Полный текст (2 732 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعبد الله بن عمرو وابن عباس ورجل من سليم ورجل خدم النبي ﷺ قال الحافظ: وفيه ممن لم يذكراه عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن مسعود ﵄ ومن مرسل سعيد بن جبير ومن مرسل عمرو بن مرة ومن مرسل من حديث سعيد بن أبي هلال وقد تقدمت أحاديث أبي أمامة ومعاذ بن أنس ورجل من في سليم ويأتي حديث عبد الله بن عمرو وحديث الرجل الذي خدم وحديث ابن مسعود، وأما حديث عبد الرحمن بن عوف فأخرجه البزار بسند لين ولفظه كان ﷺ يقول إذا فرغ من طعامه الحمد الله الذي أطعمنا وسقانا الحمد الله الذي أشبعنا وروانا الحمد الله الذي أنعم علينا فأفضل اللهم إنا نسألك برحمتك أن تجيرنا من النار، وأما حديث أبي موسى فأخرجه أبو يعلى بسند ضعيف ولفظه قال رسول الله ﷺ : "من أكل فشجع وشرب فروى" ثم قال: "الحمد الله الذي أطعمني وسقاني فأشبعني وأرواني" خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وأما حديث الحارث بن الحارث الأزدي فأخرجه الطبراني في الكبير بسند واه ولفظه سمعت رسول الله ﷺ يقول بعد فراغه من طعامه: "اللهم لك الحمد أطعمت وسقيت فأشبعت ورويت ذلك الحمد غير مكفور ولا مستغنى عنك ربنا"، وأما حديث ابن عباس فخرجه الحافظ بسنده عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: خرج أبو بكر ﵁ بالهاجرة فسمع بذلك عمر ﵁ فخرج فقال: ما أخرجك يا أبا بكر هذه الساعة؟ فقال: والله ما أخرجني إلا ما أجد من حاق الجوع، فقال: والله ما أخرجني غيره فبينما هما كذلك إذ خرج رسول الله ﷺ فقال: "ما أخرجكما" قالا: ما نجد من حاق الجوع؟ قال: "وأنا والذي نفسي بيده ما أخرجني غيره فقدما وانطلقوا إلى بيت أبي أيوب الأنصاري" قال وكان أبو أيوب يدخر لرسول الله ﷺ طعامًا أو لبنًا فأبطأ رسول الله ﷺ يومئذٍ عن إتيانه في حينه فأطعمه أهله وانطلق إلى نخله يعمل فيه فلما أتوا بابه خرجت امرأته فقالت: مرحبًا، فقال لها: "وأين أبو أيوب؟ " قالت: يأتيك الساعة فرجع فبصر به أبو أيوب فجاء يشتد عدوًا فقال: مرحبًا برسول الله ﷺ وبمن معه فرده وجاء إلى عذق فقطعه فقال: ما أردت إلي هذا! قال: تأكل من
стр. 1752
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بسره ورطبه وتمره ولأذبحن لك مع ذلك، فقال: لا تذبح
ذات در، فأخذ عناقًا فذبحه وقال لامرأته: اختبزي وأطبخ أنا فلما أنضج وضعه بين يدي رسول الله ﷺ فأخذ رسول الله ﷺ منه شيئًا فوضعه على رغيف، وقال: "يا أبا أيوب أبلغ بهذا فاطمة فإنها لم تصب مثل هذا منذ أيام" فلما أكلوا وشبعوا قال النبي ﷺ خبز ولحم وبسر ورطب وتمر ودمعت عيناه هذا هو النعيم الذي تسألن عنه يوم القيامة فكبر ذلك على أصحابه فقال: "إذا أصبتم مثل هذا فضربتم بأيديكم فقولوا بسم الله وببركة الله فإذا شبعتم فقولوا الحمد الله الذي أشبعنا وأروانا وأنعم علينا فأفضل" فإن هذا كفاف هذا وذكر بقية الحديث، قال الحافظ بعد تخريجه: هذا حديث حسن فيه غرابة من وجهين أحدهما ذكر أبي أيوب والثاني ما في آخره من التسمية والحمد وقصة فاطمة والمشهور في هذا قصة أبي الهيثم بن التيهان وقد أخرج الحاكم هذا الحديث من طريق الفضل بن موسى قال: أخبرنا عبد الله بن كيسان عن عكرمة عن ابن عباس وليست فيها هذه الزيادة ثم خرجه الحافظ بسند له عن يونس عن عكرمة عن ابن عباس قال: خرج رسول الله ﷺ عند الظهيرة فوجد أبا بكر الصديق جالسًا في المسجد فقال: "ما أخرجك هذه الساعة يا أبا بكر ﵁؟ " فقال: أخرجني الذي أخرجك يا رسول الله فجاء عمر ﵁ فقال: "ما أخرجك يا عمر ﵁" فقال: أخرجني الذي أخرجكما قال فقعد يحدثنا ثم قال: هل بكما قوة فننطلق إلى هذا النخل وأومأ بيده إلى دور الأنصار فنصيب طعامًا وشرابًا وظلًا فقلنا: نعم، فانطلق رسول الله ﷺ وانطلقنا معه إلى منزل أبي الهيثم بن التيهان فسلم رسول الله ﷺ ثلاثًا وأم الهيثم خلف الباب كل ذلك تسمع الكلام فلما أراد رسول الله ﷺ الانصراف خرجت أم الهيثم تسعى فقالت: يا رسول الله قد سمعت سلامك ولكن أردت أن نزداد من سلامك فقال لها: "خيرًا ودعا لها بخير" ثم قال: "أين أبو الهيثم؟ " قالت: هو قريب يأتي الساعة ذهب يستعذب لنا من الماء فلم نلبث أن جاء أبو الهيثم ومعه حمار عليه قربتان من ماء فوضع عن حماره وبسط لنا بساطًا تحت شجرة ثم صعد إلى نخلة فصرم أعذاقًا فقال له رسول الله ﷺ : "ما هذا يا أبا الهيثم؟ " قال: أردت أن تأكلوا من بسره ورطبه وتذنبوا به ثم ذهب ليذبح فقال له رسول الله ﷺ : "إياك واللبون اذبح لنا عناقًا" فأمر امرأته فعجنت عجينًا وقطع أبو الهيثم
стр. 1753
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللحم فشوى وطبخ ووضعنا رؤوسنا فانتبهنا وقد أدرك الطعام فأكلنا وشربنا وحمدنا الله تعالى فقال ﷺ : "هذا من النعيم الذي تسألن عنه" ثم ذكر بقية الحديث، قال الحافظ: أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب الأطعمة عن هلال بن بشر حدثنا أبو خلف عبد الله بن عميس عن يونس بن عبيد الخ وأخرجه أبو يعلى عن زكريا بن يحيى الخراز عن أبي خلف قال ابن صاعد في هذا الحديث عن عمر يعني أن ابن عباس لم يحضر القصة قال الحافظ: وهو كذلك فقد وقع في رواية زكريا المذكورة بالسند المذكور عن ابن عباس أنه سمع عمر يقول وساق الحديث بتمامه، وهكذا أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير عن أبي زرعة الرازي عن زكريا، قال الحافظ: وقصة أبي الهيثم هذه قد جاءت من رواية أخرى أطول من هذا من حديث أبي هريرة ﵁ أخرجها الترمذي من طريق أبي سلمة عند وليس فيه الحمد وقد أخرج الحاكم فيه من طريق أبي سلمة وزاد فيه كالذي هنا في حديث ابن عباس وزاد فيه عن ابن عمر نحوه وسيأتي قريبًا في باب الترحيب بالضيف من طريق الأشجعي عن أبي هريرة شبيه بأصل القصة باختصار لكن قال رجل من
الأنصار: لم يقل أبو الهيثم ولا أبو أيوب، وأما حديث علي ﵁ فأخرجه الحافظ بسنده إلى ابن أعبد قال: قال لي علي: أتدري ما حق الطعام؟ قلت: وما حق الطعام؟ قال: تقول بسم الله اللهم بارك لنا فيما رزقتنا قال: وتدري ما شكر الطعام قلت: وما شكر الطعام؟ قال: تقول إذا فرغت: الحمد الله الذي أطعمنا وسقانا قال الحافظ: وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف وابن أعبد لا يعرف اسمه وسماه بعضهم عليًّا ولا يصح، وأما حديث ابن عمر فقد ذكر مع حديث ابن عباس وأما حديث ابن مسعود وما بعده فسيأتي في آخر الباب، ثم قال: آخر الباب أما حديث عمرو بن مرة فقد ذكرته في حديث عبد الله بن عمرو أي الآتي من حديث ابن السني كان ﷺ إذا فرغ من الطعام يقول: الحمد الله الذي منَّ علينا الخ وحديث عمرو بن مرة شاهد كما سيأتي، وأما حديث سعيد بن جبير فأخرجه ابن أبي شيبة مقطوعًا ولفظه كان إذا فرغ من طعامه قال: اللهم أشبعت وأرويت ورزقت فأكثرت فزدنا وأما حديث سعيد بن أبي هلال فأخرجه ابن السني من طريق الليث عن سعيد عمن حدثه أن رسول الله ﷺ قال: من قال إذا فرغ من طعامه الحمد الله الذي أطعمني فأشبعني وسقاني فأرواني
стр. 1754
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بلا حول مني ولا قوة فقد أدى شكر ذلك الطعام ورجاله ثقات إلا أنه مرسل فيه مبهم أو معضل لأن سعيدا لم يسمع من صحابي وكان كثير الإرسال، قال ثم وقفت بعد ذلك على ما جاء عن نوفل بن معاوية وسيأتي في شواهد حديث ابن السني عن ابن مسعود آخر الباب وعن سلمان الفارسي أخرجه الطبراني في الكبير ولفظه كان إذا فرغ من طعامه قال الحمد الله الذي كفانا المؤنة ووسع علينا من الرزق وله شاهد موقوف عن الحسن البصري وغيره، وجاء في الباب عن سعد بن مسعود الثقفي قال: كان نوح إذا لبس ثوبًا أو أكل طعامًا قال: الحمد الله فسمي عبدًا شكورًا قال الحافظ بعد تخريجه من طريق أبي نعيم: موقوف حكمه الرفع وسنده قوي وله شاهد من حديث محمد بن كعب القرظي قال: كان نوح إذا أكل قال: الحمد الله وإذا شرب قال: الحمد الله وإذا ركب قال: الحمد الله فسمّاه الله عبدًا شكورًا أخرجه الحافظ من طريق ابن المبارك، وله شاهد أيضًا عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿أنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ قال: لم يأكل شيء قط إلا حمد الله ولا شرب شيء قط إلا حمد الله ولم يمس شيء قط إلا حمد الله فأثنى الله عليه أنه كان عبدًا شكورًا قال الحافظ بعد إيرادهما وتخريجهما: هذان موقوفان على هذين التابعيين وسند كل منهما قوي وقد جاء موقوفًا عن سلمان أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير وكذا ابن مردويه والحاكم في المستدرك كلهم من طريق سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان ولفظه كلفظ سعد يعني ابن مسعود قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين قال الحافظ: هو على قاعدته أن تفسير الصحابي له حكم المرفوع إذا كانت لا مجال للاجتهاد فيها لكن لها شرط آخر وهو أن لا يكون الصحابي أخذ عن أحد من أهل الكتاب وسلمان كان ممن أخذ لكن سعد لم ينقل عنه ذلك وأخرج ابن أبي حاتم من طريق حكيم بن عمير أحد التابعين من أهل الشام قال: كان نوح إذا أكل قال: الحمد الله الذي أطعمني وقال في الشرب والقيام كذلك وفي آخره ولا يصنع شيئًا إلا قال: الحمد الله وقد جاء نحو ذلك مرفوعًا صريحًا أخرجه ابن مردويه من حديث أبي فاطمة الأزدي وهو صحابي معروف بكنيته لا يعرف اسمه قال: قال رسول الله ﷺ : "كان نوح ﵇
لا يحمل شيئًا صغيرًا أو كبيرًا إلا قال بسم الله والحمد الله فسمّاه الله عبدًا شكورا" وهو حديث غريب جدًّا وسنده ضعيف، قال الحافظ:
стр. 1755
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وجاء من طريق النضر بن شفي بمعجمة وفاء مصغر عن عمران بن سليم قال: كان نوح ﵇ إذا أكل الطعام قال: الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني وإن شرب قال: الحمد الله الذي سقاني ولو شاء أظمأني وإذا لبس ثوبًا قال: الحمد الله الذي كساني ولو شاء أعرابي وإذا انتعل نعلًا قال: الحمد الله الذي حذاني ولو شاء أحفاني وإذا قضى حاجة قال: الحمد الله الذي أخرج عني أذاه ولو شاء لحبسه أخرجه ابن جرير في التفسير وأخرجه سعيد بن منصور وفي سنده ضعف، قال الحافظ: وجاء في الباب عن أبي جعفر الباقر قال: كان رسول الله ﷺ إذا شرب الماء قال: "الحمد الله الذي سقانا عذبًا فراتًا ولم يجعله ملحًا أجاجًا" حديث مرسل فجابر الجعفي الراوي عنه ضعيف والباقر يروي عن جابر فيؤخذ من هذا نوع لطيف من علوم الحديث الباقر عن جابر وعنه جابر الأدنى الجعفي والأعلى الصحابي وليس هذا في كتاب ابن الصلاح، وخرجه الحافظ عن باقر من طريق أخرى ولفظه الحمد الله الذي سقانا عذبًا فراتًا برحمته ولم يجعله ملحًا أجاجًا بذنوبنا فأفادت هذه الطريق زيادة ما ذكر في طرفي المتن وأخرج الحافظ مثل هذا اللفظ عن الحسن البصري موقوفًا عليه بسند حسن قال وهو يقوي الذي قبله، وجاء في الباب عن شهر بن حوشب أخرجه الحافظ بسنده إلى إسماعيل بن عياش قال: كان ابن أبي حسين المكي يقدمني فقال له أصحاب الحديث: إنك تؤثر هذا الغلام الشامي وتقدمه علينا فقال: إني أؤمل فيه وكان قد حدثهم عن شهر بن حوشب بحديث إذا جمع الطعام أربعة فقد كمل فسأله أن يحدثهم به فحدثهم ونسي الرابعة فقال لي: كيف كنت حدثتكم فقلت: حدثتنا عن شهر بن حوشب قال: إذا جمع الطعام أربعة فقد كمل يكون أصله حلالًا ويسمي الله في أوله ويحمده في آخره وتكثر عليه الأيدي فالتفت إلى أصحابه فقال: كيف رأيتم وأخرجه الحافظ من طريق أخرى بدون القصة ثم قال: هذا موقوف حسن إن كان الذي نقله عنه شهر بن حوشب صحابيًّا ثم يحتمل أن يكون مرفوعًا وإلا فهو مقطوع وقد تقدم خير الطعام ما كثرت عليه الأيدي وهذا شاهد له، وجاء في الباب عن معاوية بن قرة أخرجه ابن أبي الدنيا من طريقه ولفظه من أكل طعامًا أو شرب شرابًا أو لبس لباسًا وقال: بسم الله والحمد الله غفر له ومعاوية هذا من ثقات التابعين وأبوه صحابي وابنه إياس بن معاوية القاضي المشهور بالذكاء
стр. 1756
وروينا في "سنن النسائي" وكتاب ابن السني بإسناد حسن، عن عبد الرحمن بن جبير التابعي، أنه حدَّثه رجل خدم النبي ﷺ ثماني سنين أنه كان يسمع النبي ﷺ إذا قرب إليه طعام يقول: "بِسْم الله، فإذا فرغ من طعامه قال: اللهُم أطْعَمْتَ وَسَقَيتَ، وأغْنَيتَ وأقْنَيتَ، وَهَدَيْتَ وأحْيَيتَ، فَلَكَ الحَمْدُ على ما أعْطَيتَ".
