← Тафсир

Тафсир · id 23624

الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية

النخجواني

Полный текст (1 120 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

سبحانه في الاجابة والقبول كدعاء بعضكم بعضا بان قبل مرة ورده اخرى بل قد رده مرارا كثيرة فان دعاءه ﷺ لا يرد عند الله أصلا أو لا تقيسوا دعاءه ونداءه إليكم في الوقائع والأمور كدعاء بعضكم بعضا بان تجيبوا مرة وتردوا اخرى بل عليكم ان تبادروا لإجابة ندائه ﷺ سمعا وطاعة بلا مطل وتسويف خافضين أصواتكم وقت اجابته مسرعين إليها بالآداب ٧ والجوانح ساعين الى إنجاح مسئوله ومطلوبه ﷺ دفعة ثم أشار سبحانه الى توبيخ المنافقين وتقريعهم حيث قال قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المطلع على سرائر عباده بمقتضى علمه الحضوري كيد المنافقين الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ ويخرجون متدرجين قليلا قليلا من بينكم وجمعكم ايها المؤمنون لِواذاً اى حال كونهم ملاوذين ملتجئين بغيركم بان يستتر بعضهم خلف بعض حتى يخرج ويذهب بلا اذن ورخصة منه ﷺ فَلْيَحْذَرِ أولئك الماكرون المخادعون الَّذِينَ يُخالِفُونَ وينصرفون عَنْ أَمْرِهِ سبحانه وامر رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم بلا رخصة من أَنْ تُصِيبَهُمْ في الدنيا فِتْنَةٌ اى مصيبة ومحنة عظيمة مثل القتل والنهب والأسر وانواع البليات أَوْ يُصِيبَهُمْ في الآخرة عَذابٌ أَلِيمٌ لا عذاب أشد منه وكيف تعرضون وتنصرفون عن امر الله وامر رسوله ايها المفسدون المسرقون المفرطون اما تستحيون من الله المراقب عليكم أَلا اى تنبهوا ايها الغافلون الجاهلون بقدر الله وحق ألوهيته وربوبيته وكمال استقلاله وبسطته إِنَّ لِلَّهِ المظهر الموجد تصرفا وملكا مظاهر ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى العلويات والسفليات وما بينهما من الممتزجات قَدْ يَعْلَمُ سبحانه بعلمه الحضوري على وجه الإحصاء والتفصيل عموم ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ في نشأتكم هذه اليوم وَايضا يعلم ما ستكونون عليه فيما سيأتى يَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ في النشأة الاخرى المعدة للعرض والجزاء كما علم منكم ما أنتم عليه فيما مضى إذ لا يعزب عن حيطة حضرة علمه شيء مما جرى ويجرى في عالم الغيب والشهادة والنشأة الاولى والاخرى فَيُنَبِّئُهُمْ ويخبرهم حينئذ بِما عَمِلُوا في النشأة الاولى على التفصيل بلا شذوذ شيء منها ثم يجازيهم عليها وَاللَّهُ المجازى لعموم عباده في يوم الجزاء بِكُلِّ شَيْءٍ صدر عنهم في أولاهم وأخراهم عَلِيمٌ محيط علمه بجميع أعمالهم وأفعالهم وشئونهم وحالاتهم وجميع ما جرى عليهم يجازيهم بمقتضى علمه وخبرته ان خيرا فخير وان شرا فشر اصنع بنا ما أنت به اهل يا مولينا خاتمة سورة النور عليك ايها الموحد المستنير المقتبس من المشكوة الجامعة المصطفوية والمصباح اللامعة النبوية المحمدية أرشدك الله الى غاية ما املك ووفقك الى كمال ما جبلك لأجله ان تحسن الأدب مع النبي الهادي لك الى طريق التوحيد الذاتي وتلازم على محافظة ما أوجب عليك الحق من حقوقه وآدابه ﷺ فلك ان تجعل رتبته ﷺ نصب عينيك وقدوة مناك بحيث لا تترك شيأ من سنته المأثورة وأخلاقه المشهورة وشيمه المعروفة بين اهل الحق وارباب المحبة من المنكشفين بعلو مرتبته ﷺ ورفعة قدره ومكانته ولا تهمل شيأ من الحدود والاحكام الموضوعة في دينه وشريعته ولك ان تختار لنفسك من عزائم شرعه وملته مهما أمكنك ولا تميل الى رخصتها إذ الرخصة انما هي لعوام اهل الايمان والعزائم من شيم الخواص فلك الإخلاص في العمل وعليك

стр. 597

الاجتناب عن الرياء والسمعة وعن عموم الرعونات الواقعة في صدور الأعمال سواء كان عملك قليلا او كثيرا عزائم او رخصا وإياك إياك الحذر عن مداخل الرياء والتلبيس فإنها من شباك إبليس يضل بها ضعفاء الأنام من منهج الرشد وسبيل الاستقامة والسداد عصمنا الله وعموم عباده من تغريرات الشياطين وتسويلاتها بفضله وجوده [سورة الفرقان] فاتحة سورة الفرقان لا يخفى على ذوى البصائر والألباب المنقطعين نحو الحق السائرين اليه الفارقين بينه وبين الباطل من اظلاله المستهلكة المعدومة في أنفسها الظاهرة المرئية في هياكل الموجودات وأشكالها ان إنزال هذا الكتاب الجامع لأحوال النشأتين الحاوي لأطوار المنزلتين انما هو لتفرقة الحق عن الباطل وتمييز المحق من المبطل لذلك قد سماه سبحانه فرقانا بين اهل الهداية والضلال من المجبولين على فطرة التوحيد المخلوقين لمصلحة الايمان والعرفان فمن امتثل بما فيه امرا ونهيا عظة وتذكيرا اشارة ورمزا حقيقة ومعرفة خلقا وأدبا مثالا وعبرة فقد فاز بمرتبة العرفان بعد جذب الحق نحو ذاته وكحل عين بصيرته بكحل التوحيد ورفع سبل الغربة وسدل التعينات عنها برمتها والاسترشاد من هذا الكتاب موقوف على الاتصاف بأوصاف من انزل اليه وعلى التخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه والسلوك اثر سننه بلا فوت شيء منها وإهمال دقيقة من دقائقها حتى تحصل المناسبة المعتبرة بينه ﷺ وبين هذا الكتاب وينزل على قلبه ما نزل فيه من المعارف والحقائق كما اخبر سبحانه عن تنزيله إياه ﷺ متيمنا متبركا باسمه الأعلى بِسْمِ اللَّهِ الذي قد انزل الكتاب على عبده ليبين للناس احوال مبدئهم ومعادهم وينبه عليهم طريق التفرقة بين الحق والباطل والصلاح والفساد الرَّحْمنِ عليهم بإرسال الرسول المبين لهم ما هو الأصلح لحالهم من السداد والإرشاد الرَّحِيمِ يوصلهم الى مرتبة التوحيد الذاتي بعد رفع الحجب بلا ميل والحاد [الآيات] تَبارَكَ الله تعاظم وتعالى ذاته سبحانه من ان يحيط بمنافعه وكثرة خيراته وبركاته عقول مظاهره ومصنوعاته حتى يعدوها بألسنتهم ويعبروا عنها بأفواههم حالا او مقالا الحكيم العليم الَّذِي نَزَّلَ بمقتضى جوده الواسع وكرمه الكامل الْفُرْقانَ اى القرآن الجامع لفوائد الكتب السالفة مع زوائد قد خلت عنها تلك الكتب تفضلا وامتنانا ومزيد اهتمام عَلى شأن عَبْدِهِ ﷺ بعد ما هيأه لقبوله وأعده لنزوله ورباه أربعين سنة تتميما لأمر المناسبة المعنوية وتحصيلا لها حتى يستعد ويستحق لنزول الوحى والإلهام ولخلعة الخلافة والنيابة وانما أنزله هذا لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ اى كافة المخلوقين على فطرة التكليف وعامة المجبولين على استعداد المعرفة واليقين نَذِيراً ينذرهم ويحذرهم عما يضرهم ويغويهم عن صراط الحق وطريق توحيده عناية منه سبحانه إياهم ومرشدا لهم الى مبدئهم ومعادهم وكيف لا يرشدهم سبحانه مع انه هو المالك المطلق والمتصرف المستقل الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ اى عالم الأسماء والصفات المعبر عنها بالعلويات وَالْأَرْضِ اى الطبائع السفلية القابلة للانعكاس من العلويات فلا يضر كثرة الأسماء والصفات وحدوث العكوس والتعينات حسب الشئون والتجليات الإلهية وحدته الذاتية وانفراده الحقيقي وَلهذا لَمْ يَتَّخِذْ سبحانه وَلَداً حتى يتكثر وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ اى في تحققه ووجوده وملكه وملكوته حتى ينازع ويتضرر

стр. 598

بل له خاصة التصرف بالاستقلال والاختيار بلا مزاحمة العكوس والاظلال الهالكة المستهلكة في صرافة وحدته وشمس ذاته وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ بعد ما قدره أولا في حضرة علمه المحيط وأظهره حسب تجلياته بمقتضى آثار أسمائه وصفاته وبعد ما اظهر عموم ما اظهر فَقَدَّرَهُ ثانيا تَقْدِيراً بديعا ودبر امره تدبيرا محكما عجيبا بان اقدر البعض على اختراع انواع الصنائع والبدائع من الحرف والإدراكات الكاملة والتدبيرات الغريبة المتعلقة لتمدنهم ومعاشهم وجعل بعضهم آلة للبعض وبعضهم مملوكا وصيرهم ارواجا وأصنافا مؤتلفة وفرقا وأحزابا مختلفة متخالفة وأنواعا متفاوتة الى ما شاء الله وما يعلم جنود ربك الا هو كل ذلك ليتعاونوا ويتظاهروا واختلطوا وامتزجوا الى ان اعتدلوا وانتظموا وصاروا مؤتلفين موانسين محتاجين كل منهم بمعاونة الآخر وانما فعل سبحانه ما فعل ليظهر كمالاته المتكثرة المندرجة في وحدة ذاته ويظهر سلطان الوحدة الذاتية بظهور ضده وبعد ما بلغت الكثرة غايتها فقد انتهت الى الوحدة كما بدأت منها وانتشئت عنها فحينئذ قد اتصل في دائرة الوجود قوسا الوجوب والإمكان البداية والنهاية ومنشأهما الاول والآخر والظاهر والباطن واتحد الأزل والأبد وارتفعت الكثرة والعدد ولم يبق الا الواحد الفرد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد وَكيف لا يدبر سبحانه امر عباده بانزال الكتب وإرسال الرسل المرشدين لهم الى توحيده بعد ما تاهوا في بيداء الكثرة والضلال مع انهم قد اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ سبحانه آلِهَةً يعبدونها كعبادته مع ان آلهتهم الباطلة لا يَخْلُقُونَ ولا يوجدون ولا يظهرون شَيْئاً من المخلوقات حتى يستحقوا الألوهية والعبادة مع ان من شأن الإله الخلق والإيجاد حتى يستحق التوجه والرجوع اليه بل وَهُمْ يُخْلَقُونَ اى مخلوقون مقدورون لا قادرون خالقون بل هم مرادون وَالمخلوقات التي هي الجمادات لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا اى دفع ضر عنها وَلا نَفْعاً اى جلب نفع إليها وَلا يَمْلِكُونَ ايضا مَوْتاً اى اماتة احد وَلا حَياةً اى احياء له وَلا نُشُوراً اى بعثا وحشرا بعد الموت للحساب والجزاء ومن كان وصفه هذا كيف يتأتى منه الألوهية والربوبية المقتضية للعبودية وَبعد ما أنزلنا القرآن الفرقان على عبدنا ليهدى به التائهين في بيداء الغفلة والضلال قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله واعرضوا عما جاء به من عنده لتكميل الناقصين إِنْ هَذا وما هذه الأراجيف التي قد جاء بها هذا المدعى إِلَّا إِفْكٌ كذب صرف يصرف به العباد عن الحق ويلبس الباطل بصورته ويروجه بهذه الحيل إذ هو افْتَراهُ واختلقه عن عمد من عنده ونسبه الى الوحى تغريرا وتزويرا وترويجا لأمره وَمع ذلك قد أَعانَهُ ولقن له فحواه عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ وهم احبار اليهود وبعد ما قد سمع فحواه منهم عبر عنه في قالب بليغ فأتى به على الناس ولقبه بالقرآن المعجز وبالفرقان والبرهان المثبت المنزل عليه من ربه بطريق الوحى والإلهام ترويجا لمفترياته وتغريرا للناس على قبولها وبالجملة فَقَدْ جاؤُ اى أولئك المسرفون المفرطون بجعل القرآن الفرقان المعجز لفظا ومعنى إفكا صرفا وافتراء محضا ظُلْماً عدوانا ظاهرا وخروجا فاحشا عن حد الاعتدال وَزُوراً قولا كذبا باطلا وبهتانا ظاهرا متجاوزا عن الحد مسقطا للمروءة سقوطا تاما إذ نسبة هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه الى أمثال هذه الخرافات التي قد جاء بها أولئك الجهلة بشأنه في غاية الظلم والزور ونهاية المراء والغرور وَقالُوا ايضا في حق هذا الكتاب ما هو افحش منه وابعد عن شأنه بمراحل وهوانه أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اى أكاذيب قد سطرها

стр. 599

الأولون الأقدمون فيما مضى وهو اكْتَتَبَها واستنسخها من حبر وكتبها له كاتب وبعد ما أخذ سوادها فَهِيَ الأساطير المذكورة تُمْلى وتقرأ عَلَيْهِ اى على محمد بُكْرَةً وَأَصِيلًا غداة وعشيا على سبيل التكرار ليحفظها إذ هو أمي لا يقدر على ان يكرر من الكتاب وبعد ما قد حفظها على وجهها قراها على الناس مدعيا انها قد اوحى الى من عند الله وقد أنزلها على ملك سماوي اسمه جبرئيل قُلْ يا أكمل الرسل بعد ما سمعت مقالهم وتفرست حالهم في العتو والعناد وانواع الإنكار والفساد قد أَنْزَلَهُ اى الفرقان على مع انى أمي كما اعترفتم لا قدرة لي على الإملاء فكيف على الإنشاء العليم الَّذِي يَعْلَمُ بعلمه الحضوري السِّرَّ المكنون والحكمة الكامنة فِي اشكال السَّماواتِ وَاقطار الْأَرْضِ ولهذا أعجزكم بكلامه هذا عن آخركم مع انكم أنتم من ذوى اللسن والفصاحة وعلى أعلى طبقات البلاغة والبراعة فعجزتم عن معارضته بحيث لم يتأت لكم إتيان مثل آية قصيرة منه مع كمال تحديكم ووفور دواعيكم ومع ذلك اما تستحيون ايها المسرفون المفرطون قد نسبتم اليه ما هو برئ منه وبنسبتكم هذه قد استوجبتم العذاب والعقاب عاجلا وآجلا الا انه سبحانه قد أمهلكم رجاء ان تنتبهوا بسوء صنيعكم هذا فترجعوا اليه سبحانه تائبين نادمين فيغفر لكم ما تقدم من ذنبكم ويرحمكم بتوبتكم إِنَّهُ سبحانه في ذاته قد كانَ غَفُوراً للأوابين التوابين رَحِيماً للمتندمين المخلصين وبعد ما قد افرطوا في طعن الكتاب المنزل والقدح ولم يقصروا على القدح والطعن فيه فقط بل أخذوا في طعن من انزل اليه ايضا حسب عداوتهم وشدة شكيمتهم وضغينتهم معه وَقالُوا مستهزئين متهكمين مالِ هذَا الرَّسُولِ يدعى الرسالة والنبوة مع انه لا يتميز عن العوام إذ يَأْكُلُ الطَّعامَ كما نأكل وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لضبط امور معاشه كما نمشي فما مزيته علينا وامتيازه عنا حتى يكون رسولا علينا اولى منا وان كان صادقا في دعوى نزول الملك اليه بالوحي لَوْلا هلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ ظاهرا بلا سترة حتى نراه ونعاين به ونؤمن له بلا تردد فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً اى يكون الملك المنزل ردأ له في انذارنا وتبليغ الدعوة إلينا أَوْ هلا يُلْقى إِلَيْهِ من قبل ربه كَنْزٌ فيستغنى به عن الخلق فيتبعه طمعا للإحسان أَوْ هلا تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ موهوبة له من ربه فيها انواع الثمرات والفواكه يَأْكُلُ مِنْها رغدا ويترفه بها أمدا ويعطى منها الناس فيتبعونه أفواجا وأحزابا وبالجملة ما له لا هذا ولا ذاك ولا ذلك فمن اين نصدق برسالته وباى شيء نعتقده نبيا وَبعد ما قد بالغوا في قدحه وإنكاره وافرطوا في استهزائه وسوء الأدب معه ﷺ وبالجملة قد قالَ الظَّالِمُونَ المنكرون المستكبرون على سبيل الذب والاعراض لضعفاء الأنام عن متابعته ﷺ لو اتبعتم ايها الناس لهذا المدعى وآمنتم به مع انكم قد سمعتم بل علمتم بيانا وابصرتم عيانا ان لا مزية له عليكم ولا امتياز بينه وبينكم إِنْ تَتَّبِعُونَ وما تؤمنون وتقتدون إذا إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً مجنونا قد سحر له فجن فاختبط واختل عقله وكل فهمه لذلك قد تكلم بكلام المجانين فاعرض عن معارضته العقلاء إذا لعقل قاصر عن ادراك مموهات الوهم وتسويلات الخيال وتصويراته انْظُرْ يا أكمل الرسل كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ هؤلاء الضلال بعد ما عجزوا عن معارضتك وتاهوا في كمال رشدك وهدايتك وكيف توغلوا في الحيرة والضلال عن مدركاتك ومكانك فَضَلُّوا وتحيروا وانحسرت عقولهم عن الوصول الى كمالات مدركاتك وانواع هداياتك فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا لتعاليه عن مداركهم

стр. 600

وعقولهم فنسبوك الى ما لا يليق بشأنك عنادا واستكبارا مع انه قد ﵎ ربك الَّذِي رباك بأنواع الكرامات الخارقة للعادات الشاملة لانواع السعادات المعدة لأرباب الشهود والمكاشفات وكذا بأصناف المعجزات الباهرة الدالة على صدقك في جميع ما جئت به من قبل ربك من الآيات البينات وانواع الخيرات والبركات ومع ذلك إِنْ شاءَ ربك وتعلقت مشيئته وارادته جَعَلَ لَكَ يا أكمل الرسل واعطاك في النشأة الاولى ايضا خَيْراً واحسن مِنْ ذلِكَ اى مما قالوا أولئك المسرفون المفرطون وأملوا لك تهكما واستهزاء ولكن قد اخره سبحانه الى النشأة الاخرى إذ هي خير وأبقى والتنعم فيها ألذ واولى إذ اللذات الاخروية انما هي مؤبدة مخلدة بلا انقطاع ولا انصرام. ثم بين سبحانه ما هيأ لحبيبه ﷺ وما أعد لأجله جَنَّاتٍ متنزهات العلم والعين والحق تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ اى انهار المعارف والحقائق المتجددة بتجددات التجليات الإلهية بمقتضى الكمالات الاسمائية والصفاتية وَيَجْعَلْ لَكَ ايضا فيها قُصُوراً عاليات ودرجات مرتفعات متعاليات عن مدارك ذوى العقول والإدراك مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وهم من قصور نظرهم وعمى قلوبهم في هذه النشأة لا يلتفتون في أمثال هذه الكرامات العلية الاخروية بَلْ هم بمقتضى أحلامهم السخيفة قد كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ الموعودة المعهودة وكذا بجميع ما يترتب عليها من المثوبات السنية والدرجات العلية ومن العقوبات والدركات الهوية إذ نظرهم مقصور على هذا الأرذل الأدنى وما فيه وَلهذه قد أَعْتَدْنا وهيئنا بمقتضى قهرنا وجلالنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ وبالأمور الموعودة فيها سَعِيراً نارا مسعرة متلهبة في غاية التلهب ونهاية الاشتعال بحيث إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ يعنى إذا كانوا بمرأى العين منها مع انهم بعيد عنها بمسافة طويلة قد سَمِعُوا لَها مع بعدها تَغَيُّظاً صوتا كصوت المغتاظ من شدة تلهبها وغليانها وَزَفِيراً ايضا كزفرة المغتاظ والزفرة في الأصل ترديد النفس بحيث تنتفخ عند خروجها الضلوع والجوانب يعنى من شدة غيظها لهم تغلى وتتلهب تلهبا شديدا وغليانا مفرطا وتردد نفسها ترديدا بليغا حتى يردوا فيها وهبطوا إليها وَإِذا أُلْقُوا مِنْها اى من النار مَكاناً اى في مكان من أماكنها قد صار ذلك المكان ضَيِّقاً لهم من تشدد العذاب عليهم بحيث صار كل منهم من ضيق مكانهم كأنهم مُقَرَّنِينَ قد قرنت أيديهم الى أعناقهم بالسلاسل والأغلال وبالجملة قد دَعَوْا وتمنوا حينئذ من شدة حزنهم وكربهم هُنالِكَ ثُبُوراً هلاكا وويلا قائلين صائحين صارخين وا ثبوراه وا ويلاه تعال تعال فهذا وقت حلولك وأوان نزولك ويقال لهم حينئذ لا تَدْعُوا ولا تتمنوا ايها الجاهلون الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً بل وَادْعُوا فيه ثُبُوراً كَثِيراً إذ انواع العذاب يتجدد عليكم دائما مستمرا فاطلبوا لكل منها ثبورا قُلْ يا أكمل الرسل موبخا عليهم ومقرعا لهم ومعيرا عليهم بعد ما بينت لهم منقلبهم ومثواهم في الآخرة أَذلِكَ السعير الذي قد سمعتم وصفه او المعنى إذ لك الجنة التي قد املتم لنا مستهزئين من جنات الدنيا ومتنزهاتها خَيْرٌ مرجعا ومصيرا أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ المؤبد المخلد أهلها ونعيمها فيها بلا تبديل ولا تغيير الَّتِي قد وُعِدَ الْمُتَّقُونَ بها وبدخولها والخلود فيها حتى كانَتْ لَهُمْ جَزاءً لاعمالهم الصالحة التي قد أتوا بها في النشأة الاولى وصارت بدلا من مستلذاتها الفانية وَمَصِيراً اى مرجعا ومنقلبا لهم بعد ما خرجوا من الدنيا الدنية مع ان لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ من النعيم المقيم الدائم لكونهم

