← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

وروينا في "صحيح البخاري" عن سهل بن سعد ﵁ قال: "كانت فينا امرأة -وفي رواية: كانت لنا عجوز- تأخذ من أصول السِّلْق فتطرحه في القِدْر وتُكَرْكِرُ حَبَّابٍ من شعير، فإذا صلينا الجمعة انصرفنا نسلَّمْ عليها، فتقدِّمه إلينا". قلت: تكَركر، معناه: تطحن. وروينا في "صحيح مسلم" ــ درهم فرآها جرير فتخيل له أنها تساوي أربعمائة درهم فقال لصاحبها أتبيعها بأربعمائة درهم قال: نعم ثم تخيل أنها تساوي خمسمائة درهم فقال: أتبيعها بخمسمائة درهم ثم بسبعمائة ثم ثمانمائة فاشتراها بثمانمائة اهـ. وسببه أنه بايع النبي ﷺ على النصح لكل مسلم كما جاء عنه لما سئل عن ذلك كما ذكره المصنف في شرح مسلم وفي تذهيب التهذيب للكمال الذهبي كان جرير إذا اشترى الشيء قال لصاحبه تعلم والله أن الذي اشترينا منك أعجب إلينا من ثمنه. قوله: (وروينا في صحيح البخاري الخ) هذا اللفظ في إحدى روايات البخاري وفيه بعد قوله فتقدمه إلينا وما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة قال الحافظ: أخرج مسلم منه الجملة الأخيرة مقتصراً عليها وفي رواية للبخاري عن سهل بن سعد أيضاً قال: كانت فينا امرأة تجعل على أربعاء في مزرعة لها سلقاً فذكر الحديث وفيه ثم تجعل قبضة من شعير تطحنها وفي آخره وكنا نتمنى يوم الجمعة لطعامها ذلك قال الحافظ أخرجه الإسماعيلي وابن حبان. قوله: (من أصول السلق) بكسر السين المهملة وإسكان اللام بعدها قاف بقل معروف. قوله: (فتطرحه) أي المأخوذ أي تطرح السلق قال الكرماني في الحديث الإيثار بالقليل الحقير وفيه السلام على المرأة الأجنبية وفيه قناعة الصحابة وعدم حرصهم على الدنيا ولذاتها اهـ. قوله: (وروينا في صحيح مسلم الخ) قال الحافظ بعد تخريجه: أخرجه مسلم وابن حبان قلت ورواه البخاري أيضاً كما سيأتي في كتاب الاستئذان للمصنف والحديث عند الترمذي والنسائي ثم في هذا الخبر بطريقه أنها جاءته وهو يغتسل وفاطمة تستره وفي رواية أن النبي ﷺ اغتسل في بيتها يوم الفتح وجمع بينهما بإمكان وقوع كل فمرة كان

стр. 1857

عن أم هانئ بنت أبي طالب ﵂ قالت: "أتيت النبي ﷺ يوم الفتح وهو يغتسل، وفاطمة تستره، فسلَّمت ... " وذكرت الحديث. فصل: وأما أهل الذمة فاختلف أصحابنا فيهم، ــ ببيتها ومرة ذهبت إليه أو يقال: إنه كان في بيتها ولا ينافيه كون فاطمة عنده تستره أو يقال: كان لها بيتان أحدهما كان ﷺ سكن فيه والآخر سكناها فالإضافة إليها باعتبار مالكيتها وإليه باعتبار سكناه والله أعلم. قوله: (عن أم هانئ) أي بهمزة آخره قال المصنف في التهذيب لا خلاف فيه بين أهل اللغة والأسماء كلهم مصرحون به وهي بنت أبي طالب أخت علي لأبويه واسمها فاختة حكاه ابن الأثير وقال المصنف إنه المشهور كما سيأتي وقيل هند أسلمت عام الفتح وكانت تحت هبيرة بن عمرو فولدت له عمراً وهانئاً ويوسف وجعدة روي لها عن رسول الله ﷺ فيما قيل: ستة وأربعون حديثاً اتفقا منها على واحد وخرج حديثها الجماعة وروى عنها ابنها جعدة وحفيدها يحيى بن جعدة وعروة وطائفة ماتت في زمن معاوية. قوله: (يوم الفتح) أي فتح مكة وكان في رمضان من السنة الثامنة من الهجرة. قوله: (الحديث) وفيه فقال: من هذه: فقلت: أم هانئ بنت أبي طالب فقال: مرحباً بأم هانئ الحديث في قصتها مع أخيها علي لما أراد قتل من أجارته وفي آخره قال رسول الله ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" قال المصنف في الحديث: سلام المرأة التي ليست بمحرم على الرجل بحضرة محارمه، قولها: فقلت: أم هانئ بنت أبي طالب فيه أنه لا بأس أن يكني الإنسان نفسه على سبيل التعريف إذا اشتهر بالكنية وفيه أنه إذا استأذن يقول المستأذن عليه من هذا فيقول المستأذن: فلان باسم يعرفه به المخاطب، وقوله ﷺ : "مرحباً بأم هانئ" فيه استحباب قول الإنسان لزائره والوارد عليه مرحباً ونحوه من ألفاظ الإكرام والملاطفة ومعنى مرحبا صادفت رحباً أي سعة اهـ. فصل قوله: (وأما أهل الذمة) كذا ترجم هنا والأحاديث وترجم غالب الأصحاب السلام على أهل الكتاب الشامل لأهل الذمة وذوي الحرابة والله أعلم.

стр. 1858

فقطع الأكثرون بأنه لا يجوز ابتداؤهم بالسلام، وقال آخرون: ليس هو بحرام، بل هو مكروه، فإن سلَّموا هم على مسلم قال في الرد: وعليكم، ولا يزيد على هذا. وحكى أقضى القضاة الماوردي وجهاً لبعض أصحابنا، أنه يجوز ابتداؤهم بالسلام، لكن يقتصر المسلِّم على قوله: السلام عليك، ولا يذكره بلفظ الجمع. ــ ثم رأيت في التحفة لابن حجر يحرم أي الجواب لمن سلم عليه نحو حربي أو مرتد وذلك مؤيد لما ترجم به المصنف مبين أن لفظ أهل الكتاب أو اليهود أو النصارى الوارد في الأخبار من العام المراد به الخاص. قوله: (فقطع الأكثرون بأنه لا يجوز ابتداؤهم بالسلام الخ) قال العلوي وفي الشامل في الوليمة لا يجب رد السلام على أهل الذمة اهـ. والصحيح من مذهبنا وجوب الرد لكن يقتصر على قوله: وعليكم. قوله: (وقال آخرون ليس هو بحرام الخ) قال المصنف في شرح مسلم وهذا ضعيف لأن النهي للتحريم والصواب تحريم ابتدائهم اهـ (فإن سلموا هم) أي أهل الذمة (على مسلم قال) أي المسلم وجوباً (في الرد وعليكوا) قال المصنف في شرح مسلم دليل تحريم ابتدائهم قوله ﷺ : " لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام" ودليل وجوب الرد قوله في الحديث الآخر فقولوا: وعليكم وما ذكرناه عن مذهبنا قال به أكثر العلماء وعليه السلف وقال البلقيني والأذرعي والزركشي يسن الرد عليهم ولا يجب وخرج بقوله فإن سلموا هم أي أهل الذمة ما إذا سلم الحربي وفي معناه المرتد فلا يجب الرد عليهم بل يحرم كما تقدم آنفاً. قوله: (وحكى أقضى القضاة الماوردي الخ) في شرح مسلم للمصنف وذهبت طائفة إلى جواز ابتدائنا لهم بالسلام وروي ذلك عن ابن عباس وأبي أمامة وابن محيريز وهو وجه لبعض أصحابنا حكاه الماوردي لكنه قال: يقول: السلام عليك ولا يقول عليكم بالجمع واحتج هؤلاء بعموم أحاديث إفشاء السلام وهي حجة باطلة لأنه عام مخصوص بحديث: "لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام" وحكى القاضي عن جماعة أنه يجوز ابتداؤهم به لضرورة أو حاجة أو سبب وهو قول علقمة والنخعي وعن الأوزاعي

стр. 1859

وحكى الماوردي وجهاً أنه يقول في الرد عليهم إذا ابتدؤوا: وعليكم السلام، ولكن لا يقول: ورحمة الله، وهذان الوجهان شاذان ومردودان. روينا في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تَبْدَؤوا اليَهُودَ ولا النَّصَارى بالسَّلام فإذا لَقِيتُمْ أحَدَهُمْ في طَريقِ فاضْطَرُّوهُ إلى أضْيَقِهِ". وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا سَلَّمَ عَلَيكُمْ أهْلُ الكِتابِ فَقُولُوا: وعَلَيكمْ". ــ إن سلمت فقد سلم الصالحون وإن تركت فقد ترك الصالحون. قوله: (وحكى الماوردي الخ) قال المصنف في شرح مسلم وهو ضعيف مخالف للأحاديث. قوله: (وروينا في صحيح مسلم الخ) قال الحافظ بعد تخريجه لكن أخرجه بلفظ وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقها أخرجه أحمد ومسلم وأبو عوانة في صحيحه اهـ. قال في المرقاة وكذا أخرجه أبو داود والترمذي. قوله: (لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام) أي لأن الابتداء به إعزاز للمسلم عليه ولا يجوز إعزازهم وكذا لا يجوز توادهم وتحابهم بالسلام قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ﴾، الآية. قوله: (فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقها) قال المصنف قال أصحابنا: لا يترك للذمي صدر الطريق بل يضطر أي يلجأ إلى أضيقها إذا كان المسلمون يطرقون فإن خلت الطريق عن الزحمة أي إما بالفعل وإما بأن يؤمر بالعدول عن وسط الطريق إلى أحد طرفيه فلا حرج وليكن التضييق بحيث لا يقع في وهدة ولا يصدمه جدار ونحوه اهـ. قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) هكذا هو عند الشيخين وأخرجه أحمد والنسائي كلهم من طريق شعبة بهذا اللفظ قال: قولوا وعليكم وأخرجه أيضاً من طريق حماد بن سلمة عن قتادة والقاسم كلاهما عن أنس قال: قال ﷺ : "إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: عليكم" هكذا فيه بغير

стр. 1860

وروينا في "صحيح البخاري" عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إذَا سَلَّمَ عَلَيكُمُ اليَهُودُ فإنَّمَا يَقُولُ أحَدُهُم: السَّلام عَلَيكَ، فَقُلْ: وَعَلَيكَ" ــ واو اهـ. من كلام الحافظ ملخصاً وفي شرح مسلم للمؤلف جاءت للأحاديث التي ذكرها مسلم عليكم وعليكم بإثبات الواو وحذفها وأكثر الروايات إثباتها وفي الجامع الصغير بعد ذكر الحديث عن أنس بهذا اللفظ رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وفي بدائع الفوائد لابن القيم قال الخطابي: المحدثون يروونه بالواو وقال أبو داود وكذا رواه مالك عن ابن دينار وكذا رواه الثوري فقال: وعليكم وأخرجه الترمذي والنسائي كذلك اهـ. وحديث مالك الذي ذكره أبو داود أخرجه البخاري في صحيحه وحديث سفيان متفق عليه وما أشار إليه الخطابي من أن ابن عيينة رواه بحذف الواو فهو كذلك عنه عند النسائي في سننه أشار إليه الحافظ وسيأتي لهذا المعنى مزيد. قوله: (وروينا في صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ الخ) قال في السلاح خرج حديث ابن عمر أنه ﷺ قال: "إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليكم فقل: وعليك" الجماعة إلا ابن ماجه وفي رواية للنسائي فقل: عليك بغير واو اهـ. وقال الحافظ بعد تخريجه أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن عبد الله بن دينار هكذا أي بإثبات الواو في وعليك وكذا رواه بالإثبات سفيان بن عيينة عن عبد الله بن دينار ورواه يحيى بن يحيى عن مالك بحذفها من عليك وكذا رواه عنه خالد بن مخلد قال الحافظ ولم يذكر المؤلف أن مسلماً أخرج الحديث مع أنه عنده لكن من غير رواية مالك ولفظه إن اليهود إذا سلموا عليكم يقول أحدهم: السام عليكم فقل: عليك وفي رواية فقل: وعليك فأخرجه بغير واو الترمذي والنسائي أيضاً وخرجه الحافظ من طرق أخرى، والسام قال الطيبي رواه قتادة مهموزاً وقال: معناه يسأمون دينكم ورواه غيره السام وهو الموت فإن كان عربياً فهو من سام يسوم إذا مضى لأن الموت مضى اهـ. قيل: وهذا المعنى غير مذكور في القاموس إنما فيه سوم فلاناً خلاه ولعله أقرب مأخذ للمعنى اهـ. قال المصنف في شرح مسلم على إثبات الواو في معنى قوله: وعليكم وجهان أحدهما أنه على ظاهره أي أن السام الذي هو الموت علينا وعليكم

