Полный текст (2 732 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] وقال
تعالى:
ــ
بالسلامة من ناحيته ويؤمنه من شره وغائلته كأنه يقول له: أنا سلم لك غير حرب وولي غير عدو وقيل: إنما هو اسم من أسماء الله تعالى فإذا قال المسلم لأخيه: سلام عليكم فإنما يعوذه بالله ويبرك عليه باسمه قاله الخطابي اهـ. وسيأتي له تتمة وقال ابن القيم في بدائع الفوائد: السلام بمعنى التحية مصدر سلم ومصدره البخاري عليه تسليم كعلم تعليمًا والسلام من سلم كالكلام من كلم اهـ. ثم عقبه بما يفيد أن مراده أنه اسم مصدر لأن المصدر هو البخاري على فعله وهذا ليس كذلك ثم قال: فإن قيل: ما الحكمة في مجيئه اسم مصدر ولم يجيء على اسم المصدر؟ قيل: هذا سر بديع وهو أن المقصود مسمى السلامة للمسلم عليه على الإطلاق من غير تقييد بفاعل أي وذلك مدلول اسم المصدر بخلاف المصدر فإنه يدل على الحدث ومن ثم قام به، فلما كان المراد مطلق السلام من غير تعرض لفاعل أتوا بالمصدر الدال على مجرد الفاعل ولم يأتوا بالمصدر الدال على الفعل والفاعل معًا. أما السلام بمعنى السلامة فمصدر كالجلال والجلالة فإذا حذفت التاء كان المراد نفس المصدر فإذا أتى بها كان فيه إيذان بالتحديد بالمرة من المصدر اهـ. والاستئذان بسكون الهمزة وتبدل ياء طلب الإذن في الدخول وتشميت العاطس أي قول: رحمك الله وهو بالشين المعجمة وبالمهملة وما يتعلق بها أي بهذه الثلاثة من الأحكام والفضائل. قوله: (قال الله : ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ سبق الكلام على شيء مما يتعلق بها في باب ما يقول: إذا دخل بيته في أوائل الكتاب. قوله: (وقال أي عز شأنه وجل قدره عن أن يضاف إليه ما لا يليق به وقد التعبير به بعد التعبير بقوله أولًا تفنن. قوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ منها﴾ قال البيضاوي: الجمهور على أنه في السلام ويدل على وجوب الجواب إما
стр. 1787
﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] وقال تعالى:
ــ
بأحسن منه وهو أن يزيد عليه ورحمة الله فإن قاله له المسلم زاد وبركاته وهي النهاية وإما يرد مثله لما روي أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ : السلام عليك فقال: "وعليك السلام ورحمة الله" وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله فقال: "وعليك السلام ورحمة الله وبركاته" وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله وبركاته فقال: "وعليك" فقال: نقصتني وأين ما قال الله وتلا الآية، قال: إنك لم تترك لي فضلًا فرددت عليه مثله وذلك لاستجماعه أقسام المطالب السلامة عن المضار وحصول المنافع وثباتها ومنه قيل أو للترديد بين أن يحيي المسلم ببعض التحية وبين أن يحيي بتمامها، وهذا الوجوب على الكفاية وحيث السلام مشروع فلا يرد في الخطبة وقراءة القرآن وفي الحمام وعند قضاء الحاجة ونحوها، والتحية في الأصل مصدر حياك الله
على الإخبار من الحياة أي فوزنه تفعلة نقلت حركة الياء الأولى إلى الحاء ثم أدغمت في الياء الثانية وأصله الأخبار من الحياة ثم استعمل للحكم والدعاء بذلك ثم قيل لكل دعاء فغلب في السلام، وقيل: المراد بالتحية العطية وأوجب الله تعالى الثواب أو الرد على المتهب وهو قول قديم اهـ. وعلى هذا الوجه فليس ثمة مضاف في التقدير أما على كون المراد بالتحية السلام ففي النهر أن قوله أوردوها على حذف مضاف أي ردوا مثلها اهـ. وهذه الآية وما قبلها فيما يتعلق بالسلام. قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ قال جماعة المفسرين حتى تستأذنوا قال ابن عباس: أخطأ الكاتب حتى تستأنسوا إنما هي حتى تستأذنوا وقال أهل المعاني: الاستئناس الاستعلام يقال: أنست منه كذا أي علمت والمعنى حتى تستعلموا وتنظروا وتتعرفوا ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ هو أن يقول: السلام عليكم أدخل؟ ولا يجوز دخول بيت الغير إلا بعد الاستئذان لهذه الآية كذا في الوسيط للإمام الواحدي، وفي النهر لأبي حيان الظاهر أنه يجوز للإنسان أن يدخل بيت
стр. 1788
﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩] وقال تعالى:
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَال سَلَامٌ﴾ [الذاريات: ٢٤، ٢٥].
واعلم أن
ــ
نفسه بغير استئذان ولا سلام لقوله: غير بيوتكم ويروى أن رجلًا قال للنبي ﷺ : أستأذن على أمي؟ قال: "نعم"، قال: فإنه ليس لها خادم غيري أستأذن عليها كلما دخلت؟ قا هـ: "تحب أن تراها عريانة" قال الرجل: لا، قال: "فاستأذن" اهـ. والآية فيها ما يتعلق بالاستئذان والسلام. تموله: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ يعني إذا بلغ الأطفال منكم أي من الأحرار الحلم فليستأذنوا أي في جميع الأوقات في الدخول عليكم فالبالغ يستأذن في كل الأوقات والمملوك والطفل يستأذنان في الثلاث العورات: قبل صلاة الفجر لأن الإنسان ربما يبيت عريانًا أو على حال لا يحب أن يرى عليها وحين المقيل ومن بعد صلاة العشاء يأوي الرجل إلى أهله ويخلو بها ففي هذه الأوقات الثلاث التي يتخلى النّاس فيه ويتكشفون أمر العبيد وغير البالغ من الأحرار بالاستئذان فيها والحر البالغ يستأذن في الدخول سائر الأوقات وقوله تعالى: ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي الأحرار الكبار الذين أمروا بالاستئذان على كل حال وهذه الآية متعلقة بالاستئذان وفيه بدء السلام كما يأتي في صفة الاستئذان وكذا ما بعدها فيه ما يتعلق بالسلام. قوله: " ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ أي الملائكة الذين أرسلوا إليه بالبشائر الثلاث بالخلة والولد وبإنجاء لوماومن آمن معه قيل: كانوا اثني عشر ملكًا قاله ابن عباس ووصفهم بالمكرمين لكرامتهم عند رب العالمين وقوله تعالى إذ معمول لقوله حديث والضيف يقع على الواحد والجمع بلفظ واحد أي هل تقرر عندك حديث ضيف إبراهيم المكرمين وقت دخولهم عليه من غير استئذان منهم له. وقوله: (فقالوا سلامًا) هو بالنصب على إضمار فعل أي سلمت سلامًا وفيه دليل على أن الوارد على قوم هو الذي يبدؤهم بالسلام في قوله (قال: سلام) دليل على أنهم يردون عليه وسلام بالرفع مبتدأ خبره محذوف أي عليكم قال ابن القيم في كتاب بدائع الفوائد قيل: السر في نصب سلام ضيف إبراهيم ورفع سلامه أن النصب لكونه متضمنًا
стр. 1789
أصل السلام ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. وأما أفراد مسائله وفروعه فأكثر من أن تحصر، وأنا أختصر مقاصده في أبواب يسيرة إن شاء الله تعالى، وبه التوفيق والهداية والإصابة والرعاية.
ــ
جملة فعلية إذ
التقدير سلمت سلامًا يدل على الحدوث والتجدد، والرفع لكونه متضمنًا جملة اسمية إذ التقدير سلام عليكم يدل على الثبوت والتقرر فكان سلامه عليهم أكمل من سلامهم عليه وكان له من مقام الرد ما يتعلق بمنصبه وهو مقام الفضل إذ حياهم بأحسن من تحيتهم، قال: وعندي جواب هو أحسن من هذا هو أنه لم يقصد حكاية لفظ سلام الملائكة فقوله: سلامًا منصوب على أنه صفة قولًا والتقدير قالوا قولًا: سلامًا كما يقال قالوا: سدادًا وصوابًا ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ ليس المراد منه قالوا: هذا اللفظ المفرد بل المراد قالوا قولًا: سلامًا وسمي القول سلامًا لأنه يؤدي معنى السلام ويتضمنه من دفع الوحشة وحصول الاستئناس وقصد حكاية لفظ سلام إبراهيم فأتى به على لفظه مرفوعًا بالابتداء محكيا بالقول، وفي حكايته قول إبراهيم ورفعه وترك ذلك في جانب ضيفه إشارة إلى معنى لطيف جدًّا هو أن قول: سلام عليكم من دين الإسلام المتلقى عن أبي الأنبياء وإمام الحنفاء وأنه من ملة إبراهيم التي أمرنا باتباعها فحكي لنا قوله: ليحصل لنا الاقتداء والاتباع به ولم يحك قول ضيفه إنما أخبر به على سبيل الجملة دون التفصيل والكيفية والله أعلم اهـ. وقد أشار في النهر إلى هذا الوجه أعني كون سلامًا نعتًا لمصدر محذوف. قوله: (أصل السلام الخ) أي دليل السلام بدءًا وردًّا (ثابت بالكتاب) أي كما ذكر من الآي (والسنة) أي كالأحاديث الآتية (والإجماع) أي إجماع الأمة. قوله: (أفراد مسائله وفروعه) هو بفتح الهمزة واحد فرد أي مفردات مسائله والمراد أن ما ذكره من الكتاب والسنة في أصل مشروعية السلام وأما ما فيه من الفروع والمسائل فكثيرة جدًّا. قوله: (مقاصده) أي ما يقصد من تلك المسائل والفروع بعموم الحاجة إليه. قوله: (أبواب يسيرة) الإتيان بالوصف لتأكيد مبالغة القلة المفهومة من صيغة أبواب إذ هو من جموع القلة وذلك سبعة أبواب.
стр. 1790
باب فضل السلام والأمر بإفشائه
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ : أي الإسلام خير؟ قال: "تُطْعِم الطعامَ، وتقرأُ السّلام على مَنْ عَرَفْتَ ومَنْ لَمْ تَعْرِفْ".
ــ
باب فضل السلام والأمر بإفشائه
أي إظهاره ونشره من فشا الخبر ظهر. قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم) قال الحافظ بعد تخريجه بهذا اللفظ إلا أنه قال: وعلى من لم تعرف بزيادة لفظ على: وعند بعضهم -أي بعض من خرجه الحافظ عنه- بحذف على الأخيرة قال وعند بعضهم أن رجلًا قال: يا رسول الله والباقي سواء ثم قال الحافظ: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه اهـ. وروى ابن ماجه عن عمر مرفوعًا أفشوا السلام وأطعموا الطعام وكونوا إخوانًا كما أمركم الله، وعند الطبراني في مكارم الأخلاق عن أبي هريرة مرفوعًا أفضل الأعمال بعد الإيمان التودد إلى النّاس كذا في المرقاة للقارئ.
قوله: (إن رجلًا) قال الجلال البلقيني في الإلمام بما في البخاري من الإبهام قيل: هو أبو ذر وفي صحيح ابن حبان أنه هانئ بن مرشد اهـ. قوله: (أي الإسلام خيرا) أي أي خصال الإسلام أو أهل الإسلام أو آدابهم خير أي أفضل ثوابًا وأكثر نفعًا قال الطيبي: السؤال وقع عما يتعلق بحقوق الآدميين من الخصال دون غيرها بدليل أنه ﷺ أجاب عنها دون غيرها من الخصال في قوله: (تطعم الطعام) أي للأقارب والأباعد لا سيما المحتاجون لوجه الله تعالى لا لإرادة جزاء وشكور وإنما كان هذا من خير خصال الإسلام لما فيه من السماحة بالدنيا والإيثار بها وذلك من مكارم الأخلاق وتطعم في تقدير المصدر نحو تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، قال في المرقاة ويمكن أن يكون خبرًا معناه الأمر اهـ. قوله: (وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) تقرأ بفتح التاء بلفظ مضارع القراءة قال أبو حاتم السجستاني: يقال: اقرأ ﵇، ولا يقال أقرئه بالسلام فإن كان مكتوبًا قلت: أقرئه
стр. 1791
وروينا في "صحيحيهما" عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "خَلَقَ الله آدَمَ على صُورَتِهِ طُولهُ سِتُّونَ ذِراعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ قال: اذْهَبْ فسَلِّمْ على أُولئِكَ:
ــ
السلام أي اجعله يقرأه كذا في حاشية السيوطي على البخاري وسنن النسائي وفي القاموس قرأ عليه: السلام أبلغه كأقرأه أو لا يقال: اقرأه إلا إذا كان السلام مكتوبًا والمراد من الحديث أن تسلم على كل من لقيته عرفته أم لم تعرفه ولا تخص به من تعرفه كما يفعله كثير من النّاس وفي بذل السلام لمن عرفت ولمن لم تعرف إخلاص العمل الله وترك المصانعة والتملق وفيه مع ذلك استعمال خلق التواضع وإفشاء شعار هذه الأمة ثم هذا العموم مخصوص بالمسلمين ولا يسلم ابتداء على كافر، وفي الحديث: الحث على إطعام الطعام والجود والاعتناء بنفع المسلمين والحث على تألفهم ثم جاء في هذا الحديث: أن خير خصاله ما ذكر من إطعام الطعام وإفشاء السلام وفي حديث آخر: خير المسلمين من سلم المسلمون من لسانه ويده قال المصنف واختلف الجواب في خير المسلمين لاختلاف حال السائل والحاضرين فكان في أحد الموضعين الحاجة إلى إفشاء السلام وإطعام الطعام أكثر وأهم لما حصل من إهمالهما والتساهل في أمرهما ونحو ذلك وفي الموضع الآخر: الكف عن إيذاء المسلمين اهـ. ويؤيد ما أشار إليه الشيخ من اختلاف السائلين أن المجاب بما في هذا الحديث هو أبو ذر أو هانئ على ما تقدم والمجاب بقوله: المسلم من سلم المسلمون الخ، هو أبو موسى الأشعري كما ذكر ذلك الحافظ الولي العراقي في مبهماته: وسيأتي في كتاب حفظ اللسان وقال التوربشتي: لعل تخصيص هذين علم النبي ﷺ بمناسبتهما لحال السائل ولذا أسندهما إليه فقال: تطعم الطعام الخ، أو علمه ﷺ أنه يسأل عما يعامل به المسلم في إسلامه فأخبره بذلك ثم رأى أن يجيب عن سؤاله بإضافة الفعل إليه ليكون أدعى إلى العمل والخبر قد يقع موقع الأمر اهـ.
