Полный текст (2 732 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
فصل: اعلم أن الحمد مستحب في ابتداء كل أمر ذي بال كما سبق، كما يستحبُّ بعد الفراغ من الطعام والشراب، والعطاس، وعند خِطبة المرأة -وهو طلب زواجها- وكذا عند عقد النكاح، وبعد الخروج من الخلاء، وسيأتي بيان هذه المواضع في أبوابها بدلائلها، وتفريع مسائلها إن شاء الله تعالى، وقد سبق بيان ما يقال بعد الخروج من الخلاء في بابه، ويستحب في ابتداء الكتب المصنفة كما سبق، وكذا في ابتداء دروس المدرسين، وقراءة الطالبين، سواء قرأ حديثًا أو فقهًا أو غيرهما، وأحسن العبارات في ذلك: الحمد لله رب العالمين.
ــ
أي لقوله تعالى: (﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]، قال الشافعي في خطبة كتاب الأم ومنها نقلت أخبرنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: (وَرَفَعنَا لَكَ ذكرَكَ) أي لا أذكر إلَّا ذكر وأشهد أن لا إله إلَّا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله يعني والله أعلم ذكره عند الإيمان بالله والآذان ويحتمل ذكره عند تلاوة القرآن وعند العمل بالطاعة والوقوف عن المعصية اهـ، وسبق في كلام التاج بعد طرق الحديث لا يبدأ بحمد الله والصلاة علي والله أعلم.
فصل اعلم أن الحمد مستحب في ابتداء كل أمر ذي بال
قال في شرح مسلم قبيل كتاب آداب الطعام قال أصحابنا يستحب أن يذكر اسم الله تعالى على كل أمر ذي بال وكذلك يحمد الله تعالى في أول كل أمر ذي بال للحديث الحسن المشهور فيه. قوله: (بعْدَ الفراغ مِنَ الطعَام والشراب) أي لخبر مسلم إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها. قوله: (والعُطَاس) بضم العين المهملة مصدر عطس وهو مقيس في مصدر فعل إذا كان للأدواء كسعل سعالًا وزكم زكامًا ومشى بطنه مشاء. قوله: (وَعندَ خِطْبةِ المرأَةِ) بكسر الخاء المعجمة أي طلب تزوجها فيسن أن يأتي بخطبة متوجة بالحمد والصلاة على
النبي ﷺ ثم يأتي. قوله: (وأَحسنُ العبَاراتِ الخ) إذ هي فاتحة الكتاب العزيز
стр. 1052
فصل: حمد الله تعالى ركن في خطبة الجمعة وغيرها، لا يصحُّ شيء منها إلا به، وأقل الواجب: الحمد لله، والأفضل أن يزيد من الثناء، وتفصيله معروف في كتب الفقه. ويشترط كونها بالعربية.
فصل: يستحبُّ أن يختم دعاءه بالحمد لله رب العالمين، وكذلك يبتدئه بالحمد لله، قال الله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ [يونس: ١٠]، وأما ابتداء الدعاء بحمد الله وتمجيده، فسيأتي دليله من الحديث الصحيح قريبًا في "كتاب الصلاة على رسول الله ﷺ " إن شاء الله تعالى.
ــ
وآخر دعوى أهل الجنة وهي لكونها جملة اسمية دالة على ثبوت ذلك واستمرار الدوام له أبلغ من الجملة الفعلية الدالة على التجدد والحدوث وكأن هذا من حكم افتتاح الكتاب العزيز بذلك أي الإشارة إلى أنه المحمود في الأزل وفيما لا يزال وفي قوله رب العالمين أي مربيهم بنعمة الإيجاد ثم بنعمة التسمية والإمداد تحريض وحث للمتقنطين على القيام بحمده وشكره كل وقت وحين.
فصل
قولهء: (وأَقل الواجبِ الحمدُ لله) المراد لفظ الله ولفظ حمده فيحصل بقول الحمد وأحمد الله ونحمد أو أحمد أو لله الحمد لا بنحو الحمد للرحمن ولا بنحو الشكر لله. قوله (ويشترط كونُها) أي أركانها بالعربية أي وإن لم يفهمها القوم وذلك لاتباع السلف والخلف فإن أمكن تعلمها وجب على الجميع على سبيل فرض الكفاية فيسقط بتعلم واحد فإن لم يفعل عصوا ولا جمعة لهم فإن لم يمكن تعلمها ترجم بلغته فإن لم يحسن أن يترجم فلا جمعة، فإن قلت ما فائدة الخطبة بالعربية إذا لم يعرفها القوم قلت أجيب بأن فائدتها العلم بالوعظ من حيث الجملة ولذا صحت الجمعة فيما إذا سمع الأربعون الخطبة وإن لم يفهموا معناها.
فصل
قوله: (وآخرُ دَعواهُمْ الخ) قال الزجاج أعلم الله تعالى أنهم يبتدئون بتعظيمه وتنزيهه ويختمون بشكره والثناء عليه ثم الدعوى مصدر كالدعاء قال الواحدي في سورة الأعراف والدعوى اسم يقوم مقام الادعاء والدعاء حكى سيبويه اللهم أشركنا في صالح دعوكما المسلمين اهـ. قوله: (أتى الحمدُ لله الخ) أن مخففة
стр. 1053
فصل: يستحب حمد الله تعالى عند حصول نعمة، أو اندفاع مكروه، سواء حصل ذلك لنفسه، أو لصاحبه، أو للمسلمين.
روينا في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁، "أن النبي ﷺ أتيَ ليلة أُسْرِيَ به بقدحين من خمر ولبن فنظر إليهما، فأخذ اللبن، فقال له جبريل ﷺ : الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذت الخمر غوت أمتك".
ــ
من الثقيلة واسمها ضمير شأن محذوف وجملة الحمد لله الخ. خبر أن وأن وخبرها
خبر عن آخر وقرئ أن بالتشديد وزعم صاحب النظم أن أن زائدة والحمد لله خبر وآخر دعواهم قال في النهر وهو مخالف لنص النحويين اهـ. قوله: (وتمجيدهِ) المجد العظمة ونهاية الشرف هذا هو المشهور كذا في شرح مسلم للمصنف.
فصل
قوله: (يُستحَبُّ حمدُ الله الخ) لأن ذلك من شكر النعمة وشكر النعم سبب لزيادتها ودوامها ولذا استحب سجود الشكر عند حدوثها بشرطه. قوله: (رَوَينَا في صحيح مُسلم) قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث صحيح متفق عليه وعجب من اقتصار الشيخ على مسلم فقد أخرجه البخاري في أول كتاب الأشربة بتمامه وأخرجه أيضًا باختصار وأخرجه مسلم في الأشربة وفي الإيمان وأخرجه النسائي وغيره. قوله: (أُتِي ليلةَ أُسْرِيَ بهِ بقدَحَينِ مِنْ خَمْرٍ ولبَنٍ الخ) في صحيح مسلم أن ذلك بأيلياء. قال المصنف في شرحه: وهو بالمد والقصر ويقال بحذف الباء الأولى ثم في هذه الرواية محذوف تقديره أتي بقدحين فقيل له اختر أيهما شئت كما جاء مصرحا به وقد ذكره مسلم في كتاب الإيمان أول الكتاب فألهمه الله تعالى اختيار اللبن لما أراد من توفيق أمته واللطف بها ولله الحمد والمنة. قول جبريل "أصبت الفطرة" قيل في معناه أقوال: المختار منها أن الله تعالى أعلم جبريل أن اختبار اللبن كان كذا، وأما الفطرة فالمراد بها هنا الإسلام والاستقامة كذا في كتاب الأشربة، وفي باب الإسراء منه معناه والله أعلم اخترت علامة الإسلام والاسنقامة وجعل اللبن علامة لكونه سهلًا طيبًا طاهرًا سائغًا للشاربين. وأما الخمر فإنها أم الخبائث وجالبة لأنواع الشر في الحال والمآل والله أعلم. قوله: (غَوَتْ أُمَّتُكَ) معناه ضلت وانهمكت في الشر اهـ.
стр. 1054
فصل: روينا في كتاب الترمذي وغيره عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مَاتَ وَلَدُ العَبْدِ قال اللهُ تَعَالى لِمَلائِكَتِهِ: قَبَضتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ:
نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُم ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُون: نَعَمْ؟ فيَقُولُ: فماذَا قال عَبْدي؟ فيَقُولونَ: حَمِدَكَ وَاسْترْجَع، فَيَقُول الله تعالى: ابْنُوا لِعَبْدي بَيتا في الجَنَّةِ، وسَمُّوهُ بَيتَ الحَمْدِ" قال الترمذي: حديث حسن. والأحاديث في فضل الحمد كثيرة مشهورة، وقد سبق في أول الكتاب جملة من الأحاديث
ــ
فصل
قوله: (رَوَينَا في كتَابِ الترمذِيِّ الخ) وأحمد وابن حبان في صحيحه أيضًا. وقال الحافظ: الحديث حسن وقال الترمذي فيه حسن غريب واختلف في توثيق أبي سنان أحد رواته وتضعيفه واعتمد ابن حبان توثيقه فأخرج الحديث في صحيحه والله أعلم. قوله: (قَال الله تَعَالى لملائكتِهِ الخ) أي تنبيهًا لهم على عظيم فضل ثواب الصابرين وإلّا فهو غني عن هذه المسألة فقد أحاط علمه بكل
شيء. قوله: (فَيقُول قَبضتمْ ثمرةَ فُؤَادِهِ الخ) القول فيه التنبيه على عظيم صبره لعظيم مصابه وترقى من قوله ولد عبدي أي فرع شجرته إلى ثمرة الفؤاد المكنى بها عن الولد لكونه بمنزلة خلاصة الخلاصة إذ القلب خلاصة البدن وخلاصته اللطيفة الموضوعة فيه من كمال الإدراكات والعلوم التي خلق لها وشرف بشرفها فلشدة شغف هذه اللطيفة بالولد صار كأنه ثمرتها المقصود منها فبين هذا الترقي وجه عظمة هذا المصاب وعظمة الصبر عليه مع ذلك. قال في النهاية، سمي الولد ثمرة لأن الثمرة ما تنتج الشجرة والولد نتيجة الأب اهـ. ثم إن المصاب ترقى من مرتبة الصبر إلى مقام الحمد كما أخبرت عنه الملائكة. قوله: (حَمِدَكَ واسْتَرْجَعَ) أي قال الحمد لله إنا لله وإنا إليه راجعون يقال منه رجع واسترجع. قوله: (ابْنُوا لِعبدِي بيتًا في الجنّةِ الخ) قال العلماء لما عظم على المصاب المصيبة ومع ذلك لم يعدها مصيبة من كل وجه بل من وجه فاسترجع ونعمة من وجه آخر فحمد ناسب أن يقال بالحمد حتى يسمى محله به. وفي الخبر الجمع بين الحمد والاسترجاع وما روي عن داود ﵇ من أنه يقول في المصيبة هذا موضع استرجاع وللحمد مكان محمول
стр. 1055
الصحيحة في فضل: سبحان الله والحمد لله ونحو ذلك.
فصل: قال المتأخرون من أصحابنا الخراسانيين: لو حلف إنسان ليحمدن الله تعالى بمجامع الحمد -ومنهم من قال: بأجَلِّ التحاميد- فطريقه في
ــ
على المصيبة الدينية والجمع بينهما على المصيبة الدنيوية والله أعلم.
فصل
قوله: (قَال المتأخرونَ مِنْ أصحابِنا الخ) قال من الأصحاب المذكورين القاضي حسين وتبعه المتولي، وإمام الحرمين وتبعه الغزالي وذكره الرافعي في الشرح الكبير. قوله: (ومِنهُمْ مَنْ قَال بأَجل التحاميدِ) نقله في الروض عن المتولي والتحاميد جمع تحميد مصدرحمد المضاعف. قوله: (فَطرِيقهُ في بِرِّ يَمينِهِ الخ) قال الرافعي في الشرح الكبير إن جبريل علمه لآدم ﵉ وقد قال علمتك مجامع الحمد وقال الحافظ قال ابن الصلاح هذا حديث منقطع الإسناد وحدث به الرافعي في أماليه جل رجاله ثقات عن محمد بن النضر الحارثي قال قال آدم يا رب شغلتني بكسب يدي فعلمني شيئًا فيه مجامع الحمد والتسبيح فأوحى الله ﵎ إليه يا آدم إذا أصبحت فقل ثلاثًا وإذا أمسيت فقل ثلاثًا الحمد لله رب العالمين حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده فذلك مجامع التحميد والتسبيح لكن محمد بن النضر لم يكن صاحب حديث ولم يجئ عنه شيء مسند، وقد روى عنه من كلامه جماعة منهم عبد الله بن المبارك وعبد الرحمن بن مهدي وأبو أسامة حماد بن أسامة وقال كان من أعبد أهل الكوفة، وأبو نضر راوي الأثر عن محمد بن النضر اسمه عبد العزيز. وجاء عن محمد بن
النضر في التحميد أثر آخر ثم أخرجه الحافظ من طريق أبي نعيم في الحلية عن محمد بن عيسى قال جاء رجل إلى محمد بن النضر فسأله عن تحميد الرب فقال سبحان ربي العظيم وبحمده حمدًا خالدًا بخلوده حمدًا لا منتهى له دون علمه حمدًا لا أمد لدون مشيئته حمدًا لا جزاء لقائله دون رضاه قال أبو نعيم كان محمد بن النضر أعبد أهل الكوفة ولم يكن الحديث شأنه وإنما كانوا يكتبون عنه من كلامه ثم ساق إليه عدة آثار وحديثين مرفوعين رواهما عن الأوزاعي بغير سند من الأوزاعي إلى النبي ﷺ ويستفاد من ذلك معرفة طبقته وإن شيوخه من أتباع التابعين ولعله بلغه الأثر الأول عن بعض والله أعلم. اهـ، وفي الإمداد لابن
стр. 1056
بَرِّ يمينه أن يقول: الحمد لله
حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، ومعنى يوافي نعمه: أي يلاقيها فتحصل معه، ويكافئ، بهمزة في آخره: أي يساوي مزيد نعمه، ومعناه: يقوم بشكر ما زاده من النعم والإحسان. قالوا: ولو حلف ليثنينَّ على الله تعالى أحسن الثناء، فطريق البَر أن يقول: لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك. وزاد بعضهم في آخره: ذلك الحمد حتى ترضى. وصوّر أبو سعد المتولي المسألة فيمن حلف: ليثنين على الله تعالى بأجل الثناء وأعظمه، وزاد في أول الذكر: سبحانك.
