Полный текст (2 732 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
ينظر إلى من في داخله، ثم يقول: السلام عليكم، أأدخل؟ فإن لم يجبه أحد، قال ذلك ثانياً وثالثاً، فإن لم يجبه أحد انصرف.
وروينا في "سنن أبي داود" بإسناد صحيح عن ربعي بن حِراش بكسر الحاء المهملة وآخره شين معجمة، التابعي الجليل قال: حدثنا رجل من بني عامر "استأذن على النبي ﷺ وهو في بيت فقال: أألج؟ فقال رسول الله ﷺ لخادمه: "اخْرُجْ إلى هذا فعَلِّمهُ الاسْتِئْذَان، فَقُلْ لَهُ: قُلْ: السلامُ عَلَيكُمْ، أأدْخُلُ؟ " فسمعه الرجل فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن له النبي ﷺ فدخل".
ــ
بعد الثلاث ولم يعلم عمر الأمر بالرجوع بعدها وأخرج حديث أبي موسى أبو داود في سننه قال الحافظ وقد روينا الاستئذان من جهة النظر من جهات كثيرة (وتوفي الحافظ ابن حجر ﵀ قبل بيان ذلك) وفي هذا المحل وقف تحرير أماليه فتغمده الله برحمته ونفعني وسائر المسلمين من بركته.
وكانت وفاته في ثامن عشر ذي الحجة الحرام سنة ثمانمائة واثنتين وخمسين. قوله: (فإن لم
يجبه أحد بعد الثلاث انصرف على المختار) لما تقدم من الحديث. قوله: (روينا في سنن أبي داود الخ) هذا ما صدر به أبو داود ثم ساق طريقاً أخرى إلى ربعي أنه قال: حدثت أن رجلاً من بني عامر استأذن على النبي ﷺ بمعناه وهذه الرواية التي في الأصل أن المحدث له هو نفس الرجل السائل وقوله في الرواية الأخرى: حدثت أن رجلاً الخ، يقتضي أنه أخبر بذلك فيحتمل أن يكون السائل هو المخبر له بنفسه فتتفق الطريقان ويحتمل أنه سمعه تارة منه وتارة بواسطة والله أعلم. قوله: (أألج) بهمزتين مفتوحتين أولاهما للاستفهام والثانية حرف مضارعة ويجوز تحقيق وتسهيل الثانية وإبدالها ألفاً ولام مكسورة آخره جيم أي أدخل. قوله: (فقال النبي ﷺ لخادمه) قال الحافظ السيوطي في مرقاة الصعود في تفسير ابن جرير من طريق عمرو بن سعيد الثقفي أن اسمها روضة. قوله: (السلام عليكم الخ) قال الحافظ في فتح الباري اختلف هل السلام شرط في
стр. 1892
وروينا في "سنن أبي داود والترمذي" عن كلدَة بن الحنبل الصحابي ﵁ قال: "أتيت النبي ﷺ فدخلت عليه ولم أسلم، فقال النبي ﷺ : "ارْجِعْ فَقُلْ: السلامُ عليكم أأدْخُلُ؟ " قال الترمذي: حديث حسن.
قلت: كَلدَة، بفتح الكاف واللام. والحنبل، بفتح الحاء المهملة وبعدها نون ساكنة ثم باء موحدة مفتوحة ثم لام. وهذا الذي ذكرناه من تقديم السلام على الاستئذان هو الصحيح. وذكر الماوردي فيه ثلاثة أوجه، أحدها هذا، والثاني: تقديم الاستئذان
ــ
الاستئذان أولاً.
قوله: (وروينا في سنن أبي داود والترمذي) وكذا أخرجه الطبراني في معجمه ذكره السيوطي في مرقاة الصعود. قوله: (عن كلدة بن الحنبل) ويقال: كلدة بن عبد الله بن حنبل والصواب الأول بن بليل الغساني وقيل الأسلمي حليف بني جمع أخي صفوان بن أمية لأمه قال ابن إسحاق والواقدي ومصعب والطبراني قال ابن عبد البر أمهما صفية بنت معمر بن وهب بن حذافة بن جمح وقال ابن الكلبي والهيثم بن عدي بن كلدة بن الحنبل أخي صفوان بن أمية لأمه وقال: كان الحنبل مولى لعمر ابن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح وكان أخا صفوان بن أمية لأمه شهد الحنبل مع صفوان يوم حنين فلما انهزم المسلمون قال الحنبل: بطل سحر ابن أبي كبشة فقال صفوان: فض الله فاك لأن يرثني رجل من قريش أحب إليّ من أن يرثني رجل من هوازن.
وكلدة هو الذي بعثه صفوان بن أمية إلى النبي ﷺ بهدايا فيها لبن وضغابيس وهي كما قال العاقولي بفتح الضاد والغين المعجمتين وبالباء الموحدة بعدها المثناة والسين المهملة صغار القثاء واحدها ضغبوس وقيل: هي نبت في أصول الثمم يشبه الهليون يسلق بالخل والزيت ويؤكل اهـ.
وقال السيوطي: قال أبو عاصم بقلة تكون بالبراري، وكلدة هذا وأخوه عبد الرحمن بن الحنبل شقيقان وكانا ممن سقط من اليمن إلى مكة فيما قال مصعب وغيره أسلم كلدة بإسلام صفوان ولم يزل مقيماً بمكة إلى أن توفي بها، روى عنه عمرو بن عبد الله بن صفوان ثم كلدة بفتح الكاف والدال
المهملة بعدها هاء كذا في المغني. قوله: (وهذا الذي ذكرناه الخ) في الروضة بعد ذكر المذاهب الثلاثة الصحيح المختار تقديم السلام فقد صحت فيه
стр. 1893
على السلام، والثالث: وهو اختياره: إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قَدَّم السلام، وإن لم تقع عليه عينه، قدَّم الاستئذان. وإذا استأذن ثلاثاً فلم يُؤذَن له وظَنَّ أنه لم يسمع، فهل يزيد عليها؟ حكى الإِمام أبو بكر بن العربي المالكي فيه ثلاثة مذاهب، أحدها: يعيده، والثاني: لا يعيده، والثالث: إن كان بلفظ الاستئذان المتقدِّم لم يُعِدْه، وإن كان بغيره أعاده، قال: والأصح أنه لا يعيده بحال، وهذا الذي صححه هو الذي تقتضيه السُّنَّة، والله أعلم.
فصل: وينبغي إذا استأذن على إنسان بالسلام أو بدق الباب، فقيل له: من أنت؟ أن يقول: فلان بن فلان، أو فلان الفلاني، أو فلان المعروف بكذا، أو ما أشبه ذلك، بحيث يحصل التعريف التام به، ويكره أن يقتصر على قوله: أنا، أو الخادم، أو بعض الغلمان، أو بعض المحبين، وما أشبه ذلك.
ــ
أحاديث صريحة وفي شرح مسلم للمصنف أنه الذي قال به المحققون وصح عن النبي ﷺ حديثان في تقديم السلام. قوله: (وهذا الذي صححه) تقتضيه السنة أي كما تقدم في حديث أبي موسى الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلا فارجع قال المصنف في شرح مسلم ومن قال بالثاني حمل الحديث على أنه علم أو ظن أنه سمعه فلم يأذن اهـ.
فصل
قوله: (أو بدق الباب) أي فإنه قائم مقام الاستئذان أخذاً من حديث جابر ﵁ فإن النبي ﷺ لم ينكر عليه إقامة دق الباب مقام الاستئذان إنما أنكر عليه قوله أنا وكان حقه أن يقول جابر: أشار إليه العاقولي ونقل الكرماني عن بعضهم أنه يكره إن لم يستأذن بلفظ السلام بل بالدق اهـ. ويبعده أنه ﷺ أتى بما يدل على كراهية إتيان جابر بلفظ: أنا بقوله: أنا أنا ويقوم مقام الاستئذان أيضاً التنحنح. قوله: (ويكره أن يقتصر الخ) لأن مقصود رب الدار معرفة المستأذن وهي لا تحصل بهذا الجواب لما بينهما من الجدار الحائل فاعتبر ما تحصل به معرفته عنده وقال ابن الجوزي إنما
стр. 1894
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" في حديث الإسراء المشهور، قال رسول الله ﷺ : "ثمّ صَعِدَ بِي جِبْرِيلُ إلى السَّماءِ الدُّنْيَا فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قالَ: جِبْرِيل، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَدٌ، ثم صَعِدَ بِي إلى السَّماءِ الثانِيَةِ وَالثالِثَةِ وَسَائِرِهِنَّ، وَيُقَالُ في باب كُل سمَاءِ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ:
ــ
يكره لفظ أنا لأن فيها نوعاً من الكبر كأنه يقول أنا الذي لا أحتاج أن أذكر اسمي ولا نسبي اهـ. قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم في قصة الإسراء المعروفة) المراد من الإسراء ما يشمل المعراج لأن ما ذكر من الاستئذان في فتح أبواب السماء إنما هو في قصة المعراج وقصة الإسراء كذلك مروية عند الشيخين والترمذي والحاكم والبيهقي والبزار وغيرهم وكانت قصة المعراج قبل الهجرة بنحو
ثمانية عشر شهراً وقيل غير ذلك. قوله: (فاستفتح جبريل) الأشبه كما قال الحافظ ابن حجر إن هذا الاستفتاح كان بقرع لأن صوته معروفة ويؤيده كما قال بعضهم ما في بعض الروايات فقرع الباب قال ابن دحية في استفتاح جبريل لأبواب السماء دليل على أنه صادف أبوابها مغلقة وإنما لم يتهيأ للنبي ﷺ بالفتح قبل مجيئه وإن كان أبلغ في الإكرام لأنه لو رآها مفتحة لظن أنها لا تزال كذلك ففعل ذلك ليعلم أن ذلك الفتح فعل من أجله تشريفاً له وأيضاً فأراد الله أن يطلعه على أنه معروفة عند أهل السموات ولذا لما سألوا من معك فقال محمد: لم يقولوا ومن محمد وإنما سألوا عن البعث إليه أجاء زمانه. قوله: (قال جبريل) سمى نفسه لأنه كان معروفاً ولم يعرف من الملائكة من اسمه جبريل سواه ولم يقل: أنا لئلا يلتبس بغيره ولأن فيها إشعاراً بالعظمة وفي الكلام السائر أول من قال: أنا إبليس فشقي حيث قال: أنا خير منه وقالها فرعون فتعس حيث قال: أنا ربكم الأعلى وسيأتي فيه مزيد.
قوله: (قيل ومن معك) هذا القول يشعر بأنهم أحسوا أن مع جبريل غيره قيل وإلا لكان السؤال: أمعك أحد؟ وذلك الإحساس إما بمشاهدة لكون السماء شفافة وإما لأمر معنوي بزيادة أنوار. قوله: (قال محمد) في إتيان جبريل باسمه ﷺ دون كنيته دليل على أن الاسم أرفع منها لأنه أخبر باسمه ولم يخبر بكنيته وهو ﷺ مشهور في العالمين
стр. 1895
جِبْرِيلُ".
وروينا في "صحيحيهما" في حديث أبي موسى لما جلس النبي ﷺ على بئر البستان وجاء أبو بكر فاستأذن، فقال: مَنْ؟ قال: أبو بكر، ثم جاء عمر فاستأذن، فقال: مَنْ: قال عمر، ثم عثمان كذلك.
وروينا في "صحيحيهما" أيضاً عن جابر ﵁ قال: "أتيت النبي ﷺ فدققت الباب، فقال: مَنْ ذَا؟ فقلت: أنا، فقال: أنَا أنَا؟ كأنه كرهها".
ــ
العلوي والسفلي فلو كانت الكنية أرفع من الاسم لأخبر بكنيته. قوله: (لما جلس النبي ﷺ على البئر) أي بئر أريس بوزن جليس بئر بقباء وكان أبو موسى حافظ الباب في ذلك الوقت كما في الصحيح فلما جاء كل من الثلاثة استأذن لهم فأذن لهم والشاهد من الاستدلال أن كلاً منهم لما استأذن فقيل له: من هذا ذكر اسمه بالصريح. قوله: (وروينا في صحيحيهما عن جابر الخ) وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومداره على شعبة عن محمد بن المنكدر عن جابر كما أشار إليه العلائي في عوالي مالك قال المصنف قال العلماء: إذا استأذن فقيل له: من أنت؟ أو من هذا؟ كره أن يقول: أنا قال في التوشيح وقد أخرج البخاري في الأدب المفرد والحاكم وصححه من حديث بريدة قال: جئت إلى النبي ﷺ فقال: من هذا فقلت: أنا بريدة اهـ. قال في المرقاة: نعم إذا كان من أهل البيت من يعرفه بصوته فلا بأس بقوله: أنا على ما هو المتعارف إذ لا شك أنه ﷺ لو عرفه لما أنكر عليه لحصول المقصود به أو كرهه لأن فيه تعظيماً فلم ير ﷺ التكلم بلفظ ليس فيه تواضع اهـ. وفيه أنه لو قال: أنا جابر لم يكن يكرهها اهـ.