قوله: (وروينا في صحيحيهما) قال في السلاح وأخرجه النسائي وقال الحافظ: أخرجه أحمد والشيخان وسكت عن ذكر النسائي. قوله: (خلق الله آدم على صورته) قال المصنف: هذا من
أحاديث الصفات وفيه للعلماء طريقان: فالأول: يمسك عن
стр. 1792
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تأويلها ويقال: نؤمن بها حقًّا وأن ظاهرها غير مراد ولها معنى يليق بها وهذا مذهب جمهور السلف وهو أحوط وأسلم، والثاني: أن يؤول على حسب ما يليق بتنزيه الله تعالى وأنه ليس كمثله شيء، قلت وقد سبق في باب ما يقول إذا قام من الليل بسط لهذا المعنى في حديث ينزل ربنا إلى سماء الدنيا، واختلف العلماء في تأويل هذا الحديث فقالت طائفة الضمير: يعود على آدم، قال المصنف: وهذه الرواية ظاهرة في ذلك والمعنى أنه تعالى خلق آدم في أول نشأته على صورته التي كان عليها في الجنة وهي صورته في الأرض لم يتغير أي لم يتطور من النطفة إلى العلقة الخ، بل أوجده هكذا ابتداء ولم يتغير عن صورته حال نزوله إلى الأرض بل استمر على صورته التي كان عليها في الجنة وهو في الأرض، قال التوربشتي: هذا كلام صحيح في موضعه فأما في تأويل هذا الحديث فإنه غير سديد لما في حديث آخر خلق آدم على صورة الرحمن ولما في غير هذه الرواية أن النبي ﷺ رأى رجلًا يضرب وجه غلام فقام فقال: "لا تضرب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته" فالمعنى الذي ذهب إليه هذا المؤول لا يلائم هذا القول وأهل الحق في ذلك على طبقتين إحداهما المنزهون عن التأويل مع نفي التشبيه الخ والطبقة الأخرى يرون الإضافة فيها إضافة تكريم وتشريف أي كقوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ وكما يقال: الكعبة بيت الله وذلك أن الله تعالى خلق آدم أبا البشر على صورة لم يشاكلها شيء من الصور في الجمال والكمال وكثرة ما احتوت عليه من الفوائد الجليلة فاستحقت الصورة البشرية أن تكرم ولا تهان اتباعًا لسنة الله تعالى فيها وتكريمًا لما كرمه اهـ. وقال القرطبي: لو سلمنا أن الضمير عائد على الله تعالى فالتأويل فيه وجه صحيح هو أن الصورة قد تطلق بمعنى الصفة ومنه صورة المسألة أي صفتها فيكون معنى الخبر إن الله خلق آدم على صورته أي خلقه موصوفًا بالعلم الذي فصل به بينه وبين جميع الحيوانات وخصه منه بما لم يخص به أحدًا من ملائكة الأرضين والسموات اهـ. وفي التوشيح بناء على كون الضمير الله المراد بالصورة الصفة من الحياة والعلم والسمع والبصر وإن كانت صفاته تعالى لا يشبهها شيء اهـ. وقيل المراد منه الكناية عن صورة الكمال كما أشار إليه العاقولي، وقيل: الضمير للعبد المحذوف من السياق لما تقدم في سبب الحديث من أن رجلًا ضرب وجه غلام الخ، قال ابن جماعة ومن قال بأن لله تعالى
стр. 1793
نَفَرٍ مِنَ المَلائِكَةِ جُلُوسٍ فاسْتَمعْ ما يُحَيُّونَكَ فإنَّها تَحِيَّتُكَ وتحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فقال: السلام عَلَيْكُمْ، فقالوا: السلامُ عَلَيكَ وَرَحْمَة الله فَزَادُوهُ: وَرَحمَة الله".
ــ
صورة خلق آدم عليها فمردود عليه لما فيه من التجسيم وكذا من قال: صورة لا كالصور أي كابن قتيبة وقد رد عليه ذلك المصنف نقلًا عن المأزري والله أعلم. قوله: (نفر من الملائكة) النفر بفتح الفاء وسكونها عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة وهو بالرفع خبر لمبتدأ محذوف أي هم نفر أو بالجر بدل من اسم الإشارة، وجلوس إما وصف له أو خبر بعد خبر وأفرد لأنه مصدر أو مراعاة للفظ نفر أو تقديره ذوو جلوس أو من قبيل رجل عدل مبالغة أو هو جمع جالس وقد النسخة التي شرح عليها المصنف من مسلم اذهب فسلم على أولئك النفر وهم نفر من الملائكة الخ، وهو يؤيد الوجه الأول أي الرفع وقال الحافظ في الفتح هو بالجر في الرواية ويجوز الرفع والنصب أي صناعة قال المصنف في الحديث: إن الوارد على جلوس يسلم عليهم وإن الأفضل أن يقول: السلام عليكم
بالألف واللام ولو قال: سلام عليكم كفاه وإن رد السلام يستحب أن يكون بزيادة على الابتداء وأنه يجوز في الرد السلام عليكم أي بقصد الرد ولا يشترط اأن يقول: وعليكم السلام اهـ، والله أعلم. قوله: (يحيونك) بالحاء المهملة من التحتية كما هو الأنسب لقوله فإنها تحيتك وتحية ذريتك وقد نسخة يجيبونك بالجيم فالتحتية فالموحدة من الإجابة وهي رواية أبي ذر في البخاري كما في التوشيح للسيوطي وبه يرد قول صاحب المرقاة ما وقع في بعض نسخ المصابيح بالجيم والتحتية والموحدة تصحيف وتحريف اهـ. والذرية بتشديد الياء قال القاضي البيضاوي: الولد يقع على الواحد والجمع فعلية من الذر أو فعولة من الذرء أبدلت همزتها ياء ثم قلبت الواو ياء وأدغمت وقال البغوي: تطلق الذرية على الأبناء لأنه ذرأهم وعلى الآباء لأنه ذرأ الأبناء منهم اهـ. والمراد من الذرية في الحديث بنوه الشامل لهذه الأمة كما ستأتي الإشارة إليه في كلام الشيخ في باب كيفية السلام قال العاقولي: وفي الخبر دليل على فضيلة آدم حيث تولى الله تعالى تأديبه وعلى أن السلام أدب قديم مشروع منذ خلق آدم والسنة أن يسلم القادم على أهل المجلس لأن آدم كان القادم عليهم وفيه دليل على استحباب السعي لطلب العلم وآدم أول من سعى لطلب العلم
стр. 1794
وروينا في "صحيحيهما" عن البراء بن عازب ﵄ قال: "أمرنا رسول الله ﷺ بسبع: بعيادةِ المريض، واتِّباع الجنائز، وتشميتِ العاطس،
ــ
بمقتضى هذا الحديث فليحمد الله طلبة العلم حيث تحققت فيهم وراثة أبيهم آدم ﵇.
قوله: (وروينا في صحيحيهما) قال الحافظ بعد تخريجه من طرق قال في بعضها واتباع الجنائز وفي بعضها وشهود الجنائز ما لفظه: أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو عوانة في صحيحه وسيأتي ما فيه من اختلاف الرواة قال الحافظ: وجاء حديث البراء من وجه آخر مختصرًا قال: قال رسول الله ﷺ : أفشوا السلام تسلموا قال الحافظ بعد تخريجه: حديث صحيح أخرجه البخاري في الأدب المفرد وابن حبان في صحيحه والضياء في المختارة. قوله: (أمرنا بسبع) جاء بعده في الحديث ونهانا عن سبع وحذفه الشيخ لعدم تعلق غرض الترجمة به وذكر جميع السبع المأمور بها استطرادًا وتتميمًا للفائدة وإلا فغرض الترجمة إنما هو إفشاء السلام. قوله: (بعيادة المريض) هو وما بعده بدل من سبع بإعادة الجار وهو بدل مفصل من مجمل وأتى به كذلك ليكون أوقع في النفس وأقرأ فيها، وعيادة أصلها عوادة فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها كما في صيام وقيام وعيادة المريض سنة بالإجماع سواء فيه من تعرفه وغيره والقريب والأجنبي، وما ورد عند مسلم بلفظ: يجب للمسلم على المسلم سبع وذكر منها العيادة وغيرها مما ظاهره الوجوب محمول على الندب المتأكد كحديث غسل الجنة واجب على كل محتلم وأجراه بعضهم على ظاهره وترجم البخاري في كتاب المرضى من صحيح البخاري باب وجوب عيادة المريض واستدل بقوله ﷺ : "أطعموا الجائع وعودوا المريض" قال ابن المنير في شرح البخاري لا خفاء في وجوب عيادة المريض إذا أدى تركها إلى القطيعة والمؤاخذة والحقد والمباعدة فإن لم يتوقع ذلك فهي سنة اهـ. وتقدم آداب العيادة في باب أذكار المريض. قوله: (واتباع الجنائز) وهو سنة مندوبة بالإجماع أيضًا متأكدة سواء فيه القريب والبعيد وغيرهما. قوله: (وتشميت العاطس) أي قول: يرحمك الله وهو بالسين المهملة
والمعجمة لغتان مشهورتان يأتي بيان مأخذهما في محله إن شاء الله تعالى فتسميته سنة كفاية عندنا عند سماع قول العاطس: الحمد الله. قوله:
стр. 1795
ونصرِ الضعيف، وعونِ المظلوم، وإفشاء السلام، وإبرارِ القَسَم" هذا لفظ إحدى روايات البخاري.
ــ
(ونصر الضعيف) أي نصر المظلوم كما أشار إليه الحافظ فيما يأتي ونصره فرض كفاية من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكن إنما يتوجه الأمر به على من قدر عليه ولم يخف ضررًا. قوله: (وعون المظلوم) هو بمعنى ما قبله كما علم مما تقدم عن الحافظ. قوله: (وإفشاء السلام) أي إشاعته وإكثاره وهو أن يبذل لكل مسلم وسبق قوله ﷺ : "وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف". قوله: (وإبرار القسم) هو سنة أيضًا مستحبة متأكدة لكن يندب إذا لم تكن فيه مفسدة أو خوف ضرر أو نحو ذلك فإن كان شيء من ذلك لم يبر قسمه كما ثبت أن أبا بكر ﵁ لما عبر الرؤيا بحضرة النبي ﷺ فقال له ﷺ : "أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا" فقال: أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني، فقال: "لا تقسم" ولم يخبره. قوله: (هذا لفظ إحدى روايات البخاري) قال الحافظ بعد أن أخرجه بلفظ أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنائز وتشميت العاطس وإفشاء السلام ونصر المظلوم وإجابة الداعي وابرار القسم أخرجه الشيخان والترمذي قال وقول الشيخ هذا بلفظ إحدى روايات البخاري إلى آخر ما تقدم عنه رواية قتيبة أخرجها عنه في كتاب الاستئذان وهي مخالفة لرواية جميع من أخرج الحديث ممن اطلعنا عليه فقد أخرجه البخاري في عشرة مواضع من صحيحه وأزيد باللفظ الذي سقته إلا رواية قتيبة فإنه أبدل فيها إجابة الداعي بقوله وعون المظلوم وعبر عن نصر المظلوم بنصر الضعيف وقد أخرجه مسلم من طريق شيخ قتيبة وهو جرير وضم روايته إلى رواية غيره وكذا صنع أبو نعيم في المستخرج في رواية إسحاق بن راهويه عن جرير أيضًا وأفصح بذلك أبو عوانة فساق رواية جرير بلفظ وافق رواية الجماعة أخرجها عن يوسف القاضي عن علي يعني بذلك المديني عن جرير فاحتمل أن يكون جرير أو من دونه لما حدث به أورده من حفظه فوقع التغيير وقد أبعد من أول الداعي بالضعيف فإنه أخص منه وكذا الإجابة بالنصر أو العون وأبعد منه من قال هي خصلة زائدة ومفهوم العدد ليس بحجة قال: وقد أوضحت ذلك في فتح
стр. 1796
وروينا في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حتى تُؤمِنُوا ولا تُؤمِنُوا حتى تَحابُّوا أوَلا أدُلُّكُمْ على شَيء إذا فَعَلْتُمُوهُ
تَحَابَبْتُمْ؟
ــ
الباري اهـ. وأشار بما ذكر من الجوابين إلى الكرماني فإنه أجاب بهما في شرحه كما في فتح الباري.