ــ
قال الحافظ: وأوسعت القول في هذا الباب أي ما يقال بعد الطعام لقول الشيخ عن الترمذي وفي الباب عن فلان وسمى ستة وزاد شيخنا عليه في شرحه تسعة وزدت نظير ذلك أو أكثر لما فيها من الموقوف اهـ. كلامه ملخصًا، ولعظم فائدة هذا المقام نقلنا ما أشار إليه الحافظ وإن طال به الكلام والله أعلم.
قوله: (وروينا في سنن النسائي وكتاب ابن السني) قال الحافظ بعد تخريج الحديث: هذا حديث صحيح أخرجه النسائي في الكبرى من طريق يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن سعيد بن أبي أيوب عن بكر بن عمرو عن أبي هبيرة يعني عبد الله عن عبد الرحمن بن جبير عن رجل خدم النبي ﷺ وابن السني من طريق عبد الله بن زيد المقرئ عن سعيد وساقه الشيخ على لفظه. قوله: (بإسناد حسن) قال الحافظ في اقتصاره على حسن نظر فإن رجال سنده من يونس إلى الصحابي أخرج
لهم مسلم وقد صرح التابعي بأن الصحابي حدثه في رواية المقرئ فلعله خفي عليه حال ابن هبيرة. قوله: (التابعي) قال الحافظ: احترز بذلك عن آخر شارك المذكور في اسمه واسم أبيه لكنه دونه في الطبقة وهو عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي الحمصي وراوي هذا الحديث لم يسم جده وهو مصري قديم ذكر ابن يونس أنه حضر فتح مصر والحمصي خل روايته عن التابعين وقد روى أيضًا عن أنس فهو تابعي صغير. قوله: (وأغنيت وأقنيت) الأول من الغنى أي أغنيت من شئت بالكفاية في الأموال والثاني بالعفاف أي أعطيت المال المتخذ قنية وفي هذا الذكر اقتباس من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾. قوله: (وهديت) أي أوصلت من شئت من العباد إلى طرق الرشاد. قوله: (فلك الحمد على ما أعطيت) أي جميع الذي أعطيته أو على جميع عطائك مما ذكر ومما لم
стр. 1757
وروينا في كتاب ابن السني عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ ، أنه كان يقول في الطعام إذا فرغ: "الحَمْدُ لِلَهِ الَّذي مَنَّ عَلَينا وهَدَانا، والَّذي أشْبَعَنا وأرْوانا، وكُل الإحْسانِ آتانا".
وروينا في "سنن أبي داود والترمذي" وكتاب ابن السني عن ابن عباس ﵄ قال: قال
ــ
يذكر فما موصولة أو مصدرية.
قوله: (وروينا في كتاب ابن السني الخ) هو طرف من حديث فرقة ابن السني وجمعه ابن عدي وسبق ذكره في أول كتاب آداب الطعام والشراب والكلام على حال الحديث قال الحافظ: ووجدت له شاهدًا فأخرج بسنده عن عمرو بن مرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من طعامه قال: "الحمد الله الذي من علينا فهدانا والحمد الله الذي أشبعنا وأروانا وكل بلاء صالح أبلانا" قال الحافظ بعد تخريجه: هذا سند صحيح لكنه مرسل فإن عمرو بن مرة تابعي كوفي من الثقات المخرج لهم في الصحاح لكنه يقوي به حديث عبد الله بن عمرو المذكور قبل، قال: ووجدت له شاهدا أيضًا من حديث أنس أخرجه المعمري في اليوم والليلة من طريق إسحاق بن أسيد بمهملة بوزن عظيم عن رجل عن أنس رفعه أنه كان إذا فرغ من طعامه قال: الحمد الله الذي من علينا فهدانا فذكر مثل هذا المرسل سواء وزاد الحمد الله الذي كفانا المؤنة وأوسع علينا من الرزف وسنده ضعيف من أجل الرجل الذي لم يسم وفي إسحاق لين قال الحافظ: ووجدت لهذه الزيادة الأخيرة شاهدًا من حديث سلمان الفارسي خرجه الطبراني ولفظه كان إذا فرغ من الطعام يقول: الحمد الله الذي كفانا المؤنة وأوسع علينا الرزق وفي سنده يزيد بن عطاء وفيه ضعف وقد خرجه الطبراني أيضًا وابن أبي شيبة يزيد وسنده صحيح لكنه موقوف على سلمان ولسلمانِ حديث آخر يأتي مع سعد بن مسعود. قوله: (منّ علينا وهدانا) عطف الهداية على المنة من عطف الخاص على العام اهتمامًا بشأنها وقوله هدانا أي إلى أمور الدارين.
قوله: (وروينا في سنن أبي داود والترمذي الخ) أخرجه الحافظ بسنده
стр. 1758
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من طريق ابن عيينة عن
زيد بن علي بن جدعان عن عمر بن أبي حرملة عن ابن عباس ﵄ قال: دخلت مع رسول الله ﷺ على خالتي ميمونة ﵂ ومعنا خالد بن الوليد ﵁، فقالت له ميمونة: يا رسول الله ألا تقدم لك شيئًا أهدته لنا أم عفيف؟ قال: بلى فأتته بضباب مشوية، فلما رآها تغل ثلاث مرات، فقال له خالد لعلك تقذره، قال: نعم، ثم أتى بإناء فيه لبن فشرب وأنا عن يمينه وخالد عن يساره، فقال لي رسول الله ﷺ : "الشربة لك وإن شئت اثرت بها خالدا"، فقلت: لا أوثر بسؤرك أحدًا فناولني رسول الله ﷺ الإناء، ثم قال رسول الله ﷺ : "من أطعمه الله طعامًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرًا منه، ومن سقاه الله لبنًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه: فإني لا أعلم شيئًا يجزي عن الطعام والشراب إلا اللبن. قال الحافظ بعد تخريجه: هذا حديث حسن أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي في الكبرى وابن السني واقتصر النسائي وابن السني منه على الدعاء الأخير ولم يذكر أبو داود قصة الإيثار في الشرب ولا الترمذي قصة الضباب وأخرجه النسائي أيضًا من طريق شعبة عن علي بن زيد مختصرًا قال ووقع لنا من طريقه بتمامه فأخرجه عن ابن عباس شعبة بهذا السند عن ابن عباس قال: أهدت خالتي إلى رسول الله ﷺ سمنًا وأضبًا ولبنًا فذكر الحديث، وفيه فقال له خالد: كأنك قذرته، قال: أجل وشرب رسول الله ﷺ من اللبن وفيه ما كنت لأوثر بسؤرك خالدًا وفيه من أكل طعامًا يعني الضب قال الحافظ: أخرجه النسائي عن بندار عن غندر عن شعبة عن علي بن زيد يعني ابن جدعان وعليه مدار الحديث عند جميع من ذكر وهو يرويه عن عمرو عن ابن عباس والله أعلم.
تنبيه
قال الحافظ: ووقع في رواية ابن عيينة في هذه الطريق أم عفيق بالعين المهملة والفاء ثم القاف مصغرًا وأصل الحديث في الصحيح بلفظ أم حفيد أوله حاء مهملة وآخره قال وهو المشهور، وسميت في رواية أخرى في الصحيح هزيلة بالزاي والسلام مصغرًا وهي أخت ميمونة وأخت لبابة الكبرى أم ابن عباس ولبابة الصغرى أم خالد الأربع بنات الحارث وكانت أم حفيد تزوجت في الأعراب فسكنت البادية، وكانت تزور
стр. 1759
رسول الله ﷺ : "إذا أكَلَ أحَدُكُم طعامًا" وفي رواية ابن السني "مَنْ أطْعَمَهُ اللهُ طعامًا فَلْيَقُلْ: اللهم بارِكْ لنا فيهِ وَأطْعِمْنا خَيرًا منهُ، ومَنْ سَقاهُ اللهُ تعالى لَبَنًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُم بارِكْ لنا فيهِ وزِدْنا مِنْهُ، فإنهُ ليسَ شيء يجْزِئُ مِنَ الطعامِ والشراب غَيْرَ اللَّبَنِ" قال الترمذي: حديث حسن.
ــ
أختها بالمدينة. وذكر ابن سعد أنها أسلمت وبايعت وكلهن معدودات في الصحابة.
تنبيه آخر
وقع في رواية الترمذي عمر بن أبي حرملة كما في روايتنا الأولى وقال بعده رواه بعضهم عمرو بن أبي حرملة وقال بعضهم عمرو بن حرملة يعني بفتح العين بدون لفظ أبي وهي روايتنا الثانية من طريق شعبة اهـ. كلام الحافظ. قوله: (وفي رواية ابن السني من أطعمه الله طعامًا) قلت هوبهذا اللفظ عند الترمذي وغيره. قوله: (فليقل) ظاهر الحديث أنه يأتي بالذكر عقب الشروع في الأكل لكن قضية صنيع المصنف أنه يقول عقب الفراغ أي والأولى أن يكون بعد الحمد وتعقب الأول بأن حال الأكل
لا يقال فيه: أطعمنا خيرًا منه ولا زدنا منه كما هو ظاهر أي فالمراد أنه يقول بعد الفراغ كما أفادته الترجمة. قوله: (بارك لنا فيه) البركة زيادة الخير ودوامه على صاحبه وهمزة أطعمنا للقطع من أطعم. قوله: (خيرًا منه) يحتمل أن يريد طعام الجنة ويحتمل أن يريد العموم فيشمل خيري الدارين. قال العلقمي: والظاهر أن النكرة إذا كانت في معرض الزيادة تكون للعموم وإن كانت للإثبات في معرض الامتنان. قوله: (ومن سقاه الله لبنًا) بجميع أنواعه من إبل أو بقر أو غنم حليب وغيره خالص وممزوج بماء أو غيره وعبر بالشرب لأنه الغالب على استعماله. قوله: (وزدنا منه) دل على أنه لا خير من اللبن وأنه خير من العسل الذي هو شفاء للناس قال ابن رسلان لكن قد يقال إن اللبن باعتبار التغذي والري خير من العسل ومرجح عليه والعسل باعتبار التداوي من كل داء وباعتبار الحلاوة يرجح على اللبن ففي كل منهما خصوصية يترجح بها، ويحتمل أن المراد وزدنا لبنًا من جنسه وهو لبن الجنة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ أي من جنسه وشبهه
стр. 1760
وروينا في كتاب ابن السني بإسناد ضعيف عن عبد الله بن مسعود ﵁
قال: "كان رسول الله ﷺ إذا شرب في الإناء
ــ
وللإمام السبكي الكبير مؤلف في المسألة حاصله ترجيح اللبن علي العسل قلت وهو الذي اختاره الجمهور قال الجلال السيوطي في "تعريف الفئة بأجوبة الأسئلة المائة" مقتضى الدلالة تفضيل اللبن علي العسل لأمور منها أنه يربى به الطفل ولا يقوم العسل ولا غيره مقامه في ذلك، ومنها أنه يجزئ عن الطعام والشراب أي كما في حديث الباب وليس العسل ولا غيره بهذه المثابة، ومنها أنه لا يشرق به أحد وليس العسل ولا غيره كذلك رواه ابن مردويه في تفسيره عن أبي لبيبة أن رسول الله ﷺ قال: "ما شرب أحد لبنًا فشرق، إن الله تعالى يقول: ﴿لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ ومنها أنه ﷺ ليلة الإسراء أتى بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل فاختاره فقيل له: هذه الفطرة أنت عليها وأمتك رواه الشيخان وغيرهما فاختياره اللبن علي العسل ظاهر في تفصيله عليه ومن الصريح في ذلك ما رواه ابن أبي عاصم عن ابن عباس من أطعمه الله طعامًا فليقل الخ وأصله في السنن الأربعة فقوله في الأول: وأطعمنا خيرًا منه وفي اللبن وزدنا منه يعطى أنه لا شيء خير من اللبن اهـ.