كلام المرقاة وفي شرح المصابيح لزين العرب ذهبت طائفة من أهل العلم وفرقة من الصوفية إلى كراهة إخبار الإنسان عن نفسه بقوله: أنا واستدلوا بحديث جابر وما ذهبوا إليه ضعيف إذ القرآن والأحاديث الصحيحة مشحونة بذلك قال تعالى لنبيه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أنا سيد ولد آدم وكراهته ﷺ لذلك الذي في حديث جابر لم يكن من جهة أنها تتضمن التكبر بل أنه أخبر عن نفسه بما لا يرتفع به الإيهام وأنكر عليه دق الباب لأنه مما لا يليق بالأدب وفي الأخير بعد لأن ظاهر قوله: أنا أنا كراهته لهذا اللفظ وفي الحديث
стр. 1896
فصل: ولا بأس أن يصف نفسه بما يعرَف إذا لم يعرِفه المخاطَب بغيره، وإن كان فيه صورة تبجيل له، بأن يكني نفسه، أو يقول: أنا المفتي فلان، أو القاضي، أو الشيخ فلان، أو ما أشبه ذلك.
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أمّ هانيء بنت أبي طالب ﵂، واسمها فاختة على المشهور، وقيل: فاطمة، وقيل: هند، قالت: "أتيت النبي ﷺ وهو يغتسل وفاطمةُ تستره فقال: مَنْ هَذهِ؟ فقلت: أنا أمُّ هانيء".
وروينا في "صحيحيهما" عن أبي ذرّ ﵁، واسمه جُندُب، وقيل: بُرَيْر بضم الباء تصغيرُ برّ، قال: خرجت ليلة من الليالي فإذا رسول الله ﷺ يمشي وحدَه، فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفت فرآني فقال: "مَنْ هَذا؟ " فقلت: أبو ذر".
وروينا في "صحيح مسلم" عن أبي قتادة الحارث بن ربعي ﵁ في حديث الميضأة المشتمل على معجزات كثيرة لرسول الله ﷺ وعلى جُمَل من فنون العلوم، قال فيه أبو قتادة: "فرفع النبي ﷺ رأسه
ــ
كأنه كرهها أي كلمة أنا وقوله ﷺ : "أنا أنا" مكرراً الإنكار عليه قال الطيبي أي قولك: أنا مكروه فلا تعده أي والثاني تأكيد لما أشرنا إليه والله أعلم.
فصل
قوله: (ولا بأس الخ) وإن كان فيه ثناء على النفس لأن الحاجة للتعريف دعت لذلك فاغتفر.
قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم) تقدم تخريجه في حكم السلام على النساء وفيه ذكرت ترجمة أم هانيء ﵂. قوله: (واسمه جندب) بضم الجيم وسكون النون وضم الدال المهملة وفتحها وسبقت ترجمته في باب الذكر أول الكتاب. قوله: (وقيل برير الخ) وقيل: إنه بربر بموحدتين مضمومتين ومهملتين ساكنتين بوزن هدهد. قوله: (وروينا في صحيح مسلم الخ) روى الحديث أبو داود والنسائي وابن ماجه. قوله: (عن أبي قتادة الحارث بن ربعي) هذا أحد ما قيل في اسمه. قوله: (فرفع النبي ﷺ رأسه) لما زحم أبو قتادة رسول الله
стр. 1897
فقال: مَنْ هَذا؟ قلت: أبو قتادة". قلت: ونظائره هذا كثيرة، وسببه الحاجة وعدم إرادة الافتخار.
ويقرب من هذا ما رويناه في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁ -واسمه عبد الرحمن بن صخر على الأصح- قال: "قلتُ: يا رسول الله ادع الله أن يهديَ أمَّ أبي هريرة ... " وذكر الحديث ... إلى أن قال: "فرجعت فقلت: يا رسول الله قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة".
باب في مسائل تتفرَّع على السلام
مسألة: قال أبو سعيد المتولي: التحية عند الخروج من الحمَّام، بأن يقال له: طاب حمَّامك، لا أصل لها ولكن روي أن علياً ﵁ قال لرجل خرج من الحمَّام: طَهَرْتَ فلا نَجِسْتَ.
قلت: هذا المحل لم يصحّ فيه شيء، ولو قال إنسان لصاحبه على سبيل المودَّة والمؤالفة واستجلاب الود: أدام الله لك النعيم، ونحو ذلك من الدعاء فلا بأس به.
ــ
ﷺ في الليلة الثالثة وهو على الراحلة رفع النبي ﷺ رأسه وقال: "من هذا" قلت: أبو قتادة قال: "متى كان هذا مسيرك مني" قلت: ما زال هذا مسيري منذ الليلة قال: "حفظك الله بما حفظت به نبيه ﷺ " وسيأتي ذكر الحديث بأبسط
من هذا في باب دعاء الإنسان لمن صنع إليه معروفاً ونتكلم ثمة على جمل من فوائد الحديث إن شاء الله تعالى. قوله: (ادع الله أن يهدي أم أبي هريرة) قال في السلاح: اسمها أمية بنت صفيح بضم الصاد المهملة وفتح الفاء وسكون التحتية آخره حاء مهملة هذا هو الصحيح المشهور وقيل اسمها ميمونة اهـ وإنما قال الشيخ ويقرب الخ أن هذا اللفظ أي أم أبي هريرة لم يكن كنية لها فإنما أتى به أبو هريرة تقريباً للمراد ولعله ﷺ كان لا يعرف اسم أمه فأتى بذلك لذلك.
باب في معرفة مسائل تتفرع على السلام
قوله: (طهرت فلا نجست) أي حصلت لك الطهارة الحسية فلا وقع بك النجاسة الحسية
стр. 1898
مسألة: إذا ابتدأ المارُّ الممرور عليه، فقال: صبَّحك الله بالخير، أو بالسعادة، أو قوَّاك الله، أو لا أوحش الله منك، أو غير ذلك من الألفاظ التي يستعملها النّاس في العادة، لم يستحق جواباً، لكن لو دعا له قُبَالة ذلك كان حسناً، إلا أن يترك جوابه بالكلية زجراً له في تخلُّفه وإهماله السلام وتأديباً له ولغيره في الاعتناء بالابتداء بالسلام.
فصل: إذا أراد تقبيل يد غيره، إن كان ذلك لزهده وصلاحه أو علمه أو شرفه وصيانته أو نحو ذلك من الأمور الدّينية، لم يكره، بل يستحبُّ،
ــ
ولا المعنوية وطهر بفتح الهاء ونجس بضم الجيم وفي التجريد لابن المزجد قال المتولي والروياني روي أن علياً ﵁ قال لرجل: خرج من الحمام طهرت فلا نجست وعند علي يهودي فقال للرجل هلا أجبت أمير المؤمنين فقلت: سعدت ولا شقيت فقال علي ﵁: الحكمة ضالة المؤمن خذوها ولو من أفواه المشركين اهـ، وفي وصول الأماني للسيوطي في الفردوس من حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر وعمر وقد خرجا من الحمام طاب حمامكما لكن بيض له ولده في مسنده فلم يذكر له إسناداً اهـ وسيأتي في هذا مزيد. قوله: (فقال: صبحك الله بالخير الخ) هذه الألفاظ كلها لا أصل لها في التحية ولم يثبت فيها شيء. قوله: (إلا أن يترك الخ) أي فيكون ترك الدعاء له حسناً لما فيه من البعث على الاعتناء بالسنة والاهتمام بشأنها ومحله ما لم يترتب على الترك مفسدة.
فصل
قوله: (بل يستحب) أي لأتباع السلف والخلف في ذلك فقد ورد أن أبا
стр. 1899
وإن كان لغناه ودنياه وثروته وشوكته ووجاهته عند أهل الدنيا ونحو ذلك، فهو مكروه شديد الكراهة. وقال المتولي من أصحابنا: لا يجوز فأشار إلى أنه حرام.
روينا في سنن أبي داود عن زَارع ﵁، وكان في وفد عبد القيس قال: "فجعلنا
ــ
عبيدة قبل يد عمر ﵄ ومثل تقبيل اليد في الحكم تقبيل غيرها من الرأس أو القدم أو نحو ذلك. قوله: (وإن كان لغناه الخ) ففي الحديث من تواضع لغني لغناه ذهب ثلثا دينه والثروة بفتح المثلثة وسكون الراء المهملة كثرة المال وفي التتمة للمتولي.
فرع
الدخول على الأغنياء والسلاطين لا يستحب لما روي أنه ﷺ قال: "لا تدخلوا على هؤلاء
الموتى فتمرض قلوبكم" قيل: ومن هم؟ قال: الأغنياء اهـ. قوله: (فأشار إلى أنه حرام) قال في الروضة وظاهره التحريم اهـ. وقيل: يحرم ما كان على وجه التملق والتعظيم أما المأذون فيه فعند التوديع والقدوم من السفر وطول العهد بالصاحب وشدة الحب في الله تعالى مع أمن النفس اهـ.
والراجح ما ذكره المصنف أولاً من استحباب تقبيل يد العالم على وجه الإكرام والسلام.
قوله: (روينا في سنن أبي داود الخ) رواه عن محمد بن عيسى حدثنا مطر بن عبد الرحمن الأعنق قال: حدثتني أم أبان ابنة الوازع بن زارع عن جدها زارع وكان في وفد عبد القيس قال فجعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبل يد النبي ﷺ ورجله وانتظر المنذر بن الأشج حتى أتى عيبة فلبس ثوبيه ثم أتى النبي ﷺ فقال له: "إن فيك خلتين يحبهما الله تعالى: الحلم والأناة" فقال: يا رسول الله أنا أتخلق بهما أم جبلني الله عليهما قال: "بل جبلك الله عليهما" فقال: الحمد الله الذي جبلني على خلتين يحبهما الله ورسوله قال الحافظ السيوطي في حاشيته على السنن المذكورة في مسند أحمد من طريق أبي معبد مولى بني هشام عن مطر قال: سمعت هنداً بنت الوازع تقول: سمعت الوازع يقول: أتيت النبي ﷺ والأشج فذكر الحديث فجعله من مسند أبيها الوازع قال ابن الجوزي في جامع المسانيد هكذا ذكره أحمد في مسنده وما رأيت أحداً غيره ذكره في الصحابة قال الحافظ أبو الفضل العراقي فيما كتبه بخطه على حاشيته ذكر أبو موسى الأصبهاني في تذييله على الصحابة لابن منده وازع بن الزارع وقال ابن ماكولا في الإكمال وازع بن زارع وقيل له: صحبة ورواية
стр. 1900
نتبادر من رواحلنا فنقبل يد النبي ﷺ وَرِجْلَه".
قلت: زَارع بزاي في أوَّله وراء بعد الألف على لفظ زارع الحنطة وغيرها.
ــ
عن النبي ﷺ روى عنه ابنه وازع وذكر ابن عساكر في جزء له رتب فيه صحابة المسند على حروف المعجم أن الذي وقع فيه في المسند وهم وصوابه زارع بالزاي وكذا ذكره البزار في مسنده وابن حبان في الثقات وابن قانع في جامع الصحابة وابن عبد البر في الاستيعاب وقالوا: زارع بن عامر العبدي اهـ. وفي رجال المشكاة زارع بن عامر بن
عبد القيس وفد على النبي ﷺ وفي عبد القيس عداده في البصريين وحديثه فيهم اهـ. قوله: (نتبادر) أي يبدر بعضنا بعضاً في النزول والإسراع إلى حضرته ﷺ . قوله: (ورجله) قال العلوى في سنن أبي داود وفي رواية ورجليه وسقط ذلك من بعض نسخ الأذكار اهـ. ففي تقريره ﷺ على ذلك دليل على جواز فعله مع وارثيه من العلماء الأخيار والصالحين الأبرار وكره مالك تقبيل يد نحو العالم أخذاً من حديث أبي هريرة لما اشترى ﷺ السراويل وقال للوازن زن وأرجح إلى أن قال فأراد ذلك الرجل أن يقبل يده ﷺ فجبذ يده وقال: لا تعظموني كما تعظم الأعاجم ملوكها قال بعض شراح رسالة ابن أبي زيد نعم لا بأس أن يمكن المسلم نحو اليهودي من تقبيل يده لشرفه عليهم بالإسلام فقد جاء أن اليهود أتوا النبي ﷺ فسأله مختبرين له عن تسع آيات بينات فلما أخبرهم بها قبلوا يديه ورجليه الحديث الطويل اهـ.
قوله: (قلت زارع الخ) قال الإِمام ابن الأثير في أسد الغابة زارع بن عامر العبدي من عبد القيس كنيته أبو الوازع وقيل زارع بن زارع والأول أصح وله ابن يسمى الوازع كان يكنى به روى أبو داود الطيالسي عن مطر بن الأعنق عن أم أبان بنت الوازع أن جدها وفد على النبي ﷺ مع الأشج العصري ومعه ابن له مجنون أو ابن أخت له فلما قدموا على رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله إن معي ابناً لي أو ابن أخت لي مجنوناً أتيتك به لتدعو الله له فقال: ائتني به فأتاه به فدعا له فبرأ فلم يكن في الوفد من يفضل عليه وروت عنه أيضاً حديثاً طويلاً أحسنت سياقه اهـ، وفي الإصابة للحافظ ابن حجر الزارع بن عامر ويقال ابن عمر وأبو الزارع روت له ابنة ابنه أم أبان وذكر أبو الفتح الأزدي أنها انفردت بالرواية عنه اهـ، ثم زارع هذا يزاد على من ذكره المصنف فيمن عرف اسمه من وفد عبد القيس وعبارته في شرح مسلم وفد وفد عبد القيس على رسول الله
стр. 1901
وروينا في سنن أبي داود أيضاً عن ابن عمر ﵄ قصة قال فيها: "فدنونا: يعني من النبي ﷺ فقبَّلنا يده".