стр. 1861

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أيضاً أي نحن وأنتم فيه سواء أي كلنا نموت وعليه فالواو عاطفة قلت لكن نقل بعضهم عن القاضي عياض أنه إذا علم التعريض بالدعاء علينا فالوجه أن يقدر وأقول عليكم ما تريدون بنا أو ما تستحقونه ولا يكون وعليكم عطفاً على عليكم في كلامهم وإلا لتضمن ذلك تقرير دعائهم ولذا جاء في الرواية بغير واو اهـ. وظاهر كلام المصنف أنها للعطف وإن علم أنهم عرضوا بالسلام مريدين به الموت ولا ضرر في تقرير دعائهم به والله أعلم، الثاني أن الواو هنا للاستئناف وتقديره وعليكم ما تستحقونه من الذم أما من حذف الواو فتقديره عليكم السام قال القاضي: اختار بعض العلماء منهم ابن حبيب المالكي حذف الواو لئلا تقتضي التشريك وقال غيره بإثباتها كما هو في أكثر الروايات قال وقال بعضهم: عليكم السلام بكسر السين أي الحجارة وهذا ضعيف وقال الخطابي عامة المحدثين يروون هذا الحرف بالواو وكان ابن عيينة يرويه بغير واو وقال الخطابي: هذا هو الصواب لأنه إذا حذف الواو صار كلامهم بعينه مردوداً عليهم خاصة وإذا أثبت الواو اقتضى المشاركة معهم فيما قالوه: هذا كلام الخطابي والصواب أن إثبات الواو وحذفها جائزان كما صحت به الروايات وأن الواو أجود كما هو في أكثر الروايات ولا مفسدة فيه لأن السام الموت وهو علينا وعليهم فلا ضرر في قوله بالواو اهـ. وفي السلاح بعد نقل كلام الخطابي ما لفظه وقال غيره أما من فسر السام بالموت فلا يبعد الواو ومن فسره بالسآمة وهي الملالة أي تسامون دينكم فإسقاط الواو هو الوجه اهـ. وجمع في الحرز بجمع آخر وهو حمل حذف الواو على صدوره منه ﷺ عند قولهم: السام عليك وإثباتها على صدوره منه ﷺ عند قولهم: السلام عليك وأراد به السلامة الدنيوية لهم بناء على حسن المعاشرة العرفية وهو الظاهر من إطلاق الآية القرآنية ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ وهذا للمسلمين ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ وهذا لأهل الكتاب والله أعلم بالصواب وفي بديع الفوائد لابن القيم في إدخال الواو هنا سر لطيف هو الدلالة على أن هذا الذي طلبوه ودعوا به لنا هو بعينه مردود عليهم لا غيره فإدخال الواو مفيد لهذه النكتة البديعة ونظير هذا في الخبر إذا قلت: غفر الله لك فقيل: ولك فكأن المعنى أن هذه الدعوة بعينها مني لك فلو قلت لك بحذف الواو لم يكن فيه إشعار بأن الدعاء الثاني هو الأول بعينه فتأمله فإنه بديع جداً وعليه فالصواب إثبات الواو كما هو ثابت في الصحيح والسنن وقال

стр. 1862

وفي المسألة أحاديث كثيرة بنحو ما ذكرنا، والله أعلم. قال أبو سعد المتولي: ولو سلَّم على رجل ظنه مسلماً، فبان كافراً، يستحب أن يستردَّ سلامه ــ التوربشتي: إثبات الواو في الرد عليهم إنما يحمل على معنى الدعاء لهم بالإسلام فإنه مناط السلامة في الدارين إذا لم يعلم منهم تعريض بالدعاء علينا وأما إذا علم ذلك فالوجه فيه أن يكون التقدير وأقول عليكم ما تستحقونه وإنما اختار ﷺ هذه الصيغة ليكون أبعد من الإيحاش وأقرب إلى الرفق فإن رد التحية يكون إما بأحسن منها أو بقولنا: وعليك السلام والرد بأحسن عليهم لا يجوز لنا ولا رد بأقل من قولنا: وعليك وأما الرد بغير الواو فظاهر أي عليكم ما تستحقونه اهـ. وفي بديع الفوائد أيضاً إنما اقتصر في الرد علي أهل الكتاب على قوله وعليكم لأن ذلك متضمن للرد فهو مماثل لقول المسلم: السلام عليك ولم يزد فيه السلام لأنهم ربما كانوا يحرفونه ولا يعدلون فيه وربما كانوا يسلمون سلاماً صحيحاً غير محرف ويشتبه الأمر فيه على السامع فندب إلى هذا اللفظ المفرد المتضمن لرده عليهم نظير ما قالوه ولم تشرع فيه الجملة التامة لأنها إما تتضمن من التحريف مثل ما قالوا ولا يليق بالمسلم تحريف السلام الذي هو تحية أهل الإسلام وإما يرد سلاماً صحيحاً غير محرف مع كون المسلم محرفاً للسلام فلا يستحق الرد الصحيح فكان العدول إلى المفرد وهو عليك مقتضى الحكمة مع ما فيه من السلامة من تحريف ذكر الله تعالى، والحاصل أن عليكم يكفي في مقصود الجواب وإنما زيد المسلم السلام تكميلاً للعدل ودفعاً لأن يتوهم إرادة غيره اهـ. بالمعنى وهو بديع نفيس والله أعلم. قوله: (وفي المسألة أحاديث كثيرة) قال الحافظ منها حديث عائشة في الصحيحين من طريق الزهري عن عروة عنها قالت: دخل وهي من اليهود فقالوا: السام عليك ففهمتها الحديث وفيه ألم تسمع ما قالوا قال: قد قلت: وعليكم لفظ شعيب عند البخاري ولفظ مسلم عن سفيان بغير واو وأخرجه البزار من وجه آخر عن أنس فيه زيادة وقال في رواية السأم عليكم أي بالهمز أي تسأمون دينكم وفي آخره قد قلت: عليكم أي عليكم ما قلتم هكذا في نفس الحديث ويغلب على الظن أن التفسير مدرج في الخبر من بعض الرواة لكن الإدراج لا يثبت بالاحتمال والعلم

стр. 1863

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عند الله وأصل حديث أنس في الصحيح ثم أخرجه الحافظ عن أنس قال: أتى رجل من أهل الكتاب فسلم على رسول الله ﷺ فقال: السام عليك فقال عمر: ألا أضرب عنقه فقال ﷺ : "إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: عليكم" وقال بعد تخريجه: أخرجه أحمد وفي رواية بعد قوله: أضرب عنقه فقال رسول الله ﷺ : "لا" وأخرجه البخاري من طريق ابن المبارك عن شعبة ووقع في روايته فقالوا: ألا نقتله ولم يسم عمر ومنها في حديث زيد بن أرقم عند الطبراني في المعجم الكبير ويستفاد منه أن اسم اليهودي الذي سلم ثعلبة بن الحارث ولفظ الحديث عن زيد بن أرقم قال: بينا أنا عند النبي ﷺ إذا أقبل رجل من اليهود يقال له: ثعلبة بن الحارث فقال: السام عليك يا محمد الحديث قال الحافظ وسنده واه، ومنها حديث أنس كما سبق ومنها حديث جابر قال: سلم ناس من اليهود على النبي ﷺ فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم فقال: وعليكم فقالت عائشة وغضبت: ألم تسمع ما قالوا قال: بلى في سمعت ورددتها عليهم إنا نجاب ولا يجابون علينا قال الحافظ بعد تخريجه من طريق الإِمام أحمد وغيره أخرجه مسلم، ومنها حديث أبي بصرة بفتح الموحدة وسكون المهملة وأبي عبد الرحمن الجهني ذكر ذلك الترمذي عقب حديث عائشة حيث قال وفي الباب الخ قال الحافظ هو حديث واحد اختلف على بعض رواته في صحابيه، ثم أخرجه الحافظ عن أبي بصرة الغفاري واسمه حميل بمهملة مصغر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إني راكب غداً إلى يهود فمن انطلق منكم معي فلا يبدؤهم بالسلام" فلما جئناهم سلموا علينا فقلنا: وعليكم قال الحافظ بعد تخريجه بهذا اللفظ: هذا حديث صحيح أخرجه أحمد والنسائي ووقع عنده وعند أحمد في رواية بعد قوله بالسلام فإذا سلموا عليكم فقولوا: وعليكم وهكذا رواه ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير اليزني عن مرثد بفتح أوله والمثلثة بينهما مهملة ساكنة عن أبي بصرة ثم أخرج الحافظ طريق ابن لهيعة المذكورة وقال فذكر الحديث بتمامه أخرجه محمد بن الربيع الجيزي في مسند الصحابة المصريين وقال في روايته فركب رسول الله ﷺ حماراً وساق الحديث ورواه محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب فاختلف عليه في صحابيه فوافق الجماعة تارة وخالفهم أخرى ثم أخرج الحافظ عن حبيب عن مرثد بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الجهني ﵁ قال: قال

стр. 1864

فيقول له: رِدَّ عليَّ سلامي، والغرض من ذلك أن يُوحِشه ويُظْهِرَ له أنه ليس بينهما أُلفة. وروي أن ابن عمر ﵄ سلّم على رجل، فقيل: إنه يهودي، فتبعه وقال له: ردَّ على سلامي. قلت: ــ لنا رسول الله ﷺ : "إني راكب غداً إلى يهود فلا تبدؤوهم بالسلام وإذا سلموا عليكم فقولوا: وعليكم" ثم قال أخرجه ابن ماجه ومحمد بن الربيع أيضاً والطحاوي تنتهي طرقهم إلى ابن إسحاق بالسند المذكور قال أبو جعفر: سألت يوسف عن أبي عبد الرحمن فقال: لا أعرفه ولكن هكذا حدثني عبد الرحيم يشير به إلى أن المشهور بهذا السند أبو بصرة الغفاري كما تقدم وقال أبو القاسم بن عبد الحكم في كتاب فتوح مصر هذا خطأ وإنما هو أبو بصرة كما قال ابن لهيعة والليث وغيرهما عن يزيد بن أبي حبيب، وأخرجه الحافظ أيضاً من طريق ابن إسحاق عن يزيد عن أبي الخير عن أبي بصرة فذكر مثل الرواية السابقة أولاً ثم قال الحافظ: فيحتمل أن يكون عنده على الوجهين وإلا فهي شاذة لمخالفة العدد الكثير عن ابن إسحاق والمراد من قوله فهي أي رواية ابن إسحاق الخبر من حديث أبي بصرة شاذة فإن الراوية عنه إنما روى الحديث من جهته من حديث أبي عبد الرحمن قال الحافظ ورواه من جهته من حديث أبي بصرة الطبراني قال الحافظ وأخرجها محمد بن الربيع عن القطان أيضاً فلم ينفرد بها الطبراني. قوله: (فيقول له رد علي سلامي) أي ومثله استرجعت سلامي قال في شرح الروض فكل من الصيغتين كاف في ذلك قال في المرقاة ولا بأس بمثل هذا للمبتدع أو للمباغض أو المتكبر الذي لم يرد ﵇ اهـ، والمقرر أنه إذا لم يرد عليه فيستحب له إبراء المسلم عليه بقوله: أسقطت حقي ليبرأ من حقه وما قاله في المبتدع غير بعيد إلا أن أصحابنا لم أر عنهم النقل بذلك والله أعلم وسيأتي في الأصل قريباً حكم المبتدع في ابتدائه بالسلام والرد عليه. قوله: (روي أن ابن عمر الخ) قال الحافظ: لم يذكر المصنف من خرجه وقد وجدته في جامع ابن وهب وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان من طريقه عن السري بن

стр. 1865

وقد روينا في "موطأ مالك" ﵀ أن مالكاً سئل عمن سلم على اليهودي أو النصراني هل يستقيله ذلك؟ فقال: لا، فهذا مذهبه، واختاره ابن العربي المالكي. قال أبو سعد: لو أراد تحية ذمي، فعلها بغير السلام، بأن يقول: هداك الله، أو أنعم الله صباحك. قلت: هذا الذي قاله أبو سعد لا بأس به إذا احتاج إليه، فيقول: صُبِّحت بالخير، أو السعادة، أو بالعافية، أو صبَّحك الله بالسرور، أو بالسعادة والنعمة، أو بالمسرَّة، أو ما أشبه ذلك. وأما إذا لم يحتج إليه، فالاختيار أن لا يقول شيئاً، فإن ذلك بَسْط له وإيناس وإظهار صورة ود، ونحن مأمورون بالإغلاظ عليهم ومنهيون عن ودِّهم فلا نظهره، والله أعلم. فرع: إذا مرَّ واحد على جماعة فيهم مسلمون، أو مسلم وكفَّار، فالسُّنَّة أن يسلم عليهم ويقصد المسلمين أو المسلم. ــ يحيى عن سليمان التيمي أن ابن عمر مر برجل فسلم عليه فقيل له: نصراني فرجع إليه وقال: رد علي سلامي فقال: قد رددته عليك فقال له ابن عمر: كثر الله مالك لكن في الأولى أنه يهودي وفي هذه أنه نصراني وفي هذه زيادة ليست في تلك ولعلهما واقعتان اهـ. قوله: (وقد روينا في موطأ مالك الخ) قال الحافظ: وقع ذلك في الرواية التي سقتها عن يحيى ابن يحيى قال: وسئل مالك عمن سلم على اليهودي والنصراني هل يستقيله ذلك قال: لا اهـ. قوله: (هل يستقيله) أي بأن يقول له: رد علي سلامي مثلاً أولاً. قوله: (ونحن مأمورون بالإغلاظ عليهم) قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ والأمة مثله ﷺ في هذا الحكم. قوله: (ومنهيون عن ودهم) قال تعالى: (﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَه﴾ والآية. وفي التحية المذكورة إظهار للتواد فدخلت تحت الوصف الذميم أي موادة الكفار قال تعالى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ قوله: (فالسنة أن يسلم ويقصد المسلمين) أي يقصد اختصاص المسلمين بابتدائه بالسلام واستثناء الذمي من المسلم عليهم وظاهر عبارته