стр. 601

خالِدِينَ فيها ابدا لا يتحولون عنها أصلا لذلك قد كانَ وصار هذا الوعد الموعود عَلى رَبِّكَ يا أكمل الرسل وَعْداً مَسْؤُلًا مطلوبا للمؤمنين في دعواتهم ومناجاتهم مع الله حيث قالوا في سؤالهم ودعائهم ربنا آتنا ما وعدتنا على رسلك الآية الى غير ذلك من الآيات المشتملة على الدعوات ورفع الدرجات والمناجاة المأثورة من الأنبياء والأولياء وخواص العباد وَاذكر يا أكمل الرسل للمشركين المتخذين آلهة سوانا وحذرهم يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ونبعثهم من قبورهم للعرض والجزاء وَنحشر ايضا معهم ما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد يعنى آلهتهم الذين كانوا يعبدون لهم مثل عبادة الله كالملائكة وعزيز وعيسى والجن والكواكب والأصنام عبر سبحانه عن آلهتهم بما مع ان بعضهم عقلاء لعموم لفظة ما او للتغليب او باعتبار ما يتخذون ويعتقدون آلهة من تلقاء أنفسهم بلا حقيقة لها أصلا سوى الاعتبار إذ معبوداتهم لا يرضون باتخاذهم آلهة وبعد ما حشر الآلهة ومتخذوهم مجتمعين فَيَقُولُ الله سبحانه مستفهما عن الآلهة مخاطبا لهم على سبيل التوبيخ والتبكيت لمتخذيهم أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي عن عبادتي ودعوتم أنتم هؤُلاءِ الى عبادة انفسكم مدعين الشركة معى في الإلهية أَمْ هُمْ بأنفسهم قد ضَلُّوا السَّبِيلَ قالُوا يعنى الآلهة مبرئين نفوسهم عن أمثال هذه الجرأة والجريمة العظيمة منزهين ذاته سبحانه عن وصمة المشاركة والمماثلة عن مطلق الكفاءة سُبْحانَكَ نحن ننزه ونقدس لك يا ربنا عن توهم الشركة في الوهيتك وربوبيتك بل في وجودك وتحققك مطلقا ما كانَ يَنْبَغِي لَنا وما يليق بنا وما يصح منا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ فكيف ان ندعى الولاية لأنفسنا دونك او نزعم الاشتراك معك مع انا نعلم ان لا وجود لنا إلا منك ولا رجوع لنا الا إليك وأنت يا ربنا تعلم منا عموم ما في ضمائرنا وأسرارنا بل جميع ما في استعداداتنا ونياتنا وجميع شئوننا وقابلياتنا وأنت تعلم ايضا منا يا مولانا مالنا علم باتخاذهم وايضا لا إضلال ولا تغرير من قبلنا إياهم وَلكِنْ أنت مَتَّعْتَهُمْ حسب فضلك وجودك بأنواع النعم واصناف الكرم زمانا وَكذا قد متعت آباءَهُمْ كذلك وقد أمهلتهم زمانا مترفهين مترفين مستكبرين حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ اى ذكر المنعم المفضل وغفلوا عن شكر نعمه بالمرة وصاروا عليها زمانا بطرين مفتخرين الى حيث قد أخذوا واتخذوا بمقتضى اهويتهم الفاسدة وآرائهم الباطلة اولياء ظلما وزورا وسموهم أربابا دونك وعبدوهم كعبادتك عتوا واستكبارا وَبالجملة هم قد كانُوا مقدرين مثبتين في حضرة علمك ولوح قضائك قَوْماً بُوراً هالكين في تيه الغفلة والضلال معدودين من اصحاب الشقاوة الازلية الابدية بحيث لا يرجى منهم السعادة والفلاح أصلا ثم قيل للمشركين من قبل الحق تفضيحا لهم وإلزاما وتبكيتا فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ آلهتكم ايها الضالون بِما تَقُولُونَ انهم آلهتنا او بما تقولون هؤلاء أضلونا او بقولكم هؤلاء شفعاؤنا فَما تَسْتَطِيعُونَ اى فالان قد لاح وظهر ان آلهتكم وشفعاءكم لا يقدرون صَرْفاً من عذابنا إياكم شيأ وَلا يقدرون ايضا نَصْراً لكم حتى تصرفوا أنتم عذابنا عن انفسكم بمعاونتهم ولا يقدرون ايضا ان يشفعوا لكم ليخفف عذابنا عنكم وَبالجملة مَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ ايها المشركون علينا باتخاذ غيرنا الها سوانا عنادا ومكابرة ولم يتب عن ذلك حتى قد خرج من الدنيا عليه نُذِقْهُ الآن اى يوم الجزاء عَذاباً كَبِيراً لا عذاب اكبر منه. ثم أشار سبحانه الى تسلية حبيبه ﷺ عما عيره الكفرة الجهلة المستهزءون معه بقولهم ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في الأسواق الآية فقال وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ يا أكمل الرسل رسولا

стр. 602

مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ كما تأكل أنت وسائر الناس وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ لحوائجهم كما تمشى أنت وغيرك وامتياز الرسل والأنبياء من عوام بنى نوعهم انما هو بأمور معنوية لا اطلاع لاحد عليها سوى من اختارهم للرسالة واجتباهم للنبوة والخلافة وهم في ظواهر أحوالهم وأطوارهم مشتركون مع نبي نوعهم بل ادنى حالا منهم في ظواهرهم لعدم التفاتهم الى زخارف الدنيا الدنية ومموهاتها العائقة عن اللذة الاخروية ولهذا ما من نبي ولا رسول الا وقد عيرتهم العوام بالفقر والفاقة الا نادرا منهم وَبالجملة من سنتنا القديمة انا قد جَعَلْنا بَعْضَكُمْ ايها الناس لِبَعْضٍ فِتْنَةً اى سبب افتتان وابتلاء وامتحان واختبار من ذلك ابتلاء الفقراء بتشنيع الأغنياء وتعييرهم والنبيين والمرسلين باستهزاء المنكرين المستكبرين وكذا المرضى بالأصحاء وذوى العاهات بالسالمين الى غير ذلك وانما جعلناكم كذلك لنختبر ونعلم أَتَصْبِرُونَ ايها المصابون بما أصابكم من البلاء فتفوزون بجزيل العطاء وجميل اللقاء أم لا وَالحال انه قد كانَ رَبُّكَ يا أكمل الرسل في سابق قضائه وحضرة علمه بَصِيراً لصبر من صبر وشكر من شكر من اولى العزائم الصحيحة ولمن لم يصبروا ولم يشكروا من ذوى الأحلام السخيفة وسر الاختبار والابتلاء الإلهي انما هو اظهار الحجة البالغة الإلهية حين الأخذ والانتقام إذ الإنسان مجبول على الجدال والكفران وَمن جملة جدالهم قالَ الكافرون الجاحدون الملحدون الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا بل لا يؤملون لقيانا قطعا ولا يخافون عنا مطلقا لإنكارهم بنا وبعموم ما قد وعدنا لهم في يوم الجزاء لو كان محمد رسولا مؤيدا من عند الله لَوْلا هلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ المصدقون لرسالته ليخبرونا بصدقه في دعواه أَوْ هلا نَرى رَبَّنا الذي يدعونا اليه معاينة فيخبر لنا بصدق رسالته حتى نصدقه بلا تردد قال سبحانه في ردهم مقسما على سبيل الاستعجاب والاستغراب والله لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ أولئك المسرفون المفرطون بقولهم هذا مكابرة حيث طلبوا من الله ما لا يسع لخلص عباده من ذوى النفوس القدسية فكيف لهؤلاء الملحدين وَبالجملة قد عَتَوْا باخطار هذا المطلب العظيم في خواطرهم وان صدر عنهم هذا تهكما واستهزاء عُتُوًّا كَبِيراً فاستحقوا بذلك اكبر العذاب وأصعب النكال والوبال اذكر لهم يا أكمل الرسل يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ اى ملائكة العذاب مع انه لا بُشْرى ولا بشارة برؤيتهم يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ بل انما يجيئون إليهم ليجروهم الى جهنم صاغرين مهانين وَبعد ما يرونهم صائلين عليهم صولة الأسود يَقُولُونَ متحسرين خاسرين قولا يقول به العرب عند هجوم البلاء وحلول العناء وعند اليأس التام من الظفر بالمطلوب وهو قولهم هذا حِجْراً مَحْجُوراً هو كناية عن قولهم قد حرمنا عن التبشير بالجنة حرمانا مؤبدا وصرنا مسجونين في النار سجنا مخلدا. ثم قال سبحانه وَبعد ما قد حرمنا الجنة عليهم وجعلنا مصيرهم النار ابدا قد قَدِمْنا وعمدنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ اى أصلح أعمالهم وأحسنها التي قد أتوا بها في النشأة الاولى كقرى الضيف وصلة الرحم واعانة الملهوف واغاثة المظلوم وغير ذلك من حسنات أعمالهم فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً اى قد صيرناه كالغبار المنثور بالرياح بلا ترتب الثواب والجزاء عليه لفقدهم شرط القبول والاثابة وقت صدورها عنهم الا وهو الايمان والتوحيد والتصديق بالرسل والكتب والعمل بمقتضى الوحى وبالجملة هم كفار مكذبون مستكبرون لذلك لم تقبل أعمالهم واما أَصْحابُ الْجَنَّةِ المتصفون بالإيمان والتوحيد وتصديق الرسل والكتب الممتثلون بالأوامر والنواهي بمقتضى

стр. 603

ما بلغهم الرسل وبينهم فهم هم يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا اى من جهة مكان يستقرون عليه ويتوطنون فيه وَأَحْسَنُ مَقِيلًا يستريحون ويستروحون فيه ومع الحور والولدان والغلمان يتلذذون او هم يومئذ اى حين انقطاع السلوك وانكشاف السدل والاغطية المانعة من الشهود خير مستقرا من استقرارهم في مقر التوحيد آمنين من وساوس الأوهام والخيالات الباطلة واحسن مقيلا يستريحون فيه بلا مقتضيات القوى والآلات البشرية منخلعين عن جلابيب ناسوتهم مطلقا مشرفين بخلع عالم اللاهوت المهداة الموهوبة لهم من قبل حضرة الرحموت وَذلك يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ اى تتصفى وتتجلى سماء الأسماء الإلهية المستورة المحتجبة بِالْغَمامِ اى بغيوم التعينات العدمية المنعكسة منها وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ المهيمين عند الذات الاحدية الا وهي الأسماء والصفات التي قد استأثر الله به في غيبه بلا انعكاس وانبساط وامتداد ظل كسائر الأسماء الفعالة الإلهية تَنْزِيلًا على صرافة تجردهم بلا تدنس وانغماس بغيوم التعلقات والتعينات مطلقا فحينئذ نودي من وراء سرادقات العز والجلال الْمُلْكُ المطلق والاستيلاء التام والسلطنة الغالبة يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ الثابت اللائق المثبت على ما ينبغي ويليق لِلرَّحْمنِ المستوي على عروش ذرائر الأكوان بعموم الرحمة وشمول الفضل والامتنان بلا تقدير مكيال وميزان من زمان ومكان وَقد كانَ ذلك اليوم والشأن يَوْماً وشأنا عَلَى الْكافِرِينَ الساترين بغيوم هوياتهم الباطلة هوية الحق الظاهر في الأنفس والآفاق عَسِيراً في غاية العسرة والشدة وعلى الموحدين الواصلين الى مرتبة الفناء الفانين في الله الباقين ببقائه سهلا يسيرا في غاية اليسر والسهولة وَاذكر يا أكمل الرسل لمن ظلمك وأساء الأدب معك وأراد مقتك وطردك بغيا عليك وعدوانا بك يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ الجاحد الخارج عن مقتضى الأدب مع الله ورسوله عَلى يَدَيْهِ تحسرا على افراطه وتفريطه في العتو والاستكبار والجحود والإنكار يَقُولُ حينئذ متحسرا متمنيا يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ الهادي الى سواء السبيل سَبِيلًا يوصلني الى منهج الرشد وينجيني عن هذا العذاب يا وَيْلَتى تعالى ويا هلكتي اسرعى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً مضلا مذلا خَلِيلًا صديقا قد أضلني عن خلة الرسول المرشد المنجى وازالنى عن شرف صحبته والله ذلك المغوى المضل لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ اى عن ذكر الله وتذكير رسوله وعن مصاحبة المؤمنين ومواخاتهم بَعْدَ إِذْ جاءَنِي واختلط معى وصار صديقي وخليلي وخير قرينى ورفيقي بل صار شيطاني فوسوس على وصرفني عن طريق الحق بتغريره وتلبيسه وَبالجملة قد كانَ الشَّيْطانُ المضل المغوى سواء كان جنا او انسا او نفسا لِلْإِنْسانِ المجبول على الغفلة والنسيان خَذُولًا يخذله ويحرمه عن الجنان ويسوقه الى دركات النيران بأنواع الخيبة والحرمان. نعوذ بك يا ذا الفضل والإحسان من شر الشيطان وَبعد ما قد طعنوا في القرآن طعنا كثيرا ونبذوه وراء ظهورهم نبذا يسيرا بلا التفات لهم اليه والى ما فيه من الأوامر والنواهي قالَ الرَّسُولُ مشتكيا الى الله مناجيا معه يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي الذين قد بعثتني إليهم لأهديهم وارشدهم الى طريق توحيدك وأبين لهم حدود ما أنزلت الى من الكتاب المعجز الجامع لجميع ما في الكتب السالفة المشتمل على عموم المعارف والحقائق والحكم والاحكام المتعلقة بالتدين والتخلق في طريق توحيدك وتفريدك وتقديسك مع ان هؤلاء الجهلة المسرفين قد اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مع سطوح برهانه وقواطع حججه وبيانه مَهْجُوراً متروكا لا يلتفتون اليه ولا يسترشدون

стр. 604

منه بل لا يتوجهون نحوه بل يقدحون فيه ويكذبونه وينسبون اليه ما لا يليق بشأنه وَبعد ما قد بث ﷺ شكواه الى ربه وبسط فيها معه سبحانه ما بسط قال سبحانه تسلية له ﷺ وازالة لشكواه لا تبال بهم وبشأنهم ولا تحزن من سوء فعالهم وخصالهم إذ كَذلِكَ ومثل ما جعلنا لك يا أكمل الرسل اعداء منكرين مكذبين قد جَعَلْنا ايضا لِكُلِّ نَبِيٍّ من الأنبياء الماضين عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ المنكرين المكذبين لهم يسيئون الأدب معهم ويطعنون بكتبهم وصحفهم ولا ينصرونهم ولا يروجون دينهم ولا يقبلون منهم قولهم ودعوتهم وليس هذا مخصوصا بك وبدينك وكتابك وَبالجملة لا تحزن عليهم إذ قد كَفى بِرَبِّكَ اى كفى ربك لك هادِياً يرشدك الى مقصدك ويغلبك على عدوك وَنَصِيراً حسيبا يكفيك ويكف عنك مؤنة شرورهم وعداوتهم وانكارهم وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا على سبيل الإنكار والتكذيب للقرآن والرسول على وجه الاعتراض والاستهزاء لَوْلا هلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً من عند ربه كالكتب الثلاثة على الأنبياء الماضين يعنى انهم قد استدلوا بنزوله منجما على انه ليس من عند الله إذ من سنته سبحانه إنزال الكتب من عنده جملة واحدة كالكتب السالفة قال سبحانه تسلية لحبيبه ﷺ وردا للمنكرين انما أنزلناه كَذلِكَ اى منجما متفرقا لِنُثَبِّتَ نقوى ونشيد بِهِ فُؤادَكَ يا أكمل الرسل ونمكنك على حفظه نجوما لان حالك مخالف لحال موسى وداود وعيسى صلوات الله عليهم إذ هم اهل الإملاء والإنشاء والكتابة وأنت أمي ولان انزاله عليك بحسب الوقائع والأغراض والإنزال حسب الوقائع والأغراض ادخل في التأييد الإلهي وَلهذه الحكمة العلية والمصلحة السنية قد رَتَّلْناهُ وتلوناه لك وقرأناه عليك تَرْتِيلًا تدريجيا شيأ بعد شيء على التراخي والتؤدة في عرض عشرين سنة او ثلاث وعشرين وَايضا من جملة حكمة انزاله منجما انه لا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ عجيب غريب يضربون لك جدلا ومكابرة في وقت من الأوقات وحال من الحالات على تفاوت طبقاتهم إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ اى قد جئناك بالمثل الحق على طريق البرهان تأييدا لك وترويجا لأمرك ودينك أوضح بيانا وابلغ تبيانا مما قد جاءوا به وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً كشفا وتبيينا وكيف يتأتى لهم المعارضة والمجادلة معك يا أكمل الرسل مع تأييدنا إياك في النشأة الاولى والاخرى وهم في الدنيا مقهورون مغلوبون وفي الآخرة هم الَّذِينَ يُحْشَرُونَ ويسحبون عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ البعد والخذلان وجحيم الطرد والحرمان وبالجملة أُوْلئِكَ الأشقياء المردودون عن شرف القبول شَرٌّ مَكاناً منقلبا ومصيرا وَأَضَلُّ سَبِيلًا واخطأ طريقا. اهدنا بفضلك سواء سبيلك ثم أخذ سبحانه في تعداد المنكرين الخارجين على رسل الله المكذبين لهم المسيئين الأدب معهم وما جرى عليهم بسوء صنيعهم من انواع العقوبات والنكبات فقال وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ اى التورية المشتملة على الاحكام ليبين الأنام ما فيها من الأوامر والنواهي المصفية للنفوس المنغمسة بالمعاصي والآثام ليستعدوا بقبول المعارف والحقائق المنتظرة لهم المكنونة في استعداداتهم الفطرية وقابلياتهم الجبلية وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً ظهيرا له يوازره ويعاون له في ترويج دينه وتبيين احكام كتابه وبعد ما ايدناهما بانزال التورية واظهار المعجزات فَقُلْنَا لهما اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا الدالة على وحدة ذاتنا واستقلالنا في تصرفات ملكنا وملكوتنا ارادة واختيارا يعنى فرعون وهامان ومن معهما من العصاة والبغاة الهالكين في تيه

стр. 605

العتو والعناد وادعوهم الى توحيدنا واظهرا الدعوة لهم فذهبا بمقتضى الأمر الوجوبي فدعوا فرعون وقومه الى ما امرا فأبوا عن القبول وكذبوهما واستهزؤا معهما كبرا وخيلاء فأخذناهم بتكذيبهم واستنكافهم فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً اى قد أهلكناهم إهلاكا كليا بحيث لم يبق احد منهم على وجه الأرض وَقد دمرنا ايضا قَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ اى حين كذبوا نوحا ومن مضى قبله من الأنبياء إذ قد أمرهم نوح بتصديقهم ايضا والايمان بهم فكذبوا به اصالة وبهم تبعا لذلك أَغْرَقْناهُمْ بالطوفان جميعا وَجَعَلْناهُمْ اى قد جعلنا اغراقنا إياهم بالمرة لِلنَّاسِ المعتبرين من أمثال هذه الوقائع والخطوب العظام آيَةً علامة وعبرة يعتبرون منها ويستوحشون من إلمام أمثالها إياهم لذلك يحسنون الأدب مع الله ورسوله خوفا من بطشه وانتقامه وَكيف لا يخافون من بطشنا وانتقامنا إذ قد أَعْتَدْنا وهيئنا لِلظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضيات حدودنا وأحكامنا عَذاباً أَلِيماً مؤلما أشد إيلام وانتقمنا منهم صعب انتقام وَقد دمرنا ايضا عاداً وَثَمُودَ يعنى قوم هود وصالح ﵉ المكذبين لعموم الأنبياء بتكذيبهم إياهما وانكارهم على ما قد ظهر عليهما من الدعوة الى طريق الحق وَكذا قد دمرنا أَصْحابَ الرَّسِّ ايضا بتكذيبهم رسولهم قيل هم كانوا يعبدون الأصنام فأرسل الله سبحانه إليهم شعيبا ﵇ فكذبوه وهم يسكنون حينئذ حول الرس وهو البئر الغير المطوية فانهارت فخسف بهم وبديارهم وقيل الرس قرية بفلج اليمامة قد كان فيها بقية قوم ثمود فبعث الله إليهم نبيا فقتلوه فهلكوا وقيل اصحاب الرس هي اصحاب الأخدود وقيل قرية بانطاكية قتلوا فيها حبيبا النجار وقيل هم اصحاب حنظلة بن صفوان النبي ﵇ ابتلاهم الله بطير عظيم كان فيها من كل لون وسموها عنقاء لطول عنقها وكانت تسكن جبلهم الذي يقال له فتخ او دمخ وكانت تنقض على صبيانهم فتخطفهم وقت إذ أعوزها الصيد فلذلك سميت مغربا فدعا عليها حنظلة ﵇ فاصابتها الصاعقة ثم انهم قد كذبوا حنظلة ﵇ فقتلوه فاهلكوا لذلك وقيل قوم قتلوا نبيهم ورسوه اى دسوه في بئر وَبالجملة قد دمرنا بواسطة تكذيب رسلنا قُرُوناً أخر اى اهل قرون وإعصار قيل القرن أربعون سنة وقيل مائة وعشرون سنة بَيْنَ ذلِكَ المذكور من الأمم الهالكة كَثِيراً لا يعلم عددها الا الله وَبالجملة كُلًّا اى كل واحد من الأمم الهالكة المذكورة وغير المذكورة قد ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ أولا من الذين هلكوا قبلهم بالتكذيب وبينا له الاحكام والشرائع الموضوعة على مقتضى حكتنا ومصلحتنا فكذبوها ظلما وعدوانا فأهلكناهم بتكذيبهم خيبة وخسرانا بواسطة تلك الخصلة المذمومة المشتركة بينهم وَكُلًّا منهم قد تَبَّرْنا وفتتنا اجزاءه تَتْبِيراً تفتيتا شديدا وتشتيتا بليغا الى حيث لم يبق منهم احد يخلفهم ويحيى اسمهم ثم أخذ سبحانه بتعيير قريش وتوبيخهم وبيان قساوة قلوبهم وشدة شكيمتهم مع رسول الله وكمال غيهم وغفلتهم عن الله ونهاية عمههم وسكرتهم وعتوهم واستكبارهم وخيلائهم في أنفسهم بحيث لم يتأثروا ولم يتعظوا مما جرى على أمثالهم من العصاة البغاة المتمردين عن الله ورسله فقال سبحانه مؤكدا بالقسم على سبيل التعجب من شدة قسوتهم وَالله لَقَدْ أَتَوْا يعنى القريش كانوا يذهبون الى الشأم للتجارة ويمرون في كل مرة ذهابا وإيابا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي قد أُمْطِرَتْ على أهلها مَطَرَ السَّوْءِ يعنى الحجارة قهرا من الله إياهم وزجرا لهم من سوء فعالهم وخروجهم عن حدود الله وسوء الأدب مع الله ورسوله