وأما تقبيل الرَّجُل خَد ولده الصغير، وأخيه، وقُبلةُ غير خَده من أطرافه ونحوها على وجه الشفقة والرحمة واللطف ومحبة القرابة، فسُنَّة. والأحاديث فيه كثيرة صحيحة مشهورة، وسواء
ــ
ﷺ وكانوا أربعة عشر راكباً الأشج العصري رئيسهم ومزينة بن مالك المحاربي وعبيدة بن همام المحاربي وضحار أي بمعجمة مضمومة فمهملة وبعد الألف راء مهملة ابن العباس المري وعمر بن مرحوم العصري والحارث بن شعيب العصري والحارث بن جندب من بني عابس ولم يعثر بعد طول التتبع على أكثر من أسماء هؤلاء زاد الحافظ ابن حجر وعقبة بن جروة وقيس بن النعمان والجهم بن فثم والرسيم وجويرية والزارع فهؤلاء أربعة عشر قال السيوطي في التوشيح وقد روى الدولابي عن أبي خبرة الصباحي قال: كنت في الوفد الذين أتوا رسول الله ﷺ من عبد القيس وكنا أربعين رجلاً قال ابن حجر فلعل الأربعة عشر رؤوس الوفد وممن سمى منهم غير من سبق مطر أخو الزارع وابن أخيه ولم يسم ومشمرج وجابر بن الحارث وحرية بن عمرو وهمام بن ربيعة وجارية بالجيم وجابر ونوح بن مخلد فهؤلاء بضع وعشرون.
قوله: (وروينا في سنن أبي داود عن ابن عمر قصة الخ) رواه ابن ماجه أيضاً لكن ليس فيه عنده وذكر قصة الخ وفي الترمذي بعد ذكر حديث صفوان الآتي وفي الباب عن يزيد بن الأسود وابن عمر
وكعب بن مالك اهـ. فلعل القصة التي أشار إليها أبو داود هو ما سيأتي في حديث صفوان من سؤال اليهود الخ وظاهر عبارة المصنف بوهم أن أبا داود ذكر في سننه قصة فيها أن ابن عمر قبل يده ﷺ وأن المصنف رواها عنه، والذي في أبي داود في كتاب الأدب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن ابن عمر حدثه وذكر قصة قال: فدنونا يعني من النبي ﷺ فقبلنا يده اهـ، فأشار أبو داود إلى القصة وذكر منها ما يناسب الترجمة وهو تقبيل اليد. قوله: (أما تقبيل الرجل خد ولده الصغير وأخيه) أي الصغير وجواب أما قوله الآتي (فسنة) وقد صحف هذه العبارة بعض الكتاب فقال: تقبيل الرجل خد ولده الصغير واجب وكذا غيره من أطرافه الخ سنة ونقله هكذا في المرقاة ثم
стр. 1902
الولد الذكر والأنثى، وكذلك قُبْلَتُه ولد صديقه وغيره من صغار الأطفال على هذا الوجه. وأما التقبيل بالشهوة، فحرام بالاتفاق، وسواء في ذلك الولد وغيره، بل النظر إليه بالشهوة حرام بالاتفاق على القريب والأجنبي.
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة ﵁ قال: "قَبَّلَ النبيُّ ﷺ الحسنَ بن علي ﵄ وعنده الأقرع بن حابس التميمي، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبّلت منهم أحداً، فنظر
ــ
قال: وكون تقبيل الرجل خد ولده الصغير واجباً يحتاج إلى حديث صريح أو قياس صحيح اهـ، وقد علمت أن اعتراضه مبني على ذلك التصحيف والله أعلم وكانت القصة ما وقع من سؤال اليهود له ﷺ وتقبيلهم يديه ورجليه الآتي في الأصل والله أعلم.
قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم) وكذا رواه الترمذي من حديث أبي هريرة قال: أبصر الأقرع بن حابس النبي ﷺ وهو يقبل الحسن بن علي وقال ابن أبي عمر الحسن والحسين فقال الأقرع الخ، قال الترمذي وفي الباب عن أنس وعائشة وهذا حديث حسن صحيح قلت: وحديث عائشة وأنس هما عند الشيخين وذكرهما الشيخ في الأثر قال الطاهر الأهدل وعند أبي داود وقبل النبي ﷺ حسيناً. قوله: (قبل الحسن الخ) فيه رحمته ﷺ العيال والأطفال وتقبيلهم. قوله: (وعنده الأقرع ابن حابس التميمي) الجملة في محل الحال والأقرع بن حابس اسمه فراس ولقب الأقرع لقرع كان به والقرع ذهاب الشعر من الرأس قدم على النبي ﷺ المدينة مع أشراف تميم بعد فتح مكة وأسلم بعد أن فاخر بنو تميم النبي ﷺ نثراً وشعراً فأمر النبي ﷺ ثابت بن شماس الأنصاري ففاخرهم نثراً وحسان فأجابهم شعراً فأسلم عند ذلك الأقرع بن حابس كما في أسد الغابة وكان قد شهد مع النبي قوله فتح مكة وحنيناً وحضر الطائف وشهد الأقرع مع خالد بن الوليد حرب أهل العراق وشهد معه فتح الأنبار وكان على مقدمة خالد وكان الأقرع شريفاً في الجاهلية والإسلام واستعمله عبد الله بن عامر على جيش سيره على خراسان فأصيب بالخورجان هو والجيش. قوله: (فنظر) أي نظر تعجب أو نظر
стр. 1903
إليه رسول الله ﷺ ثم قال: مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ".
وروينا في "صحيحيهما" عن عائشة ﵂ قالت "قَدِمَ ناسٌ من الأعراب على
ــ
غضب (من لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ) قال الكرماني بالرفع والجزم في اللفظين وقال القاضي عياض:
أكثرهم ضبطوه بالرفع على الخبر وقال أبو البقاء: الجيد أن يكون من بمعنى الذي فيرتفع الفعلان وإن جعلت شرطاً لجزمهما جاز وقال السهيلي محمله على الخبر أشبه بسياق السلام لأنه مردود على قول الرجل إن لي عشرة من الولد أي الذي يفعل هذا الفعل لا يرحم ولو جعلت شرطاً لانقطع مما قبله بعض الانقطاع لأن الشرط وجوابه كلام مستأنف ولأن الشرط إذا كان بعده فعل منفي فأكثر ما ورد منفياً بلم لا بلا كقوله ومن لم يتب قال الطيبي: لعل وضع الرحمة في الأول للمشاكلة فإن المعنى من لم يشفق على الأولاد لا يرحمه الله وأتى بالعام ليدخل الشفقة أولياً اهـ. وسيأتي فيه مزيد بيان، وفي الجامع الصغير حديث من لا يَرحم لا يُرحم أخرجه الشيخان والترمذي عن أبي هريرة وابن ماجه عن جرير وفي رواية لأحمد والشيخين والترمذي عن جرير ولأحمد والترمذي أيضاً عن أبي سعيد بلفظ: من لا يرحم النّاس لا يرحمه الله تعالى ورواه الطبراني عن جرير ولفظه: من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء وفي رواية عن جرير من لا يَرحم لا يُرحم ومن لا يَغفر لا يُغفر له وزاد الطبراني ومن لا يتب لا يتب عليه اهـ، وقيل: هذه الرواية مؤيدة القول بأن من شرطية جازمة اهـ، وقال المصنف في شرح مسلم قوله: من لا يرحم الخ قال العلماء: هذا عام يتناول رحمة الأطفال وغيرهم قلت: قال القاضي عياض كما قال ﷺ فيما رواه مسلم: من لا يرحم النّاس لا يرحمه الله وكما قال: إنما يرحم الله من عباده الرحماء قال: ومن الرحمة واجب وهو كف الأذى عن المسلمين وإغاثة الملهوف وفك العاني وسد خلة الفقراء والضعفاء وهذا كله إن لم يؤد حق الله فيه عاقبه الله ومنعه رحمته إن أنفذ عليه وعده ووعيده وان شاء سمح له وعفا عنه بفضله ورحمته وسعتها اهـ.
قوله: (قدم ناس من الأعراب) يحتمل أن يكونوا أشراف بني تميم الذين منهم
стр. 1904
رسول الله ﷺ ، فقالوا: تُقَبِّلُونَ صبيانكم؟ فقالوا: نعم، قالوا: لكنَّا والله ما نقبِّل، فقال رسول الله ﷺ : "أوَأمْلكُ أنْ كانَ الله تَعالى نزَعَ مِنْكُمُ الرَّحْمَةَ؟ "
ــ
الأقرع بن حابس وأن القصة واحدة رواها كل من أبي هريرة وعائشة ويحتمل تعددها ثم رأيته في البخاري من حديث عائشة بلفظ جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: تقبلون الصبيان إلى آخر الحديث أي أتقبلون كما في نسخة من البخاري وهو يؤيد الاحتمال الأول ثم رأيت الشيخ زكريا نقل عن شيخه الحافظ أن الأعرابي هذا يحتمل كونه الأقرع بن حابس والله أعلم. قلت وحكى المصنف في مبهماته عن الخطيب قولاً بأنه عيينة بن حصن قال وقد جاء التصريح في الصحيحين بأنه الأقرع فإن صح عن عيينة أيضاً حمل على أنه كان واقعاً منهما جميعاً اهـ. قوله: (أو أملك إن كان الله نزع منكم الرحمة) قال القاضي عياض: تفسيره ما جاء في رواية البخاري أو أملك لك إن نزع الله من قلبك الرحمة معناه أو أملك منك ذلك حتى أصرفه عنك فاللام هنا بمعنى من وقد تكون الهمزة هنا بمعنى لا على حد قول بعضهم في قوله تعالى: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ إن معناه لا تفعل ذلك اهـ. وقال الشيخ زكريا في تحفة القاري على صحيح البخاري أو أملك بفتح الواو والهمزة الأولى للاستفهام الإنكاري والواو للعطف على مقدر بعد الهمزة أن نزع الله من قلبك بفتح الهمزة مفعول أملك أي لا أقدر أن أجعل الرحمة في قلبك بعد أن نزعها الله منه ويجوز أن يكون تعليلاً للنفي المستفاد من الاستفهام الإنكاري
ومفعول أملك محذوف أي لا أملك وضع الرحمة في قلبك لأن الله نزعها منك، وضبطها العاقولي بفتح الهمزة وخرجه على نحو ما ذكر وكسرها وخرجه على أنها أداة شرط جزاؤها محذوف أي إن نزع الله الرحمة من قلبك لا أملك لك رفعه ومنعه اهـ، وجعله في المصابيح بفتح الهمزة من أن وعلى حذف مضاف فقال أي أو أملك دفع نزع الله الرحمة من قلبك يعني تقبيل الأطفال شفقة ورحمة فإذا لم تكن في قلبك هذه الشفقة والرحمة فقد نزعا من قلبك ولا أقدر على أن أضع فيه
стр. 1905
هذا لفظ إحدى الروايات، وهو مروي بألفاظ.
وروينا في "صحيح البخاري" وغيره عن أنس ﵁ قال: "أخذ رسول الله ﷺ ابنه إبراهيم فقَبَّله وشمه".
وروينا في سنن أبي داود عن البراء بن عازب ﵄ قال: دخلت مع أبي بكر ﵁ أوَّل ما قدم المدينة، فإذا عائشة ابنته ﵂ مضطجعة قد أصابتها حمى، فأتاها أبو بكر فقال: كيف أنتِ يا بنيَّة؟ وقبَّل خدَّها.
وروينا في كتب الترمذي والنسائي وابن ماجه بالأسانيد الصحيحة
ــ
شيئاً نزعه الله منه اهـ. قوله: (هذا لفظ إحدى الروايات) وعند مسلم أيضاً عن ابن نمير إن نزع الله من قلبك الرحمة.
قوله: (وروينا قد صحيح البخاري وغيره) أما تقبيله ﷺ لابنه إبراهيم فهو عند مسلم أيضاً وفيه أنه ضمه إليه ﷺ بالضاد المعجمة إلى تخريج الصحيحين ولعله كذلك في بعض نسخ مسلم قال ابن حجر قد شرح المشكاة في الخبر ندب تقبيل الصغير وشمه لإنبائه عن الرحمة والشفقة.
قوله: (وروينا في سنن أبي داود عن البراء الخ) هذا الحديث أخرجه الحافظ البخاري في صحيحه قد آخر باب هجرة النبي ﷺ عن البراء في قصة شراء الصديق الرحل من عازب أبي البراء ثم سؤاله عن حديث الهجرة وفي آخره قال البراء فدخلت مع أبي بكر على أهله فإذا بنته عائشة مضطجعة قد أصابتها حمى فرأيت أباها يقبل خدها وقال: كيف أنت يا بنية وكأن وجه الاقتصار على العزو لتخريج أبي داود أنه بين أن ذلك وقع أول مقدم النبي ﷺ المدينة ورواية الصحيح ساكتة عن ذلك وإلا فلا يظهر وجه ترك العزو للصحيح والاقتصار على العزو للسنن والله أعلم.