قوله: (وروينا في كتاب ابن السني الخ) قال الحافظ بعد تخريجه عن ابن مسعود بلفظ كان ﷺ إذا شرب في الإناء تنفس ثلاثة أنفاس يحمد الله في كل نفس ويشكره في آخرهن هذا حديث غريب أخرجه ابن السني والدارقطني في الأفراد عن البغوي يعني عبد الله بن محمد قال البغوي والدارقطني لم يروه عن شقيق يعني ابن سلمة الراوي للحديث عن ابن مسعود إلا المعلى يعني ابن عرفان أي بضم المهملة وسكون الراء بعدها فاء تفرد به عيسى بن يونس عنه وكذا قال الطبراني في الأوسط أخرجه من طريق المعافى بن سليمان والعقيلي لما أخرجه من طريق مصعب بن سعيد كلاهما عن عيسى بن يونس ورجاله رجال الصحيح إلا المعلى فاتفقوا على ضعفه وقال البخاري وغيره منكر الحديث وقال النسائي وغيره
стр. 1761
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
متروك قال الحافظ: والمستغرب من هذا الحديث تكرار الحمد، وقد أخرج ابن السني بعده شاهدًا من حديث نوفل بن معاوية ولفظه كان ﷺ يسمي الله أول كل نفس إذا
شرب ويحمده في آخره لكن سنده أضعف من الذي قبله وأصل تثليث النفس في الشرب أخرجه مسلم من حديث أنس دون التسمية والتحميد، ثم أخرج الحافظ الحديث عن نوفل بن معاوية من طريق الطبراني من طريق رجالها غير رجال الأول ولفظه قال: رأيت رسول الله ﷺ يشرب بثلاثة أنفاس يسمي الله في أولهن ويحمده في آخرهن قال الطبراني لا يروي عن نوفل بن معاوية إلا بهذا الإسناد تفرد به يعني الحسن بن داود المنكدري وتعقبه الحافظ بأن ابن السني أخرجه من طريق النضر بن سلمة عن ابن أبي فديك بسنده الذي رواه ابن المنكدري فهو وارد على حصر الطبراني لكن النضر كذبوه وقالوا: كان يسرق الحديث فلعله سرقه من المنكدري قال الحافظ: وللمتن شاهد عن أبي هريرة يفسر الكيفية المذكورة هنا وهو مطابق لحديث ابن مسعود ولفظ حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يشرب في ثلاثة أنفاس إذا أدلى الإناء إلى فِيهِ سمى الله وإذا آخره حمد الله يفعل ذلك ثلاث مرات قال الحافظ بعد إخراجه من طريق الطبراني أيضًا: هذا حديث حسن خرجه الخرائطي في فضيلة الشكر قال الحافظ وبالسند إلى الطبراني قال الطبراذي: لم يروه عن أبي عجلان إلا الدراوردي تفرد به عتيق بن يعقوب الزبيري قال الحافظ وهو مدني صدوق من أصحاب مالك قال أبو زرعة: بلغني أنه حفظ الموطأ في حياة مالك اهـ. ووثقه الطبراني وله غرائب هذا منها اهـ. وأخرج الحافظ عن تميم بن سلمة قال: حدثت أن الرجل إذا سمى الله تعالى على طعامه وحمد الله في آخره لم يسأل عن شكر ذلك الطعام، قال الحافظ بعد تخريجه: هذا موقوف صحيح الإسناد وتميم بن سلمة ثقة كوفي من كبار التابعين فكان الذي حدثه بعض من لقيه من الصحابة فلا يضر إبهامه وكأنه أخذه من قوله ﷺ : "هذا كفاف" هذا كما تقدم من حديث ابن عباس في قصة أبي أيوب حيث أرشدهم ﷺ إلى الحمد لما شق عليهم قوله: "هذا من النعم الذي تسألون عنه" وقد تقدم في حديث علي في شكر الطعام شيء من هذا اهـ. كلام الحافظ، وأورد ابن
стр. 1762
تنفس ثلاثة أنفاس
ــ
القيم في الهدي النبوي من حديث الترمذي في جامعه عنه ﷺ : "لا تشربوا نفسًا واحدًا كشرب البعير ولكن اشربوا مثنى وثلاث وسموا إذا أنتم شربتم واحمدوا إذا أنتم فرغتم" اهـ وهو مؤيد مقو لحديث الباب. قوله: (تنفس ثلاثة أنفاس) أي خارج الإناء بأن يفصل فمه عنه فيتنفس ويحمد الله ثم يسمي ويعود إلى الإناء وهكذا ثانيًا وثالثًا كما جاء مصرحًا به في حديث إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في القدح لكن ليس الإناء عن فِيهِ، والتنفس المنهي عنه للشارب هو ما كان في نفس الإناء وعلى هذين يحمل ما جاء في التنفس من فعله ﷺ ونهيه عنه قال ابن القيم في الهدي وفي هذا الشراب والتنفس حكم جمة وفؤائد مهمة وقد نبه ﷺ على مجامعها بقوله أي عند مسلم في صحيحه وغيره أنه أروى وأمرأ وأبرأ فأروى أشد ريًّا وأبلغه وأنفعه وأبرأ أفعل من البرء وهو الشفاء أي يبرئ من شدة العطش ودائه لتردده على المعدة الملتهبة دفعات فتسكن الدفعة الثانية ما عجزت الأولى عن تسكينه والثالثة ما عجزت الثانية عنه وأيضًا فإنه أسلم لحرارة المعدة وأبقى عليها من أن يهجم عليها البارد وهلة واحدة ونهلة واحدة وأيضًا فإنه لا يروي لمصادفته لحرارة العطش لحظة ثم يقلع عنها ولما يكسر سورتها وحدتها وإن انكسرت لم تبطل بالكلية بخلاف كسرها
على التمهيل والتدريج وأيضًا فإنه أسلم عاقبة وأمن غائلة من تناول جميع ما يروي دفعة واحدة فإنه يخاف منه أن يطفئ الحرارة الغريزية بشدة برده وكثرة كميته أو يضعفها فيؤدي ذلك إلى فساد مزاج المعدة والكبد وإلى أمراض رديئة خصوصًا في سكان البلاد الحارة كالحجاز واليمن ونحوهما أو في الأزمنة الحارة كشدة الصيف فإن الشرب دفعة واحدة مخوف عليهم جدًّا فإن الحار الغريزي ضعيف في بواطن أهلها وفي تلك الأزمنة الحارة ومن آفات الشرب نهلة واحدة أنه يخاف منه الشرق بأن ينسد مجرى الشراب لكثرة الوارد عليه فيغص به فإذا تنفس رويدًا ثم شرب أمن ذلك وقوله: أمرأ من مرئ الطعام والشراب في بدنه دخله وخالطه بسهولة ولذة ونفع ومنه فكلوه هنيئًا مريئًا هنيئًا في عاقبته مريئًا في مذاقه، ثم من فوائد التنفس في الشرب أن الشارب إذا شرب
стр. 1763
يحمَد الله تعالى في كل نفس، ويشكره في آخره".
باب دعاء المدعو والضيف لأهل الطعام إذا فرغ من أكله
روينا في "صحيح مسلم" عن عبد بن بُسر -بضم الباء وإسكان السين المهملة- الصحابي قال: نزل رسول الله ﷺ على أبي، فقربنا إليه
ــ
أول مرة تصاعد البخار الدخاني الحار الذي كان على القلب والكبد لورود العلماء البارد عليه فأخرجته الطبيعة عنها فإذا شرب مرة واحدة اتفق نزول العلماء البارد وصعود البخار فيتدافعان ويتعالجان فمن ذلك يحدث الشرق والغصة ولا يتهنا الشارب بالماء ولا بمرئه ولا يتم ريه وقد علم بالتجربة أن ورود الماء جملة واحدة على الكبد يؤلمها ويضعف حرارتها وسبب ذلك المضادة التي بين حرارتها وبين ما ورد عليها من كيفية المبرود وكميته ولو ورد بالتدريج شيئًا فشيئًا لم بين حرارتها ولم يضعفها وهذا مثاله صب الماء البارد على القدر وهي تفور لا يضرها صبه قليلًا قليلًا. قوله: (يحمد الله في كل نفس الخ) قال ابن القيم للتسمية في أول الطعام والشراب والحمد في آخره تأثير عجيب في نفعه واستمرائه ودفع مضرته قال الإِمام أحمد: إذا جمع الطعام أربعًا فقد كمل إذا ذكر اسم الله في أوله وحمد الله في آخره وكثرت عليه الأيدي وكان من حل اهـ. وسبق تخريج هذا الأثر عن شهر بن حوشب في أثناء كلام الحافظ في هذا الباب والله أعلم.