стр. 606

يعنى لوطا والقرية سدوم معظم بلاد قوم لوط أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها في مرات مرورهم حتى يتذكروا ويتعظوا منها بَلْ كانُوا يرونها في كل مرة إذ هي على طرف الطريق لكن بكفرهم بالله وبكمال قدرته وعزته لا يَرْجُونَ ولا يأملون نُشُوراً اى يوم ينشرون ويحشرون فيه للجزاء ولا يخافون مما سيجرى عليهم فيه لذلك لم يعتبروا ولم يتعظوا منها ومما جرى على أهلها وَمن كمال استكبارهم وشدة غيظهم معك يا أكمل الرسل إِذا رَأَوْكَ في المرأى إِنْ يَتَّخِذُونَكَ وما يحدثون عنك وفي شأنك إِلَّا هُزُواً كلاما مشعرا بالاستهانة والاستحقار والسخرية حيث يقولون في كل مرة من مرات رؤيتهم بك متهكمين أَهذَا الَّذِي قد بَعَثَ اللَّهُ إليكم رَسُولًا يرشدكم ويهديكم الى توحيد ربه ويقيم لكم الحجج والبراهين ليصرفكم عن الهتكم وآلهة آبائكم واسلافكم ومن كمال جده وجهده في شأنه ونهاية سعيه واجتهاده إِنْ كادَ اى انه قد قرب لَيُضِلُّنا ويصرفنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا اى ثبتنا أقدامنا ومكنا قلوبنا ووطنا أنفسنا عَلَيْها اى على عبادة آلهتنا لصرفنا عن آلهتنا البتة وأضلنا عن طريق عبادتهم بسعيه التام وجده البليغ المفرط في ترويج دينه واثبات دعواه وكثرة اظهار ما يخيل له انها حجج ومعجزات وكمال فصاحته في تبيينها وبالجملة لولا صبرنا وثباتنا على ديننا لضللنا عن آلهتنا بإضلاله البتة قال سبحانه ردا عليهم على وجه التنذير والتوبيخ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ أولئك الحمقى الجاهلون حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ النازل عليهم مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا واخطأ طريقا وأسوأ حالا ومآلا أنتم ايها الجاهلون المصرون على الجهل والعناد أم المؤمنون. ثم قال سبحانه على سبيل التوبيخ لعامة المشركين المتخذين الها من غير الله سواء كانوا مشركين بالشرك الجلى او الخفى المسندين الأفعال والحوادث الكائنة في عالم الكون والفساد الى الأسباب والوسائل العادية بمقتضى اهوية نفوسهم وما ذلك الا لجهلهم بالله وغفلتهم عن احاطة علمه وقدرته وجميع أوصافه وأسمائه بجميع ما ظهر وبطن وكان ويكون أَرَأَيْتَ اى أخبرني يا أكمل الرسل ان كنت من اهل الخبرة والذكاء أتهدي أنت وترشد بسعيك وجهدك الى طريق التوحيد ودين الإسلام مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ اى من اتخذ هوى نفسه ومشتهى قلبه الها يعبده كعبادة الله قدم المفعول الثاني للعناية والاهتمام أَفَأَنْتَ يا أكمل الرسل تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا حفيظا تحفظه عن متابعة هواه ومقتضى طبعه مع انا قد جبلناه على تلك الشقاوة والغي والغباوة وأثبتناه في لوح قضائنا وحضرة علمنا كذلك أَمْ تَحْسَبُ أنت وتظن من غاية حرصك وشغفك على ايمان هؤلاء الهلكى أَنَّ أَكْثَرَهُمْ اى اكثر المشركين يَسْمَعُونَ كلمة التوحيد سمع قبول ورضاء أَوْ يَعْقِلُونَ ويفهمون معناه وليس بينهم عارف متدرب متدبر الا من سبقت له العناية الازلية والتوفيق بل إِنْ هُمْ وما أكثرهم في حدود ذواتهم إِلَّا كَالْأَنْعامِ يأكلون ويمشون وعن السمع والشعور الفطري معزولون بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا منها إذ هم مجبولون على فطرة المعرفة والشعور والانعام ليس كذلك فهم أسوأ حالا منها فكيف لا يكونون أسوأ حالا وأضل سبيلا من الانعام ومع استعدادهم وقابليتهم لقبول فيضان أنوار التوحيد ومعرفة كيفية سريان الوحدة الذاتية وامتداد اظلالها على هياكل المظاهر والموجودات قد صاروا محرومين عنها وعن شواهدها والاطلاع عليها غافلين عن لذاتها مع انهم انما جبوا لان يدركوها ويشاهدوا عليها وينكشفوا بسرائرها ومع ذلك لا يجتهدون في شأنها بل لا يلتفتون ايضا مع انه سبحانه قد أشار إليها وصرح بها في كتابه العزيز إرشادا لنبيه العزيز صلّى الله عليه وسلّم

стр. 607

وتنبيها على من تبعه من المؤمنين ليتفطنوا منها الى مبدئهم ومعادهم ويتصفوا بكمال المعرفة والتوحيد فقال مخاطبا لحبيبه ﷺ إذا مثال هذه الخطابات الحبيبية لا يسع في سمع غيره ﷺ أَلَمْ تَرَ ايها المسترشد البصير والمستكشف الخبير إِلى رَبِّكَ اى مربيك الذي رباك بأنواع الكمالات وهداك الى أعلى المراتب وارفع الدرجات كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ اى كيف مهد وبسط اظلال أوصافه وأسمائه وعكوس شئونه وتطوراته على مرايا الاعدام القابلة للتأثر فيتراءى فيها حسب اقتضاء أسمائه الحسنى وصفاته العليا ما لا يتناهى من الصور العجيبة والهياكل الغريبة حتى توهم المحجوبون الفاقدون بصر البصيرة وظنوا انها موجودات حقيقية متأصلة في الوجود مستقلة في الآثار المرتبة عليها ثم افترقوا فذهب قوم الى انها موجودات متأصلة مستقلة بأنفسها مستغنية عن فاعل خارجى يؤثر فيها الا وهم الدهريون القائلون بان الطبيعة تكفى في تكون الأشياء وإذا وجدت الشرائط وارتفعت الموانع تكون الشيء البتة بلا احتياج الى فاعل خارجى مؤثر في وجوده ولم يتفطنوا أولئك الحمقى العمى ان هذه الصور المرئية والاظلال المحسوسة والعكوس المتشعشعة اللامعة عن سراب العدم باقية على عدمياتها الاصلية ما شمت رائحة من الوجود سوى ان ظل الوجود قد انبسط عليها وانعكس منها وآخر الى انها موجودات حقيقية قديمة بالنوع لها صور ومواد قديمة محتاجة الى فاعل خارجى مؤثر موجب بمقارنة الصورة للمادة وهذا مذهب جمهور الحكماء وهؤلاء الهلكى القاصرون عن درك الحق ومعرفته لم يتنبهوا ايضا ان لا قديم في الوجود الا الله الواحد القهار لمطلق السوى والأغيار وآخر الى انها موجودات حقيقية قد ابدعها الله تعالى من العدم على حسب علمه وقدرته واختياره وارادته بلا وجوب شيء عليه في إيجادها وبلا سبق مادة ومدة عليها وهذا مذهب جمهور المتكلمين المليين وهؤلاء ايضا لم يتفطنوا ان العدم لا يقبل الوجود أصلا كما ان الوجود لا يقبل العدم قطعا إذ بينهما تناقض وتضاد حقيقى وتقابل ذاتى لا يتصف أحدهما بالآخر مطلقا ومنشأ توهم هؤلاء الفرق الثلاث اقتصار نظرهم على الصور المرئية ظاهرا وغفلتهم وذهولهم عن ذي الصورة الذي هي اى الصور المرئية والأشباح المحسوسة عكوس واظلال وآثار له ولو علموا ارتباط هذه الصور المرئية المعدومة بذي الصورة وكوشفوا بوحدة الوجود وشهدوا ان لا موجود الا الله الواحد القهار لجميع السوى والأغيار لم يبق لهم شائبة شك في عدمية هذه الصور المرئية كما لا شك لهم في عدمية الصور المرئية في المرايا والعكوس والاظلال المحسوسة في الماء. ومن لم يجعل الله نورا فماله من نور وَبالجملة لَوْ شاءَ وأراد سبحانه عدم انبساط عكس وجوده وإبقاء العدم على صرافته ولم يجعله مرآة لكمالات جود وجوده ولم يلتفت اليه ولم يتجل عليه لَجَعَلَهُ ساكِناً اى لجعل ظل وجوده مقبوضا غير مبسوط ولفنى العالم دفعة وزال وذهب ما فيه من الصور والأشباح لزوال اسبابها واربابها ثُمَّ أوضحنا هذا المد والبسط بمثال واضح من جملة المحسوسات عناية منا لعبادنا حيث جَعَلْنَا الشَّمْسَ حسب إضاءتها وإشراقها وانبساط نورها وشعاعها على ظلمة الليل المشابه بالعدم عَلَيْهِ اى على بسط الوجود على مرايا الاعدام دَلِيلًا أمثالا واضحا موضحا لكيفية امتداد اظلال الوجود وانعكاسها من العدم وذلك ان الشمس إذا أخذت في الإشراق وبسطت النور على الآفاق قد استنار العالم بعد ما كان مظلما وإذا غربت وقضبت عاد العالم على ظلمته التي كان عليها ثُمَّ اى بعد قد بسطنا ظل وجودنا على هياكل المظاهر والموجودات قَبَضْناهُ إِلَيْنا دفعا لتوهم الشركة المنافية لصرافة

стр. 608

التوحيد وان كان بحسب الظاهر إذ لا موجود حقيقة الا الواحد القهار قَبْضاً يَسِيراً سهلا بان قدر ناله التغير والتجدد على تعاقب الأمثال ليدل على ان لا وجود لها لذاتها إذ لو كان وجود من نفسها لم يطرأ عليها التغير والانتقال مطلقا فعلم من هذه التغيرات الواقعة في الأكوان ان لا وجود لها لذاتها في الحقيقة بل لا وجود حقيقة الا للواجب الذي هو نفس الوجود المنبسط عليها. ثم نزل سبحانه عن خطاب حبيبه ﷺ في المعارف والحقائق المتعلقة بالوحدة الذاتية السارية في الأكوان وكيفية ارتباط الأكوان عليها الى مخاطبة العوام على مقتضى استعداداتهم وقابلياتهم فقال وَكيف تغفلون أنتم عن مبدعكم ومظهركم ايها الغافلون مع انه هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً تسترون بظلمته عن أعين الناس لئلا يطلع بعضكم مقابيح بعض وَايضا قد جعل النَّوْمَ فيه سُباتاً راحة للأبدان بعد قطع المشاغل وقضاء الأوطار المتعلقة بالنهار وَايضا قد جَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً تنتشرون فيه في اقطار الأرض لطلب المعاش كل ذلك بتقدير الله وتدبيره وإصلاحه لأمور عباده وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً مبشرا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ اى قدام المطر يبشركم بنزوله وَبعد تبشيرنا إياكم بالرياح المبشرات قد أَنْزَلْنا من مقام جودنا مِنَ جانب السَّماءِ ماءً طَهُوراً متناهيا في الطهارة والنظافة بالغا أقصى غايتها لِنُحْيِيَ بِهِ اى بالماء بَلْدَةً مَيْتاً قفرا يابسا جامدا بأنواع النباتات والخضروات وَنُسْقِيَهُ اى بالماء مِمَّا خَلَقْنا في البراري والبوادي أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً وهي جمع انسان حذف نونه وعوض منها الياء فأدغم او جمع انسى خصهم بالذكر لان اهل الحضر يسكنون قريب المنابع والأنهار وهم ودوابهم انما يسقون من المطر لبعدهم عن المنابع والأنهار وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ اى المطر بَيْنَهُمْ انعاما لهم وإصلاحا لحالهم وكررنا ذكره في هذا الكتاب وكذا في الكتب السالفة لِيَذَّكَّرُوا ويتفكروا في جلائل نعمنا وانعامنا ويواظبوا على شكرها لنزداد لهم ومع ذلك فَأَبى وامتنع أَكْثَرُ النَّاسِ عن قبوله وتذكره بل ما ازدادوا إِلَّا كُفُوراً اى كفرانا للنعم وإنكارا لمنعمها حيث يقولون منكرين على المنعم قد مطرنا بنوء كذا وَمن شدة بغيهم وكفرانهم لَوْ شِئْنا وتعلقت مشيئتنا لإنذار كل منهم بمنذر مخصوص لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ من القرى نبيا نَذِيراً ينذرهم عما هم عليه من الكفران والطغيان ولكن قد بعثناك يا أكمل الرسل الى كافتهم وعامتهم تعظيما لشأنك وإجلالا لقدرك ومكانك فلك ان لا تعي من أعباء رسالتنا وتبليغ ما امرناك به ولا تلتفت الى مزخرفاتهم التي أرادوا ان يخدعوك بها وبالجملة فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ المصرين على الكفر والكفران والعناد والطغيان بحال ولا تتبع أهواءهم مطلقا بل وَجاهِدْهُمْ بِهِ اى بدينك هذا جِهاداً كَبِيراً حتى تقمع وتقلع دينهم الباطل عن أصلها وتروج دينك الحق ترويجا بليغا الى حيث يظهر دينك على الأديان كلها وكفى بالله حسيبا وَقل لهم تنبيها عليهم كيف تغفلون عن ربكم وتنصرفون عن دينه الموضوع فيكم إصلاحا لحالكم مع انه سبحانه هُوَ الحكيم العليم الَّذِي قد مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ اى الشرك والتوحيد وكلاهما متجاورين متلاصقين في فضاء الوجود مع انه هذا اى التوحيد عَذْبٌ فُراتٌ سائغ شرابه للمتعطشين بزلاله وَهذا اى الشرك والكفر مِلْحٌ أُجاجٌ اى مر مالح في كمال الملوحة والمرارة بحيث يقطع أمعاء شاربيها وَمن كمال لطف الله ومرحمته على عباده قد جَعَلَ سبحانه دين الإسلام والشريعة المصطفوية الموضوعة لضبطه بَيْنَهُما

стр. 609

اى بين التوحيد والشرك بَرْزَخاً مانعا من التصاقهما واتصالهما وَقد جعله حِجْراً مَحْجُوراً اى حدا حصينا محدودا مانعا عن امتزاجهما واختلاطهما وَكيف تنكرون ايها المنكرون سريان وحدته الذاتية على صفائح مظاهره مع انه سبحانه هُوَ الَّذِي خَلَقَ اى اظهر وأوجد تنبيها لعباده على سر توحيده مِنَ الْماءِ اى النطفة بَشَراً سويا ذا أجزاء مختلفة طبعا وشكلا صلابة ولينا قوة وضعفا رقة وغلظا الى غير ذلك من الصفات المتقابلة والاجزاء المتفاوتة التي قد عجزت عن تشريح جزء من أجزاء شخص من اشخاص نوع الإنسان فحول الحكماء مع توفر دواعيهم لكشفها الى حيث تاهوا وتحيروا عن ضبط ما فيه من الامتزاجات والارتباطات فكيف عن جميع اجزائه وبعد ما قد قدره سبحانه وسواه بكمال قدرته وقوته ووفور حكمته قسمه قسمين فَجَعَلَهُ نَسَباً وقد جعل قسما منه ذكرا ذا نسب ونسل نسب اليه من يخلفه من أولاده الحاصلة من نطفة وَجعل قسما آخر منه صِهْراً أنثى يصاهر بها اى يختلط ويمتزج الذكر معها إبقاء للنوع وتتميما له لبقائه على سبيل التناسل والتوالد الى ما شاء الله وَبالجملة قد كانَ رَبُّكَ الذي رباك يا أكمل الرسل على كمال الذكاء والفطنة في فهم دقائق توحيده ورقائق تجلياته الجلالية والجمالية قَدِيراً على كل ما أراد وشاء بلا فتور وقصور وَمع كمال قدرته سبحانه وعلو شانه وسطوع برهانه يَعْبُدُونَ من خبث طينتهم وشدة قسوتهم وضغينتهم مِنْ دُونِ اللَّهِ الحقيق بالمعبودية الوحيد في الربوبية والألوهية ذاتا ووصفا واسما ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ يعنى أصناما وأوثانا لا يرجى نفعهم ولا ضرهم لا لأنفسهم ولا لغيرهم وبالجملة لا يملكون شيأ من لوازم الألوهية والربوبية مطلقا وَبالجملة قد كانَ الْكافِرُ الجاهد الجاهل بذات الله وبكمالات أسمائه وصفاته عَلى رَبِّهِ الذي رباه بمقتضى أوصافه وأسمائه ظَهِيراً يظهر عليه بالباطل ويظاهره وينبذ الحق وراء ظهره ويخالفه ولا يلتفت اليه عتوا واستكبارا وَما أَرْسَلْناكَ يا أكمل الرسل إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً الى كافة البرايا وعامة العباد لتبشرهم وترشدهم على ما ينفعهم وتنذرهم عما يضرهم يعنى تهديهم الى المعرفة والتوحيد الذي هم جبلوا لأجله وتمنعهم عن المفاسد المنافية له ولطريقه وان نسبوك يا أكمل الرسل الى أخذ الجعل والرشى لإرشادك وهدايتك إياهم قُلْ لهم تبكيتا وإلزاما ما أَسْئَلُكُمْ وما اطلب منكم عَلَيْهِ اى على تبليغى إياكم ما اوحى الى من ربي وإرشادي لكم بمقتضى الوحى الإلهي مِنْ أَجْرٍ جعل ومال آخذه منكم واجعله سببا للجاه والثروة وانواع المفاخرة والمباهات بها كما هو عادة الجهلة المتشيخين في هذا الزمان هم من عونة الشيطان نسبوا أنفسهم الى الصوفية المتشرعين تلبيسا وتغريرا وأخذوا من ضعفاء العوام من حطام الدنيا بعد ما أفسدوا عقائدهم بأنواع التلبيسات والتدليسات وتحليل المحرمات واباحة المحظورات واختزنوها ثم ادعوا بسببها السيادة والرياسة حتى مضوا عليها زمانا وكثروا الاتباع والاحشام بها وهيئوا الأعوان والأنصار بتلبيسهم هذا ثم بعد ذلك قد بغوا على السلطان وقصدوا الخروج على اولى الأمر والطاعة واشتغلوا بتخريب البلدان وإضرار اهل الايمان وقصدوا اموال الأنام واعراضهم وسبى ذراريهم ومع ذلك قد سموا أنفسهم اهل الحق والعدل واصحاب المعرفة والايمان وارباب اليقين والعرفان الا ذلك هو الخسران المبين والطغيان العظيم عصمنا الله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا بل ما أريد واطلب بتبليغي هذا إِلَّا هداية مَنْ شاءَ وأراد سبحانه بتوفيقه إياه ممن قد سبقت لهم العناية الازلية أَنْ يَتَّخِذَ

стр. 610

ويطلب إِلى رَبِّهِ الذي رباه بأنواع الكمالات سَبِيلًا يوصله الى معرفته وتوحيده وَان انصرفوا عنك يا أكمل الرسل واعرضوا عن هدايتك وارشادك وقصدوا مقتك وقتلك عدوانا وظلما لا تبال يا أكمل الرسل بهم وبشأنهم ولا تحزن عن أمرهم هذا بل تَوَكَّلْ في مقابلتهم ومقاومتهم عَلَى الْحَيِّ القيوم الَّذِي لا يَمُوتُ اى لا يطرأ عليه الموت والفناء وَسَبِّحْ ربك ونزهه عما لا يليق بشأنه مقارنا تسبيحك بِحَمْدِهِ على آلائه ونعمائه الفائضة عليك على التعاقب والتوالي سيما على ما قد اصطفاك من بين البرايا واعطاك الرياسة والسيادة على كافة الأنام والرسالة العامة على قاطبة الأمم وبلغ ما انزل إليك ولا تفرح من ايمانهم ولا تحزن ايضا على كفرهم وطغيانهم وَاعلم انه كَفى بِهِ اى كفى الله سبحانه بِذُنُوبِ عِبادِهِ ما ظهر منهم وما سيظهر وما بطن في استعداداتهم وكمن في قابلياتهم خَبِيراً مطلقا بصيرا على وجه الحضور والشهود ولا يعزب عن حيطة حضرة علمه المحيط شيء منها ومجازيا قديرا ومنتقما عزيزا يجازيهم بقدرته بمقتضى اطلاعه وخبرته وكيف لا يعلم ولا يطلع سبحانه بعموم ما ظهر وما بطن إذ هو القادر الخالق الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ اى ابدعهما واظهرهما وَما بَيْنَهُما من كتم العدم بلا سبق الهيولى والزمان فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ اى في الجهات والأقطار الستة المحفوفة بها عموم الكوائن والفواسد ثُمَّ بعد ما كمل ترتيبها على ابلغ النظام قد اسْتَوى وتمكن وبسط واستولى عَلَى الْعَرْشِ اى عروش عموم المظاهر بالاستيلاء التام والبسطة العامة الغالبة الرَّحْمنُ الذي قد وسعت رحمته وعمت مرحمته على كل ما ظهر وما بطن غيبا وشهادة فَسْئَلْ بِهِ اى بما ذكر من خبرة الله واحاطة علمه وقدرته وإظهاره عموم ما برز وخفى وغاب وشهد واحاطته وشموله واستيلائه على عروش عموم الأكوان بالرحمة العامة الشاملة خَبِيراً بصيرا اذله خبرة تامة وولاية كاملة يخبرك بصدقها ارباب القلوب الصافية الواصلين الى مرتبة الكشف والشهود ممن سبقت لهم العناية الازلية وجذبته الجذبة الجالبة الغالبة الإلهية من قبل الحق المفنية لهم عن ذنوب انانياتهم الباطلة المبقية لهم ببقاء الحق الحقيق بالحقية وَمع ظهور استيلاء الحق وانبساطه على عروش ذرائر الأكوان إِذا قِيلَ لَهُمُ على وجه الإيقاظ عن نعاس النسيان والتنبيه عن نومة الحرمان ورقدة الخذلان اسْجُدُوا واخضعوا وتذللوا لِلرَّحْمنِ المظهر من كتم العدم بسعة رحمته وجوده قالُوا منكرين له مع كمال ظهوره مستفهمين على سبيل الاستغراب والاستبعاد وَمَا الرَّحْمنُ الذي أنت تدعونا الى سجوده وقد أتوا في سؤالهم بلفظة ما من غاية نكارته عندهم وشدة انكارهم عليه قائلين ايضا أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا يعنى انخضع ونتذلل اى كل منا لكل مما تأمرنا بسجوده وتذلله أنت من تلقاء نفسك بلا برهان لاح لدينا ودليل ظهر علينا وَبالجملة ما زادَهُمْ قولك وأمرك هذا إياهم الا نُفُوراً عن الحق وطريق توحيده بخبث طينتهم وشدة شكيمتهم وغاية غيهم وقسوتهم وكيف يتنفرون وينصرفون أولئك الجاهلون الغافلون عن سجوده سبحانه مع انه قد ﵎ شأنه ان ينصرف عنه ويتنفر عن عبادته احد من عباده سبحانه مع كثرة خيراته وبركاته عليهم لأنه الَّذِي قد جَعَلَ فِي السَّماءِ اى العلويات بُرُوجاً لتكون منازل الكواكب المدبرة للأمور الارضية وَبعد ما هيأها سبحانه على ابلغ النظام وابدعه قد جَعَلَ فِيها سِراجاً اى شهبا مضيئة دائرة من بروج الى بروج وَقَمَراً مُنِيراً منقلبا من منزل الى منزل من المنازل المذكورة المعروفة