قوله: (وروينا في كتب الترمذي والنسائي وابن ماجه الخ) مدار الحديث عند الترمذي والنسائي وابن ماجه على شعبة فإنه رواه الترمذي والنسائي عن عبد الله بن إدريس وأبي أسامة عن شعبة ورواه ابن ماجه عنهما وغندر
стр. 1906
عن صفوان بن عسال الصحابي ﵁ -وعسَّال بفتح العين وتشديد السين المهملتين- قال: قال يهودي
لصاحبه: "اذهب بنا إلى هذا النبي، فأتيا رسولَ الله ﷺ فسألاه عن تسع آيات بيِّنات ... فذكر الحديث ... إلى قوله: فقبَّلوا يَدَه ورِجْلَه، وقالا: نشهد أنك نبي".
ــ
عن شعبة وحينئذٍ ففي قول الشيخ بالأسانيد نظر إذ ليس له عند من ذكر إلا إسناد واحد هو شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن صفوان، قال الترمذي بعد تخريج الحديث وهذا حديث حسن صحيح قال وفي الباب عن يزيد بن الأسود وابن عمر وكعب بن مالك، وفي تخريج أحاديث الكشاف للحافظ ابن حجر ورواه الحاكم وأحمد وإسحاق وأبو يعلى والطبراني كلهم من رواية عبد الله بن سلمة عن صفوان قال الحافظ وعبد الله بن سلمة كبر فساء حفظه. قوله: (عن صفوان بن عسال بفتح العين) أي المهملة وصفوان بفتح أوله المهمل وسكون الفاء آخره نون
وهو ابن عسال من بني الربض بن هوازن بن عامر بن عوثيان بن مراد سكن الكوفة: وغزا مع النبي ﷺ ثنتي عشرة غزوة روى عنه عبد الله بن مسعود وزر بن حبيش وعبد الله بن سلمة في آخرين وقال أبو نعيم وهو من بني زاهر بن مراد وقال الكلبي كما ذكرناه إنه من بني زاهر بن عامر وأخرج ابن الأثير عن زر عن عبد الله بن مسعود قال: حدثني صفوان بن عسال المرادي قال: أتيت النبي ﷺ وهو متكيء في المسجد على برد له أحمر فقلت: يا رسول الله إني جئت أطلب العلم فقال: "مرحبا بطالب العلم إن طالب العلم لتحفة الملائكة بأجنحتها" أخرجه الثلاثة يعني أبا نعيم وابن منده وابن عبد البر. قوله: (قال يهودي الخ) هذا لفظ الترمذي وفاعل قال الأول ضمير يعود إلى عسال. قوله: (فذكر الحديث) فقال: "ألا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف عليكم خاصة اليهود ألا تعدوا في السبت قال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف كان المسؤول عنه العشر كلمات لأنه عدها عشرة لا التسع آيات لأن العشر وصايا كهذه والتسع حجج على فرعون وقومه اهـ، قال البيضاوي: فعلى هذا فالمراد بالآيات الأحكام العامة للملل الثابتة في
стр. 1907
وروينا في سنن أبي داود بالإسناد الصحيح المليح عن إياس بن دَغْفَل قال: رأيت أبا نضرة قَبَّلَ خدَّ الحسن بن علي ﵄.
قلت: أبو نضرة بالنون والضاد المعجمة: اسمه المنذر بن مالك بن قطعة، تابعي ثقة.
ودغفل، بدال مهملة مفتوحة ثم غين معجمة ساكنة ثم فاء مفتوحة ثم لام.
وعن ابن عمر ﵄ أنه كان يقبل ابنه سالماً ويقول: اعجبوا من شيخ يُقَبِّل شيخاً.
وعن سهل بن عبد الله التستري السيد الجليل أحد أفراد زُهَّاد الأمَّة وعُبَّادها ﵁ أنه كان يأتي أبا داود السجستاني يقول: أخرجْ لي لسانك الذي تحدِّث به حديث رسول الله ﷺ لأقَبِّله، فيقبِّلُه.
وأفعال السلف في هذا الباب أكثر من أن تحصر، والله أعلم.
ــ
كل الشرائع سميت بذلك لأنها تدل على حال من يتعاطى متعلقها في الآخرة من سعادة وشقاوة وقوله: وعليكم الخ حكم زائد مستأنف على الجواب ولذا غير فيه سياق الكلام اهـ، فأشار إلى وجه آخر هو أنسب بظاهر سياق الآية آخر سورة الإسراء.
قوله: (وروينا في سنن أبي داود بالإسناد الصحيح المليح) هكذا وقع وصف هذا الإسناد بالمليح ولعله أراد بملاحته علوه إذ هو من رباعيات أبي داود قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا المعتمر عن إياس بن دغفل قال: رأيت أبا نضرة قبل خد الحسن ويحتمل أنه أراد به جودته وتوثيق رجاله وإياس بكسر الهمزة ثم تحتية آخره سين مهملة ودغفل بدال مهملة مفتوحة ثم غين معجمة ساكنة ثم فاء مفتوحة ثم لام. قوله: (ابن قطعة) قال الحافظ في التقريب بضم القاف وفتح المهملة اهـ. ونقل الأهدل عن الخلاصة أنه بكسر القاف وإسكان الطاء المهملة وأبو نضرة هو العبدي العوقي بفتح العين المهملة والواو وبالقاف البصري مشهور بكنيته مات سنة ثمان أو تسع ومائة.
قوله: (وعن ابن عمر الخ) سكت المصنف هنا عن بيان من خرجه وفي التهذيب له أخرجه ابن أبي خيثمة في تاريخه.
стр. 1908
فصل: ولا بأس بتقبيل وجه الميت الصالح للتبرك، ولا بتقبيل الرجلُ وجه صاحبه إذا قَدِم من سفره ونحوه.
روينا في "صحيح البخاري" عن عائشة ﵂ في الحديث الطويل في وفاة رسول الله ﷺ قالت: "دخل أبو بكر ﵁ فكشف عن وجه رسول الله ﷺ ثم أكبَّ عليه فقَبَّله، ثم بكى".
وروينا في كتاب الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: "قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول
ــ
فصل
قوله: (ولا بأس بتقبيل وجه الميت الخ) أي سواء كان قريباً أم لا قال ابن حجر في فتح الإله: حكم المسألة إن كان الميت صالحاً سن لكل أحد تقبيل وجهه التماساً لبركته واتباعاً لفعله ﷺ في عثمان بن مظعون كما سيأتي وإن كان غير صالح جاز ذلك بلا كراهة لنحو أهله وأصدقائه لأنه ربما كان مخففاً لما وجده من ألم فقده ومع الكراهة لغير أهل الميت إذ قد لا يرضى به لو كان حياً من غير قريبه وصديقه ومحل ذلك كله ما لم يحمل التقبيل فاعله على جزع أو سخط كما هو الغالب من أحوال النساء وإلا حرم أو كره اهـ. قوله: (ولا بتقبيل الرجل وجه صاحبه) أي ما لم يكن أمرد جميلاً كما قيد به آخراً. قوله: (وروينا في صحيح البخاري الخ) قلت وكذا رواه الترمذي وابن ماجه والنسائي ووجه الاستدلال بهذا الخبر مع أنه فعل صحابي أنه شاع وانتشر وسكت عليه ولم ينكر فأخذ منه ذلك كيف والذي فعل ذلك أفضل النّاس بعد النبيين صلى الله عليهم أجمعين وقد ورد ذلك من فعله ﷺ ففي صحيح البخاري أنه لما توفي عثمان بن مظعون جاء ﷺ وكشف عن وجهه وقبله وبكى الحديث. قوله: (فكشف عن وجه رسول الله ﷺ ) أي كشوف الثوب الذي غشته به عائشة عند وفاته ﷺ . قوله: (ثم أكب عليه) هذا أحد الفعلين اللذين خرجا عن القياس ثانيهما أعرض فإن قياس القاصر إذا دخلت عليه الهمزة أن يصير متعدياً نحو كرم زيد وأكرمته وهذان الفعلان أي أكب وأعرض متعديان عند عدم الهمزة نحو كبه أي ألقاه على وجهه وعرضه أكب أظهره وإذا دخلت عليهما الهمزة صارا لازمين قال الزوزني ولا ثالث لهما. قوله: (ثم بكى) استشكل ما جاء من بكائه ﷺ عند
стр. 1909
الله ﷺ في بيتي، فأتاه فقرع الباب، فقام إليه النبي ﷺ يجرُّ ثوبَه، فاعتنقه وقبَّله" قال الترمذي: حديث حسن.
وأما المعانقة وتقبيل الوجه لغير الطفل ولغير القادم من سفر ونحوه، فمكروهان، نصَّ على كراهتهما أبو محمد البغوي وغيره من أصحابنا.
ويدلُّ على الكراهة ما رويناه في كتابي الترمذي وابن ماجه عن أنس ﵁ قال: "قال رجل: يا رسول الله! الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا، قال: أفيلتزمه ويقَبِّله؟ قال: لا، قال: فيأخذه ييده ويصافحه؟ قال: نَعَمْ" قال الترمذي: حديث
ــ
كشف وجه عثمان بن مظعون وتقبيله بقوله: فإذا وجبت فلا تبكين باكية وأجيب بأنه لبيان الجواز على أنه
يحتمل أن يكون اضطرارياً والنهي إنما يكون عن الاختياري وبهذا الاحتمال الأخير يجاب عن بكاء الصديق الكبير ﵁. قوله: (فقرع الباب) يؤخذ منه جواز الاستئذان بنحو قرع الباب من غير سلام وقد ورد مثل ذلك من فعل جابر كما سبق في باب الاستئذان ويحتمل أن يكون قرن بالقرع الاستئذان وهذا القرع كان بلطف كالقرع بالأظافير على ما هو الأدب. قوله: (يجر ثوبه) أي بردائه فكان ﷺ مستور العورة عرياناً من غير ساتر العورة لعجلته استبشاراً يزيد. قوله: (فاعتنقه وقبله) وحذف المصنف من الحديث قول عائشة والله ما رأيته عرياناً قبله ولا بعده أي ما رأيته استقبل رجلاً عرياناً فاختصرت الكلام لدلالة الحال كما قاله القاضي عياض وقيل يحتمل أن يكون مرادها لم تره عرياناً مثل ذلك العري واختار الطيبي ما قاله القاضي وقال: هو الوجه لما شم من سياق كلامها من رائحة الفرح والاستبشار بقدومه واستعجاله للقائه بحيث لم يتمكن من تمام التردي بالرداء حتى جره وكثيراً ما يقع مثل هذا اهـ. قوله: (أينحني له) من الانحناء وهو إمالة الرأس أو الظهر تواضعاً وخدمة (قال: لا) أي فإنه في معنى الركوع والسجود من عبادة الله سبحانه وقوله (أفيلزمه) أي يعتنقه (ويقبله قال: لا) يستدل به من كرههما وخرج نحو السفر لما ورد فيه من حديث زيد وما في معناه وقوله (ويصافحه) معطوف على ما قبله عطف تفسير أو الثاني أخص وأتم. قوله: (قال الترمذي الخ) حديث
стр. 1910
حسن.
قلت: وهذا الذي ذكرناه في التقبيل والمعانقة، وأنه لا بأس به عند القدوم من سفر ونحوه، ومكروه كراهة تنزيه في غيره، هو في غير الأمرد الحسن الوجه، فأما الأمرد الحسن، فيحرم بكل حال تقبيله، سواء قدم من سفر أم لا. والظاهر أن معانقته كتقبيله، أو قريبة من
تقبيله، ولا فرق في هذا بين أن يكون المقبِّل والمقبَّل رجلين صالحين أو فاسقين، أو أحدهما صالحاً، فالجميع سواء. والمذهب الصحيح عندنا تحريم النظر إلى الأمرد الحسن، ولو كان بغير شهوة، وقد أمن الفتنة، فهو حرام كالمرأة لكونه في معناها.