وعن أبي نصر التمار عن محمد بن النضر رحمه الله تعالى قال: قال آدم ﷺ : يا رَب شَغَلْتَني بِكَسْب يَدي، فعَلِّمْنِي شَيْئًا فيهِ مَجامِعُ الحَمْدِ وَالتَّسْبِيح، فأوحى اللَّهُ ﵎ إليه: يا آدَمُ إذَا أصْبَحتَ فَقُلْ ثَلاثًا، وإذَا أمْسَيْتَ فَقُلْ ثَلاثًا: الحَمْدُ لَلهِ رَب العَالمِينَ حَمْدًا يوافِي نِعَمَهُ ويكَافِئُ مَزِيدَهُ، فَذلِكَ مَجَامِعُ الحَمْدِ والتسْبيحِ والله أعلم.
ــ
حجر بعد ذكر المسألة وما ذكر عن جبريل رواه ابن الصلاح بإسناد معضل تارة وضعيف منقطع أخرى ومن ثم قال في الروضة ليس لهذه المسألة دليل معتمد أي من الأحاديث وإلا فدليله من حيث المعنى ظاهر وفي التحفة ولو قيل يبر بيا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك لكان أقرب بل ينبغي أن يتعين لأنه أبلغ معنى وصح به الخبر اهـ. قال ابن عطية في شرح الإرشاد قال الزركشي روي في سبل الخيرات أن رجلًا حج وأخذ بحلقة الباب وقال الحمد لله بجميع محامده ما علمت منها وما لم أعلم على جميع نعمه ما علمت منها وما لم أعلم مدى خلقه كلهم ما علمت منهم وما لم أعلم ثم جاء العام الثاني وهم أن يقولها فناداه ملك قد أتعبت الحفظة من العام الأول إلى الآن لم يفرغوا مما قلت ولا شك أن في هذا زيادة فينبغي أن لا يبر إلّا به اهـ قوله: (يُوافي نِعمَهُ أَي يُلاقِيهَا فتحصُلُ معهُ) بمعنى أن الحمد يفي بالنعم ويقوم بحقوقها. قوله: (وزَادَ بعضهمْ) هو إبراهيم
стр. 1057
كتاب الصلاة على رسول الله ﷺ -
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
والأحاديث في فضلها والأمر بها أكثر من أن تحصر، ولكن نشير إلى أحرف من ذلك تنبيهًا على ما سواها وتبركًا للكتاب بذكرها.
ــ
المروزي كما في الروضة عن أبي نصر كما تقدم الكلام على مسند هذا الذكر "ونصر" بالصاد المهملة "والتمار" بالمثناة الفوقية وتشديد الميم آخره راء مهملة "والنضر" والد محمد بالضاد المعجمة.
كتاب الصلاة على رسول الله ﷺ
قوله: (قال الله تَعَالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] قد تكلم العلماء المؤلفون في فضل الصلاة والسلام على النبي ﷺ في هذه الآية واستنبطوا منها جملًا من الفوائد ودررًا من الفلائد ورأيت أن ألخص مما ذلك شيئًا تتم به الفائدة وتعظم به الصلة العائدة أما سبب نزولها فأخرج الواحدي عن كعب بن عجرة قيل للنبي ﷺ قد عرفنا السلام عليك فكيف الصلاة نزلت وقال القسطلاني ولم أقف على هذا الحديث بهذا اللفظ لغيره وروي أن هذه الآية الشريفة نزلت في الأحزاب بعد نكاحه ﷺ لزينب بنت جحش وبعد تخيير أزواجه قال الحافظ أبو ذر الهروي إن الأمر بالصلاة والتسليم عليه ﷺ وقع في السنة الثانية من الهجرة قيل في ليلة الإسراء وقيل شهر شعبان، شهر الصلاة عليه ﷺ لأن آية الصلاة: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ﴾ الآية نزلت فيه ذكره ابن أبي الصيف اليمني في فضل ليلة النصف من شعبان اهـ.
ووجه مناسبتها لما قبلها أنها كالتعليل له لاشتماله على أمر أصحابه خصوصًا وأمته عمومًا بتعظيم حرمته ولزوم الأدب معه ظاهرًا وباطنًا وبالانقياد له وبالنهي عن فعل ما يخل بتعظيمه واحترامه إلى قيام الساعة فكأن قائلًا يقول ما سبب هذا الشرف العظيم الذي لم يعهد له نظير فقيل سببه ما فضل الله به عليه بقوله إن الله وملائكته
стр. 1058
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يصلون على النبي الآية إعلامًا منه تعالى لعباده حتى يتم انقيادهم لما أمروا به ونهوا عنه بذكرهم لهذه المنزلة الرفيعة لنبيه محمد ﷺ عنده من أنه يصبي عليه هو وملائكته ثم أمرنا معشر المؤمنين بالصلاة عليه والتسليم ليجتمع الثناء عليه من أهل العالم العلوي والسفلي.
والصلاة لغة الدعاء وتقدم الخلاف في أن إطلاق الصلاة على الشرعية هل هي حقيقة شرعية أو مجاز شرعي أولًا ولا والقول بأنها مشتقة من الصلوين وإن قال به المصنف كالزمخشري سبق تضعيفه وقدره الفخر الرازي بأن القول به يفضي إلى طعن عظيم في كون القرآن حجة لأن لفظ الصلاة من أشد الأشياء شهرة وأكثرها دورانًا على ألسنة المسلمين وهذا الاشتقاق من أبعل الأشياء شهرة فيما بين أهل النقل فلو جوزنا أنه يسمي الصلاة لما ذكر ثم أنه خفي واندرس حتى صار بحيث لا يعرفه إلَّا الآحاد لجاز مثله في سائر الألفاظ وبتجويزه ينتفي القطع بأن مراد الله منها معانيها المتبادر الفهم إليها لاحتمال أنها كانت في زمنه ﷺ موضوعة لمعانٍ أخر وكان مراد الله تعالى تلك المعاني إلَّا أنها خفيت في زمننا واندرست كما وقع مثله في هذه اللفظة ولما كان ذلك باطلًا بالإجماع علمنا أن الاشتقاق المذكور باطل مردود اهـ. قيل والحق أن ما ذكر لا يلزم الزمخشري لأن المشتق قد يشتهر اشتهارًا ما ويخفى المشتق منه إذ لا تلازم بينهما في الاشتهار لأن الاشتقاق لأمر اعتباري لا يعرفه إلَّا أهل الصناعة. وأما تبادر معنى اللفظ فأمر بديهي يعرفه الخاص والعام بالسليقة من غير تكلف فلا يلزم على كلام الزمخشري بما التزم به غاية ما فيه أن شأن المعنى الحامل على الاشتقاق أو المقتضى له الاطراد والدعاء هو الأمر الظاهر المطرد فكأن اعتباره في الاشتقاق أولى. ثم أن الصلاة من الله تعالى وملائكته والمؤمنين وقع فيها اختلاف طويل فقيل معنى صلاة الله عليه ثناؤه عليه عند ملائكته ومعنى صلاة الملائكة دعاؤهم له ورجح بأن فيه استعمال لفظ الصلاة في حقه تعالى وحق الملائكة والمؤمنين بمعنى واحد فمعنى صلاة الله عليه ثناؤه وتعظيمه له بين ملائكته وصلاة الملائكة وغيرهم طلب ذلك له من ربه أي طلب زيادته لوجود أصله بنص الآية وعلى هذا يحمل قول ابن عباس معنى صلاة الملائكة الدعاء بالبركة أي الزيادة وبه يتضح قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] فصلاته تعالى رحمته وصلاتهم سؤالهم إياها لعباده
стр. 1059
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومعنى اللهم صل على محمد عظمه في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته وفي الآخرة بتشفيعه في أمته وإجزال أجره ومثوبته وإبداء فضله للأولين والآخرين بالمقام المحمود وتقديمه على كافة المقربين الشهود، ولا ينافي تفسيرها بالتعظيم عطف آله وصحبه عليه في ذلك لأن تعظيم كل أحد بحسب ما يليق به. وقيل معنى صلاة الله مغفرته وصلاة الملائكة الاستغفار ويمكن رجوعه لما قبله بجعل المغفرة نوعًا من أنواع التعظيم والاستغفار نوع من أنواع ذلك الدعاء واقتصر عليها للاهتمام بها، وقيل معنى صلاة الله تعالى رحمته وصلاة الملائكة رقة تبعث على استدعاء طلب الرحمة والثاني يرجع لما مر أنها منهم الدعاء، والأول: إن أريد بالرحمة فيه المقرونة بالتعظيم رجع لما مر أيضًا أنها من الله ثناؤه عليه وتعظيمه فيكون القولان متحدين بالحقيقة والخلاف في اللفظ فقط إذ لا يسمع أحد القول بأن صلاته تعالى أو رحمته بأمته بمعنى صلاته ورحمته للمؤمنين لأن القدر اللائق به من ذلك أرفع وأجل وهذا الأجل الأرفع فيه من الخصوص ما ليس في مطلق الرحمة فخص باسم الصلاة وخص اسمها باستعمال الأنبياء تمييزًا له ولهم بشرفه وشرفهم، وإن أريد بها مطلق الرحمة بوجه الاعتراض عليه بأن الله تعالى غاير بينهما في أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة والصحابة فهموا المغايرة لسؤالهم عن معنى الصلاة في الآية مع أنهم علموا السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته فلو اتحدتا لما سألوا عن الصلاة لقال لهم النبي قد علمتم الصلاة بعلومكم الدعاء بالرحمة، وأيضًا فقد أجمعوا على جواز الترحم على الأنبياء واختلفوا على أقوال شتى في الصلاة على غير الأنبياء فهذا صريح في مغايرتهما، وعلى كون المراد بها الرحمة المقرونة بالتعظيم فيجاب عما أورد على الوجه المذكور بأن لا مانع من أن الصلاة رحمة خاصة فلما فيها من الخصوص غوير بينهما بالعطف وفي كلام الزمخشري تصريح بما يؤول إليه وبأنه إنما احتاج الصحابة إلى السؤال عن كيفيتها ليحيطوا بذلك الخصوص، ولا يرد عليه إجماعهم على جواز الترحم على غير الأنبياء واختلافهم في جواز
الصلاة لما تقرر من أن الصلاة أخص ففيها معنى زائد على مطلق الرحمة فجازت مطلقًا اتفاقًا وامتنعت الصلاة على غير الأنبياء على قول رعاية لذلك المعنى لأخص ومن ثم وجبت بعد التشهد مع اشتماله على الدعاء بالرحمة، وهذا إن تأملته يظهر لك أن لا خلاف في الحقيقة بينه وبين
стр. 1060
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القول بأنها من الله الثناء عليه ﷺ وتعظيمه، وفي شرح المشكاة لابن حجر بعد أن أورد الصلاة بمطلق الرحمة بما سبق ما لفظه نعم قد تأتي الصلاة من الله بمعنى الرحمة كما في قوله تعالى هو الذي يصلي عليكم وملائكته وحينئذٍ فالصلاة من الله على الأنبياء تختص بالرحمة المقرونة بالتعظيم وعلى غيرهم لا تختص بذلك بل قد يكون منها ما هو مقرون بنوع تعظيم وقد لا بحسب مراتب المؤمنين ومما يؤيد ذلك أن من المعلوم أن القدر الذي يليق بالنبي ﷺ من الرحمة أرفع مما يليق بغيره اهـ.
وفي الشفاء للقاضي عياض نقلًا عن أبي بكر القشيري الصلاة على النبي ﷺ من الله تشريف وزيادة تكرمة وعلى من دون النبي ﷺ رحمة وبهذا التقرير يظهر الفرق بين النبي ﷺ وبين سائر المؤمنين في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، مع قوله قبل (﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]، ومن المعلوم أن القدر الذي يليق به من ذلك أرفع مما يليق بغيره والإجماع منعقد على أن في هذه الآية من تعظيم شأن النبي ﷺ والتنويه به ما ليس في غيرها اهـ. ملخصًا، ويحصل من خلاصة هذا المقال أن لا مخالفة بين الثلاثة الأقوال في تعظيمه ﷺ والرحمة والاستغفار.
وأما صلاة الملائكة فقيل الدعاء وقال ابن عباس فيما علقه عنه البخاري الدعاء بالبركة وقال المبرد هو رقة تبعث على استدعاء الرحمة وهو معنى قول غيره رقة ودعاء وقيل الاستغفار ولا مخالفة في الحقيقة بين هذه الأقوال كما هو ظاهر لأنها منهم بمعنى الدعاء الشامل للدعاء بالبركة أو المغفرة اللائقة بمقامه ﷺ وبغيرهما من سائر المراتب اللائقة به ﷺ والباعث عليها منهم ما ركبه الله فيهم من الرقة والمعرفة بحقوقه ﷺ هو ومن خصص الدعاء بالبركة أو المغفرة لم يرد أنهم لا يدعون له بغير ذلك إذ لا دليل له على هذا الحصر وإنما أراد النص على أظهر مقاصد الدعاء عنده، فاجتمعت الأقوال واتضح المراد منها وهو أنهم يطلبون له ﷺ من ربه من مزيد الثناء عليه وتعظيمه والإفضال عليه من بركته ومغفرته وغيرهما من المراتب العلية ما يليق بباهر كماله وعلى حاله ﷺ وشرف وكرم.