باب دعاء المدعو والضيف لأهل الطعام إذا فرغ من أكله
قال الراغب في مفرداته الضيف من مال إليك نازلًا بك وصارت الضيافة متعارفة في القرى وأصل الضيف مصدر ولذا استوى فيه الواحد والجمع في عامة كلامهم ويجمع فيقال: أضياف وضيوف وضيفان قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ اهـ. قوله: (روينا في صحيح مسلم) قال في السلاح ورواه الترمذي والنسائي وليس لعبد الله بن بسر في صحيح مسلم غير هذا الحديث ولا
стр. 1764
طعامًا ورَطْبَةً فأكل منها، ثم أتي بتمر فكان يأكله
ــ
في صحيح البخاري سوى حديث رأيت النبي ﷺ وكان في عنفقته شعرات بيض اهـ. وقال الحافظ بعد تخريج الحديث: من طريق أبي داود الطيالسي ومن طريق أخرى من طريق أبي الوليد الطيالسي كلاهما عن شعبة عن يزيد بن خمير أوله معجمة مصغر عن عبد الله بن بسر قال وفي رواية أبي داود بهذا السند سمعت عبد الله بن بسر ﵁ قال: نزل النبي ﷺ على أبي -زاد أبو داود فألقت إليه أمي قطيفة فجلس عليها- فأتى بطعام حيسة وسويق فأكل ثم أتى بتمر فجعل يأكل ويضع النوى بين أصبعيه السبابة والوسطى فيرمي به ثم أتى بشراب فشرب ثم ناوله الذي عن يمينه
فقال له أبي وأخذ بلجام دابته ادع لنا يا رسول الله قال: "اللهم بارك لهم فيما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم قال الحافظ: أخرجه مسلم وابن حبان، قال الحافظ: ووقع لنا عن شعبة من طريق أخرى بزيادة في أوله ثم أخرجه فقال عن عبد الله بن بسر ﵄ يحدث أن رسول الله ﷺ مر بأبيه وهو على بغلة بيضاء فأتاه فقال له: يا رسول الله أنزل علي فنزل فأتاه بتمر وسويق فذكر الحديث نحو ما تقدم في آخره فلما أراد أن يرحل قال له أبي: ادع لنا فذكره أخرجه أبو عوانة في صحيحه قال الحافظ بعد أن أخرجه من طريق الإِمام أحمد بن حنبل عن صفوان بن عمرو قال: حدثني عبد الله بن بسر المازني ﵄ قال: بعثني أبي إلى رسول الله ﷺ أدعوه إلى طعام فلما دنوت من أبي أسرعت فأعلمت أبوي فخرجا فتلقياه ورحبا ووضعا له قطيفة كانت عندنا زنيرية فقعد عليها ثم قال أبي لأمي: هيئي طعامك فجاءت بقصعة فيها دقيق عصدته فقال: كلوا باسم الله من جوانبها وذروا ذروتها فإن البركة تنزل فيها، قال: فأكلنا وفضلت فضلة، فقال له أبي: ادع لنا، فقال: "اللهم اغفر لهم وارحمهم وبارك لهم ووسع عليهم في أرزاقهم" أخرجه النسائي. قوله: (طعامًا) سبق عن النسائي وغيره أن ذلك الطعام كان عصيدة. قوله: (ووطبة) قال المصنف في شرح مسلم الوطبة بالواو أي المفتوحة وإسكان الظاء المهملة وبعدها باء موحدة وهكذا
стр. 1765
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رواه النضر بن شميل راوي هذا الحديث عن شعبة والنضر إمام من أئمة اللغة وفسره النضر فقال الوطبة الحيس بجمع التمر البرني والأقط المدقوق والسمن وكذا ضبطه أبو مسعود الدمشقي وأبو بكر البرقاني وآخرون وهكذا هو عندنا في معظم النسخ وفي بعضها رطبة براء مضمومة وفتح الطاء المهملة وكذا ذكره الحميدي وقال: هكذا جاء فيما رأيناه من نسخ مسلم رطبة بالراء وهو تصحيف من الراوي وإنما هو بالواو وهذا الذي ادعاه على نسخ مسلم هو فيما رآه هو وإلا فأكثرها بالواو وكذا نقله أبو مسعود والبرقاني والأكثرون عن نسخ مسلم ونقل القاضي عياض عن رواية بعضهم في مسلم وطئة بفتح الواو وكسر الطاء المهملة وبعدها همزة وادعى أنه الصواب وهكذا ادعاه آخرون والوطئة بالهمز عند أهل اللغة طعام يتخذ من التمر كالحيس هذا ما ذكروه ولا منافاة بين هذا كله فيقبل ما صحت به الروايات وهو صحيح في اللغة والله أعلم اهـ. كلام شرح مسلم وفي السلاح الوطيئة بالهمز على وزن سفينة قال ابن دريد الوطيئة على وزن سفينة التمر يستخرج نواه ويعجن باللبن ومثله في المحكم وزاد والوطئة الأقط بالسكر وفي بعض نسخ مسلم وطبية بالموحدة وفي بعضها رطبة بالراء وكلاهما تصحيف والصواب الأول وقد صرح القاضي عياض بأنه الصواب قال ويعضد ذلك ما قاله من رواه فجاؤوا بحيس فأكل ثم جاؤوه بتمر الحديث فقال حيسًا مكان وطيئة فدل أنهما بمعنى وكذا قيده شيخنا الدمياطي في نسخته لكتاب مسلم التي بخطه ورجح النووي ﵀ وطبة بالموحدة وعزا ذلك إلى النضر وأبي مسعود الدمشقي وأبي بكر البرقاني والحميدي وحكي عن النضر تفسير الوطبة بالحبس وتبع في ذلك كلام ابن الأثير فإنه ذكر هذه اللفظة في النهاية في مادة وطب وحكي وطبة عن الذين حكاها عنهم النووي وليس في كلام الحميدي ولا أبي مسعود ما يدل على أنها بالموحدة وأما النضر فإنه روى هذا الحديث عن شعبة ورواه إسحاق
ابن راهويه في مسنده وليس فيه ضبط البتة وإنما فيه قال النضر: الوطبة هو الحيس يجمع بين التمر البرني الجيد والأقط المدقوق والسمن الجيد والموجود في كتب اللغة الأمهات مفسرًا بنحو تفسير
стр. 1766
ويلقي النوى بين أصبعيه ويجمع السبابة والوسطى. قال شعبة: هو ظني وهو فيه إن شاء الله تعالى إلقاء النوى بين الأصبعين، ثم أتي بشراب فشربه، ثم ناوله الذي عن يمينه، فقال أبي: ادع الله لنا، فقال: "اللهُم بارِكْ لَهُمْ فيما رَزَقْتَهُمْ، واغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ".
قلت: الوطبة، بفتح الواو وإسكان الطاء المهملة بعدها
ــ
النضر إنما هو الوطيئة بالهمز، وليس وطبة بالموحدة وهاء التأنيث موجودة في الأمهات إنما هي وطب بغير هاء ومعناه سقاء اللبن خاصة اهـ، وبه يعلم ما في ضبط المصنف له هنا بالموحدة وتفسيره له كذلك بالحيس وأن ما ذكره في الأذكار من قوله الآتي قربة لطيفة يكون فيها اللبن أقرب إلى ما ذكره أهل اللغة في معنى الوطبة وإن كان بعيدًا عما جاء في لفظ آخر بلفظ حيسًا في محله والله أعلم. قوله: (ويلقي النوى بين إصبعيه) أي يجعله بينهما لقلته ولم يلقه في إناء التمر لئلا يختلط بالتمر فيقذره وجاء كما تقدم في رواية كان يجمعه على ظهر الأصبعين ثم يرمي به والظاهر أنه يلحق عجم سائر الثمار من النبق ونحوه بنوى التمر فيما ذكر والله أعلم. قوله: (قال شعبة هو ظي الخ) معنى هذا الكلام أن شعبة قال: الذي أظنه أن إلقاء النوى مذكور في الحديث وأشار إلى تردد فيه وشك في هذه الطريق لكن جاء في طريق أخرى عنه عند مسلم أيضًا الجزم بذلك من غير شك فيه فهو ثابت بتلك الطريق ولا تضر رواية الشك سواء تقدمت على الروأية الأخرى أو تأخرت لأنه تيقن في وقت وشك في وقت والمتن ثابت ولا يمنعه النسيان في وقت آخر. قوله: (ثم ناوله الذي عن يمينه) فيه إن الشراب ونحوه يدار على اليمين وقد جاء ذلك في أحاديث كثيرة منها: حديث ابن عباس في قصة الضب لما جاء الشراب وكان عن يمينه ﷺ وكان خالد على اليسار منه وقد سبق في باب قول لا أشتهي هذا الطعام ونحوه. قوله: (فقال أبي الخ) جاء في رواية مسلم واختصره المصنف أنه قال ذلك حال لزوم لجام دابة رسول الله ﷺ ففيه إكرام الوافدين وخدمة الصالحين وفيه استحباب طلب الدعاء من الفاضل وفيه دعاء
стр. 1767
باء موحدة: وهي قربة لطيقة يكون فيها اللبن.
وروينا في "سنن أبي داود" وغيره بالإسناد الصحيح عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ جاء إلى سعد بن عبادة ﵁، فجاء بخبز وزيت فأكل، ثم قال النبي ﷺ : "أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصائِمُونَ، وأكَلَ طَعامَكُمُ الأبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيكُمُ المَلائِكَةُ".
وروينا في "سنن ابن ماجه" عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: أفطر رسول الله ﷺ عند سعد بن معاذ، فقال: "أفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصّائِمُون قوله ... " الحديث.
قلت: فهما قضيتان جرتا لسعد بن عبادة وسعد بن معاذ.
ــ
المدعو أي الضيف بالتوسعة في الرزق والمغفرة والرحمة وقد جم ﷺ في هذا اللفظ خيري الدارين.
قوله: (وروينا في سنن أبي داود) تقدم تخريجه وما في قول الشيخ ﵀ بالإسناد الصحيح في كتاب الصيام في باب ما يقول إذا أفطر عند قوم وأورده الحافظ ثم من طريق بعضها فيه سعد بن عباذة وبعضها سعد لم ينسب وبعضها لم يسم وذكرنا بعضها فيما تقدم من الباب المذكور وذكرنا فيه ما يتعلق بالحديث من المعنى وتحرير المبنى والله أعلم.
قوله: (وروينا في سنن ابن ماجه الخ) خرجه الحافظ في باب ما يقول إذا أفطر عند قوم من طريق الطبراني ثم قال وسياق ابن ماجه أتم وقد أورده ابن حبان في صحيحه من طريق هشام بن عمار شيخ ابن ماجه وفي صحته نظر لأن في رواية مصعب بن ثابت مقالًا اهـ. قوله: (قلت فهما قضيتان الخ) قال الحافظ: يريد الشيخ بهذا الجمع بين الروايتين ففي رواية أنس سعد بن عبادة وقد رواية ابن الزبير سعد بن معاذ وهو متجه لاختلاف المخرجين وقد تكثرت الأحاديث بدعائه ﷺ بذلك في عدة مواضع: فمنها ابن عباس في قصة أبي الهيثم بطولها وقد سبق حديثها في باب ما يقول إذا بلغ من الطعام وفي آخر القصة أخذ النبي ﷺ بعضادتي الباب وقال: أكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة وذكركم الله فيمن عنده قال الحافظ بعد تخريج ذلك وسبق بيان من خرج قصة حديث أبي الهيثم في الباب المذكور اهـ. وأتى الحافظ بقوله منها لتقدم بعضها في حديثي ابن عبادة وابن
стр. 1768
وروينا في "سنن أبي داود عن رجل عن جابر ﵁ قال: "صنع أبو الهيثم بن التيهان للنبي ﷺ طعامًا، فدعا النبي ﷺ وأصحابه، فلما فرغوا، قال: أثِيبُوا أخاكُمْ، قالوا:
يا رسول الله وما إثابته؟ قال: إنّ الرَّجُلَ إذا
ــ
معاذ.
قوله: (وروينا في سنن أبي داود الخ) قال الحافظ: أخرجه أبو داود من طريق أبي خالد يزيد بن عبد الرحمن الدالاني عن رجل غير مسمى وسكت عليه وهو سند ضعيف لأن في أبي خالد مقالًا مع الجهل بحال شيخه وقد ذكر ابن عدي في ترجمة أبي خالد هذا حديثًا غير هذا الحديث من رواية أبي خالد عن أبي سفيان عن جابر، فيحتمل أن يفسر الذي لم يسم بأبي سفيان وهو من رجال الصحيح، ويحتمل أن يفسر بشرحبيل بن سعد فقد أخرج ابن حبان في صحيحه من طريق زيد بن أبي أنيسة عن شرحبيل بن سعد يعني الأنصاري عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "من أعطى عطاء فليجز به ومن لم يجد فليثن فإن من ذكره فقد شكره ومن كتمه فقد كفره" وهذا الحديث قال الحافظ بعد أن أخرجه من طريق شرحبيل ومن طريق أخرى عن رجل مبهم كلاهما عن جابر هذا حديث حسن أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود، ثم قال الحافظ وشرحبيل فيه ضعف لكن يتقوى بشواهده ثم أخرج الحافظ من حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أولى منكم معروفًا فليكاف به فإن لم يستطع فليذكره فإن من ذكره فقد شكره" ثم أخرج الحافظ من طريق أخرى قال: هي أعلى من التي قبلها ثم قال: أخرجه أحمد عن السكن بن نافع عن صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن عروة عن عائشة قال الطبراني في الأوسط لم يروه عن الزهري إلا صالح قال الحافظ: وهو صدوق لكنهم ضعفوه لكثرة خطئه وخبره منطبق على ما عرف به مسلم الخبر المنكر وأخرج الحافظ حديث طلحة بن عبيد الله قال: قال ﷺ : "من أولى معروفًا فلم يجد إلا الثناء فأثنى به فقد شكره ومن كتمه فقد كفره" قال الحافظ بعد تخريجه من طرق: هذا حديث حسن أخرجه يعقوب بن أبي شيبة في مسنده الكبير وأخرج الحافظ
стр. 1769
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من حديث أنس قال: إن المهاجرين قالوا للنبي ﷺ : ذهبت
الأنصار بالأجر قال: لا ما دعوتم لهم وأثنيتم عليهم قال الحافظ بعد تخريجه: هذا حديث صحيح أخرجه أبو داود والنسائي وجاء عن أنس من طريق حميد بأتم من هذا السياق ثم أخرجه الحافظ من طريق الخرائطي وغيره عن حميد الطويل عن أنس قال: قال المهاجرون للنبي ﷺ ما رأينا قومًا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلّا في كثير كفونا المهم وأشركونا في المؤنة حتى خشينا أن قد ذهبوا بالأجر كله قال: لا ما أثنيتم عليهم ودعوتم لهم قال الحافظ: وأخرجه أحمد بن منيع في مسنده عن عباد بن العوام عن حميد وأخرج الحافظ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال لأخيه جزاك الله خيرًا فقد أبلغ في الثناء" قال الحافظ بعد تخريجه: هذا حديث غريب أخرجه عبد الرزاق في المصنف وفي سنده موسى بن عبيدة ضعفوه قال وجاء بمعنى حديث أبي هريرة عن أسامة بن زيد ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من اصطنع إليه معروف فقال لفاعله جزاك الله خيرًا فقد أبلغ" قال الحافظ بعد تخريجه: حديث صحيح أخرجه الترمذي والنسائي في اليوم والليلة وقال الترمذي: حديث صحيح غريب لا نعرفه من حديث أسامة بن زيد ﵄ إلا من هذا الوجه وقال الدارقطني في الأفراد ولم يروه عن سليمان يعني التميمي إلا سعير بالإهمال مصغرًا وهو ابن الخمس بكسر المعجمة وسكون الميم بعدها مهملة تفرد به أبو الجواب بفتح الجيم وتشديد الواو بعدها ألف موحدة وهو أبو الأحوص بن جواب وأخرجه ابن حبان، وأخرج الحافظ من طريق الطبراني في الصغير عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ كثيرًا ما يقول لي ما فعلت أبياتك فأقول: أي أبيات فإنها كثيرة قال في الشكر قلت: نعم فذكر الثلاثة الأبيات يعني:
ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه ... يومًا فتدركه العواقب قد نما
يجزيك أو يثني عليك وإن من ... أثنى عليك بما صنعت كمن جزى
إن الكريم إذا أردت نواله ... لم يكف حبل واهن رث القوى
فقال: نعم يا عائشة إذا حشر الله الخلائق يوم القيامة قال لعبد من عبيده
стр. 1770
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اصطنع فلان عبد من عبادي عندك معروف فهل شكرته فيقول: علمت يا رب أن ذلك منك فشكرتك فيقول: لم تشكرني إذا لم تشكر من أجريت ذلك على يديه قال الحافظ بعد تخريجه: هذا إسناد ضعيف قال الطبراني لا يروى عن مكحول إلا من هذا الوجه تفرد به رواد قال الحافظ: هو بفتح الراء وتشديد الواو ضعفوه وفي الراوي عنه ضعف لكن جاء معناه في حديث مشهور: "لا يشكر الله من لا يشكر النّاس" وله طرق كثيرة أخرجها الدمياطي في جزء قال الحافظ: وأصح طرق هذا الحديث ما أخرجه أبو داود وابن حبان وصححه من طريق محمد بن زياد عن أبي هريرة وأخرجه أحمد من حديث الأشعث بن قيس والنعمان بن بشير وأبي سعيد وقد أخرج الترمذي حديث أبي سعيد وحسنه اهـ. وجاء في معنى خبر الباب عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من آتى إليكم معروفًا فكافئوه فإن لم تقدروا فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه" خرجه الحافظ من طرق عن ابن عمر، وفي بعضها قال: قال رسول الله ﷺ : "من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سأل بالله فأعطوه ومن دعاكم فأجيبوه ومن آتى إليكم
معروفًا فذكر مثل ما تقدم سواء إلا أنه قال فإن لم تجدوا" قال الحافظ بعد تخريجه: هذا حديث صحيح أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان وبين رواته بعض اختلاف فرواه معظمهم عن جرير عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر ووقع عند أبي عبيدة بن معن عن مجاهد عن ابن عمر أخرجه عنه ابن حبان وقال: قصر فيه جرير يشير إلى أن رواية ابن مندة بزيادة التيمي عن الأعمش عن إبراهيم التيمي أرجح وهو خلاف ما جزم به الدارقطني أن رواية أبي عوانة ومن وافقه عن الأعمش عن مجاهد أصح وقد أخرجه أحمد من رواية ليث بن أبي سليم عن مجاهد وجاء عن ابن عمر من طريق عرفطة بضم العين وبالفاء بينهما راء ساكنة عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من اصطنع إليكم معروفًا فجازوه فإن لم تقدروا على مجازاته فادعوا له حتى تعلموا أن قد شكرتم فإن الله شاكر يحب الشاكرين" أخرجه الحافظ من طريق الطبراني وقال: قال الطبراني في الأوسط: لم يروه عن نافع إلا عرفطة تفرد به إسماعيل يعني ابن عياش عن الوليد يعني ابن عباد عن عرفطة قال الحافظ: قال أبو حاتم الرازي عرفطة بن أبي
стр. 1771
دُخِلَ بَيتُهُ فأُكِلَ طَعَامُهُ وشُرِبَ شَرَابُهُ فَدَعَوْا لهُ فَذَلِكَ إثابَتُهُ".
