلات البالغات العفائف من المسلمات سواء كان الرامي أزواجهن او غيرهم وحكم المحصنين ايضا كذلك وانما خصهن بالذكر لكثرة ورود الرمي في حقهن وكون رميهن سببا لنزول الآية الكريمة ثُمَّ بعد ما رموا لَمْ يَأْتُوا لإثباته بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ ذوى عدل وامانة ومروة بحيث لم يكونوا متجسسين عن احوال الزانيين البغيين ولا مستورين منتظرين لاطلاع ما يأتيان به من الفعلة الشنيعة بل قد وقع نظرهم عليهما بغتة فرأوا قبح صنيعهما العياذ بالله كالميل في المكحلة فان أتوا باربعة شهداء على الوجه المذكور فقد اثبتوا الزنا وان لم يأتوا فَاجْلِدُوهُمْ ايها الحكام الرامين القاذفين ثَمانِينَ جَلْدَةً لا كجلدة الزنا بل أخف منها كما هي اقل عددا وَبعد ما جلدتم ايها الحكام المقيمون لحدود الله لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً في حال من الأحوال ودعوى من الدعاوى الى انقراض حياتهم وَبالجملة أُولئِكَ الأشقياء المفترون المردودون هُمُ الْفاسِقُونَ الخارجون عن مقتضى العقل والشرع المسقطون للمروءة والعدالة التاركون طريق الإنصاف والانتصاف لا يرجى نجاتهم من عذاب الله أصلا
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا منهم ورجعوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ الرمي والافتراء وَأَصْلَحُوا ما أفسدوا على أنفسهم بالتوبة والندامة عن ظهر القلب فَإِنَّ اللَّهَ المطلع لضمائرهم غَفُورٌ يعفو عنهم جريمتهم ويستر زلتهم رَحِيمٌ يرحمهم ويقبل توبتهم ان أخلصوا فيها
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ بالزنا وَان لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ حضراء عندهم إِلَّا أَنْفُسُهُمْ اى غير أنفسهم فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ فالواجب عليهم لإسقاط حد القذف عنهم في هذه الصورة ان يشهد أحدهم أَرْبَعُ شَهاداتٍ مؤديا في اربع كرات مؤكدات بالقسم بِاللَّهِ إِنَّهُ اى الزوج المدعى لَمِنَ الصَّادِقِينَ في هذه الدعوى لا من الكاذبين المفترين
وَالْخامِسَةُ يعنى بعد ما ادى اربع شهادات مؤكدات بالقسم على عدد شهود الزنا اتى ايضا بالشهادة الخامسة المؤكدة للاربعة وايدها بالقسم ايضا على وجه التغليظ بان قال هكذا أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ اى طرده وتبعيده عن ساحة عز قبوله وسعة رحمته عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ في هذه الدعوى
وَبعد أداء الشهادات الأربع على وجهها وتأكيدها بالخامسة المؤكدة باللعنة فقط سقط عنه حد القذف وثبت حد الزنا على المرأة ووقع التفريق المؤبد بينهما بالفسخ او بالطلاق على اختلاف الرأيين ونفى الولد ايضا ان تعرض له فيها لكن يَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ اى يسقط عن المرأة حد الزنا بعد أَنْ تَشْهَدَ المرأة ايضا أَرْبَعَ شَهاداتٍ مؤكدات بالقسم بِاللَّهِ في كل مرة وشهادة إِنَّهُ اى الزوج لَمِنَ الْكاذِبِينَ المفترين فيما رمانى به وانا بريئة عنه
وَالْخامِسَةَ يعنى بعد أداء الاربعة المؤكدات بالقسم أتت ايضا بالشهادة الخامسة المؤكدة للاربعة وأيدتها بالقسم ايضا على وجه التغليظ والمبالغة بان قالت هكذا أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ وقهره وتبعيده عن رحمته عَلَيْها إِنْ كانَ زوجها مِنَ الصَّادِقِينَ في هذا الرمي الشنيع وبعد ما أدتها ايضا على وجهها فقد سقط الحد عنها ايضا ووقع التفريق المؤبد بينهما لقوله ﵇. المتلاعنان لا يجتمعان ابدا. ثم قال سبحانه
وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ المطلع على سرائر عباده عَلَيْكُمْ ايها المجترؤون بالحلف الكاذب وبأداء الشهادات الكاذبة الباطلة وكذا تحمل لعنة الله وغضبه في تغليظ الحلف الجاري في ثبوت الوقائع والخطوب وَرَحْمَتُهُ اى مرحمته وشفقته بالسر والإخفاء عليكم لفضحكم واظهر شنيعتكم البتة ولكن قد أمهلكم وستر عليكم رجاء ان تتوبوا عن هتك محارم الله والخروج عن
стр. 582
مقتضى حدوده وَاعلموا ايها المؤمنون أَنَّ اللَّهَ المصلح لأحوالكم تَوَّابٌ لكم يوفقكم على التوبة حَكِيمٌ في عموم أفعاله لا يعاجلكم بالعقوبات كي تتنبهوا عن قبح صنيعكم وترجعوا عن سوء فعالكم لتفوزوا الى ما جبلتم لأجله.
ثم أشار سبحانه الى طهارة ذيل عائشة رضى الله تعالى عنها عما رماها وافتراها اهل الزيغ والضلال جهلا بجلالة قدرها وعلو شأنها وكمال عصمتها وعفتها فقال إِنَّ المسرفين المفسدين الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ اى بالكذب المنصرف عن الحق بمراحل عُصْبَةٌ اى فرقة وعصابة معدودة مِنْكُمْ ظاهرا يريد عبد الله بن ابى وزيد بن رفاعة واحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم فعليكم ايها المؤمنون المقذوفون انه لا تَحْسَبُوهُ ولا تظنوه اى الإفك الذي قد جاءوا به شَرًّا لَكُمْ ولحوق عار عليكم منه بَلْ هُوَ اى إفكهم هذا خَيْرٌ لَكُمْ وثواب عظيم واجر جزيل جميل وظهور كرامة ونزول آيات عظام كرام في برائتكم وطهارتكم وتهويل شأنكم وقد حق وثبت عند الله المنتقم الغيور لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ اى من القاذفين المفترين جزاء مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالإفك الَّذِي قد جاءوا به أولئك المفسدون المفرطون ظلما وزورا ولا سيما المفسد المنافق الذي قد تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ اى معظم الآفكين ورئيسهم وهو ابن ابى الذي تحمل كبره وعظمه وهو القيام الى اذاعته وإشاعته إذ هو بنفسه قد أخذ في افشائه وإشاعته أولا عداوة مع رسول الله ومع اهل بيته لذلك لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ في الدنيا والآخرة إذ هو مهان مطرود بين المؤمنين مشهور بالنفاق والشقاوة وله في الآخرة أشد العذاب
ثم وبخ سبحانه على الآفكين وقرعهم حيث قال لَوْلا وهلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ اى الإفك ايها الآفكون المسرفون لم تظنوا بالمقذوفين خيرا كما ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَلم لم تقولوا مثل ما قالُوا اى المؤمنون المنزهون المطهرون أمثال هذا عن إخوانهم سيما عن اهل بيت العصمة والعفاف هذا إِفْكٌ مُبِينٌ وكذب عظيم وفرية بلا مرية إذ ساحة عصمتها وطهارة ذيلها ونجابة طينتها أجل وأعلى من ان يفترى عليها سيما بأمثال هذه المفتريات الباطلة عصمنا الله عما لا يرضى عنه
لَوْلا جاؤُ اى الآفكون المسرفون وأقاموا عَلَيْهِ اى على إفكهم هذا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ عدولا ثقات يصدقون فيما قالوا فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ الأربع العدول فَأُولئِكَ الآفكون المفترون عِنْدَ اللَّهِ المطلع على ضمائرهم ومخايلهم فيها هُمُ الْكاذِبُونَ المقصورون على الكذب يجازيهم سبحانه بمقتضى ما اقترفوا من الكذب والبهتان سيما مع اهل بيت العصمة والكرامة
وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ايها الباهتون المفترون بتوفيقكم على الانابة والرجوع من هذه الفرية العظيمة وَرَحْمَتُهُ الشاملة لكم فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ وأحاط بكم فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ وخضتم في إشاعته واذاعته عَذابٌ عَظِيمٌ عاجلا وآجلا
وكيف لا إِذْ تَلَقَّوْنَهُ أنتم مع نهاية كراهته وسماجته بِأَلْسِنَتِكُمْ سائلا بعضكم بعضا متلقيا على قبوله وسماعه وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ لا ظن ولا يقين بل جهل وتخمين وَمع عظم هذا الجرم عند الله تَحْسَبُونَهُ أنتم ايها الحمقى المفرطون المسرفون هَيِّناً سهلا يسيرا لا يترتب عليه شيء من العذاب والعقاب وَالحال انه هُوَ اى رمى تلك البريئة العفيفة عِنْدَ اللَّهِ المطلع لعفتها وكمال عصمتها عَظِيمٌ فظيع في غاية العظمة والفظاعة مستجلب لانواع العذاب وأشد النكال إذ الافتراء بآحاد الناس يوجب أشد العذاب وأسوأ العقاب فكيف بأفضلهم وأشرفهم
وَلَوْلا وهلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ أولا ايها
стр. 583
الآفكون المفترون قُلْتُمْ ما يَكُونُ اى ما يصح وما يجوز لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا الفحش الباطل والكذب الصريح العاطل سُبْحانَكَ نقدسك وننزهك من ان تمكن أنت أحدا يفعل ويقول سبا وقولا سهلا سمجا خصوصا في حق حليلة حبيبك سيما أمثال هذا الافتراء إذ ما هذا الا بُهْتانٌ عَظِيمٌ تبهت وتتحير منه العقول وتضطرب الأسماع وتتقلقل القلوب
وبالجملة انما يَعِظُكُمُ اللَّهُ المصلح لمفاسدكم ويبالغ في وعظكم وتذكيركم كراهة أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً مادمتم احياء إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بالله مصدقين لنبيه إذ أمثال هذه الخرافات بالنسبة الى بيت النبوة من امارات الكفر والتكذيب وعلامات سوء الأدب مع الله ورسوله
وَبعد صدور أمثال هذه الخرافات من اصحاب الإسراف والإفساد يُبَيِّنُ اللَّهُ المدبر لمصالحكم لَكُمُ الْآياتِ الدالة على الصفح والاعراض عن أمثال هذه الافتراءات الهاتكة لأستار محارم الله سيما مع أكرم عترة حبيبه ﷺ وَاللَّهُ المصلح لمفاسد أحوالكم عَلِيمٌ بما في ضمائركم وخواطركم حَكِيمٌ في ازالة ما يؤذيكم ويغويكم.