وأما صلاة مؤمني الإنس والجن عليه فهي بمعنى الدعاء أي طلب ما ذكر له من الله سبحانه. وإذا عرفت ذلك فعامة القراء
стр. 1061
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على نصب الملائكة عطفًا على اسم إن قيل يصلون خبر عنهما وقيل عن الثاني وخبر الجلالة محذوف لدلالة يصلون عليه ورجح بتغاير معنى الصلاتين وظاهر كلام أبي حيان ترجيح الأول وعليه فترد حجة الثاني بأنه لا نظر للتغاير مع استعمال لفظ الصلاة للقدر المشترك كما مر بيانه وأيده بعضهم بقوله الصواب عندي أن الصلاة لغة بمعنى واحد هو العطف ثم بالنسبة إليه تعالى الرحمة وإلى الملائكة الاستغفار وإلى الآدميين دعاء بعضهم لبعض اهـ، وعليه فلا ينافي قوله ﷺ لمن قال من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوي بئس خطيب القوم أنت قل ومن يعص الله ورسوله، وذلك لأن حكمة التشريك هنا أن هذا قول من الله شرف به الملائكة فلا
يتوهم منه نقص ألبتة ومن ثم جمع نفسه ﷺ مع ربه في قوله لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأما الخطيب فمنصبه قابل للزلل فنطقه بهذه العبارة ربما يتوهم منه لنقصه أنه جمع بينهما في الضمير لتساويهما عنده، وقرئ بالرفع وعليه فيحتمل أنه عطف على محل اسم أن ويصلون خبر عنهما وأن يكون يصلون خبر للملائكة وخبر الجلالة محذوف وهو مذهب البصريين لما مر ولئلا يتوارد عاملان على معمول واحد ولئلا يلزم الاشتراك والأصل عدمه ولأنا لا نعرف في العربية فعلًا واحدًا يختلف معناه باختلاف المسند إليه إذا كان الإسناد حقيقة وبما قدمناه من وضعها للقدر المشترك يرد الأخيران إذ لا اشتراك حينئذ ولا اختلاف باختلاف المسند إليه.
ثم عبر بالجملة الاسمية المفيدة للدوام والاستمرار لتدل على دوام صلاة الله وملائكته على نبيه ﷺ وهذه قرينة باهرة لم توجد لغيره ﷺ وإن وجد أصل الصلاة لإبراهيم وآله كما يفيده حديث التشهد المراد على من زعم أنه ليس في القرآن ولا غيره فيما علم صلاة من الله على غير نبينا ﷺ وفي هذا بلوغ أي بلوغ للمؤمنين بأنهم ينبغي لهم إدامة الصلاة عليه ﷺ تأسيًا بالله وملائكته في ذلك، وكما أفاد الجملة لكونها اسمية كذلك تفيد التجدد نظرًا لخبرها كما قالوا حكمة العدول عن الله مستهزئ بهم قصد استمرار الاستهزاء وتجدده وقتًا فوقتًا، وهذا أتم من تشريف آدم بأمر الملائكة بالسجود لاختصاصه بالملائكة والصلاة شاركهم
стр. 1062
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تعالى فيها وسجودهم كان تأدبًا وأمرهم بالصلاة على النبي ﷺ كان توقيرًا له وتعظيمًا وأيضًا فذاك وقع مرة وانقطع وهذا دائم إلى يوم القيامة وأيضًا فالسجود لآدم إنما كان لما بجبهته من نور نبينا ﷺ قاله الرازي، واكتفى بهذا التأكيد في جانب الصلاة أي بأن واسمية الجملة والإعلام بأنه تعالى وملائكته يصلون عن ذكر المصدر وأكد التسليم بالمصدر لفقد ذلك فيه فحسن تأكيده بالمصدر إذ ليس ثم ما يقوم مقامه إلى هذا يؤول قول ابن القيم التأكيد فيهما وإن اختلفت جهته فإنه تعالى أخبر في الأول بصلاته وملائكته مؤكدًا له بأن وبالجمع المفيد للعموم في الملائكة وفي هذا من تعظيمه ﷺ يوجب المبادرة إلى الصلاة عليه ﷺ من غير توقف على أمر موافقة لله وملائكته في ذلك وبهذا استغنى عن تأكيد يصلي بالمصدر ولما خلا السلام عن هذا الأمر وجاء في حيز الأمر حسن تأكيده بالمصدر تحقيقًا للمعنى وإقامة لتأكيد الفعل مقام تكريره وحينئذ كما حصل التكرار في الصلاة خبرًا وطلبًا حصل التكرير في السلام فعلًا ومصدرًا وأيضًا فهي مقدمة عليه لفظًا والتقديم يفيد الاهتمام فحسن تأكيد السلام لئلا يتوهم قلة الاهتمام به لتأخره وأضيفت إلى الله وملائكته دونه وأمر المؤمنين بهما لأن له معنيين التحية والانقياد فأمرنا بهما لصحتهما منا ولم يضف هو لله ولا لملائكته حذرًا من إيهام أنه فيهما بمعنى الانقياد المستحيل في حقهما وقد يقال أيضًا الصلاة منهما متضمنة للسلام بمعنى التحية الذي لا يتصور منهما غيره فكان في إضافة الصلاة إليهما استلزام لوجود السلام منهما بهذا المعنى وأما الصلاة منا فهي وإن استلزمت التحية أيضًا إلّا أنا مخاطبون بالانقياد وهي لا تستلزمه فاحتيج إلى التصريح به فينا لأن الصلاة لا تغني عن معنييه المتصورين في حقنا المطلوبين منا وهذا أولى مما قبله لأن ذاك يرد عليه سلام على إبراهيم
والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم ولا يرد هذان على ما ذكرته فتأمله. وبما تقرر من كون السلام يأتي بمعنى التحية وهو المراد من سلام الله سبحانه على أنبيائه اندفع استشكال سلام الله عليهم بأنه دعاء وهو لا يتصور من الله تعالى لأنه الطلب والله سبحانه مدعو ومطلوب لا داع وطالب وحكمة مجيء السلام منه تعالى منكرًا مع كون التعريف في حق العبد أفضل بل واجب في سلام التحلل من الصلاة أن في صدوره منه
стр. 1063
روينا في "صحيح مسلم" عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ صَلَّى عَلي صَلاة صَلى اللهُ عَلَيْهِ بِها عَشرًا".
ــ
تعالى على من مر غاية التعظيم والتشريف لهم فلم يحتج لمؤكد بخلافه من العبد فلم يعرف به ما يغني عن طلب تأكيده بالتعريف فكان أولى في حقه بل يلزمه فيما مر للاتباع مع عدم قيام المنكر مقام المعرف ويأتي السلام بمعنى السلامة مك النقائص وهي العصمة وبمعنى السلام الذي هو اسم من أسمائه تعالى فمعنى السلام على محمد ﷺ على الأول اللهم سلمه من النقائص وعلى الثاني حفظ السلام أي الله عليه أي اللهم احفظه فهو على حذف مضاف ومعناه على أنه بمعنى الانقياد اللهم صير العباد منقادين له أي مذعنين له ولشريعته وتقدم في آخر أذكار التشهد حكمة الصلاة من العباد عليه ﷺ وأنها تعود إلى الأمة بتكثير الثواب إليه ﷺ بزيادة الترقيات في الفيوض الإلهية والله سبحانه وتعالي أعلم. قوله: (رَوَيْنَا في صحيح مُسلم الخ) أي في الحديث الذي رواه في إجابة المؤذن في آخره ثم صلوا علي فإنه من صلى عليَ الخ. قوله: (مَنْ صَلى علي الخ) أي اسأل الله أن يرحم نبيه ﷺ رحمة مقرونة بغاية التعظيم اللائق به لما مر أنه الأصح في معنى صلاته تعالى على أنبيائه. قوله: (صَلَى الله عليْهِ) أي رحمه لما مر أن هذا معنى صلاة الله على غير الأنبياء لكنها رحمة جامعة واسعة تتفاوت الناس فيها بتفاوت مراتبهم فصلى فيهما من باب المشاكلة لأنه متفق لفظًا مختلف معنى ويصح اتفاقهما معنى أيضًا تخصيصًا للصلاة في القسمين بالرحمة المقرونة بالتعظيم للمصلي بين الملائكة تشريفًا لقدره وتنويهًا بذكره لكنها تختلف باختلاف مراتب الأنبياء ثم من دونهم وفي كلام المصنف كالقاضي عياض التصريح بذلك حيث قال معنى صلى عليه أي رحمه وضعف أجره كقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقد يكون الصلاة على وجهها وظاهرها كلامًا يسمعه الملائكة تعظيمًا للمصلي وتشريفًا له كما جاء وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وفي مسالك الحنفاء نقلًا عن الإمام تضاعفت الصلاة لأنها ليست حسنة واحدة بل حسنات إذ بها تجديد للايمان بالله تعالى أولًا ثم بالرسول ثانيًا ثم تعظيمه ثالثًا ثم بالعناية بطلب الكرامة له رابعًا ثم تجديد الإيمان باليوم الآخر خامسًا ثم بذكر الله سادسًا وعند
стр. 1064
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذكر الصالحين تنزل الرحمة ثم تعظيمًا له بنسبتهم إليه سابعًا ثم بإظهار المرأة لهم ثامنًا ثم بالابتهال والتضرع في الدعاء تاسعًا ثم بالاعتراف عاشرًا بأن الأمر كله لله وأن النبي ﷺ وإن جل قدره فهو محتاج إلى رحمة ربه، فهذه عشر حسنات سوى ما ورد الشرع من أن الحسنة بعشر أمثالها وسبق في باب إجابة المؤذن الجواب عما يقال أن القرآن نطق بأن الحسنة بعشر أمثالها.
فما أفاده الخبر زيادة على ذلك بما حاصله أن في الخبر أعظم فائدة إذا القرآن اقتضى تضاعف
الحسنة بعشر أمثالها والصلاة منها فاقتضى القرآن أن يعطى بذلك عشر درجات في الجنة، وأفاد الحديث الإخبار بأنه تعالى يصلي على من صلى على نبيه ﷺ عشرًا وذكر الله للعبد أعظم من الحسنة مضاعفة وتحقيق ذلك أن الله تعالى لما لم يجعل جزاء ذكره إلَّا ذكره كذلك جعل جزاء ذكر نبيه ﷺ ذكره اهـ. وما أحسن قول الشيخ العلامة برهان الدين بن أبي شريف نفع الله به من صرف فكره، واعمل الفكرة، تواردت عليه رسل المسرة بما أتحفه مولاه من المبرة وسره. يا لها بشارة تخللت من العروق المسالك. اين صلاة العبد من صلاة الملك فكيف والعبد يصلي مرة والله تعالى يصلي عشرًا، فكم مولاه أجرى له ثوابًا عميمًا وأجرًا اهـ. ومع ذلك فلم يقتصر على ذلك بل ضم إليها رفع عشر درجات وحط عشر سيئات وكتابة عشر حسنات وكن له كعتق عشر رقاب ومن علامة صلاة الله تعالى على عبده أن يرضيه بأنوار الإيمان ويحليه بحلية التوفيق ويتوجه بتاج الصدق ويسفط عن نفسه الأهواء والإرادات الفاسدة ويبدله به الرضا بالمقدور.
وذكر البيهقي وغير أن مظالم العباد وإنما توفي من أصول الحسنات أما التضعيف أي ما زاد على الواحد بالنسبة لكل حسنة فمدخر للعبد حتى يدخل الجنة فيعطى ثوابه وهي فائدة جليلة أن عضدها خبر صحيح ثم العشر أقل ما ورد في جزاء الصلاة عليه ﷺ والله يضاعف لمن يشاء فلا ينافي الأحاديث التي فيها الزيادة على ذلك ثم يحتمل أن يكون ذلك الاختلاف لاختلاف أحوال المضاف ويحتمل أنه ﷺ أخبر بالقليل أولًا ثم تفضل الله عليه وزاد فأخبر به والله أعلم.
تنبيه
نقل القاضي عياض أن هذا لمن صلى عليه ﷺ محتسبًا مخلصًا قاضيًا بذلك حقه إجلالًا لمكانه وحبًّا فيه لا لمن
стр. 1065
وروينا في "صحيح مسلم" أيضًا، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ صلى عليَّ واحدَةً صلى اللَّهُ علَيهِ عَشْرًا".