قوله: (وروينا في صحيح مسلم) قال الحافظ من طريق الإِمام أحمد وأبي نعيم أخرجه مسلم وابن ماجه وقال صاحب المرقاة وكذا رواه أبو داود والترمذي اهـ، وقال الحافظ بعد ذكر الحديث من طريق آخر عن أبي هريرة فذكره بمثله أخرجه البخاري في الأدب المفرد بنحوه. قوله: (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا) أي لأن الله حرم الجنة على الكفار فلا يدخل الجنة إلا من مات مؤمنًا سواء كمل الإيمان بفعل خصال كماله أولًا وقال الشيخ ابن الصلاح معنى الحديث لا يكمل إيمانكم إلا بالتحاب ولا تدخلوا الجنة عند دخول أهلها إذا لم تكونوا كذلك قال المصنف والذي قاله أبو عمرو محتمل والله أعلم، وقال العاقولي وكأن معنى قوله: لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا أي يؤمن كل منكم أخاه
بوائقه كما جاء في الحديث الآخر ولا يأمن أحدكم بوائق صاحبه إلا إذا حصلت المحبة بينكم لأن المحب يأمن محبوبه ولا شك أن السلام يزيل الإحن من الصدور ويترقى حتى تحصل المحبة اهـ. قوله: (ولا تؤمنوا حتى تحابوا) قال المصنف هكذا هو في جميع الأصول والروايات ولا تؤمنوا بحذف النون من آخره وهي لغة معروفة صحيحة اهـ. وقال بعضهم: حسن ذلك هنا لمشاكلة الفعل المنصوب قبله أي حتى تحابوا لكن قال الطيبي ونحن استقرأنا نسخ مسلم والحميدي وجامع الأصول وبعض نسخ المصابيح فوجدناها مثبتة بالنون على الظاهر ونازعه في المرقاة في ذلك بأن نسخ المصابيح المقروءة على المشايخ الكبار كابن الجزري والسيد أصيل الدين وجمال الدين المحدث وغيرها من النسخ الحاضرة كلها بحذف النون وكذا متن مسلم المصحح المقروء على جملة المشايخ منهم السيد نور الدين الأيجي قدس سره نعم في الحاشية نسخة بثبات النون وهو في تيسير الوصول إلى جامع الأصول بحذف النون بل قوله: لا تدخلوا محذوف النون أيضًا ولعل الوجه أن النهي في يراد به النفي كعكسه المشهور عند أهل العلم اهـ. والمراد من هذه الجملة
стр. 1797
افْشُوا السلام بَيْنَكمْ".
وروينا في "مسند الدارمي" وكتابي الترمذي وابن ماجه وغيرها بالأسانيد الجيدة عن عبد الله بن سلام رضي
ــ
لا يكمل إيمان أحدكم ولا يصلح حاله إلا بالتحاب. قوله: (أفشوا السلام بينكم) هو بقطع همزة أفشوا وأصله أفشيوا فنقلت حركة الياء إلى الشين بعد سلبها حركتها ثم حذفت الياء أي أظهروه ففيه الحض العظيم على إفشاء السلام وبذله للمسلمين كلهم من عرفت ومن لم تعرف كما تقدم في الحديث السابق والسلام أول أسباب التآلف ومفتاح استجلاب المودة وفي إفشائه تمكين ألفة المسلمين بعضهم لبعض وإظهار شعارهم المميز لهم من غيرهم من أهل الملل مع ما فيه من رياضة النفس ولزوم التواضع وإعظام حرمات المسلمين وفيه أنه يتضمن رفع التقاطع والتهاجر والشحناء وفساد ذات البين التي هي الحالقة وأن يكون سلامه الله تعالى لا يتبع فيه هواه ويخص به من يعرفه أشار إليه المصنف في شرح مسلم. قوله: (وروينا في مسند الدارمي الخ) قال الحافظ: هذا حديث حسن أخرجه أحمد والطبراني والحاكم كل هؤلاء تنتهي أسانيدهم إلى عوف بن أبي جميلة الأعرابي الراوي له عن زرارة بن أوجه عن عبد الله بن سلام ﵁ فمدار الحديث على عوف فقول الشيخ بالأسانيد الجيدة يوهم أن للحديث طرقًا إلى الصحابي وليس كذلك قلت ويمكن على بعد أن مراده تعداد الأسانيد المنتهية إلى عوف وهي كذلك وقد أجاب الحافظ بمثل ذلك عن المصنف فيما تقدم من نظير ما نحن فيه مما تعدد فيه الطريق إلى الراوي الذي هو مدار الحديث مع اتحاد صحابي الحديث ثم إن الترمذي صحح هذا الحديث، قال الحافظ وفي تصحيحه له نظر فإن زرارة وإن كان ثقة لا يعرف له سماع من عبد الله بن سلام ﵁ ثم قال فلعله أطلق الصحة لما للمتن من الشواهد يعني فيكون حسنًا لذاته صحيحًا لغيره وأما تصحيح الحاكم فلعله تبع الترمذي ومن شواهد المتن ما أخرجه البخاري في الأدب المفرد من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعًا اعبدوا الرحمن وأفشوا السلام وأطعموا الطعام تدخلوا الجنان وسنده جيد اهـ. قوله: (عن عبد الله بن سلام رضي
стр. 1798
الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يا أيها
النّاسُ أفْشُوا السّلام، وأطْعِمُوا الطعامَ،
ــ
الله عنه) سلام بتخفيف اللام واسم
والد سلام الحارث الإسرائيلي ثم الأنصاري هو من ولد يعقوب وكان اسمه في الجاهلية الحصن فسماه رسول الله ﷺ عبد الله توفي بالمدينة في خلافة معاوية سنة ثلاث وأربعين ودفن بها وأسلم أن قدم النبي ﷺ المدينة وأول هذا الحديث عن عبد الله بن سلام قال لما قدم رسول الله ﷺ المدينة احتفل النّاس لرؤيته فقالوا: قدم رسول الله ﷺ فخرجت فيمن خرج انظر فلما رأيته عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب فأول شيء سمعته يقول: "يا أيها النّاس أفشوا السلام الخ" أخرجه كذلك من ذكرناه من أحمد والدارمي وغيرهما ممن ذكر المصنف بعضه والحافظ الباقي ونزل فيه قوله تعالى: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ كذا ورد واستشكل بأن ابن سلام أسلم بالمدينة والأحقاف مكية وأجيب بأنها مكية إلا هذه الآية وقال سعد بن أبي وقاص: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لرجل يمشي على وجه الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، قال الكرماني إن قلت المبشرون بالجنة عشرة فما وجهه قلت: لفظ ما سمعت لم ينف أصل الإخبار بالجنة لغيره والتخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد أو المراد بالعشرة الذين جاء فيهم لفظ البشارة أو المبشرون في مجلس واحد أو لم يقل لأحد غيره حال مشيه على الأرض ولا بد عن هذا التأويل كيف والحسنان وأزواج الرسول بل أهل بدر ونحوهم من أهل الجنة اهـ، وكان ابن سلام من سادات اليهود معظمًا في الجاهلية والإسلام وشهد فتح بيت المقدس والجابية روي له عن رسول الله ﷺ فيما قيل: خمسة وعشرون حديثًا اتفقا منها على اثنين كذا قال القرطبي وقال في الرياض اتفقا على حديث
стр. 1799
وَصِلوا الأرحامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نيامٌ، تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسلامٍ"،
ــ
واحد وانفرد البخاري بالثاني. قوله: (وصلوا الأرحام) الأمر فيه محمول على الوجوب قال القرطبي والرحم عبارة عن قرابات الإنسان من جهة طرفيه آبائه وإن علوا وأبنائه وإن نزلوا وما يتصل بالطرفين من الأعمام والعمات والأخوال والخالات والإخوة والأخوات وما يتصل بهم من أولادهم برحم جامعة وقطع الرحم كبيرة من غير خلاف والصلة درجات بعضها أرفع من بعض فأدناها ترك المهاجرة وأدنى صلتها بالسلام قال ﷺ : "بلوا أرحامكم ولو بالسلام" وهذا بحسب القدرة عليها والحاجة إليها فمنها ما يتعين ويلزم ومنها ما يستحب ويرغب فيه وليس من لم يبلغ أقصى الصلات يسمى قاطعًا ولا من قصر عما ينبغي له ويقدر عليه يسمى واصلًا، قال القاضي عياض واختلفوا في الرحم التي تجب صلتها فقيل كل رحم محرم بحيث لو كان أحدهما ذكرًا والآخر أنثى حرمت مناكحتهما فعلى هذا لا يدخل أولاد الأعمام وأولاد الأخوال وقيل هو عام في كل رحم من ذوي الأرحام في الميراث يستوي فيه المحرم وغيره ويدل له قوله ﷺ : "أدناك ثم أدناك" اهـ. قال المصنف وهذا القول الثاني هو الصواب ومما يدل عليه الحديث في أهل مصر فإن لهم ذمة ورحمًا وحديث إن أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه مع أنه لا محرمية تم والله أعلم وتعقب القرطبي القول الثاني بأنه يلزم عليه أن الرحم التي لا يتوارث بها لا تجب صلتهم ولا يحرم قطعهم وهذا ليس بصحيح والصواب ما ذكرناه قبل هذا من التعميم والتقسيم اهـ. وما أشار إليه من التعميم سبق نقله عنه أول الكلام في هذا المقام والله أعلم. قوله: (وصلوا بالليل والناس نيام) فيه طلب قيام الليل وإحيائه بالصلاة وقد ورد فيه من الأحاديث النبوية من فعله وقوله ﷺ ما يهيج الموفق ويبعثه على تحصيل ذلك ولا يخفى ما بين قوله
وصلوا الأرحام وقوله وصلوا من الجناس المحرف. قوله: (تدخلوا الجنة بسلام) أي سالمين. أو مسلمًا عليكم من ربكم أو من الملائكة أو من بعضكم
стр. 1800
قال الترمذي: حديث صحيح.
وروينا في كتابي ابن ماجه وابن السني عن أبي أمامة ﵁ قال: "أمَرَنا نبينا، ﷺ أن نُفشي السلام".
وروينا في "مَوطأ" الإِمام مالك ﵁ عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أن الطفيل بن أُبي بن كعب أخبره أنه كان يأتي عبد الله بن عمر فيغدو معه إلى
ــ
على بعض وأولها أشرفها. قوله" (قال الترمذي حديث صحيح) تقدم ما في تصحيحه في كلام الحافظ.
قوله: (وروينا في كتابي ابن ماجه وابن السني الخ) قال الحافظ بعد تخريجه من طريق الطبراني: هذا حديث حسن أخرجه ابن ماجه ورجاله رجال الصحيح إلا إسماعيل بن عياش ففيه ضعف لكن روايته عن الشاميين جيدة وهذا منها وقد تابعه بقية بن الوليد ثم أخرجه الحافظ عنه من طريق الطبراني أيضًا وقال بعد تخريجه وأخرجه ابن السني من طريق كثير بن عبيد عن بقية وزاد فيه لأبي أمامة قال الحافظ في الطريق التي أورد بها حديث بقية وهذه طريق جيدة بتصريح بقية بالتحديث فيها فأمن تدليسه وهو أشد ما عيب به اهـ. قوله: (أمرنا نبينا ﷺ ) هذا مرفوع اتفاقًا للنص فيه على اطلاعه ﷺ ومحل الخلاف ما لم ينص فيه على اطلاعه ﷺ وقيل: بجريان الخلاف فيه أيضًا وسبق تحقيق ذلك في أوائل الكتاب. قوله: (أن نفشي) بضم النون أي تظهر ونشهر (السلام) بأدائه على من لقينا عرفنا أو لم نعرف.