стр. 611

ليحصل من دورانهما وانقلاباتهما الفصول الاربعة المصلحة لأحوال ما في السفليات من المواليد الثلاثة وَكيف تغفلون عن الصانع الحكيم ايها الضالون المكابرون مع انه سبحانه هُوَ الحكيم العليم المدبر العظيم الَّذِي جَعَلَ لكم اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً متعاقبة متجددة مخلفا أحدهما بالآخر ليكونا مرصدا وميقاتا لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ يتذكر لآلاء الله المتوالية المتتالية عليه الفائضة من عنده على تعاقب الأوقات والآنات وتتابع الازمنة والساعات أَوْ أَرادَ شُكُوراً اى أراد ان يشكر على نعمائه الواصلة اليه في خلالهما وَالمتذكرون لآلاء الله المواظبون لأداء حقوقها حسب طاقتهم وقدر قوتهم هم عِبادُ الرَّحْمنِ الواصلون الى مرتبة الرضوان الفائزون بلقاء الحنان المنان اللائح على صفائح الأكوان وعلامتهم انهم الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى وجه الْأَرْضِ التي هي محل انواع الفتن والفسادات هَوْناً هينين لينين بلا منازعة وجدال مع احد من بنى نوعهم وبلا سوء خصال وقبح فعال معهم من كبر وخيلاء وعجب ورياء وَهم من كمال سكينتهم ووقارهم وتلطفهم لعباد الله إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ بعلو شأنهم ورفعة مكانتهم ومكانهم سيما بما يكرهون من الشتم والوقاحة والاستهزاء قالُوا من سلامة نفوسهم وطيب قلوبهم سَلاماً وتسليما عليهم بلا تغير منهم وتأثر من قولهم وتركا لانتقامهم ومخاصمتهم توطينا لنفوسهم على التسليم والرضا بجريان القضاء من غاية الحلم وكظم الغيظ هكذا حالهم وشغلهم بين الناس في النهار واما في الليل وَهم الَّذِينَ يَبِيتُونَ ويدخلون في الليل بائتين قد صاروا في خلاله لِرَبِّهِمْ سُجَّداً ساجدين واضعين جباههم على تراب المذلة والهوان طلبا لمرضاة الله بلا شوب السمعة والرياء والعجب والهوى لكونهم خالين في خلاله مع الله بلا وقوف احد عليهم وَقِياماً قائمين بين يدي الله تواضعا وإكراما وَالَّذِينَ يَقُولُونَ في مناجاتهم مع الله ورفع حاجاتهم نحوه سيما أعقاب صلواتهم وتهجداتهم في خلواتهم رَبَّنَا يا من ربانا بأنواع الكرامات اصْرِفْ عَنَّا بفضلك وجودك عَذابَ جَهَنَّمَ المعدة لعصاة عبادك إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً حتما لازما لنا لولا فضلك بنا وإحسانك علينا فإنهم مع كمال توجههم وتحننهم نحو الحق على وجه الإخلاص ورسوخهم في الأعمال الصالحة الخالصة بلا فوت شيء من لوازمها خائفون وجلون عن بطشه سبحانه وانتقامه لأنهم لا يتكؤن ولا يتكلون الى أعمالهم وطاعاتهم ولا يثقون بها بل ما يعتمدون ولا يثقون ولا يتمسكون الا بفضل الله وسعة رحمته وجوده قائلين مستبعدين من النار إِنَّها اى جهنم البعد والحرمان قد ساءَتْ مُسْتَقَرًّا لا يستقر احد فيها ساعة وآنا وَكيف ان يكون لنا مُقاماً نقيم فيها زمانا وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا مما رزقهم الله من الأطائب المكتسبة بالأيدي على الفقراء والمساكين لَمْ يُسْرِفُوا في الانفاق الى ان وصل حد التبذير المذموم عقلا وشرعا وَلَمْ يَقْتُرُوا في الإمساك والمنع ايضا الى ان وصل حد التقتير المحرم المكروه المنكر شرعا وعقلا ومروءة وعادة وَبالجملة قد كانَ انفاقهم بَيْنَ ذلِكَ قَواماً وسطا عدلا بين طرفي الإفراط والتفريط المذمومين الساقطين عن درجة الاعتبار عند الله وعند المؤمنين المسقطين للنفس عن الاعتدال الحقيقي المقبول عند الله وعند عموم عباده وَبالجملة أولئك المعتدلون المقسطون هم الموحدون الَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ الواحد المستقل بالالوهية والربوبية إِلهاً آخَرَ يستحق للعبودية مثله وَمن جملة خصائلهم الحميدة انهم لا يَقْتُلُونَ بحال من الأحوال النَّفْسَ الَّتِي

стр. 612

قد حَرَّمَ اللَّهُ الحكيم العليم المتقن في أفعاله وأحكامه قتلها إذ كل نفس من النفوس البشرية انما وضعت وبنيت لتكون بيتا لله مهبطا لوحيه والهامه منزلا ومحلا لحلول سلطان وحدته الذاتية ومجلى لظهور أسمائه الحسنى وصفاته العظمى فلا يصح ولا يجوز هدم بيته وتخريب بنائه إِلَّا بِالْحَقِّ اى بالرخصة الشرعية الموضوعة بوضع الله سبحانه حدا او قصاصا وَمن جملة أخلاقهم الحميدة انهم لا يَزْنُونَ عدوانا وعدولا عن مقتضى الحد الشرعي والوضع الإلهي في حفظ النسب وعن اختلاط النطف والمياه إذ هو من اخس المحرمات وافحش المحظورات لذلك عقبه سبحانه بالوعيد الهائل تنبيها لفظاعتها فقال وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اى الزنا التي هي الفعلة الشنيعة والديدنة القبيحة المتناهية في القبح والشناعة المستكرهة عند الطبائع السليمة المسقطة للمروءة الفطرية والعدالة الإلهية يَلْقَ يوم الجزاء أَثاماً اى جزاء مسمى بالآثام مبالغة وتأكيدا كان اسم الإثم موضوع له حقيقة وهو الجامع لجميع ما يطلق عليه اسم الإثم مبالغة ادعاء لذلك يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ لا تضعيفا مرة بل أضعافا كثيرة وَمع ذلك التضعيف والتشديد يَخْلُدْ ويدم فِيهِ اى في العذاب مُهاناً صاغرا ذليلا بين عموم اهل النار إذ الزنا من أقبح الجرائم عند الله وأفحشها إذ لا جرم عنده سبحانه أعظم من هتك محارمه أعاذنا الله وعموم عباده من ذلك إِلَّا مَنْ تابَ عما جرى عليه من سوء القضاء ورجع الى الله نادما عن فعله خائبا خاسرا مستحيا من الله خائفا عن بطشه مكذبا لنفسه معيرا عليها متأوها متحسرا عما صدر عنها وَمع ذلك قد آمَنَ بتوحيد الله وأكد توبته بتجديد الايمان المقارن بالإخلاص الصائن للمؤمنين عن ارتكاب عموم المحظورات المنافية للايمان وَبالجملة قد جدد إيمانه معتقدا انه حين صدور الزنا عنه لم يكن مؤمنا ومع اظهار التوبة على وجه الندم والإخلاص وتجديد الايمان ساعة فساعة قد عَمِلَ عَمَلًا صالِحاً منبئا عن إخلاصه في إيمانه وتوبته مشعرا على يقينه ومعرفته دالا على انابته ورجوعه عن ظهر القلب وصميم الفؤاد فَأُوْلئِكَ السعداء التائبون الآئبون المقبولون هم الذين يُبَدِّلُ اللَّهُ الحكيم المصلح لأحوال عباده بعد ما وفقهم على التوبة الخالصة والانابة الصحيحة الوثيقة سَيِّئاتِهِمْ التي قد أتوا بها قبل التوبة حَسَناتٍ بعدها بان يمحو سبحانه بفضله معاصيهم المثبتة في صحائف أعمالهم قبل انابتهم ويثبت بدلها حسنات بعدها وَكانَ اللَّهُ المطلع لسرائر عباده وإخلاصهم غَفُوراً لهم متجاوزا عن ذنوبهم وان عظمت بعد ما جاءوا بالتوبة الخالصة رَحِيماً عليهم يقبل توبتهم ويعفو زلتهم وَبالجملة مَنْ تابَ ورجع الى الله نادما على ما مضى عليه من المعاصي وَعَمِلَ عملا صالِحاً تلافيا لما فات عليه من الطاعات والحسنات جابرا بما انكسر من قوائم إيمانه واعمدة يقينه وعرفانه فَإِنَّهُ يَتُوبُ ويرجع إِلَى اللَّهِ المفضل المحسن الكريم الرحيم مَتاباً توبة مقبولة عند الله مرضية دونه سبحانه وَبالجملة المؤمنون المقبولون المبرورون عند الله هم الَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ والشهادة الباطلة المسقطة للعدالة والمروءة رأسا وَايضا إِذا مَرُّوا فجاءة بغتة بلا سبق ترقب وتجسس بِاللَّغْوِ مطلقا اى ما يجب ان يلقى ويطرح من المكروهات الشرعية والمحظورات والمستهجنات سواء كانت قولية او فعلية قد مَرُّوا عليها كِراماً مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه مستغفرين من الله لمن ابتلاه الله به غاضين أبصارهم عن تدقيق النظر نحوه وتكرير المشاهدة اليه والمبالغة في المطارحة والمطالعة فيه وبالجملة قد مروا باللغو على وجه التلطف والرفق والتستر والتليين

стр. 613

بحيث يستحيى من غاية رفقهم ولطفهم المبتلون به لعل الله يتوب عليهم بكرامة رفقهم وبكرمه سبحانه بحيث لا يحومون حول ذلك اللغو بعد ذلك أصلا ولا يرومونه مطلقا لو جبلوا على فطرة الهداية والكرامة وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا ووعظوا بِآياتِ رَبِّهِمْ الدالة على توحيده واستقلاله في ألوهيته وربوبيته لَمْ يَخِرُّوا ولم يسقطوا عَلَيْها اى على تلك الآيات صُمًّا أصمين غافلين عما فيها من الأوامر والنواهي والعبر والأمثال والرموز والإشارات وَعُمْياناً عميا عن مطالعة آثار أوصافه الجلالية وصفاته الجمالية فيها بل يخرون ويتذللون عند سماعها داعين حافظين بما فيها من المواعظ والتذكيرات المتعلقة لأحوالهم في النشأتين مطالعين منها آثار الأوصاف والأسماء الذاتية الإلهية ناظرين عليها بنظر العبرة والاستبصار مسترشدين منها حسب ما يسر الله لهم ووفقهم عليه وَالَّذِينَ يَقُولُونَ داعين نحونا مناجين إلينا متضرعين قائلين رَبَّنا يا من ربانا على فطرة التوحيد والإيقان هَبْ لَنا بفضلك وسعة لطفك وجودك ممن في حوزتنا وحيطتنا وكشف حفظنا وجوارنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ اى اجعلهم بحيث تقر وتتنور عيوننا برؤيتهم من كمال صلاحهم وسدادهم ممتثلين بعموم أوامرك مجتنبين عن جميع نواهيك وَبعد ما قد وهبت لنا ولاهلينا يا مولانا ما تقر به عيوننا من الاتقاء عن محارمك والامتثال بأوامرك اجْعَلْنا بلطفك لِلْمُتَّقِينَ المحترزين الحذرين الحاذرين الخائفين عن محارمك ومنهياتك إِماماً مقتدى لهم مرشدا إياهم حسب توفيقك وتيسيرك نرشدهم الى طريق توحيدك وسبيل تقريدك وتمجيدك وبالجملة أُوْلئِكَ السعداء المقبولون عند الله المذكورة اوصافهم من قوله سبحانه وعباد الرحمن الى هنا هم الذين يُجْزَوْنَ عند ربهم تفضلا عليهم وامتنانا الْغُرْفَةَ التي هي عبارة عن أعلى درجات الجنان وارفع مقاماتها كل ذلك بِما صَبَرُوا اى بسبب صبرهم وثباتهم على مشاق الطاعات والعبادات ومتاعب الرياضات والتحمل على قطع التعلقات وترك المألوفات وعلى الذب والانصراف عن جملة المشتهيات والمستلذات وَبعد ما استقروا عليها يُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وترحيبا من قبل الملائكة من جميع الجوانب والجهات وَسَلاماً اى سلامة وتسليما لهم عن جميع الآفات والعاهات خالِدِينَ فِيها اى الجنة لا يتحولون عنها ولا يتبدلون بل دائمون فيها مقيمون لذلك قد حَسُنَتْ الجنة مُسْتَقَرًّا لهم يستقرون فيها ويتمكنون عليها وَمُقاماً يقيمون ويتوطنون. ثم لما دعا رسول الله ﷺ عموم المشركين الى طريق الايمان والتوحيد وأمرهم بالطاعة والانقياد بعموم ما أمرهم الله ونهاهم سبحانه عنه بمقتضى الوحى والإلهام والكتاب المنزل من عنده وكذبوه وأنكروا له مكابرة وعنادا قائلين نحن لا نؤمن بك ولا بكتابك ولا بربك الذي ادعيت الرسالة من عنده ولا نطيع بما أمرنا به ونهينا عنه مطلقا وبالجملة نحن لا نقبل منك عموم ما جئت به من قبل ربك ونسبته اليه افتراء ومراء رد الله عليهم بقولهم هذا على ابلغ وجه وآكده مخاطبا لحبيبه ﷺ آمرا له بقوله قُلْ يا أكمل الرسل بعد ما انصرفوا عن دعوتك وعن الايمان بك وبربك وبكتابك ما يَعْبَؤُا بِكُمْ وما يبالى ولا يعتد لا بايمانكم ولا بكفركم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ اى إطاعتكم وعبادتكم إياه وانقيادكم له فَقَدْ كَذَّبْتُمْ أنتم بي وبربي وانكرتم بجميع ما جئت به من عنده سبحانه عنادا ومكابرة الزموا مكانكم فتربصوا وانتظروا لجزاء تكذيبكم وانكاركم فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً اى سيكون جزاء تكذيبكم وانكاركم حتما لازما ملازما عليكم جزما لا مقطع عنكم ابدا بل يكبكم سبحانه في النار خالدين صاغرين ويعذبكم فيها ذليلين مهانين نعوذ بك يا ذا القوة المتين

стр. 614

خاتمة سورة الفرقان عليك ايها المحمدي الملازم لتهذيب الأخلاق عن الرذائل وتطهير الصفات عن ذمائم الأفعال والأطوار وعن القبائح والأسرار وعن الميل والالتفات الى السوى والأغيار من الأمور المنافية المكدرة لصفاء مشرب التوحيد ان تتأمل وتتعمق في مرموزات الآيات العظام المذكورة في هذه السورة سيما في الآيات التي قد وصف بها سبحانه خلص عباده المتحققين بمرتبة العبودية المنكشفين بسعة اسمه الرحمن المظهر لمظاهر عموم الأكوان شهادة وغيبا وتتدبر في إشاراتها حق التدبر والتفكر الى ان يترسخ في قلبك معانيها ترسخا تاما وينتقش في صحيفة سرك وخاطرك فحاويها انتقاشا كاملا الى ان تصير من جملة وجدانياتك وذوقياتك وبعد ما قد صرت ذا وجدان وحال بها وذقت حلاوتها قد فزت بغرفات جنة الرضا ورضوان التسليم فحينئذ يترشح في صدرك من رشحات بحر الوحدة الذاتية وتعرضت أنت لروح الحق واستنشقت من نفحات النفسات الرحمانية المهبة من فناء حضرة الرحموت ومن قبل يمن عالم اللاهوت المصفية عن كدر التعينات الهيولانية والتعلقات الطبيعية فلك ان لا تنظر ولا تلتفت بعد ذلك ابدا الى مقتضيات علائق ناسوتك مطلقا وتجمع همك نحو لوازم لاهوتك لعل الله ينقذك بفضله عن أغلال انانيتك وسلاسل بشريتك بمنه وجوده [سورة الشعراء] فاتحة سورة الشعراء لا يخفى على من تحقق بمقام الرضا والتسليم وفوض امره الى الحكيم العليم وانكشف له ان لا فاعل للافعال الا هو بل لا موجود في الوجود سواه ولا متصرف بالاستقلال والاختيار غيره ان جميع ما جرى في فضاء الوجود غيبا وشهادة ازلا وابدا انما هو مستند اليه سبحانه ومن آثار أوصافه وأسمائه بلا شركة ومظاهرة من احد سواه ومتى تحقق عنده هذه الأمور واتضح لديه هذا المذكور فله ان يترك التصرف مطلقا بحيث لا يحزن عن فقد شيء ولا يفرح عن وجده بل حينئذ لا بد ان يرتفع عنه الارادة والكراهة والوجدان والفقدان والربح والخسران والسرور والخذلان مطلقا بل صار راضيا بجميع ما جرى عليه من القضاء لذلك خاطب سبحانه حبيبه ﷺ بما خاطب وعاتبه بما لاح عليه من امارات المحبة المفرطة والارادة الكاملة بإيمان من يدعوهم الى التوحيد من الكفرة المعاندين وعلامات الحزن والكراهة من إصرارهم وتعنتهم على ما هم عليه من الكفر والشقاق فقال متيمنا باسمه الأعلى ﵎ بِسْمِ اللَّهِ المدبر المصلح لمفاسد عباده بمقتضى ارادته واختياره الرَّحْمنِ عليهم بافاضة الوجود ليتنبهوا بربوبيته ويواظبوا على أداء طاعته وعبادته الرَّحِيمِ لهم يوصلهم الى فضاء وحدته بعد ما أخلصوا التوجه نحوه وأتوا بالأعمال الصالحات طلبا لمرضاته [الآيات] طسم يا طالب السعادة والسيادة المؤبدة المخلدة ويا طاهر الطينة والطوية من ادناس الطبيعة البشرية ويا سالم السر والسريرة من العلائق الناسوتية ويا ما حي آثار الرذائل المكدرة لصفاء مشرب التوحيد تِلْكَ الآيات العظام المذكورة في هذه السورة آياتُ الْكِتابِ اى نبذ من آيات القرآن الْمُبِينِ المبين المظهر لدلائل التوحيد واليقين الموضح للبينات الساطعة والبراهين القاطعة الدالة على حقية دينك القويم انا أنزلناه إليك يا أكمل الرسل تأييدا لأمرك وتعظيما لشأنك فلك ان تبلغها على قاطبة الأنام وعامة المكلفين على الوجه

стр. 615

الذي تلى واوحى إليك بلا التفات منك الى ايمانهم وكفرهم وتصديقهم وتكذيبهم بل ما عليك الا البلاغ وعلينا الحساب الا انك في نفسك ومن فرط محبتك لإيمانهم بك وبدينك وبكتابك لَعَلَّكَ باخِعٌ مهلك قاتل نَفْسَكَ تحسرا وتحزنا أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ اى لأجل ان لا يكونوا مصدقين لك ولدينك وكتابك مع انا لا نريد ايمانهم وهدايتهم بل قد مضى في لوح قضائنا وثبت في حضرة علمنا المحيط كفرهم وضلالهم وما يبدل القول لدينا ولا يغير حكمنا بل إِنْ نَشَأْ اى ان تعلقت ارادتنا ومشيئتنا لإيمانهم نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً ملجئة لهم الى الايمان والتصديق فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ اى قد صارت حين نزول الآية أعناقهم التي هي آلات كبرهم وخيلائهم من كمال الإطاعة والانقياد لَها اى للآية الملجئة النازلة خاضِعِينَ منكوسين منكسرين منخفضين بحيث لا يتأتى لهم الاعراض عنها والتكذيب بها أصلا وَمتى لم تتعلق مشيئتنا لم ننزل آيتنا فلم يؤمنوا بل صاروا مصرين على إصرارهم إذ ما يَأْتِيهِمْ وما ينزل عليهم مِنْ ذِكْرٍ من عظة وتذكير نازل مِنْ قبل الرَّحْمنِ تفضلا عليهم مُحْدَثٍ مستبدع على الأعصار والأزمان لإصلاح ما في نفوس أهلها من المفاسد والضلال إِلَّا كانُوا عَنْهُ اى عن الذكر المحدث والهداية المبدعة مُعْرِضِينَ منصرفين لعدم تعلق مشيئتنا بقبولهم بل ما أرسلناك يا أكمل الرسل إليهم وما امرناك بدعوتهم وتبليغهم الا ليتعظ ويتذكر منهم من وفقناه وسبقت له العناية الازلية من لدنا من خلص عبادنا وقد تعلقت ارادتنا بهدايتهم ورشدهم من اصل فطرتهم واستعدادهم بعد ما بلغت إليهم الذكر والعظة المهذبة لقلوبهم عن رين الكفر وشين الشرك العارض لهم من قبل آبائهم وأسلافهم قد سمعوها سمع قبول ورضا إذ كل ميسر موفق لما خلق له واما المجبولون على فطرة الشقاوة المطبوعون على قلوبهم بغشاوة الغفلة والضلال أمثال هؤلاء الضلال فَقَدْ كَذَّبُوا بها حين سمعوها ولم يقتصروا على تكذيبها فقط بل قد استهزؤا بها وبك يا أكمل الرسل عتوا واستكبارا فلك ان لا تلتفت إليهم ولا تبالي بهم وبايمانهم فَسَيَأْتِيهِمْ عن قريب أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ اى اخبار ما أنكروا واستهزؤا به عنادا ومكابرة وما يترتب عليها من الجزاء فيظهر حينئذ اهو حق حقيق بان ينقاد ويتبع أم هو باطل واجب التكذيب والانصراف عنه وكيف ينكرون بآياتنا الدالة على كمال قدرتنا أولئك المعرضون المصرون عنادا ومكابرة أَوَلَمْ يَرَوْا ولم ينظروا ولم يتفكروا حتى يعتبروا مع انهم مجبولون من اهل النظر والاعتبار إِلَى عجائب الْأَرْضِ اليابسة الجامدة كَمْ أَنْبَتْنا وكثيرا أخرجنا من كمال قدرتنا ووفور حكمتنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ اى أجناس كثيرة من النباتات والحيوانات والمعدن وغير ذلك مما لا اطلاع لهم عليه إذ ما يعلم جنود ربك الا هو كَرِيمٍ كلها ذوو الكرامات والبركات وانواع المعارف والخيرات وبالجملة إِنَّ فِي ذلِكَ اى في إنبات كل من انواع النباتات وإخراج كل من اصناف الحيوانات وأجناس المعادن منها لَآيَةً بينة واضحة قاطعة دالة على ان منبتها ومخرجها متصف بعموم أوصاف الكمال ونعوت الجمال والجلال فاعل بالاختيار والاستقلال بلا مزاحمة الأشباح والأمثال وَهي وان كانت في غاية الوضوح والجلاء لكن ما كانَ أَكْثَرُهُمْ اى اكثر الناس مُؤْمِنِينَ موقنين على الايمان والتوحيد في علم الله ولوح قضائه لذلك لم يؤمنوا بالآيات العظام ولم يستدلوا منها الى وجود الصانع الحكيم العليم العلام القدوس السلام المنزه ذاته عن طريان التقضي والانصرام وَ