стр. 1866

روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أسامة بن زيد ﵄ "أن النبي ﷺ من على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عَبَدة الأوثان واليهود، فسلَّم عليهم النبي ﷺ ". فرع: إذا كتب كتاباً إلى مشرك، وكتب فيه سلاماً أو نحوه، فينبغي أن يكتب ما رويناه في "صحيحي البخاري ومسلم" في حديث أبي سفيان ﵁ في قصة هرقل "أن رسول الله ﷺ كتب: من محمد عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتَّبع الهدى". ــ أن هذا القصد سنة وبمثل ذلك عبر في الروضة لكن في شرح الروض ويستثنيه أي الذمي وجوباً ولو بقلبه إن كان بين المسلمين وسلم عليهم ويمكن جعل عبارته هنا موافقة لذلك بأن يرفع ويقصد المسلمين على الاستئناف فيكون خارجاً عن الاستحباب المقصور على ما قبله والله أعلم قال ابن العربي ومثل ما ذكر في أخلاط المسلمين والكافر ما إذا من بمجلس فيه أهل السنة والبدعة أو بمجلس فيه عدول وظلمة أو بمجلس فيه محب ومبغض اهـ. قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) وأخرجه ابن السني أيضاً ولذلك لما ذهب لزيارة ابن عبادة فمر بمجلس فيه ابن أبي وقوم من المؤمنين. قوله: (أخلاط من المسلمين الخ) بفتح الهمز جمع خلط وهو ما يخلط والمراد جمع مخلوط من هذه الأنواع مختلطون غير متمايزين. قوله: (عبدة الأوثان) عطف بيان أو بدل للمشركين قال الطيبي وكذا قوله واليهود وجعلهم مشركين إما لقولهم عزير ابن الله وإما للتغليب أو للتقدير كقوله متقلداً سيفاً ورمحاً اهـ والأولى عطف اليهود على المشركين. قوله: (فسلم عليهم النبي ﷺ الخ) قال المصنف: فيه جواز الابتداء بالسلام على قوم فيهم مسلمون وكفار أي وقد قصد المسلمين وهذا مجمع عليه. قوله: (إذا كتب كتاباً إلى مشرك) أي أراد أن يكتب والمراد من المشرك في العبارة الكافر بأنواعه لا ما يقابل أهل الكتاب. قوله: (ما رويناه في صحيحي البخاري ومسلم) رويناه من حديث ابن عباس عن

стр. 1867

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أبي سفيان بن حرب قال: انطلقت في المدة التي كانت بيننا وبين رسول الله ﷺ فبينا أنا بالشام إذ جيء بكتاب رسول الله ﷺ إلى هرقل فساق القصة إلى أن قال: فقرأه وفي رواية فأمر به فقرئ فإذا فيه يسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله وفي رواية من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى وذكر بقية الحديث قال المصنف في كتابه ﷺ جمل من القواعد منها وجوب العمل بخبر الواحد وإلا فلم يكن في بعث الكتاب مع دحية فائدة وهذا إجماع من يعتد به ومنها استحباب تصدير الكتاب باسم الله الرحمن الرحيم وإن كان المبعوث إليه كافراً، ومنها أن قوله ﷺ في الحديث الآخر كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم المراد فيه بحمد الله ذكر الله تعالى وقد جاء في رواية بذكر الله تعالى وهذا الكتاب كان ذا بال بل من المهمات العظام وبدأ فيه بالبسملة دون الحمدلة، ومنها أنه يجوز أن يسافر إلى أرض العدو بالآية والآيتين ونحوهما وأن يبعث ذلك إلى الكفار وإنما نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو أي بكلمة أو بجملة منه وذلك أيضاً محمول على ما إذا خيف وقوعه في أيدي الكفار ومنها أنه يجوز للمحدث والكافر مس آية أو آيات يسيرة مع غير القرآن ومنها أن السنة في المكاتبة والمراسلة بين النّاس أن يبدأ الكاتب الكتاب بنفسه فيقول من زيد إلى عمرو وهذه مسألة مختلف فيها قال الإِمام أبو جعفر بن النحاس في كتابه صناعة الكتاب قال العلماء: يستحب أن يبدأ فيه بنفسه كما ذكرنا ثم روى فيه أحاديث كثيرة وآثاراً قال: وهذا هو الصحيح عند العلماء لأنه إجماع الصحابة قال: وسواء في هذا تصدير الكتاب والعنوان قال ورخص جماعة في أن يبدأ بالمكتوب إليه فيقول في التصدير والعنوان إلى فلان من فلان ثم روي بإسناده إلى زيد بن ثابت كتب إلى معاوية فبدأ باسم معاوية وعن محمد ابن الحنفية وبكر بن عبد الله وأيوب السختياني أنه لا بأس بذلك، قال وأما العنوان فالصواب أن يكتب عليه إلى فلان ولا يكتب لفلان لأنه إليه لا له إلا على مجاز قال وهذا هو الصواب الذي عليه أكثر العلماء من الصحابة والتابعين قلت في المرقاة روى الطبراني في الكبير بسند حسن عن النعمان بن بشير مرفوعاً إذا كتب أحدكم إلى أحد فليبدأ بنفسه وروى الحاكم وغيره كتابه ﷺ إلى معاذ بن جبل يعزيه

стр. 1868

فرع: فيما يقول إذا عاد ذمياً: اعلم أن أصحابنا اختلفوا في عيادة الذمي، فاستحبَّها جماعة، ومنعها جماعة، وذكر الشاشي الاختلاف ثم قال: الصواب عندي أن يقول: عيادة الكافر في الجملة جائزة، والقربة فيها موقوفة: على نوع حرمة تقترن بها من جِوَارٍ أو قرابةٍ. قلت: هذا الذي ذكره الشاشي حسن، فقد روينا في "صحيح البخاري" عن أنس ــ في ابن له بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله ﷺ إلى معاذ بن جبل الحديث قيل ولعل هذا الصنيع مقتبس من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ولا يخفى أن الواو لمطلق الجمع أو كان من سليمان في العنوان اهـ. بمعناه ومنها التوقي في المكاتبة واستعمال الورع فلا يفرط ولا يفرط ولذا قال ﷺ إلى عظيم الروم ولم يقل لملك الروم لأنه لا ملك له ولا لغيره بحكم الإسلام ولا سلطان لأحد إلا لمن ولاه رسول الله ﷺ أو ولاه مر أذن له رسول الله ﷺ بشرطه وإنما ينفذ من تصرفات الكفار ما ينفذ للضرورة ولم يقل إلى هرقل بل أتى بنوع من الملاطفة فقال عظيم الروم أي الذي يعظمونه ويقدمونه وقد أمر الله بإلانة القول لمن يدعى إلى الإسلام فقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ ومنها استحباب البلاغة والإيجاز وتحري الألفاظ الجزلة في المكاتبة اهـ. قوله: (فقد روينا في صحيح البخاري عن أنس الخ) قال الحافظ بعد تخريجه من طريق البخاري في صحيحه باللفظ المذكور سواء أخرجه أحمد والنسائي وزاد أحمد في رواية أخرى أنه كان يضع له وضوءه ويناوله نعله وقال في آخره صلوا على أخيكم ويستفاد منها أنه مات عن قرب قال الحافظ ووجدت التصريح بذلك في رواية فساقها بإسناده إلى أبي الربيع الزهراني عن حماد بن زيد عن ثابت أظنه عن أنس قال: كان غلام من اليهود فذكر الحديث وقال فيه بعد قوله: أطع أبا القاسم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ثم هلك الغلام فخرج النبي ﷺ فذكر باقيه مثل ما تقدم سواء قال الحافظ والحديث عند أحمد عن مؤمل عن حماد بن زيد عن ثابت وفيه وأشهد أنك رسول الله وأبو

стр. 1869

رضي الله عنه قال: "كان غلام يهودي يخدمُ النبي ﷺ ، فمرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: أسْلِمْ، ــ الربيع المذكور اسمه سليمان بن داود مر شيوخ البخاري ومسلم وأظنه أنه الذي قال أظنه أو الراوي عنه إلى الربيع اهـ. قوله: (كان غلام يهودي) الغلام وإن كان حقيقة في غير البالغ لكن المراد به هنا البالغ فليس في الحديث دليل على صحة إسلام الصبي وإنما صح إسلام علي ﵁ مع صباه لما ذكره الأئمة أن الأحكام قبل الهجرة كانت منوطة بالتمييز على أن قوله الآتي: أنقذه من النار صريح في بلوغه إذ الأصح الذي عليه الأكثرون ودلت عليه الأخبار الصحيحة أن أطفال المشركين في الجنة وقوله ﷺ : "هم من آبائهم" قاله قبل أن يعلمه الله بذلك فلما أعلمه أخبر به. قوله: (يخدم النبي ﷺ ) فيه جواز استخدام الذمي ومخالطته أي بالظاهر وسبق في الحديث في بعض طرقه أنه كان يأتي بوضوء النبي ﷺ ويقدم نعله أما الموادة له وصحبته فيحرمان وعليهما يحمل قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ وعلى هذا التفصيل يحمل كلام بعض الأئمة الموهم للتناقض في ذلك. قوله: (فأتاه يعوده) فيه ندب عيادة المريض الذمي ومثله المعاهد والمستأمن لكن إن كان ثم نفع أو صلة كنحو قرابة وجوار وكذا رجاء إسلامه ومثله مبتدع أو فاسق متجاهر بفسقه رجيت توبته فإن انتفت جازت. قوله: (فقعد عند رأسه) فيه استحباب تحري الجلوس ثم للعائد. قوله: (فقال له: أسلم) فيه أنه ينبغي للعائد إذا رأى أمارة الموت وعلم عدم مشقة كلامه على المريض أن يرغبه في التوبة والوصية والتنصل من جميع الحقوق بكل ما يمكنه من أداء أو استحلال ويسن له أن يبالغ في تحسين ظنه بربه وتطميعه في رحمته سيما إن رأى منه أمارات اليأس بل بحث جمع من أئمتنا وجوبه حينئذ أخذًا بقاعدة النصيحة الواجبة ثم هل يؤخذ من قوله ﷺ له: "أسلم إن من عاد مريضاً غير مسلم يجب عليه عرض الإسلام عليه" لأن الأصل في فعله ﷺ أن يكون للوجوب على خلاف فيه في الأصول أو يفرق بأنه ﷺ متحتم عليه إبلاغ الدعوة لكل من أمكنه إبلاغه بخلاف غيره محل نظر والظاهر عدم الوجوب في خصوص هذا حتى عليه ﷺ لأنه قد بلغ الدعوة

стр. 1870

فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال: أطع أبا القاسم، فأسلم، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: الحَمْدُ لِلهِ الَّذي أنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ". وروينا في "صحيح البخاري ومسلم" ــ لهذا ولغيره تبليغاً متكرراً ولأنه لو امتنع لم يجبر لذمته وأمانه فلم يتضح وجه الوجوب. قوله: (فنظر إلى أبيه) أي كالمستحي منه في الخروج عن دينه. قوله: (فقال أطع أبا القاسم) أي فقال أبوه لما رأى لولده ميلاً إلى ذلك أطع أبا القاسم ﷺ فيما أمرك به وفي التعبير بأبي القاسم في هذا المقام إشارة إلى عظم المرتبة التي أوتيها ﷺ وأشار إليه بقوله: إنما أنا قاسم والله يعطي كيف وقد قسم لهذا الخادم له الذي تشرف بخدمته وحل عليه نظر سعادته تلقينه ما فيه نجاته وسعادته الأبدية وأعطاه الله ببركة تلك الوجهة إليه ذلك الكمال الأبدي والعز السرمدي ثم إن أباه إن استمر على دينه فهو في ميدان الخسران ولا ينفعه في ذلك قوله لولده ما ذكر ويؤخذ منه أن أمر الكافر مثله بالإسلام لا يكون إسلاماً لأن الإنسان كثيراً ما يأمر بالشيء ولا يرضاه. قوله: (الحمد الله الذي أنقذه من النار) أي التي لو مات على كفره لدخلها أو أنقذه الله من النار يعني الكفر لكونه سببها أو من الأمر الذي يؤول من أقام به إليها وهذا منه ﷺ شكر على ما حل بذلك الخادم من نعمة الإسلام التي نالها بسبب نظره ﵊. قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم) قال الحافظ بعد تخريجه وأخرجه ابن حبان أيضاً ولفظ الخبر قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال له: يا عم قل: لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزل نبي الله ﷺ يعرضها عليه ويعيدان تلك المقالة حتى قال آخر: ما كلمهم به هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول: لا إله إلا الله فقال ﷺ : "لأستغفرن لك" ما لم أنه عنك فنزلت ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ و﴾ ونزلت في أبي طالب ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية قال المصنف في شرح مسلم: هذا حديث اتفق الشيخان على إخراجه في صحيحيهما من رواية سعيد بن المسيب عن أبيه عن رسول الله ﷺ ولم يرو عن المسيب إلا ابنه سعيد كذا قال الحفاظ وفيه رد على