قوله: (وروينا في موطأ الإِمام مالك) قال الحافظ هذا موقوف صحيح ثم خرجه الحافظ عن مالك وقال أخرجه البخاري في الأدب المفرد هكذا. قوله: (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) هو تابعي أخذ عن عمه أخي أبيه لأمه أنس بن مالك وأبوه عبد الله صحابي حنكه رسول الله ﷺ وجده أبو طلحة صحابي جليل أنصاري عظيم. قوله: (أن الطفيل) هو بضم الطاء المهملة وفتح الفاء وسكون التحتية تابعي أخذ عن عمر وعن أبيه وأبوه أبي بضم الهمز وفتح الموحدة ابن كعب الصحابي الجليل الأنصاري وقوله (أخبره) خبر أن والضمير المستتر المرفوع يعود إلى الطفيل والضمير البارز المنصوب يعود لإسحاق والمعنى أخبر الطفيل إسحاق بـ (أنه لما كان يأتي عبد الله الخ) فحذف الباء الموحدة وحذف الجار مع أن وأن قياس مطرد عند
стр. 1801
السوق، قال: فإذا غدونا إلى السوق لم يمر عبد الله على سَقَّاطٍ، ولا صاحب بَيعة ولا مسكين ولا أحد إلا سلم عليه، قال الطفيل: فجئت عبد الله بن عمر يومًا، فاستتبعني إلى السوق، فقلت له: ما
تصنع بالسوق وأنت لا تقف على البيع ولا تسأل عن السِّلَع ولا تسوم بها ولا تجلس في مجالس السوق؟ قال: وأقول: اجلس بنا ها هنا نتحدث، فقال لي ابن عمر:
ــ
أمن اللبس. قوله: (سقاط) بتشديد القاف وبالطاء المهملة آخره قال في النهاية هو الذي يبيع سقط المتاع وهو رديئه وحقيره. قوله: (ولا صاحب بيعة) أي نفيسة لقرينة مقابلته بالسقاط قال الطيبي وهو بفتح الموحدة الصفقة وبكسرها الحالة كالركبة والقعدة وقوله (إلا سلم عليه) الظاهر أن المسلم هو ابن عمر ويحتمل العكس كما في المرقاة. قوله: (فاستتبعني إلى السوق) أي طلبني أتبعه للسوق وطلب ابن عمر ذلك من ابن الطفيل ليرى إفشاءه
للسلام على الخاص والعام فيقتدي به في هذا المقام فيحصل له ثواب الفعل ولابن عمر ثواب الدلالة والله أعلم. والسوق مؤنثة وقيل: يجوز تذكيرها وسميت بذلك لسوق البضائع إليها وقيل: لأن النّاس يقفون فيها على ساق وقيل لأن النّاس يضرب ساق بعضهم فيها ساق بعض من الازدحام وتعقب الأخيران باختلاف المادة فمادة السوق من ذوات الواو والساق من ذوات الهمز قيل: فالأول من الثلاثة المتعين. قوله: (ما تصنع بالسوق الخ) ما فيه استفهامية وجملة (وأنت لا تقف الخ) في محل الحال وكذا ما بعدها والسلع بكسر ففتح جمع سلعة والمذكور غالب ما يقصد من الأسواق وقد ظن الطفيل أن السوق مقصود للمطالب الدنيوية من البيع والسوم والتفرج على ما يحدث فيه وكل ذلك ليس مرادًا لعبد الله بن عمر فلا فائدة في ذهابه للسوق فأرشده عبد الله ﵁ إلى أنه أيضًا يكون سوقًا لمتجر الآخرة وذلك بأن يفشي فيه السلام على الخاص والعام المأمور بإفشائه في حديث سيد الأنام ﷺ وذلك يتيسر فيه لكثرة النّاس فيه والله أعلم، ثم لا منافاة بين قضية حديث ابن عمر وما سيأتي آخر الباب وهو ما في الروضة وغيرها من أن من كان بشارع أو سوق يطرق كثيرًا أو نحوه مما يكثر فيه المتلاقون
стр. 1802
يا أبا بطن وكان الطفيل ذا بطن، إنما نغدو من أجل السلام نسلم على من لقيناه.
وروينا في "صحيح البخاري" عنه
ــ
إنما يسلم على بعض النّاس دون بعض لأنه لو سلم على الجميع تعطل عن كل مهم وخرج به عن العرف اهـ. لأن حديث ابن عمر يمكن حمله على ذلك بأن يراد ولا أحد أي مما لا يؤدي السلام عليه إلى ذوات ما هو أهم منه وإلا فيعدل إلى ذلك كأمر بمعروف ونهي عن منكر أو يقال في الجمع إن مراد الفقهاء سقوط الطلب عن المكلف حينئذٍ فإذا أتى به الإنسان فلا منع منه لما فيه من الحرص على الخير وعليه يحمل ما جاء عن الصحابي والله أعلم. قوله: (يا أبا بطن) فيه أن ذكر بعض خلقة الإنسان إذا لم يتأذ بذكره ولم يقصد به الإهانة وإدخال العيب لا يكون محرمًا منهيا عنه وقوله (وكان الطفيل) في المشكاة قال وكان الطفيل بزيادة قال وهو محتمل أن يكون صدر هذا القول من الراوي عنه أو من الطفيل نفسه وقوله (ذا بطن) أي كبير لا أنه صاحب أكل كثير كما في يتوهم. قوله: (من أجل السلام) أي لنؤديه ونفشيه على من لقيناه. قوله: (لقيناه) هو بكسر القاف وسكون التحتية وبإثبات الضمير في نسخة وفي نسخة لقينا بفتح الياء واللقاء يحصل من الجانبين والظاهر أن المراد بالسلام أعم من ابتدائه وجوابه ففي كل منهما فضيلة كاملة.
فائدة
قال في المرقاة هذا الحديث يناسب ما اختاره السادة النقشبندية من حصول الخلوة في الأسواق وبين الجماعة، قلت قيل للخواجة بهاء الدين نقشبندي قدس سره كيف يعقل هذا فتلا قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ اهـ. ثم قال في المرقاة ولعل وجهه من قوله ﷺ : "ذاكر الله في الغافلين بمنزلة الصابر في الفارين" رواه البزار والطبراني في الأوسط كلاهما من حديث ابن مسعود والحديث الآتي فيما يقول: إذا دخل السوق من رواية أبي داود والترمذي والحاكم من حديث عمر مرفوعًا من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله الخ ولعل وجه الحكمة في ذلك أن الله ينظر إلى
عباده نظر رحمة وعناية في كل آن فكل من غفل فاته وكل من شهد وحضر أدركه بل وأخذ من نصيب غيره ولعل هذا هو الباعث على الترغيب على الجماعة والجماعة ومجالس الذكر فإنه بمنزلة المائدة الجامعة لأنواع المشتهيات فكل من يكون
стр. 1803
قال: وقال عمار ﵁: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصافُ من نفسك، وبذلُ السلام
ــ
حاضرًا مشتاقًا يأخذ منها حظه ونصيبه والغائب أو الحاضر الغافل أو المريض المعدوم الاشتهاء يقعد محرومًا اهـ. قوله: (قال: قال عمار ﵁ فاعل قال الأول الإِمام البخاري وعمار هو ابن ياسر العنسي بالعين المهملة المفتوحة والنون الساكنة والسين المهملة ثم المذحجي القحطاني نسبًا المخزومي حلفًا وولاء المكي ثم المدني ثم الشامي ثم الدمشقي أحد السابقين الأولين المعذبين في الله أشد العذاب وكذا عذب أبوه وأمه سمية ومر بهم النبي ﷺ وهم يعذبون فقال: صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة وكانت سمية أمه أول شهيدة في الإسلام، شهد عمار جميع المشاهد مع رسول الله ﷺ وكان مخصوصًا منه بالبشارة والترحيب والبشاشة والتطييب وأخبر أنه أحد الأربعة الذين تشتاق إليهم الجنة وقال له: مرحبًا بالطيب المطيب وأخبر أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما وقال عمار: جلدة ما بين عيني وأنفي وقال: اهتدوا بهدي عمار وقال: من عادى عمارًا عاداه الله ومن أبغض عمارًا أبغضه الله وآخى ﷺ بينه وبين سعد بن أبي وقاص ولما أخبر ﷺ أنه أكره على الكفر فكفر قال: كلا والله إن عمارًا مليء إيمانًا من قرنه إلى مشاشه ونزل فيه قوله تعالى: ﴿إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ ولاه عمر على الكوفة: وكتب إليهم أنه من النجباء الرفقاء فاعرفوا له قدره، روي له ﵁ عن رسول الله ﷺ اثنان وستون حديثًا اتفقا منها على واحد وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بواحد وأخرج عنه أصحاب السنن وغيرهم قتله ﵁ بصفين سنة سبع وثلاثين عن ثلاث وخمسين سنة قال قبل أن يقتل ائتوني بشربة لبن فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "آخر شربة تشربها شربة لبن" كذا نقل من الرياض للعامري باختصار. قوله: (ثلاث من جمعهن) قال الحافظ في فتح الباري أي ثلاث خصال وثلاث مبتدأ والجملة خبر وجاز الابتداء بالنكرة لأن التنوين عوض عن المضاف إليه أي المقدر بخصال ويحتمل في إعرابه غير ذلك ولعل مما يحتمله أن يكون ثلاث وصفًا للمبتدأ أي خصال ثلاث أو يكون ثلاث موصوفًا بمحذوف أي ثلاث من الخصال من جمعهن الخ (فقد جمع الإيمان) في الفتح لفظ شعبة من كن فيه استكمل الإيمان قال وهو بالمعنى
стр. 1804
للعالمِ، والإنفاقُ من الإقتار.
وروينا هذا في غير البخاري مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ .
قلت: قد جمع في هذه الكلمات الثلاث خيرات الآخرة والدنيا، فإن الإنصاف يقتضي أن يؤدّي إلى الله تعالى جميع حقوقه وما أمره به، ويجتنب جميع ما نهاه عنه، وأن يؤدِّي للناس حقوقهم، ولا يطلب ما ليس له، وأن
ــ
وهكذا روينا في جامع معمر عن أبي إسحاق وكذا حدث به عبد الرزاق في مصنفه عن معمر. قوله: (للعالم) بفتح اللام به هنا جميع النّاس قال ابن العز الحجازي فهو عام أريد به خاص. قوله: (من الإقتار) أي القلة. قوله: (وروينا هذا) الحديث الموقوف على عمار (في غير البخاري مرفوعًا) قال الحافظ في الفتح حدث به عبد الرزاق عن معمر موقوفًا على عمار وحدث به بأخرة فرفعه إلى النبي ﷺ كذا أخرجه البزار في مسنده وابن أبي حاتم في العلل كلاهما عن الحسن بن عبد الله الكوفي وكذا رواه البغوي في شرح السنة من طريق محمد بن كعب الواسطي وكذا أخرجه ابن الأعرابي في معجمه عن محمد بن الصباغ الصغاني ثلاثتهم عن عبد الرزاق مرفوعًا واستغربه
البزار وقال أبو زرعة هو خطأ قلت وهو معلوم من حيث صناعة الإسناد لأن عبد الرزاق تغير بأخرة وسماع هؤلاء حال تغيره إلا أن مثله لا يقال من قبل الرأي فهو في حكم المرفوع وقد رويناه موقوفًا من وجه آخر عن عمار أخرجه الطبراني في الكبير وفي إسناده ضعف وله شواهد أخر بينتها في تعليق التعليق اهـ. قال الحافظ في التخريج له وقد ذكرت في تعليق التعليق أن بعضهم رواه عن عبد الرزاق متابعًا للحسن يعني ابن عبد الله إمام مسجد العوام بواسط الراوي للحديث عن عبد الرزاق مرفوعًا ولا يثبت أيضًا وروايته من وجه آخر في الحلية لأبي نعيم من طريق أبي أمامة الباهلي عن عمار مرفوعًا وسنده ضعيف اهـ. قوله: (قلت الخ) نقل الحافظ نحو هذا الكلام عن الشيخِ أبي الزناد بن السراج وغيره قال الحافظ بعد نقله وهذا التقدير يقوي أيضًا أن يكون الحديث مرفوعًا لأنه يشبه أن يكون من كلام من أوتي جوامع الكلم والله أعلم. قوله: (فإن الإنصاف الخ) قال الحافظ نقلًا عمن ذكر وهذا مجمع أركان الإيمان.
стр. 1805
ينصف أيضًا نفسه فلا يوقعها في قبيح أصلًا. وأما بذلُ السلام للعالم، فمعناه لجميع النّاس، فيتضمن أن لا يتكبر على أحد، وأن لا يكون بينه وبين أحد جفاء يمتنع بسببه من السلام عليه بسببه. وأما الإنفاق من الإقتار، فيقتضي كمال الوثوق بالله تعالى والتوكل عليه والشفقة على المسلمين، إلى غير ذلك، نسأل الله تعالى الكريم التوفيق لجميعه.