стр. 616

ان كذبوك يا أكمل الرسل بما قد جئت به من الآيات العظام وعاندوا معك في قبولها لا تبال بهم ولا تحزن عليهم إِنَّ رَبَّكَ الذي رباك بأنواع الكرامات لَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب المقتدر على انواع البطش والانتقام الرَّحِيمُ الحليم الذي لا يعجل بالعذاب وان استوجبوا بل يمهلهم زمانا لعلهم يتنبهون على ما فرطوا من سوء المعاملة مع الله ورسوله وآياته فيتوبون نادمين خاشعين صاغرين. ثم أشار سبحانه الى تعداد المكذبين الضالين عن طريق التوحيد التائهين في تيه الغفلة والغرور فقال وَاذكر يا أكمل الرسل للمنصرفين عنك وعن آياتك عنادا قصة أخيك موسى الكليم عليه صلوات الرحمن مع فرعون وملائه وقت إِذْ نادى رَبُّكَ عبده مُوسى واوحى اليه بعد ما قد ظهر الفساد في الأرض من استيلاء فرعون وملائه على بنى إسرائيل واستعبادهم وقتل أبنائهم واستحياء نسائهم عدوانا وظلما حيث قال سبحانه أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ اى لك الإتيان بالدعوة والرسالة يا موسى على القوم الخارجين عن مقتضى الحدود الإلهية الموضوعة بين العباد لبقاء الإنصاف والانتصاف بينهم يعنى قَوْمَ فِرْعَوْنَ الطاغي الباغي الذي قد ظهر على عباد الله بأنواع الجور والفساد فقل لهم أولا بعد ما ذهبت إليهم على سبيل التنبيه أَلا يَتَّقُونَ اما يحذرون عن قهر الله أولئك المفسدون المسرفون المكابرون المتجاوزون عن مقتضى العقل والنقل وبعد ما ناداه سبحانه بما ناداه قالَ موسى ملتجأ الى الله مناجيا له رَبِّ يا من رباني بأنواع اللطف والكرم إِنِّي من شدة ضعفى وانفرادي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ولا يقبلون منى دعوتي ولا يلتفتون الى وَبذلك يَضِيقُ صَدْرِي ويكل خاطري عن تبليغ ما أمرتني وَبعد ما قد ضاق صدري وكل خاطري لا يَنْطَلِقُ ولا يجرى حينئذ لِسانِي على تبيينه وتفهيمه مع ان في لساني لكنة جبلية وبالجملة انا وحدي لا اطيق بحمل أعباء الرسالة وتبليغها إليهم واجعل لي يا رب ظهيرا لي يعينني في شأنى هذا وأخي اولى بي بالمظاهرة والمعاونة إياي فَأَرْسِلْ حسب فضلك وجودك حامل وحيك جبريل ﵇ إِلى هارُونَ أخي وأمره ان يشرك في امرى حتى نذهب كلا الأخوين الى فرعون ونبلغ رسالتك إياه وَلا سيما لَهُمْ اى لقوم فرعون عَلَيَّ ذَنْبٌ عظيم وهو انى قد قتلت منهم قبطيا فيما مضى فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ بقصاصه قالَ سبحانه في جوابه على سبيل الردع والمنع كَلَّا اى ارتدع يا موسى عن الخوف منهم وانزجر عنه بعد ما أيدناك واصطفيناك للرسالة ولا تبال بهم وبكثرتهم وشوكتهم إذ لا يسع لهم ان يقتلوك وان أردت ان نشرك أخيك معك في أمرك هذا فنشركه فأرسل سبحانه جبرائيل ﵇ الى هارون بالوحي واشركه مع أخيه وأمرهما بتبليغ الرسالة الى فرعون بقوله فَاذْهَبا بِآياتِنا الدالة على عظمة ذاتنا وكمالات أسمائنا وصفاتنا وبلغا ما أمرتكما بتبليغه بلا خوف منهم وبلا مبالاة لهم إِنَّا حاضرون مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ ما جرى بينكم حافظون مراقبون لكما عما قصدوا من المقت والأذاة ْتِيا فِرْعَوْنَ مجترئين بلا مبالاة له وبشأنه وأعوانه قُولا بلا دهشة وخوف من سطوته واستيلائه نَّا اى كل واحد مناسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ إليك ايها الطاغي نبلغك من عنده سبحانه أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا قومنا بَنِي إِسْرائِيلَ وخل سبيلهم حتى يذهبوا بنا الى ارض الشأم سالمين مخلصين عن ظلمك وجورك فقبلا من الله امره سبحانه فذهبا الى فرعون وملائه فقالا لهم ما قالا على الوجه المذكور بلا مبالاة لهم وبعد ما بلغا الرسالة على وجهها قالَ فرعون في جوابهما مخاطبا لموسى إذ هو اصل

стр. 617

في الرسالة معاتبا عليه متهكما موبخا أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا زمانا يا موسى حين كنت وَلِيداً لا متعهد لك سوانا وَلَبِثْتَ فِينا بعد ما كبرت الى حيث قد مضى مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ قيل قد لبث فيهم ثلاثين سنة ثم خرج الى مدين عشر سنين ثم عاد إليهم يدعوهم الى التوحيد ثلاثين سنة ثم بقي بعد غرقهم خمسين سنة وَبعد ما ربيناك بأنواع التربية والكرامة قد فَعَلْتَ من سوء صنيعك فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ بان قتلت نفسا بلا جريمة صدرت منها موجبة لقتلها بل قد قتلتها ظلما وعدوانا وَبالجملة ما أَنْتَ يا موسى الا مِنَ الْكافِرِينَ لنعمنا وحقوق كرمنا كفرا قد سقط به لياقتك للرسالة والهداية فالآن جئت تدعى الرسالة والإرشاد الى الهداية ايها الكافر الضال قالَ موسى في جوابه معترفا بما صدر عنه في أوان جهله وغفلته قد فَعَلْتُها اى الفعلة المذكورة المذمومة إِذاً اى حينئذ وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ في تلك الحالة ومن الجاهلين بعواقب الأمور ومن الغافلين عما ترتب عليه من الأوزار والآصار فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ وبعد ما فررت منكم لأجلها قد وصلت الى خدمة مرشد رشيد ومرب منبه نبيه يرشدني ويربيني بأنواع الفضائل والكرامات فَوَهَبَ لِي رَبِّي من شرف صحبته وحسن تربيته حُكْماً اى حكمة متقنة كاملة بالغة وَجَعَلَنِي حسب فضله وطوله مِنَ الْمُرْسَلِينَ فأرسلني إليكم لأدعوكم الى توحيد رب العالمين ثم شرع موسى في جواب ما قد من عليه فرعون من حقوق النعمة والتربية فقال وَتِلْكَ النعمة التي قد عددت أنت ايها الطاغي الباغي نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ ليست تبرعا منك الى حتى أكون ممنونا بها منك بل ما هي الا أَنْ عَبَّدْتَ أنت زمانا طويلا قومي بَنِي إِسْرائِيلَ بك لها صاغرين مهانين مظلومين بأنواع الظلم والهوان وبالجملة ما انا ممنون منك حقيقة بل منهم لأنهم هم متسببون لتربيتك وحضانتك بي وبعد ما جرى بينهم ما جرى قالَ فِرْعَوْنُ مستكبرا مستفهما على سبيل الإنكار والاستبعاد وَما رَبُّ الْعالَمِينَ اى ما هو وما ماهيته وحقيقته ولأي شيء تدعونا اليه عبر عنه لعنه الله سبحانه بما من غاية إنكاره واستحقاره إذ لفظة ما هي موضوعة للنكارة والإبهام قالَ موسى في جوابه منبها له بناء على ظهوره سبحانه في الأكوان والآفاق هو رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وموجدهما ومظهرهما من كتم العدم وَكذا موجد ما حدث بَيْنَهُمَا من الكوائن والفواسد إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ اى من ذوى الإيقان والعرفان بحقائق المحدثات المبدعة بإبداع الله إياها من كتم العدم بلا سبق مادة وزمان بل بمجرد امتداد اظلال أسمائه وصفاته الذاتية على مرايا الاعدام بمقتضى التجليات الحبية المنتشئة من الذات الاحدية والا فلا يمكن تعريفه بإيراد الأجناس والفصول إذ هو سبحانه منزه عن الاشتراك والامتياز إذ الواحد من كل الوجوه المستقل بوجوب الوجود والتحقق مع امتناع غيره مطلقا لا يمكن ان يقومه جنس ويميزه فصل حتى يركب له حد او رسم وبعد ما سمع فرعون من موسى ما سمع قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ من ملائه واشرافه متهكما بجوابه حسب بطره وخيلائه وترفعه بنفسه أَلا تَسْتَمِعُونَ جوابه ايها العقلاء قد سألته عن حقيقته وذاته فأجاب بعدّ أفعاله وآثاره المترتبة على أوصافه وأسمائه التي هي من عوارض ذاته وبعد ما سمع موسى بجوابه حسب تشنيعهم واستبعادهم أراد ان يزيد ايضا على تنبيههم فأجاب بظهوره سبحانه في الأنفس رجاء ان يتنبهوا حيث قالَ هو رَبُّكُمْ مظهركم ومربيكم بأنواع التربية والكرامة وَايضا رَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ الأقدمين وبعد ما سمع فرعون كلامه ثانيا قالَ حينئذ جازما عازما

стр. 618

إِنَّ رَسُولَكُمُ سماه رسولا تهكما واستهزاء الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لإرشادكم وإصلاحكم لَمَجْنُونٌ لا يتكلم بالمقابلة بل يتفوه كيف ما اتفق بلا تأمل وتدرب بأسلوب الكلام إذ قد سألته عن حقيقة شيء ما أجاب عنه بل أجاب عن أشياء لا أسألها وبعد ما لم يتنبهوا بالتنبيهات المذكورة بل ما زادوا منها الا خبالا غب خبال وإنكارا فوق انكار وبالغوا فيه الى حيث نسبوه الى الخبط والجنون وبعد ما قد عتوا عتوا كبيرا قالَ موسى كلاما جمليا كليا مشتملا على عموم الأمور المنبهة بما هو له سبحانه رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما اى هو بذاته مشرق الشمس ومديرها كل يوم بمدار مخصوص ومغيبها كذلك تتميما وتدبيرا لمصالح عباده وجميع حوائجهم المتعلقة بمعاشهم على الوجه الأحكم الأبلغ الأعدل بلا فوت شيء منها إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ وتطرحون عقولكم الى التأمل والنظر في عجائب مصنوعاته وغرائب مخترعاته في كيفية تدبيراته في ابدائه وإنشائه وابقائه وافنائه وكذا في جميع الأمور المتعلقة بألوهيته وربوبيته وان اجتهدتم وسعيتم حق السعى والجهد في شأنه لاهتديتم الى وحدة ذاته ووجوب وجوده واستقلاله بالتصرف في مظاهره ومصنوعاته فحينئذ لم يبق لكم شائبة شك في ذاته سبحانه حتى تحتاجو الى السؤال والكشف عن جنابه وبعد ما جهلهم موسى وشدد عليهم وسفههم قالَ فرعون مغاضبا مستكبرا مستعليا مهددا مقسما بعزته وجلاله قائلا فو عزتي وعظمتي لَئِنِ اتَّخَذْتَ وأخذت وعبدت يا موسى إِلهَاً غَيْرِي بمقتضى زعمك لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ المعهودين عندك من انهم لا مخلص لهم عن سجنى حتى الموت فيه فانه قد كان يطرح المخالفين في هوة عميقة حتى يموتوا فيها وبعد ما سمع موسى تهديده وعتوه قالَ له مستفهما على سبيل التعجيز والغلبة أَتفعل أنت ما هددتنى به وَلَوْ جِئْتُكَ ايها الطاغي المتجبر بِشَيْءٍ مُبِينٍ وبمعجزة عظيمة ظاهرة الدلالة على صدقى في دعواي قالَ فرعون مستحيا من الناس مستبعدا نفسه عن العجز والافحام فَأْتِ بِهِ اى بالذي ادعيت من المعجزة إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في الدعوى فَأَلْقى موسى أولا عَصاهُ على الفور فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ظاهر ثعبانيته عظيم بحيث لا يشتبه على احد امره وصولته وَبعد إلقاء العصا قد نَزَعَ يَدَهُ ثانيا وأخرجها من جيبه ليثبت مدعاه بشاهدين فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ محيرة مفرقة للابصار من غاية شعاعها ولمعانها سيما لِلنَّاظِرِينَ إليها مدهشة لقلوبهم الى حيث قد تاهوا وتحيروا من شعشعتها فلما رآهما فرعون قالَ بعد ما اوجس في نفسه خيفة لِلْمَلَإِ الذين يجلسون حَوْلَهُ مستغربا من امره مستعجبا من شأنه إِنَّ هذا المدعى لَساحِرٌ عَلِيمٌ ماهر في علم السحر بالغ نهايته يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ المألوفة ووطنكم الموروث بِسِحْرِهِ هذا وبكماله فيه فَماذا تَأْمُرُونَ في امره ايها الأشراف والأعيان. انظر ايها المتأمل الناظر الى كمال قدرة الله وسطوع حجته البالغة كيف تأثر منها فرعون المتكبر المتجبر الطاغي مع كمال عتوه واستعلائه الى حيث قد اضطر الى المشورة مع الناس في امر موسى ودفعه مع انه كان في فرط عتوه واستعلائه وعزته قد ادعى الألوهية لنفسه وبعد ما سمع الأشراف قوله قالُوا له مقتضى شأنك وجلالك أن لا تسارع الى قتلهما لئلا تنسب الى العجز والإلزام منهما ومن حجتهما بل أَرْجِهْ واحبس موسى وَأَخاهُ هارون وأخر قتلهما زمانا وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ المحروسة شرطا حاشِرِينَ جامعين حاصرين وأمرهم حتى يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ مبالغ في السحر عَلِيمٍ فائق في علمه متناه فيه بالغ نهايته فبعث شرطا الى الأقطار بعد ما قد وكل عليهما وكلاء يحبسونهما

стр. 619

فَجُمِعَ السَّحَرَةُ المهرة في فن السحر لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ اى لوقت قد عين لجمعهم في يوم الزينة وهو وقت الضحى وَقِيلَ لِلنَّاسِ اى نودي عليهم في الطرق والسكك هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ لموعد يوم معلوم حتى تشاهدوا حال موسى وهارون وغلبة السحرة عليهما وابطال ما أتيا به من السحر لَعَلَّنا بأجمعنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ إياهما فخرج فرعون الى الموعد واجتمع الناس فيه واحضروا موسى وهارون فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ الموعد قالُوا لِفِرْعَوْنَ مؤملين طالبين الجعل منه أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ المبطلين ما جاءوا به من السحر قالَ لهم فرعون نَعَمْ ان غلبتم أنتم لكم من الأجر أقصى ما املتم وطلبتم وَمع ذلك إِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ اى المصاحبين معى فلكم الترقي في المراتب والمناصب والزيادة في الانعام والإحسان في كل حين وأوان يوما فيوما وبعد ما قد رضوا بما وعدوا جاءوا بمقابلة موسى واشتغلوا بمعارضته قالَ لَهُمْ اى للسحرة مُوسى على سبيل الجرأة وعدم المبالاة بهم وسحرهم أَلْقُوا ايها الطغاة المعارضون المتعارضون بأكاذيب السحر والشعبذة مع آيات الله ومعجزاته عنادا ومكابرة ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ من الأباطيل الزائغة الزائلة فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ التي قد احتالوا فيها بأنواع الحيل وَقالُوا حين القائها مقسما بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ وبسطوته وجلاله إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ المقصورون على النصر والغلبة على موسى وأخيه هارون ولما رأى موسى من أباطيلهم ما رأى فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ على الفور بالهام الله إياه فَإِذا هِيَ ثعبان مبين أخذت تَلْقَفُ تبتلع وتلتقم عموم ما يَأْفِكُونَ ويحتالون فيه ويخيلونه حيات تسعى بتمويهاتهم وتزويراتهم وبعد ما قد شاهد السحرة من عصا موسى ما شاهدوا من الأمر العظيم المعجز الذي لا يتأتى للساحر مثله تيقنوا انها ما هي سحر وشعبذة بل امر سماوي الهى لا يكتنه لميته ولا كيفيته فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ على الفور بلا تردد وتأمل ساجِدِينَ متذللين واضعين جباههم على تراب المذلة استحياء من مقابلة أباطيلهم الزائغة معه قالُوا حين سقطوا ساجدين قد آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ وقد صدقنا الآن بأنهما رسولان من الحق بالحق لترويج الحق واذعنا الآن ان لا معبود يعبد بالحق ويستحق للعبادة سواه ولا اله غيره وبعد ما قد رأى فرعون منهم ما رأى قالَ مهددا متوعدا إياهم قد آمَنْتُمْ لَهُ اى لموسى ولإلهه بعينه قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ انا بتصديقه وإيمانه فقد لاح لدى ووضح عندي إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ومعلمكم الَّذِي قد عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ واتفقتم معه في الخلوة لتفضحونا على رؤس الملأ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ايها المفسدون انا اقدر على الانتقام والتعذيب أم رب موسى لَأُقَطِّعَنَّ البتة اليوم أولا أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ متبادلتين وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ بعد ذلك على رؤس الاشهاد أَجْمَعِينَ بجمعكم هذا ليعتبر من حالكم من كان في قلبه خلافنا ونفاقنا وبعد ما سمعوا منه تهديده ووعيده قالُوا منقطعين نحو الحق متشوقين بلقياه لا ضَيْرَ ولا ضر يلحق بنا من قتلك وإهلاكك إيانا ايها المتجبر الطاغي بل ما قتلك الا عين مصلحتنا ومرمانا إِنَّا بالموت الصوري والهلاك المجازى إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ صائرون راجعون متصلون واصلون بعد ارتفاع انانيتنا الباطلة من البين واضمحلال هويتنا العاطلة عن العين إِنَّا نَطْمَعُ من سعة رحمة الله ومن وفور لطفه وإحسانه بعد ما خرجنا عن كسوة ناسوتنا أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا التي قد صدرت عنا أوان جهلنا وغفلتنا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ اى لان كنا أول المؤمنين الموقنين بتوحيده اليوم وَبعد ما قد قضى اللعين عليهم ما قضى وجرى على أولئك المظلومين المقبولين

стр. 620

ما جرى قد اقام فيهم موسى زمانا يدعوهم الى التوحيد دائما مستمرا وما زادوا الا عتوا وعنادا وادي عتوهم وعنادهم الى ان قصدوا مقته وهلاكه وقتل من معه من المؤمنين لذلك قد أَوْحَيْنا إِلى مُوسى بعد ما صمموا العزم لإهلاكه وقلنا له أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي يعنى سر ليلا يا موسى مع من تبعك من عبادي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ حتى يتبعكم ويعقبكم فرعون وجنوده فاسرى موسى مع المؤمنين امتثالا للأمر الوجوبي فاطلع فرعون وقومه على أسراء موسى ومن معه فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ شرطا فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ جامعين لجنوده ليتبعوهم وامر لشرطه بان قالوا للجيش ترغيبا لهم وتحريكا لحميتهم وتطميعا إِنَّ هؤُلاءِ الفارين لَشِرْذِمَةٌ اى لطائفة وجماعة قَلِيلُونَ بالنسبة إلينا مع انهم ستمائة وسبعون الفا وقوم فرعون من كثرتهم لا يعد ولا يحصى وَقد لزم علينا ان نتبعهم ونستأصلهم إِنَّهُمْ قوم عدو لَنا لَغائِظُونَ بنا يفعلون افعالا تغيظنا وتحرك غيظنا دائما فلنا ان نقلع عرقهم عن وجه الأرض وَإِنَّا وان كنا أقوياء أشداء على عموم الأعداء لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ دائما عن كيدهم ومكرهم وافسادهم بأنواع الفسادات من قطع الطريق والالتجاء بالأعادي والمظاهرة معهم فلا بد لذوي الحزم والعزم من الضبط والاحتياط في عموم الأحوال وبالجملة فَأَخْرَجْناهُمْ بعد ما تعلق ارادتنا باهلاكهم وإغراقهم بهذه الدواعي والبواعث المهيجة لنفوسهم الى الخروج والاقتفاء اثر أعدائهم مِنْ جَنَّاتٍ متنزهات بهية فيها فواكه شهية وَعُيُونٍ اى منابع وينابيع تجرى منها في خلال جناتهم الأنهار لنزيد صفاء ونضارة وبهجة وبهاء وَكُنُوزٍ من الذهب والفضة مدفونة وغير مدفونة وَمَقامٍ كَرِيمٍ هو المنازل الحسنة والقصور المرتفعة الموضوعة فيها الأرائك العالية والسرر الرفيعة والبسط المفروشة من الحرير وغيرها كَذلِكَ يعنى قد اخرجناهم إخراجا كذلك باحداث بواعث الخروج في نفوسهم وازعاجهم الى ان خرجوا مضطرين وَبعد ما اخرجناهم كذلك عما اخرجناهم قد أَوْرَثْناها اى عموم ما سمعت من المذكورات بَنِي إِسْرائِيلَ انعاما لهم وامتنانا عليهم بما صبروا بظلمهم وبأنواع اذياتهم طول عمرهم وبعد ما اجتمع الجيش من أطراف المدائن وازدحموا على باب فرعون خرجوا خلفهم مسرعين فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ وقت طلوع الشمس من المشرق فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ اى تقاربا الى ان رأى كل من الجمعين صاحبه قالَ أَصْحابُ مُوسى مشتكيا اليه مأيوسا من الحياة بعد ما رأوا من خلفهم جيشا لا يعد ولا يحصى وعن امامهم البحر الذي لا يمكن العبور عنه إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ملحقون يلحقنا العدو الآن وبعد غرقنا في البحر قالَ موسى ردعا لهم وازالة لرعبهم كَلَّا اى ارتدعوا عن هذا ولا تخافوا عن ادراكهم إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ ويلهمني الى طريق النجاة والخلاص إذ قد وعدني ربي اليوم بالخلاص والنجاة فان وعده سبحانه حق ولا يخلف فصبر الى ان قرب العدو ووصل موسى على شاطئ البحر مضطرا مضطربا مرعوبا وبعد ما رأينا كليمنا كذلك فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى بان قلنا له أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فضرب على الفور فَانْفَلَقَ البحر اى قلزم او النيل وافترق فرقا فرقا وانقطع قطعا قطعا كثيرة فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ بعد انفلاقه وانقطاعه كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ كالجبل الشامخ المرتفع نحو السماء الثابت في مقره بلا حركة وجرى وذهاب وانفرج بين الفلق فرجا وسيعة فسيحة فدخل على الفور موسى باذن منا وقومه تبعا له في تلك الشعوب والفرج كل سبط بشعب وَبعد ما دخلوا في شعاب البحر المنفلق أَزْلَفْنا