ثم قال سبحانه تذكيرا لعموم عباده إِنَّ المفسدين المسرفين الَّذِينَ يُحِبُّونَ من خبث بواطنهم أَنْ تَشِيعَ تظهر وتنتشر الْفاحِشَةُ والخصلة المذمومة عقلا وشرعا فِي الَّذِينَ آمَنُوا اى بين عموم المؤمنين لَهُمْ جزاء لإشاعتهم واذاعتهم عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم مقرع فِي الدُّنْيا بالجلد والجلاء وَفي الْآخِرَةِ بالنار المحرقة الملتهبة وَاللَّهُ المطلع على عموم ما جرى في الغيب والشهادة يَعْلَمُ قبح ما في الاشاعة والشيوع من القباحة وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ قبحها لذلك تحبون الاشاعة والإذاعة بها
وَبالجملة لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ بفتح باب التوبة والرجوع عن المعصية بالندامة الخالصة لفضحكم البتة وعذبكم بقبح صنعكم وشنعة خصلتكم هذه وَاعلموا أَنَّ اللَّهَ المراقب لعموم ما صدر عنكم رَؤُفٌ لكم يحفظكم عما يضركم رَحِيمٌ لكم يرحمكم بعد ما وفقكم على التوبة والندامة
ثم لما كان صدور أمثال هذه المعاصي والآثام انما هي بمتابعة الشيطان المضل المغوى نادى سبحانه عموم عباده المؤمنين ونهاهم عن متابعته والاقتداء به والاقتفاء باثره فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بوحدة الصانع وصفاته وصدقوا بالنبوة والرسالة والتشريع العام المفيد لاعتدال الأخلاق والأطوار بين عموم العباد مقتضى ايمانكم مخالفة النفس والهوى اللتين هما من جنود الشيطان المضل المغوى عن طريق الحق عليكم ان لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ولا تقتفوا اثره في اشاعة الفاحشة وهتك الحرمة واستحباب المعصية وَمَنْ يَتَّبِعْ منكم ايها المؤمنون خُطُواتِ الشَّيْطانِ المضل المغوى فقد ضل وغوى وكيف لا فَإِنَّهُ اى الشيطان يَأْمُرُ عموم من يتابعه ويقتدى به بِالْفَحْشاءِ والمستقبح عقلا وشرعا وَالْمُنْكَرِ المردود مروءة ونقلا وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ المتكفل لإصلاح أحوالكم عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ الواسعة الشاملة لعموم عباده ما زَكى وما طهر وخلص مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ من متابعة الشيطان أَبَداً ما دمتم احياء إذ متابعته مطبوع لكم مستحسن عندكم مقبول لأنفسكم وَلكِنَّ اللَّهَ المدبر لأمور عباده يُزَكِّي اى يخلص ويطهر من غوائل الشيطان ووساوسه مَنْ يَشاءُ من عباده رعاية لحكمته وضبطا لمصلحته التي قد جبل عباده عليها وَاللَّهُ المطلع على عموم ما ظهر وما بطن سَمِيعٌ لأقوالهم عَلِيمٌ بقصدهم ونياتهم فيها وبعد ما جاء من القاذفين الآفكين ما جاء
стр. 584
انصرف عنهم المؤمنون واعرضوا عن انفاقهم ورعايتهم وحلفوا ان لا ينفقوا عليهم أصلا مع ان بعضهم في غاية الفاقة رد الله على المؤمنين
هذا وحثهم على الانفاق عليهم وأمرهم بالإحسان بدل الإساءة حيث قال وَلا يَأْتَلِ اى لا يحلف ولا يقصر أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ في الدين وَأولو السَّعَةِ في الرزق والمال أَنْ يُؤْتُوا اى من ان لا يؤتوا او على ان لا يؤتوا أُولِي الْقُرْبى الذين ينتمون إليكم ايها المؤمنون بالقرابة النسبية وَكذا الْمَساكِينَ الفاقدين لقوت يومهم وَلا سيما فقراء الْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الباذلين مهجهم في ترويج دينه بسبب انهم قد خاضوا في معصية الإفك والافتراء وجاءوا ببهتان عظيم وأحبوا ان يشيعوه ويتقولوا به ظلما وزورا وَبعد نزول آيات البراءة والتنزيه في شأن العفيفة رضى الله عنها لْيَعْفُوا اى جملة المؤمنين عن ذنوب القاذفين بعد ما تابوا وندموا وقبل الله منهم توبتهم وَلْيَصْفَحُوا وليعرضوا عن جريمتهم ويصافحوا معهم وليعطوا إليهم ما اعطوهم من قبل أَلا تُحِبُّونَ ايها المقذوفون المطهرون المنزهون أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ زلتكم وذنوبكم بسبب عفوكم عن القاذفين وصفحكم عما جاءوا به افتراء ومراء وَاللَّهُ المصلح لأحوال عباده غَفُورٌ لهم يغفر ذنوبهم بسبب عفوهم جرائم إخوانهم رَحِيمٌ يرحم عليهم تفضلا وامتنانا. روى انه ﵇ قرأها على ابى بكر رضى الله عنه فقال بلى أحب وأعاد الى مسطح وهو احد القاذفين الآفكين وهو ابن خالة ابى بكر رضى الله عنه فقير ليس له شيء نفقته التي قد أنفق عليه دائما.
ثم قال سبحانه تذكيرا لعموم عباده ونهيا لهم عن الرمي بالزنا مطلقا إِنَّ المسرفين المفرطين الَّذِينَ يَرْمُونَ بالزنا الْمُحْصَناتِ المتعففات المستحفظات لحدود الله الْغافِلاتِ المبرءات المنزهات عما رموا به أولئك الغفلة الجهلة ظلما وزورا الْمُؤْمِناتِ الموقنات بالله وبما جاء من عنده من الحدود والاحكام الجارية على السنة رسله ولا سيما بيوم الجزاء المعد للكشف والتفضيح لُعِنُوا وطردوا عن روح الله وسعة رحمته لقصدهم بعرض العفائف وهتك حرماتهن وطعنهم فيهن افتراء ومراء فِي الدُّنْيا بإجراء الحد وانواع الشتم والطرد ورد شهادتهم مدة حياتهم وَالْآخِرَةِ بأنواع العذاب والنكال وَبالجملة هم بسبب قبح صنيعهم وسوء أفعالهم لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ لا عذاب أعظم منه لعظم جرمهم وعصيانهم اذكر لهم يا أكمل الرسل توبيخا لهم وعظة وتذكيرا لمن اعترض لهم من المؤمنين يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بالهام الله واعلامه أَلْسِنَتُهُمْ اى القاذفين الباهتين وتقر بعموم ما صدر عنهم من الكذب ورمى المحصنات وقذف العفائف عمدا بلا علم لهم ولا شعور بحالهن وَأَيْدِيهِمْ بما اقترفوا من الأخذ والإعطاء لا على الوجه المشروع وَأَرْجُلُهُمْ بالسعي والتردد الى ما لا يرضى منه سبحانه ولا رسوله ولا المؤمنون وبالجملة يقر كل من أعضائهم وجوارحهم بِما كانُوا يكسبون ويَعْمَلُونَ به من المعاصي والآثام وبالجملة يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ المجازى لاعمالهم دِينَهُمُ وجزاءهم الْحَقَّ اى يوفى عليهم ما يستحقون من الجزاء بلا زيادة ولا نقصان عدلا منه سبحانه وَحينئذ يَعْلَمُونَ يقينا أَنَّ اللَّهَ القادر المقتدر على انواع الانعام والانتقام هُوَ الْحَقُّ المقصور على التحقق والثبوت بالقسط والعدل الْمُبِينُ الظاهر ألوهيته وربوبيته على الوجه الاقسط الأقوم بلا ميل منه وانحراف عن جادة الاستقامة والعدل الحقيقي
ومن جملة عدالته رعاية المناسبات بين المظاهر والمربوبات كما بينهما سبحانه بقوله الْخَبِيثاتُ من النساء المطعونات بأنواع الرذائل المنحرفات عن جادة السلامة
стр. 585
والطهارة لِلْخَبِيثِينَ كذلك من الرجال يعنى لا يتزوجهن غير الخبيثين لحكم الكفاءة والمناسبة وَكذا الْخَبِيثُونَ من الرجال لِلْخَبِيثاتِ من النساء كل لنظيرتها بحكم المصلحة الإلهية وَكذا الطَّيِّباتُ الطاهرات العفائف لِلطَّيِّبِينَ ايضا كذلك وَكذا الطَّيِّبُونَ المستقيمون على جادة العدالة لِلطَّيِّباتِ ايضا كذلك إذ كل يميل بالطبع الى شاكلته بالميل المعنوي الموضوع بالوضع الإلهي المسمى بلسان الشرع بالكفاءة ومتى ثبت هذا الحكم من الله وتبين هذه المناسبة بتبيين الله أُولئِكَ العفائف المطهرون الطيبون مُبَرَّؤُنَ منزهون مِمَّا يَقُولُونَ أولئك الرماة المفترون والطغاة الخبيثون المنحرفون عن طريق الحق الناكبون عن الصراط المستقيم ولكمال براءتهم ونزاهتهم لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وعفو من الله المطلع لبراءتهم الشاهد عليها وَرِزْقٌ كَرِيمٌ الا وهو الرزق الصوري والمعنوي الذي يتلذذون به في الجنة عند كشف الغطاء ورفع الحجب عن وجه الله الكريم اللهم ارزقنا بلطفك من رزقك الكريم واجعلنا بجودك من ورثة جنة النعيم
ثم لما كان أمثال هذه الهذيانات الباطلة والمفتريات العاطلة من نتائج الخلطة والاستيناس مع اصحاب الغفلة وكشف الحجب والأستار الواقعة بين ذوى القدر والاعتبار واولى الخطر الكبار الى من هو من السفلة السافلين المنحطين عن درجة ارباب الاستبصار أشار سبحانه الى ان الاختلاط والاستيناس بين المؤمنين لا بد وان يكون مسبوقا بالاستيذان والاسترخاص حتى لا يؤدى الى أمثال هذه الخرافات فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم محافظة آداب المحبة والإخلاص بينكم ومن جملتها انها لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ اى بيتا من بيوت إخوانكم بغتة بلا استيذان من أهلها ان تصبروا حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وتستأذنوا وتطلبوا رخصة الدخول وَبعد ما اذنتم ورخصتم لكم ان تُسَلِّمُوا أولا عَلى أَهْلِها بان تقولوا السلام عليكم أأدخل أم لا ثلاث مرات هكذا قد روى عن النبي ﷺ فان اذنتم بالدخول فادخلوا والا فارجعوا ذلِكُمْ الاستيذان والاستيناس خَيْرٌ لَكُمْ من المبادرة الى الدخول بغتة وانما انزل عليكم هذه الآية الكريمة المتعلقة بالأخلاق لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وتتعظون بها وتحفظون حدود المصاحبة والمواخاة بينكم وتحافظون عليها ولا تجاوزون عن مقتضى المروءة والعدالة
فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها اى في البيوت أَحَداً تستأذنون منه فَلا تَدْخُلُوها ابدا لئلا تتهموا بأنواع التهمة بل اصبروا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ اى لا تدخلوا حتى تجدوا من يأذن لكم وَبعد ما وجدتم إِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فالوقت لا يسع بالدخول فَارْجِعُوا على الفور بلا تفحص ولا تفتيش عن أسبابه على وجه الإلحاح والاقتراح كما يفعله الجهلة من الناس هُوَ اى الرجوع بلا تفحص أَزْكى لَكُمْ واطهر لنفوسكم من الإلحاح وَاللَّهُ المدبر لمصالحكم بِما تَعْمَلُونَ وتأملون في نفوسكم عَلِيمٌ يجازيكم بمقتضى علمه وخبرته
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ اى ضيق ومنع أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ سيما قد كان فِيها مَتاعٌ لَكُمْ تستأجرونها وتستعيرونها للادخار والاستخزان وَبالجملة اللَّهُ المطلع على ضمائر عباده يَعْلَمُ منكم ما تُبْدُونَ وتظهرون وَما تَكْتُمُونَ وتخفون يجازيكم على مقتضى علمه.