ــ
حسن غريب لا يعرفه من حديث الزهري إلا من هذا الوجه اهـ. قوله: (فأما الأمرد الحسن فيحرم تقبيله) إذا كان أجنبياً كما هو موضوع المسألة كما أشار إليه بقوله أول الفصل ولا بأس بتقبيل الرجل وجه صاحبه الخ، أما تقبيل القريب فقد تقدم في الفصل قبله وحينئذٍ فإذا كان القادم أمرد فلا بأس بتقبيله ومعانقته من غير شهوة إذا كان من قريبه من والده وممن في معناه ممن يأتي ثم الأمرد من لم يأت زمان نبات لحيته غالباً فإن جاء ولم تنبت فيقال فيه ثط بالمثلثة فالمهملة قيل ويظهر ابتداء
ضبط الأمرد بأن يكون بحيث لو كان امرأة صغيرة لاشتهيت للرجال والأصح أن الحسن يختلف باختلاف الطباع قال الشاعر:
وكم في النّاس من حسن ولكن ... ألذ العيش ما تهوى القلوب
قوله: (ولا فرق في هذا الخ) أي فيحرم الجميع سداً للباب. قوله: (والمذهب الصحيح عندنا تحريم النظر إلى الأمرد الحسن) أي إلى جزء من بدنه وإن كان الناظر أمرد أيضاً ثم النظر عند خوف الفتنة بأن لم يندر وقوعها كما قاله ابن الصلاح أو مع الشهوة وضبطها في الإحياء بأن كان يتأنس بكمال صورته بحيث يدرك من نفسه فرقاً بينه وبين الملتحي حرام إجماعاً وكثير من يقتصر على مجرد النظر والمحبة ظانين سلامتهم من الإثم وليسوا سالمين منه أما عند انتفاء الشهوة وعند أمن الفتنة فقال الشيخ المصنف هنا: المذهب الصحيح التحريم ولو بغير شهوة وقد أمن الفتنة وفي
стр. 1911
فصل في المصافحة:
ــ
المنهاج أن ذلك الأصح المنصوص ونازعه فيه حكماً ونقلاً جمع متقدمون ومتأخرون حتى بالغ بعضهم فزعم أنه خرق للإجماع وليس في محله وإن وافقه قول البلقيني محله مع أمن الفتنة إجماعاً، وجه التحريم ما أشار إليه بقوله كالمرأة لكونه في معناها بل قال في الكافي إنه أعظم إثماً منها لأنه لا يحل بحال وإنما لم يؤمر بالاحتجاب للمشقة في تركهم التعليم والأسباب واكتفاء بوجوب الغض عنهم إلا لحاجة وقد بالغ السلف في التنفير عنهم وسموهم الأنتان لاستقذارهم شرعاً ووقع نظر بعضهم على أمرد فأعجبه فقال له أستاذه: سترى غبه فنسي القرآن بعد عشرين سنة وشروط الحرمة مع أمن الفتنة وانتفاء الشهوة ألا يكون الناظر محرماً بنسب وكذا رضاع أو مصاهرة على ما شمله إطلاقهم ولا سيداً وأن يكون المنظور إليه جميلاً بحسب طبع الناظر لأن الحسن يختلف باختلاف الطباع ويفرق بين هذا والرجوع فيه إذا شرط للعرف بناء على الأصح أن الملاحة وصف ذاتي بأن المدار ثمة على ما تزيد به المالية وهو منوط بالعرف لا غير وهنا على ما قد يجر لفسقه وهو منوط بميل طبعه لا غيره وإنما لم يقيدوا النساء بذلك لأن لكل ساقطة لاقطة ولأن الميل إليهم طبعي وإذا قلنا بحرمة النظر إليه حرمت الخلوة به وفي مسه تفصيل قال ابن حجر في التحفة وإن كان معه أمرد آخر أخذاً من قولهم إن الرجل لا يمتنع من فعل المحرم بحضرة مثله واعترض بأن ذلك فيما إذا كان فاعلاً أما في هذا المقام فيستحي بحضرة مثله فوجود آخر معه يمنع من الخلوة به والله أعلم.
فصل في المصافحة
قال في مختصر النهاية التصفيح التصفيق وهو ضرب صفحة الكف على صفحة الأخرى ومنه المصافحة وهي إلصاق صفحة الكف بالكف وفي القاموس: والمصافحة الأخذ باليد كالتصافح وفي مرقاة الصعود للسيوطي هي مفاعلة من الصفحة والمراد بها الإفضاء بصفحة اليد إلى صفحة اليد اهـ،
وفي المرقاة يمكن أن تكون مأخوذة من الصفح بمعنى العفو ويكون أخذ اليد دالاً عليه كما أن تركه مشعر بالإعراض عنه اهـ، قال ابن رسلان ولا تحصل إلا بأن تقع بشرة أحد الكفين على الأخرى أما إذا تلاقيا ووضع كل واحد منهما كمه على كم الآخر ويداهما في أكمامهما فلا تحصل المصافحة المعروفة: وقد كثر هذا في زماننا بأن يضع كل واحد
стр. 1912
أعلم أنها سُنَّة مجمع عليها عند التلاقي.
ــ
منهما كمه على الآخر ولا يلتقي الكفان وهذا أصلح من انحناء كل واحد منهما للآخر فإنه منهي عنه نقله العلقمي في شرح الجامع الصغير، وقال الحطاب المالكي: قال فقهاؤنا: المصافحة وضع كف على كف مع ملازمة لهما قدر ما يفرغ من السلام ومن سؤال عن غرض وأما اختطاف اليد أثر التلاقي فمكروه وفي شرح منسك الشيخ خليل للحطاب المذكور نقلاً عن شرح الإرشاد للشيخ سليمان البحيري قال: قال الأقفهسي المصافحة إلى آخر ما ذكر آنفاً ثم قال: وهل يشد كل منهما على يد صاحبه قولان وهل يقبل كل منهما يد نفسه قال: الذي سمعناه من شيوخنا لا يقبل وقال الزناتي: يقبل كل منهما يد نفسه اهـ، وقال الجزولي: صفتها أن يلصق كل واحد منهما راحته براحة الآخر ولا يشد لأنه أبلغ في المودة ولا يقبل أحدهما يده ولا يد الآخر فذلك مكروه اهـ، كلام الحطاب. قوله: (أعلم أنها سنة) أي لما فيها من داعية التألف المطلوب بين المؤمنين قال ﷺ تصافحوا يذهب الغل الحديث الآتي وهو مرسل ونقل في رواية أشهب من الجامع من العتبية عن مالك كراهة المصافحة حكاه ابن شاس وغيره وروي عن مالك غير هذا وإنه صافح ابن عيينة وقال الشارمساحي في المصافحة عن مالك ثلاث روايات: الكراهة دون كراهة، المعانقة والجواز والاستحباب وهو مقتضى مذهبه في الموطأ بإدخال حديث الأمر بها قلت: يعني حديث تصافحوا يذهب الغل فإنه رواه في جامع الموطأ مرسلاً عن عطاء الخراساني قال: قال رسول الله ﷺ : "تصافحوا يذهب الغل وتهادوا تحابوا تذهب الشحناء والغل" بكسر الغين الحقد كذا في حاشية الحطاب على منسك خليل وقال الباجي في المنتقى لما ذكر رواية أشهب بالكراهة فعليها فيحتمل أن يريد والله أعلم في الحديث بالمصافحة الصفح وهو التجاوز والغفران وهو أشبه لأنه يذهب الغل في الأغلب وقد وردت المصافحة في رواية من فعله ﷺ ففي سنن أبي داود عن رجل من عترة أنه قال لأبي ذر حيث سير إلى الشام: إني أريد أن أسألك عن حديث من حديث رسول الله ﷺ قال: إذن أخبرك به إلا أن يكون سراً قلت: ليس بسر هل كان رسول الله ﷺ يصافحكم إذا لقيتموه قال: ما لقيته قط إلا صافحني وبعث إليّ ذات يوم ولم أكن في أهلي فلما جئت أخبرت أنه أرسل
стр. 1913
روينا في "صحيح البخاري" عن قتادة قال: قلت لأنس ﵁: أكانت المصافحة في أصحاب النبي ﷺ ؟ قال: نعم.
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" في حديث كعب بن مالك ﵁ في قصة توبته قال:
ــ
إليّ فأتيته وهو على سريره فالتزمني وكانت تلك أجود وأجود، وأخرجه الإِمام أحمد من طريق آخر نحوه قال العاقولي في شرح المصابيح الإشارة بقوله فكانت تلك إلى الالتزام على تأويل المعانقة وعبر عنها به ليكون أقرب إلى الأدب أي فكانت تلك المعانقة أجود من المصافحة وأجود والواو في وأجود للتعقيب بمنزلة الفاء في قولهم الأحسن فالأحسن اهـ، وبحث فيه في المرقاة بأن الواو هنا عاطفة لتأكيد نسبة الإسناد بخلاف الفاء فيما مثل به فإنه للتعقيب التنزلي في الأمر الإضافي، ولا ينافي هذا ما تقدم من كراهة المعانقة والتقبيل لغير القادم من السفر لأنه يحمل على بيان الجواز وأن تلك الكراهة للتنزيه لا للتحريم والله أعلم، وفي مسند أبي بكر الروياني عن البراء قال: لقيت رسول الله ﷺ
فصافحني فقلت: يا رسول الله كنت أحسب أن هذا من زي العجم قال: نحن أحق بالمصافحة نقله السيوطي في حواشي سنن أبي داود، قلت وأخرج الحديث ابن عبد البر في التمهيد وزاد ما من مسلمين يلتقيان فيأخذ أحدهما بيد صاحبه مودة بينهما ونصيحة إلا ألقيت ذنوبهما بينهما والمشهور عن مالك جوازها قال في التمهيد وهو الذي يدل عليه معنى ما في الموطأ وعلى جوازه العلماء من السلف والخلف اهـ، قال بعض شراح الرسالة المشهور عنه استحبابها قلت وهو الذي أشار الشيخ إليه بقوله: مجمع عليها أي على سنيتها عند التلاقي وقال الفاكهاني المشهور عن مالك إجازتها واستحبابها وهو الذي يدل عليه مذهبه في الموطأ بإدخال حديث ما من مسلمين يلتقيان الخ قلت: لم يذكر هذا الحديث في الموطأ إنما المذكور فيه الحديث المقدم والله تعالى أعلم قلت وفي رسالة ابن أبي زيد والمصافحة حسنة ولم يذكر فيها اختلافاً. قوله: (روينا في صحيح البخاري الخ) ورواه الترمذي أيضاً وقال حسن صحيح. قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم) تقدم تخريج الحديث في باب
стр. 1914
فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله ﵁ يهرول، حتى صافحني وهنَّأني.
وروينا بالإسناد الصحيح في سنن أبي داود عن أنس ﵁ قال: "لما جاء أهل اليمن، قال لهم رسول الله ﷺ : "قَدْ جاءَكُمْ أهْلُ اليَمَنِ وَهمْ أوَّلُ مَن جاءَ بالمُصَافَحَةِ".
وروينا في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه عن البراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ مُسْلمَينِ يَلْتَقِيانِ فَيَتَصَافَحَانِ إلا غُفِرَ لَهُما
ــ
ترك السلام على المبتدع. قوله: (فقام إلى طلحة يهرول الخ) قال المصنف في شرح مسلم فيه استحباب مصافحة القادم والقيام إكراماً والهرولة إلى لقائه بشاشة وفرحاً والمصافحة عند التلاقي سنة بلا خلاف اهـ. قوله: (وهنأني) بتوبة الله علي ففيه التهنئة بالنعم المتجددة وبدفع النقم. قوله: (وروينا بالإسناد الصحيح الخ) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد من طريقين كلاهما عن أنس وفي ثانيهما قال: يقدم عليكم قوم أرق منكم قلوباً فقدم علينا الأشعريون فيهم أبو موسى فكانوا أول من أظهر المصافحة في الإسلام اهـ، ويستفاد من هذه الرواية تعيين الطائفة المذكورين بالإجمال في تلك الرواية وإن المراد من مجيئهم بالمصافحة إظهارهم لها في الإسلام والله أعلم وحديث أول من أظهر المصافحة أهل اليمين أخرجه البخاري في الأدب المفرد وابن وهب بني جامعه عن أنس كما في التوشيح. قوله: (وروينا في سنن أبي داود الخ) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب والترمذي في باب الاستئذان وقال حديث حسن غريب من حديث أبي إسحاق عن البراء وفي روي عن البراء من وجه آخر ورواه ابن ماجه وفي أبواب الأدب وأخرجه الإِمام أحمد والضياء كما في الجامع الصغير وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد. قوله: (فيتصافحان) أي عقب تلاقيهما دون تراخ بعد سلامهما. قوله: (إلا غفر لهما) قال ابن ماجه: هذا رحمة من الله تعالى وفي سنن أبي داود في رواية أخرى
زيادة اعتبار الحمد والاستغفار في حصول الغفران وأخرج عن البراء مرفوعاً إذا التقى المسلمان فتصافحا وحمدا الله واستغفراه غفر لهما فيحتمل أن يكون ذلك قيداً لحصول أصل المغفرة المستفاد من الرواية
стр. 1915
قَبْلَ أنْ يَتَفَرَّقَا".
وروينا في كتابي الترمذي وابن ماجه عن أنس ﵁ قال: "قال رجل: يا رسول الله! الرجُلُ مِنَّا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ ، قال: "لا"، قال: أفيلتزمه ويقبِّله؟ قال: "لا"، قال: فيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: "نعَمْ" قال الترمذي: حديث حسن. وفي الباب أحاديث كثيرة.