стр. 621

وقربنا ثَمَّ الْآخَرِينَ اى قربنا فرعون وقومه هناك يعنى قد وصلوا على شاطئ البحر متعاقبة فرأوهم في شعاب البحر المنفلق على العبور فاقتحموا على الفور أثرهم طامعين النجاة والعبور مثلهم وَقد أَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ حيث حفظنا البحر على انفلاقه وعدم جريه الى ان عبروا سالمين من تلك الفرج ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ اى فرعون وقومه جميعا بعد ما دخلوا مغترين مغرورين في تلك الفرج باطباق البحر واجرائه واعدام انفلاقه وافتراقه واتصاله على الوجه الذي قد كان عليه قبل الانفلاق حسب وضعه الأصلي وبالجملة إِنَّ فِي ذلِكَ الإنجاء والإغراق على الوجه المذكور لَآيَةً عظيمة دالة على كمال قدرة الله ومتانة حكمته بالنسبة الى ذوى الأبصار والنهى واولى العبر والاعتبار من الأبرار الأخيار المشمرين أذيال الهمم والاهتمام نحو التفكر والتدبر في آثار أوصاف الفاعل المختار وَلكن ما كانَ أَكْثَرُهُمْ اى اكثر الناس المجبولين على فطرة الاستدلال والاعتبار مُؤْمِنِينَ بالله موقنين بتوحيده وبأسمائه الكاملة وأوصافه الشاملة حتى يتأملوا في آثار صفاته ليتمكن لهم الاستدلال بها على ذاته وَبالجملة إِنَّ رَبَّكَ يا أكمل الرسل لَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب على امره القادر المقتدر على اجراء أحكامه وإنفاذ قضائه الرَّحِيمُ المشفق لخلص عباده الموفقين من عنده للوصول الى مبدئهم ومعادهم وَاتْلُ يا أكمل الرسل عَلَيْهِمْ اى على مكذبي قريش ومعانديهم نَبَأَ إِبْراهِيمَ اى قصة جدك ابراهيم الخليل صلوات الرحمن عليه وسلامه مع قومه وقت إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ سائلا لهم عن حقيقة ما يعبدون من الآلهة ليريهم ان الأصنام لا تستحق ولا تليق للعبادة والانقياد ما تَعْبُدُونَ ولأي شيء تنقادون وتطيعون ايها المكلفون العابدون قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ اى تدوم عكوفنا إياها واطاعتنا لها قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ ويجيبون دعوتكم إِذْ تَدْعُونَ إليهم في السراء والضراء أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ ويثيبون جزاء إطاعتكم وعبادتكم أَوْ يَضُرُّونَ لكم ان أعرضتم وانصرفتم عن عبادتهم قالُوا مستغربين عن مسئولاته نحن لا نرجو منهم أمثال هذه الصفات إذ هم جمادات لا يتأتى منهم افعال ذوى الحياة والشعور بَلْ قد وَجَدْنا آباءَنا وأسلافنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ اى يعبدون لها ويعكفون عليها خاشعين متذللين ونحن على آثارهم نعبدهم ونتذلل لهم تقليدا لآبائنا قالَ لهم ابراهيم على سبيل النصيحة والتذكير أَفَرَأَيْتُمْ وعلمتم ان ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ من دون الله أَنْتُمْ في مدة اعماركم وَكذا آباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ في مدة اعمارهم ايضا وفيما مضى عليهم من الزمان لا يليق بالالوهية ولا يستحق للاطاعة والانقياد إذ الإله المستحق بالعبودية لا بد وان يتصف بالصفات الكاملة الفاضلة التي هي مبادي لآثار كثيرة وان يكون ذا نفع وضر وثواب وعقاب حتى يعبد له وهؤلاء معطلون عن أوصاف الألوهية مطلقا بل فَإِنَّهُمْ اى الالهة الباطلة عَدُوٌّ لِي نسب عداوتهم لنفسه أولا امحاضا للنصح والتوجه إليهم والتذلل نحوهم يجلب عذاب الله ونكاله فهم وعبادتهم من اسباب غضب الله وقهره فلكم ان لا تتوجهوا نحوهم ولا تعبدوا إياهم ولا تتخذوا غير الله سبحانه الها كما انى ما أتوجه وما اعبد إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ إذ هو المستحق للالوهية والربوبية ذاتا ووصفا وكيف لا اعبد الها واحدا أحدا حيا قيوما قادرا مقتدرا مع انه سبحانه هو الَّذِي خَلَقَنِي اى أوجدني وأظهرني من كتم العدم حسب جوده فَهُوَ يَهْدِينِ الى توحيده واستقلاله في الوجود والتصرف بمقتضى لطفه وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي إذا

стр. 622

افتقرت الى الغذاء وَيَسْقِينِ حين احتياجى الى الماء وَكذا إِذا مَرِضْتُ من اختلاف الأمزجة وتداخل الاغذية فَهُوَ يَشْفِينِ باعتدالها واستقامتها وَالَّذِي يُمِيتُنِي حين حلول اجلى وانقضاء مدة حياتي في النشأة الاولى ثُمَّ يُحْيِينِ في النشأة الاخرى للعرض والجزاء وَالَّذِي أَطْمَعُ وأرجو من سعة رحمته وجوده أَنْ يَغْفِرَ لِي ويمحو عنى جميع خَطِيئَتِي التي قد صدرت عنى في نشأة الاختبار ويعفو زلتى التي قد عرضت على فيها يَوْمَ الدِّينِ والجزاء ثم ناجى مع الله بقوله رَبِّ يا من رباني بلطفك وهداني الى صراط توحيدك هَبْ لِي حُكْماً يقينا علميا وعينيا حتى استحق ان تفيض على اليقين الحقي الذي قد صرت بفيضانه مستحقا لمرتبة الخلة والخلافة وَبالجملة أَلْحِقْنِي بعد ما وهبت لي من حكمك وأحكامك ومعارفك ما قدرت لي في حضرة علمك ولوح قضائك بِالصَّالِحِينَ المرضيين عندك المقبولين في حضرتك وَاجْعَلْ لِي بفضلك وجودك لِسانَ صِدْقٍ اى لسانا يتكلم بالصدق في عموم حكمك وأحكامك ومعارفك وتوحيدك وفي جميع أوامرك ونواهيك بحيث يدوم اثر صدقى في أقوالي وأفعالي وأحوالي وفي عموم اطوارى واخلاقى فِي الْآخِرِينَ اللاحقين من عبادك المخلفين لي من بعدي لذلك ما من دين من الأديان الا وله صلوات الرحمن عليه وسلامه فيه اقوال وافعال واخلاق وسنن وآداب منسوبة اليه مسلمة منه معمولة بمتابعته وَبالجملة اجْعَلْنِي بسعة رحمتك ووفور إحسانك وعطيتك بي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ اى من الذين يرثون من فضلك وجودك مرتبة الرضا والتسليم إذ لا نعمة أجل منها وأتم عند المنقطعين نحوك والمتشوقين بلقياك وَاغْفِرْ لِأَبِي واعف عن زلته وذنوبه ان سبقت عنايتك له في حضرة علمك وسابق قضائك إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ التائهين في تيه الغفلة والغرور وَبالجملة لا تُخْزِنِي ولا تخجلنى من قبل نفسي وابى يَوْمَ يُبْعَثُونَ اى الأموات ويحشرون من قبورهم نحو العرصات لعرض الأحوال وجزاء الأعمال ان خيرا فخير وان شرا فشر واحسن الى يا ربي يَوْمَ لا يَنْفَعُ فيه مالٌ ولا يفيد صاحبه ويخلص من العذاب او يخفف العذاب لأجله وَلا بَنُونَ يظاهرون لآبائهم وينقذونهم من عذاب الله وذلك يوم لا مخلص فيه لاحد من عذاب الله من ذوى المعاصي والآثام إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ المطلع على سرائر العباد وضمائرهم بِقَلْبٍ سَلِيمٍ خال عن الميل الى الهوى ومزخرفات الدنيا خالص عن رعونات العجب والرياء مخلص في التوجه نحو المولى بلا طلب الثواب منه والعطاء والجزاء بل لمحض الرضاء والامتثال بما امره الله ونهى راضيا في كل الأحوال بما جرى عليه من نفوذ القضاء وَفي تلك الحالة التي قد أتوا كذلك أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ وقربت لِلْمُتَّقِينَ الذين يتقون ويحذرون عن محارم الله استحياء منه وطلبا لمرضاته بحيث يرونها ويسرعون إليها تشوقا وتحننا ويتفطنون انهم يدخلون فيها خالدين مؤبدين وَكذا قد بُرِّزَتِ وأظهرت الْجَحِيمُ المسعرة لِلْغاوِينَ الذين يضلون عن طريق الحق في النشأة الاولى بالميل الى الهوى وبالركون الى مستلذات الدنيا والاعراض عن ارشاد الأنبياء والأولياء والمصاحبة مع اهل البدع والآراء الفاسدة والأهواء الباطلة المضلة عن صراط الله الأعدل واتخاذ الآلهة الباطلة بمقتضى اهويتهم الفاسدة وَقِيلَ لَهُمْ حين ظهرت الجحيم عليهم ويتفطرون انهم مسوقون نحوها صاغرين مهانين أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ يعنى اين الآلهة الباطلة التي قد كنتم عبدتم لها مِنْ دُونِ اللَّهِ المتوحد بالالوهية والربوبية معتقدين انها شفعاؤكم ينقذونكم عن عذاب الله هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ اليوم بان يدفعوا عنكم العذاب أَوْ يَنْتَصِرُونَ

стр. 623

فيدفعون العذاب عن أنفسهم وبعد ما قد جرى عليهم ما جرى من التقريع والتوبيخ فَكُبْكِبُوا فِيها اى ادخلوا في النار قسرا وقهرا هُمْ اى آلهتهم المضلة المغوية وَالْغاوُونَ اى العبدة الضالون وَجُنُودُ إِبْلِيسَ مصاحبون معهم ملازمون إياهم من القوى البهيمية الشهوية والغضبية التي هي من اعونة النفوس الامارة أَجْمَعُونَ إذ كل منهم سبب تام لإضلالهم وبعد ما دخلوا في النار بأجمعهم صاغرين مهانين قالُوا اى الداخلون في النار تابعا ومتبوعا وَالحال انه هُمْ فِيها اى في النار يَخْتَصِمُونَ اى يتخاصم بعضهم بعضا حيث قال العابدون لمعبوداتهم مقسمين مغلظين تحسرا وتحزنا تَاللَّهِ إِنْ اى انه قد كُنَّا باتخاذكم ايها المضلون المبطلون آلهة من دون الله وعبدناكم كعبادته سبحانه لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ظاهر لا يشتبه على ذي مسكة ضلالنا وكيف لا يكون ضلالا ظاهرا إِذْ نُسَوِّيكُمْ مع كونكم من ادنى الأشياء وارذلها نرجحكم ونفضلكم بِرَبِّ الْعالَمِينَ الذي هو احد صمد فرد وتر ليس كمثله شيء وليس له كفو لإضلال أبين من هذا وأعظم وَبالجملة ما أَضَلَّنا واوقعنا في هذا الضلال المبين إِلَّا الْمُجْرِمُونَ الذين قد اقتدينا بهم من رؤسائنا وكذا من تقليدات آبائنا الذين مضوا قبلنا على هذا فَما لَنا بعد ما قد وقعنا في النار صاغرين مِنْ شافِعِينَ يشفعون لنا ينقذون منها وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ اى ذي قرابة وصداقة تكفى صداقته وحمايته لإنقاذنا ونجاتنا وانما قالوه تحسرا وتحزنا وبعد ما قد قنطوا عن الشفاعة والحماية تمنوا الرجعة والإعادة المستحيلة وقالوا فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً رجعة وعودة الى الدنيا مرة بعد اخرى وكرة بعد الاولى فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بالله الموحدين له لا نشرك به شيأ من مظاهره ومصنوعاته إِنَّ فِي ذلِكَ اى فيما ذكر من نبأ ابراهيم ﵇ مع أبيه وقومه لَآيَةً عظيمة دالة على توحيد الحق وعلو شأنه وسمو برهانه وعظة وتذكيرا للمتذكرين المعتبرين من أخلاقه وأطواره صلوات الرحمن عليه وكمال علمه ودعوته وانصافه في محاورته وارخائه العنان الى من قصد مجادلته ومعارضته وإظهاره الحق على ابلغ وجه وآكده عاريا عن جميع الرعونات والخرافات الواقعة بين اصحاب المناظرات والمجادلات وَلكن ما كانَ أَكْثَرُهُمْ اى اكثر الناس مُؤْمِنِينَ بتوحيد الله وخلة خليله وصفوة أخلاقه وحسن خصاله وَإِنَّ رَبَّكَ يا أكمل الرسل لَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب على انتقام من خرج عن رق عبوديته الرَّحِيمُ لمن وفق عليها وجبل لأجلها ثم قال سبحانه مخبرا عن المكذبين كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ لان تكذيب نوح والإنكار على إرساله يستلزم تكذيب مطلق الإرسال فيستلزم تكذيبه تكذيب جميع الرسل الذين مضوا قبله بل من سيأتى بعده من الرسل ايضا لاتحاد المرسل والمرسل به وذلك وقت إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ حين لاح عليهم امارات الكفر والفسوق والخروج عن مقتضى الحدود الإلهية الموضوعة على العدالة المعنوية والقسط الحقيقي أَلا تَتَّقُونَ وتحذرون عن محارم الله ايها المكلفون المسرفون إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ من قبل الحق أَمِينٌ بينكم أرشدكم الى ما يعنيكم وينفعكم واجنبكم عما يضركم وما لا يعنيكم بل يؤذيكم ويغويكم فَاتَّقُوا اللَّهَ القادر المقتدر على انواع الانتقام وَأَطِيعُونِ في عموم ما جئت به من قبل ربي وَاعلموا انى ما أَسْئَلُكُمْ ولا اطلب منكم عَلَيْهِ اى على إرشادي وتكميلى واصلاحى لكم ما أفسدتم على انفسكم من الأخلاق والأعمال مِنْ أَجْرٍ جعل ومال كما يسأل المتشيخة خذلهم الله عن مريديهم ومحبيهم إِنْ أَجْرِيَ وما جعلى إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ فانه سبحانه قد أرسلني إليكم وأمرني بتبليغ ما اوحى الىّ إليكم

стр. 624

فَاتَّقُوا اللَّهَ حق تقاته واحذروا من بطشه وانتقامه وَأَطِيعُونِ في جميع ما جئت به من عنده من الأوامر والنواهي المصلحة لمفاسد أحوالكم حتى تستقيموا وتعتدلوا في النشأة الاولى وتفوزوا بما قد وعد لكم ربكم في النشأة الاخرى قالُوا في جوابه مستكبرين مستهزئين أَنُؤْمِنُ لَكَ ونتبعك نحن مع شرفنا وثروتنا وَالحال انه قد اتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ منا الأقلّون مالا الأنزلون جاها ورتبة ومن هذا ظهر ان مناط الأمر عندهم على الحطام الدنياوية والمفاخرة بها واظهار الجاه والثروة بسببها ومتابعتهم انما هي لحصولها لا لأغراض دينية ومصلحة اخروية مصفية ببواطنهم عن العلائق المادية والشواغل الهيولانية العائقة عن الوصول الى مقر التوحيد لذلك قالَ نوح متكأ الى الله مفوضا امره اليه وَما عِلْمِي وادراكى محيطا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ويؤملون في نفوسهم من اى غرض وسبب يؤمنون بي ويمتثلون بأمري إذ مالي اطلاع على ضمائرهم وسرائرهم بل بظواهرهم إِنْ حِسابُهُمْ وما امر بواطنهم وأسرارهم إِلَّا عَلى رَبِّي المطلع على خفايا الأمور ومغيباتها لَوْ تَشْعُرُونَ وتدركون أنتم وتعقلون ما أبث لكم من الكلام لفهمتم ما هو الحق منه ولكنكم أنتم قوم تجهلون لذلك تقولون ما لا تعلمون ولا تفهمون وَبعد ما سمعتم مقالتي هذه فاعلموا انى ما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ ونافيهم من عندي بسبب ميلكم الى واستدعاكم طردهم وتوقيفكم الايمان بي على تبعيدهم وبالجملة إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ من قبل الحق مُبِينٌ ظاهر الحجج واضح البينات والمعجزات بالنسبة الى عموم المكلفين سواء كانوا اغنياء او فقراء إذ الايمان والتوحيد والتدين والإخلاص انما هي من افعال القلوب لا مدخل للأمور الخارجية فيها التي هي الغناء والثروة والفقر والرذالة فمن وفقه الحق على التوحيد وسبقت له العناية في سابق القضاء فهو مؤمن سواء كان فقيرا او غنيا ومن سبق عليه الغضب الإلهي وكتب في لوح القضاء من الأشقياء فهو كافر ناف للصانع مشرك له سواء كان غنيا او فقيرا وبعد ما سمعوا من عدم مبالاته بهم وبشأنهم وعدم رعاية جانبهم وغبطتهم قالُوا من فرط عتوهم واستكبارهم مقسما والله لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ عن دعوتك وادعائك هذا ولم تترك هذياناتك التي قد جئت بها من تلقاء نفسك افتراء ومراء لَتَكُونَنَّ باصرارك عليها مِنَ الْمَرْجُومِينَ المقتولين زجرا وقهرا فارجع الى حالك وتب من هذياناتك حتى لا نقتلك بأقبح الوجوه وبعد ما قنط نوح عن ايمانهم وايس عن توحيدهم وعرفانهم قالَ مشتكيا الى الله ملجأ نحوه رَبِّ يا من رباني بأنواع الكرامة ووفقني على الهداية والتوحيد إِنَّ قَوْمِي الذين قد بعثتني إليهم لأهديهم الى دينك وطريق توحيدك كَذَّبُونِ بجميع ما جئت به من عندك تكذيبا شديدا وسفهونى تسفيها بليغا بل قد قصدوا مقتى وقتلى باشد العذاب وأقبح العقاب وبالجملة ما بقي بيني وبينهم ائتلاف وارتباط فَافْتَحْ فاحكم أنت يا رب حسب عدلك وقضائك بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً حكما مبرما منجزا لوعدك الذي وعدتني به بعد ما كذبون وانزل عليهم العذاب الموعود من عندك وَبعد إنزال العذاب عليهم نَجِّنِي منه بلطفك وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ المصدقين بدينك ونبيك الممتثلين بأوامرك المجتنبين عن نواهيك بفضلك وطولك وبعد افراطهم وإصرارهم المتجاوز عن الحد في الاعراض عن الله والانصراف عن دينه وتكذيب نبيه وإيذائهم إياه والى من آمن له من المؤمنين قد انزل الله عليهم الطوفان الموعود فَأَنْجَيْناهُ اى نوحا وَمَنْ مَعَهُ من متابعيه ومصدقيه حيث أدخلناهم فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ المملو منهم ومن كل شيء زوجين اثنين ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ اى بعد انجائنا وادخالنا نوحا ومن معه في الفلك أغرقنا الباقين من قومه بحيث لم

стр. 625

يبق منهم احد على وجه الأرض سوى اصحاب السفينة إِنَّ فِي ذلِكَ الإنجاء والإغراق لَآيَةً عظيمة دالة على كمال قدرتنا وشدة سطوتنا وعلو شأننا وبسطتنا وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ اى اكثر الناس مُؤْمِنِينَ بوحدة وجودنا وكمال قدرتنا وعزتنا ومتانة حكمنا وحكمتنا وَإِنَّ رَبَّكَ الذي وفقك يا أكمل الرسل على الايمان والتوحيد وكشف لك سرسريان وحدته الذاتية على هياكل المظاهر لَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب القاهر في نفسه القهار للاغيار بحيث لم يكن احد في فضاء الوجود سواه ولا اله يعبد له ويرجع في الخطوب والمهمات نحوه الا هو ليس كمثله شيء وهو السميع العليم الرَّحِيمُ لخلص عباده ممن جذبته العناية الازلية نحو بابه ويسر له الوصول الى جنابه. رب اجعلنا من المنجذبين إليك المنكشفين بوحدة ذاتك. ثم قال سبحانه مخبرا عن احوال المكذبين ايضا قد كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ جميعه على الوجه الذي ذكر في تكذيب نوح ﵇ وانما أنث باعتبار القبيلة وعاد اسم أبيهم اذكر وقت. إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ حين رأى منهم ما هو امارات الكفر والفسوق وعلامات الخروج عن مقتضى العدالة والاستقامة الموضوعة بينهم بوضع الهى أَلا تَتَّقُونَ من بأس الله ايها المفرطون المسرفون ولا تحذرون عن حلول قهره وانتقامه ايها الجاهلون إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ مرسل إليكم من عنده لا بلغكم ما أرسلت به من قبل الحق من الأوامر والنواهي المصلحة لأحوالكم المبعدة عن غضب الله إياكم وقهره فَاتَّقُوا اللَّهَ الغالب القادر المقتدر على انواع الانتقامات وَأَطِيعُونِ فيما أمرت لكم بوحي الله والهامه من الأمور المهذبة لأخلاقكم وَاعلموا انى ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ ومن جملة تربيته إرسال الرسل على المنحرفين عن سبيل الاستقامة المنصرفين عن طريق توحيده أَتَبْنُونَ وتعمرون ايها المسرفون المستكبرون بِكُلِّ رِيعٍ تلال مرتفعة من الأرض آيَةً وعلامة تستدلون بها على سلوككم نحو مقاصدكم ومناهجكم مع ان النجوم الزاهرات انما ظهرت لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر وبالجملة أنتم بوضع هذه الآيات والعلامات تَعْبَثُونَ وترتكبون فعلا عبثا لا فائدة لكم فيها أصلا وَايضا من جملة كبركم وخيلائكم تَتَّخِذُونَ مَصانِعَ اى منابع الماء والقوانيت او قصورا عاليات وابنية شامخات مجصصة مشيدة لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وتأملون الخلود في دار الابتلاء والغرور لذلك تحكمون بناءكم وتشيدونها وَمن غاية استكباركم وتجبركم إِذا بَطَشْتُمْ وأخذتم أحدا بجريمة صدرت عنه بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ متجبرين متكبرين خارجين عن مقتضى الحد الإلهي الموضوع للتأديب والتعزير فَاتَّقُوا اللَّهَ المنتقم الغيور ان لا يأخذكم على أمثال هذه الجرائم والعدوان على عباده وَأَطِيعُونِ في نصحى وتذكيري لتنجوا من سخط الله وغضبه وَبالجملة اتَّقُوا الله القادر العليم الحكيم الَّذِي أَمَدَّكُمْ ونصركم بِما تَعْلَمُونَ من انواع النعم واصناف الكرم الفائضة عليكم ثم فصل بعضا منها تنصيصا فقال قد أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ تستمدون بها اكلا وحملا وركوبا وَبَنِينَ تظاهرون بهم وتفاخرون بنسبهم وسببهم وَجَنَّاتٍ متنزهات ملتفة بأنواع الأشجار والكروم وَعُيُونٍ جاريات تجرى بين جناتكم من انهار المياه الصافيات وبالجملة إِنِّي من غاية عطفي ومرحمتى قد أَخافُ عَلَيْكُمْ من شدة تعنتكم واستكباركم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ اى نزول عذاب الله وانواع عقوباته فيه ثم لما سمعوا منه ما سمعوا من العظة والتذكير والنصيحة على طريق المبالغة قالُوا من نهاية استكبارهم واستنكافهم وشدة انكارهم سَواءٌ عَلَيْنا يا هود أَوَعَظْتَ