وروينا في كتاب الترمذي، عن عبد الله بن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "أوْلى النَّاسِ بي يومَ القيامَةِ
ــ
قصد بذلك مجرد الثواب أو رجاء الإجابة لدعائه أو الحظ لنفسه ثم قال وهذا عندي فيه نظر والله أعلم. قوله: (وَرَوَينَا في صَحِيحِ مُسلم الخ) وكذا رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح والنسائي وابن حبان في صحيحه وفي بعض ألفاظ الترمذي كذا ابن حبان عن أبي يعلى من صلى عليّ مرة كتب الله له عشر حسنات وفي لفظ ومحا عنه عشر سيئات وهي عند أحمد بسند رجاله رجال الصحيح غير ربعي بن إبراهيم وهو ثقة مأمون، في القول البديع وفي أمالي شيخه الحافظ بعد تخريج حديث الباب قال الترمذي حديث حسن صحيح وقال أي الترمذي قبل تخريجه روي عن النبي ﷺ وأنه قال من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه بها عشرًا وكتب له عشر حسنات قال كنا يعني العراقي يجهل أن يكون إشارة إلى حديث آخر غير حديث أبي هريرة وإن كانت هذه الألفاظ مروية عن أبي هريرة لكن لم تأت مجموعة قال الحافظ الرواية التي فيها لفظ بها جاءت من وجهين آخرين عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة وجاء عن العلاء من وجه آخر بلفظ كتب الله الخ. لكن ليس معطوفًا على ما قبله ولفظه من حديث أبي هريرة مرفوعًا من صلى علي واحدة كتب له بها عشر حسنات أخرجه الحافظ ثم أخرجها من طريق الغريابي هكذا ابن حبان فالذي يظهر
أن هذا اختلاف على العلاء فإن أمكن الجمع بأن تجعل الحسنات تفسير الصلاة وإلّا فالرواية التي فيها صلوات أرجح لاتفاق ثلاثة عليها وهم حفاظ واقتصار مسلم عليها بخلاف الرواية الأخرى فانفرد بها راو صدوق إلّا أنه ليس من أهل الإتقان وإن ثبتت الرواية بالجمع بينهما يحمل أنه كان تامًّا عند العلاء فحدث ببعضه مرة وبالبعض الآخر أخرى وسيأتي قريبًا بهذا المعنى أحاديث من رواية غير أبي هريرة. قوله: (أَوْلى الناسِ بِي الخ) هكذا هو في النسخ المصححة من الأذكار والذي في الترمذي إن أولى الناس بي الخ. قال السيوطي قال ابن حبان
стр. 1066
أكْثَرُهُمْ عليّ صَلاةً" قال الترمذي: حديث حسن. قال الترمذي: وفي الباب عن
ــ
أي أقربهم مني في القيامة قال فيه بيان أن أولاهم به ﷺ أهل الحديث إذ ليس من هذه الأمة قوم أكثر صلاة عليه منهم وقال الخطيب البغدادي قال لنا أبو نعيم هذه منقبة شريف يختص بها رواة الآثار ونقلتها لأنه لا يعرف لعصابة مع العلماء من الصلاة على النبي ﷺ أكثر مما يعرف لهذه العصابة نسخًا وذكرًا وكذا قال غيره في ذلك بشارة عظيمة لهم لأنهم يصلون عليه ﷺ قولًا وفعلًا نهارًا وليلًا وعند القراءة والصلاة فهم أكثر الناس صلاة وأخرج الحافظ عن سفيان الثوري لو لم يكتب لصاحب الحديث فائدة إلَّا الصلاة على النبي ﷺ يصلي عليه ما دام في الكتاب قال الشيخ أبو طالب المكي أقل الإكثار ثلاثمائة وقال غيره لعله ممن يرى القول المحكى بالتواتر أنه أقل ما يحصل بثلاثمائة وتسعة عشر وألغى الكسر اهـ.
قال الشيخ ابن حجر الهيتمي وأقول الظاهر أن الإكثار لا يحصل إلّا بتفريغ أكثر أوقات العبادة لها كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] ويحتمل ضبط ذلك بأن يظهرها حتى يعرف بها بين يدي الناس اهـ. قوله: (وقَال حدِيث حَسَنٌ) قال السخاوي في القول البديع بعد حكايته ما لفظه وفي سنده موسى بن يعقوب الزمعي قال الدارقطني أنه تفرد به قلت وقد اختلف عليه فيه فقيل عن عبد الله بن شداد عن ابن مسعود بلا واسطة هكدا رواه الترمذي والبخاري في تاريخه الكبير وابن أبي عاصم وكذا هي عند أبي الحسين الزيني في مشيخته من الطريق التي أخرجها الترمذي وقيل عن عبد الله بن شداد عن أبيه عن ابن مسعود وهكذا أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة ومن طريقه رواه ابن حبان في صحيحه وأبو نعيم وابن بشكوال وهكذا رواه ابن أبي عاصم أيضًا في فضل الصلاة وابن عدي في كامله والدينوري في مجالسته والدارقطني في الأفراد والتيمي في الترغيب وابن الجراح في أماليه وأبو النمر ابن عساكر من طريق أبي الطاهر الذهلي وغيرهم وهذه الرواية أكثر وأشهر والزمعي قال فيه النسائي ليس بالقوي لكن وثقه ابن معين فحسبك به وكذا وثقه أبو داود وابن حبان وابن عدي وجماعة وأشار البخاري في التاريخ أيضًا إلى أن الزمعي رواه عن ابن كيسان عن عتبة بن عبد الله بن مسعود والله أعلم اهـ. قوله: (قَال الترمِذِيُّ وفي البَاب الخ) وسيأتي ترجمة ابن عوف وعامر بن ربيعة وعمار وأبي طلحة في أحاديث تروى عنهم إن
стр. 1067
عبد الرحمن بن عوف، وعامر بن ربيعة، وعمار، وأبي طلحة، وأنس، وأبي بن كعب، ﵃.
وروينا في سنن أبي داود، والنسائي، وابن ماجه
ــ
شاء الله تعالى وتقدمت ترجمة الباقين.
قوله: (وَرَوَينَا في سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ الخ) أي واللفظ لأبي داود كما في السلاح ورواه الحاكم في المستدرك من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ ولفظه فإنه ليس يصلي علي أحد يوم الجمعة إلَّا عرضت علي صلاته وفي الجامع الصغير ورواه أحمد وابن حبان والحاكم في صحاحهم وقال هذا صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ولذا قال الحافظ المنذري وله علة دقيقة أشار إليها البخاري وغيره من النقاد اهـ. قال ميرك العلة المشار إليها هي أن كل من أخرج هذا الحديث أخرجه من طريق ابن علي بن الوليد الجعفي الكوفي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن أبي الأشعث الصغاني عن أوس بن أوس وبعد تأمل هذا الإسناد لم يشك في صحته لثقة رواته وشهرتهم وقبول أحاديثهم وقال البخاري حسين الجعفي لم يسمع من عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وإنما سمع من عبد الرحمن بن يزيد بن تميم وهو محتج به فلما حدث به حسين غلط في اسم الجد وقال ابن جابر وقال غير واحد من الحفاظ إن ابن تميم ضعيف عندهم له مناكير وهو شيخ حسين في هذا الحديث اهـ، ونقل الحافظ أن ابن أبي حاتم أعله بذلك ورده الدارقطني بأن سماع حسين بن علي الجعفي من عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ثابت وإليه جنح الخطيب والعلم عند الله اهـ. قال القسطلاني في مسالك الحنفاء وأجيب بأن حسينًا الجعفي قد صرح بسماعه من عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ففي صحيح ابن حبان التصريح من حسين بأنه سمعه من عبد الرحمن وأما قولهم أنه ظنه ابن جابر وإنما هو ابن تميم فغلط في اسم جده فبعيد فإنه لم يكن ليشتبه على حسين هذا بهذا مع ثقته وعلمه بهما وسماعه منهما وقال الدارقطني في كلامه على أبي حاتم في الضعف أما قوله حسين الجعفي روي عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم فخطأ إذ الذي يروي عنه حسين هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وأبو أسامة يروي عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم فيغلط في اسم جده اهـ. ثم للحديث شواهد حديث أبي هريرة وأبي الدرداء وأبي مسعود الأنصاري
стр. 1068
بالأسانيد الصحيحة عن أوس بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن مِنْ أفْضَلِ أيَامِكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فأكثِروا عَليَّ منَ الصَّلاةِ فِيهِ،
ــ
وأبي أمامة وأنس بن مالك وغيرهم ثم بين طرق تلك الشواهد والله أعلم، وقال ابن حجر الهيتمي في الدر من قال إن الحديث منكر أو غريب لعلة خفية به فقد استروح لأن الدارقطني ردها اهـ، وفي شرح المشكاة فقول أبي حاتم أنه منكر وابن العربي أنه لم يثبت وأبي اليمن أنه غريب مردود بما ذكر أي من انتفاء علته. قوله: (بالأَسَانيدِ الصحِيحَةِ) نظر فيه الحافظ بأنه يوهم أن للحديث في السنن الثلاثة طرقًا إلى أوس وليس كذلك كما عرفت إذ مداره عندهم وعند غيرهم على الجعفي تفرد به عن شيخه وكذا من فوقه وكأن الشيخ قصد بالأسانيد شيوخهم خاصة اهـ.
تنبيه
وقع هذا الحديث عن ابن ماجة هكذا على الصواب عن أوس بن أوس في كتاب الجنائز ووقع له فيه وهم في كتاب الصلاة أخرجه عن شداد بن أوس نبه عليه المزي وغيره.
تنبيه
اختصر الشيخ من المتن ولفظه عند رواته قال ﷺ من أفضل يومكم يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه الخ. والباقي سواء. في: (عَن أَوْسِ أبنِ أَوسٍ) قال في أسد الغابة وقيل ابن أبي أوس عداده في أهل الشام روى عنه أبو الأشعث الصغاني وعبد الله بن جرير قال في السلاح وليس لأوس هذا في الكتب الستة سوى هذا الحديث وحديث من غسل يوم الجمعة واغتسل رواه الأربعة اهـ، وزاد المصنف في التهذيب حديثًا في الصيام. قوله: (إِن مِنْ أَفضَلِ أَيامِكُم يومَ الجمعةِ) تتمته كما في أبي داود وغيره فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه الخ. قال العلقمي نقلًا عن البيضاوي لا شك أن خلق آدم فيه يوجب له شرفًا ومزية وكذا وفاته فإنه سبب لوصوله إلى الجناب الأقدس والخلاص من النكبات وكذا قيام الساعة لأنه من أسباب توصل أرباب الكمال إلى ما أعد لهم من النعيم المقيم قال الراغب الموت أحد الأسباب الموصلة إلى النعيم فهو وإن كان في الظاهر فناء واضمحلالًا لكن في الحقيقة ولادة ثانية وهو باب من أبواب الجنة منه يتوصل إليها ولو لم يكن إلَّا المنة من الله تعالى به
стр. 1069
فإن صلاتكُمْ مَعْرُوضةٌ عليَّ، فقالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض صلاتنا عليك
ــ
على الإنسان قال تعالى خلق الموت والحياة قدم الموت على الحياة تنبيهًا على أنه يتوصل منه إلى الحياة الحقيقية وعده علينا من الآلاء في قوله تعالى: (كلُّ مَن عَلَيهَا فَانٍ) [الرحمن: ٢٦] اهـ. قوله: (فإِنَّ صلاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عليَّ) قال ابن حجر الهيتمي في الدر المنضود وقد علم من هذه الأحاديث أنه ﷺ يبلغ الصلاة والسلام عليه إذا صدرا من بعد ويسمعهما إذا كانا عند قبره الشريف بلا واسطة سواء ليلة الجمعة وغيرها وأفتى النووي فيمن حلف بالطلاق الثلاث أن رسول الله ﷺ يسمع الصلاة عليه بأنه لا يحكم بالحنث للشك في ذلك والورع أن يلتزم الحنث وما قيل من أن رده ﷺ مختص بسلام زائره مردود بعموم الأحاديث فدعوى التخصيص تحتاج لدليل وأيضًا ففي الخبر الصحيح ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن ومن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلَّا عرفه ورد ﵇ فلو خص رده ﷺ بزائره لم يكن له خصوصية به لما علمت من مشاركة غيره له في ذلك قال أبو اليمن ابن عساكر وإذا جاز رده ﷺ على جميع من يسلم عليه من الزائرين جاز رده على من يسلم من جميع الآفاق من جميع أمته اهـ. لكن في الحرز لا خفاء في أن حديث أن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام يدل على أن الصلاة مطلقًا معروضة عليه فالجمع بينه وبين حديث الجمعة بأن يوم الجمعة لمزيد الفضيلة تعرض عليه من غير واسطة كما فرق به بين الصلاة عند الروضة الشريفة وسائر البقاع المنيفة فقد أخرج أبو الشيخ في كتاب ثواب الأعمال بسند جيد مرفوعًا من صلى عليّ عند قبري سمعته ومن صلى علي نائيًا بلغته وأبعد الحنفي في قوله إن هذه الملائكة إنما يعرض عليه يوم الجمعة وكذا الحال في رد الروح عليه ورده السلام على أنه يمكن أن يقال أنه ليس من قبيل العرض هـ. وبعده لا يخفى وما جمع به في الحرز يحتاج لمستند والفرق بين المقيس والمقيس عليه واضح لظهور مستنده
في المقيس عليه من الأخبار الجيدة الصريحة في ذلك ولا كذلك المقيس والله أعلم، ويمكن أن يقال والله أعلم، بحقيقة الحال إن للصلاة يوم الجمعة عرضًا خاصًّا لا يعلم كنهه ولا كذلك عرض باقي الأيام والفرق شرف يوم الجمعة على باقي الأيام والحديث يدل لذلك والله أعلم. قوله: (قالُوا وكيفَ تُعرَضُ صلاتُنا عليك الخ) قال القسطلاني في المسالك إن قلت إقراره ﷺ السائل
стр. 1070
وقد أرَمْتَ؟ قال: يقول بليت: إن اللهَ حَرَّمَ على الأرْضِ أجْسادَ الأنْبِياءِ".
قلت: أرمت بفتح الراء وإسكان الميم وفتح التاء المخففة. قال الخطابي: أصله: أرممت، فحذفوا إحدى الميمين، وهي لغة لبعض العرب، كما قالوا: ظلت أفعل كذا: أي ظللت، في نظائر لذلك. وقال غيره: إنما هو أرَمَّت بفتح الراء والميم المشددة وإسكان التاء: أي: أرمَّت العظام، وقيل: فيه أقوال أخر، والله أعلم.