باب كيفية السلام
اعلم أن الأفضل أن يقول المسلم: السّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله
ــ
قوله: (وأما بذل السلام الخ) أي مع ما ينضم إلى ذلك من التآلف والتحاب فهو متضمن لمكارم الأخلاق من التواضع وعدم الاحتقار والتآلف والتحاب. قوله: (وأما الإنفاق) أي الشامل للواجب من نفقة الزوجة والمملوك والأصل والفرع بشرطه والمندوب من إقراء الضيف والمواساة والإيثار مع الصبر عند الفاقة والاضطرار (فذلك مع الافتقار يقتضي كمال الوثوق بالله تعالى الخ) أي ويقتضي كمال الكرم قال الشاعر:
ليس العطاء من الفضول سماحة ... حتى تجود وما لديك قليل
باب كيفية السلام
قوله: (الأفضل أن يقول المسلم الخ) أي يقول المبتدئ بالسلام (السلام عليكم الخ) بتعريف السلام كما هو الأفضل وزيادة ورحمة الله وبركاته كما هو الأكمل قال ابن القيم في بدائع الفوائد والحكمة في اقتران الرحمة والبركة بالسلام هو أن الإنسان لا سبيل له إلى الانتفاع بالحياة إلا بسلامته من الشر ومن كل ما بين حياته وعيشه وبحصول الخير له وبدوامه فبهذه الثلاث يكمل انتفاعه بالحياة فشرعت التحية متضمنة لذلك فقوله: السلام عليكم يتضمن السلامة من الشر ورحمة الله تتضمن
حصول الخير وبركاته تتضمن دوام ذلك وثباته إذ البركة كثرة الخير واستمراره، ولما كانت هذه الثلاثة مطلوبة لكل أحد وهي تتضمن لكل مطالبه وكل المطالب دونها وسائل لها وأسباب لتحصيلها جاء لفظ التحية دالًا عليها بالمطابقة تارة
стр. 1806
وبَرَكاتُهُ، فيأتي بضمير الجمع وإن كان المسلَّم عليه واحدًا،
ــ
وهو كمالها وبالتضمن أخرى إذا ذكر السلام والرحمة فإنهما يتضمنان البركة وباللزوم أخرى إذا اقتصر على السلام وحده فإنه يستلزم حصول الخير وثباته إذ لو عدم لم تحصل السلامة المطلقة فهي مستلزمة لحصول الرحمة، وبه يعلم فضل هذه التحية على سائر تحيات الأمم ولذا اختارها الله تعالى لعباده المؤمنين وجعلها تحيتهم بينهم في الدنيا وفي دار السلام وبه يعرف وجه كمال ذلك بذكر البركات إذ قد استوعبت هذه الألفاظ الثلاثة جميع المطالب من دفع الشر وحصول الخير وثباته وكثرته ودوامه فلا معنى للزيادة عليها، لذا جاء في الأثر المعروف انتهاء السلام إلى وبركاته قال والحكمة في إضافة الرحمة والبركة دون السلام أن السلام لما كان من أسمائه تعالى -أي على أحد ما قيل كما تقدم- استغنى بذكره مطلقًا عن الإضافة ولو لم يضافا لم يعلم رحمة من ولا بركة من تطلب إذ لو قيل ورحمة وبركة لم يكن في اللفظ إشعار بالراحم المبارك المطلوب ذلك منه وأيضًا فالسلام من مجرد السلامة المبعدة عن الشر وأما الرحمة والبركة فتحصيل الخير وإدامته وتثبيته وهذا أكمل فإنه المقصود لذاته والأول وسيلة له فأضيف إليه تعالى أكمل المعنيين وأتمهما لفظًا وأطلق الآخر وأفرد السلام لكونه مصدرًا محضًا فهو شيء واحد فلا معنى لجمعه أو لكونه من أسمائه تعالى فيستحيل جمعه أيضًا وأفردت الرحمة أيضًا لكونها مصدرًا بمعنى التعطف والحنان ولا يجمع أيضًا والتاء فيها ليست للتحديد كتاء ضربة بل هي فيها كتاء خلة ومحبة وإفراده ليشعر بالمسمى مطلقًا من غير تحديد وجمعه يشر بالتحديد والتقييد بعود فالإفراد هنا أكثر وأكمل معنى من الجمع وهذا بديع جدًّا أن يكون مدلول المفرد أكثر من مدلول الجمع ولذا كان قوله تعالى ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ أبلغ وأتم من أن يقال الحجج البوالغ وجمعت البركة لأن لفظ الجمع أولى بها على الدوام شيئًا فشيئا ولفظ الجمع أولى لدلالته على المعنى المقصود بها ولذا جاءت كذلك في القرآن وفي التشهد اهـ، بتلخيص والله أعلم. قوله: (فيأتي بضمير الجمع وإن كان المسلم عليه واحدًا) وإتيانه بضمير الجمع حينئذٍ بقصد الملائكة الذين معه ولو أفرد
стр. 1807
ويقول المجيب: وَعَلَيْكُمُ السلامُ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكاتُهُ، ويأتي بواو العطف في قوله: "وعليكم".
وممن نص على أن الأفضل في المبتدئ أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الإِمام أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي في كتابه "الحاوي" في كتاب السير، والإمام أبو سعد المتولي من أصحابنا في كتاب صلاة الجمعة وغيرهما.
ــ
جاز كما يأتي أما الإفراد للجماعة فلا يكفي إذا أرادهم به. قوله: (وأن يقول المجيب وعليكم السلام الخ) أي بالواو أوله وميم الجمع آخره وإن كان المخاطب واحدًا على وزان ما سبق في الابتداء وزيادة ورحمة الله وبركاته آخره. قوله: (ويأتي بواو العطف في قوله وعليكم) أي استحبابًا وإلا فلو تركها وقال عليكم السلام كفي وكان خلاف الأفضل وقدم المبتدأ في جانب المسلم وعكس في جانب المراد للفرق بين الرد والابتداء وخص المبتديء بتقديم السلام لأنه هو المقصود فخصوا المراد بتقديم الخبر ولأن سلام المراد يجري مجرى الجواب ولذا اكتفى فيه بالكلمة المفردة الدالة على أختها فلو قال: وعليك لكان متضمنًا للرد ولذا اكتفى به بعض أصحابنا كما حكاه عنه الشيخ فيما يأتي، وإنما أعيد لفظ المسلم بعينه تحقيقًا للماثلة ودفعًا لتوهم المسلم عدم رد تحيته عليه لاحتمال أن يرد عليه شيء آخر والحاصل
أن الجواب يكفي فيه قوله: وعليك وإنما كمل قطعًا للتوهم وتكميلًا للعدل وأيضًا فإن المسلم لما تضمن سلامه الدعاء للمسلم عليه بوقوع السلامة وحلولها عليه وكان الرد من المراد متضمنًا لطلب أن يحل عليه من ذلك مثل ما طلبه له كما إذا قال غفر الله لك فإنك تقول ولك فغفر ويكون هذا أحسن من قولك وغفر لك ومثله نظائره لأن تجريد القصد إلى مشاركة المدعو به للداعي في ذلك الدعاء مثل دعائه وكأنه قال: ولك أيضًا أي أنت مشارك لي في ذلك مماثل لا أنفرد به عنك ولا أختص به دونك ولا ريب أن هذا المعنى يستدعي تقديم المشارك المساوي كذا لخص من كتاب بدابع الفوائد لابن القيم. قوله: (الإِمام أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي) قال بعض المحققين: يقع للمصنف مثل هذه العبارة كثيرًا في الروضة وغيرها وهي مشكلة فإنه صرح في المجموع بأنه يحرم التسمية بشاهان شاه ومعناه ملك الأملاك
стр. 1808
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وبملك الملوك قال الأذرعي وذكر بعضهم وأظنه القاضي أبا الطيب أن في معنى ذلك أو قال: يقرب من ذلك قاضي القضاة وأفظع منه حاكم الحكام اهـ. وظاهره حرمة هذين قياسًا على ما قبلهما وعليه فأقضى القضاة أولى من قاضي القضاة لكن الإجماع الفعلي سيما من مثل المصنف يدل على الجواز إلا أن يجاب بأن ذلك لا دليل فيه ألا ترى إلى إجماعهم على النطق بأبي القاسم حتى من مثل المصنف المرجح لحرمة التكني به مطلقًا وكان عذرهم الاشتهار بهذه التكنية أو نحوه والمحرم إنما هو وضعها ابتداء لا النطق بها بعد ذلك للاشتهار بها كما مر وبه يعتذر عن نطق المصنف هنا بما ذكر وعلى القول بالجواز فقد يفرق بأن في ملك الأملاك من ظهور الشمول الله تعالى ما ليس في قاضي القضاة، وحاكم الحكام يتردد النظر فيه ولحوقه بملك الملوك أظهر قال ثم رأيت ما يصرح بجوازهما وذلك لأن أقضى القضاة أول من لقب به الماوردي فاعترض عليه بعض أهل عصره بأن هذه اللفظة تشبه أحكم الحاكمين فيدخل فيه الباري وكذا قاضي القضاة لأنه وصف نفسه بالقضاء في غير آية نحو ﴿يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ وفي دعائه ﷺ : "يا قاضي الأمور" ويدخل فيه أيضًا كل قاض تقدم من الأنبياء وغيرهم فلم يلتفت الماوردي إلى هذا الإنكار بل استمر على التلقيب به وأجاب هو والمحققون من علماء عصره بأن مثل هذا اللفظ إذا أطلق إنما ينصرف عرفًا إلى أهل عالمه وزمانه فقط واستدل ابن المنير المالكي لجوازه بما فيه نظر وهو أنه ﷺ أطلق على أقضى القضاة في قوله: أقضاكم عليّ وأما قاضي القضاة فأول من لقب به أبو يوسف صاحب أبي حنيفة ﵄ وكانت الأئمة متوفرين في عصره ولم ينكر أحد منهم ذلك وإنما توقف فيه بعض المتأخرين بما ذكر، والحاصل أن العرف خصص هذين بإطلاقهما على أعدل القضاة وأعلمهم بالنسبة لأهل زمنه في بلده أو إقليمه وقد أنكروا على من أراد التلقيب بشاهان شاه وأفتى الماوردي بتحريمه لصحة الحديث بالمنع منه وكان من أكبر أصدقاء الملك فشكره الملك على ذلك وقال له: أنا أعلم لو حابيت أحدًا في الحق لحابيتني وعارضه الحساد بأنه تلقب بأقضى القضاة وهو نظير ما منع منه فلم يلتفت إلى معارضتهم اهـ، وسيأتي في كتاب الأسماء عن شيخ الإسلام زكريا في شرح البخاري في الكلام على قوله ﷺ شاهان شاه جواز أقضى القضاة.
قوله:
стр. 1809
ودليله ما رويناه في مسند الدارمي وسنن أبي داود والترمذي عن عمران بن الحصن ﵄ قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليكم، فرد عليه ثم جلس، فقال النبي ﷺ عَشْرٌ، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه ثم جلس، فقال: عِشْرونَ، ثم جاء آخر فقال: اللام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه فجلس، فقال: ثلاثُون"
ــ
(ودليله ما رويناه في مسند الدارمي الخ) قال الحافظ بعد تخريجه: هذا حديث حسن غريب أخرجه أحمد متصلًا مرفوعًا عمرة وأخرجه أيضًا عن هوذة بن خليفة عن عوف الأعرابي عن أبي رجاء وهو العطاردي فلم يذكر غمران بن الحصن، قال وهكذا رواه غير هوذة عن عوف مرسلًا قال الحافظ: والذي وصله عن عوف وهو جعفر بن سليمان مرفوعًا من رجال مسلم وفيه ضعف يسير، قال الحافظ: أخرجه النسائي، قال الحافظ: ووجدت للحديث شاهدًا جيدًا من حديث أبي هريرة قال: إن رجلًا مر على النبي ﷺ وهو في مجلس فقال: السلام عليكم فقال: "عشر حسنات" قال ثم مر رجل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله فقال: "عشرون حسنة" قال فمر رجل آخر فقال: السلام عليكم ورحمته وبركاته فقال: "ثلاثون حسنة" هكذا بلغني عن عبد العزيز بن عبد الله بن جعفر بن أبي كثير عن يعقوب بن زيد التيمي عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أخرجه البخاري في الأدب المفرد ورواته من شرط الصحيح إلا يعقوب بن قلد التيمي وهو صدوق وقال: أخرج النسائي في الكبرى من طريق إبراهيم بن طهمان عن يعقوب بن زيد حديثًا آخر في السلام بسند حديث أبي هريرة هذا وذكر في سنده اختلافًا على سعيد المقبري اهـ. قوله: (السلام عليكم) ضمير الجمع يحتمل أن يكون تعظيمًا له ﷺ وأن يكون له ولمن كان معه من أصحابه قال في المرقاة ومع وجود هذا الاحتمال لا يصلح للاستدلال بأن يقال: الأفضل أن يؤتى بضمير الجمع وإن كان المسلم عليه واحدًا. قوله: (فرد عليه) أي بمثله أو بأحسن منه (فقال عشر الخ) أي له أو المكتوب أو كتب أو حصل له عشر حسنات واقتصر العاقولي على إعرابه فاعلًا فقال: أي
стр. 1810
قال الترمذي: حديث حسن.
ــ
حصل له عشر حسنات قال فذهب إلى أن كل واحدة من قوله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته حسنة مستقلة فإذا أتى المراد بواحدة منها حصل له عشر حسنات وإن قالها كلها حصل له ثلاثون حسنة وعلى هذا فالأفضل أن يؤتى في السلام والرد بأفضله فيقول: وعليكم السلام ورحمة وبركاته فيأتي بواو العطف في قوله: وعليكم اهـ. قوله: (قال الترمذي حديث حسن) زاد في السنن غريب من هذا الوجه من حديث عمران بن حصين وكذا قال الحافظ: حديث حسن غريب قال الحافظ بعد تخريج حديث عمران المذكور وقال الترمذي في الباب عن علي وسهل بن حنيف وأبي سعيد قال الحافظ: وفيه أيضًا عن أبي هريرة ومالك بن التيهان وابن عمر ومعاذ بن أنس وهو الجهني وغيرهم وعنى بقوله: وغيرهم ابن عباس وسلمان الفارسي وعائشة قال: فحديث علي أخرجه البزار وفي سنده مختار بن نافع وقد ضعفوه ولفظه: دخلت المسجد فقلت: السلام عليكم فقال: وعليكم السلام عشر لي وعشر لك الحديث وحديث سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال: السلام عليكم كتبت له عشر حسنات ومن قال: السلام عليكم ورحمة الله كتبت له عشرون حسنة ومن قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتبت له ثلاثون
حسنة" قال الحافظ بعد تخريجه: هذا حديث غريب وسنده منكر والمعروف رواية محمد بن جعفر ابن أبي كثير عن يعقوب بن زيد كما تقدم قريبًا من حديث أبي هريرة ومحمد بن جعفر من رجال الصحيحين بخلاف موسى بن عبيدة فإنه متفق على ضعفه من قبل حفظه مع صلاحه وصدقه، قلت: موسى المذكور هو الراوي للحديث عنه عن سهل، قال: وقد رواه يعني موسى بسند آخر فأخرج حديث سهل أبو يعلى في مسنده الكبير عن أبي بكر بن أبي شيبة وأخرجه الطبراني من رواية أبي بكر وعثمان بن أبي شيبة كلاهما عن أبي أسامة وأخرجه الطبراني أيضًا من رواية الحسن بن علي الحلواني عن أبي أسامة عن موسى عن أيوب بن خالد عن مالك بن التيهان ﵁ أنه جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: السلام عليكم فذكر نحو حديث أبي هريرة وهذا يمكن أن يفسر به من لم يسم في حديث
стр. 1811
وفي رواية لأبي داود من رواية معاذ بن أنس ﵁ زيادة على هذا، قال: "ثم أتى آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فقال: أربعون، وقال: هَكَذا تَكُونُ الفَضَائِلُ".