ــ
الأولى أو إفادة لكمالها بأن يكون مستوعباً لجميع ذنوبهما وعند ابن السني من حديث البراء إذا التقى المسلمان فتصافحا وتكاشرا بود ونصيحة تناثرت خطاياهما بينهما وعند الطبراني ويضحك كل واحد منهما في وجه صاحبه قال العلقمي: والمراد به التبسم وطلاقة الوجه وحسن الاستبشار والسرور بقلبه اهـ، وروى الحكيم الترمذي وأبو الشيخ عن عمر مرفوعاً إذا التقى المسلمان فسلم أحدهما على صاحبه كان أحبهما إلى الله أحسنهما بشراً لصاحبه فإذا تصافحا أنزل الله عليهما
مائة رحمة للبادئ تسعون وللمصافح عشر كذا في المرقاة، وفي جزء المصافحة للضياء عن البراء قال: صافحني رسول الله ﷺ فغمز على كفي فقال لي: "يا براء أتدري لم غمزت على كفك" قال: قلت: لا يا رسول الله قال: "إذا صافح المؤمن المؤمن نزلت عليهما مائة رحمة تسعة وتسعون لأبشهما وأحسنهما خلقاً". قوله: (قبل أن يتفرقا) أي بالأبدان أو بالفراغ من المصافحة وهو أظهر في إرادة المبالغة. قوله: (وروينا في كتاب الترمذي الخ) رواه الترمذي عن أسود بن نصر عن عبد الله بن المبارك ورواه ابن ماجه عن علي بن محمد عن وكيع عن جرير بن حازم كلاهما عن حنظلة وقال الترمذي: حديث حسن كذا في جزء المصافحة للضياء المقدسي. قوله: (يلقى أخاه) أي يلقى المؤمن وإن لم تكن بينهما صداقة خاصة أو أحداً من قومه فإنه يقال: أخو العرب والصديق الحبيب وهو أخص مما قبله. قوله: (أينحني له قال: لا الخ) دل على أن حني الظهر في السلام مكروه وكذا الالتزام المراد منه المعانقة والتقبيل لغير القادم من سفر ونحوه كراهة شديدة ولا يشكل عليه ما تقدم من حديث أبي ذر المذكور أوائل الفصل لما ذكر فيه أنه لبيان الجواز وإن نحو هذا النهي للتنزيه لا للتحريم ومثل ذلك واجب عليه ﷺ للتشريع المأمور هو به. قوله: (فيأخذ بيده ويصافحه قال: نعم) يستثنى منه الأمرد الجميل كما سيأتي في الأصل فتحرم مصافحته
стр. 1916
وروينا في "موطأ الإِمام مالك" ﵀ عن عطاء بن عبد الله الخراساني قال: قال لي رسول الله ﷺ : "تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الغِلُّ، وَتَهَادَوْا تَحَابوا وتَذْهَبِ الشحناءُ".
قلت: هذا
ــ
ومن به عاهة كأجزم وأبرص فتكره مصافحته قاله العبادي.
قوله: (وروينا في موطأ مالك عن عطاء بن عبد الله الخراساني قال: قال رسول الله ﷺ : "تصافحوا الخ" (قال الحافظ ابن عبد البر في التمهيد: هذا يتصل من وجوه وكلها حسان ثم أورد أحاديث في المصافحة وكأنه أراد اتصال مضمون حديث عطاء لا خصوص هذا اللفظ إذ لم يورده فيه ثم رأيت الحافظ قال في الفتح وفي مرسل عطاء الخراساني في الموطأ تصافحوا الخ، ولم يقف عليه موصولاً واقتصر ابن عبد البر على شواهده من حديث البراء وغيره وأورد في التمهيد عن عطاء قال:
رأيت ابن عباس يصلي في الحجر فجاء رجل فقام إلى جنبه ثم مد الرجل يده فالتفت ابن عباس فبسط يده فصافحه فرأيته يغمز يده وهو في الصلاة فعرفت أن ذلك من مودته إياه ثم مضى في صلاته اهـ، وفي الجامع الصغير تهادوا تحابوا وتصافحوا يذهب الغل منكم رواه ابن عساكر عن أبي هريرة. قوله: (وتهادوا تحابوا) قال ابن عبد البر: هذا جاء من حديث أبي هريرة ثم خرجه من غير طريق عطاء وأسنده إلى أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تهادوا تحابوا" اهـ، وأخرج ابن عبد البر بسند تكلم في بعض رجاله عن معاوية بن الحكم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: تهادوا فإنه يضعف الود ويذهب بغوائل الصدر قال ابن عبد الله كان ﷺ يقبل الهدية وندب أمته إليها وفيه الأسوة الحسنة ﷺ ومن فضل الهدية مع اتباع السنة أنها تورث المودة وتذهب العداوة قلت وهي المراد بالشحناء وهو بفتح المعجمة وإسكان المهملة على ما جاء في هذا الحديث وما في معناه وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدر ولا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة وقد أحسن القائل حيث قال:
هدايا النّاس بعضهم لبعض ... تولد في قلوبهم الوصالا
وتزرع في الفؤاد هوى وودا ... وتكسوهم إذا حضروا جمالا
стр. 1917
حديث مرسل.
واعلم أن هذه المصافحة مستحبَّة عند كل لقاء، وأما ما اعتاده النّاس من المصافحة بعد صلاتي الصبح والعصر، فلا أصل له في الشرع على هذا الوجه، ولكن لا بأس به،
ــ
قوله: (حديث مرسل) أي لكنه معتضد بما جاء له من الشواهد الحسنة الموصولة. قوله: (واعلم أن المصافحة مستحبة عند كل لقاء) أي سواء كان بعد سفر أو لا. قوله: (وأما ما اعتاده النّاس الخ) في صحيح البخاري من حديث جابر بن سمرة كان ﷺ إذا صلى أقبل علينا بوجهه وفيه قال أبو جحيفة وخرج ﷺ بالهاجرة إلى البطحاء فتوضأ ثم صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين وقام النّاس فجعلوا يأخذون بيده فيمسحون بها وجوههم فأخذت بيده فوضعتها على وجهي فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب رائحة من المسك أورد هذين الحديثين المحب الطبري في غايته وأورد أحاديث كثيرة كذلك وقال: يستأنس بذلك لما تطابق عليه النّاس من المصافحة بعد الصلوات في الجماعات لا سيما في العصر والمغرب إذا اقترن به قصد صالح من تبرك أو تودد أو نحوه اهـ، وأفتى حمزة الناشري وغيره باستحبابها عقب الصلوات مطلقاً أي وإن صافحه قبلها لأن الصلاة غيبة حكمية فتلحق بالغيبة الحسية اهـ. نقله الأشخر في فروعه، قال أبو شكيل في شرح الوسيط يظهر لي أن تخصيص هذين الوقتين أي العصر والصبح هو لما روي أن ذينك الوقتين لنزول ملائكة وصعود آخرين إذ تنزل ملائكة الليل عند العصر وتصعد عندها ملائكة النهار وتنزل ملائكة النهار عند صلاة الصبح وتصعد ملائكة الليل فاستحب المصافحة للتبرك بمصافحتهم قلت: ولو قيل التخصيص بهما لمزيد فضلهما لما ذكروا أن العصر هي الوسطى وقيل مثل ذلك في الفجر وهما أوقات الفيوض فناسب تخصيصهما بنوع تكريم لكان أقرب والله أعلم، قال بعضهم ومثل المصافحة عقب هاتين الصلاتين المصافحة عقب باقي الصلوات أي ممن اجتمع به قبلها. قوله: (فلا أصل له على هذا الوجه) أي من كونهم
يأتون بها عقب هاتين الصلاتين إذا كانوا قبلهما مجتمعين. قوله: (ولكن لا بأس به) نقل في المرقاة عن بعض الحنفية كراهة ذلك.
стр. 1918
فإن أصل المصافحة سُنَّة، وكونهم حافظوا عليها في بعض الأحوال، وفرطوا فيها في كثير من الأحوال أو أكثرها، لا يخرج ذلك البعض عن كونه من المصافحة التي ورد الشرع بأصلها.
وقد ذكر الشيخ الإِمام أبو محمد بن عبد السلام ﵀ في كتابه "القواعد" أن البدع على خمسة أقسام: واجبة، ومحرمة، ومكروهة، ومستحبة، ومباحة. قال: ومن أمثلة البدع المباحة: المصافحة
ــ
قوله: (ولكن لا بأس به) عبر بمثله في الروضة واستحسن في المجموع كلام ابن عبد السلام ثم قال والمختار أن مصافحة من كان معه قبل الصلاة مباحة ومن لم يكن معه قبل الصلاة سنة لأن المصافحة عند اللقاء سنة اهـ، وعليه لا يتقيد ذلك بالصبح والعصر كما هو ظاهر كما لا يتقيد بذلك فتوى الناشري بالاستحباب مطلقاً كما تقدم عنه. قوله: (فإن أصل المصافحة سنة) أي في محلها المشروعة هي فيه وذلك عند التلاقي. قوله: (وكونهم حافظوا عليها في بعض الأحوال) أي وإن لي تكن مشروعة في ذلك البعض كما في ما إذا اجتمعا قبل الصلاة ثم تصافحا عقبها (لا يخرج ذلك البعض) وإن كان مبتدعاً (عن كونه من) أفراد (المصافحة) لطبق تعريفه عليها (التي ورد الشرع بأصلها) أي بالمشروع منها وهو عند الملاقاة، وبما تقرر في حل عبارة المصنف يندفع اعتراض صاحب المرقاة وقوله إن في كلام المصنف نوع تناقض لأن الإتيان بالسنة في بعض الأوقات لا يسمى بدعة اهـ ووجه اندفاعه أن المصنف لم يقل إن المصافحة فيما ذكر من السنة وإنها بدعة مباحة، بل إنها بدعة لأن المصافحة إنما تسن عند اللقاء وهو سابق في هذه الحالة الصلاة فهي بعدها حينئذٍ بدعة لعدم ورودها كذلك عن الشارع وكانت مباحة لورود أصلها في محله وهو عند اللقاء، وبه يندفع أيضاً قوله معترضاً عليه مع أن عمل النّاس في هذين الوقتين ليس على وجه الاستحباب المشروع فإن محل المصافحة أول اللقاء وهؤلاء يتلاقون قبل الصلاة من غير مصافحة ويتصافحون عقبها فأين هذا من السنة اهـ، ووجه اندفاعه بل عدم وروده بالكلية أن المصنف لم يقل باستحباب المصافحة في هذه الصورة بل صرح بأنها بدعة مباحة ومع هذا التصريح فلا يبقى لهذا الإيراد وجه فضلاً عن وجه مليح، وفي المرقاة
стр. 1919
عقب الصبح والعصر، والله أعلم.
قلت: وينبغي أن يحترز من مصافحة الأمرد الحسن الوجه، فإن النظر إليه حرام كما قدمنا في الفصل الذي قبل هذا، وقد قال أصحابنا: كل من حرم النظر إليه حرم مسه، بل المس أشد، فإنه يحل النظر إلى الأجنبية إذا أراد أن يتزوجها. وفي حال البيع والشراء والأخذ والعطاء، ونحو ذلك، ولا يجوز مسها في شيء من ذلك، والله أعلم.
فصل: ويستحب مع المصافحة، البشاشة بالوجه، والدعاء بالمغفرة وغيرها.
روينا في "صحيح مسلم" عن أبي ذر ﵁ قال: قال
ــ
ومع كونها من البدع فإذا مد مسلم يده إليه ليصافحه فلا ينبغي الإعراض عنه بجذب اليد لما يترتب عليه من أذى يزيد على مراعاة الأدب وإن كان يقال إن فيه نوع إعانة على البدعة وذلك لما فيه من المجابرة اهـ. وكذا فهم الحافظ من كلام المصنف أنه يرى أنها مستحبة في هذين من قوله بعد نقل كلام ابن عبد السلام أصل المصافحة سنة وكونهم حافظوا عليها في بعض الأحوال لا يخرجها عن أصل السنة قال الحافظ وللنظر فيه مجال فإن أصل صلاة النافلة سنة مرغب فيها ومع ذلك فقد كره المحققون تخصيص وقت بها دون وقت ومنهم من أطلق تحريم مثل ذلك كصلاة الرغائب التي لا أصل لها اهـ. قوله: (فإن النظر إليه حرام الخ) فرع الشيخ تحريم مسه على تحريم النظر إليه الذي قال به واعتمده أما على القول بحل النظر إليه فسكت عنه الشيخ وفي التحفة لابن حجر جزم بعضهم بأنه يحرم مس الأمرد وإن حل النظر إليه وإنما يتجه إن قلنا
إن محرم المرأة يحرم عليه مسها مطلقاً كما هو مقتضى كلام الروضة أما إذا قلنا بالمعتمد من حل مس رأس المحرم ونحوه مما ليس بعورة كما نقل المصنف الإجماع عليه في شرح مسلم حيث لا شهوة ولا فتنة بوجه سواء لحاجة أو شفقة فينبغي أن يجيء في الأمرد ذلك التفصيل اهـ بمعناه.
فصل
قوله: (البشاشة بالوجه) قال في النهاية بشاشة اللقاء الفرح بالمرء والانبساط إليه والأنس به.
قوله: (وغيرها) أي من باقي خير الدارين. قوله: (روينا في صحيح مسلم الخ) ورواه أحمد والترمذي من جملة حديث عن جابر قال: قال
стр. 1920
لي رسول الله ﷺ : "لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئاً، ولَو أنْ تَلْقى أخاكَ بوجْهٍ طَلِيق".
وروينا في كتاب ابن السني عن البراء بن عازب ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن المُسْلمَيْنِ إذا التَقَيا فَتَصَافَحا وَتَكَاشَرا بِوُدٍّ وَنَصِيحَةٍ تَنَاثَرَتْ خَطايَاهُما بَيْنَهُما".
وفي رواية: "إذا الْتَقَى المُسْلِمانِ فَتَصافَحَا وَحَمِدَا اللهَ تعالى واسْتَغْفَرَا، غَفَرَ اللهُ لَهُما".