стр. 1871

عن المسيِّب بن حَزْن والد سعيد بن المسيب ﵁ قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءَه رسول الله ﷺ ، فقال: يا عَمِّ قُلْ: لا إله إلاَّ الله ... " وذكر الحديث بطوله. قلت: فينبغي لعائد الذمي أن يرغِّبه في الإسلام، ويبين له محاسنه، ويحثه عليه، ويحرِّضَه على معاجلته ــ الحاكم أبي عبد الله في قوله: لم يخرج البخاري ولا مسلم عن أحد ممن لم يرو عنه إلا واحداً ولعله أراد مر غير الصحابة اهـ. قوله: (عن المسيب) بفتح الياء على المشهور وقيل: بكسرها وهو قول أهل المدينة وكان سعيد يكره فتحها وحزن بفتح والمهملة وسكون الزاي آخره نون ابن أبي وهب القرشي المخزومي المكي قال في الروض: أسلم هو وأبوه حزن يوم الفتح وهو قول مصعب قال المصنف في التهذيب هو وأبوه حزن صحابيان هاجرا إلى المدينة وكان المسيب ممن بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة في قول وقال مصعب: لا يختلف أصحابنا أن المسيب وأباه من مسلمة الفتح قال أبو أحمد العسكري أحسب مصعباً وهم لأن المسيب حضر بيعة الرضوان وشهد اليرموك روي له عن رسول الله ﷺ سبعة أحاديث اتفقا منها على حديثين وانفرد البخاري بواحد وهو راوي حديث وفاة أبي طالب اهـ. ووقع في بعض نسخ الرياض المستطابة سقط موهم وذلك أنه قال وانفرد البخاري بحديث وهو حديث وفاة أبي طالب فسقط لفظ راوي بين وهو حديث والله أعلم ولم يرو عنه إلا ابنه سعيد عاش إلى خلافة عثمان ﵁. قوله: (لما حضرت أبا طالب الوفاة) المراد به قربت وفاة وحضرت دلائلها وذلك قبل المعاينة والنزع إذ لو كان حينئذٍ لما نفعه الإيمان لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ ويدل على أنه قبل المعاينة مجاوبته للنبي ﷺ ومع كفار قريش قال القاضي عياض: وقد رأيت بعض المتكلمين على الحديث جعل الحضور هنا على حقيقة الاحتضار لأن النبي ﷺ رحى بقوله ذلك حينئذٍ أن تناله الرحمة ببركة النبي ﷺ قال القاضي: وهذا ليس بصحيح لما قدمناه وأبو طالب اسمه عبد مناف وكانت وفاته قبل الهجرة بقليل مات أبو طالب ولرسول الله ﷺ تسع وأربعون سنة

стр. 1872

قبل أن يصيرَ إلى حال لا ينفعه فيها توبتُه، وإن دعا له دعا بالهداية ونحوها. فصل: وأما المبتدع ومن اقترف ذنباً عظيماً ولم يتب منه، فينبغي أن لا يسلِّم عليهم، ولا يردَّ ﵈، كذا قاله البخاري وغيره من العلماء: واحتجَّ الإِمام أبو عبد الله البخاري في "صحيحه" في هذه المسألة بما رويناه في "صحيحي البخاري ومسلم" ــ وثمانية أشهر وأحد عشر يوماً وتوفيت خديجة أم المؤمنين ﵂ بعد ذلك بثلاثة أيام ذكره المصنف في شرح مسلم وذكر فيه فوائد باقي الحديث. قوله: (قبل أن يصير إلى حالة لا تنفعه فيها توبته) وهي حال المعاينة والنزع. قوله: (وإن دعا له دعا له بالهداية) أي إذا دعا المسلم للذمي الذي عاده دعا له بالهداية للإيمان (أو نحوها) من التوفيق وتنوير الباطن بنور الإيمان ولا يدعو له بالمغفرة والرحمة ونحوهما لأنهما لأهل الإيمان قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، الآية. فصل قوله: (وأما المبتدع) أي من فارق السنة بما أحدثه من الاعتقاد الفاسد المأخوذ من العقل الكاسد والحكم الآتي في المبتدع محله فيمن لا تؤدي بدعته لكفره أما ذلك فهو مرتد وحكمه سبق بيانه والله أعلم. قوله.: (ومن اقترف ذنباً عظيماً ولم يتب منه) ومثله فيما ذكر المجاهر بفسقه والظاهر أن المراد بعظم الذنب أن يصير فاعله به فاسقاً ويفارف ما ألحق به من المجاهر بفسقه بالمجاهرة بالذنب هنا دون ما في الأصل والله أعلم. قوله: (ولم يتب منه) قال الحافظ في الفتح التقييد به جيد لكن في الاستدلال لذلك بقصة كعب نظر فإنه ندم على ما صدر منه وتاب ولكن أخر الكلام معه حتى قبل الله توبته وقضيته ألا يكلم حتى تقبل توبته ويمكن الجواب بأن الاطلاع على القبول في قصة كعب كان ممكناً وأما بعده فيكفي ظهور علامته من الندم والإقلاع وأمارة صدق ذلك اهـ. قوله: (بما رويناه في صحيحي البخاري ومسلم) قال الحافظ بعد أن خرجه من طريق أبي نعيم في المستخرج ومن طريق البخاري أيضاً كلاهما من حديث كعب بن مالك حين تخلف عن

стр. 1873

في قصة كعب بن مالك ﵁ حين تخلَّف عن غزوة تبوك هو ورفيقان له، قال: "ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا قال: وكنت آتي رسول الله ﷺ فأسلِّم عليه فأقول: هل حرَّك شفتيه بردِّ السلام أم لا؟ " قال البخاري: وقال عبد الله بن عمرو: لا تسلِّموا على شَرَبَة الخمر. قلت: فإن اضطر إلى السلام على الظَّلَمة، بأن دخل عليهم وخاف تَرَتُّبَ مفسدة في دينه أو دنياه أو غيرهما إن لم يسلِّم سلَّم عليهم. قال الإِمام أبو بكر بن العربي: قال العلماء: يسلِّم، ــ غزوة تبوك فذكر الحديث بطوله إلى أن قال فيه ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا أيها الثلاثة وقال فيه وكنت أشب الرجلين وكنت أخرج فأشهد الصلاة مع رسول الله ﷺ وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد وكنت آتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي: حرّك شفتيه برد السلام أو لا وأخرجه الحافظ أيضاً من حديث جابر قال في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قال: هم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع وكلهم من الأنصار قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث صحيح أخرجه سعيد بن منصور في السنن. قوله: (في قصة كعب بن مالك ﵁ حين تخلف عن غزوة تبوك هو ورفيقان له) قال الحافظ في هذه العبارة ما في يوهم أنهم اتفقوا على التخلف وليس مراداً واسم صاحبيه هلال بن أمية ومرارة بن الربيع. قوله: (وكنت آتي رسول الله ﷺ الخ) أي أنه لا يرى تحريك شفتيه ﷺ ولكنه يتردد في ذلك هل هو كما يرى مر عدم الرد لما وقع منه أو أنه بخلافه رحمة عليه وتفضلاً منه لديه قال المصنف في شرح مسلم فيه هجر أهل البدع والمعاصي الظاهرة وترك السلام عليهم ومقاطعتهم تحقيراً لهم وزجراً. قوله: (قال البخاري وقال عبد الله بن عمر الخ) قال الحافظ لم يذكر المصنف من وصله وقد ذكره البخاري في التاريخ قال: قال ابن أبي مريم حدثنا بكر بن مضر حدثنا عبيد الله بن زحر عن حبان بن أبي جبلة بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة وأبوه بفتح الجيم والموحدة عن

стр. 1874

وينوي أن السلام اسم من أسماء الله تعالى المعنى: الله عليكم رقيب. ــ ابن عمر لا تعودوا شراب الخمر إذا مرضوا وبه إلى ابن عمر قال: لا تسلموا على شربة الخمر هذا حديث حسن موقوف وعبد الله بن زحر مختلف في الاحتجاج به والبخاري ممن يقويه وقد جاء عنه بسند آخر أخرجه سعيد بن منصور والبخاري في التاريخ من طريق الليث بن أبي سليم عنه وعن ابن عمران عن عبد الله بن عمر وبكر أتقن من ليث وأعرف من ابن زحر فإنهما مصريان وأخرجه ابن عدي في الكامل من وجه آخر مرفوعاً لكن سنده ساقطا اهـ. وحكم الرد على السكران أنه إذا كان مميزاً ولم يعص بسكره واجب وقول المجموع لا يجب رد سلام مجنون وسكران يحمل على غير المميز أما المتعدي ففاسق وأما غير المميز فليس فيه أهلية الخطاب فلا عبرة بسلامه ولا يجب عليه رد والملحق بالمكلف إنما هو المتعدي وإنما لم يلحق به هنا لانتفاء فائدة الوجوب التي ذكرت في الصلاة من انعقاد سبب الوجوب في حقه حتى يلزمه القضاء لأن الرد لا يقضي كما تقدم نعم لو قيل بوجوبه ليكون آثماً في ترك الرد تغليظاً عليه لم يبعد أشار إليه ابن حجر في شرح المنهاج. قوله: (وينوي أن السلام اسم من أسماء الله تعالى) أي أنه لا يقصد التحية عليهم وإكرامهم بها الداعية إلى التحابب والتوادد للأمر بهجران أرباب المعاصي والظلم بل يقصد أن الله مطلع على أعمالكم فيجازيكم بها في أخراكم. ثم اعلم أن السلام المذكور في التحية اختلف فيه هل هو من أسماء الله تعالى وعليه فيفرق بين سلام التحية والسلام على نحو العاصي بأنه في خطاب غيره على تقدير مضاف أي بركة اسم السلام حلت عليكم ونزلت بكم وفي خطاب العاصي على ظاهره من غير تقدير كما تقدم أو هو بمعنى السلامة وهو المطلوب المدعو به عند التحية قولان واستدل لكل من القولين بما فيه طول وسبق بعضه وقد حقق ذلك ابن القيم في كتابه بديع الفوائد فمما استدل به للأول قوله في الحديث الصحيح فإن الله هو السلام وما رواه أبو داود من حديث ابن عمر أن رجلاً سلم على النبي ﷺ وهو يبول فلم يرد عليه حتى استقبل الجدار ثم تيمم ورد عليه قال: إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر إذ السلام إنما يكون ذكراً الله إذا تضمن اسماً من أسمائه، قلت: وقد يقال: إن

стр. 1875

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الذكر هو من قوله ورحمة الله إذ الظاهر أن النبي ﷺ يأتي بأكمل التحية فلذا لم يرد عليه حتى تيمم وحرمة ابتداء الكافر به مع جواز ابتدائه بنحو سلمك الله فليس حرمة ذلك إلا لكونه من أسمائه تعالى فلا يسوغ أن يطلب حلول بركة اسمه تعالى عليهم، قال ابن القيم وهذه حجج قوية، قلت وترجم البخاري في صحيحه باب السلام اسم من أسماء الله تعالى في قوله ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ وأخرج في الباب حديث ابن مسعود كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد السلام على الله قبل عباده الحديث وأخرج في الأدب المفرد من حديث أنس مرفوعاً السلام من أسماء الله تعالى وضعه الله في الأرض فأفشوه بينكم وقال السيوطي في التوشيح وأخرجه البزار من حديث مسعود والبيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة وهو مرفوع عند الجميع وتقدم تخريج الحديث من طريق ابن مسعود عند البزار والبيهقي في فصل الابتداء بالسلام أفضل قال الشيخ زكريا في تحفة القاري لا ينافي ذلك قول مر قال إنه مصدر نعت به والمعنى ذو السلامة من كل آفة اهـ. قال ابن القيم ومما استدل به للقول بالمصدرية إنه يجوز تنكيره ولو كان من أسمائه تعالى لما استعمل كذلك فإن التنكير لا يصرف اللفظ إلى معين فضلاً عن أن يصرفه إلى الله تعالى وحده بخلاف العرف فإنه ينصرف إليه تعييناً عليه وإنه عطف عليه الرحمة والبركة وهذا يدل على أن المراد به المصدر أي السلامة إذ الكل مصادر وبأنه لو كان من أسمائه تعالى لما استقام الكلام بإضمار وتقدير يكون به مفيداً أي بركة السلام عليكم والتقدير خلاف الأصل ولا دليل عليه وبأنه ليس القصد من السلام هذا المعنى وإنما القصد منه الإيذان بالسلامة ولذا كان السلام أماناً لتضمنه معنى السلامة وأمن كل واحد من المسلم والراد من صاحبه فهذه الأدلة تؤذن بأنه بمعنى السلامة وحذفت تاؤه لأن المطلوب الجنس لا المرة الواحدة والتاء تفيد التحديد، وفصل الخطاب في المسألة أن يقال الحق في مجموع القولين فكل منهما بعض الحق ومجموعهما هو الحق ويتبين ذلك بتقريره قاعدة هي أن من دعا الله بأسمائه الحسنى يسأل في كل مطلوب ويتوسل إلى الله تعالى بالاسم المقتضي لمطلوبه المناسب لحصوله حتى إن الداعي بالتوبة والغفران يقول: رب اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم وقد سأل أمرين وتوسل باسمين مقتضيين حصول مطلوبه والمقام هنا لما كان مقام طالب السلامة التي هي أهم ما عند الرجل أتى في لفظها بصيغة اسم من أسماء الله