стр. 626

بما وعظت أَمْ لَمْ تَكُنْ أنت مِنَ الْواعِظِينَ المذكرين إذ نحن ما نسمع منك خرافاتك ولا نمتثل بها ولا نترك لأجلها وأجلك اخلاق أسلافنا التي قد كانوا عليها إِنْ هذا وما كنا عليه من الأخلاق والشيم ما هي إِلَّا خُلُقُ آبائنا الْأَوَّلِينَ وعادتهم المستمرة وسننهم السنية الموروثة لنا منهم وَبالجملة ما نَحْنُ ولا أسلافنا الذين قد مضوا عليها بِمُعَذَّبِينَ بعد انقراضنا عن هذه النشأة كما زعمت إذ لا اعادة ولا رجوع ولا عود ولا نشور لنا من قبورنا بعد ما متنا وكنا ترابا وعظاما بالية وبالجملة لم يقبلوا منه دعوته مطلقا ولم يصدقوا قوله أصلا فَكَذَّبُوهُ تكذيبا شديدا وصاروا بسبب تكذيبهم إياه وانكارهم عليه مستحقين لقهرنا وغضبنا فَأَهْلَكْناهُمْ من كمال غيرتنا واستأصلناهم بمقتضى قدرتنا وحميتنا إِنَّ فِي ذلِكَ الإهلاك والاستئصال لَآيَةً دالة على استقلالنا واستيلائنا بالسلطنة القاهرة على عموم مظاهرنا ومربوباتنا وَلكن ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ بنا وبأسمائنا واوصافنا الكاملة الشاملة آثارها لعموم المظاهر والمصنوعات وَإِنَّ رَبَّكَ يا أكمل الرسل لَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب المستقل بالتصرف في آثار أوصافه وأسمائه بلا مشاركة له في الوجود والإيجاد الرَّحِيمُ بتجلياته اللطفية الجمالية في اظهار الكائنات المشهودة في الأنفس والآفاق حسب إمداده واعانته. ثم قال سبحانه مخبرا عن المكذبين المهلكين ايضا كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ المصلح لأحوالهم حين لاح عليهم علامات الاعراض عن الله والانحراف عن جادة توحيده أَلا تَتَّقُونَ عن قهر الله فتخرجون عن مقتضى حدوده إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ من عنده سبحانه انبهكم على ما يصلح حالكم واجنبكم عما يفسدكم فَاتَّقُوا اللَّهَ المنتقم الغيور واحذروا من قهره وصولته وغضبه وجلاله وَأَطِيعُونِ فيما انصح لكم وأذكركم به وَاعلموا انى ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ اى على تذكيري وإرشادي إياكم مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ وهو سبحانه قد اختارني للبعثة والرسالة واصطفاني لجمل وحيه فأرجو انا من فضله وسعة جوده ان يفيض على من معارفه وحقائقه الى حيث قد اضمحل هويتى الباطلة العاطلة في هوية الحق وتلاشى تعيناتى بالفناء فيه أَتُتْرَكُونَ وتبقون فِي ما اى في انواع النعم واصناف الإحسان والكرم وتستمرون هاهُنا اى في هذه النشأة كذلك آمِنِينَ بلا فترة وانتقال وتحويل مترفهين فِي جَنَّاتٍ اى حدائق ذات بهجة وَعُيُونٍ جاريات فيها وَزُرُوعٍ كثيرة من أطرافها وَلا سيما في نَخْلٍ لطيف طَلْعُها هَضِيمٌ إذ هو ينكسر وينهضم بسهولة ويستحيل دما بسرعة وَمن شدة بطركم ونهاية حرصكم واملكم تَنْحِتُونَ اى تنقبون وتثقبون مِنَ الْجِبالِ المتحجرة بُيُوتاً ومخازن تدخرون وتخزنون أمتعتكم فيها صونا لها من انواع الحادثات بطرين فارِهِينَ متنعمين فَاتَّقُوا اللَّهَ المحول للأحوال حتى لا يبدل يسركم الى العسر وتنعيمكم الى التنقيم وَأَطِيعُونِ في نصحى وتذكيري وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ في الإغراء على المعاصي والتغرير فيها يعنى الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بأنواع الفسادات ومن جملتها افسادكم واغراؤكم الى ما يضركم ويغويكم وَبالجملة هم لا يُصْلِحُونَ مفاسد احد أصلا وبعد ما سمعوا من صالح ما سمعوا من النصيحة والإرشاد وانواع الصلاح والسداد قالُوا من فرط تعنتهم وعنادهم وكمال توغلهم في بحر الغفلة والغرور إِنَّما أَنْتَ يا صالح مِنَ الْمُسَحَّرِينَ المختلين المحتبطين عقولهم بالسحر لذلك قد تخيلت انك رسول مرسل من

стр. 627

قبل الحق هاد الى طريقه مع انك ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا بلا رجحان لك علينا ولم يعهد إرسال البشر الى البشر من عند الله وبعد ما قد عيروه وشنعوا عليه قصدوا تعجيزه فأمروه بإتيان البرهان على صدقه فقالوا متهكمين فَأْتِ يا صالح بِآيَةٍ معجزة دالة على صدقك في دعواك إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قالَ صالح معجزتي الدالة على حقية دعوتي ورسالتي هذِهِ ناقَةٌ مخرجة من الصخرة بإخراج الله بعد ما اقترحتمونى بإخراجها فدعوت الله القادر المقتدر على اختراع الأمور المستبدعة وتضرعت نحوه فقبل دعائي فأخرجها بقدرته التامة على الوجه المقترح واعلموا ايها المتهكمون في بحر الغفلة والغرور انه لَها اى الناقة شِرْبٌ الى يوم قد عين الله لشربها من بئركم هذا وَلَكُمْ ايضا شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ معين فعليكم ان لا تتجاوزوا من شربكم الى شربها ولا تضروا بها وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ من ضرب وذب وظمأ وجوع فإنكم ان تمسوها بسوء فَيَأْخُذَكُمْ وينزل عليكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ وصف به لعظم ما فيه من العذاب. ثم لما أوصاهم بحفظها وحضانتها وبالغ في شأنها لم يقبلوا منه ولم يبالوا بقوله فاتفقوا على عقرها فَعَقَرُوها بعد ما اجمع الكل فَأَصْبَحُوا بعد ما عقروها وصاروا نادِمِينَ خائفين من نزول العذاب لا تائبين آئبين عما فعلوا من ترك المأمور وارتكاب المنهي وبعد ما استحقوا العذاب بصنيعهم هذا فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ الموعود المعهود من قبل الحق فنزل عليهم فاهلكهم بالمرة بحيث لم يبق منهم احد على وجه الأرض إِنَّ فِي ذلِكَ الابتلاء والإنزال والإهلاك لَآيَةً عظيمة مثبتة لكمال قدرة الله وقهره بمقتضى صفاته الجلالية وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ بقهره وجلاله وَإِنَّ رَبَّكَ يا أكمل الرسل لَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب القاهر على أعدائه حسب غضبه وجلاله الرَّحِيمُ المشفق على أوليائه بمقتضى لطفه وجماله ثم قال سبحانه مخبرا ايضا قد كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ مثل ما كذب السابقون وذلك وقت إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ حين شاعت بينهم الفعلة القبيحة والديدنة الذميمة الشنيعة الى حيث يباهون بها ولا يخفونها أَلا تَتَّقُونَ من غضب الله ايها المسرفون المفرطون اتقوا الله الغالب الغيور واحذروا من سخطه إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ من قبله أَمِينٌ يؤمنكم من مكر الله وحلول غضبه وعذابه لو قبلتم منى قولي فَاتَّقُوا اللَّهَ حق تقاته وَأَطِيعُونِ في عموم ما جئت لكم من عنده وَاعلموا انى ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ اى على تبليغى ونصحى مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ وما جزائي إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ فانه المتكفل لأجور عباده حسب أعمالهم ونياتهم فيها أَتَأْتُونَ وتجامعون ايها المسرفون المفرطون الذُّكْرانَ الذكور الأمارد وتخصون أنتم بهذه الفعلة القبيحة الشنيعة مع انه ما سبق مثلها مِنَ الْعالَمِينَ يعنى الذين مضوا من بنى نوعكم وَتبالغون أنتم فيها بحيث تَذَرُونَ وتتركون ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ لإتيانكم وحرثكم مِنْ أَزْواجِكُمْ ونسائكم ليترتب عليها حكمة التناسل وإبقاء النوع بَلْ أَنْتُمْ بسوء صنيعكم وقبح فعلتكم هذه قَوْمٌ عادُونَ متجاوزون من حدود الله ومقتضى حكمه وحكمته وبعد ما سمعوا منه تشنيعه على ابلغ الوجه واشنعه قالُوا من شدة شكيمتهم وضغينتهم معه لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ ولم تنزجر عن تشنيعنا وتقبيح فعلنا ونهينا عنه لَتَكُونَنَّ أنت بجراءتك علينا مِنَ الْمُخْرَجِينَ من قريتنا على أقبح وجه وأسوئه وبعد ما سمع لوط ﵇ منهم ما سمع من الغلظة والتشديد في التهديد قالَ مستوحشا منهم مستنكرا عليهم إِنِّي لِعَمَلِكُمْ هذا مِنَ الْقالِينَ المبغضين غاية البغض بحيث اكره

стр. 628

مساكنكم وجواركم مطلقا وأريد الخروج من بينكم ولا أبالي من تهديدكم على بالإخراج والاجلاء ثم توجه نحو الحق وناجى معه مبغضا عليهم مشتكيا الى ربه بقوله رَبِ يا من رباني بأنواع الطهارة والنظافة الصورية نَجِّنِي بفضلك وجودك وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ من العذاب الموعود النازل عليهم بشؤم عملهم هذا وبعد ما قد أصروا وبالغوا في الإصرار أنزلنا العذاب عليهم بعد ما استحقوا لإنزاله فَنَجَّيْناهُ اى لوطا وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ من اصابة العذاب المنزل على قومه إِلَّا عَجُوزاً من اهله وهي امرأته قد بقيت فِي الْغابِرِينَ الهالكين لميلها إليهم ومحبتها لهم ثُمَّ دَمَّرْنَا وأهلكنا الْآخَرِينَ عن آخرهم وَذلك بان قد أَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً لم يعهد مثله إذ هو حجارة مهلكة لكل من أصاب فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ مطرهم هذا إِنَّ فِي ذلِكَ الأمطار والإهلاك لَآيَةً عظيمة على علو شأننا وسطوع حجتنا وبرهاننا وَلكن ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ بآياتنا العظام لذلك قد لحقهم ما لحقهم وَإِنَّ رَبَّكَ يا أكمل الرسل لَهُوَ الْعَزِيزُ المتعزز برداء العظمة والكبرياء المتفرد بالوجود والبقاء لا موجود سواه ولا اله الا هو الرَّحِيمُ المتجلى بالتجليات الحبية حسب الأسماء والصفات الذاتية من الأعيان والأكوان المنعكسة من الأسماء والصفات قال سبحانه كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ حين رأى منهم امارات الميل والانحراف عن القسطاس المستقيم الموضوع من لدن حكيم عليم المنبئ عن الاعتدال المعنوي أَلا تَتَّقُونَ وتحذرون عن بطش الله ايها المتجاوزون عن حدوده إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ من عنده سبحانه أَمِينٌ مبلغ إليكم أمانته فَاتَّقُوا اللَّهَ حق تقاته ولا تنقصوا المكيال والميزان وَأَطِيعُونِ فيما أرسلت به وَلا تخافوا عن أخذ الجعل والرشى إذ انا ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ ان شاء يعطيني جزاء إرشادي وإبلاغي ويوصلني الى منتهى املى ومرادى وعليكم ايها المكلفون المنحرفون عن جادة العدالة الإلهية إيفاء الكيل أَوْفُوا الْكَيْلَ إيفاء تاما كاملا وَلا تَكُونُوا بتطفيفه وتنقيصه مِنَ الْمُخْسِرِينَ الناقصين حقوق عباد الله حتى لا يخسركم من رحمته وَزِنُوا وقت وزنكم بغيركم من عباد الله بِالْقِسْطاسِ والميزان الْمُسْتَقِيمِ العدل السوى بحيث لا يميل ولا ينحرف الى جانب أصلا وَعليكم ايضا ان لا تَبْخَسُوا ولا تنقصوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ ولا تكسروا سلعهم ولا تنقصوا من أسعارها وَبالجملة لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ ولا تتمشوا عليها بالظلم مُفْسِدِينَ بأنواع الفسادات وَكيف تفسدون فيها وتظلمون من عليها اتَّقُوا الله القادر المقتدر الَّذِي خَلَقَكُمْ وأظهركم من كتم العدم وَكذا قد خلق وأوجد أمثالكم الْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ وذوى الخلقة من المتقدمين من اسلافكم وغيرهم ايضا وبعد ما سمعوا منه ما سمعوا من الحكم والتذكيرات قالُوا متهكمين مستهزئين إِنَّما أَنْتَ يا شعيب مِنَ الْمُسَحَّرِينَ المجنونين الذين قد ضاعت عقولهم بالسحر والافتتان وَكيف تكون أنت من المرسلين مع انك ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا ومن اين يتيسر لبشر أن يكون مرسلا من رب العالمين وَبالجملة إِنْ نَظُنُّكَ في دعواك الرسالة لَمِنَ الْكاذِبِينَ المفترين والا فَأَسْقِطْ بدعائك عَلَيْنا كِسَفاً قطعا مِنَ السَّماءِ اى من بعض اقطاعها لتهلكنا بها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في أمرك هذا ورسالتك هذه وبعد ما ايس شعيب ﵇ عن ايمانهم قالَ لهم مشتكيا الى الله رَبِّي أَعْلَمُ بعلمه الحضوري بِما تَعْمَلُونَ أنتم

стр. 629

من انواع الفسادات وبمقدار ما تستحقون عليها من العذاب والجزاء وبالجملة فَكَذَّبُوهُ تكذيبا شديدا وأنكروا عليه إنكارا بليغا ولم يقبلوا قوله فاستحقوا العذاب فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ على الوجه الذي اقترحوا منه بان قد شدد الله عليهم الحر حيث اضطروا الى الاستظلال وذلك يوم قد غلت المياه في الأنهار فأظلتهم السحابة بغتة فازدحموا تحتها مستظلين بها فأمطر الله عليهم نارا فاحترقوا بالمرة إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ لعظم جرمهم وعذابهم فيه إِنَّ فِي ذلِكَ الأخذ والإنزال والاظلال لَآيَةً عظيمة دالة على كمال قهرنا إياهم وزجرنا وانتقامنا عنهم وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ بقهرنا وغضبنا ومقتضيات اوصافنا الجلالية وَإِنَّ رَبَّكَ يا أكمل الرسل لَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب على عموم المرادات والمقدورات من الثواب والعقاب والانعام والانتقام الرَّحِيمُ على من وفقهم الى مقتضى ما رضى عنهم ويسر لهم الامتثال بما أمرهم ونهاهم هذا آخر القصص السبع المذكورة لتسلية رسول الله ﷺ الدالة على ان المكذبين للرسل مأخوذون بأنواع العذاب مستهلكون بأصناف العقاب والنكال انما ذكر سبحانه ليعتبر منها المعتبرون من المؤمنين ويتفطن المكذبون ما سيلحقهم من العذاب لو أصروا على ما هم عليه من التكذيب والعناد وَإِنَّهُ اى القرآن لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ كالكتب السالفة قد نَزَلَ بِهِ بالتخفيف الرُّوحُ الْأَمِينُ كما نزل بسائر الكتب الماضية وهو جبريل ﵇ سمى به لأمانته على الوحى الإلهي حيث أوصله الى من اليه انزل على وجهه بلا تغيير وتبديل أصلا دائما وانما نزل به عَلى قَلْبِكَ يا أكمل الرسل لِتَكُونَ أنت ايضا كسائر الرسل مِنَ الْمُنْذِرِينَ لتنذر اهل الغفلة والغرور من قومك كما انذروا لذلك قد أنزله سبحانه بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ظاهر الدلالة واضح الفحوى مناسبا بلغة من أرسلت إليهم ولو أنزله على لغة العجم كالكتب السابقة لقالت العرب ما نفهم معناه ولا نعرف فحواه ومقتضاه وَإِنَّهُ اى إنزال القرآن عليك يا أكمل الرسل عربيا لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ مثبتا مزبورا في كتبهم مع نعتك ايضا وحليتك وجميع اوصافك وأسمائك أَينكرون صدق القرآن وصحة نزوله من عند العليم العلام على محمد ﷺ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ ولم يكف آيَةً ودليلا تدل على صدقه وحقيته وصحة نزوله من عند الله أَنْ يَعْلَمَهُ ويعرفه ويروى أوصافه عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ وأحبارهم يخبرون به ويقرؤن في كتبهم اسمه واسم من انزل اليه ونعته وحليته وَلَوْ نَزَّلْناهُ اى القرآن عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ بلسانهم وعلى لغتهم ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ حينئذ البتة معللين بانا لا نفهم معناه ولا نعرف فحواه فكيف عملنا به وامتثلنا بما فيه كَذلِكَ اى مثل ما قررنا القرآن وأدخلناه في قلوب المؤمنين سَلَكْناهُ وأدخلناه ايضا فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ان المؤمنين قد آمنوا به وامتثلوا بما فيه لصفاء طينتهم والمجرمون لا يُؤْمِنُونَ بِهِ عنادا ومكابرة لخبث طينتهم حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ المؤلم الملجئ لهم الى الايمان فآمنوا به لكن في وقت لا ينفعهم ايمانهم فَيَأْتِيَهُمْ العذاب الموعود لهم حينئذ من قبل الحق بَغْتَةً بلا تقديم مقدمة وسبق امارة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ نزوله فَيَقُولُوا بعد ما نزل عليهم ووقعوا فيه متحسرين متحننين هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ ممهلون زمانا حتى نتدارك ما قد فوتنا على أنفسنا من الايمان بالله وتصديق كتبه ورسله قيل لهم حينئذ من قبل الحق أَيستمهلون ويستنظرون أولئك المصرون المسرفون فَبِعَذابِنا هذا قد كانوا يَسْتَعْجِلُونَ فيما مضى مستهزئين متهكمين

стр. 630

قائلين لرسلنا فأتنا بما تعدنا الآية وأمطر علينا حجارة الآية وأسقط علينا كسفا الآية وأمثال ذلك من الآيات وحين نزل عليكم العذاب الموعود تستنظرون وتستمهلون أَفَرَأَيْتَ وعلمت ايها الرائي الخبير والمعتبر البصير إِنْ امهلناهم في الدنيا زمانا طويلا بان مَتَّعْناهُمْ فيها سِنِينَ تمتيعا بليغا ورفعناهم فيها ترفيها بديعا ثُمَّ جاءَهُمْ ونزل عليهم بعد زمان طويل ما كانُوا يُوعَدُونَ من العذاب البتة وبالجملة ما أَغْنى عَنْهُمْ ولم يدفع طول مكثهم فيها شيأ من العذاب ولم يخفف عذابهم أصلا ما كانُوا يُمَتَّعُونَ اى تمتيعهم زمانا طويلا فإذا لا فرق بين إمهالهم وبين تعجيل العذاب عليهم وَمن سنتنا المستمرة وعادتنا القديمة انا ما أَهْلَكْنا مِنْ اهل قَرْيَةٍ من القرى القديمة الهالكة إِلَّا قد أرسلنا أولا لَها أنبياء ورسلاهم مُنْذِرُونَ يخوفون عماهم عليه من الأمور المستجلبة للعذاب المستوجبة له وانما أرسلنا إليهم من أرسلنا وانذرناهم عما انذرناهم أولا ليكون ذِكْرى اى تذكرة وعظة منا إياهم حتى لا ينسبوننا الى الظلم ولا يجادلون معنا وقت حلول العذاب عليهم وَايضا قد ظهر عندهم انا ما كُنَّا ظالِمِينَ بتعذيبهم بأنواع العذاب وبعد ما نسب المشركون المكابرون تنزيل القرآن المعجز إليك يا أكمل الرسل بالشياطين وطعنوا فيه بانه ما يلقى الشيطان الى الكهنة والرهابين رد الله عليهم بقوله وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ اى بالقرآن الفرقان المعجز لفظا ومعنى المبنى على الهداية المحضة ظاهرا وباطنا الشَّياطِينُ الضالون المضلون إذ لا يتأتى منهم الهداية أصلا وَما يَنْبَغِي وما يصح لَهُمْ الإتيان بالهداية والرشد وَما يَسْتَطِيعُونَ وما يقدرون عليها إذ الهداية والإرشاد انما هي من طيب النفس وطهارة الفطرة وزكاء الفطنة وصفاء الجبلة وهم ليسوا كذلك بل هم مجبولون على الخباثة في اصل الخلقة واما استماعهم وسماعهم من الملائكة أمثال هذا ايضا فلا يتأتى منهم ولا يمكنهم من رداءة فطرتهم وفطنتهم وخباثة جبلتهم وطينتهم إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لكلام الملائكة لَمَعْزُولُونَ لان الاستماع منهم مشروط بالمناسبة لهم في التجرد عن العلائق مطلقا وصفاء الفطرة عن إكدار الطبيعة رأسا إذ قبول الفيض انما هو عند هبوب نسمات النفسات الرحمانية والتعرض والاشتياق منها ومن نفحاتها على الدوام وظاهر ان نفوسهم الخبيثة ليست بهذه المثابة والقرآن الفرقان محتو على حقائق ومعارف ومكاشفات ومشاهدات لا يمكن صدورها الا ممن هو منبع جميع الكمالات ومنشأ عموم الخيرات والمطلع على جميع السرائر والخفيات والقادر المقتدر على عموم المرادات والمقدورات فكيف يليق بكمال القرآن ان ينسب الى الشيطان تعالى شأن القرآن عما ينسب اليه الظالمون علوا كبيرا. ثم أشار سبحانه الى تحريك سلسلة اشواق المحبين وتهييج اخلاص الموحدين المخلصين المنقطعين نحو الحق الساعين بافناء هوياتهم الباطلة في طريق توحيده الباذلين مهجهم في مسلك الفناء ليفوزوا بشرف البقاء واللقاء فقال مخاطبا لحبيبه ﷺ ناهيا له عن التوجه والالتفات نحو الغير مطلقا فَلا تَدْعُ ايها الداعي للخلق الى الحق بالحق على الحق مَعَ اللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد المستقل بالالوهية والربوبية إِلهاً آخَرَ من مظاهره ومصنوعاته إذ الكل في حيطة أوصافه وأسمائه لا وجود لها لذاتها بل انما هي عكوس واظلال للأسماء والصفات الإلهية فَتَكُونَ أنت بجمعيتك وكمالك لو دعوت واتخذت الها آخر لقد صرت أنت البتة مِنَ الْمُعَذَّبِينَ بأنواع التعذيبات الصورية والمعنوية العقلية والحسية الجسمانية والروحانية انما خاطب سبحانه حبيبه ﷺ بهذا