ــ
أبي هريرة، وحديث معاذ بن أنس الجهني هو ما أشار إليه الشيخ بقوله وفي رواية لأبي داود الخ وسيأتي بيان حال سنده وفيه ومغفرته زيادة على غيره من الأحاديث وكذا في حديث أنس الآتي عند ابن السني وحديث ابن عمر أخرجه الطبراني في الأوسط عنه عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليكم فقال: "عشر" الحديث ورجاله رجال الصحيح إلا أبا هارون العبدي فقد ضعفوه وقد رواه مرة أخرى فقال عن أبي سعيد بدل ابن عمر وهي العبادة انتهى كلام الحافظ بتلخيص، وحديث عائشة سيأتي في الكلام على حديث أنس عند ابن السني في هذا الباب وحديث سلمان أخرجه أحمد في الزهد ولم يخرجه في المسند لضعف هشام بن لاحق عنده وقد وثقه غيره وهو عن سلمان قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله فقال: "السلام عليك ورحمة الله" ثم جاء آخر فقال: السلام عليك ورحمة الله فقال: "السلام عليك ورحمة الله وبركاته" ثم جاء آخر فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته فقال: "وعليك" فقال: يا رسول الله حييت هذين بأفضل مما حييتني به، فقال: "إنك لن تدع شيئًا فرددنا عليك مثلها وشاهد هذا الحديث حديث ابن عباس قال: جاء ثلاثة نفر إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهم: سلام عليكم فرد عليه ﷺ : "عليكم ورحمة الله" فجاء الثاني فقال: سلام عليكم ورحمة الله فرد عليه ﷺ فقال: "سلام عليكم ورحمته وبركاته" فجاء الثالث فقال: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقال ﷺ : "وعليك"، وأبو الفتى الثالث جالس مع النبي ﷺ فقال: يا رسول الله زدت فلانًا ولم تزد ابني شيئًا فقال: "ما وجدنا له مزيدًا فرددنا عليه كما قال". قال الحافظ بعد تخريجه من طريق الطبراني لا يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد اهـ. قوله: (وفي رواية لأبي داود من رواية معاذ بن أنس الجهني) قلت: لفظ حديثه كحديث عمران بن حصين كما في السلاح وقد أخرج الحافظ حديث معاذ وساق لفظه وهو أن رجلًا
стр. 1812
وروينا في كتاب ابن السني بإسناد ضعيف عن أنس ﵁ قال: "كان رجل يمر بالنبي ﷺ يرعى دواب أصحابه فيقول: السلام عليك يا رسول الله، فيقول له النبي ﷺ : وعَلَيْكَ السلامُ وَرَحْمَةُ الله وبَرَكاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ وَرِضْوانُهُ، فقيل: يا رسول الله تسلم على هذا سلامًا ما تسلمه على أحد من أصحابك؟ قال: وما يَمْنَعُني مِنْ ذلِكَ
ــ
أتى إلى مجلس فيه رسول الله ﷺ فقال: السلام عليكم فرد عليه وقال: "عشر حسنات" ثم جاء رجل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله فرد عليه وقال: "عشرون" ثم جاء رجل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقال: "ثلاثون حسنة" وجاء آخر فقال: ومغفرته فقال: "أربعون حسنة" ثم قال: هكذا تكون الفضائل قال الحافظ بعد تخريجه: هذا حديث غريب أخرجه أبو داود ولم يسق من لفظه إلا ما ذكره الشيخ بل أحال به على لفظ حديث عمران اهـ. وكأن هذا الخبر لضعفه لم يقل الأصحاب
بقضيته من زيادة ومغفرته في أكمل السلام بل جعلوا أكمله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وحكمة الاقتصار على وبركاته تقدمت في كلام ابن القيم وسيأتي مزيد من هذا المقام إن شاء الله تعالى. قوله: (وروينا في كتاب ابن السني بإسناد ضعيف) قال الحافظ: أخرجه ابن السني من رواية بقية بن الوليد عن يوسف بن أبي كثير عن نوح بن ذكوان عن الحسن عن أنس، وابن أبي كثير وشيخه نسب كل منهما إلى أنه كان يضع الحديث وبقية وإن كان عيب عليه التدليس وصرح بالتحديث في هذا السند فإنه كان يغلب عليه كثرة الرواية عن الضعفاء والمجهولين، وقد ورد ما يعارض هذا وهو حديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السلام " فقلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته فذهبت تزيد، فقال لها ﷺ : "إلى هنا انتهى السلام" يعني وتلا ورحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت، قال الحافظ: هذا حديث حسن غريب جدًّا في أخرج لرواته في الصحيح إلا أن ابن المسيب لم يسمع من عائشة وسيأتي حديثها بدون هذه الزيادة في باب حكم السلام وجاء عن ابن عباس موقوفًا عليه أخرجه البيهقي في الشعب
стр. 1813
وهو يَنْصَرِفُ بأجر بضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا؟ ".
قال أصحابنا: فإن قال المبتدئ: السلام عليكم، حصل السلام، وإن قال: السلام عليك، أو سلام عليك، حصل
ــ
من طريق محمد بن عمرو بن عطاء قال: بينما أنا جالس عند ابن عباس إذ جاء سائل فقال: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه ومضى في هذا، فقال ابن عباس: ما هذا السلام وغضب غضبًا شديدًا فقال له ابنه: إن هذا من السؤال، فقال ابن عباس: إن الله جعل للسلام حدًّا ثم قرأ: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت، قال الحافظ وسنده إلى ابن عباس صحيح وله طريق أخرى صحيحة عن ابن عباس أخرجها ابن وهب في جامعه عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح أنه سلم على ابن عباس فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، قال ابن عباس: من هذا؟ قال: فقلت: أنا عطاء، فقال: انتهى السلام إلى وبركاته وتلا الآية وأخرج ابن وهب أيضًا بسند صحيح عن ابن عمر أن رجلًا سلم عليه فزاد ومغفرته فانتهره ابن عمر وقال: حسبك إلى وبركاته، وجاءت مراسيل بمعنى ذلك فمنها عن عمرو بن الوليد أحد الثقات التابعين من أهل مصر ومنها عن الحسن البصري كلاهما نحو حديث ابن عمر ومنها عن مسلم بن أبي مريم وهو أحد ثقات التابعين كحديث عمران وزاد في آخره فقال رجل: ألا أقوم يا رسول الله ثم أعود فيكثر لي الأجر؟ فقال: "بلى" فقام فجال شيئًا ثم أقبل فقال: سلام عليكم فرد عليه النبي ﷺ وقال: "ما أسرع ما نسي صاحبكم" وسنده صحيح. قوله: (وهو ينصرف بأجر بضعة عشر رجلًا) أي عدد أصحابه الذين يقوم بخدمتهم فيعينهم على القيام بالطاعة ففيه فضل الإعانة بالخدمة وقد الحديث
المشهور في السفر الذي كان فيه بعض الصحابة صيامًا وبعضهم مفطرًا فخدم المفطرون ونام الصائمون فقال ﷺ : "ذهب اليوم المفطرون بالأجر". قوله: (وإن قال المبتدئ السلام عليكم حصل السلام) أي بأفضل صيغة من حيث التعريف والإتيان بميم الجمع وإن فوت كماله من زيادة ورحمة الله وبركاته. قوله: (السلام عليك) أي بحذف ميم الجمع (أو سلام عليك) أي بحذف أل من سلام وميم الجمع من عليكم (كفى) لكن محله إن كان المسلم عليه واحدًا وإلا فلا يكفي كما تقدمت الإشارة إليه.
стр. 1814
أيضًا. وأما الجواب فأقله: وعليك السلام، أو وعليكم السلام، فإن حذف الواو فقال: عليكم السلام أجزأه ذلك وكان جوابًا، هذا هو المذهب الصحيح المشهور الذي نص عليه إمامنا الشافعي ﵀ في "الأم"، وقاله جمهور أصحابنا. وجزم أبو سعد المتولي من أصحابنا في كتابه "التتمة" بأنه لا يجزئه ولا يكون جوابًا، وهذا ضعيف أو غلط، وهو مخالف للكتاب والسنة ونص إمامنا الشافعي.
أما الكتاب، فقال الله تعالى: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَال سَلَامٌ﴾ [هود: ٦٩] وهذا وإن كان شرعًا لمن قبلنا، فقد جاء شرعنا بتقريره.
وهو حديث أبي هريرة الذي قدمناه في جواب الملائكة آدم ﷺ فإن النبي ﷺ أخبرنا "أن الله تعالى قال: هي تحيتك وتحية ذريتك" وهذه الأمة داخلة في ذريته، والله أعلم.
واتفق أصحابنا على أنه لو قال في الجواب: عليكم، لم يكن جوابًا، فلو قال: وعليكم بالواو، فهل يكون جوابًا؟ فيه وجهان لأصحابنا ولو قال المبتدئ: سلام عليكم، أو قال: السلام عليكم، فللمجيب أن يقول في الصورتين: سلام عليكم، وله أن يقول: السلام عليكم، قال الله تعالى: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَال سَلَامٌ﴾ [هود: ٦٩] قال الإِمام أبو الحسن الواحدي من أصحابنا:
ــ
قوله: (واتفق أصحابنا أنه لو قال عليكم لم يكن جوابًا) قال ابن المزجد في التجريد ظاهر الآية والحديث أنه يكفي في السلام ورده أن يقول: سلام ويكون الخبر محذوفًا تقديره سلام عليكم كذا في الجواهر والمعروف أنه لا يكفي جوابًا إن لم يزد الواو وكذا إن زادها فقال: وعليكم في الأصح عند الإِمام وعلله كما في الروضة بأنه ليس فيه تعرض للسلام قال في الروضة ومنهم من جعله جوابًا للعطف وقياسه أنه لا يتأدى به السنة فيما سبق من سلامه، ثم قول المصنف (وأما الجواب فأقله السلام عليك الخ) ظاهره الاكتفاء بما ذكر وإن أتى المسلم بلفظ الرحمة والبركة وظاهر كلام
стр. 1815
أنت في تعريف السلام وتنكيره بالخيار، قلت: ولكن الألف واللام أولى.
ــ
الروياني أنه يجب رد مثل الابتداء مطلقًا نقله في التجريد. قوله: (أنت في تعريف السلام وتنكيره بالخيار) أي سواء في ذلك الابتداء والجواب وفي التجريد للمزجد يجوز للمجيب أن ينكر السلام فيقول: عليكم أو عليك سلام سواء عرف المبتدئ سلامه أم لا والأولى التعريف فيهما وإذا نكر فلا فرق بينهما بين أن ينونا أو لا اهـ. قوله: (لكن الألف والسلام أفضل) قال العاقولي: الفرق بين
المنكر والمعرف أن المعرف لا بد له من معهود خارجي أو ذهني فإن ذهبت إلى الأول كان المراد بالسلام السلام الذي سلمه آدم ﵇ على الملائكة وإن ذهبت إلى الثاني كان المراد جنس السلام الذي يعرفه كل أحد من المسلمين أنه ما هو فيكون تعريضًا بأن ضده لغيرهم من الكفار الأشرار. اهـ. وفي بدائع الفوائد لابن القيم بعد ذكر فوائد التعريف بأل: قول المراد وعليك السلام بالتعريف متضمن للدلالة على أن مقصوده من الرد مثل ما ابتدأ به وهو بعينه فكأنه قال ذلك السلام الذي طلبته لي مردود عليك وواقع عليك وهذا المعنى لا يحصل بالمنكر لأن المعرف وإن تعدد ذكره واتحد لفظه فهو شيء واحد بخلاف المنكر ومن هنا يتبين معنى حديث لن يغلب عسر يسرين وقد تعريف السلام في الرد فائدة ثانية هي أن مقام الرد ثلاثة مقام فضل ومقام عدل ومقام ظلم فالفضل أن يرد عليه أحسن من تحيته والعدل أن يرد عليه نظيرها والظلم أن يبخسه حقه وينقصه منها فاختير للراد أجمل اللفظين وهو المعرف بالأداة التي تكون للاستغراق والعموم كثيرًا ليتمكن من الإتيان بمقام الفضل وفائدة ثالثة هي أنه هو المناسب في حق المراد تقديم المسلم عليه على السلام فلو نكره وقال: عليك سلام لصار بمنزلة قولك عليك دين وفي الدار رجل فخرج مخرج الخبر المحض وإذا صار خبرًا بطل معنى التحية لأن معناها الدعاء والطلب فليس بمسلم من قال: عليك سلام إنما المسلم من قال: سلام عليك فعرف سلام المراد باللام إشعارًا بالدعاء للمخاطب وأنه راد عليه التحية طالب له السلامة من اسم السلام اهـ. وكلامه في حكمة التعريف في الرد وكلام العاقولي في حكمة التعريف مطلقًا وقول ابن القيم ليس بمسلم من قال: عليك سلام محله عندنا ما لم يقصد به الرد وإلا كفى
стр. 1816
فصل: روينا في "صحيح البخاري" عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ : "أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تُفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلَّم عليهم سلَّم عليهم ثلاثًا".