ــ
ﷺ : "كل معروفة صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق" الحديث قال الترمذي واللفظ له حديث حسن صحيح قال المنذري في الترغيب وصدره في الصحيحين من حديث حذيفة اهـ، وتقدم في ترجمة أبي جرد من كتاب السلام قوله عن النبي ﷺ : "لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقى ولو أن تكلم أخاك ووجهك إليه منبسط" الحديث رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح ورواه النسائي وابن حبان في صحيحه ورأيت منقولاً عن "تسديد القوس في تخريج أحاديث الفردوس" للحافظ حديث: لا تحقرن من المعروف شيئاً الحديث رواه مسلم وأبو داود والترمذي والطبراني عن جابر بن سليم اهـ. قوله: (لا تحقرن من المعروفة شيئاً الخ) أي المعروف وإن كان يسيراً فله موقع فلا ينبغي احتقاره وقوله (ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) أي ولو كان ذلك المعروف لقياك أخاك بوجه طلق وطلق قال المصنف: روي على ثلاثة أوجه إسكان اللام وكسرها أي مع فتح الطاء وطليق بزيادة ياء تحتية ومعناه سهل منبسط وفي الحديث الحث على فعل المعروف وما تيسر منه وإن قل اهـ وما أحسن ما قيل:
ومتى تفعل الكثير من الخيـ ... ـر إذا كنت تاركاً لأقله
قوله: (بود ونصيحة) أي حال كون تكاشرهما مصحوباً بالود بضم الواو أي الصداقة والمحبة وبالنصيحة المطلوبة لعموم المؤمنين ففي الخبر الصحيح الدين النصيحة. قوله: (وفي رواية) أي لابن
السني عن البراء بن عازب وقد أخرجه كذلك أبو داود في سننه لكن قال واستغفراه بزيادة ضمير المفعول فكان العزو إليه أولى. قوله: (فتصافحا وحمدا) الظاهر أنه يطلب الترتيب بين الحمد
стр. 1921
وروينا فيه عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما مِنْ عَبْدَينِ مُتَحَابَّيْنِ في اللهِ، يَسْتَقْبِلُ أحَدُهُما صَاحِبَهُ فَيُصَافِحُهُ، فَيُصَلِّيانِ على النبي ﷺ إلا لَمْ يَتَفرَّقا حتى تُغْفَرَ ذُنُوبُهُما مَا تَقدَّمَ مِنْها وما تأخرَ".
وروينا فيه عن أنس أيضاً، قال: ما أخذ رسول الله ﷺ بيد رجل ففارقه حتى قال: "اللهُم آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذَابَ النَّارِ".
فصل: ويكرَه حنْيُ الظهر في كل حال لكل أحد، ويدل عليه ما قدمناه في الفصلين المتقدِّمين في حديث أنس، وقوله: "أينحني له؟ قال: لا" وهو حديث حسن كما ذكرناه، ولم يأت له معارض، فلا مصير إلى مخالفته،
ــ
والاستغفار والصلاة على النبي ﷺ استحباباً لترتبها في الذكر المشعر بذلك وإن قلنا بالأصح إن الواو لا تفيد الترتيب ويحتمل خلافه. قوله: (وروينا فيه) أي في كتاب ابن السني قد أخرجه الحسن بن سفيان وأبو يعلى في مسنديهما أيضاً قال الحافظ في الخصال المكفرة للذنوب المتقدمة والمتأخرة أخرجه ابن حبان في كتاب الضعفاء اهـ، قال ابن بنت الميلق وذكره المنذري في أحاديث غفران ما تقدم وما تأخر وقد علمت مما سبق أن الحديث عند أبي داود والترمذي وابن ماجه لكن ليس فيه التقييد بالصلاة على النبي ﷺ ولا بغفران ما تقدم وتأخر قال ابن بنت الميلق وينبغي للحريص على المغفرة أن يأتي بالمصافحة وذكرها على أكمل الأحوال والألفاظ احتياطاً لتحصيلها ومن كمال ذكرها ما رواه ابن السني عن أنس قال: ما أخذ رسول الله ﷺ بيد رجل ففارقه إلا قال: ربنا آتنا في الدنيا حسنة الخ.
فصل
قوله: (ويكره حتى الظهر) ظاهره وإن وصل إلى حد الركوع فإنه يبقى مكروهاً وكأن الفرق بينه وبين تحريم السجود بين يدي المشايخ بل في بعض صوره ما يقتضي الكفر أن السجود أبلغ في التواضع فحرم فعله لغير الله تعالى وظاهر أن محل ما ذكر في الانحناء ما لم يقصد به الركوع وإلا فيحرم لأنه تعاطى عبادة
стр. 1922
ولا يُغتر بكثرة من يَفعله ممن ينسب إلى علم أو صلاح وغيرهما من خصال الفضل، فإن الاقتداء إنما يكون برسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
وقد قدمنا في "كتاب الجنائز" عن الفضيل بن عياض ﵁ ما معناه: اتّبعْ
ــ
فاسدة بل في بعض صوره ما يقتضي الكفر ولا يشكل على ما تقرر من تحريم السجود فيما ذكر قوله تعالى حكايته عن إخوة يوسف: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ له، لأن ذلك شرع من قبلنا وليس هو بشرع لنا ما لم يرد في شرعنا تقريره والله أعلم. قوله: (ولا يغتر بكثرة من يفعله ممن ينسب إلى علم أو صلاح وغيرهما) من خصال الفضل والفلاح (فإن الاقتداء) أي بالأفعال الصادرة من فاعلها (إنما يكون برسول الله ﷺ ) وكذا بوارثيه المتقيدين بالاتباع في سائر الأحوال الذين لم يغلب عليهم الحال فإن ذا الحال كما لا ينكر عليه شأنه لا يقتدي به إنما يقتدي بالوارثين من أرباب
الكمال المشرفين بمقام الاتباع والحائزين لمقام الوارثة. قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ أي ما أعطاكم الرسول فخذوه والآية وإن كانت في الفيء والغنيمة إلا أن ما يوميء إليه من تلقي ما جاء به الرسول بالقبول والانتهاء عما نهى عنه عام باق على عمومه ولذا ذكرها الشيخ في هذا المقام الذي فيه الوقوف عند حدود رسول الله ﷺ دون غيرها والكلام في فعل الغير إذا لم يكن له أصل من الشرع وإلا ولو بالقياس الصحيح فيكون من جملة الشرع المأمور بسلوكه ففي حديث عائشة مرفوعاً من أحدث من ديننا هذا ما ليس منه فهو رد عليه. قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي بلاء ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة قال أبو حيان وظاهر الأمر الوجوب فلذا جعل في مخالفته إصابة الفتنة أو العذاب الأليم وأقول: الأولى: إبقاء الأمر على عمومه فإن من تعمد مخالفة السنن يؤول به ذلك إلى الفتنة بترك الفرائض ويؤول به ذلك إلى العذاب الأليم والله أعلم.
قوله: (وقد قدمنا في كتاب الجنائز الخ) وقد عقدت معنى ما قاله هذا الولي الكبير في قولي:
стр. 1923
طُرُق الهدى، ولا يضرك قِلَّةُ السالكين، وإياك وطرقَ الضلالة، ولا تغترَّ بكثرة الهالكين، وبالله التوفيق.
فصل: وأما إكرام الداخل بالقيام، فالذي نختاره أنه مستحب لمن كان فيه فضيلة ظاهرة من علم أو صلاح أو شرف أو ولاية مصحوبة بصيانة، أو له ولادة أو رحم مع سن ونحو ذلك، ويكون هذا القيام للبِرِّ والإكرام والاحترام، لا للرياء والإعظام، وعلى هذا الذي اخترناه استمر عمل السلف والخلف، وقد جمعت في ذلك جزءاً جمعت فيه الأحاديث والآثار وأقوال السلف وأفعالهم الدالة على ما ذكرتُه، ذكرتُ فيه ما خالفها، وأوضحتُ الجواب عنه، فمن أشكل عليه من ذلك شيء ورغب في مطالعة ذلك الجزء رجوتُ أن يزول إشكاله إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
ــ
عليك بالخير ولا تكترث ... بقلة السارين في ذا السنن
واحذر من الشر ولا تغترر ... بكثرة الأشرار يا ذا السنن
فصل
قوله: (أما إكرام الداخل بالقيام الخ) قال بعض المتأخرين من المحققين القيام تجري فيه الخمسة الأحكام فيجب عند خوف الضرر بتركه ومن الضرر التباغض والتدابر المنهي عنه بقوله ﷺ : "لا تباغضوا ولا تدابروا" وقد صرح بوجوبه في هذه الأزمنة الأذرعي قال: دفعاً للعداوة والتقاطع كما أشار إليه ابن عبد السلام فيكون من باب درء المفاسد ويندب لذي فضيلة ظاهرة من علم أو صلاح أو شرف بقصد الإكرام لا بقصد الرياء والإعظام ويحرم لنحو كافر لا يخشى من ترك القيام له محذوراً ويكره لذي فسق كذلك ويباح فيما سوى ذلك. قوله: (وقد جمعت في ذلك جزءاً الخ) ناقشه في كثير مما ذكره فيه ابن الحاج في مدخله بما لا يسلم له في الغالب والله أعلم قال المصنف "لم يصح في النهي عن القيام شيء صريح" اهـ، ثم يحرم على الداخل محبة القيام له على وجه المفاخرة
والتطاول على الأقران وعليه يحمل حديث من أحب أن يتمثل له النّاس قياماً فليتبوأ مقعده من النار أما من أحب
стр. 1924
فصل: يستحب استحباباً متأكداً: زيارة الصالحين، والإخوان، والجيران، والأصدقاء، والأقارب، وإكرامهم، وبِرهم، وصلتهم، وضبط ذلك يختلف باختلاف أحوالهم ومراتبهم وفراغهم. وينبغي أن تكون زيارته لهم على وجه لا يكرهونه، وفي وقت يرتضونه. والأحاديث والآثار في هذا كثيرة مشهورة.
ومن أحسنها ما رويناه في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى، فأرصد الله تعالى على مَدْرَجته مَلَكاً، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة ترُبُّها؟ قال: لا، غير أني أحببتُه في الله تعالى، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله تعالى قد أحبك كما أحببته فيه".
قلت: مدرجته بفتح الميم والراء والجيم: طريقه. ومعنى تربُّها: أي تحفظها وتراعيها وتربيها كما يربّي
ــ
ذلك إكراماً له على الوجه المذكور لكونه صار شعاراً في هذا الزمن لتحصيل المودة فلا كما نبه عليه ابن العماد وغيره.
فصل
قوله: (وينبغي أن تكون زيارتهم الخ) لأن القصد من زيارتهم إدخال السرور عليهم طلباً لثواب الله تعالى وأداء لحقهم فيقيد بما أشار إليه الشيخ. قوله: (ما رويناه في صحيح مسلم -إلى آخر قوله- فأرصد الله على مدرجته) قال في النهاية أي وكله بحفظ المدرجة وهي الطريق وجعله رصداً أي حافظاً معداً وقال المصنف: معنى أرصده أقعده والمدرجة بفتح الميم وإسكان المهملة الأولى وفتح الثانية وبالجيم الطريق كما قاله المصنف في شرح مسلم وسميت بذلك لأن النّاس يدرجون عليها أي يمضون ويمشون. قوله: (هل لك عليه من نعمة تربها) بضم الراء المهملة وتشديد الموحدة أي تحفظها وتراعيها وتربيها كما قال المصنف وبمعناه قوله في شرح مسلم أن يقوم بإصلاحها وينهض إليه بسبب ذلك. قوله: (فقال: لا غير أبي أحببته الله الخ) أي لم أزره
стр. 1925
الرجل ولدَه.
وروينا في كتابي الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ عادَ مرِيضاً، أوْ زَارَ أخاً لهُ في الله تعالى، ناداهُ مُنادٍ بأنْ طِبْتَ وطَابَ مَمْشاكَ، وَتَبَوَّأتَ مِنَ الجَنَّةِ مَنْزِلاً".
ــ
لغرض من أغراض الدنيا ثم أخبر أنه إنما زاره من أجل أنه أحبه في الله فبشره الملك بأن الله قد أحبه كما أحبه فيه ومحبة الله للعبد إكرامه إياه وبره وإرادته الخير به وأن يفعل به فعل المحب من الخير وأصل المحبة في حق العباد ميل القلب والله منزه عن ذلك وتقدم بسط ذلك في شرح خطبة الكتاب، وفي الحديث فضل المحبة في الله وإنها سبب لحب الله تعالى للعبد وفي الحديث المرفوع من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع الله فقد استكمل الإيمان، وفي الحديث زيارة الصالحين والإخوان وفيه أن الآدميين قد يرون الملائكة أي إذا تشكلوا ببعض الصور.