ــ
على هذا السؤال يدل على أن جسده يأكله التراب وإلَّا فكان يجيبه بأني لم أرم اهـ. قلت وفيه نظر فإن رده بقوله إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء قال الترمذي الحكيم وقد ترأت الأرض عنهم فلم تتبعهم بما أكلوا منها لأنهم تناولوه بالحق والعدل فبالنبوة مروا في هذا الأمر والنبوة من الحق والعدل فخلفاء النبيين من أعطى الحق والعدل كذلك ليس للأرض عليهم سلطان دليله حديث جابر لما نقلوا شهداء أحد عن قبورهم نحوًا من أربعين سنة فأخرجوا رطابًا ينثنون حتى أصابت المسحاة قدم حمزة ﵁ فانبعث الدم طريًّا فإذا كان هذا حال الشهداء في قبورهم فانظر ما حال الصديقين فإنهم أعلى منهم اهـ. قال القسطلاني: إن قلت ما وجه تعلق قوله فإن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء والبلاغ بعد الموت لا تعلق له بالأجساد أجيب بأنه لما كان الكلام لبيان ما اختص به في الموت من البلاغ أورد فيه ببيان خصوصية أخرى له ولغيره من الأنبياء هي أن الأرض لا تأكل أجسادهم اهـ. قوله: (وقَال غيرُهُ إِنما هُو أَرَمَّتْ الخ) قال في النهاية وكثيرًا ما تروى هذه اللفظة بتشديد الميم وهي لغة ناس من بكر بن وائل وقال الحربي كذا يرويه المحدثون بالتشديد وفتح التاء ولا أعرف وجهه والصواب أرمت بسكونها فتكون التاء لتأنيث العظام لكن سيأتي أن ناسًا من بكر بن وائل يقولون ردت بتشديد الدال مع تاء الفاعل وفيه أقوال أخر منها أنه أرمت بتشديد التاء على أنه أدغم أحد الميمين فيها قال في النهاية وهذا قول ساقط لأن الميم لا تدغم في التاء أبدًا ومنها أنه يجوز أرمت بضم الهمزة من قولهم أرمت الإبل تأرم إذا تناولت العلف وقلعته من الأرض كذا في النهاية وفي نسخة صحيحة من
стр. 1071
وروينا في "سنن أبي داود" في آخر كتاب الحج في باب زيارة القبور بالإسناد الصحيح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
ــ
السلاح مقابلة بأصل المؤلف مرارًا وحكى فيه ابن دحية فتح الهمزة وكسر الراء من قولهم أرمت الإبل تأرم إذا تناولت العلف اهـ، ولعله جاء بالبناء للفاعل والمفعول فنقل كل منهما أحد الوجهين وسكت على الثاني وفي النهاية بعد حكاية هذه الأقوال وأصل هذه الكلمة من رم الميت وأرم إذا بلي والرمة العظم البالي والفعل الماضي من أرم للمتكلم والمخاطب أرمت وأرمت بإظهار التضعيف وكذا كل فعل مضعف فإنه يظهر فيه التضعيف معهما لأن تاء الفاعل متحركة لا يكون قبلها إلا ساكن فإذا سكن ما قبلها وهي الميم الثانية والأولى ساكنة للإدغام فيلتقي الساكنان ولا يجوز الجمع بينهما ولا تحريك الثاني لأنه وجب سكونه لأجل تاء الفاعل فلم يبق إلّا تحريك الأول وحيث حرك ظهر التضعيف
والذي جاء في هذا الحديث بالإدغام وحيث لم يظهر التضعيف فيه على ما جاء في الرواية احتاجوا أن يشددوا التاء ليكون ما قبلها ساكنًا حيث تعذر تحريك الميم الثانية أو يتركوا القياس في التزام ما قبل تاء الفاعل فإن صحت الرواية ولم تكن محرفة فلا يمكن تخريجه إلّا على لغة بعض العرب فإن الخليل زعم أن ناسًا من بكر بن وائل يقولون ردت وكذلك مع جماعة المؤنث يقولون ردن ومرن يريدون رددت ومررن وأرددن وأمررن فكأنهم قدروا الإدغام قبل دخول التاء والنون فيكون لفظ الحديث أرمت بتشديد الميم وفتح التاء والله أعلم. قوله: (وَرَوَينَا في سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ) قال الحافظ بعد تخريجه حديث حمسن وفي معنى حديث أبي هريرة هذا علي بن الحسين وهو حسن الإسناد قال الحافظ وللحديث شاهد من رواية الحسن بن علي ﵄ أخرجه إسماعيل بن إسحاق القاضي في كتاب فضل الصلاة على النبي ﷺ وقولها أخرج ما قبله وأخرج حديث الحسن بن أبي عاصم والطبراني من وجه آخر وقال السخاوي في القول البديع في الكلام على حديث الباب ورواه أحمد في مسنده وابن قيل في حزبه المروي هنا وصححه النووي في الأذكار اهـ. أي بقوله بالإسناد الصحيح وإذا قال ذلك الحافظ الناقد
стр. 1072
"لا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا،
وَصَلوا عليّ، فإن صَلاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حيثُ كنْتُمْ".
ــ
في السند ولم يعقب المتن بشيء كان ذلك الحكم جاريا في المتن. قوله: (لَا تجْعلوا قبْري عيدا الخ) قال في السلاح يحتمل أن يكون المراد الحث على كثرة زيارته ولا تجعلوا كالعيد الذي لا يأتي في العام إلّا مرتين ويؤيد هذا قوله ﷺ لا تجعلوا بيوتكم قبورًا ولا تجعلوا قبري الخ. أي لا تتركوا الصلاة في بيوتكم حتى تجعلوها كالقبور التي لا يصلى فيها اهـ، ونظر فيه السخاوي وتلميذه القسطلاني واستظهر أنه ﷺ إنما أشار بذلك إلى ما في الحديث الآخر من نهيه عن اتخاذ قبره مسجدًا ويكون المراد بقوله لا تجعلوا قبري عيدًا أي من حيث الاجتماع عنده للهو والزينة والرقص وغيرها من المحدثات التي تعمل في الأعياد وذكر بعض شراح المصابيح ما نصه في الكلام حذف تقديره لا تجعلوا زيارة قبري عيدًا ومعناه النهي عن الاجتماع لزيارته ﵇ اجتماعهم للعيد وقد كانت اليهود والنصارى يجتمعون لزيارة قبور أنبيائهم ويشتغلون باللهو والطرب فنهى النبي ﷺ أمته عن ذلك وقيل يحتمل أن يكون نهيه ﵊ لدفع المشقة عن أمته أو الكراهة أن يتجاوزوا في تعظيم قبره غاية التجاوز، والحث على زيارة قبره الشريف قد جاء في عدة أحاديث لو لم يكن منها إلَّا وعد الصادق المصدوق ﷺ بوجوب الشفاعة لكان كافيًا في الدلالة على ذلك وقد اتفق الأئمة من بعد وفاته ﷺ إلى زماننا هذا على أن زيارته ﷺ من أفضل القربات اهـ. وفيما نظرا به نظر إذ لا يلزم من ظهور ما ذكراه واستشهدا عليه بكلام شارح المصابيح بطلان الاحتمال الذي أشار إليه صاحب السلاح بل هو احتمال وجيه ولذا قدمه ابن حجر الهيتمي في شرح المفصلاة في الأقوال في معنى الحديث وزاد وقيل العيد اسم من الاعتياد يقال عاده واعتاده وتعوده صار له عادة أي لا تجعلوا قبري محلًا لاعتياد المجيء إليه متكررًا تكريرًا كثيرًا بحيث يؤدي إلى الملل وسوء الأدب وسقوط الإعظام والإجلال بالظاهر والباطن
ومن لم يقدر على ذلك فليصل عليّ فإن فيها كفاية عن ذلك كما رمز لذلك ﷺ بقوله عقب النهي وصلوا عليّ الخ. قوله: (فإِن صَلاتَكمْ تَبلُغُني حيث كُنتُمْ) قال في المسالك قال القاضي البيضاوي وذلك لأن النفوس القدسية إذا تجردت عن العلائق البدنية عرجت واتصلت بالملأ الأعلى ولم يبق لها حجاب فترى الكل كالمشاهد بنفسها أو بأخبار الملك لها وفيه
стр. 1073
وروينا فيه أيضًا بإسناد صحيح، عن أبي هريرة أيضًا، أن رسول الله
ــ
سر يطلع عليه من تيسر له اهـ، وفي شرح المشكاة لابن حجر بعد أحاديث أوردها في معنى حديث أبي هريرة يؤخذ من هذه الأحاديث أنه ﷺ حي على الدوام لأنه يستحيل عادة أن يخلو الوجود كله من واحد يسلم عليه في ليل أو نهار وقد أجمعوا على أنه ﷺ حي يرزق في قبره وأن جسده الشريف لا تأكله الأرض وأن روحه القدسية لما تجردت عن العلائق الدنيوية صار لها قوة العروج والاتصال بالملأ الأعلى فارتفعت جميع حجبها الحسية فترى جميع ما يصل إليها من الأمة من صلاة وسلام وغيرهما كالمشاهد وتبليغ الملك لذلك إنما هو لمزيد التشريف والتكريم والإجلال والتعظيم ألا ترى إلى ملوك الدنيا تعرض عليهم الهدايا في الملأ وإن علموا بها في السر إظهارًا لعظمتهم وقد يكون فيه إظهار لعظمة المهدي فكذا ما نحن فيه اهـ. قال الحافظ قد تقدم في حديث عمار الذي أشار إليه الترمذي وأخرجه البزار وغيره بيان من يبلغه ذلك ﷺ وتقدم ذكر شاهده، في معنى حديث عمار حديث لأبي أمامة أخرجه الطبراني من رواية مكحول عنه قال قال ﷺ من صلى علي صلى عليه ملك يبلغنيها وفي حديث لابن مسعود أخرجه أحمد والنسائي والدرامي وصححه ابن حبان والحاكم من رواية ذادان عنه قال قال ﷺ إن لله ملائكة سياحين يبلغونني عن أمتي السلام ويجمع بينه وبين حديث عمار بأن الملك الموكل يخبر السياحين اهـ. وفي كتاب مفاخر الإسلام لابن صعد التلمساني عن علي ﵁ من جملة حديث مرفوعًا ماذا قال اللهم صلي على محمد قال الملك الذي عند رأسي يا محمد إن فلانًا يصلي عليك فأقول صلى الله عليه كما صلى علي وخرج الحافظ ابن عبد البر بسند فيه ابن لهيعة عن عبد الرحمن بن وردان قال ﷺ والذي نفسي بيده ما منكم من أحد يسلم علي إذا أنا من إلَّا جاء جبريل فيقول يا محمد هذا فلان وابن فلان فيرفع له في النسب حتى أعرفه فأقول نعم فيقول هو يقرأ عليك السلام ورحمة الله وبركاته فأقول ﵇ ورحمة الله وبركاته اهـ. قوله: (وَرَوَينَا فيهِ أيْضا الخ) ورواه أحمد وأبو داود والبيهقي في الدعوات والطبراني وعباس الرفقي ومن طريقه أبو اليمن ابن عساكر وسنده حسن بل صححه في الأذكار وغيره وفيه نظر كذا في القول البديع للسخاوي ووجهه أن
стр. 1074
- ﷺ قال: "ما منْ أحَدٍ يسلم عليّ إلا رَدّ اللَّهُ عَلي رُوحي حَتى أرُد ﵇".
ــ
إسناد أبي داود ينتهي إلى يزيد بن عبد الله وهو ابن قسيط الليثي المدني، قال ابن القيم سألت شيخنا يعني ابن تيمية عن سماع زيد بن عبد الله من أبي هريرة فقال ما كأنه أدركه وهو ضعيف ففي سماعه منه نظر اهـ. وتعقبه القسطلاني في المسالك قال الحافظ بعد تخريجه الحديث أنه حديث غريب أخرجه أحمد وأبو داود ورجاله رجال الصحيح إلّا أبا صخر فأخرج له مسلم وحده وقد اختلف فيه قول ابن معين
ثم في ابن قسيط مقال توقف فيه مالك فقال في حديث آخر من روايته خارج الموطأ ووصله ليس بذاك اهـ، وانفراده بهذا عن أبي هريرة يمنع من الجزم بصحته اهـ. لكن نقل القسطلاني في المسالك توثيقه عن جماعة منهم ابن معين فقال ليس به بأس وابن سعد فقال كان كثير الحديث ونقل ذلك عن مذهب التهذيب ثم رأيته في الكاشف قال يزيد بن عبد الله بن قسيط الليثي عن أبي هريرة وعنه مالك وثقه النسائي وهو يؤيد ما نقله القسطلاني وبه يقوى القول بصحة الحديث لانتفاء العلة المذكورة والله أعلم. قال الحافظ ذكر الشيخ الموفق ابن قدامة في معنى هذا الحديث وفيه زيادة بعد قوله ﷺ من سلم عليّ "عند قبري" ولم أرها في شيء من طرق الحديث والعلم عند الله اهـ. ثم هذا الحديث لم يخرجه من أصحاب الكتب الستة غير أبي داود فقول الشيخ تاج الدين الفاكهاني في كتابه الفجر المنير روينا في الترمذي وذكره سهو نبه عليه القسطلاني في المسالك ثم لفظ أبي داود رد الله علي. قوله: (إلا ردَّ الله عَلي رُوحِي) أي نطقي ثم لفظ أبي داود رد الله عليّ ولفظ رواية البيهقي وأحمد رد الله إلي بالهمزة بدل العين وهو ألطف وأنسب إذ بين التعديين فرق لطيف فإن رد تعددى بعلى في الإهانة وبإلى في الإكرام قال في الصحاح ورد عليه الشيء إذا لم يقبله وكذلك إذا خطأه ورد إليه جوابًا أي رجع ناسيًا ثم أثبت ومن الأول يردوكم على أعقابكم ومن الثاني يردون إلى عالم الغيب والشهادة، لما جاء من النصوص والإجماع على أن أنه ﷺ حي في قبره على الدوام لكن لا يلزم من حياته النطق فالله يرد عليه النطق عند سلام كل مسلم عليه وعلاقة المجاز أن النطق من لازمه وجود الروح كما أن الروح من لازمه وجود النطق بالفعل
стр. 1075
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والقوة فعبر ﷺ بأحد المتلازمين عن الآخر وكون النطق يعاد عند سلام المسلم ألا يلزم منه منعه منه فيما عدا ذلك وبه يرد ما يقال إن ظاهر هذا الجواب أنه ﷺ مع كونه حيًّا في البرزخ يمنع عنه النطق في بعض الأوقات ويرد عليه عند سلام المسلم عليه: لأن حال النطق عند فقد المسلم عليه، وإن كان لا يكون ذلك لعدم خلو زمن من مصل عليه ﷺ في سائر الأقطار، مسكوت عنه لا أنه مجزوم بمنعه من النطق حينئذ حتى يقال أنه ﷺ ممنوع من النطق بعض الأحيان وذلك ما لا يليق بعلي ذلك الشأن والله أعلم.