ثم امر سبحانه لحبيبه ﷺ بتذكير عباده وتهذيب أخلاقهم سيما في حفظ المحارم والحدود فقال قُلْ يا أكمل الرسل لِلْمُؤْمِنِينَ المصدقين لحدود الله الممتثلين بأوامره يَغُضُّوا وينقصوا مِنْ أَبْصارِهِمْ دائما حتى لا يقع نظرهم بغتة الى المحارم
стр. 586
والمكاره بل لهم ان يديموا النظر الى الطريق الذي مشوا عليها حتى يسلموا من شرور اماراتهم ومن صولة جنود الشهوات عليهم وَقل لهم ايضا يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ عن امارات الزنا وعلامات السفاح ومقدماته ويتقوا عن مواضع التهم ومظان الرمي والقذف مطلقا ذلِكَ الغض والحفظ أَزْكى لَهُمْ واطهر وأليق لنفوسهم وقلوبهم إِنَّ اللَّهَ المراقب على عموم حالاتهم خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ من التغامز والترامز واجالة النظر وتحريك الحدقة وسائر الأعضاء نحو ما تشتهون من المحرمات
وَقُلْ ايضا يا أكمل الرسل لِلْمُؤْمِناتِ المقيمات لحدود الله المحترزات عن محارمه يَغْضُضْنَ وينقصن مِنْ أَبْصارِهِنَّ ويقصرن نظرهن الى أزواجهن وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ من الميل الى المحارم ولهن ان لا يعرضن انفسهن الى غير أزواجهن وَلا يُبْدِينَ ولا يظهرن زِينَتَهُنَّ لغيرهم إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها من الثياب التي يلبسن وَمن كمال تحفظهن وتسترهن لْيَضْرِبْنَ وليسترن بِخُمُرِهِنَّ ومقانعهن عَلى جُيُوبِهِنَّ اى نحورهن وصدورهن مبالغة في التستر والتحفظ وَبالجملة لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ اى الأشياء التي يتزين بها لازدياد الحسن إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ اى لأزواجهن إذ الزينة انما هي لأجلهم ولازدياد ميلهم إليهن أَوْ آبائِهِنَّ إذ هم الأولياء لهن أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ لحفظهم محارم أبنائهم وحرمتهن عليهم مطلقا أَوْ أَبْنائِهِنَّ لأنهم أمناء على أمهاتهم أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ إذ هم يحفظون حمية آبائهم وحرمة محارمهم أَوْ إِخْوانِهِنَّ إذ هم احفظ عليهن من أنفسهم لخوف لحوق العار عليهم حمية وغيرة أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ إذ هم مثل آبائهم في المحافظة أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ لان نسبتهم إليهن كنسبتهم الى أمهاتهم أَوْ نِسائِهِنَّ اى المسلمات مطلقا إذ لا يتصور منهن الضرر سوى المساحقة والايمان يمنع عنها أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ إذ الاحتراز عنهم موجب للحرج لأنهم من اهل الخدمة أَوِ التَّابِعِينَ لهن غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ وذوى الحاجة والشهوة مِنَ الرِّجالِ إليهن إذ هم الهرمى الذين لا يرجى منهم الشهوة قطعا أَوِ الطِّفْلِ وهم الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ لعدم بلوغهم أوان الحلم وثوران الشهوة وَقل لهن ايضا يا أكمل الرسل لا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ ولا يترقصن ولا يتبخترن على العادة الجاهلية لِيُعْلَمَ ويظهر ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَبالجملة تُوبُوا وارجعوا رجالا ونساء إِلَى اللَّهِ المبدئ المبدع لكم من كتم العدم جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بالله وبوحدة ذاته والمصدقون بكتبه ورسله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وتفوزون بالفلاح والنجاح من عند الله الملك التواب الفتاح.
ثم لما أشار سبحانه الى محافظة الحدود وآداب الالفة والمصاحبة بين المؤمنين ونهاهم عن امارات السفاح ومقدمات الزنا مطلقا لئلا يختل النسب ولا يختلط النطف وقدمها اهتماما بشأنها أراد ان يشير الى ضبط النكاح الصوري المنبئ عن النكاح المعنوي فقال وَأَنْكِحُوا ايها الأولياء السادة المتولون لأمور من في حفظكم وحضانتكم الْأَيامى مِنْكُمْ وهي جمع الايم والايم العزب سواء كان ذكرا او أنثى وبكرا او ثيبا وَانكحوا ايضا الصَّالِحِينَ للنكاح والتزويج مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ فعليكم ايها الولاة تزويج العباد والإماء ولا تبالوا بفقرهم وفاقتهم إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ عند العقد والنكاح يُغْنِهِمُ اللَّهُ المدبر المصلح لأحوالهم مِنْ فَضْلِهِ وسعة جوده ورحمته لعباده بعد النكاح وَاللَّهُ المتكفل لأرزاق عباده واسِعٌ يوسع عليهم من رزقه عَلِيمٌ برثاثة حالهم مغن علمه بهم عن سؤالهم
وَلْيَسْتَعْفِفِ
стр. 587
وليجتهد في العفة وتسكين الشهوة الفقراء الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً اى أسبابه وصداقه وليصبروا لمشاق العزوبة حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ المصلح لأحوالهم مِنْ فَضْلِهِ وسعة جوده فيجدوا ما يتزوجون. ثم أشار سبحانه الى الموالي وتحريرهم وتخليصهم من ربقة الرقية وعروة العبودية المقتضية لانواع المذلة والهوان طلبا لمرضاة الله وعتقا من عذابه فقال وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ اى العبيد الذين يطلبون الْكِتابَ اى الكتابة المتضمنة لعتقهم وخلاصهم عن الرق بعد ما أدوا المبلغ المعهود الذي يكاتب عليهم وهم مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ايها الموالي سواء كانوا عبيدا او إماء قنا او مدبرا او مستولدة ويطلبون منكم ان تعتقوهم عن مال تكتبون لهم ليؤدوا إليكم منجما وبعد ما أدوا ما تكتبون لهم صاروا أحرارا معتقين فَكاتِبُوهُمْ ايها المالكون واعتقوهم على جعل إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً اى ان علمتم وتفرستم منهم بعد ما فككتم رقابهم يكونون صلحاء أمناء مؤمنين بحيث لا يرجى منهم الشر والفساد وَبعد ما عقدتم الكتابة معهم آتُوهُمْ ايها المسلمون مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ من فضله تفكيكا لرقابهم عن مذلة الرق وهوان العبودية. ثم أشار سبحانه الى حسن المعاشرة مع المماليك ورعاية غبطتهم ومحافظة الحدود منهم بحيث لا يكرهونهم ولا يعرضونهم ظلما وعدوانا الى ما لا يصح ولا يصلح لهم شرعا وعادة بل عقلا ومروءة سيما إذا استحصنوا واستحفظوا صيانة فقال على سبيل المبالغة في النهى وَلا تُكْرِهُوا ايها الملاك المسلمون فَتَياتِكُمْ وشواب جواريكم عَلَى الْبِغاءِ والزنا مطلقا سيما إِنْ أَرَدْنَ بأنفسهن تَحَصُّناً وتحفظا عن البغي مع قلة عقلهن ورشدهن فأنتم ايها الولاة أحق بحفظهن وحصنهن مما لا يرتضيه العقل والشرع والمروءة وبالجملة لا تنصرفوا ولا تعدلوا ايها الولاة الملاك عن مقتضى العقل والشرع لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وتطلبوا متاعها الفانية وحطامها الدنية الزائلة وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ سيما بعد نزول الزاجر فَإِنَّ اللَّهَ المنتقم لعصاة عباده سيما الظالم الخارج عن حدوده مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ يعنى من اكراه الملاك اياهن غَفُورٌ يغفر لهن رَحِيمٌ يرحم عليهن ان كن مخلصات في التحصن والتحفظ ويعاقب على المكرهين الظالمين أشد العقاب ويعذبهم أسوأ العذاب
وَكيف لا يعاقبكم ايها المسرفون المصرون على الفسوق والعصيان مع انا لَقَدْ أَنْزَلْنا من مقام فضلنا وجودنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ واضحات فيها ما هو صلاحكم ونجاتكم وَاوضحناها لكم بان او ردنا فيها مَثَلًا مِنَ احوال الظلمة الغواة الطغاة العداة الَّذِينَ خَلَوْا مضوا مِنْ قَبْلِكُمْ لتعتبروا أنتم مما جرى عليهم من سوء صنيعهم وَلتكون قصصهم وأمثالهم مَوْعِظَةً وتذكيرا لِلْمُتَّقِينَ منكم المحترزين من بطشنا وانتقامنا ومع ذلك لم تعتبروا ولم تنزجروا حتى لا تستحقوا أشد العذاب وأسوأ العقاب أمثالهم
وكيف لا تنزجرون عن قهر الله ايها الغافلون ولا تخافون عن بطشه وانتقامه ايها الضالون المفسدون المفرطون اما تستحيون منه سبحانه سيما مع حضوره وشهوده في عموم الأماكن والأحيان وظهور نوره في جميع الأنفس والآفاق غيبا وشهادة ظاهرا وباطنا ازلا وابدا أولا وآخرا صورة ومعنى وكيف تتركون حدوده وتخرجون عن مقتضى أوامره ونواهيه الموردة في كتبه المنزلة على رسله ايها الجاهلون المسرفون المفسدون المفرطون إذ هو اللَّهُ المتجلى بأسمائه الحسنى وأوصافه العظمى نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى الظاهر فيهما ومنهما ومظهرهما وكذا موجد ما ظهر بينهما وفيهما وعليهما جميعا من كتم العدم بلا سبق مادة
стр. 588
ومدة بل بامتداد اظلال أسمائه وآثار صفاته عليهما مَثَلُ نُورِهِ وظهور لمعات شمس وجهه حسب جود وجوده من هياكل الهويات وشباك العكوس والتعينات كَمِشْكاةٍ وهي الكوة يوضع القنديل المسرج وهي مثال الأشكال الظاهرة والتعينات المنعكسة من اشعة الأسماء والصفات الإلهية المتشعشعة المتجلية بالتجليات الحبية على مقتضى الذات فِيها اى في تلك الهويات المنعكسة من آثار الأسماء والصفات مِصْباحٌ وهي مثال نور الوجود الإلهي المضيء بنفسه وذاته الظاهر اللائح المتجلى عن عموم مظاهره ومصنوعاته ومن كمال شروقه وبروقه وشدة لمعانه وشعشعته يخطف الأبصار ويكل المدارك والانظار لذلك قد أصبحت الْمِصْباحُ المذكورة أولا فِي زُجاجَةٍ صافية من كدر التعينات ورين التعلقات والتلونات الا وهي مثال رحاجات الأسماء وقناديل الصفات المنبسطة اظلالها وعكوسها على صفائح الأكوان المنتشرة آثارها على صفحات الكائنات الواقعة في بقاع الإمكان وعراص الطبائع والأركان ومن كمال اللطافة والنظافة والصفاء المفرط هذه الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ في غاية الإضاءة والإنارة تتلألأ وتتشعشع دائما بصفائها الذاتي ولطافتها الجبلية إذ هي يُوقَدُ ويسرج بدهن غيبي الهى متخذ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ كثيرة الخير والبركة لمن استدهن منها واستظل تحتها الا وهي شجرة الوجود الممتد اظلالها واضواؤها وكذا أغصانها وأفنانها على صفائح عموم ما ظهر وما بطن من المظاهر والموجودات الغير المحصورة زَيْتُونَةٍ كثيرة النفع والخير إذ الوجود خير محض ونفع صرف بحيث لا شرفيه ولا ضر أصلا لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ بل معتدلة في نفسها خارجة عن مطلق الحدود والجهات غير محاطة بالأقطار والابعاد ومن كمال صفائها الذاتي ولطافتها الجبلية يَكادُ زَيْتُها حسب إضاءتها الذاتية وإشراقها اللطيف يُضِيءُ بضيائها الذاتي وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ هي عبارة عن نار المحبة الخالصة والمودة الصافية الحاصلة من العشق المفرط الإلهي الحاصل لأرباب الولاء الحقيقي من التجلي الحبى الشوقى الجمالي وبالجملة نور الوجود الإلهي نُورُ متراكم عَلى نُورٍ بحيث لا يدرك به ولا يشاهد ولا يتميز ولا يشار اليه ولا يحس به وبالجملة من كمال شعشعته وغاية بروقه وشروقه ولمعانه لا يطلع عليه احد من مظاهره ومصنوعاته بلا توفيق منه سبحانه وجذب من جانبه بل يَهْدِي اللَّهُ الهادي لعباده الى فضاء وحدته لِنُورِهِ وضياء وجوده وسعة رحمته وجوده مَنْ يَشاءُ من عباده ممن جذبه الحق نحو جنابه ووفقه الوصول الى فناء بابه وَللتنبيه الى هذا المقام والإشارة الى هذا المرام يَضْرِبُ اللَّهُ المطلع على استعدادات عباده الْأَمْثالَ المنبهة والأشباه المشيرة الموضحة لِلنَّاسِ المجبولين على فطرة التوحيد لعلهم يتفطنون منها على ما جبلوا لأجله ويتنبهون على مبدئهم ومعادهم وَبالجملة اللَّهُ المحيط بالأنفس والآفاق احاطة حضور وشهود بِكُلِّ شَيْءٍ مما جرى في مملكة الوجود عَلِيمٌ بذاته لا يغيب عن حضرة علمه شيء من مظاهره ومصنوعاته ولحصول هذا التفطن والتنبه يتوجه المخلصون المنجذبون نحو الحق