باب دعاء الإنسان لمن سقاه ماء أو لبنًا ونحوهما
روينا في "صحيح مسلم"
ــ
الحسن مجهول وقال ابن عدي الوليد بن عباد: ليس بمستقيم وهو وشيخه غير معروفين وقد ذكرهما ابن حبان في الثقات قال الحافظ: قلت: والراوي عن إسماعيل يعني به أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة شديد الضعف، وجاء في معنى حديث الباب عن جابر حديث يستفاد منه صفة الدعاء وهو ما رواه جابر بن عبد الله قال: أمر أبي بخزيرة فصنعت ثم أمرني فأتيت بها رسول الله ﷺ فقال: ما هذا يا جابر؟ ألحم هذا؟ وقد رواية اللحم هذا؟ قلت: لا، ولكن أمرني بخزيرة فصنعت وأمرني فأتيتك بها فأخذها ثم أتيت أبي فقال: هل قال لك رسول الله ﷺ شيئًا؟ فأخبرته فقال أبي: عسى أن يكون رسول الله ﷺ اشتهى اللحم فقام إلى داجن له فأمر بها فذبحت ثم أمر بها فشويت له ثم أمرني فأتيته بها وهو في مجلسه وفي رواية في منزله فقال: ما هذا؟ فذكرت له القصة فقال: جزاكم الله يا معشر الأنصار خيرًا ولا سيما عبد الله بن عمرو بن حرام وسعد بن عبادة وفي رواية لا سيما آل عمرو الخ. قال الحافظ بعد تخريجه: هذا حديث صحيح أخرجه النسائي وابن حبان قال وجاء الحديث بدون القصة من وجه آخر عن جابر وفيه الثناء بدل الدعاء. قوله: (دخل) بالبناء للمفعول وكذا أكل وشرب. قوله: (فدعوا له) الضمير عائد على الآكلين المفهوم من السياق وتقدم أن من قال: جزاك الله خيرًا فقد أبلغ والله أعلم.
باب دعاء الإنسان لمن سقاه ماء أو لبنًا أو نحوهما
أي من نبيذ وسويق شيب بماء وغير ذلك. قوله: (روينا في صحيح مسلم الخ) قال الحافظ بعد تخريجه للحديث باللفظ الآتي بيانه عند قول المصنف في حديثه الطويل هذا حديث صحيح أخرجه مسلم بطوله لكن اختصره الشيخ واختصرت منه ما لا يخل بالمعنى ثم خرجه الحافظ من طريق أخرى
عن المقداد بن عمرو قال: قدمت أنا وصاحبان لي فعرضنا أنفسنا فلم نجد أحدًا يضيفنا فقلنا: يا رسول الله أصابنا جوع وجهد فلم يضيفنا أحد فدفع إلينا أربعة أعنز فقال:
стр. 1772
عن المقداد ﵁
ــ
"خذها يا مقداد فاحلبها وجزئها أربعة أجزاء جزء لك وجزء لي" فذكر نحو ما في حديث مسلم وقال فيه: فلما كان ذات ليلة شربت جزئي وشرب صاحباي جزأيهما وبقي جزء النبي ﷺ في القعب وقال فيه: فقالت لي نفسي -إلى أن قال- فلم تزل بي حتى شربته وقال فيه: يجيء وبه جوع وظمأ فلم يجد شيئًا فيدعو عليك فتهلك، وقال في آخره: ما هذه إلا بركة وكان ينبغي أن تعلمني حتى نوقظ صاحبينا فنسقيهما من هذه البركة الحديث قال الحافظ: أخرجه الإِمام أحمد، قال الحافظ: ورويناه من وجه آخر لكنه مرسل عن مجاهد، قال: لم يبق أحد من المهاجرين مقدمهم المدينة إلا حصل له صهر أو سبب ينزل عليه إلا المقداد وسعد بن مالك وآخر فنزلوا منزلًا واحدًا وكانت لهم ثلاثة أعنز لكل واحد منهم عنز فذكر الحديث نحو ما تقدم وفيه فألقى الشفرة وأخذ القدح فحلب فيه حتى فاض من جوانبه الخ أخرج أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف ويحيى بن سعيد الأموي في المغازي كلاهما من طريق عمر بن ذر عن مجاهد وكلاهما من رجال الصحيح وقد أخرج الأئمة الخمسة من طريق مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة حديث الفدية فلعل مجاهدًا حمل حديث المقداد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن المقداد فتتحد الروايات ولا تنافي بين قوله ثلاثة أعنز وأربعة لأنه محمول على إضافة شاة النبي ﷺ وفي الأخرى لم يذكرها لاختصاصه بها واشتراك الثلاثة في الثلاثة وقد وقع في إحدى طرقه فوقعت يده على شاة النبي ﷺ واستفدنا من هذه الرواية تسمية أحد صاحبي المقداد وهو سعد بن مالك ولم نقف على تسمية الآخر وسعد بن مالك هو ابن أبي وقاص أحد العشرة رضي الله تعالى عنهم اهـ. كلام الحافظ. قوله: (عن المقداد ﵁ هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك الكندي يكنى أبا الأسود وقيل: أبا معبد وقيل أبا اليسر وليس الأسود الذي اشتهر بالنسبة إليه أباه وإنما حالف الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن هريرة الزهري وكان الأسود في تبناه فقيل له: المقداد بن الأسود الزهري وقولهيل غير ذلك وقال ابن حبان: كان أبوالمقداد حالف
стр. 1773
في حديثه الطويل المشهور قال: "فرفع النبي ﷺ رأسه إلى السماء، فقال: اللهُم
ــ
كندة فقيل له: كندي وقال ابن عبد البر: الصحيح أنه بهرأني بموحدة مفتوحه وهاء ساكنة ثم راء مفتوحة فنون قبل ياء النسب نسبة إلى بهران بن عمرو بن لحاف بن قضاعة ولا خلاف بينه وبين ما قبله لأنه من قضاعة نسبًاومن بهران حلفًا أشار إليه المصنف في شرح مسلم ويقال له: الزهري لأن الأسود بن عبد يغوث الذي حالفه هو زهري. أسلم المقداد قديمًا وشهد بدرًا ولم يثبت أنه شهدها فارس غيره وقيل: كان الزبير فيها فارسًا أيضًا وشهد أحدًا وما بعدها من المشاهد وهاجر الهجرتين وكان من أجلاء الصحابة وفضلائهم وخيارهم وهو أحد الستة الذين أظهروا إسلامهم وأحد الأربعة عشر النجباء الوزراء الذين أعطاهم النبي ﷺ كالأنبياء قبله وعن بريدة مرفوعًا إن الله أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم علي وأبو ذر وسلمان والمقداد أخرجه أحمد والترمذي وقال المقداد للنبي ﷺ يومًا وهو يدعو على المشركين لا نقول لك كما قال قوم موسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك
وبين يديك ومن خلفك فأشرق وجه النبي ﷺ لذلك وسر وقال ابن مسعود شهدت المقداد مشهدًا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما طلعت عليه الشمس فذكره وهو معدود في أهل الحجاز روى عنه جماعة من الصحابة روي له عن النبي ﷺ فيما قيل اثنان وأربعون حديثًا اتفقا منها على واحد وانفرد مسلم بثلاثة أحاديث منها ومات ﵁ بالجرف بضم الجيم والراء على ثلاثة أميال من المدينة وقيل عشرة أميال وحمل على أعناق الرجال إلى المدينة ودفن بالبقيع سنة ثلاث وثلاثين عن نحو من سبعين سنة وصلى عليه عثمان وأوصى الزبير بن العوام أن يعطي الحسن والحسين ستة وثلاثين ألفًا وكل واحدة من أمهات المؤمنين سبعة آلاف ذكره القلقشندي في شرح العمدة. قوله: (في حديثه الطويل) ولفظه كما أخرجه الحافظ من طرق كما تقدم عن المقداد قال: أقبلت أنا وصاحبان لي فذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجوع فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله ﷺ ليس أحد يقبلنا فانطلقنا إلى النبي ﷺ فانطلق بنا إلى منزله فإذا ثلاثة أعنز فقال: "احتلبوا هذا بيننا" فكنا نحلب ويشرب كل منا
стр. 1774
اطْعِمْ مَنْ أطْعَمَني، وَاسْقِ مَنْ سَقَاني".
وروينا في كتاب ابن السني
ــ
نصيبه ونرفع لرسول الله ﷺ نصيبه فيجيء من الليل فيسلم تسليمًا لا يوقظ نائمًا ويسمع اليقظان ثم يأتي المسجد فيصلي ثم يأتي شرابه فيشربه فأتاني الشيطان ذات ليلة فقال لي محمد: يأتي الأنصار فيتحفونه ما به حاجة إلى هذه الجرعة فاشربها فما زال يزين لي حتى شربتها فلما وغلت في بطني قال لي: ويحك ما صنعت يجيء محمد فلا يصيب شرابه فيدعو عليك فتذهب دنياك وآخرتك فجعلت لا يجيئني النوم وأما صاحباي فناما فجاء رسول الله ﷺ فصنع كما يصنع ثم أتى شرابه فكشف عنه فلم يجد شيئًا فرفع يديه إلى السماء فقلت: الساعة يدعو علي فأهلك فقال: اللهم أطعم من أطعمني واسق من سقاني فشددت علي شملة وأخذت شفرة وجعلت أحبس الأعنز أيتهن أسمن لأذبحها فإذا هن حفل فأخذت إناء ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه فاحتلبت فيه حتى علته الرغوة ثم جئت به إلى رسول الله ﷺ فقال: "أما شربتم شرابكم الليلة" قلنا: يا رسول الله اشرب، فشرب ثم ناولني فقلت: يا رسول الله اشرب فشرب ثم ناولني فشربت ما بقي فلما علصت أن الدعوة أصابتني ضحكت حتى ألقيت إلى الأرض فقال: "إحدى سوءاتك يا مقداد" فذكرت له فقال: "ألا أيقظت صاحبيك" فقلت: والله يا رسول الله ما أبالي إذا أصبتها وأصبتها معك من أصابها من النّاس قال الحافظ: أخرجه مسلم في صحيحه بطوله واختصرنا منه ما لا يخل بالمعنى والله أعلم. قوله: (أطعم) هو بهمزة قطع أي ارزق (من أطعمني) أي تسبب لإطعامي (واسق) بهمزة وصل ويجوز قطعها لكن الأول أنسب بقوله (من سقاني) وفيه الدعاء لمن صنع معروفًا مع الإنسان وسبق في الباب قبله. قوله: (وروينا في كتاب ابن السني) قال الحافظ بعد تخريجه: هذا حديث غريب أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة والحسن بن سفيان في مسنده
стр. 1775
عن عمرو بن الحَمِق ﵁ أنه سقى رسول الله
ﷺ لبَنًا فقال: "اللهم أمْتِعْهُ بشَبابِه، فمرت عليه ثمانون سنة لم ير شعرة بيضاء".