لا يقال الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون ومن لازم صلاتهم نطقهم فكيف يرد النطق حينئذٍ لأنا نقول لا يلزم من الصلاة النطق العادي المتضمن لخطاب الآدمي قيل ونظير تأويل الروح بالنطق هنا تأويل الغين في أنه ليغان على قلبي فاستغفر الله قالوا ليس المراد وسوسة ولا ذنبًا وإن كان أصل الغين ما يغشى القلب ويغطيه إنما أشار ﷺ إلى ما يحصل له من نوع فترة عن دوام الشهود والذكر وما كلفه من أعباء الرسالة وأداء الأمانة فكان حينئذ يستغفر ليزداد علوًا وقربًا وشهودًا وحبًّا وقال بعض العارفين أنه غين أنوار لا غين أغيار أي أنه كان يغشى قلبه الشريف من أنوار الشهود والقرب ما يخرجه عن عاداته وهو المشار إليه بلي وقت لا يسعني فيه غير ربي فإذا زال عنه ذلك الاستغراق تجلت عليه مظاهر الجلال فخضع واستغفر، وقيل المراد بالروح النطق وبالرد الاستمرار من غير مفارقة بل كنى به عن مطلق الصيرورة ففي الحديث على هذا مجازان مجاز استعارة تبعية في لفظ رد ومجاز مرسل في
لفظ الروح وقال في تخريجه يمكن أن يؤول رد الروح بحضور الفكر كما قالوا في قوله يغان على قلبي والعلم عند الله اهـ. وأجاب البيهقي بأن معنى رد روحه عودها بعد وفاته ﷺ لرد سلام من يسلم عليه واستمرت في جسده الشريف لا أنها تعاد ثم تنزع ثم تعاد وقيل المراد ظاهره لكنه بدون نزع ولا مشقة وقيل المراد برد روحه الشريفة التفرغ من الشغل وفراغ البال مما هو بصدده في البرزخ من النظر في أعمال أمته والاستغفار لهم من السيئات والدعاء بكشف البلاء عنهم وقال بعضهم هذا إخبار منه ﷺ عما بعد وفاته ورقي روحه الشريفة إلى أقصى درجاته فتعرض أمور أمته السارة له عليه كما يعرض على الملك أمور رعيته ولعل المعنى فيه كما في شرح المشكاة أي للطيبي أن روحه السعيدة المقدسة في شأن ما في الحضرة الإلهية فإذا بلغه سلام أحد من الأمة رد الله تعالى عليه
стр. 1076
باب أمر من ذكر عنده النبي ﷺ بالصلاة عليه والتسيم ﷺ -
روينا في كتاب الترمذي، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ :
ــ
روحه من تلك الحال إلى رد السلام على من سلم عليه وكذلك كان شأنه ﷺ وعادته في الدنيا يفيض على أمته من سحائب الوحي الإلهي ما أفاضه الله منه عليه ولا يشغله هذا الشأن وهو شأن إفاضة الأنوار القدسية على أمته عن شأنه بالحضرة الإلهية فقد أقدره الله تعالى على كمال شهود الجمع في عين الفرق من غير أن يشغله شأن عن شأن وكذلك يكون كذلك يكون ﷺ عند إعطائه المقام المحمود فهو دائم الإمداد لأمته في الدنيا والبرزخ في العقبى جزاه الله عنا أفضل ما جزى نبينا عن أمته، ومثل هذا جواب المتقي السبكي ﵀ بقوله يحتمل أن يكون ردًّا معنويًّا وأن تكون روحه الشريفة بشهود مشتغلة بالحضرة الإلهية والملأ الأعلى عن هذا العالم فإذا سلم عليه أقبلت روحه الشريفة على هذا العالم لتدرك سلام من يسلم عليه ويرد عليه اهـ. وقد أجيب عنه بأجوبة أخرى أودعها الحافظ السيوطي في جزء وارتضى منها قوله رد الله علي روحي جملة حالية قال وقاعدة العربية أن جملة الحال إذا وقعت فعلًا ماضيًا قدر فيها قد لا سيما وقد أخرج البيهقي الحديث في حب الأنبياء بلفظ وقد رد الله على روحي والجملة ماضوية سابقة على السلام الواقع من كل أحد وحتى ليست تعليلية بل مجرد حرف عطف بمعنى الواو فصار تقدير الحديث: ما من أحد يسلم علي إلّا قد رد الله عليّ روحي قبل ذلك وأرد عليه قال وإنما جاء الإشكال من ظن أن جملة رد الله علي بمعنى الحال أو الاستقبال وظن أن حتى للتعليل وليس كذلك وبهذا التقرير ارتفع الإشكال من أصله اهـ.
باب أمر من ذكر عنده النبي ﷺ بالصلاة عليه والتسيم ﷺ
قوله: (رَوَيَنَا في كِتابِ الترْمذِي الخ) أي رواه الترمذي هكذا مختصرًا واللفظ له
стр. 1077
"رَغِمَ أنْفُ
ــ
ورواه ابن حبان في صحيحه وقال الترمذي حسن غريب من هذا الوجه. قال: وروي عن بعض أهل العلم قال إذا صلى الرجل على النبي ﷺ مرة في المجلس أجزأ عنه ما كان في ذلك المجلس كذا في السلاح وقال الحافظ بعد تخريجه حديث حسن صحيح وقول الترمذي أنه غريب أراد بالغرابة تفرد عبد الرحمن بن إسحاق عن شعيب بن أبي سعيد المقري به وأما ربعي بن إبراهيم أخو إسماعيل بن
إبراهيم يعني ابن علية الراوي له عن عبد الرحمن فقد توبع عليه وخرجه البخاري في الأدب المفرد وابن حبان والحاكم من رواية بشر بن المفضل وأخرجه ابن أبي عاصم من رواية يزيد بن زريع كلاهما عن عبد الرحمن وتوبع سعيد عن أبي هريرة وخرجه ابن خزيمة في كتاب الصيام من صحيحه وفي سنده راو مختلف فيه إلّا أنه اعتضد وأخرجه ابن حبان في صحيحه والدارقطني في الأفراد عن أبي هريرة من فعل كذا في الأمور الثلاثة فدخل النار فأبعده الله. قال الترمذي بعد تخريج الحديث وفي الباب عن أنس وجابر قال الحافظ حديث أنس بنحوه أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو بكر بن أبي شيبة والبزار وحديث جابر بن عبد الله لفظه مختصرًا ويأتي قريبًا في آخر الباب ووجد الحديث من حديث جابر بن سمرة وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وكعب بن عجرة وعبد الله بن عباس ومالك بن الحويرث وعبد الله بن الحارث كملوا عشرة أما حديث جابر بن سمرة فأخرجه البزار والدارقطني في الأفراد وحديث عمار ولفظه كالذي قبله رغم أنف رجل وحديث كعب بن عجرة أخرجه البخاري في الأدب المفرد والطبراني وحديث مالك بن الحويرث أخرجه ابن حبان في صحيحه والطبراني وحديث عبد الله بن الحارث أخرجه البزار وابن أبي عاصم وفي حديث هؤلاء الأربعة فأبعده الله أو بعده ولم يقولوا رغم أنف وساقوا الأمور الثلاثة بألفاظ مختلفة انتهى من جملة حديث وله طرق كثيرة بعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف كذا في شرح المشكاة لابن حجر والحديث عند الحاكم في المستدرك. قوله: (رَغِمَ أَنفُ
стр. 1078
رجلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فلمْ يُصَل عَليّ" قال الترمذي: حديث حسن.
ــ
رَجلٍ الخ) يقال بكسر الغين وفتحها لغتان حكاهما الجوهري وذكرهما المصنف في شرح مسلم لكن قيل روايتنا هنا بالكسر، رغمًا بتثليث رائه ومعناه لصق بالرغام وهو التراب وأرغم الله أنفه أي ألصقه به. وهذا من النبي ﷺ دعاء مؤكد على من قصر في ذلك، قال القرطبي: يحتمل أن يكون معناه صرعه الله لأنفه فأهلكه وهذا إنما يكون في حق من لم يقم بما يجب عليه وأن يكون بمعنى أذله الله لأن من ألصق أنفه الذي هو أشرف أعضائه بالتراب الذي هو موطئ الأقدام أخس الأشياء فقد انتهى من الذل إلى الغاية القصوى قال ولهذا يصلح أن يدعى به على من فرط في متأكدات المندوبات ولمن فرط في الواجبات، ذكر ذلك في حديث بر الوالدين من شرحه على مختصر مسلم وسببه أن الصلاة عليه ﷺ كناية عن تعظيمه وتبجيله فمن عظمه عظمه الله ورفع قدره ومن لا أذله الله وأهانه لتهاونه بأمر الواسطة الكريمة من غير مشقة أصلًا تحصل له لو صلى عليه وتضييعه ما أعده الله له في صلاته له من مقابلة الواحدة عشرًا بل سبعين بل ألفًا وكذا ملائكته مع ما فيه من عشر حسنات ومحو عشر سيئات ورفع عشر درجات وثواب عتق عشر رقاب فمن فرت هذه المغانم حقيق بأن يضرب عليه الذلة والهوان وأن يبوء بغضب الله تعالى ومقته وطرده. قيل ويخشى على الكاتب إذا رمز للصلاة بصورة صلعم أن يندرج في هذا القبيل لتهاونه وقلة أدبه. قال ابن صعد التلمساني في كتابه مفاخر أهل الإسلام إن قيل ما معنى اشتراك تارك الصلاة عليه ﷺ وتارك حق رمضان وتارك بر والديه في عقوبة متحدة هي الهلاك وما في معناه من البعد والهوان فالجواب أن العقوبة اتحدت لاتحاد الجناية إذ المتروك في الثلاثة شيء واحد هو
تعظيم الله ﵎ بيان ذلك أن شهر رمضان هو شهر الله الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس الخ. فمن عظمه وقام بحقه إيمانًا واحتسابًا فقد عظم الله واختص بمزية الغفران والفاء في قوله
стр. 1079
وروينا في كتاب ابن السني بإسناد جيد، عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلْيُصَلِّ عَليّ، فإنَّهُ
ــ
فلم يغفر له معناها الاستبعاد أي بعيد ممن اتصف بالعقل والإيمان أن يجد سبيلًا إلى تعظيمه فيخالف ذلك إلى انتهاك حرمته وابتذال حقه فإن فعل وترك القيام بواجبه استحق من الله تعالى البعد والذل والهوان وكذا بر الوالدين لأن برهما هو تعظيمهما وتوفيرهما وذلك مستلزم لتعظيم الله وتنزيهه إذ قرن تعالى الإحسان إليهما بتوحيده وعبادته فقال وقضى ربك ألا تعبدوا إلَّا إياه وبالوالدين إحسانًا ومعنى الفاء في فلم يدخلاه الجنة الاستبعاد أيضًا أي بعيد من أهل الإحسان إليهما لا سيما في حال كبرهما إذ الغرض في القيام بحقهما والتحفي بشأنهما فإن حرم ذلك بأن أهانهما واستصغر حقهما صار من أهل الجنايات فاستوجب الحرمان والبعد من جميع الخيرات، وأما الصلاة على النبي ﷺ فهي عبارة عن طلب تعظيمه وإجلاله من الله تعالى وهو في الحقيقة تعظيم لله قال تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله فمن عظم رسول الله ﷺ بالصلاة عليه عند ذكره وأظهر تبجيله ورفعة قدره استحق من الله التعظيم وعلو المكانة ومن استخف بما أبانه الله وأرشده إليه من باهر فضله وإثارة بدره وبركة الصلاة عليه عند سماع ذكره فقد استوجب الطرد والخزي والإهانة وكان خليقًا بعقاب البعد والخوف أن لم يصل عليه ﷺ فيفوز بالظفر والأمانة وقوله "فلم يصل عليه" الفاء معناها الاستبعاد أيضًا أي بعيد من معتقد الإيمان أن يتمكن من إجراء كلمات معدودات على لسانه يتوجب بهن عشر صلوات من الله وكفى به فائدة إلى غير ذلك من رفع الدرجات ثم يتعمد ترك ذلك حتى يفوته هذا الخير الكثير فيكون بالذل والغضب والبعد جدير اهـ.
قوله: (وَرَوَيَنا في كتابِ ابن السني الخ) أورده في الجامع الصغير بهذا اللفظ من حديث أنس وعزا تخريجه للنسائي وبجانبه علامة الصحة قال الحافظ أخرجه النسائي آخر فضائل القرآن وكأن المصنف خفي عليه ذلك لكونه ذكره في غير مظنته فنقله من جهة ابن السني ووصف السند بالجودة كأنه بالنظر إلى رجاله بأنهم موثقون لكن في السند انقطاع وفي القول البديع بعد إيراده الحديث
стр. 1080
مَنْ صَلَّى عَليَّ مَرَّةً، صَلى الله عَلَيهِ عَشْرًا".
وروينا فيه بإسناد ضعيف عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَل عَليّ فَقَدْ شَقِيَ".