فِي بُيُوتٍ وبقاع معدة للتوجه والتذكر مع انه قد أَذِنَ اللَّهُ المصلح لأحوال عباده الميسر لهم طريق الوصول الى جنابه أَنْ تُرْفَعَ اى لان ترفع بناؤها وتشيد اساسها وتعظم غاية التعظيم وَيُذْكَرَ فِيهَا اى لان يذكر في تلك البيوت والمساجد المعدة للتوجه والعبادة اسْمُهُ الذي هو عبارة عن كلمة توحيده وتنزيهه وتقديسه ولهذا يُسَبِّحُ لَهُ وينزه ذاته سبحانه عما لا يليق بشأنه توجها اليه سبحانه وطلبا لمرضاته فِيهَا اى في تلك البيوت المعدة المذكورة بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ اى في عموم
стр. 589
آناء الأيام والليالى
رِجالٌ اى ابطال كمل مخلصون منجذبون نحو الحق مشمرون أذيال هممهم لسلوك طريق الفناء منقطعون عن الدنيا الدنية وما فيها بحيث لا تُلْهِيهِمْ ولا تشغلهم ولا تخدعهم ولا تغرهم تِجارَةٌ وأرباح متعلقة بالنشأة الدنيوية والاخروية ايضا وَلا بَيْعٌ ايضا كذلك مطلقا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعن التوجه نحو جنابه والعكوف حول بابه وَلا عن إِقامِ الصَّلاةِ ودوام الميل اليه والمناجاة معه وَلا عن إِيتاءِ الزَّكاةِ وانفاق ما في أيديهم وما ينسب إليهم خالصا لوجهه الكريم ومع ذلك يَخافُونَ يَوْماً اى عذاب يوم واى يوم يوما تَتَقَلَّبُ اى تتقلقل وتضطرب فِيهِ الْقُلُوبُ وَتدهش وتتحير فيه الْأَبْصارُ
كل ذلك لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ المجازى عن عموم أعمالهم أَحْسَنَ ما عَمِلُوا اى يجزى أعمالهم الجميلة الصادرة عنهم بأحسن الجزاء وأجملها وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ امتنانا عليهم وتفضلا وَاللَّهُ المكرم المفضل لخواص عباده يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ منهم من الرزق المعنوي الحقيقي مستوفى بِغَيْرِ حِسابٍ بلا مقابلة أعمالهم ومعاوضة حسناتهم بل بمحض الكرم والجود.
ثم قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة منه في كتابه هذا وَالَّذِينَ كَفَرُوا اى ستروا الحق وأنكروا عليه وأظهروا الباطل ظلما وزورا وأصروا عليه عنادا ومكابرة لذلك صارت أَعْمالُهُمْ التي خيلوها صالحة مستجلبة لانواع الخير والحسنى لهم في يوم الجزاء على عكس اعمال اهل الايمان عندهم وبزعمهم كَسَرابٍ اى صارت أعمالهم مثل سراب يلمع ويبرق بِقِيعَةٍ اى بادية وصحراء بحيث يَحْسَبُهُ ويظنه الظَّمْآنُ من بعيد ماءً مسكنا للعطش مبردا للأكباد فلما رآه العطشان سار اليه وسارع نحوه وسعى سعيا سريعا حَتَّى إِذا جاءَهُ بعد تعب كثير وعناء مفرط مؤملا الوصول الى الماء لَمْ يَجِدْهُ ماء بل لم يجد ايضا شَيْئاً آخر متأصلا في الوجود سوى العكوس التي يتراءى كالماء في البريق واللمعان من تقلب الحدقة واضطرابها ومن تشتت البال وضعف القوى واختلال المزاج والحال باستيلاء العطش المفرط وحرقة الكبد وَبعد ما قد ايس من وجدان الماء وكذا عن نفع الأعمال وَجَدَ اللَّهَ المراقب عليه في عموم أحواله محاسبا إياه عن جميع ما صدر عنه حاضرا شهيدا عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ على الوجه الاقسط الأعدل بلا زيادة ولا نقصان وَاللَّهُ المطلع على عموم ما جرى على عباده في جميع شئونهم وتطوراتهم سَرِيعُ الْحِسابِ يحاسبهم ويجازيهم بمقتضى علمه وخبرته بلا فوت شيء مما صدر عنهم عدلا منه سبحانه
أَوْ مثل اعمال الكفرة في عدم النفع والخير كَظُلُماتٍ اى كاصحاب ظلمات متراكمة في ليلة مظلمة وهم ليلتئذ مضطرون مغمورون فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ عميق غائر منسوب الى اللج وهو معظم الماء يَغْشاهُ اى يغطى البحر ويعلو عليه مَوْجٌ هائل مِنْ فَوْقِهِ اى فوق الموج الاول وعقبه مَوْجٌ آخر اهول منه وهكذا تترادف وتتوالى وتتعاقب امواج كثيرة متراكمة مترادفة بعضها فوق بعض على التوالي والتتالى مع انه مِنْ فَوْقِهِ اى من فوق الموج المظلم المتجدد بتجدد الأمثال سَحابٌ كثيف ثقيل اظلم منه وبالجملة تلك الأمواج والسحب ظُلُماتٌ متراكمة مترادفة بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ وأشد منه بحيث إِذا أَخْرَجَ من وقع واضطر فيها يَدَهُ حذاء بصره اختيارا لنظره لَمْ يَكَدْ يَراها اى لم يقرب ان يرى يده ويشهدها بالقوة فكيف الرؤية بالفعل هكذا اعمال الكفرة المتوغلين في بحر الغفلة والضلال المغشاة بالأمواج المتراكمة من الظلم والطغيان والبغي والعدوان من فوقها السحب الكثيفة والحجب الغليظة
стр. 590
من الجهل بالله والتعامي عن مطالعة آياته الدالة على توحيده واتصافه بالأوصاف الذاتية وعن ملاحظة آثاره البديعة وصنائعه العجيبة الغريبة وهم من غاية انهماكهم في ظلمات غفلاتهم وجهالاتهم وكمال غيهم وضلالاتهم إذا أمعنوا نظرهم الى مشاهدة ما في نفوسهم من غرائب صنع الله وبدائع حكمته لم يقربوا ان يكونوا قابلين مترصدين مستعدين للوقوف عليها فكيف الشهود والاطلاع بها بالفعل كل ذلك لتركب جهلهم المركوز في جبلتهم واصل فطرتهم وَبالجملة مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ الهادي لعباده الى زلال توحيده لَهُ نُوراً لا معا من جذبة التوفيق او جذوة من نار المحبة الصادقة والمودة الصافية عن مطلق الكدورات يهدى به التائهين الى مقصد توحيده فَما لَهُ من نفسه وبمجرد كسبه وسعيه مِنْ نُورٍ يرشده اليه سبحانه ويوصله الى فضاء وحدته وصفاء جنته. هب لنا من لدنك نورا نهتدي به الى ما قد جبلنا لأجله بفضلك وجودك يا ذا القوة المتين
أَلَمْ تَرَ ولم تعلم ايها المعتبر الرائي أَنَّ اللَّهَ المتوحد برداء العظمة والكبرياء المستقل بالوجود الحقيقي اللائق بكمال الكرامة والجود يُسَبِّحُ لَهُ ويقدس ذاته سبحانه عن جميع ما لا يليق بشأنه لا سيما من شوب النقص وسمات الحدوث والإمكان جميع مَنْ فِي السَّماواتِ من المجبولين على فطرة المعرفة المتوجهين نحو المبدع طوعا وَكذا جميع من في الْأَرْضِ ايضا كذلك وَكذا الطَّيْرُ في جو الهواء الواقع بين الأرض والسماء يسبحن له ويقدسن ذاته صَافَّاتٍ باسطات أجنحتهن في الجو كُلٌّ اى كل واحد من المسبحين السماويين والارضيين والهوائيين قَدْ عَلِمَ وأدرك صَلاتَهُ وميله الى ربه الذي أوجده وأظهره وَتَسْبِيحَهُ الذي قد سبح ونزه به مبدعه عما لا يليق بشأنه وَبالجملة اللَّهَ المتصف بالأسماء الحسنى والصفات العليا عَلِيمٌ بعلمه الحضوري بِما يَفْعَلُونَ اى بجميع ما صدر عنهم من التوجه والتسبيح وباخلاصهم فيه
وَكيف لا يعلم سبحانه افعال عباده ومماليكه إذ لِلَّهِ المظهر المبدع ابتداء وانتهاء مُلْكُ السَّماواتِ وجميع من فيها وما فيها وَالْأَرْضِ ومن عليها ومما عليها فله التصرف فيهما وفيما بينهما وفيما امتزج وتركب منهما وفيهما بالاستقلال والاختيار بلا مزاحمة الاضداد والأغيار وَكيف لا إِلَى اللَّهِ لا الى غيره من الاظلال الهالكة في بيداء الضلال الْمَصِيرُ اى المرجع والمنتهى إذ الكل منه بدأ واليه يعود كما بدأ وكيف لا هو الاول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء كائن وسيكون ازلا وابدا عليم خبير يظهره ويعدمه حسب علمه وخبرته بإرادته واختياره
أَلَمْ تَرَ ايها الرائي أَنَّ اللَّهَ المتكفل بارزاق عباده كيف يُزْجِي ويسوق أجزاء الابخرة والادخنة الى فوق متفرقة ليجعلها سَحاباً هامرا ثُمَّ يُؤَلِّفُ ويركب بَيْنَهُ اى بين أجزاء السحاب ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً متراكما متكافئا متصلا لتتكون منها مياه كثيرة ثم يجعل له فتوقا ومنافذ فَتَرَى ايها الناظر المعتبر الْوَدْقَ اى المطر المتقاطر يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وفتوقه عناية منه سبحانه لمن في حوزة فضله وجوده وَكذا يُنَزِّلُ مِنَ جانب السَّماءِ مِنْ جِبالٍ من قطع سحاب متراكم في الجو على هيئة الجبال الرواسي فِيها مِنْ بَرَدٍ متكون من الابخرة والادخنة الواصلة الى الطبقة الزمهريرية من الهواء وصولا تاما الى حيث قد انجمدت انجمادا صلبا كالحجر من شدة البرودة فينزل منها إظهارا لقهره سبحانه وتنبيها على صولة سطوة صفاته الجلالية فَيُصِيبُ بِهِ سبحانه مَنْ يَشاءُ من عباده ممن سبق له القهر والغضب منه سبحانه في سابق علمه بمقتضى جلاله وَيَصْرِفُهُ
стр. 591
اى يصرف شره عَنْ مَنْ يَشاءُ من اهل العناية على مقتضى لطفه وجماله ومن امارات غضب الله وقهره انه يَكادُ ويقرب سَنا بَرْقِهِ اللامع ضوؤه الحاصل منه في كمال الظلمة حالة الاصطكاك يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ الناظرة نحوه ويخطفها بحدوث الضد من الضد فجاءة وذلك من أقوى الأسباب لتفريق البصر
وكيف لا يخطف سبحانه الأبصار حينئذ إذ يُقَلِّبُ اللَّهُ المحول للأحوال بكمال الاختيار والاستقلال فيه اللَّيْلَ وَالنَّهارَ بغتة بلا تراخ ومهلة اظهار الكمال قدرته واختياره واستقلاله بالتصرف في مظاهره ومصنوعاته إِنَّ فِي ذلِكَ التبديل والقلب واحداث الضد من الضد بغتة لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ المنكشفين بوحدة الواجب وصفاته الذاتية التي هي منشأ عموم ما ظهر وما بطن من الكوائن والفواسد بإرادته واختياره المستدلين من آثار أوصافه وأسمائه لعلو شأنه وسمو برهانه المتيقنين بوحدة ذاته وتنزهه عن وصمة الكثرة والشركة مطلقا