قلت: هذا الحديث محمول على ما إذا كان الجمع كثيرًا، وسيأتي بيان هذه المسألة وكلام الماوردي صاحب "الحاوي" فيها إن شاء الله تعالى.
ــ
ذلك لما ذكر من التخيير بين تعريف السلام وتنكيره ردًّا وجوابًا والله أعلم.
فصل
قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) وكذا أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن المثنى يعني عن ثمامة عن أنس وأخرجه الترمذي أيضًا من رواية مسلم بن قتيبة عن عبد الله بن المثنى مقتصرًا على القضية الأولى وزاد ليعقل عنه وكذا أخرجه الحاكم من طريق محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري عن أبيه قاله الحافظ. قوله: (إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا) المراد بالكلمة هنا ما يشمل الجملة والجمل مما لا يتبين لفظه أو معناه إلا بإعادته فكان يعيدها لذلك أو إن ذلك محمول على ما إذا عرض للسامعين ما خلط عليهم فيعيده لهم ليفهموه أو على ما إذا كثروا ولم يستيقن سماع جميعهم فيعيد ليسمع الكل وقد علل الإعادة في حديث البخاري في كتاب العلم بقوله: ليفهم عنه أو قال: ليفهم مبنيًّا للمعروف، ونحوه ما علله في الترمذي بقوله: ليعقل عنه أي فصل ذلك لكمال شفقته على أمته ورحمته لهم فيعيد لهم حتى يعقلوا مراده قال الشيخ زكريا في تحفة القارئ و"أعاد" مضمن معنى "قال" أي أعادها قائلًا ثلاثًا إذ لو بقي على معناه لزم قول تلك الكلمة أربع مرات فإن الإعادة ثلاثًا إنما تتحقق به إذ المرة الأولى لا إعادة فيها وفيه دليل على أنه يندب للمعلم أن يعيد ما يحتاج إلى الإعادة كي يفهم عنه قال القارئ في شرح الشمائل وفي الاقتصار
على الثلاث إشعار بأن مراتب الفهم كذلك أعلى وأدنى وأوسط وأن من لم يفهم في الثلاث لا يفهم ولو زيد عليه مرات اهـ. قوله: (وإذا أتى على قوم فسلم عليهم الخ) قال ابن رزين في جمعه المعنى في تكرير السلام المبالغة في تأكيد الدعاء للمؤمنين لأنه كان بهم
стр. 1817
فصل: وأقل السلام الذي يصير به مسلِّمًا مؤدِّيا سُنَّة السلام أن يرفع صوته بحيث يُسمع المسلَّم عليه، فإن لم يُسْمِعه لم يكن آتيًا بالسلام، فلا يجب الردُّ عليه. وأقلُّ ما يسقط به فرض ردّ السلام أن يرفع صوته بحيث يسمَعه المسلم، فإن لم يسمَعه لم يسقط عنه فرض الردّ، ذكرهما المتولي وغيره.
قلت: والمستحبُّ أن يرفع صوته رفعًا يسمَعه به المسلَّم عليه أو عليهم سماعًا محققا،
ــ
كما وصفه الله تعالى رؤوفًا رحيمًا اهـ. وقضيته طلب تكرار السلام كذلك وإن علم المسلم عليهم بالمرة الأولى وهو خلاف المنقول فالأولى ما حمله عليه الشيخ المصنف من أن ذلك إذا كثر المسلم عليهم ولم يعمهم بالمرة والمرتين فيأتي بالثالثة للتعميم والظاهر أن الجمع إذا لم يعمهم الثلاث يزاد عليها بمقدار التعميم والله أعلم قال في كتاب العلم من التوشيح قال الإسماعيلي يشبه أن يكون ذلك إذا سلم للاستئذان على ما رواه أبو موسى وغيره وأما سلام المرور فالمعروف فيه عدم التكرار اهـ. ومحل كون المعروف فيه عدم التكرار إذا عم سلامه الجميع أو أراد على من بلغه منهم فقط إلا فيكرر حتى يعمهم والله أعلم.
فصل
قوله: (بحيث يسمعه المسلم) أي المبتدئ بالسلام قال ابن حجر في التحفة لا بد من رفع الصوت بالسلام في البدء والجواب حتى يحصل السماع بالفعل ولو في ثقيل السمع لجميع الكلمتين أي قوله: السلام عليكم ابتداء وعكسه جوابًا نعم إن مر عليه سريعًا بحيث لم يبلغه صوته فالذي يظهر أنه يلزمه الرفع وسعه دون العدو خلفه وفارق اعتبار جميع الصيغة ابتداء وردًا هنا عدم اعتبار ذلك في إجابة المؤذن حيث أجيب عند سماع البعض بأن القصد الإذعان لما سمع والإجابة له وذلك يحصل بالبعض والقصد هنا التحية والائتناس وذلك لا يحصل إلا بسماع جميع الصيغة والله أعلم اهـ بالمعنى. قوله: (فإن لم يسمعه لم يسقط عنه) الضمير المستتر في يسمعه عائد على المسلم والضمير في عنه عائد إلى المجيب. قوله: (والمستحب أن يرفع صوته) أي يستحب للمسلم أصل الرفع ليسمعه المسلم عليهم ولو بعضهم فيحصل أصل السنة وتستحب الزيادة على ذلك بابتداء أداء السلام، وإن كثروا
стр. 1818
وإذا تشكك في أنه يسمعهم، زاد في رفعه، واحتاط واستظهر، أما إذا سلَّم على أيقاظ عندهم نيام، فالسُّنَّة أن يخفض صوته بحيث يحصل سماع الأيقاظ ولا يستيقظ النيام.
روينا في "صحيح مسلم" في حديث المقداد ﵁ الطويل قال: "كنا نرفع للنبي ﷺ نَصيبه من اللبن، فيجيء من الليل فيسلم تسليمًا لا يوقظ نائمًا ويسمع اليقظان، وجعل لا يجيئني النوم، وأما صاحباي فناما، فجاء النبي ﷺ فسلَّم كما كان يسلم" والله أعلم.
ــ
كرر السلام حتى يعمهم به كما سبق في الحديث أما الرفع في الجواب بحيث يسمعه المسلم أي المبتدئ بالسلام المجاب ولو واحدًا من الجماعة المبتدئين فيجب ويستحب أن يزيد في الرفع على القدر الواجب من سماع من ذكر إلى ما يعمهم أجمعين بسماع الصوت ويتحقق به أنه أسمعهم لذلك أي إن لم يكن رفعه كذلك خارمًا لمروءته بأن كثر الجمع وكان رفعه الصوت بقدر
ما يسمعهم أجمعين لا يليق بأمثاله فيكرر الرد حتى يستوعبهم نظير ما سبق في الحديث في الفصل قبله والله أعلم. قوله: (وإذا تشكك في أنه يسمعهم الخ) إن شك في أصل سماع المسلم ولو واحدًا وجب الرفع ليتيقن ذلك وإن شك فيما فوق ذلك استحبَّ الرفع للتعميم.
قوله: (وروينا في صحيح مسلم الخ) سبق تخريج الحديث وشيء مما يتعلق به في باب دعاء الإنسان لمن سقاه لبنًا أو ماء أو غيرهما من كتاب أذكار الطعام. قوله: (وجعل لا يجيئني النوم) أي لشربه ما يخص النبي ﷺ من اللبن فخشي أن يكون ذلك مثيرًا للغضب يترتب عليه عطب وهو ﷺ الرؤوف الرحيم ﵊ لما لم يجد ما يعد له من اللبن علي عادته أتى بالدعاء المسطور في الباب السابق المذكور ليكون له الفضل بالحال والمقال وأتى بهذه الجملة توطئة لقوله (فسلم كما كان يسلم) أي فسمعت سلامه لكوني مستيقظًا مترقبًا أثر فعلي ولم يسمعه صاحباي لكونهما نائمين ونومهما لخلو البال منهما على ذلك الحال والله أعلم.
стр. 1819
فصل: قال الإِمام أبو محمد القاضي حسين، والإمام أبو الحسن الواحدي وغيرهما من أصحابنا: ويشترط أن يكون الجواب على الفور، فإن آخره ثم ردَّ لم يعد جوابًا، وكان آثما بترك الرد.
باب ما جاء في كراهة الإشارة بالسلام باليد ونحوها بلا لفظ
روينا في كتاب الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
ــ
فصل
قوله: (ويشترط أن يكون الجواب على الفور) أي فيشترط اتصال الجواب بالابتداء كاتصال الإيجاب بالقبول في العقود وإلا لزم ترك وجوب الرد كما في شرح الروض. قوله: (فإن آخره) أي بما يعد فاصلًا بين الإيجاب والقبول. قوله: (وكان آثمًا) أي ولا يمكن تداركه لانتفاء الجواب عن المأتي به بعد وجود الفاصل المذكور فلا قضاء خلافًا لما يوهمه كلام الروياني وسيأتي أنه ينبغي للمسلم إذا لم يرد عليه أن يقول أبرأتك من حقي وسيأتي أنه يسقط بهذا التحليل حق الآدمي أما حق الله فلا يسقط بذلك كما في التحفة وغيرها.
باب ما جاء في كراهة الإشارة بالسلام باليد ونحوها بلا لفظ
الكراهة مصدر وهو في بعض النسخ كراهية بزيادة ياء خفيفة بين الهاءين وهي مصدر كطواعية وعلانية ونحو اليد الإشارة بالرأس أو بشيء في اليد من منديل ونحوه والكلام حيث لا عذر أما إذا كان في الصلاة وسلم عليه فيرد بالإشارة للعذر قال الحافظ وقد ورد ذلك في أحاديث جيدة اهـ. فإن سلم من غير خطاب كقوله ﵇ لم تبطل لأنه دعاء لغائب وإلا فتبطل وكذا لا تكره الإشارة به إلى من كان بعيدًا بحيث لا يسمع السلام فيجوز السلام عليه إشارة ويتلفظ به معها كما في الفتح. قوله: (روينا في كتاب الترمذي) قال الحافظ: أخرجه من طريق ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب الخ ولذا ضعف الشيخ إسناده ويقال: إنه لم يسمعه من عمر وقال الترمذي وروى ابن المبارك هذا الحديث عن ابن لهيعة فلم يرفعه وليس ضعفه لكونه ترجمة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده كما حمله عليه صاحب المرقاة ثم تعقب الحكم بالضعف بناء على أنه مبني على ذلك بقوله والمعتمد أن ذلك السند حسن لا سيما وقد أسنده
стр. 1820
عن النبي ﷺ قال: "لَيسَ منّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيرِنا، لا تَشَبَّهُوا باليَهُودِ وَلا بالنَّصارَى، فإن تَسْلِيمَ اليَهُودِ الإشارَةُ بالأصَابع، وَتَسْلِيمَ النصَارَى الإشارَةُ بالكَفِّ" قال الترمذي: إسناده ضعيف.