стр. 1876

فصل: وأما الصِّبيان فالسُّنَّة أن يسلم عليهم روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أنس ﵁ "أنه مرَّ على صبيان فسلم عليهم وقال: كان النبي ﷺ يفعله" وفي رواية لمسلم عنه: "أن رسول الله ــ وهو السلام الذي يطلب منه السلامة فتضمن لفظ السلام معنيين أحدهما ذكر الله كما تضمنه حديث ابن عمر الثاني طلب السلامة وهو مقصود المسلم فقد تضمن سلام عليكم اسماً مر أسمائه تعالى وطلب السلامة منه فتأمل ذلك فإنه بديع اهـ، وحكى المصنف القولين في سلام التحية في شرح مسلم وظاهر كلامه الميل إلى أن المراد الأول أي اسم السلام عليك قال: ومعناه اسم الله عليكم أي أنتم في حفظه كما يقال: الله معك والله يصحبك اهـ وإنما طلب هذا اللفظ عند الملاقاة لأن عادة النّاس جارية بالتحية عند الملاقاة ولكل تحية مخصوصة وشرع الله تعالى لأهل الجنة هذه التحية أي سلام عليكم التي هي أشرف أنواع التحيات لتضمنها السلامة التي لا حياة ولا فلاح إلا بها فهي الأصل المقدم على كل شيء ومقصود العبد من الحياة إنما يحصل بالسلامة من الشر وحصول الخير كله والأول مقدم على الثاني ولذا إنما يهتم الإنسان بل كل حيوان بسلامته ثم بغنيمته على أن السلامة المطلقة تتضمن حصول الخير إذ لو فاتت حصل الهلاك والعطب فتضمنت السلامة نجاته من كل ضير وفوزه بكل خير فانتظم الأصلان المقصودان بالحياة بهذه التحية مع كونها مشتقة من اسمه السلام ومتضمنة له وقد تقدم لهذا المعنى مزيد والله أعلم. فصل قوله: (وأما الصبيان) بكسر الصاد على المشهور وبضمها وإسكان الموحدة جمع صبي ذكره المصنف في شرح مسلم ويجمع على صبية. قوله: (فالسنة أن يسلم عليهم) أي إذا كانوا مميزين وإذا بدؤوا بالسلام وجب الرد عليهم هذا هو الصواب الذي أطبق عليه الجمهور وقال بعض أصحابنا: لا يجب وهو ضعيف أو غلط كذا في شرح مسلم للمصنف. قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) قال الحافظ وأخرجه أحمد والترمذي والنسائي ثم قوله (أنه) أي أنساً (مر على صبيان) هكذا عند مسلم في طريق وعنده في طريق أخرى ما أشار إليه الشيخ ﵀ بقوله وفي رواية لمسلم أن رسول الله ﷺ مر على غلمان الخ وأخرج الحافظ الحديث بهذا اللفظ من طريق

стр. 1877

- ﷺ مرَّ على غلمان فسلَّم عليهم". وروينا في سنن أبي داود وغيره بإسناد الصحيحين عن أنس "أن النبي ﷺ مرَّ على غلمان يلعبون فسلَّم عليهم" ورويناه في كتاب ابن السني وغيره، قال فيه "فقال: السلامُ عَلَيكُمْ يا صِبْيانُ". ــ الشافعي بإسناده عن أنس أنه قال: مر ﷺ بغلمان وأنا فيهم فسلم علينا اهـ. قوله: (غلمان) بكسر أوله جمع غلام بمعنى صبي أو مملوك. قوله: (فسلم عليهم) أي تواضعاً ولأنه كان ماراً ولكثرتهم على احتمال. قوله: (ورويناه في سنن أبي داود) قال الحافظ: هو بعينه حديث الصحيحين إلا أن فيه زيادة يلعبون قال: وقد وقع لنا بهذه الزيادة بأتم من سياقه ثم أخرج عن ثابت عن أنس قال: خدمت النبي ﷺ ذات يوم حتى إذا رأيت أني قد فرغت قلت: يقيل رسول الله ﷺ فخرجت موجهاً إلى أهلي فإذا غلمة يلعبون فقمت أنظر إلى لعبهم فجاء رسول الله ﷺ فسلم عليهم ثم دعاني فبعثني في حاجة له وذكر بقية الحديث أخرجه أحمد بطوله وأبو داود قلت: كذا أخرجه البخاري في الأدب المفرد كما قاله السخاوي في فصل النهي عن إفشاء السر مر تكملته وسيأتي إن شاء الله تعالى قال الحافظ ورجاله رجال الصحيح إلا أن سليمان بن المغيرة أي الراوي له عن ثابت أخرجه مسلم احتجاجاً والبخاري استشهاداً وقد توبع في هذا الحديث فتابعه حبيب بن حجر عن ثابت عن أنس وحديثه حسن وحبيب بمهملة وموحدتين مصغر مع التثقيل وأبوه حجر بضم المهملة وسكون الجيم ذكره البخاري ولم يذكر فيه جرحاً وذكره ابن حبان في الثقات ورواه عن ثابت بن عبيد لكنه خالف في شيء منه فقال عن ثابت عن أنس قال: بعثني النبي ﷺ في حاجة فمررت بصبيان يلعبون فقعدت عندهم فأبطأت عليه فخرج فمر بالصبيان فسلم عليهم والحارث بن عبيد أخرج له البخاري استشهاداً وتكلم فيه بعضهم اهـ. قوله: (ورويناه في كتاب ابن السني وغيره) عن أنس قال: مر علينا النبي ﷺ ونحن نلعب فقال: السلام عليكم يا صبيان قال الحافظ بعد تخريجه أخرجه ابن السني من رواية أبي نعيم في الحلية وغيرها ومن رواية محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة كلاهما عن وكيع عن حبيب القيسي عن ثابت وأخرج الحديث من طريق عثمان بن مطر عن ثابت أبو أحمد بن عدي في ترجمة أبي إبراهيم الترجماني في الكامل

стр. 1878

باب في آداب ومسائل من السلام روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يُسَلِّمُ الرَّاكبُ على الماشِي، والماشي على القاعِدِ، والقَلِيلُ على الكَثيرِ" وفي رواية البخاري ــ وهو مشعر منه بأن عثمان تفرد به ولم ينفرد به كما ترى وكذا إيراد أبي نعيم له في ترجمة وكيع وعثمان ضعفوه بخلاف حبيب والله أعلم. قال المصنف في شرح مسلم في هذه الأحاديث استحباب السلام على الصبيان المميزين والندب إلى التواضع وبذل السلام للناس كلهم وبيان تواضعه ﷺ وكمال شفقته على العالمين واتفق العلماء على استحباب السلام على الصبيان اهـ، وحكمة مشروعية السلام للصبيان بدءاً ورداً أن يتمرن على ذلك فيدوم عليه في كبره اهـ، وقال ابن بطال في السلام على الصبيان تدريبهم على آداب الشريعة وطرح الأكابر رداء الكبر وسلوك التواضع وأين الجانب اهـ. باب في آداب ومسائل من السلام قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم) قال الحافظ بعد تخريجه من طريق أبي نعيم في المستخرج على صحيح مسلم وغيرها أخرج الحديث أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وأخرجه الترمذي من رواية الحسن البصري عن أبي هريرة بلفظه وأشار إلى انقطاعه وإن الحسن لم يسمع من أبي هريرة على الصحيح ثم قال الترمذي وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة قال الحافظ منها رواية ثابت يعني ابن عياض عن أبي هريرة قال وهي عند من ذكر قبل الترمذي فأخرج الحديث أحمد عن روح وأخرجه البخاري عن إسحاق بن إبراهيم ومسلم عن محمد بن مرزوق وأبو داود عن يحيى بن عربي ثلاثتهم عن روح وأخرجه أحمد أيضاً عن عبد الله بن الحارث والبخاري أيضاً من رواية مخلد ابن يزيد ومسلم أيضاً من رواية أبي عاصم كلهم عن ابن جريج قال: أخبرني زياد يعني ابن سعد أن ثابتاً يعني ابن عياض مولى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول فذكره قال ومنها ما يأتي بعد اهـ. قوله: (يسلم الراكب على الماشي) وذلك للتواضع

стр. 1879

والقَلِيلُ على الكَثِيرِ". قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: هذا المذكور هو السُّنَّة، فلو خالفوا فسلَّم الماشي على الراكب أو الجالس عليهما، لم يكره، صرح به الإِمام أبو سعد المتولي وغيره، وعلى مقتضى هذا لا يكره ابتداء الكثيرين بالسلام على القليل، والكبير على الصغير، ويكون هذا تركاً لما يستحقه من سلام غيره عليه، وهذا الأدب هو فيما إذا تلاقى الاثنان في طريق، أما إذا ورد على قعود أو قاعد، فإن الوارد يبدأ بالسلام على كل حال، سواء كان صغيراً أو كبيراً، قليلاً أو كثيراً، وسمى أقضى القضاة هذا الثاني سُنَّة؛ وسمى الأول أدباً وجعله دون السُّنَّة في الفضيلة. ــ حيث رفعه الله بالركوب ولئلا يظن أنه بهذا خير من الماشي. قوله: (والقليل على الكثير) وذلك للتواضع أيضاً المقرون بالاحترام والإكرام المعتبر في السلام مع أن الغالب وجود الكبير في الكثير وسيأتي في هذا الحديث بعده أن الصغير يسلم على الكبير مع أن الكثير قد يعتبر في معنى الكبير وأيضاً وضع السلام للتواد والمناسب فيه أن يكون الصغير مع الكبير والقليل مع الكثير بمقتضى الأدب المعتبر شرعاً وعرفاً نعم لو وقع الأمر بالعكس تواضعاً فهو مقصد حسن قال الماوردي إنما استحبَّ ابتداء السلام للراكب لأن وضع السلام إنما هو لحكمة إزالة الخوف من الملتقيين إذا التقيا أو من أحدهما في الغالب أو لمعنى التواضع المناسب لحال المؤمن أو لمعنى التعظيم لأن السلام إنما يقصد به أحد أمرين إما اكتساب ود أو استدفاع مكروه قال الطيبي: فالراكب يسلم على الماشي وهو على القاعد للإيذان بالسلامة وإزالة الخوف والقليل على الكثير للتواضع والصغير على الكبير للتوقير والتعظيم قال بعضهم أما التواضع ففي الكل موجود ولو عكس في الجميع ولذا قالوا ثواب المسلم أكثر من ثواب المجيب فلا بد من مراعاة معنى آخر في الترتيب المقدر فتدبر اهـ. قوله: (وفي رواية للبخاري يسلم الصغير على الكبير الخ) ترجم له البخاري في كتاب الاستئذان باب تسليم الصغير على الكبير ثم قال: وقال إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "يسلم الصغير على الكبير والمار على القاعد والقليل على الكثير" قال الحافظ بعد تخريج الحديث بإسناده أخرجه البخاري موصولاً في كتاب الأدب المفرد عن أحمد بن عمر وهو أحمد بن حفص بن عبد الله السلمي حدثنا أبي حدثنا إبراهيم بن طهمان الخ وفي سنده لطيفة تتابع ثلاثة من التابعين في نسق وأخرجه البخاري في الصحيح موصولاً من وجه آخر ثم أخرج الحافظ بسنده إلى عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله ﷺ : "يسلم الصغير على الكبير" فذكر مثله ثم قال الحافظ بعد تخريجه أخرجه أحمد عن عبد الرزاق وأبو داود عن أحمد وأخرجه البخاري والترمذي كلاهما من