قلت: الحمق، بفتح الحاء المهملة وكسر الميم.
وروينا فيه عن عمرو بن أخْطَب -بالخاء المعجمة
ــ
وابن السني وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة المذكور في سنده عندهم جميعًا ضعيف من جهة سوء حفظه ويوسف يعني ابن سليمان شيخه ذكره البخاري في التاريخ بما في هذا السند أي عن جدته ميمونة عن عمرو بن الحمق قال الحافظ ولم يذكر فيه قوة ولا ضعفًا وللحديث شاهد عن عمرو بن ثعلبة الجهني عند الطبراني وآخر عند ابن السني
عن أنس من وجهين والله أعلم اهـ. قوله: (عن عمرو بن الحمق) الحمق كما قال المصنف بفتح الحاء المهملة وكسر الميم آخره قاف قال ابن عبد البر في الاستيعاب عمرو بن الحمق بن كاهت بن حبيب الخزاعي من خزاعة عند أكثرهم ومنهم من ينسبه فيقول هو عمرو بن الحمق والحمق هو سعيد بن كعب هاجر إلى النبي ﷺ بعد الحديبية وقيل بل أسلم عام حجة الوداع والأول أصح صحب النبي ﷺ وحفظ عنه أحاديث وسكن الشام ثم انتقل إلى الكوفة فسكنها توفي سنة خمسين ولوفاته قصة ذكرها في الاستيعاب حاصلها أنه دخل غارًا فنهشته حية فقتلته قال في الاستيعاب وأول رأس حمل في الإسلام من بلد إلى بلد رأسه قال في أسد الغابة وقبره مشهور بظاهر الموصل يزار وعليه مشهد ابتدأ بعمارته أبو عبد الله بن سعيد بن حمدان وهو ابن عم سيف الدولة وناصر الدولة ابني حمدان في شعبان من سنة ست وثلاثين وثلثمائة وجرى بين أهل السنة والشيعة فتنة بسبب عمارته اهـ. قوله: (أمتعه بشبابه) أي اجعله ممتعًا بذلك دوام حياته والظاهر أن المدعو به بقاء لون الشباب ودوام قواه والله أعلم. قونه: (وروينا فيه) أي في كتاب ابن السني قال الحافظ بعد تخريجه: حديث حسن أخرجه أحمد وأخرجه ابن حبان والحاكم ورجاله رجال الصحيح إلا أبا نهيك بنون وكاف وزن عظيم واسمه عثمان بن نهيك بصري صدوق قال الحافظ وجاء من وجه آخر بلفظ آخر عن أبي زيد بن أخطب الأنصاري قال: مسح رسول الله ﷺ يده على وجهي ودعا لي بالجمال أخرجه الترمذي وأخرجه أحمد وقال في روايته: اللهم جمله وأدم جماله. قوله: (عن عمرو بن أخطب) هو بالخاء المعجمة الساكنة وفتح الطاء
стр. 1776
وفتح الطاء ﵁ قال: "استسقى رسول الله ﷺ فأتيته بماءٍ في جمجمة وفيها شعرة فأخرجتها، فقال رسول الله ﷺ : اللهُم جَمِّلهُ، قال الراوي: فرأيته ابن ثلاث وتسعين أسود الرأس واللحية".
قلت: الجمجمة، بجيمين مضمومتين بينهما ميم ساكنة، وهي قدح من خشب وجمعها جماجم، وبه سمي دير الجماجم، وهو الذي كانت به وقعة ابن الأشعث مع الحجاج بالعراق، لأنه كان يُعمَل فيه أقداح من خشب، وقيل: سمي به لأنه في من جماجم القتلى لكثرة من قتل.
ــ
أي المهملة كنيته أبو زيد وهو الأنصاري مشهور بكنيته يقال إنه من بني الحارث بن الخزرج غزا مع رسول الله ﷺ غزوات ومسح رسول الله ﷺ على رأسه ودعا له بالجمال فيقال إنه بلغ مائة عام ونيفًا وما في رأسه ولحيته إلا نبذ من شعر أبيض وهو جد عزرة بفتح المهملة وسكون الزاي بعده راء ابن ثابت روى عنه أنس بن سيرين وأبو الخليل وعلي بن أحمر وأبو نهيك كذا في الاستيعاب.
وقد ذكرت بعض أحواله في كتاب اتحاف الأفاضل برجال الشمائل. قوله: (استسقى رسول الله ﷺ ) أي طلب السقيا وحذف المفعول لعدم تعلق القصد بمعين منه واستسقى تارة يجيء معدى إلى المطلوب منه كقوله تعالى: ﴿إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ﴾ وتارة إلى المطلوب كقول الشاعر:
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه
أشار إليه أبو حيان في النهر. قوله: (جمِّله) بتشديد الميم أي أدم عليه الجمال الذي به من الشباب. قوله: (قال الراوي) هو نهيك الراوي عن أبي زيد عمرو بن أخطب وسبق بيان حاله. قوله: (ابن ثلاث وتسعين) أي بتقديم الفوقية على السين المهملة ولا مخالفة بينه وبين ما سبق عن
الاستيعاب لإمكان حمل ما في الاستيعاب على التقريب وما في خبر الراوي على التحديد والله أعلم. قوله: (أسود الرأس واللحية) يحتمل أن يكون ذلك له مع دوام قوى الشباب وهو الظاهر ويحتمل خلافه. قوله: (وهي قدح من خشب الخ) ذكره صاحب النهاية كذلك.
стр. 1777
باب دعاء الإنسان وتحريضه لمن يضيف ضيفًا
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة ﵁ قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ليضيفه فلم يكن عنده ما يضيفه، فقال: ألا رَجُلٌ يُضِيفُ هذا ﵀، فقام رجل من الأنصار فانطلق به ... " وذكر الحديث.
باب الثناء على من أكرم ضيفه
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة ﵁ قال:
ــ
باب دعاء الإنسان وتحريضه لمن يضيف ضيفًا
قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم) أخرجه أبو عوانة بنحوه كما أشار إليه الحافظ. قوله: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ليضيفه) فيه استحباب إنزال الحاجة عند حلولها بكرام القوم وخيارهم. قوله: (فلم يكن عنده ما يضيفه) أي لخلو بيوت أمهات المؤمنين عما يكون به الضيافة كما سيأتي في الحديث في الباب بعده. قوله: (إلا رجل) هذا عرض على الحاضرين وهو طلب برفق ولين أن يفعلوا ما يحصل به مراد هذا المسكين. قوله: (فقام رجل من الأنصار) جاء في بعض طرق الحديث فقام رجل من الأنصار يقال له: أبو طلحة الخ وأشار الحافظ إلى أنه كذلك عند مسلم وفي المبهمات أنه أبو طلحة زيد بن سهل وقيل: ثابت بن قيس، وقيل: عبد الله بن رواحة، وقيل: ليس بأبي طلحة المسمى يزيد بن سهل بل أبو طلحة رجل آخر اهـ. قوله: (وذكر الحديث) أي الآتي في الباب بعده وفي هذا المقال الإيماء إلى التحريض على الضيافة المذكور في الترجمة فإن ذلك مستفاد من قوله في الحديث في عجيب الله من صنيعكما لضيفكما الليلة الخ.
باب الثناء على من أكرم ضيفه
أي وكان الثناء عليه ومدحه به لا يخشى عليه منه العجب ونحوه وإلا فيترك دفعًا للمفسدة المقدم دفعها على جلب المصلحة وسيأتي من المصنف مثل ذلك في باب مدح الإنسان في وجهه بجميل فعله. قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم)
стр. 1778
جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال إني مجهود، فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك، فقال: مَنْ يُضيفُ هذا الليْلةَ ﵀، فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا، إلا قوتَ صبياني، قال: فعلِّلِيهم بشيء، فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل، فإذا أهوى ليأكل فقدمي إلى السراج حتى تطفئيه، فقعدوا وأكل الضيف، فلما أصبح غدا على رسول الله ﷺ ، فقال: قد
ــ
قال الحافظ وجاء بنحوه عند أبي عوانة. قوله: (إني مجهود) أي أصابني الجهد وهو المشقة والحاجة وسوء العطش والجوع. قوله: (فأرسل
إلى بعض نسائه الخ) فيه ما كان عليه النبي ﷺ وأهل بيته من الزهد في الدنيا والصبر على الجوع وضيق الحال ولا يشكل على هذا ما ورد أنه ﷺ كان يدخر قوت عام لأهله وعياله لأنه كان يدخره ثم ينفقه قبل تمام العام في سبيل الله وإذا قصده المحتاجون ونحوهم فيأتي أثناء العام وليس عنده ولا عند أهله شيء، وفيه أنه ينبغي لكبير القوم أن يبدأ في مواساة الضيف ومن يطرقهم بنفسه فيواسيه من ماله أولًا بما تيسر إن أمكنه وإلا فيطلب من أصحابه على سبيل التعاون على البر والتقوى. قوله: (فقال من يضيف الخ) فيه المواساة في حال الشدائد. قوله: (فقام رجل الخ) فيه المواساة وفيه إكرام الضيف وإيثاره وفيه المنقبة لهذا الأنصاري وامرأته وفيه الاحتيال في إكرام الضيف إذا كان يمتنع منه رفقًا بأهل المنزل لقوله: أطفئي السراج وأريه أنا نأكل إذ لو رأى قلة الطعام وأنهما لا يأكلان معه امتنع عن الأكل. قوله: (إلى رحله) أي منزله ورحل الإنسان منزله من حجر أو مدر أو شعر أو وبر. قوله: (قالت: لا إلا قوت صبياني) هو بكسر الصاد المهملة جمع والصبوة والصبية جمع صبي قال في النهاية الصبوة بالواو
стр. 1779
عَجبَ اللهُ مِنْ صَنِيعِكُما بِضَيْفِكُما اللَّيلة، فأنزل الله تعالى هذه الآية
ــ
وهو الأصل وإن كان في الاستعمال الأشهر بالياء وسيأتي ما يتعلق بهذا المقام. قوله: (عجب الله من صنيعكما بضيفكما) قال القاضي عياض: المراد بالعجب من الله تعالى رضاه ذلك الشيء وقيل: مجازاته عليه بالثواب وقيل تعظيمه وقد يكون المراد عجبت ملائكة الله وأضافه إليه تعالى تشريفًا وعند البخاري ضحك الله أو عجيب من فعالكما بفتح الفاء وسيأتني بيانه في باب المدح. قوله: (فأنزل الله تعالى هذه الآية أوخ) في أسباب النزول للسيوطي بعد ذكر حديث ما لفظه وأخرج مسدد في مسنده وابن المنذر عن أبي المتوكل الناجي أن رجلًا من المسلمين قال: يا رسول الله أصابني الجهد فذكر نحو ما في حديث الصحيحين وفيه أن الرجل الذي أضافه ثابت بن قيس بن شماس فنزلت ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ الآية وأخرج الواحدي من طريق محارب بن دثار عن ابن عمر قال: أهدي لرجل من أصحاب النبي ﷺ رأس شاة فقال: إن أخي وعياله أحوج إلي هذا منا فبعث به إليه فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها سبعة أبيات حتى رجعت إلى أولهم فنزلت ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ الآية اهـ. وعزا في التوشيح تخريج هذا الحديث إلى ابن مردويه في تفسيره وذكر صاحب عوارف المعارف أن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم النضير للأنصار إن شئتم قسمتم للمهاجرين دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة في غزوة في النضير قالت الأنصار: بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها فأنزل الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ اهـ. وذكر مثله في الكشاف لكن لم يعزه إلى ابن عباس ولا غيره قال الحافظ في تخريج أحاديثه: هكذا ذكره
الثعلبي بغير سند وروى الواقدي عن عمر عن الزهري عن خارجة بن زيد عن أم العلي قالت: لما غنم النبي ﷺ بني النضير فساق الحديث نحوه قال الحافظ وعند أبي داود من رواية عبد الرزاق عن معمر طرق منه ولا مانع من تعدد سبب النزول وأن يكون نزلت عند فعل الجميع اهـ. ثم رأيت السيوطي في التوشيح جمع بذلك والله أعلم.
стр. 1780
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].