وروينا في كتاب الترمذي، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله
ــ
أخرجه أحمد وأبو نعيم والبخاري في الأدب المفرد وهو عند الطبراني في الأوسط دون قوله ومن صلى عليَّ الخ، ورجاله رجال الصحيح وفي رواية من صلى علي واحدة صلى الله بها عليه عشر صلوات وحطت عنه عشر سيئات ورفعت له عشر درجات أخرجها النسائي وابن حبان في صحيحه وابن أبي شيبة وليس عندهما ورفعت الخ. أخرجه الحاكم بلفظ من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحط عنه عشر خطيئات ورواه الطبراني في الأوسط والصغير بلفظ من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرًا ومن صلى علي عشرًا صلى الله عليه مائة ومن صلى علي مائة كتب الله بين عينيه براءة من النفاق وبراءة من النار وأسكنه يوم القيامة مع الشهداء وفي سنده إبراهيم بن سالم بن شبل الهجمي قال المنذري لا أعرفه بعدالة ولا جرح وكذا قال التيمي نحوه اهـ، ومنه يعلم أن الحديث بلفظه الذي أورده المصنف لم يخرجه النسائي فقول الجامع الصغير أخرج النسائي مراده
أصل الحديث لا بخصوص هذا اللفظ والله أعلم. قوله: (وَرَوَينا فيه إلخ) في إسناده الفضل بن منتشر وهو ضعيف على الأظهر قال الحافظ وللحديث طريق أخرى أخرجها الطبراني مختصرة من حديث جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال قال لي جبريل من ذكرت عنده فلم يصل عليك فقد شقي. قلت قال في القول البديع الحديث عند الطبراني بلفظ شقي عبد ذكرت عنده فلم يصل علي وفي المسالك للقسطلاني عند ابن أبي عاصم مرفوعًا أيضًا مختصرًا أتاني جبريل فقال شقي امرؤ أو تعس امرؤ ذكرت عنده فلم يصل عليك. قوله: (وَرَوينا في كتاب الترمذي الخ) وكذا رواه من حديث على النسائي وابن بشكوال من طريق والبخاري في تاريخه وسَعيد بن منصور في سننه والسراج عن قتيبة والبيهقي في الشعب وإسماعيل القاضي والخليعي وقال الترمذي حسن صحيح وزاد في نسخة غريب وأخرجه من حديث
стр. 1081
- ﷺ : "البَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ، فَلَمْ يُصَلِّ عَليّ"، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ــ
الحسين بن علي ﵄ أحمد في مسنده والنسائي في سننه الكبرى والبيهقي في الدعوات والشعب وابن أبي عاصم في الصلاة له والطبرالي في الكبير والتيمي في الترغيب وابن حبان في صحيحه وقال هذا أشبه شيء بما روي عن الحسين والحاكم وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه وله شاهد عن سعيد المقبري عن أبي هريرة وأخرجه الحاكم من طريق علي بن الحسين عن أبي هريرة أيضًا والبيهقي في الشعب ولفظه البخيل كل البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي وأخرجه من حديث أخيه الحسن بن علي ﵄ مرفوعًا بلفط بحسب امرئ من البخل أن أذكر عنده فلا يصلي علي رواه قاسم بن أصبغ وابن أبي عاصم وإسماعيل القاضي وغيرهم. قلت وقد اختلف في إسناد هذا المتن كما ترى وأيضًا فقد أرسله بعضهم بحناف التابعي والصحابي معًا ورواه الدراوردي عن عمارة عن عبد الله بن علي بن الحسين قال علي منقطعًا وأشار الدارقطني إلى أن الرواية التي وقع فيها من مسند الحسين بالتصغير أشبه بالصواب اهـ، وقد أطنب إسماعيل القاضي في فضل الصلاة له في تخريج طرق هذا الحديث وبيان اختلاف فيه من حديث علي وابنيه الحسن والحسين ﵃ وأخرجه أيضًا من طريق عبد الله بن علي بن الحسين عن أبيه مرفوعًا وكذا أخرجه البخاري في التاريخ أيضًا وفي الجملة فلا يقصر هذا الحديث عن درجة الحسن كذا في القول البديع للسخاوي. قوله: (البخيل إلخ) قال في القول البديع البخل إمساك ما تقتني عمن يستحقه اهـ. قال ابن حجر في شرح المشكاة وهو ﷺ يستحق على أمته وجوبًا أو ندبًا على الخلاف فيه أن يصلوا عليه مطلقًا ومقيدًا فمن أمسك منهم عن ذلك كان أشر الممسكين وأشح البخلاء المحرومين فيخشى
عليه المقت والبوار وأن يكون من أهل العار والشنار أجارنا الله من ذلك بمنه آمين، وقال الفاكهاني هذا أقبح بخل وأسوأ شح لم يبق بعده إلّا البخل بكلمة الشهادة أعادنا الله وجميع المؤمنين قال وهو يقوي قول من قال بوجوب الصلاة عليه كلما ذكره وإليه أميل اهـ.
стр. 1082
ورويناه في كتاب النسائي من رواية الحسين بن عليّ ﵄، عن النبي
ــ
وعرف البخيل بالألف واللام على معى أنه البخيل الكامل في البخل على ما يقتضيه تعريف المبتدأ. قلت ويدل له رواية البخيل الخ، والتعريف في البخيل للجنس فهو محمول على الكمال واقتضى غايته وقد جاء ليس البخيل من بخل بماله ولكن البخيل من بخل بمال غيره وأبخل منه من أبغض الجود حتى لا يجاد عليه فمن لم يصل عليه ﷺ إذا ذكر عنده منع نفسه من أن يكتال بالمكيال الأوفى فهل تجد أحدًا أبخل من هذا نقله القسطلاني في المسالك عن شارح المشكاة، قال الحافظ وهذا الحديث وما بعده استدل به لمن قال بوجوب الصلاة على النبي ﷺ كلما ذكر والذي نقله الترمذي عن بعض أهل العلم ونقله عنه المصنف هنا من الاكتفاء بالصلاة عليه مرة في المجلس أقرب اهـ. فإنه يصدق عليه أنه لم يبخل ولم يجف والله أعلم وجاء خبر مرفوع يؤيد هذا القول أخرجه النسائي وابن أبي عاصم عن أبي سعيد الخدري قال قال ﷺ لا يجلس قوم مجلسًا لا يصلون على النبي ﷺ إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة أخرجه أحمد والترمذي ولفظه ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على النبي ﷺ إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة وصالح مولى التؤمة الذي رواه عن أبي هريرة ضعيف لكن حسن الترمذي الحديث لشاهده عند النسائي عن جابر قال قال رسول الله ﷺ ما اجتمع قوم فتفرقوا عن غير ذكر الله وصلاة على النبي ﷺ إلَّا قاموا عن جيفة ورجاله رجال الصحيح. قوله: (وَرَوَينَا في كِتَابِ النسائِي من رِوايةِ الحسيَنِ) أي مصغر كبر الحسن وتقدم من خرجه من حديثه قال الحافظ هو وحديث علي المذكور قبله حديث واحد بسند واحد عند الترمذي والنسائي وابن السني وعند أحمد وابن أبي عاصم وابن حبان والحاكم من رواية عمارة بن غزية عن عبد الله بن علي بن الحسين بن علي عن أبيه عن جده نعم وقع في رواية للترمذي التصريح بذكر علي أما الرواية الأولى فقال الحافظ بعد تخريجها من طرق منها عن الطبراني ومنها عن الحاكم وغيرهما عن عمارة بن غزية عن عبد الله بن علي بن الحسين عن علي عن أبيه عن جده عن
стр. 1083
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النبي ﷺ قال البخيل من ذكرت عنده فلم يصل عليّ حديث حسن أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن السني وابن حبان ولم أو في شيء من رواياتهم التصريح بتسمية راوي الحديث ويحتمل أنه الحسين إن كان الضمير لعبد الله أو علي إن كان الضمير لوالد عبد الله والعلم عند الله سبحانه، وأما الرواية المصرحة بعلي بن أبي طالب في هذا الحديث فأخرجها الحافظ من طريقين عن غرية أنبأنا عبد الله بن علي بن الحسين قال قال علي بن أبي طالب قال رسول الله ﷺ إن البخيل الذي إذا ذكرت عنده لم يصل علي أخرجه البخاري في التاريخ والترمذي والنسائي في الكبرى وأما الرواية المصرحة بالحسين فأخرجها الحافظ من طريق عمرو بن أبي عمرو عن علي بن الحسين عن أبيه قال قال ﷺ إن البخيل لمن ذكرت عنده فلم يصل على رجال هذا الإسناد رجال الصحيح وهو موصول بخلاف الذي قبله فإن عبد الله بن علي لم يدرك غزية لا الأعلى ولا الأدنى لكن رجح
إسماعيل الماضية أولًا التي هي تحتمله وذكر لراويها متابعات وذكر الحافظ اختلاف آخر في سند الحديث فأخرج من طريق أخرى عن غزية عن عبد الله بن علي بن الحسين أنه سمع أباه يقول قال رسول الله ﷺ فذكره هكذا أخرجه البخاري في التاريخ قال الدارقطني في العلل بعد أن ذكر الاختلاف: رواية سليمان عن عمارة أي المذكورة أولًا أشبه بالصواب وللحديث شاهد من حديث أبي ذر قال قال ﷺ إن أبخل الناس من ذكرت عنده فلم يصل عليّ، قال الحافظ بعد إخراجه عن عوف بن مالك عن أبي ذر حديث غريب فيه رواية صحابي عن صحابي ورجاله رجال الصحيح غير المبهم فيه رواه الحارث بن أبي أسامة وله شاهد آخر من مرسل الحسن البصري أخرجه سعيد بن منصور ورواته ثقات وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن قتادة قال قال رسول الله ﷺ إن من الجفاء أن أذكر عند رجل فلا يصلي علي هكذا أخرجه مرسلًا ورواته ثقات.
والحسين هو ابن علي بن أبي طالب ابن فاطمة بنت رسول الله ﷺ أبو عبد الله سبط رسول الله ﷺ وريحانته ويشبهه من الصدر إلى ما أسفل منه أذن ﷺ في أذنه لما ولد وهو سيد شباب أهل الجنة وخامس أهل الكساء سماه
стр. 1084
- ﷺ . قال الإمام أبو عيسى الترمذي عند هذا الحديث: يروى عن بعض أهل العلم قال: إذا صلى الرجل على النبي ﷺ مرَّة في المجلس أجزأ عنه ما كان في
ــ
علي ﵁ حربًا فقال ﷺ بل هو حسين أسند الدولابي إلى عمران بن سليمان قال الحسن والحسين من أسماء الجنة لم يكونا في الجاهلية وأسند أيضًا عن الليث بن سعد ولدت فاطمة الحسين في ليالٍ خلون من شعبان سنة أربع وقال جعفر بن محمد لم يكن بين الحمل بالحسين بعد ولادة الحسن إلَّا طهر واحد، وقال قتادة ولد الحسين بعد الحسن بسنة وعشرة أشهر فولدته لست سنين وخمسة أشهر ونصف من الهجرة قتل شهيدًا بكربلاء يوم الجمعة وقيل يوم السبت يوم عاشوراء سنة إحدى وستين وله ست وخمسون سنة أخرج في أسد الغابة عن يعلى بن مرة قال قال رسول الله ﷺ حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينًا حسين سبط من الأسباط أورده السيوطي في الجامع الصغير وزاد فيه الحسن والحسين سبطان من الأسباط، وقال أخرجه البخاري في الأدب المفرد والترمذي وابن ماجة والحاكم عن يعلى بن مرة وأخرج في أسد الغابة عن علي ﵄ قال الحسن أشبه برسول الله ﷺ ما بين الصدر إلى الرأس والحسين أشبه برسول الله ﷺ ما كان أسفل من ذلك وقد ذكرت ما ورد من الآثار في شبهه بالمصطفى المختار في مؤلفي تحفة الشرفا فيمن حاز بشبه المصطفى ﷺ شرفًا وأخرج في أسد الغابة عن الأوزاعي عن شداد بن عبد الله عن واثلة بن الأسقع ﵁، والله لا أزال أحب عليًّا وفاطمة بعد أن سمعت رسول الله ﷺ يقول فيهم ما قال لقد رأيتني ذات يوم وقد جئت النبي ﷺ في بيت أم سلمة فجاء الحسن فأجلسه على فخذه اليمنى وقبله ثم جاء الحسين فأجلسه على فخذه البسرى وقبله ثم جاءت فاطمة فأجلسها بين يديه ثم دعا بعلي ثم قال إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا قال شداد بن عبد الله قلت لواثلة ما الرجس قال الشك في الله تعالى قال أبو أحمد العسكري يقال إن الأوزاعي لم يرو في الفضائل حديثًا غير هذا والله أعلم وكان الحسين ﵁ فاضلًا كثير الصوم والصلاة والصدقة وأفعال الخير جميعها حج حجات كثيرة ماشيًا ومناقبه كثيرة وفضائله شهيرة ﵁.
قوله: (قَال أَبُو عِيسْى الترمذي الخ) تقدم
стр. 1085
ذلك المجلس.
باب صفة الصلاة على رسول الله ﷺ -
قد قدمنا في كتاب أذكار الصلاة صفة الصلاة على رسول الله ﷺ وما يتعلق بها، وبيان أكملها وأقلها. وأما ما قاله بعض أصحابنا وابن أبي زيد المالكي من استحباب زيادة على ذلك وهي: "وارْحَمْ مُحَمدًا وآل مُحَمّدٍ" فهذا بدعة لا أصل لها.
ــ
ما يفيده في كلام الحافظ في القولة السابقة، في المسالك للقسطلاني وعن الأوزاعي في الكتاب يكون فيه ذكر النبي ﷺ مرارًا قال إن صليت عليه مرة واحدة أجزأك وفي بعض شروح الهداية لو كرر اسم الله تعالى في مجلس واحد كفاه ثناء واحد وكذا لو كرر اسمه ﷺ في مجلس كفاه أن يصلي عليه مرة على الصحيح وقال الحليمي إذا قلنا بوجوب الصلاة كلما ذكر فإن الحد المجلس وكان مجلس علم أو رواية سنن احتمل أن يقال الغافل عن الصلاة عليه كما جرى ذكره إذا ختم بها المجلس أجزأه لأن المجلس إذا كان معقودًا لذكره كان حاله واحدًا كالذكر المتكرر وإن لم يكن المجلس كذلك فإن رأى أنه كلما ذكر يصلى عليه ولا أرخص في تأخير ذلك إذ ليس ذكره بأقل من حق العاطس، قال: ومن ترك الصلاة عليه عند ذكره ثم صلى عليه في المستقبل بعد التوبة والاستغفار رجونا أن يكفر عنه ولا يطلق عليه اسم القضاء قال القسطلاني وما فرق به الحليمي فرق حسن اهـ.