стр. 631

الخطاب الهائل وعاتبه بهذا العتاب الهائب ليتنبه المؤمنون ويتفطنوا بكمال غيرة الله المتفرد المتوحد القهار للاغيار مطلقا وَبعد ما قد ظهر عندك يا أكمل الرسل غوائل الشرك بالله ولاح دونك ما يترتب عليه من القهر الإلهي وغضبه أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ وقرابتك سيما الْأَقْرَبِينَ منهم واهتم بشأنهم أشد اهتماما حتى تنقذهم من الشرك المستجلب لانواع الغضب والعذاب من قبل الحق وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ وآمن لك منهم اى لين جانبك نحوهم وابسط موانستك معهم ومصاحبتك إياهم حتى صار كلهم مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الموحدين الناجين من عذاب الله وسخطه فَإِنْ عَصَوْكَ وانصرفوا عنك واعرضوا عن موانستك بعد ما قد لنت لهم وواسيت معهم ولم يقبلوا منك دعوتك وإنذارك فَقُلْ مستبرأ منهم مستنزها نفسك عنهم وعن أعمالهم إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ يعنى منكم ومن عملكم الذي أنتم تعملونه مصرين مستكبرين وَان عادوك وعاندوا معك الى ان قصدوا مقتك تَوَكَّلْ في دفعهم ورفع مؤنتهم عَلَى الْعَزِيزِ الغالب لقهر الأعداء القادر المقتدر على غضبهم وانتقامهم بأنواع البلاء والعناء الرَّحِيمِ على الأولياء ينصرهم على أعاديهم ويدفع عنهم شرورهم وكيف لا يرحمك يا أكمل الرسل ولا يكفيك ولا يكف عنك مؤنة أعدائك الَّذِي يَراكَ اى القيوم القادر الذي يشهدك ويشاهدك حِينَ تَقُومُ من منامك خلال الليالى طلبا لمرضاته ورفعا لحاجاتك نحوه وَايضا يشاهد تَقَلُّبَكَ وترددك جوف الليل فِي تفقد احوال المؤمنين السَّاجِدِينَ المتذللين نحو الحق الواضعين جباههم على تراب المذلة والانكسار شوقا اليه وتحننا نحوه من افراط المودة ومن شدة اشتعال نار العشق والمحبة الإلهية المطفئة لنيران الاهوية الفاسدة والآراء الباطلة وكيف لا يتذللون اليه سبحانه ولا يتمنون نحوه إِنَّهُ بذاته هُوَ السَّمِيعُ لمناجاتهم وعرض حاجاتهم الْعَلِيمُ لمقاصدهم وطيب أغراضهم وخلوص نياتهم وإخلاصهم في أعمالهم وبعد ما رد سبحانه قول من قال ان القرآن منزل من قبل الشياطين لا من الملائكة واثبت ان انزاله منه سبحانه وإيصاله من الروح الأمين على الرسول الأمين إذ المناسبة بينهما مرعية والمشاكلة مثبتة مرضية أراد ان يشير سبحانه الى ان تنزيل الشياطين وتسويلهم انما هو لأوليائهم الذين قد كملت نسبتهم إليهم وصحت مناسبتهم معهم فقال هَلْ أُنَبِّئُكُمْ وأخبركم ايها المسرفون المردودون في امر القرآن واعجازه وانزاله من قبل الحق القادحون فيه بنسبته الى تنزيل الشياطين او الى الشعر الذي من جملة وساوسهم وتخييلاتهم ايضا مع ان القرآن الفرقان مشتمل على معارف وحقائق ورموزات وشهودات لا يسع الإتيان بها والتعبير عنها الا لمن هو علام الغيوب مطلع على سرائر ارباب الكشف والشهود وأبين لكم عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ للاضلال والوسوسة والتحريف عن طريق الحق والتغرير بالأباطيل تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ مبالغ في الإفك والافتراء أَثِيمٍ مغمور في الإثم والعصيان وانواع الفسوق والطغيان لتحقق مناسبته مع الشياطين الذين يُلْقُونَ السَّمْعَ للملائكة ويصغون منهم بعض المغيبات ويخبرون بها لا على وجهها إذ ليس غرضهم من الإصغاء الا الإفساد والرد لا الإصلاح والقبول وَلذلك قد كان أَكْثَرُهُمْ هم كاذِبُونَ فيما يسمعون ويلقون إذ هم يحرفون ويزيفون ما سمعوا ترويجا لما هم عليه من الفساد والإفساد وتغريرا لأوليائهم بأنواع التغريرات وَمن جملة اولياء الشياطين المنتسبين إليهم بالنسبة الكاملة الكاذبة الشُّعَراءُ المذبذبون بين الأنام بأكاذيب الكلام واباطيله لذلك يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ الضالون من جنود الشياطين المتبعون لهم لترويج أباطيلهم الزائغة

стр. 632

أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ ومن تابعهم من الغواة فِي كُلِّ وادٍ من اودية الضلال والطغيان يَهِيمُونَ ويترددون حيارى سكارى تائهين بلا ثبات ولا قرار مترددين في معاشهم ومعادهم وَأَنَّهُمْ من غاية غفلتهم وسكرتهم في امور معاشهم يَقُولُونَ بأفواههم ويخبرون بألسنتهم تلقفا ما لا يَفْعَلُونَ ولا يتصفون به من الأخلاق والحكم والمواعظ والرموز والإشارات التي قد صدرت عنهم هفوة وهم لا يمتثلون بها أصلا إِلَّا الشعراء الحكماء الَّذِينَ آمَنُوا بتوحيد الله واتصفوا بالحكمة المعتدلة المودعة في قلوبهم الظاهرة آثارها من ألسنتهم ومضوا على مقتضى الاعتدال المعنوي الذي قد جبلهم الحق عليه بلا تلعثم منهم وتزلزل عن مقتضى فطرتهم الاصلية وفطنتهم الجبلية وَمع ذلك قد عَمِلُوا الصَّالِحاتِ من الأعمال المصلحة لمفاسدهم المهذبة لأخلاقهم وأطوارهم وَمن اجلة أخلاقهم انهم قد ذَكَرُوا اللَّهَ المستوي على صراط العدالة والاستقامة في اشعارهم وقصائدهم كَثِيراً في عموم أوقاتهم وحالاتهم بل اكثر اشعارهم انما هو لإثبات توحيد الحق وتبيين معارفه وحقائقه وكذا لإظهار رموز ارباب الكشف والعيان والتذكيرات المتعلقة بترك المألوفات وقطع التعلقات المنافية لصفاء مشرب التوحيد وبعض اشعارهم متعلق بردع اهل الهواء والآراء الفاسدة وهتك محارمهم واعراضهم وتعداد مقابحهم ورذائلهم وَذلك بأنهم قد انْتَصَرُوا باشعارهم هذه مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا من أيدي الجهلة وألسنة الكفرة المتعنتين المستكبرين على ارباب المحبة والولاء من المنقطعين نحو الحق السالكين سبيل توحيده وَبالجملة سَيَعْلَمُ الظلمة المفسدون والكفرة المستهزءون المسرفون الَّذِينَ ظَلَمُوا على اهل الحق وآذوهم بالسنان واللسان وانواع القدح والطعنان ونسبوهم الى الإلحاد والعناد ورموهم بأنواع الفسوق والفساد مع انهم هم على صرافة التوحيد متمكنون ومن امارات الكثرة والتقليد متنزهون وسيعلمون أولئك المردة الرامون المفرطون المسرفون أَيَّ مُنْقَلَبٍ واى مرجع ومآب يَنْقَلِبُونَ ويرجعون أيدخلون في حفر النيران والخذلان وهم منكوسون أم الى روضة الرضا وجنة التسليم وهم مسرورون ألا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون خاتمة سورة الشعراء عليك ايها السالك المراقب لاعتدال الأطوار والأخلاق والأعمال وجميع الشئون والأحوال المتعلقة بنشأتى الدنيا والعقبى ان تراجع ذوقك ووجدانك في جميع ما جرى عليك من الأحوال وتتأمل فيه حق التأمل الى ان تطلع على مبدئه ومنشأه ثم تتفكر في صدوره هل هو على مقتضى الاعتدال والقسط الإلهي صدر ما صدر أم على مقتضى الهوى الغالب الذي من جنود الامارة المستمدة من إغواء الشيطان واغرائه فان وجدته على مقتضى القسط والهدى الإلهي والعدل الجبلي السوى فطوبى لك وان وجدته على مقتضى الهوى فعليك ان تعالجه وتلازم في إصلاحه واستقامته بالرياضات القالعة لعرق الأماني والآمال والمرادات المتعلقة بمستلذات الدنيا الفانية عن أصلها وتواظب على أشق الطاعات واتعب العبادات عن صوم الأيام ومشى الاقدام ومشق الأقلام وانقطاع صحبة الأنام والخروج من بين العوام والاعتزال نحو الجبال والآجام والعكوف في مطاوى الكهوف وخلال الخلوات والاشتغال بالميل والصلوات المقربة نحو الحق حتى تعتدل اوصافك واخلاقك وتستقيم افعالك واحوالك فحينئذ قد انكشف لك باب التوحيد وانفلق عليك وسد دونك مداخل الرياء

стр. 633

والسمعة والعجب وانواع الكدورات اللاحقة من الخلطة والمؤانسة مع الناس والمصاحبة معهم المكدرة لصفاء مشرب التوحيد. واعلم يا أخي احسن الله احوالك وأصلح شأنك ان ارباب المحبة الكاملة والولاء التام هم الذين يبذلون مهجم في سلوك سبيل الفناء والافناء بلا التفات منهم الى احد من الناس لا خيرا ولا شرا ولا نفعا ولا ضرا بل هم من كمال حيرتهم واستغراقهم في مطالعة جمال الله وجلاله لا يلتفتون الى نفوسهم فكيف الى غيرهم ولا يتيسر لك هذا الا بتوفيق الهى وجذب من جانبه ومتابعة حبيبه ﷺ في عموم أطواره وأخلاقه وجميع سننه وآثاره وبملازمة خدمة مرشد رشيد عاقل كامل منبه نبيه هاد مهتد يوقظك من منام غفلتك ويرشدك الى منتهى مقصدك وقبلتك. رب هب لي من لدنك حكمة وحكما والحقنى بالصالحين [سورة النمل] فاتحة سورة النمل لا يخفى على ارباب الهداية الكاملة من الراسخين في مقر العز والتمكين الواصلين الى سر الوحدة الذاتية بمقتضى اليقين الحقي متدرجين من مرتبتي العلم والعين إلهاما بعد ما سبقت لهم العناية الازلية والجذبة الإلهية والبشارة المتضمنة لانواع الرموز والإشارة من قبل الحق الحقيق بالحقية ان من اهتدى الى مرتبة التوحيد الذاتي وتمكن على تلك المرتبة مطمئنا راسخا بلا طريان تزلزل وتلوين لا بد ان يقيم ويديم صلاته وميله نحو الذات الاحدية مهذبا ظاهره وباطنه عن الميل والالتفات الى ما سواه من المزخرفات الفانية الشاغلة الملهية له عن الفناء فيه والبقاء ببقائه وايضا لا بد له ان يميت نفسه بالموت الإرادي عن مقتضيات أوصافه البشرية وقواه الناسوتية المبعدة عن التقرب بكنف اللاهوت وجوار حضرة الرحموت القيوم الذي لا ينام ولا يموت وبالجملة لا بدله الانخلاع عن خلعة التعيينات العدمية المقتضية للتعدد والكثرة مطلقا حتى يتصف بالطهارة الحقيقية والطيب المعنوي والسعادة السنية والسيادة السرمدية وبذلك خاطب سبحانه حبيبه ﷺ بعد ما تيمن باسمه العلى الأعلى بِسْمِ اللَّهِ الذي تجلى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا على ما ظهر وبطن من الأشياء الرَّحْمنِ لعموم عباده بالرزق الأوفى الرَّحِيمِ لخواصهم بالمثوبة العظمى والدرجة العليا وبالترقى من ارض الطبيعة الى سموات الصفات والأسماء واللحوق بالملإ الأعلى والوصول الى سدرة المنتهى [الآيات] طس يا طالب السيادة السرمدية والسعادة السنية الازلية الابدية تِلْكَ الآيات المتلوة عليك تعظيما لشأنك وتتميما لبرهانك آياتُ الْقُرْآنِ اى بعض آيات القرآن المبين المبين لدلائل التوحيد وبينات الفرقان الفارق بين الحق والباطل من الاحكام وَكِتابٍ مُبِينٍ منتخب من لوح القضاء وحضرة العلم الإلهي المحيط بجميع ما لمع عليه برق تجلياته الحبية انما أنزلت إليك يا أكمل الرسل من عنده سبحانه لتكون هُدىً هاديا لك الى مقام التمكن من التوحيد الذاتي وَلتكون ايضا بُشْرى بأنواع السعادات ونيل اصناف الخيرات والبركات ورفع الدرجات وانواع المثوبات لِلْمُؤْمِنِينَ التابعين لك في شأنك ودينك ان اطمأن قلوبهم بالإيمان اى اليقين العلمي المستجلب لليقين العيني والحقي والمطمئنون المتمكنون الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ المكتوبة المفروضة لهم من قبل الحق في الأوقات المخصوصة ويؤدونها على الوجه الذي وصل إليهم من صاحب الشرع الشريف والدين الحنيف بلا تخفيف ولا تسويف ليتقربوا بها نحو الحق ويزداد يقينهم وتصديقهم بسببها وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ المصفية لقلوبهم عن الميل الى ما سوى الحق من الزخرفة الفانية الدنية الدنيوية

стр. 634

ويتمكنوا بسببها على إسقاط عموم الإضافات العائقة عن الوصول الى وحدة الذات وَبالجملة هُمْ في عموم شئونهم وحالاتهم بِالْآخِرَةِ المعدة لجزاء الأعمال وتنقيد الأفعال هُمْ يُوقِنُونَ علما وعينا لان ارباب الخبرة والبصيرة المنكشفين بتعاقب النشأتين يرون في النشأة الاولى ما سيحلقهم في الاخرى لذلك يترددون في الاولى للأخرى ويزرعون فيها ما يحصدون فيها. ثم قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة في كتابه إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ولا يصدقون بِالْآخِرَةِ عنادا ومكابرة قد زَيَّنَّا وحسنا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ القبيحة الفاسدة الدنيوية وامهلناهم عليها زمانا ليستحقوا أشد العذاب وأسوأ العقاب فَهُمْ بواسطة امهالنا إياهم في سكرتهم وغفلتهم يَعْمَهُونَ يترددون ويتحيرون بطرين بما لهم من التنعم والترفه وبالجملة أُوْلئِكَ البعداء عن عز الحضور الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ في النشأة الاولى إذ هم مترددون في اودية الإمكان بأنواع الخيبة والحرمان مقيدون بأصناف الأماني والآمال الطوال في بيداء الوهم والخيال وصحراء الحيرة والضلال لا نجاة لهم منها ولا ثبات لهم فيها وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ المقصورون على الخسران الأبدي والخذلان السرمدي لا يرجى لهم نيل مثوبة ورفع درجة وتخفيف عذاب وقبول شفاعة ولا خسران أعظم من ذلك لذلك قد أصاب يوم بدر ما أصاب ويصيب لهم في الآخرة بأضعافه وآلافه قال سبحانه مخاطبا لحبيبه تفضلا عليه وامتنانا له في انزاله القرآن اليه ووحيه عليه وَإِنَّكَ يا أكمل الرسل لنجابة طينتك وطهارة فطنتك وفطرتك لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ ويؤتى بك وينزل إليك مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ مبالغ في الإتقان والاحكام عَلِيمٍ باستعدادات الأنام وقابلياتهم التي بها تتفاوت طبقاتهم فضلا وكرامة. ثم أخذ سبحانه بتعداد بعض ارباب الطبقات والكرامات حثا لحبيبه ﷺ الى التوجه نحوه والتحنن اليه والمواظبة على شكر نعمه فبدأ بموسى صلوات الرحمن عليه وسلامه فقال مخاطبا لحبيبه ﷺ اذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ قالَ أخوك مُوسى الكليم صلوات الرحمن عليه وسلامه لِأَهْلِهِ وزوجته ابنة شعيب ﵇ حين سار معها من مدين الرشد الى مصر وهي حاملة والليلة شاتية مظلمة وهم ضالون عن الطريق فجاءها الطلق واضطر موسى في أمرها فرأى شعلة نار من بعيد فقال لأهله اثبتوا مكانكم إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ هذه الساعة مِنْها بِخَبَرٍ عن الطريق يخبر به من عندها إذ النار قلما تخلو عن ناس موقدين لها أَوْ آتِيكُمْ ان لم أجد عندها أحدا بِشِهابٍ اى جمر ذي قَبَسٍ اى مقتبس مشتعل منها لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ وتستدفئون من البرد وتستضيئون منها للطريق فاستقروا في مكانهم فذهب موسى نحوها فَلَمَّا جاءَها اى النار ووصل عندها نُودِيَ من وراء سرادقات العز والجلال تكريما لموسى وتعظيما له وتنبيها عليه من ان مرجع جميع مقاصدك وحوائجك هو الحق فاطلبه وصل اليه حتى تجد عنده عموم مقاصدك أَنْ بُورِكَ اى الشأن انه قد اكثر عليك الخير والبركات يا موسى مَنْ فِي النَّارِ اى من ظهر فيها ولاح عليها وَمَنْ ظهر حَوْلَها اى أطرافها وحواليها إذ هو سبحانه محيط بعموم الأماكن والجهات ظاهر منها متجل عليها غير متمكن فيها وَبعد ما تحققت بشهود الحق من جميع الأماكن ومن عموم الأشياء نزه ذاته عن الحلول فيها والاتحاد بها فقل سُبْحانَ اللَّهِ المنزه عن الأماكن كلها المتجلى في جميعها رَبِّ الْعالَمِينَ يربيها بدوام التجلي الحبى عليها وبامتداد الاظلال والعكوس الفائضة منه سبحانه عليها المظهرة لها المربية إياها

стр. 635

ثم لما سمع هذا الصدا وقلق وارتعد واستوحش عن هذا النداء وقرب الى ان صار مغشيا عليه من شدة هوله ودهشته وكمال ولهه وحيرته نودي ثانيا ايضا باسمه استيناسا له وازالة لاستيحاشه يا مُوسى إِنَّهُ اى ان من ناداك في النار وظهر عليك على صورتها أَنَا اللَّهُ المحيط بعموم المظاهر والأكوان احاطة البحر لجميع الأمواج والازباد والشمس لعوم الأضواء والاظلال والروح لجميع الأعضاء والاجزاء من البدن الْعَزِيزُ الغالب القادر المقتدر لقهر مطلق السوى والأغيار الْحَكِيمُ المتقن في جميع الأفعال والآثار الصادرة الظاهرة منى على أبدع ارتباط وابلغ انتظام ونظام وَبعد ما أزال الله سبحانه وحشته واذهب ولهه ودهشته بالمؤانسة والمواساة معه قال له سبحانه آمرا إياه أَلْقِ عَصاكَ التي قد أخذتها بيدك يا موسى على الأرض لترى من عجائب صنعتنا وغرائب حكمتنا ما ترى حتى تتنبه أنت من تبدل صورتها وسيرتها الى سرسريان وحدتنا الذاتية السارية في المظاهر فألقاها على الفور فإذا هي حية تسعى فَلَمَّا رَآها اى موسى العصا تَهْتَزُّ وتتحرك كَأَنَّها جَانٌّ اى حية صغيرة سريعة السير وَلَّى وانصرف موسى منها مُدْبِراً خائفا منها قلقا حائرا من أمرها وَلَمْ يُعَقِّبْ موسى نحوها ولم يرجع إليها ليأخذها هيبة وخوفا وقلنا له مناديا إياه ليقبل عصاه يا مُوسى لا تَخَفْ من عصاك ستعود على سيرتها الاصلية إِنِّي من كمال مرحمتى واشفاقى على خلص عبادي لا يَخافُ لَدَيَّ احد من أوليائي سيما الْمُرْسَلُونَ منهم المختارون للرسالة والتشريع العام ألا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون إِلَّا مَنْ ظَلَمَ من المرسلين بارتكاب ذنب صدر منه لا عن عمد ثُمَّ بَدَّلَ وتدارك ذنبه حُسْناً بالتوبة والندامة بَعْدَ سُوءٍ صدر عنه وهو يخاف عنى بسبب ذنبه فَإِنِّي ايضا غَفُورٌ له ولأمثاله اغفر لهم واعف عن زلاتهم رَحِيمٌ ارحمهم واقبل توبتهم بعد ما صدرت عن خلوص الطوية ومحض الندم وَبعد ما قد رأى موسى من عجائب العصا ما رأى قال له سبحانه ثانيا آمرا أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ يا موسى تَخْرُجْ على الفور منه اى أدخلها فأخرجها ترها بَيْضاءَ محيرة للعقول والأبصار مع ان بياضها مِنْ غَيْرِ سُوءٍ مرض عرض عليها برص وغيره ثم قيل له من قبل الحق هي اى اليد البيضاء آية ومعجزة جديدة دالة على نبوتك ورسالتك موهوبة لك من لدنا معدودة محسوبة فِي تِسْعِ آياتٍ عظام قد وهب لك وهي العصاء واليد البيضاء والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس والجدب ثم بعد ما شهدت من يدك وعصاك ما شهدت يكفيك شهادتهما على صدقك في دعواك الرسالة مع ان لك معجزات كثيرة سواهما اذهب أنت مرسلا من عندي إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ وبلغهم إنذاري وتخويفى ونزول عذابي إليهم من سوء صنيعهم إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ خارجين عن مقتضى الحدود الموضوعة فيهم من عندنا وبوضعنا فذهب موسى باذن الله ووحيه الى فرعون واظهر الدعوة عنده واقام البينة عليها فَلَمَّا جاءَتْهُمْ اى ظهرت على فرعون وقومه آياتُنا الدالة على كمال قدرتنا وحكمتنا وصدق من قد أرسلنا إليهم لإرشادهم وتكميلهم مع كونها آية مُبْصِرَةً موضحة مثبتة مبينة لهم صدق موسى في دعوى الرسالة ظاهرة لائحة في نفسها انها معجزة ما هي من جنس السحر والشعبذة قالُوا من فرط عتوهم وعنادهم ومن شدة بطرهم وسكرتهم هذا سِحْرٌ مُبِينٌ ظاهر انه مجعول بمكر وحيل كثيرة وَمن كمال استنكافهم واستكبارهم قد جَحَدُوا بِها وأنكروا لها ولم يلتفتوا إليها ظاهرا وَالحال
следующие страницы →