وَاللَّهُ المتوحد بذاته المتعزز بكمالات أسمائه وصفاته خَلَقَ اظهر وقدر كُلَّ دَابَّةٍ تتحرك على الأرض مِنْ ماءٍ هو العنصر الأصلي لوجود الحيوانات إذ هو مبدأ حركاتهم ومنشأ احساساتهم وادراكاتهم لذلك خص بالذكر من بين العناصر وان كانت مركبة من جميعها فَمِنْهُمْ اى من الدواب ذكر الضمير وجمع جمع العقلاء على سبيل التغليب إذ منها مَنْ يَمْشِي ويرجف عَلى بَطْنِهِ بلا آلة المشي كالحية وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ كالطير والإنسان وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ كالنعم والوحوش وبالجملة يَخْلُقُ اللَّهُ القادر المقتدر على مطلق الخلق والإيجاد ما يَشاءُ من الموجودات والمخلوقات ارادة واختيارا إِنَّ اللَّهَ المتصف بصفات الكمال عَلى كُلِّ شَيْءٍ داخل في حيطة حضرة علمه المحيط قَدِيرٌ بإيجاده وإظهاره في فضاء العلياء حسب حضرة قدرته بلا فتور وقصور.
ثم قال سبحانه تحريكا لحمية عباده وتشييدا لبنيان اعتقاداتهم بالله وبوحدة ذاته وكمالات أسمائه وصفاته لَقَدْ أَنْزَلْنا من مقام لطفنا وجودنا إليكم ايها المحبوسون في مضيق الإمكان المقيدون بسلاسل الكفران وأغلال العصيان آياتٍ مُبَيِّناتٍ موضحات واضحات مفصلات دالة على وحدة ذاتنا وكمالات أسمائنا وصفاتنا واقتدارنا على انواع الانعام والانتقام لعلكم تتفطنون منها الى علو شأننا وكمال سطوتنا وسلطاننا مع ان أكثركم لا تتفطنون ولا تتنبهون لانهماككم في بحر الغفلة والضلال وَاللَّهُ الهادي لعباده يَهْدِي بفضله مَنْ يَشاءُ هدايته منهم إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ موصل الى كعبة توحيده ووحدة ذاته بلا عوج وانحراف
وَمن انحراف المنافقين وانصرافهم عن طريق الحق وميلهم الى الباطل يَقُولُونَ بأفواههم خوفا من دمائهم وأموالهم آمَنَّا بِاللَّهِ المتوحد في ذاته وَبِالرَّسُولِ المرسل من عنده لتبليغ دينه وآياته وَأَطَعْنا حكم الله وحكم رسوله سمعا وطاعة ثُمَّ يَتَوَلَّى اى يعرض وينصرف فَرِيقٌ مِنْهُمْ اى من المنافقين مِنْ بَعْدِ ذلِكَ الإقرار والاعتراف عن حكم الله وحكم رسوله تكذيبا لنفسه من الايمان باللسان وإظهارا لما في قلبه من الكفر والنفاق وَبالجملة ما أُولئِكَ الأشقياء المردودون بِالْمُؤْمِنِينَ وليسوا متفقين معهم حقيقة وان أقروا واعترفوا على طرف اللسان خوفا إذ الايمان من فعل القلب واللسان مترجم له
وَكيف كانوا مؤمنين أولئك المنافقون مع انهم إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ المصلح لأحوال عباده وَكذا الى رَسُولِهِ المستخلف منه سبحانه النائب عنه باذنه لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ويقطع نزاعهم إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ اى فاجؤا الى الاعراض
стр. 592
والانصراف عن حكم الله وحكم رسوله بعد ما دعوا الى رسوله ان كان الحكم عليهم
وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ والحكم يَأْتُوا إِلَيْهِ اى الى الرسول ورضوا بحكمه مُذْعِنِينَ منقادين طائعين وبالجملة هم تابعون لمطلوبهم وما هو مقصودهم طالبون ان يصلوا الى ما أملوا في نفوسهم بلا ميل منهم الى الحق وصراطه المستقيم وميزانه العدل القويم وبالجملة باى سبب ميلهم واعراضهم ولأي شيء ينصرفون عن الحق
أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعرضهم عن قبول الايمان ويمنعهم عن اليقين والعرفان أَمِ ارْتابُوا وترددوا في عدالة الله ورسوله أَمْ يَخافُونَ من سوء ظنونهم وجهالاتهم أَنْ يَحِيفَ ويميل اللَّهُ المستوي على القسط القويم والعدل المستقيم عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ المتخلق بأخلاقه ظلما بان أجازوا الظلم على الله وعلى رسوله بَلْ الحق انه لا شك في عدالة الله وعدالة رسوله ولا يليق بشأنهما ان ينسب الحيف والميل إليهما قطعا فتعين انه أُولئِكَ المهجورون عن ساحة عز القبول هُمُ الظَّالِمُونَ المقصورون على الظلم والخروج عن حد الاعتدال المائلون عن الصراط المستقيم الإلهي لمرض قلوبهم وخبث طينتهم.
ثم قال سبحانه على مقتضى سنته السنية المستمرة في كتابه إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ المخلصين على عكس المنافقين المترددين إِذا دُعُوا عند النزاع والخصومة إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ويزيل شبههم أَنْ يَقُولُوا طائعين راغبين سَمِعْنا وَأَطَعْنا بلا مطل وتسويف قد رضينا بما حكم الله ورسوله لنا وعلينا وَأُولئِكَ السعداء المقبولون عند الله وعند رسوله هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون بالفلاح المقصورون على الصلاح والنجاح لا يتحولون منه بل يزادون عليه تفضلا وامتنانا
وَكيف لا يزادون على أجورهم مَنْ يُطِعِ اللَّهَ حق أطاعته وينقد له حق انقياده وَيتبع رَسُولَهُ حق أطاعته ومتابعته ايضا وَمع ذلك يَخْشَ اللَّهَ المنتقم الغيور فيما صدر عنه ومضى عليه من الذنوب بعد ما تاب وندم وَيَتَّقْهِ ويحذر عنه سبحانه فيما بقي من عمره فَأُولئِكَ المطيعون المنقادون بالله ورسوله الخائفون الخاشعون المخبتون المتقون هُمُ الْفائِزُونَ بالمثوبة العظمى والدرجة العليا عند الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا
وَ
من خباثة بواطن اهل الشرك والنفاق وشدة شكيمتهم وشقاقهم معك يا أكمل الرسل قد أَقْسَمُوا بِاللَّهِ
ترويجا لنفاقهم وتغريرا للمؤمنين جَهْدَ أَيْمانِهِمْ
غاية حلفهم مبالغين مغلظين فيها منكرين للامتناع عن حكم الرسول بقولهم والله لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ
يا أكمل الرسل يعنى المنافقين بالخروج عن الديار والجلاء عن الوطن لَيَخْرُجُنَ
عنها بلا مطل وتسويف ممتثلين لأمرك مطيعين لحكمك ولا يتأتى منهم الامتناع عن حكمك قطعا وما هذا الا من غاية تلبيسهم ونهاية نفاقهم وتغريرهم قُلْ
لهم يا أكمل الرسل بعد ما ظهر نفاقهم عندك بالهام منا إليك ووحى لا تُقْسِمُوا
بالله ايها المسرفون المفرطون ولا تبالغوا في الحلف الكاذب فان المطلوب منكم طاعَةٌ
واطاعة مجردة مَعْرُوفَةٌ
مشهورة بين الناس فقط بلا إتيان مخالفة منكم ظاهرا واما حال بواطنكم وقلوبكم فأمره عند الله إِنَّ اللَّهَ
المطلع على سرائركم وضمائركم خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
وتقصدون في نفوسكم يجازيكم بمقتضى خبرته
قُلْ يا أكمل الرسل لعموم الناس على سبيل التبليغ العام والرسالة المطلقة أَطِيعُوا اللَّهَ المظهر لكم من كتم العدم وانقادوا لعموم أوامره ونواهيه وَأَطِيعُوا ايضا الرَّسُولَ المبعوث إليكم وصدقوه في جميع ما جاء به من عند ربكم فَإِنْ تَوَلَّوْا وانصرفوا بعد ما بلغت
стр. 593
رسالتك حق التبليغ فَإِنَّما عَلَيْهِ اى فاعلم ان ما على الرسول المرسل الا جزاء ما حُمِّلَ من التبليغ واظهار الدعوة وتبيين الرسالة وَعَلَيْكُمْ ايها المكلفون السامعون جزاء ما حُمِّلْتُمْ من الامتثال والانقياد وَاعلموا ايها الأحرار المتوجهون نحو الحق إِنْ تُطِيعُوهُ اى الرسول وتصدقوا قوله وتعملوا بمقتضى ما أمرناكم به على لسانه تَهْتَدُوا الى معرفة ربكم وتفوزوا بتوحيده وَان لم تطيعوا له وتنقادوا لحكمه ولم تقبلوا منه دعوته ولم تهتدوا الى ما جبلتم لأجله فبالجملة ما عَلَى الرَّسُولِ المأمور بالدعوة والتبليغ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ الظاهر الواضح لئلا يشتبه عليكم امر الدين فان امتثلتم بما سمعتم منه قد فزتم وان توليتم وانصرفتم فعليكم الوزر والوبال
واعلموا يقينا قد وَعَدَ اللَّهُ المحسن المفضل لعباده بأنواع الفضل والعطاء سيما الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ايها الناس بوحدة الله وصفاته وإرسال الرسل وإنزال الكتب وبالبعث بعد الموت وكذا لجميع الأمور الاخروية وَمع الايمان والإذعان بالمأمورات المذكورة قد عَمِلُوا الصَّالِحاتِ المقبولة عند الله المرضية دونه حسب ما أوحاه على رسوله وأنزله في كتابه وقد اقسم سبحانه بنفسه تأكيدا لوعده لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ وليجعلنهم خلفاء فِي الْأَرْضِ التي قد استولى عليها الكفرة كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ آمنوا مِنْ قَبْلِهِمْ يعنى بنى إسرائيل قد استخلفهم سبحانه على بلاد العمالقة والفراعنة وارض الشأم والفرس وَبعد استخلافهم لَيُمَكِّنَنَّ ويقررن لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ الا وهو دين الإسلام المبنى على صرافة التوحيد الذاتي المستلزم المتضمن لتوحيد الصفات والأفعال وليشيعن وليذيعن دينهم هذا في جميع اقطار الأرض وانحائها وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ ويحولن حالهم مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ الناشئ من تمويهات متخيلتهم وتصويرات متوهمتهم أَمْناً ناشئا من اليقين الحقي المثمر لكمال الاطمئنان والوقار وبعد ما حصل لهم مرتبة الفناء الذاتي في ذاتى قد حصل لهم البقاء الذاتي ببقائى فحينئذ يَعْبُدُونَنِي مخلصين متخصصين بحيث لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ولا يشركون معى في الوجود أحدا من مظاهري ومصنوعاتى بتسويلات شياطين خيالاتهم وتغريرات اوهامهم وَمَنْ كَفَرَ وارتد ورجع بَعْدَ ذلِكَ اى بعد نفى الخواطر والأوهام المضلة عن سواء السبيل فَأُولئِكَ المطرودون المردودون عن ساحة عز الحضور والقبول هُمُ الْفاسِقُونَ الخاسرون المقصورون على الخروج والخسران المؤبد عن مقتضى اليقين العلمي والعيني والحقي الا ذلك هو الخسران المبين
وَبعد ما جعلتم التوحيد الذاتي قبلة مقاصدكم ايها المحمديون أَقِيمُوا الصَّلاةَ المثمرة لكم كمال الشوق والمحبة نحو الحق دائما وَآتُوا الزَّكاةَ المطهرة لنفوسكم عن الميل الى ما سواه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ الهادي المرشد لكم الى طريق التوحيد الذاتي لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وتفوزون بما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر حققنا بما أنت به راض منا يا مولانا.