قلت: وهذا محمول على أن الصبيان لم يكونوا محتاجين إلى الطعام حاجة ضرورية، لأن العادة أن الصبي وإن كان شبعانَ يطلب الطعام إذا رأى من يأكله، ويحمُل فعل الرجل والمرأة على أنهما آثرا بنصيبهما ضيفهما، والله أعلم.
باب استحباب ترحيب الإنسان بضيفه وحمده الله تعالى على حصوله ضيفًا عنده وسروره بذلك وثنائه عليه لكونه جعله أهلا لذلك
ــ
قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي خلة وحاجة وأصلها خصاص البيت وهي فروجه والجملة في موضع الحال أي مفروضة خصاصة أي ذلك لا يمنعهم من الإيثار فيكون ذلك أعظم في الأجر والله أعلم. قوله: (قلت وهذا محمول الخ) قال المصنف في شرح مسلم هذا محمول على أن الصبيان لم يكونوا محتاجين إلى الأكل وإنما تطلبه أنفسهم على عادة الصبيان من غير جوع يضر فإنهم لو كانوا على حاجة بحيث يضرهم ترك الأكل لكان إطعامهم واجبًا ويجب تقديمه على الضيافة وقد أثنى الله ورسوله على هذا الرجل وامرأته فدل على أنهما لم يتركا واجبًا بل أحسنا وأجملا ﵄ وأما هو وامرأته فقد آثرا على أنفسهما برضاهما مع حاجتهما وخصاصتهما فمدحهما الله تعالى وأنزل فيهما ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ففيه فضيلة الإيثار والحث عليه وقد أجمع العلماء على فضيلة الإيثار بالطعام ونحوه من حظوظ النفوس أما القربات فالأفضل ألا يؤثر فيها لأن الحق فيها الله تعالى والله أعلم.
باب استحباب ترحيب الإنسان بضيفه وحمد الله تعالى على حصوله عنده وسروره بذلك وثنائه عليه
стр. 1781
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" من طرق كثيرة عن أبي هريرة وعن أبي شريح الخزاعي ﵄ أن رسول الله ﷺ قال:
ــ
أي على الله سبحانه لكونه جعله أهلًا لذلك. قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) أما حديث أبي هريرة فخرجه الحافظ عنه من طريق قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت" ثم قال: خرجه مسلم ثم أخرجه الحافظ من طريق آخر إلى أبي هريرة فذكر مثله وخرجه البخاري إلا ما يتعلق بالجار وقال في آخره: "ليصمت" ثم قال أخرجه البخاري ومسلم ثم أخرج الحافظ من طريق آخر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان يؤمن باللهِ واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن قرى ضيفه" قال الحافظ بعد تخريجه: هذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم، وأما حديث أبي شريح الخزاعي فأخرجه الحافظ عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه " ثم قال: أخرجه
مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي وجاء عن أبي شريح ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" قال الحافظ بعد تخريجه: هذا حديث صحيح أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي اهـ. وفي الآمالي الحلبيات للحافظ بعد تخريج حديث أبي هريرة هذا حديث صحيح أخرجه أحمد وأبو داود واتفق على إخراجه الشيخان في صحيحيهما واتفق الأئمة الستة على تخريجه من حديث أبي شريح الخزاعي ثم أخرجه الحافظ من حديث أبي شريح فذكر مثل حديث أبي هريرة سواء لكنه قال: فليحسن إلى جاره وقال في آخره فليسكت ثم ذكر طريق كل من الستة فيه. قوله: (وأبي شريح الخزاعي) هو الخزاعي الكعبي ويقال فيه العدوي وليس هو من في عدي لا عدي قريش ولا عدي مضر فلعله كان حليفًا لبني عدي بن كعب بن قريش واختلف في اسمه فقيل: خويلد بن عمرو
стр. 1782
"مَنْ كانَ يُؤمِنُ باللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيفَهُ".
وروينا في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم أو ليلة، فإذا هو بأبي بكر وعمر ﵄، قال: "ما أخرَجَكما مِنْ بيُوتكُما هَذِهِ السّاعَةَ"؟
ــ
وهو المشهور وقيل عكسه وقيل: خويلد بن صخر وقيل صخر جده ابن عبد العزى بن معاوية بن المحترش بن عمرو بن زمان بن عدي بن عمرو بن ربيعة وقيل: اسمه هانئ بن عمرو وقيل: عبد الرحمن بن عمرو وقيل: كعب وقيل: مطر الصحابي الجليل أسلم قبل فتح مكة وقيل: يوم الفتح وجرى عليه المزي في الأطراف وكان يوم فتح مكة حاملًا أحد ألوية بني كعب روى له عن النبي ﷺ فيما قيل عشرون حديثًا اتفقا منها على حديثين وانفرد البخاري بحديث سكن المدينة ومات بها سنة ثمان وستين وقيل: سنة ثمان وخمسين كذا في شرح العمدة للقلقشندي. قوله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) أي من كان يؤمن إيمانًا كاملًا ينجيه من العذاب ويلجئه إلى الثواب فالمتوقف على ما ذكر كمال الإيمان لا حقيقته أو هو محمول على المبالغة في الاستجلاب إلى هذه الأفعال كما يقول القائل: لست ابني إن لم تطعني أي من كان من أهل الإيمان فليكرم ضيفه أي سواء كان غنيًّا أو فقيرًا بالبشر في وجهه وطيب الحديث معه والمبادرة إلى إحضار ما تيسر عنده من الطعام من من غير كلفة ولا إضرار بأهله إلا إذا رضوا وهم بالغون عاقلون أخذًا مما سبق في الباب قبل هذا والضيف لغة يشمل الواحد والجمع من أضفته وضيفته إذا أنزلته بك ضيفًا وضفته إذا نزلت عليه ضيفًا.
قوله: (وروينا في صحيح مسلم) سبق ما يتعلق بسند هذا الحديث في باب ما يقول بعد الطعام. قوله: (ذات يوم) أتى بها لئلا يتوهم أن المراد باليوم مطلق الزمان الشامل لليل والنهار إذ قد يطلق كل من اليوم والليلة على ذلك ويطلق اليوم على المدة، وحقيقة اليوم شرعًا من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس كما تقدم في باب فضل الذكر جمعه أيام وأصله أيوام فأعل كاعلال سيد، والليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق
стр. 1783
قالا: الجوع يا رسول الله، قال: "وأنا والَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لأخْرَجَنِيَ الذي
أخرَجَكُما، قوموا"، فقاموا معه، فأتى رجلًا من الأنصار فإذا ليس هو في بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحبًا وأهلًا، فقال لها رسول الله ﷺ : "أيْنَ فُلانٌ؟ " قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء، إذ جاء الأنصاريّ فنظر إلى رسول الله ﷺ وصاحبيه،
ــ
وأو فيه للشك من الراوي. قوله: (قالا الجوع)
أي الذي أخرجنا الجوع أو أخرجنا الجوع فجملة الجواب اسمية أو فعلية وفيه أن التماس الرزق وتعاطي الأسباب غير قادح في التوكل فإنهما من رؤوس المتوكلين فالتوكل بالقلب وتعاطي الأسباب امتثالًا للأمر بالقالب. قوله: (قال: وأنا الذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما) قال الفاسي في تاريخه العقد الثمين نقلًا عن خط جده محمد بن محمد بن عبد الرحمن الفاسي قوله الذي أخرجكما الذي لفظ مبهم ظاهره الجوع والمراد والله أعلم الله سبحانه إذ هو أخرجه حقيقة فعبر بلفظ الذي الصادق على السبب والمسبب فشاركهم في ظاهر الحال دفعًا للوحشة الواقعة في ذكر الجوع، قال الفاسي: وهذا من معالي الأخلاق وكريم الشيم وهو في معنى قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قوله: (فأتوا رجلًا من الأنصار) تقدم أنه جاء في حديث الترمذي وغيره مجيئه ﷺ ومن معه إلى حائط أبي الهيثم بن التيهان، وجاء في الطبراني أنه ذهب بمن معه إلى حائط أبي أيوب الأنصاري فرجل في هذا الحديث محتمل لهما قلت ولغيرهما، وفيما ما ذكر منقبة عظيمة لكل من أمله ﷺ لذلك، وفيه أنه لا بأس بالإدلال على الصاحب الموثوق به والمعلوم منه الرضا والفرح بذلك. قوله: (فلما رأته المرأة قالت: مرحبًا وأهلًا) أي صادفت رحبًا أي مكانًا واسعًا فأنزل وأهلًا فأنس بالنزول فيهم، وفي الحديث جواز سماع كلام الأجنبية مع أمن الفتنة وإن وقعت فيه مراجعة. قوله: (يستعذب لنا من الماء) أي يستقي لنا ماء عذبًا من بئر يقال: استعذب الماء استقى عذبًا كذا في الصحاح، وبه يعلم الفرق بين استعذب لنا الماء واستعذبه من غير لنا وفيه جواز استعذاب الماء وتطييبه وأن ذلك لا ينافي الزهد ومن ثم نقل عن
стр. 1784
ثم قال: "الحمد الله، ما أحدٌ اليوم أكرمَ أضيافًا مني ... " وذكر تمام الحديث.
باب ما يقوله بعد انصرافه عن الطعام
روينا في كتاب ابن السني عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ :
ــ
الشافعي ﵁ أنه قال: شرب الماء البارد يخلص الحمد الله وفيه أن خدمة الرجل الغني أهل بيته وتوليه حوائجهم بنفسه تواضعًا لا ينافي المروءة بل هو من كمال الخلق وحسن التواضع. قوله: (ثم قال: الحمد الله) أي على تأهيلي لإضافة من رأيت ففيه حمد الله تعالى على التأهيل والتوفيق لأي طاعة كانت. قوله: (ما أحد اليوم أكرم أضيافًا مني) فيه إكرام الضيف وإظهار السرور والبشر والفرح بقدومه في وجهه وحمد الله تعالى وهو يسمع على حصول هذه النعمة والثناء على ضيفه إن لم يخف عليه فتنة فإن خاف لم يثن عليه في وجهه وفيه دليل على كمال فضيلة هذا الأنصاري وبلاغته وعظم معرفته لأنه أتى بكلام مختصر بديع في هذا الموطن ﵁. قوله: (وذكر تمام الحديث) هو قوله فانطلق فقطع لهم عذقًا فيه بسر وتمر فوضعه بين أيديهم فقال وله النبي ﷺ : "لو اجتنيت" فقال له الأنصاري: تخيروا على أعينكم وأخذ المدينة فقال له النبي ﷺ : "إياك والحلوب" فذبح لهم فأكلوا من العذق ومن الشاة وشربوا من الماء فقال لهم رسول الله ﷺ : "هذا من النعيم الذي تسألن عنه يوم القيامة". قال المصنف نقلًا عن القاضي عياض المراد السؤال عن القيام بحق شكره ثم قال المصنف والذي نعتقده أن السؤال هنا هو سؤال تعداد النعم وإعلام بالامتنان بها وإظهار الكرامة بإسباغها لا سؤال توبيخ وتقريع ومحاسبة والله أعلم اهـ.
باب ما يقول بعد انصرافه عن الطعام
قوله: (روينا في كتاب ابن السني الخ) قال الحافظ: هذا حديث لا يثبت وإن كان معناه قويًّا أخرجه ابن السني عن أبي خليفة وأخرجه ابن حبان في كتاب الضعفاء في ترجمة بزيع بموحدة فزاي فتحتية آخره عين مهملة بوزن عظيم مشهور باسمه واسم أبيه حسان وهو بصري ويقال له الحقاق قال ابن حبان يأتي عن
стр. 1785
"أذِيبُوا طَعَامَكُمْ بِذِكرِ اللهِ والصَّلاةِ، ولا تَنَامُوا عَلَيهِ فَتَقْسُوَ لَهُ قُلُوبُكُمْ".