قوله: (وروينا في كتاب الترمذي وابن ماجه) وكذا رواه ابن حبان في صحيحه كلهم من رواية أبي سنان عن عثمان بن سودة عن أبي هريرة كذا في الترغيب للمنذري. قوله: (من عاد مريضاً) سبق فضل عيادة المريض في أبواب الجنائز وهي من القرب المطلوبة المتأكدة بل قال القرطبي في المفهم: إنها من فروض الكفايات لأن المريض لو لم يعد لضاع سيما إن كان غريباً أو ضعيفاً ومن له أهل يجب تمريضه على من تجب عليه مؤنته فمن قام به منهم سقط عن الباقين اهـ، بمعناه ثم ظاهر عموم الخبر حصول الثواب لمن حصلت منه العيادة وإن أخل ببعض ما لها من الآداب لكن في شرح المشكاة لابن حجر تقييده بمن أتى بما يطلب من العائد باطناً وظاهراً ولا شبهة أن ثوابه أكمل أما كون أصل الثواب المذكور في الخبر موقوفاً على ذلك ففيه نظر. قوله: (ناداه مناد من السماء الخ) وفي كون النداء من السماء حكم: منها الإعلام بعظيم فضل هذا العائد وعيادته فيزداد له الدعاء والاستغفار من الملائكة القائمين بذلك للمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. قوله: (طبت) أي خلقاً وحياة في هذه الدار أي أتيت بما هو من كريم الأخلاق التي بها التواصل بين المؤمنين ويكمل توادهم فتعود بركة صالحهم على غيره (وطاب ممشاك) أي كثر ثواب مشيك إلى هذه العيادة. قوله: (وتبوأت من الجنة منزلاً) أي هيأت
стр. 1926
فصل: في استحباب طلب الإنسان من صاحبه الصالح أن يزوره، وأن يكثر من زيارته
روينا في "صحيح البخاري" عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ لجبريل ﷺ : "ما يَمْنَعُكَ أنْ تَزُورَنا أكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنا؟ فنزلت ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: ٦٤].
ــ
لك من منازل الجنة منزلاً عظيماً ودعا له بصيغة الماضي تفاؤلاً بتحقق المدعو له أي إن الله طيب حلقه بالتنزه عن قبائح الأعمال وردائل الأفعال فلا تصدر منه إلا الصفات الصالحة والأخلاق الكريمة وعيشه في الدنيا فلا يقع في فتنة ولا نقيصة ولا رذيلة وممشاه بسلوك طريق الآخرة للإتيان بها على كمالها وفي الآخرة برفعته إلى منازل الأبرار ونعيم الأخيار وأصل الطيب ما تستلذه الحواس ثم استعير للتحلي بحليتي العلم والعمل والتخلي عن رذيلتي الجهل والزلل.
فصل
قوله: (روينا في صحيح البخاري) قال السيوطي في أسباب النزول: أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: أبطأ جبريل في النزول أربعين يوماً فذكر نحوه أي نحو حديث البخاري المذكور. قوله: (﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ إلخ) قال في النهر القصد الإشعار بملك الله تعالى الملائكة وأن قليل تصرفهم وكثيره إنما هو بأمره وانتقالهم من مكان إلى مكان إنما هو بحكمته إذ الأمكنة له وهم له اهـ، والله أعلم.
стр. 1927
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب تشميت العاطس وحكم التثاؤب
ــ
باب تشميت العاطس وحكم التثاؤب
تشميت العاطس أن يقال له يرحمك الله ويقال بالسين المهملة وبالمعجمة لغتان مشهورتان قال الأزهري: قال الليث: التشميت ذكر الله تعالى على كل شيء ومنه قولك للعاطس يرحمك الله وقال ثعلب: سمت العاطس وشمته إذا دعوت له بالهدي وقصد السمت المستقيم قال: والأصل فيه السين المهملة فقلبت شيناً معجمة قال صاحب المحكم: تسميت العاطس معناه هداك الله إلى السمت قال: وذلك لما في العاطس من الانزعاج والقلق قال أبو عبيد وغيره: الشين المعجمة أعلى اللغتين قال ابن الأنباري: يقال منه سمته وشمت عليه إذا دعوت له بخير وكل داع بالخير فهو مسمت ومشمت قاله المصنف في شرح مسلم وقال القاضي عياض أصل التشميت أي بالمعجمة الشماتة فاستعمل للدعاء بالخير لتضمنه ذلك اهـ. وفي شرح المشكاة لابن حجر التشميت بالمهملة والمعجمة أي الدعاء بالخير والبركة من السمت أو الشوامت وهي القوائم كأنه دعاء للعاطس بحسن السمت والهدى أو بالثبات على الطاعة وقيل معناه ابعدك الله عن الشماتة اهـ. أي لا جعلك الله في حال يشمت بها أو أنه إذا حمد الله أدخل على الشيطان ما يسوءه فقد شمت هو بالشيطان قال ابن العربي: تكلم أهل اللغة على اشتقاق اللفظين ولم يبينوا المعنى فيه وذلك بديع وذلك أن العاطس ينحل عن عضوه من رأسه وما يتصل به من العنق ونحوه فكأنه إذا قيل له: رحمك الله كان معناه أعطاك رحمة يرجع بها بدنك إلى حاله قبل العطاس ويقيم على حاله من غير تغير فإن كان بالمهملة فمعناه رجع كل
стр. 1928
روينا في "صحيح البخاري" عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ
ــ
عضو إلى سمته الذي كان عليه وإن كان بالمعجمة فمعناه صان الله شوامته أي قوائمه أي التي بها قوام بدنه عن خروجها عن الاعتدال وشوامت كل إنسان قوائمه وصدره اهـ. نقله السيوطي في مرقاة الصعود والتثاؤب بالفوقية والمثلثة أي وبالهمز بعد الألف قال في المغرب الهمزة بعد الألف هو الصواب والواو غلط اهـ. وكذا ذكره شارح للمصابيح ولم يذكر في القاموس تثاءب إلا في المهموز وقال المصنف في شرح مسلم وقع في بعض النسخ تثاءب بالمد وفي أكثرها تثاوب بالواو قال القاضي عياض قال ثابت ولا يقال تثاءب بالمد مخففاً بل تثأب بتشديد الهمزة قال ابن دريد أصله من تثأب الرجل بالتشديد إذا استرخى وكسل وقال الجوهري يقال تثاءبت بالمد مخففاً على تفاعلت ولا يقال تثاوبت والاسم منه الثوباء ممدودة اهـ. وفي فصل الثاء المثلثة مع الواو من المصباح المنير تثاءب بالهمز تثاؤبا وزان تقاتل قيل هي فترة تعتري الشخص فيفتح عندها فمه وتثاوب بالواو عامي اهـ. وقال الكرماني التثاؤب بالهمز على الأصح وقيل بالواو بوزن التفعل النفس الذي ينتفخ منه الفم من الامتلاء وثقل النفس وكدورة الحواس ويورث الغفلة والنسيان ولذا ورد ما تثاءب نبي قط ولذا أحبه الشيطان
اهـ. وهذا الحديث أخرجه ابن أبي شيبة والبخاري في تاريخه من مرسل يزيد بن الأصم قال: ما تثاءب النبي ﷺ وأخرج الخطابي من طريق مسلمة بن عبد الملك بن مروان قال: ما تثاءب نبي قط ومسلمة أدرك بعض الصحابة وهو صدوق كذا في مرقاة الصعود وفي النهاية التثاؤب مصدر تثاءب والاسم الثوباء اهـ. قوله: (روينا في صحيح البخاري الخ) في الجامع الصغير حديث أن الله تعالى يحب العطاس ويكره التثاؤب رواه البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة وفي الجامع أيضاً حديث إذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع فإن أحدكم إذا قال ها ضحك منه الشيطان رواه البخاري عن أنس وفي رواية لأحمد والشيخين وأبي داود عن أبي سعيد بلفظ إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه فإن الشيطان يدخل مع التثاؤب وفي رواية لابن ماجه عن أبي هريرة إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه لا يعوي فإن الشيطان يضحك منه وفي رواية للبيهقي عن عبادة بن الصامت وغيره إذا تجشى أحدكم أو عطس فلا يرفع بهما الصوت فإن الشيطان يحب أن يرفع بهما الصوت
стр. 1929
قال: "إنّ الله تعالى يُحِبُّ العُطَاسَ، وَيكْرَهُ التَّثاوبَ، فإذا عَطَسَ أحَدُكُمْ وَحَمِدَ اللهَ تعالى، كان حَقّاً على كُل مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أنْ يَقُولَ لهُ: يَرْحَمُكَ الله.
ــ
وفي رواية للحاكم والبيهقي عن أبي هريرة إذا عطس أحدكم فليضع كفيه على وجهه وليخفض صوته اهـ. قوله: (يحب العطاس) بضم العين مصدر عطس كنصر ينصر وضرب يضرب وفي المصباح عطس عطساً من باب ضرب وفي لغة من باب قتل اهـ. وفي بعض نسخ الحصن أنه من باب علم وفي الحرز أنه تحريف الكتاب ومحبة العطاس لأنه سبب خفة الدماغ وصفاء القوى الإدراكية فيحمل صاحبه على الطاعة. قوله: (ويكره التثاؤب) وكراهته لأنه يمنع صاحبه من النشاط في الطاعة وفيه الغفلة ولذا يفرح به الشيطان أي يكره ما يدعو إلى التثاؤب فإنه إنما يتولد من كثرة الأكل والشرب وفي ذلك استرخاء للبدن والتكسل عن الطاعة وإلا فكلا الأمرين العطاس والتثاؤب ليسا في قدرة الإنسان ولكن لما كان الأول ينشأ حيث لا عارض من نحو زكام عن خفة الجسم لقلة الاختلاط وخفة الغذاء وهو مما يندب إليه كان محبوباً ولما كان الثاني ينشأ عن ضده كان مكروهاً وهذا حاصل قول المصنف الآتي قال العلماء معناه أن العطاس سببه محمود والتثاؤب بضده. قوله: (كان حقاً على كل مسلم سمعه الخ) المراد من الحق فيه الندب المتأكد لا الوجوب كحديث غسل الجمعة حق على كل محتلم أي متأكد والصارف له عن الوجوب الذي قيل به أخذا بظاهر الخبر وما في معناه ما قام عنده مما يعارضه وقيل إنه فرض عين وقيل فرض كفاية ولا يخالف قوله في الخبر على كل مسلم ما قرروه من أن التشميت سنة كفاية لأن المخاطب بسنة الكفاية كفرضها الجميع ويسقط الطلب بفعل البعض ثم لما كان العطاس محموداً لما ذكرنا طلب الحمد على التوفيق لسببه فإذا أتى به العاطس طلب لمن سمعه أن يقول: يرحمك الله فإن كان السامع واحداً كان سنة عين وإلا فسنة كفاية أما من لم يسمعه فلا يتوجه عليه الأمر وفي شرح السنة ينبغي أن يرفع صوته بالتحميد حتى يسمع من عنده ويستحق التشميت اهـ. ويستحب للعاطس أن يجيب من شمته بنحو يهديك الله ويصلح بالك أو يغفر الله لك وسيأتي لهذا مزيد بيان أواخر الباب (قال ابن دقيق العيد: من فوائد التشميت) تحصيل المودة والتآلف
стр. 1930
وأمَا التَّثاوبُ، فإنَّمَا هُوَ مِنَ الشيْطانِ، فإذا تَثاءَبَ أحَدُكُمْ، فَلْيرُدَّهُ ما اسْتَطَاعَ، فإن أحَدَكُمْ إذا تثاءب ضَحِكَ مِنْهُ الشيطَانُ".
قلت: قال العلماء: معناه: أن
ــ
بين المسلمين وتأدب العاطس بكسر النفس عن الكبر والحمل على التواضع لما في ذكر الرحمة من الإشعار بالذنب الذي لا يعرى عنه إنسان إلا من عصم الله وظاهر الحديث أن السنة لا تحصل إلا بالمخاطبة وما اعتاده كثير من قولهم يرحم الله مولانا فخلاف السنة قال: وبلغني عن بعضهم أنه شمت رئيساً فقال: يرحمك الله يا مولانا فجمع بين الأمرين. قوله: (وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان) قال في النهاية جعله من الشيطان كراهية له لأنه إنما يكون مع ثقل البدن وامتلائه واسترخائه وميله إلى الكسل والنوم وإضافته إلى الشيطان لأنه الذي يدعو إلى إعطاء النفس شهوتها وأراد به التحذير من السبب الذي يتولد منه وهو التوسع في المطعم والشبع فيثقل عن الطاعات ويكسل عن الخيرات اهـ. وقال ابن بطال معنى الإضافة إلى الشيطان إضافة إرادة ورضا أي أنه يحب تثاؤب الإنسان لأنه حال تغير الصورة فيضحك من جوفه لا أن الشيطان يفعل التثاؤب في الإنسان إذ لا خالق إلا الله وكذا كل ما نسب إليه كان إما بمعنى الوسوسة اهـ. قوله: (فإذا تثاءب) أي أراد أن يتثاءب أو الماضي فيه بمعنى المضارع أشار إليه الكرماني ثم هو بالهمزة بعد الألف اللينة وأما قول بعضهم تثاوب بالواو في محل الهمزة فغلط عليه المطرزي والجوهري والفيومي في المصباح كما تقدم قال السيوطي في التوشيح زاد الترمذي وغيره في الصلاة قال العراقي: فيمكن حمل الروايات المطلقة عليه ويمكن خلافه وأنه في الصلاة أولى وبالثاني جزم ابن العربي والنووي اهـ. قوله: (فليرد ذلك) أي إما بوضع اليد على الفم وإما بتطبيق الشفتين وهو الذي عبر عنه بالكظم في رواية أخرى وذلك لئلا يبلغ الشيطان مراده من الضحك عليه من تشويه صورته أو من دخوله فمه كما جاء في بعض الروايات. قوله: (ضحك منه الشيطان) قال الكرماني الظاهر أنه على الحقيقة لأنها الأصل ولا ضرورة تدعو إلى العدول عنها قال شيخ الإسلام زكريا في شرح البخاري ولكون التثاؤب فرح الشيطان قالوا لم يتثاءب نبي
следующие страницы →