стр. 1880

"يُسَلِّمُ الصَّغيرُ على الكَبِيرِ، والماشي على القاعِدِ، ــ طريق ابن المبارك عن معمر ثم قال الترمذي وفي الباب عن عبد الرحمن بن شبل وفضالة بن عبيد وجابر بن عبد الله قال الحافظ والثلاثة من الأنصار وفي ألفاظهم اختلاف ثم ساقه وبينه. قوله: (يسلم الصغير على الكبير) قال السيوطي لأنه أمر بتوقيره والتواضع له وفي معناهما القليل والكثير. قوله: (قال أصحابنا الخ) عللوه بأن القصد بالسلام الأمان والماشي يخاف الراكب والواقف يخاف الماشي فأمر بالابتداء ليحصل منهما الأمن وللكبير والكثير زيادة مرتبة فأمر الصغير والقليل بالابتداء تأدباً وتقدم فيه بسط. قوله: (فلو خالفوا فسلم الماشي على الراكب الخ) في التحفة لابن حجر ظاهر قولهم حيث لم يسن الابتداء لم يجب الرد إلا ما استثنى أنه لا يجب هنا في ابتداء من لم يندب له ويحتمل وجوبه لأن عدم السنة لأمر خارج وهو مخالفة نوع ما من الأدب اهـ، وفي المهمات ما ذكره من كونه لا يكره وإن كان خلاف السنة مناقض لما قرره من أن ما ثبت أنه سنة كان تركه مكروهاً ذكر ذلك في مواضع من المجموع اهـ. قوله: (وهذا الأدب فيما إذا تلاقى اثنان الخ) قال الحافظ: وهو صحيح لكن محله ما إذا لم تتحد الصفات بالركوب وعدمه أو المشي والقعود مثلاً إما عند اتفاقهما فلا ولو تلاقى قليل ماش وكثير راكب فقد تعارضا ومثل

стр. 1881

فصل: قال المتولي: إذا لقي رجل جماعة فأراد أن يخص طائفة منهم بالسلام كره، لأن القصد من السلام المؤانسة والألفة، وفي تخصيص البعض إيحاش للباقين، وربما صار سبباً للعداوة. فصل: إذا مشى في السوق أو الشوارع المطروقة كثيراً ونحو ذلك مما يكثر فيه المتلاقون، فقد ذكر أقضى القضاة الماوردي أن السلام هنا إنما يكون لبعض النّاس دون بعض، قال: لأنه لو سلم على كل من لقي لتشاغل به عن كل مهم، ولخرج به عن العرف، قال: وإنما يقصد بهذا السلام أحد أمرين: إما اكتساب ود، وإما استدفاع مكروه. فصل: قال المتولي: إذا سلمت جماعة على رجل فقال: وعليكم السلام، وقصد الرد على جميعهم سقط عنه فرض الرد في حق جميعهم، كما لو صلى على جنائزَ دفعة واحدة فإنه يسقط فرض الصلاة على الجميع. ــ القاعد في الحكم المذكور الواقف والمضطجع فيرد عليه من ورد سواء كان قليلاً أو كثيراً أو صغيراً أو كبيراً كما أشار إليه في شرح الروض. فصل قوله: (قال المتولي: إذا لقي رجل جماعة الخ) محله إن اقتصر على التخصيص وإلا فلو عمم ثم خصص فلا ففي بعض طرق حديث جبريل في الإيمان والإسلام والإحسان أنه قال: السلام عليكم يا محمد قال بعض شراح الأربعين النووية ففيه من الفقه ابتداء الداخل بالسلام وإقباله على رأس القوم حيث قال: السلام عليكم فعم ثم خص اهـ. فصل قوله: (إذا مشى في السوق الخ) سبق في باب فضل السلام الجمع بين ما هنا من الاقتصار في السلام على البعض وقضية حديث ابن عمر من تعميم كل أحد يلقاه بالسلام بأن حديث ابن عمر محمول على ما إذا لم يترتب على الاشتغال به كذلك فوات ما هو أهم منه من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو نحو ذلك وما

стр. 1882

فصل: قال الماوردي: إذا دخل إنسان على جماعةٍ قليلةٍ يعمُّهم سلام واحد، اقتصر على سلام واحد على جميعهم، وما زاد من تخصيص بعضهم فهو أدب، ويكفي أن يرد منهم واحد، فمن زاد منهم فهو أدب، قال: فإن كان جمعاً لا ينتشر فيهم السلام الواحد كالجامع والمجلس الحفل، فسُنَّة السلام أن يبتديء به الداخل في أول دخوله إذا شاهد القوم، ويكون مؤدياً سُنَّة السلام في حق جميع من سمعه، ويدخل في فرض كفاية الرد جميع من سمعه، فإن أراد الجلوس فيهم سقط عنه سُنَّة السلام فيمن لم يسمعه من الباقين، وإن أراد أن يجلس فيمن بعدهم ممن لم يسمع سلامه المتقدِّم ففيه وجهان لأصحابنا، أحدهما: أن سُنة السلام عليهم في حصلت بالسلام على أوائلهم لأنهم جمع واحد، فلو أعاد السلام عليهم كان ــ هنا محمول على ما إذا ترتب عليه ذلك كما يدل عليه قوله لأنه لو سلم على كل من لقي لتشاغل به عن كل مهم الخ، وجمع الحافظ في الفتح بأن كلام الماوردي محمول على من خرج في حاجة له فتشاغل عنها بما ذكر والأثر المذكور ظاهر في أنه خرج بقصد تحصيل ثواب السلام اهـ. وجمع العلوي يحمل أحدهما على الجواز والآخر على الاستحباب ثم إذا سلم على البعض أدى سنة السلام في حق من سمعه ممن سلم عليه ووجب عليه الرد على سبيل الكفاية إن كان عدداً وعلى سبيل التعين إن كان واحداً. فصل قوله: (قال الماوردي إذا دخل إنسان على جماعة -إلى أن قال- ويكفي أن يرد منهم واحد فمن زاد منهم فهو أدب) المراد بكونه أدباً بالنسبة إلى طلب ذلك مما زاد على الواحد وإذا فعله وقع فرض كفاية كما لو صلى على الجنازة بعد أن صلى عليها غيره فالساقط بالأول الحرج. قوله: (لا ينتشر) مضارع من الانتشار. قوله: (الحفل) بفتح الحاء المهملة وكسر الفاء أي الكثير من النّاس. قوله: (فإن أراد الجلوس فيهم)

стр. 1883

أدَباً، وعلى هذا أي أهل المسجد رد عليه سقط به فرض الكفاية عن جميعهم. والوجه الثاني: أن سُنة السلام باقية لمن لم يبلغهم سلامه المتقدم إذا أراد الجلوس فيهم، فعلى هذا لا يسقط فرض رد السلام المتقدِّم عن الأوائل برد الأواخر. فصل: ويستحبُّ إذا دخل بيته أن يسلم وإن لم يكن فيه أحد، وليقل: السلامُ عَلَيْنا وعلى عِبادِ اللهِ الصَّالِحينَ. وقد قدَّمنا في أول الكتاب بيان ما يقوله إذا دخل بيته، وكذا إذا دخل مسجداً أو بيتاً لغيره ليس فيه أحد، يستحب أن يسلِّم، وأن يقول: السلامُ عَلَيْنا وعلى عِبادِ اللهِ الصَّالحِينَ، السلامُ عَلَيْكُمْ أهْلَ البَيْتِ ورَحْمَةُ الله وبَرَكَاتُهُ. فصل: إذا كان جالساً مع قوم ثم قام ليفارقهم، فالسُّنَّة أن يسلم عليهم. فقد روينا في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما بالأسانيد الجيدة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا انْتَهى أحَدُكُمْ إلى ــ أي فيمن سمع سلامه أي بينهم. قوله: (وعلى هذا) أي القول بسقوط السلام لسلامه الأول وإن لم يسمعه من تخطى إليهم (فأي أهل المسجد أجابه سقط) بإجابته (واجب الرد) سواء فيه من سمع سلامه ومن لا لأن العلة على هذا القول أنهم جمع واحد فكما اكتفى بالسلام على بعضهم عن السلام على الباقين كذلك اكتفى في سقوط الواجب برد البعض عن الباقين. قوله: (والوجه الثاني الخ) هو المعتمد. فصل قوله: (يستحب إذا دخل بيته أن يسلم الخ) أي لتعود البركة عليه وعلى المنزل. قوله (وقد قدمنا في أول الكتاب) أي أول كتاب الأذكار في باب مستقل ترجمه بقوله باب ما يقول إذا دخل بيته وليس المراد أول كتاب السلام كما قد يتوهم من حيث إن فيه الكلام نبه عليه الحافظ. فصل قوله: (فالسنة أن يسلم عليهم) أي عند مفارقته لهم. قوله: (فقد روينا في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما بالأسانيد الجيدة) قال الحافظ: مخرج هذا الحديث

стр. 1884

المَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ، فإذا أرادَ أنْ يَقُومَ فَلْيُسَلِّمْ فَلَيسَتْ الأولى بأحَقَّ مِنَ الآخِرَةِ" قال الترمذي: حديث حسن. ــ واحد وإن تعددت الأسانيد إلى محمد بن عجلان ثم خرجه الحافظ باللفظ المذكور لكن قال: فليست الأولى بأحق من الأخيرة فزاد تحتية قبل الراء وقال بعد تخريجه: هذا حديث حسن أخرجه النسائي عن أحمد بن بكار عن مخلد بن يزيد عن أبي جريج وأخرجه البخاري في الأدب المفرد عن خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال ثم أخرجه الحافظ من طريق أخرى تنتهي إلى إبراهيم بن عبد الله بن مسلم، حدثنا عاصم عن محمد بن عجلان عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم المجلس فليسلم فإن قام والقوم جلوس فليسلم" فذكر بقيته مثله وقال الحافظ: أخرجه البخاري عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد عن ابن عجلان وأخرجه أحمد عن بشر بن المفضل ويحيى القطان وقران بن تمام ثلاثتهم عن ابن عجلان قال الترمذي: حديث حسن وأشار الحافظ إلى اختلاف وقع في السند فعند ابن جريج ومن ذكر معه عن محمد بن عجلان عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة وذكر الدارقطني في العلل عدة من رواه كذلك من ذكرناه أولاً إلا سليمان وقران ويحيى وزاد المفضل بن فضالة وروح بن القاسم وجرير بن عبد الحميد فصاروا عشرة كلهم عن محمد بن عجلان كما قاله ابن جريج قال ورواه الوليد وصفوان عن ابن عجلان عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة فزاد فيه عن أبيه قال: والصواب رواية ابن جريج ومن تابعه قال وخالف الجميع هشام بن حسان فقال عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة قال الحافظ: رواية المفضل عند ابن حبان ورواية روح بن القاسم عند النسائي ورواية جرير لم أرها ورواية هشام أخرجها النسائي وفيها مخالفة فساق من طريق يزيد بن هارون عن هشام عن محمد وليس هو ابن سيرين عن رجل عن أبي هريرة قال النسائي: يشبه أن يكون محمد هو ابن عجلان قال الحافظ: وعلى هذا فالرجل هو أبوه فيوافق ما قال الدارقطني والعلم عند الله اهـ. قوله: (فإذا أراد أن يقوم فليسلم) أي ندباً وقوله (فليست الأولى الخ) أي التسليمة الأولى (بأحق) أي بأولى وأليق (من) التسليمة (الآخرة) بل كلتاهما حق وسنة مشعرة إلى حسن المعاشرة

стр. 1885

قلت: ظاهر هذا الحديث أنه يجب على الجماعة رد السلام على هذا الذي سلَّم عليهم وفارقهم، وقد قال الإمامان القاضي حسين وصاحبه أبو سعد المتولي: جرت عادة بعض النّاس بالسلام عند مفارقة القوم، وذلك دعاء يستحب جوابه ولا يجب، لأن التحية إنما تكون عند اللقاء لا عند الانصراف، وهذا كلامهما، وقد أنكره الإِمام أبو بكر الشاشي الأخير من أصحابنا وقال: هذا فاسد، لأن السلام سُنَّة عند الانصراف كما هو سُنَّة عند الجلوس، وفيه هذا الحديث، وهذا الذي قاله الشاشي هو الصواب. ــ وكرم الأخلاق ولطف الفتوة ولطافة المروءة فإنه إذا فارقهم من غير سلام عليهم ربما يتشوش أهل المجلس من فراقهم وهو ساكت وبهذا يتبين أنه قد يقال بل الآخرة أولى من الأولى لأن تركها ربما يتسامح فيه بخلاف الثانية على ما هو المتعارف لا سيما إذا كان في المجلس مما لا يذاع ولا يشاع ولذا قيل كما أن التسليمة الأولى إخبار عن سلامتهم من شره عند الحضور فكذا الثانية إخبار عن سلامتهم من شره عند الغيبة وليست السلامة عند الحضور أولى منها عند الغيبة بل الثانية أولى كذا في بعض شروح المشكاة. قوله: (قلت ظاهر هذا الحديث الخ) قال العاقولي: ظاهر الحديث يشعر بوجوب رد السلام على الذي يسلم للمفارقة وهو الصحيح من مذهب الشافعي وفي حديث قتادة أي وهو مرسل رواه البيهقي في الشعب إذا دخلتم بيتاً فسلموا على أهله وإذا خرجتم فردوا على أهله بالسلام قال العاقولي أيضاً هو من الإيداع أي اجعلوا السلام وديعة عندهم كي ترجعوا وهو تفاؤل بالسلامة والمعاودة لأن صاحب الوديعة يعود إلى المودع ليسترد وديعته وهو دليل على استحباب السلام على أهل المجلس عند مفارقتهم أيضاً أهـ. قوله: (ظاهر هذا الحديث) أي قوله فليست الأولى بأحق من الآخرة. قوله: (وذلك دعاء) أي والوجوب إنما هو للسلام التحية قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ فلا يدخل هذا السلام تحت الأمر المستفاد منه الوجوب قال في المرقاة وبه