ثم قال سبحانه تأييدا لنبيه ﷺ لا تَحْسَبَنَّ ولا تظنن أنت يا أكمل الرسل الَّذِينَ كَفَرُوا بالله واعرضوا عن توحيده انهم هم قد صاروا بكفرهم وعنادهم مُعْجِزِينَ معاجزين الله القادر المقتدر على وجوه الانتقام عن أخذهم وإهلاكهم سيما فِي الْأَرْضِ التي هي مملكة الحق ومحل تصرفاته سبحانه بل قد أخذهم الله الرقيب عليهم بظلمهم وبغيهم واستأصلهم عن وجه الأرض في النشأة الاولى وَمَأْواهُمُ النَّارُ في الاخرى وَالله لَبِئْسَ الْمَصِيرُ مصيرهم ومرجعهم ومنقلبهم ومثواهم. ثم أشار
стр. 594
سبحانه تتميم ما مضى من آداب الخلطة والمؤانسة بين المؤمنين فقال مناديا لهم على العموم ليقبلوا الى امتثال ما أمروا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا من آداب المصاحبة والإخاء هذا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ بالدخول على بيوتكم وليسترخص منكم ايها المؤمنون خدمتكم يعنى الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ سواء كانوا عبيدا او إماء وأنتم رجال او نساء ذكر الضمير على سبيل التغليب وَكذا الصبيان الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ اى لم يبلغوا وقت الحلم منكم خص بالذكر لكونه أقوى اسباب البلوغ الى وقت التكليف ثَلاثَ مَرَّاتٍ يعنى يستأذنكم الخدمة والصبيان منكم في ثلثة اوقات لدخولهم أحدها مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ إذ هو وقت التجرد والانخلاع عن ثياب النوم والدخول فيه منهى وَثانيها حِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ للقيلولة والاستراحة وَثالثها مِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ وهو وقت التجرد عن الثياب للنوم وبالجملة الأوقات المذكورة ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لا بد من تحفظكم فيها عن من يشوشكم ويطلع على سرائركم لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ ضيق ومنع بَعْدَهُنَّ اى بعد الأوقات الثلاثة لو دخلوا عليكم بلا اذن منكم إذ هم خدمة طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ ليخدموكم إذ جبلتكم واصل فطرتكم على ان يظاهر بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ ويطوف عليه ويحوم ليخدمه كَذلِكَ اى مثل ذلك البيان يُبَيِّنُ اللَّهُ المدبر لمصالحكم لَكُمُ الْآياتِ الدالة على آداب المصاحبة والمؤانسة وَاللَّهُ المطلع لأحوال عباده عَلِيمٌ بمصالحهم ومفاسدهم حَكِيمٌ في ضبطها وحفظها بحيث لا يختل امر النظام المتعارف
وَكذا إِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ وظهر منهم امارات الميل والشهوات سواء كانوا ذكرا او أنثى فَلْيَسْتَأْذِنُوا مطلقا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأحرار البالغين إذ هم قد دخلوا في حكمهم بعد الحلم وبالجملة كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ الدالة على آداب مخالطتكم وحسن معاشرتكم وَاللَّهُ المدبر المصلح لأحوال عباده عَلِيمٌ بما في ضمائرهم من المنكرات حَكِيمٌ دفعها قبل وقوعها
وَالْقَواعِدُ مِنَ العجائز النِّساءِ اللَّاتِي قد قعدن عن الحيض والحمل وشهوة الوقاع مطلقا بحيث لا يَرْجُونَ ولا يأمن نِكاحاً فراشا وزواجا لكبرهن وكهولتهن فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ اى ذنب وكراهة أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ اى الثياب الظاهرة التي تلبسها فوق الأستار كالجلباب حال كونهن غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ ومظهرات بِزِينَةٍ مشهية للرجال مثيرة لشهواتهم يعنى الزينة التي قد منعن من ابدائها في كريمة ولا يبدين زينتهن الآية وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ عن الوضع خَيْرٌ لَهُنَّ سواء كن عجائز أم شواب لان العفة ابعد من التهمة في كل الأحوال وَاللَّهُ المطلع بسرائرهن سَمِيعٌ لمقالتهن مع الرجال عَلِيمٌ بنياتهن منها
ثم لما كان العرب قد كانوا يتحرجون عن مصاحبة ذوى العاهات والمؤاكلة معهم استقذارا وكانوا ايضا يتحرجون من دخول البيوتات المذكورة لأكل الطعام تعظما واستكبارا بل يعدونه عارا ويستنكفون منه تجبرا واستكبارا رد الله عليهم ونفى الحرج عنهم فقال لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ ان يأكل مع البصير وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ ان يأكل مع السوى الصحيح السالم ويجلس معه وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ان يأكل مع الأصحاء وَلا حرج ايضا عَلى أَنْفُسِكُمْ في أكلكم مطلقا سواء أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ وعند أهليكم ومحارمكم وسواء كان من اكسابكم او اكساب أولادكم أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ او أجدادكم إذ هم مستخلفون لكم أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ إذ بينكم وبينهن نسبة الكلية والجزئية
стр. 595
أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ لاشتراككم في المنشأ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ لاشتراك آبائكم معهم في المنشأ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ لاشتراك أمهاتكم في المنشأ أَوْ بيوت ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ يعنى بيوت عبيدكم الذين أنتم علل واسباب لإنشائهم سواء كانوا معتقين أم لا والتعبير عنهم بما للتمليك والرقية أَوْ بيوت صَدِيقِكُمْ بالمناسبة المعنوية التي هي أقوى من القرابة النسبية الصورية كل ذلك المذكور مسبوق بالإذن والرضا والتبسط والنشاط من اصحاب البيوتات ثم أشار سبحانه الى آداب المؤاكلة فقال لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً مجتمعين في اناء واحد يأكل بعضكم سؤر بعض إذ هو ادخل في التآلف والتحابب أَوْ أَشْتاتاً متفرقين كل في اناء وهذا ادخل في التزكية والنظافة فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً اى كل واحد منكم بيتا من البيوت التي قد رخصتم بالأكل فيها فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ اى فابدءوا بالسلام أولا على أهلها لأنهم منكم دينا وقرابة حتى صار سلامكم إياهم تَحِيَّةً زيادة حيوة لهم مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تفضلا عليهم وإحسانا مُبارَكَةً كثير الخير والبركة النازلة من عنده سبحانه على أهلها طَيِّبَةً خالصة صافية عن كدر النفاق واثر الخلاف والشقاق كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ الدالة على آداب معاشرتكم في النشأة الاولى لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ رجاء ان تتفطنوا منها الى أحوالكم في النشأة الاخرى فتزودوا فيها لأجلها.