كتاب السلام والاستئذان وتشميت العاطس وما يتعلق بها
ــ
الثقات بالموضوعات كأنه المتعمد لها ولذا نسبه إلى الوضع أبو أحمد بن عدي والحاكم والعقيلي وزاد أنه أحد من وضع حديث أبي بن كعب الطويل في فضائل السور وقد ذكر البيهقي أن الحديث من أفراد بزيع اهـ كلام الحافظ. وفي اللآلئ الموضوعة للحافظ السيوطي أن الحديث جاء من طريق بزيع أبي الخليل قال ... حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة فذكره وجاء من طريق أصرم بن حوشب قال: حدثنا عبد الله بن إبراهيم الشيباني عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة فذكر الحديث ثم قال السيوطي: الحديث موضوع، بزيع متروك، وأصرم كذاب، قال ابن عدي هو لبزيع فلعل أصرم سرقه منه قال السيوطي: قلت: أخرجه من الطريق الأولى الطبراني في الأوسط وابن السني في عمل اليوم والليلة وأبو نعيم في الطب والبيهقي في الشعب وقال تفرد به بزيع وكان ضعيفًا وأخرجه من طريق الثاني ابن السني في الطب واقتصر العراقي في تخريج الإحياء على تضعيفه وقال الديلمي: أخبرنا محمد بن الحسين إذنًا، أخبرنا أبي: حدثنا الديباج بن عثمان، حدثنا أحمد بن عقدة، حدثنا ابن الأشعث، حدثنا أصرم، حدثنا عبد الله بن إبراهيم عن حبيب بن أبي ثابت عن عاصم عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أكل العشاء والنوم عليه قسوة في القلب" اهـ. قوله: (أذيبوا طعامكم) أمر من الإذابة أي صيروا ذوبانه ووصوله إلى أجزاء البدن وانتفاعها به ناشئًا ومتسببًا عن ذكر الله تعالى. قال الصديق الأهدل: قال في الإحياء: أقل ذلك أن يصلي أربع ركعات ويسبح مائة تسبيحة ويقرأ جزءًا من القرآن عقب كل أكلة اهـ
كتاب السلام والاستئذان وتشميت العاطس وما يتعلق بها
قال في السلاح: السلام بمعنى السلامة فإذا سلم المسلم على المسلم عليه فكأنه يعلمه
стр. 1786
قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] وقال
تعالى:
ــ
بالسلامة من ناحيته ويؤمنه من شره وغائلته كأنه يقول له: أنا سلم لك غير حرب وولي غير عدو وقيل: إنما هو اسم من أسماء الله تعالى فإذا قال المسلم لأخيه: سلام عليكم فإنما يعوذه بالله ويبرك عليه باسمه قاله الخطابي اهـ. وسيأتي له تتمة وقال ابن القيم في بدائع الفوائد: السلام بمعنى التحية مصدر سلم ومصدره البخاري عليه تسليم كعلم تعليمًا والسلام من سلم كالكلام من كلم اهـ. ثم عقبه بما يفيد أن مراده أنه اسم مصدر لأن المصدر هو البخاري على فعله وهذا ليس كذلك ثم قال: فإن قيل: ما الحكمة في مجيئه اسم مصدر ولم يجيء على اسم المصدر؟ قيل: هذا سر بديع وهو أن المقصود مسمى السلامة للمسلم عليه على الإطلاق من غير تقييد بفاعل أي وذلك مدلول اسم المصدر بخلاف المصدر فإنه يدل على الحدث ومن ثم قام به، فلما كان المراد مطلق السلام من غير تعرض لفاعل أتوا بالمصدر الدال على مجرد الفاعل ولم يأتوا بالمصدر الدال على الفعل والفاعل معًا. أما السلام بمعنى السلامة فمصدر كالجلال والجلالة فإذا حذفت التاء كان المراد نفس المصدر فإذا أتى بها كان فيه إيذان بالتحديد بالمرة من المصدر اهـ. والاستئذان بسكون الهمزة وتبدل ياء طلب الإذن في الدخول وتشميت العاطس أي قول: رحمك الله وهو بالشين المعجمة وبالمهملة وما يتعلق بها أي بهذه الثلاثة من الأحكام والفضائل. قوله: (قال الله : ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ سبق الكلام على شيء مما يتعلق بها في باب ما يقول: إذا دخل بيته في أوائل الكتاب. قوله: (وقال أي عز شأنه وجل قدره عن أن يضاف إليه ما لا يليق به وقد التعبير به بعد التعبير بقوله أولًا تفنن. قوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ منها﴾ قال البيضاوي: الجمهور على أنه في السلام ويدل على وجوب الجواب إما
стр. 1787
﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] وقال تعالى:
ــ
بأحسن منه وهو أن يزيد عليه ورحمة الله فإن قاله له المسلم زاد وبركاته وهي النهاية وإما يرد مثله لما روي أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ : السلام عليك فقال: "وعليك السلام ورحمة الله" وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله فقال: "وعليك السلام ورحمة الله وبركاته" وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله وبركاته فقال: "وعليك" فقال: نقصتني وأين ما قال الله وتلا الآية، قال: إنك لم تترك لي فضلًا فرددت عليه مثله وذلك لاستجماعه أقسام المطالب السلامة عن المضار وحصول المنافع وثباتها ومنه قيل أو للترديد بين أن يحيي المسلم ببعض التحية وبين أن يحيي بتمامها، وهذا الوجوب على الكفاية وحيث السلام مشروع فلا يرد في الخطبة وقراءة القرآن وفي الحمام وعند قضاء الحاجة ونحوها، والتحية في الأصل مصدر حياك الله
على الإخبار من الحياة أي فوزنه تفعلة نقلت حركة الياء الأولى إلى الحاء ثم أدغمت في الياء الثانية وأصله الأخبار من الحياة ثم استعمل للحكم والدعاء بذلك ثم قيل لكل دعاء فغلب في السلام، وقيل: المراد بالتحية العطية وأوجب الله تعالى الثواب أو الرد على المتهب وهو قول قديم اهـ. وعلى هذا الوجه فليس ثمة مضاف في التقدير أما على كون المراد بالتحية السلام ففي النهر أن قوله أوردوها على حذف مضاف أي ردوا مثلها اهـ. وهذه الآية وما قبلها فيما يتعلق بالسلام. قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ قال جماعة المفسرين حتى تستأذنوا قال ابن عباس: أخطأ الكاتب حتى تستأنسوا إنما هي حتى تستأذنوا وقال أهل المعاني: الاستئناس الاستعلام يقال: أنست منه كذا أي علمت والمعنى حتى تستعلموا وتنظروا وتتعرفوا ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ هو أن يقول: السلام عليكم أدخل؟ ولا يجوز دخول بيت الغير إلا بعد الاستئذان لهذه الآية كذا في الوسيط للإمام الواحدي، وفي النهر لأبي حيان الظاهر أنه يجوز للإنسان أن يدخل بيت
стр. 1788
﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩] وقال تعالى:
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَال سَلَامٌ﴾ [الذاريات: ٢٤، ٢٥].
واعلم أن
ــ
نفسه بغير استئذان ولا سلام لقوله: غير بيوتكم ويروى أن رجلًا قال للنبي ﷺ : أستأذن على أمي؟ قال: "نعم"، قال: فإنه ليس لها خادم غيري أستأذن عليها كلما دخلت؟ قا هـ: "تحب أن تراها عريانة" قال الرجل: لا، قال: "فاستأذن" اهـ. والآية فيها ما يتعلق بالاستئذان والسلام. تموله: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ يعني إذا بلغ الأطفال منكم أي من الأحرار الحلم فليستأذنوا أي في جميع الأوقات في الدخول عليكم فالبالغ يستأذن في كل الأوقات والمملوك والطفل يستأذنان في الثلاث العورات: قبل صلاة الفجر لأن الإنسان ربما يبيت عريانًا أو على حال لا يحب أن يرى عليها وحين المقيل ومن بعد صلاة العشاء يأوي الرجل إلى أهله ويخلو بها ففي هذه الأوقات الثلاث التي يتخلى النّاس فيه ويتكشفون أمر العبيد وغير البالغ من الأحرار بالاستئذان فيها والحر البالغ يستأذن في الدخول سائر الأوقات وقوله تعالى: ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي الأحرار الكبار الذين أمروا بالاستئذان على كل حال وهذه الآية متعلقة بالاستئذان وفيه بدء السلام كما يأتي في صفة الاستئذان وكذا ما بعدها فيه ما يتعلق بالسلام. قوله: " ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ أي الملائكة الذين أرسلوا إليه بالبشائر الثلاث بالخلة والولد وبإنجاء لوماومن آمن معه قيل: كانوا اثني عشر ملكًا قاله ابن عباس ووصفهم بالمكرمين لكرامتهم عند رب العالمين وقوله تعالى إذ معمول لقوله حديث والضيف يقع على الواحد والجمع بلفظ واحد أي هل تقرر عندك حديث ضيف إبراهيم المكرمين وقت دخولهم عليه من غير استئذان منهم له. وقوله: (فقالوا سلامًا) هو بالنصب على إضمار فعل أي سلمت سلامًا وفيه دليل على أن الوارد على قوم هو الذي يبدؤهم بالسلام في قوله (قال: سلام) دليل على أنهم يردون عليه وسلام بالرفع مبتدأ خبره محذوف أي عليكم قال ابن القيم في كتاب بدائع الفوائد قيل: السر في نصب سلام ضيف إبراهيم ورفع سلامه أن النصب لكونه متضمنًا
стр. 1789
أصل السلام ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. وأما أفراد مسائله وفروعه فأكثر من أن تحصر، وأنا أختصر مقاصده في أبواب يسيرة إن شاء الله تعالى، وبه التوفيق والهداية والإصابة والرعاية.
ــ
جملة فعلية إذ
التقدير سلمت سلامًا يدل على الحدوث والتجدد، والرفع لكونه متضمنًا جملة اسمية إذ التقدير سلام عليكم يدل على الثبوت والتقرر فكان سلامه عليهم أكمل من سلامهم عليه وكان له من مقام الرد ما يتعلق بمنصبه وهو مقام الفضل إذ حياهم بأحسن من تحيتهم، قال: وعندي جواب هو أحسن من هذا هو أنه لم يقصد حكاية لفظ سلام الملائكة فقوله: سلامًا منصوب على أنه صفة قولًا والتقدير قالوا قولًا: سلامًا كما يقال قالوا: سدادًا وصوابًا ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ ليس المراد منه قالوا: هذا اللفظ المفرد بل المراد قالوا قولًا: سلامًا وسمي القول سلامًا لأنه يؤدي معنى السلام ويتضمنه من دفع الوحشة وحصول الاستئناس وقصد حكاية لفظ سلام إبراهيم فأتى به على لفظه مرفوعًا بالابتداء محكيا بالقول، وفي حكايته قول إبراهيم ورفعه وترك ذلك في جانب ضيفه إشارة إلى معنى لطيف جدًّا هو أن قول: سلام عليكم من دين الإسلام المتلقى عن أبي الأنبياء وإمام الحنفاء وأنه من ملة إبراهيم التي أمرنا باتباعها فحكي لنا قوله: ليحصل لنا الاقتداء والاتباع به ولم يحك قول ضيفه إنما أخبر به على سبيل الجملة دون التفصيل والكيفية والله أعلم اهـ. وقد أشار في النهر إلى هذا الوجه أعني كون سلامًا نعتًا لمصدر محذوف. قوله: (أصل السلام الخ) أي دليل السلام بدءًا وردًّا (ثابت بالكتاب) أي كما ذكر من الآي (والسنة) أي كالأحاديث الآتية (والإجماع) أي إجماع الأمة. قوله: (أفراد مسائله وفروعه) هو بفتح الهمزة واحد فرد أي مفردات مسائله والمراد أن ما ذكره من الكتاب والسنة في أصل مشروعية السلام وأما ما فيه من الفروع والمسائل فكثيرة جدًّا. قوله: (مقاصده) أي ما يقصد من تلك المسائل والفروع بعموم الحاجة إليه. قوله: (أبواب يسيرة) الإتيان بالوصف لتأكيد مبالغة القلة المفهومة من صيغة أبواب إذ هو من جموع القلة وذلك سبعة أبواب.
стр. 1790
باب فضل السلام والأمر بإفشائه
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ : أي الإسلام خير؟ قال: "تُطْعِم الطعامَ، وتقرأُ السّلام على مَنْ عَرَفْتَ ومَنْ لَمْ تَعْرِفْ".
ــ
باب فضل السلام والأمر بإفشائه
أي إظهاره ونشره من فشا الخبر ظهر. قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم) قال الحافظ بعد تخريجه بهذا اللفظ إلا أنه قال: وعلى من لم تعرف بزيادة لفظ على: وعند بعضهم -أي بعض من خرجه الحافظ عنه- بحذف على الأخيرة قال وعند بعضهم أن رجلًا قال: يا رسول الله والباقي سواء ثم قال الحافظ: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه اهـ. وروى ابن ماجه عن عمر مرفوعًا أفشوا السلام وأطعموا الطعام وكونوا إخوانًا كما أمركم الله، وعند الطبراني في مكارم الأخلاق عن أبي هريرة مرفوعًا أفضل الأعمال بعد الإيمان التودد إلى النّاس كذا في المرقاة للقارئ.
قوله: (إن رجلًا) قال الجلال البلقيني في الإلمام بما في البخاري من الإبهام قيل: هو أبو ذر وفي صحيح ابن حبان أنه هانئ بن مرشد اهـ. قوله: (أي الإسلام خيرا) أي أي خصال الإسلام أو أهل الإسلام أو آدابهم خير أي أفضل ثوابًا وأكثر نفعًا قال الطيبي: السؤال وقع عما يتعلق بحقوق الآدميين من الخصال دون غيرها بدليل أنه ﷺ أجاب عنها دون غيرها من الخصال في قوله: (تطعم الطعام) أي للأقارب والأباعد لا سيما المحتاجون لوجه الله تعالى لا لإرادة جزاء وشكور وإنما كان هذا من خير خصال الإسلام لما فيه من السماحة بالدنيا والإيثار بها وذلك من مكارم الأخلاق وتطعم في تقدير المصدر نحو تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، قال في المرقاة ويمكن أن يكون خبرًا معناه الأمر اهـ. قوله: (وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) تقرأ بفتح التاء بلفظ مضارع القراءة قال أبو حاتم السجستاني: يقال: اقرأ ﵇، ولا يقال أقرئه بالسلام فإن كان مكتوبًا قلت: أقرئه
следующие страницы →