стр. 1886

فصل: إذا مر على واحد أو أكثر، وغلب على ظَنِّه أنه إذا سلَّم لا يرد عليه، إما لتكبُّر الممرور عليه، وإما لإهماله المارَّ أو السلامَ، وإما لغير ذلك، فينبغي أن يسلم ولا يتركه لهذا الظن، فإن السلام مأمور به، والذي أُمِرَ به المار أن يسلِّم، ولم يؤمر بأن يحصل الرد، مع أن الممرور عليه قد يخطيء الظن فيه ويرد. وأما قول من لا تحقيق عنده: إن سلام المار سبب لحصول الإثم في حق الممرور عليه، فهو جهالة ظاهرة، وغباوة بيِّنة، فإن المأمورات الشرعية لا تسقط عن المأمور بها بمثل هذه الخيالات، ولو نظرنا إلى هذا الخيال الفاسد لتركنا إنكارنا إنكار المنكر على من فعله جاهلاً كونه منكراً، وغلب على ظننا أنه لا ينزجر بقولنا، فإن إنكارنا عليه، وتعريفنا له قبحَه يكون سبباً لإثمه إذا لم يقلع عنه، ولا شك في أنا لا نترك الإنكار بمثل هذا، ونظائر هذا كثيرة معروفة، والله أعلم. ويستحب لمن سلَّم على إنسان وأسمعه سلامه وتوجبه عليه الرد بشروطه فلم يرد أن يحلِّله من ذلك، فيقول: أبرأته من حقي في رد السلام، أو جعلته في حل منه، ونحو ذلك، ويلفظ بهذا، فإنه يسقط به حق هذا الآدمي، والله ــ صرح بعض علمائنا يعني من الحنفية وعلله بأنه دعاء ووداع فكان جوابه مستحباً والله أعلم. فصل قوله: (فينبغي أن يسلم عليه ولا يتركه) وما في الإحياء عن أبي مسلم الخولاني أنه كان يمر على قوم ولا يسلم عليهم ولقول ما يمنعني إلا أني أخشى أنهم لا يردون فتلعنهم الملائكة محمل سديد يليق بشأنه وفي الفتح للحافظ رجح ابن دقيق العيد في شرح الإلمام المقالة التي زيفها النووي بأن مفسدة توريط المسلم في المعصية أشد من ترك مصلحة السلام عليه لا سيما وقد حصل امتثال الأمر بإفشاء السلام مع

стр. 1887

أعلم. وقد روينا في كتاب ابن السني عن عبد الرحمن بن شبل الصحابي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أجابَ السلام فَهُوَ لهُ، ومَنْ لَمْ يُجبْ فَلَيْسَ مِنّا" ــ غيره اهـ. قوله: (وقد روينا في كتاب ابن السني) وأخرجه البخاري في الأدب لكن قال: ومن لا يجب فلا شيء له قال الحافظ: والذي وقفت عليه في جميع طرق هذا الحديث بلفظ البخاري قال والحديث طرف من حديث طويل وقال الحافظ بعد تخريج الحديث بجملته: الحديث صحيح إن ثبت سماع أبي سلام يعني ممطور بن عبد الرحمن بن شبل فقد أدخل أبان بن يزيد في روايته عن يحيى بن أبي كثير بينهما أبا راشد الجبراني والحديث أخرجه أحمد وكذا رواه معاوية بن سلام وأخرجه الطبراني لكنهما اقتصرا على بعض الحديث وأخرج أحمد أيضاً وأبو يعلى والطبراني بعض الحديث وأخرجه الحاكم وحكي عن بعضهم التصريح بوصل سنده وقال الحافظ: التصريح وهم وبين ذلك. قوله: (عن عبد الرحمن بن شبل) وفي الاستيعاب أنه أنصاري له صحبة روى عنه تميم ابن محمود وأبو راشد الجبراني بضم الجيم وإسكان الموحدة وأخوه عبد الله بن شبل له صحبة أيضاً اهـ، والحديث الطويل الذي أشرنا إليه فيما مر آنفاً هو ما أخرجه الحافظ بسنده إلى يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن جده أبي سلام وهو ممطور قال: كتب معاوية إلى عبد الرحمن بن شبل ﵄ أن علم النّاس ما سمعت من رسول الله ﷺ وفي رواية أخرى وهي من طريق معاوية بن سلام عن أخيه زيد بن سلام عن أبي سلام عن أبي راشد الجبراني عن عبد الرحمن بن شبل أن معاوية قال له: إنك رجل من قدماء أصحاب رسول الله ﷺ وفقائهم فإذا صليت العصر ثم دخلت المقصورة فقم في النّاس فعلمهم قال في الحديث فجمعهم ثم قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: تعلموا القرآن فإذا علمتموه فلا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به ثم قال: إن التجار هم الفجار قالوا: يا رسول الله أو ليس قد أحل الله البيع وحرم الربا قال: بلى ولكنهم يحلفون ويأثمون ثم قال: إن الفساق هم أهل النار قالوا ومن الفساق يا رسول الله قال النساء قالوا: أو لسن أمهاتنا وبناتنا وأخواتنا قال: بلى ولكنهن

стр. 1888

ويستحب لمن سلم على إنسان فلم يرد عليه أن يقول له بعبارة لطيفة: ردُّ السلام واجب، فينبغي لك أن ترد عليَّ ليسقط عنك الفرض، والله أعلم. باب الاستئذان قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ ــ إذا أعطين لم يشكرن وإذا ابتلين لم يصبرن ثم قال: يسلم الراكب على الراجل ويسلم الراجل على الجالس والأقل على الأكثر فمن أجاب السلام كان له ومن لم يجب فلا شيء له قال الحافظ: حديث صحيح إن ثبت سماع أبي سلام من عبد الرحمن فقد أدخل بعضهم بينهما أبا راشد الجبراني أخرجه أحمد وكذا رواه معاوية بن سلام عن جده أبي سلام عن أبي راشد الجبراني وكذا أخرجه الطبراني لكنهما اقتصرا على بعض الحديث وأخرجه الحافظ كذلك من طريق أخرى إلا أنه قال القاعد بدل الجالس وقال: هذا السند على شرط الصحيح لم يخرجا له قال: فيترجح أن الطريق الأولى منقطعة وأخرج أحمد وأبو يعلى والطبراني بعض الحديث من رواية هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي راشد فسقط من السند زيد وجده وأخرجه الحاكم مع ذلك من هذا الوجه لكن قال: صرح هشام عن يحيى بأن أبا راشد حدثه كذا قال والذي يغلب أن التصريح وهم من بعض رواته فقد أخرجه أحمد من طريقين عن هشام بالعنعنة قاله الحافظ. قوله: (ويستحب لمن سلم على إنسان الخ) الظاهر أن طلب هذا القول ما دام وقت الرد باقياً ويحتمل أن يأتي به ولو مع طول الفصل ويكون القصد به زوال ما يقع عنده من ترك جوابه من الضغينة ونحوها والله أعلم. باب الاستئذان هو بسكون الهمزة وتبدل ياء طلب الإذن في الدخول، قيل: سبب نزول آية الاستئذان

стр. 1889

الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩]. وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الاسْتِئْذَانُ ثَلاثٌ، فإن أُذِنَ لكَ وإلاَّ فارْجِعْ". ورويناه في ــ ما في الرياض النضرة للمحب الطبري عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أرسل غلاماً من الأنصار إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه فرأى عمر على حالة كره عمر رؤيته عليها فقال: يا رسول الله وددت لو أن الله أمرنا ونهانا في حال الاستئذان فنزلت: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الآية، وقال: خرجه أبو الفرج وصاحب الفضائل وقال بعد قوله فدخل عليه وكان نائماً وقد انكشف بعض جسده فقال: اللهم حرم الدخول علينا وقت نومنا فنزلت فهو أحد المواضع التي وافق فيها رأى عمر ﵁ أي الكتاب وقد نظمها السيوطي أرجوزة صغيرة وكنت كتبتها عليها وأودعت الشرح أرجوزة نظمت فيها ذلك بزيادة أشياء نفيسة يعرف حقها من راجعها ثم شرحتها في جزء سميته "اتحاف الثقات بشرح الموافقات" تقبلهما الله ونفع بهما بمنِّه آمين والآية سبق السلام على بعض ما يتعلق بها في أول كتاب السلام. قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي موسى ثم ساق الحديث ثم قال ورويناه في الصحيحين الخ) لفظ الحديث عن أبي سعيد الخدري قال: كنت في حلقة فيها أبي بن كعب إذ جاءنا أبو موسى الأشعري ﵁ مذعوراً فقال: إن عمر بعث إلي فأتيته فاستأذنت ثلاثاً فلم يأذن لي فرجعت فرآني بعد ذلك فقال لي: ما لك لم تأتني؟ فقلت: في أتيت فاستأذنت ثلاثاً وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا استأذن أحدكم ثلاثاً وفي رواية من استأذن ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع" فقال: لتأتين على ذلك ببينة أو لأفعلن بك وأفعلن فقال أبي بن كعب: لا يقوم معك إلا أصغرنا وقال أبو سعيد: فكنت أصغر القوم فجئت إلى عمر فحدثته أن رسول الله ﷺ قال فذكره أخرجه البخاري ومسلم وفي بعض طرقه عند البخاري وقال عمر: خفي على هذا من أمر رسول الله ﷺ ألهاني الصفق في الأسواق يعني التجارة أخرجه الشيخان. قوله: (الاستئذان ثلاث) قال المصنف في شرح مسلم في الحديث دليل للقول المختار من ثلاثة أقوال من أنه ينصرف إذا استأذن ثلاثاً ولم يؤذن له اهـ. قال بعضهم: الأول للتعريف

стр. 1890

"الصحيحين" أيضاً عن أبي سعيد الخدري ﵁ وغيره عن النبي ﷺ . وروينا في "صحيحيهما" عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما جُعِلَ الاسئتذانُ مِنْ أجْلِ البَصَرِ". وروينا الاستئذان ثلاثاً من جهات كثيرة. والسُنَّة أن يسلم ثم يستأذن، فيقوم عند الباب بحيث لا ــ والثاني للتأمل والثالث للإذن أو عدمه. قوله: (وغيره) أراد به أبي بن كعب فقد جاء صريحاً أنه جاء وأخبر عمر بذلك فقال له: يا عمر لا تكن عذاباً على أصحاب محمد ﷺ فقال عمر: سبحان الله إنما سمعت شيئاً أحببت أن أتثبت فيه ويدخل في عمومه من كان في الحلقة من الصحابة ﵃. قوله: (وروينا في صحيحيهما عن سهل بن سعد الخ) وحديثه قال: اطلع رجل من حجر في حجرة النبي ﷺ ومعه ﷺ مدر يحك به رأسه فقال النبي ﷺ : "لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك" إنما جعل الاستئذان من أجل النظر أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي والحديث مشهور عن الزهري عن سهل بن سعد وقد رواه سفيان بن حسين عن الزهري فقال عن أبي أمامة بن حنيف عن أبيه عن النبي ﷺ وهو شاذ وابن حسين وإن كان من رجال الصحيح فإنه ضعفوه في الزهري خاصة وله قصة في سبب ذلك مشهورة وجاء في تسمية الرجل الذي كان ينظر ما أخرجه الطبراني من طريق مدرك بن سليمان عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان سبب نفي الحكم إلى الطائف أن النبي ﷺ كان في بيته فإذا هو بإنسان يطلع عليه فقال: اخرج فلا تسألني ما بقيت فنفاه إلى الطائف وفي مدرك وأبي صالح مقال قاله الحافظ. قوله: (إنما جعل الاستئذان لأجل النظر) قال المصنف معناه الاستئذان مشروع ومأمور به وإنما جعل لئلا يقع النظر على المحرم فيحرم فلا يحل لأحد أن ينظر في حجر باب ولا غيره مما هو متعرض لوقوع بصره على امرأة أجنبية اهـ. قوله: (وروينا الاستئذان ثلاثاً من جهات كثيرة) قال الحافظ قال الترمذي بعد تخريجه وفي الباب عن علي وأم طارق ثم ساق من طريق ابن عباس عن عمر ﵃ قال: استأذنت على النبي ﷺ ثلاثاً فأذن لي قال الترمذي: إنما أنكر عمر على أبي موسى أنه رجع