قلت:
ــ
السيوطي في الجامع إلى ابن عمر فارتفع النزاع وزال الإشكال اهـ. بل ضعفه لكونه من رواية ابن لهيعة ومجيئه من غير طريقه سيأتي ما في سنده قال الحافظ وقد وقع لنا من غير طريق ابن لهيعة ثم أخرجه من طريق الطبراني عن ليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ رفعه قال: ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود والنصارى فإن تسليم اليهود بالأصابع وتسليم النصارى بالأكف قال الحافظ بعد تخريجه وفي هذا السند من لا يعرف حاله وأخرج البيهقي في الشعب نحو هذا من حديث جابر بسند واه ولفظه فإن تسليم اليهود والنصارى بالكفوف والحواجب قال الحافظ وقد وقع لنا نحوه في اليوم والليلة للنسائي ووقع لنا بعضه بسند رجاله ثقات ثم أخرجه عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "تسليم الرجل بأصبع واحدة يشير بها فعل اليهود" قال الحافظ بعد تخريجه لولا عنعنة ثور بن يزيد وشيخه يعني أبا الزبير الراوي عن جابر لكان من شرط الصحيح وقد أخرجه النسائي بعضه من طريق أخرى عن ثور قال: حدث أبو الزبير فأشعر أنه لم يسمعه منه. قوله: أليس منا) أي ليس من أهل هدينا وطريقنا. قوله: (لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى) وأصل تشبهوا تتشبهوا بتاءين فحذفت إحداهما دفعًا للثقل وزيدت لا لتأكيد النفي والمعنى لا تتشبهوا بهم في جميع أفعالهم خصوصًا في هاتين الخصلتين المذكورتين في الخبر ولعلهم كانوا يكتفون بالإشارتين عن السلام من غير نطق بلفظ السلام الذي هو سنة آدم وذريته من الأنبياء والأولياء وكأنه ﷺ كوشف أن بعض أمته يفعلون ذلك وهذا الخبر وأمثاله ناسخ لما جاء أنه ﷺ كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يودع إليه فيه شيء ثم نسخ ذلك ونهى عن التشبه بهم وأمر بمخالفتهم وقد جمع الحافظ السيوطي في التوشيح المسائل التي كان ﷺ يوافق أهل الكتاب فيها ثم تركها فقال:
فائدة
الأمور التي وافق ﷺ فيها أهل الكتاب ثم خالفهم
стр. 1821
وأما الحديث الذي رويناه بنى كتاب الترمذي عن أسماءَ بنت يزيد "أن رسول الله ﷺ مر في المسجد يومًا،
ــ
السدل ثم الفرق وترك صبغ الشعر ثم فعله وصوم عاشوراء ثم مخالفتهم بيوم قبله أو بعده واستقبال بيت المقدس ثم الكعبة وترك مخالطة الحائض ثم المخالطة بكل شيء إلا الجماع وصوم عيد الجمعة ثم النهي عنه والقيام للجنازة ثم تركه وقد نظم ذلك بسؤالي له صاحبنا الشيخ الإِمام محمد بن نور الدين الرشيدي الشافعي فقال:
سبع بها وافق الهادي بخير هدى ... أهل الكتاب وبعد الوحي خالفهم
السدل فالفرق ترك الصبغ ثم به ... أتى وفي صوم عاشوراء وافقهم
فردًا فخالفهم في صومه معه ... ما قبله أو يليه والوفاق لهم
في قبلة القدس منسوخ وآيته ... فول وجهك منها الغيظ داخلهم
وتركه حائضًا بدءًا فخالطها ... بكل شيء وحاشا ما الإزار يلم
وصوم عيد لأسبوع وعقبه ... بالنهي عنه قيام للجنازة ثم
من بعد خالفهم بالترك فاتبعن ... بهديه تلق ما ترجوه بل ويعم
قوله: (وأما الحديث الذي رويناه في كتاب الترمذي) قال الحافظ بعد تخريجه: أخرجه الترمذي من طريق عبد الحميد أي ابن بهرام عن شهر بن حوشب قال: سمعت أسماء بنت يزيد بن السكن ثم ساق الحديث وقال الترمذي حسن وقد قال أحمد لا بأس برواية عبد الحميد عن شهر بن حوشب. قوله: (عن أسماء بنت يزيد) قال الحافظ في تخريجه أسماء بنت يزيد بن السكن فزاد ابن السكن وليس هو عند الترمذي قال ابن الأثير في أسد الغابة هي ابنة عمة معاذ بن جبل قتلت يوم اليرموك تسعة من الروم بعمود فسطاطها روى عنها شهر بن حوشب ومجاهد وإسحاق بن راشد ومحمود بن عمرو وغيرهم ثم أخرج من طريق شهر بن حوشب عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تقتلوا أولادكم سرًّا فإن
стр. 1822
وعُصبَة من النساء قُعود، فألوى بيده بالتسليم" قال الترمذي: حديث حسن، فهذا محمول على أنه ﷺ جمع بين اللفظ والإشارة، يدل على هذا أن أبا داود روى هذا الحديث، وقال في روايته "فسلَّمَ علينا".
ــ
الفيل يدرك الفارس فيدعثره ومن طريق محمود بن عمرو عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "من بنى الله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة" أخرجه ابن منده وأبو نعيم ثم حكى خلافًا في أن أسماء هذه هل هي أسماء بنت يزيد الأنصارية الأشهلية أو غيرها فحكي أن ابن عبد البر جعلها هي وأما أبو نعيم وابن مسنده فترجما لكل منهما ترجمة والله أعلم. قوله: (وعصبة) هو بضم العين وسكون الصاد المهملتين كعصابة الجماعة من النّاس من العشرة إلى الأربعين ولا واحد لها من لفظها كذا يؤخذ من النهاية. قوله: (فألوى بيده) أي أشار بيده بالسلام قال الترمذي أشار عبد الحميد بيده إلى كيفية إلوائه ﷺ بيده بالسلام. قوله: (يدل على هذا) أي أنه محمول على الجمع بين الإشارة والسلام باللسان (إن أبا
داود روى هذا الحديث) أي حديث أسماء (وقال في روايته) أي التي أخرجها عن أبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي حسين سمعه عن شهر بن حوشب عن أسماء قالت: مر علينا رسول الله ﷺ في نسوة فسلم أي في محل قوله في رواية الترمذي فألوى بيده الخ ورواه كذلك ابن ماجه والدارمي كما في المشكاة، والحديثان مقبولان أي فيحمل أنه وقع الجمع بين السلام باللسان والإشارة باليد وأنه جاء في كل من الطريقين التعرض لأحد الأمرين وترك الآخر إما نسيانًا أو لنحوه قال في المرقاة وعلى تقدير عدم تلفظه ﷺ بالسلام لا محذور فيه لأنه ما شرع السلام على من مر عليه من جماعة النسوان
стр. 1823
باب حكم السلام
اعلم أن ابتداء السلام سُنَّة مستحبة ليس بواجب، وهو سُنَّة على الكفاية، فإن كان المسلِّم جماعة، كفى عنهم تسليم واحد منهم، ولو سلَّموا كلُّهم كان أفضل. قال الإِمام القاضي حسين من أئمة أصحابنا في كتاب السِّيَر من تعليقه: ليس لنا سُنة على الكفاية إلا هذا.
قلت: وهذا الذي قاله القاضي من الحصر يُنكَر عليه، فإن أصحابنا ﵏ قالوا: تشميت العاطس سُنَّة على الكفاية كما سيأتي بيانه قريبًا إن شاء الله تعالى. وقال جماعة من أصحابنا بل كلُّهم: الأضحية سُنَّة على الكفاية في حق كل أهل بيت،
ــ
وإن ما جاء من سلامه عليهن المصرح به في الخبر الآخر فهو من خصوصياته ﵊ فله أن يسلم وألا يسلم وأن يشير وألا يشير على أنه قد يراد بالإشارة مجرد التواضع من غير قصد السلام وقد يحمل على أنه لبيان الجواز بالنسبة إلى النساء وإن نهى التشبيه محمول على الكراهة لا على التحريم اهـ. وحكم السلام على النساء عندنا سيأتي فما ذكره من ذلك الاحتمال مبني على مذهبه والله أعلم أر على ما إذا تيقن الافتتان.
باب حكم السلام
قوله: (اعلم أن ابتداء السلام سنة مستحبة) الإتيان بقوله مستحبة بعد قوله سنة يحتمل أن يكون إشارة لتأكده ويحتمل أن يكون لدفع توهم وجوبه والأول أولى ليكون قوله (ليس بواجب) مذكورًا في محله على سبيل التأسيس والثاني أنسب بظاهر العبارة قال الأصحاب: أما كونه سنة فلقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي ليسلم بعضكم على بعض وقوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ أي وصرف عن الوجوب لما قام عندهم فيه وللأمر بإفشائه في الصحيحين كما تقدم بعضه وأما كون البدء سنة كفاية من الجماعة قلما سيأتي من خبر أبي داود وغيره. قوله: (فإن أصحابنا قالوا الخ) وكذا الأذان والإقامة والتسمية عند الأكل وفعل على ما يسن فعله بالميت فهذه كلها سنة كفاية عندنا.
стр. 1824
فإذا ضحَّى واحد منهم حصل الشعار والسنة لجميعهم. وأما ردُّ السلام، فإن كان المسلَّم عليه واحدًا تعين عليه الرد،
وإن كانوا جماعة، كان ردُّ السلام فرضَ كفاية عليهم، فإن رد واحد منهم، سقط الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلهم، أثموا كلُّهم، وإن ردُّوا كلُّهم، فهو النهاية في الكمال والفضيلة، كذا قاله أصحابنا، وهو ظاهر حسن. واتفق أصحابنا على أنه لو رد غيرهم، لم يسقط عنهم الرد، بل يجب عليهم أن يردُّوا، فإن اقتصروا على رد ذلك الأجنبي أثموا.
ــ
قوله: (حصل الشعار والسنة) أي أصلها أما الأفضل فالإفراد كما قال الشيخ والسنة لجميعهم أي فعلها لكل واحد واحد. قوله: (فإن كان المسلم عليه واحدًا وجب الرد) المسلم هنا بصيغة اسم المفعول ولا فرق في وجوب الرد بين كون المسلم بصيغة الفاعل مكلفًا أو صبيًّا ويشترط كما سبق رفع الصوت به واتصال الجواب بابتداء السلام كاتصال الإيجاب
بالقبول وإذا ترك الرد عصى، قال في التجريد يستحب لمن لم يرد كليه أن يبرئ المسلم عليه من الجواب فيقول: أبرأته من حقي في رد السلام أو جعلته في حل منه فإنه يسقط به حقه والأحسن أن يقول له إن أمكن: رد السلام فإنه واجب عليك اهـ. قوله: (فإن كانوا جماعة كان رد السلام فرض كفاية عليهم) أما كونه فرضًا فلقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ وأما كونه كفاية فلما يأتي ومحل ذلك إذا سن السلام وإن كرهت صيغة نحو عليكم السلام فإذا لم يسن كما في بعض المواضع الآتية لم يجب الرد إلا فيما استثنى قال الحليمي: وإنما كان الرد فرضًا والابتداء سنة لأن أصل السلام أمان ودعاء بالسلامة وكل اثنين أحدهما آمن من الآخر يجب أن يكون الآخر آمنا منه فلا يجوز لأحد إذا سلم عليه غيره أن يسكت لئلا يخافه وعلى كونه فرض كفاية فإذا رد الجميع ولو مرتبًا أثيبوا عليه ثواب الفرض كالمصلين على الجنازة لأن الساقط بسلام البعض الحرج والإثم. قوله: (وإن رده واحد منهم الخ) قال ابن المزجد في التجريد لو رد من لم يسمع
стр. 1825
روينا في سنن أبي داود عن علي ﵁، عن النبي ﷺ قال:
ــ
السلام من الجماعة المسلم عليهم فالمشهور أنه لا يكفي اهـ. ومحل إجزاء سلام الواحد عن الباقين ما لم يكن مقصود المسلم واحدًا منهم لنحو رياسته وإلا فلا يجزي سلام غيره على أحد احتمالين أبداهما الإسنوي في التمهيد.
قوله: (روينا في سنن أبي داود) قال الحافظ بعد تخريجه: هذا حديث حسن رجاله رجال الصحيح إلا سعيد بن خالد الخزاعي ففي حفظه مقال وقد تفرد به لكن له شاهد وقد أعله ابن عبد البر بالانقطاع فقال عبد الله يعني ابن الفضل شيخ الخزاعي لم يسمع من عبيد الله يعني ابن أبي رافع الراوي عن علي بينهما الأعرج قال الحافظ: أدخله أحمد بن منصور بينهما في روايته عن الجدي يعني عبد الملك بن إبراهيم الراوي عن الخزاعي لكن تردد فقال عن الأعرج إن شاء الله وثبت في حديث الافتتاح عند مسلم عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن عبيد الله عن علي، وأما الشاهد فخرجه الحافظ بسنده إلى عبد الله بن حسن بن حسن بن علي عن أبيه عن جده ﵃ قال: قيل: يا رسول الله القوم يأتون الدار فيستأذن واحد منهم أيجزئ عنهم جميعًا؟ قال: "نعم"، قيل: فيأذن واحد منهم أيجزئ؟ قال: "نعم"، قيل: فالقوم يمرون فيسلم واحد منهم أيجزئ عنهم؟ قال: "نعم"، قيل: فيرد رجل من القوم أيجزئ عن الجميع؟ قال: "نعم" قال الحافظ: إسناده يصلح للاعتبار اهـ. وفي المشكاة عزو تخريج الحديث عن علي ﵁ مرفوعًا إلى البيهقي في شعب الإيمان ثم قال: ورواه أبو داود أي موقوفًا وقال: رفعه الحسن بن علي وهو شيخ أبي داود وقال الطيبي: أشار المؤلف يعني صاحب المشكاة إلى أن إسناد هذا الحديث قد روي موقوفًا ورفعه الحسن
ابن علي شيخ أبي داود قال أبو داود وحدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الملك بن إبراهيم حدثنا سعيد ابن خالد حدثني عبد الله بن الفضل حدثنا عبد الله بن أبي رافع عن علي ﵁ رفعه الحسن بن علي قال: يجزيء عن الجماعة الخ. قال في المرقاة: الظاهر أن مراد أبي داود أن شيخه الحسن رفعه من طريق آخر وإلا فالسند المذكور ظاهره الوقف مع احتمال أن يكون قوله ورفعه جملة حالية مبنية للإسناد السابق كما يقال مثلاً روي عن علي مرفوعاً ولعل وجه الإبهام عدم التذكير لكيفية الرفع هل هو بعبارة السماع أو بلفظ القول أو بعزو أو نحو ذلك
следующие страницы →