باب صفة الصلاة على النبي ﷺ
قوله: (وأَمّا مَا قالهُ بعضُ أَصحابنَا الخ) قال به أيضًا بعض المالكية والحنفية كما في الدر المنضود وأسندوا في ذلك لورود الإتيان بها في التشهد أحاديث وأسانيدها ضعيفة أي والضعيف يعمل به في فضائل الأعمال وسيأتي ما فيه. وقوله (وارحَمْ محمدًا وآل محمد الخ) عبارة الرسالة اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وارحم محمدًا وآل محمد وبارك على محمد وآل محمد كما صليت ورحمت وباركت على
стр. 1086
وقد بالغ الإمام أبو بكر بن العربي المالكي في كتابه "شرح الترمذي" في إنكار ذلك وتخطئة ابن أبي زيد في ذلك وتجهيل فاعله، قال: لأن النبي ﷺ كيفية الصلاة عليه ﷺ ، فالزيادة على ذلك استقصار لقوله، واستدراك عليه ﷺ ، وبالله التوفيق.
ــ
إبراهيم قال الصيدلاني من أئمتنا ومن الناس من يزيد وارحم محمدًا وآل محمد كما ترحمت أو رحمت على إبراهيم وهذا لم يرو وهو غير صحيح إذ لا يقال رحمت عليه بل رحمته وبأن الترحم فيه معنى التكلف والتصنع فلا يحسن إطلاقه في حق الله تعالى وحكاه الرافعي وسكت عليه وكذا أنكره ابن عبد البر في الاستذكار واعترض بأن قوله لا يقال الخ. مردود بما نقله الطبراني عن الصغاني ورده صاحب القاموس بأنه تصحيف ووهم وتقول على الصغاني بما لم يقله والذي قاله إنما هو رحمت بالتشديد وأما رحمت عليه بكسر الحاء المخفف لم يقله أحد من أئمة
اللغة المشاهير فيما علمناه وإن صح به نقل فهو في غاية الشذوذ والضعف والذي حكاه الصغاني عن بعض أئمة اللغة المتقدمين أنه قال قول الناس ترحمت عليه خطأ ولحن وإنما الصواب رحمت عليه بتشديد الحاء ترحيمًا اهـ. نعم نقل ابن يونس عن الجوهري أن ذلك يقال لي ردًّا لقول الصيدلاني أنه لا يقال وقال بعضهم دعوى أن الرحمة ضمنت معنى الصلاة فعديت بعل وكذا قوله أن الترحم فيه معنى التكلف الخ. فنقض بالمتكبر والمتفضل لكن في شرح المشكاة لابن حجر أن قلت ما المانع من أن الرحمة ضمنت معنى الصلاة فعديت بما تعدى به وأن التاء في ترحمت ليست للتكلف بل للتفرد والتخصيص كما في تكبر أو زائدة محصة كما في واستقر. قلت دعوى التضمين وأن التاء لما ذكر إنما يصار لتكلفهما إن ورد عمن يعتد به فحينئذٍ يحتاج لتأويله بما ذكر وأما في نحو الألفاظ المبتدعة فلا ينبغي أن يتكلف لصحتها بمثل هذا التكلف اهـ. قوله: (وقَدْ بَالغَ الإمامُ أبُو بكرِ بنُ العرِبي الخ) ووافقه بعض الحنفية وانتصر لهم بعض المتأخرين ممن جمع بين الفقه والحديث فقال ولا يحتج
стр. 1087
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالأحاديث الواردة في زيادتها فإنها كلها واهية جدًّا إذ لا يخلو سندها من كذاب أو متهم بالكذب ويؤيده ما ذكره السبكي أن محل العمل بالحديث الضعيف ما لم يشتد ضعفه وبذلك يرد على من أيد الأخذ من تلك الروايات بأنها ضعيفة والضعيف يعمل به في الفضائل نعم حديث أبي هريرة مرفوعًا من قال اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وترحم على محمد وعلى آل محمد كما رحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم شهدت له يوم القيامة وشفعت سنده رجاله رجال الصحيح إلَّا واحدًا فلم يعرف فيه جرح ولا تعديل وقد ذكره أبو حبان في الثقات على قاعدته ومن ثم قال غيره أنه حديث حسن.
ثم اختلف العلماء في الدعاء له ﷺ بالرحمة لأنه يجل منصبه عن الدعاء بها قال ابن دحية ينبغي لمن ذكره ﷺ أن يصلي ولا يجوز أن يترحم عليه لآية لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم الآية وإن كانت الصلاة بمعنى الرحمة فكأنه خص بذلك تعظيمًا له اهـ. ونقل مثله عن ابن عبد البر في الاستذكار ووجهه بعض الحنفية بأن الرحمة إنما تكون غالبًا عن فعل ما يلام عليه ونحن أمرنا بتعظيمه ومقتضى قول الولي أبي زرعة الحافظ العراقي في فتاويه بعد أن ذكر كلام من منع وكلام ابن أبي زيد ولعل المنع أرجح لضعف الأحاديث التي استند إليها المحجوز اهـ. حرمته مطلقًا فيوافق ما قبله ومقتضى كلام بعض من تأخر عنه الحرمة أن ذكرها استقلالًا كقال النبي ﵀ لا تبعًا حيث قال والجواب عن الأحاديث المشار إليها وإن صحح الحاكم إسناد بعضها أن الرحمة وقعت فيها على سبيل التبعية للصلاة والبركة ولم يرد ما يدل على وقوعها مفردة ورب شيء يجوز تبعًا لا استقلالا ألبتة قيل وعبارة الشافعي في خطبة رسالته ﷺ ورحم وكرم يقتضي ذلك أيضًا وبه أخذ جمع بل نقله القاضي عياض في الإكمال عن الجمهور. وقال القرطبي وهو الصحيح وحرم لعدم جوازه يعني منفردًا الغزالي فقال لا يجوز ترحم أي بالتاء نعم ظاهر قول الأعرابي فيما رواه البخاري اللهم ارحمني وارحم محمدًا ولا
ترحم معنا أحدًا وتقريره ﷺ له الجواز ولو بدون انضمام صلاة أو سلام إليها وهو الذي يتجه وتقريره خاص فيقدم على
стр. 1088
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
العموم الذي اقتضته الآية على أنه ليس في الآية ما يمنع ذلك لأنه ﷺ صح عنه في أدعيته كثرة الدعاء لنفسه بالرحمة وعلمنا أن الدعاء بالرحمة له مما يليق بقوله في التشهد السلام أيها النبي ورحمة الله وزعم أنها لا تكون غالبًا إلّا على ما يلام عليه ممنوع وأي دليل لذلك بل الأدلة قاضية برده ولا ينافي الدعاء بالرحمة أنه عينها بنص وما أرسلناك إلَّا رحمة للعالمين لأن كونه كذلك من جملة رحمة الله وتفضله إذ هي في حقه تعالى بمعنى إرادة الخير للعبد وإقداره عليه وهو قوله أجزل الخلق حظًّا من تلك الإرادة وذلك الأدب وحصول ذلك لا يمنع طلب الزيادة له إذ فضل الله لا يتناهى والكامل يقبل الكمال وينبغي حمل قول من قال لا يجوز ذلك على أن مرادهم نفي الجواز المستوي الطرفين فيصدق بأن ذلك مكروه أو خلاف الأولى وقال الحافظ سبق إلى انكار إطلاق الرحمة عليه ﷺ من الفقهاء الشافعية الصيدلاني حكاه عنه الرافعي ولم يتعقبه ومن المحدثين المالكية ابن عبد البر في الاستذكار وليس بجيد منهم فإنها وردت من حديث أبي هريرة.
قلت وتقدم لفظه وهو حديث حسن أخرجه أبو جعفر الطبري ومن حديث ابن مسعود مرفوعًا ولفظه إذا تشهد أحدكم في الصلاة فليقل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت ورحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، قال الحافظ: رجاله رجال الصحيح إلَّا اثنين فذكر أحدهما ابن حبان في ثقاته والآخر لم يعرف الحافظ اسمه ولا حاله ومن حديث ابن عباس بسند فيه ضعف وتابعه الراوي عن ابن عباس منهم ومن حديث أبي هريرة قال قلنا يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك قال قولوا اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم إنك حميد مجيد قال الحافظ أخرجه المعمري وإسماعيل القاضي وفي سنده راوٍ ضعيف فهذه أحاديث يشد بعضها بعضًا أقواها أولها يدل مجموعها على أن للزيادة أصلًا ويستفاد من حديث ابن مسعود جواب صاحب الشفاء حيث أنكر أن يكون ذكر الصلاة على النبي ﷺ في التشهد ورد عن ابن مسعود وجاء عن أبي هريرة من طرق أخر بسند ضعيف بلفظ أنه قيل له
стр. 1089
فصل: إذا صلى على النبي ﷺ فليجمع بين الصلاة والتسليم، ولا يقتصر على أحدهما. فلا يقل: "صلى الله عليه" فقط، ولا "﵇" فقط.
ــ
أمرنا الله بالصلاة عليك فكيف الصلاة عليك قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وارحم محمدًا وآل محمد كما رحمت على إبراهيم وآل إبراهيم، والسلام كما قد علمتم والحديث يؤيده شاهد من حديث ابن مسعود موقوفًا وهو حديث حسن أخرجه عبد بن حميد في التفسير وابن ماجة والمعمري، قال الحافظ: أخرج الحاكم حديثًا مسلسلًا يقول كل من رواته "وعدهن في يدي" إلى أن انتهى إلى علي عن النبي عن جبريل فقال: هكذا نزلت من عند رب العزة اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم وبارك فذكر مثله اللهم وترحم فذكر مثله. أخرجه الحاكم مسلسلًا هكذا في نوع المسلسل من كتابه علوم الحديث قال وفي سنده ثلاثة من الضعفاء على الولاء نسب أحدهم إلى وضع الحديث والآخر اتهم بالكذب
والثالث متروك وقد وقع لي مسلسلًا ولكن لا أرويه لاعتمادي أنه موضوع وقد أخرجه صاحب الشفاء من طريق الحاكم وحدث به ابن العربي هكذا مسلسلًا أخرجه عنه ابن عبد البر في كتاب الإعلام بفضل الصلاة والسلام فأما أنه لم يستحضره لما أنكر الزيادة أو لم يعتد بها والعلم عند الله تعالى اهـ.
فصل
قوله: (فَليجْمَعْ بين الصلاةِ والتسليم الخ) قال المصنف في شرح مسلم وقد تضمن نص العلماء أو من نص منهم على كراهة الاقتصار على الصلاة عليه ﷺ من غير تسليم والله أعلم. قال القسطلاني وكذا صرح ابن الصلاح بكراهة الاقتصار على السلام فقط وعبارة شيخه السخاوي قال ابن الصلاح: ويكره الاقتصار على قوله ﵇ يعني للنبي عنه مطلقًا وأنها كما جرت به عادة العرب تحية الموتى لأنهم لا يتوقع منه جواب فجعلوا السلام عليهم كالجواب اهـ. وقضيتها أن المكروه عنده من صيغ إفراد السلام عليه فقط والله أعلم. قال الحافظ ابن حجر: أن كان فاعل أحدهما يقتصر عليه دائمًا فيكره له
стр. 1090
فصل: يستحب لقارئ الحديث وغيره ممن في معناه إذا ذُكِر رسول الله ﷺ أن يرفع صوته بالصلاة عليه والتسليم، ولا يبالغ في الرفع مبالغة فاحشة. وممن نصّ على رفع الصوت: الإمام الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي وآخرون، وقد نقلته من علوم الحديث. وقد نص العلماء من أصحابنا وغيرهم أنه
ــ
ذلك من جهة الإخلال بالأمر الوارد بالإكثار منهما والترغيب فيهما وإن كان يصلي تارة ويسلم أخرى من غير إخلال بواحد منهما فلم أقف على دليل يقتضي علة الكراهة لكنه خلاف الأولى إذ الجمع بينهما مستحب لا نزاع فيه، قال: ولعل النووي اطلع على دليل لذلك.
إذا قالت حزام فصدقوها
اهـ. واعترض على المصنف بأن تعليم السلام في التشهد قبل تعليم الصلاة فقد أفرد السلام عنها ويرد بأن الإفراد في ذلك الزمن لا حجة فيه لأنه لم يقع منه ﷺ قصدًا كيف والآية ناصة عليهما وإنما يحتمل أنه علمهم السلام وظن أنهم يعلمون الصلاة فسكت عن تعليمهم إياها فلما سألوه عن تعليمها أجابهم بذلك نعم الحق أن المراد بالكراهة خلاف الأولى إذ لم يوجد هنا مقتضاها من النهي المخصوص وما وقع في الأم وغيرها من الإفراد لأنا تقول هو وإن صرح به الزين العراقي وغيره فيه نظر فقد وقع كذلك من الشافعي وغيره وهو يرد على من ادعى كراهة ذلك.
تنبيه
في كتاب القسطلاني والدر المنضود وغيرهما نسبة كراهة إفراد الصلاة عن السلام إلى الأذكار وأنه تمسك في ذلك بورود الأمر بهما معًا في الآية ولم أر ذلك فيه هنا وإنما عبارته هنا مجملة وليس فيها تعرض لكراهة ولا لحرمة نعم العبارة تحتمل ذينك وخلاف الأولى نعم صرح بنقل الكراهة في شرح صحيح مسلم وقد أحسن ابن الجزري في مفتاح الحصين حيث قال: قول النووي وقد تضمن نص العلماء أو من نص منهم، فلم ينسب ذلك للأذكار ونسبه السيوطي في شرح التقريب إليه في شرح مسلم وغيره ولم ينسبه إلى الأذكار والله أعلم بحقيقة الحال.
فصل
قوله: (يستحب لقارئِ الحدِيثِ وغيرِه) أي كالمملي والمستملي. قوله: (ولا يتابع الخ) أي لأنه ربما يذهب الخشوع. قوله: (وقَدْ نَص العلماءُ الخ)
следующие страницы →