стр. 1891

ينظر إلى من في داخله، ثم يقول: السلام عليكم، أأدخل؟ فإن لم يجبه أحد، قال ذلك ثانياً وثالثاً، فإن لم يجبه أحد انصرف. وروينا في "سنن أبي داود" بإسناد صحيح عن ربعي بن حِراش بكسر الحاء المهملة وآخره شين معجمة، التابعي الجليل قال: حدثنا رجل من بني عامر "استأذن على النبي ﷺ وهو في بيت فقال: أألج؟ فقال رسول الله ﷺ لخادمه: "اخْرُجْ إلى هذا فعَلِّمهُ الاسْتِئْذَان، فَقُلْ لَهُ: قُلْ: السلامُ عَلَيكُمْ، أأدْخُلُ؟ " فسمعه الرجل فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن له النبي ﷺ فدخل". ــ بعد الثلاث ولم يعلم عمر الأمر بالرجوع بعدها وأخرج حديث أبي موسى أبو داود في سننه قال الحافظ وقد روينا الاستئذان من جهة النظر من جهات كثيرة (وتوفي الحافظ ابن حجر ﵀ قبل بيان ذلك) وفي هذا المحل وقف تحرير أماليه فتغمده الله برحمته ونفعني وسائر المسلمين من بركته. وكانت وفاته في ثامن عشر ذي الحجة الحرام سنة ثمانمائة واثنتين وخمسين. قوله: (فإن لم يجبه أحد بعد الثلاث انصرف على المختار) لما تقدم من الحديث. قوله: (روينا في سنن أبي داود الخ) هذا ما صدر به أبو داود ثم ساق طريقاً أخرى إلى ربعي أنه قال: حدثت أن رجلاً من بني عامر استأذن على النبي ﷺ بمعناه وهذه الرواية التي في الأصل أن المحدث له هو نفس الرجل السائل وقوله في الرواية الأخرى: حدثت أن رجلاً الخ، يقتضي أنه أخبر بذلك فيحتمل أن يكون السائل هو المخبر له بنفسه فتتفق الطريقان ويحتمل أنه سمعه تارة منه وتارة بواسطة والله أعلم. قوله: (أألج) بهمزتين مفتوحتين أولاهما للاستفهام والثانية حرف مضارعة ويجوز تحقيق وتسهيل الثانية وإبدالها ألفاً ولام مكسورة آخره جيم أي أدخل. قوله: (فقال النبي ﷺ لخادمه) قال الحافظ السيوطي في مرقاة الصعود في تفسير ابن جرير من طريق عمرو بن سعيد الثقفي أن اسمها روضة. قوله: (السلام عليكم الخ) قال الحافظ في فتح الباري اختلف هل السلام شرط في

стр. 1892

وروينا في "سنن أبي داود والترمذي" عن كلدَة بن الحنبل الصحابي ﵁ قال: "أتيت النبي ﷺ فدخلت عليه ولم أسلم، فقال النبي ﷺ : "ارْجِعْ فَقُلْ: السلامُ عليكم أأدْخُلُ؟ " قال الترمذي: حديث حسن. قلت: كَلدَة، بفتح الكاف واللام. والحنبل، بفتح الحاء المهملة وبعدها نون ساكنة ثم باء موحدة مفتوحة ثم لام. وهذا الذي ذكرناه من تقديم السلام على الاستئذان هو الصحيح. وذكر الماوردي فيه ثلاثة أوجه، أحدها هذا، والثاني: تقديم الاستئذان ــ الاستئذان أولاً. قوله: (وروينا في سنن أبي داود والترمذي) وكذا أخرجه الطبراني في معجمه ذكره السيوطي في مرقاة الصعود. قوله: (عن كلدة بن الحنبل) ويقال: كلدة بن عبد الله بن حنبل والصواب الأول بن بليل الغساني وقيل الأسلمي حليف بني جمع أخي صفوان بن أمية لأمه قال ابن إسحاق والواقدي ومصعب والطبراني قال ابن عبد البر أمهما صفية بنت معمر بن وهب بن حذافة بن جمح وقال ابن الكلبي والهيثم بن عدي بن كلدة بن الحنبل أخي صفوان بن أمية لأمه وقال: كان الحنبل مولى لعمر ابن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح وكان أخا صفوان بن أمية لأمه شهد الحنبل مع صفوان يوم حنين فلما انهزم المسلمون قال الحنبل: بطل سحر ابن أبي كبشة فقال صفوان: فض الله فاك لأن يرثني رجل من قريش أحب إليّ من أن يرثني رجل من هوازن. وكلدة هو الذي بعثه صفوان بن أمية إلى النبي ﷺ بهدايا فيها لبن وضغابيس وهي كما قال العاقولي بفتح الضاد والغين المعجمتين وبالباء الموحدة بعدها المثناة والسين المهملة صغار القثاء واحدها ضغبوس وقيل: هي نبت في أصول الثمم يشبه الهليون يسلق بالخل والزيت ويؤكل اهـ. وقال السيوطي: قال أبو عاصم بقلة تكون بالبراري، وكلدة هذا وأخوه عبد الرحمن بن الحنبل شقيقان وكانا ممن سقط من اليمن إلى مكة فيما قال مصعب وغيره أسلم كلدة بإسلام صفوان ولم يزل مقيماً بمكة إلى أن توفي بها، روى عنه عمرو بن عبد الله بن صفوان ثم كلدة بفتح الكاف والدال المهملة بعدها هاء كذا في المغني. قوله: (وهذا الذي ذكرناه الخ) في الروضة بعد ذكر المذاهب الثلاثة الصحيح المختار تقديم السلام فقد صحت فيه

стр. 1893

على السلام، والثالث: وهو اختياره: إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قَدَّم السلام، وإن لم تقع عليه عينه، قدَّم الاستئذان. وإذا استأذن ثلاثاً فلم يُؤذَن له وظَنَّ أنه لم يسمع، فهل يزيد عليها؟ حكى الإِمام أبو بكر بن العربي المالكي فيه ثلاثة مذاهب، أحدها: يعيده، والثاني: لا يعيده، والثالث: إن كان بلفظ الاستئذان المتقدِّم لم يُعِدْه، وإن كان بغيره أعاده، قال: والأصح أنه لا يعيده بحال، وهذا الذي صححه هو الذي تقتضيه السُّنَّة، والله أعلم. فصل: وينبغي إذا استأذن على إنسان بالسلام أو بدق الباب، فقيل له: من أنت؟ أن يقول: فلان بن فلان، أو فلان الفلاني، أو فلان المعروف بكذا، أو ما أشبه ذلك، بحيث يحصل التعريف التام به، ويكره أن يقتصر على قوله: أنا، أو الخادم، أو بعض الغلمان، أو بعض المحبين، وما أشبه ذلك. ــ أحاديث صريحة وفي شرح مسلم للمصنف أنه الذي قال به المحققون وصح عن النبي ﷺ حديثان في تقديم السلام. قوله: (وهذا الذي صححه) تقتضيه السنة أي كما تقدم في حديث أبي موسى الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلا فارجع قال المصنف في شرح مسلم ومن قال بالثاني حمل الحديث على أنه علم أو ظن أنه سمعه فلم يأذن اهـ. فصل قوله: (أو بدق الباب) أي فإنه قائم مقام الاستئذان أخذاً من حديث جابر ﵁ فإن النبي ﷺ لم ينكر عليه إقامة دق الباب مقام الاستئذان إنما أنكر عليه قوله أنا وكان حقه أن يقول جابر: أشار إليه العاقولي ونقل الكرماني عن بعضهم أنه يكره إن لم يستأذن بلفظ السلام بل بالدق اهـ. ويبعده أنه ﷺ أتى بما يدل على كراهية إتيان جابر بلفظ: أنا بقوله: أنا أنا ويقوم مقام الاستئذان أيضاً التنحنح. قوله: (ويكره أن يقتصر الخ) لأن مقصود رب الدار معرفة المستأذن وهي لا تحصل بهذا الجواب لما بينهما من الجدار الحائل فاعتبر ما تحصل به معرفته عنده وقال ابن الجوزي إنما

стр. 1894

روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" في حديث الإسراء المشهور، قال رسول الله ﷺ : "ثمّ صَعِدَ بِي جِبْرِيلُ إلى السَّماءِ الدُّنْيَا فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قالَ: جِبْرِيل، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَدٌ، ثم صَعِدَ بِي إلى السَّماءِ الثانِيَةِ وَالثالِثَةِ وَسَائِرِهِنَّ، وَيُقَالُ في باب كُل سمَاءِ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ: ــ يكره لفظ أنا لأن فيها نوعاً من الكبر كأنه يقول أنا الذي لا أحتاج أن أذكر اسمي ولا نسبي اهـ. قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم في قصة الإسراء المعروفة) المراد من الإسراء ما يشمل المعراج لأن ما ذكر من الاستئذان في فتح أبواب السماء إنما هو في قصة المعراج وقصة الإسراء كذلك مروية عند الشيخين والترمذي والحاكم والبيهقي والبزار وغيرهم وكانت قصة المعراج قبل الهجرة بنحو ثمانية عشر شهراً وقيل غير ذلك. قوله: (فاستفتح جبريل) الأشبه كما قال الحافظ ابن حجر إن هذا الاستفتاح كان بقرع لأن صوته معروفة ويؤيده كما قال بعضهم ما في بعض الروايات فقرع الباب قال ابن دحية في استفتاح جبريل لأبواب السماء دليل على أنه صادف أبوابها مغلقة وإنما لم يتهيأ للنبي ﷺ بالفتح قبل مجيئه وإن كان أبلغ في الإكرام لأنه لو رآها مفتحة لظن أنها لا تزال كذلك ففعل ذلك ليعلم أن ذلك الفتح فعل من أجله تشريفاً له وأيضاً فأراد الله أن يطلعه على أنه معروفة عند أهل السموات ولذا لما سألوا من معك فقال محمد: لم يقولوا ومن محمد وإنما سألوا عن البعث إليه أجاء زمانه. قوله: (قال جبريل) سمى نفسه لأنه كان معروفاً ولم يعرف من الملائكة من اسمه جبريل سواه ولم يقل: أنا لئلا يلتبس بغيره ولأن فيها إشعاراً بالعظمة وفي الكلام السائر أول من قال: أنا إبليس فشقي حيث قال: أنا خير منه وقالها فرعون فتعس حيث قال: أنا ربكم الأعلى وسيأتي فيه مزيد. قوله: (قيل ومن معك) هذا القول يشعر بأنهم أحسوا أن مع جبريل غيره قيل وإلا لكان السؤال: أمعك أحد؟ وذلك الإحساس إما بمشاهدة لكون السماء شفافة وإما لأمر معنوي بزيادة أنوار. قوله: (قال محمد) في إتيان جبريل باسمه ﷺ دون كنيته دليل على أن الاسم أرفع منها لأنه أخبر باسمه ولم يخبر بكنيته وهو ﷺ مشهور في العالمين

стр. 1895

جِبْرِيلُ". وروينا في "صحيحيهما" في حديث أبي موسى لما جلس النبي ﷺ على بئر البستان وجاء أبو بكر فاستأذن، فقال: مَنْ؟ قال: أبو بكر، ثم جاء عمر فاستأذن، فقال: مَنْ: قال عمر، ثم عثمان كذلك. وروينا في "صحيحيهما" أيضاً عن جابر ﵁ قال: "أتيت النبي ﷺ فدققت الباب، فقال: مَنْ ذَا؟ فقلت: أنا، فقال: أنَا أنَا؟ كأنه كرهها". ــ العلوي والسفلي فلو كانت الكنية أرفع من الاسم لأخبر بكنيته. قوله: (لما جلس النبي ﷺ على البئر) أي بئر أريس بوزن جليس بئر بقباء وكان أبو موسى حافظ الباب في ذلك الوقت كما في الصحيح فلما جاء كل من الثلاثة استأذن لهم فأذن لهم والشاهد من الاستدلال أن كلاً منهم لما استأذن فقيل له: من هذا ذكر اسمه بالصريح. قوله: (وروينا في صحيحيهما عن جابر الخ) وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومداره على شعبة عن محمد بن المنكدر عن جابر كما أشار إليه العلائي في عوالي مالك قال المصنف قال العلماء: إذا استأذن فقيل له: من أنت؟ أو من هذا؟ كره أن يقول: أنا قال في التوشيح وقد أخرج البخاري في الأدب المفرد والحاكم وصححه من حديث بريدة قال: جئت إلى النبي ﷺ فقال: من هذا فقلت: أنا بريدة اهـ. قال في المرقاة: نعم إذا كان من أهل البيت من يعرفه بصوته فلا بأس بقوله: أنا على ما هو المتعارف إذ لا شك أنه ﷺ لو عرفه لما أنكر عليه لحصول المقصود به أو كرهه لأن فيه تعظيماً فلم ير ﷺ التكلم بلفظ ليس فيه تواضع اهـ. وفيه أنه لو قال: أنا جابر لم يكن يكرهها اهـ. كلام المرقاة وفي شرح المصابيح لزين العرب ذهبت طائفة من أهل العلم وفرقة من الصوفية إلى كراهة إخبار الإنسان عن نفسه بقوله: أنا واستدلوا بحديث جابر وما ذهبوا إليه ضعيف إذ القرآن والأحاديث الصحيحة مشحونة بذلك قال تعالى لنبيه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أنا سيد ولد آدم وكراهته ﷺ لذلك الذي في حديث جابر لم يكن من جهة أنها تتضمن التكبر بل أنه أخبر عن نفسه بما لا يرتفع به الإيهام وأنكر عليه دق الباب لأنه مما لا يليق بالأدب وفي الأخير بعد لأن ظاهر قوله: أنا أنا كراهته لهذا اللفظ وفي الحديث
следующие страницы →