ثم أشار سبحانه الى محافظة الآداب مع رسول الله ﷺ ورعاية حقوقه وكمال انقياده والإطاعة اليه فقال إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الموحدون الكاملون المنكشفون بسرائر التوحيد الذاتي هم الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ الجامع بجميع الأسماء والصفات المنسوبة الى الذات الاحدية وَرَسُولِهِ الجامع بجميع مراتب المظاهر والمصنوعات بحيث لا يخرج عن حيطة مرتبته الجامعة الكاملة مرتبة من المراتب أصلا وَبعد ما عرفوا جمعيته ﷺ إِذا كانُوا مجتمعين مَعَهُ ﷺ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ يعنى امرا قد اشترط في حصوله الاجتماع والاقتحام كالزحف والجهاد والجمع والأعياد لَمْ يَذْهَبُوا ولم ينصرفوا من عنده ﷺ حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ بالانفضاض والانصراف وان كانوا مضطرين الى الذب والذهاب ثم كرر سبحانه امر الاستيذان على الوجه الأبلغ تأكيدا ومبالغة فقال مخاطبا لحبيبه ﷺ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ في الذهاب والانصراف على احسن الأدب معك يا أكمل الرسل أُولئِكَ السعداء المستأذنون هم الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ في الذهاب حقا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ويراعون حق الأدب معهما من صفاء بواطنهم وخلوص طوياتهم فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ يا أكمل الرسل بعد اضطرارهم لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ وأمرهم المتعلق لمعاشهم فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ يعنى أنت مخير في إذنهم بعد اضطرارهم وَبعد ما أذنت لهم اسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ من ذنبهم الذي قد اختاروا امر الدنيا على امر العقبى واستأذنوا له واهتموا بشأنه إِنَّ اللَّهَ المطلع لاستعدادات عباده غَفُورٌ يغفر لهم أمثال هذه الفرطات الاضطرارية رَحِيمٌ مشفق يرحم عليهم بعد ما ندموا في نفوسهم
ومن جملة الآداب التي قد وجبت عليكم رعايتها ومحافظتها بالنسبة الى رسول الله ﷺ انه لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ ونداءه بَيْنَكُمْ وبين أظهركم كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً بالاسم واللقب بلا ضميمة تدل على تعظيمه وتوقيره بل قولوا له وقت ندائه يا نبي الله او يا خير خلق الله او يا أكرم الخلق على الله وأمثالها او لا تجعلوا دعاءه ومناجاته مع الله ورفع حاجاته ﷺ اليه
стр. 596
سبحانه في الاجابة والقبول كدعاء بعضكم بعضا بان قبل مرة ورده اخرى بل قد رده مرارا كثيرة فان دعاءه ﷺ لا يرد عند الله أصلا أو لا تقيسوا دعاءه ونداءه إليكم في الوقائع والأمور كدعاء بعضكم بعضا بان تجيبوا مرة وتردوا اخرى بل عليكم ان تبادروا لإجابة ندائه ﷺ سمعا وطاعة بلا مطل وتسويف خافضين أصواتكم وقت اجابته مسرعين إليها بالآداب ٧ والجوانح ساعين الى إنجاح مسئوله ومطلوبه ﷺ دفعة ثم أشار سبحانه الى توبيخ المنافقين وتقريعهم حيث قال قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المطلع على سرائر عباده بمقتضى علمه الحضوري كيد المنافقين الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ ويخرجون متدرجين قليلا قليلا من بينكم وجمعكم ايها المؤمنون لِواذاً اى حال كونهم ملاوذين ملتجئين بغيركم بان يستتر بعضهم خلف بعض حتى يخرج ويذهب بلا اذن ورخصة منه ﷺ فَلْيَحْذَرِ أولئك الماكرون المخادعون الَّذِينَ يُخالِفُونَ وينصرفون عَنْ أَمْرِهِ سبحانه وامر رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم بلا رخصة من أَنْ تُصِيبَهُمْ في الدنيا فِتْنَةٌ اى مصيبة ومحنة عظيمة مثل القتل والنهب والأسر وانواع البليات أَوْ يُصِيبَهُمْ في الآخرة عَذابٌ أَلِيمٌ لا عذاب أشد منه وكيف تعرضون وتنصرفون عن امر الله وامر رسوله ايها المفسدون المسرقون المفرطون اما تستحيون من الله المراقب عليكم
أَلا اى تنبهوا ايها الغافلون الجاهلون بقدر الله وحق ألوهيته وربوبيته وكمال استقلاله وبسطته إِنَّ لِلَّهِ المظهر الموجد تصرفا وملكا مظاهر ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى العلويات والسفليات وما بينهما من الممتزجات قَدْ يَعْلَمُ سبحانه بعلمه الحضوري على وجه الإحصاء والتفصيل عموم ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ في نشأتكم هذه اليوم وَايضا يعلم ما ستكونون عليه فيما سيأتى يَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ في النشأة الاخرى المعدة للعرض والجزاء كما علم منكم ما أنتم عليه فيما مضى إذ لا يعزب عن حيطة حضرة علمه شيء مما جرى ويجرى في عالم الغيب والشهادة والنشأة الاولى والاخرى فَيُنَبِّئُهُمْ ويخبرهم حينئذ بِما عَمِلُوا في النشأة الاولى على التفصيل بلا شذوذ شيء منها ثم يجازيهم عليها وَاللَّهُ المجازى لعموم عباده في يوم الجزاء بِكُلِّ شَيْءٍ صدر عنهم في أولاهم وأخراهم عَلِيمٌ محيط علمه بجميع أعمالهم وأفعالهم وشئونهم وحالاتهم وجميع ما جرى عليهم يجازيهم بمقتضى علمه وخبرته ان خيرا فخير وان شرا فشر اصنع بنا ما أنت به اهل يا مولينا
خاتمة سورة النور
عليك ايها الموحد المستنير المقتبس من المشكوة الجامعة المصطفوية والمصباح اللامعة النبوية المحمدية أرشدك الله الى غاية ما املك ووفقك الى كمال ما جبلك لأجله ان تحسن الأدب مع النبي الهادي لك الى طريق التوحيد الذاتي وتلازم على محافظة ما أوجب عليك الحق من حقوقه وآدابه ﷺ فلك ان تجعل رتبته ﷺ نصب عينيك وقدوة مناك بحيث لا تترك شيأ من سنته المأثورة وأخلاقه المشهورة وشيمه المعروفة بين اهل الحق وارباب المحبة من المنكشفين بعلو مرتبته ﷺ ورفعة قدره ومكانته ولا تهمل شيأ من الحدود والاحكام الموضوعة في دينه وشريعته ولك ان تختار لنفسك من عزائم شرعه وملته مهما أمكنك ولا تميل الى رخصتها إذ الرخصة انما هي لعوام اهل الايمان والعزائم من شيم الخواص فلك الإخلاص في العمل وعليك
стр. 597
الاجتناب عن الرياء والسمعة وعن عموم الرعونات الواقعة في صدور الأعمال سواء كان عملك قليلا او كثيرا عزائم او رخصا وإياك إياك الحذر عن مداخل الرياء والتلبيس فإنها من شباك إبليس يضل بها ضعفاء الأنام من منهج الرشد وسبيل الاستقامة والسداد عصمنا الله وعموم عباده من تغريرات الشياطين وتسويلاتها بفضله وجوده
[سورة الفرقان]
فاتحة سورة الفرقان
لا يخفى على ذوى البصائر والألباب المنقطعين نحو الحق السائرين اليه الفارقين بينه وبين الباطل من اظلاله المستهلكة المعدومة في أنفسها الظاهرة المرئية في هياكل الموجودات وأشكالها ان إنزال هذا الكتاب الجامع لأحوال النشأتين الحاوي لأطوار المنزلتين انما هو لتفرقة الحق عن الباطل وتمييز المحق من المبطل لذلك قد سماه سبحانه فرقانا بين اهل الهداية والضلال من المجبولين على فطرة التوحيد المخلوقين لمصلحة الايمان والعرفان فمن امتثل بما فيه امرا ونهيا عظة وتذكيرا اشارة ورمزا حقيقة ومعرفة خلقا وأدبا مثالا وعبرة فقد فاز بمرتبة العرفان بعد جذب الحق نحو ذاته وكحل عين بصيرته بكحل التوحيد ورفع سبل الغربة وسدل التعينات عنها برمتها والاسترشاد من هذا الكتاب موقوف على الاتصاف بأوصاف من انزل اليه وعلى التخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه والسلوك اثر سننه بلا فوت شيء منها وإهمال دقيقة من دقائقها حتى تحصل المناسبة المعتبرة بينه ﷺ وبين هذا الكتاب وينزل على قلبه ما نزل فيه من المعارف والحقائق كما اخبر سبحانه عن تنزيله إياه ﷺ متيمنا متبركا باسمه الأعلى بِسْمِ اللَّهِ الذي قد انزل الكتاب على عبده ليبين للناس احوال مبدئهم ومعادهم وينبه عليهم طريق التفرقة بين الحق والباطل والصلاح والفساد الرَّحْمنِ عليهم بإرسال الرسول المبين لهم ما هو الأصلح لحالهم من السداد والإرشاد الرَّحِيمِ يوصلهم الى مرتبة التوحيد الذاتي بعد رفع الحجب بلا ميل والحاد
[الآيات]
تَبارَكَ الله تعاظم وتعالى ذاته سبحانه من ان يحيط بمنافعه وكثرة خيراته وبركاته عقول مظاهره ومصنوعاته حتى يعدوها بألسنتهم ويعبروا عنها بأفواههم حالا او مقالا الحكيم العليم الَّذِي نَزَّلَ بمقتضى جوده الواسع وكرمه الكامل الْفُرْقانَ اى القرآن الجامع لفوائد الكتب السالفة مع زوائد قد خلت عنها تلك الكتب تفضلا وامتنانا ومزيد اهتمام عَلى شأن عَبْدِهِ ﷺ بعد ما هيأه لقبوله وأعده لنزوله ورباه أربعين سنة تتميما لأمر المناسبة المعنوية وتحصيلا لها حتى يستعد ويستحق لنزول الوحى والإلهام ولخلعة الخلافة والنيابة وانما أنزله هذا لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ اى كافة المخلوقين على فطرة التكليف وعامة المجبولين على استعداد المعرفة واليقين نَذِيراً ينذرهم ويحذرهم عما يضرهم ويغويهم عن صراط الحق وطريق توحيده عناية منه سبحانه إياهم ومرشدا لهم الى مبدئهم ومعادهم
وكيف لا يرشدهم سبحانه مع انه هو المالك المطلق والمتصرف المستقل الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ اى عالم الأسماء والصفات المعبر عنها بالعلويات وَالْأَرْضِ اى الطبائع السفلية القابلة للانعكاس من العلويات فلا يضر كثرة الأسماء والصفات وحدوث العكوس والتعينات حسب الشئون والتجليات الإلهية وحدته الذاتية وانفراده الحقيقي وَلهذا لَمْ يَتَّخِذْ سبحانه وَلَداً حتى يتكثر وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ اى في تحققه ووجوده وملكه وملكوته حتى ينازع ويتضرر
стр. 598
بل له خاصة التصرف بالاستقلال والاختيار بلا مزاحمة العكوس والاظلال الهالكة المستهلكة في صرافة وحدته وشمس ذاته وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ بعد ما قدره أولا في حضرة علمه المحيط وأظهره حسب تجلياته بمقتضى آثار أسمائه وصفاته وبعد ما اظهر عموم ما اظهر فَقَدَّرَهُ ثانيا تَقْدِيراً بديعا ودبر امره تدبيرا محكما عجيبا بان اقدر البعض على اختراع انواع الصنائع والبدائع من الحرف والإدراكات الكاملة والتدبيرات الغريبة المتعلقة لتمدنهم ومعاشهم وجعل بعضهم آلة للبعض وبعضهم مملوكا وصيرهم ارواجا وأصنافا مؤتلفة وفرقا وأحزابا مختلفة متخالفة وأنواعا متفاوتة الى ما شاء الله وما يعلم جنود ربك الا هو كل ذلك ليتعاونوا ويتظاهروا واختلطوا وامتزجوا الى ان اعتدلوا وانتظموا وصاروا مؤتلفين موانسين محتاجين كل منهم بمعاونة الآخر وانما فعل سبحانه ما فعل ليظهر كمالاته المتكثرة المندرجة في وحدة ذاته ويظهر سلطان الوحدة الذاتية بظهور ضده وبعد ما بلغت الكثرة غايتها فقد انتهت الى الوحدة كما بدأت منها وانتشئت عنها فحينئذ قد اتصل في دائرة الوجود قوسا الوجوب والإمكان البداية والنهاية ومنشأهما الاول والآخر والظاهر والباطن واتحد الأزل والأبد وارتفعت الكثرة والعدد ولم يبق الا الواحد الفرد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد
وَكيف لا يدبر سبحانه امر عباده بانزال الكتب وإرسال الرسل المرشدين لهم الى توحيده بعد ما تاهوا في بيداء الكثرة والضلال مع انهم قد اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ سبحانه آلِهَةً يعبدونها كعبادته مع ان آلهتهم الباطلة لا يَخْلُقُونَ ولا يوجدون ولا يظهرون شَيْئاً من المخلوقات حتى يستحقوا الألوهية والعبادة مع ان من شأن الإله الخلق والإيجاد حتى يستحق التوجه والرجوع اليه بل وَهُمْ يُخْلَقُونَ اى مخلوقون مقدورون لا قادرون خالقون بل هم مرادون وَالمخلوقات التي هي الجمادات لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا اى دفع ضر عنها وَلا نَفْعاً اى جلب نفع إليها وَلا يَمْلِكُونَ ايضا مَوْتاً اى اماتة احد وَلا حَياةً اى احياء له وَلا نُشُوراً اى بعثا وحشرا بعد الموت للحساب والجزاء ومن كان وصفه هذا كيف يتأتى منه الألوهية والربوبية المقتضية للعبودية
وَبعد ما أنزلنا القرآن الفرقان على عبدنا ليهدى به التائهين في بيداء الغفلة والضلال قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله واعرضوا عما جاء به من عنده لتكميل الناقصين إِنْ هَذا وما هذه الأراجيف التي قد جاء بها هذا المدعى إِلَّا إِفْكٌ كذب صرف يصرف به العباد عن الحق ويلبس الباطل بصورته ويروجه بهذه الحيل إذ هو افْتَراهُ واختلقه عن عمد من عنده ونسبه الى الوحى تغريرا وتزويرا وترويجا لأمره وَمع ذلك قد أَعانَهُ ولقن له فحواه عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ وهم احبار اليهود وبعد ما قد سمع فحواه منهم عبر عنه في قالب بليغ فأتى به على الناس ولقبه بالقرآن المعجز وبالفرقان والبرهان المثبت المنزل عليه من ربه بطريق الوحى والإلهام ترويجا لمفترياته وتغريرا للناس على قبولها وبالجملة فَقَدْ جاؤُ اى أولئك المسرفون المفرطون بجعل القرآن الفرقان المعجز لفظا ومعنى إفكا صرفا وافتراء محضا ظُلْماً عدوانا ظاهرا وخروجا فاحشا عن حد الاعتدال وَزُوراً قولا كذبا باطلا وبهتانا ظاهرا متجاوزا عن الحد مسقطا للمروءة سقوطا تاما إذ نسبة هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه الى أمثال هذه الخرافات التي قد جاء بها أولئك الجهلة بشأنه في غاية الظلم والزور ونهاية المراء والغرور
وَقالُوا ايضا في حق هذا الكتاب ما هو افحش منه وابعد عن شأنه بمراحل وهوانه أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اى أكاذيب قد سطرها
стр. 599
الأولون الأقدمون فيما مضى وهو اكْتَتَبَها واستنسخها من حبر وكتبها له كاتب وبعد ما أخذ سوادها فَهِيَ الأساطير المذكورة تُمْلى وتقرأ عَلَيْهِ اى على محمد بُكْرَةً وَأَصِيلًا غداة وعشيا على سبيل التكرار ليحفظها إذ هو أمي لا يقدر على ان يكرر من الكتاب وبعد ما قد حفظها على وجهها قراها على الناس مدعيا انها قد اوحى الى من عند الله وقد أنزلها على ملك سماوي اسمه جبرئيل
قُلْ يا أكمل الرسل بعد ما سمعت مقالهم وتفرست حالهم في العتو والعناد وانواع الإنكار والفساد قد أَنْزَلَهُ اى الفرقان على مع انى أمي كما اعترفتم لا قدرة لي على الإملاء فكيف على الإنشاء العليم الَّذِي يَعْلَمُ بعلمه الحضوري السِّرَّ المكنون والحكمة الكامنة فِي اشكال السَّماواتِ وَاقطار الْأَرْضِ ولهذا أعجزكم بكلامه هذا عن آخركم مع انكم أنتم من ذوى اللسن والفصاحة وعلى أعلى طبقات البلاغة والبراعة فعجزتم عن معارضته بحيث لم يتأت لكم إتيان مثل آية قصيرة منه مع كمال تحديكم ووفور دواعيكم ومع ذلك اما تستحيون ايها المسرفون المفرطون قد نسبتم اليه ما هو برئ منه وبنسبتكم هذه قد استوجبتم العذاب والعقاب عاجلا وآجلا الا انه سبحانه قد أمهلكم رجاء ان تنتبهوا بسوء صنيعكم هذا فترجعوا اليه سبحانه تائبين نادمين فيغفر لكم ما تقدم من ذنبكم ويرحمكم بتوبتكم إِنَّهُ سبحانه في ذاته قد كانَ غَفُوراً للأوابين التوابين رَحِيماً للمتندمين المخلصين
وبعد ما قد افرطوا في طعن الكتاب المنزل والقدح ولم يقصروا على القدح والطعن فيه فقط بل أخذوا في طعن من انزل اليه ايضا حسب عداوتهم وشدة شكيمتهم وضغينتهم معه وَقالُوا مستهزئين متهكمين مالِ هذَا الرَّسُولِ يدعى الرسالة والنبوة مع انه لا يتميز عن العوام إذ يَأْكُلُ الطَّعامَ كما نأكل وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لضبط امور معاشه كما نمشي فما مزيته علينا وامتيازه عنا حتى يكون رسولا علينا اولى منا وان كان صادقا في دعوى نزول الملك اليه بالوحي لَوْلا هلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ ظاهرا بلا سترة حتى نراه ونعاين به ونؤمن له بلا تردد فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً اى يكون الملك المنزل ردأ له في انذارنا وتبليغ الدعوة إلينا
أَوْ هلا يُلْقى إِلَيْهِ من قبل ربه كَنْزٌ فيستغنى به عن الخلق فيتبعه طمعا للإحسان أَوْ هلا تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ موهوبة له من ربه فيها انواع الثمرات والفواكه يَأْكُلُ مِنْها رغدا ويترفه بها أمدا ويعطى منها الناس فيتبعونه أفواجا وأحزابا وبالجملة ما له لا هذا ولا ذاك ولا ذلك فمن اين نصدق برسالته وباى شيء نعتقده نبيا وَبعد ما قد بالغوا في قدحه وإنكاره وافرطوا في استهزائه وسوء الأدب معه ﷺ وبالجملة قد قالَ الظَّالِمُونَ المنكرون المستكبرون على سبيل الذب والاعراض لضعفاء الأنام عن متابعته ﷺ لو اتبعتم ايها الناس لهذا المدعى وآمنتم به مع انكم قد سمعتم بل علمتم بيانا وابصرتم عيانا ان لا مزية له عليكم ولا امتياز بينه وبينكم إِنْ تَتَّبِعُونَ وما تؤمنون وتقتدون إذا إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً مجنونا قد سحر له فجن فاختبط واختل عقله وكل فهمه لذلك قد تكلم بكلام المجانين فاعرض عن معارضته العقلاء إذا لعقل قاصر عن ادراك مموهات الوهم وتسويلات الخيال وتصويراته
انْظُرْ يا أكمل الرسل كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ هؤلاء الضلال بعد ما عجزوا عن معارضتك وتاهوا في كمال رشدك وهدايتك وكيف توغلوا في الحيرة والضلال عن مدركاتك ومكانك فَضَلُّوا وتحيروا وانحسرت عقولهم عن الوصول الى كمالات مدركاتك وانواع هداياتك فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا لتعاليه عن مداركهم
стр. 600
وعقولهم فنسبوك الى ما لا يليق بشأنك عنادا واستكبارا
مع انه قد ﵎ ربك الَّذِي رباك بأنواع الكرامات الخارقة للعادات الشاملة لانواع السعادات المعدة لأرباب الشهود والمكاشفات وكذا بأصناف المعجزات الباهرة الدالة على صدقك في جميع ما جئت به من قبل ربك من الآيات البينات وانواع الخيرات والبركات ومع ذلك إِنْ شاءَ ربك وتعلقت مشيئته وارادته جَعَلَ لَكَ يا أكمل الرسل واعطاك في النشأة الاولى ايضا خَيْراً واحسن مِنْ ذلِكَ اى مما قالوا أولئك المسرفون المفرطون وأملوا لك تهكما واستهزاء ولكن قد اخره سبحانه الى النشأة الاخرى إذ هي خير وأبقى والتنعم فيها ألذ واولى إذ اللذات الاخروية انما هي مؤبدة مخلدة بلا انقطاع ولا انصرام. ثم بين سبحانه ما هيأ لحبيبه ﷺ وما أعد لأجله جَنَّاتٍ متنزهات العلم والعين والحق تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ اى انهار المعارف والحقائق المتجددة بتجددات التجليات الإلهية بمقتضى الكمالات الاسمائية والصفاتية وَيَجْعَلْ لَكَ ايضا فيها قُصُوراً عاليات ودرجات مرتفعات متعاليات عن مدارك ذوى العقول والإدراك مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وهم من قصور نظرهم وعمى قلوبهم في هذه النشأة لا يلتفتون في أمثال هذه الكرامات العلية الاخروية
بَلْ هم بمقتضى أحلامهم السخيفة قد كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ الموعودة المعهودة وكذا بجميع ما يترتب عليها من المثوبات السنية والدرجات العلية ومن العقوبات والدركات الهوية إذ نظرهم مقصور على هذا الأرذل الأدنى وما فيه وَلهذه قد أَعْتَدْنا وهيئنا بمقتضى قهرنا وجلالنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ وبالأمور الموعودة فيها سَعِيراً نارا مسعرة متلهبة في غاية التلهب ونهاية الاشتعال
بحيث إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ يعنى إذا كانوا بمرأى العين منها مع انهم بعيد عنها بمسافة طويلة قد سَمِعُوا لَها مع بعدها تَغَيُّظاً صوتا كصوت المغتاظ من شدة تلهبها وغليانها وَزَفِيراً ايضا كزفرة المغتاظ والزفرة في الأصل ترديد النفس بحيث تنتفخ عند خروجها الضلوع والجوانب يعنى من شدة غيظها لهم تغلى وتتلهب تلهبا شديدا وغليانا مفرطا وتردد نفسها ترديدا بليغا حتى يردوا فيها وهبطوا إليها
وَإِذا أُلْقُوا مِنْها اى من النار مَكاناً اى في مكان من أماكنها قد صار ذلك المكان ضَيِّقاً لهم من تشدد العذاب عليهم بحيث صار كل منهم من ضيق مكانهم كأنهم مُقَرَّنِينَ قد قرنت أيديهم الى أعناقهم بالسلاسل والأغلال وبالجملة قد دَعَوْا وتمنوا حينئذ من شدة حزنهم وكربهم هُنالِكَ ثُبُوراً هلاكا وويلا قائلين صائحين صارخين وا ثبوراه وا ويلاه تعال تعال فهذا وقت حلولك وأوان نزولك
ويقال لهم حينئذ لا تَدْعُوا ولا تتمنوا ايها الجاهلون الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً بل وَادْعُوا فيه ثُبُوراً كَثِيراً إذ انواع العذاب يتجدد عليكم دائما مستمرا فاطلبوا لكل منها ثبورا
قُلْ يا أكمل الرسل موبخا عليهم ومقرعا لهم ومعيرا عليهم بعد ما بينت لهم منقلبهم ومثواهم في الآخرة أَذلِكَ السعير الذي قد سمعتم وصفه او المعنى إذ لك الجنة التي قد املتم لنا مستهزئين من جنات الدنيا ومتنزهاتها خَيْرٌ مرجعا ومصيرا أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ المؤبد المخلد أهلها ونعيمها فيها بلا تبديل ولا تغيير الَّتِي قد وُعِدَ الْمُتَّقُونَ بها وبدخولها والخلود فيها حتى كانَتْ لَهُمْ جَزاءً لاعمالهم الصالحة التي قد أتوا بها في النشأة الاولى وصارت بدلا من مستلذاتها الفانية وَمَصِيراً اى مرجعا ومنقلبا لهم بعد ما خرجوا من الدنيا الدنية
مع ان لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ من النعيم المقيم الدائم لكونهم
следующие страницы →